تحميل رواية غابة الذئاب من صراع الذئاب بقلم ولاء رفعت علي pdf
بقلم ولاء رفعت علي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يتسلط ضوء الكاميرا علي تلك الحسناء ذات الشعر البني اللامع، ترتدي ثياب رسمية و تمسك بين يديها بطاقات مدون علي ظهرها شعار القناة الفضائية ذات الثلاثة أحرف و إسم البرنامج الشهير«كلام الناس»، أفترقت شفتيها ذات الحُمرة القانية لتبدأ في إلقاء المقدمة: " الليلة ضيفنا من ألمع النجوم علي ساحة البيزنس،يتربع عرش سوق رجال الأعمال منذ سنين، أثار الجدل من تمن سنين و دارت حواليه الشائعات، لقبه الملك و هو يستحقه عن جدارة لأنه أثبت قوته و أصبح من أشهر رجال الأعمال علي مستوي الوطن العربي و مش بس كده علي المستوي ا...
رواية غابة الذئاب من صراع الذئاب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ولاء رفعت علي
🐺 غابة الذئاب «ما بعد العهد» 🐺
"الجزء الثالث من رواية صراع الذئاب"
بقلم: ولاء رفعت علي
عادت إلي الداخل لتجده يضع يده علي مقبض باب غرفة النوم و كاد يفتحه، أوقفته بتوسل:
"قصي استني".
استدار إليها و نظر إليها بإستفهام و نظرة قاتلة في آن واحد، يرفع هاتف شقيقه يسألها بنبرة جعلتها غير قادرة علي النظر إليه:
"بيعمل إيه ده هنا؟".
رفعت وجهها و ابتلعت لعابها، خفقات قلبها تدوي كصوت مطرقة الحداد، تسأله بتوسل:
"ممكن تيجي و هافهمك كل حاجة بالعقل؟".
هز رأسه و يجز علي أسنانه و نظرة لا تبشر بخير علي الإطلاق، خلع سترته و ألقاها جانباً و يليها ساعة يده ثم قام بفك أزرار أكمام قميصه ليثني كل كم علي حده إلي أعلي:
"ما تقلقيش دورك جاي بس لما أحاسب الو... اللي جوة الأول".
أنهي وعيده بإدارة مقبض الباب فوجده موصداً من الداخل، صاح بأمر و تهديد:
"أفتح الباب بدل ما أكسره فوق دماغك".
شهقت الأخري بذعر و توسلت إليه بنبرة علي مشارف البكاء:
"قصي أرجوك مش عايزة فضايح، إحنا في كمبوند محترم و الجيران هنا يعرفوني".
اقترب منها بخطي بطيئة و هي تتراجع إلي الخلف رويداً رويداً، يرفع إحدي حاجبيه يسألها بتهكم:
"و لما أنتِ خايفة من الفضايح، طليقك قاعد هنا معاكِ بيعمل إيه؟، هي دي الأخلاق و الأصول اللي ربناكِ عليها أنا و باباكِ الله يرحمه يا بنت رسلان العزازي!".
أوقفها الحائط الذي التصق به ظهرها:
"أقسم بالله أنت فاهم غلط، كل الحكاية إنه كان عندي في المكتب و فجأة اغمي عليا و محستش بنفسي غير النهاردة لما فوقت من التعب، هو مارضاش يسيبني لوحدي أنا و العيال".
لم يصدق حرفاً من ما تفوهت به، بل و هناك بسمة ساخرة علي ثغره يتبعها قوله:
"العيال اللي بعتيهم علي النادي عشان تاخدوا راحتكم مش كدة!".
كان يونس يستمع إلي الحوار الدائر بينهما فخرج إليه غير مكترث إلي مظهره المثير للشك:
"لاء مش كدة يا قصي، و ياريت تسمع و...
كانت خطواته في سرعة الفهد حيث قام بقطع حديثه بلكمة قوية و صاح بها و يسدد إليه لكمة تلو الأخري، فكان الأخر لم يستطع تفاديها أو الدفاع عن نفسه، فكان يمسك بالمنشفة حتي لا تسقط:
"اسمعك و أنت خارج لي بالفوطة!، ما خلاص أنا فهمت كل حاجة".
صرخت كارين ببكاء:
"كفاية بقي سيب أخوك حرام عليك".
تركه و استدار إليها يرفع سبابته أمام وجهها محذراً إياها:
"مش عايز أسمع صوتك ده خالص، كان ليه الطلاق من الأول و حرقة الدم اللي عيشتينا فيها ما دام بتحبيه و مش قادرة علي بعده أوي كدة".
برغم ما تشعر به من شفقة نحو يونس الذي يحاول أن ينهض و يضع يده علي آثار قبضة شقيقه، لكن ما حدث للتو و ما ألقاه قصي علي سمعها جعلها تنظر إليه بعتاب و لوم ثم عادت ببصرها إلي قصي و صاحت:
"لاء هاتسمعني، أنا ما أنكرش إن بحبه بس مش هرجع له لأن صعب أسامحه، و ما حصلش أي حاجة من اللي أنت فهمتها و اللي حصل كل اللي حكيته لك، مش عايز تصدق براحتك".
وضع يديه علي جانبي خصره و يجز بقوة علي فكه الذي برزت حواف عظامه، لا يدرك الحالة الذي يقع تحت تأثيرها للتو:
"أنا ياما صدقت و أديت الثقة و في الأخر ما باخدش غير الكدب و الخداع منكم".
نظرت إليه تحاول فهم ما تحدث به الآن، لا تعلم كم الحزن الدفين الذي بداخله و صراع قلبه و عقله حيال الأمر الذي عزم عليه نحو زوجته، وجدته كارين يردف قائلاً:
"و بتزعلوا من ردة فعل الواحد اللي بتبقي نتيجة أفعالكم أنتم من البداية".
استطاع يونس أخيراً أن يتحدث و ينتهز تلك الفرصة:
"بما أنك مش عايز تصدق كلامها و لا عايز تسمعني، تقدر تكلم المأذون و خليه يجي و أنا هاردها حالاً لو كان ده يرضيك".
"لاء، مش هيحصل".
صاحت بها و كأن قد لدغها عقرب حين تحدث الأخر بالذي سبق، فطن قصي ما وراء هذا المطلب، فقال مُعقباً:
"أنا هقولكم علي حل يراضي الجميع".
نظر إليها و أخبرها بأمر:
"روحي غيري هدومك و تعالي".
ظنت إنه سوف يأخذها عنوة إلي المأذون، فصاحت بسخط:
"قولت لك مش هرجع له".
ضيق يونس عينيه بحنق من رفضها العودة إليه، فقال ليقوم بوضعها في مأزق صعب التملص منه:
"و اللي حصل ما بينا في المطبخ قبل ما أخويا يجي و الرخامة تشهد ده كان يبقي إيه!".
حدق إليها قصي بنظرة آتية من الدرك الأسفل، فصرخت بإنكار:
"كداب، و الله ما حصل حاجة أزيد إنه فضل يضحك عليا بكلمتين و من غير ما أحس لاقيتني في حضنه و باسنـ...
ابتلعت الكلمة بعد أن أدركت فداحة ما نطقت به، ابتسم يونس بإنتصار و رمقها بغمزة من عينه، أخذ قصي ينظر إليه تارة ثم إليها تارة أخري و بأمر جاد قال إليها:
"روحي غيري هدومك".
حدقت إليه بإمتعاض و سألته:
"أنت برضو عايز ترجعني ليه؟".
جز علي أسنانه و أخبرها من بينها:
"اسمعي اللي بقولك عليه يلا".
فعلت كما أمرها، فنهض يونس قائلاً:
"هاروح أنا كمان ألبس هدومي".
صاح الأخر بأمر:
"خليك مكانك أحسن لك".
أطلق الأخر زفرة بضيق، لا يريد سبر أغوار شقيقه حتي لا يضيع عليه فرصة العودة إلي زوجته، ظناً منه إنه سوف يأخذ كليهما إلي المأذون و من ثم بعد ذلك إلي قصر العزازي التي تملكه هي!
و بعد قليل، خرجت كارين من الغرفة بعد أن ابدلت ثيابها و تمسك بحقيبة يدها، قالت علي مضض:
"أنا جاهزة".
ألتقط قصي سترته و قام بإرتدائها و تناول متعلقاته، جذبها من يدها قائلاً:
"أنتِ ملكيش قعاد هنا تاني لوحدك، هانعدي علي الولاد في النادي و هاخدكم تقعدوا عندي ".
نهض يونس بصعوبة و صاح مُعترضاً:
"نعم يا أخويا واخدها علي فين!".
باغته الأخر بلكمة جعلته ارتد بقوة علي الكرسي و أجاب بسخرية:
"ملكش دعوة و ابقي خليك جمب هدومك لحد ما تنشف".
أمسك كارين من يدها و غادر المنزل، و قبل أن تعبر الباب ألقت نظرة عليه تجمعت بها كل المشاعر من حب و غضب، حزن و عتاب، و هذا ما تشعر به أيضاً كلما تتذكر أمر زواجه من الأخري حتي لو كان كما أخبرها إنه مجرد زواج علي ورق فقط.
༺༻
أشار إلي إحدى رجاله نحو الكرسي، ذهب الأخر و أتي إليه به فجلس عليه بعنجهية و تكبر قائلاً:
"أحلي حاجة فيك يا عم صابر إنك فاكر نفسك ذكي و عامل فيها ملاك بجانحين اللي بتنقذ علا و ابنها من الأشرار، صح و لا إيه؟".
تظاهر بعدم العلم و قال:
"علا مين يا باشا، أنا معرفش حد بالإسم ده، و أنا قاعد طول النهار هنا ما بتحركش من مكاني إلا لما بيكون فيه مشاوير".
رفع الأخر زاوية فمه بتهكم:
"مش بقولك أنك فاكر نفسك ذكي، عيب عليك لما تخلي الخدامة تحط منوم في الشاي للرجالة".
ألتفت إلي الذي يقف علي يمينه و أشار إليه، فذهب إلي الخارج و أتي جاذباً الخادمة من ذراعها و ألقاها علي الأرض، نظرت بخوف عندما رأت أحمد ثم حدقت إلي صابر بحزن و أسف، رأي علامات أصابع فوق خديها، يبدو إنها تعرضت إلي العنف و الضرب علي يد أحمد الذي أردف:
" رايح تَهرب علا و ابنها و ما أخدتش بالك إن فيه كاميرات في كل مكان، جايباك أنت و الهانم و ابنها!".
ابتلع الأخر لعابه و أخبره:
"أيوه أنا اللي ساعدتها تهرب، عشان يسري بيه الله يرحمه وصاني عليها، كان قلبه حاسس أو كان متأكد أنك هتأذيها أنت و شيريهان هانم، و كان لازم أنقذها هي و ابنها".
جذبه أحمد من تلابيب قميصه و أخبره بتهديد:
"ما أنت بالذوق و الأدب هاتقولي وديتها فين عشان أنا ماسك نفسي عنك بالعافية و عشان خاطر بابا الله يرحمه، لكن هاتعملي فيها عم الشهم و الجدع هخلي الرجالة ياخدوك علي المخزن اللي ورا هيخلوك تقولهم علي المكان بمعرفتهم و أنت بطلع في الروح".
حدق إليه هذا المسكين بتوسل لعل يجد داخل قلبه قليلاً من الرحمة:
"بالله عليك يا بني سيبها في حالها دي يتيمة الأب و الأم و أخوها الوحيد متغرب، يعني مالهاش غير ربنا و ابنها ربنا يشفيه و يعافيه، مش كفاية اللي جري لست روح الله...
"أحمد بتعمل إيه عندك؟".
قاطعت السيدة شيريهان توسله، فتركه الأخر و ألتفت إلي والدته قائلاً:
"طلع هو اللي هرب علا و ابنها و مش عايز يقول راحت فين".
عاد ببصره إليه بوعيد و أردف:
"و هو بقي اللي إختار الطريقة التانية عشان يتكلم، خدوه".
أشار إلي رجاله و سرعان تحركوا نحو العم صابر الذي حدق السيدة شيريهان بتوسل و نظرة أخري قد أدركت ما خلفها فصاحت:
"وقف عندك أنت و هو محدش يقرب له".
نظر ابنها إليها بتعجب، فأومأت إليه بعينيها بمعني أن ينتظر ريثما تنفرد لتخبره السبب ثم قالت إلي العم صابر:
"روح أنت يا عم صابر، و بعتذر لك عن أي تصرف مش كويس صدر من أحمد".
نظر إلي أحمد ثم إلي والدته بقلق و حزن:
"ربنا يخليكِ يا شيري هانم".
أشارت الأخري إلي إحدى الحراس و أمرته قائلة:
"وصل عم صابر لحد باب البيت".
رفع الأخر يده بإمتنان:
"مفيش داعي يا ست هانم".
ابتسمت إليه فحدق إليها بقلق، فتلك الإبتسامة يعلم جيداً ما تخفيه خلفها من وجه أخر!
"علي راحتك يا صابر، المهم ما تكونش لسه زعلان".
رمق بتوتر إليها و هز رأسه برفض قائلاً:
"خلاص يا شيري هانم، مفيش حاجة".
ذهب في الحال، نظرت الأخري نحو الحراس و أخبرتهم بأمر:
"كله يروح علي مكانه".
فسألها الحارس الذي يمسك الخادمة:
"و البنت دي يا هانم؟".
رمقت الفتاة بازدراء ثم قالت إلي الأخر:
"خلي تاخد حاجتها و تمشي من هنا، مش عايزة أشوف وشها تاني".
دفعها الرجل بعنف:
"سمعتِ الهانم بتقول إيه؟، يلا أنجري قدامي".
أصبحت منفردة بإبنها الذي يرمقها بتعجب و يسألها:
"ممكن تفهميني إيه اللي حصل دلوقت، و تفسري ليه مشيتي صابر؟".
عقدت ساعديها أمام صدرها و أخبرته بحنكة:
"ما أنت عشان طول عمرك متهور و إيديك سابقة مخك عمرك ما هتتقدم خطوة، سر أبوك كان ديماً بيبقي مع صابر، و متأكدة إنه عارف وصية باباك عشان كدة ساعد علا تهرب، و مليون في المية مش هيسيبها، أولاً أول ما هيمشي من هنا أول حاجة هيعملها هايروح يطمن عليها".
تركت ذراعيها بحُرية و تقدمت نحو النافذة تلقي نظرة إلي الخارج ثم تسطرد:
"أنا بعت واحد من رجالتنا يراقبه من غير ما يحس، و بكدة نقدر نوصلها من غير ما تهدده أو تمد إيدك عليه و لا حتي تخلي رجالتك يضربوه و ممكن كان جري له حاجة ساعتها هانروح بسببك في ستين داهية".
غر فاه و هو ينصت إلي والدته و كيف تتمتع بدهاء و مكر، استدارت و سارت إليه لتقف و تضع يدها علي كتفه:
"اللي عمله صابر مالهوش غير تفسير واحد، إن باباك كتب ثروته كلها لحمزة ابن أخوك، بيعاقبنا و في نفس الوقت بيعوض حفيده عن فقدان أبوه و كمان حاسس بالذنب إن اللي حصل لأخوك الله يرحمه هو السبب فيه لما طاوعه و وافق إنه يبعد عن هنا و يعيش لوحده خصوصاً بعد موت البت اللي كان متجوزها".
ابتعدت بضع خطوات و جلست علي الكرسي، قبل أن تتفوه بكلمة سألها الأخر:
"لو أنتِ اللي بتقوليه ده كله صح، دي تبقي كارثة كبيرة وقعت فوق دماغنا، طب و الحل؟ ".
ابتسامة ثعلب ماكر تلوح علي شفاها الرفيعة، يليها إجابة يشوبها أمر محسوم:
"الحل الوحيد إنك تتجوزها".
༺༻
"كُل يا قصي و سيبك من الهباب اللي في إيدك ده، مش عارفة بتقعد عليه إزاي ده يعمي العين يا حبيبي".
قالتها الجدة إلي ابن حفيدتها، حيث يجتمعون حول مائدة الطعام، دنيا تجلس في صمت و تمسك الملعقة تقلب في طبق الحساء الذي أمامه دون أن تشرب منه رشفة واحدة، بينما رد الصغير قائلاً:
"مش بيعمل حاجة يا نناه لأنه شاشته LED".
أشارت إليه نحو أذنيها تسأله بعدم فهم:
"إيه؟، يعني إيه البتاعة اللي بتقول عليه ده؟".
ملئ وجنتيه بالهواء و أطلق زفرة بضجر ثم أخبرها بحدة:
"ممكن يا نناه تبطلي أسئلة عقبال ما أخلص الـ game".
و برغم شرودها لكنها انتبهت إلي رد صغيرها الغير مهذب علي جدتها، فأختطفت من يده الهاتف و ألقت عليه بأمر شديد اللهجة:
"قوم يلا من هنا و أدخل الأوضة ".
صاح الصغير متمرداً:
"أنتِ أخدتي مني الفون ليه؟".
قامت بتوبيخه و بصوت أجفل صغيريها:
"اسمها حضرتك، أنا نبهتك كذا مرة إنه إزاي ترد علي اللي أكبر منك بإحترام سواء نناه و لا أنا، جزاء ليك مفيش فون خالص لمدة أسبوع ".
نهض من مكانه و صاح مرة أخري:
"خديه مش عايز منك حاجة، أنا لما هاشوف بابي هقوله يجيب لي واحد جديد".
و في ذلك الحين قد تملك منها الغضب، أشارت إليه نحو الغرفة و بأمر قالت إليه:
"أدخل جوة".
عقد ساعديه الصغيرين أمام صدره و بتحدي أخبرها:
"مش داخل".
تدخلت الجدة قائلة عندما رأت الغضب في عيني حفيدتها و تخشي أن تطلقه علي صغيرها:
"خلاص يا دنيا، هو هيسمع الكلام، تعالي يا حبيبي أقعد كمل أكلك".
حدق الصغير إلي الجدة بإمتعاض و قال:
"محدش ليه دعوة بيا، أنا مش عايز أقعد هنا، عايز أروح عند بابي".
باغتته والدته بلطمة علي خده لا تدرك كيف فعلتها، شهقت الجدة ثم قامت بتوبيخ حفيدتها:
"أنتِ غبية يا بت!، فيه حد عاقل يضرب ابنه علي وشه بالغباء ده!".
احتضنت الصغير الذي أجهش في البكاء، أخذت تربت عليه:
"معلش يا حبيبي".
كانت الأخري بعد ما أقترفت ما حدث للتو، ظلت تنظر إلي يدها ثم إلي صغيرها، لم تستطع التحدث أو قول شئ، تركتهم جميعاً و ركضت إلي داخل الغرفة و أغلقت الباب لتنفرد بنفسها، أطلقت العنان لعبراتها الأسيرة.
و في الخارج كانت الجدة تعانق الصغير و تقبل رأسه:
"حقك عليا أنا يا حبيبي، معلش أمك مكنتش تقصد".
رفع وجهه و رمقها بأعين باكية قائلاً:
"أنا عايز أروح عند بابي، كلميه يجي ياخدني".
عقبت بصوت خافت لا يسمعه أحداً سواها:
"أبوك منه لله مطرح ما هو قاعد، اللهي يتقهر و يحزن علي نفسه زي ما قهر قلب أمك الغلبانة و من وقت ما جت ما بطلتش عياط و لا طايقة نفسها، اه لو كان فيا حيل كنت روحت له و نزلت بالعكاز علي دماغه".
نظرت إلي أعين الصغير الذي يتوسل إليها باكياً، أومأت إليه و تظاهرت بالموافقة:
"حاضر أنت بس أهدي و بطل عياط و روح أغسل وشك، و بعدين تعالي كمل أكلك و أنا اللي هاخدك بنفسي و أوديك ليه".
توقف عن البكاء لكنه يشهق من حين إلي أخر حتي هدأ قليلاً و فعل كما قالت إليه الجدة و التي نهضت حيث ذهبت تستند علي العصا المعدنية، دخلت إلي حفيدتها و عندما رأت ملامحها الباكية و حالها الذي يرثي إليه، شعرت بوخز في قلبها، ذهبت إليها و بمجرد أن جلست بجوارها ارتمت الأخري بين ذراعيها، تبكي و تتحدث بألم نابع من قلب جريح يزيده البعاد رهقاً:
"مش قادرة يا تيتا، مش قادرة أستحمل اللي بيحصل معايا، أنا حاسة بموت بالبطئ، مش قادرة أكرهه برغم كل اللي حصل".
أخذت تربت عليها و ذرفت عينيها دموعاً حزناً علي حال حفيدتها:
"يا حبيبتي يا بنتي ما تعمليش في نفسك كدة عشان خاطري، فين دنيا اللي كانت ما بتبطلش ضحك و هزار و أي حاجة بتزعلها ترميها ورا ضهرها".
رفعت وجهها و رمقتها في أسوأ لحظات ضعفها و الشجن يفيض من عينيها:
"ده كان زمان قبل ما أقابله و نتجوز، أول ما شوفته و بعدها جه طلب إيدي مكنتش مصدقة نفسي، قولت معقولة بحلم، واحد زيه راجل جدع و شهم و وسيم و غني، أدالي كل شئ ما عدا أهم حاجة، قلبه اللي بعد ٨ سنين جواز، أكتشف إنه عمره ما كان ليا، لواحدة باعته بالرخيص و لسه مخليها علي ذمته لحد دلوقت".
وضعت الجدة يديها المليئة بخطوط تركها الزمان علي خديها تمسح سيل دموعها:
"أنا من أول يوم جه فيه هنا و قلبي عمري ما كان مرتاح له، كأنه كتاب مفتوح قدام عيني لكن لما لاقيته كويس معاكِ و أنتِ كنتِ مبسوطة، و هو كان في الأول مرحب بيا و بيقولي بعتبرك زي أمي و لما أصر ياخدني أقعد معاكم، هما يومين و ما طقتش أقعد أكتر من كدة، و هو كمان أتغير معايا لما شاف في عينيا إن أنا فاهماه و مش بعيد فاكر إن كنت بسلطك عليه، أصل أنا فاهمة الصنف ده كويس ".
بدأ صوت بكائها يخبو، نظرت إلي أسفل و قالت:
"هو أنا وحشة يا تيتا و أستاهل اللي يجري لي!، أتولدت أمي ماتت و أبويا ملحقتش أشوفه هو كمان، ما أنكرش حنيتك و حبك و خوفك عليا، بس كنت طول الوقت بدعي ربنا يوم ما أتجوز، ربنا يرزقني بالزوج اللي يعوضني عن اللي أتحرمت منه، لاقيت العكس".
احتضنتها الأخري و أجابت:
"استغفري ربنا يا بنت الغالي، كل واحد فينا مكتوب له قدره و نصيبه اللي بياخده من الدنيا، ما تعلميش الخير فين، بصي لولادك ربنا يبارك لك فيهم، البصة في وشهم بالدنيا و ما فيها، بكرة هيكبروا و هيبقوا سندك و ربنا يجعلهم باريين بيكِ، لكن جوزك ده اللهي ما يشوف راحة...
"بالله عليكِ يا تيتا، بلاش تدعي عليه، أنا دعيت عليه فعلاً بس بعذاب القلب زي ما حصلي، لكن عمري ما أتمني له الأذي أو أي حاجة تحصله، في الأخر هو يبقي أبو ولادي حتي لو مش هرجع له".
تنهدت الأخري و ظلت تنظر إليها في حيرة من أمرها، فسألتها:
"أنتِ عايزة إيه يا دنيا بالظبط؟".
بادلتها بتلك النظرة الحائرة و أجابت:
"هتصدقيني لو قولت لك، أنا معرفش؟".
احتضنتها و علقت قائلة:
"ربنا يطمن قلبك يا بنتي و يرزقك براحة البال، و لو كان ليكِ فيه خير يهديه و يقربوا منك، و لو كان شر يبعدوا عنك و ينساه قلبك قبل عقلك قادر يا كريم".
رددت الأخري:
"يارب ".
أمسكت الجدة بيدها و أخبرتها:
"يلا قومي أغسلي وشك و روحي صالحي ابنك، إياكِ تطلعي تاني خنقتك من أبوه في العيال، و لو شوفتك مديتي ايدك علي واحد فيهم لهمدك بالعكاز ده علي رجليكِ".
ابتسمت رغماً عنها من بين آثار دموعها و أومأت إلي الجدة بنعم، ارتمت بين يديها و عانقتها قائلة:
"ربنا يبارك لنا فيكِ و ما يحرمناش منك".
༺༻
لما يركض المرء خلف السراب و يترك الحقيقة التي بين يدي؛ لأن هذا حال أغلب البشر يسعون إلي كل ما هو صعب المنال و كأن في هذا لذة و متعة، عجباً لقلب يريد من باعه بثمن بخس و يهمل من يدرك قيمته الغالية!
فما بال هذا الذي يتمدد علي الأريكة بكل ما سبق و هو يمكث في المنزل منذ أن غادرت أو بالأحري تركته رغماً عنه حتي يعرف بمكانتها و قدرها.
الطاولة التي أمامه مليئة بزجاجات الخمر الشاغرة، و وعاء زجاجي صغير مليئ بما تبقي من السجائر التي احترقت مثله تماماً، فكان الاحتراق لديه في قلبه الذي جعله يعيش في ظلام و غشاوة تعمي بصره و جعلته الآن خاسراً وحيداً، عاد إلي ظلمة موحشة طالما فر منها منذ سنوات بزواجه من إمرأة لم يستطع أن يسلم إليها قلبه كما استسلم إليها جسده، عاش علي الماضي و بين أطلال حب كان من طرفه هو فقط، يا له من أحمق يريد العيش في وهمٍ من نسيج خياله الوهن و ترك من اغدقت عليه بحبها و حنانها و هو لم يعط إليها سوي القهر و الألم.
تنبيه متكرر لرسائل عديدة واردة إليه، أيقظه من سباته بعد الإنتهاء من شرب كل تلك الزجاجات، يظن احتساء الخمر سيجعله ينسي، و قد أتي بالنقيض حتي أنقذه النوم و قام بإنتشاله من ظلام ذاكرته.
نهض بجذعه العاري، يشعر بألم شديد في رأسه تأثير الثمالة التي كان غارقاً بها الأمس، بحث عن هاتفه فوجده ملقي علي الأرض ما بين الأريكة و الطاولة، مال إلي الأسفل و أخذه، قام بفتحه و لا يري جيداً، ما زال أثر النوم يحجب الرؤية الجيدة لديه، قام بفرك كلا عينيه بباطن كفه، أنقشعت تلك الغيمة من فوق بصره ليري الرسائل و المكالمات الواردة، فتح تطبيق الدردشة الشهير، قام بالضغط علي أول رسالة و كانت صوتية
«كنان بيه ياريت لما تسمع الرسالة تكلمني ضروري فيه حاجة مهمة في الشغل».
و رسالة أخري مرفقة بصورة بمجرد رؤية اسم المرسل و الذي يدعي چايكوب اعتدل و أعطي كامل إهتمامه لرؤية محتواها، قام بفتحها فوجد صورة من خبر في مجلة روسية خاصة بالأخبار عن أشهر رجال الأعمال و الإقتصاد في روسيا، عنوان كبير باللغة الروسية يتصدر المجلة
«محاولة إغتيال القيصر وريث عائلة رومانوف علي يد إحدى عشيقاته»
لم يهتم بتفاصيل أسفل العنوان، لكنه انتبه إلي الصورة المرفقة بالخبر، قام بتكبيرها ليتمكن من رؤيتها، رأي فلاديمير يحتضن سيلينا، لم يصدق عينيه، فتح المتصفح في الحال و بحث عن اسم المجلة، ظل ينتقل من عنوان إلي أخر حتي وصل إلي صفحة الخبر و الصورة أكثر إيضاحاً، خفق قلبه و تدفق الإدرينالين في جسده بقوة، إنها هي بعد محاولات بحث انتهت بالفشل و الآن يراها بين ذراعي أخطر رجال المافيا الروسية، بل و تلقب بعشيقته!
ألقي بالهاتف علي الأريكة و زمجر كالوحش الكاسر، أخذ يلقي كل ما أمامه بعنف، ها هي دعوات زوجته قد استجابت علي وجه السرعة، يشعر بوجع و ألم في قلبه، فهو في حالة مزرية و سيئة للغاية، زوجته أم أولاده تركته و من أحبها و ظل يتوهم عودتها و مازالت زوجته لأنه لم يطلقها بعد، أصبحت عشيقة لرجل آخر من المستحيل الإقتراب منه أو من ممتلكاته، فهو علي دراية بمن هو فلاديمير رومانوف!
༺༻
علي موسيقي الأوبرا الروسية يتناول الطعام علي مائدة كبيرة تضم أربعة و عشرون مقعداً، يترأسها بكل هيبة و هالة مظلمة تحيطه تُخيف كل من يقترب منه.
تسير نحوه فتاة ترتدي زي الخدم، تحمل صينية تعلوها زجاجة خمر مغلفة بوعاء من الخوص، وقفت بجواره، سكبت في الكأس الموضوع علي يمينه ثم ألتفت إلي الجهة الأخري لتترك الصينية و أعلاها الزجاجة علي يساره في صمت و رهبة، صوت دقات فؤادها يصل إلي أذنه، سألته بتوتر:
"هل تريد شيئاً آخر سيدي؟".
أجاب بصوته الرخيم مقتضباً:
"لا".
قاطع هذا الهدوء و الموسيقي، صوت إحدى رجاله قد ولج للتو:
"اعتذر سيدي عن مقاطعة وقت تناول طعامك ".
تناول الأخر محرمة بيضاء و قام بمسح فمه ليخبره بأمر:
"قُل ما لديك".
أومأ الرجل إليه بإجلال ثم قال:
"تم تسريب خبر محاولة إغتيالك و قامت إحدى المجلات الشهيرة بنشره لديهم".
"أعلم ذلك، هل من جديد؟".
سأله و في انتظار إجابة الأخر و الذي أخبره:
"تلقينا العديد من الإتصالات جميعها من رجال الأعمال و كبيرين العائلات من أجل الإطمئنان عليك".
شبح ابتسامة ظهر علي ثغره فعقب قائلاً:
"تباً لهم، ينتظرون خبر وفاتي و ليس الإطمئنان علي، هل هناك من خبر ٍ أخر؟".
هز رأسه بالنفي و أجاب:
"لا سيدي".
صوت ضوضاء يحدث أمام باب غرفة المائدة
"أبتعد عني يا أحمق، أريد مقابلة سيدك في أمر هام".
يقف الأخر أمامها كالحائط و يخبرها:
"عذراً سيدتي، انتظري ريثما سيدي ينتهي من تناول طعامه و لديه اجتماع مع إحدى رجاله".
رمقته بحنق و صاحت:
"فلاد، فلاد، أريدك في أمر هام، دع رجالك يسمحون لي بالدخول".
خرج إليها الرجل الذي كان لديه يقول:
"تفضلي سيدتي، سيدي ينتظرك في الداخل".
حدقت إلي الحارس الذي منعها من الدخول بازدراء ثم تابعت سيرها إلي الداخل، وجدته يقف أمام مدفئة كلاسيكية و ألسنة النيران التي بداخلها تنعكس علي حدقتيه كبريق نجوم لامعة في كبد سماء الليل الحالكة، يمسك بكأس الخمر
توقفت بالقرب منه و سألته بغضب:
"أريد أن أعلم ما هذا الهراء الذي تم نشره اليوم في المجلة؟".
تناول رشفة ثم سألها ببسمة ساخرة:
"و لما أنتِ غاضبة؟".
"لديك هاتفك تصفح الخبر جيداً و ستعلم سبب غضبي".
التفت إليها بجانب وجهه و سألها مرة أخري ببرود يخفي خلفه عاصفة عاتية:
"هناك سببان، الأول اتهامك في محاولة الإغتيال و الثاني تم وصفك بإحدى عشيقاتي، أي منهما أغضبك سيلينا؟".
أنتظر ردها و يعلمه قبل أن تتفوه به، يكفي النظرة التي تحدقه بها الآن، ارتسمت علي شفتيها ابتسامة استهزاء و قالت:
"هكذا إذاً، إنه عرض بأسلوب مبتكر".
اقتربت منه أكثر و أخذت من يده الكأس ثم ألقت به داخل النار و عادت ببصرها ترمقه برفضٍ و تحدي قائلة:
"لا فلاد، لم أصبح يوماً عشيقة لقاتل أبي و أخي، إذا أنت قد نسيت هذا، فأنا لن أنساه".
لم يتلفظ بحرفٍ واحد و ظل صامتاً، يتبعها و هي تغادر المكان أمام عينيه، لم ينس ما حدث في الماضي، عندما تعرض والده إلي حادث إغتيال من قبل رجال مرتزقة فتصدي إليهم حارس الأمن و الذي كان يدعي بـ ماركس، أصيب بعدة طلقات نارية، منها طلقة أستقرت في ظهره، و بعد إزالتها بنجاح لكن تدهورت حالته الصحية و لم يعد يستطيع السير مرة أخري، أصبح قعيداً فكافئه السيد رومانوف و منحه منزلاً يقع أمام قصره و هذا ليتمكن من الإعتناء به.
كان لماركس ابن يدعي رينو ذو سبع عشر ربيعاً و ابنة تدعي سيلينا ذات خمسة عشر أعواماً، قام بقتل زوجته ذات الأصول الهولندية بعد ولادة ابنته بست سنوات، و هذا بعد أن رآها تخونه في فراشه مع جارهم الذي يقطن أمامهم.
أخذ ابنيه و رحل عن البلدة و ذهب إلي العاصمة موسكو، بدأ العمل كحارس أمن أمام شركة إحدي رجال الأعمال و كان السيد رومانوف، و بعد أن حدث ما سبق ذكره من حادث الإغتيال، أنتقل إلي المنزل الجديد.
بينما رومانوف كان من أكبر رجال الأعمال سطوة و نفوذاً في روسيا، كان لديه ثلاثة ابناء الابن الأكبر فلاديمير، كان عمره آنذاك واحد و عشرون عاماً، و الأبن الأوسط نيكلاوس ذو الثامنة عشر عاماً، و أخيراً ابنة تدعي آليس ذات السادسة عشر ربيعاً، توفت أيضاً زوجته بعد أن أصابها مرض العضال و لم يتحمل جسدها، تدهورت حالتها الصحية و فارقت الحياة.
في مشهد يسود فيه اللون الأسود، يرتدونه جميع أفراد عائلة رومانوف و ذويهم و كل من حضر مراسم الدفن، كانت آليس تجثو علي ركبتيها أمام القبر و تمسك في يديها باقة من الأزهار، لم تصدق أنها فقدت والدتها، بينما كلاوس ظل يتابع ما يحدث في صمت و لم تصدر منه أي ردة فعل تدل علي حزنه حيالها، و في ركن بعيد قليلاً يقف فلاديمير يبكي، يولي ظهره إلي الجميع، لا يريد أي أحد أن يراه في تلك الحالة، تقدم ماركس و ابنه من رومانوف لمواساته، و سيلينا التي كانت تتابع بعينيها فلاد ذهبت إليه و وقفت بجواره، رأته يمسك في يده قلادة و ينظر إليها و يبكي
"هل تعلم إنها تراكَ و تشعر بك الآن؟".
ألتفت إليها رأي طفلة شقراء في سن المراهقة، رمقها بإمتعاض يسألها:
"من أنتِ، و لماذا تدخلين فيما لا يعينكِ؟".
لم تهتم إلي أسلوبه الحاد فأجابت:
"أدعي سيلينا ماركس، أقطن في المنزل المقابل لقصر عائلتك".
جال بعينيه علي هيئتها من أخمص قدميها حتي أعلي رأسها، عقب بتهكم:
"ابنة حارس الأمن الذي كان يعمل في حراسة أمن الشركة لدي أبي".
وضعت يديها خلف ظهرها، وقفت أمامه تكبت غضبها فأخبرته بفخر:
"أجل، الحارس الذي أفدي حياة والدك".
عقد ما بين حاجبيه و سألها:
"ماذا تريدين؟".
"لم أريد شيئاً منك، لقد رأيتك تبكي و جئت لمواساتك، لكن يبدو إنني كنت علي خطأ، فالمتعجرفون أمثالك لا يستحقون الشفقة".
ألقت عليه تلك الكلمات و تركته علي الفور لتذهب إلي أبيها و أخيها تحت أنظار فلاد الذي توعد إليها بداخله أن لا يمرر هذا الموقف إليها مرور الكرام.
عاد من ذاكرته إلي الوقت الحالي، ابتسم عندما تذكر أول لقاء لهما، و كان ليس الأخير فمازال هناك الكثير لم يُسرد بعد.
༺༻
ضغط علي زر مشغل الأغاني داخل سيارته، صدحت الموسيقي و بدأت الأغنية، بدأ بالغناء معها، التفت إلي التي تجلس في المقعد المجاور إليه، فوجدها شاردة و وجهها عابس، توقف عن الغناء و قام بالضغط علي زر أخر يخفض صوت الأغنية قليلاً
"مالك يا ديجا متضايقة من إيه؟".
استدارت إليه بزاوية و أجابت:
"مكنتش عايزة نسافر بالليل، و أنت برضو فضلت مصمم و نفذت اللي في دماغك".
أطلق زفرة بضيق ثم قال إليها:
"ماله السفر بالليل، الطرق بتبقي رايقة و مفيش زحمة و الجو بيبقي حلو".
"كدة كدة أصلاً و لو بالنهار مفيش زحمة، الطريق صحراوي و علي يمينا و شمالنا جبال، و بصراحة ببقي خايفة و قلقانة".
ضحك و أمسك بيدها ليخبرها:
"حبيبة قلبي خايفة و أنا معاها؟".
ابتسمت و أمسكت يده بيدها الأخري، فأصبح كفه بين يديها، تخبره قائلة:
"طول ما أنت معايا عمري ما بخاف، بس خوفي و قلقي إن لا قدر الله العربية تعطل مننا و لا حاجة في الطريق، وقتها هانعمل إيه؟ ".
كاد يتحدث فوجد السيارة توقفت ببطئ، اعتلت الصدمة ملامح وجهه بينما خديجة قامت بكتم ضحكتها، حاول تشغيل المحرك عدة مرات و في النهاية لم يعمل، ضرب كفه بالأخر و ردد:
"لا حول و لا قوة إلا بالله".
نظر إليها بحنق و أردف بسخرية مازحاً:
"بركاتك يا شيخة خديجة، ده أنا كنت لسه هقولك ما تقلقيش العربية لسه شاريها من شهر و دي تالت مرة أسافر بيها".
أطلقت ضحكاتها و قالت:
"و ليه ما تقولش إن أنا بركة و بحس بأي حاجة قبل ما تحصل".
"طيب يا بركة قولي لي أعمل إيه دلوقت، المنطقة اللي إحنا فيها مفيهاش شبكة عشان أكلم الميكانيكي يقولي حتي أتصرف إزاي، ما هو لو كان العطل في العجل معايا إستبن و العدة في شنطة العربية".
ألقت نظرة علي صغيرها النائم في المقعد الخلفي ثم عادت ببصرها إلي زوجها و أخبرته:
"طيب أنزل هات العدة و تعالي".
رمقها بإستفهام و سألها بقلق:
"ناوية تعملي إيه؟".
ابتسمت و أجابت بثقة:
"أنت مالك قلقان ليه كده، أنا هحاول أشوف العطل فين و أصلحه".
"لاء إحنا نفضل مستنين لحد ما أي عربية تعدي، نطلب منهم المساعدة".
و بعد مرور ساعة...
"ناولني المفتاح الصغير".
أطلق زفرة بنفاذ صبر، أعطي إليها ما تريده و قال:
"بقي لك ساعة عمالة تخربي و تشيلي في حاجات و تحطي في حاجات و في الأخر العربية هاتولع بينا".
لم تهتم لسخريته، انتهت من تصليح العطل الذي وجدته، فقالت بأمر إليه:
"روح شغل كدة".
"ماشي، لما نشوف أخرتها، أبعدي بس من قدام الموتور عشان لو شغلت و حاجة فرقعت ما تجيش في وشك".
أخرجت له لسانها فأخذ يضحك، قام بتشغيل المحرك ليجده يعمل بالفعل، صاحت الأخري بمرح:
"الله عليا، شوفت بقي عمال تتريق و تسخر من قدراتي و في الأخر صلحت لك عربيتك".
صعد كليهما إلي داخل السيارة و سألها:
"ألا قولي لي اتعلمتي أمتي و إزاي تصليح العربيات؟".
أجابت بزهو و فخر:
"علي فكرة دي أول مرة أصلح فيها عربية، و الموضوع مش تعليم أنا كنت في مرة قاعدة مع ابنك و جايب فيديوهات عن العربيات و بتتصنع إزاي و إزاي تصلح فيها أي عطل".
ابتسم و يشعر بالسعادة من زوجته التي تمتلك سرعة الفهم و البديهة، كما لديها شغف القراءة و معرفة كل شئ عبر قراءة الكتب و تصفح الأنترنت
"عارفة يا ديجا، أنا كل يوم و أنا بصلي بشكر ربنا إنه رزقني بيكِ، أنتِ طيبة و جدعة و جميلة و مثقفة و ذكية، و فيكِ حاجات كتير لو أتكلمت عليها هافضل أتكلم من دلوقتي لحد سنين".
شعرت بالخجل من ما يخبره بها من إطراء و قالت:
"أنا بقي اللي كل يوم بصلي غير الفروض و السنن بصلي ركعتين شكر لله علي كل حاجة أنعم عليا بيها و خصوصاً أنت".
أمسكت بيده و نظرت صوب عينيه بعشق و وله لتردف بنبرة رومانسية حالمة:
"أنت الجنة اللي ياما حلمت بيها بعد حب سنين و صبر و دعوات إنك تكون ليا".
رفع يدها إلي شفتيه و قام بتقبيل باطن كفها و أخبرها:
"تعرفي أنا بقي نفسي في إيه دلوقت؟".
ترك يدها ثم جذبها بين ذراعيه و أردف:
"نفسي في كدة".
و دنا من شفتيها و أخذ يقبلها، و في الخلف بدأ يوسف الصغير يستيقظ و يقول بصوت يغلبه النعاس:
"مامي عايز أشرب".
أنتفض كليهما و ابتعدت عن آدم الذي ألقي نظرة عبر المرآة علي ابنه فوجده يرمقه بغضب، أعطته والدته زجاجة مياه معدنية، تفهم الأخر أن ابنه قد رآه و هو يقبل والدته فقال بمزاح:
"علي فكرة يا چو مامي هي اللي عمالة تحرضني من الصبح، و عمالة أقولها عيب يا ديجا لازم نعمل إحترام للراجل اللي راكب معانا و هي برضو مصممة و عمالة تتحمرش بيا".
لكزته خديجة في كتفه بقوة:
"أنا برضو اللي بعمل فيك كدة، ماشي حسابك معايا بعدين لما نوصل للشاليه".
ضحك و اقترب من أذنها ليسألها بصوت خافت حتي لا يسمعه الصغير:
"هاتعملي إيه؟، هاتتحمرشي بيا؟".
لكزته في كتفه و قالت:
"بس بقي، بقيت منحرف كدة ليه!"
"لينا شاليه هيجمعنا و هناك هجاوبك علي سؤالك عملي و نظري".
غمز بعينه إليها، فقامت بلكزه للمرة الثالثة، صاح الصغير بأمر:
"ملكش دعوة بمامي و سوق يالا".
ضحكت خديجة علي آدم الذي حدقها بتوعد مازحاً و ينظر إلي ابنه قائلاً:
"أمرك يا چو باشا".
عاد ينظر إلي أمامه و استعد لينطلق بسيارته.
༺༻
ضغطت علي علامة الإتصال و أنتظرت حتي يجيب عليها:
"ألو يا بابي؟".
أجاب بصوت يغلبه النوم:
"أيوه يا لوچي، أنتِ بتكلمني من أوضتك؟".
إلي هذا الحد لم يهتم و يتصل بها ليعلم إنها عادت من الخارج أم لا!، أجابت:
"أنا لسه مارجعتش من عند مامي، و هابيت معاها الليلة دي".
نظر في شاشة هاتفه فوجد الوقت متأخراً، أخبرها بغضب:
"مين سمح لك تقعدي لحد دلوقت عندها و كمان عايزة تبيتي".
ردت بتهكم:
"هو أنت حضرتك سألت عليا أصلاً، أنا عموماً كلمت السواق و قولت له مش يستناني و يجي بكرة ياخدني".
أطلق زفرة و قال:
"ماشي يا لوچي لما ترجعي بكرة هيبقي ليا معاكِ كلام تاني".
أجابت ببرود يسبر الأغوار:
"أوك يا بابي، good night، باي".
أنهت المكالمة، فسألتها التي تجلس بجوارها:
"طبعاً زعق لك أول ما عرف إنك هتباتي عندي ".
ترددت الأخري أن تخبرها بذلك:
"مش كدة، بس الموضوع...
"ما تكذبيش يا لوچي، أنا عارفة و فاهمة دماغ باباكِ كويس، هو في فاكر إن هأذيكِ، ما يعرفش إنك الأمل الوحيد اللي عايشة عشانه".
نهضت ابنتها و جثت علي ركبتيها لتحتضن والدتها الجالسة علي الأريكة:
"حبيبتي يا مامي ما تزعليش حقك عليا، لو كلهم ضدك أنا معاكِ و مش هاسيبك".
أبعدت وجه ابنتها عن صدرها لتنظر صوب عينيها عن كثب، تمسك طرف ذقنها، تخبرها بفحيح أفعي ماكرة تريد حرق الأخضر و اليابس:
"حبيبتي يا لوچي أنا مليش غيرك و أنتِ كمان ملكيش غيري، باباكِ كل همه شغله و المستشفي و إزاي يبقي دكتور عظيم الكل يتكلم عنه، و مراته عمرها ما هاتحبك لأنك مش بنتها و لو عملتك كويس عشان بس يوسف ما يزعلش منها، راقبيها من بعيد لبعيد هتلاقي اهتمامها و حبها لإبنها، لازم تتخلصي منها و نرجع عيلة مع بعض أنا و أنتِ و باباكِ ".
"بس يا مامي علياء كويسة، عمرها ما زعلتني و بتعاملني كأني بنتها من زمان"
كاد يجن جنون الأخري، جحظت عينيها و صاحت في وجهها بغضب:
"تاني يا لوچي، أنتِ ما بتفهميش، دي خطفت أبوكِ منك و مني، هي اللي خلته يرميني في المصحة السنين اللي فاتت".
عقبت بتوتر و خوف:
"يا مامي بس أنا كنت شايفة كل حاجة و أنا صغيرة، أنتِ دخلتي المصحة عشان قتلتي uncle مروان".
قبضت علي تلابيب كنزتها و هزتها بعنف:
"أنا كنت بدافع عن نفسي، مروان ضحك عليا زي ما باباكِ خدعني، كلهم كدابين، و علياء دي زيهم أنتِ فاهمة".
كانت الأخري خائفة فأومأت إليها في صمت ثم قالت:
"فاهمة، أنا عملت زي ما قولتي لي، خليت بابي بيشك فيها و في آسر، أخر مرة أتخانق معاها عشان رايحة فرح قريبتها مع بنت خالتها هاجر و آسر، و هو دلوقت بايت في المستشفي".
انتبهت إلي ما أخبرتها به ابنتها، تركت تلابيبها و سألتها بصياح مرة أخري:
"أنتِ إزاي قاعدة معايا من بدري و ما بلغتنيش بحاجة زي كدة؟".
تراجعت بخوف و أجابت:
"نسيت، sorry".
ارتسمت الهدوء و الوداعة علي ملامحها ثم حاوطت وجه ابنتها بكفيها:
"لوچي، أنا عايزة مصلحتك، و مصلحتك يرجع باباكِ ليا، هتساعديني عشان يرجع لي؟".
هزت رأسها بنعم، تخشي غضبها فقالت:
"حاضر مامي".
༺༻
في اليوم التالي...
يوقع في أسفل الورقة اسمه«قصي البحيري»
سأل الموظف الذي يقف ينتظره أن ينهي توقيع الأوراق:
"تاخد العقود دي و تبعتها للشئون القانونية تتراجع".
"أمرك يا فندم".
أمسك الأوراق و قام بترتيبها و أعطاها إلي الأخر الذي أخذها منه و غادر غرفة المكتب
عاد بظهره إلي الوراء و تعود الأفكار إليه من جديد، تذكر أمراً هاماً بالنسبة إليه، رفع سماعة الهاتف و قال:
"منار سيبي اللي في إيدك و تعالي عايزك حالاً ".
و في الخارج لديها أجابت:
"حاضر يا فندم".
أنهت المكالمة و ظلت في مكانها شاردة و يسيطر عليها الشعور بالتوتر، تخشي هذا الأمر المقبلة عليه و ما يخيفها أكثر العواقب التي سوف تترتب عليه، نهضت و اعتدلت من مظهرها، ذهبت إليه.
بالعودة إليه، ينتظرها حتي سمع طرقها علي الباب ثم دلفت و أغلقت خلفها الباب، نهض و أشار إليها نحو المقاعد الجلدية التي يستقبل عليها ضيوفه:
"تعالي نقعد هنا أحسن".
ذهبت و وقفت تنتظر يجلس أولاً ثم جلست بعده، أخذ علبة خشبية من فوق الطاولة و قام بفتحها ليتناول منها سيجاراً، قام إشعالها بالقداحة و بدأ الحديث:
"أنا عارف الأمر مش سهل بالنسبة لك، عشان كدة قولت لك خدي وقتك و ردي عليا بعد ما تكوني فكرتي كويس".
ابتلعت لعابها و أخبرته:
"تمام أنا فكرت، بس قبل ما أقول أنا موافقة أو رافضة، عايزة أفهم حضرتك إنك كدة بتنتقم من مدام صبا، الست أكتر حاجة بتوجعها و بتكسرها لما جوزها بيتجوز عليها، لاء و كمان هيجيبها تعيش معاها في بيت واحد ده قمة القهر".
رمقها بنظرة جعلتها شعرت بالندم لما تفوهت به الآن، فأردفت بتوتر:
"أنا و الله مش قصدي أتدخل في أمور حضرتك الشخصية، لكن لاقيت واجب عليا أن أنصحك سواء أخدت الخطوة دي معايا أو مع غيري".
نفث دخان سيجاره بغضبٍ:
"خلي نصيحتك لنفسك أنا عارف بعمل إيه كويس، و ما تقلقيش اللي هتطلبيه هيتحول علي حسابك و دلوقت، و هاعين أخوكِ في الفرع اللي ماسكه مصعب، ها قولتِ إيه؟".
"مستر قصي أنا عمري ما بصيت للفلوس، و لو هوافق عشان حضرتك طلبت مساعدتي مش أكتر من كدة".
دفس ما تبقي من السيجار في المنفضة الكريستالية قائلاً:
"أنا ما باخدش حاجة غير و بدفع ليها مقابل، ده غير إنه الفترة الجاية هاتسيبي بيتك و هاتيجي تعيشي عندنا في القصر، فبالتالي محتاجة مصاريف، بكرة هتاخدي أجازة عشان تجهزي نفسك و تبلغي والدتك إنك مسافرة تبع الشركة و ممكن أنا هكلمها بنفسي لو عايزة".
"لاء بلاش، قصدي أنا هاقولها، بس حضرتك شوفتني خلاص وافقت أصلاً؟".
نهض و وقف أمامها، دنا منها و استند بيديه علي المساند الجانبية للمقعد جعلها تراجعت للخلف بخوف حتي ألتصقت بظهر الكرسي
"هتوافقي يا منار، و هاتعملي كل حاجة هقولك عليها، وصلت؟".
خبأت وجهها بكفيها و أجابت:
"أنا موافقة، أنا موافقة،بس بالله عليك ما تبصليش البصة دي تاني عشان بخاف منك".
ابتسم رغماً عنه و ابتعد بمسافة قائلاً:
"خلاص أبقي إسمعي اللي بقولك عليه من غير جدال، قومي يلا أرجعي علي مكتبك و أنا هابقي علي إتصال معاكِ".
أبعدت يديها عن وجهها و نهضت:
"حاضر".
غادرت المكان في الحال و عاد هو إلي الجلوس خلف مكتبه، أمسك هاتفه الذي تركه علي الوضع الصامت، فتح معرض الصور و أخذ يقلب في الصور التي تجمعه مع صباقلبه و روحه، قام بتكبير الصورة يتأمل ملامحها و ضحكتها التي يعشقها، قرب الهاتف من شفتيه و أغلق عينيه ليقبل شفتيها في الصورة و داخل عقله يتخيلها بين ذراعيه، كم أشتاق إليها و ود أن تكون أمامه الآن لكان أختطفها بين أحضانه و أذاقها من عشقه إليها خمر شفتيه حتي تثمل و تفقد الوعي بين يديه.
༺༻
استيقظت من النوم علي صوت رنين المنبه، قامت بغلقه و نهضت، قامت بفتح شبكة الـ Wi-Fi في الهاتف و انهالت الإشعارات و الرسائل من تطبيقات الدردشة و رسائل أخري من التطبيقات الأخري
الرسالة الأولي صوتية من صديقتها رودينا، قامت بالضغط لتشغيلها
"صباح الخير يا ملوكه، لما تصحي أبقي كلميني عشان عايزاكِ، سلمي لي علي نور و مليكة"
ضغطت علي علامة تسجيل الصوت و قالت:
"صباح النور يا رودي، أنا لسه صاحية و هفطر البنات و أجهزهم عشان عندهم سباحة النهاردة، هكلمك لما أروح النادي"
رسالة أخري نصية من هذا المحتال
"صباح الخير و الورد يا أحلي ملك".
قامت مرة أخري بالضغط علي مسجل الصوت و قالت:
"صباح النور يا حبيبتي، يارب تكوني بخير، علي فكرة أنا شوية و هنزل أنا و البنات رايحين النادي، لو فاضية نتقابل في الكافيه اللي جمب النادي لحد البنات ما يخلصوا التمرين ردي عليا عشان هابقي أبعت لك الـ location".
رد الأخر برسالة نصية:
"و أنا هستناكِ يا قمر".
الفصول الثاني عشر من هنا
الجزء الثالث من هنا
لقراءة الجزء الاول جميع الفصول اضغط هنا
لقراءة الجزء الثاني جميع الفصول اضغط هنا
رواية غابة الذئاب من صراع الذئاب الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ولاء رفعت علي
🐺 غابة الذئاب «ما بعد العهد» 🐺
"الجزء الثالث من رواية صراع الذئاب"
بقلم: ولاء رفعت علي
تركت الهاتف علي الفراش و خرجت إلي الردهة، تفاجئت بزوجها و ابنتيها يتناولون الطعام علي المائدة
لوح مصعب إليها بيده قائلاً بتهكم:
"صباح الخير يا مامي، خلاص ده العصر قرب يأذن، كنتِ ناوية تغدي البنات وتوديهم للنادي أمتي بالظبط؟".
رمقته بازدراء و لم تعلق بكلمة، ذهبت إلي المرحاض و قامت بخلع ثيابها ثم دلفت إلي داخل الكابينة الزجاجية للإستحمام، سمعت صوت فتح الباب و احدهم قد دخل و من غيره يفعل ذلك!
زفرت و صبرها أوشك علي النفاذ، فأغلقت باب الكابينة و قامت بوصده من الداخل لديها، أتاها صوته:
"هاتفضلي تقلانة عليا لأمتي يا ملوكة؟".
فتحت الصنبور متعدد الثقوب فأنهمرت المياه فوق رأسها و انسابت علي جسدها
أردف هذا المنتظر و الذي يبتسم بمكر:
"يعني فاكرة لما تقفلي عليكِ من جوة مش هعرف أفتح يعني!".
أجابت بحنق:
"مصعب لو سمحت أخرج برة، ما ينفعش بناتك يشوفوك داخل عليا التويليت يقولوا إيه!".
ضحك ليثير حنقها أكثر قائلاً:
"هيقولو بابي بيموت في مامي و ما بيفارقهاش زي ضلها و وراها فين ما تروح حتي لو دخلت التويليت".
أغلقت الصنبور و قالت و الحنق وصل إلي ذروته:
"مصعب أنا ما بهزرش و بطل تستفز فيا، أنا صاحية دماغي مصدعة".
"ما هو لازم دماغك تصدع، من السهر طول الليل علي الموبايل و تنامي بعد الفجر".
انتفخت أوادجها و فاض بها، صاحت بتحذير:
"لو عايز اليوم يعدي ملكش دعوة بيا خالص".
تحولت ملامحه من البسمة إلي الضيق، سألها بغضب:
"أنتِ بتزعقي لي يا ملك!، علي فكرة أنا راجع عشان أجيب ورق كنت نسيته و راجع تاني علي الشركة، و لما لاقيت البنات صاحيين من بدري و مستنينك تصحي عشان تفطروا مارضتش أخليهم يصحوكِ و طلبنا بيتزا، يعني أنا أصلاً مش جاي عشانك".
ضرب قبضته علي باب الكابينة فأهتز الزجاج و أردف:
"عموماً أنا ماشي دلوقت، و براحتك علي الأخر خالص، عشان يبقي كان عندي حق لما بقولك إنك طفلة يا طفلة، و من غير سلام".
ألقي كلماته النابعة من غضبه و غادر المرحاض صفق الباب خلفه، و هي فتحت باب الكابينة و خرجت لتتناول المعطف القطني فقامت بإرتدائه و خرجت من المرحاض لتبحث عنه و تعتذر إليه، لم تجده فسألت ابنتيها، ردت إحداهما:
"بابي لسه نازل حالاً".
شعرت بالحنق و الغيظ، نظرت إلي ابنتها بحدة و بأمر ألقت عليها:
"بعد ما تخلصوا أكل أنتِ و هي جهزوا نفسكم عشان نازلين"
ذهبت إلي غرفتها تحت نظرات ابنتيها المتعجبة فسألت مليكة شقيقتها:
"هي مامي مالها مش طايقة نفسها ليه؟"
أخذت نور تتلفت من حولها لتطمئن أن والدتها لم تسمعها، اقتربت من شقيقتها و أخبرتها بصوت خافت:
"هقولك بس أوعي تقولي لمامي، أنا شوفت بابي دخل وراها التويليت و كان بيكلمها و بعد كدة كان بيزعق و خرج".
هزت الأخري رأسها قائلة:
"اممم أنا كدة عرفت ليه مامي متضايقة، بالتأكيد عشان بابي دخل التويليت و هي جوة و كدة عيب، بابي بقي كدة naughty".
"أخلصي يا هانم أنتِ و هي و بطلوا رغي".
صاحت ملك من داخل غرفتها فأرتجفت كلتيهما.
تقف أمام المرآة بعد أن أرتدت ثيابها، تقوم الآن بتمشيط شعرها، شردت قليلاً و تشعر بالضيق، فهي بالفعل لم تتحمل الخصام بينها و بين زوجها، توقفت عن التمشيط و أمسكت هاتفها لتجرى إتصالاً به و تبدد الغيمة التي تفاقمت بينهما، و بمجرد أن بدأ الإتصال قامت بالرفض، شهقت بحنق و قالت:
"بتكنسل عليا!، ماشي يا مصعب و الله ما أنا معبراك"
༺༻
ألتفتت الصغيرة من حولها و تنظر إلي باب غرفتها لكي تطمئن إنه مغلق و حتي لا تسمعها والدتها و هي تتحدث مع إحدى زملائها في المدرسة، اختبأت أسفل الغطاء و بصوت خافت تسأله:
"أنا الحمدلله كويسة و أنت؟"
أتاها صوته الذي بدى في بداية مرحلة المراهقة:
"بخير، ها فكرتي في اللي قولته لك إمبارح؟"
تنهدت و أجابت:
"مش عارفة يا معاذ، حاسة إحنا لسه صغيرين و بدري علي مشاعرنا، أنا في أولي إعدادي و أنت في سنة تالتة".
عقب علي كلماتها قائلاً:
"الحب ملهوش سن، و أنا بحبك و هافضل أحبك لحد ما نخلص دراسة و أجي أخطبك من باباكِ".
ابتسمت بخجل و ببراءة ثم أجابت:
"طيب أنت عايز إيه دلوقتي؟".
أخبرها بشوق لسماع ما يريده:
"نفسي اسمعها منك أوي".
وضعت طرف إصبعها بين شفتيها، تشعر بالتردد و الخجل، و عندما طال الصمت بينهما أردف الأخر:
"ريتاچ، أنتِ معايا؟".
كان هناك من يقف أمام باب الغرفة يسترق السمع، أدارت المقبض و فتحت ثم ولجت إلي الداخل دون إصدار صوت، اقتربت من هذه المختبئة أسفل الغطاء
و كانت الأخري تخبر زميلها:
"هقولهالك و هاقفل علي طول".
"ماشي أنا موافق، بس قوليها".
أغلقت عينيها و صوت دقات قلبها يعلو من سرعتها:
"بحبك يا معاذ".
و سرعان أنتهت المكالمة و ألقت الهاتف و الإبتسامة تزين شفتيها، أزاحت الغطاء و نهضت و بمجرد أن ألتفت، أطلقت صرخة بفزع
كانت والدتها تنظر إليها بغضب و سألتها و تعابير وجهها زادت من خوف ابنتها:
"مين معاذ اللي كنتِ بتكلميه في التليفون و بتقولي له بحبك يا ريتاچ هانم؟".
ابتلعت الأخري الغصة التي علقت في حلقها لكي تجيب بخوف:
"ده، ده زميلي في المدرسة".
صاحت الأخري بغضبِ:
"و زميلك اللي في المدرسة بيتصل بيكِ و بتقولي له بحبك!".
نظرت إليها الصغيرة بتوسل:
"يا ماما عشان خاطري وطي صوتك".
حدقت إليها بسخرية و سألتها:
"عايزاني أوطي صوتي، خايفة لطه يسمع!، ما هو بسبب دلعه ليكِ و كل ما تغلطي يحوشني عنك، و أخرتها أهو بقيتِ صايعة و بتكلمي ولد و بكل قلة أدب، بحبك يا معاذ، ده أنتِ لسه ١٢ سنة أومال لما توصلي لسن الجامعة هتتجوزي من ورايا!".
و في الغرفة المجاورة، يرتدي القميص و يغلق الأزرار من أسفل إلي أعلي، تناول زجاجة العطر و أخذ ينثر منها علي قميصه، فوجد صغيره يقف بجواره و يفعل مثله، نظر إليه مبتسماً و أخبره:
"بكرة تكبر و هاتبقي أحسن مني".
وصل إلي سمعه صياح زوجته و بكاء و صراخات ابنتها، ركض علي الفور ليري ما يحدث، دلف إلي الغرفة وجد شيماء تمسك بنعلها البلاستيكي الذي ترتديه داخل المنزل و تهبط به ابنتها التي تصرخ و تستغيث:
"و الله يا ماما ما في حاجة، يا عمو طه ألحقني".
جذب الأخر ما في يد زوجته و ألقي به علي الأرض و جذب من يدها ابنتها و احتضنها ليحميها من غضب والدتها ثم قام بتوبيخها:
"إيه يا مجنونة اللي بتعمليه في بنتك ده!"
"شوفت أخر دلعك ليها، ياما قولت لك البنت مش عايزة التسيب و الدلع و لازم تكون حازم معاها، تقعد تتخانق معايا و تزعقلي".
صاحت بتلك الكلمات، فأجاب الأخر:
"جري إيه يا شيماء، بنتك لسه عيلة صغيرة و العقاب عمره ما كان بالضرب، و بعدين هي غلطت و لا عملت إيه عشان تضربيها بالغباء ده!".
نظرت إليها ابنتها برجاء و توسل هذا لأنها تشعر بخجل شديد أن يعلم زوج والدتها بهذا الأمر المحرج للغاية
لم تكترث إلي توسلها و ألقت به في عرض الحائط لتخبر زوجها:
"الهانم مقصوفة الرقبة، دخلت عليها لاقيتها عمال تتكلم مع زميلها و بتقوله بحبك".
"و لو اللي سمعتيه ده صح، هل يديكِ الحق تضربيها بالشبشب و تكلميها بأسلوب زفت؟".
صاح موبخاً إياها مما سبر أغوارها و تفوهت بغضبٍ و بحديث أحمق:
"يعني هي لو بنتك من صُلبك، لو سمعتها بتقول بحبك لولد هاتاخدها في حضنك و تطبطب عليها زي ما أنت عامل معاها دلوقت، فاكر اللي كنت بتعمله في خديجة أختك زمان، لما دخلنا أنا و عبدالله نحوشها من تحت إيديك و أنت بتقطع جسمها بالحزام و لا نسيت!".
لم تدرك فداحة ما تفوهت به سوي عندما حدق إليها بنظرة جعلتها تشعر بالندم الشديد، قال إليها:
"أولاً ريتاچ ربنا يعلم بعتبرها بنتي و لو كان ربنا رزقني ببنت مكنتش هحبها قد ما حبيتها، يعني لو هي كانت بنتي من صلبي كنت برضو هاخدها في حضني و هاطبطب عليها و هاقعد معاها اسمعها و هافهمها الصح من الغلط، بالنسبة للي كنت بعمله زمان مع أختي كان غلط و غباء مني و لو رجع بيا الزمن مكنتش هاعمل كدة".
قالها و ربت علي الفتاة، قام بتقبيل رأسها و همَ بالذهاب، و قبل أن يغادر الغرفة أردف:
"هي بنت عبدالله بالإسم لكن أنا أبوها، اللي رباها و بتكبر كل يوم قدام عينيه لحد ما هاتبقي عروسة و أسلمها لجوزها، شكراً إنك بتفكريني بحاجة أنا عارفها كويس أوي".
ألقي كلماته و غادر أمام عينيها و هي تقف تشعر بالعجز و الندم علي ما تفوهت به، و عندما تمكنت من التحدث ذهبت خلفه تناديه:
"طه، يا طه".
رأته قد خرج من غرفة النوم يمسك بمتعلقاته متجهاً إلي باب المنزل قام بفتحه، لحقت به و أمسكت ذراعه، أوقفته قائلة:
"أنا آسفة، حقك عليا و الله ما كنت أقصد أي حاجة، أنت عارفني لما بقلب ما ببقاش شايفة قدامي خصوصاً لما بشوف ولادي في خطر".
"بدل ما تعتذري لي روحي خدي بنتك في حضنك، صحبيها و اسمعي لها، كوني معاها و ليها مش عليها، عن إذنك عشان أنا أتأخرت".
جذب ذراعه و ولي إليها ظهره و ذهب بعد أن أغلق الباب خلفه، أتجه إلي المصعد و كان ذهنه منشغلاً لم ينتبه إلي التي تسير عكس اتجاهه فأصطدم بها رغماً عنه بقوة أدت إلي وقوع هاتفها علي الأرض، شهقت بقلق:
"الفون!".
ألتفت إليها معتذراً:
"معلش حضرتك مكنش قصدي".
دنت من الهاتف و أخذته فوجدت كسر في منتصف الشاشة و الهاتف لا يعمل، لاحظ هذا أيضاً فأردف:
"ممكن تيجي معايا لأقرب مركز صيانة موبايلات و هصلحه لحضرتك".
رفعت وجهها إليه و أخبرته بصوتها الناعم:
"Never mind, thank you".
رأي أمامه إمرأة ثلاثينية ذات جمال يخطف العين و يأسر الألباب، مظهرها الأنيق للغاية يجعلك تظن إنها ممثلة أو مغنية أو تعمل عارضة أزياء.
تنحنح قائلاً:
"معلش أنا اللي غلطان و خبطت فيكِ من غير ما أخد بالي من الطريق".
ابتسمت إليه و يا ليتها ما فعلت ذلك، فالبسمة زادت من جمالها الفتان و أجابت:
"أنا كدة كدة هاشتري واحد جديد".
"خلاص يبقي التليفون الجديد أنا هاجيبه لحضرتك، أستأذنك بس ممكن تستني هنا لحد ما هاروح بالعربية و راجع".
"قولت لحضرتك مفيش داعي، و بعدين أنا أصلاً ساكنة هنا".
ابتسم و سألها:
"بجد!، إحنا طلعنا جيران بقي".
أومأت إليه و أجابت:
"اه، أنا ساكنة في الشقة دي".
و أشارت إليه نحو المنزل المقابل إلي منزله، فأخبرها:
"أنا بقي ساكن في الشقة اللي قصادك، أتشرفت بحضرتك".
" thank you".
ألقي نظرة علي ساعة شاشة هاتفه و قال:
"معلش أنا مضطر أمشي عشان متأخر علي شغلي".
أومأت إليه بإبتسامة:
"اتفضل".
فتح باب المصعد و ولج إلي الداخل، أغلق الباب ثم أطلق زفرة و تناول محرمة من جيب بنطاله ليجفف بها عرق جبهته، أخذ يردد الإستغفار.
༺༻
داخل السيارة يجلسن الثلاثة في المقعد الخلفي، تلهو الصغيرتين علي اللوح الألكتروني، و بجوارهما والدتهما التي تراسل هذا المحتال الذي سألها في رسالة نصية:
«أنا في الكافتريا، أنتِ فين؟»
ضغطت ملك علي علامة تسجيل الصوت و أجابت:
«خلاص خمس دقايق و هانبقي قدام النادي، هادخل البنات جوة و هاجي لك».
و في الناحية الأخري، يقود سيارته و ذهنه منشغلاً بها، وبخ نفسه بعد أن قام برفض مكالمتها، ابتسم و هو يتذكر الحوار الذي حدث بينهما داخل المرحاض و كيف كانت عنيدة و تغضب مثل الأطفال، وضع السماعة اللاسلكية في أذنه ليتصل بها لكن توقف و يفكر قليلاً، خلع السماعة، وجد من الأفضل أن يجلب لها هدية، اتسعت ابتسامته و قام بتغير اتجاه طريقه إلي الطريق الآخر الذي يؤدي إلي النادي!
و بالعودة إلي ملك و الصغيرتين، صف السائق السيارة في ساحة الإنتظار بجوار البوابة و بعد أن ترجل الثلاثة ولجوا إلي داخل النادي، و بعد أن اطمئنت علي صغيرتيها تركتهما لدي مدرب السباحة و ذهبت لكي لا تتأخر علي السيدة التي تنتظرها، هكذا تظن إنه كذلك!
و في داخل الكافتريا، يقف أمام وجهة زجاجية يرى انعكاسه و بجواره شاب يبدو إنه صديقاً له يسأله:
"أنت متأكد من الحوار ده يا زيكو و لا هيطلع زي المرة اللي فاتت و ربك سترها معانا و نفدنا بأعجوبة من إيد جوز الست اللي كنت بتهددها".
أجاب الأخر و يرتدي نظارة شمسية في آن واحد:
"لاء خالص، ده فرق كبير ما بين الوليه الحرباية الأولي و القشطة اللي بالعسل اللي جاية دلوقت، حتي اسمها زي شكلها ملك"
عقب صديقه و القلق يساوره:
"و الله شكلك هتودينا في داهية المرة دي، علي الكلام اللي حكيتيه لي إنها بنت ناس و جوزها رجل أعمال و عيلتها معروفة في البلد، يعني لو أتقفشت منهم مش بعيد يخلصوا".
ألتفت إليه و وضع يده علي كتفه، ابتسم بخبث قائلاً:
"ياض يا عبيط ما هو ده أحسن حاجة، البت شكلها هبلة و علي نيتها و اللي فهمته من الدردشة اللي بيني و بينها إنها بتخاف من جوزها أوي، و هي دي نقطة الضعف اللي همسكها منها و...
توقف عن التحدث عندما رأي تلك القادمة و تبحث عن سلمي التي تظنه هي، ربت علي كتفه و قال:
"أهي جت أهي، زي ما أتفقنا بقي، أول ما تيجي اللقطة المناسبة تقوم هوب مصور"
أومأ إليه الأخر:
"تمام يا صاحبي و ربنا يستر"
ظلت تنظر من حولها تبحث في وجوه الجالسين حول الطاولات حتي اصطدمت به، تراجعت خطوة و رفعت يدها دون أن تنظر إليه:
"بعتذر لحضرتك ما أخدتش بالي".
رمق إليها مبتسماً و عينيه من خلف النظارة تحدقها بنظرة ذئب وقعت فريسته بين يديه:
"و لا يهمك يا ملك"
بعد أن همت بالذهاب توقفت و هنا نظرت إليه لكي تسأله بتوتر:
"حضرتك تعرفني؟"
اتسعت ابتسامته من الأذن إلي الأذن الأخري، يلقي فوق رأسها الخبر الصادم:
"اه طبعاً أعرفك، و هل يخفي القمر، محسوبك زيكو، قصدي مدام سلمي محمد و علي الفيس بوك حبيبة زوجي".
برودة داهمت جميع أطرافها، و كل ما حولها يدور بدون توقف، حاولت أن تتماسك و ابتلعت لعابها، و بصوت خرج بصعوبة بالغة سألته ببلاهه أو هكذا تتمني:
"حضرتك جوز مدام سلمي تقصد؟".
حك ذقنه الحليق و أخبرها:
"أنا عاذرك بصراحة، أصل الصدمة تقيلة، بس عايزك تجمدي عشان اللي جاي عايز أعصاب من حديد، ما تفهمي يا مزة، أنا اللي كنت بكلمك من صفحة حبيبة زوجي و قولت لك اسمي سلمي محمد، ٣٠ سنة، استني كده عشان تتأكدي".
أخرج هاتفه من جيب بنطاله و بزاوية نظر إلي صديقه الذي أخذ يلتقط لهما صور و من يراها يظن إنهما في موعد غرامي، رفع شاشة الهاتف أمام عينيها:
"مش ده كلامك يا ملوكة معايا؟، و ده كمان الفويس اللي بعتيه ليا و أنتِ جاية في الطريق!".
و قام بتشغيل المقطع الصوتي و كان هو بالفعل الذي أرسلته، كادت تتعثر و تقع، أمسك ذراعها و بقلق زائف قال إليها:
"تعالي نقعد علي التربيزة اللي هناك دي بدل ما الناس تتفرج علينا و تتفضحي".
جذبت ذراعها من يده بقوة واهنة و تحدقه بازدراء:
"ابعد ايدك عني، و أنا اللي هافضحك و هاتصلك بالبوليس دلوقتي يا كداب يا نصاب".
رفع النظارة فوق رأسه و ظهرت إليها ملامح وجهه كاملة، شاب في منتصف الثلاثينات و عينيه تنضح بالشر و ملامحه و نظراته كالصياد المحترف الذي يحيك نصب شباكه و الفخاخ حتي تقع داخلهم الفريسة بكل سهولة و يسر ثم يأتي هو و يفترسها كما يشاء.
"قبل ما هاتفضحني هاتفضحي نفسك، كل الدردشة اللي ما بينا و فويساتك ليها كذا نسخة و مش بس كدة".
رفع زاوية ثغره بسخرية و أردف:
"كل اللي علي موبايلك من صور ليكِ سواء بحجاب من غير حجاب، حتي صورتك بالبكيني اللي هياكل منك حتة كل دول معايا منهم نسخ مش نسخة، ها تحبي أذيع و أنشر لك الصور دي و أخلي فضيحتك بجلاجل؟".
استندت علي الحائط لا تشعر بالزمان أو المكان، أصاب الخدر ساقيها حتي أصبحا كالهلام، قام بإستغلال حالة ضعفها تلك و أمسك بيدها ليجبرها علي الجلوس حول الطاولة و ما كان لها من حول و لا قوة، جلست علي الكرسي
"أيوه اقعدي بقي عشان نتفاهم علي كل حاجة ".
حاولت أن تستجمع قواها الواهنة و سألته:
"أنت عايز مني إيه و تديني الحاجة اللي معاك و ما أشوفش وشك تاني خالص و أول حاجة هاعملها ليك من دلوقت بلوك".
كان قد قرأ في عينيها الخوف الذي أسعده كثيراً حيث سيجعله يحقق غايته دون عناء
"بلوك!، ده أنتِ ما طلعتيش غلبانة و بس، غبية كمان".
أثار غضبها فقالت من بين أسنانها:
"لم لسانك أحسن لك إلا و الله...
"ها هاتعملي إيه!، ده أنتِ روحك في إيدي، عايزك تتخيلي مصعب جوزك لما يشوف الحاجات اللي معايا و أسرار حياتكم اللي بقيت حافظها كأني عايش معاكم".
صدمة أخري لا تقل قوة عن الأولي، ابتلعت غصة شديدة المرارة ثم سألته بصوت كاد يكون مسموعاً:
"عايز كام؟"
وضع ساقاً فوق الأخري و أجاب:
"بالنسبة للفلوس أمرها سهل خالص، يعني حتة شيك كدة محترم تكتبي فيه عشر أرانب".
"أنت أتجننت!".
صاحت بها مما جعل من حولهما يلتفتون إليهما:
"وطي صوتك الجميل، الناس عمالة تبص علينا ".
أطلقت زفرة من أعماقها لعلها تخرج ما بداخلها، عقبت بصوت خافت:
"عشر مليون جنيه إيه اللي أنت عايزهم".
"يعني أنتِ عايزة تفهميني ملك البحيري بجلالة قدرها معندهاش رصيد في البنك ما يجيش حاجة جمب اللي طلبته"
ودت أن تقبض علي عنقه و تتخلص منه لا تعلم ما زال هناك حديث حيث أردف قائلاً:
"خدي بالك أنا مش عايز فلوس و بس".
سألته و داخلها كم من الغضب كالنيران تريد حرقه حياً:
"أومال عايز إيه تاني؟".
أخبرها بثقة بالغة و بكل سفه و انحطاط:
"عايزك أنتِ، هي ليلة واحدة و أوعدك مش هاتشوفي خلقتي بعدها".
هدوء قاتل قاطعه صوت لطمة قوية هبطت من كفها علي خده:
"القلم ده عشان طلبك القذر زيك، و بالنسبة للحاجة اللي معاك هقدم فيك بلاغ لمباحث الإنترنت إنك هكرت موبايلي، و اللي عندك أعمله".
أنهت حديثها الشجاع غرار ما بداخلها من خوف و رعب أن يعلم زوجها بشئ، بصقت في وجهه ثم أطلقت ساقيها للريح
قام بمسح لعابها من علي وجهه بتقزز و قال بوعيد:
"و رحمة أمي لهدفعك تمن القلم و الحركة اللي عملتيها دي غالي أوي".
كانت لا تري أمامها و هي تسرع خطواتها دون أن تشعر بقدميها، ضحكات هذا الشاب الوغد تتردد في سمعها و نظرات عينيه المليئة بالتهديد و الوعيد كافية أن تجعلها تتمني الموت و ألا تعيش في ذلك العذاب، فأكبر مخاوفها هو أن زوجها يعلم بكل هذا، تخشي ردة فعله و التي لديها يقين سوف يلقنها عقاباً قاسياً لن تنساه أبداً.
و إذا هي في وسط كل ذلك تجد من يجذبها من يدها، رفعت عينيها لتجد أخر ما تتمني أن تراه في تلك اللحظة، و بصوت قاتل للخروج من شفتيها بعد أن أصاب الخدر لسانها:
"مصعب!"
لم تكن قادرة علي استيعاب ما يحدث لها، نظرت إلي عينيه المليئة بالقلق و بداخلها عدة أسئلة، شفتيه تتحرك لكن لا تسمع سوي طنين جعلها تنفصل عن ما حولها، خارت قواها فأستسلمت و وقعت بين يديه بعد أن فقدت وعيها.
༺༻
صوت الأمواج و رائحة البحر مع صوت الأغاني و ضحكات الأطفال الذين يلهون علي الشاطئ، و أسفل المظلة يتمدد علي ظهره مُرتدياً ثياب البحر و نظارة شمسية سوداء، و في المقعد الموازي إليه تجلس هي و تعد أطباق داخلها شطائر و قطع فواكه متنوعة، سألته قبل أن تعطي إليه الطعام:
"دومي هتاكل؟".
لم يكن يسمعها بسبب السماعات اللاسلكية في أذنيه و يستمع إلي الأغاني، نهضت و قامت بخلع السماعات فنظر إليها منزعجاً:
"طيب ليه الرخامة دي؟".
لكزته في صدره بخفة قائلة:
"الحق عليا عماله أحضرلك في ساندوتشات و فاكهة و أنت نايم لي علي الشيزلونج زي الباشا عمال تسمع في أغاني و عايش مع نفسك، و ابنك مش عايز يطلع من الميه، و...
قاطعها ضاحكاً:
"خلاص، خلاص فيه إيه يا ديجا، أنتِ أصلاً تاعبة نفسك ليه يا حبيبتي، قولت لك هانروح نتغدي في الـ restaurant، و أنتِ برضو صممتي تتعبي نفسك و تحضري في ساندوتشات، غاوية تعب يعني!".
تنظر إليه بإمتعاض و تخبره:
"لاء أنا بحب أعملكم الأكل من إيدي أنضف و أحسن".
نهض و جلس ثم أمسك يديها قائلاً:
"يا روح قلبي، إحنا جايين نستجم يعني تقعدي ترتاحي و الحاجة تيجي لحد عندك "
بينما كانا يتحدثان خرج الصغير من المياه و يلهو بـ كرة بلاستيكية، ركلها بقوة حتي اصطدمت في وجه هذه السيدة التي تتمدد علي المقعد بأريحية، ترتدي ثياب البحر العارية و نظارة شمسية وقعت عندما قُذفت الكرة في وجهها، صاحت بغضبٍ و تمسك بها، رأت يوسف الصغير و ينظر إليها بتوتر و خوف، نهضت متجهة إليه فركض نحو والديه
لاحظت خديجة علامات الخوف علي وجهه فسألته:
"فيه إيه مالك حد ضايقك؟".
لم يرد لكنه انتفض بفزع عندما رأي تلك القادمة و تمسك بالكرة خاصته، تصيح بغضب:
"ينفع اللي ابنكم عملوا، يحدف الكورة و جت في وشي و كسرت نضارتي".
نظرت الأخري من خلف نظارتها الشمسية التي تخفي نصف وجهها إلي الكرة ثم إلي صغيرها بإمتعاض جلي، عادت ببصرها إلي تلك السيدة ذات الوجه المألوف لديها
"معلش حقك عليا، ده طفل و بالتأكيد مكنش يقصد، و النضارة إحنا نجيب لك واحدة بدالها ".
ردت الأخري بكبر و تعجرف:
"واحدة بدالها إزاي، اللي كسرهالي ابنك دي براند من سويسرا و ما بتتباعش هنا في مصر ".
أطلقت خديجة زفرة و صبرها علي وشك أن ينفذ، ابتسمت إليها ببسمة زائفة و أخبرتها:
"شوفي تمنها كام حضرتك و باباه هيدفعه لك حالاً".
و ألتفت إلي آدم الذي كان يغمض عينيه و مازال يستمع إلي الأغاني عبر السماعات اللاسلكية، ربتت علي ذراعه، انتبه و يزفر بضيق:
"في إيه يا خديجـ...
قاطعته قائلة:
"شوف الأستاذة عايزة إيه".
و أشارت إليه نحو الأخري، و حين نظر إليها خلع نظارته و حدقها بتعجب يسألها:
"روفان؟".
دققت النظر في ملامحه و سرعان اتسعت شفتيها بإبتسامة عارمة، فسألته قاطعة الشك باليقين:
"آدم البحيري؟".
هز رأسه بالإيجاب:
"أه، أنا"
مدت يدها و بسعادة بالغة تصافحه:
"How are you? ".
أجاب و يبادلها المصافحة:
" i'm fine, and you?".
كانت خديجة تشاهد و تسمع حوارهما بنظرة ساخرة لاحظها آدم الذي تنحنح و أخبرها:
"دي طلعت روڤان بنت uncle نشأت الميهي يا خديجة فاكراها، اللي حاضرنا عيد ميلادها".
جالت الأخري ببصرها من أعلي إلي أسفل إليها بازدراء و هذا لما ترتديه من ثياب البحر الكاشفة عن معظم جسدها دون حياء، عقبت علي حديث زوجها:
"أيوة فاكرها طبعاً و فاكرة لما أنت جيبت لها هدية عيد ميلادها كتاب عذاب القبر و معجبهاش".
حدقتها الأخري بإبتسامة صفراء و قالت إليها من بين أسنانها:
" so funny ".
كتم آدم ضحكاته لأنه يعلم ما تمر به زوجته الآن من اندلاع نيران الغيرة، بينما هي أجابت علي الأخري بتهكم:
"لاء ما هو فعلاً الكتاب مش مناسب للي أنا شايفاه دلوقتي".
عقدت روفان ما بين حاجبيها و سألتها:
"تقصدي إيه بكلامك؟".
نظرت إلي زوجها ببسمة ماكرة ثم حدقت إلي الأخري و أجابت:
"يعني زمان كنتِ محتاجة الكتاب ده يمكن تتعلمي منه و تاخدي منه عظة، لكن دلوقت أنتِ محتاجة كتاب أهوال يوم القيامة".
هنا لم يستطع زوجها أن يكتم ضحكاته أكثر من ذلك، فأطلقها للعنان مما جعل روفان تكاد تنفجر من الغيظ، و هذا يتضح علي وجهها المحتقن بالدماء، ألقت الكرة عليه و عادت إلي مكانها و تهذي بكلمات غير مسموعة.
"أقسم بالله يا خديجة أنتِ ملكيش حل، البت كانت هتتحرق و هي واقفة قدمنا".
قالها من بين ضحكاته إليها، فأجابت:
"أحسن، أهي نار الدنيا أرحم من نار الأخرة".
"بس بقي بطني وجعتني من كتر الضحك".
مازال مستمراً في الضحك، بادلته الأخري و أخبرته من بين قهقهاتها:
"ما هي اللي بني آدمة مستفزة، أول ما جت بتشتكي من يوسف حدفها بالكورة و اتكسرت نضارتها، عمالة اقولها هاجيب لك واحدة بدالها قامت ردت من طرف مناخيرها، دي براند و مش موجودة منها في مصر".
كانت تقلد الأخري في أخر جملة، مما جعلته غير قادر أن يتوقف عن الضحك، ألتفت إلي صغيرها الذي كان يتابع ما يحدث في صمت و قالت إليه:
"يوسف لما تيجي تلعب تبقي تاخد بالك لتأذي حد أو تخبطه، ماشي يا حبيبي؟".
أومأ إليها قائلاً:
"أوك مامي".
نهضت و أمسكت بيده:
"تعالي نروح نغسل إيدينا و نرجع عشان ناكل".
فقال إليها زوجها بعدما توقف عن الضحك. بصعوبة:
"ما تتأخروش عشان أنا جعان أوي".
ذهبت خديجة و تمسك بيدها يد صغيرها، تعمدت السير من أمام روفان التي أشاحت وجهها إلي الجانب الأخر لتتمكن من النظر إلي آدم الذي عاد إلي التمدد مرة أخري، و برغم ما تشعر به من حنق و غضب نحو زوجته، لكن هذا تلاشي بمجرد رؤيته، لقد ازداد وسامة و جذابية أكثر و جسده محتفظاً بلياقته البدنية، تدور في ذهنها آلاف الأفكار و تنضح من عينيها نظرة تخفي نواياها الخبيثة التي تنتهي بمقولة ما ضاع في الأمس يمكن استرداده اليوم!
༺༻
لم يعد لديه طاقة لتحمل المزيد من ألم الوحدة و يزيد فوقها ألم قلبه الذي أحترق و أصبح رماداً في مهب الريح منذ أن رأي صورة زوجته الأولي بين أحضان أخر غير مكترثة إلي زواجهما، شعر كم كان غبياً و أحمق، كيف قد نسي ما حدث في الماضي لتأتي ذاكرته إليه بمشهد و كأنه حدث في الأمس...
«مشهد من الجزء الثاني عهد الذئاب»
"أجل إني أحبه و أنت تعلم ذلك جيداً"
صرخت بها، فأقترب منها كالمجنون و قبض علي خصلاتها:
"لكن لا أعلم إنك خائنة بل و عاهرة"
صرخت بألم و هي تحاول أن تبعد يده عن خصلاتها:
" اه، أتركني أيها الأحمق، أنت تؤلمني"
"ألمك هذا نقطة ضئيلة في بحر آلامي عندما أري صورته بداخل عينيك كلما أقترب منك"
صاحت بألم و سألته:
"و لما تزوجتني و أنت تعلم إنه من في قلبي!"
ترك خصلاتها و أبتعد لينظر من النافذة قائلاً:
"كنت أظن إني سأجعلك تشعرين بقلبي و تحبيني كما أحبك".
أجابت بسخرية:
"أحمق و ساذج، لو كان قلبي ملكي لما خنت كلاوس و أخبرت سيدك بما سيفعله به و أعلم ما سوف يحدث لي، كنت لم أهرب و أنا علي دراية إن أمسك بي، فالموت يصبح مصيري المحتوم".
ألتفت نحوها و بخطي سريعة حتي أصبح أمامها مباشرة:
"اللعنة عليك و علي قلبي الذليل".
أقتربت بشفتيها من أذنه و قالت:
"إذاً أتركني و شأني"
رفع فمه جانباً ببسمة ساخرة:
"لا حبيبتي لن أتركك و هذا ليس بسبب حبي لك، بل لأن أريدك أن تتذوقي المعني الحقيقي للعذاب"
ضحكت بسخرية مماثله و بنبرة استفزازية:
"عذاب!، أتعلم ما هو العذاب الحقيقي لدي، هو عندما أشتاق إليه هو و أجد نفسي بين ذراعيك أنت"
كانت كلماتها بمثابة الريح التي هبت علي جمر خامد لتزيده اشتعالاً فأندلعت نيرانه،
أمسك يديها و دفعها إلي الحائط فتأوهت و سألته بتوجس:
"ماذا تفعل كنان؟"
رمقها بنظرات تخلو من الحياة، لم يمهلها أن تدرك ما سيفعله بها، فأجاب:
"سوف أجعلك تشتاقين إليه حقاً"
قالها بصوت مرعب جعلها انتفضت بوجل، حاولت التملص منه لكن يحاوطها بجسده و أنقض عليها مثل ليث جائع لم يترك إليها مجال للتنفس، أخرج كل غضبه المكبوت بداخله في كل لمسه و قبلة، شعرت بشفتيها و هي تسحق و أنامله التي يغرزها في خصرها تقسم إنها كادت تخترق جلدها، كلما تصرخ يكمم فمها بقبلة دامية، مزق ثيابها بوحشية لم يرحم توسلاتها، و ألقي بها علي المضجع بكل قوة حتي تحطمت ألواح الخشب أسفل الفراش، لم يتركها حتي أنهكت قواها و بدي علي ملامحها التعب الشديد، نهض من فوقها و هو يلتقط ثيابه و رمقها بإزدراء قائلاً:
"من الآن و صاعداً سأتعامل معك كعاهرة لأنك لا تستحقين سوي ذلك"
༺༻
يصدح رنين الجرس في أرجاء المنزل، كانت الجدة تجلس علي الكرسي داخل غرفتها تصلي، أدت التحية و أنتهت ثم صاحت منادية:
"يا ولاد حد يشوف مين اللي علي الباب".
ركض كلا من قصي الصغير و شقيقه الأوسط يزيد، يتسابقا نحو الباب
"أنا اللي هافتح".
دفعه الأخر يصيح بإصرار:
"أوعي أنا اللي هافتح".
توقف كليهما قبل أن يقتربا من الباب عندما صاحت والدتهما:
"اللي هاشوفه هيجي جمب الباب هعلقه، أدخلوا جوة يلا و أقفلوا علي نفسكم الباب".
نفذ الصغيرين أمرها، بينما هي كانت ترتدي عباءة محتشمة و تغطي رأسها بوشاح مزركش، صاحت إلي الطارق:
"حاضر ياللي بتخبط".
قامت بفتح الباب و دون أي توقع لديها وجدته يقف بملامح باردة كالعادة، تظن إنه قد أتي نادماً و سوف يعتذر لكن ليس بجديد عليه أن يفاجئها، ألقي عليها أمره و كأنه لم يحدث أي شئ:
"أدخلي غيري هدومك و هاتي الأولاد و أنا هستناكم تحت عقبال ما تخلصوا و هاطلع أخدكم".
"مين يا دنيا؟".
سألتها الجدة من غرفتها فأجابت الأخري بصوت جهوري:
"واحد جاي علي عنوان غلط يا تيتا".
عقب الأخر بإبتسامة لم تصل إلي عينيه:
"يلا يا دنيا، أنا مش هعيد كلامي تاني".
يا له من وغد لعين، بعدما جعلها تبكي بدل الدموع دماء و يأتي إليها بعد هذا، يطلب منها العودة إليه!
"هو أنت مصدق نفسك بجد!، ده أنت حتي ياريتك جاي ندمان أو حتي حاسس بالذنب من اللي عيشتيني فيه طول السنين اللي فاتت".
لم يرف إليه هدب واحد، بل جز علي أسنانه و أخبرها:
"لينا بيت نتكلم فيه براحتنا، من غير ما نزعج حد و لا حد يزعجنا".
أدركت إنه يقصد جدتها، شعرت بالحنق الشديد حيال ذلك فقالت:
"هو أنت بتستعبط و لا عامل نفسك عبيط!، أنا مش راجعة لك، و خد بقي دي كمان أنا عايزة أتطلق لأن أنا خلاص ما أقدرش أعيش مع واحد أناني و خاين و كداب".
عقب بغضب:
"أنا ما خنتكيش يا دنيا، و اللي شوفتيه مجرد ذكريات محتفظ بيها، هاتغيري من حبة صور و شوية حاجات ملهاش لازمة!".
إنه بالفعل مع كل كلمة تصدر من فمه يزيدها ألماً و قهراً، فأجابت و تحاول أن تتمثل الهدوء أمامه:
"لاء خونتني، مش شرط تكون الخيانة بالمعني اللي أنت فاهمه، الخيانة هنا خيانة مشاعر، و قلب كان بيحبك إخلاص و أنت عايش علي حب واحدة ما طقتش العيشة معاك و هربت منك، تصدق بالله أنا مش متضايقة و لاغيرانة منها، بالعكس ده أنا بقول يا بختها ربنا نجدها منك".
كلماتها كانت كفيلة بإضرام نيران قلبه التي يحاول إخمادها منذ أن رأي صورة زوجته الأولي مع من يعلن إنها عشقيته.
༺༻
أطلقت كارين شهقة بصدمة ثم قالت:
"يخرب عقلك يا صبا، إزاي خطر في بالك أصلاً أنك تعملي كدة!، ده أنتِ أحمدي ربنا إنه معملش فيكِ زي أيام زمان".
عقبت الأخري من بين بكائها:
"ياريته كان عمل كدة بس علي الأقل يتكلم معايا، بقولك مقاطعني و مش عايز يسمعني خالص، و لو لاقاني في مكان ما يطقش وجودي و ينزل في أوضة مكتبه و يفضل حابس نفسه فيها لحد ما ينام".
جذبتها الأخري و أخذت تربت عليها بمواساة قائلة:
"معلش يا حبيبتي، بإذن الله هيهدي و هيجي يكلمك، أسأليني أنا برغم قساوته بس هو حنين أوي، هو ممكن حب يعاقبك بالخصام عشان عارف إنك ما بتقدريش تستحملي زعله منك".
رفعت رأسها و نظرت إليها حائرة:
"شوري عليا يا كارين، قولي لي أعمل إيه عشان يسامحني".
فكرت قليلاً ثم سألتها:
"جربتي تكتبي له رسالة بدل ما هو مش عاوز يسمع لك؟".
هزت رأسها بالنفي و أجابت:
"لاء، ما كتبتش قبل كدة ليه أي رسالة".
"طب جربي، أكتبِ له كدة كل اللي عايزة تقوليه و صدقيني هتلاقيه بيتصل بيكِ علي طول و لا ما أتصلش لما هيرجع من الشركة هينادي لك عشان أكلمك".
صدح رنين رسالة واردة، ألتفت كلتيهما إلي الهاتف، أخذته صبا لتري محتوي الرسالة، و ما أن رأت الإشعار بأن المرسل إليها زوجها، صاحت بسعادة من بين عبراتها:
"ألحقى دي رسالة منه".
التصقت بجوارها و أخبرتها بفرح:
"شوفتي بقي، مش قولت لك هو حنين و مش هيستحمل، إفتحيها بقي و شوفي بعت لك إيه ".
قامت بالضغط علي الإشعار، فأنفتح لها الدردشة الخاصة بينها و بينه، و بدأت تقرأ الرسالة بقلبها قبل عينيها، تسمع صوته داخل أذنها:
"جهزي نفسك عشان السواق هياخدك علي الساعة ٦، هاكون في إنتظارك علي أحر من الجمر"
و أسفل النص أرسل رموز تعبيرية لقلوب حمراء و أزهار وردية
"أيوة بقي الله يسهلو، شكله عازمك علي عشا رومانسي".
استدارت بزاوية لتحدقها و القلق ينضح من عينيها تسألها:
"تفتكري!، أومال ليه أنا قلبي مقبوض و مش مرتاحة؟".
أشارت الأخري إليه نحو شاشة الهاتف قائلة:
"فين اللي مش مريحك في الرسالة، الراجل بعت لك إنك تجهزي نفسك عشان السواق هياخدك لمكان هو منتظرك فيه، و تحت الرسالة قلوب و ورد، مش لغز محير و لا حاجة، واضحة زي الشمس، هو عازمك علي العشا هتلاقيه محرج يتكلم معاكِ هنا، عشان أنا قاعدة معاكم بالإجبار، منه لله ابن خالك هو السبب في اللي أنا فيه".
كان قلبها يخبرها بأن هناك خطب ما، فهي تعلم صفاته جيداً، إن هدوئه منذ أن علم بخدعتها كالهدوء الذي يسبق العاصفة و سوف يجعلها تندم على فعلتها طوال عمرها.
تنهدت و قالت:
"برضو أنتِ مش فهماني، أنتِ لو شوفتي منظره كل ما أجي أتكلم معاه هتقولي إستحالة إنه هيسامحني، أكبر عيب في قصي يا كارين إنه مش بيسامح و لو حد غلط في حقه، مش بيسيبه غير لما بينتقم منه أشد إنتقام و يخليه يندم علي غلطته دي طول حياته".
"أنا معاكِ و عارفة عيبه ده، بس تفائلي خير، مش يمكن طبعه ده أتغير زي ما أتغيرت فيه حاجات كتير، و البركة فيكِ يا قمر"
نظرت نحو الفراغ و عقبت:
"ربنا يستر".
لكزتها الأخري بكتفها و قالت:
"أنتِ لسه واقفة عندك، قومي جهزي نفسك يلا الساعة خمسة، قدامك ساعة بس".
ابتسمت و كأن الحياة قد عادت إليها بعد الموت، و بعد قليل تقف أمام المرآة مرتدية ثوب أنيق يشبه ثوب حورية البحر، ذو لون زمردي يأسر العين، رفعت خصلاتها إلي أعلي علي هيئة كعكة بشكل أنيق و قامت بتمشيط غرة كثيفة علي جبهتها زادت من جمالها أضعافاً، تطلي شفتيها بالحمرة الداكنة، كما وضعت ظلال جفون أسود متدرج أظهر جمال عينيها الرمادية.
ولجت كارين إليها و سألتها:
"ها، جهزتي و لا لسه؟".
أجابت و تمسك بزجاجة العطر و أخذت تنثر الكثير منها:
"أنا خلصت، إيه رأيك؟".
استدارت إليها لتصيح الأخري بتهليل:
"ماشاء الله، مارلين مونرو يا أخواتي".
ضحكت علي هذا الإطراء و قالت:
"بس يا بكاشة".
"أنا مليش في جو المجاملات، أنتِ فعلاً زي القمر ماشاء الله، أراهنك أن قصي أول ما هايشوفك هياخدك علي اليخت بتاعه و تقضي honeymoon من أول و جديد".
غمزت بعينها مما جعلت الأخري لم تكف عن الضحك
و الآن هي في السيارة تجلس في المقعد الخلفي، تشاهد شوارع وسط العاصمة من خلف الزجاج و مياه نهر النيل و جمالها في الليل.
༺༻
و إذا به يجذب يديها و دفعها ليستطع أن يدلف ثم أغلق الباب بقدمه:
"أنا مش هحاسبك علي اللي أنتِ بتقوليه لأن ملتمس لك العذر، لكن أحب أعرفك أنا مش هطلقك، تجيب لي قصي تجيب لي الجن الأزرق، مش هعمل غير اللي أنا عايزه".
و لأول مرة تري هذا الوحش الذي يقف أمامها، شعرت بالخوف حقاً، فقالت بنبرة قد أوشكت علي البكاء:
"أنا فعلاً مش هجيب لك حد، بس القانون بيديني الحق أرفع عليك قضية طلاق أو خلع".
ضغط من قوة قبضتيه علي يديها و أخبرها محذراً إياها:
" أعمليها يا دنيا و يبقي أنتِ اللي خسرانة، الظاهر إنك ناسية أنا بشتغل إيه، أنا صاحب أكبر شركات للأمن و الحراسة، و علاقاتي و نفوذي كتير، و أقل حاجة بس ممكن أعملها و أخليكِ تلفي حوالين نفسك، أن أخد من الولاد و مش هاتشوفيهم و برضو مش هطلقك و هاتيجي لي بنفسك لحد عندي".
لم تتحمل ألم يديها و ألم قلبها من قساوة الذي باتت لم تعد تعرفه و كأنه أصبح شخص أخر، أجهشت بالبكاء:
"أنا إزاي كنت مخدوعة فيك أوي للدرجدي!، سنين و أنا عايشة معاك و مش عارفة حقيقتك و لا وشك التاني".
"وشي التاني ما بيظهرش غير للي بيقف قصادي، فبلاش تتحديني و تعملي أي حاجة تندمي عليها".
قالها ثم ترك يديها، ابتعدت عنه و أردف بأمر مرة أخري:
"خليكِ زي الشاطرة و اسمعي الكلام، هاتي شنطتك و الولاد و يلا".
"بنت ابني مش هتخطي برة عتبة باب الشقة، و لا هترجع لك".
كان قول الجدة التي خرجت من غرفتها للتو، يبدو إنها كانت تتابع الحوار منذ البداية
حدق إليها الأخر بغضب و أشار إليها بأصبعه محذراً:
"أنا بتكلم مع مراتي، فياريت تخليكِ في حالك أحسن".
دكت عصاها المعدنية في الأرض و قالت إليه:
"أخليني في حالي و أنت جاي في بيتي، عمال تزعق و تؤمر و تحرق دم حفيدتي و مبكيها، عايزني أقف ساكتة و أتفرج!".
خشيت دنيا أن يحتدم الحديث بينهما فأقتربت من جدتها و أخبرتها:
"حقك عليا أنا يا تيتا، معلش أدخلي جوة و هو خلاص هايمشي دلوقت".
صاح الأخر كالوحش الثائر:
"مش ماشي غير لما أخدك أنتِ و ولادي".
حدقت إليه الجدة بحدة ثم قالت إليه بحسم:
"جري إيه ياض مالك متفرعن كده ليه، أنت فاكر إن إحنا عشان ولايا و معناش راجل يقف لك، يبقي هاتعمل اللي أنت عايزه، أنا ست كبيرة اه في السن بس اللي يجرح دنيا بكلمة أكله بسناني، يعني إحمد ربنا أنك واقف علي رجلك".
كاد يقترب منها فوقفت دنيا بينهما، فصاح الأخر:
"أنا و الله لحد دلوقت مراعي إنك ست كبيرة في السن و ساكت".
تدخلت دنيا قائلة إليه بتوسل:
"أرجوك يا كنان أمشي دلوقت، و كفاية لحد كدة بقي".
صاحت جدتها:
"سبيه يوريني هايعمل معايا إيه".
ألتفت إليها الأخري:
"خلاص يا تيتا عشان خاطري".
أصبح وجهه محتقن بالدماء من فرط ما يشعر به من غضب، نظر إلي زوجته و سألها:
"لأخر مرة بقولك، هاتيجي معايا و لا لاء؟".
هزت رأسها و من بين دموعها أجابت:
"لاء يا كنان، مش جاية و أرجوك أمشي بقي".
نظرت إليه الجدة بإبتسامة نصر يشوبها الشماتة، أخبر حفيدتها بوعيد:
"تمام أوي، بس ياريت محدش فيكم يزعل من اللي هاعمله، و بفكرك يا دنيا، أنتِ بنفسك هتجي لي لحد عندي، خليكِ فاكرة الكلام ده كويس".
قالها و أتجه نحو الباب ثم فتحه بعنف و غادر،
لم تستطع أن تتمالك دموعها التي بالفعل تنساب علي خديها، لكن بكائها أزداد ليصبح نحيب، ركضت إلي غرفتها و أغلقت الباب.
༺༻
في أعلي اليخت تصدح الأغاني و يرددها بعض الحضور و هم يرقصون و يهللون، و آخرون يهنئون العروسين، فالعريس يرتدي حُلة قام بشرائها من إحدي دور الأزياء الإيطالية، أنيقة للغاية و كأنها صنعت خصيصاً إليه، و العروس ترتدي ثوب زفاف أبيض بدون أكمام مثل ثوب الأميرات في القرن الـ ١٩، تتجمع خصلاتها الذهبية في جديلة فرنسية و يعلو رأسها تاج من الألماس، جمالها يخطف العين.
تقف بجوار العريس مستندة علي ساعده بيدها و الأخري تمسك باقة أزهار بيضاء، يبدو علي ملامحها الحزن و القلق، تجرع النبيذ من الكأس التي في يده و سألها:
"زعلانة ليه عروسة؟".
طيف ابتسامة ارتسم علي ثغرها و أجابت:
"مفيش حاجة، و كفاية شرب، حضرتك شربت كتير النهاردة".
كاد يعقب علي حديثها التي زاد من إصراره علي معرفة الجواب و لا يبالي إلي النصيحة، حيث قاطعه إهتزاز هاتفه داخل جيب بنطاله، أجاب في التو:
"تمام، قولها مستنيها فوق، سلام".
أنهي المكالمة و دقات قلبه كانت تسبق خطواتها بعدما ترجلت من السيارة، أشار إلي المسئول عن تشغيل الأغاني، فتوقفت الأغاني و بدأت موسيقي رومانسية هادئة، جذب العروس من يدها و بيده الأخري من خصرها، همس بجوار أذنها قائلاً:
"المفروض في يوم زي ده تكوني مبسوطة و ابتسامتك ما تفارقش شفايفك".
رفعت وجهها و نظرت إلي عينيه و قالت:
"و أخر كل ده إيه؟، حضرتك ما أخدتش بالك من نظرات البنات بيبصوا لي بحقد و حتي زمايلي الرجالة قريت في عينهم جملة السكرتيرة اللي لعبت علي مديرها لحد ما خلته يتجوزها علي مراته، إحساس وحش أوي لما بتكون متهم أنك وحش و أنت مش كدة".
و في الأسفل كانت تري هؤلاء الموظفين و الموظفات، تعجبت من وجودهم، لما قام زوجها بدعوتهم في ميعاد المفترض أن يكون خاص بهما فقط، لكن باغتها القلق و الخوف عندما رأتها إحداهن و أشاحت و جهها إلي أخري و كأنها تخبرها بشئ و تضحك بسخرية.
بحثت بعينيها لم تجده، و انتبهت إلي الموسيقي التي تعشقها و تذكرها عندما كانت تتراقص عليها معه و بين يديه يعلو رويداً رويداً كلما تخطو درجة من السلم حتي وصلت، و أخذت تتلفت من حولها باحثة عنه، و عيون الجميع ينظرون إليها تارة و نحو العروسين تارة أخري و كأنهم في انتظار حدث كبير، لفت انتباهها هذا فأستدارت لتري إلي ماذا ينظرون!
انقطعت الأنفاس و تلاقت العيون، ذراعه تحاوط خصر التي تقف جواره و ترتدي ثوب الزفاف، و كذلك هو يرتدي حُلة عريس تشبه كثيراً مثل الذي قام بإرتدائها في ليلة زفافهما، أغمضت عينيها لعله حلم مزعج و سيتلاشي الآن، لكن عندما فتحت وجدت هذه مجرد حقيقة بمثابة رصاصة نارية تخترق الفؤاد بلا رحمة!
الفصول الثالث عشر من هنا
الجزء الثالث من هنا
لقراءة الجزء الاول جميع الفصول اضغط هنا
لقراءة الجزء الثاني جميع الفصول اضغط هنا
رواية غابة الذئاب من صراع الذئاب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ولاء رفعت علي
🐺 غابة الذئاب «ما بعد العهد» 🐺
"الجزء الثالث من رواية صراع الذئاب"
بقلم: ولاء رفعت علي
الكل ينظر إليها بلهفة، يريدون معرفة ماذا ستفعل إنه لخبر الموسم و الذي ستتحدث عنه الشركة و جميع فروع البحيري عن هذا الحدث.
سرعان ارتسمت الإبتسامة علي شفاها ذات الأحمر القاني كحبة توت يكسوها العسل، تقدمت نحوه بخطوات صوت قرع كعب حذائها يتزامن مع دقات فؤاده التي لا تقل حالته سوءاً عنها، توقفت أمامه و تحدق إليه بنظرة ظاهرها القوة و الثبات و فم تتراقص عليه السعادة لا سيما عندما افترقت شفتيها لتقول إليه و الفرح يغمر عينيها:
"ألف مبروك يا حبيبي".
كان هذا علي مرأى و مسمع التي تقف جواره و جسدها يرتجف خاصة بعد ما فعلته زوجته، قد تيقنت أنها وقعت أمام خصم قوي لا يستهان به بل عليها الحذر و الخوف.
لم تقف الأخري عن إبداء التهنئة إلي زوجها أمام الحضور، بل و فتحت ذراعيها لتغمره في عناق مشتاق قد زاده الشوق رهقاً، قامت بتقبيل وجنتيه ثم أخبرته بهمسٍ جوار أذنه:
"إيه مش ناوي تعرف عروستك عليا، و لا خايف تقولها إن أبقي مراتك!"
انسحبت من هذا العناق و مازالت البسمة لم تترك ثغرها، أومأ لها و أخبر التي بجواره:
"أحب أعرفك يا منار علي صبا"
عقبت صبا علي حديثه لتأكد للأخري:
"صبا الرفاعي، مراته و أم ولاده".
ابتلعت منار لعابها في توتر و دون أن تشعر مدت يدها للمصافحة:
"أهلاً يا صبا".
لم ترفع الأخرى يدها حتي للمصافحة و أخبرتها بغرور:
"صبا هانم، زي ما زمايلك بينادوني، و لا مديرك ماقالكيش؟".
كانت تراعى الحالة النفسية التي تمر بها صبا بل و أرادت أن تنهي تلك المهزلة و تخبرها عن الحقيقة:
"مدام صبا أنا...
قاطع قصي حديثها بعدما أدرك ما كانت سوف تبوح به إليها:
"قولت لها إنها مراتي زيها زيك، بقي ليها فيا زي ما ليكِ بالظبط".
كانت كلماته تخرج من فمه كالسهام النارية، جميعها تراشق بقوة و كأن هذا ما ينقصها أيضاً، ألم يرحم قلبها الذي أصبح صريعاً بين يديه!
أراد أن يري الألم داخل عينيها كما يشعر به أيضاً، فهو يجرح نفسه قبل أن يجرحها، لأنه يعلم ما يجول في داخلها الآن، لكن هي كانت كالجبل الصامد الذي يتعرض إلي اهتزازات زلزال مدمر أدت إلي ضعفه من الداخل و علي وشك الإنهيار، لكنها تقف بكل شموخ تظهر قوة غرار ما توقع علي الإطلاق.
نظرت نحوها بازدراء ثم عادت ببصرها إليه تخبره بتهكم لاذع:
"هو حد يقدر يقول غير كدة، دي حتي عروستنا طلعت أحلي من الصور اللي كانت خدتها ملك ليها أيام ما كانت بتشتغل سكرتيرة عند مصعب".
حدقها بجدية و إمتعاض زائف قائلاً:
"صبا، حاسبي علي كلامك، و ما تنسيش إنها بقت مراتي".
ظل كليهما يتبادل النظر إلي الأخر حتي قاطعهما صوت إحداهن و بجوارها فتاة أخرى:
"ممكن ناخد صورة لحضرتك أنت و صبا هانم؟".
"مفيش...
كاد يتحدث فبترت صبا ما كان سيتفوه به و قالت:
"أتفضلوا".
و قامت بدفع منار بكتفها لتقف بجوار زوجها و وضعت يدها علي ساعده، نظرت إلي منار بجوارها من طرف عينيها بازدراء و قالت:
"حاسبي بس كدة".
باغتها بصدمة أخرى عندما استدار و وقف في المنتصف يمسك بيد منار، فحدقت إليه بتعجب فأخبرها:
"واضح أنك لسه مش مستوعبة، عموماً ممكن أديلك عنوان المأذون اللي كتابنا الكتاب عنده أو ممكن تستني لحد ما استلم قسيمة الجواز و هخليكِ تتأكدي بنفسك".
تظاهرت بعدم الإهتمام لما اخبرها به للتو، وضعت يدها بجوارها و نظرت إلي عدسة هاتف الفتاة التي تلتقط إليها، لتجد ذراعه تمتد حول خصرها بتملك مبتسماً و كأن الذي يحدث أمراً عادياً.
ارتفعت همسات إحداهن إلي زميلها و هما يشاهدان ما يجرى:
"هو فيه كدة بجد!، أنا هاتجنن إزاى بيعشق مدام صبا و في نفس الوقت يتجوز عليها، لاء و السكرتيرة الجديدة كمان".
عقب زميلها بتحذير:
"وطي صوتك بدل ما يسمعك و تحصلي اللي اتطردوا من الشركة، و بعدين الراجل معملش حاجة غلط، ده حقه الشرعى و هتلاقيه كان زهقان فحب ينوع، بس بأمانة ذوقه جامد أوي أوي يعني، يا بخته".
كان هذا الحوار الدائر وصل إلي سمعها فأبتلعت غصة شديدة المرارة، عليها أن تظل علي هذا الثبات حتي لا يشمت بها أحداً، يكفي نظراتهم التي تنضح بعلامات التعجب و يشوبها الضحك المستتر و الأحاديث الجانبية.
ابتعدت من جوار زوجها تحت نظره الذي لا يحيد عنها، ذهبت إلي المسئول عن تشغيل الأغاني و ألتقطت منه الميكروفون ثم وقفت أمام الحضور و قالت:
"طبعاً أشكركم جميعاً علي وجودكم و وقفتكم جمب جوزي حبيبي في يوم زي ده، و الفرح مش هايكمل غير بوجودي جمبه طبعاً".
تعالت الهمسات بين الحضور، فعادت الأخرى لتكمل حديثها:
"ما لكم مستغربين ليه، أول مرة تشوفوا واحدة بتحضر فرح جوزها علي واحدة تانية!، أحب أقولكم إن اللي بينا أنا و قصي أكبر بكتير إن أي حد يفهمه، و من عشقي ليه نفسي أشوف الفرحة في عينيه ديماً حتي لو سعادته دي هاتبقي إنه يتجوز واحدة تانية".
عادت إلي مسئول تشغيل الأغاني و أخبرته بتشغيل الموسيقي التي رقصت عليها تانجو مع زوجها في بداية زواجهما عندما كانا في إيطاليا.
كان الأخر يتوقع ردة فعلها التي لا تخلو من الكبرياء، أشارت إليه أمام الحضور بأن يتقدم منها ليشاركها في الرقص، ألتفت إلي منار أولاً و كأنه يخبرها شيئاً ثم قام بتقبيل جبهتها و عينيه صوب التي تنتظره ليرى ألسنة من اللهب داخل عينيها و برغم من ذلك تحتفظ بإبتسامتها، ترك عروسه و ذهب إليها يحدقها بزهو و نظرة رجل يدرك ما يفعله جيداً، أصبح علي مقربة منها فكادت تبتعد بنفور، لم يمهلها فرصة الإبتعاد فجذبها من خصرها حتي التصقت به ، أمسك بيديها ليضعها علي كتفيه ثم و ضع يديه علي خصرها و بدأ يتراقص كليهما علي إيقاع الموسيقى.
و بنبرة لا تخلو من الثقة أخبرها:
"عماله تكابرى و بتمثلى إنك قوية، أنا حافظك أكتر من نفسك".
رمقته بسخط و حاولت التملص من يديه، لكنه كان الأسرع، أمسك يدها و وضعها علي كتفه و يدها الأخرى يمسكها بخاصته ثم جعلها تميل إلي الخلف بجذعها و هو يدنو منها، عادت لتقف مجدداً و تخطو معه علي نغمات الموسيقي، ابتسمت للمرة المائة و أجابت:
"بتهيقلك، أنا يمكن في عز قوتي دلوقت، و مفيش حد يقدر يكسرني حتي لو الحد ده يبقي أنت".
نظر في عينيها للحظات، يرى في عينيها تلك الأنثى المتمردة و صعبة الترويض كما كانت في بداية زواجهما.
دفعها بقوة علي امتداد ذراعه ثم جذبها و في حركة دائرية عادت إلي صدره، وضعت كفها علي موضع قلبه و أردفت:
"كفاية ريحة النبيذ اللي مش بتشربه غير و أنت في أسوأ حالاتك".
رفع جانب فمه بإبتسامة ساخرة و عقب بكل ثقة:
"و بشربه برضو لما ببقي مبسوط أوي، و أنا دلوقت في قمة سعادتي".
اقتربت الموسيقي علي النهاية، وقفت خلفه و وضعت يديها علي كتفيه ليمسك بهما و جعلها تقف مولية إليه ظهرها، نظرت إليه من طرف عينيها و قالت له:
"و أنت فاكر تمثليتك السخيفة دي دخلت عليا!، أنت حبيت تعلمني الدرس بس علي طريقتك".
ألتفت و حدقته وجهاً لوجه، رمقته بإمتعاض، و ألقت عليه أمرها:
"أحسن لك تمشي الناس دي من هنا، و أولهم البت دي".
توقف عن الرقص و أخبرها بتحذير و لهجة حادة:
"لأخر مرة بحذرك يا صبا، أولاً البت دي ليها اسم، ثانياً بقي أنا هنا اللي أؤمر و بس".
رفعت إحدى حاجبيها و بثقة بالغة أجابت علي حديثه:
"مش هتوصل لغرضك يا قصي، لأن أنا فاهماك كويس أوي، و البتاعة دي هتطلقها حالاً يا إما ما تلومش غير نفسك".
ظنت إنه سوف يرضخ لأمرها و تهديدها الجلى الذي أدرك ما ترمي إليه و ليس لديها الجرأة الكافية بأن تخبره إياه صراحةً، فقال لها ببرود تام:
"براحتك خالص، اللي أنتِ شايفاه أعمليه".
تسمرت في مكانها كتمثال يرتسم علي وجهها الصدمة، و لكي تنسحب من تلك الحرب لجأت إلي سلاح الفرار من أرض المعركة، يكفي خسائر إلي هذا الحد، وضعت يدها علي رأسها و ابتعدت خطوة إلي الوراء غير مصدقة، أقترب منها بقلق و خوف:
"صبا أنتِ كويسة؟".
رأت في عينيه خوف و لهفة عاشقها المتيم بها، يكفي رؤية تلك النظرة قبل الإستسلام إلي فقدان الوعي.
༺༻
استيقظت للتو بعد أن لجأت إلي النوم بعدما عادت إلي وعيها، و ذلك خوفاً من مواجهته، تظن إنه ربما قد رآها برفقة هذا المحتال الذي أصبحت فريسة بين يديه، و لا تعلم ماذا عليها أن تفعل، تشعر بالعجز كلما تخيلت لو علم زوجها بالأمر ماذا ستكون ردة فعله، تتوقع أسوأ السيناريوهات التي تترتب بعد معرفته، لذا قررت كما أوقعت حالها في تلك الكارثة يجب أن تحل الأمر أيضاً، بحثت عن هاتفها لم تجده علي الكمود و كذلك طاولة الزينة، نهضت و تشعر بالوهن، لاحظت إنها مازالت بالثوب التي كانت ترتديه في الخارج.
سارت بخطوات وئيدة بسبب ما تشعر به من إنخفاض في ضغط الدم الذي يصيبها كلما تشعر بالخوف أو بالتعب الشديد، وصلت لدي الباب وضعت يدها علي المقبض، كادت تفتح لتجد الباب يفتح، أنتفضت بفزع و تراجعت بضع خطوات إلي الخلف، وجدته يدخل حاملاً علي يده صينية فوقها أطباق من الطعام و كأس عصير.
"أنا كنت بحسبك لسه نايمة، كويس أنك صحيتي عشان تاكلي".
سار إلي الطاولة و وضع الصينية أعلاها، ألتفت إليها ليجدها تقف في مكانها و تحدق إليه في صمت و توجس، اقترب منها و أمسك بيديها، سألها و يشعر بالقلق عليها:
"مالك يا حبيبتي واقفة كده ليه؟".
عندما رأت قلقه عليها في نظرة عينيه إليها شعرت بالطمأنينة، فسألته:
"هو أنا...
قاطع جملتها بجذبها بين ذراعيه فكانت كالطفلة الصغيرة بين يديه، هذا لفرق الطول بينهما حيث يصل رأسها إلي منتصف صدره، يغمرها بحبه و يغدق عليها بحنانه الفياض
، أخبرها بصوته الرخيم و بنبرة لا تخلو من الرومانسية:
"حقك عليا يا حبيبتي، ما تزعليش مني، أنا ساعات ما بقدرش أتحكم في نفسي و بتعصب بسرعة".
تنفست الصعداء في تلك اللحظة، و قررت أن تمحو كل أثر لكل ما يعكر صفو حياتهما، ابعدت رأسها عن صدره و رفعت وجهها قليلاً لتنظر إليه قائلة:
"أنا كمان آسفة علي أي حاجة ضايقتك مني".
دنا بشفتيه نحو جبهتها و طبع قبلة ثم أمسك بيدها و قام أيضاً بتقبيل منتصف كفها، يحدقها بنظرة مليئة بالعشق و الغرام:
"أنا لما بشد معاكِ بيكون من خوفي عليكِ، أنتِ بالنسبة لي مراتي وحبيبتي و بنتي اللي بخاف عليها من أي حاجة تأذيها أو تأذي حتي مشاعرك، حتي أنا لما بتخانق معاكِ ببقي مضايق من نفسي".
أغمضت عينيها و تسمع و تشعر بكلماته و رأسها يستند علي صدره، تسمع دقات قلبه الذي يخفق بقوة و هو يخبرها عن مدى عشقه لها، هل تقوم بإستغلال تلك اللحظة و الهدوء و السلام الذي ينعم به حالياً لتخبره عن ما حدث و تهديد المدعو زيكو إليها!
"أنا بعشقك أوي يا مصعب، عمري ما أتصور حياتي لحظة من غيرك، أنا، أنا..
ابعدت رأسها مرة أخري عن صدره و وقفت علي أطراف قدميها و رفعت ذراعيها لتحاوط عنقه، نظرت إلي عينيه أولاً و هبطت ببصرها إلي موطن كلماته، و بعنفوان عاشقة التقطت شفتيه في قبلة فاضت من خلالها بكل مشاعرها نحوه، بادلها هو أيضاً تلك القُبلة بل و قام بحملها من خصرها، سار إلي الخلف ليغلق الباب بقدمه ثم تقدم نحو الفراش و مازال يبادلها التقبيل.
هبط بها أعلي المضجع و ترك شفتيها ليلتقط كليهما أنفاسهما، ترددت قليلاً ثم أخبرته:
"أنت واحشني أوي".
أجاب و حالته لا تقل عنها في الشوق و اللهفة:
"أنا اللي مشتاق لك أوي و خايف عليكِ عشان أنتِ تعبانة، ده أنا قلبي وقع في رجليا لما لاقيتك أغمي عليكِ، هو أنتِ أصلاً إيه اللي خلاكِ سيبتي البنات لوحدهم جوه في النادي و روحتي الكافيه، كنتِ مع مين؟".
كان سؤاله بمثابة صخرة قامت بدفع جسدها من قمة جبل مرتفع فسقطت في وادٍ مليئ بالضباب، لم تجد مستقرً لجسدها أو تري أي شيئاً من حولها، ابتلعت لعابها بتوتر ثم أجابت دون أن تنظر إليه، تخشي أن يدرك إنها تكذب عليه:
"كنت، كنت هقابل رودي و ماجتش".
تنهد ثم عقب علي إجابتها بعد أن أمسك طرف ذقنها ليجعلها ترفع وجهها و تنظر إليه:
"و سبب أن أغمي عليكِ طبعاً، عشان ما فطرتيش و لا أتغديتي و دلوقت الساعة بقت ٨ بالليل و سيادتك و لا كلتي و لا شربتي أي حاجة، ينفع كدة؟".
حدقت إليه ببراءة لتخبره بعدم رغبة:
"أنا مكنش ليا نفس و لحد دلوقتي مش جعانة ".
"مفيش حاجة اسمها مش جعانة، قومي يلا عشان تاكلي".
بمزاح نظرت إليه بحزن زائف و سألته:
"لازم يعني؟".
أومأ لها قائلاً:
"اه لازم تاكلي، عشان ورانا حاجات مهمة".
سألته بمكر:
"حاجات إيه؟".
ابتسم و قام بحملها علي ذراعيه:
"لما تاكلي هقولك".
سار بها نحو الطاولة ثم جلس علي المقعد و جعلها تجلس علي فخذيه، كأنها طفلته الصغيرة، أخذ يطعمها بالملعقة، ثم يأكل هو بنفس الملعقة، تناولت بيدها قطعة مقبلات و وضعتها في فمه، لم يدخلها كاملة و ترك نصف القطعة خارج شفتيه، نظر إليها و هز رأسه لتشاركه أكل القطعة، ابتسمت و قامت بمشاركته في تناولها، أسرع في ابتلاع ما بداخل فمه ليلتقم شفتيها في قبلة ناعمة، ترك الملعقة و حاوطها بين ذراعيه في عناق بدى هادئاً ليتحول بعد ذلك إلي عناق قوي، لم تشعر بقدميها و كأنها تحلق في الهواء، و بدون أن تدرك متي و كيف وصلت إلي الفراش، يغمرها عشقاً و دلالاً، يلقي علي سمعها أعذب و أرق الكلمات في وصف جمالها الفتان.
انفصل كليهما عن المكان و الزمان في رحلة أعلي السحاب، تحلق بين يديه و ألقت خلف ظهرها كل ما يثير مخاوفها، لذا قررت بعد الإنتهاء من رحلة التحليق معه سوف تخبره بكل شئ، لكن تريد أولاً أن يطمئن قلبها.
و بعد مرور وقت، خرج من المرحاض يرتدي المعطف القطني و يمسك بيده منشفه صغيرة يجفف بها شعره، وجدها تقف أمام المرآة و تمسك بمجفف الشعر و توجهه صوب خصلاتها المبتلة، وجدته ينظر إليها عبر المرآة و الإبتسامة تزين شفتيه، بادلته البسمة و داخلها تشعر بالتوتر الشديد، تركت ما في يدها و نهضت لتستدير إليه و سألته:
"حبيبي كنت عايزة أخد رأيك في موضوع".
ألقي بالمنشفة علي السرير ثم جذبها بين يديه و قال لها:
"اتفضلي و رأيي و عيوني و كُلي ليكِ".
ابتسمت بتوتر و أخبرته:
"فاكر صاحبتي اللي قولت لك إن أنا عرفتها من علي الفيس؟".
عقد ما بين حاجبيه و بدى علي ملامحه الضيق عندما تذكر هذا الأمر، ابتلعت لعابها و أجابت:
"أصلها يا عيني واقعة في مشكلة و مش عارفة تعمل إيه، هي كانت اتعرفت علي واحدة من علي الفيس، و الواحدة دي طلعت واحد و ضحك عليها و عرف يهكر الفون بتاعها و خد كل حاجة عليه صورها، ده غير إنها لما كانت فاكراه واحدة ست زيها كانت بتحكي لها عن حاجات خاصة ما بينها و بين جوزها علي سبيل الفضفضة، المصيبة بقي إنها بعد ما أكتشفت حقيقته هددها إنه هيفضحها لو ما أدتهوش فلوس يا إما هيقول لجوزها علي كل حاجة".
كانت ملامحه و هو ينصت إليها تنم عن الضيق و طيف من الغضب فقال لها:
"شوفتي لما كنت بحذرك من أنك تكلمي واحدة غريبة من علي الزفت اللي اسمه الفيس، يبقي كان عندي حق، أولاً الست دي مش محترمة إنها تتكلم و تحكي أسرار بيتها و اللي ما بينها و بين جوزها مع أي حد حتي لو كانت واحدة صاحبتها من سنين، ده لو أختها اللي من دمها برضو ما ينفعش تحكي، تاني حاجة بقي اللي حصلها ده أكبر درس ياريت تتعلم منه لما تدي الأمان لواحدة لا شفتها و لا سمعت صوتها و لا تعرف هي مين و عايزة منها إيه، و أديها وقعت فريسة لعيل صايع خليها بقي تتعلم الأدب".
حاولت أن تظهر إليه الهدوء غرار الرعب الذي دب في قلبها من سماع حكم زوجها، فما باله تلك السيدة هي زوجته ماذا كان فعل بها!
عقبت علي حديثه قائلة:
"هي علي فكرة واحدة محترمة و طيبة جداً".
"لاء يا ملك، دي مش طيبة دي اسمها سذاجة و عبط، و ياريت جوزها يعرف اللي عملته و لازم ياخد منها موقف جامد عشان تبقي تفكر مليون مرة قبل ما تعمل حاجة زي كدة و تحكي أسرار بيتها".
ابتلعت لعابها للمرة العاشرة من التوتر و الخوف، فقالت:
"المشكلة بقي في جوزها هو صعب جداً، و خايفة إنه يعرف".
أجاب بغضبٍ و جدية:
"و هي الهانم ما احترمتش جوزها ليه من الأول، ملك أقطعي علاقتك بالست دي نهائي، إعملي لها بلوك و إياكِ تكلمي أي واحدة ما تعرفيهاش لإما و الله العظيم لأحلف عليكِ إنك ما تفتحيش فيس اللي ما بيجيش من وراه غير البلاوي".
لم تجد رد سوي أن هزت رأسها بطاعة فأردف:
"أنا بحذرك عشان خايف عليكِ، شياطين الإنس كتير حوالينا و اللي زي صاحبتك و زيك كدة بيبقوا صيد سهل أوي ليهم، و الموضوع ياريت يجي علي قد الإبتزاز و المقابل الفلوس، ده ممكن الموضوع يوصل للعرض و الشرف، و الواحدة تبدأ تتنازل عن أي حاجة و لا إنها تتفضح، فاهمة يا حبيبتي؟".
أجابت بهمس:
"فهمت".
ثم أردفت داخل عقلها:
"للأسف فهمت متأخر أوي".
انتبهت إلي سؤاله:
"مالك سرحانة في إيه؟".
حدقته بشبه ابتسامة:
"مش سرحانة، بفكر في كلامك".
سألها بنظرة ثاقبة:
"أوعي يا ملك تكوني مخبية عليا حاجة؟".
هزت رأسها بنفي و قالت:
"لاء، هخبي إيه يعني، ما أنا باجي أحكي لك و بفضفض معاك".
وضع يده علي خدها قائلاً:
"و دي أحلي حاجة فيكِ يا حبيبتي".
ابتسمت إليه ثم سألته:
"اه صح هما البنات فين، مش سامعة صوتهم؟ ".
ابتعد عنها و ذهب إلي الخزانة يخرج ثياباً له:
"البنات أكلتهم و قعدت ذاكرت لهم شويه لحد ما ناموا، رودي أتصلت تطمن عليكِ، و بعدها ياسين اتصل عليكِ لما كنتِ نايمة بيقولك إنه هايعدي عليكِ بكرة هايسيب ياسمين عندك".
و كأنها تذكرت أمراً هاماً:
"ده أنا نسيت خالص، بكرة عيد ميلاد ياسمين و المفروض كنت كلمت أخواتي عشان نتجمع بكرة في القصر و نحتفل كلنا مع بعض".
كان يرتدي قميصاً قطنياً بنصف أكمام بعد أن ارتدي البنطال، فقال لها:
"عادي ممكن تتصلي عليهم دلوقتي و نعملوا بكرة بالليل بعد ما الكل يرجع من شغله".
" تمام، طيب الفون بتاعي فين؟".
"برة في الليفينج هتلاقي جمبه اللاب علي التربيزة هاتيه معاكِ ورايا شوية حاجات تبع الشغل هخلصها قبل ما أنام".
"حاضر".
قالتها و ذهبت بخطوات تسبقها خفقات قلبها، تدعو أن لا يكون هاتفها متصلاً بشبكة الإنترنت، أخذته من فوق المنضدة و ألقت نظرة نحو الغرفة ثم قامت بفتح الإتصال بالإنترنت، كما أخبرها حدسها، تلقت إشعاراً برسالة واردة، قامت بفتحها قبل أن تفعل خاصية الحظر له، فتحت صندوق الدردشة و أنتابها شعور بصدمة ألجمت لسانها و جعلت عينيها كادت تخرج من محجريهما، عدد من الصور ألتقطت لها برفقة هذا المحتال في الكافتريا، و ليست مجرد صوراً عادية، من يراها من زاوية التصوير التي ألتقطت منها يظن إنهما في موعد غرامي، أسفل الصور رسالة نصية كالآتي:
«أنتِ فاكراني هعديلك موضوع القلم و الحركة التانية دي بالساهل، و رحمة الحاجة لو ما جبتي المبلغ اللي قولتك عليه زائد الطلب التاني و اللي أنتِ عارفاه كويس ليكون كل اللي معايا ده و فوقيهم الصور يتبعتوا لجوزك و مش بس كدة صورتك ام بكيني هخليها لك تتجول في كل الجروبات و الصفحات، و عشان أنا جدع هديكِ مهلة تلات أيام، لو جه الرابع يبقي أستلقي وعدك، سلاموز يا بطل».
༺༻
وصلت السيارة أمام القصر و ترجل منها ثم أنحني إلي داخل السيارة ليحملها، و قال إلي زوجته الأخرى التي تمسك بثوب زفافها، تلملم أطرافه استعداداً لمغادرة السيارة:
"لو حد جوة كلمك ما ترديش عليه، و لو أي حد يضايقك تقولي لي علي طول".
أومأت له فأردف بأمر:
"أنزلي يلا".
فعلت كما قال و سارت خلفه، بمجرد أن ولج إلي الداخل يحمل صبا علي ذراعيه، شهقت كارين و لم تقل عنها زينات من الصدمة، سألته بخوف و قلق:
"هي حصلها إيه؟".
و نظرت كارين إلي منار تتفحص مظهرها و ثوب الزفاف الذي ترتديه، صاحت بتعجب:
"مين دي يا قصي؟".
ألقي عليهما إجابته بإقتضاب:
"منار مراتي".
تركهما في حالة صدمة و كأن حطت علي رؤوسهما الطير، صعد إلي الأعلي و مازالت الأخري تتبعه كظله، و في الأعلي أشار لها نحو الغرفة:
"أفتحي الباب ده و استنيني هنا".
فعلت ما أمرها به و دلف إلي الداخل، وضع صبا أعلي السرير و خرج إلي التي تنتظره قائلاً:
"تعالي".
سارت خلفه و تتأمل المكان من حولها، أول مرة تخطو داخل قصر بهذا الثراء
"أدخلي".
لم تنتبه إليه فكانت شاردة في اللوحات المعلقة علي الجدار المقابل للغرفة، صاح بها:
"واقفة عندك بتعملي إيه؟، مش بقولك أدخلي ".
انتفضت بفزع من صوته المرتفع و لهجته الحادة، فأسرعت إلي الداخل و نظرت إليه بخوف و حزن قائلة:
"معلش مكنتش سامعة، و بليز ممكن ما تزعقليش كده تاني؟".
أطلق زفرة ينفث بها غضبه، ليس منها لكن من نفسه، ربما الشعور بالندم بدأ ينتابه بسب ما فعله
"بصي دي الأوضة اللي هاتقعدي فيها، أنا خليت الشغالة تحط لك هدومك و حاجتك في الـ dressing room، خليكِ هنا و أقفلي عليكِ الباب لحد ما أجي لك، و لو محتاجة أي حاجة أتصلي عليا".
أومأت له بطاعة قائلة:
"أمرك يا فندم".
جز علي أسنانه فقال بحنق:
"إحنا المفروض أتنين متجوزين، عمرك شوفتي واحده بتقول لجوزها أمرك يا فندم!".
أجابت بنبرة وشيكة علي البكاء:
"أنا نسيت، و بعدين أنا ما أتجوزتش قبل كدة".
"الحاجات دي مش محتاجة خبرة، دي محتاجة فهم، خدي بالك أنا معنديش صبر و خلقي ضيق، أعملي اللي قولت لك عليه وخلاص".
هزت رأسها إليه و قالت:
"حاضر".
تركها مُتجهاً إلي الغرفة الأخري، وجد كارين تقطع طريقه تسأله بحدة:
"أنت فعلاً أتجوزت علي صبا يا قصي؟".
"خليكِ في حالك يا كارين".
أخبرها بأمر حاد، أعترضت طريقه مرة أخري:
"أصل لو أنا اللي فهمته ده حقيقي، يبقي حرام عليك و كده ما تفرقش حاجة عن أخوك الخاين".
أمسك رسغها و قال لها بتهديد:
"و أنا بقولك خليكِ في حالك يا كارين، أنا عارف أنا بعمل إيه".
فتح الباب و ولج إلي الداخل
"أخوك برضو كان بيقول كدة و...
أغلق الباب في وجهها، فصاحت بغضب:
"بتقفل الباب في وشي!، طب و الله ما قاعدة لك فيها و هاخد الولاد و مروحة علي شقتي".
أتاها صوته من الداخل:
"أعمليها و وريني هاتخرجي إزاي".
صاحت و أخبرته بإصرار:
"يطلع الصبح و مش هاتشوف وشي ".
رأت المقبض يتحرك فأطلقت ساقيها للريح، فتح الباب و رآها تركض، هز رأسه مبتسماً ثم أغلق الباب و عاد إلي تلك الفاقدة للوعي، جلس بجوارها و أخذ يزيح خصلاتها المبعثرة علي وجهها، و ما أن لمست يده بشرتها أرتجف جسدها، علم علي الفور تتصنع الإغماء أو ربما يرفض عقلها الإستيقاظ و استيعاب ما حدث.
رفع حاجبه و قال لها بأمر و سخرية:
"قومي و بطلي تمثيل".
فتحت عينيها و دفعت يده عن وجهها، تصيح بكل ما تشعر به من غضب و سخط حياله:
"ابعد إيدك دي عني، و يكون في علمك أقسم بالله يا قصي ما هعدي لك اللي عملته فيا".
أشار إليها بسبابته محذراً إياها:
"صوتك ما يعلاش و أنتِ بتتكلمِ معايا، إحنا مش عايشين لوحدنا".
لم تكترث إلي تحذيره بل و أجابت بنفس وتيرة الصوت المرتفع:
"خايف لكارين تسمعك و تعرف أنك ما فارقتش حاجة عن أخوك اللي أنت بنفسك حكمت عليه إنه يطلقها عشان راح أتجوزها عليها! ".
عقب بصياح مماثل و غضب عارم:
"عشان كارين ما خدعتهوش و لا ضحكت عليه زيك".
صرخت باكية:
"تقوم تتجوز عليا!، و مين البت السكرتيرة اللي كنت بترجاك تمشيها من الشركة، تقوم متجوزها عشان تحرق لي دمي!".
نهض و عقب علي كلماتها بكل ما يحمله بداخله من قهرٍ و ألم:
"أنا واحد نفسه في ذرية تشيل اسمه، طلبت منك كدة قولتي لي خايفة علي جسمك و شكلك، و لما أصريت علي طلبي خدتيني علي قد عقلي، أتاريكِ مستغفلاني و بتاخدي برشام منع الحمل لحد ما ربنا كشف خداعك ليا قدامي".
رددت بإستهزاء من ما أخبرها به للتو:
"مستغفلاك!، وخداع!، اللي يسمع اللي أنت بتقوله يفتكر إن أنا خنتك!".
كان غضبه يخفي في طياته ألماً و قلباً يذرف الدماء حزناً:
"أيوه، اللي عملتيه بالنسبة لي خيانة، لما تكوني في حضني و مديكِ الثقة و الأمان و تكوني في نفس الوقت بتكدبي عليا، لو واحد غيري كان أتجوز عليكِ بجد واحدة تعمله اللي هو عايزه، لكن اللي شفع لك عندي قلبي".
"ياريتك كنت طلقتني أهون من عملتك السودة، عازمني علي فرحك و تقولي قلبك شفع لي، أومال لو مكنتش بتحبني كنت دفنتني حية!، و لا هاتحبسني في البدروم زي أيام زمان اللي راجعة في ثوبها الجديد!".
أطلقت تلك الكلمات لعلها تجعله يشعر بتلك النيران التي تحرقها بلا هوادة، لم تدرك أن تلك الكلمات أصابت هدفها و جعلته يقف متسمراً غير مصدق ما يسمعه لتوه.
ابتسم بسأم و دموع عينيه تجمعت رغماً عنه، أبي نزولها بل و ارتسم علي ملامحه الصرامة و الجدية ليخبرها قائلاً:
"عارفة يا صبا، أنتِ دلوقتي أثبت لي نقطة مكنتش واخد بالي منها، أنا غلطت فعلاً في حقك زمان و أتغيرت عشانك و عشان نفسي، و أظن التغير ده كان واضح أوي طول السنين اللي فاتت لحد اللحظة دي، و عقابي ليكِ المرة دي أنتِ السبب فيه مش أنا".
أنطلقت في البكاء من جديد و أجابت:
"كان ممكن تعاقبني بأي طريقة، إلا أنك تتجوز عليا، أنا لو اللي عملته وجعك، فعقابك ليا كسرني".
توقفت عن الحديث تلتقط أنفاسها، تحاول منع هطول عبراتها في محاولة بائسة، ولت ظهرها إليه لتستطع قول الآتي مردفة:
"أنا مش هقدر أعيش معاك، و لا هقدر أستحمل أقعد لحظة هنا".
ابتلعت لعابها و كانت غصة مريرة كالعلقم، تفوهت بكلمة قاتلت بكل قوة لكي يتلفظ لسانها بها، قلبها يأبى هذا، لكن الكلمة الأخيرة كانت لكبريائها الذي فاض من ماحدث علي يديه معها اليوم:
"طلقني!".
و كان أكثر ما يخشاه قد حدث، ظل واقفاً في صمت ظاهره يسوده الهدوء و داخله بركان أنفجر للتو.
هنا بدأ الوحش داخله في الإستيقاظ بعدما كان خامداً في سبات عميق منذ سنوات منصرمة، لكن مازال يحتفظ بهدوءه، يخشي عليها من نفسه، لذا تقدم بالقرب منها و أخبرها:
"أنا هاعتبر إن ما سمعتش الكلمة اللي قولتيها، و هاسيبك مع نفسك تهدي و تفكري كويس في اللي وصلنا له، و كله في إيديكِ".
شعرت بخطواته التي تبتعد عنها متجهاً نحو الباب مغادراً.
و في الخارج وجد كارين و بجوارها زينات، ابتعدت كلتيهما عن طريقه و كان يتجنب النظر إليهما حتي لا تري إحداهما دموع عينيه التي لم تنهمر سوي بعد أن يتمكن كلا من الحزن و الألم من فؤاده.
༺༻
يقف خلف النافذة يري أجواء الليل المظلمة، يضع هاتفه علي أذنه
"هذا الهاتف ربما يكون مغلقاً أو غير متاح، هذه رسالة مسجلة"
للمرة المائة استمع إلي تلك الرسالة الذي بات يمقتها للغاية، أغلق هاتفه و ألقاه علي المكتب، أطلق زفرة ما بين كفيه، لما تغلق هاتفها و لم تأتِ منذ الأمس من حفلة زفاف ابنة خالتها، صفع جبهته و هو يتذكر ما دار بينهما من مشادة كلامية حادة قبل أن تذهب.
"مش هاتروحي يا علياء".
تفوه بهذا الأمر و في عينيه إصرار جلي، عقدت الأخري ساعديها أمام صدرها و أخبرته بتحدي و إصرار:
"و ممكن أعرف سبب رفضك و لا ده مجرد أمر!".
بماذا يجيب عليها، يخبرها أنه لا يريد أن تلتقي بأسر و ما الدافع وراء ذلك!، تباً لذلك الشك الذي يسبب له ألم في قلبه قبل رأسه، رفع إحدى حاجبيه و أخبرها بحسم:
"مزاجي كدة، و لما أقولك لاء يبقي لاء من غير جدال".
تنهدت و قالت بهدوء تخفي خلفه إعصار من الغضب و الحنق معاً:
"أظن أنك أكتر واحد عارفني كويس، و هو إنه أكتر حاجة بكرهها لما حد بيفرض عليا حاجة غصب عني، فأنت اضطرني لأن أقولك هاروح الفرح و أبقي طلع مزاجك و نكدك ده علي العيانين بتوعك لأن الواحد عنده مرارة واحدة مش مستغنية عنها بصراحة".
ولت إليه ظهرها لتعد ثيابها و ما تحتاج إليه، و بالرغم من إنها تفوهت بنبرة هادئة لكن ثقل كلماتها القوية و تحديها إليه جعله كالبركان الثائر، جذبها من ذراعها لتستدير إليه:
"هو أنا مليش كلمة عليكِ، طب و الله ما أنتِ رايحة".
قد وصل صبرها إلي النهاية فصاحت:
"حلفان بحلفان بقي، و الله العظيم أنا رايحة الفرح".
تأجج غضبه و توهج إلي ذروته، و بدون أن يشعر رفع يده و كاد يصفعها لولا أن أوقفه دخول ابنه الذي أخبر والدته:
"مامي أنا جاهز".
نظر إليه كليهما، و عندما أدرك يوسف بما كان سيفعله للتو شعر بالضيق و الغضب، ترك الغرفة و غادر.
عاد من ذلك المشهد و انتبه إلي الطرق المتواصل علي الباب، فقال إلي الطارق:
"أتفضل".
فتح أسر الباب و دخل قائلاً:
"عايز أتكلم معاك".
زفر الأخر بضجر و أجاب غير مرحب بالأخر:
"و أنا مش فاضي".
حدقه بسخرية معقباً:
"أيوه ماهو من كتر الحالات اللي عندك في المكتب يا ضنايا، مش فاضي برضو و لا عارف أنا جاي أكلمك في إيه و بتتهرب".
ألتفت و يحدق إليه بنظرة نارية، يظن إنه علم بما يدور من أفكار داخل رأسه حياله و حيال زوجته من شكوك قاتلة، أردف الأخر بمزاح لخفض التوتر الذي حدث:
"إيه يا دوك بتبص لي كدة ليه!، ناوي تغوزني بالمشرط، لا ده أنا أطلع لك مشرطي حبيبي اللي ما بيفارقش جيبي".
كان يتحدث مبتسماً فسأله صديقه بجدية:
"عايز إيه يا أسر؟".
جلس علي الكرسي و أشار إليه ليجلس علي الكرسي المقابل له:
"تعالي بس أقعد و هحكي لك، بس قبل ما أحكي لك أوعي هاجر تعرف إن جيت قولت لك".
أغمض عينيه و يحاول أن يلهم ذاته بالصبر فقال بإقتضاب من بين أسنانه:
"إنجز".
أجاب الأخر:
"بص لما كنا في شقة خالة هاجر، لاحظت علياء واخدة جمب و عمالة تعيط، خليت هاجر تقوم تشوفها و تسألها فيها إيه".
"و الله فيك الخير".
عقب بسخرية، فلم يعط الأخر إهتمام إلي سخريته فهو قد تعود علي أسلوب صديقه و تقلباته المزاجية
"بعد ما خلصوا رغي كتير و عياط و طبطبة، عرفت من هاجر إنها كانت بتعيط بسببك و أنك مكنتش عايز تخليها تيجي الفرح و حلفت عليها و لما وقفت قدامك و حلفت هي كمان قومت رفعت إيدك و كنت هاتضربها، لولا ابنك فتح الباب و دخل، صح اللي هي قالته و لا إيه؟".
كان لا يهتم بشكواها قدر ما أن الذي أمامه يعلم بما حدث بينه و بين زوجته، فأجاب بأسلوب فظ:
"أيوه كلامها صح، و اللي ما بيني و بين مراتي حاجة خاصة بينا، يعني ياريت تخليك في نفسك".
شعر الأخر بالحرج الشديد و ابتلع لعابه ثم أخبره:
"آسف لو سؤالي ضايقك، بس عشان أنت صاحبي و بعتبرك أخويا و لما الأخ يشوف أخوه في مشكلة المفروض بيساعده، و أنا كان غرضي كنت عايز أصالحكم علي بعض".
نظر إليه بسخرية رافعاً زاوية فمه بتهكم قائلاً:
"اللي يسمعك يقول إنك قلبك أوي عليا، و أنت من جواك فرحان و مش بعيد أنت اللي مسلطها تتخانق معايا".
أصاب ملامحه الوجوم و حاول استيعاب ما قاله صديقه:
"إيه اللي أنت بتقوله ده!، هفرح و مسلطها، هاعمل ليه كدة أصلاً؟".
مازال يرمقه بتلك النظرة الساخرة و أخبره:
"السؤال ده تسأله لنفسك يادكتور".
نهض أسر و قد شعر بالضجر من الحديث مع هذا الأحمق:
"يوسف، ما كفاياك ألغاز و قصر و جيب من الأخر، فيه إيه بالظبط، عشان أنا حرفياً دماغي لفت منك و من كلامك اللي مش فاهم منه حاجة".
أخبره الأخر بوعيد:
"قريب هاتعرف كل حاجة و بالأدلة كمان، بس ياريت ما تزعلش"
صبره قد نفذ بالفعل فقال إليه:
"أقسم بالله أنا غلطان أصلاً جيت أتكلم معاك، عشان علياء و ابنك عند حماتك مش بتقضي لها يومين، لاء قاعدة عندها غضبانة و حالفة ما ترجع القصر، و جيت لك عشان افهم الموضوع إيه و من ناحية تانية هاجر بتهديها، لكن أنت طلعت ما تستهلش الواحد يشغل نفسه عشانك".
ألقي كلماته و غادر الغرفة ليترك الأخر يحاول استيعاب ما قد سمعه للتو، أمسك هاتفه و قام بالإتصال علي رقم والدة زوجته
"ألو أزيك يا طنط، حضرتك عاملة إيه؟".
أجابت الأخري بنبرة رسمية:
"الحمدلله يا يوسف".
سألها بتردد:
"هي علياء جمبك، ممكن تخليها تكلمني؟".
أشارت إليها علياء بالرفض فأجابت والدتها:
"هي نايمة دلوقتي".
علم بالطبع إنها تكذب و ذلك بعد أن أخبرتها الأخري بذلك، فقال إليها:
"طيب لما تصحي خليها تكلمني ضروري، يا إما هجي لها بنفسي".
أجابت الأخرى بهدوء:
"البيت بيتك يا يوسف، تشرف في أي وقت".
رد قائلاً:
"شكراً، مع السلامة".
أنهي المكالمة و ألقي بهاتفه علي المكتب بغضبٍ.
༺༻
أرتمت بين ذراعي مُربيتها و أخبرتها من بين بكائها:
"شوفتي يا دادة عمل فيا إيه!".
أخذت الأخرى تربت عليها بحنان، تشعر بالحزن و الشفقة علي صغيرتها التي بالنسبة إليها ابنتها التي كبرت و ترعرعت علي يديها، فهي الصدر الحنون التي ترتمي عليه كلما أصابها الحزن.
"اهدي يا حبيبتي و الله قصي بيه بيحبك و بيموت فيكِ، هو بس دماغه صعبة و خصوصاً اللي عملتيه، ده لو حكتيه لأي حد يغلطك يا بنتي".
عقبت كارين التي تجلس بجوارهما علي الفراش بحنق:
"هي غلطانة يا دادة، بس مش لدرجة إنه يتجوز عليها، و أنا اللي كنت فاكرة بعت لها تروح له عشان يصالحها، أتاري محضر لها كارثة يحرق لها بيها دمها".
حدقت إليها الأخرى بإمتعاض لكي تكف عن ترديد تلك الكلمات التي تزيد من آلام و بكاء صبا فقالت:
"بصي يا بنتي هقولك كلمة حق، أنتم الأتنين غلطوا في حق بعض، أنتِ غلطي لما أخدتِ حبوب من وراه و ياما حذرتك من كدة و قولت لك ممكن يكشفك و مش هيعدي لك الموضوع لأن اللي زي قصي بيه علي قد ما هو حنين معاكِ أوي لكن يوم ما هاتعملي حاجه من وراه زي اللي عملتيه بالنسبة له كدة إنك خدعتيه، يعني كدة إهانتيه و هياخدها علي كرامته، و اللي زي شخصية جوزك هيقوم ردد لك الصاع صاعين ".
رفعت وجهها و سألتها بتعجب و جنون باكية:
"أنا غلطانة و عارفة إن جرحته، كان ممكن يعاقبني بأي طريقة، يخاصمني أو يبعد عني زي ما كان بيعمل كل ما بنتخانق، لكن رايح يتجوز عليا، لاء و من جبروته عازمني علي فرحه و خلي شكلي زبالة قدام الناس، اللي تضحك من تحت لتحت و اللي يبص لي بشفقة و كلهم كانوا مستنين إني أنهار أو أخرب الفرح فوق دماغهم! ".
عقدت كارين ما بين حاجبيها و سألتها بفضول:
"أومال عملتي إيه؟"
حاولت التوقف عن البكاء و أخذت تجفف عبراتها بيديها، أجابت بكل كبرياء و شموخ:
"سلمت عليه و باركت له قدامهم كلهم، و كمان رقصت معاه، بس كل ده و أنا عمالة أتحرق من جوايا و هو عارف و متأكد من كدة كويس".
تدخلت مربيتها قائلة:
"مالهوش حق طبعاً و هو غلطه زايد عن حده، بس اللي حصل حصل، أنتِ بقي هاتسبيه يتمادى في اللي عمله؟".
نظرت إليها الأخرى بقلبٍ مقهور تسألها بسأم:
"عايزاني أروح له أركع تحت رجله و أتحايل عليه إنه يسامحني زي ما عمل فيا قبل كدة!، بقولك أتجوز عليا يا دادة، و كمان البت السكرتيرة اللي رماها له مصعب عشان كان خايف علي مشاعر مراته، و البيه جوزي راح أتجوزها".
كانت كارين تستمع إليها و غير مصدقة فقالت:
"يخربيت عقلك يا قصي، ده أنت محدش يتوقعك خالص، ده أنا لما روحت شقتي و شوفت الزفتة اللي متجوزها يونس مقدرتش أستحمل، أنا جيبتها من شعرها و لولا إنه بعدني عنها كنت طلعت روحها، بجد شابوه ليكِ علي قوة تحملك و ثباتك".
أجابت الأخري:
"ما هو ده اللي كان أخوكِ عايزه، و عارف أنا عمري ما هعمل كدة، بس و الله لازم أدفعه تمن اللي عمله فيا".
نظرت زينات إلي كارين ثم إلي صبا بقلق و سألتها:
"ناوية تعملي إيه؟".
أجابت علي الفور بتحدي و إصرار:
"هعمل اللي أنا متأكدة عمره ما هيوافق عليه، بس هجبره يعمله غصب عنه، هخليه يطلقني حتي لو الأمر وصل أن أرفع عليه قضية".
شهقت زينات و ضربت كفها علي صدرها و قالت:
"ليه كدة يا بنتي، و أنا اللي كنت فاكرة إنك هاترجعي ليكِ!".
نهضت كارين و وقفت أمام صبا لتخبرها:
"تبقي خيبة و عبيطة لو عملتِ كدة، لو عايزة تاخدي حقك صح عيشي حياتك عادي و لا كأنه عايش معاكِ، أثبتِ له إن جوازك ده و لا هزني و لا حرك مني شعرة واحدة".
عقبت زينات و رمقت كليهما بإمتعاض قائلة:
"الكلام ده ينفع لو كان قصي بيه زي أخواته، أنتِ يا كارين يا بنتي لسه قايلاها دلوقت، محدش يقدر يتوقعه، فالمفروض هي أكتر واحدة فينا فهمت طباعه، لكن لو عملت اللي قولتي لها عليه هيكيد فيها أكتر و يغيظها بمراته التانية".
"ما تقوليش عليها مراته".
صاحت بها صبا، فأبتسمت الأخري رغماً عنها و قالت:
"شوفتي بقي إن مجرد الكلمة أنتِ مش طايقها، ما بالك هو جايبها تعيش معاكِ، و أنا متأكدة إنها جوازة كدة و كدة عشان يغيظك مش أكتر، جوزك بيحبك يا صبا و مقدرش يستغني عنك، ردة فعله جلت منه المرة دي، خليكِ شاطرة و رجعيه عن اللي عمله و حافظي عليه، للتمثلية تتقلب بجد و أنتِ ما تعرفيش البت اللي متجوزها دي ممكن تكون ناوية تعمل إيه، ساعتها هتقولي ياريتني و يكون ضاع من إيديكِ".
عقبت كارين علي حديث الأخري:
"بصراحة كلام دادة زينات كله صح، و لما يا ستي ترجعوا سمنة علي عسل أبقي خدي حقك منه علي نار هادية، خليه يحرم إنه يعمل كدة تاني".
أطلقت زينات زفرة بضيق قائلة:
"هم مش ند لبعض، دول زوج و زوجة المفروض اللي بينهم رحمة و مودة، هي غلطت و هو غلط، حتي لو غلطه أكبر، لكن كلنا عارفين هي بالنسبة له إيه و هي كمان بتعشقه، المفروض يقعدوا مع بعض و يتعاتبوا، يفتكروا لبعض كل حاجة حلوة ما بينهم، ده كفيل إنه يمحي أي ذكري وحشة حصلت، لو كل واحد و و مراته عرفوا اللي ليهم و اللي عليهم و اتعملوا بما يرضي الله، مفيش بيوت هتخرب، سيبيكوا من الشعارات اللي طالعين بيها اليومين دول، اللي أعرفه الست مننا لو لقت جوزها شايلها جوة عينيه و يعاملها بما يرضي الله تحطه هي كمان جوة عينيها، لكن لو طلع من أشباه الراجل ده تطلق منه لأن وجودهم زي عدمهم، أنا قولت اللي يملاه عليا ضميري و الكلام ده مش لصبا ليكِ أنتِ كمان يا كارين يا بنتي، و دي حياتكم في النهاية و كله في إيديكم زي ما قالك جوزك يا صبا".
هزت صبا رأسها و عينيها صوب نقطة وهمية، تعيد الحديث التي سمعته للتو في رأسها، بينما كارين رددت بحزن و عينان يفيض منهما الشوق أطناناً:
"تصدقوا إن يونس واحشني أوي، بس كل ما أفتكر السحلية اللي متجوزها عليا دي، ببقي نفسي أطبق في زمارة رقبته لكن ما بيهونش عليا، أصلي بحبه بجنون، اه منك يا ابن چيهان و الله كل ما أشوفك هعلمك الأدب و هربيك من أول و جديد".
انتبهت إلي كل من زينات و صبا ينظران إليها ثم نظرت كل منهما إلي الأخري و إذا بهما ينفجران في الضحك، صاحت كارين:
"أنتم بتضحكوا علي إيه؟".
أجابت زينات من بين ضحكاتها:
"صدق المثل اللي قال هم يبكي و هم يضحك، ربنا يهدي لكم أجوازتكم يا حبايبي و يصلح ما بينكم و يبعد عنكم الشيطان يارب".
رددت صبا بصوت خافت و الحزن يملئ عينيها:
"يارب".
༺༻
في صباح اليوم التالي...
تركت ما في يدها من أكياس مليئة بالطعام و كل ما تحتاج إليه، حيث جلبها إليها العم صابر منذ قليل و تركها و ذهب إلي عمله حتي لا يثير الشكوك أكثر لا يعلم إنهم يراقبونه مثل ظله.
جلست بجوار صغيرها، أمسكت شطيرة و تمد يدها بها إليه:
"طب خد كُل دي عشان خاطري".
هز رأسه برفض عاقداً ساعديه و الحزن يغزو ملامحه، قال لها:
"حمزة مش عايز ياكل".
تركت الشطيرة داخل الصحن و ألتفت إليه لتسأله:
"ليه يا حبيبي، ده ساندوتش الجبنة اللي أنت بتحبه، طيب نفسك فيه إيه و هنزل أجيبه ليك حالاً؟".
نظر إليها ثم احتضنها بذراعيه الصغيرين قائلاً:
"حمزة نفسه يرجع الشقة، هنا وحش".
بادلته العناق و أخذت تربت عليه:
"حبيبي يا بني و أنا و الله زيك، بس نعمل إيه، لو رجعنا بيتنا الناس الوحشة ممكن تيجي تخطفنا تاني، لكن هنا أمان".
أبعدت رأسه لتنظر إلي وجهه و ابتسمت:
"حمزة ولد شجاع، و هايسمع كلام ماما و يخلص الساندوتشات دي كلها و يشرب اللبن، عشان تجيب له لعب كتير، يلا بقي وريني يا بطل هاتعمل إيه".
ابتسم و تناول الشطيرة ثم أخذ يقضم منها قطعة تلو الأخري
صدح رنين جرس الباب فنهضت قائلة:
"بالتأكيد عم صابر نسي حاجة".
ذهبت و فتحت الباب فتحولت ملامحها من الهدوء إلي الخوف و الذعر!
الفصول الرابع عشر من هنا
الجزء الثالث من هنا
لقراءة الجزء الاول جميع الفصول اضغط هنا
لقراءة الجزء الثاني جميع الفصول اضغط هنا
رواية غابة الذئاب من صراع الذئاب الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ولاء رفعت علي
كانت رؤية تلك المرأة التي تقف أمامها كافية بجعل قلبها يكاد يتوقف من فرط الخفق بشدة، تظن إنها قد توصلت إليها من أجل أن تأخذ صغيرها منها عنوة، سرعان ما تحول شعورها بالخوف إلي الدفاع بشراسة، و بملامح تنذر الأخري إذا خطت خطوة واحدة تجاه ابنها سوف تفتك بها قامت بتهديدها قائلة:
"أقسم بالله لو قربتي من ابني ما هيكفيني موتك".
شبه ابتسامة بدت علي ثغر شيريهان يشوبها نظرة ساخرة و غرور ينضح من عينيها، فقالت إليها:
"أنا لو كنت عايزة أخطفه، مكنتش جيت لك في المكان البشع ده، بس أحياناً الظروف هي اللي بتحكم و بتخلينا نستحمل".
لم تدرك إلي ماذا ترمي، فسألتها:
"أنتِ جاية عايزة مننا إيه؟".
حدقت إليها بتعالى ثم أجابت:
"في حد يقابل ضيوفه كدة برضو!".
أخبرتها الأخري من بين أسنانها:
"الضيوف برحب بيهم لما بيكونوا جايين في خير، لكن أنتِ و ابنك ماشوفتش منكم غير كل شر".
ابتلعت تلك الإهانة من أجل الوصول إلي غايتها، تمسكت بإبتسامتها الزائفة لتجيب علي حديثها:
"كانت غلطة و أوعدك مش هاتحصل تاني، أنا جاية لك و عايزة أفتح معاكِ صفحة جديدة".
مازالت لا تشعر بالطمأنينة حيال هذه المرأة التي تتلون كالحرباء:
"اتفضلي قولي اللي عايزاه من غير لف و لا دوران".
"و هو ينفع الكلام يبقي علي الباب!".
رغم خوفها بأن تكون تلك خدعة لتخطف منها صغيرها، لكن شعرت بالحرج فأشارت إليها بتردد نحو الداخل دون التفوه بكلمة، ولجت الأخرى إلي الداخل و تنظر من حولها بازدراء، و عندما وقعت عينيها علي حفيدها، ركض نحو والدته و وقف أمامها يحدق إلي جدته بنظرة عدائية، بينما هي وقفت لدي الأريكة القديمة، قامت بنفض الغبار بإشمئزاز ثم جلست قائلة:
"ما تخافش يا حبيبي، أنا مش هأذي ماما".
تحولت ببصرها نحو علا و أردفت:
"واقفة عندك ليه، تعالي أقعدي".
كانت تمسك يد صغيرها و سارت نحو الأريكة ثم جلست علي مقربة من الأخري ونظرات الخوف و القلق بادية علي ملامحها، ابتلعت لعابها و قالت:
"لو جاية عشان الورث، فأنا بقولك مش عايزة حاجة منكم، أنا كنت كل اللي عايزاه هو إثبات نسب حمزة، لكن عمري ما طمعت في فلوس و لا سألت يسري بيه الله يرحمه عن ورث حمزة".
ابتسامة خبث و دهاء لا تليق سوي بأنثي ثعلب ماكرة يتبعها قولها:
"و أنا مش جاية عشان الورث، أنا هنا عشانك و عشان حفيدي".
وضعت ساق فوق الأخري بعنجهية ثم أردفت:
"أنتِ عمرك ما هتستغني عن ابنك، و أنا نفسي حفيدي يتربي علي نفس مستوي ابوه و عمه، يعني يعيش عيشة تليق بحفيد عيلة الشريف".
استمعت إليها و كان حديث الأخري زادها خوفاً و توتراً، فهي لا تريد أن تعيش وسط هذه الشيطانة و ابنها الذي لا يقل شراً عنها و خاصة بعدما حاول الإعتداء عليها، فما بال إذا وافقت علي العيش معه تحت سقف منزل واحد!
قرأت شيريهان كل ما يدور في خُلد الأخرى فأخبرتها:
"اللي بيدور في دماغك دلوقت إزاي هاتعيشي معانا و خصوصاً مع أحمد".
قبل أن تعقب الأخري بكلمة قاطعتها:
"عندكم عادة في الصعيد لما الست جوزها بيموت فأهل الزوج مش عايزين أحفادهم يتربوا بعيد عنهم، فلو كان ليه أخ تاني بيعرضو عليها الجواز منه و بكدة يحافظوا علي أحفادهم و ضمنوا إنهم مش هيتبهدلوا مع أي حد غريب".
هنا أدركت علا ما ترمي إليه الأخرى، فتخلت عن صمتها و قالت بحدة:
"لو أنا اللي فهمته دلوقتي ده صح، فأنا بقولك لاء و ألف لاء، حتي ابنك لو كان أخر راجل في العالم ".
مازالت تحتفظ بإبتسامتها الخبيثة و أجابت عن قول الأخرى:
"و ماله أحمد!، ده راجل أي واحدة تتمناه، من غير ما أسرد لك عن مواصفاته أنتِ شوفتيه بعينيكِ، و علي فكرة أنتِ هاتبقي أول ست هيتجوزها، ده لو أي أم غيري عمرها ما كانت هاترضي ابنها يتجوز واحدة ست و كمان مخلفة، بس أنا بفكر في مصلحة حفيدي و مصلحتك".
رفعت زاوية فمها بتهكم و قالت ساخرة:
"شكراً علي اهتمامك بس أنا زي ما قولت لك، سواء أحمد أو غيره، مش هاتجوز، و أنا مش هامنعك تشوفي حفيدك بس و هو معايا و في حضني غير كدة أقولك شرفتي و نورتي يا مدام شيريهان".
نهضت الأخري بتعالى و كبر لتخبرها دون أن تبالي إلي إصرارها علي رفض ذاك العرض:
"أنا هاسيبك يومين تفكري براحتك".
سارت نحوها بضع خطوات فوقفت الأخري و تتشبث بيد صغيرها، تحولت إبتسامة شيريهان إلي نظرة أخري تحمل تهديداً صريحاً خالي من الشفقة مُردفة:
"ما أنتِ لو موافقتيش بمزاجك هتوافقي غصب عنك، و أظن حمزة مش هيقدر يستحمل يعيش بعيد عن مامته، وقتها لا عم صابر و لا أي حد يقدر يوقف جمبك، و يا عالم ممكن يحصل إيه المرة الجاية، كله لمصلحتك في الأخر".
نظرت لأسفل إلي الصغير وضعت يدها علي رأسه قائلة:
"هستناك يا حمزة أنت و ماما".
أبعد الصغير يدها عن رأسه بعنف، رمقته بإبتسامة صفراء ثم ذهبت أمام عينين والدته التي بمجرد أن غادرت هذه الأفعي أرتمت بثقل جسدها فوق الأريكة و الصدمة كانت أفضل ما يوصف حالتها الآن.
༺༻
تنظر من نافذة السيارة تراقب الطريق في شرود، هبطت من عينيها عبرة و تتذكر كلام المحامي الذي كانت لديه منذ قليل...
في داخل مكتب محامي شهير و المتخصص في الأحوال الشخصية، تجلس أمام مكتبه تنصت إلي حديثه بإهتمام و هو يخبرها:
"بصي يا مدام دنيا، دلوقتي عشان تقدري ترفعي دعوة طلاق لازم يكون بشروط زي لو كان زوجك بيعتدي عليكِ بالضرب و السب ديماً فده اسمه طلاق للضرر، أو زوج حضرتك بخيل و مش بيصرف عليكِ و لا علي الأولاد و فيه كمان في قانون الطلاق الجديد، بيقول من حقك كزوجة تانية أو جديدة برفع قضية طلاق في حالة لو ما تعرفيش إن زوجك متجوز واحدة قبلك و ما زالت علي ذمته، فمن حقك تطلبي الطلاق".
كانت يديها تتشابك معاً في توتر، كانت تنظر إلي أسفل، و عندما أنتهي الأخر من حديثه، رفعت وجهها و نظرت إليه بحزن قائلة:
" أنا حضرتك متجوزة منه بقي لي ٨ سنين و معرفش إن مراته الأولي لسه علي ذمته، أنا كنت عارفة إنه متجوز بس كنت فاكراه طلقها ".
أومأ لها بجدية مُعقباً:
"تمام، بس هل فيه إثبات، عقد جوازه من زوجته الأولي؟".
هزت رأسها بعدم معرفة و أجابت:
"معرفش، أصلها مش مصرية".
عاد بظهره إلي الوراء و أخبرها بكل ثقة:
"موضوع العقد سيبيه عليا، حضرتك بس هاتحضري لي الأوراق اللي هطلبها منك عشان نبتدي الإجراءات بشكل رسمي، أولها هاتعملي لي توكيل، و عايز نسخة ضوئية من قسيمة الجواز و نسخ زيها من شهادات ولادكم".
فتحت حقيبتها و أخرجت منها ملفاً ورقياً، ابتلعت لعابها من التوتر الذي تشعر به، فتلك الخطوة المقبلة عليها ليست هينة، تعلم إنها تفتح باب من أبواب الجحيم، كلما تذكرت تهديدات زوجها، استجمعت قواها و لم تستسلم إلي مخاوفها، وضعت الملف فوق المكتب و قالت:
"أنا كنت عاملة حسابي".
تناول الملف و ألقي نظرة علي الأوراق:
"تمام أوي".
أخرج ورقة من الدرج الذي أمامه و تناول قلماً و أعطى كلاهما لها قائلاً:
"أتفضلي بقي أملي لي الورقة دي".
أخذت الورقة و القلم بيد ترتجف من التوتر، تركتهما علي المنضدة أمامها لتخرج بطاقة الهوية خاصتها من حقيبتها، أمسكت بالقلم و حاولت أن تبدأ بملىء البيانات، لكن تلك الرجفة جعلتها لم تستطع كتابة حرفاً واحد و وقع من يدها القلم، نهض الأخر و مد يده إليها قائلاً:
"عنك يا مدام، هاتي البطاقة، ليه التوتر ده كله! ".
أعطته الورقة و البطاقة، ألقي نظرة علي ظهر البطاقة لمعرفة اسم الزوج
«كنان صفوت العمري»، توقف بصدمة أمام هذا الإسم و أصبح مكفهر الوجه، نهض و أخبرها:
"أستأذنك دقيقتين و راجع لحضرتك تاني".
أومأت له بشبه ابتسامة:
"اتفضل".
ذهب و تركها بمفردها تنظر من حولها إلي الأثاث و الجدران، و اللوحة التي تزين الجدار خلف المكتب يتوسطها رسمة لميزان العدل، لم تشعر بالدقائق التي مرت، انتبهت إلي عودته من الخارج، لكنه جلس علي الكرسي المقابل لها، كان يشعر بالحرج و التوتر أيضاً و يخبرها:
"مدام دنيا، أنا بعتذر لحضرتك و أسف جداً مش هقدر أقبل القضية".
تسمرت و غرت فاها لتستوعب ما يخبرها به، نهضت و تستند علي حافة المكتب، سألته:
"أنت تعرفه؟".
أخفض بصره و نظر إلي أسفل قائلاً:
" أنا مش عارف أقول لحضرتك إيه بس الموضوع...
و كأن عادت إليها قوتها من جديد، حدقت إليه بإمتعاض و ازدراء، اختطفت البطاقة من يده:
"من غير ما تقول، واضحة زي الشمس، لما قريت اسمه روحت تتصل عليه عشان تتأكد إنه هو و لا لاء، عموماً اللي خلقك خلق ألف محامي غيرك".
غادرت المكتب علي الفور و لم تترك فرصة إليه للدفاع عن نفسه و لو بحرفٍ واحد.
و في الوقت الحالي، انتبهت إلي السائق الذي يقول لها:
"وصلنا يا مدام".
أخرجت من حقيبتها مبلغ من المال لتعطيه الأجرة ثم ترجلت أمام البناء
و بعدما وصلت قامت بفتح الباب بالمفتاح الذي لديها، وجدت جدتها تجلس في الردهة و تبكي، ركضت نحوها بخوف و قلق:
"حبيبتي يا تيتا مالك فيه إيه؟".
أجابت من بين بكائها بحزن شديد:
"ابن صاحب البيت جه قالي إننا لازم نسيب الشقة،لأنه باع البيت كله لواحد، و الراجل اللي اشتراه منه جاب قرار من الحي بهد البيت".
اتسعت عيناها في حالة صدمة من ما قد أخترق سمعها للتو، و من دون الحاجة إلي التفكير العميق تجاه هذا الأمر فهي علي دراية بمن هو وراء ذلك، و قد صدق حدسها بالفعل عندما صدح تنبيه رسالة واردة في هاتفها، أخرجته من الحقيبة فوجدته المرسل إليها، ابتلعت ريقها الذي كان بطعم العلقم ثم بدأت تقرأ الرسالة الذي تتضمن الآتي
«شكلك مكنتيش مصدقاني لما قولت لك حبايبي كتير، من ضمنهم المحامي اللي روحتي له المكتب اللي في المعادي، و أي محامي غيره هيرفض قضية الطلاق اللي عايزة ترفعيها عليا مجرد ما هيعرف مين جوزك، و معلومة تانية أضيفها لك أنا المالك الجديد للبيت و اللي عرفت بنفوذي أجيب له قرار إزالة، حبيت أعرفك بس إنك مهما عملتي هخليكِ تعرفي ترجعي لحد عندي غصب عنك»
༺༻
تجول داخل الغرفة ذهاباً و إياباً في حيرة و حنق في آن واحد، تريد مغادرة هذا القصر و العودة إلي منزلها، و هناك ما قد سلب النوم من عينيها منذ الأمس، قلبها الذي يصرخ من الإشتياق لرؤية مالكه، أو سماع صوته و الإطمئنان عليه لكن عقلها يرفض تلك الرغبة.
نظرت إلي ابنتها المستيقظة من الصباح الباكر و تلهو علي الهاتف، جائت إليها فكرة حتي لا تظهر إلي طليقها هي من تريد التحدث إليه، جلست جوار صغيرتها فسألتها:
"چوليانا أنتِ كلمتي بابي أو بابي كلمك؟".
أجابت الصغيرة دون أن ترفع عينيها عن الهاتف:
"هو كلمني الصبح بدري و أنتِ نايمة، بيطمن عليكِ و علي رسلان و كان بيسألني إزاي يعمل account علي الـ tik tok ".
نظرت بتعجب و حيرة من ما قد أخبرتها به الصغيرة للتو، فسألت بصوت خافت و كأنها تتحدث مع نفسها:
"و ده عايز يعمل account علي الـ tik tok ليه إن شاء الله، ده عمره ما حب الـ application ده أبداً".
هللت ابنتها بصياح:
"ألحقي يا مامي، تعالي شوفي بابي منزل إيه".
نظرت إلي الشاشة لترى مقطعاً من الفيديو قد قام يونس بنشره للتو، فكان ملتقط عبر كاميرا هاتفه الذي يبدو إنه مثبت علي حامل معدني و مصباح علي شكل دائري يعكس ضوئه عليه، يجلس علي كرسي و يمسك باللوحة صغيرة قد رسمها إليها، بدأت موسيقي لأغنية شهيرة للفنان عبدالمجيد عبدالله، بدأ بتحريك شفاه و كأنه يغني إلي صورتها:
"ياطيب القلب وينك حرام تهجر ضنينك
مشتاق لك يا حياتي عسى يردك حنينك
يا شوق عيني لي عينك".
امسك بمرآة في يده الأخري و أردف بتحريك شفاه:
" أتخيلك في المرايا، في مجلسي و الهدايا
ياشين ديك الزوايا من غير طلعت جيبينك
يا شوق عيني لي عينك".
و في نهاية المقطع ترك المرآة و أحتضن صورتها و قال بصوته:
"و الله العظيم بحبك و مش قادر أبعد عنك أكتر من كدة".
أصابها الحزن عندما أخترقت كلماته قلبها الذي لا يقل شوقاً إليه، فسرعان أمسكت بهاتفها و قامت بالإتصال به، انتظرت حتي أجاب عليها غير مصدق:
"ألو كارين و لا چوليانا؟".
أجابت بصوت خافت:
"أنا، أخبارك إيه؟".
"طبعاً بقيت بخير و كويس أوي بعد ما سمعت صوتك، حرام عليكِ سامحيني بقي و تعالي نرجع لبعض".
تنهدت و قالت بعتاب:
"أنت السبب، محدش قالك تروح تتجوز عليا، لاء و ست شهور مستغفلني، قولي سبب واحد يخليك تعمل كده، عمري ما قصرت معاك في حاجة، أنا كل ما افتكر عقلي هيقف من كتر التفكير".
"أوعدك كل حاجة هاتخلص، و هارجع ملكك لوحدك من تاني"
تدخل صوت آسيل التي كانت تسترق السمع قائلة بدلال:
"يلا يا بيبي كفاية رغي في الفون، الأكل هيبرد".
نظر إليها بحدة متوعداً لها ثم عاد إلي كارين التي صاحت بحنق و صوتها كاد يصيبه بالصمم:
"أنا غلطانة و أستاهل ضرب الجذم إن كلمتك، كلكم صنف واطي، إن كان أنت و لا أخوك قصي، واحد يتجوز من ورايا و أكون أخر من يعلم و التاني يتجوز و يعزم مراته علي فرحه، و من غير باي يا بيبي".
أنهت المكالمة علي الفور تاركة إياه علي الجانب الأخر يردد تلك المفاجأة التي علمها للتو:
"قصي أتجوز علي صبا!، إزاي!، و ليه!، و اشمعنا!، لاء ما بدهاش بقي لازم هاروح بنفسي أشوف الموضوع ده ".
سألته آسيل و تنظر بتعجب إليه عندما كان يتحدث إلي نفسه:
"أنت رايح فين؟".
أتجه إلي المشجب و أخذ ثيابه قائلاً لها بغضب:
"ملكيش دعوة، و حسابك معايا بعدين علي الحركة اللي عملتيها من شوية".
و كالعادة لجأت إلي الحيلة التي لا تملك سواها، أجهشت في البكاء:
"أنا معملتش حاجة، كنت بقولك الأكل هيبرد، فين الغلط في كلامي؟".
ألتفت إليها بوجه غاضب:
"بقولك إيه أنا زهقت منك و من زنك كل شوية، كان يوم أسود لما ظهرتي في حياتي يا شيخة، ياريت تكلمي أخوكِ إنه ياخد أول طيارة و ينزل مصر يجي ياخدك عشان هطلقك خلاص".
توقفت عن البكاء و عيناها قد اتسعت بصدمة، لتجده يصيح مرة أخرى في وجهها:
"أنتِ لسه واقفة!، اتفضلي اطلعي برة عايز أغير هدومي".
انتفضت و فعلت كما أمرها و داخلها نيران اشتعلت للتو، عليها أن تفعل شيئاً حتي لا يذهب من بين يديها مرة أخري.
༺༻
و في غرفة أخري داخل القصر، كان يغط في النوم أعلي الأريكة المخملية بعد سهر دام إلي الساعات الأولي من الصباح، بينما الأخري داخل المرحاض، تتحدث في الهاتف،فهي استيقظت منذ قليل و مازالت مرتدية ثوب الزفاف و هذا لعدم استطاعتها خلعه بمفردها
"أيوه يا ماما بقولك مكنش عندي شبكة و أول ما لاقيت كلمتك".
"معندكيش شبكة و لا بتعملي حاجة من ورايا!، أوعي يا منار تكوني بتخرجي مع مديرك في الشغل و تروحي معاه في حتة كدة و لا كدة".
أجابت بنبرة تحاول جاهدة أن لا تظهر من خلالها التوتر الذي تشعر به:
"هو أنا أول مرة أسافر تبع شغلي يا ماما، أطمني مديري راجل محترم ملهوش في الحوارات دي".
"ربنا يحفظك من كل سوء و يوقف لك ولاد الحلال، بالله عليكِ يا بنتي خدي بالك من نفسك و أوعي تأمني لأي حد، و أبقي طمنيني عليكِ كل يوم".
"حاضر يا ماما ما تقلقيش، مضطرة أقفل معاكِ عشان بيندهوا عليا، سلام يا حبيبتي".
"سلام يا حبيبتي في رعاية الله".
أنهت المكالمة ثم نظرت إلي هيئتها في المرآة، فهي حقاً عروس في أبهي زينتها، لكن ماذا بعد ذلك!، كم تمنت أن يكون زواجها حقيقياً مع رجل يحبها بصدق و هي تبادله هذا الشعور الصادق.
همت بالذهاب خارج المرحاض، فوجدته مازال نائماً، و علي المنضدة التي أمامه منفضة مليئة ببقايا السجائر، انتفضت عندما قام احدهم بطرق الباب و يليه صوت الخادمة تخبر سيدها:
"قصي بيه، الغدا جاهز".
ذهبت الأخرى نحو الباب و أخبرتها دون أن تفتح:
"قصي بيه لسه نايم، روحي دلوقتي و أنا هاصحيه دلوقت و أقوله".
ذهبت الخادمة، فألتفت هي و سارت نحو هذا النائم، لاحظت إنه مثلها لم يبدل ثيابه، لكنه خلع سترته، و ينام مرتدياً البنطال و القميص المفتوحة أزاره حتي منتصف صدره، خصلات شعره مبعثرة علي جبينه، كم هو وسيم حتي عندما يكون نائماً، لكن تحيطه هالة تصيبها بالرهبة كلما نظرت إليه، ترددت قبل أن تمد يدها و تربت علي كتفه لتوقظه بصوت أقرب إلي الهمس:
"قصي، يا قصي".
أمسك بيدها و لم يفتح عينيه قائلاً بصوت يغلبه النوم و في حالة اللاوعي:
"وحشاني أوي".
جذبها لتقع علي صدره، ضربت حمرة الخجل خديها و أنفاسها كادت تتوقف:
"قصي، أنا...
لم يعط إليها فرصة لإكمال كلماتها حيث توسد صدرها برأسه:
"ما تزعليش مني يا صبا، حقك عليا".
كان حالها لا يرثي إليه، و لم تتحمل هذا الوضع أكثر من ذلك و خاصة إذا فتح عينيه و أستيقظ، حاولت التملص من يده و كادت تتحرر من قبضته لكن الغلبة كانت لقوته، فوقعت بقوة أعلاه جعلته يستيقظ بفزع و وجدها فوقه
"أنا، أنا و الله كنت بصحي حضرتك و أنت شكلك كنت بتحلم و افتكرتني مدام صبا، اتحرجت و اتكسفت فجيت ابعد عنك قومت شدتني فوقعت عليك، أوعي تفهمني غلط".
كانت نبرة صوتها قد أوشكت علي البكاء، فأجاب بسخرية و مزاح:
"ما أنتِ لو ما قومتيش من عليا كده هافهم صح".
و كأن أصابتها صاعقة، نهضت و ولت إليه ظهرها لا تريد النظر إليه، همت بالذهاب من أمامه فأوقفها مبتسماً:
"رايحة فين؟".
استدارت و نظرت إلي أسفل بخجل:
"هاسيبك تقعد براحتك في الأوضة، بالتأكيد عايز تغير هدومك و تدخل التويليت فمنعاً للإحراج هاسيبك علي راحتك".
أخبرها مشيراً إليها نحو ثوبها:
"و هاتخرجي إزاي برة و أنتِ لسه بفستان الفرح من إمبارح".
رفعت وجهها لتنظر إليه خلسة قائلة:
"ماله الفستان، ما هي مدام صبا خلاص فاهمة اللعبة، مش هاتفرق بقي إن أنا لابسة الفستان".
رمقها في صمت و قد عادت أحداث ليلة أمس إلي ذاكرته، أطلق زفرة عميقة ثم تلاها بأمر لا نقاش فيه:
"أنا بقي عايز اللعبة تتصدق بجد".
حدقت إليه بعدم فهم و سألته:
"إزاي؟".
نهض و يشعر بثقل في أنحاء جسده، بدأ يفك أزرار قميصه، شهقت و وضعت كفيها علي وجهها، أجاب عليها غير مبالي:
"هقولك بس بعد ما أخرج من التويليت تكوني غيرتي هدومك".
عادت مرة أخري تنظر إلي أسفل بخجل و إلي يديها المتشابكة بتوتر:
"مش عارفة أخلع الفستان، ممكن حضرتك لما تخلص تنادي لي واحدة من الشغالات تيجي تساعدني".
لم يجب علي طلبها بل اقترب منها و وقف خلفها، مد أنامله إلي مقدمة السحاب، انتفضت و ابتعدت، حدقته بتوتر و خجل:
"مستر قصي ده مكنش اتفقنا".
"و أنا اتفاقي معاكِ إن الكل يصدق إنك مراتي بجد، فمش معقول هاروح أنادي واحدة تيجي تفتح لك سوسة الفستان، أومال أنا بعمل إيه!".
أخبرها بذلك مما جعلها أدركت لا مفر من المعاملة عن قرب، قرأ ما يقلقها داخل عينيها فأردف:
"منار أنا عارف الوضع هايبقي صعب عشان كدة كتبت عليكِ علي سنة الله و رسوله، لأن لحد ما اللعبة تنتهي، هايتقفل علينا باب واحد، هامسك إيدك قدامهم، و ما ينفعش كل ده غير ما تكوني مراتي في الحلال، فهماني؟".
أومأت إليه بنعم و أثرت الصمت، لم تجد ما تقوله و تشعر كأنها مقيدة أمامه، أشار إليها بأن تقترب منه:
"تعالي".
اقتربت منه و استدارت لتعطي إليه ظهرها، اغمضت عينيها، سرت قشعريرة في جميع خلايا جسدها بمجرد ملامسة يده إلي ظهر ثوبها و هو يجذب السحاب إلي أسفل، مرت لحظات و هي علي ذلك الوضع فسألته:
"خلاص؟".
كان جوابه صوت باب المرحاض الذي قام بإغلاقه للتو، فتحت عينيها فوجدت الثوب انزلق إلي خصرها و لم يستر جذعها سوي صدريتها، قامت بصفع خدها:
"يا فضحتك يا منار".
تمسكت بالثوب و بخطوات أقرب إلي الركض ذهبت إلي داخل غرفة الثياب.
༺༻
داخل مركز التسوق، يسير الصغير بجوار والده يمسك بيده، و الأخر يتحدث إلي زوجته عبر السماعة اللاسلكية:
"أنا اشتريت لك كل حاجة أنتِ قولتي لي عليها، عايزة حاجة تاني قبل ما أطلع من الهايبر؟".
أجابت علي الناحية الأخري حيث تقف داخل المطبخ و تعد الطعام:
"لاء يا حبيبي كده كله تمام، أهم حاجة خد بالك من يوسف، أوعي تسيبه من إيدك".
"حاضر يا حبيبتي، هاقفل معاكِ عشان خلاص داخلين علي الكاشير، باي".
و بعد أن أنتهي من دفع ثمن المشتروات، دفع العربة المعدنية إلي الخارج حتي وصل إلي سيارته، فكان المركز يقع مباشرة علي الطريق الرئيسي للسيارات.
أخذ يضع الأشياء في حقيبة السيارة قائلاً:
"خليك جمبي أوعي تتحر...
لم يكمل جملته و لم يجد ابنه الذي قام بخطفه احدي الملثمين و صعد به أعلي الدراجة النارية، صرخ الصغير مستغيثاً:
"بابي، بابي".
ترك كل ما في يده، و ركض ليلحق بالدراجة و ينقذ صغيره، لم يستطع هذا الملثم الفرار حيث ظهرت سيارة من حيث لا يدري و قطعت طريقه و جعلته ينقلب، استطاع الصغير الإنفلات من يديه ، ترجلت من السيارة هذه الصهباء تركض نحو الصغير و دنت منه تسأله بخوف و قلق عليه:
"أنت بخير يا حبيبي؟".
كان يوسف يبكي و يرتجف بخوف من الفزع، احتضنته و قامت بالتربيت عليه، بينما آدم قد أمسك بالملثم و سدد له العديد من اللكمات و كان الأخر يحاول أن يصمد ثم دفعه و أسقطه علي الأرض بقوة لكي يستطيع ركوب دراجته النارية و الفرار مرة أخرى.
نهض آدم و حاول أن يحفظ أرقام الدراجة ليقوم بإبلاغ الشرطة ثم ألتفت إلي صغيره ليجدها هي من قامت بإنقاذه، دنا من صغيره و جذبه إلي صدره و عانقه قائلاً:
"حبيبي ماتخافش أنا جمبك، اهدي و بص لي".
رفع ولده رأسه و بدأ بكائه يخبو، نظر آدم إلي روڤان و بكل شكر و امتنان قال لها:
"مش عارف أشكرك إزاي، بجد اللي عملتيه ده هيفضل دين في رقبتي".
"ما تقولش كدة يا آدم، يوسف زي ابني، أنا كنت جاية علي الهايبر و كنت بتكلم في الفون، أخدت بالي من المجرم اللي كان راكب الموتسيكل عمال يقرب عليكم و أنت مش واخد بالك، و لما لاقيته شد يوسف و بيخطفه مجاش في بالي غير أقطع عليه الطريق و الحمدلله أهم حاجة يوسف بخير".
"الحمدلله، الحمدلله ".
أخذ يرددها، كانت تنظر إليه و التردد بادياً من نظرات عينيها، سألته:
"هو أنت ناوي تبلغ البوليس؟".
أومأ لها و أجاب:
"أنا صاحبي مقدم، هاتصل بيه و هديه رقم الموتسيكل و هو هيتصرف".
عقبت بتوتر أخفته بنبرة جادة:
"أيوة طبعاً لازم تبلغ عشان المجرم الحيوان ده ياخد عقابه، و لو محتاج أي حاجة أنا تحت أمرك، ممكن رقم الفون بتاعك عشان أبقي أطمن عملت إيه؟".
مدت يدها بهاتفها إليه، أمسكه و قام بكتابة رقم هاتفه:
"أتفضلي ".
أجابت و هي تنظر بسعادة رفرف لها قلبها الذي يقفز:
"هسجله، thank you".
أنهت جملتها بإبتسامة، لم يدرك منها الأخر ما خلفها من مكر و دهاء للتقرب منه بل تريد أن تظفر به!
༺༻
نزل علي الدرج و يمسك بيدها فوجد ابنته تقف لدي نهاية الدرج و تعقد ساعديها أمام صدرها، ترمقه بغضب و تحدق إلي زوجة أبيها بنظرة نارية قاتلة، و عندما رآها في تلك الهيئة كاد ينفجر في الضحك لكنه كبت قهقهته و دنا منها يسألها ببراءة و كأنه لا يعلم سبب غضبها ذاك:
"حبيبتي مالك زعلانة ليه؟".
وضع يده علي خدها الممتلئ، أزاحت يده و صاحت به:
"أوعي إيدك، أنا مخمصاك و مش هكلمك تاني، يعني أنا مستحملة مامي بالعافية، تقوم متجوز البت الوحشة دي".
أشارت بإصبعها و بازدراء نحو منار، فنظر قصي إلي منار التي ترمقهما في صدمة و تتأمل تلك الصغيرة المشاكسة، عاد بالنظر إلي ابنته:
"لاء عيب يا زوزو، أنتِ بنوتة شطورة و مؤدبة ما ينفعش تشتمي أو تتكلمي بأسلوب مش مؤدب مع حد أكبر منك، دي اسمها طنط منار و هقولك علي سر بس بيني و بينك".
ألتفت من حوله و كأنه يطمئن أن لا يسمعه أحداً سواها ثم أخبرها بهمس:
"أنا متجوزها كدة و كدة عشان أغيظ مامي، لكن أنا قلبي بتاع زوزا و بس، أنتِ حبيبتي و روحي".
تحولت ملامحها من الغضب إلي سعادة عارمة و سألته:
"بجد؟".
أومأ لها قائلاً:
"بجد، هو أنا قولت لك حاجة قبل كدة و كذبت عليكِ؟".
هزت رأسها بنفي و أجابت:
"لاء".
عانقها و ربت عليها بحنان متدفق علي أميرته الصغيرة:
"بحبك أوي يا زوزا ".
بادلته العناق و أجابت بصوتها الطفولي:
"و أنا كمان بحبك أوي يا قيصو".
"يلا بقي سلمي علي طنط منار و خديها وصليها لحد السفرة ".
نظرت الصغيرة إليها من أعلي إلي أسفل ثم أشارت إليها بأمر:
"تعالي ورايا يا نان".
نظرت الأخري إليها بصدمة لم تصدق إن هذه طفلة ذات خمس أعوام و تتحدث و كأنها امرأة ناضجة، ابتسمت إليها ثم أخبرتها بصوت طفولي لتكتسب محبتها:
"ممكن تمسكِ إيدي و توديني عشان أنا مش عارفة".
زفرت زينب بنفاذ صبر و مدت يدها علي مضض قائلة:
"أمري لله، تعالي".
نظرت منار إلي قصي الذي يكبت ضحكاته ثم ذهبت برفقة الصغيرة.
و حول المائدة جلسوا جميعهم حيث ترأس قصي الطاولة كالمعتاد، و علي يمينه كرسي شاغر الخاص بزوجته، و علي يساره جلست منار و بجوارها ابنته و يليها مالك الذي كان يراقب الأجواء في صمت.
جاءت كارين و خلفها ابنتها و ابنها، جلست دون أن تتحدث بحرف و كانت تختلس النظر إلي منار التي تجلس في توتر كلما لمحت نظرات الأخري إليها
"مين دي يا uncle؟".
كان سؤال چوليانا فلكزتها والدتها و أخبرتها بهمس:
"بس اسكتِ".
و جاء صوت من علي بعد بضع أمتار تتقدم صاحبته نحوهما، فألتفت الجميع إليها و هي تجيب علي الصغيرة بنبرة ساخرة:
"دي تبقي طنط منار اللعبة الجديدة، excuse me مراته الجديدة".
لم يهتم إلي سخريتها بقدر إهتمامه معرفة أين كانت، و هذا لأنها ترتدي ثوب أحمر قصير ضيق للغاية و بأكمام تصل إلي منتصف الساعد، و من الأسفل يكاد يصل إلي أعلي ركبتها، بينما من الأعلي حيث فتحة الصدر متسعة و تظهر أعلي مفاتنها و التي تستقر بينهما قلادة من الألماس الأسود، تسير بحذائها الأسود ذو الكعب المرتفع و يتدلي علي كتفها سلسلة تنتهي بحقيبة صغيرة سوداء.
لاحظت نظراته النارية و لم تعط إليه أدني إهتمام، فهي تدرك جيداً مدي غضبه من رؤيتها في ذلك الثوب الذي يجسد عن قدها ذو المنحنيات و ما يكشفه من جسدها لكل من ينظر إليها.
توقفت لدي الكرسي الخاص بها و كادت تجذبه فأوقفها بسؤاله إليها:
"كنتِ فين؟".
رمقته بلا مبالاة و أجابت:
"كنت مع أصحابي في النادي".
"و مين اللي قالك تخرجي من غير إذني؟".
سؤال أخر بنبرة جادة و غضب ينضح من عينيه، تدخلت كارين لأنها تدرك ما سيحدث:
"هي قالت لي قبل ما تمشي و أنت كنت نايـ...
قاطعها الأخر بوضع طرف سبابته أمام شفاه:
"هوس أسكتِ أنتِ، أنا بسألها هي".
عقدت ساعديها أمام صدرها و رفعت إحدي حاجبيها قائلة:
"أنا اللي سمحت لنفسي، مش أنت بتعمل اللي علي مزاجك، أنا كمان هعمل اللي علي مزاجي".
ضرب قبضته علي المائدة فأهتز كل ما عليها و انتفضت منار و ابتعدت من جواره عندما رأت ملامحه الغاضبة و هو ينهض متجهاً نحو صبا التي لم تتحرك إنشاً بل و تنظر بإبتسامة ساخرة لسبر أغواره، جذبها من ذراعها و بأمر لا رجعة فيه:
"قدامي علي المكتب".
حاولت جذب ذراعها لكن قبضته كالعادة أقوي
"سيب دراعي، مش رايحة معاك في حتة".
أخبرها بتهديد جوار أذنها حتي لا يسمعه الأخرون:
"اتقي شري و أمشي قدامي أحسن لك".
صاحت في وجهه بإصرار و تحاول جذب ذراعها من يده:
"قولت لك لاء، و لو مش عاجبك طلقني".
كانت هنا النظرة أبلغ من الإجابة، فبرغم قوتها الواهنة لكن أرتجف جسدها و قد شعر بها، هيهات و كان علي وشك أن يحملها رغماً عن أنفها لكن هناك صوت قاطع تلك الأجواء المشحونة
"سلام عليكم".
نهض كلا من رسلان و چوليانا و ركض كليهما إلي والدهما:
"بابي، وحشانا أوي يا بابي".
عانقهما و كان ينظر إلي كارين بشوق و حنين قائلاً:
"أنتم كمان يا حبايب بابي واحشيني أوي أوي، و عمكم هو السبب في بعادي عنكم و عن مامي".
رمقه قصي بحدة يسأله بغضب:
"أنت إيه اللي جابك هنا؟".
اعتدل و وقف يرمقه بتحديٍ:
"جاي أخد ولادي و مراتي".
صاح بتعجب و كأن هذا أخر ما ينقصه:
"نعم يا أخويا!".
أجاب الأخر بجدية :
"علي اعتبار ما سيكون لأني هاردها عند المأذون ".
أطلق قصي زفرة لعله ينفث غضبه الذي إذا أطلقه سيحدث ما لا يحمد عقباه
"أمشي يا يونس من وشي".
نظر أولاً إلي تلك الغريبة فتأكد من حديث كارين فصاح:
"مش ماشي يا قصي، و لا هو حلال ليك وحرام عليا، طب أنا أتجوزت من ورا مراتي عشان ده مؤقت و هيروح لحاله و محبتش تعرف عشان ما أجرحش مشاعرها، لكن أنت بقي ماشاء الله تتجوز و كمان عزمت صبا علي فرحك و من جبروتك جايب مراتك التانية و مقعدها معاكم علي السفرة".
سأله الأخر:
"مين قالك الكلام ده؟".
حك يونس ذقنه و كان ينظر إلي كارين، فألتفت الأخر إليها فوجدها في لحظة اختبأت أسفل المائدة
هنا وجدت صبا عليها إستغلال الموقف جيداً، فعقبت علي ما يحدث قائلة:
"اللي أنت عرفته يا يونس صح، و لما أنت عملت كدة قبله هو اللي وقف لك و خدك أنت و كارين غصب عنك للمأذون عشان تطلقها، لكن أنا بقي بابا للأسف مش هنا و مليش حد ألجأ له".
قالتها و ارتسمت ملامح الحزن علي وجهها ببراعة، فصاح يونس بشهامة:
"ملكيش حد إزاي، أنتِ بنت عمتي و في مقام أختي و اللي يزعلك يزعلني حتي لو أخويا ذات نفسه".
تقدم منها و جذبها أمام أعين زوجها من يدها:
"تعالي أقعدي معانا في قصر خالك لحد ما ناخد لك حقك منه".
شهقت كارين من أسفل المائدة ثم نهضت واضعة كفيها علي فمها.
أمسك يد شقيقه و قام في هدوء ارعب كلا من الأخر و كذلك صبا أيضاً
"سيب بس إيدها و تعالي نتكلم في المكتب، عشان بس ما ينفعش نتكلم قدام الأولاد، و انا هعملك اللي أنت عايزه".
رد الأخر قائلاً:
"ما كان طب من الأول".
كانت كارين تلوح إليه بيدها أن لا يذهب معه دون أن تتفوه خشية من قصي و تقول داخل عقلها:
"يا غبي أوعي تروح معاه، ده هيعمل منك بفتيك".
و بعد أن ذهب مع شقيقه، تفوهت زينب:
"يا عيني يا uncle يونس بابي هيعمل منك حواوشي".
ثم نظرت إلي منار بغضب و اردفت:
"كله منك يا نان يا جلابة المصايب".
عقبت صبا بسخرية و هي تحدق نحو منار بازدراء:
"و لسه هانشوف يا زوزو".
نهضت منار لتتجنب المشاجرة مع صبا، و صعدت إلي الأعلي، و كارين دب الخوف في قلبها علي يونس فركضت إلي الغرفة
و بداخل غرفة المكتب يقف يونس واضعاً يديه في جيبي بنطاله، و قصي كان يخلع ساعة يده و يلقي بها علي المكتب قائلاً:
"كنت بتقول إيه برة بقي عشان ماسمعتش كويس".
التفت إليه فأخذ الأخر يتراجع خطوة تلو الأخري إلي الوراء بحذر:
"فيه إيه يا قصي، مش أنت قولت إن إحنا هنا عشان نتفاهم و لا ده كان كمين؟".
جذبه الأخر من تلابيبه بكلتا يديه:
"أنت كل مرة بتاخد مني علقة لحد ما وشك بقي مليان إصابات، و برضو ما بتحرمش".
أمسك الأخر يديه و أخبره:
"ما أنت خليك في صف اخوك و لو مرة واحدة و خلي كارين ترجع لي و أنا مش هخليك تشوف وشي تاني، أنت أكتر واحد عارف إن أنا بحبها قد إيه".
"و لما أنت بتحبها أتجوزت من وراها ليه؟".
صاح به و دفعه ليقع علي الأرض، نهض و أجاب:
"السؤال تقوله لنفسك يا كبير أخواتك".
رمقه بتحذير قائلاً:
"أنا عارف أنا بعمل إيه، مش غبي زيك".
رد الأخر بدفاع:
"و أنا كمان عارف بعمل إيه، و خلاص أنا قولت لآسيل تكلم أخوها عشان يرجع من السفر و يجي ياخدها بعد ما أطلقها، أنا كنت مستني لحد ما تولد بس".
رمقه قصي بتعجب فأردف يونس:
"مش مني طبعاً، إحنا لما أتجوزنا مكنتش تعرف إنها حامل من طليقها".
"شوفت بقي إن عندي حق لما بقولك أنت غبي، البت دي نصابة و بتشتغلك و هي بالتأكيد عارفة إنها حامل من قبل ما تتجوزوا، و كله كوم و أخوها هاني اللي مفهماك إنه مسافر برة بيشتغل ده كوم تاني، لأنه حضرتك هربان و عليه شيكات بعشر مليون جنيه كان واخدهم من طليق أخته و هرب عشان معهوش يسدد له المبلغ، و مش بعيد تلاقيه هو اللي رسم الليلة اللي عملتها أخته عليك يا مغفل".
جلس علي أقرب كرسي و سأله و عقله تدور داخله الكثير من الأسئلة:
"عرفت منين كل المعلومات دي؟".
رفع الأخر زاوية فمه بتهكم و قال:
"عيب أوي لما تسألني السؤال ده".
تناول سيجاراً من العلبة فوق المكتب و قداحة مردفاً:
" المهم البت دي تروح تطلقها حالاً، أصلاً جوازكم باطل عشان هي حامل من جوزها الأولاني، و أنا هخلي كارين ترجع لك النهاردة قبل بكرة".
سأله غير مصدق إياه:
"بتتكلم بجد و لا بتشتغلني؟".
نفث دخان سيجاره و أجاب:
"خلاص مفيش كارين و انسي أي حاجة قولتها لك".
نهض الأخر من مكانه مبتسماً:
"لاء يا كبير كنت بهزر معاك، أنا هاروح دلوقت و هاطلقها و لو عايزيني أسجلك اللحظة دي فيديو و ابعته لك ماشي".
ابتسم رغماً عنه و قال له:
"كل اللي عايزه منك تكون أتعلمت الدرس كويس، و لما تحصل معاك أي حاجة تعالي خد رأيي و أنا هقف جمبك".
اقترب يونس نحو شقيقه و عانقه بقوة مُربتاً علي ظهره:
"ربنا ما يحرمناش من بعض".
༺༻
أجواء الربيع قد بدأت رغماً من عدم ذوبان الثلوج من أعلي قمة قلعة عائلة رومانوف، يجلس داخل غرفة المكتب الذي يغلب عليها لوني الأسود و الرمادي، ينقر علي لوحة المفاتيح و يرسل رسالة عبر البريد الألكترونى، يمسك بكأس الخمر و يرتشف منه القليل،
وصل إلي أذنه ضجيج يأتي من الخارج، فتوقف و ترك الكأس أعلي المكتب ليرى ماذا يحدث، حتي وصله صوت سيلينا تصرخ في وجه حارسه
"دعني يا أحمق لم أذهب إلي سيدك ".
قال لها بجدية و إصرار:
"تلك هي أوامره".
قد نفذ صبرها و فاض بها الأمر فهبطت علي وجهه بكفها و ركلته بين ساقيه، نفض ذراعها و أخذ يتأوه، نظرت إليه بازدراء و قالت:
"تباً لك و لسيدك".
خرج فلاد من الغرفة علي ذاك المشهد، يسأل بغضب:
"ماذا يحدث هنا؟".
اعتدل الحارس و كبت ألمه حتي لا يراه سيده في تلك الحالة المزرية، فأجاب:
"السيدة سيلينا حاولت الخروج من القلعة و عندما قام الرجال بمنعها إمتثالاً لأمرك ، أخذت تلقي وابل من السباب و اللعنات علينا جميعاً، فأتيت بها إليك".
رمقها فلاد بإمتعاض ثم نظر إلي الحارس و قال بأمر:
"أذهب أنت الآن".
"اسمعـ...
لم تكمل كلمة واحدة حيث جذبها من يدها في لحظة وجدت نفسها داخل غرفته و الباب قام بإغلاقه ثم أدار القفل الذي أصدر صوت الغلق فأصبح الباب موصداً من الداخل، سألته بتوجس:
"ماذا تفعل فلاد!، دعني أعود إلي منزلي لقد سأمت من المكوث هنا داخل غرفة بمفردي".
اقترب منها و هي تتراجع إلي الخلف حتي التصق ظهرها في الباب، استند بيد واحدة، عاقداً ما بين حاجبيه يحدق إليها بنظرة لم تدرك منها شيئاً مما دب الرعب في أوصالها حتي تحدث أخيراً ليخبرها:
"أنتِ هنا لأنك أمام الجميع رفيقة فلاديمير رومانوف، فهذا دورك هنا و يجب عليكِ أن تؤديه بإتقان".
رفعت جانب ثغرها و عقبت بسخرية:
"رفيقة أم عاهرة تقصد!".
استند بيده الأخري فأصبحت أسيرة بين ذراعيه ليسألها بسخرية مماثلة:
"إذاً لما تسللتِ إلي هنا و حاولتِ قتلي، أم تردين إثارة انتباهي إليكِ؟ ".
ابتسمت بدهاء و حدقت إليه بنظرة تعلم مدي تأثيرها عليه جيداً كما فعلت منذ سنوات قائلة:
"تسللتُ لرؤيتك و العودة إليك، لم أجد منك سوي التجاهل و المعاملة الخالية من المشاعر".
و في غضون لحظات جذبها بين ذراعيه و كان منقضاً علي شفتيها بقوة ليث جائع، أخذت تدفعه في صدره، فتركها تتنفس و هبط بشفتيه إلي عنقها و أخذ يلتهم كل إنشاً به، تلوي جسدها بين ذراعيه، تتوسل إليه بصوت يكاد يخرج من بين شفتيها:
"أرجوك فلاد، ابتعد".
تجاهل توسلها إليه و محاولتها البائسة بالإبتعاد عنه، لكن لا محالة، فكلماتها و نظراتها هي من اعطته الإشارة بأن يفعل بها ما يريد، لكنها لم تكن ترغب ذلك في الوقت الحالي، فلديها هدف تسعي إليه و يجب عليها إستغلال رغبته نحوها و حبه إليها للوصول إلي هدفها التي تنتظره منذ سنوات!
لجأت إلي حيلة البكاء لعله يتوقف لاسيما بعدما قام بتمزيق تلابيب كنزتها، أجهشت في البكاء و قالت:
"أنت هكذا لم تفرق شيئاً عن كلاوس".
و كأن أصابته الصاعقة فأبتعد فجأة، يلتقط أنفاسه و يسألها:
"ماذا تردين سيلينا؟".
اقتربت منه مثل الأفعى عندما تزحف إلي فريستها و علي وجهها ترتسم البراءة، أجابت:
"أريد أن أكون زوجتك".
༺༻
تقف الآن أمام الباب الزجاجي للشركة التي يمتلكها زوجها، لأول مرة تأتي إلي هنا، جاءت بعدما وجدت أنها لا تملك شيئاً لتقف ضده، و الخسارة لم تصيبها هي فقط، بل ستطول جدتها، ربما مجيئها إليه يجعله يتراجع عن الحرب التي بدأها عليها، هبطت من بين شعيرات هدبها دمعة، تنزلق ببطئ علي خدها، قامت بمسحها و أكملت خط سيرها فأوقفها الحارس يسألها:
"عايزة إيه حضرتك؟".
نظرت إلي هذا الرجل الضخم و المخيف، فهو حارس أمام بوابة شركة للأمن و الحراسة، فيجب أن كل من يعمل بها في هذا المجال أن يكون علي قدرٍ مناسب من حيث المظهر و القوة.
أجابت بهدوء:
"أنا جاية أقابل كنان العمري".
"ثواني هاسأل السكرتيرة، اسم حضرتك إيه؟".
سألها و كاد يتحدث في السماعة اللاسلكية، فأجابت:
"أنا مراته".
أصابته الدهشة فقال لها معتذراً:
"حقك عليا يا فندم أتفضلي، كنان بيه فوق في المكتب هابعت مع حضرتك واحد من الـ security يوصلك لحد مكتبه".
فتح لها الباب و ولجت إلي الداخل، أمر الحارس أحدهم بأن يتبعها و يرشدها إلي مكتب رب عمله
و بعد أن وصلت إلي الطابق الذي يوجد به مكتبه، انتظرت مساعدته ريثما تخبره إنها تريد مقابلته، فهي الآن تجلس علي الكرسي و من فرط التوتر تهتز ساقها دون إرادة منها، فمن الصعب عليها أن تصبح أمامه بهذا الضعف لكن ماذا عساها أن تفعل سوي ذلك!
"أتفضلي حضرتك".
قالتها المساعدة مشيرة إليها نحو داخل المكتب، نهضت و صوت صدي دقات قلبها يتخلل سمعها، سارت بخطوات وئيدة إلي داخل الغرفة، تلاقت عيناها بخاصته يرمقها بنظرة انتصار فحدقت إليه بكبرياء وقفت أمام مكتبه و سألته:
"عايز مني إيه يا كنان؟".
نهض و عيناها تتبعه حيث سار نحوها ليقف خلفها و أجاب:
"عايزك تعقلي و ترجعي البيت".
تمسك بيد حقيبتها بكلا يديها و كأنها تتشبث بها و تستمد القوة، استدارت إليه لتصبح أمامه وجهاً إلي وجه قائلة:
"طيب و لو أنا مش عايزة، هترضي إن أعيش معاك غصب عني؟".
أجاب عليها ببرود واضعاً يديه في جيبي بنطاله:
"هاتعيشي معايا سواء بمزاجك أو غصب عنك لأنك أنتِ و الولاد و جدتك ملكمش غيري، و أنا مش هسمح أن عيالي يتبهدلوا و يعيشوا في حارة كلها بلطجية و شمامين، اعقليها كويس هتلاقي نفسك طول ما أنتِ معايا هاتعيشي زي ما كنتِ عايشة في مستوي غيرك يتمني يعيش فيه، ولادنا في مدارس international، متوفر لهم كل حاجة ".
عقبت علي حديثه بقلبٍ مُلتاع:
"و أنا فين من كل ده؟".
أجاب بتلقائية:
"أنتِ كل طلباتك مجابة و أي حاجة عايزاها بتيجي لحد عندك".
"يعني هافضل مجرد زوجة تلبي لك طلباتك و مش مشكلة أعيش معاك و أنت علي ذمتك مراتك الأجنبية اللي عمرك ما تقدر تنساها!، عايزني أدوس علي قلبي و كرامتي و أكمل عادي!، أنت شايف كدة؟".
كانت تسأله و تكبت عبراتها و تشعر بغصة تقف في حلقها، تريد الصراخ بأعلي صوت لديها، لكنها كالمقيدة داخل صندوق بسلاسل من حديد.
"إيه كمية الـ over اللي أنتِ عايشة فيها دي، ما تعيشي زي ما ستات كتير عايشين، أنا يوم ما أتجوزتك كانت هي قبلك، و أنتِ كنتِ عارفة كدة".
يا له من قلب متحجر متبلد المشاعر، أجابت هي و لم تستطع أن تمنع دموعها أكثر من ذلك:
"كنت فاكراك طلقتها، و قولت خلاص مليش دعوة بحياتك قبل مني، مليش غير من أول ما عرفتك".
"يعني شوفتيني روحت لها!، ما أنا من وقت ما أتجوزنا و أنا عايش معاكِ، هاتفرق إيه بقي سواء طلقتها و لا مطلقتهاش".
صاح بها بعد أن تخلي عن بروده و فقد صبره للتو، فقالت من بين بكائها:
"ايوه بالنسبة لي تفرق كتير، و قولتها لك قبل كدة، أنت عايش معايا بجسمك لكن قلبك و مشاعرك كله معاها".
ولي ظهره إليها بعدما رأي دموعها و كم يشعر إنه وقح و وضيع لأنه هو السبب فيما وصلت إليه من معاناة و ألم، تهرب بالحديث و يلقي اللوم عليها من جديد:
"كل اللي قولتيه مش مبرر كافي، فكري في اللي حواليكِ و بطلي أنانية بقي ".
صرخت ببكاء و دفاع بإستماتة:
"أنا مش أنانية، أنا عايزاك تبقي ليا لوحدي زي ما أنا ليك، عايزة أحس بحبك و لهفتك عليا زي ما بحبك و لما بتبعد عني ببقي مشتاقة ليك، عايزة لما أكون في حضنك أحس أنه ليا أنا مش ليها هي!، الأناني فينا هو أنت، عايز كل حاجة و ما تديش، العطاء بالنسبة لك ماديات بتحاول تعوضني بيها عنك، بس أنا مش عايزة فلوس أنا عايزاك أنت".
استدار إليها و جذبها بين ذراعيه، يدفن وجهها في صدره، فشعر بدموعها الدافئة قد بللت قميصه، ربت عليها و أغمض عينيه قائلاً:
"كفاية دموع، و خلي الأيام تداوي جروح كل واحد فينا بس و أنتِ معايا، إحنا ملناش غير بعض يا دنيا، ما ينفعش نبعض عن بعض أبداً ".
كانت تزداد بكاءً و نحيباً بين يديه، تشعر بالضعف و الوهن لا تملك سوي الرجوع إلي معذب فؤادها الذي ودت أن تقتلعه من جذوره لأنه يعشقه و لم يتلق منه سوي القهر و الألم.
الفصول الخامس عشر من هنا
الجزء الثالث من هنا
لقراءة الجزء الاول جميع الفصول اضغط هنا
لقراءة الجزء الثاني جميع الفصول اضغط هنا
رواية غابة الذئاب من صراع الذئاب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ولاء رفعت علي
🐺 غابة الذئاب «ما بعد العهد» 🐺
"الجزء الثالث من رواية صراع الذئاب"
بقلم: ولاء رفعت علي
تنظر إلي شاشة الأشعة التليفزيونية و تسألها هذه السيدة التي تتمدد علي السرير:
"ها يا دكتور، بنت و لا ولد؟".
ابتسمت علياء و أجابت:
"بنوتة إن شاء الله".
شهقت الأخري و ضربت بكفها علي صدرها بنواح:
"بنت!، يا خراب بيتك يا نعمة، الراجل خلاص هيروح يتجوز عليا".
تركت الأخري ما في يدها جانباً و نظرت إليها عاقدة ما بين حاجبيها، فسألتها بتعجب:
"إيه علاقة إن ربنا هيرزقك ببنوتة و ما بين جوزك عايز يتجوز عليكِ؟".
نظرت السيدة بحزن إليها و أجابت:
"حضرتك زي ما أنتِ عارفة معايا بنتين، و اللي في بطني تبقي التالتة، و حماتي حسبي الله نعم الوكيل فيها كل شوية تعايرني هي و سلفتي في الراحة و الجاية، يقولوا لي يا أم البنات، و لما حملت حماتي سمعتها بتقول لجوزي لو طلعت بنت هجوزك واحدة تجيب لك الواد، و الله ما بكدب عليكِ يا دكتورة علياء".
كانت تستمع إليها و تتعجب إنه مازال هناك من يفكر بتلك الطريقة التي لا تنم سوي عن الجهل و الرجعية و عدم الإيمان بما قسمه الله.
عادت بظهرها إلي الخلف و قالت إليها:
"مصدقاكِ يا نعمة و ورد عليا حالات زيك كتير،
عشان كدة عايزاكِ المرة الجاية تجيبي معاكِ جوزك و حماتك و أنا ليا كلام معاهم".
نظرت إليها بتوجس قائلة:
"هتقولي لهم إيه بالظبط؟".
أجابت الأخري:
"اطمني، اسمعـ...
توقفت عن الحديث عندما دوي صوت المساعدة في الخارج:
"يا دكتور معاها حالة جوة ما ينفعش حضرتك تدخل دلوقت".
رمقها الأخر بتحذير و أمرها بتهديد:
"امشي من وشي بدل ما هيبقي آخر يوم ليكِ هنا".
و بالداخل نهضت علياء عندما علمت بمن يصيح في الخارج قالت إلي الأخرى:
"قومي يا نعمة، و تعالي بعد تلات أسابيع و زي ما قولت لك ابقي هاتِ معاكي جوزك و حماتك ".
"حاضر يا دكتورة".
نهضت علي الفور و ضبطت من مظهر ثيابها، بينما علياء ذهبت لتفتح الباب:
"فيه إيه؟".
تلاقت عينيها بخاصته فوجدته يحدق إليها بنظرة غاضبة، ألتفت لتجد السيدات اللاتي في انتظار دورهن للكشف لديها جميعهن ينظرن إليهما، ابتلعت ريقها من الشعور بالحرج، فقالت علي مضض إليه:
"اتفضل يا دكتور يوسف".
ولجت إلي الداخل فدخل ورائها، مازالت نعمة بالداخل نظرت إلي يوسف ثم إلي علياء و قالت متجهة إلي الخارج:
"سلام عليكم يا دكتورة".
رددت الأخرى التحية:
"و عليكم السلام و رحمة الله".
ذهبت خلفها و أغلقت الباب ثم سارت نحو المكتب و جلست علي الكرسى، تسأله و تعلم سبب مجيئه إلى هنا جيداً:
"إيه اللى جابك؟".
وقف أمام المكتب و يفتح زر سترته ثم جلس
قائلاً و عينيه تنضح بنظرة لم يوجد بها أسف أو شعور بالندم علي ما اقترفه معها قبل أن تذهب إلي حفل زفاف ابنة خالتها
"جيت عشان عايز أعرف ليه قافلة تليفونك و لما أتصلت على مامتك، خلتيها تقولي إنك نايمة و أنا واثق أنك كنتِ صاحية".
اتسع ثغرها بابتسامة صفراء و ببرود أجابت:
"أيوه كنت صاحية، هو أنت فاكر إن هعدي رفعة ايدك عليا عشان تضربني بالقلم لولا ابنك دخل علينا!".
صاح بقوة و غضب جعلها انتفضت:
"أيوه كنت همد ايدي عليكِ عشان مش محترمة كلامي و لا لما حلفت عليكي ما تخرجيش كسرتِ حلفاني و عليتِ صوتك عليا و كأني مش جوزك و لا ليا كلمة عليكي".
نهضت و تظاهرت بالقوة، رمقته بغضب قائلة:
"ايوه عملت كدة عشان مفيش أى مبرر أو سبب مقنع لرفضك إن أروح الفرح، و عليت صوتي بسبب اسلوبك اللي بقى مستفز و أنت بتتكلم معايا، زي اللي بتعمله كدة دلوقت".
عقب بسخرية قائلاً:
"اه طبعاً أسلوبي معدش يعجب لكن أسلوب دكتور أسر هو اللي علي قلبك زي العسل، و الضحك ما بيبقاش غير معاه و بس".
كان علي وجهها علامة استفهام، لم يأت في مخيلتها إنه يرمى إليها إتهاماً بعينه أو يشك في علاقتها بصديقه، ظنت إن غضبه مازال قائماً منذ ذلك اليوم عندما كانا داخل المطعم، و بدلاً أن تسأله عن أن هذا سبب غضبه أخبرته بما يسبر أغواره:
"ياريتك كنت زي أسر، علي الأقل لما بيلاقيني مضايقة أو زعلانة بيقدر يضحكني و يخرجني من اللي أنا فيه مش زيك عاشق للنكد".
ها قد تملك منه الغضب للغاية، و خلال لحظات نهض و اتجه نحوها ليقبض على عضدها بقوة يجذبها لتنهض معه، قائلاً من بين أسنانه:
"أنا هوريكِ النكد على حق".
صرخت بألم:
"اه، أوعى سيب دراعي".
صاح بها مما أصابها بالهلع:
"مش هسيبك غير لما ترجعي معايا علي القصر، و مفيش شغل من النهاردة، و لا أقولك انسي شغلك ده خالص، و كلمة هتخرج من بوقك أقسم بالله لأكون جرك بالعافية قدام الناس اللى برة".
صرخت في وجهه:
"أنت أتجننت!، أنا عملت لك إيه يخليك تتعامل معايا بالهمجية دي".
تمكن من جذبها لتنهض ثم حملها من خصرها قائلاً بسخرية:
"أصل أنا مفتري و ظالم، معلش استحملي بقى ".
قالها و خرج بها أمام النسوة في الخارج و جميع العاملين في الخارج، صاحت به:
"نزلني يا يوسف".
لم يكترث لصراخها الذي ظنه من رآها دلالاً، فقالت احداهن:
"مش اللي شايلها ده يبقى دكتور يوسف جوزها؟".
و لدي سيارته في الخارج فتح الباب و أنزلها ليدفعها إلي داخل السيارة عنوة، صاحت برفض تام:
"مش راجعة معاك، أنت إيه ما بتفهمش!".
رمقها بنظرة قاتلة دون أن ينطق ببنت شفه، يليها دفعة من يده جعلتها داخل السيارة و صفق الباب بقوة ثم ألتفت ليجلس في مقعد القيادة المجاور لها و أغلق الباب الذي جواره، ضغط علي الزر المسئول عن وصد الأبواب، حدقت إليه بغضب و أخبرته بسأم:
"أنت بتقفل الأبواب ليه؟، ما قولت لك مش راجعة معاك القصر".
أنطلق بالسيارة و أجاب دون أن ينظر إليها:
"مش رايحين علي القصر".
إزداد قلقها أكثر فسألته مرة أخرى:
"أومال واخدني علي فين؟".
و بإجابة مقتضبة قال إليها:
"لما نوصل هاتعرفي".
༺༻
خرج كلا من قصى و شقيقه من غرفة المكتب يبتسمان بسعادة، نظرت كارين إليهما بتعجب و تتأمل ملامح يونس، تخشي أن شقيقه قد قام بضربه كالسابق، لكن الفرح الجلي على ملامحهما جعل قلبها يطمئن، و بالطبع قرأ قصى كل ذلك من عينيها فأخبرها بمزاح:
"أنا مضطر أوافق علي رجوعكم لبعض بس طبعاً بشرط إنه يطلق اللي اسمها آسيل، و ده مش عشانك أنتِ و هو، عشان بس خاطر حبايب عمهم چوليانا و رسلان ملهمش ذنب يعيشوا بعيد عن حد فيكم، و أظن يونس كدة أتعلم من غلطته كويس أوى".
رفع شقيقه يده قائلاً:
"أول و أخر مرة، أنا خلاص ما بقتش أستحمل البعد عن حبيبتي أكتر من كدة".
حدقت إليه كارين بعشق و وله قائلة:
"و لا أنا و الله يا حبيبي".
جال قصي بنظره بينهما و ضرب كفه بكفه الأخر متعجباً من هذا الثنائى المجنون، و عندما انتبهت كارين وقفت بجدية بينما يونس تنحنح ثم أجاب:
"لما ألحق أروح أطلق البومة اللي من وقت ما ظهرت فى حياتي و المصايب نازلة فوق دماغي و راجع لكم على طول، استأذن أنا بقي".
قام بمصافحة شقيقه بالعناق و قد تذكر أمر صبا التي تقف علي بعد أمتار، فأخبره بصوت خافت:
"ياريت ترجع أنت كمان عن اللى عملته في مراتك، صبا طيبة جداً و مهما اختلفتوا هي ما تستهلش منك تتجوز عليها و جايب لها مراتك الجديدة تعيش معاها يا جبروتك يا أخى".
رمقه بنظرة تحذيرية قائلاً:
"خليك في حالك أحسن لك، أنا عارف بعمل إيه، و لا مش عايز كارين ترجع لك!".
حك ذقنه مبتسماً و أخبره:
"إيه يا كينج، طبعاً عايزها، بس أنا كان قصدي كفاية بقي علي صبا، إحنا عارفين بتحبها قد إيه و اللي بيحب حد عمره ما يقسى عليه و لا إيه!".
نظر الأخر فى ساعة يده و بيده الأخرى وضع يده على كتف شقيقه:
"طيب يا يونس، يا دوب تلحق المأذون عشان تطلق آسيل، لأن لو جه بكرة و أنت ما جتش يبقى تنسى كارين".
"استأذن أنا بقى عشان فعلاً يا دوب ألحق، سلام عليكم".
قالها و طبع قبلة خاطفة علي خد كارين و أطلق ساقيه للريح، فأطلقت ضحكاتها و هي تنظر في اثره، استدارت لتجد قصى ينظر إليها رافعاً إحدى حاجبيه، تجنبت النظر إليه ثم أخرجت هاتفها من جيب بنطالها و وضعته علي أذنها تتصنع التحدث في الهاتف:
"أيوه يا نهى، إيه الأخبار؟".
و صعدت الدرج بخطوات أقرب للركض، ابتسم على ما فعلته و سرعان تحولت تلك الإبتسامة إلي نظرة غضب نارية عندما تذكر للتو أمر زوجته حيث الخروج دون علمه و ثيابها الغير محتشمة، بحث بعينيه عنها ليجد المكان من حوله ليس به أحداً سواها حيث كانت تجلس فى زاوية تتصنع النظر في هاتفها، و من طرف عيناها انتبهت إلي ذلك القادم نحوها و نظراته لا تبشر بالخير على الإطلاق، نهضت كمن أصابتها صاعقة و أخذت تنادى علي مُربيتها:
"داده زينات، يا داده زينات".
و صعدت هي أيضاً الدرج بخطوات أشبه بالركض حتي وصلت إلى غرفتها و على الفور ولجت إلي الداخل و أغلقت الباب و استندت عليه بظهرها، قلبها يخفق بشدة وجلاً، قد نست أن أمر الغيرة لديه لا مزاح فيه، يكفى نظرة عيناه كافية بدب الرعب في أوصالها.
༺༻
"و أنتِ إزاي تتكلمي مع حد ما تعرفهوش و لا شوفتيه قبل كدة؟".
قالتها رودينا بعتاب إلي صديقتها التى تبكي و تمسك بالمنشفة الورقية، تجيب بقلبٍ مقهور:
"و الله العظيم ما كنت أعرف إنه راجل و عامل نفسه واحدة ست".
رمقتها الأخرى بغضب و عندما رأتها فى تلك الحالة التى يرثى لها، شعرت بالحزن عليها فأخذت تربت عليها و قالت:
"خلاص بطلي عياط، اللى حصل حصل و مقدمناش غير نتصرف فى أسرع وقت و الحيوان اللى اسمه زيكو ده لازم يتعاقب، عشان واضح إنه نصاب محترف و أنتِ مش أول ضحية ليه".
ارتمت الأخرى بين ذراعيها و تخبرها بقلة حيلة:
"أنا بموت يا رودينا و خايفة أوى، أنتِ ما شوفتيش شكل مصعب لما حكيت له الموضوع على إنه حصل لواحدة تانية، قعد يقولي دى ست مش محترمة و اقطعي علاقتك بيها، أومال لو عرف إنها أنا هيقول عليا إيه و لا هايتصرف معايا إزاى!".
"ما هو أنتِ لازم تحكي له على كل حاجة بالتفصيل و تفهميه إنك كنتِ بتتعاملي بحسن نية و قولي له أنا أول ما كشفت حقيقة النصاب ده لجأت لك".
ابتعدت ملك من بين ذراعي صديقتها كمن لدغها عقرب و أخذت تهز رأسها برفض تُردد:
"لاء، لاء مش هقوله، بقولك الحيوان مصور المحادثة كلها إسكرينات، من غبائي كنت بفضفض معاه لما كنت فاكراه واحدة ست بحاجات خاصة بينى و بين مصعب، ده كمان لما هكر الفون عرف يوصل لصورة كنت متصوراها قدام الشاليه بالبكيني من غير مصعب ما يعرف، و المصيبة الأخيرة لما روحت قابلته في الكافيه أتاريه كان عاملي كمين و مخلى واحد يصورنا، و رسالته الأخيرة ليا بيقولي قدامك تلات أيام، مش عايز فلوس و بس ده القذر عايزني أنا شخصياً و أنتِ فاهمة الباقى طبعاً".
كانت الأخرى تنصت و تنظر إليها بصدمة واضعة كفها على فمها غير مصدقة ثم قالت:
"لازم نتحرك بسرعة قبل ما المجرم يستغل الصور دى و يعملك فضيحة أو يوصلك و يعمل حاجة فيكِ لا قدر الله، أنا عندى حل يخلصك من الموضوع ده من غير شوشرة و من غير جوزك يعرف".
نظرت إليها كالغريق الذى وجد طوق النجاة فى عرض محيط عميق، سألتها بتوسل:
"إيه هو بالله عليكِ؟".
رمقتها فى صمت لثوان فأجابت:
"تحكي لحد من أخواتك و هو اللي هايتصرف ".
نظرت إلى الفراغ بحزن دفين قائلة:
"أقول لمين فيهم، آدم مع خديجة فى الجونة، و يوسف أصلاً بشوفه كل فين و فين و تقريباً مشغول أغلب الوقت، و يونس من وقت ما هو و كارين أتطلقوا و هو هايتجنن، ياسين عايش فى ملكوت تانى بقى له سنتين من وقت اللى حصل، يعنى كل واحد فيه اللى مكفيه، و مامي مش معقول هكلمها و هخليها ترجع من السفر عشان أنكد عليها".
كانت الأخرى شاردة فى أفكارها فصاحت دون سابق إنذار:
"أنتِ نسيتِ أهم واحد و اللى هيجيب لك الواد النصاب ده من قفاه".
رمقتها بعدم فهم أو ربما أخر ما كان ينقصها حقاً، فسألتها:
"قصدك على مين؟".
"هو فيه غيره، قصى أخوكِ".
شهقت بخوف ثم قالت:
"بالتأكيد بتهزري!، أهو قصى بالذات أكتر واحد فى أخواتى بترعب منه".
نهضت الأخرى و جلست على حافة المنضدة أمامها و سألتها:
"هيعمل فيكِ إيه إنه أخره هيعاتبك؟".
"أنتِ ما تعرفيش قصى، ده هو و مصعب وجهين لعملة واحدة مع بعض الإختلافات، بس الأتنين طباعهم صعبة جداً، يمكن قصى أكتر، و خايفة يقول لمصعب و يبقى زاد الطين بلا فوق دماغي، ده مش بعيد يقيموا عليا الحد".
ابتسمت رودينا رغماً عنها، رأتها الأخرى و رمقتها بضيق:
"يعنى أنا بحكي لك المصيبة اللى أنا فيها، و أنتِ عمالة بتضحكِ!".
كبتت ابتسامتها و قالت:
"و الله ما قصدى أضايقك، بس أنتِ بتفكرينى بأيام لما كنا فى الجامعة، لسه زى ما أنتِ طيبة و على نياتك، و إحنا دلوقت بقينا فى زمن ما ينفعش فيه الطيبة بزيادة و التعامل بصفاء نوايا خالص، على رأى المثل حرص و لا تخون، يعنى قبل ما تتعاملى مع أى حد غريب سواء في محيط معارفك أو على الواقع الإفتراضى و خصوصاً الفيس لازم تاخدى حذرك، اللى زي زيكو كتير أوى و بتبقى دي شغالنتهم، النصب و الإبتزاز، و ضحياهم بيبقوا عاملين زيك، أنا دلوقت فهمت ليه جوزك رافض موضوع إنك تشتغلي، عارف إنك صيد سهل لأي ذئب بشرى مش فارق معاه إنك single و لا متجوزة".
"للأسف اتعلمت الدرس متأخر و ربنا يستر من اللى جاى".
قالتها و تنظر إلى أسفل بحزن و ضياع، أمسكت الأخرى يدها لتربت عليها قائلة:
"و لا متأخر و لا حاجة، اسمعي بس أنتِ زى ما قولت لك و أحكي لقصى و هو هيجيب لك حقك إن شاء الله من غير أى خساير".
قالتها و ألقت نظرة فى ساعة هاتفها فنهضت و تخبرها:
"معلش بقى يا ملوكة، هضطر أستأذنك عندي مشوار دلوقتي، و أنتِ لما تكلمى أخوكِ أبقي كلميني و طمنيني قالك أو عمل معاكِ إيه".
أومأت إليها و كانت نظرات عيناها كالتائهة فى دروب مظلمة، تبحث عن بصيص من النور لينقذها من تلك العتمة المخيفة، لا تعلم ما خفيٰ كان أعظم!
༺༻
ظلت تنصت إلي خطوات قدميه التي تقترب من الغرفة فسرعان أدارت المفتاح لضمان عدم استطاعته الدخول، رأت ظله من أسفل الباب و يبدو إنه متجهاً نحو الجناح الذي يقع في نهاية الرواق حيث تمكث زوجته الثانية، و حين تذكرت وجودها غلت الدماء في عروقها، و برغم قوتها في ظهور اللامبالاة لم تتحمل ذهابه إليها، أدارت المفتاح مرة أخرى لفتح الباب و اشرأبت بعنقها لتتأكد من ولوجه إلي داخل الغرفة الأخرى
"و أنتِ فاكرة هعدي لك اللي عملتيه ده بالساهل".
شهقت بفزع حينما رأته يقف بجوار الباب و كأنه ظهر من العدم، لم يمهلها أن تلتقط أنفاسها فدفعها إلي الداخل و دلف ثم أغلق الباب خلفه، تراجعت بضع خطوات إلي الوراء واضعة يدها علي موضع قلبها، بينما هو يقترب منها و بصره يجول علي جسدها من أعلي إلي أسفل، فقال هاكماً:
"و لما أنتِ خايفة أوى كدة، ليه خرجتِ من ورايا و لابسة فستان شبه قميص النوم!".
ابتلعت لعابها ثم توقفت و عقدت ساعديها أمام صدرها و تظاهرت بالقوة غرار ما تشعر به من خوف و هو على يقين من ذلك، فأجابت:
"مين قالك إن أنا خايفة، أنا أتخضيت بس لما لاقيتك جمب الباب، و بالنسبة للـ dress تشبيهك ليه over أوي بصراحة و...
أطلقت صرخة حينما في غضون لحظة مد يديه إلي مقدمة الثوب و قام بتمزيقه حتي وصل المزق إلي الأسفل و أصبحت أمامه شبه عارية، حيث يستر جسدها ثيابها الداخلية فقط.
نظر إليها بإبتسامة من جانب فمه لم تصل إلى عينيه قائلاً:
"أبقى كرريها تانى، و المرة الجاية مش هاكتفى بقطع الفستان، و ياريت ما تخلنيش أدي أمر للـ security بمنع خروجك من القصر و لو وصلت هحبسك فى أوضتك هعملها، مش هكرر الكلام ده مرة تانية، اللهم بلغت".
استدار لتجنب النظر إليها و يكبت داخله تلك الرغبة التى اشتعلت من رؤيتها في تلك الهيئة المثيرة إليه للغاية، يا لها من حمقاء كيف ترى إنها زائدة الوزن و تحتاج إلي عمليات تجميل! ، لا تعلم أن جسدها البض و قدها ذو المنحنيات و خصرها الذي يشبه الساعة الرملية، كل هذا جعلها أكثر جاذبية و إثارة، لا تعلم أيضاً عندما تتظاهر بالقوة أمامه تزيد رغبته بأن يجذبها بقوة و يأسرها بين ذراعيه، لم يتركها إلا و هي تصرخ بإسمه و تتوسله ليطلق سراحها و يبتعد بعدما يجعلها منهكة القوي.
و قبل أن يخضع إلي نيران رغبته أفاق على ضربة قوية أصابت ظهره، ألتفت فى الحال ليرى إنها قد قامت بقذف حذائها عليه و لا تكتفى بهذا فقط بل صاحت بغضب:
"أنت تعرف الـ dress اللي قطعته ده تمنه كام يا غبي!".
اتسعت عيناه بينما هي ترى الغضب ينضح من زيتونتيه كألسنة النيران التى تحرق الأخضر و اليابس، ابتلعت لعابها و استجمعت قواها لتخبره بلغة الجسد و نبرة صوتها القوية إنها لا تأبه و لا تخاف، فأردفت:
"و يكون فى علمك أنا هعمل اللى أنا عايزاه بمزاجي زي ما أنت برضو بتعمل اللى على مزاجك، و لو ده ضد رغبة سيادتك بقولها لك لتالت مرة طلقني يا...
و فى تلك اللحظة لا مكان للصبر، فهى فاقت و تعدت كل الحدود لديه، جذبها من ذراعها بقوة ليس لفعل ما كان فى مخيلته منذ قليل بل من أجل أن يُأدبها، ظلت تصرخ و تحاول التملص من بين يديه حيث قام بلوى ذراعيها خلف ظهرها و تمكن من تقيد يديها بقبضة واحدة، كانت تصرخ ليترك يديها لكنه دفعها على بطنها أعلى الفراش بُغتةً ثم قيد ساقيها التى أخذت تحركهما بقوة بين ساقيه قائلاً وعيده إليها و الذى شرع في تنفيذه، يخلع ربطة عنقه ليُقيدها:
"أقسم بالله أول ما شوفتك راجعة من برة كنت ناوى لك على نية سودة و مسكت نفسي عنك بالعافية، و لما حذرتك من دقيقة ده كان مراعاة لحالتك النفسية، لكن تسوقي فيها و تقلي أدبك، كدة بقى أنتِ عايزة تتربى من أول و جديد".
أنهى كلماته و خلع حزام بنطاله ثم انهال على أسفل ظهرها بحزامه، كادت تطلق صرخة لكنها لم تتحرر من شفاها لأنه قام بوضع يده علي فمها ليمنعها من الصراخ و يخبرها:
"الضربة دى عشان تبقى تفكري قبل ما تعملي حاجة من ورايا".
أعقب حديثه بضربة ثانية لم تقل قوة عن الأولى، و أردف:
"و دى عشان الفستان المسخرة اللى خرجتِ بيه".
ضربة ثالثة، فأعتصرت عينيها من الألم و أجهشت في البكاء للتو، أردف مرة أخرى:
"و دى عشان اللى عملتيه من شوية و لسانك اللى بدأ يطول عليا و كمان عشان تبطلي كلمة طلقني، أنا هنسيها لك خالص".
أخذ يكيل إليها ضربات متتالية و عندما شعر بدموعها الدافئة على يده توقف على الفور، أبعد كفه عن فمها و ترك الحزام، فأخيراً استطاعت تبكى و تتأوه من الألم في آن واحد.
قام بفك الربطة من حول يديها و ألقاها على الفراش، شعر بالغضب من نفسه قدر ما كان غاضباً منها، أبتعد قليلاً و أطلق زفرة قوية بعد أن جلس بالقرب منها، ضرب قبضة يده على الكمود ثم ألقى نظرة عليها فوجدها تبكي و كأنها تحترق من الألم، فصاح بغضبٍ:
"عاجبك اللى بيحصل ده و أنتِ السبب من البداية".
كانت تنهض بثقل و تمسك بتلابيب ثوبها الممزق، تجيب من بين دموعها التى تحرق فؤاده الآن:
"أنا غلطت مرة لكن غلطك أنت بألف، و أى حاجة بعملها ببقى عايزة أطفى ناري اللى ما بردتش لما روحت اتجوزت عليا و خليت منظري زى الزفت قدام الناس، لاء و كمان جايبها لي هنا عشان تحرق لى دمي أكتر، عايز ردة فعلي تكون إيه بعد اللى بتعمله فيا!، ده أنا بس عشان خرجت من غير علمك و لبست dress مفتوح شوف أنت حسيت بإيه، ما بالك بقى لو عملت زيك و لاقيتنى مع راجل غيرك...
قاطعها و الشرر يتطاير من عينيه دون وعى:
"ده أنا كنت دبحتك".
عقبت على إجابته التى تنضح عن غيرته القاتلة:
"و أنا بقى مش قادرة و لا هقدر أعمل فيك كدة، و مش عارفة أخد حقي منك، و فى الأخر تضربني بالحزام".
رفع سبابته كإشارة تحذيرية قائلاً:
"ما تخلطيش الأمور ببعضها، أنا لما ضربتك دلوقت كان بسبب أنك اتعديتي حدودك معايا فى الكلام و جذمتك اللى حدفتيها عليا، و عمايلك قبلها من خروج من غير إذني و فستانك اللى المفروض محدش يشوفك بيه غيري، يعني أنتِ السبب، خلتيني ألجأ لأسلوب بطلته معاكِ من سنين و كان وقتها برضو كنتِ غلطانة، تحبي أفكرك بغلطك و قتها!".
شعرت بالتعب بعدما أصابها الوهن، فكادت تجلس على طرف الفراش و بمجرد أن لمس أسفل ظهرها المضجع انتفضت، لم تستطع الجلوس، ولت ظهرها إليه و أخبرته:
"أى غلط بعمله بيبقى ردة فعل على تصرفاتك معايا، عايز أوامرك تتنفذ على طول من غير نقاش و لا تشوف أوامرك دي هتناسبني و لا لاء، و كأن احترام رغبتي بالنسبة لك ملهوش أى أهمية".
نظر نحوها بإمتعاض و تعجب يخبرها:
"و الله أنتِ عارفة طباعي من الأول، و عمري ما أمرتك بحاجة فيها ضرر ليكِ، كل اللى طلبته منك تحملي، قعدتي تتحجى لي بأسباب تافهة أصل أنا تخنت و عايزة أشفط، أصل أنا عايزة أعمل نحت، و أنا مش هخليكِ تعملي الهبل ده، أولاً مش هسمح جسمك ينكشف على حد غيرى، ثانياً أنتِ مش محتاجة أى حاجة من دول، لكن طالما أنا قولت لك لاء ما تبقيش صبا غير لما تعندى و عايزة تنفذي اللى فى دماغك ".
ألتفت إليه و بنبرة حادة أجابت بدفاع:
"و أنا معملتش كدة لمسألة عِند زى ما أنت فاهم، أنا ربنا رزقني منك بالولد و البنت يعنى مش حرمتك من الخلفة، و اللى عايزة أعمله ده عشان نفسي و عشانك، عايزة أكون على طول أفضل ست في عينيك".
"طب ما أنتِ فى عينيا كدة فعلاً، عمري جيت علقت لك إنك تخنتى و لا خسيتى!، بالعكس أنا بحبك فى كل حالاتك و على طبيعتك و ياما قولت لك، لكن تقتنعي إزاى و أنتِ ماشية ورا دماغك".
اقترب منها ليردف إليها:
"أنا كان طلبي واضح من الأول و عارفة أنا ليه نفسي يكون عندنا أكتر من طفلين و تلاتة، عاوزهم يكونوا عزوة و سند لبعض، لما واحد فيهم يحصل معاه حاجة يلاقى أخواته فى ضهره، أديكِ شوفتي بعينيكِ يوم ما كارين اكتشفت ان يونس أتجوز عليها، لجأت لمين غيرى، و وقفت معاها طالما هى على حق، و نفس الحكاية مع باقى أخواتى، أي شدة هاكون في ضهرهم، أنا بقى نفسى أشوف ولادي كدة قلبهم على قلب بعض، كلهم إيد واحدة".
قامت بمسح آثار دموعها من فوق خديها بيدها و الأخرى تضم تلابيب ثوبها الممزق، فسألته بنبرة قد فاض منها الحزن:
"و أفرض أنا مش مهيئة لا نفسياً و لا جسدياً لكدة!، هتخلينى أحمل بالعافية!".
فى تلك اللحظة ظل ينظر إليها فى صمت، لما هذا الإصرار العجيب لديها فى عدم الرغبة أن تنجب مرة أخرى!، و كالعادة عنادها و إصرارها على موقفها لم يقابله سوى بـ ردة فعل قوية أو إجابة كفيلة أن تصيبها بصدمة كما يخبرها للتو:
"أنا عمري ما هجبرك على حاجة تعمليها غصب عنك برغم معندكيش أى مبرر أو مانع، كل حاجة متوفرة عندك، طلباتك مجابة، الأولاد كبروا و معاهم دادة زينات اللى بتراعيهم معاكِ، عمري ما قصرت معاكِ فى أى حاجة تخطر على بالك، حتى أنا شخصياً غيرت من نفسي عشانك و فتحت وقتها على نفسي أبواب جهنم و كان ممكن أدفع حياتي التمن، لكن كان كل همي ما أخسركيش، و ياريتك تقدري، فى الأخر بطلع أنا الوحش و الشرير".
حاولت الجلوس بروية على طرف الفراش لتعقب على حديثه قائلة:
"تغيرك ده كان لنفسك قبل ما يكون عشاني، و زي ما أنت قدمت لي كتير، أنا فى المقابل استحملت طباعك و تحكماتك اللى مفيش أى واحدة غيري تقدر تتحملها إلا لو كانت بتحبك، لكن اللى فات كله كوم و اللى عملته مؤخراً فى حقي كوم تانى".
عقد ما بين حاجبيه و سألها بإمتعاض:
"اعتبر ده تهديد؟".
نهضت و رمقته بكبرياء و قوة لا تليق سوى بها فأجابت:
"اعتبره زى ما أنت عايز".
هَّمَ بالمغادرة ثم سار نحوها خطوة فتراجعت إحترازاً، وقف أمامها مباشرة و يحدق إليها ببسمة لم تصل إلى عينيه التي تنضح بالوعيد، ربت على خدها بقليل من الحدة قائلاً:
"إن كنتِ فاكرة اللى بعمله لعبة هيبقى بجد، بس ياريت ما تجيش تعيطِ فى الأخر، و أبقي خلي كبريائك ينفعك".
غمز بعينه و تركها فى حالة من الصدمة و محاولة إدراك ما أخبرها به للتو، هنا علمت إن الحرب الحقيقية قد بدأت!
༺༻
༺༻
منذ عامين...
كان يتمدد على الفراش بجوار ابنته بعدما كانت تبكى منذ أن تركتها والدتها إليه و ذهبت، طُرقَ الباب فنهض بهدوء حتى لا تستيقظ صغيرته و تبكى من جديد.
فتح الباب فوجد الطارق والدته، ترمقه بإمتعاض، تسأله بتعجب:
"أنت لسه قاعد هنا!".
أجاب بضيق:
"يعنى حضرتك عايزاني أعمل إيه، أجري وراها و أبوس إيديها بعد ما قالت لي إنها خلاص مش قادرة تستحمل العيشة معايا و كمان عايزة تطلق!"
اقتربت منه و وضعت يدها على كتفه قائلة:
" هى قالت كدة عشان ترد جرح كرامتها لما عايرتها قدام أختك باللى حصل من سنين، و أنت عارف إن الموضوع دة لحد دلوقت لسه مأثر فيها و مخلي عندها عدم ثقة فى نفسها و حاسة ديماً بالفرق اللى بينك و بينها".
نظر إليها بملامح أضناها العشق منذ ذلك اليوم الذى أحب فيه ابنة عامل الحديقة التى اختطفت قلبه و سلبت لُبه، لم ينكر خطأه عندما قام بالإعتداء عليها حينما كان ثملاً، لكنه لم يتخلى عنها بل و تشبث بها برغم رفض والده زواجه منها، تحمل نظرة اللوم و العتاب طوال السنوات المنصرمة من أجل هذا العشق.
"و أنا يا ماما عمري ما عايرتها قبل كدة و لا حسستها بالفرق اللى ما بينا، هى اللى ديماً على طول عايشة فى دور الضحية و أديكِ شوفتى لما بابا الله يرحمه كان رافض إن أتجوزها جيبت لها شقة برة، و سيبت القصر مش عشان كنت بهرب منه و الله كان عشان ما يجرحهاش بنظرة، حضرتك ما تعرفيش ياسمين بالنسبة لى إيه".
ولى ظهره إليها و أتجه نحو الشرفة حتى لا ترى مدى ضعفه أمام سطوة العشق و هو يخبرها مُردفاً:
" أنا بعشقها لدرجة ما بستحملش عليها الهوا، و لما كنت معاقبها و مخلتهاش تخرج من الأوضة عشان خايف عليها، و مش لازم أحكي أسبابي لأنها حاجة خاصة ما بيني و ما بينها، هى للأسف على طول ما بتقدرش، على طول محسسانى بالذنب، و مهما أبسطها و أفرحها تقوم قلبه الفرحة نكد و لو نطقت أطلع أنا اللى غلطان فى الأخر".
و دون النظر إلى وجهه علمت مدى الحزن الذى يشعر به، أهذا ولدها الذى كان مُفعماً بالنشاط و الحيوية و ابتسامته كانت لا تفارق شفاه، كيف أصبح الآن بل منذ زواجه من الأخرى.
قامت بمناداته:
"ياسين؟".
استدار و نظر إليها فوجدها تشير إليه:
"تعالي يا حبيبي".
سار نحوها فقامت بفتح ذراعيها لتحتضنه و تغمره بحنانها، أخذت تربت على ظهره و قالت:
"أنا حاسة بيك و عارفة قد إيه أنت حنين و لما بتحب، بتدى اللى بتحبه كل ما عندك".
أبعدته قليلاً لتنظر إلى عينيه و أردفت:
"بس لازم تعرف إن العطاء و الحب لازم يبقوا بحدود، لأن الشئ لو زاد عن حده بيبقى العكس، مش بقولك ما تحبهاش، حبها و خلي بالك منها و حطها فى عينيك، بس ما تخلهاش تستنزف طاقة الحب اللى جواك ليها، اللى حصل زمان خلاص صفحته أتقفلت و بقيتوا زوج وزوجة و أب و أم لبنت زى القمر، لما تلاقيها تحسسك بالذنب ما تديهاش الفرصة، عرفها وجودك معها كافى لمسح أى شئ ماضى، خليك حنين و حازم فى نفس الوقت، و أنا أوعدك أول ما هى ترجع هاقعد معاها و أفهمها إن كل واحد فيكم زى ما ليه برضو عليه".
أومأ لها ثم سألها:
"هى ما قالتش لملك رايحة فين؟".
أجابت لتطمئن فؤاده:
"ملك أدت لها مفتاح شقتها لما لاقيتها مصرة إنها تمشي، و كلمت مصعب يجي يبيت هنا، يلا روح لها و خدها فى حضنك و أحتويها، هى مالهاش غيرك و عمرها ما تقدر تبعد عنك".
أومأ لها مبتسماً و قال:
"حاضر، خدي بالك بقي من ياسمين عقبال ما نيجى الصبح، الوقت متأخر و زمانها نامت".
ضحكت والدته و حدقت إليه بنظرة ماكرة:
"تيجوا الصبح، طيب".
حك فروة رأسه و نظر إلى أسفل بخجل مبتسماً:
"على طول قافشاني من غير ما أتكلم".
لكزته في كتفه قائلة بمزاح:
"عشان أنا اللى مربياك و بفهمك من بصة واحدة بس، أنا ماما يالا".
ضحك كليهما ثم ذهب متجهاً إلى منزل مصعب
وقف الآن أمام الباب و أخذ يضغط على زر الجرس ريثما تفتح إليه الباب لكن دون جدوى، أطلق زفرة ثم أخرج هاتفه و تذكر إنه لم يجرى إتصالاً واحداً بها منذ أن غادرت القصر، لمس علامة الإتصال بطرف إبهامه، جرس و الثانى و قبل أن يسمع الثالث أجاب صوتاً رجولياً:
"ألو يا فندم".
الفصول السادس عشر من هنا
الجزء الثالث من هنا
لقراءة الجزء الاول جميع الفصول اضغط هنا
لقراءة الجزء الثاني جميع الفصول اضغط هنا
الفصل السادس عشر
🐺 غابة الذئاب «ما بعد العهد» 🐺
"الجزء الثالث من رواية صراع الذئاب"
بقلم: ولاء رفعت علي
ملحوظة قبل القراءة:
تم نشر الفصل الخامس عشر و الفصل السادس عشر
ـــــــــــــــ
قشعريرة قد اصابته بمجرد سماع صوت هذا الرجل و القلق يأكل قلبه، سأله بحدة:
"مين معايا؟".
أجاب الأخر بجدية:
"مع حضرتك مسئول الإستقبال و المسئول عن متعلقات المصابين و حالات الوفاة فى مستشفى الهلال يا فندم".
و ما أن سمع ذلك تجمدت خلايا جسده و شعر ببرودة كالثلج حيث هربت الدماء من عروقه، ابتلع غصة قد علقت للتو فى حلقه ليسأله:
"ممكن العنوان؟".
هبط الدرج و لا يعلم كيف وصل إلى سيارته ثم أنطلق إلى العنوان الذى أخبره به، توقف أمام الباب و ترجل على الفور دون أن يلاحظ الكثير من الناس يقفون بعضهم يبكى و أخرى تصرخ ببكاء و عويل على فقيدها.
ولج إلى الداخل و لم يرد على سؤال حارس الأمن عن هويته، وقف لدى الأستقبال و أخبر الموظف قائلاً:
"أنا ياسين البحيرى جوز مدام ياسمين اللى أنت رديت عليه من موبايلها".
نظر إليه الأخر فى صمت لثوان ثم قال له مشيراً نحو غرفة تقع فى الرواق المقابل:
"أهلاً بحضرتك، معلش ممكن تروح لدكتور سامى فى مكتبه و هو هيشرح لحضرتك اللى حصل".
و عندما ألتفت وجد مجموعة تقف أمام الغرفة يمنعهم من الدخول رجلاً يصيح فيهم:
"يا جماعة واحد واحد هيدخل للدكتور و يسأله، و أى متعلقات هتستلموها من الـ Reception".
حاول ياسين العبور من بين هؤلاء حتى وصل إلى الحارس و أخبره بما قاله إلى موظف الإستقبال
"ثوانى يا أستاذ ياسين، هبلغ الدكتور".
دلف الرجل و بعد ثوان خرج إليه و كأن الطبيب كان فى إنتظاره:
"اتفضل يا فندم الدكتور مستني حضرتك جوة".
ولج ياسين بخطوات تتزامن مع دقات قلبه، وجد الطبيب يشير إليه ليجلس:
"اتفضل يا أستاذ ياسين، إحنا حاولنا نتواصل مع حضرتك لكن معرفناش نفتح التليفون لأنه برقم سرى، و لسه باعتين حد من عندنا على العنوان اللى مكتوب فى البطاقة مدام ياسمين مالقاش حد هناك".
أخبره الأخر بصوت يكاد يكون مسموعاً من فرط الخوف الذى يشعر به من القادم:
"أصله عنوان الشقة القديمة، هو فيه إيه، ياسمين مالها؟".
و فى مشهد أخر من أمام غرفة ثلاجة حفظ الأموات داخل المشفى، قال الطبيب:
"حضرتك بالتأكيد راجل مؤمن بالله، و مهما تعددت الأسباب فالموت واحد، اللى حصل إنه كان فيه عربية نقل كبيرة محملة مواد قابلة للإشتعال دخلت فى عربية ملاكى و ميكروباص كان وراها، كلوا دخل فى بعضوا و العربيات ولعت، اللى فى العربية و الميكروباص ماتوا من الحادثة و منهم مات من الحريق اللى شوه كتير منهم و كذا جثة معرفناش نحدد هويتها من ملامحهم اللى اتشوهت تماماً، بس لاقينا شنطة مدام ياسمين جمب مكان الحادثة، فكنت عايز حضرتك تدخل تشوف أنهى واحدة من اللى جوه تبقى مدام ياسمين، عشان تستلم جثتها".
حاول أن يتماسك بعد شعور الخدر أصاب أطرافه، دلف إلى الغرفة الخاصة بثلاجة الموتى، أمر الطبيب العامل بأن يفتح باب كل ثلاجة ليخرج له كل جثة للتعرف عليها، و فى كل رؤية لم يتحمل حتى وصل إلى الجثة الرابعة، رفع الرجل الغطاء عن وجهها المشوه و ثيابها السوداء المحترقة، و يبدو أن الضحية كانت ترتدى غطاء الوجه الذى أكلته النيران ثم تمكنت من الوجه حتى يستحيل التعرف على ملامحها، لكن تلك الثياب السوداء و الجسد الضئيل يعلمه جيداً، لم يتحمل النظر أكثر من ذلك و فقد وعيه فى الحال.
عودة إلي الزمن الحالى...
قطرة ماء تتساقط على باقة من زهور الياسمين التى تذكره بها، مصدر القطرة عينه ها بضع قطرات، و ما كانت سوى دموعه التى تنسدل حزناً على زوجته و هو يقف أمام هذا القبر و بصره صوب الشاهد المحفور بحروف اسمها و اسفله تاريخ الميلاد و بجواره تاريخ الوفاة الذى مر عليه عامان، لم ينس ذلك اليوم الذى تلقي فيه الخبر، يتذكر تلك الأحداث الآن و كأنها حدثت للتو.
انتبه إلى نداء ابنته بجواره:
"بابي، بابي".
ألتفت إليها قائلاً:
"نعم يا حبيبتى؟".
سألته ببراءة:
"هى مامي مش هاتصحى تانى؟".
عانق صغيرته قائلاً:
"لاء يا ياسمينا، بس هى بتسمعنا و بتشوفنا و إحنا ما بنسمعهاش و ما بنشوفهاش، عشان كدة بنيجي نزورها كل فترة هنا".
سألته مرة أخرى بلهفة و سعادة:
"يعنى لو كلمتها دلوقتى هاتسمعنى؟".
أومأ لها بشبه إبتسامة، فأغلقت عيناها و قالت:
"أنا بحبك أوى يا مامي، وحشانى أوي و نفسى أشوفك، و كان نفسي تكوني معايا النهاردة، لأنه يبقى عيد ميلادى و بابي فى اليوم ده بيبقي قاعد فى البيت بعد ما بنزورك و بيقفل على نفسه الباب".
أمسك ياسين يدها و جذبها ليحتضنها مربتاً على ظهرها قائلاً إلى صغيرته بحزن و ندم:
"حقك عليا يا حبيبتي".
صدح رنين هاتف الصغيرة، أخرجته من حقيبتها الصغيرة فصاحت بسعادة:
"دى رودى اللى بتتصل".
༺༻
يجلس بجوار صغيره و يشاركه اللعب، يمسك بجهاز التحكم الألكترونى اللاسلكي و يهلل بحماس:
"و الـ goal التالت، أيوه بقي".
نظر بجواره إلى ابنه و أردف بسعادة و نصر:
"شوفت مش قولت لك هغلبك، أديني جيبت فيك تلاتة فى عشر دقايق".
نهض الصغير و يكتم الضحك، و يبتعد بضع خطوات إلى الوراء ليخبر والده:
"على فكرة أنت كدة جيبت فى نفسك مش فيا ".
حدق إليه الأخر بتعجب و إستفهام:
"إزاى مش فاهم؟".
"أصل أنا بدلت الدراعات من غير ما تاخد بالك"
و أطلق ضحكته فنهض والده خلفه بصياح:
"اه يا سوسة يا لئيم و الله ما أنا سايبك".
أخذ يركض خلفه و الصغير يضحك، فأمسكه والده و ألقى به فوق الأريكة ليدغدغه قائلاً:
"مسكتك، أنا تضحك عليا!، دى حركات عمك يونس كان بيعملها فيا زمان".
تعالت ضحكات الصغير، يتوسل والده بصوت يكاد يخرج من فمه من فرط الضحك:
"خلاص يا بابي، كفاية".
بينما داخل المرحاض كان تقوم بفرز الثياب وتستمع إلى مزاح زوجها مع صغيرهما فأبتسمت، كانت تضع الثياب المتسخة داخل الغسالة فوقعت من بنطال زوجها بطاقة ورقية على الأرض، دنت منها لتمسك بها، لاحظت ذلك الإسم المدون عليها، قامت بقراءته لتتأكد إنه اسم تلك الصهباء، تركت كل شئ و ذهبت منادية:
"آدم؟".
توقف عن المزاح مع صغيره قائلاً:
"مامي بتنادي، لما أروح أشوفها عايزة إيه، و راجع لك تانى".
ذهب ليجدها تنتظره أمام غرفة النوم الخاصة بهما عاقدة ساعديها أمام صدرها تنظر إليه بوجه متجهم، تخبره مشيرة إليه نحو الغرفة:
"عايزاك فى موضوع جوة".
نظر خلفه فوجد ابنه يلهو، فقال لها بمزاح و مكر:
"طيب يوسف صاحى دلوقت، ما تستني لما ينام".
و غمز بعينه، فأدركت ماذا يظن، أطلقت زفرة لتخبره بجدية:
"الموضوع اللى عايزاك فيه مش اللى فى دماغك، أنا بس مش عايزة أتكلم قدام الولد".
تلاشت ابتسامته و حدسه يخبره بأن هناك كارثة فى انتظاره فأشار إليها نحو الغرفة قائلاً:
"أتفضلى".
ولجت إلى الداخل و دلف ورائها و يغلق الباب، يسألها:
"خير يا حبيبتي؟".
رفعت البطاقة أمامه تسأله و نيران الغضب و الغيرة تتطاير من عينيها كالشرر:
"ممكن أعرف كارت البنى آدمة دى بيعمل معاك إيه بالظبط؟".
كان يخفى ما حدث مع صغيره من محاولة إختطاف و هذا لكى لا يقلقها و لأنه كان لا يريد أن يذكر أمامها كيف تم انقاذه و مَنْ المنقذ.
حك ذقنه يفكر فى إجابة، لكنه وجد عليه أن يخبرها بالصدق حتى لا يثير الشك نحوه و يجلب إلى نفسه سيل من التوبيخ، فقال لها بهدوء:
"تعالى أقعدى و أنا هافهمك كل حاجة براحة".
جلست على الكرسى المقابل للفراش و جلس هو أيضاً على الكرسى المجاور.
"أتفضل أنا سامعاك".
"بصي الموضوع كله حصل أول ما خرجنا من الهايبر أنا و يوسف و قفلت معاكِ...
أخذ يسرد إليها من بداية إختطاف صغيره و ظهور روڤان بسيارتها و أنقذت ابنهما بعد أن تصدت للمختطف الذى فر هارباً لكنه حفظ رقم الدراجة النارية و أرسله إلى صديقه الضابط و ينتظر منه خبر القبض على هذا المجرم.
"بس يا ستي ده كل اللى حصل، و المفروض أرد لها الجميل ده ابعت لها هدية أو ممكن نعزمها على غدا أو عشا كنوع من الشكر".
كانت تستمع إليه فى صمت أثار مخاوفه فسألها:
"فيه إيه يا ديجا من وقت ما حكيت لك و أنتِ و لا علقتِ بأى كلمة أو حتى أتأثرتِ، ده غير بصاتك كدة كأنك مش مصدقاني".
"أنا مصدقاك يا حبيبي، بس حوار خطف يوسف لو أنت حكيته لأى حد حتى لو طفل صغير، هيقولك إنه مُدبر و واضح أوى فيه شغل حرابيق بيحصل و اللى هاتجنن منه إزاي دخل عليك الموضوع ده و صدقته".
أخذ يفكر فيما تفوهت به للتو فسألها بتعجب:
"قصدك إن اللى عملت كده روڤان؟"
رفعت جانب فمها بتهكم و قالت:
"هى فيه غيرها، مش عارفة تقرب لك بأى حجة، فعملت الحوار ده عشان تبقي الملاك أبو جناحين قدامك، تقوم أنت تشكرها و هى ما تصدق تجر رجلك، و أنا بقى هطلع الهبلة اللى فى رواية أحدهم و مش بعيد تعمل زى أخوك يونس و تتجوزها".
ضحك رغماً عنه قائلاً:
"يخربيت الروايات و الكتب اللى كلت دماغك".
نهضت و عقبت بغضب غرار طبيعتها الهادئة فى الحوار:
"لاء و حياتك اللى عملته ست روڤان أتعمل قبل كدة و مهروس فى مليون رواية و مسلسل و فيلم، أنت لو كنت أخدت بالك من بصتها ليا لما كنا على البحر هاتعرف إن الست دى مش سهلة، كأنها بتقولي إنها حطتك فى دماغها و مش هاتسيبك غير لما تكون ليها".
نهض و اقترب منها ليقف أمامها يمسك بيدها:
"و لنفرض اللى أنتِ بتقوليه ده كله صح، أنتِ مش واثقة فيا؟".
نظرت صوب عينيه عن كثب و أجابت:
"أنا واثقة فيك طبعاً، لكن مش واثقة فيها و أهى بدأتها بخطف الولد و يا عالم كان ممكن لا قدر الله المجرم ده خطفه بجد و أذاه".
جذبها من خصرها و حاوطه بكلا يديه قائلاً:
"ما أنا قولت لك كلمت مدحت صاحبي و أول ما هيوصل للمجرم هيكلمني".
رمقته بحنق و سألته بتعجب:
"أنت مالك بتتكلم عن اللى حصل عادى كدة و ببرود أعصاب و كأن اللى كان هيتخطف ده مش ابنك!".
"ابننا الحمدلله قاعد بيلعب برة، أنتِ اللى متضايقة و واخدة الموضوع على أعصابك عشان غيرانة عليا من روڤان".
رمقته بإمتعاض و أجابت بإنكار:
"مين دى اللى غيرانة منها، و لا هى و لا ألف زيها".
أطلق قهقة على ملامح وجهها و خديها على وشك الإنفجار من حمرة الغضب ثم قال:
"طيب عيني فى عينك كدة".
لكزته فى صدره و لانت ملامحها من الغضب إلى الابتسامة:
"اه بغير عليك طبعاً مش جوزى حبيبي و أبو ابني؟".
أمسك طرف ذقنها قائلاً:
"و جوزك حبيبك بيقولك أنت اللى فى عيونه و قلبه و عقله، كله ملكك و لا روڤان و لا أى واحدة غيرها تقدر تاخده منك، لأن أنتِ روحه اللى عايش بيها، و لا أنتِ إيه رأيك يا أم يوسف؟"
ينظر إليها بعشق و هيام و رغبة نابعة من القلب و العين متجهة صوب فؤادها و عيناها التى تحدق إليه بكل كلمة فى معجم كلمات العشق، لكنها تذكرت أمر صغيرها المستيقظ فى الخارج و ما ينتظرها:
"يوسف صاحى و بقي بيفهم كل حاجة، و ورايا غسيل نسيت أشغل الغسالة".
"ابنك طالما بيلعب بلايستيشن قدامه تلات ساعات على الأقل عقبال ما يقوم من قدامه، و الغسيل مش هيحصله حاجة، إحنا جايين هنا عشان نتدلع و نقضي لنا يومين حلوين، و أنتِ من وقت ما جينا منفضة لي و لا عايزاني أروح لروڤان تدلعني و هى ما هتصدق".
لكزته بقبضتها فى صدرها قائلة:
"إتلم أحسن لك".
تأوه ثم قال:
"إيدك تقيلة أوى، كنت بهزر معاكِ، ده أنا عمال أحب فيكِ و أقولك كلام حلو، الظاهر مش نافع معاكِ الكلام، أنا شايف الفعل أقوى و أحسن".
كادت تضحك على كلماته و أسلوبه الفكاهي، باغتها بقبلة قوية و دفعها على الفراش ليخبرها إن للعاشق كلمات لم تنطق بالألسن فقط، فلابد من الفعل ليكتمل المعنى الحقيقي لكلمة العشق.
༺༻
فى قاعة خاصة للإحتفال بأعياد الميلاد، تمسك بيد ياسمين الصغيرة و تخبرها:
"خليكِ مغمضة لحد ما أقولك فتحى، اتفقنا".
ابتسمت الصغيرة و تغمض عينيها قائلة:
"أوك يا رودى".
أشارت الأخرى إلى ياسين بالصمت ثم لوحت بيدها إلى المسئول عن مشغل الأغاني، فأشار إليها بإصبعه أن كل شئ على ما يرام و ضغط على زر التشغيل لتبدأ أغنية شهيرة بعيد الميلاد
فتحت ياسمين عينيها لتجد إنها داخل قاعة فاخرة و خاصة بالإحتفال بعيد الميلاد، مليئة بالبالونات و مزينة بالشرائط الملونة و اللامعة، و هناك بالونات على شكل حروف مكونة جملة التهنئة
«Happy Birthday Yasmine»
و أسفلها رقم سبعة بالإنجليزية، يقفوا ثلاثتهم أمام طاولة يعلوها قالب حلوي فوقه شموع صغيرة بعدد سنوات عمرها، اقتربت الصغيرة منه بعدما انتهت الأغنية و اغمضت عينيها لتتمنى أمنية ثم أطفأت الشموع.
احتضنتها رودينا و قالت إليها بسعادة:
"Happy Birthday Yasmine ".
فأجابت الأخرى بسعادة عارمة:
"أنا فرحانة أوى يا رودى، أحلى عيد ميلاد بجد، تعرفى محدش أفتكر عيد ميلادي غيرك، thank you "
و وقفت على أطراف قدميها و قامت بطبع قبلة على خدها، فبادلتها الأخرى قبلة على وجنتها الوردية و نظرت إلى ياسين الذى بدى على ملامحه الضيق و الإنزعاج ثم قالت للصغيرة:
"مين قالك محدش فاكر، على فكرة بابي و عمتو ملك كانوا متفقين معايا نعملها لك مفاجأة، بس عمتو مقدرتش تيجي عشان تعبانة شوية".
ألتفت إلى والدها و احتضنته:
" thank you dad".
عانق ابنته و يحدق إلى رودينا بنظرات شكر و إمتنان فأبتسمت الأخرى إليه و أخذت تتأمل ملامحه، انتبه إلى ذلك فتنحنح مما جعلها تشعر بالخجل و نظرت إلى ابنته:
"يلا عشان نقطع التورتة"
كانت الأجواء تملؤها السعادة، ما بين الضحك و اللعب، قامت بالرقص مع الصغيرة و أخرجت روح الطفلة لديها معها، بينما هو يقف فى الزاوية يتأمل ذلك المشهد و كيف أصبحت ابنته تشعر بالفرح بعد ظهور صديقة شقيقته فى حياته، لا ينكر إنه رأى فى عينيها نظرة الحب التى كانت ترمقه بها منذ سنوات بالأحرى قبل مجئ ياسمين إلى قصر عائلته و العمل به، كان ينظر حينها إلى رودينا إنها صديقة شقيقته الصغيرة و لم يكترث، لكن الآن وجد إن شعورها نحوه لن يتغير، فهل من الممكن أن يأتي اليوم و يبادلها هذا الحب!
كيف و قلبه و عقله و جوارحه مازالوا ملكاً إلى زوجته الراحلة كما يظن!
انتبه إليها و هى تقترب منه فقال لها:
"مش عارف أشكرك إزاى على المفاجئة الحلوة دى".
ابتسمت و أجابت بترحاب:
"ما تقولش كدة، دى حاجة بسيطة عشان ياسمينا و كفاية إنها مبسوطة أوى".
كانت تتحدث و تنظر إلى ابنته ثم ألتفت إليه و أردفت:
"أنا كنت عايزة أستأذنك فى حاجة، عرفت من ياسمين أنك مش بتحب القطط و هى طلبت كتير منك تجيب لها قطة و أنت رافض، أنا جيبت لها الهدية قطة عندها تلات شهور، مطعمة و معاها شهادات التطعيم و المتابعة، هادية جداً و مش هتضايقك و لو فيه أى حاجة أنا ممكن أخدها للـ vet يكشف عليها"
عقد ما بين حاجبيه و يفكر فى الأمر ملياً، شعرت بالقلق من صمته هذا حتى رأت البسمة تظهر على ثغره قائلاً:
"موافق طبعاً، كفاية إنها هديتك لياسمين".
و بعد انتهاء هذا الحفل و مغادرة المكان، قام بإيصالها أمام المبنى الذى تقطن به، فقالت:
"ديماً الأوقات الحلوة بتخلص بسرعة".
نظر أمامه بحزن دفين ثم عقب قائلاً:
"دى سُنة الحياة، مفيش أى سعادة بتدوم، حتى الناس اللى بنحبهم بيمشوا بسرعة من حياتنا".
أدركت على الفور ماذا يقصد بحديثه
"بس ربنا زى ما بياخد مننا حاجة بيعوضنا بغيرها عشان عارف الإنسان ما بيستحملش الحزن لوقت طويل فبيعوضه، ده غير نعمة النسيان"
ألتفت إليها و عقب بجدية:
"فيه حاجات عمرها ما بتتعوض، و لا ليها بديل، و لا حتى بنقدر ننساها".
داهمها شعور باليأس داهم قلبها، فكلماته كانت رسالة صريحة إليها قامت بإطفاء شعاع الأمل لديها، نظرت إليه بطيف ابتسامة و قالت:
"عن إذنك".
و ترجلت من السيارة بخطوات سريعة، زفر بضيق من ما اقترفه للتو، و شعر بالذنب نحوها، فكان دافعه لا يريد أن يقحمها فى دائرة أحزانه، فهو لا يريدها أن تتعلق برجلٍ قد رحلت حبيبته و رحل قلبه معها و ما تبقى منه سوى أطلال.
༺༻
يتقلب بضجر فى فراشه حيث يجافيه النوم كلما يتذكر الحديث الذى دار بينه و بين زوجته أمام ابنتها، كانت كلماتها الحادة بمثابة سهام اخترقت صدره الذى يشعر داخله بالإختناق، لذا ألتزم الصمت و لم يتحدث معها منذ ذلك الحين، و هى لم تحاول مجدداً بأن تتطلب السماح و الغفران منه حيث تشعر بالخجل و الحرج منه.
نظر فى ساعة هاتفه وجدها الثانية بعد منتصف الليل، نهض دون أن يصدر صوتاً و تناول علبة السجائر و القداحة من فوق الكمود جواره ثم غادر الغرفة و سار فى الردهة حتى خرج إلى الشرفة.
وقف لدى حافة السور المعدنى ذو الزخارف، أخرج سيجارة من العلبة و وضعها بين شفتيه ثم أشعلها بالقداحة، نفث الدخان و زفر معه نفساً عميقاً يخرج به همومه.
وصل إلى سمعهِ صوتاً ناعماً قد سمعهُ من قبل، أنصت جيداً هذا الصوت الذى يقترب من الجوار حيث شرفة الشقة المقابلة، صوتاً يتحدث بالإنجليزية التى لا يفقه منها سوى كلمات قليلة
"رائع، و متى ستأتِ إلى هنا؟ .... حسناً سأكون فى انتظارك .... لا تنسي ما أريده منك ....
ألتفت إلى صاحبة الصوت الناعم فوجدها هى تلك الحسناء التى تقطن فى الشقة المقابلة و التى تلتصق بجوار شرفة منزله، ظل يتأملها رغماً عنه، فهى ترتدي ثوباً قطنياً ذو لون أسود و حمالات رفيعة، تاركة خصلات شعرها المتميزة بلون الكستناء على ظهرها، بشرتها البيضاء تكاد تنير من الصفاء و النعومة لا سيما بشرة وجهها و وجنتيها ذات اللون الوردي الطبيعى، أشاح وجهه و ابتلع ريقه، أخذ يلتقط أنفاسه و يردد الإستغفار، كاد يعود إلى الداخل كانت قد انتهت من التحدث و أوقفته:
"يا أستاذ...
ألتفت إليها و حاول أن ينظر إلى أسفل و يجيب:
"اسمى طه، فيه حاجة؟".
لاحظت تجنبه للنظر إليها فأثار ذلك فضولها، فسألته بمكر لا يخلو من الدلال:
"هو فيه حاجة واقعة منك و بتدور عليها؟"
رفع وجهه و نظر إليها و فاه مفتوحاً ثم عاد إلى إدراكه، تنحنح و أخبرها بإنكار:
"لاء، قصدى اه، ما تاخديش فى بالك".
ابتسمت و ليتها ما فعلت ذلك، ظل يتأملها حتى انتهت السيجارة و أحرقت أصبعيه، فألقاها و حرك يده بألم.
"ثوانى هاجيب كريم و راجعة لك".
كان يجز على أسنانه و يقول داخل عقله:
"أحسن تستاهل من مجرد النظر ليها السوجارة لسعتك، ما بالك بنار الأخرة، إعقل يا ابن الشيخ سالم و ما توديش روحك فى داهية، شيماء لو شمت خبر بس إنك واقف بتتكلم مع القمر دى و الساعة ٢ بالليل ممكن تبيتك على السلم و من غير هدوم كمان"
"معلش أتأخرت عليك، هات إيدك".
قالتها و مدت يدها إليه، حدق إليها بإستفهام فأخبرته:
"ده كريم خاص بالحروق مفعوله سحر".
"شكراً، مش محتاج أحط كريم، متعود على كدة هى لسعة خفيفة و راحت لحالها"
عقدت ما بين حاجبيها بتعجب و عقبت:
"أنت إزاى مستهون بالحرق حتى لو كانت زى ما بتقول لسعة خفيفة، ممكن تسيب لك أثر مش لطيف، هات إيدك و أنت هاتحس بفرق رهيب".
تردد فى تلبية طلبها و ينظر إليها، لا تعلم أن مفعول السحر يكمن فى عينيها، مد يده فى النهاية على مضض فوجدها تفرغ القليل من محتوى الأنبوب و قامت بوضعه على مكان الإصابة على كلا إصبعيه بلطف، كانت تنظر إليه بتلك الإبتسامة التى يقع من أجلها قلوب أقوى الرجال.
ابتلع لعابه و جذب يده من يدها قائلاً:
"شكراً يا...
مازالت البسمة على ثغرها فأجابت:
"اسمي چومانة، و أصحابى بيدلعوني چيمو"
أومأ لها مبتسماً و قال:
"شكراً يا چومانة، هستأذنك بس عشان أنا بصحى بدرى فمضطر أدخل أنام لى ساعتين".
"العفو يا طه، oh sorry لو ندهت لك من غير ألقاب، i don't like it".
أومأ لها بعينه قائلاً:
"و لا يهمك، مفيش أصلاً داعى للألقاب، تصبحي على خير".
لوحت بيدها مبتسمة و قالت بدلال:
"good night, happy dreams".
أكتفي بأن يبادلها الإبتسامة و عاد إلى الداخل بظهره فأصطدم فى باب الشرفة الزجاجي، فأستدار على الفور ثم عاد إلى غرفته و يشعر بالسعادة التى تلاشت بمجرد أن رأى زوجته مستيقظة و كأنها تجلس فى إنتظاره، فى عينيها نظرة أسف، تصنع عدم الإهتمام إليها و نظر إلى شاشة هاتفه ثم تمدد على جانبه مولياً إليها ظهره.
شعر بإقترابها منه و لمسة يدها على كتفه، تسأله برجاء:
"طه، ممكن أتكلم معاك شوية؟".
أجاب بحدة و دون أن يكلف عناء نفسه أن يتقلب و ينظر إليها:
"أنا عايز أنام، ورايا شغل الصبح ".
أغلق عينيه و يعلم كيف هى الآن و بماذا تشعر، فعدم التحدث معها هذا أفضل عقاب لها رداً على ما تفوهت به، سوف يجعلها تندم و تفكر فى كل كلمة قبل أن تتفوه بها معه.
༺༻
أتى صباح اليوم التالي، استيقظت بفزع و تتلفت من حولها، فتذكرت أين هى و عندما وجدت الأريكة خالية و لا يوجد عليها أثر إنه كان نائماً، تنفست الصعداء.
نهضت و أجرت روتينها اليومى، كانت تخشي مغادرة الغرفة حتى لا تتقابل مع أى فرد سواه لا سيما صبا
و الآن تقف أمام المرآة تمشط شعرها، فسمعت صوت طرق على الباب، فذهبت لتفتح فلم تجد أحد، انتبهت إلى شئ أسفل قدميها، تمعنت النظر جيداً غير مصدقة لتجده جرذاً صغيراً فأطلقت صرخة وصلت إلى كل من فى القصر، خرجت كل من صبا و كارين، ظهر قصى من الجهة الأخرى فى الرواق يسأل بصوت جهوري:
"فيه إيه؟".
كانت تقف فى مكانها ترتجف و تشير إلى الأرض بخوف:
"فار".
خرجت المشاكسة الصغيرة من الغرفة المجاورة و تتثائب بإتقان:
"فيه إيه يا نان بتصرخي ليه، حرام عليكِ خضتيني و صحتيني من النوم".
نظرت إلى أسفل و أردفت و كأنها لم تفعل شئ على الإطلاق:
"إيه ده شرنوبى!، إيه اللى خرجك من الصندوق يا naughty "
ذهبت إلى الجرذ و أمسكته بيديها الصغيرتين، وجدت والدها ينظر إليها بوعيد، حدقت إلى منار الخائفة و أخبرتها ببراءة زائفة:
"معلش يا نان، شرنوبى ده الهامستر بتاعي، كان صعبان عليا و هو محبوس فتحت له الصندوق شوية و نمت و نسيت أقفله، ما تخافيش منه ده so cute، أمسكيه كدة"
كادت تلقيه نحو يديها فصرخت الأخرى و قفزت تتشبث بقصى أمام نظرات صبا التى تريد الفتك بها و تطعمها ذلك الشرنوبى داخل فمها.
"قصى please، خليها تشيله أنا عندى فوبيا من الفيران".
لاحظ نظرات صبا فأبتسم و أراد أن يريها وعيده الذى تستهين به، حاوط منار بذراعه و أخذ يربت عليها قائلاً:
"استنينى تحت على السفرة و أنا جاي لك يا حبيبتى".
اتسعت عينيها و تحدق إليه بتوسل أن يكف عن فعل هذا ثم نظرت إلى صبا و كما توقعت نظرات صبا كالنيران التى لو أطلقتها عليها لأحترقت و أصبحت رماداً، ففعلت كما أمرها الأخر.
بينما صبا أكتفت أن ترمقه من أعلى إلى أسفل بازدراء ثم ولجت إلى غرفتها و صفقت الباب بقوة
كانت الصغيرة تتسلل نحو غرفتها فأوقفها:
"زوزه".
توقفت و بين يديها جرذها، أجابت:
"نعم يا بابي".
أمرها بحسم و جدية:
"أدخلي حطي البتاعة اللى في أيدك ده فى الصندوق و أقفليه كويس، و بعديها أغسلي إيديكِ و تعالي".
أومأت إليه و قالت:
"حاضر".
ثم أردفت بصوت خافت:
"اه يا نان يا بوبى يا جلابة المصايب، أهو بابي فهم كل حاجة و هينفخني بسببك".
"بطلي برطمة و اعملي اللى قولت لك عليه".
انتفضت و ركضت إلى داخل غرفتها، اقتربت كارين منه و بدى على وجهها الإرهاق من قلة النوم:
"قصى هو يونس كلمك إمبارح أو النهاردة؟".
"لاء، بس هو المفروض كان يخلص مشوار المأذون زى ما إحنا متفقين و يجى على هنا، أنتِ أتصلتِ بيه؟".
أجابت و القلق ينهش قلبها:
"اه اتصلت بيه كذا مرة فى الأول كان بيديني جرس و من وقت الفجر بيديني مغلق، بصراحة أنا قلقانة عليه، ممكن تعدى عليه ليكون لا قدر الله تعبان، أنا كنت عايزة أروح معاك بس لو شوفت الزفتة اللى هناك مش هتمالك اعصابي و هجيبها من شعرها".
ربت على كتفها قائلاً:
"أطمنى، أنا شوية و رايح الشركة و فى طريقي هعدى عليه و أكلمك على طول و إن شاء الله خير".
أخرج هاتفه من جيب بنطاله و قام بالإتصال على شقيقه فوجده مُغلقاً كما أخبرته، و كان الهاتف على منضدة خشبية قديمة داخل غرفة مظلمة تملؤها رائحة عطنة، و هناك أشعة الشمس تتسلل من فتحات النافذة و تستقر فى وسط الغرفة لتكشف عن هذا المقيد فى الكرسى و يغفو فى نوم عميق!
الفصول السابع عشر
الجزء الثالث
لقراءة الجزء الاول جميع الفصول
لقراءة الجزء الثاني جميع الفصول
الفصل السابع عشر
🐺 غابة الذئاب «ما بعد العهد» 🐺
"الجزء الثالث من رواية صراع الذئاب"
بقلم: ولاء رفعت علي
فتح عينيه بصعوبة و هذا لشعوره بثقل فى رأسه بسبب حقنة المخدر التى حُقنَ بها فى عنقه، ذلك كان بالإمس عندما صف سيارته أمام البناء و ترجل منها و عندما وطأت قدمه داخل البناء ظهر إليه شخص ملثم و أخر مثله، قام الأول بضربه برأسه فى جبهته و الأخر جاء من خلفه و قام بحقنه بإبرة تحمل مخدراً جعله يفقد وعيه فى الحال ثم قاما بحمله داخل سيارة سوداء و أنطلقت.
ما زالت جفونه ثقيله و الألم يدق كالناقوس فى رأسه، و عندما تمكن من فتح عينيه استطاع رؤية ما حوله برغم الظلام الدامس لكن هناك بصيص من أشعة الشمس يتسلل من فتحات خشب الصغيرة من النافذة، كما هناك ضوء أسفل الباب الذى أنفتح للتو و يدخل رجلاً يحمل صينية يخطو ببطئ، و لعدم وضوح الرؤية لم يستطع أن يرى ملامحه جيداً، بينما هذا المجهول علم إنه استيقظ، فقال إليه:
"صباح الخير يا أبو نسب".
قالها ثم جذب كرسى و قام بوضعه أمامه ثم وضع أعلاه الصينية و أردف:
"معلش ده فطار مش قد المقام، لكن ده محل الأكل الوحيد اللى ليقناه فى المنطقة اللى مفيهاش صريخ ابن يومين دى".
حاول الأخر تحرك يديه و قدمه لم يتلقى سوى الشعور بالعجز، فسأله بلسان ثقيل:
"أنت مين؟".
قام بالضغط على زر المصباح الذى يتدلى من السقف و أجاب و على ثغره إبتسامة زائفة:
"أنا هانى عرفة أخو آسيل مراتك".
حاول الأخر استيعاب ما يحدث إليه و لما يفعل به شقيق زوجته الثانية ذلك، قرأ هانى هذا فى نظرة عينيه فأردف:
"طبعاً مستغرب ليه الرجالة اللى خدروك و كتفوك و جابوك على هنا و عايزين منك إيه بالظبط!".
جذب كرسى أخر و جلس فوقه ثم أنحنى بجذعه إلى الأمام مقترباً منه قائلاً بصوت خافت ساخراً:
"أصل أنا سمعت إنك عايز تطلق أختي، ينفع كدة يا أبو نسب بعد ما أمنتك على نفسها و قالت لك ملهاش غيرك هنا، تقوم تطلع ندل و عايز تسيبها".
حاول جاهداً بأن ينطق بتلك الكلمات:
"ده كان إتفاقى معاها من الأول".
اغمض عينيه و هز رأسه محاولاً استعادة كامل وعيه ثم فتح عينيه، فقال الأخر إليه:
"ما أنا عارف، بس عشان تسيبها لازم تدفع يا حلو".
"ادفع!".
تفوه بها يونس بتعجب فأخرج الأخر سلاحاً من خلف ظهره و رفعه أمام عينيه و كأنه يتأمل إياه:
"ما هى آسيل أختى دى جبانة و خايبة، معرفتش تاخد منك حاجة، قلبها الرهيف اللى لسه بيحبك خلاها تتمسك بيك و خافت تطلب أى فلوس منك لتفتكرها طمعانة فيك تقوم تسيبها".
حدق الأخر إليه بإمتعاض، تذكر ما أخبره قصى من حقيقة هذه الآسيل و شقيقها المحتال، فسأل هانى على مضض:
"عايز كام من الأخر؟".
نظر إليه بمكرٍ ثم أجاب بثقة بالغة:
"شيك على بياض، اكتب فيه الرقم اللى أنا عايزه و عليه إمضتك الحلوة".
༺༻
ضوء الشمس يداعب جفونها التى يتحرك أسفلها حدقتيها، رائحة مياه البحر تتخلل حاسة الشم لديها، تشعر بثقل على خصرها، ذراعاً عارياً يقيدها بتملك، فتحت عينيها و جالت بها من حولها فوجدت إنها داخل غرفة المنزل الصيفى الخاص بهم، داهم الألم رأسها بقوة و أخذت تتذكر ماذا حدث قبل المجئ إلى هنا...
بعد أن أخذها عنوة داخل سيارته و أغلق الأبواب من زر التحكم، لم يكن لديها فرصة للهرب منه و تخشى أن تثير غضبه إذا اقترفت شيئاً ما، استسلمت إلى النوم طوال الطريق حتى استيقظت بفزع لتجد إنه يحملها على ذراعيه و يدخل إلى منزلهما الصيفى و الذى يقع بالقرب من شاطئ البحر.
صاحت بتوجس:
"إيه ده أنت جيبتنا هنا ليه؟".
أنزلها فوق الأريكة و نظر إليها بسخرية قائلاً:
"يا ترى إحنا بنيجى هنا فى الشاليه بنعمل إيه، أكيد هنقضى لنا يومين اجازة".
نهضت و وقفت أمامه ترمقه بتعجب و كأن ظهر له رأساً أخر:
"نعم!، هو أنت بتقرر كدة من دماغك، و بعدين مين قالك إن أنا عايزة أقضي معاك يومين اجازة و لا طايقة حتى أشوفك".
نهضت و همت بالذهاب فأوقفها و يمسك يدها، نظرت إليه و ترفع إحدى حاجبيها، فأخبرها:
"رايحة فين يا دكتورة علياء، دى القعدة لسه هتبتدى و الليل طويل، و لا ابعت لدكتور أسر يجى يسليكِ!".
جذبت يدها من قبضته قائلة بغضب:
"حاسب على كلامك يا يوسف، لتانى مرة توجه ليا إتهام عمري ما أقبله، و أظن أنت عارف أخلاقي كويس".
"اتهام إيه بالظبط؟".
بدى على ملامحه التوتر، برغم شكوكه لكن لم تكن لديه الجرأة بأن يخبرها صراحةً بذلك الإتهام الشنيع و دون دليل أيضاً، ربما يخشى أن يخسرها و ليس كما سبق فى الماضى بل تلك المرة سوف تكون النهاية إذا حدث شيئاً مرة أخرى يؤدى إلى درب الفراق.
عقدت ساعديها أمام صدرها قائلة:
"بطل لف و دوران أنت فاهم كويس إن أنا أقصد إيه، أنا أخر واحدة فى العالم تقدر توجه لها تهمة الخيانة، يكفى فضلت عايشة على ذكرى حبنا لمدة تسع سنين من وقت ما اتخليت عني و لفت الأيام و اتجمعنا تانى، كان بإمكاني وقتها أنتقم منك و أحرق قلبك، بس مع الوقت ضعفت و قلبي استسلم لك تانى، و ربنا يشهد عليا بحترمك فى غيابك قبل وجودك، و أسر بعتبره أخويا لأنى مليش أخوات رجالة، هو كمان بيعتبرني زى أخته و كل اللى ما بيني و بينه كل إحترام".
شعر كم هو أحمق كيف له أن يظن بها هكذا، فهى لديها الحق فى كل ما تفوهت به، و المخطئ هنا هو و يجب عليه الإعتذار
جلس على الكرسى المجاور للأريكة ليخبرها دون النظر إلى عينيها حتى لا تكشف كذبه:
"أنا ما أتهمتكيش بالخيانة، كل اللى كنت أقصده إن بقيت أخر اهتماماتك و لا فيه تقدير و لا بتسمعي كلامي".
تركت ساعديها بحرية و اقتربت منه ثم انحنت بجذعها قليلاً أمامه و أمسكت طرف ذقنه لترفع وجهه و تنظر صوب عينيه عن كثب قائلة:
"بلاش كذب يا يوسف، أنا أعرفك أكتر من نفسك".
ساد الصمت بينهما و كانت لغة الأعين أبلغ و أقوى بينهما، بداخل عينيه صراع بين عقله المسيطر عليه الشك و بين قلبه الذى يحذره من تلك الأفكار المدمرة و إذا استسلم لتلك الأفكار السوداء ستأتِ على رأسه بالخراب المُبين.
ابتعدت قليلاً فنهض و وقف أمامها مباشرة ثم قال:
"و ياريت تكونى عارفة أنتِ إيه بالنسبة لي، و تقدري حبي ليكِ و أوعي تخوني ثقتي فيكِ فى يوم من الأيام".
عقدت ما بين حاجبيها بتعجب من كلماته التى تفوه بها للتو فسألته و القلق داهم قلبها:
"يوسف، أنت مش واثق فيا؟".
هز رأسه بالنفى و قال:
"لاء طبعاً واثق فيكِ، بس عايزك تحافظي على الثقة دى زى عينيكِ".
"اللى ما بينا المفروض عدى مرحلة الثقة، و اتهامك الغير صريح جرحني و قبلها كنت هتمد إيدك عليا، أنا اللى كدة محتاجة أثق فيك مش العكس".
قالتها و داخل عينيها حزن و خوف، فما كان يملك سوى أن يجذبها بين ذراعيه و يغمرها فى عناقٍ حميمي، يلقى على مسامعها كلمات نابعة من قلبه الذى أنتصر فى النهاية
"حقك عليا يا حبيبتي، أنا بحبك أوى و بغير عليكِ من أى حد، و عمري ما هكرر اللى حصل ده تانى، لأنك روحي يا علياء".
أبعد رأسها عن صدره لينظر إلى ملامح وجهها الفاتنة مردفاً:
"روحي اللى لو بعدت عني ممكن أموت".
رضخت إلى نداء قلبه إليها فأبتسمت و قالت:
"بعد الشر عليك، أنا اللى من غيرك مقدرش أعيش، لأنك أنت ليا كل حاجة، عيشت سنين على حبك و قلبي من غير حياة و أول ما قابلتك تاني و كأن الحياة رجعت له من جديد، بالله عليك يا يوسف ما تخليش أى حاجة تهز اللى ما بينا، لأن اللى حصل لو أتكرر تانى هابعد بجد و مش هاتعرف ليا طريق عشان ما أضعفش قصادك و الضعف ده فى حد ذاته عندى هو الموت".
وضع كفه على خدها و كان ينظر إليها بعشق و وله، لم يستطع مجرد التخيل أن تبتعد عنه يكفى تلك السنوات التى مضت قبل أن يلتقى بها منذ تسع أعوام التى يود أن يمحوها بتلك الذكريات السيئة لا سيما زواجه من ابنة خاله الخائنة.
أنهار أمام تلك الشفاه التى ترتجف أمام عينيه فألتقمها بين خاصته و جعلها تستكين بعد أن بث بهما الدفء النابع من قلبٍ لم يعرف معنى للعشق سوى معها فقط.
عودة إلى الوقت الحالى...
حاولت إزاحة يده من فوقها لتنهض بجذعها و تمسك بالغطاء الذى يدثر جسدها العاري، أخذت تبحث عن شئ ترتديه وجدت كل ما كانت ترتديه فى الأمس مبعثراً على الأرض و أقرب شئ فى متناول يدها قميصه الذى ألقاه و وقع بجوار السرير، انحنت قليلاً و التقطت قميصه ثم قامت بإرتدائه و نهضت تبحث عن هاتفها لتقوم بالإتصال على والدتها و تخبرها إنها برفقة زوجها، تذكرت أن عندما قام بحملها إلى سيارته، تركت كل متعلقاتها داخل غرفة الفحص خاصتها.
رأت هاتفه بجواره فوق الكمود، أمسكت به و حاولت فتحه وجدته موصداً ببصمة إصبعه، أمسكت يده برفق حتى لا يستيقظ و قامت بوضع طرف إبهامه على أسفل الشاشة، فتحت الهاتف و كادت تضغط على ملف جهات الإتصال انتبهت إلى إشعار لرسالة واردة على تطبيق الدردشة و كان محتواها كالآتى
«معقول نسيت كل اللى ما بينا، لكن أنا عمرى ما هانسي، أنا بحبك و هانرجع لبعض بأى تمن»
ارتفع بصرها إلى اسم المرسل لتجده مُسجلاً بإسم إنچى المهدى.
༺༻
يجتمعون جميعهم حول المائدة يتناولون وجبة الإفطار، و ها هو انتهى لتوه من تناول طعامه و امسك المحرمة الورقية و مسح فمه ثم تركها أمامه، لاحظ من طرف عينيه تلك التى تحدق من تجلس فى الجهة المقابلة بنظرة نارية، تود أن تفتك بها و هذا أسعده كثيراً لعلها تشعر و لو القليل من الندم على ما فعلت، لذا ابتسم و ألتفت إلى زوجته الأخرى و قال لها بأمر لا يخلو من رومانسية متعمدة لإثارة حنق الأولى:
"حبيبتى بعد ما تخلصي حضري نفسك عشان رايحين الشركة و بعدها هنخرج عندنا مشوار"
ذلك كان أمام كارين و صغيريها و ابنه و ابنته و والدتهما الذى أقسم داخله إنه يشعر بإهتزاز ساقها أسفل المائدة، بينما كانت الأخرى تتأمل الطبق الذى أمامها و لم تنتبه إلى حديثه إليها و ذلك تجنباً للنظر إلى صبا، تفاجئت عندما امسك بيدها و بإهتمام تعمد أن يظهره أمام زوجته الأولى يسألها:
"مال الجميل سرحان فيه إيه؟".
رفعت وجهها فتراشقت سهام نارية مصوبة نحوها بعناية، سرعان ما جالت بصرها نحوه تسأله بعفوية:
"حضرتك كنت بتقول حاجة؟".
ابتسم و كأن لا يوجد سواهما على المائدة فأخبرها:
"حضرتي بيقولك لو خلصتي فطارك قومي يلا عشان تجهزى قدامنا ساعة و نكون فى الشركة".
بادلته الابتسامة و أومأت إليه بطواعية ثم قالت:
"اه صح نسيت أقولك السكرتيرة اتصلت بيا عشان كانت بتتصل عليك و لاقت فونك مقفول، عايزة تتأكد من ميعاد صفقة الواحات مع شركة السويفي لأنهم بعتوا لك إيميل يأكدوا على الميعاد، أنا قولت لها هاتصرف و بعد ما قفلت معاها بعت لهم رد من إيميل المكتب إننا على الميعاد اللى حددته معاهم".
لاح على ملامحه نظرات الرضا و السعادة قائلاً:
"برافو عليكِ، كل يوم بتثبت لي أنك متفوقة جداً فى شغلك".
نظر بجانب عينيه إلى صبا التى تظاهرت بعدم الإكتراث إلى ما يتفوه به، لذلك أردف بنبرة صوته الرجولية مشيداً:
"و أحلى حاجة فيكِ بتسمعي اللى بقولك عليه من قبل ما أخلص كلامي، عشان كدة هعملك مفاجأة بعد ما نخلص شغل النهاردة".
و بمجرد أن أنتهي من تلك الإشادة أمسك يدها و قام بتقبيلها أمام مرأى و مسمع صبا التى لا تتحمل رؤية ذلك، نهضت و تحدق إليهما بازدراء و كأنها تخبره أن ما يفعله لا يعنى لها أى شئ ثم تركتهم متجهة نحو الدرج بخطوات تسبق عقرب الثواني، و كذلك أيضلً صغيرها مالك نهض و ينظر إلى والده بإمتعاض لما يفعله مع والدته دون أن ينبث ببنت شفه ثم. صعد خلفها، بينما والده نظر فى إثرها و تحولت ملامحه من السعادة و التشفي إلى الحزن، يريد أن يجعلها تكف عن العند و المكابرة لكن لا فائدة، علاقة طردية لم تأتِ سوى بالألم لدى كليهما.
لا يعلم أيضاً أن احداهن تراقب ما يفعله بغضبٍ جعل حمرة وجنتيها ازدادت توهجاً، فى رماديتيها الصغيرتين وعيد إلى التى جاءت و حصلت على إهتمام والدها الذى قام بتوبيخها منذ قليل من أجل قيامها بإطلاق الجرذ الصغير لإخافة زوجته الأخرى.
تحركت عينيها نحو الخادمة التى تدفع العربة التى يعلوها فناجين القهوة و توقفت جانباً، بدأت سكب القهوة داخل كل فنجان، وضعت الأول أمام والدها:
"اتفضل حضرتك القهوة".
و ذهبت الخادمة لتسكب الفنجان الأخر إلى منار التى أخبرتها:
"لو سمحت أنا عايزة نسكافيه".
انتهت الأخرى من إعداد طلبها و اقتربت تحمل الكوب المصنوع من الخزف الفاخر قائلة:
"اتفضلي حضرتك".
و هنا وجدت الصغيرة إنها حانت لحظة تنفيذ ذلك الوعيد، نهضت و سارت من جوار الخادمة و دفعتها مما جعل كوب خليط القهوة بالحليب الساخن ينسكب على فخذي منار التى أطلقت تأوهاً دوى فى أرجاء القصر، كتمت كارين ضحكتها و كذلك صغيريها، بينما الصغيرة تراجعت بخوف لاسيما عندما حدق إليها والدها و بصياح غاضباً يسألها:
"إيه اللى أنتِ عملتيه ده؟".
ابتلعت لعابها بخوف تشعر به لأول مرة و أجابت:
"مكنش قصدي يا بابي".
صاح بحزم مشيراً إليها نحو منار التى تحاول تجفيف القهوة بالمحارم الورقية:
"بطلي كذب، و أتاسفِ حالاً لطنط منار".
كانت أنامل يديها تتشابك معاً، هزت رأسها برفض و سخط قائلة بإصرار رغم خوفها من والدها:
"لاء".
نهض و اتجه نحوها فقامت منار بإمساك يده قائلة:
"خلاص يا قصى، هى أكيد مكنش قصدها".
"اسكتِ أنتِ أنا عارف بعمل إيه، أنا شايفها بعيني برغم لسه كنت محذرها من قبل ما ننزل و برضو ما بتسمعش الكلام و كمان بتكذب".
مازال يحدق إليها بغضب خاصة بعد أن رأى فى عينيها ذات النظرة التى تحدقه بها والدتها كلما تخطئ فى حقه.
صاحت الصغيرة بنبرة أوشكت على البكاء:
"أيوه أنا عملت كدة، عشان نان وحشة بتروح تنام جمبها و سبتني و بقيت تزعق لي عشانها، أنا زعلانة منك يا قصى و مش هكلمك تانى أبداً".
يستمع إلى كلماتها بتعجب و ذهول و يراها تركض نحو الدرج و من المؤكد إنها تبكى الآن، فقالت منار إليه:
"روح لها و صالحها بسرعة، هى مالهاش ذنب فى اللى بيحصل ده كله".
༺༻
صدح صوت رنين المنبه فأيقظه من النوم، تلفت من حوله فلم يجدها بجواره بل رأى مكانها شاغراً و كأن لم يلمس جسدها الفراش بتاً مما جعله نهض فجأة منادياً:
"دنيا؟، دنيا؟"
فهى منذ أن عادت إليه بالأمس، لم يصدق نفسه إنها قد عادت بملئ إرادتها بينما فى الحقيقة سر عودتها هو لا خيار لديها سوى العودة و هذا من أجل ابنائها، لا تملك القدر الكافى من المال لتلبية متطلباتهم أو توفر إليهم المعيشة التى ينعمون بها فى كنف والدهم، بل و هناك أمر أكثر أهمية هى غير مؤهلة للدخول أمامه فى معركة سوف تكون فيها الطرف الخاسر لا محالة.
كرر النداء عدة مرات و لم يجد إجابة، فتح باب المرحاض الملحق بالغرفة لم يجدها، خرج و ذهب إلى غرفة ابنائه لا أثر لها، و الآن يقف فى وسط الردهة يضع يديه على جانبي خصره يجز على أسنانه حتى وصل إلى سمعهِ صوت فتح الباب فكانت هى، قد ولجت للتو و على ثغرها ابتسامة عارمة و هى تنظر إلى شاشة الهاتف و بيدها الأخرى تحمل حقيبة يدها، و برغم إنها تراه من جانب عينها لكن تظاهرت بالتجاهل نحوه و اتجهت إلى غرفة النوم فذهب خلفها ثم وقف لدى مدخل باب الغرفة يسألها بجدية يشوبها الغضب:
"كنتِ فين؟".
اكتفت بالإشارة إليه لينتظر ريثما تنتهى من الدردشة الكتابية، مما أثار ذلك غضبه فأسرع نحوها و اختطف الهاتف من يدها قائلاً:
"لما أكلمك تسيبِ الزفت ده من إيدك و تبصي لي".
و ألقى الهاتف بعنف أعلى الفراش، بينما هى لم تتظاهر سوى بالبرود التام الذى يكفى لإنتفاخ أوادجه قائلة بسخرية:
"مالك متعصب ليه!، براحة على نفسك شوية ليجى لك الضغط"
أجاب بصياح و ضيق فى آن واحد:
"بطلى إستفزاز عشان ما أزعلكيش".
اقتربت منه و قفت أمامه ثم عقدت ساعديها أمام صدرها فأخبرته و الإبتسامة لا تفارق شفتيها، قالت بنبرة تبدو هادئة لكن تحمل فى باطنها وعيد جلى:
"على فكرة أنا رجعت بس عشان ولادك و حط تحت الجملة دى مليون خط، أنا رجعت عشان ولادنا و بس".
حدجها بإستفهام و بضيق فسألها:
"يعنى إيه؟".
رمقته بتحدى و أخبرته:
"مع الأيام هاتعرف بنفسك".
كادت تبتعد فتوقفت لتردف:
"ياريت تقول للـ security يشوف لنا شغالة تكون أمينة و سواق يوصل الأولاد للنادى و يجيبهم".
حدق إليها بتعجب قائلاً:
"مش كنتِ على طول رافضة أجيب لك واحدة تساعدك فى شغل البيت، إيه اللى حصل دلوقت!".
"أديك قولتها بنفسك، كنت يعنى فعل ماضى راح لحاله".
ظل كليهما يتبادل النظر حتى اردفت:
"اه نسيت، ياريت تحولى فلوس على الـ credit عشان عايزة اشتري شوية حاجات".
كان ينظر إليها و فى رأسه تدور آلاف الأفكار، يرى تلك النظرة الغريبة التى تحدقه بها الآن، فسألها و مد يده ليمسك بيدها:
"اعتبري كل اللى طلبتيه حصل، بس ياريت لما تنزلي أو هاتخرجي من البيت تقولي لي قبلها عشان أنا بقلق عليكِ".
قالها و اقترب من شفتيها بخاصته، كاد يُقبلها لكنها ابتعدت و قالت:
"كنان أنا قولت لك أنا سبب رجوعي ليك ولادك و بس، ياريت تكون فهمت قصدي كويس".
عقد ما بين حاجبيه بعدما أدرك رسالتها جيداً، فكان ذلك يكفى للثأر لكرامتها بأن تجعله يشعر و لو بالقليل من ما تشعر به، و مازال هناك الكثير.
༺༻
فتح الباب و ولج إلى الداخل يبحث عنها، وجدها تتمدد على بطنها أعلى الفراش و تبكى، جلس بجوارها و وضع يده يربت عليها بحنان قائلاً:
"حبيبة بابي حقك عليا، مكنش قصدى أزعق لك، بس أنتِ اللى عملتيه ده عيب و ما ينفعش بنوتة زى القمر زيك تعمل كدة".
نهضت و الدموع تلمع على خديها و أسفل جفونها التى ازدادت حمرة:
"أنا ما بقتش حبيبتك و لا أنت بقيت حبيب مامي، أنت بتحب نان بس".
تفاجئ بتعجب من كلماتها التى تحمل معنى عميقاً جعل داخله يهتز و الصدمة تعلو ملامح و جهه، اقترب منها و جذبها من يديها الصغيرتين ليعانقها قائلاً:
"مين قال كدة، أنتِ اللى حبيبتى و مفيش حد يقدر ياخد قصى منك".
رفعت وجهها من صدره و من بين دموعها الماسية تسأله ببراءة:
"بابي أنت بتحب مامي و لا نان؟".
ازدادت ابتسامته ثم أجاب و عينيه صوب خاصتها ليؤكد إليها إجابته دون تردد:
"بحبك أنتِ يا روح قلب بابي".
قامت بمعانقته و بقوة:
"و أنا بحبك أوى، و هاحبك أكتر لما تطرد نان و أرميها فى الشارع، أو أخلى شرنوبى يعضها، أو ممكن نخلى شلبى ياكلها".
أبعدها عن صدره ليسألها عاقداً ما بين حاجبيه:
"مين شلبى ده كمان؟".
"شلبى الكلب الأسود الكبير اللى فى الجنينة تحت".
ضغط على وجنتها بإصبعيه قائلاً:
"ده إيه كمية الأفكار الشريرة دى يا زوزو!".
حاوطت وجهه بكفيها الصغيرين لتخبره:
"مش عايزة حد يحبك غيرى حتى لو مامي، و أنت تحبني أنا بس".
حملها و جعلها تجلس أعلى فخذيه يسألها:
"طيب و اللى بيحب حد مش المفروض يسمع كلامه و ما يزعلهوش منه؟".
اومأت إليه بالإيجاب فأردف يسألها:
"طيب ليه ما بتسمعيش كلامي؟".
نظرت إلى أسفل و تحرك ساقيها التى تشبه ساقين الدمية و لم تجب بحرفٍ واحد، رفع وجهها ممسكاً بطرف ذقنها و سألها مرة ثانية:
"توعديني إنك مش هاتعملى حاجة تانى تزعلني منك؟".
هزت رأسها مرة أخرى بنعم قائلة:
"وعد يا بابي".
ابتسم إليها و فتح ذراعيه:
"فين الحضن و البوسة بتاعت بابي".
ارتمت عليه و تعانقه بقوة ثم قامت بتقبيل وجنته، بادلها العناق و أخذ يُقبل وجنتيها.
و هناك من تتابع ذلك دون أن تظهر نفسها إليه، عادت تستند بظهرها إلى الجدار بجوار الغرفة، كادت تتحرك و تعود إلى غرفتها توقفت عندما خرج أمامها، تلاقت عينيه بخاصتها فأخبرته:
"يعنى لما بنتك كانت بتغلط فيا و كنت بشتكي لك منها مكنتش بتعمل ربع اللى عملته معاها النهاردة عشان بس زعلت الهانم اللي جايبها تغيظني بيها، للدرجدى بتخاف على شعور الست زفتة!".
اقترب منها حتى أصبح أمامها مباشرة و وضع يديه داخل جيبي بنطاله فأخبرها ببرود قاتل:
"طبعاً لازم أخاف على شعورها مش مراتي!".
اخرج إحدى يديه و استند بها على الجدار و اقترب بشفتيه من أذنها ليردف:
"خليكِ عايشة فى وهم لحد ما فى يوم هتخسريني بجد، و ارجع و أقولك كله فى إيديكِ".
لم تصدق ما قد سمعته أذنيها للتو فعقبت بتهكم:
"قول بقى إن الموضوع جاي على هواك و عينك منها، و واخد اللى حصل بينا حجة و مبرر عشان تتجوز عليا بجد".
رفع جانب فمه بسأم و سألها:
"هو ده اللى جه فى دماغك!، على وضعك زى ما أنتِ و هافكرك للمرة المليون، أنتِ اللى هاتعيطِ فى الأخر".
قالها و تركها أسيرة ظنونها المهلكة، استدارت لتعود إلى غرفتها فوجدت زينات تنظر إليها بإمتعاض و لوم، فلم تتحمل اليوم أكثر من ذلك، ولجت إلى داخل غرفتها و صفقت الباب ثم أطلقت إلى عبراتها العنان.
༺༻
انتهت للتو من تأدية فرضها و تمسك بسجادة الصلاة، انتبهت إلى صوت إشعار رسالة واردة من تطبيق الدردشة فأنتفضت بفزع، و فى تلك اللحظة خرج زوجها من المرحاض مرتدياً المأزر البطنى، يجفف شعره بالمنشفة القطنية قائلاً:
"ملوكة حبيبتي، فنجان قهوة بسرعة من إيديكِ الحلويين، بس بسرعة بالله عليكِ عشان المفروض عامل Meeting بعد نص ساعة للموظفين و أنا لحد دلوقت لسه ما لبستش هدومي".
أومأت إليه و قالت:
"حاضر".
همت بالذهاب فأوقفها ممسكاً بيدها:
"مال القمر وشه شاحب و متغير كدة ليه؟".
ظهرت شبه ابتسامة على شفتيها و استدارت نحو المرآة للتأكد من ما يخبرها به لتجده على حق، لكن لا يعلم سبب هذا الشحوب، يكفى إنها تقع تحت التهديد و الإبتزاز بل فى كارثة فأجابت بإنكار:
"فين ده، مفيش حاجة أو يمكن عشان لسه قايمة من النوم".
تقدم نحوها ليحتضنها بذراعيه حول جذعها ثم انحنى ليستند بذقنه على كتفها، ينظر إليها من خلال المرآة مبتسماً:
"أو يمكن من سهرة ليلة إمبارح و الليلة اللى قبلها".
غمز بعينه فابتسمت و قالت بدلال:
"ممكن".
اعتدل و جعلها تلتفت لتقف أمامه وجهاً إلى وجه رغماً من فرق الطول بينهما و ذلك ليخبرها:
"هو مش ممكن، ده أكيد و ممكن نتأكد أكتر دلوقت".
قالها و انحنى ليقترب من شفاها بخاصته فأوقفته قائلة:
"استنى بس مش أنت كنت لسه بتقول عندك Meeting كمان نص ساعة، كدة هتتأخر و مش هينفع مدير الشركة يوصل آخر واحد".
عقد ما بين حاجبيه و كأنه يفكر فى الأمر بجدية زائفة:
"لاء فعلاً عندك حق، بس برضو ده ما يمنعش أخد حتة سكر تصبيرة لحد ما أرجع لك بالليل".
قالها و قام بعناقها مختطفاً شفتيها، يتذوق عسل فمها حتى ينقطع الهواء عن كليهما فيتركها لتلتقط أنفاسها التى توقفت مرة أخرى عندما سمعت تنبيه رسالة واردة أخرى من التطبيق لا سيما عندما سألها:
"يا ترى مين اللى بيبعت لك رسايل على الصبح كدة، أوعى تكونى يا ملك لسه بتكلمى الست الخاينة دى؟".
وقع الوصف الذى تفوه به الآن جعلها اهتزت من الداخل، فأجابت و هى تحاول أن لا تظهر ما تشعر به:
"لاء ما بقتش بكلمها و عملت لها block زى ما قولت لي، بس أنت ليه بتقول عليها خاينة، أنا زى ما قولت لك هى انضحك عليها من راجل نصاب و عامل نفسه واحدة ست، يعنى يعتبر ضحية مش خاينة زى ما وصفتها".
وضع يديه على كتفيها قائلاً بجدية:
"الخيانة ما بتنحصرش فى المعنى اللى كلنا عارفينه، مجرد أنك تطلع أسرارها مع جوزها لحد تالت حتى لو كان من أهلها اللى من دمها دى تبقى خيانة، اسمها خيانة للأمانة و اللى بتعمل كدة ست غير أمينة، و تستاهل إنها وقعت تحت إيد واحد نصاب عشان تحرم و تفكر ألف مرة قبل ما تكلم حد ما تعرفهوش و كمان رايحة تحكي له أسرارها مع جوزها".
ظلت تنظر إليه فى صمت، تبتلع غصة و تتخيل مئات السناريوهات إذا علم أنها هى من فعلت ذلك الأمر الذى لا يغتفر لديه فماذا عساه أن يفعل معها حينها؟
تخلت عن صمتها و سألته دون تردد:
"طيب لو اللى كان حصل معاها حصل معايا، هابقي فى نظرك خاينة برضو؟".
بدى على ملامحه عدم تقبل الأمر بتاً و أجاب بثقة و جدية بالغة:
"إستحالة تعملى حاجة زى كدة، لأن أنا واثق فيكِ".
سألته مرة أخرى تود معرفة ماذا سيفعل:
"بقولك لو، مجرد إفتراض مش أكتر ".
و ما أن تخيل ذلك الأمر بدى على ملامحه التجهم و تحولت حدقتيه التى تتميز باللون الرمادي مثل السماء المُلبدة بالغيوم إلى سماء الليل الحالكة و قال إليها:
"بلاش أجاوب لأن كلامي هيزعلك مني جامد"
ابتلعت لعابها و أخفت توترها و خوفها خلف ابتسامة زائفة ثم ابدلت دفة الحديث قائلة:
"شوفت خدنا الكلام و معملتش القهوة، هاروح بسرعة أعملها لك".
استدارت و اتجهت نحو باب الغرفة فأوقفها سؤاله الذى جعلها تتسمر فى مكانها:
"ملك أنتِ مخبية عليا حاجة؟".
ألتفت إليه و مازالت تتظاهر بتلك الإبتسامة الحمقاء فأجابت:
"حاجة إيه يا حبيبي اللى هاخبيها عليك، ما أنت عارفني مقدرش أخبى عليك أى حاجة خالص".
بادلها الإبتسامة محدقاً إليها بنظرة لم تستطع تفسيرها بل زادت من خوفها أكثر حيث قال:
"و أنا واثق فيكِ".
صدح رنين هاتفه فذهبت نحو الكمود و أمسكت بكلا الهاتفين، أعطته هاتفه و بيدها الأخرى هاتفها و قالت:
"هاروح أعملك القهوة".
أومأ و أجاب على الإتصال، فسرعان غادرت الغرفة، بينما هو أجاب على الإتصال:
"ألو يا king أمرك؟...
بالعودة إلى ملك التى ذهبت إلى المطبخ تلتقط أنفاسها و التى كادت تنقطع من فرط التوتر و الضغط النفسى الذى تقع تحت سطوته لا سيما عندما تذكرت أمر الرسائل الواردة، قامت بفتح شاشة الهاتف لتجد الرسائل واردة من الحساب الآخر لهذا المحتال، قد أرسل إليها الآتى:
«عدى يومين يا حلوة و النهاردة اليوم الأخير و مفيش رد منك، بكرة الصبح لو ما لقتكيش و معاكِ الفلوس فى العنوان اللى تحت ده أبقى وقتها أقرأي الفاتحة على سمعتك و سيرتك اللى هاتبقي ترند الموسم اللهم بلغت»
༺༻
بداخل السيارة يجلس مشغولاً فى الإتصال على شقيقه و لم يتلق سوى الرسالة المسجلة تخبره بغلق الهاتف، أطلق زفرة بضيق و قد خالجه الشعور بالشك أو ربما تأكد أن هناك أمر ما يحدث و ليس لديه علم به.
انتبه إلى التى تجلس بجواره و هى تنظر إلى شاشة هاتفها، أتاها إتصالاً من رقم غير مسجل، تكرر الرنين مرة أخرى فسألها:
"مامتك اللى بتتصل عليكى؟".
نظرت إليه و التوتر يغزو ملامح وجهها فأجابت:
"لاء مش هى، ده unknown number و أنا ما بحبش أرد على أرقام غريبة".
و قبل أن يعقب تكرر الرنين للمرة الثالثة فقال:
"مادام الرقم أتصل بيكِ أكتر من مرة يبقى حد يعرفك".
لم تكن لديها الرغبة فى الإجابة لأنها تعلم جيداً من هو صاحب تلك الأرقام الغريبة و الذى يطاردها كلما تجاهلته، و فى النهاية لم تجد سبيلاً للفرار فهى على دراية به لا يكل و لا يمل حتى يلاحقها أينما ذهبت.
أجابت بصوت خافت يبدو فى نبرته التوتر:
"ألو؟".
رد الأخر بصوته ذو النبرة الغليظة يوبخها:
"فاكرة لما تعملي لرقمي حظر مش هعرف أوصلك!".
نظرت إلى قصى ثم تنحت جانباً و تحدثت بصوت خافت:
"أنا مش عايزة أرد و لا عايزة أكلمك، عايز منى إيه، سيبني فى حالى زى ما سيبتنا زمان".
"ليكِ حق تتكلمي معايا كدة، عشان أنا مش قدامك، لكن لو كنتِ قصادي دلوقت كان زمانك بتكلميني و عينيكِ فى الأرض، بس طبعاً اللى مقوى قلبك دلوقت البيه اللى مرافقك يا صايعة يا...
اتسعت عيناها بصدمة و انهت المكالمة على الفور، حاولت على قدر ما استطاعت أن لا تبكي، سألها قصى الذى كان يراقب ما يحدث دون أن يجعلها تلاحظ ذلك:
"مين اللى كان بيتصل بيكِ؟".
أجابت دون أن تنظر إليه حتى لا يعلم إنها تكذب:
"ده واحد معرفة كان بيسألني عن حاجة".
بالطبع ليس بالحاجة أن ينظر إلى وجهها، يكفى إنه شعر بتوترها من خلال نبرة صوتها التى تهتز إلى حد ما و ساقها التى تهتز دون إرادة منها.
توقفت السيارة و خلفها سيارة أخرى ترجل منها رجاله أمام البناء الذى يوجد به المنزل الذى تملكه شقيقته، ترجل بعد أن قام السائق بفتح الباب إليه و ترجلت منار بعده، كانت تنظر من حين إلى أخر فى شاشة هاتفها و تضغط على علامة رفض المكالمة، بينما هو قبل أن يدلف إلى داخل البناء تقدم منه إحدى رجاله فأخبره بشئ ما ثم تركه و أكمل سيره إلى داخل المبنى، تتبعه الأخرى خلفه حتى وصل كليهما أمام باب الشقة، ضغط على زر الجرس مرة، لا إجابة فكرر الضغط مرة أخرى، فتحت أسيل الباب بحذر و رأت أمامها هذا الرجل الذى يتميز بالهيبة و الوسامة يخبرها بهويته:
"أنا قصى البحيرى أخو يونس و دى منار مراتي".
ابتلعت لعابها فى محاولة بائسة لتخفى توترها، فتحت الباب على مصرعه و أشارت إليهما قائلة بترحاب زائف:
"اتفضلوا".
و بالداخل جلس قصى و بجواره منار، كان ينظر إلى أسيل ذات البطن المنتفخ و كأنه يقرأها جيداً مما أصابتها نظراته المتفحصة بالخوف، فأرادت أن تذهب من أمامه لتلتقط أنفاسها، قالت لهما:
"تحبوا تشربوا إيه، فيه كل حاجة".
أشار الأخر إليها نحو المقعد الشاغر و قال:
"تعالي يا مدام أسيل ما تتعبيش نفسك إحنا مش ضيوف، لو ممكن بس تدخلي تصحى لي يونس".
نظرت بتعجب متقن و سألته:
"إيه ده مش المفروض كان عندك إمبارح؟".
أوما لها و قال بصوته الأجش و نظرته الثاقبة لا تحيد عن قراءة لغة الجسد لديها:
"هو فعلاً كان عندى و المفروض جاى على هنا عشان تطلقوا".
ظهرت على ملامحها الصدمة و شحب وجهها فقالت بإنكار بارع:
"أنا معرفش حاجة عن موضوع الطلاق، بس كان قايل لى إنه بعد ما هيروح لك هيعدى على الـ gallery و بعدها هايرجع، و لما لاقيته متأخر اتصلت عليه لاقيت تليفونه بيديني مقفول، فقولت ممكن الشبكة واقعة عنده".
لاحظ يديها المتشابكة معاً و تحرك إبهاميها فى توتر كما تتجنب النظر صوب عينيه، نهض و يمسك بهاتفه يقرأ رسالة واردة، تنهد و أخبرها:
"معلش إننا جينا من غير ميعاد، و أنا هاروح له الـ gallery و لو لاقيته هابقي أطمنك عليه".
أومأت له و بلهفة لم تنطلِ عليه قالت:
"ياريت بجد، لأن أنا كدة قلقت عليه أوى، ده أنا ماليش حد غيره".
"طبعاً من غير ما تقولي".
قالها و نظر إلى شاشة هاتفه مرة أخرى و قام بالإتصال على إحدهم بالأحرى يعطى الإشارة لكبير رجاله الذين ينتظرون فى الأسفل، عاد بالنظر إلى أسيل و أردف:
"ألا قولى لي يا مدام أسيل هو أستاذ هانى أخوكِ رجع من برة و لا لسه؟".
غرت فاها و تخشى أن تكذب فنظرته ونبرته يؤكدان لها إنه يعلم الحقيقة، أصابتها قشعريرة على طول عمودها الفقرى، فأجابت بدهاء لكى لا تضع نفسها أمامه فى محل الإتهام:
"معرفش قصدى بقى لى أسبوع ما اتكلمتش معاه، هو فيه حاجة؟".
ظهرت على شفتيه تلك الإبتسامة التى لم تصل إلى عينيه فتراجعت بخوف ثم انتفضت عندما سمعت جرس الباب، ذهب ليفتح بنفسه و دخل ثلاثة من رجاله ذوى الأجساد الضخمة، ألتفت إليها ليراها تنظر نحو رجاله بخوف واضعة يدها على فمها و يدها الأخرى على بطنها المنتفخ، فقال لها و هو يتجول أمامها ذهاباً و إياباً:
"أخويا مشي من عندى إمبارح ما وصلش على هنا و ده طبعاً كان كلام الـ security تحت لما رجالتى سألوه، حتى الـ gallery مارحهوش بقى له أسبوع، و فوق ده كله تليفونه مقفول من إمبارح و يا سبحان الله أخوكِ رجع فى نفس الميعاد إمبارح، و كان حاجز فى فندق تعبان فى رمسيس و ما نزلش على هناك، ده كله معناه حاجة واحدة بس هو إن أخوكِ خطفه و أنتِ شريكته لأنك عارفة خط سيره".
توقف فجأة و بنظرة قاتلة تنضح بالشر سألها:
" هو سؤال واحد و عايز إجابته حالاً منك أخويا فين؟".
الفصول الثامن عشر
الجزء الثالث
لقراءة الجزء الاول جميع الفصول
لقراءة الجزء الثاني جميع الفصول
الفصل الثامن عشر
🐺 غابة الذئاب «ما بعد العهد» 🐺
"الجزء الثالث من رواية صراع الذئاب"
بقلم: ولاء رفعت علي
بعتذر على التأخير لمدة ساعة و نص السبب كان عطل عندى فى النت ، أتمني لكم قراءة ممتعة.
※※※
انتفضت و ارتجفت ذعراً، تهز رأسها يميناً و يساراً، تردد:
"معرفش، و الله العظيم ما أعرف مكانه".
وضع كلا يديه خلف ظهره و يجز على أسنانه، رأته منار فى تلك الحالة فهنا نهضت و سارت نحوه لتخبره بهمس:
"أنا قعدت ساكتة من الصبح و ماردتش أدخل فى حاجة مليش فيها، بس عايزة أقولك هى ما بتكذبش عليك و ممكن جداً أخوها ضحك عليها أو خلاها شريكة معاه غصب عنها".
نظر إليها و مازالت عينيه تحدق بتلك النظرة المخيفة قائلاً:
"ممكن تقعدي مكانك و أنتِ ساكتة".
عادت حيثما كانت جالسة على الفور و أردفت:
"ده مجرد رأيي يعنـ...
"منار".
صاح بها محذراً فوضعت يدها على فمها، ألتفت إلى أسيل و اقترب منها حتى وقف أمامها مباشرة و أمرها بحزم:
"اتصلي على أخوكِ".
صدح رنين هاتفها الموجود أعلى المائدة، فأشار بعينيه إلى إحدى رجاله نحو الهاتف، فذهب الأخر ليجلبه و يعطيه إياه، أمسكه قائلاً:
"رقم غريب، طبعاً مش هيتصل عليكِ من رقمه، هاتردى عليه عادى و تسأليه هو خد يونس فين، و حاولي تطولي معاه فى الكلام على قد ما تقدري، و إلا لأخلى الرجالة ياخدوكِ و يرموكِ فى مكان الجن نفسه ما يعرفش طريقه و هاعرف أوصل لأخوكِ و هاجيبه وقتها قدامك و هخلص لك عليه قدام عينيكِ".
هزت رأسها بالموافقة و قالت بخوف:
"حاضر".
رمقها بازدراء و ضغط على علامة قبول الإتصال ثم مكبر الصوت
"ألو يا أسيل".
ابتلعت لعابها ثم أجابت:
"أيوه يا هانى، يونس عامل إيه دلوقتي، أوعى تكون عملت فيه حاجة؟".
أشار قصى إلى إحدى رجاله و جعله يلتقط الرقم و يحتفظ به على الهاتف الذى لديه و ذهب إلى الخارج.
رد شقيق الأخرى بسخرية:
"ما تقلقيش عليه يا أم قلب حنين، الواد دماغه ناشفة مش عايز يمضي شيك على بياض، كله بسببك قعدت أقولك خدي منه فلوس على قد ما تقدري، قعدتي تقولي لي هايفتكرني طماعة و أتجوزته عشان الفلوس".
نظرت إلى قصى فلوح لها بيده بأن تستمر فى المحادثة بقدر ما يمكن، فعادت بالنظر إلى الهاتف و عقبت على حديث شقيقها بدفاع:
"ما أنا فعلاً جوازي منه مكنش عشان الفلوس، أنا بحبه و عايزاه هو، أنت اللى طماع و مش مكفيك اللى أخدته من طليقي و اللى أجبرتني أن أتجوزه غصب عني".
"و برضو خليتك تعرفي تطلقي منه و أتجوزتي اللى بتحبيه و كان شرطى أنك تضحكي عليه و تسحبي منه مبلغ محترم نأمن بيه نفسنا و أخدك و نسافر برة، بس أنتِ غبية أخترتِ الحب و هاتفضلي طول عمرك فقرية، خلى الحب ينفعك أهو عرف حقيقتك و أبقى قابلينى لو بس فى وشك تانى".
"بقولك صح هو حد كلمك من قرايبه أو أخواته؟".
أشار إليها قصى بالنفي فأجابت:
"لاء، محدش أتصل و لا جه".
عقب الأخر:
"أحسن برضو لحد ما أشوف صِرفة معاه".
خشيت أن شقيقها يقترف فعلاً بشعاً فأخبرته بتوسل و رجاء:
"طيب عشان خاطري يا هانى سيبه فى حاله، و أنا هخليه يعملك اللى أنت عايزه بس بالله عليك أوعى تأذيه".
رد بنبرة مليئة بالشر:
"أنتِ عبيطة و لا بتستعبطى!، ده أول حاجة هيعملها لو خرج من عندى هايروح يبلغ عليا و عليكِ و لا يسلط علينا حد يخلص علينا، و أنا لو فضل مُصر إنه ما يمضيش على الشيك هضطر ألجأ للخطة التانية و دى اللى هتكون ضربة الحظ".
ضرب الخوف ملامحها فسألته على الفور:
"أنت ناوى على إيه بالظبط؟".
أجاب بلسان إبليس:
"الواد ده يحتكم على ثروة و ممتلكات قد كدة، و كمان مطلق مراته الأولى يعني مفيش غيرك و بس اللى على ذمته، و اللى فى بطنك نسجله بإسمه و لو حد تبعه أتكلم تقرير DNA مزور نثبت بيه النسب، تخيلي بقى بعد ما تكونى أرملة يونس البحيري هايبقى معاكِ كام مليون و ليك جزء فى كل ملك من أملاكه".
صاحت الأخرى:
"يخربيتك إيه اللى أنت بتقوله ده، إياك يا هانى تقرب منه إلا و الله...
أنهى قصى المكالمة و أغلق الهاتف قائلاً بتهديد:
"هاتفضلى هنا تحت عيون رجالتى، حركة غدر منك هخليهم يخلصوا عليكِ".
و أشار إلى منار و أردف بأمر:
"تعالى ورايا".
نهضت و ذهبت معه، و قبل أن يغادر المنزل أوقفته أسيل لترجوه:
"بالله عليك أوعي تأذى أخويا، أنا مليش غيره ".
نظر إليها بحدة و أجاب:
"أخوكِ تعدي كل الخطوط الحمراء، و جه على واحد من أخواتي فالجزاء من جنس العمل، يتحمل بقى اللى هايحصله".
قالها و تركها تبكي خوفاً على حبيبها و شقيقها معاً.
༺༻
انتهت خبيرة التجميل من وضع اللمسات الأخيرة للعروس التى تجلس أمام مرآة الزينة، تغمض عينيها ليس من أجل إنتظار مفاجأة رؤية مظهر زينتها النهائى بل من أجل أنها تتخيل أن ما يحدث الآن مجرد كابوساً و سيتلاشى أو هكذا تتمنى، لكن الطرق على باب الغرفة جعلها تنتفض و تعود إلى الواقع خاصة بعد أن فتحت الخادمة الباب و أخبرتها:
"مدام علا، أحمد بيه بيقول لحضرتك المأذون جه تحت".
دقات قلبها تزداد خوفاً، فها هى اقتربت للغاية من حافة الهاوية، لكن عندما تذكرت أن كل ذلك من أجل صغيرها و سلامته فعليها أن تتحمل أي شئ كان، لكن كما تريد هى.
ألتفت بجانب وجهها إلى الفتاة و قالت:
"قولى له يدخل".
أخبرته الخادمة بأمر الأخرى، تعجب و ظن إنها تتلهف إلى رؤيته، ابتسم بغرور و ولج إلى الداخل، نهضت من أمام المرأة و استدارت إليه، و ما أن وقعت عيناه عليها غر فاه، لم يصدق ذلك الجمال الصارخ سيصبح ملكاً له بعد قليل، أخذ يتأمل ملامحها و الحجاب الأبيض المحاوط لوجهها البدر المنير، انتبهت جيداً إلى نظراته إليها فخفضت بصرها خجلاً كما لا تطيق نظراته تلك نحوها، فبالرغم إنها ترتدى ثوباً أبيض محتشماً لكن نظراته المتفحصة تلك تجعلها تشعر و كأنها تقف عارية أمامه.
تنحنح فأشار إلى كل من بالغرفة أن يغادرونها، فعلوا ذلك و مع إغلاق الخادمة الباب خلفها، اقترب نحوها بـ تؤدة حتى وقف أمامها فشعرت بأنفاسه المليئة برائحة السجائر و تطغى عليها رائحة أخرى قوية و ما هى إلا رائحة عطره التى أخترقت حاسة الشم لديها بقوة.
ابتسم بمكر و بدهاء قال إليها:
" لما أنتِ اللى قولتى بنفسك للشغالة قولى له يدخل باصة للأرض و مكسوفة ليه بقى؟".
صعدت ببصرها من الأرض حتى وصلت إلى عينيه، تراه فى كامل أناقته و وسامته، ربما إذا تقابلت معه فى ظروف أخرى و لم تربطه علاقة بعائلة حازم فكانت قد وقعت فى حبه، و ما أن تذكرت لحظة إعتدائه عليها و أسلوبه الحاد و المتعجرف معها نظرت إليه بإمتعاض فأجابت بحدة و تهكم:
"و ما تقولش ليه مش طايقة أبص فى وشك و إن أنا وافقت تتجوزني عشان مصلحة ابني و بس، و جوازنا هايكون على ورق".
رفع جانب فمه بسخرية مماثلة و أخبرها بزهو و كبرياء رجل مغرور ليرد لها الإهانة على الفور:
"طيب ما أنا فعلاً هاتجوزك عشان خاطر ابن أخويا و بس".
دنا بشفتيه بجوار أذنها و أردف:
"لأن أنا اللى ما يشرفنيش ألمس واحدة كانت فى يوم من الأيام خدامة عند أخويا، لاء و كمان خد منها غرضه و رماها و لولا وقفة بابا الله يرحمه معاكِ، كان زمانك أنتِ و ابنك مرمين فى الشارع أو فضلتوا عايشين فى الحارة المعفنة اللى كنتِ عايشة فيها".
حدقت إليه بازدراء و أجابت على كم تلك الإهانات:
"و أنت و أهلك تعرفوا إيه عن الشرف و الأخلاق، أخوك كان شاب صايع و بتاع خمرة و كل يوم يجيب واحدة شكل فى شقته، و لا مامتك مستعدة تعمل أى حاجة عشان تضمن ورث جوزها و ابنها اللي مات ما يروحش برة قامت خليتك تتجوز من خدامة أخوك".
أمسك رسغها بعنف و يحدق فى عينيها بقوة قائلاً:
"أديكِ قولتيها بنفسك خدامة، ده وضعك و مقامك هنا فى الفيلا، يعنى اللى أؤمرك بيه تنفذيه بالحرف الواحد".
كان الصمت سيد الموقف و قاطعه صوت والدته فى الخارج و هى تخبرها:
"يلا يا علا المأذون وصل".
و فى الأسفل وسط الحضور من أقارب و معارف عائلة الشريف تتم مراسم عقد القران، كان الصغير يرتدى حُلة صغيرة و يجلس بجوار والدته حتى غلبه النوم فأشارت جدته إلى أحدى الخادمات لتحمله و تصعد به إلى الأعلى، بينما علا كانت تنظر إلى أحمد الذى يمسك بيدها أسفل المحرمة البيضاء ثم تردد ما يمليه عليها المأذون، كالغزالة لم تجد مأوى من العاصفة سوى داخل عرين الأسد الذى يحدق إليها بإبتسامة نصر فماذا عساها أن تفعل بعد أن أصبحت فريسته التى قُدمت إليه على طبقٍ من الذهب!
و ما أن انتهى الحفل بسلام كما أرادت السيدة شيريهان، لاحظت علا اختفاء أحمد و كأنه تبخر بعد عقد القران، و قبل أن تتقابل مع جدة صغيرها التى كانت تلقى تعليماتها على العاملين و هم ينظفون المنزل، قررت الصعود إلى الغرفة التى كانت تمكث بداخلها مع صغيرها، و بعدما قامت بفتح الباب لم تجد ابنها على فراشه، انتفضت بفزع عندما أتاها صوت الأخرى من خلفها و تخبرها:
"حمزة نايم فى أوضتي و من النهاردة هينام جمبي، و لا أنتِ شايفة إيه يا عروسة؟".
حدقت إليها الأخرى و قالت بتهكم:
"عروسة!، واضح أن حضرتك صدقتي اللعبة، أنا قولتها لإبنك و بقولها لك أنتِ كمان جوازي منه على ورق مش أكتر من كدة".
ابتسمت والدة زوجها بسخرية قائلة:
"و الله ابني هو اللى يقرر وضع جوازكم هيبقى إزاى و فى كل الحالات هو حر، فى الأول و الأخر هو جوزك و أنتِ مراته".
ألقت عليها تلك الكلمات و تركتها تجز على أسنانها من الغيظ، هذه المرأة كلما تتحدث معها تنجح فى إثارة غضبها، فكادت تذهب من أمامها فأوقفتها الأخرى و تشير إليها نحو نهاية الرواق:
" و الأوضة اللى فى أخر الطرقة".
ألتفت و اتجهت حيثما أُشير لها فدلفت إلى داخل الغرفة و صفقت الباب بحنق.
༺༻
و لدى يونس الذى ينزف الدماء من فمه و أنفه أثر اللكمات التى سددها إليه شقيق أسيل، هذا الشيطان الذى سيقع فى جحيم شره.
"يعنى مش عايز تمضي برغم اللى عملته فيك، بس خد بالك أنت بقى اللى خلتنى ألجأ للخطة التانية، و ما تخافش مش هاضربك و لا هعذب فيك".
ابتسم يونس و سأله بسخرية:
"هتقتلني؟".
سقف الأخر بيديه و قال:
"برافو ده أنت طلعت أذكي أخواتك أهو، و ما تقلقش أنا و لا هادبحك و لا هضربك بالمسدس اللى معايا".
أخرج من جيبه إبرة طبية فارغة و قام بسحب الهواء داخل الأنبوب البلاستيكي فعندما رأى يونس ما يفعله هذا الشيطان قال بتهكم و شجاعة:
"أنت صعبان عليا أوى، أصلك ما تعرفش أنت وقعت مع مين، و أنا واثق قبل ما تقرب مني هايجي اللى يخليك تتمنى تاخد حقنة الهوا اللى معاك دى أرحم من اللى هايعمله فيك".
أطلق ضحكة ساخرة و سأله بتهكم:
"و ده مين اللى يعرف أصلاً أنك هنا، أنا لسه كنت مكلم أختى و ما قالتليش أى حد عبرك أو سأل عليك".
صوت إقتحام فى الخارج نتج عنه صوت فرقعة و إطلاق رصاصة فى الهواء ها صوت جهوري يصيح فى رجال هانى فى الخارج آمراً رجال القوة:
"خدوهم ".
لم يستطع هانى استيعاب ما يحدث فى الخارج حتى وجد الباب يُدفع على مصرعه و يقف أمامه الضابط يأمر باقى رجاله:
"خدوا الحيوان ده على البوكس".
صاح الأخر بسخط:
"أنا معملتش حاجة يا باشا، أنا كنت بجيب حق أختي الغلبانة المظلومة".
دفعه الضابط و صفعه على مؤخرة عنقه موبخاً إياه:
"اخرس يالاه مش عايز اسمع صوتك".
قام الضابط بفك قيود يونس الذى نهض بثقل و استند على أحدى رجال القوة و الذى ساعده فى مغادرة هذا المكان الموحش، و عندما غادر البناء وجد ما كان يتوقعه بالفعل، ها هو قصى يقف ينتظره و يفتح ذراعيه فتقدم منه الأخر و ارتمي عليه معانقاً إياه و يخبره:
"كنت واثق إنك هتيجى تنقذني".
عقب شقيقه بمزاح و يربت على ظهره:
"عشان تعرف إنك ملكش غيري".
انتهى الأخر من العناق و قال:
"طلع عندك حق فى كل اللى قولته، كنت غبى فعلاً لما صدقت واحدة زى أسيل و أدينى دفعت تمن اللى عملته فى كارين".
ربت شقيقه على كتفه بمؤازرة:
"مفيش حد فينا معصوم من الخطأ، أهم حاجة تكون أتعلمت الدرس كويس، المرة دى عرفت أنقذك المرة الجاية يا عالم هاقدر و لا هاكون لسه عايش".
عقب يونس قائلاً:
"ربنا يديك طولة العمر و يخليك لينا و نفضل سند طول عمرنا لبعض".
جاء الضابط إليهما ليخبرهما:
"بستأذنك يا قصى بيه تيجوا معانا عشان نكمل المحضر".
و أمام مكتب الضابط المحقق تبكى أسيل بقوة و هى تسرد مخطط شقيقها فى حضور قصى و يونس الذى يرمقها بازدراء بعد أن انكشفت حقيقتها كاملة أمامه، بينما كان شقيقها يصرخ بنفي التهم الموجهة إليه بل أدعي أن شقيقته هى من قامت بتحريضه، و فى النهاية حسم الضابط الأمر كالتالى:
"لقد قررنا نحن الرائد محسن شكرى بقسم شرطة أكتوبر أول بإحالة كلا من هانى عرفة و أسيل عرفة إلى سراى النيابة الخطف و الشروع فى قتل يونس عزيز حكيم البحيرى...
كان الجميع يستمع إليه و تقدم العسكرى من أسيل التى كانت تنظر إلى يونس بتوسل و تردد:
"و الله مظلومة يا يونس أوعى تصدقهم".
نهض و اقترب منها فنهض قصى ليمسك بهحتى لا يرتكب فعلاً أحمق، بينما كان يقترب فقط ليلقى عليها تلك الكلمة التى اخترقت قلبها بنظرة عدائية:
"أنتِ طالق".
༺༻
تقف أمام المرآة داخل المرحاض تضبط من حجابها، فكما أخبرته إن زواجهما قانونياً فقط لذا ستتعامل معه كالغريب.
خرجت من المرحاض و أسرعت نحو الباب لإغلاقه بالمفتاح، و ما أن لمست يدها المفتاح المعلق فى فتحة القفل اندفع الباب مما أدى إلى اختلال توازنها و وقعت على الأرض، رفعت وجهها لتجده هو أمامها، ينظر إليها بإبتسامة ساخرة و عينيه تتجول على أنحاء جسدها و الثوب القطنى الفضفاض الذى ترتديه و الحجاب الذى يغطى شعرها كلياً، فكل ذلك كفيلاً بإثارة قهقهته فقال:
"أول مرة أشوف عروسة فى ليلة فرحها لابسة عباية قطن و تحجيبة، ما كنتِ إلبسي إسدال أحسن".
نهضت و عادت إلى الوراء بضع خطوات و هى تراه ثملاً، حدقت إليه بإمتعاض و قلبها يدق وجلاً، تخشى أن يكرر ما فعله معها فى السابق لا سيما بعد أن أصبحت الآن زوجته، سألته بتوتر و توجس:
"هو أنا مش متفقة معاك جوازنا هايكون على ورق و لا أنت نسيت؟".
أغلق الباب بقدمه و مد يده إلى المفتاح و قام بغلقه و عينيه لا تحيد عنها قائلاً:
"لاء فاكر، بس ده كان كلامك أنتِ، و أنا هنا اللى أقول إيه اللى يحصل".
كلما تحدث بكلمة يقترب نحوها بخطوة، بينما هى تتراجع خطوة إلى الوراء و تمسك بتلابيب ثوبها
"أحمد بيه لو سمحت ياريت تحترم رغبتي زى ما وفقت على جوازنا، أنا كنت ممكن أخد ابني و اهرب فى مكان ما تقدرش أنت و لا والدتك توصلوا له، بس أنا معملتش حاجة غلط عشان أفضل هربانة".
و فى لحظة كانت ملتصقة بالحائط و أمامها، يفصل بينهما مسافة كافية لمرور ورقة، استند بكلا يديه على الحائط و تفوه بأنفاسه المليئة برائحة الخمر غير مكترث بحديثها إليه:
"حلوة أوى من شفايفك أحمد بيه، إيه رأيك ما تقولي لى يا سي أحمد، هاتبقى منك أحلى".
قالها و اقترب بشفتيه من وجنتها، وضعت كفيها على صدره تحاول أن تدفعه من أمامها بكل قوتها، فكان كالجدار الصامد أمامها لم يتزحزح إنشاً واحداً، ابتلعت ريقها و يخالج الخوف ملامحها:
" أنت سكران و مش فى وعيك، بالله عليك سيبني فى حالي".
قالتها ودفعته بقوة و بسبب الثمالة التى بها تحرك إلى الوراء، فكادت تفر من أمامه لكنه جذبها من يدها بقوة لترتطم على صدره، يسألها و عينيه تخبرها برغبته الجامحة نحوها، كالذئب الذى يتضور جوعاً و وجد أمامه صيداً ثميناً يريد إفتراسه بنهم
"مش المفروض إن أنا جوزك و دى ليلة دخلتنا و لا بيتهيق لي!".
كان الخوف يتطاير من عينيها و كأنه يتذكر أمر فضحك ساخراً و أردف بكل جرأة و وقاحة:
"اه نسيت، ليلة الدخلة بتتقال لو العروسة لسه virgin".
نظرت إليه بازدراء فأطلق ضحكة ثم توقف و اقترب من أذنها يخبرها بصوت خافت:
"هقولك على سر أنا الـ virgin، ما أتجوزتش قبل كدة، يعنى أنتِ أول واحدة هلمسها، أنسي اللى فى دماغك و قدامك اختيارين يا تسيب لي نفسك بمزاجك يا إما بمزاجي أنا".
كان على وشك أن يُقبلها، فقامت بلطمه على وجهه:
"فوق بقى".
ترك يدها و وقف يحاول استيعاب ما فعلته به للتو، زمجر بغضب و أقدم نحوها قائلاً:
"أنتِ اللى اختارتِ".
لم يدع لها فرصة للهرب، قبض على كلا رسغيها و يدفعها نحو الفراش، أخذت تقاوم بكل قوتها لكن لا فائدة، فكانت كالعصفورة أمام وحش كاسر، معركة غير عادلة، ألقاها على الفراش و أنهال على شفتيها و وجنتيها بوابل من القبلات، تدافعت ذكريات من الماضى و كان حينها فعل شقيقه المثل و كأن اليوم أشبه بالبارحة.
استطاعت أن تفلت يدها من قبضته و تحاول الوصول إلى تلك القنينة الزجاجية المليئة بالماء، حاولت أن تتحرك و لو قليلاً من أسفله.
نجحت أخيراً للوصول إليها و بكل قوة تملكها أنهالت بها فوق رأسه صارخة:
"قولت لك لاء".
صوت حطام الزجاجة فوق رأسه دب الرعب فى قلبها خاصة بعد أن تأوه و فقد وعيه فى الحال ليس هذا فقط بل سالت دمائه من أعلى رأسه، و تساقط منها بضع قطرات على وجهها، شهقت بخوف شديد، و بعد جهد شاق دفعته من أعلاها و تمدد على ظهره دون حراك!
نهضت واضعة كفها على فمها و عينيها ترمقه برعب غير مصدقة ما حدث، تخشى إنها قد قامت بقتله!
༺༻
يقف على حافة سطح القلعة يمسك بيده قلادة والدته و علبة أخرى يكسوها المخمل الأسود، يحتفظ بهما منذ ذلك اليوم الذى قرر فيه الإبتعاد حتى لا يخسر أقرب الناس إليه...
منذ سنوات مضت، تتجمع عائلة رومانوف حول المائدة للإحتفال بعيد الشكر، يتوسط المائدة الديك الرومي و الكثير من المأكولات الشهية و التى لا تخلو من وجود كؤوس النبيذ التى رفعها كلا من رومانوف و ولديه كلاوس و فلاد و كذلك شقيق سيلينا و والدها أيضاً و هذا بعد دعوة السيدة رومانوف للإحتفال معهم.
"عيد شكر سعيد".
رددها الجميع و تناوبوا فى ارتطام الكؤوس، فتلك طقوس الإحتفال لديهم، كان يجلس على يمين والده و كل فينة و الأخرى ينظر إليها بإعجاب دون أن يلفت انتباهها المنصب على ما يفعله بها كلاوس من أسفل المائدة، يضع يده على فخذها و يتحسسه ما سبب إليها قشعريرة فأنتفضت و قالت إليه بهمس لا يسمعه سواه:
"كفى كلاوس، يبدو أن فلاد ينتبه إلى ما تفعله بي".
نظر إليها من جانب وجهه يسألها بمكرٍ:
"و ماذا أفعل بكِ؟".
قالها و يرفع طرف ثوبها القصير إلى أعلى فوضعت يدها على يده و رمقته بنظرة تحذيرية
"استعد كلاوس للسفر غداً، لدينا أعمال كثيرة فى البرازيل".
قالها السيد رومانوف، فأنتبه الأخر إلى ما تفوه به والده، صاح بسخط:
"ماذا؟".
نظر إليه والده بحدة و سأله بتهكم:
"ما الذى تعنيه بسؤالك أيها الفاشل!".
شعر الأخر بحنق حينما نعته والده بالفشل أمام سيلينا و عائلتها، نهض بغضب و قال:
"أنا لست بفاشل والدى، و لن أسافر كما تريد، لدى كثير من الأعمال هنا فى موسكو".
ترك والده الكأس على المائدة و نهض أمامه:
"اتتحدي أبيك؟".
حدقه ولده بتحدى و سخط قائلاً:
"إذا قُلتُ نعم ماذا ستفعل بي أتقتلني!".
صفعة دوى صداها هبطت على وجنته أمام الجميع، شهقت سيلينا و وضعت كفها على فمها، فأمسك بكأسه و ألقاها بكل قوته على الأرض ثم ذهب إلى الداخل، نهضت الأخرى و كادت تذهب فأمسك شقيقها بيدها يسألها:
"إلى أين ستذهبين؟".
أجابت ببراءة تتقنها جيداً:
"أريد الذهاب إلى المرحاض".
أطلق الأخر زفرة و أخبرها بحزم:
"هيا اذهبي ثم عودي على الفور".
تخلى فلاد عن صمته و قال إلى والده:
"دعه لى والدى سأتحدث معه و أقنعه بشأن السفر، ربما هناك شيئاً ما وراء رفضه فلا تتحامل عليه أكثر من ذلك".
"أفعل ما تريد قبل أن اقتلع بيدي رأسه العنيد ".
أخبره والده بذلك التهديد البالغ، بينما الأخر عينيه تتابع سيلينا التى كادت تتعثر و تقع على العشب لكن استندت على يدها و ألتفت خلفها فتلاقت عينيها بعينيه فأبتسمت ثم تابعت سيرها إلى الداخل، نهض و أجاب:
"حسناً، سأذهب للتحدث معه".
نهض و أسرع من خطواته حتى وصل إلى الداخل فأوقفه إحدى رجال والده يخبره بشيئاً ما، و مازالت عينيه لا تحيد عن هذه الشقراء التى أختفت فى ظلام الرواق.
و لدى سيلينا كانت تبحث عن كلاوس، فهى تعلم المكان الذى يفضل الإنعزال فيه حينما يكون غاضباً، تتلفت من حولها فجذبتها يد قوية من ذراعها لتجده هو، ينظر إليها و كأنها حلوي شهية أمامه قائلاً إليها و الرغبة تنضح من عينيه:
"اجعلني انسي ما حدث فى الخارج".
رمقته بعدم فهم و سألته:
"كيف ذلك؟".
"هكذا أيتها الشقراء المثيرة".
دفعها إلى الجدار ذو ورق الحائط الأحمر لينقض على شفتيها بقوة، يحملها بين ذراعيه و أمسك بساقيها لجعلها تلتف حول خصره، كانت معركة ضارية بينهما تفاجئ بها شقيقه الذى وقف ينظر نحوهما بصدمة و يمسك بيده القلادة و يده الأخرى العلبة التى يكسوها المخمل الأسود!
عودة إلى الزمن الحالى...
يقف فى إنتظارها بلا جدوى، جاءت الخادمة و تحمحمت ليلتفت إليها و تخبره:
"سيدى، السيدة سيلينا تعتذر إليك عن عدم تلبية دعوتك للإحتفال بعيد الشكر و هذا لأنها تشعر بالتعب".
عقد ما بين حاجبيه و يتمعن فى هذا الإعتذار و الذى يعلم إنها مجرد أكذوبة أو أسلوب مراوغة لتجعله يتعلق بها أكثر.
نظر إلى المائدة و ما عليها من أطباق طعام لذيذة و زجاجتان من النبيذ الأحمر و كأسان شاغران، فقال بداخله:
"هكذا إذاً سيلينا، أتريدين اللعب معي، سأعلمك جيداً أصول اللعب أيتها الشقراء المثيرة".
༺༻
تزرع الأرض ذهاباً و إياباً ثم توقف لدي النافذة الزجاجية، تنظر إلى شاشة الهاتف و تتحدث:
"برضو ما بتردش عليا يا قصى، طيب دقيقة بس تطمنى عليه بدل ما هاتجنن من كتر قلقي، يارب يكون بخير يارب، أنا بحبه أوى رغم اللى عمله، لو اللى كان اللى بيحصل معاه ده بسبب ذنب اللى عمله معايا فأنا مسامحاه و عايزاه يرجع لنا بالسلامة".
القلق و الخوف ينهشان قلبها، و فى زاوية كانت تراقبها هذه الصغيرة المشاكسة و تحدق نحوها بضجر فصاحت بصوتها الطفولي:
"ما تتهدي بقى يا عمتو، قرفتينى فى عيشتي، رايحة جاية، جاية رايحة و عمالة تكلمي نفسك زى أم زغلول المجنونة ".
استدارت الأخرى و تنظر إليها بحنق ثم ضيقت عينيها قائلة:
"عارفة أنتِ يا شبر و نص لولا اللى أنا فيه و مش فايقة لك، كنت مسكتك من لسانك و علقت منه فى النجفة".
كان صغيريها يجلسان على الأريكة كل منهما يلعب على هاتفه، و عندما تفوهت ابنة خالهما هكذا تابعا الحوار، فضحك كليهما مما ثار حنق ابنة أبيها الشقية و نزلت من فوق الكرسى و تقدمت نحو عمتها ثم وقفت واضعة يديها على جانبى خصرها الصغير فتشدقت:
"أنتِ قد الكلام اللى قولتيه ده يا كارين".
زجرتها الأخرى بنظرة مخيفة مازحة، دنت منها و قالت:
"اسمى عمتو يا naughty، و أنا بقى هقول لقصى لما يجي".
"و أنا هخلى بابي يطردك أنتِ و نان و يخلى چولى و رسلان عشان بحبهم".
قبضت كارين على تلابيب كنزتها من الخلف و أخبرتها:
"يا بت أنا نفسي أفهم أنتِ طالعة غلباوية كدة لمين، باباكِ و مامتك مش كدة خالص، أومال أنتِ طالعة لمين؟".
رفعت كتفيها الصغيرين و أجابت:
"مش محتاجة سؤال طبعاً، بالتأكيد طالعة لعمتو الحرباية".
قالتها و ركضت من أمامها فصاحت كارين بغيظ:
"هاتو لي البت أم لسانين دى هنا، و الله يا زوزا لأعلمك الأدب".
كانت تركض و تنظر خلفها تضحك على الأخرى فأصتدمت بوالدتها التى هبطت من الدرج ثم وقعت، تأوهت و تنهض من الأرض تصيح فى وجهها:
"مش تشوفى قدامك و لا أنت معندكيش عينتين!".
قبضت والدتها على تلابيبها لتوبخها:
"أنتِ يا بت أنتِ، لو ما بطلتيش كلامك اللى عامل زى المطلقة خمس مرات و أرملة مرتين هحبسك فى الأوضة الضلمة اللى ورا القصر و هخلى الكلب يعضك".
كانت تستمع إليها و تمد شفتيها إلى أسفل و تتصنع الحزن و كأنها ستجهش فى البكاء فأردفت والدتها:
"بلاش الحركات و دموع التماسيح دى عليا، عمالة تضايقي فى عمتو و تطولى لسانك عليها و محدش مالى عينك، أبوكِ مش هنا عشان يحوشك من إيدى".
و إذا بها تطلق صرخة ببكاء و تضع يديها على عينيها و تردد:
"عيني، بتضربينى ليه على عيني".
حدقت صبا بصدمة فتركتها الصغيرة و ركضت إلى هذا الذى ولج من الخارج للتو و خلفه تتبعه منار، ارتمت الأخرى على صدره فسألها بقلق:
"مالك يا حبيبتي فيه إيه؟".
أشارت إليه نحو والدتها فنظر إليها لتخبره بدفاع و سخط:
"بتبص لي كدة ليه، معملتهاش حاجة".
لم يعقب و أخذ يربت على صغيرته و قال لها:
"زوزو حبيبتي، يلا أطلعي مع دادة زينات على أوضتك عشان أنا هاجي لك هبات جمبك الليلة دى".
توقفت عن البكاء فجأة و اتسع ثغرها:
"بجد يا قصى!".
كاد يضحك فأومأ لها بشبه ابتسامة و أجاب:
"بجد يا قلب قصى".
اعطته قبلة و قالت:
"هستناك يا حبيبي".
قالتها و صعدت الدرج مع زينات، و على الجانب الأخر منذ أن رأته يدخل خلف شقيقه ركضت نحوه و وثبت لتعانقه بقوة:
"كنت فين قلقتني عليك أوى، موبايلك كان مقفول ليه؟".
ابتعدت عن صدره لتنظر إلى ملامح وجهه فوجدت كدمة بجوار شفتيه فسألته:
"مين عامل فيك كدة؟، هو حصل إيه؟".
نظر إلى قصى أولاً فأومأ إليه بعينيه ثم عاد. ببصره إليها و قال:
"اتزحلقت من على السلم و الفون وقع اتكسر عشان كدة مقدرتش أجى من الصبح".
"ألف سلامة عليك يا روحي، كله من الغرابة اللى اتجوزتها عليا، من وقت ما دخلت فى حياتك و عمال يحصلك مصايب".
حدقها بشبه ابتسامة و اخبرها:
"خلاص راحت لحالها".
حاولت أدراك ما قاله فسألته بسعادة عارمة:
"أنت طلقتها؟".
هز رأسه بالإيجاب و قال:
"خلاص أنا هابقي ملكك أنتِ و بس".
و من فرط سعادتها قد نست إنها أمام قصى و صبا و صغيريها چوليانا و رسلان حيث قامت بتقبيل شفاه أمامهم جميعاً، تحمحم قصى و أشار إلى المأذون الذى كان ينتظر أمام الباب:
"تعالى يا شيخ بسرعة اكتب لهم الكتاب قبل ما يتهوروا أكتر من كدة".
ضحك الجميع و بالفعل تمت مراسم عقد القران و عادت زوجته مرة أخرى و كان الشاهدين قصى و إحدى رجال الحراسة
"بارك الله لكما و بارك عليكما و جمع بينكما على خير إن شاء الله".
أطلقت الخادمات الزغاريد، و ركض كلا من چوليانا و شقيقها نحو والدهما فعانقوه و قاما بتهنئته:
"ألف مبروك يا بابي، ألف مبروك يا مامي".
ربت عليهما بحنان و هما بين ذراعيه:
"الله يبارك لى فيكم يا حبايبي".
ثم نظر إليها بعشق و أردف:
"و يبارك لي فى أجمل و أحلى مامي فى الدنيا اللى عمري ما هزعلها تانى أبداً".
تدخل قصى قائلاً:
"يارب تكون اتعلمت من اللى حصل".
رفع يونس يده و قال:
"توبت إلى الله".
ضحكوا جميعاً فنظر الأخر إلى صبا بنظرة عتاب و قال:
"عقبال اللى فى بالي".
بادلته بنظرة ازدراء و قالت:
"مش الأولىٰ تدعي لنفسك يا يونس".
رفع يونس كلا حاجبيه و هو يراقب كليهما، كان قصى ينظر إليها من طرف عينه و لم يعقب فحدق إلى كارين بسعادة:
"الحمدلله دلوقتى اطمنت عليكم ياريت بقى ما اسمعش عنكم غير كل خير".
نظرت كارين إلى زوجها ثم إلى قصى و قالت:
"طالما رجعنا لبعض إن شاء الله كل اللى جاى هيبقي خير".
"يلا بقى تعالوا نتعشي السفرة جاهزة من بدرى ".
قالها قصى فأجاب الأخر على عجلة من أمره:
"اتعشوا أنتم بالهنا و الشفا أنا هاخد مراتي و الولاد و هانروح بيتنا، بصراحة وحشانى البيتزا من إيد كارين أوى".
وضعت الأخرى يدها على خده و قالت:
"يا روحى بس كدة هعملك أحلى و أكبر صينية بيتزا".
هز قصى رأسه ضاحكاً من هذا الثنائي المجنون، بينما كانت منار ترى كل ما يحدث كم ألفت هذا الجو العائلى الرائع، حب الأخوة و حب كل زوج منهما إلى زوجته، كانت ترمق قصى بنظرة مليئة بالإعجاب و ذلك تحت مراقبة صبا التى تأكدت أن تهديد زوجها ليس كان مزاحاً و تلك النظرة التى تراها الآن فى أعين الأخرى تخشى أن تراها يوماً فى عيون زوجها فمجرد التخيل جعلها تشعر بالإختناق.
بعد إلقاء التحية و الوداع، غادر يونس مع عائلته كالمغترب الذى عاد إلى وطنه.
و على رأس المائدة يجلس قصى، و على يمينه تجلس صبا فقط تتناول العشاء و ذلك بعد أن أخبرته منار إنها غير قادرة على تناول وجبة العشاء و تريد النوم.
يمضغ ما بفمه و ينظر إلى الأخرى و هى تأكل و لا تكترث إلى وجوده، انتبهت إلى تحديقه إليها، كانت تأكل بنهم فقال:
"كولي براحة محدش بيجري وراكِ".
و إذا بها تشعر بغصة علقت فى حلقها فانتابها سعال قوى، شعر بالقلق و الخوف عليها فمد يده إليها بكوب الماء، تناولته و ارتشفت منه حتى هدأ السعال لديها، سألها و عينيه تنضح بالقلق عليها:
"أنتِ كويسة؟".
نظرت إليه بكبرياء و أجابت بتهكم:
"اللى يشوف نظرة القلق فى عينيك، يقول أنا خايف بجد عليا".
رفع إحدى حاجبيه و رمقها بضيق قائلاً:
"تصدقي بالله أنا غلطان، ماشى يا صبا كله بحسابه على راحتك أوى".
قالها و نهض ليهم بالذهاب تاركاً لها المائدة لكن أوقفه صوت شقيقته التى ولجت للتو تبكى و تستغيث:
"ألحقني يا قصى".
الفصول التاسع عشر
الجزء الثالث
لقراءة الجزء الاول جميع الفصول
لقراءة الجزء الثاني جميع الفصول
الفصل التاسع عشر
🐺 غابة الذئاب «ما بعد العهد» 🐺
"الجزء الثالث من رواية صراع الذئاب"
بقلم: ولاء رفعت علي
حبل الكذب قصير، مقولة مأثورة صادقة فمهما كان الكذب وسيلة لدفع أمر سيء ستجد نفسك داخل دائرة من الأكاذيب تؤدي إلي عواقب وخيمة ويحدث ما لا يحمد عقباه.
تقف أمام شقيقها داخل غرفة المكتب تبكي و لا تعلم من أين تبد، بينما الأخر قد ظن أن الأمر متعلق بزوجها فسألها بوجه متجهم الملامح:
"مصعب عملك حاجة؟"
هزت رأسها بنفي و صوت بكائها يزداد نشيجاً مما جعل صبره ينفذ على الفور فصاح بغضب:
"بطلي عياط يا ملك وقولي فيه إيه؟"
حاولت أن تهدأ و لو قليلاً حتي أجابت:
"مصعب أصلاً ما يعرفش إن أنا هنا، و ياريت اللي هقوله لك بالله عليك ما يعرفهوش، الموضوع بدأ من...
ساور القلق قلبه، يخشى أن يكون الأمر كارثة، انصت جيداً إليها و هي تسرد له منذ بداية أن أرسل هذا المحتال إليها رسالة من حساب باسم زائف و تمكن بخداعها و مراسلتها كونه سيدة متزوجة، و كيف استغل تلك المحادثة واخترق من خلالها هاتفها حتي انتهي الأمر بالتهديد و المساومة علي المال والعرض أم الفضيحة؟
و بعد أن انتهت من سردها إليه ساد الصمت بينهما، و إن كان يوجد صوت فهذه دمائه التي تغلي كالماء داخل المراجل ويتصاعد من البخار كالدخان.
تنتظر ردة فعله بتوجس وخوف، كم تعلم أن شقيقها الوجه الآخر من زوجها و ربما أشد قسوة
"قصي، أنا إن غلطت و غلطي كبير كمان، بس و الله ما كنت أعرف، بعترف أنا غبية وهبلة"
و رغماً عنها اجهشت في البكاء من جديد ثم اردفت:
"كنت عايزة أقول لمصعب بس هو ما أداليش فرصة، مصعب معندهوش تفاهم في أمور زي دي أبداً، آدم مسافر و يوسف مشغول، يونس و ياسين الله يكون في عونهم كل واحد فيهم فيه اللي مكفيه، مكنش فيه حد ألجأ له غيرك"
كلما طال صمته زاد خوفها، ماذا عساه أن يفعل بها؟، و إذا بها تنتفض و كادت ترجع إلي الوراء لكنه جذبها علي الفور من يدها واحتضنها بين ذراعيه بحنانه الفياض، أخذ يربت علي ظهرها قائلاً بنبرة هادئة لتطمئن وتهدأ:
"أحسن حاجة عملتيها إنك جيت لي، ما تخافيش أنا هخلي الحيوان ده يندم علي اليوم اللي أتولد فيه"
رفعت وجهها عن صدره فنظرت إليه وقالت:
"أنا خايفة من مصعب، خايفة لأخسره، أنا بحبه أوي و ما اقدرش أعيش من غيره"
حدق إليها بعتاب:
"عايزة الحق و لا هتزعلي؟"
نظرت إلي أسفل بندم فاردف:
"أنتِ غلطانة من البداية خالص، مفيش واحدة عاقلة و كمان زوجة و أم تروح تحكي أسرار بيتها لحد ما تعرفهوش، حتي لو لحد من أخواتك، حتي لو أنا شخصياً، تاني حاجة كان عندي تحكي لمصعب من أول ما اكتشفتي حقيقة القذر التاني، بس خلاص مفيش وقت نقول المفروض و ياريت، أهم حاجة إزاي هانتصرف"
رفعت وجهها و رمقت بأعين أضناها الحزن و فاض بها الدمع، سألته:
"هنعمل إيه؟"
وضع يديه علي كتفيها ونظر صوب عينيها بثقة قائلاً:
"كلميه و قولي له جاي لك"
غرت فاها و نظرت بتعجب:
"إزاي؟"
أطلق زفرة مطولة فأجاب:
"أعملي اللي قولت لك عليه و أنا هافهمك كل حاجة، المهم عايزك قوية و متماسكة بلاش الضعف و السذاجة اللي أنتي فيهم، أنتِ أخت قصي البحيري فاهمة؟"
༺༻
تتسلل أشعة الشمس خلال زجاج النافذة فسقطت علي جفونه مما جعله يشعر بالضجر حينما بدأ يستيقظ، شعر بثقل في رأسه و ألم شديد، رفع يده و أخذ يلمس أثر الإصابة فشعر بالألم، حاول جاهداً أن يتذكر ما حدث بالأمس فانتفض و نهض يلتفت من حوله، وجدها تتمدد علي الأريكة المقابلة له، تحتضن جسدها و ترتجف من البرد الذي يبثه المكيف في أرجاء الغرفة، نهض واقترب منها ليلقي عليها الدثار ثم توقف يتأمل ملامحها وهي نائمة، مد يدهُ لكي يلمس خدها المياس، اتسعت عيناه حيث شعر بحرارة جسدها المرتفعة، خرج مسرعاً ولم يكترث إنه مازال ببدلة العُرسِ منذ الأمس، هبط الدرج وذهب إلي المطبخ، ألتفت الخادمة إليه بفزع تسأله:
"معلش يا أحمد بيه، حالاً و الفطار يكون جاهز"
قال لها باقتضاب دون أن يعقب على حديثها:
"عايز طبق في ميه و تلج"
تعجبت فسألته:
"هو مدام علا كويسة؟"
زجرها بنظرة تحذيرية قائلاً:
"مش عايز رغي، هاتي اللي طلبته منك"
أحضرت له وعاء بلاستيكي وداخله ماء ثم أفرغت داخله مكعبات من الثلج، أتت بها من مجمد البراد، حملته ومدت يدها به إليه:
"أتفضل يا أحمد بيه"
أخذه ثم أمرها من جديد:
"طلعي مع الفطار كوباية من أي مشروب دافي"
أومأت له وقالت:
"حاضر"
بينما هو أسرع في الحال للعودة إلي الغرفة، فوجدها مازالت في تلك الحالة التي تركها عليها، ذهب إلي الخزانة وتناول محرمة قطنية صغيرة، يغمرها في وعاء الماء المثلج ثم يعتصرها ويضعها فوق جبينها فانتفضت و تشبثت بيده دون دراية منها، تصدر من بين شفتيها همهمات لم يفهم منها شيئاً، أخذ يتناول قليلاً من الماء وينثره على خديها، و كذلك أيضاً يديها قام بتمسديها بخاصته داخل الوعاء، كل خمسة عشر دقيقة يضع مقياس الحرارة أسفل لسانها، و عندما وجد الحرارة تقل تدريجياً تنفس الصعداء، اعتصر المنشفة مرة أخري ثم توقف فجأة حينما تفوهت بصوت خافت للغاية لكنه انتبه إلي كلماتها جيداً:
"لاء يا أحمد، لاء، ابعد، أنا ما قتلتهوش، لا"
ابتسم و هو يضع يده علي أثر الجرح في رأسه يتذكر أحداث الأمس، فأدرك ماهية تلك الكلمات التي تتمتم بها دون وعي منها، تراجع عن تلك المشاعر المخترقة لفؤاده، دنا منها جالساً على ركبتيه، يهمس بالقرب من أذنها بوعيد:
"كنتي عايزة تقتليني؟، لما تفوقي و تشدي حيلك هعلمك الأدب علي إيدي"
اشتدت قبضة يدها على يده، رفع جانب فمه بابتسامة ماكرة، وضع طرف إبهامه فوق شفتيها فشعر بالدفء، اقترب بخاصته و أنفاسه تسبقه فوق بشرتها، تناول شفتيها و كأنه يتذوق حبة توت شهية، بدأت تستيقظ و تشعر بما يفعله بها، و إذا بها تدفعه بكل قوة عنها صارخة:
"أنت بتعمل إيه؟"
حاولت أن تنهض لكن التعب الذي يغلب على قوة جسدها، جعلها تشعر بدوار فجلست مرة أخري فاقترب منها وسألها بقلق:
"أنتِ كويسة؟"
رفعت وجهها و حدقت إليه بازدراء قائلة:
"هابقي كويسة طول ما أنت بعيد عني"
نظرة ساخرة يحدقها بها ثم أخبرها:
"أنتِ كان حرارتك عالية و جسمك بيترعش، مهنش عليا أسيبك في الحالة دي صعبتي عليا و عملت لك كمدات"
تري في عينيه نظرة أدركها قلبها لكن لا تريد أن تصدقها، ربما تخشي أن تقع في حبه، فهي لا تتمني التعلق بحبل ضعيف حتي لا تقع في الهاوية.
عقدت ما بين حاجبيها و عقبت بحدة:
"ياريتك كنت سيبتني أموت على الأقل هرتاح منك"
هو ليس بأحمق، يعلم إنها تحذر منه وتخشي أن تقع داخل شباكه، لذا اقترب منها مرة أخرى فدنا منها يستند بيده على المسند الجانبي للأريكة و يده الأخرى يضعها على وجنتها قائلاً بتهكم:
"أسيبك تموتي إزاي من غير ما أطلع عينك، و لا أسيب حق اللي عملتيه فيا إمبارح، ده أنتِ لسه هاتشوفي على أيدي أيام أسود من شعر راسك"
نظرت إليه بتحديٍ وتدفع يده عن وجنتها قائلة:
"و لا يهمني اللي أنت بتقوله ده أصلاً، أنا ما بخافش غير من اللي خلقني يا أحمد بيه"
ذكرت اللقب بنظرة ساخرة مما أثار حديثها غضبه الثائر، رأت ذلك داخل عينيه المشتعلة بألسنة اللهب، ظنت لوهلة إنه سوف يفتك بها حتي جاء طرق علي باب الغرفة أنقذها من شره، ذهب وفتح الباب وجدها الخادمة تدفع عربة يعلوها أطباق من الطعام:
"الفطار و المشروب اللي حضرتك طلبته يا أحمد بيه"
جذب العربة إلي الداخل فلاحظ فضول الخادمة التي حتماً هي من جواسيس والدته لتخبرها كيف هو الوضع، ألتفت إليها ونظر إليها بحدة ثم صفق الباب في وجهها، دفع العربة أمام علا و أمرها بحزم:
"الأكل ده يخلص و تشربي اللي عندك ده"
ذهب نحو الخزانة يخلع عنه قميصه و ألقاه على الفراش مردفاً:
"و بعد ما تخلصي، تقومي تنضفي الأزاز اللي على السرير، مطرح الإزازة اللي كسرتيها على راسي"
بعد أن سمعت كلماته انتبهت إنه يقف جذعه عارياً فوضعت كفيها علي وجهها، و حين استدار و رأي ما تفعله ضحك ساخراً فأخبرها:
"ما أنتِ و رايح لازم تتعودي، مش المفروض أنا أبقي جوزك؟"
أخذ ثياباً من الخزانة و اتجه إلي المرحاض فتوقف عندما أجابت:
"أنا لسه على كلامي ليك من إمبارح، على جثتي لو ده حصل"
في غضون لحظة كان يقف أمامها ويمسك بكلا يديها يدنو منها قائلاً بنظرة تهديد جعلتها ترتجف أمامه:
"هيحصل و حياتك، بس مش على جثتك، على السرير تحبي أوريكي؟"
دقات قلبها تعلو بخوف من نظراته القوية و التي تخبرها إنه لم يمزح بل يريد هذا كلما أبدت له رفضها، ازدردت لُعابها فأجابت:
"أنا...
اندفع الباب وظهر صغيرها يبكي مُردداً:
"ماما"
جذبت يديها من أيدي زوجها ونهضت لتعانق صغيرها و تربت عليه:
"بتعيط ليه يا حبيبي؟"
أجاب ببراءة من بين دموعه:
"الست دي وحشة مش بحبها، حبست حمزة و زعقت فيه و هو عايز ماما"
انتبهت إلي صوت جدته التي ولجت للتو تعقب بحدة:
"ولد، احترم نفسك و أتكلم عن جدتك باحترام، و لو كانت مامتك معرفتش تربيك و تعلمك، أنا اللي هعلمك زي تحترم اللي أكبر منك"
ذهب أحمد ليلتقط قميصه و يرتديه على عجالة، و بدون أن يلفت انتباه والدته ألقي سترة البدلة علي بقايا الزجاجة المحطمة، بينما علا رمقتها بامتعاض و تربت على ابنها فقالت للسيدة شيريهان:
"ده طفل صغير و قولت لحضرتك له ظروفه الخاصة، و فهمتك أكتر من مرة إنه ما يقدرش ينام بعيد عني، حضرتك صممتي و خدتيه يبات معاكي في أوضتك"
صاحت الأخرى بحنق:
"الكلام ده لحد قبل ما تتجوزي، الوضع دلوقت بقي مختلف، ابنك كبر و ما ينفعش ينام وسطك أنتِ و عمه و لو ما تفهميش في الأصول و الأتيكيت قولي لي و أنا أعلمك"
هنا تحدث أحمد وقال:
"علا بتتكلم صح يا ماما، و غير كدة الكلام ده بيجي بالتدريج مش من مرة واحدة"
حدقت إليه والدته بغضب و أجابت بسخرية:
"واضح أوي إن الهانم عرفت تأثر عليك و كلمتها هي اللي بتمشي"
أدرك ما بين كلمات والدته لاسيما عندما أخذت تنظر إلي قميصه و بنطال البدلة مازال يرتدي كليهما منذ الأمس، جز على أسنانه وينظر إلي والدته بسخط فقال:
"علا كانت تعبانة و حرارتها كانت مرتفعة، و أظن يا ماما اللي ما بيني و بين مراتي بيبقي خاص بيني و بينها، مش ده برضو موجود في الإتيكيت بتاع حضرتك يا شيري هانم؟"
تلون وجهها بألف لون ولون، و تلك النظرة التي في عينيها تذكره حينما كان هناك موقفاً مثل هذا منذ سنوات، شعر بخوف ليس منها بل على علا التي لا تدرك ما يحدث وتتعجب من ردة فعل زوجها، كذلك لهجة التحدي التي يحدثها بها، اكتفت والدته بالصمت و غادرت تاركة إياه أسير أفكاره.
༺༻
في داخل السيارة يجلس شارداً، يحمل من الهموم جبالاً، فهو إليهم الأخ الكبير و الحضن الدافئ، بينما قلبه أضناهُ الحزن من ما يحدث بينه و بين زوجته، كليهما يتشبث بالعند والتحدي.
بينما التي تجلس جواره تمسك هاتفها الذى تركته على الوضع الصامت، تنظر في شاشته كل فينه والأخرى تري الإتصال الوارد و لم تجب لأنها تعلم غاية المتصل.
توقفت السيارة أمام الشركة فأخبرها:
"أنزلي أنتِ و أنا هخلص مكالمة و جاي وراكي"
أومأت له قائلة:
"حاضر"
ترجلت من السيارة و تفتح حقيبة اليد التي تمسك بها لتضع داخلها الهاتف، و إذا بيد غليظة تقبض على عضدها بعنف، التفت إلي صاحبها بفزع فقال لها:
"كنتي فاكرة مش هعرف أوصلك!، و لا فكراني زي أمك اللي ضاحكة عليها و مفهماها إنك مسافرة تبع شغلك و أنتِ مقضياها من الشركة لبيت الراجل اللي بتشتغلي عنده يا..."
حاولت أن تجذب ذراعها في محاولة بائسة، فقالت بقوة زائفة:
"عايز مني إيه ما ترحمني بقي، أخر مرة قولت لك أنت بالنسبة لي ميت"
أثارت كلماتها غضبه فجذبها من شعرها بقوة قائلاً من بين أسنانه:
"بتتمني لي الموت يا بنت الـ...
و كاد يصفعها تقدم نحوه رجال الأمن بعد صياح قصى الهادر و ذلك بعدما أن رأي ما يحدث عبر النافذة فترجل على الفور:
"أمسكوه"
قبض عليه رجال الأمن، فاتجه نحوه قصى بخطوات سريعة وكاد يسدد له لكمة قوية فوقفت منار بينهما صارخة:
"لاء يا قصى، ده بابا"
تراجع عن ما كان مقبل عليه وأشار إلى رجاله أن يتركوه، فعقب والدها بتهكم:
"أيوه أبوها اللي مستغفلاه و راحت تمشي معاك في الحرام"
اندفع نحوه ليسدد له لكمة فأوقفه الحارسان بالقبض على ذراعيه قبل أن يهجم على قصى الذى أشار لهما قائلاً:
"سيبوه"
اقترب منه و حدق إليه بتحذير قائلاً:
"أنا لولا إنك طلعت والد منار كان هيبقي ليا معاك تصرف تاني، و على فكرة بنتك تبقي مراتي مش ماشية معايا في الحرام"
ابتسم الأخر بسخرية معقباً:
"هتلاقيك متجوزها عرفي طبعاً، بأمارة ما أنت مخليها مفهمة أمها وأخوها إنها مسافرة تبع الشغل"
أخبرته منار بدفاع عن اتهامه لها:
"أنا و قصى متجوزيين على سنة الله و رسوله، و مش محتاجة أثبت لك ده"
فسألها بنظرة ساخرة:
"و ليه أمك بتقولي إنك مسافرة و لا مش عايزاني أعرف إنك أتجوزتي رجل أعمال غنى"
لاحظ قصى نظرة الكراهية والخوف في آن واحد داخل عيناها تجاه والدها، لذا أمسك يدها ليجعلها تشعر بالأمان قائلاً:
"حضرتك لو عايز تتفضل تطلع معانا فوق نتكلم بكل أدب و احترام أهلاً بيك"
رد الأخر بفظاظة:
"أنا أصلاً مش جاي لك"
ثم نظر إلي ابنته وأردف:
"هي عارفة أنا عايزها في إيه"
يكفي افتضاح أمر والدها إلى هذا الحد أمام زوجها، اقتربت منه وهمست:
"ارجوك كفاية فضايح و هابعت لك اللي أنت عايزه"
أجاب بصوت خافت محدقاً إليها بخبث:
"ما كان من الأول، عموماً هاطلع جدع معاكي المرة دي، بس مقابل الجدعنة تحولي لي مليون جنيه"
غرت فاها ثم أخبرته:
"أنا مش معايا المبلغ ده"
"أنتِ هاتستعبطي؟، متجوزة راجل معيشك ملكة و مش معاكي مليون جنيه!، اتصرفي و يكون المبلغ متحولي في خلال أسبوع"
أجابت بهمس:
"حاضر، ممكن بقي تمشي"
"أنا ماشي بس لو المبلغ ما أتبعتش هاروح لأمك و أخوكِ و هما اللي هايتصرفوا معاكي، مع السلامة يا عروسة"
ثم نظر إلي قصى و لوح إليه بيده ساخراً:
"سلام يا جوز بنتي"
قالها و ذهب إلى السيارة التي كان يقودها، ولج إلى مقعد القيادة فانطلق بها.
༺༻
ترتدي زياً رياضياً و تمارس رياضة الركض في مسار دائري، توقفت حينما شعرت بالتعب، أخرجت هاتفها من جيب بنطالها الأبيض لتنظر في شاشة الهاتف فوجدت رسائل تخبرها أن أتاها اتصالات عديدة من رقم والدتها و والدها، لكن يبدو أن المكان الذى تركض فيه خارج التغطية، رفعت الهاتف قليلاً و ظلت تسير باحثة عن إرسال جيد لشبكة الإتصال حتى وصلت إلى المسبح، مازالت منشغلة بالتقاط الإرسال فلم تأخذ حذرها و أنزلقت قدمها على الحافة فاختل توازنها و سقطت في الماء.
كان هناك من يتابع هذا الموقف فنهض مسرعاً و خلع قميصه القطني ثم قفز لينقذها، حاول أن يحاوطها من خصرها ليدفعها إلي أعلى، فتفاجئ إنها تدفعه بقوة ليبتعد عنها أمسكت بالحافة وصاحت به:
"أنت مين عشان تسمح لنفسك اللي أنت عملته دلوقت ده؟"
نظر إليها بحنق قائلاً:
"تصدقي أنا غلطان، كنت سيبتك تغرقي أحسن"
شعرت بالضيق من أسلوبها الفظ بدلاً أن تبدي له الشكر والإمتنان فعلت النقيض، خرجت من المسبح وذهبت خلفه:
"لو سمحت، يا...
توقف والتفت إليها بامتعاض، تري الآن ملامحه بتمعن، يبدو إنه شاب في منتصف العقد الثالث ذو بشرة برونزية من تأثير أشعة الشمس، متوسط الطول وعريض المنكبين، يمتلك جسداً رياضياً، بينما هو الأمر لديه بنظرة خاطفة حفر ملامحها في عقله، ذات بشرة بيضاء وأنف دقيق و شفاه بلون التوت الأحمر، عينان يغلب عليهما نظرة الحزن برغم صغر سنها، ومض بريق عيناه ببريق ثم أطلق زفرة وأجاب:
"نعم؟، عندك حاجة نسيتي تقوليها لما كنا في الـ pool؟!"
هزت رأسها بالنفي ثم ابتسمت بخجل ونظرت إلي أسفل لتخبره:
"i'm sorry"
ابتسم بترحاب وأجاب بمكر:
"أنا ممكن أقبل الإعتذار، بس في حالة واحدة، نقعد نشرب حاجة في الكافيتريا و أنا اللي أعزمك"
ترددت في الإجابة فألتقط هذا التردد بعينيه ذات النظرة الثاقبة كطائر العُقاب، فأردف:
"لو قلقانة هما خمس دقايق و الكاڤيتريا هنا في النادي، يعني مكان عام"
شعرت بالحرج وفي النهاية قبلت الدعوة فقالت له:
"و هقلق من إيه، حتي لو في مكان private أنا واثقة من نفسي كويس"
أطلق صفيراً باعجاب ثم باغتها بتلك الإجابة:
"بس أنا شايف العكس، الثقة دي مجرد قناع بتخفي وراه ضعفك، شايف قدامي آنسة جميلة جداً جواها طفلة مفتقدة للأمان"
كلماته جعلتها ترتبك وكأنه كشف دواخلها وأصبحت شخصيتها عارية أمامه، همت بالذهاب وقالت:
"عن إذنك"
توقف أمامها ورفع كفيه:
"بعتذر لو كلامي ضايقك، معلش بقي شغلي بيغلبني كل ما أقابل حد"
رمقته بعدم فهم فأردف ويومئ لها:
"أنا عمرو المصري دكتور أمراض نفسية"
مد يده إليها فبادلته المصافحة وعقبت:
"لوچى البحيري"
༺༻
و في داخل المصعد تتفادى النظر إلى قصى وتمنع دموعها التي أبت الأسر داخل عينيها، يديها ترتجف بتوتر، و عندما وصل كليهما أمسك يدها حتى ولج إلى داخل المكتب، فأغلق الباب بعد أن دخلت، لم تتحمل أكثر من ذلك، ولت ظهرها إليه فأطلقت دموعها بغزارة، أخذ العلبة الخشبية الخاصة بالمحارم الورقية من فوق المكتب ثم اقترب منها ومد يده بها إليها، تناولت منها محرمة وأخذت تجفف خديها من عبراتها، ربت على ذراعها قائلاً:
"تعالي اقعدي هنا"
أشار إليها نحو الأريكة الجلدية فجلست أعلاها، عاد إلى مكتبه من أجل أن يتصل بالمسئول عن عمل المشروبات و يقول له:
"واحد ليمون بالنعناع و قهوة سادة"
أغلق سماعة الهاتف ثم ذهب ليجلس بجوارها، بدأ بكائها يخبو رويداً رويداً، يدرك حالة الإنهيار التي بها فسألها:
"حاسة بإيه دلوقتي؟، لسه عايزة تعيطي؟"
هزت رأسها بالنفي وأجابت بحزن دفين:
"أنا اللي جوايا أكبر من الدموع، كلمة بابا دي عمري ما حسيتها عشان أناديه بيها، كان و مازال على طول قاسي و أناني ما بيفكرش في نفسه، كنا آخر همه و ضيف على كدة أمي اللى أتعذبت و اتبهدلت منه و بسببه"
توقفت لتتناول محرمة و تجفف أنفها وتسطرد:
"عمري ما هنسي لما كنت بدافع عن ماما لما كان بيمد إيده عليها، يطردها برة الأوضة و يقفل الباب بالمفتاح و يخلع الحزام عشان ينزل بيه عليا و أمي تصرخ برة عشان يفتح و يسيبني، عمري ما هنسي لما يوم ما ماما جابت أخرها منه و وقفت قدامه وطلبت الطلاق، راح باع شقتنا بعقد و بتاريخ قديم، فجأة لاقينا عفشنا مرمي في مدخل العمارة، مافكرش فينا أنا و أخويا وأمي مصيرنا هيبقي إيه، المهم يكسرها ويذلها مش مشكلة إننا نتبهدل"
وضعت كلا كفيها على وجهها فاجهشت في البكاء من جديد قائلة من بين دموعها:
"أنا كل ما أحاول أنسي كل الذكريات دي يرجع ويخليني أفتكرها، و دلوقتي جاي يساومني يا أديله فلوس عشان يروح يسكر بيها و يلعب قمار يا إما هايروح يحكي لماما وأخويا علي جوازنا"
شعر بالشفقة والحزن حيالها لاسيما بعد أن علم تلك المأساة التي عاشت ومازالت تعيش فيها لتأتي مسألة زواجهما عاقبة وخيمة فوق رأسها، ربما قد نسي تماماً أمر عائلتها الذين لا يعلمون شيئاً و كيف سوف يتقبلون هذا الأمر، كارثة أخرى تلحق به وبها أيضاً.
اقترب منها وأخذ يربت علي ظهرها فأخبرها:
"حقك عليا أنا اللي ورطك في موضوع جوازنا و وعد مني هاقف جمبك ومش هاسيبك حتي بعد ما نطلق"
أنزلت يديها ورفعت وجهها ثم ألتفت إليه قائلة:
"هقولك على حاجة، أنا أول مرة ما أخافش حتي لما شوفت بابا النهاردة، لأن وجودك جمبي خلاني أحس بالأمان، حتي لما بعيط ما بحبش حد يشوف دموعي، لكن قدامك عيطت و بفضفض بحاجات عمري ما أتكلمت فيها مع حد عن حياتي الشخصية"
اندفعت نحوه وقامت بمعانقته مُردفة:
"ربنا ما يحرمني منك يا قصى"
تردد في أن يبادلها العناق وألا يستسلم إلى هوىٰ نفسه، فهي زوجته ويحق له ذلك، لكنه يحسب هذا خيانة لصبا التي تملك هذا الجسد بل قلبه وكل ما له رغماً من الذى حدث بينهما.
انتبه إلى حرارة جسده التي بدأت ترتفع و منار قابعة بين ذراعيه تلتصق بصدره، أبعدها عنه برفق ثم نظر إلي عينيها كم هي جميلة في ضعفها وقطرات دموعها متعلقة بأهدابها، شِفاها يشوبها رجفة طفيفة من أثر البكاء، بينما هي لم يكن الأمر يمر بالنسبة إليها كمرور الكرام، فأمامها رجل أربعيني يملك من الوسامة و شيم الرجال ما يجعلها و يجعل الأخريات يقعن في حبه، لكن حبها له من نوع أخر، فهي قد حسمت هذا الأمر باكراً لأنها تعلم كم يعشق زوجته و من المستحيل أن يحب إمرأة سواها، لذا لن تتمسك بأهداب واهية.
أغمض عينيه واكتفي بطبع قبلة على جبينها، يجاهد نفسه بشق الأنفس، حتى لا يرتكب فعلاً يجعله يندم لاحقاً.
قاطع تلك اللحظة رنين هاتفه و كأن هذا الإتصال جاء لينتشله من الوقوع في الخطأ.
نهض سريعاً وأجاب:
"وصلت؟"
أجاب الأخر:
"يعتبر داخلين على المكان"
"طيب لما تخلصوا ابقي طمني"
رد الأخر باقتضاب:
"حاضر، سلام"
"سلام"
༺༻
تقف على الرصيف لدي العنوان الذي قرأته للتو في الرسالة، تتلفت من حولها باحثة عن سيارة شقيقها ومعه رجاله كما أتفق معها في الأمس، لم تجد شيئاً فحاولت الإتصال على شقيقها قبل أن تخبر (زيكو) إنها في انتظاره لكن لم تتلق رداً منه، شعرت بالقلق والوقت على وشك أن ينفذ، فقررت أن تعود إلي داخل السيارة التي أتت بها إلى هذا المكان.
"على فين العزم إن شاء الله؟"
تسمرت في مكانها حينما سمعت صوت هذا الوغد فالتفت إليه و تزدرد ريقها بتوتر وخوف، كان داخل (توكتوك) فترجل منه مرتدياً نظارة شمسية و قبعة (كاب)، أظهر لها جزء من مُدية يحملها داخل جيب بنطاله وقال لها بأمر:
"يلا قدامي"
لم تتحرك إنشاً واحداً وتنظر إليه بخوف دون أن تتحدث بحرفٍ واحد، لوح لها بيده قائلاً:
"هاتفضلي واقفة كدة كتير، ما تنجزي الراجل وراه مشاوير غيرنا"
لاحظ يدها ترتجف فاردف ورفع يده ليمسك بخاصتها:
"أنتِ لسه بتفكري...
وقبل أن يلمس يدها أطاحت يده ركلة قوية وتبعها لكمة شديدة في وجهه، ترجل سائق التوكتوك ليدافع عن صاحبه فوجد رجل أخر يباغته بلكمة جعلته يقع على الأرض، أمسك هؤلاء الجدران البشرية كلا من زيكو و السائق ينتظرون الأمر.
و لدي ملك فمن رعب وهول ما يحدث لم تشعر بأطرافها، تراجعت إلي الوراء بخوف وذعر حتى اصطدمت بجدار صلب، أتاها صوت رخيم من خلفها مباشرة يلقي الأمر على رجاله:
"خدوهم على العربية"
ألتفت على الفور للتأكد من صحة سمعها، و ما أن تلاقت عينيها بخاصته الرمادية، جفت الدماء في عروقها، لم تستطع أن تستوعب تلك الصدمة وتصمد أكثر من ذلك، داهم الخدر ساقيها، وقبل أن تقع تلقاها بين ذراعيه ثم حملها إلى سيارته.
༺༻
قامت بفتح تطبيق التواصل الإجتماعي فظهر أمامها أول منشور على الصفحة الرئيسية صورة تجمع بين يونس وكارين و يعلوها تعليق "و قد عادت روحي إلى جسدي"، ابتسمت وشعرت بسعادة وفي الحال بدأت بكتابة تعليق تهنئة
"ألف مبارك يا كوكي وربنا يجمعكم ديماً على خير بإذن الله"
وبعد انتهائها من نشر التعليق قامت بالضغط على أحببت، نهضت وذهبت باحثة عن زوجها لتخبره:
"آدم؟، دومي؟"
ولجت إلى داخل الغرفة فوجدته نائماً بجوار ابنه، قامت بالقاء الدثار فوقهما ثم دنت من صغيرها الذي أصبح يشبه والده تماماً في الملامح والطباع، وكذلك وضعية النوم وكأنه نسخة صغيرة منه، ابتسمت وأخذت تردد بعض الأدعية ثم دنت نحو خده وقامت بطبع قبلة حانية وأخرى فوق خد زوجها الذي يغط في نوم عميق، كادت أن تغادر الغرفة لكن أوقفها ضوء هاتف زوجها يبدو إنه قد وقع من يده بجوار السرير، أمسكت به ولاحظت إشعارات على شاشة القفل، مكالمات لم يرد عليها ورسائل نصية واردة، خرجت دون أن تصدر صوتً، ولجت إلي الغرفة الأخري ترددت أن تفتح الهاتف فهي لم تفعلها من قبل، لكن هناك شعور يراوضها ويخبرها حدسها أن تُلقي نظرة، قامت بفتح الرسائل وكان فحواها كالآتي
«كنت مبسوطة أوي لما شوفتك إمبارح، ماتنساش العيد ميلاد هستناك»
و رسالة أخرى سابقة تم الرد عليها منه، فقامت بتمريرها لقراءة المحادثة من البداية وكانت كالتالي:
"هاي دومي أنا روڤان، يوسف حبيبي عامل إيه؟، يارب تكونوا بخير"
رد آدم:
"أهلاً روڤان، أنتِ جيبتي رقمي منين؟، الحمدلله كلنا بخير، شكراً على سؤالك"
"لما أكون عايزة أعرف حاجة بوصلها"
"(رمز تعبيري وجه ضاحك)، ما هو واضح، أنتِ مش ساهلة"
"(رمز تعبيري لوجه يغمز بعينه)، إيه عجبتك؟"
"روڤان أنتِ زي القمر و أي حد يتمناكي"
"أنا مش عايزة أي حد، أنا عايزاك أنت،؟، ما بتردش ليه؟، أنا هكلمك فون؟"
خرجت من المحادثة بعد أن حفظت توقيتها بالتاريخ والساعة، انتقلت إلى سجل المكالمات فوجدت رقم هاتف روڤان ومكالمة واردة استغرقت ساعة بعد توقيت المحادثة مباشرة.
ارتمت جالسة على طرف الأريكة، تسند كلا مرفقيها على فخذيها وتشبك يديها وتسند ذقنها فوقهما ،لم تشعر بمن دخل للتو يسألها عندما رآها في ذلك الوضع:
"مالك يا خديجة قاعدة كدة ليه؟"
ترددت في بادئ الأمر أن تخبره بما علمته، لكنها لا تريد أن تعطي للشك عنواناً لدرب فؤادها، فهي تود أن تسمع الحقيقة من شفتيه وليس من الوساوس التي تهاجم دواخلها.
نهضت ووقفت أمامه، توجه شاشة هاتفه أمام عينيه وسألته:
"إيه ده؟"
لعن نفسه داخل عقله إنه قد نسي أن يمسح تلك الرسائل لكن تظاهر بالهدوء وأجاب لتجنب حريق على وشك الإندلاع:
"دي روڤان و زي ما قرأتي كدة هي اللي كلمتني الأول، وكلامي كان معاها مختصر"
جزت على شفتها حتى لا تفقد صبرها وعقبت بتهكم:
"أيوه فعلاً ردك عليها كان مختصر في الكتابة لكن الكلام لما أتصلت عليك كان مختصر برضو لمدة ساعة، أومال لو كنت طولت كنت كلمتها طول الليل؟!"
لم يتقبل أسلوب حديثها المتهكم حتى لو كان مخطئاً فأجاب:
"واضح إنك فتشتي في الموبايل بضمير، مش بتهيئلي التجسس على خصوصية غيرك حتى لو كان جوزك يبقي حرام و لا إيه؟"
رفعت إحدى حاجبيها بسخط فهو الآن يقلب الموقف لصالحه، لكن بفطنة ودهاء أخبرته:
"أيوة حرام بس لو كانت الحاجة دي تخص حد غيرنا، لكن مفيش حاجة اسمها خصوصية بيني وبينك وخصوصاً لما تبقي حاجة هتخرب عايزة تخرب بيتنا"
أطلق زفرة عميقة، يعلم إذا دخل معها في جدال سيكون هو الخاسر لا محالة، لذا قال لها:
"أطمني يا خديجة، مفيش حاجة من اللي في دماغك و أنا عرفت أوقفها عند حدودها، و لا هي و لا غيرها تقدر تخرب بيتنا ولا أنا أسمح بكدة، خلي عندك ثقة فيا"
ابتسمت بسخرية فقالت:
"أعيدها لك للمرة الألف، أنا عندي ثقة فيك لكن معنديش ثقة في اللي حواليك، وأنت أصلاً تدي مجال للست دي إنها تقرب منك ليه؟!، دي فتنة وبلوة و أنا وأنت عارفين غرضها كويس"
أجاب من بين أسنانه:
"و أنا بقولك أنا مش عيل صغير يضحك عليه"
لم تكن قادرة أن تتحمل أكثر من ذلك فصاحت بصوت مرتفع غاضبة:
"اللي أعرفه أول ما كانت بعتت لك من البداية كنت عملت لها بلوك، إلا بقي كلامها جاي على هواك وعجبك وهي كمان عجباك؟!"
حدق إليها بصدمة ثم قال محذراً إياها:
"بلاش تقولي كلام ممكن تندمي عليه بعدين"
ابتعدت وجلست على طرف الفراش ثم أخبرته دون مقدمات:
"أنا عايزة أسافر"
رد ببرود وبلا مبالاة:
"لسه فاضل يومين ونسافر"
نهضت مرة أخري وصاحت بإصرار:
"و أنا بقولك عايزة أرجع للقصر، ولا ناوي تحضر عيد ميلاد روڤان هانم؟"
وجد أن الأمر لم يعد يُحتمل أكثر من ذلك، فأخبرها بأمر:
"قومي حضري الشنط عشان هانمشي دلوقتي"
༺༻
ونعود إلي هذا المنتظر داخل سيارته، حيث توقف في مكان هادئ يخلو من المارة، ينظر إلى التي فقدت وعيها ومستلقية بجواره، ينتظرها ريثما تستيقظ، يتذكر ما حدث منذ أيام وذلك بعد اليوم الذي رآها داخل الكافتريا المقابلة للنادي، ومنذ هذا الوقت شعر بتغيرها و كثيراً تكون شاردة، فهو يفهم ما يدور داخل عقلها من نظرة عين واحدة، سألها عدة مرات بأسلوب غير مباشر فلم يجد منها سوي التهرب والكذب، فتركها حتي تأتي بمفردها و تحكي، لكن قامت بسرد له أحداث يعلم جيداً هي من حدث معها ذلك وليست صديقتها كما أدعت، و عندما سألها فوجد منها الإنكار، لم ينطلِ عليه الأمر فوجد أن عليه إكتشاف ما يحدث بنفسه ربما هناك خطر يحوم حولها، فبدأ بالبحث أولاً في هاتفها دون أن يعيقه الرقم السري الذي علمه بسهولة، فتاريخ ميلاده المفضل لديها، رأي رسائل التهديدات فقط و لم يتمكن من رؤية الدردشة التي قامت بإزالتها سابقاً، وفي اليوم التي جاءت إليها صديقتها تظاهر إنه ذهب إلي الشركة لكنه عاد وقام بفتح الباب دون أن يشعرا به واستمع إلي كل ما أخبرت به صديقتها، حينها شعر بالضيق و الغضب، كيف يصل بها الأمر إلي أن تصبح حمقاء وأعطت إلي هذا المحتال فرصة ذهبية لإبتزازها واستغلالها؟!، كيف لها أن تفشي أسرارهما الخاصة بينهما رغماً من تحذيراته المتكررة لها و نهيه الدائم لها أيضاً حول هذا الأمر؟!
و أختتمت الكارثة بذهابها إلي شقيقها الأكبر لطلب المساعدة منه وكأن زوجها لا وجود له و ليس حقه أنه من يحميها.
مشهد سابق...
بعد أن أنطلق السائق بالسيارة التي بداخلها ملك، كانت هناك سيارة أخري تقف بمسافة ينتظرها صاحبها أن تغادر ويدخل إلى المكان، فاستقبله الحراس بترحاب وكأنهم يؤدون تحية عسكرية له:
"أهلاً وسهلاً يا مصعب باشا"
أومأ إليهم بشبه ابتسامة وظل يقود إلي أن وصل أمام باب القصر فترجل من السيارة، قام بالاتصال علي قصى وأخبره إنه ينتظره في الحديقة، جاء الأخر واستقبله بترحاب وطلب منه الدخول إلي القصر لكنه أبي بلباقة قائلاً:
"خليها مرة تانية، أنا جاي أتكلم معاك خمس دقايق و ماشي علي طول"
عقد قصى ما بين حاجبيه وتظاهر بعكس ما جاء إليه الأخر وكلاهما يفهم الأخر جيداً فسأله:
"حصل حاجة في الشغل؟"
"الشغل ماشي تمام الحمدلله، بس أنت فاهم أنا جاي لك في إيه كويس"
أشار إليه الأخر بأن يجلس علي المقعد الخشبي:
"أقعد بس الأول أطلب لك حاجة تشربها"
كاد ينادي علي الخادمة فأوقفه مصعب قائلاً:
"بالله عليك أنا مش قادر أشرب حاجة، و لو عايز هطلب من غير ما أنت تطلب لي، أنا مهما كان في بيت أخو مراتي اللي في مقام أخويا"
اومأ إليه وأخبره:
"ربنا يعلم أنا بعتبرك زي أخويا ويوم ما بلجأ لمساعدة بتكون أنت في ضهري على طول"
"و هنفضل طول عمرنا ضهر وسند لبعض، و عشان الغلاوة و المَعزة اللي ما بينا جاي أقولك موضوع ملك أعتبر نفسك ما عرفتهوش"
أراد أن يطمئن علي شقيقته فسأله ليزيح القلق من داخل قلبه:
"هو أنت عرفت إزاي و لا ناوي علي إيه بالظبط عشان أبقي فاهم؟"
أومأ مصعب بعينيه ثم أجاب:
"أولاً عيب لما تسألني عرفت إزاي و أنت بنفسك بتكلفني بأي مهمة جمع معلومات، ثانياً بقي والأهم مش أنا اللي تخاف منه علي أختك، ملك أنا شيلتها علي أيدي بعد ما أتولدت، أتربت قدام عيني و كبرت لحظة بلحظة، لحظات الحزن والفرح كنت شريكها فيها، أنا أمانها وظلها اللي عمره ما فارقها و لا لحظة، ملك من قبل ما تنطق بكون عارف هتقول إيه"
ابتسم بسأم وأردف:
"ملك قبل ما تكون مراتي هي بنت قلبي وروحي اللي عايش بيها، تخيل بقي لما روحك تخذلك وبعد ما كنت أمانها وملجأها تكون خايفة منك"
أطلق الأخر تنهيدة، فهو يشعر به رغماً من اختلاف فعل زوجة كل منهما
"أنا واثق طبعاً عمرك ما هتأذيها ومن غير ما تقول أي حاجة، أنا عارف ملك هي إيه بالنسبة لك و أنت كمان إيه بالنسبة لها، و حكاية إنها لجأت لي ده معناه خايفة أنها تخسرك، معاك إنها غلطانة والحمدلله إنها أتكلمت في الوقت المناسب، أختي إسم علي مسمي حتي في طبعها عشان كدة وقعت في فخ حتة عيل نصاب"
"أنا بقي جاي أقولك الواد ده سيبه لي، أنا كفيل إن هاخد حق مراتي بنفسي، وأنا أقسم بالله هخليه يدعي على نفسه ليل ونهار إن ربنا ياخد أجله عشان يرحمه من اللي هايشوفه مني"
أخبره الأخر:
"أنا أتفقت معاها إنها تقابله في الميعاد والمكان اللي يحدده و كنت ناوي أعمله كمين"
أومأ له مصعب بثقة قائلاً:
"اعتبره حصل"
فسأله مرة أخري عن هذا الأمر ليطمئن قلبه:
"طيب وملك؟"
ألتزم الصمت وكأنه يصارع ما في داخل رأسه من قرارات جميعها يحتاج إلي التحمل والصبر!
عودة إلي الوقت الحالي...
ينظر إليها بوجه بارد كالجليد خالياً من المشاعر رغماً من الغضب الكامن داخله كبركان يوشك أن ينفجر، و قبل حدوث هذا الإنفجار أنطلق بالسيارة.
༺༻
و في داخل السيارة ألتزم كليهما الصمت لاسيما بعد أن فضلت الجلوس في المقعد الخلفي بجوار صغيرها الذي يغط في النوم، تنظر إلي زوجها كل فينة والأخرى من خلال المرآة الأمامية تجده متجهم الملامح.
قاطع هذا الصمت الرتيب رنين هاتفه، نظر إلى شاشة هاتفه ورأي المتصل شقيقه فأجاب:
"ألو يا يونس أخبارك إيه؟"
أجاب شقيقه على الجانب الأخر لديه:
"الحمدلله يا أدوم، هترجعوا أمتي من الجونة؟"
رد آدم باقتضاب:
"إحنا في الطريق"
"أنتوا لحقتوا مش قولت أنكم هتقعدوا عشر أيام هناك؟"
نظر إلي خديجة عبر المرآة بامتعاض ثم رد على شقيقه:
"أهو اللي حصل بقي"
"ترجعوا بالسلامة، عموماً أنا هعمل حفلة بمناسبة رجوعنا أنا وكارين وهانتجمع كلنا فيها إن شاء الله"
انتبه إلي الخبر السعيد الذي تفوه به شقيقه للتو فقال بفرح:
"إيه ده حصل أمتي؟"
"إمبارح وقبلها حصل حوار لما تيجي هابقي أحكي لك عنه"
"إن شاء الله، ألف مبروك"
"الله يبارك فيك، ماتنساش بقي هستناك، هابعت لك لوكيشن المكان علي الواتس"
"إن شاء الله هنيجي"
"هقفل معاك بقي عشان تركز في الطريق، سلام عليكم"
ردد التحية وأنهي المكالمة فأخبرها دون أن ينظر أو يلتفت إليها:
"يونس وكارين رجعوا لبعض"
أجابت باقتضاب:
"عارفة"
هنا نظر إليها وسألها معاتباً:
"و ليه مقولتليش؟، و لا أنتِ مش بتفتكري غير اللي على مزاجك؟!"
رمقته بامتعاض و لم تعقب علي كلماته، أكتفت بالتحديق إليه بامتعاض وقالت بوعيد داخل عقلها:
"أنت لسه شوفت حاجة، حسابي معاك لما نرجع إما وريتك مابقاش أنا خديجة"
༺༻
فتحت عينيها فبدت الصورة إليها في البداية غير مرئية جيداً حتى أصبحت لديها الرؤية واضحة تماماً، افترقت أهدابها باتساع حينما رأته جالساً بجوارها في صمت يرعبها أكثر من إذا تحدث.
نهضت واعتدلت تنظر إلي الأمام ثم إلي الأسفل لتتهرب من النظر إليه، تشعر بكم من الحرج والخجل والخوف أيضاً.
تحدث أخيراً و قال لها بأمر:
"لفي وشك ناحيتي و بصي لي"
اطاعت أمره لكن مازالت غير قادرة علي النظر إليه
"للدرجدي مش قادرة تبصي لي و لا غلطاتك وكذبك عليا مخلينك محرجة ومش قادرة ترفعي عينك في عيني؟!"
لاحظ رجفة يديها وجسدها، نذير له إنها علي مشارف البكاء، أجابت بصوت خافت يكاد يسمعه بصعوبة:
"أنا آسفة"
نظر أمامه ويقبض على عجلة المقود بغضب لم يظهره حتي الآن، ردد بتهكم:
"آسفة!، علي إيه و لا إيه بالظبط؟، على إنك ما بتسمعيش كلامي لما بحذرك عن حاجة عارف هاتكون نهايتها فيها أذى ليكي و ده من دافع خوفي عليكي، و لا آسفة على أسرارنا وخصوصيتنا اللي بقت علي العلن عند حتة عيل و... كان هينزلها لك إسكرينات؟!، و لا على كذبك كل ما أسألك وأقولك مخبية حاجة عني تقولي لي لاء وأنا من غير ما أبص لك حتى عارف و واثق إنه فيه حاجات، لاء وختمتيها بمرواحك لأخوكي عشان ينقذك ويجيب لك حقك، كأن ملكيش راجل"
ضرب قبضته في المقود فافزعها وانتفضت، ألتفت إليها وأردف من بين أسنانه باختناق من كبت غضبه الذي يشبه النيران التي لو أطلقها لتحرقها حية حتي تصبح رماداً تبعثره الرياح:
"كنتي ناوية تخلي قصى يحل لك الموضوع و أنا أفضل زي الأهبل ما أعرفش اللي بيحصل معاكي؟!"
و ها هي لم تتحمل عتابه القاسي فاجهشت في البكاء وقالت:
"كنت خايفة منك، و خوفت أخسرك"
أمسك طرف ذقنها ورفع وجهها ليجبرها على النظر إليه رغماً عنها فقال:
"أنا كان ممكن أسامحك لو كنتي جيتي لي من البداية"
صاحت بدفاع عن نفسها من بين بكائها:
"أنت السبب، أنت على طول أعملي يا ملك و ما تعمليش، كأني عيلة صغيرة والنتيجة خلتني بقيت شخصية مهزوزة مش عارفة تاخد أي قرار، خوفك وغيرتك الزيادة
، قفلتك عليا من العالم الخارجي بدافع الخوف خلتني زي ما أكون طفلة صغيرة خلتني بقيت واحدة ساذجة بتتعامل بطبيعتها من غير ما تاخد حذرها"
تلتقط أنفاسها وشهقاتها المتلاحقة جعلتها تتوقف للحظات ثم أردفت:
"كنت هقولك اللي حصل معايا وحبيت أختبر ردة فعلك، بعد ما كنت قريبة من الإعتراف بخطوة، كلامك و ردة فعلك خلتني أتراجع ألف خطوة لورا، أنا غلطانة وندمانة، بس قبل ما تحاسبني حاسب نفسك الأول، لأنك السبب في اللي أنا وصلت له"
عقب بسخرية و بعد أن حسم قراره:
"ما أنا فعلاً غلطان وسبب كل اللي وصلتي له، عشان كده هريحك مني"
انتفضت في مكانها فسألته بتوجس:
"أنت تقصد إيه؟"
رفع جانب فمه بابتسامة ساخرة وأجاب:
"هاتعرفي بعدين"
قام بتشغيل محرك السيارة، و قبل أن يبدأ بالقيادة وضعت يدها على يده تسأله بوجه شاحب:
"أنت هطلقني؟"
حدق إليها بنظرة قاسية ولم يتأثر بعبراتها التي تمزق الأفئدة حزناً عليها، فأجاب بدون تردد وكأنه قد حسم أمره من قبل:
"أنتي طالق"
شهقت بقوة حينما استيقظت من هذا الكابوس المرعب، تتلفت يميناً ويساراً فوجدت إنها تتمدد على فراش ليس بغريب، أخذت تتأمل ما حولها فرأت إنها على مضجعها فى غرفتها داخل قصر البحيري، نهضت وتشعر بالخدر في أطرافها، استندت على كل ما يقابلها حتى وصلت إلي الباب فوجدته يُفتح و تظهر منه السيدة سميرة مربيتها، تحمل صينية طعام:
"حمدالله على السلامة، كويس أنك صحيتي عشان تاكلي"
لم تكترث إلي ما تفوهت به على قدر إنها سألتها بقلق وخوف:
"أنا جيت هنا إزاي؟"
تركت الأخرى الصينية أعلى المنضدة ثم ألتفت إليها وأجابت:
"اللي جابك مصعب بيه وطلعك لحد هنا، ومليكة و نور بيلعبوا فى الجنينة تحت ومبسوطين"
سألتها بتوجس من ما يخبره به حدسها للتو:
"مصعب فين؟"
نظرت إليها الأخرى بحزن وأجابت:
"هو قالي إنك تعبتي عشان كدة جابك هنا، و بعد ما أطمن عليكي مشي وقالي إنك والبنات هاتفضلوا قاعدين هنا فترة كبيرة لأنه مسافر تبع شغل"
شعرت بغصة توقفت في حلقها و دقات قلبها تتسارع، أخذت تبحث عن هاتفها وقامت بالاتصال به، تلقت رسالة مسجلة تفيد أن هذا الرقم مغلق أو غير متاح.
و فى تلك الحين أدركت إنه ها قد شرع في تنفيذ أشد أنواع العقاب قسوة و هو الابتعاد عنها دون أن يعطي لها حق الدفاع عن نفسها....
الفصول العشرون
الجزء الثالث
لقراءة الجزء الاول جميع الفصول
لقراءة الجزء الثاني جميع الفصول
الفصل العشرون
🐺 غابة الذئاب «ما بعد العهد» 🐺
"الجزء الثالث من رواية صراع الذئاب"
بقلم: ولاء رفعت علي
يزداد الشعور بالندم بزيادة حجم الخطأ الذي تم ارتكابه أو بسبب سوء النتائج المترتبة على ذلك الفعل أو القول، مما يؤدي إلى شعور بعدم الرضا وتأنيب الضمير، فالتراجع عن الإثم لا يكفي لمحوه، وإنّما الندم وحده هو الذي يُطهر القلوب ويهيىء النفوس للتوبة النصوح.
في داخل مكان يشبه المرآب يعم الظلام الدامس وصوت قطرات ماء تتساقط داخل الدلو، تسبب التوتر واضطراب لدى هذا المُقيد بحبل قوي يلتف حول جذعه و ركبتيه و قدميه وحبل أخر يجعله ملتصقاً بعمود خرساني، يأن من فرط الألم الذي يشعر به في أنحاء وجهه المصاب بالكدمات المبرحة أثر اللكمات القوية التي سددها له الرجال ريثما يأتي كبيرهم، فقد وصل للتو وعزم على الإنتقام من هذا الذي تجرأ وسولت له نفسه أن يُهدد زوجته وطلب منها ما جعل الأخر يريد أن يفصل رأسه عن جسده أو يمحو له لقب رجلاً.
يردد بصوت يخرج من بين شفتيه التي اختفت معالمها من الدماء المتساقطة من فتحات أنفه:
"ميه، أنا عايز ميه، هاموت"
انتفض بذعر حينما صدح صوت مصعب الذي ولج للتو ورأي مظهر هذا المجرم:
"هو أنت لسه شوفت حاجة"
أشار إلي أحد رجاله نحو الدلو، فذهب وحمل الدلو ليعطيه إياه، فقام مصعب بكل قوته دفع المياه علي زيكو الذي شهق وكأنه يغرق داخل دوامة، أردف الأخر بصوت جهوري:
"عامل نفسك واحدة وتدخل للستات والبنات عشان تهكر موبايلاتهم وتمسك عليهم اسكرينات وصور؟!، أنا بقي هخليك لا منك راجل و لا منك ست"
اقترب منه وبكل قوته وعزمه ركله أسفل الحزام، شعر الأخر بأن روحه تكاد تغادر جسده من فرط الألم، ألتفت مصعب إلي أحد رجاله وأمره:
"روح هات لي الواد اللي كان معاه"
أجاب الأخر:
"أمرك يا باشا"
و بعد أقل من دقيقة دخل رجلان يقيدان سائق التوكتوك الذي يحاول بكل ما أوتي من قوة أن يفلت من قبضتهما، يصيح بتوسل:
"وربنا ما عملت حاجة، أبوس إيديكم سيبوني"
قاما بتقيد يديه معاً خلف ظهره ثم ألقيا به علي الأرض أمام مصعب الذي رمقه بنظرة قاتلة جعلته ألتفت مرغماً نحو زيكو ورأي حالتة المُزرية فأرتجف وبلل سرواله في الحال من الخوف أن يلقي نفس مصير الأخر، صاح ببكاء:
"والله العظيم ما عملت حاجة يا باشا، أنا كنت سايق التوكتوك بس ومكنتش أعرف إنه هيخطفها، كل اللي قاله لي إنه هيقابل واحدة من إياهم وهياخدها معاه علي شقة واحد صاحبه، وربنا ده اللي حصل و أكتر من كدة ما أعرفش حاجة"
لم يعد لدي زيكو و لو القليل من القوة أن يتلفظ بحرفٍ واحد، فقد أصبح مثل الخرقة البالية.
ظل مصعب ينظر في صمت إلي السائق والخبرة التي يملكها من علم الفراسة أدرك صدق هذا الشاب، دنا منه وقبض علي تلابيب قميصه فسأله:
"و فين الشقة دي؟"
نظر أولاً زيكو ثم عاد ببصره إلي مصعب ليخبره دون تردد خوفاً من ما يمكن أن يحدث له:
"هو أتفق معايا أوصله في دار السلام في شارع... تاني بيت من أول حارة متفرعة منه"
أمر مصعب رجاله:
"فكوه و خلوه يمشي "
ثم نظر إلي الشاب ورمقه بتهديد قائلاً:
"تمشي أخرس و أعمي، عشان لو جبتك هنا تاني هاتحصل صاحبك"
أومأ له الشاب بتأكيد:
"تمام يا باشا"
أخذ الرجال هذا الشاب و غادروا المكان، بينما مصعب تذكر أمر هاتف زيكو الذي أخذه منه حين قبض عليه و جعل رجاله يأتوا به إلي هنا، أخرج الهاتف وحاول فتحه فوجده ببصمة أصبع الأخر، اقترب منه و أمسك بيده اليمني المقيدة، أمسك بإصبعه السبابة وتمكن من فتح الهاتف، أخذ يتصفح الرسائل و ملفات الصور فوجد أن زوجته ضحية من ضمن مئات الضحايا الذي نهب منهم الكثير من الأموال تحت سطوة التهديد والابتزاز.
"كل عشر دقايق ترموا عليه جردل مايه وتشغلوا المروحة العمود وتسلطوها عليه لحد ما أرجع له"
ظل يصرخ بأنين خافت وإحدى الرجال يحمل مروحة كبيرة وقام بوضعها أمامه مباشرة فقام بتشغيلها وهوائها البارد مع الرطوبة المحيطة به جعلته يشعر وكأن ثلوج تخترق خلايا جلده وتنخر عظامه فتسبب له رجفة قوية ومستمرة، تركه مصعب وذهب مع رجاله إلي العنوان الذي علمه من السائق.
و بعد أن وصل قام بمداهمة المنزل فوجد شاب آخر والذي ألتقط صور لزيكو وملك عندما قامت بمقابلته.
انتفض الشاب من أمام الحاسوب وتراجع إلي الوراء بخوف، أدرك إنهم في الحال من طرف ملك، رفع يديه في استسلام وأخبرهم:
"هقولكم علي كل حاجة"
أخذ يسرد إلي مصعب ما يفعله صاحبه وكيف يحتال و يبتز ضحاياه من الفتيات والسيدات، و كان دائماً يحذره من ما يرتكبه لكن الأخر لم يستمع و لا يكترث بل تمادي في جرائمه.
علم مصعب أيضاً منه أن هذا الحاسوب عليه كل ما يُدين زيكو من أفعال شنيعة قام بها، فقام بفك وحدة التشغيل المركزية وأخذ منها وحدة التخزين(Hard disk)، أخذ الشاب وغادر المكان ثم تواصل مع الضحايا فأجاب بعضهم وخشي البعض الأخر من الفضيحة.
و في داخل قسم الشرطة يجلس مصعب أمام مكتب الضابط الذي علي معرفة شخصية لديه، سرد للضابط كل ما حدث لكنه قبل مجيئه إلي قسم الشرطة قام بمسح صور زوجته الخاصة لاسيما تلك الصورة التي ترتدي فيها ثياب البحر العارية، لكنه ترك صور المحادثات كما هي.
نظر الضابط إلي زيكو الذي مازال يرتجف ويستند إلي الحائط، وجهه لا يوجد به معالم واضحة من الكدمات والدماء النازفة.
عاد بالنظر إلي مصعب وقال له:
"مكنش فيه داعي إنك تضربه و إحنا كنا هانتصرف معاه"
حاول مصعب تمالك أعصابه و ألا يغضب، فقال له:
"حقي وحق مراتي حاجة و حق القانون حاجة تانية، يعني كويس إن سلمته لك و هو لسه فيه الروح"
لم يجد الأخر رداً وهذا بعد أن علم بكل شئ و استمع إلي شهادة صاحب زيكو و إلي أقوال الضحايا، فأي رجل لن يتحمل أن تتعرض زوجته كما حدث مع ملك التي كانت أقل ضحية ضرراً، فهناك ضحايا وصل هذا المحتال به الأمر أن يستدرجهن إلى وكره ليعتدي عليهن عنوة وتصوير كل منهن في أوضاع مخلة ويبدأ في تهديده لهن، الصور والفيديوهات مقابل مبالغ مالية وألا الفضيحة.
أقر الضابط بحبس المتهم حتي الانتهاء من التحقيق و فرز محتويات هاتفه ووحدة التخزين الخاصة بحاسوبه و من ثم ترحيله إلي النيابة العامة.
بمجرد أن خرج مصعب من المخفر قام بالاتصال على قصى و أخبره بكل ما حدث كما أخبره أن ترك زوجته وابنتيه مع أشقائه في القصر، فإنه قد فضل الابتعاد في الوقت الحالي ريثما يهدأ من روعه حتي لا يقدم علي فعل أو قول مع زوجته يندم عليه لاحقاً.
༺༻
ولج من باب الشقة إلي الداخل للتو فالوضع يبدو هادئاً فتوقع صغاره نائمون لكن ضوء شاشة التلفاز ألفت انتباهه، ذهب ليري من الذي يجلس أمامه فوجدها هي من تتمدد فوق الأريكة ويتوسد ذراعها سيف أصغر ابنائه، تناول جهاز التحكم واطفأ التلفاز، حمل الصغير بروية وذهب به إلى داخل غرفة أشقائه فوضعه في مهده ذو الجوانب المرتفعة ثم عاد إليها.
وقف يتأملها وهي نائمة، كم هي جميلة بل ازدادت جمالاً ربما السبب لانها تبتعد عنه منذ أيام فجعله الاشتياق يراها من منظور آخر، و ربما إنه يكتشف جمالها الداخلي و الخارجي معاً الآن بعد أن أنقشعت الغيوم من علي بصره فأصبح يراها بقلبه وعقله معاً، كم كان مخطئاً في حقها حينما اهملها وركض خلف السراب حتي باغته الواقع بالحقيقة ووجد إنه أكبر أحمق ولا يستحق أن يكون حبيب دنياه، وما أدركه من غدر دنياه، ستجعله يعض أصابعه ندماً علي كل قطرة من دموعها و كل وجع كان يسببه لها دون أن يكترث لها.
جلس علي طرف الطاولة المقابلة للآريكة، مد يده ليلمس خصلات شعرها الغجري، دنا منها وقام باستنشاقه ثم تركه ينسدل علي خدها فأزاحه ليتمكن من ملامسة هذا الخد ذو الملمس الناعم تشوبه حُمرة مرمرية تجعله دافئاً، تقلبت فجأة فتراجع واعتدل جالساً، ظن إنها استيقظت لكن كان مجرد تغير وضعية نومها، ابتسم بمكر عندما رأي بجوارها مكاناً شاغراً يتسع له، خلع سترته وألقاها جانباً ثم قام بفك ربطة العنق فألقاها أيضاً علي السترة، و بدون أن يصدر صوتاً تمدد جوارها ولم يكتفِ بهذا بل وقام بمعانقتها، وضع ذراعه أسفل ذراعها لتصبح بين ذراعيه.
أصبحت أنفاسه تخالط أنفاسها، و كان علي وشك أن يُقبلها، فتحت عينيها فجأة فوجدته يحتضنها ويلتصق بها، اتسعت عيناها بالغضب وبكل قوة دفعته من جوارها فوقع علي الأرض واصطدمت رأسه بالطاولة فتأوه بألم، نهضت وارتسمت على ملامحها الغضب غير مبالية لما فعلته به للتو.
"المرة الجاية أعملها وهرميك من الشباك مش من علي الكنبة"
قالتها والتفت علي الفور قبل أن يري في عينيها قلقها عليه، فهي لا تريد أن تظهر له إنها مازالت تحبه وتخاف عليه من أي سوء وهذا لأنه ما فعله في حقها كان السوء في حد ذاته.
همت بالذهاب إلي الغرفة فنهض وأمسك يدها وجعلها تلتفت إليه ثم سألها:
"طيب ليه الغباء ده؟!، ما كان ممكن تقولي لي قوم من جمبي"
وضعت علي فؤادها صخرة لتتمكن من ردها الجافي هذا حيث قالت:
"لأن مش طايقاك و لا طايقة أشوفك، وإحمد ربنا إن رجعت لك"
برغم شعوره بالذنب حيالها لكن نظراتها القوية وكلماتها الحادة قامت بخدش كرامته مما جعل الوحش الخامد الذي داخله يستيقظ من سباته العميق فكشر عن أنيابه قابضاً علي ذراعها الأخر، يهزها بعنف ويخبرها من بين أسنانه بتهديد:
"هو أنا عشان بسكت لك هتسوقي فيها؟!، أنا لو عايز أخد حقي منك هاخده وغصب عنك"
حاولت جذب ذراعيها من قبضتيه المنغرزة بجلدها، صارخة في وجهه بتحديٍ:
"ده كان زمان، أيام لما كنت ضعيفة وأنت بتستقوي عليا، لكن دلوقت كل حاجة أتغيرت، جرب تعمل حاجة و لا تقرب مني غصب هخليك تندم علي اللحظة اللي قربت مني فيها"
عض علي شفته من الغيظ، أصبح وجهه شديد الحمرة من الغضب، نظراته أشد شراسة، تفوه بوعيد عزم علي تنفيذه في الحال:
"أنا بقي عايز أشوف هتخليني أندم إزاي؟!"
لم يمهلها لحظة فحملها علي كتفه وأسرع من خطاه إلي غرفة النوم وأغلق الباب بقدمه، كانت تقاوم بتحريك ساقيها وتضرب ظهره بيديها:
"نزلني، أنا مش طيقاك، نزلني"
تكرر كلماتها ولا جدوي من ذلك، ألقاها فوق الفراش فتدحرجت بجسدها قبل أن يمسك بها أو ينقض عليها كالليث الجامح، أردفت بصياح وهي تنهض وتبتعد عن مرماه:
"أنت أتجننت؟!، بقولك مش طيقاك يعني خلي عندك كرامة وما تقربش من واحدة مش طايقة لا تشوفك و لا طايقة حتي نَفّسك"
قالتها وخشيت أن يفعل بها شيئاً، ركضت نحو الباب فلم تنجح في الوصول إليه حيث أوقفها بجذبها من خصلات شعرها مما سبب لها ألم لا يحتمل، فالتفت له و لا تعلم كيف فعلت هذا، ركلته بقوة بين ساقيه، صاح متأوهاً، تاركاً شعرها رغماً عنه ووجهه محتقن بالدماء، استغلت تلك الفرصة وركضت نحو الباب ثم قامت بفتحه وقبل أن تهرب من أمامه أخبرته بتشفي وتهكم:
"مش قولت لك لو قربت مني هخليك تندم، أبقي خلي دماغك تنفعك يا، يا سبعي"
ركضت في التو إلي غرفة صغارها وأوصدت الباب من الداخل، تسمع دقات قلبها التي تخفق بشدة، لن تتمني يوماً أن تصل الأمور بينهما إلي هذا الحد، لكنه هو من أوصلها بينهما، لذا لا يلوم سوي نفسه.
༺༻
في الصباح الباكر يقف خلف زجاج نافذة شرفة غرفة المكتب خاصته، يحتسي القهوة ويتأمل أزهار اللاڤندر التي يعشقها ويستمتع برائحتها، لكن في تلك اللحظة يشعر بالذنب نحوها بالأحري نحو زوجته التي تشبه تلك الأزهار في عطرها الزكي، فمنذ أن عاد من الخارج بالأمس مكث في مكانه ولم يتناول حتي وجبة الغداء وكذلك العشاء، ربما يتجنب النظر إلي صباه، فكلما تذكر ما حدث في الشركة بينه وبين زوجته الأخرى يشعر بضيق وغضب من نفسه ومن صبا التي جعلته يفعل ذلك من البداية، لم يدرك خطأه بعد أو ربما لا يريد الاعتراف به وهو أن مسألة زواجه كان قراراً أحمق، أراد أن يألمها كما تألم حينما اكتشف ما تفعله من ورائه بينما زواجه من أخري كان أشد قسوة، هو يدرك هذا جيداً لكن الذي لم يكن في حساباته ما يأتي بعد جملة ماذا بعد؟!، و ها هي النتائج يحصدها بخسائر، أفسد حياة فتاة لا ذنب لها في مكيدته لزوجته وكذلك كان على وشك أن يخسر زوجته أُم ابنائه إذا انساق خلف غريزته التي تحركت بالأمس، فقد دق ناقوس الخطر والإشارة الحمراء تومض و تطفأ، تخبره بالتوقف حتي لا يخسر زوجته التي يعشقها و كذلك لا يتحمل ذنب الفتاة التي جعلها تحمل لقب متزوجة واليوم سوف يمنحها لقب مُطلقة.
و في أخر رشفة لديه رأي صبا وابنه يمسك بيدها، يتجهان نحو المنضدة والخادمة تسير خلفهما تحمل صينية الطعام والشاي والحليب، أخذ يراقبهم و رأي صغيره يجذب المقعد لتجلس والدته، وقبل أن تجلس دنت منه وقامت بتقبيله من وجنته ثم جلست فتبعها بالجلوس لكن على المقعد المجاور لها، بدأت تتناول الشطائر فأعطت صغيرها شطيرة وتناولت هي واحدة أخرى، كانت تبتسم لكن ليست البسمة التي تدل على السعادة بل يشوبها مسحة من الحزن الدفين في دواخلها، إلي هذا الحد هو من أوصلها إلي تلك الحالة؟!، زفرة من أعماقه أطلقها وأطلق معها آلاف اللعنات علي نفسه.
انتشله من هذه الحالة طرق خافت علي الباب، و عندما التقي سمعه هذا الطرق قال:
"ادخل"
أتاه الصوت من الخارج:
"مش عارفة أفتح، الباب جامد وأنا إيدي صغنونة، أفتحه أنت قوي"
مَنْ غيرها ترغمه علي الابتسام في لحظات حزنه وتفكيره، ترك القدح علي المكتب وذهب ليفتح الباب لها، دخلت وعقدت ساعديها أمام صدرها، تقلب شفتيها لأسفل، فسألها باهتمام:
"زوزو حبيبتي مالها زعلانة ليه؟"
تنظر إليه بامتعاض وتعقد ما بين حاجبيها:
"أنت من إمبارح قاعد هنا لوحدك و مش عايز تخرج تاكل و لا تلعب معايا، و لا حتي جيت تنام جمبي، للدرجدي نسيتني يا قصى؟!"
كتم ضحكاته حتي لا يثير غضبها، برغم صغر سنها لكنه يشعر أحياناً إنها فتاة ناضجة وتدرك تعابير وجهه حينما يتحدث معها، كم هي تتميز بالفطنة والذكاء مثل والدتها تماماً.
جلس كالقرفصاء ليصبح في مستوي قامتها ويخبرها:
"أنا يا حبيبتي كان عندي شغل كتير، و كان لازم أخلصه، أنا حتي منمتش من إمبارح"
نظرت إليه بشفقة واحتضنته:
"حبيبي يا بابي، تعالي أطلع معايا فوق وأخدك في حضني وأنيمك نينه هوو، هاغنيلك أغنية يلا يا قيصو نام وهاجيب لك شرنوبي وحمام"
لم يتمالك نفسه فضحك رغماً عنه، حاوط وجهها الدائري بيديه، يحدق إليها بحنان وحب غادق:
"أنتِ الوحيدة اللي بتقدر تخرجني من اللي أنا فيه، ربنا يبارك لي فيكي أنتِ وأخوكِ"
أمسكت بيده وأخبرته:
"يلا بقي تعالي أفطر معانا، مامي عاملة لنا سندوتشات اللي إحنا بنحبها وخدت لوكا في الجاردن، تعالي قبل ما يخلصوا السندوتشات، مامي بقت مفجوعة و بتاكل كتير أوي من وقت ما جت نان جلابة المصايب هنا"
تلاشت ابتسامته التي كانت تزين ثغرها فتبدلت إلي الوجوم، فصغيرته أيضاً لاحظت حالة والدتها، وضع يده علي رأسها قائلاً لها بعتاب:
"زوزو حبيبتي، عيب تقولي كدة علي مامي، و علي منار، أنتِ بنت شطورة وبتسمعي الكلام وما ينفعش تتكلمي بالأسلوب ده علي حد أكبر منك صح و لا لاء؟"
نظرت إلي أسفل بخجل وقالت بصوت خافت:
"صح"
أمسك وقال لها:
"يلا بينا نروح نفطر مع مامي ومالك، و أوعدك أول ما هارجع النهاردة هاجي أنام في حضنك و تنيمني نينة هوو اتفقنا؟"
هزت رأسها بالموافقة وبسعادة أجابت:
"اتفقنا يا حبيبي"
و في الأعلى داخل الغرفة تتحدث في هاتفها ويبدو علي ملامحها الحزن:
"أنا خلاص راجعة يا ماما النهاردة"
سألتها والدتها بقلق:
"مالك يا منار فيه إيه يا حبيبتي؟"
كانت تنظر من خلف النافذة المطلة علي الحديقة، تري صبا وابنها وزوجها يمسك بيد ابنته متجهاً نحوهما، فهم حقاً عائلة مثالية كم تمنت أن تعيش هذه الأجواء من الإستقرار، زوج يحبها و تحبه بينهما مودة ورحمة وثمرة حبهما ذرية صالحة تفتخر بكونها والدتهم.
"منار؟، يا منار؟"
تكرر نداء والدتها فأجابت عندما انتبهت:
"نعم يا ماما، مفيش حاجة أنا بس مُرهقة شوية منمتش من إمبارح"
"طيب خدي بالك من نفسك يا بنتي وأول ما تركبي طمنيني عليكي"
ذرفت من عينها دمعة انسدلت كحبة اللؤلؤ على خدها فقامت بمسحها:
"حاضر يا ماما، أنا مضطرة أقفل معاكي عشان هغير هدومي، مع السلامة"
أنهت المكالمة ومازالت تتأمل عائلة قصى، ثم نظرت إلي الجهة الأخري على حقيبة ثيابها التي اعدتها منذ الأمس و هذا بعد أن حسمت قرارها وأخبرته به...
«في ليلة أمس بعدما عادت من الخارج برفقته، ظلت داخل الغرفة تتجول ذهاباً وإياباً، تريد أن تخبره عن رغبتها في الإنفصال لأن الوضع لم يتحمل الإنتظار، فاللعبة كانت ستنقلب إلي حقيقة و لا تريد التعلق بخيوط ضعيفة يغلبها الوهن، لذا تركت غرفتها وفي طريقها إلي الدرج تقابلت مع صبا التي كانت ستدخل إلي غرفتها فوقفت حينما رأتها و وضعت يدها علي جانب خصرها، تحدق إليها بازدراء جعل منار لم تمررها كالسابق فاقتربت وأخبرتها:
"على فكرة أنا مش زي ما أنتِ شايفاني خالص، و كنت رافضة الموضوع من الأول لكن قصى هو اللي صمم وقالي إنها مجرد لعبة وجواز على ورق، أنا ما أنكرش إني أعجبت بيه بس كأخ كصديق و كأب لأولاده، كزوج ليكي لما شوفت في عينيه هو بيحبك قد إيه"
ابتسمت صبا بتهكم وردت بسخرية لاذعة:
"خلصتي كلامك؟!"
وقفت أمامها مباشرة فاردفت بحدية:
"واضح جداً فاكراني طيبة وغلبانة ومغلوبة علي أمري يا حرام، دي واحدة جوزها أتجوز عليها السكرتيرة عشان يغيظها ويعلمها الأدب، أحب اقولك دي مش أنا، و أبقي خلي مديرك يحكي لك قصة جوازنا ويقرالك الوشم اللي علي صدره، أنا الهوا اللي بيتنفسه، يعني اللي داخل ما بينا خسران"
حدقت الأخري إليها بحزن وامتعاض فسألتها:
"هو ليه حاسة من كلامك و نظراتك باتهام إني خطفته منك؟"
رمقتها صبا بتحديٍ قائلة:
"ولا أنتِ و لا مليون واحدة زيك تقدر تعملها، بس أنا واحدة ست وأفهم الست اللي قدامي كويس أوي، أنتِ عينك منه، مجرتيش وراه بس ما صدقتي عرض عليكي الموضوع كلعبة، و أنتِ من جواكي بتتمني اللعبة تبقي بجد، أومال إيه اللي خلاكي تقبلي الوضع ده؟"
و كأن لسان الأخرى قد انعقد ولم تستطع التلفظ بكلمة واحدة، فأردفت صبا وتلوح بيديها:
"تتجوزي واحد متجوز وهيطلقك مجرد ما اللي بينه و بيني ينتهي ونرجع لبعض، وقتها وجودك مش هيبقي ليه أي لازمة وفي الأخر لقبك هايكون مطلقة، أنهي عقل و منطق واحدة تتقبل علي نفسها حاجة زي كدة إلا إذا ليها هدف، والهدف ده في أحلامك، فياريت تنزلي علي أرض الواقع قبل ما تخسري كل حاجة، أولهم أهلك اللي ما يعرفوش عن جوازك أي حاجة"
اتسعت عينيها بصدمة كيف ومتي علمت بهذا الأمر!، ارتسمت علي ثغر صبا ابتسامة انتصار فأخبرتها:
"أوعي تكوني فاكراني نايمة في العسل، أنا كل حاجة بتوصلي و بعرفها وأنا في مكاني، وبإشارة مني ممكن أدمرك بمكالمة صغيرة لجدك وأعمامك اللي في سوهاج"
ازدردت ريقها بصعوبة وضربات قلبها تسبق عقرب الثواني، كما أدركت من قبل إنها أمام سيدة لن يُستهان بها فهي زوجة قصى البحيري، أو كما يُلقبونه في عالم رجال الأعمال بالملك.
استطاعت بشق الأنفس أن تتحدث بدفاع وعبراتها أسيرة عيناها:
"أنا أصلاً قبل ما تقولي أي حاجة قررت أبعد و كنت نازلة أقوله يطلقني، و ده مش عشان خايفة منك و لا من كل اللي قولتيه، أنا هاعمل كدة عشان نفسي، نفسي اللي غلطت في حقها جامد لأنها ما تستاهلش مني كدة، وأوعدك مش هاتشوفي وشي تاني، بس نصيحة مني ليكي قصى بيعشقك ياريت تحافظي علي عشقه ليكي، هو محتاج منك التقدير وأظن أنك أكتر واحدة فاهمة طباع جوزك"
عقدت الأخري ساعديها أمام صدرها ثم ابتسمت لها بازدراء ونفور فعقبت علي كلماتها بتهكم:
"خلي نصايحك لنفسك، و أديكي قولتيها أنا أكتر واحدة فاهمة طباع جوزي، أطلعي أنتِ منها بس"
ألقت نظرة عليها من أسفل إلي أعلي ثم تركتها وهبطت علي الدرج متجهة إلي غرفة المكتب، فكان يتمدد على ظهره أعلي الأريكة المخملية، ينفث دخان سيجاره الذي عبئ الغرفة بالرائحة، طرقت الباب وأتاها صوته من الداخل، يسمح لها بالدخول، فتحت الباب ودخلت فقابلتها سُحب كثيفة من الدخان، أخذت تلوح بيدها لتبعد الدخان الذي سبب لها حالة من السعال، نهض فجلس وقام بإطفاء سيجاره داخل المنفضة الكريستالية، أمسك بجهاز التحكم الخاص بجهاز التبريد وضغط علي زر الخاصية المسئولة عن تنقية الهواء.
"تعالي أتفضلي"
أغلقت الباب خلفها وتقدمت لتجلس علي مسافة ليست ببعيدة حتي تستطيع أن تتحدث بأريحية، فقالت له:
"أنا هاطلب منك طلب وياريت تلبيه زي ما طاوعتك في موضوع جوازنا"
أنصت إليها بتمعن فتركته يسألها قبل أن تجيب، فباغتها كالعادة بفطنة:
"عايزاني أطلقك"
حدقت نحوه بتعجب فنهض و ولي إليها ظهره مُردفاً:
"أنا عارف ومتأكد من كل اللي بيدور في دماغك من وقت ما كنا في الشركة"
نهضت وظلت في مكانها مُعقبة:
"إحنا وصلنا لنقطة ما ينفعش نكمل بعدها، هاتبقي بتظلمني وبتظلم نفسك وقبلها هاتكون بتظلم مراتك"
أغمض عينيه، يريد محو ما حدث من ذاكرته إلي الأبد ثم قال:
"ياريت من غير ما نخوض في تفاصيل، أنا لسه علي وعدي، وفي نيتي الموضوع ده يخلص في أقرب وقت"
استدار ووقف أمامها دون أن يصوب نظره إلي وجهها مباشرة فاردف:
"و زي ما وعدتك برضو مش هاسيبك، لأن بعد ما هنطلق هاروح أقابل مامتك وأخوكي"
لا تعلم هل توافق أم ترفض، فسألته حائرة:
"هتقولهم إيه بالظبط؟"
"أنا عارف مهما بررت لهم مش هيسامحوا بالساهل وصعب يتقبلوا الموضوع، كل اللي أقدر أقوله لك مش عايزك تقلقي خالص"
كانت تحك يديها معاً من التوتر قبل أن تخبره:
"طلب أخير وأتمني تقبله، ياريت موضوع الطلاق ده يبقي بكرة"
هز رأسه لها بالموافقة ثم نظر إليها قائلاً:
"تمام يا منار، بكرة الصبح هاخدك ونطلع علي المأذون وبعدها علي بيتكم عشان أقابل أهلك"
تنفست الصعداء وكأن حملاً ثقيلاً تزحزح عن كاهليها، لم يتبق سوي مواجهة والدتها وشقيقها وتدعو ربها أن والدها لم يكن قد سبقهم ليخبرهم بشأن زواجها.
"شكراً"
أجاب:
"أنا اللي المفروض أشكرك"
انتابتها حالة من الحزن جعلتها تريد أن تبكي وبشدة، و قبل أن يفلت الأمر من يدها ويحدث ذلك قالت إليه باقتضاب:
"تصبح علي خير"
ابتسم وأجاب:
"و أنتِ من أهله"»
عودة إلي الوقت الحالي...
كان يجلس مع أسرته لكن يتصفح هاتفه لمتابعة الأخبار أو ربما يتهرب من النظر إلي زوجته التي داهمها شعور غريب وهي تنظر له، يخبرها حدسها أن هناك أمر ما يجعله يتجنب لقاء عينيه بخاصتها، فهذه الحالة تغلب عليه عندما يكون يشعر بالندم.
قاطع تلك اللحظة صغيرهما الذي قال:
"بابي عايزين نروح الساحل أو الجونة، عمو آدم و خالتو خديجة ويوسف راحوا و لسه راجعين إمبارح"
أغلق والده شاشة الهاتف وتركه جانباً ليجيب علي صغيره قائلاً:
"حاضر يا حبيبي، بإذن الله أول أجازة هنسافر المكان اللي نفسكم تروحوا ليه"
صاحت ابنته:
"أنا يا بابي عايزة أسافر وأروح عند الناس اللي عينتينهم عاملة كدة"
و قامت بشد جوانبي عينيها ليصبحا ضيقين، ابتسم والدها وسألها:
"قصدك عايزة تسافري الصين"
أجاب مالك بدلاً منها:
"لاء يا بابي، هي قصدها علي كوريا"
عقد ما بين حاجبيها وتظاهر بالاهتمام فسألها:
"اشمعنا كوريا يا زوزو؟"
أجابت:
"عشان أشوف فريق الـ ABC"
انفجر شقيقها في الضحك ثم قال ساخراً:
"اسمهم الـ BTS يا جاهلة"
رمقته بغضب وسرعان تحولت ملامحها إلي الحزن الزائف وارتمت علي فخذي والدها، نظر إليه والده بتحذير:
"أول وأخر مرة أشوفك بتشتم أختك أو تزعلها"
أومأ له الصغير فأردف الأخر له بأمر:
"اعتذر لها"
نهض من مقعده واقترب منها فربت عليها قائلاً:
"sorry زوزو"
كانت صبا تتابع كل ما يحدث في صمت وترتشف الشاي، لاحظ قصى ذلك لذا طلب من صغاره:
"لو خلصتوا أكل روحوا يلا ألعبوا"
رفعت ابنته رأسها من علي فخذيه وكأن عينيها لم تذرف دمعة واحدة قائلة بسعادة:
"أوك يا بابي"
ركضت برفقة شقيقها وذهبا ليلعبا، و لدي قصى نظر إلي صبا التي تتظاهر بالثبات والقوة، سألها:
"هانفضل كدة لحد امتى؟"
تركت القدح علي المنضدة وعادت في وضعيتها السابقة فأجابت:
"السؤال ده تقوله لنفسك، أنت اللي حكمت ونفذت الحكم"
وبرغم قوتها تلك والتي يعلم ما تخفيه ورائها، يرى في عينيها ألف صرخة تخبره أن يكف عن ما يفعله بها، لكن هو يريد سماع كلمة واحدة منها ويرى هذا بصدق في عينيها قبل أن يخبرها إنه سينهي هذه المسرحية الهزلية.
أطلق زفرة لعله يطيل صبره ولو قليلاً:
"أنا اللي عملته كان رد فعل علي اللي أنتِ عملتيه"
ابتسمت بتهكم وعقبت ساخرة:
"يعني أي واحدة تعمل حاجة من ورا جوزها أو ما بتسمعش كلامه، ده يدي له الحق يروح يتجوز عليها؟!"
أخرج سيجاره من جيب سترته الداخلي وأشعلها، نفث الدخان بقوة وكأنه ينفث غضبه، فقال لها:
"لسه برضو تفكيرك متوقف علي النقطة دي و ما فكرتيش أنا عملت كدة ليه؟"
أجابت و تحدق إليه بامتعاض:
"مهما كان تبريرك إيه، أنت عملت حاجة كسرتني، هاتفضل ذكري محفورة جوايا، للدرجدي هونت عليك؟!"
اندفع قائلاً:
"أنتِ السبب، ضمنتي حبي ليكي وقولتي لنفسك مهما غلطت أهو كدة كدة هيسامحني في الأخر، ونسيتي إن جوزك موته وسمه الكذب وعدم الطاعة، وضيفي عليهم خيانة الأمانة"
صاحت بدفاع:
"بس أنا ما أجرمتش لما أخدت مانع للحمل وقولت لك أسبابي اللي مش عايز تتقابلها ومستهزأ بيها"
أشار إليها بتحذير:
"أولاً صوتك مايعلاش وأنا بكلمك ثانياً بقي اللي عملتيه عندي يعتبر جريمة، أديتك الأمان والثقة و روحتي عملتي اللي أنتِ عايزاه، المسألة مش حكاية إن عايز عيال تاني الموضوع ليه أبعاد تانية، أنا لو أتهاونت معاكي بعد اللي حصل هاتكرري الموضوع مرة تانية وتالتة مع إختلاف الحدث وكلهم تحت بند العصيان، و لو فضلتي علي وضعك ده ممكن في لحظة تخسري كل حاجة ومصيري أفكرك في يوم من الأيام"
صمت وألتقط أنفاسه ليردف:
"لأول مرة بعترف، أنا تعبت منك، أرهقتيني بجد، كل ما أتكلم معاكي عشان أحس منك ولو ذرة ندم ألاقي العكس، هقولك علي حاجة أيوة أنا غلطت لما أتجوزت و كان ممكن أقلب الموضوع جد وأسيبك تخبطي راسك في الحيط، لكن حبي وعشقي ليكي أنتِ، ويكون في علمك لو حسيت في يوم من الأيام إنك هتيجي علي كرامتي أنا ممكن أدوس علي قلبي ولا أقبل بوضع زي ده"
لم تدرك حتي الآن ما بين سطور حديثه إليها، بل أخذت علي عاتقها كل ما تفوه به فعقبت و نبرتها أوشكت علي البكاء:
"ياه، مكنتش أعرف إن أنا وحشة أوي كدة، طيب ما إحنا فيها و لا أتعبك و لا تتعبني وكل واحد فينا يروح لحال، و لا أقولك أنا هاسيب لك القصر وهاروح أقعد عند بابي"
تبدلت ملامحه من الحزن إلي الجدية والصرامة فأخبرها:
"خلص الكلام، أنا اللي هاسيب لك القصر، بس ياريت الفترة دي تفكري كويس وأوعدك هاعمل كل اللي يريحك"
قالها وغادر فتركها داخل براثن ظلمة أفكارها، لم تستطع منع دموعها أكثر من ذلك فركضت نحو الداخل، وهناك من كانت تراقبهما من بعيد وذهبت خلفها.
و في تلك الأثناء كانت منار تهبط علي الدرج وتسحب حقيبتها خلفها وفي يدها الأخرى حقيبة صغيرة، رأت صبا تصعد وتتجنب النظر إليها فيبدو إنها تبكي و لا تريدها أن تراها في تلك الحالة.
خرجت من القصر فوجدته في انتظارها لدي باب السيارة، تركت حقيبتها للسائق ليحملها ويضعها خلف السيارة، فقالت لقصي قبل أن تدخل:
"دقيقة واحدة"
"براحتك"
تركته واتجهت نحو صغيريه، كانا يمرحان في أرجاء الحديقة، توقفت بالقرب منهما فقامت بالنداء عليهما:
"مالك؟، زينب؟"
انتبها إليها فقالت الصغيرة إلي شقيقها:
"تعالي يا لوكا نشوف البت نان دي عايزة إيه؟"
توقف مالك مكانه ونظر إلي منار بامتعاض ولم يلبي النداء، لكن شقيقته ذهبت إليها و بمشاكسة سألتها:
"نعم يا نان؟"
أخرجت من الحقيبة التي تحملها علبة تحتوي علي دمية عروس وبداخلها أيضاً قطع كثيرة من الشكولاتة الفاخرة، قدمتها إليها:
"أنا عارفة أنتِ بتحبي الشوكليت أوي"
أخذتها منها وتنظر بسعادة:
"الله دي العروسة اللي قولت لبابي عليها يجيبها لي في عيد ميلادي ومعاها الشوكليت اللي بحبها، عرفتي منين؟"
أجابت الأخرى مبتسمة:
"عرفت من العصفورة، فقولت أكون أول واحدة أجيب لك هدية عيد ميلادك، لأن مش هاكون موجودة"
حدقت إليها الصغير بقلق تسألها:
"رايحة فين يا نان؟"
دنت منها وأخبرتها:
"أنا راجعة عند ماما وأخويا عشان وحشوني أوي"
"يعني مش هتيجي تاني؟"
سألتها بحزن رأته منار في عينيها ، هزت رأسها بنعم وبابتسامة تخفي خلفها حزن مرير، تركت الصغيرة ما بيدها وعانقتها ببراءة، فهي طفلة لا تدرك سبب وجودها أو سبب مغادرتها من المنزل، أخبرتها:
"هتوحشيني أوي يا نان"
"و أنتِ كمان يا روحي"
كانت تنظر إلي مالك حتي ابتعدت شقيقته عنها فنهضت وأمسكت بالحقيبة وتقدمت منه، مدت يدها بالحقيبة إليه وقالت:
"أنا عارفة إنك بتحب البلاسيتيشن، دي سيديهات لأحدث إصدارت الـ games اللي أنت بتحبها"
تردد أن يأخذها ونظر نحو والده الذي يقف علي مسافة فأومأ له أن يأخذها منها، أمسكها وقال لها:
"thank you"
دنت منه وقامت بتقبيله فوق رأسه، وقبل أن تبكي أسرعت نحو السيارة وولجت إلي الداخل، أغلق قصى الباب و ألتفت إلي الجهة الأخري ليدخل فأغلق السائق الباب خلفه ثم ذهب وجلس في مقعد القيادة وبعد ذلك انطلقت السيارة.
༺༻
ألقت بنفسها علي الفراش وأخذت تبكي بإنهيار، لحقت بها مُربيتها تنظر نحو بحزن، جلست بجوارها تربت عليها وتسألها بتعجب:
"أنا نفسي أفهم بتعيطي ليه؟!"
اعتدلت ونظرت إليها لتخبرها من بين بكائها:
"أنتِ شايفة إيه يا داده ما يخلنيش اعيط؟!، الباشا عايز بعد ما يتجوز عليا ويعزمني علي فرحه ويخلي منظري مسخرة قدام الموظفين بتوعه في الأخر أنا اللي أتاسف له و كمان يشوف الندم في عينيا عشان يكون راضي عني، و دلوقتي ساب القصر فاكر إن في بعده هرتاح، يرضي مين ده قولي لي؟"
أمسكت يدها وربتت عليها قائلة:
"اهدى بس عشان أعرف أتكلم معاكي، و لا أستني لحد ما تخلصي عياط خالص؟"
بدأت تهدأ رويداً رويداً حتي كفت عن البكاء وقالت:
"أتفضلي أتكلمي، بس بالله عليكي ما تقعديش تأنبي فيا لأن أنا ما بقتش مستحملة"
تنهدت زينات ثم سألتها:
"هسألك كام سؤال وياريت تجاوبي عليه بصراحة، ربنا يعلم أنتِ زي بنتي وأكتر، و كل كلمة هقولها لك غرضي منها مصلحتك وراحتك، أول سؤال أنتِ بتحبي جوزك ولا لاء؟"
أومأت لها وأجابت:
"لو مكنتش بحبه مكنتش سامحته علي اللي عمله فيا زمان، مكنتش استحملت اللي عمله فيا دلوقت وأصريت علي الطلاق"
سألتها مرة أخري بذكاء:
"و إيه اللي منعك إنك تطلقي منه، خوف و لا حاجة تانية؟"
نظرت نحو الفراغ وقالت:
"مش خوف طبعاً، اللي مانعني هو إني بحبه وماأقدرش أبعد عنه، قصى بالنسبة لي الهوا والماية، وأنا بالنسبة له كدة، بس الظاهر علاقتنا بقت زي الإدمان، عارفة إن المخدر ده علي قد ما بيريحك علي قد ما بيضرك بس مش قادرة تبطليه"
عقبت الأخري:
"تشبيهك ده لوحده أكبر غلط، عارفة ليه؟، أنتم زوج و زوجة يعني اللي بينكم أقوي من الحب، بينكم عيشرة ومودة، الراجل عمره ما قصر معاكي في حاجة طلباتك مجابة، لو طال يجيب لك نجمة من السما مش هايتردد، المقابل منك تحترميه و تشيليه جوة عينيكي، تطيعي أوامره طالما مفيهاش ضرر ليكي ولا معصية لربنا، عايز حاجة و أنتِ رفضاها لأنك مش مستعدة ليها حاولي معاه مرة واتنين قولي له نأجلها مش معقولة كان هيغصبك"
اقتربت منها ووضعت يدها علي كتفها وتنظر صوب عينيها فاردفت:
"جوزك أتغير عن زمان وأنتِ أدري بيه، حبك غيره وهو أتغير عشانك وعشان نفسه و عشان ولاده، أختار الطريق الصح وكان ممكن يخسر حياته و لا ناسية اللي حصل له في عملية سينا؟"
عقبت صبا والحزن يغزو ملامحها:
"عمري ما نسيت أي حاجة، بس مش عشان غلطة يقوم يردهالي بعقاب أقسي منها"
"و هو حس بغلطه وندم عليه حتي بالأمارة واخد منار ورايحين عند المأذون يطلقوا وبعدها هيوديها عند أهلها"
نظرت بتعجب ودهشة، ظنت أن منار عندما أخبرتها بذلك في الأمس كانت تكذب لا أكثر
"و إيه اللي خلاكي واثقة ومتأكدة من كدة، مش يمكن واخدها ومسافر عشان يتمم جوازه؟!"
رفعت زاوية فمها بتهكم وأجابت:
"برضو مفيش فايدة من دماغك اللي زي الصخرة دي، ده الصخرة ممكن تلين و دماغك لاء، هقولك عرفت إزاي، لما هو رجع من برة دخل المكتب وفضل قافل علي نفسه، ولا خرج يتغدي و لا يتعشي وكمان منار، وبالليل قبل ما أنام لاقيتها نازلة علي السلم و دخلت له، بيني وبينك وربنا يسامحني قعدت أسمع كلامهم من ورا الباب وعرفت إنها طلبت منه الطلاق وعايزة ترجع لأهلها لأن اللي عمله ده غلط في حقك وحقها"
عقبت الأخرى بسأم:
"يعني طلاقها منه ده هايفرق في إيه، هاتفضل ذكري سودة ما بينا مش هنساها له"
"و بعدين يا صبا؟، هاتفضلي شايلة منه وهو هيشيل منك ده كده حياتكم هاتبقي كلها سواد في سواد، ذنب عيالكم إيه في مشاكلكم دي كلها؟"
نهضت وأجابت بحنق:
"ذنبهم إنه أبوهم"
نهضت الأخري وعقبت بحدة:
"وأنتِ أمهم، يعني في إيدك ترجعي بيتك زي الأول وأحسن ما كان، الراجل زي العيل الصغير هتعاندي قصاده هيعند معاكي، هتاخديه بالهداوة وبالحنية هتلاقيه تحت طوعك و ما بين إيديكي، اسمعي مني أومال بيوت زمان إزاي كانت عمرانة وقليل لما كنا بنسمع عن طلق أو أنفصل، لأن كان فيه احترام متبادل وأصول بنمشي بيها وتعاليم ديننا اللي لما بعدنا عنه بقت حياتنا زي الغابة القوي بياكل الضعيف"
جلست علي أقرب مقعد بعدما شعرت بالتعب وأردفت:
"بصي يا صبا خلاصة الكلام، جوزك ليه طباعه وأنتِ عارفة عيوبه منها ومميزاته، أنا أخدت بالي إنه كان بيكلمك لما كنتم في الجنينة وطبعاً شديتوا مع بعض"
أخبرتها و بدأت عبراتها تتجمع من جديد داخل عينيها:
"أيوة، و قالي في نهاية الكلام إنه هايسيب القصر عشان يريحني منه، و وعدني هايعمل اللي يريحني"
"يعني رمي لك الكورة في ملعبك، وأنا بقولك رجعي جوزك لحضنك، وأبدأوا من جديد و ما تسيبهوش لشيطانهُ اللي هايقعد يوسوس له بالباطل لحد ما يخرب بيتكم، وفي الأول والأخر براحتك اللي أنتِ شيفاه أعمليه، قرارك في النهاية بتاعك"
كانت شاردة في نقطة وهمية وكأنها في عالم آخر، تشعر بالعجز، في حيرة من أمرها، قلبها وعقلها في صراع، كل منهما له رأي علي نقيض الأخر، جالت ببصرها في أنحاء الغرفة حتى وقعت عيناها علي الإطار المحيط بصورة تجمعها مع زوجها وابنهما وابنتهما، جميعهم تزين أفواههم ابتسامة نابعة من القلب عنوانها الحب والدفء.
༺༻
استيقظ فوجد نفسه يجلس فوق الكرسي داخل الشرفة، فهذا بسبب ما حدث بالأمس لأنها تركته وحيد فراشه وذهبت تنام بجوار صغيرها، أخذ يطرق الباب ويرجوها بأن تتراجع عن معاقبته بهجر مضجعه، لكنها أثرت الصمت ولم تجب عليه، فذهب وجلس بداخل الشرفة فباغته النوم دون أن يدري، شعر بآلام في أنحاء جسده والسبب النوم في وضعية الجلوس.
نهض وأخذ يثني ويفرد ذراعيه، يحرك جذعه يميناً ويساراً ثم ذهب إلي المرحاض ليغتسل ويتوضأ ثم يؤدي فرضه.
وفي الغرفة المجاورة كانت ترتدي وشاحها أمام المرآة استعداداً للنزول إلي أسفل وتناول وجبة الفطار، كان يجلس صغيرها علي مضجعه ويمسك بالهاتف، قالت له:
"يلا يوسف، سيب اللي في إيدك ويلا عشان هانفطر"
لم يرفع بصره عن شاشة الهاتف وأجاب:
"ثواني يا مامي، هخلص الـ game دي please و هنزل معاكي"
"خلص وحصلني، و لو اتأخرت هايبقي مفيش فون و لا لعب النهاردة خالص"
قالتها فأومأ لها، انتبهت إلي تنبيه رسالة واردة علي البريد الإلكتروني، قامت بفتحها وقرأت ما تحتويه فكان من الكلية، تخبرها الإدارة أن من بعد غد بدأ المحاضرات و جدول المواعيد باسماء المواد المقررة.
ابتسمت فأخيراً سوف تستطع أن تكمل تعليمها بعد تأجيل هذا القرار في السنوات الماضية، ربما هذا سيشغلها ولو قليلاً عن التفكير في أمر الإنجاب مرة أخري.
وضعت هاتفها في جيب ثوبها وخرجت من الغرفة، في ذات اللحظة كان هو أيضاً يغادر غرفتهما، وقف كليهما ينظر إلي الأخر، يحدق إليها بعتاب وهي ترمقه بغضب، كادت تذهب فأعترض طريقها وقال:
"تعالي نتكلم مع بعض ولو خمس دقايق"
أطلقت زفرة وسألته بتهكم:
"أخترعت كذبة أو حجة جديدة تبرر بيها ردك و كلامك مع السنيورة؟!"
كانت إحدى الخادمات تمر بجوارهما، فصمت وأمسك بيد زوجته وجذبها داخل الغرفة ثم أغلق الباب:
"نتكلم في أوضتنا أحسن"
جذبت يدها من يده وسألته بحنق:
"لأمتي هاتفضل ما تعترفش بغلطك وديماً بتبرر لنفسك لدرجة أنك بتخليني أصدقك؟!"
رد بدفاع:
"و أنا فعلاً زي ما أنتِ شوفتي ومش بكذب عليكي، ردودي كانت مقتضبة معاها حتي لما رديت علي مكالمتها، كانت هي اللي عمالة تتكلم وأنا مجرد مستمع مش أكتر"
رفعت حاجبيها بدهشة، فصاحت بتهكم:
"يا سلام؟، وأنا اللي طلعت ظلماك تصدق أتأثرت والدمعة هتفر من عيني، أخص عليا"
رمقها بتحذير قائلاً:
"خديجة بطلي استهزاء وسخرية من كلامي"
"أنت اللي بطل إستعباط، واحدة أنت عارف عايزة إيه منك و مش عارفة تدخلك إزاي، وهي زي الشيطان بتفتح لك مدخل تدخلك منه وتشدك واحدة واحدة لحد ما تقع زي الأهبل وأنا ساعتها هقولك مع السلامة لأن مش هقبل الخيانة ولا هسامحك مهما كانت أعذارك"
أثارت كلماتها غضبه فصاح يسألها:
"يعني إيه اللي يرضيكي دلوقتي؟"
عقدت ساعديها أمام صدرها وأجابت:
"اللي يرضي ربنا قبل ما يرضيني أنك تقطع أي تواصل أو منفذ للست دي نهائي، تعملها بلوك من علي الفون والواتس ومن كل تطبيقات السوشيال اللي متبعاك عليها، وافترضنا شافتك في يوم صدفة أعتبرها هوا قدامك، أظن كلامي واضح وسهل التنفيذ و لا أنت إيه رأيك؟"
أطلق زفرة وأجاب:
"حاضر هاعمل كل اللي قولتي عليه، بس ياريت بلاش موضوع تفتيش الفون، ياريت يكون فيه ثقة ما بينا"
"الثقة موجودة يا آدم، بس أحياناً أفعال بنستهاون بيها ممكن تدمر الثقة دي، و الثقة يا حبيبي زي الروح لو راحت ما بترجعش، عمرك شوفت ميت بيصحي تاني؟"
هز رأسه بنفي واقترب منها محاوطاً وجهها بكفيه، يبتسم لها:
"حبيبتي ربنا ما يحرمني منك و لا من عقلك، و عايزك تطمني عمري ما هشوف و لا أحب حد غيرك"
"يبقي تعمل اللي قولت لك عليه حالاً، بلوك من كل حاجة"
أخبرته بأمر حاسم، فابتسم وقال:
"ده أنتِ جبارة"
حدقت إليه بكبرياء وثقة قائلة:
"أنا واحدة بتحب جوزها وبيتها وبتحافظ عليهم واللي يحاول يقرب منهم ممكن أكله بسناني، لكن لو جوزي هو اللي قرب بمزاجه يبقي فيها وضع وكلام تاني خالص"
تظاهر بالخوف الزائف مازحاً:
"بس بقي عشان أنتِ بتخوفيني منك، وعموماً سمعاً وطاعة يا مولاتي، هاعمل اللي قولتي عليه و دلوقت"
أخرج هاتفه أمامها وأخذ يحظر جميع حسابات روڤان من جميع التطبيقات وأولهم رقم هاتفها
"كدة كله تمام"
ابتسمت وقالت:
"و كدة أنا بحبك"
واقتربت منه وطبعت قبلة علي خده، لم يمهلها أن تبتعد فجذبها بين ذراعيه قائلاً:
"أنتِ بتبوسي ابن أخوكي و لا إيه!، مليش دعوة عايزها french kiss"
ألتقط شفتيها في قبلة بدت ناعمة ثم أصبحت قوية، يلتهم شفاها بنهم ويشد من عناقه لها حتي ابتعدت لتلتقط أنفاسها وقالت:
"يلا بقي عشان ننزل نفطر"
أخبرها بنظرة مليئة بالاشتياق والرغبة معاً:
"ما تخلينا في أوضتنا و أنا هخليهم يطلعوا لنا الفطار لحد هنا"
أجابت بدلال وتدفعه في صدره بيديها ليفسح لها مجالاً للذهاب:
"ما ينفعش، أختك ملك زمانها صحيت هي والبنات وزمانهم مستنينا علي السفرة"
عقد ما بين حاجبيه وسألها:
"هي جت إمتي و إزاي ماشوفتهاش إمبارح لما رجعنا من السفر؟"
"أنا عرفت لما قومت أصلي الفجر خرجت قابلت داده سميرة وهي اللي قالت لي إن مصعب جابها إمبارح وكانت تعبانة وهو كان عنده شغل ومسافر"
عقب آدم والقلق يساور قلبه:
"غريبة، مصعب عمره ما خلي ملك تبات هنا من وقت ما أتجوزا، الموضوع شكله فيه إن"
وضعت يدها علي كتفه وقالت:
"أبقي أتكلم معاها بس لو لاقيتها مش عايزة تتكلم بلاش تضغط عليها، و إن شاء الله يكون الموضوع مش أكتر من إنهم بيغيروا جو"
༺༻
"إن أبغض الحلال عند الله الطلاق، ياريت تراجعوا نفسكم قبل ما تاخدوا القرار ده"
ألتفت إليه قصى و بنظرة جادة يخبره:
"أنا مكلم حضرتك قبل ما نيجي، ياريت تخلص الإجراءات عشان معندناش وقت"
تنهد المأذون وقال علي مضض:
"ماشي يا قصى بيه، أتفضل أرمي عليها اليمين"
رفعت وجهها حينما سمعت ما قاله المأذون، كانت تجلس وتشبك يديها معاً بتوتر، نظرت إلى قصى الذي يستعد لإلقاء هذه الكلمة التي تمقت أن تسمعها أي إمرأة، ولكي تتخلص من تلك اللحظة العصيبة أومأت له ليتفوه بها سريعاً، فقال:
"أنتِ طالق"
وبعد قليل...
داخل السيارة المتجهة إلي منزل عائلتها، أمسك بظرفاً أبيض ومد يده به إليها:
"أتفضلي، دي أوراق وفيزا باسمك، فتحت لك حساب في البنك"
نظرت إلي الظرف تارة ثم إليه تارة أخرى وقالت:
"أنا مش عايزة حاجة، الحمدلله عندي حساب في البنك"
أدرك سبب رفضها ربما لإنها عزيزة النفس، لذا قال لها:
"أنا قبل ما أتفق معاكي علي موضوع جوازنا كنت وعدتك بكدة، ولا متضايقة اعتبريها مكافأة علي شغلك في الشركة، أنتِ شاطرة جداً وتستحقي مكافأة علي مجهودك"
ترددت بأن تخبره بقرارها التي أتخذته صباحاً، لكن لم تجد مفراً من البوح فاخبرته:
"أنا طلبي الأخير إنك تقبل استقالتي اللي هقدمها بكرة لحضرتك في الشركة، و من غير ما تسأل ليه السبب، لأن محتفظة بيه لنفسي، ده بعد إذنك طبعاً"
تنهد ثم قال لها:
"موافق طالما طلبك فيه راحتك بس بشرط تاخدي الظرف، المبلغ اللي في الحساب ممكن تفتحي بيه مشروع خاص بيكي وأنا طبعاً هاقف جمبك، أنتِ عندي زي ملك وكارين بالظبط"
هزت رأسها بالموافقة وبطيف ابتسامة ردت بامتنان:
"شكراً"
وصلت السيارة أمام البناء الذي تقطن به عائلتها، نزلت و نزل خلفها، بينما قام السائق بسحب الحقيبة وحملها ثم وضعها في المصعد، عاد إلي الخارج ودخل إلي السيارة فأمسك هاتفه ليكتب رسالة محتواها
"خرجوا من عند المأذون و دلوقتي طالع معاها عند أهلها" ضغط علي سهم الإرسال وكان المرسل إليه مسجل باسم«مدام صبا»
وبالعودة إلي قصى ومنار، خرج كليهما من المصعد في الطابق الموجود به منزلها، تسحب الحقيبة خلفها وتوقفت أمام باب الشقة وهو يقف خلفها بمسافة قليلة، تشعر ببرودة في أطراف يدها فهي مقبلة علي مواجهة قوية و ما يجعلها تطمئن لو قليلاً إنه سوف يساندها ويكون عوناً لها في مواجهة عائلتها بعد أن تخبرهم بأمر زواجها وطلاقها السريع.
ضغطت علي زر الجرس، سمعت صوت والدتها، فُتح الباب فابتسمت لها بترحاب واحتضنتها:
"حمدالله علي السلامة يا حبيبتي"
تناولت من يدها مقبض الحقيبة وأردفت:
"ادخلي يلا...
توقفت منار لتخبرها:
"استني يا ماما"
والتفت إلي قصى فتقدم واقترب قائلاً:
"السلام عليكم، إزي حضرتك؟"
نظرت إلي ابنتها باستفهام فقالت الأخرى:
"أعرفك ياماما بمستر قصى البحيري"
الفصول الحادي والعشرون
الجزء الثالث
لقراءة الجزء الاول جميع الفصول
لقراءة الجزء الثاني جميع الفصول