تحميل رواية غابة الذئاب من صراع الذئاب بقلم ولاء رفعت علي pdf
بقلم ولاء رفعت علي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يتسلط ضوء الكاميرا علي تلك الحسناء ذات الشعر البني اللامع، ترتدي ثياب رسمية و تمسك بين يديها بطاقات مدون علي ظهرها شعار القناة الفضائية ذات الثلاثة أحرف و إسم البرنامج الشهير«كلام الناس»، أفترقت شفتيها ذات الحُمرة القانية لتبدأ في إلقاء المقدمة: " الليلة ضيفنا من ألمع النجوم علي ساحة البيزنس،يتربع عرش سوق رجال الأعمال منذ سنين، أثار الجدل من تمن سنين و دارت حواليه الشائعات، لقبه الملك و هو يستحقه عن جدارة لأنه أثبت قوته و أصبح من أشهر رجال الأعمال علي مستوي الوطن العربي و مش بس كده علي المستوي ا...
الفصل الحادي والثلاثون
ليس كل ما نتمناه مُتاح، وليس كل ما نريد قوله مُباح، وإذا صدقت الحياة و حققت لك ما تريده فعليك تُعد نفسك لطعنة غدر سوف تصيبك باجتياح.
قد مرت أيام لا نعلم كم عددها، فكان الهدوء والسكون عنوانها، و ربما هدنة تحمل في طياتها استعداداً للقادم، و ما أدراك ما القادم!
ضوء ينبعث من المصابيح الدائرية التي تحيط إطار المرآة، يتسلط نورها علي ملامح وجهها المزين بالقليل من مساحيق التجميل، فهي ليست بالحاجة إليها حتي لو أصبح عمرها علي مشارف الثلاثون عاماً، فمنذ أن أصبحت مراهقة و طرق الحب باب فؤادها، حينها لم ترَ سواه، كم جفا النوم عينيها وتركها أسيرة أفكارها التي تنحصر في جملة واحدة
-كيف أجعله يُحبُني؟- ، لكن تلاشت الأجوبة عندما تردد أمامها مغامراته مع الفتيات، كانت كل قصة له بمثابة سهم مارق اخترق قلبها الذي يحبه، تكاثرت الجروح و نزفت الكثير، و عند علمها بإنه اكتفي عن دور كازانوفا و ربما زهد العلاقات العابرة، تجدد لديها الأمل، هيهات وعلمت بخبر زواجه الغريب والعجيب في آن واحد، تزوج من ابنة عامل الحديقة، تعلم التواضع من شيمه لكن ليس إلي هذا الحد!
لكن ما سُرد إليها من قِبلّ صديقتها أنه تزوج ابنة عامل الحديقة لأنه يحبها بل و يعشقها، و كيف قام بتحدي والده الذي رفض حينها ذلك الزواج لأنه دون مستوي العائلة كما هو في عُرف عزيز البحيري، سمعت عن محاولة إنتحار تم الزواج بعدها من غير حفل زفاف، رحيله مع زوجته من منزل العائلة، كل هذا و ذاك جعلها تضع يدها علي جراحها و توصد فؤادها علي حب قد بعثرته الرياح هباءً.
محاولات عدة من رجال من محيط الأقرباء والمعارف و داخل مجالها، كلما اقترب احدهم منها حاقت نفسها بألف حصن وحصن، أسوار صعبة الاختراق، حاصرت نفسها بين الدراسة والأوراق يليها عمل انخرطت بين طياته، حتي علمت خلال حوار بينها و بين صديقتها بما حدث لزوجة شقيقها، و كم هو أمر مفجع قد أصابهم بالحزن الشديد، صدي صوت قلبها تردد داخلها، يخبرها عليها المحاولة الأخيرة، كفي استسلام لسنوات من المُحال أن تُعوض مرة أخري، فهي كالمحارب الذي أعد كل ما لديه من عتاد وقوة، عليها بالظفر بحبه حتي لو كان عاشق لماضي قد فارقه، عزمت علي إحياء فؤاده للعشق من جديد، ستخترق حصونه وتهدم قراميدها لتولج إلي محرابه و تتربع علي عرش قلبه.
طرق علي الباب تعلم مَنْ هي صاحبته، عادت من شرودها تعطي الإذن
"أتفضلي يا مامي"
فتحت والدتها الباب، فهي إمرأة في منتصف الخمسينات، ذات ملامح صارمة، سيدة استقراطية، صعبة المراس، لن تهدأ سوي أن تنفذ رغبتها هي حتي لو تعارضت مع رغبة زوجها أو ابنتها.
كانت تنظر إلي ابنتها في صمت، و ملامح وجهها التي تخبر الأخرى عن رفض تام لتلك الزيجة، و ما أكثر ما تخفيه الصدور فتأتي العيون و تبوح به.
"برضو مصممة تتجوزيه؟"
نهضت من المقعد المخملي واقتربت من والدتها لتخبرها بإصرار وثقة يشوبها التحدي لهذا الرفض في عينين الأخرى.
"أيوه يا ماما هتجوزه، و وفري علي حضرتك أي محاولة أنك تخليني أغير رأيي، خلاص دي فرصتي الأخيرة و جت لحد عندي، مضيعهاش زي ضيعت سنين قبلها"
ابتسامة ساخرة علي فم والدتها المرفوع جانباً بزاوية ها نبرة هازئة
"أنتي لما كلمتينا إننا نرجع مصر ضروري قولت حصلت مصيبة، و لما وصلنا إمبارح و عرفت من أبوكي اللي بتحكيله أسرارك كالعادة و بتخبيها عليا، حمدت ربنا إنك بخير، بس فعلاً فيه مصيبة، والمصيبة إنك ضيعتي سنين من عمرك ورا سراب وأخرتها عايزة تتجوزيه بعد ما بقي راجل متجوز و عنده كمان بنت"
ولت ظهرها إلي والدتها تتهرب من مواجهة النظر مباشرة إليها
"كان متجوز، و اللي كان متجوزها توفت، و مش شايفة إنها حاجة تعيبه، و بالنسبة لبنته ربنا يعلم أنا بحبها قد إيه، و هي كمان بتحبني جداً لدرجة ساعات بتناديني ماما رودي"
"أنتي بتضحكي عليا و لا علي نفسك يا رودينا؟!، أنتي عارفة و متأكدة إنه هيتجوزك عشان بنته و عشان الجواز نفسه، و يا عالم يمكن أهله قالوا له كفاية عليك سنتين حداد علي مراتك، و هو زيه زي أي راجل ليه احتياجات، يعني أنتي هتبقي بالنسبة له واحدة جميلة فيها كل مواصفات أي راجل يتمناها، لاء و كمان واثق إنك عايشة علي حبك ليه واللي من طرف واحد"
كلمات بمثابة ترددات تيار كهربائي يصعقها كل حين و آخر، تحصنت بدفعة من الأمل الذي تتشبث به، استدارت وحدقت بثقة تنبع من عزيمة تأبى الرجوع والاستسلام
"حضرتك ما تعرفيش ياسين زي ما أنا عارفاه، و لو كان عايزني عشان بنته كان جابلها ناني أحسن، إما بالنسبة لموضوع إنه هيتجوزني عشان احتياجه، اعتقاد غلط من حضرتك، اللي خلاه سنتين من غير جواز عايش علي ذكري أم بنته، يخليه ممكن يفضل كدة علي طول، مش يمكن قلبه بدأ يحس بيا وجوازنا يبقي بداية قصة حبنا؟!"
احتمالات من نتاج تفكير ضاري طوال الليالي المنصرمة أفقدها النوم، مازالت تتشبث بالأمل مهما قيل لها من حقائق يرفضها قلبها بشدة.
"قصة حبكم!، طول عمرك عنيدة و عمرك ما بتسمعي كلامك، باباكي دلعك و بينفذلك كل طلباتك لأنه ما بيحبش يشوفك زعلانة، ما يعرفش إنه كدة بيضرك و بيساعدك تدمري نفسك بنفسك"
تعجُب والدتها و تصريحها بحقائق لا يشوبها الكذب جعل الأخرى ترفع درع الدفاع أمام كل ما يطفئ بارقة الأمل لديها
"بابي عمره ما ضرني، بالعكس هو بيحبني و بيخاف علي مشاعري، بحكي له أسراري لأنه فاهمني، غير حضرتك خالص، دايماً عايزه كلامك يتنفذ من غير جدال، عمرك ما سألتيني مالك أو أتكلمتي معايا زي أي أم بتتكلم مع بنتها، و العجيبة كل نفس ليا بيكون عندك علم بيه"
صمتت للحظات تلتقط أنفاسها لتتابع صد الهجوم بالدفاع
"أنا عارفة سبب رفضك لجوازي من ياسين مش عشان كل اللي قولتيه، السبب الرئيسي و اللي كتير حاولتي تقنعيني بيه باللين أو بالشدة، هو رفضي لرحيم ابن أختك، و علي طول مشيلاني ذنبه كأني ضربته علي إيديه و قولتله حبني!"
و علي نقيض ما كانت تتوقع من سخط و غضب من والدتها سمعت ضحكة هازئة بالطبع ها قولها الجاد وكأنها لم تكن تضحك تواً
"الحاجة الوحيدة اللي خدتيها مني، لما تلاقي الحوار هيدينك تقومي قالبه الطربيزة و تخلي اللي قدامك هو الغلطان مش أنتي"
سارت نحو كرسي طاولة الزينة وجلست بزهو واضعة ساق فوق أخري، تسطرد
"مش ده رحيم اللي كل ما كنتي بتزعلي أو بتضايقي تروحي تحكي له عن مشاكلك و هو يقف جمبك!، مش ده برضو يوم ما قررتي تسافري و تدرسي بره و أنا رفضت عشان عارفة إنك بتهربي، خلتيه يكلمني و يقنعني أوافق، دلوقتي بقي ابن أختي وبس؟!"
عقدت ساعديها أمام صدرها لتخبرها
"هو أنا عشان بعتبره أخويا وكنت بلجأ له يبقي خلاص لازم احبه و اتجوزه؟!، رحيم راجل محترم و لما اتكلم معايا وقالي علي مشاعره من ناحيتي قولتله أنا طول عمري بعتبرك زي أخويا، أحترم ردي و أختار يبعد عشان عارف أنه بعد ما اعترفلي باللي جواه ما ينفعش نقرب تاني من بعض"
عقدت الأخرى ما بين حاجبيها
"و للأسف زي ما أنتي عايشة علي أمل حب ياسين ليكي، رحيم كمان عايش علي أمل إنك تحبيه زي ما بيحبك، لكن جوازك من أخو صاحبتك هيخليكي تخسريه ده غير ما هتخسري كل حاجة تانية"
قد شعرت بالضجر أو قاربت طاقتها علي الانتهاء، صفحات قامت بطيها فتعود والدتها لفتحها من جديد، لذا ألتزمت الصمت لثوانٍ حتي جاء صوت الخادمة من الخارج.
"مدام شاهيناز، الضيوف وصلوا و قعدوا في الصالون مع مهاب بيه"
و كأن ما أخبرتهما به الخادمة طوق النجاة لرودينا التي أسرعت في المغادرة و كادت تخرج من باب الغرفة، أوقفتها والدتها بنبرة لا تحمل المزاح
"لو أتجوزتي ياسين البحيري، أنسي إن هقف جمبك زي أي أم في فرح بنتها"
رفعت جانب فمها بسخرية
"و من أمتي و حضرتك بتقفي جمبي؟!، كفاية بابي اللي هايكون جمبي في يوم زي ده"
و دون أن تلتفت إلي الأخرى مضت إلي الخارج، لا تعلم أن ما ألقته من ردٍ مجحفاً جعل والدتها أكثر إصراراً و تحدياً لما عزمت عليه بصوت لا يسمعه أحد سواها
"ما بقاش أنا شاهيناز لو الجوازة دي تمت، و لو تمت هتخليني اضطر استخدم لآخر أسلوب مكنتش حابة ألجأ له، بس أنتي اللي جبتيه لنفسك يا رودينا"
༺※※※༻
"الفيلا نورت بيكم يا قصي بيه"
كان قول والد رودينا و في نفس اللحظات كانت الخادمة تقدم إلي كل من قصي و آدم وياسين العصائر والحلوى.
رد الأخر بابتسامة ود
"تسلم يا مهاب بيه، البيت منور بأهله"
عقب آدم الذي علي معرفة سابقة بوالد رودينا وذلك من خلال صداقتها بشقيقته و الأمر الأخر ما سيخبر به أخيه للتو
"مهاب بيه غني عن التعريف، كان هو وبابا الله يرحمه دايماً كانوا مع بعض في كل مزاد للمناقصات، و قبل المزاد كانوا بيتفقوا مع بعض إن مرة ترسي عليه و مرة ترسي علي بابا من غير ما حد يحس من أصحاب الشركات المنافسة إن ما بينهم إتفاق"
ضحك مهاب معقباً
"و كان عابد الرفاعي من أشد المنافسين ليه، كل ما كان يحضر مزاد و ترسي علي والدك كان هايتجنن، بصراحة عابد كان منفسن منه برغم علي حد علمي إنهم قرايب"
حمحم آدم بحرج، تبادل النظر بينه و بين قصي ثم أخبر مهاب
"عابد بيه يبقي حما قصي"
و أكمل ياسين الذي كان يلتزم الصمت
"و يبقي جوز ماما"
احتقن وجه مهاب بالدماء حرجاً وخجلاً، حمحم فقال
"بعتذر يا جماعة لو أتكلمت بحسن نية"
ابتسم قصي وأخبره دون عتاب
"و لا يهمك يا مهاب بيه"
ترك كأس العصير علي المنضدة وجلس معتدلاً مردفاً
"بما أن حضرتك كنت علي معرفة قريبة بالعيلة، فأنا و أخواتي جايين نطلب إيد الآنسة رودينا علي سنة الله و رسوله لياسين"
ابتسم مهاب وبدت السعادة علي وجهه، فهو يعلم طباع ابناء البحيري من خلال وسط سوق الأعمال، لا غبار عليهم و من أقوي الشركات محلياً و علي مستوي الشرق الأوسط.
"شرف ليا و يسعدني طبعاً إننا نبقي نسايب، و رودينا قبل ما نرجع أنا و مامتها من كندا كلمتنا و أدتنا خلفية عن الوضع و ظروف أستاذ ياسين"
و ما أن بدء الرجل يأتي بذكر الظرف الخاص بياسين، شعر الآخر بالضيق و الضجر، لا يريد الخوض في حديث ليس من شأن أحد التحدث فيه، بينما رودينا كانت تختبئ علي مقربة منهم ريثما يناديها والدها.
تدخل قصي ليطمأنه
"ما تقلقش يا مهاب بيه، ياسين بالتأكيد هيحط بنت حضرتك في عينيه"
أضاف ياسين علي حديث شقيقه قائلاً
"أطمن يا مهاب بيه، كل اللي هيبقي ما بيني و بينها ود و إحترام، أنا ما بحبش المشاكل و عايز أعيش في سلام و هدوء"
حمحم مهاب ثم أخبره
"و أنا واثق هتعاملها بما يرضي الله، لكن معلش اعذرني أنا راجل ابن سوق، بدأت البيزنس بتاعي من الصفر يعني بالبلدي الدنيا علمتني حاجات من أهمها مفيش شىء مضمون مية في المية، يعني لو نسبة الضمان 90٪ يبقي الـ 10٪ الباقين مفيش ضمان، و بصراحة عايز أضمن لبنتي حقوقها و هي معاك أو لا قدر الله لو أنفصلتوا"
عقب ياسين بجدية
"اللي هتطلبه حضرتك أنا تحت أمرك فيه، مهر مؤخر، مش هنختلف إن شاء الله"
عاد الأخر بظهره إلي ظهر المقعد بأريحية
"أنا آخر همي الفلوس يا ياسين، زي ما أنت عارف رودينا بنتي الوحيدة اللي مليش غيرها، كل أملاكي و فلوسي و شركاتي بتاعتها، يعني مش محتاجة أي حاجة، أنا كلامي عن أنه يكون جوازك منها مش مجرد وجود ست في حياتك عشان تلبي احتياجاتك، أنا عايزك تعاملها بمودة و رحمة و ما تظلمهاش، يعني لو جتلي في يوم بتعيط منك مش هقولك إيه اللي هعمله وقتها"
أخبره قصي قبل أن ينفذ صبر أخيه
"إحنا طبعاً فاهمين قصدك، و بقولها لحضرتك للمرة التانية، ياسين هيحطها في عينيه، و مع العِشرة والأيام هيجي الحب"
تبدلت ملامح الأخر من الجدية إلي ابتسامة خلفها اطمئنان علي ابنته فقال لهم بسعادة
"حيث بقي كدة مافضلش غير إننا نقرأ الفاتحة، بس ننادي علي العروسة الأول"
قام بالنداء علي احدى الخادمات ليخبرها بالذهاب إلي ابنته التي ظهرت علي الفور، تسير نحوهم علي استحياء، ألقت تحية السلام و ردد جميعهم التحية، جلست علي المقعد المجاور لوالدها، قلبها يخفق بشدة، انتبهت إلي والدها يسألها
"ها يا رودي، ليكي أي طلبات قبل ما نقرأ الفاتحة؟"
رفعت وجهها تنظر إلي ياسين الذي تهرب من النظر إليها و تظاهر بشرب العصير، داهم سمعها الداخلي كلمات والدتها التي تركت أثرها بالفعل داخلها، و ها هي تري فراره من النظر إليها و يجلس كمن يقوم بمهمة ليست بالأمر الهام!
"لاء يا بابي"
ابتسم إليها والدها ثم نظر إلي ياسين و شقيقيه
"علي خيرالله، نقرأ الفاتحة"
"لسه الإتفاق ماخلصش"
كاد يقرأون الفاتحة وأوقفهم صوت والدة رودينا، حدق إليها زوجها بتحذير، نهض كلا من قصي وآدم وياسين احتراماً إليها
"شاهيناز هانم، المدام"
قالها مهاب ويدعو في سره أن لا تخرب سعادة ابنتها التي ترتجف من رد فعل والدتها
"أهلاً وسهلاً بحضرتك"
قالها الثلاثة أشقاء، اكتفت بإيماءه و نظرة قام بتحليلها قصي وأدرك أن السلام والهدوء الذي يتمني شقيقه أن ينعم به في تلك الزيجة سينقلب جحيماً مع هذه المرأة.
"زي ما قالك مهاب آخر حاجة نفكر فيها الفلوس، بنتي أصلاً عندها اللي يعيش أحفاد أحفادها في نعيم، لكن فيه طلب أتمني أستاذ ياسين يتقبله بصدر رحب"
لم يعقب ياسين وأنتظر أن تلقي طلبها، يكفي نظراتها إليه، علم إنها لا تحبه بل و ترفض تلك الزيجة، يبدو إن ابنتها قد ارغمتها علي الموافقة
"أتفضلي يا مدام شاهيناز وإحنا تحت أمرك"
نظرت إلي ياسين بقوة وتحدي لتلقي عليهم ما تثق إنه سيقابله الآخر بالرفض وتتمني حدوث مشكلة تنتهي بإنهاء هذا الزواج قبل أن يبدأ
"العصمة تبقي في إيد بنتي"
استقبل قصي طلبها بابتسامة هادئة وبنظرة من عينيه يخبرها إنه علي دراية بهدفها من وراء هذا المطلب الذي رفضه ياسين قطعاً
"لاء، قصدي مفيش راجل يقبل علي نفسه العصمة تبقي في إيد مراته"
عقب آدم لاحتواء الموقف
"أنا شايف موضوع العصمة ملهوش لازمة إنه يبقي في إيدين الآنسة رودينا، لأن لو حصل عدم توافق لا قدر الله ما بينهم أول ما هتطلب الانفصال بالتأكيد مش هيرفض، و إن شاء الله ربنا مايجيبش زعل و لا مشاكل"
ابتسامة دهاء تضوي علي شفتيها وتسأل الذي لزم الصمت
"ها يا ياسين اخواتك ردوا، و أنا عايزة اسمع ردك أنت"
كان الأخر أكثر دهاء و مكراً منها فقال
"لو دي رغبة رودينا أنا معنديش مانع"
تبادلت رودينا النظرات مع والدتها حتي أدلت بتصريحها الذي يحمل تحدياً جلي لها
"مفيش نص في الدين بيقول إن العصمة بتبقي في إيد الزوجة، ده بيبقي مجرد إتفاق وبرضو بيبقي برضا الزوج مش شرط إجباري، و علي العموم أنا مش موافقة علي الشرط ده"
نظرت إلي والدتها بانتصار، و قبل أن يحدث صدام ما بين الأطراف لحق آدم الموقف قائلاً
"كدة خلاص نقرأ الفاتحة"
قام جميعهم بقراءة الفاتحة ما عدا شاهيناز التي تشتعل غيظاً من داخلها حتي انتهوا من التلاوة، نظر ياسين إلي والدة رودينا ثم إلي زوجها يخبرهم
"حاجة أخيرة يا مهاب بيه، إحنا مش هنعمل فترة خطوبة لأن ملهاش داعي زي ما حضرتك عارف، ياريت يبقي كتب الكتاب والفرح يبقوا مع بعض"
تظاهرت شاهيناز بعدم اللامبالاة عكس البركان الثائر داخلها، بينما زوجها أومأ إلي ياسين بالموافقة وتابع
"رودينا قالتلي، و شايف طلبك مناسب وياريت يبقي في أقرب وقت عشان أنا مضطر أرجع علي كندا علي آخر الشهر"
"هيبقي الفرح إن شاء الله الخميس اللي بعد الجاي"
قول ياسين وعينيه صوب رودينا التي عندما سمعت أن سيكون حفل زفافها بعد مرور عشرة أيام فقط، ارتفعت نبضات قلبها بخليط من المشاعر، مزيج من الفرح و التوتر والقلق، يكفي نظرته الغامضة التي لم تدرك منها ما يجول داخل عقله.
༺※※※༻
في اليوم التالي داخل الشركة، يقف خلف الواجهة الزجاجية في مكتبه، يحتسي القهوة، ينظر في ساعة يده ليجدها العاشرة صباحاً، سار نحو المكتب وأخذ من فوقه الهاتف ليجري إتصالاً ليطمئن عليها...
"ألو؟"
أجابت عليه بسعادة تنضح من نبرة صوتها
"قيصو حبيبي، سبحان الله كنت لسه مطلعة الفون من شنطتي عشان أكلمك لاقيتك سبقتني"
ترك القدح بعد أن انهي القهوة مبتسماً
"عشان تعرفي أنا بحبك أكتر"
"لاء أنا اللي بحبك أكتر، و مش بحبك و بس، ده أنا بعشقك"
ابتسم بمكر يخبرها
"طب ما تيجي بعد ما نخلص شغلنا أعدي عليكي ونروح علي اليخت، و نشوف مين فينا بيحب التاني أكتر"
ضحكة بدلال طاغي خرجت من بين شفتيها
"وأنا هستناك بس ما تتأخرش عليا"
"ما هو بعد الضحكة والدلع ده شكلي هاسيب كل اللي ورايا وهجيلك حالاً"
"مجنون وتعملها، استني بس إيديني ساعة بخلص شوية حاجات عشان بنجهز للإفتتاح، والمفروض في خلال أسبوع الـ designers يكونوا خلصوا الـ collection اللي هنعرضه يوم الإفتتاح"
"براحتك يا حبيبتي، خلصي شغلك علي مهلك، أنا كدة كدة برضو ورايا شوية حاجات هخلصهم و أكلمك قبل ما أخرج من الشركة"
"تمام يا قلبي"
"أهم حاجة خدي بالك من نفسك، و لو في أي حاجة وقفت معاكي كلميني علي طول"
"ما تقلقش عليا، أنا تليمذتك يا كينج بعرف أتصرف"
"والكينج مبسوط منك أوي"
عقب جملته بإرسال قُبلة وصل صوتها إلي الأخرى، و قبل أن تبادله أو تتحدث بكلمة قاطعها صوت طرق علي باب مكتب زوجها وصل إلي سمعها
"مضطر أقفل معاكي يا حبيبتي، سلام"
"باي"
أنهي المكالمة وترك هاتفه علي المكتب ثم صاح للطارق
"أتفضل"
فُتح الباب وظهر صديقه الذي ولج في عرض مسرحي، يفتح ذراعيه مبتسماً ويقول بالإيطالية
" Buongiorno mio caro amico "
«صباح الخير صديقي الغالي»
أجاب الأخر بابتسامة علي أسلوب صديقه الفكاهي
" Buongiorno, mio pazzo amico "
«صباح الخير صديقي المجنون»
تلاشت الابتسامة من وجه أدهم والذي حدق إلي قصي بتجهم زائف
"أنا مجنون!، الله يسامحك، أنا ماشي"
و سار نحو المكتب وجلس علي الكرسي تحت نظرات قصي الذي أخذ يضحك، جلس علي الكرسي المقابل للآخر
"شوفت بقي عندي حق لما أقولك يا مجنون"
"أنا فعلاً مجنون، و جايلك عشان تلحقني قبل ما أتجنن أكتر"
أشار إليه قصي
"ثواني"
رفع سماعة الهاتف الخاص بالمكتب
"اتنين إسبريسو إيطالي"
أعاد السماعة في مكانها ونظر إلي صديقه
"يا تري عملت مصيبة إيه المرة دي؟"
ضحك الآخر وأخبره
"أطمن أنا الحمدلله ربنا هداني عن جنان زمان، و أخيراً قررت أعقل وأتوب وأستقر"
عقب قصي بسخرية مازحاً
"لتكون جايلي أدور لك علي عروسة؟!"
"هي العروسة موجودة من غير ما تدور عليها"
ظل يتصنع التفكير قليلاً حتي نظر إلي أدهم وأخبره
"و اسمها منار صح؟"
تنفس الصعداء و أجاب
"الله ينور عليك، طول عمرك ذكي و لماح، هي فعلاً منار، اللي مجنناني و مطيرة عقلي، و ممكن يجرالي حاجة لو طلعت مرتبطة أو متجوزة"
عاد الآخر بظهره إلي الوراء يخبره
"هي حالياً single"
مال أدهم بجذعه إلي الأمام ويقول برجاء كطفل صغير يريد ما يطلبه بشدة
"بالله عليك تكلمهالي وتقولها إن أنا بحبها من أول مرة شوفتها و عايز أتجوزها"
"يا بني الموضوع بسيط خالص مش محتاج وسيط، أتصل عليها و أقولها إنك عايز تقابلها و روحوا في أي مكان عام وأقولها اللي قولته دلوقت"
عاد الأخر أيضاً بظهره إلي الوراء يشعر بالحرج قائلاً
"هي للأسف كل ما بتشوفني تطلع تجري"
قطب قصي ما بين حاجبيه وسأله
"ليه؟، أنت عملت معاها إيه؟"
ظهر الغضب علي ملامحه مما زاد توتر الآخر الذي حك ذقنه
"أصل... "
قاطعه طرق علي الباب ه دخول المساعدة تقدم إليهما الإسبريسو الساخن، و قبل أن تغادر أخبرت قصي
"أستاذة منار جت و مستنية حضرتك برة يا فندم"
خفق قلب أدهم و في آن واحد يخشى رد فعل منار عندما ستراه
"خليها تدخل"
أومأت المساعدة إلي رب عملها
"أمرك يا فندم"
بعد ثواني ولجت منار مبتسمة
"صباح الـ... "
تلاشت بسمتها عندما رأت أدهم فتراجعت
"آسفة يا مستر قصي، أنا جيت في وقت مش مناسب"
كادت تغادر فأوقفها قصي مشيراً لها
"تعالي يا منار، مفيش حد غريب، سنيور أدهم الشافعي أنتي عرفاه"
نهض وأشار إليهما نحو المقاعد التي تقع في ركن جانبي بالغرفة
"تعالوا نقعد هناك أحسن"
ذهبت وها أدهم فسألها قصي
"تشربي إيه يا منار؟"
"شكراً يا مستر، أنا شربت قبل ما أدخل لحضرتك"
سار نحوهما وجلس، ينظر إلي أدهم الذي ألتزم الصمت وكأنه يخشى شيئاً ما
"عاملة إيه؟"
كان سؤال قصي فأجابت الأخرى بشبه ابتسامة
"الحمدلله بخير، أنا كنت جاية لحضرتك بخصوص الشغل و... "
أشار لها بيده يقاطعها
"سيبك من الشغل دلوقتي، أنا كنت هكلمك و أنتي جيتي في الوقت المناسب"
نظر إلي أدهم يحثه علي التحدث
"نقدر نقول إن أدهم هو اللي عايز يتكلم معاكي"
نهض وتابع
"هستني برة عشان تتكلموا براحتكم"
صاحت منار بحسم
"لاء، قصدي خلي حضرتك قاعد معانا، أنا مش هقعد مع الأستاذ ده في مكان لوحدنا أبداً"
حديثها المُعارض بشدة جعله يتأكد أن هناك خطب ما، حدق إلي أدهم بغضب ينتظر تفسيراً، ابتسم الأخر ليخفي توتره قائلاً
"مالك بتبصي لي كدة ليه، ما أنا قاعد محترم في مكاني وبعيد عنها أهو"
كانت قد عقدت النية بمكر خلف نظرة وعيد إلي أدهم، نهضت وقالت
"يا مستر قصي، الباشا صديق حضرتك بعد ما خلصنا الـ meeting مع الوفد الإيطالي باسني بالعافية، و بعدها كان هيكررها في النادي، و تالت مرة أتقابلنا في المول صدفة جه ورايا في الأسانسير و كان برضو عايز يبوسني"
اتسعت عينين أدهم و هو ينظر إلي قصي الذي يرمقه بغضبٍ جم، يسأله هاكماً
"متأكد إنك بطلت جنان؟"
كان يقترب منه الهوينة، نهض أدهم رافعاً يديه بدفاع
"استني بس هافهمـ...
نال لكمة قوية في وجهه من قبضة قصي
"دي عشان اللي عملته فيها هنا"
و سدد له لكمة أخري
"و دي عشان اللي كنت هاتعمله في النادي"
كاد يسدد له لكمة ثالثة صاحت منار برجاء
"خلاص يا قصي بالله عليك"
ترك تلابيب قميص أدهم وصاح به
"فاكر نفسك لسه في إيطاليا؟!، ما أنا قولتلك قبل كدة منار مكنتش مجرد موظفة هنا، هي في مقام كارين وملك أخواتي"
أمسك أدهم كلا خديه بيديه، يجيب بصعوبة
"والله كان و مازال نيتي خير، و للأسف أنا مندفع و متهور وبدل ما اعترفلها عن حبي بالكلام لاقتني بختصر الكلام بالفعل"
شهقت منار من تصريحه المفاجئ لها و جرأته في آن واحد، وجدته ينظر إليها ليكمل
"أيوة بحبك، و لما لاقيت رد فعلك معايا عنيف كل ما أقرب منك، حبيتك أكتر وجيت النهاردة لقصي عشان يقولك إن أنا عايز أتجوزك"
صدمة أخرى غير متوقعة لديها لكن هناك الذي يخفق خلف ضلوعها، لا تنكر أن أفعاله المتهورة و جنونه جذبها إليه، لكن كانت تخشى أنه يريد منها مرافقة أو علاقة محرمة فقط، فبالرغم يبدو من مظهرها إنها فتاة متحررة تحب الحرية دون قيود، لكنها تسير علي قواعد تربت عليها منذ صغرها وتضع الحدود بينها و بين الآخرين من الرجال حتي لا تصبح مطمع لأهوائهم ونواياهم الدنيئة.
نظرت إلي قصي ثم إلي أدهم ونهضت بحرج و خجل، همت بالذهاب فأوقفها قصي
"أستني يا منار"
ثم عاد ببصره إلي أدهم وأخبره
"أنت عارفني ما بحبش أعيد كلامي مرتين، أقسم بالله لو كررت أي حركة طايشة من حركاتك دي معاها تاني، مش هقولك أنا ممكن اعمل فيك إيه"
نظر أدهم إلي أسفل يشعر بالندم ثم رفع وجهه و قال لها
"أنا آسف، مش هكررها تاني غير لما تبقي مراتي، موافقة؟"
كانت في حيرة، بل في مأزق، هل عندما يعلم بأمر زواجها السابق من قصي سيظل علي موقف طلبه أم سيتراجع؟!
"قبل إجابتي علي طلبك، لازم تعرف حاجة"
ابتلعت غصة فمن الممكن أن علم أدهم بالأمر سيغير رأيه ويعزف عن أمر زواجه بها، تابعت
"قصي هيقولك كل حاجة"
و بدون تردد ذهبت سريعاً من أمامهما، توجه نظر أدهم إلي صديقه منتظراً أن يخبره.
بالقرب من البوابة في الداخل تنتظر صديقتها التي تأخرت و لم تأتِ باكراً اليوم، ألقت نظرة علي الساعة وأطلقت زفرة بضجر
"أومال لو مكنتش مأكدة عليكي يا فجر إنك تيجي بدري كنتِ هتيجي الساعة كام؟!"
انتبهت إلي ولوج سيارة سوداء فارهة من البوابة المخصصة لعبور السيارات، وقفت السيارة أمام الرصيف التي تقف عليه هي، انفتح الباب وترجلت فجر تبتسم إليها من خلف النظارة الشمسية
"هاي ديجا، معلش أتأخرت عليكي"
انتبهت إلي باسم يقف مع أصدقائه علي مقربة منهم، عينيه لا تبرح الشاب الذي ينزل من سيارته ووقف بجوار فجر التي تابعت بصوت يصل إلي هذا الذي يتأجج كماء المهل من فرط الغضب و الغيرة
"أعرفك بمازن خطيبي"
و رفعت يدها تبرز اصبعها البنصر في يدها اليمني، يلمع بريق خاتم خطبة تتوسطه قطعة ألماس صغيرة.
نظرت إليها الأخرى بعدم فهم و حينما أشارت فجر لها بعينيها إلي باسم ورفاقه أدركت ما تفعله من تمثيل زائف لتجعل باسم يتراجع عن ملاحقتها كل يوم.
عقبت خديجة بهمس
"و الله أنتي مجنونة، و جنانك هيوديكي في داهية"
اقتربت فجر منها لترد بصوت خافت
"مازن يبقي جارنا ومحامي في نفس الوقت، و الخاتم اللي في إيدي من محل اكسسوارات، كنتِ عايزاني أخليه يبعد عني إزاي و هو عمال يطاردني في الراحة والجاية، ده حتي مخلي واحد بيراقبني من أول ما أخرج من باب البيت، شوفي وصلت لأيه؟!"
"خلاص بسيطة ممكن نروح نعمل محضر بعدم تعرض"
تدخل مازن يخبرها
"إحنا عملنا كدة فعلاً"
ضحكت فجر بسخرية
"أنتي طيبة أوي يا خديجة، باسم من عيلة نفوذها واصلة لوزير الداخلية، عملنا محضر و بعد ما خرجنا من القسم أترمي في الزبالة و مش بعيد اتصلوا بلغوه واعتذروا له كمان، أومال دكتور هاني مقرب منه ليه وبقوا أصحاب، طبعاً بيستفاد منه، أي مصلحة باسم بينفذها له بمكالمة تليفون"
"فجر عايزة حاجة قبل ما أمشي؟"
كان سؤال مازن، فاستدارت فجر إليه تحت نظر باسم قائلة
"لاء يا بيبي، thank you، روح أنت علي شغلك و أنا هستناك"
أمسك يدها وقام بتقبيل ظهر كفها علي مرأي الآخرين، انزعجت خديجة لما تتمادى فيه فجر، فهي تخشى عليها من شر باسم، لا تأمن مكر هذا الشيطان إلي أين سيصل؟!
لوح المدعو مازن بيده إلي فجر من نافذة السيارة ثم انطلق.
"مالك يا ديجا متضايقة ليه؟!"
أجابت الأخرى
"أنا خايفة عليكي من شر باسم، و تاني حاجة إزاي تسمحي لراجل غريب حتي لو بتمثلوا يمسك إيدك و يبوسها؟"
شعرت بالحرج فصديقتها لديها حق في هذا العتاب
"بالتأكيد ما اقصدش، أو يمكن ما خدتش بالي"
"خلاص اللي حصل حصل، إنهي الحوار ده أحسن، وتعالي بعد ما نخلص محاضرات النهاردة نقعد نشوف اللي مفروض نذاكره، الأيام بتجري والإمتحانات قربت"
ذهبت كلتيهما من أمام باسم و كانت فجر تحدق نحوه بازدراء لتجد نظراته تنضح بوعيد من جهنم لن يتراجع عنه.
༺※※※༻
عاد من الخارج ينادي علي صغاره
"قصي؟، يزيد؟، سيف؟"
لم يجد رداً، ذهب إلي غرفتهم وفتح الباب، لا يوجد أحد منهم، ذهب إلي غرفة النوم فوجد زوجته تغط في نوم عميق، تنام في وضع الجنين يبدو أنها تشعر بالبرد من هواء المكيف البارد، أمسك بالغطاء الخفيف و دثرها جيداً ثم أخذ جهاز التحكم وقام بتزويد درجة الحرارة ليصبح الهواء أقل برودة.
خلع سترته ووضعها علي طرف نهاية السرير، جلس بجوار دنيا يتأمل ملامحها التي أصبح يعشقها، فكل يوم مر من الأيام السابقة يكتشف كم هو كان أحمق، لديه زوجة تجمع صفات مميزة عديدة يتمناها كل رجل في زوجته، زوجة و أم حنون، تحبه بل وتعشقه، تقوم بتلبية طلبه قبل أن يتفوه به، تتميز بروح الدعابة كلما تراه مهموماً تخفف عنه بإلقاء النكات المضحكة أو تقوم بالمزاح معه كما تفعل مع صغارها لتزيل عنهم الحزن و تترك البسمة علي شفاههم، تجمع كل صفات ابنة الأصول.
دنا من وجهها وقام بتقبيل وجنتها ثم بدأ يخبرها
"أنا اكتشفت أن ما أقدرش أعيش من غيرك و بحبك أوي، عارف أذيتك كتير بالتجاهل، كان غباء مني و دلوقتي عرفت قيمتك، تعرفي في كل صلاة بدعي ربنا إنه يحنن قلبك عليا و تسامحيني"
خلع حذائه وجوربه ليتمدد جوارها، احتضنها بين ذراعيه فأستيقظت
"كنان! "
انسحبت من بين ذراعيه ونهضت بجذعها جالسة
"أنت جيت امتي؟"
وضع يده علي ظهرها يمسده بحنان
"لسه جاي، الأولاد فين؟"
ابتعدت قليلاً حتي تبتعد عن يده التي سببت لها القشعريرة وتخبره
"عند جدتي و هعدي عليها بكرة الصبح هاخدهم معايا علي المشغل"
كانت علي وشك أن تنهض من الفراش، فأمسك بيدها ينظر إليها بإشتياق و تيه في بحور عينيها الناعستين، يرجوها بنبرة تجعل الحديد ينصهر فما بال حال فؤادها العاشق له!
"وحشاني أوي"
عادت لتجلس علي طرف السرير تحدق إليه في صمت ثم تخلت عن هذا السكون تشير له نحو فخذيها، أدرك مقصدها فذهب كالطفل الصغير ونام برأسه عليهما، أخذ ينظر إليها ويمسك بيدها، و يدها الأخرى تداعب خصلات شعره بأناملها، سألته و تتحري صدق قوله أن كان بالنفي أم بالإيجاب خلال ما تنضح به عينيه
"بتحبني؟"
تظاهرت بعدم سماعها لما ألقاه علي سمعها وهي نائمة، لكن تريد أن تسمع ذاك الاعتراف وجهاً إلي وجه، فقام بتقبيل راحة يدها التي يمسك بها ثم قال لها
"أنا تخطيت مرحلة الحب معاكي"
"و حبك ليا نابع من قلبك و لا شفقة بعد اللي حصل؟"
ابعد رأسه عن فخذيها ونهض ليجلس بجوارها ويمسك بكلا يديها
"أنا عارف أنه مش من السهل تنسي اللي حصل، بس أنا معايا دليل بسيط يثبتلك أن قفلت صفحة الماضي وفوقت لنفسي وعرفت أن معايا أجمل وأحن ست في الدنيا و في عينيا"
أخرج محفظته الجلدية من جيب البنطال وأخذ من طياتها ورقة مطوية، مد يده بها إليها
"أفتحي أقرأي"
قامت بفتح الورقة وأخذت تتجول بعينيها علي محتواها فوجدتها قسيمة طلاق تم توثيقها منذ أسبوع، واسم غريمتها مدون بالإنجليزية، نظرت إليه و ألقت عليه سؤالها الذي يخفي خلفه عدة تساؤلات
"طلقتها ليه؟"
اقترب منها للغاية وحاوط وجهها بين كفيه مبتسماً
"كان لازم أعمل كدة من أول مرة شوفتك"
لا تنكر أن قلبها يرقص من السعادة، لكن مازال صوت كبريائها يهمس لها بأنه لن يحن بعد وقت الغفران الكبير، عليها أن تتمهل حتي تتأكد من صدق حديثه و أفعاله، فما شعرت به من عذاب نفسي طوال الثمانية سنوات ليس بالهين نسيانه في غضون أيام أو شهر!
"مش بالسهل أنسي بسرعة، كل ما افتكر اللي فات بحس أن بتحرق، إحساس صعب أي حد يستحمله"
دمعة فرت من عينها دون أن تدري فهبطت علي خدها
"هتنسي يا دنيا، حبي وعشقي ليكي هيخلوكي تنسي أي عذاب حستيه، أنا مستعد أصبر وأتحمل العمر كله لحد ما أنول الغفران"
و قبل أن تصل دمعتها إلي يده اقترب بشفتيه و ألتقط الدمعة في قبلة هادئة، يغمض عينيه يستمتع بملمس خدها المياس لملمس شفاه، وضعت يديها علي يديه تبعدهم علي مهل عن وجهها، لكنه لن يستسلم، ابعد يديه بالفعل ثم حاوط خصرها، ويريح جبهته علي خاصتها، أنفاسه تتصاعد رويداً رويداً
"هقولك علي حاجة نفسي أعملها معاكي"
ابتعدت ونظرت إليه و ظنت الأمر المعتاد كلما يقترب منها بشوق عارم، لكنه يفاجئها تلك المرة حينما نهض وقام بتوصيل هاتفه بسماعة ذات تردد مرتفع، قام بالضغط علي أغنية ذات نمط غربي مفضلة لديه، بدأت الموسيقي، و مد يده إليها
"نفسي نرقص slow مع بعض"
ابتسمت رغماً عنها، وداخلها يشعر بالتحليق كالطير، فها هو بدأ يكشف لها عن جانبه الرومانسي.
نهضت و استجابت لدعوته، اتخذ وضع الرقص الكلاسيكي بوضع يدها علي كتفه و الأخري يمسكها بيده، بينما يده الأخرى يمسك جانب خصرها، بدأت كلمات الأغنية بصوت المغني والذي يخبر حبيبته عن حبه وجنونه بها، ردد كنان معه الأغنية بصوته.
تخلي عن وضعية الرقص تلك فقام بمعانقتها و مازال يتحرك معها علي إيقاع الموسيقي بتناغم، كانت تريح رأسها علي صدره تسمع نبضات قلبه يخبرها بصدق ما يردده من كلمات الأغنية الإنجليزية، التي تعبر عن مشاعره.
" لقد سحرتيني بعيونك... بطريقتك الخاصة
... أتسائل متعجباً كيف عرفتِ الأشياء التي لم أقلها؟... لا أستطيع تصور الحياة من غير أن تكوني بجانبي... قوة حبك هو كل ما أحتاج إليه هذه الليلة.. أعرف أنني بعض الأوقات
سببت لك بعض الألم... لكني سأرميها وراء ظهري... أذا استطعت البدء من جديد
يجب أن أقول شيئاً... وأعلم انه تأخر
أحلى الأشياء عرفتها... أو كل ما أردته..
يبدأ وينتهي معكِ... كم أحبك.. كم أحبك
نعومة شفتاكِ... لون شعرك... ذكرى لمساتك
باقية حتى بغيابك... صدى ضحكاتك عندما اشعر بالكآبة... كل معنى حياتي يبدأ معك
لذا تعالي بأحضاني وأستلقي بجانبي... فالقمر دائماً هناك... ليبقى حبنا مشرقاً.. وصلت إلى الذروة كل شيء يعني أنك في القمة أنتِ... اريدك كل الأوقات... وحلمي إلى الأبد هو أنتِ
كم أحبك... كم أحبك"
هنا ينتهي الغناء و تبدأ معزوفة جديدة، معزوفة تبدأ بلحن قبلات وتناغم كليهما في عناق قوي، يتشبث بها وكأنها ستهرب منه، يلقي علي سمعها أعذب و أجمل الكلمات، يسمع إلي أنفاسها التي يشوبها أنين، همسات ها لمسات، جسدها يدنو إلي الخلف رويداً رويداً حتي أصبحت ممددة علي الفراش، لم يبتعد عنها و أنامل كل يد له تتخلل أنامل كل يد لها علي حده، ينظر إلي ملامحها المستلمة،
نظرات عينيها تخبره أن يكمل مشواره إلي درب فؤادها، و هنا أنطلق بها في رحلة تتلاحم داخلها الأنفاس كما تتلاحم الشفاه و الأجساد وصوت غناء العشق يصدح بأعذب الألحان.
مر وقت غير معلوم لكليهما، كان يتمدد جوارها يلتقط أنفاسه بينما هي ولت ظهرها إليه و الدثار يكسو جسدها ما عدا رأسها و ذراعيها، تضم يديها أسفل خدها، لا يبدو علي ملامحها أي تعبير وكأنها تمثال صامت، و قررت أن تتخلي عن صمتها فاخبرته دون مقدمات
"مبروك، هتبقي بابا للمرة الرابعة"
༺※※※༻
توقفت السيارة لدي المكان المخصص للسيارات في المرفأ، ترجل منها وذهب ليفتح لها الباب الآخر، و بمجرد أن نزلت حملها علي ذراعيه فضحكت
"نزلني، هتطلع لليخت إزاي و أنت شايلني، هنقع أنا وأنت في الميه"
تقدم بها نحو اليخت الخاص بهما
"أنتي مش واثقة في قدرات جوزك و لا إيه؟!"
تعلقت ذراعيها حول عنقه
"واثقة طبعاً، بس أوقات ممكن تحصل فلتات غصب عننا، و علي رأي المثل لا يقع إلا الشاطر"
رفع احدى حاجبيه إليها قائلاً
"ما تخافيش هنقع فعلاً بس مش في المية"
سألته بدلال وتحرك ساقيها في الهواء
"أومال هنقع فين يا حبيبي؟"
ابتسم بمكر ويخبرها
"هقولك جوه اليخت"
قفز وهو يحملها بنجاح فصاحت بمرح وأخذت تردد عبارات التشييد بقوته حتي وصل إلي داخل اليخت وخطت قدمه الرواق المتفرع منه الغرفة، لم ينتبه إلي الدرجة فانزلق ووقع علي ظهره، شهقت صبا بخوف وهبطت علي ركبتيها
"حبيبي، أنت كويس؟"
أمسك ظهره و حاول أن ينهض و يخفي ألمه
"قعدتي تغنيلي عليك قوة تهد جبال و عملالي فيها شادية، أهو رشدي أباظة قصدي جوزك وقع علي ضهره"
اقتربت منه ووضعت يدها علي ظهره بقلق
"تعالي نروح لدكتور نطمن علي ضهرك"
نظر إليها و رأي الخوف والقلق عليه في عينيها، نهض مبتسماً وجذبها من يدها لتقع بين ذراعيه
"ما تخافيش أنا بخير، الوقعة مكنتش جامدة، حتي تعالي أوريكي"
فقام بحملها مرة أخري، صرخت به
"يا قيصو يا مجنون"
فتح باب الغرفة ومازال يحملها حتي أنزلها برفق علي الفراش
"أنا فعلاً مجنون، و هوريكي الجنان، بس أدخل أخد shower و راجعلك"
غمز بعينه وذهب إلي الحمام، نهضت وسارت نحو الخزانة لتبحث عن شىء جديد ترتديه.
أنتهي من الاستحمام، أغلق الصنبور وذهب ليأخذ المنشفة ويجفف جسده بها ثم أخذ منشفة أخري، يلفها حول خصره بإحكام، خرج يبحث عنها غير منتبه للأشياء التي تركتها له، خرج من الغرفة يناديها
"صبا؟، أنتي فين؟"
أجابت من داخل الغرفة المقابلة والتي اغلقت بابها جيداً من الداخل
"هخلص لبس و جاية لك، شوف أنت بس الحاجات اللي عندك عقبال ما أجايلك"
عاد إلي الغرفة وانتبه في تلك اللحظة إلي الأرجيلة الموضوعة أعلي الكمود و هناك جلباب صعيدي رجالي فوق الفراش وبجواره عصا خشبية ذات مسند اليد المعكوف، ضحك وهو يمسك بالجلباب والعصا
"شكلها اتفرجت علي فيلم تمر حنة و لا إيه؟!"
بعد قليل...
تصدح موسيقي للرقص الشرقي من حقبة الخمسينات في القرن الماضي، تتراقص عليها بخصرها الذي عاد منحوتاً كما ذي قبل وذلك لإتباعها في الآونة الأخيرة لنظام غذائي مع ممارسة التمارين، كانت ترتدي جلباب نسائي ضيق يظهر منحنيات جسدها، ينتهي من الجانبين بفتحتين تصل كل منهما إلي الركبة، يعلو رأسها وشاح مثلث صغير مزدانة أطرافه بكرات صغيرة من الصوف (منديل بأويه) ويزين أذنيها أقراط دائرية الشكل، وعينيها يرسمها الكحل الأسود وشفتيها تكسوها الحمرة وعلي ذقنها شامة صغيرة قامت برسمها بقلم الكحل، أصبحت إمرأة شعبية من حقبة أفلام الأبيض والأسود.
كان يجلس علي الأريكة ينفث دخان الأرجيلة، اقتربت منه و تعطي له العصا
"قوم يا قيصو عشان خاطري أرقص معايا زي ما حسن كان بيرقص مع تمر حنة"
ترك عصا الأرجيلة علي المنضدة ونهض مبتسماً يتناول منها العصا
"ماشي يا تمر حنة قصدي يا صبا"
أخذ يرقص معها بالعصا فيحاصرها بها حتي تصبح بينه و بين العصا و تتراقص، وصل إلي الفراش، ترك العصا وجذبها لتقع بين يديه، حاوطت عنقه ذراعيها و تسأله بدلال
"قيصو، الورد أحلي و لا الفل؟"
ضحك وقال
"التمر حنة، قصدي أنتي يا حبيبتي"
"طب الفل أحلي و لا الياسمين؟"
"أنتي يا روح قلبي"
"طيب الياسمين أحلي و لا القرنفل؟"
"ما قولتلك أنتي أحلي، حتي تعالي لما أثبتلك كلامي"
ألتقط شفتيها في قبلة جعلتها تغوص في عمق محيطه، تترك نفسها إليه يغوص معها كما يشاء هو، كلما تعود من رحلة الغوص تأسرها عيناه داخل مملكة أشجار الزيتون، تتعمد لمس حروف اسمها الموشومة علي صدره، بأطراف أناملها تارة و بشفتيها تارة أخرى، ظل كليهما داخل عالمهما حتي وصلا إلي الشاطىء، فكان صدره هو المرسي الذي تتوسده برأسها و خصلات شعرها مبعثرة عليه، تضع يدها علي الوشم فتسأله
"قيصو؟"
"نعم؟"
"هو أنت ممكن في يوم من الأيام تشيل الوشم؟ "
قطب ما بين حاجبيه
"و إيه اللي يخليني أشيله؟"
"أصل حسن في الفيلم شال صورة تمر حنة الموشوم بيها صدره"
"هو عمل كدة لما باعته و جريت ورا واحد تاني"
اعتدلت واستندت علي مرفقها علي جانبها
"بصراحة تمر حنة غبية لما تسيب واحد بيحبها الحب ده كله و بيغير عليها"
تمدد هو أيضاً علي جانبه يخبرها
"و الغباء مش بيشمل الخيانة وبس، مثلاً لما الواحدة ما تقدرش جوزها، تخليه آخر إهتمامتها، عدم الطاعة كلها مسببات تدفع الزوج إنه يجيب أخره منها"
"هو أنا مش بهتم بيك قبل ما اهتم حتي بالولاد؟"
"و أنتي اخدتي الكلام عليكي ليه؟!، أنا بقولك الأسباب بشكل عام"
لوحت بيدها بعدم اكتراث
"لا عام و لا خاص، أنا اللي غلطانة عشان بسأل أسئلة غريبة وهنكد علي نفسنا في الآخر"
مد ذراعه يدعها لتلقي بنفسها علي صدره، لبت دعوته وفعلت ذلك، يمسك ذقنها
"بصراحة النهاردة بعد شغل و تعب اليوم نهايته جميلة أوي، كفاية إننا مع بعض، و عايز افهمك حاجة سؤالك أنا فاهم معناه كويس، عايزك تطمني عمري ما هشيلك من قلبي مهما حصل، أنتي زي ما اسمك موشوم بالظبط، صبا القلب و الروح، و مفيش انسان يقدر يعيش من غير القلب و الروح"
"بحبك أوي يا قصي، نفسي أصرخ و مش خايفة ليقولوا عليا مجنونة، بحبك، بحبك، بحبك"
كانت تصرخ بتلك الكلمة التي ترددها فعانقها بقوة و دفن وجهه ما بين كتفها وعنقها قائلاً
"و أنا مش لاقي كلمة توصف اللي جوايا ليكي، إحساس أكبر من العشق والتيم أو الوله، أنا بحاول اخترع مفرد أو مصطلح يوصف مشاعري، بس للأسف مش لاقي"
رفعت رأسه لتنظر إليه وتخبره
"أنت مش محتاج توصف بالكلام، أفعالك أبلغ في توصيل المعني"
"بالنسبة لدروس البلاغة والنحو اللي وقعنا فيها دي، تعالي أحكيلك عن الفعل و الفاعل والمفعول به"
و رفع الدثار عليهما فصاحت ضاحكة
"كفاية بقي يا قيصو"
أطلق ضحك وقال لها
"كفاية إيه، إحنا مش هانروح غير لما أشرحلك منهج النحو كله"
انتهي الحديث بالضحك الذي بدء يخبو وحل مكانه صوت أنفاسهما وكلمات يطرحها العشق علي سمعهما.
༺※※※༻
في اليوم التالي...
بعد إنتهاء المحاضرة انتظرت خديجة صديقتها خارج القاعة، بينما فجر تلاحظ مراقبة باسم لها والشر يتطاير من عينيه وذلك بسبب ما حدث بالأمس، أرادت أن تثبت إليه تحديها بالدليل الدامغ إنها قامت بمحوه من حياتها وحل مكانه شخص آخر.
فكلما تنتبه إلي نظراته النارية لها تتعمد أن ترفع يدها وإظهار إصبعها البنصر حيث مازالت ترتدي خاتم الخطبة الزائف.
"أنا جعانة جداً، تعالي ناكل حاجة وهعزمك كمان"
تسير خديجة بمحاذاة فجر التي عقبت
"لاء العزومة المرة دي عليا، بس أستنيني هنا دقيقتين هاروح التويليت وهارجعلك"
كادت تذهب فأوقفتها الأخري
"أستني التويليت القريب الصيانة شغالين فيه"
زفرت بضيق
"كدة هاضطر أروح للتويليت اللي جمب مبني المكتبة"
"أنا جاية معاكي وهستناكي برة"
خلعت حقيبتها ومدت يدها بها و الأخري بالهاتف
"لاء خليكي هنا في الضلة وخلي شنطتي والفون معاكي وأنا هاروح وهاجي علي طول"
ذهبت فجر بخطوات سريعة وهناك زوج من العيون تتبعها فذهب صاحبها ليخبر صديقه!
وصلت أمام المرحاض فرأت العاملة تجلس علي الكرسي في الجهة المقابلة وتتناول شطيرة وعندما رأت فجر ابتلعت ما بفمها وأخبرتها
"أدخلي الحمام التاني عشان الأول الحنفيات فيه بايظة لسه هاتتصلح"
اومأت إليها الأخري وقبل أن تدخل إلي المرحاض أخرجت من جيب بنطالها ورقة نقدية، تقدمت من العاملة وامسكت بيدها
ووضعت في كفها الورقة، أخذت السيدة تدعو لها فابتسمت فجر وولجت إلي المرحاض و وجدته شاغراً.
وبعد مرور دقيقتين انتهت من قضاء حاجتها خرجت تغسل يديها وتلقي بالماء علي وجهها وتغمض عينيها، سمعت بصوت فتح الباب ولم تكترث، ذلك مرحاض عام داخل الحرم الجامعي.
تقوم بتجفيف يديها بالمحرمة الورقية وتنظر إلي يديها، يخترق أذنيها صوت خطوات تقترب منها، رفعت وجهها أمام المرآة، اتسعت حدقتيها عندما رأته يقف خلفها، شيطان عائد من الجحيم وأقسم علي الانتقام.
استدارت في لحظة وابتعدت بضع خطوات حتي ألتصق ظهرها في حافة الطاولة الرخامية للحوض
"أنت إزاي دخلت هنا؟"
صاحت بقوة زائفة نقيض الرعب الذي تشعر به وهي تنظر إلي عينيه وتري داخلهما وعيد وجاء ليقوم بتنفيذه.
ابتسامة مهرج تلوح علي شفاه وهو يحدق إليها بنظرة سوداء فتحول الخوف لديها إلي هلع، يكاد قلبها يتوقف من فرط سرعة نبضاته.
"المفروض تسأليني السؤال الأهم، أنت دخلت ليه؟"
ابتلعت لعابها لعل تخفف من جفاف حلقها قبل أن تتحدث بصوت هادئ ويبدو عليه الخوف
"مش أنا قولتلك قبل كدة إنه خلاص كل اللي ما بينا انتهي؟!، و بقيت مخطوبة وشوفتني بعينيك إمبارح وأنا نازلة من عربية خطيبي؟!"
اقترب منها وانتفضت عندما استند بيديه علي حافة الرخام، فاصبحت أسيرة بين ذراعيه، رأت نظرة ساخرة ها نبرة هازئة
"خطيبك؟!، تمثيلية عبيطة أوي أي عيل صغير يفهمها، مش الواد برضو صاحب العربية يبقي الواد المحامي اللي ساكن في العمارة اللي قصادك؟"
"ده أنت كمان مش مكفيك تراقبني جوة الجامعة، لاء كمان بتراقبني لحد بيتي؟!"
"و لو جوة بيتك نفسه أعملها، ما أنا قولتهالك يا فجر قبل كدة، أنتي بتاعتي واللي هيقرب منك هانسفه، فبلاش الحوارات الفكسانة دي تعمليها معايا أحسنلك"
ابتسمت بسخرية وسألته
"و لو خليت الحوار جد وأتخطبت هاتعمل إيه؟، هاتقتلني؟"
"أيوة هقتلك وهقتل اللي مخطوبة ليه"
لم تعد أن تتحمل هذا الهراء
"أنت مجنون بقي"
"أيوة مجنون، بس مجنون بيكي وأنتي مش مقدرة حبي، أنا عارف إنك بتبعدي عشان أعرف قيمتك"
رفع يديه واضعاً أحدهما علي خدها والأخري يضعها علي عضدها، أنفاسه تضرب وجهها، يردف قائلاً
"يا فجر، أنا بحبك، لاء أنا بعشقك، أنا عديت حتي المرحلة دي"
أبعدت كلتا يديه عنها بازدراء وصاحت برفض تام
"و أنا مش بحبك، فوق بقي من الوهم والهوس اللي أنت عايش فيه، أنا فعلاً كنت بحبك في يوم من الأيام بس أنت أخترت طريقك وأديتك فرصة والتانية ترجع لعقلك يمكن ربنا يهديك عن السكة اللي أنت ماشي فيها، بس حالك هو هو ما بتتغيرش، بقيت من سئ لأسوأ"
قبض علي عضديها بقوة ينفث غضبه الجامح
"و أنا قولتلك مش هاتغير، لأن مقتنع بأفكاري و ده ملهوش علاقة بحياتي معاكي، أبقي ملحد أبقي الجن الأزرق ده ما يخصكيش، كل اللي يخصك أنا وبس، أنا حر"
لم تشعر بما ينتابها الآن من قبل، خليط من الشفقة والكراهية، النفور والغضب، تريد أن تصفعه لعله يستيقظ من الغفلة أو تنقشع الغيمة من فوق رأسه اليابس، وجدت عليها أن تحسم الأمر وكفي مواجهة لا فائدة منها بتاً.
"و أنا كمان حرة، لا ديني و لا أخلاقي يسمحوا لي أكمل مع واحد زيك"
حدقت نحوه بازدراء وشرعت بالذهاب، و إذا به يمنعها فجأة قابضاً علي رسغها، ينظر صوب عينيها وكأن ألسنة نيران الجحيم تتراقص في عينيه!
مازالت خديجة تنتظرها و صوت رنين الهاتف يصدح للمرة الثانية، رفعت شاشة الهاتف لتري المتصل «Mam»، ألقت نظرة نحو الطريق لعل أن تجد فجر قادمة والحال كما هو منذ أكثر من خمسة عشر دقيقة، فأجابت حتي تُطمئن والدة فجر
"ألو يا طنط أنا خديجة صاحبة فجر"
"هي فجر فين؟، هي كويسة؟"
صاحت السيدة بقلق وخوف علي ابنتها، فأخبرتها الأخري
"ما تقلقيش يا طنط، فجر راحت التويليت و أنا مستنياها بعيد شوية"
"معلش يا خديجة يا بنتي ممكن تروحي لها وتديها التليفون أسألها علي حاجة مهمة، بس بالله عليكي ضروري"
"حاضر، خلي حضرتك معايا علي الخط"
ومضت في طريقها
وبالعودة إلي هذا الموقف العصيب، كان أنينها أسفل كفه أشبه إلي الصراخ، حيث حاصرها بين الحائط وبين جسده
"أنا لما أقولك أنتي بتاعتي، ما بقولش أي كلام و هثبتلك دلوقتي"
ومد يده إلي فتحة الكنزة ليقوم بفك الزر تلو الأخر، تقاوم بكل قوتها لكن جسده الضاغط عليها بقوة لا يسمح إليها بالتحرك إنشاً.
يخبرها بنبرة شيطانية
"وفري صويتك، لأن محدش هايسمعك، الست اللي برة مشيت، الفلوس بتعمل كل حاجة و مفيش حاجة بتقف قدام باسم"
هجم كالضبع الضاري عليها بقبلات عشوائية ويده تعتصر كل مكان يقابله، تصرخ ولم يسمع صراخها أحداً سواهما، جمعت كل قوتها وبشجاعة استطاعت دفعه عنها صارخة
"أنت أوسخ إنسان عرفته في حياتي، والمرة دي مش هاسكت تاني، هاقدم فيك بلاغ تاني وتالت و هافضحك، و الله العظيم هوافق علي أول واحد يتقدملي عشان أقهرك و أحرق دمك، أو تروح تنتحر"
تجمعت كل الشياطين أمام عينيه، لا يرى سوي الثأر لكرامته بل انتقاماً آثماً، قبض علي وشاحها من الخلف بقوة
"و أنا مش هستني لما تعمليها"
ودفعها علي الأرض، جثي فوقها مردفاً
"عشان محدش هيبصلك بعد اللي هاعمله فيكي"
أخرج من جيبه مُدية ليمزق بها ثيابها حتي ينهشها كالذئب الضاري، أمسكت بيده قبل أن يفعل ذلك، تقاوم بكل قوة
"ابعد عني يا.... "
تدفع يده التي تحمل المدية عنها بضراوة فأصابته في كتفه إصابة طفيفة مما زاده جنوناً، رفع المدية إلي أعلي فهبط مزمجراً فأصابها بطعنة، صرخة وصلت إلي خديجة التي فتحت الباب ورأت هذا المشهد المفجع.
فجر كالجثة الهامدة علي الأرض وجزء من السكين يخترق بطنها، لم تكن تصرخ بل كانت في حالة إعياء جعلها تفقد وعيها في الحال، اقتربت منها خديجة تردد اسمها بخوف
"فجر؟، قومي يا فجر"
نهضت لتجد هذا الشيطان يقف في حالة صدمة من ما أقترفه، أخذت تضربه في صدره بيديها صارخة
"عملت فيها كدة ليه؟!، حرام عليك"
جذب صوت صراخها كل من بالخارج، ولج الأمن وخلفه يتجمع الطلبة والعاملين، و عندما رأت العاملة ما حدث لفجر أدركت لما طلب منها باسم أن تبتعد فقررت الفرار قبل أن يلحق بها العقاب لأنها تعد شريكة في الجريمة، كما
تم القبض علي باسم من حراس الأمن ريثما يأتي رجال الشرطة للتحقيق في الوقعة، بينما
جاءت سيارة الإسعاف الخاصة بالجامعة وقام المسعفون بنقل فجر سريعاً إلي أقرب مشفي و برفقتها خديجة التي أبت تركها بمفردها، أبلغت والدتها من بين بكائها بما حدث لابنتها وكان حالها يرثي إليه.
تمسك بيد صديقتها وتخبرها
"بإذن الله هتقومي بالسلامة، أنا جمبك و مش هاسيبك، والله لأخدلك حقك منه و هاسجنه".......
الفصل الثاني والثلاثون
الأمل مثل بقعة الضوء في نهاية النفق المظلم، أحياناً تكون تلك البقعة نور وأخرى نيران حارقة.
ولاء رفعت
الساعة تدق الخامسة مساءً، يختلط صوت عقرب الثواني مع صوت تدفق القهوة من الماكينة الآلية داخل الكوب المصنوع من الخزف الفاخر، تتناول الكوب وعلي شفتيها ابتسامة نابعة من فؤادها الذي بات مطمئناً بعد أن أصبح حلمها علي وشك التحول إلي الواقع، تنظر كل حين و الآخر إلي هاتفها الموضوع أعلي الطاولة الرخامية وكأنها تنتظر أمر هام، اكتملت الابتسامة عندما صدح صوت تنبيه رسالة واردة، يظهر نصها علي شاشة القفل وكانت كالتالي
«هعدي عليكي بعد ساعة»
رسالة نصها مقتضب لكن ما بها يعني الكثير لديها، تنهدت ومازالت البسمة تملأ ثغرها حتي تلاشت بالتزامن مع صوت والدتها ذو النبرة الساخرة
"ما سمعناش يعني صوت الأستاذ ياسين من يوم قراية الفاتحة"
أطلقت رودينا زفرة وتستعين بالصبر أمام كلمات والدتها الاستفزازية فتابعت الأخرى
"طبعاً كلامي تقيل علي قلبك، عموماً مفيش أقرب من الأيام هتيجي تقوليلي حقك عليا يا مامي ياريتني سمعت كلامك"
ألتفت إلي والدتها وقد سأمت هذا الجدال المستمر حول أمر زواجها
"وأنا بقول لحضرتك مش هيجي اليوم ده أبداً، و ياريت يعني لو عايزة علاقتنا تبقي كويسة الفترة دي بلاش كلامك اللي مش هيغير أي حاجة هتحصل"
كادت تذهب لكنها تابعت قولها
"و لو بتخططي إزاي تبعديني عن ياسين، وفري مجهودك و تعبك لأن مفيش أي قوة في الأرض تقدر تبعدني عنه، ملخص الكلام دي حياتي و أنا حرة أكملها مع مين"
أنهت حديثها بنظرة تحدي وإصرار يشوبها تحذير جلي، اكتفت والدتها بالصمت وذهبت ابنتها لتعد حالها من أجل من هذا القادم.
وبعد مرور الساعة ينتظر أمام بوابة المنزل في سيارته، يتحدث في هاتفه
"يعني إيه مش هتيجي؟"
أجابت شقيقته علي الجانب الآخر
"معلش يا ياسين أصل حسيت بدوخة وإرهاق، و بعدين أنت رايح تاخد خطيبتك تشتروا الشبكة وبعدها هتتفسحوا، لازمتي إيه غير أن هبقي عزول ما بينكم"
"ماشي يا ملك، براحتك"
"أنت اتقمصت و لا إيه، اصبر بس... "
لم يسمع جواب شقيقته عندما انتبه إلي تلك القادمة، ترتدي ثوب أبيض دون أكمام ويصل إلي ركبتيها، تركت شعرها تداعبه نسمات الهواء، تنظر إليه والسعادة تلوح علي شفتيها ذات الحمرة الوردية، هز رأسه لها دون أن يبتسم وعاد لحديثه مع شقيقته
"أنا هقفل معاكي دلوقت وهاكلمك لما أروح، سلام"
أغلق المكالمة و ترك هاتفه بجواره، ضغط علي زر فتح باب السيارة، اقتربت رودينا وقامت بفتح الباب
"أتأخرت عليك؟"
كان يلقي نظرة عابرة عليها وقام بهز رأسه بالنفي
"لاء"
أخذت تنظر إليه وحمرة الخجل تغزو خديها، أرادت كسر هذا الصمت والهروب من نظراته المبهمة، نظرت إلي المقعد الخلفي الشاغر فسألته
"أومال ملك فين؟"
"مش هتيجي"
أجاب باقتضاب وانطلق بالسيارة ينظر أمامه ويمسك بعجلة المقود، عقدت ما بين حاجبيها مبتسمة ثم سألته لعله يفيض بالحديث معها بدلاً من جوابه المختصر
"ما جبتش ياسمينا معاك ليه، وحشاني أوي ونفسي أشوفها"
"بايتة عند يونس وكارين من إمبارح، هعدي عليهم وأنا راجع"
"ممكن أطلب منك طلب وأتمني توافق عليه"
نظر إليها لثوان ثم عاد ببصره إلي الطريق
"اتفضلي"
"ممكن تسيب معايا ياسمينا الفترة دي، و أطمن أنا هوصلها بنفسي للمدرسة وهجيبها كمان وهذاكر لها مش هخلي أي حاجة ناقصها"
رفع زاوية فمه جانباً بطيف ابتسامة قد رأتها من جانب وجهه المواجه إليها، أسرت ما شعرت به للتو داخل قلبها ولم تظهر ذلك
لاسيما عندما ألقي عليها جملة هازئة
"نعتبر ده تدريب علي حياتنا بعد ما نتجوز"
"ليه بتقول كدة؟!، ربنا يعلم ياسمينا بالنسبة لي إيه، بنتي وهي كمان بتعتبرني مامتها"
أوقف السيارة فجأةً مما جعلها كادت تصطدم أمامها، ألتفت إليها وأخبرها صراحةً
"و يعتبر ده من أسباب جوازنا"
قامت بإدارة كلماته في عقلها و شعرت برجفة في قلبها
"و بس؟"
تظاهر بعدم الفهم ربما تدرك هي ذلك
"و بس إيه؟"
أخذت تنظر صوب عينيه لعلها تعلم ما هي الأسباب الأخري التي لا يذكرها، فلم تجد سوي حصن عازل حول قلبه صعب الاختراق، أشعل داخلها روح المثابرة والإصرار علي إحتلال هذا القلب بكل السبل المتاحة والغير متاحة.
"قصدي يعني و إيه هي الأسباب التانية؟"
عاد للصمت مرة أخرى وانتقل بصره من النظر صوب عينيها إلي خلفها حيث متجر المصوغات والمجوهرات يخبرها
"وصلنا"
أطبقت شفتيها معاً حتي لا تفقد صبرها وتتلفظ بغضب من تجاهله للرد علي سؤالها، قامت بفتح الباب وترجلت من السيارة ثم أغلقت الباب بحدة.
دخل كليهما إلي المتجر سوياً وقام الصائغ باستقبالهما بترحاب ثم جلب لهما ما لديه من خواتم الخطبة التي يتوسطها فص ألماس بأشكال مختلفة، وقع الإختيار علي خاتم ذو طراز رفيع، قامت بارتدائه في إصبعها البنصر ونظرت إلي ياسين تسأله
"إيه رأيك حلو؟"
كان شارداً نحو الفراغ وانتبه حين رددت النداء
"ياسين؟"
ألتفت إليها
"نعم"
"كنت بقولك إيه رأيك في الخاتم ده؟"
نظر إلي الخاتم في يدها فأجاب
"رأيي هيفيدك بإيه؟!، أنتي اللي هتلبسيه مش أنا"
عبست بامتعاض من حديثه الفظ ولم تعلق فقالت للصائغ
"أنا هاخد الخاتم ده"
"مبروك عليكي يافندم، عايزين أي حاجة تاني غير الخاتم، طقم كامل أو عقد"
أجابت رودينا بنبرة الحزن أسيرها
"لاء، شكراً"
وبعد الانتهاء من الشراء، عاد كليهما إلي السيارة، شعر بالندم في أسلوب حديثه معها منذ قليل فأوقفها قبل أن تفتح باب سيارته
"رودينا"
ألتفت إليه وانتظرت ما يريد قوله
"أنا مكنش قصدي أضايقك جوه، فبعتذر منك"
"تمام يا ياسين حصل خير"
قالتها ونظرت في اتجاه آخر فأدرك ما تشعر به من حزن، سألها
"أنتي جعانة؟"
حدجت إليه بتعجب لسؤاله الذي لا يناسب موضوع الحوار بينهما
"لاء"
"أركبي هانروح نتغدي في مطعم ..."
دخلت إلي السيارة وهو أيضاً ثم بدأ بالقيادة
"معلش وصلني للبيت الأول"
اختطف نظرة وجدها تنظر إلي الأمام بوجه متجهم، أجاب متظاهراً باللامبالاه
"هوصلك بعد ما هناكل"
ألتفت نحو زجاج النافذة لإخفاء ابتسامتها، تشعر بالسعادة عندما أدركت إصراره علي مجيئها معه، أخذت ذلك علي محمل الاعتذار منها و هذا جعل قلبها يزداد تشبثاً في الوصول إلي بقعة الضوء القابعة في نهاية النفق المظلم.
༺※※※༻
رائحة المعقم تفوح في المكان، وذوات الرداء الأبيض يتجولن في الغرف للعناية بالمرضى، بينما هي تجلس أمام غرفة العمليات وتمسك المصحف الشريف تتلو الآيات الكريمة تارة و تارة أخرى تدعو إلي صديقتها بالنجاة، بجوارها تجلس سيدة أربعينية تبكي وتدعو إلي ابنتها، انتهت خديجة من التلاوة والتفت إلي السيدة تربت عليها بحنان
"كفاية عياط يا طنط، فجر بإذن الله هتقوم بالسلامة، أنا سمعت الدكتور قبل ما يدخلوا العمليات بيقول الإصابة مش في مكان حيوي"
أجابت السيدة بحزن و من بين بكاء مرير
"أنا واثقة أن ربنا هيقومها بالسلامة، فجر طيبة وقلبها أبيض، عمرها ما أذت و لا جرحت حد، طول عمرها في حالها، بتخاف ربنا وبتتقيه في كل خطوة، ليه يحصل فيها كدة؟! "
"استغفري الله، ده قدرها و مكتوب و بإذن الله هتقوم بالسلامة"
نظرت الأخرى إلي أعلي تردد داعية
"يارب، يارب"
نهضت خديجة وأخرجت هاتفها من الحقيبة لكي تتصل بزوجها للمرة العاشرة ولم تجد رد، فكان هاتفه علي المكتب في وضع الصامت بينما هو منشغلاً في عمله وأمر آخر، لم يعلم بما تواجهه زوجته في نفس الوقت.
قامت بالبحث عن اسم شقيقها في سجل المكالمات ولمست علامة الإتصال وانتظرت الرد
"ألو يا طه، أنت فين؟"
"أنا لسه خارج من المصنع دلوقتي، فيه حاجة و لا إيه أنتي كويسة؟"
"معلش محتاجاك تجيلي ضروري، هابعتلك الـ Location ولما توصل كلمني وأنا هنزلك"
"حاضر، بس قوليلي فيه إيه الأول أنتي قلقتني"
"تعالي بس الأول وهحكيلك كل حاجة، مستنياك، سلام"
༺※※※༻
أضواء ساحرة تعكس ألوانها علي مياه النيل في لوحة فنية ذات خلفية موسيقية صادرة من السماعات المعلقة في جدران المطعم، و هواء عليل يداعب غرتها المتناثرة علي جانبي وجهها، تتظاهر بأنها تتناول الطعام وهي لن تفعل سوي التأمل في أسير فؤادها، تراقب حركاته وطريقة تناوله للطعام، تجول عينيها علي ملامحه المحفورة في قلبها قبل ذاكرتها، خصلات شعره الناعمة فهي خليط من البني و الأشقر القاتم، عينيه الرمادية والتي ورثها عن والدته، تتسم بالوداعة والنقاء حينما تشرد داخلهما عند النظر إليه عن كثب، ذقنه تغزوها لحية مشذبة ودت أن قامت بإحاطة وجهه بكفيها وتلمس شعيرات ذقنه وهي تحدق صوب عينيه وتخبره كم تشتاق إلي اليوم الذي يعيشا معاً سوياً تحت سقف واحد، سيكون بين ذراعيه ملاذها من عذاب دام لسنوات منصرمة و كم من الدموع هُدرت علي الوسائد من أجل محاولة نسيانه وفي النهاية تفشل في ذلك، بل كلما تفر إلي النسيان كلما زاد حبها له إشتعالاً حتي كادت تحترق، و عندما جاءت الفرصة ووهبتها الحياة فرصة علي طبق من ذهب، عزمت أنها ستحارب بشتي الطرق من أجل الوصول إلي قلبه ليصبح ملكها.
"ما بتاكليش ليه؟"
سألها ويستمر في تناول الطعام دون أن ينظر إليها فأجابت
"الحمدلله أكلت"
نظر إلي صحنها الذي لم ينقص منه قطع لحم واحدة أو ملعقة أرز مبهر
"لو ما بتحبيش الأكل ده ممكن أطلبلك حاجة تانية أنتي بتحبيها"
ابتسمت وقالت
"بالعكس أنا بحب البيكاتا جداً، و كنت بحب أؤكلها من إيد طنط چيهان لما كانت بتعملهالك"
و بالطبع أثر الصمت ولم يعلق وكأنه يبني جدار جديد لحماية حصون قلبه الذي لم يكن ملكاً سوي لزوجته الأولي!
"ياسين؟"
ندائها إليه ذو نبرة تحمل المئات من الأسئلة والمعاني، وعندما أدرك ذلك توقف عن تناول الطعام و مسح يديه بالمحرمة ثم تناول كوب من الماء، تجرع القليل ونظر إليها فوجد ما أدركه داخله عن حالتها كان حقيقياً، يرى الخوف من القادم، تخشى الفراق، إصرار ليس له نظير علي أن تظفر بقلبه، والكثير من الأمور يفهمها قلب قد أحب قديماً و مازال يعيش علي ذكري هذا الحب.
"نعم"
ترددت في أن تفلت زمام لسانها حتي استسلمت للصوت الذي بداخلها ويجعلها تبوح عما يدور في عقلها و يألم قلبها
"أنا عارفة إنك ما بتحبنيش وقلبك ملك مراتك الله يرحمها، و عارفة إنك جيت طلبت إيدي من بابي بعد ما أخواتك ضغطوا عليك، يمكن عشان أنت زي أي راجل ليك احتياجات فلازم تتجوز واحدة تلبي رغباتك، السؤال هنا أنا بقي في وسط ده كله هبقي بالنسبة لك إيه؟"
عقد ما بين حاجبيه وغزي التجهم ملامح وجهه
"أظن باباكي سأل نفس السؤال بصيغة مختلفة و أنا جاوبت عليه، وهو أن كل اللي هيبقي ما بينا مودة ورحمة، احترام"
عقبت باندفاع يكاد يكون أقرب من الهجوم
"أنا عارفة و حافظة كل كلمة أنت قولتها وقتها، بس مش دي الإجابة اللي أنا عايزاها"
أخذ ينظر من حوله ويطلق تنهيدة، انتبه إلي شاب غريب يجلس علي طاولة قريبة منهما ينظر إلي رودينا كل فينة والأخرى حتي لاحظ الشاب عينين ياسين الموجهة إليه، يحدقه بتحذير ثم عاد بالنظر إليها وقال بحدة
"ما أنا قولتلهالك قبل كدة و لا نسيتي؟!، قلبي مش ملكي، و أنا ما ينفعش أوعدك بحاجة ما أملكهاش"
تنضح عينيها بالتعجب والدهشة سوياً بل واشتعل داخلها نار مؤججة
"واللي كانت بتملك قلبك ماتت خلاص"
أرادت قول ذلك لكن هناك ما جعل لسانها يتشبث بعدم الرد، نهضت وأمسكت بحقيبة اليد خاصتها و همت بالذهاب، سألها قبل أن تتحرك
"رايحة فين؟"
أبعدت وجهها حتي لا يرى الدمعة التي فرت علي خدها فأجابت
"رايحة التويليت، عن إذنك"
ذهبت من أمامه قبل أن تضعف وتستسلم إلي البكاء، وضع كفيه علي وجهه يزفر بضيق، نهض وذهب خلفها.
كانت قد دخلت إلي المرحاض و وقفت أمام الحوض تغرف الماء بيديها تغسل وجهها ثم قامت بسحب المحارم الورقية من حقيبتها لتجفف يديها ووجهها
"إهدي يا رودينا و بلاش عياط من دلوقتي، لسه أنتي في بداية الطريق وكلها أيام و هتتجوزوا، و بالتأكيد مع الوقت مشاعره هتبقي ليكي، مفيش حاجة بتفضل علي حالها، خليكي قوية و ما تستسلميش"
كلمات يخبرها بها قلبها وهي تنظر إلي صورتها في المرآة حتي شعرت بالهدوء وخرجت من المرحاض، وجدته ينتظرها وينظر لها بقلق يسألها وكأنه ليس من تسبب لها بالحزن منذ قليل
"أنتي كويسة؟"
هزت رأسها بابتسامة زائفة
"اه"
"تعالي كملي أكلك عشان هنعدي علي يونس وتاخدي ياسمين"
"معلش مش قادرة أؤكل، ممكن نمشي أحسن"
نظر إلي وجهها يراقب ما تخفيه عينيها، اختار الفرار كالمعتاد وأخبرها
"استنيني هنا، هاروح أحاسب وراجع لك"
"روح أنت و أنا هاسبقك علي العربية"
لم تنتظر رده وذهبت بخطى سريعة، ظلت تنتظره حتي عاد إليها وجلس خلف عجلة المقود، كان متردداً قبل أن يبدأ بالقيادة، ألتفت لها
"أنا مكنش قصدي أجرحك أو أزعلك، لكن مكنش ينفع أكذب عليكي، أنا هقولك واسمعيني كمعالجة نفسية"
"اتفضل أنا سمعاك"
"الموضوع و ما فيه أن مش قادر أخرج من حالتي النفسية من وقت موت ياسمين، جوايا إحساس بيقولي أن قلبها لسه بينبض وعايش، لأنها لو ماتت كان زمان ده مات هو كمان"
كان يشير إلي موضع قلبه، حاولت أن تستمع إليه بعقلها وليس بقلبها حتي لا تحترق من الكلمات التي تخترق كل خلاياها
"أنت عشان بتحبها أوي ومتعلق بيها فمش قادر تستوعب موتها، بقي عقلك و قلبك في صراع، عقلك عايزك تكمل حياتك طبيعي وقلبك معارض عقلك وعايزك تفضل أسير الذكريات، الحل لحالتك أو نقدر نقول العلاج المناسب أنك تسمع لعقلك"
أخذ يحدق نحوها كالبحار التائه الذي يبحث عن مرسي قبل أن يغرق داخل ظلام المحيط
"مسألة جوازي منك دي رغبة عقلي، مش نتيجة ضغط أخواتي عليا زي ما أنتي فاكرة"
"و أنا مش هستسلم غير لما أخليها رغبة قلبك كمان"
كلمات دارت في عقلها واحتفظت بها لنفسها ثم قالت بصوت مسموع
"بس أحياناً بتكون رغبات العقل نابعة من رغبات القلب من غير ما نحس"
"ده لو في حالة تبادل الطرفين نفس المشاعر"
دلو ماء آخر ينسكب فوق رأسها، نظرت إلي الأمام وتقبض علي يد حقيبتها بقوة
"يلا عشان ما نتأخرش علي ياسمين"
نبرة جادة تخفي خلفها كبريائها الذي أصبح فُتات أمام حصونه المنيعة.
لم يعقب أو يبدي أسفاً أو كلمة تصلح ما يفسده، بل أنطلق بالسيارة في صمت مجدداً.
༺※※※༻
يركض طه ما بين الأروقة داخل المشفى باحثاً عن شقيقته والتي رأته فصاحت منادية وأشارت له ليتقدم منها
"طه، تعالي أنا هنا"
كان يلهث بشدة من القلق علي شقيقته والركض في آن واحد، أخذ يتفحصها وسألها
"أنتي كويسة؟، حصلك حاجة؟"
أمسكت يده وجلسا سوياً علي المقاعد الشاغرة
"خد نفسك بس الأول، أنا الحمدلله بخير"
تنفس الصعداء حتي هدأ
"أومال بتعملي هنا إيه؟"
"بص أنا هحكيلك الموضوع من البداية عشان تفهم اللي حصل"
سردت له منذ بداية معرفتها بفجر وعلاقتها بالمدعو باسم، و الأحداث التي مرت جميعها حتي انتهي بالحدث المأسوي وهي تكون الشاهدة الوحيدة علي الجريمة.
عقب طه مردداً
"لا حول ولا قوة إلا بالله، هو كل واحد حب واحدة وهي بعدت عنه يقوم يقتلها؟!، هو الحب و لا الجواز بالعافية؟!، إيه المرار اللي وصلنا ليه ده"
"الحمدلله الطعنة مجتلهاش في مكان حيوي، بس الدكتور قال لازم تعدي مرحلة الخطر"
"بإذن الله هتقوم بالسلامة"
"يارب"
ألتفت إليها وسألها
"كلمتي آدم؟"
تشعر بالضيق والغضب من عدم رد زوجها علي إتصالها المتكرر، لكن أسرت ذلك داخلها واكتفت بقولها
"آدم مش فاضي، عنده شغل كتير وبالتأكيد عامل الفون صامت"
"طيب إحنا مطلوب مننا إيه دلوقتي؟"
"الممرضة قالتلي إن فيه ظابط هيجي ياخد أقوالي دلوقتي، أنا كلمتك تيجي تقف معايا، و بيني و بينك أنا أعصابي سايبة ومخنوقة أوي"
كانت علي وشك البكاء، جذبها بين ذراعيها يحتضنها ويربت علي ظهرها بمواساه
"اهدي واستغفري الله، ما تخافيش أنا معاكي، و بعد ما الظابط ياخد أقوالك هاخدك عندي تقعدي مع شيماء، أهو تنموا براحتكم و تحرضوا بعض عليا أنا وجوزك"
ابتعدت وحاولت أن لا تترك نفسها للبكاء فأخبرته
"معلش يا طه، هابقي أجيلكم في وقت تاني، أنا هخليك توصلني عند آدم في الشركة"
"مدام خديجة؟"
ألتفت إلي صاحب النداء، نهضت تحدق نحوه بامتعاض
"نعم يا دكتور هاني؟"
نهض طه ونظر إلي شقيقته باستفهام فأخبرته مشيرة إلي أستاذها
"ده دكتور هاني اللي بيدرسلنا مهارات وتنمية في الجامعة"
"أهلاً بحضرتك"
تفوه بها طه ولم يرد الآخر بل تجاهله ونظر بغموض إلي خديجة
"ممكن نتكلم خمس دقايق"
شعرت أن هناك خطب ما لاسيما لديها علم بأنه صديق عائلة باسم كما هو قدوته التي لا يحسد عليها.
"استناني هنا يا طه"
مال الأخر منها وسألها بهمس
"عايز إيه منك الراجل ده؟"
أجابت بهمس أيضاً علي شقيقها
"أنا عارفة هو عايزني في إيه، فخليك هنا أنا مش هابعد، هنقف آخر الطرقة"
أطلق زفرة وقال علي مضض
"روحي وأنجزي بسرعة"
ذهبت علي بُعد أمتار مع هذا الهاني، توقفا فاستدارت إليه تسأله وهي لديها علم بالإجابة قبل أن يتفوه بها
"خير يا دكتور هاني، يا تري جاي تطمن علي فجر و لا جاي تطمن علي مصير تلميذك النجيب اللي بإذن الله هيتسجن لإنها محاولة قتل مع سبق الإصرار والترصد "
ابتسامة شيطانية تلوح علي ثغره ها قوله
"بحب فيكي ذكائك أوي يا خديجة، و حلو جداً أختصرتي عليا مسافة كبيرة من الكلام"
بادلته بابتسامة صفراء ونظرة كراهية تنضح من عينيها
"و هختصر عليك أكتر في ردي علي طلبك، اللي هو طبعاً أن ماشهدش باللي شوفته، بس أحب أقولك وفر طلبك المرفوض من قبل ما تطلبه، لأن أنا مش هاشهد باللي حصل و اللي كان بيحصل من قبلها كمان، هقولهم كان كل شوية يطاردها ويهددها، يعني كان فيه نية سابقة لمحاولة قتلها"
ضحك باستهزاء ثم توقف فجأة عن الضحك وظهر وجهه الآخر، فكان كالشيطان اللعين حينما أخبرها كالآتي
"طب بصي بقي عشان وقتي أثمن من أنه أضيعه معاكي، باختصار كدة عيلة باسم نفوذها واصل في البلد و لا حتي يهمهم أنتي من عيلة مين، انطقي بس كلمة علي ابنهم و شوفي هما ممكن يعملوا إيه، و لو مش خايفة علي نفسك خافي علي ابنك وجوزك"
قد سري الخوف داخلها بالفعل عندما أتي بذكر زوجها وابنها، لكن تظاهرت بالنقيض، نظرت إلي هاني بقوة وتحدي
"بص أنت واسمعني كويس و روح قول للي بعتينك إن أنا ما بخافش غير من اللي خالقني، ولما يطلبوني للإفادة هقولهم كل حاجة وبأدق التفاصيل، و اللي عندكم أعملوه، عن إذنك"
ألقت بوعيدها و ذهبت من أمامه و لم تر تلك النظرة الآتية من الجحيم في عينيه يصاحبها وعيد بصوت كالفحيح ساخراً
"أبقي وريني إيمانك هاينفعك إزاي لما تخسري كل حاجة يا شيخة خديجة"
༺※※※༻
يسبح ذهاباً وإياباً باستمتاع داخل مياه المسبح الذي يعلو اليخت، وهي تجلس علي الحافة تحرك ساقيها داخل الماء، تحرك نحوها واستند بساعديه علي الحافة جوارها
"منزلتيش الميه ليه؟"
"مُرهقة شوية"
نظر باهتمام يتفحص وجهها فسألها
"حاسة بأي تعب؟"
استندت بكفيها و عادت بظهرها قليلاً إلي الوراء، تخبره بدلال
"هو لو فيه تعب يبقي أنت السبب فيه"
ابتسم بفخر بعد أن أدرك مقصد جملتها، غمز بعينه معقباً
"أنتي لسه شوفتي حاجة، إحنا هنتغدي و أعملك مساچ يرجع لجسمك الحيوية من جديد و نكمل باقي الفقرات"
"لاء يا حبيبي، إحنا هنتغدي و نجهز نفسنا عشان نروح، بنتك قالبة الدنيا علينا و عمالة تعيط وتصرخ تقول لدادة زينات مامي خطفت بابي ومش عايزاني أشوفه"
أخذ يضحك مما جعلها تشعر بالحنق، لكزته في كتفه
"أنت و بنتك هتشلوني قريب"
"بعد الشر عليكي يا حبيبتي، ما أنتي عارفة هي بتحبني و متعلقة بيا إزاي، و قولتلك قربي منها لكن من وقت ما بدأتى شغل و أنتي لا بقيتي تهتمي بيها و لا بمالك"
رفعت ساقيها من الماء و نهضت بوجه عابس
"أهو ده بقي اللي كنت واثقة إنك هتقوله و أنا لسه يا دوب مكملتش أسبوع شغل"
صعد علي الدرج المعدني ذو المقبضين و وقف أمامها بجسده المبتل
"أنتي ليه فهمتي كلامي غلط؟!"
تناول المنشفة وأخذ يجفف شعره و وجهه وسائر جسده، بينما هي عقدت ساعديها وصاحت
"لاء أنا فاهمة صح، فكرك يعني مش واخده بالي من اللي أنت حسيته وقت لما قولتلك عايزة أفتح شركة خاصة بيا، أنت وافقت عشان بتكفر عن ذنب جوازك بالبت السكرتيرة لما حبيت تعلمني الأدب"
تجهم وجهه وشعر بالغضب من أسلوب حديثها و نبرة صوتها المرتفعة
"أولاً وطي صوتك وأنتي بتتكلمي معايا، إحنا مش بنتخانق، إما حكاية موافقتي علي يكون ليكي شغلك و شركتك ده مش تكفير ذنب، لبيتلك رغبتك في حاجة أنتي بتحبيها و عملتلك اللي أنتي عايزاه، لكن لو أنتي شايفاه زي ما بتقولي يبقي ده موضوع تاني خالص"
تصاعدت أنفاسها بغضب وخشيت أن تتفوه بحديث تندم علي قوله لاحقاً، همت بالذهاب فأمسك ساعدها بقبضته
"رايحة فين أنا بكلمك"
"و أنا كلامي مش بيعجبك"
"طبعاً مش عاجبني، لأنه غلط"
حدقت إليه بغضب وأخبرته
"يبقي خلاص ما نتكلمش أحسن، و ملكش دعوة بيا"
جذبت ذراعها من يده بحدة مما جعل جسدها يهتز وأنزلقت قدميها وألتوت احداها أسفلها، أطلقت صرخة مدوية افزعته، هبط علي ركبتيه ومسك قدمها، يسألها بقلق
"أنهي حتة فيها بتوجعك؟"
أشارت نحو الكاحل ومن بين بكائها أخبرته
"هنا"
حاول تحريك قدمها وضغط قليلاً علي الكاحل فأطلقت صرخة وتمسك بيده
"سيبها بالله عليك مش قادرة أحركها"
قام بحملها قائلاً
"كدة لازم نروح لدكتور عظام و تعملي آشعة عشان ممكن يكون شرخ"
تُعلق ذراعيها حول عنقه وتدفن وجهها في صدره تبكي مثل الطفلة، هبط إلي الطابق الأسفل حيث الغرف، و ما أن دخل إلي الغرفة جلس علي السرير وهي أعلي فخذيه، قام برفع قدمها المصابه جواره علي الفراش، أخذ يربت علي رأسها ويخبرها بصوت هادئ
"خلاص يا روح قلبي كفاية عياط، استحملي لحد ما نروح للدكتور"
"مش قادرة يا قصي، شكل رجلي اتكسرت"
و انخرطت في البكاء، عانقها بقوة وهمس بجوار أذنها بحنان
"بعد الشر عليكي يا روحي، إن شاء الله هيطلع إلتواء بسيط، أنا هاقوم ألبس هدومي و هجيبلك حاجة تلبسيها"
ذهب بالفعل وارتدى ثيابه علي عجلة من أمره، فتح الخزانة وأخذ ملابسها المعلقة فوق المشجب، وضعها بجوارها علي الفراش ليساعدها في تبديل ثيابها، و كل فينه والأخرى يُقبل رأسها و يربت عليها
"خلاص خلصنا لبس، قومي اسندي عليا"
"مش قادرة أقوم"
كان يرى الألم بادياً علي ملامح وجهها، فأراد تشتيت ذهنها، نظر إليها مبتسماً وأخبرها مازحاً
"قولي بقي أنك بتدلعي عليا و عايزاني أشيلك لحد العربية"
صاحت بألم
"بس يا قصي مش وقت هزار، أنا حاسة روحي هتطلع من الوجع"
دنا وأحاط وجهها بين كفيه، كانت تعتصر عينيها من الألم، نظر صوبهما مباشرة وقال لها بأمر
"بصي في عينيا"
فتحت خاصتها فقال لها
"أفتكري لحظة حلوة من اللي ما بينا"
"مش قادرة أفتكر حاجة، يلا بالله عليك خدني للدكتور بسرعة"
و ما أن انتهت من توسلها ببكاء يقطع نياط فؤاده، حملها علي الفور وغادر اليخت ثم أستقل السيارة بعد أن أدخلها علي المقعد الخلفي فأنطلق من بعد ذلك علي الفور متجهاً نحو أقرب مشفي خاص.
༺※※※༻
ينفث دخان سيجاره ولا يلجأ لتنفيث ما يشعر به الآن في السجائر إلا عندما يصل غضبه إلي ذروته، أصبح في هذه الحالة بعد أن أخذ يقرأ الأوراق التي أمامه، لم ينتبه إلي هاتفه المُلقي بإهمال علي طرف المكتب، العديد من المكالمات الفائتة من زوجته وشقيقها.
طرق علي الباب ه صوته المرتفع والغاضب
"أدخل"
ولجت المساعدة بحذر تخبره باقتضاب
"أستاذ محسن المحامي واتنين معاه منتظرين حضرتك برة يا فندم"
تأهب لهذا اللقاء، فسألها
"كلمتي مدام روفان زي ما قولتلك؟"
أومأت له وأجابت
"أيوه يافندم وزمانها علي وصول"
رفع زاوية فمه جانباً وعقب
"أول ما تيجي دخليها علي طول، و روحي دلوقتي بلغي اللي عندك يتفضلوا"
"تمام حضرتك"
ذهبت وفعلت ما أُمرت به، ولج المحامي من الباب وألقي التحية وبادله الآخر السلام، كان ه رجلان فقال محسن
"آدم بيه، ده يبقي متر ماجد المحامي و الأستاذ التاني اسمه... "
قاطعه الرجل الأخر معرفاً نفسه إلي آدم
"رشاد أبو المجد محامي والمساعد الأول لأستاذ ماجد"
"أهلاً وسهلاً، اتفضلوا"
قالها آدم وأشار لهم نحو المقاعد أمام المكتب، جلسوا ثلاثتهم وبدأ المدعو ماجد بالتحدث
"استاذ محسن بلغني حضرتك عايزنا في مسألة قانونية مهمة تخص مجموعة البحيري"
نظر آدم إلي محسن والذي ابتسم بانتصار لأنه نجح في إقناع هذين الرجلين للمجئ إلي هنا بتلك الحيلة الخادعة
أجاب آدم
"اه أنا فعلاً عايزكم في مسألة مهمة جداً جداً، بس مستني ضيف زمانه جاي "
انتهي حديثه تزامناً مع قدومها، فتحت الباب و الابتسامة تملأ ثغرها
"هاي آ... "
توقفت الحروف علي لسانها حينما رأت المحامي الخاص بها و مساعده، نهض آدم بطريقة مسرحية يخبرها بسخرية
"هاي يا مدام روفان، أنا بعتلك تيجي عشان أقولك عرفنا مكان المحامي بتاعك اللي ضحك عليكي و بيعك كل أملاكك بالتوكيل اللي معاه"
كاد ينهض ماجد فضغط آدم علي كتفه
"رايح فين يا ماجد بيه، دي القعدة لسه هتبدأ"
ابتلعت ريقها فكانت تقف مثل الفرخ الصغير الذي انسكب الماء فوق رأسه
"آدم أنا هافهمك.... "
صاح وأشار بسبابته محذراً إياها
"اسكتي خالص، حسابك جاي ما تقلقيش"
و عاد بالنظر إلي ماجد و تابع حديثه
"هي المدام أديتلك كام مقابل اللعبة الهبلة دي؟"
نظر الآخر إلي أسفل
"مفيش داعي للكلام يا آدم بيه، أنا مهما كان موظف عندها و أي أوامر بنفذها"
"أه الأوامر اللي بمقابل 5 مليون جنيه و شريكك رشاد 2 مليون، و ده عشان أطلع مغفل وأصدق روفان هانم أنكم نصبتوا عليها، صح و لا أنا غلطان؟"
تدخل رشاد
"آدم بيه، لو افترضنا زي ما حضرتك قولت إحنا ما أذيناش حضرتك في حاجة"
ابتسم الأخر ساخراً
"أنتم ما عليكمش أي لوم، أنا جيبتكم بس عشان أثبت للهانم أن مفيش حد مغفل وغبي زيها"
"آدم لو سمحت ياريت بلاش غلط، و لو عايزنا نتكلم خلي استاذ ماجد و رشاد يمشوا و أنا هحكيلك كل حاجة"
نهض كل من ماجد و رشاد، فقال الأول
"عن إذن حضرتك يا آدم بيه"
ذهبا الإثنان، نهض محسن أيضاً
"و أنا كمان مضطر أستأذن يا آدم بيه"
أومأ له الآخر
"اتفضل يا محسن"
غادر فذهب آدم خلفه و أغلق الباب، انتفضت روفان عندما عاد إليها بملامح يغزوها الغضب
، عقد ساعديه أمام صدره وسألها
"ها يا روفان هانم، يا تري أي هي كدبتك الجديدة اللي هتغطي علي الكدبة القديمة"
كانت تنظر إلي أسفل بخجل و حرج، اقترب منها وصاح بصوت أجفلها
"ما تردي و لا أتخرستي"
لم تكف عن الحيل بعد، وجدت عليها في هذا المأزق الذي لا فرار منه أن تلجأ إلي سلاح كل أنثي أمام رجل قد وصلت ذروة غضبه إلي حلقومه، جلست علي أقرب كرسي لها و رفعت وجهها، امتلأت عينيها بالدموع فأخبرته بنبرة يتخللها البكاء
"أنا عملت كل ده عشان أكون جمبك"
أخذت محرمة من حقيبة اليد خاصتها تجفف دموع أنثى التمساح وتابعت
"أنا ما بقاش ليا حد حقيقي من بعد وفاة بابي الله يرحمه، و معرفش حتي قرايبي مين و لا هما فين، و كل اللي يقرب مني بيبقي طمعان فيا و في فلوسي وأملاكي"
نهضت واقتربت منه للغاية
"آدم أنا مستعدة أكون مراتك و لو في السر وأوعدك محدش هايعرف، هاعملك توكيل بكل ما أملك و أنت تديره أو تضمه لشركتك، أنا واثقة فيك"
"روفان أنا قولتلك قبل كدة أنتي زي أختي، و لو محتاجة أي مساعدة أنا موجود، غير كدة مقدرش أوعدك بحاجة"
أمسكت يده
"لو خايف علي زعل خديجة أقسملك مش هخليها تعرف أبداً و هرضي بأي شرط أنت هتقوله"
سحب يده علي الفور و ولاها ظهره، تذكر تحذير زوجته أن يبتعد عن خطوات الشيطان و لم يستمع إليها حتي كاد يوقع في فخ هذه الصهباء
"و أنا لآخر مرة بقولك، أنسي اللي في دماغك خالص، أنا مكتفي بأم ابني و عمري ما هخونها و لا حتي أتجوز عليها"
وقفت أمامه وألقت بوساوسها
"شوفت أديك نطقتها بلسانك، أم ابنك، يعني ما بتحبهاش، اللي حاسه من ناحيتها حب عِشرة مش حب اتنين عشاق"
"هو أنتي دخلتي جوانا و لا عايشة معانا عشان تعرفي بنعشق بعض و لا لاء؟"
"من غير ما أعيش ما بينكم، أنا ست و أتعاملت مع ناس كتير و افهم اللي قدامي كويس أوي، أنت واهم نفسك بحب مراتك بعد ما أتفرضت عليك"
عقد ما بين حاجبيه بضيق و كاد يتفوه بشىء، قاطعته متابعة لحديثها
"أونكل عزيز كان حكي لبابي عنك كل حاجة وقت ما طلب ايدي للجواز منك، و برغم أنك كنت وقتها متجوز بس وفقت لأننا شبه بعض في حاجات كتير، نفس المستوي و التعليم والثقافة، حتي مجال البيزنس واحد، أنا هقدر أخليك تعيش أسعد واحد في العالم، لو وافقت نتجوز"
"روفان، ريحي نفسك كل اللي قولتيه ده و لا يعني لي أي شىء، روحي دوري علي حد غيري دماغه زي دماغك، و ياريت يكون سينجل زيك عشان حرام تاخدي واحد متجوز من مراته"
بالأسفل أمام مبني الشركة، قد صف طه سيارته، نزلت خديجة فقال لها
"اسبقيني أنتي عقبال ما هعمل مكالمة أطمن علي شيماء والولاد و هحصلك"
اومأت له وذهبت نحو بوابة الشركة، تخطو سريعاً تريد أن تلقي نفسها بين ذراعي زوجها و تبكي، فالذي مرت به خلال هذا اليوم ليس بالهين، كما أن تهديد عائلة باسم له أثراً قوياً داخلها، اهتزت وتشعر بالخوف علي عائلتها، لا تريد أن تقحم زوجها و ابنها في شر الآخرين لكن هناك شهادة حق ستحاسب عليها لو كذبت، فماذا عساها أن تفعل؟!
و بالعودة إلي آدم، كان يزفر بقوة ويدعو ربه أن يلهمه الصبر قبل أن يمسك هذه الصهباء من تلابيب ثوبها ويلقي بها خارج المكتب، لا تكل و لا تمل في أن تلح عليه في رغبتها بالزواج منه وكأنه أخر رجل في العالم!
"آدم please، أدي لنفسك فرصة تفكر في كلامي هتلاقيني أنا صح، و بعدين أنا طالبة الحلال، جواز علي سنة الله ورسوله، و لو مش عايز أطفال أطمن، أنا عندي مشكلة في الخلفة وصعب أحمل، يعني هاكون متفرغة ليك، كل ليلة هنقضيها مع بعض هاعيشك فيها ملك، هاكون رهن إشارتك، قولت إيه"
كان ينظر إليها في صمت بداخله كلمات مهينة يريد أن يلقنها إياها، بينما هي ظنت هذا الصمت ليس سوي التفكير في الأمر و سينتهي بالموافقة، فقامت بالهجوم الأخير حتي يستسلم لمطلبها
"أنا بحبك أوي يا آدم"
أنهت الجملة بمد ذراعيها حول جذعه تحتضنه بقوة، تهمس بشفتيها بالقرب من أذنه
"مش هتلاقي واحدة بتحبك قد حبي ليك"
اقتربت بشفتيها من خاصته رويداً رويداً، رائحة عطرها اخترق رئتيه بضراوة.
و خارج الغرفة قد وصلت خديجة، نهضت المساعدة وأخبرتها
"أهلاً وسهلاً مدام خديجة، آدم بيه عنده... "
لم تستمع الأخرى لها وفتحت باب جهنم لترى مشهد تقبيل تلك الأفعى الصهباء لزوجها، هناك خنجر ذو نصل عطب يخترق قلبها، برودة تسيطر علي أطرافها، تشعر وكأن لسانها قد عجز عن الحركة، إمرأة أخرى في هذا الموقف لقامت القيامة علي رأس زوجها وتلك الحية، لكن وجدت نفسها دون إرادة تغلق الباب و كأنها لم تر شىء، ركضت بكل قوة وكانت دموعها تسبق قدميها، تهبط علي الدرج و مع كل درجة يقطر قلبها نقطة دماء و من عينيها الكثير من الدموع.
خرجت من المبني وجدت شقيقها ينتهي من التحدث في الهاتف، رآها بتلك الهيئة المزرية، شعر بالخوف عليها
"في إيه يا خديجة مالك، آدم كويس؟، إيه اللي حصل؟"
أخبرته من بين دموعها
"طه وديني بيت بابا وروح هاتلي يوسف ابني من القصر"
"اهدي بس و فهميني، حصل إيه؟، اتخانقتي أنتي و آدم بسبب اللي حصل في الجامعة؟"
"مش قادرة أتكلم، هتوصلني و لا هاخد تاكسي؟"
"هوصلك بس علي عندي، ما ينفعش تقعدي لوحدك هناك في الحارة"
و في الأعلي، طرقت المساعدة الباب، انتفض آدم و دفع روفان عنه، ابتلع ريقه و حدق إليها بغضب، أذن للطارق بالدخول، اقتربت منه المساعدة لتخبره بصوت خافت لا تسمعه الأخري، اتسعت عينيه و وقع قلبه إلي سابع أرض، اختطف سترته و هاتفه وغادر مسرعاً يسابق الرياح للحاق بزوجته.
و في الأسفل، دخلت خديجة إلي سيارة شقيقها وهو أيضاً في مقعد القيادة، قامت بالإتصال علي المربية سميرة
"ألو يا دادة سميرة، ممكن تحضريلي شنطة هدوم ليوسف و ليا و تجهزي يوسف و تستنوني علي البوابة"
"خير يا مدام خديجة، فيه حاجة و لا إيه؟"
"دادة بالله عليكي أعملي اللي طلبته منك أنا جاية في الطريق، سلام"
أغلقت المكالمة وألقت الهاتف في حقيبتها و انخرطت في البكاء من جديد، نظر طه إليها يعلم أنها لم تخبره بشئ و هي في تلك الحالة
لذا تركها تبكي حتي تخرج كل ما تشعر به من أحزان وسيعلم لاحقاً ماذا حدث.
وصل آدم ورأي سيارة طه تنطلق سريعاً، وضع كفيه علي وجهه بندم و أخذ يلعن نفسه و المدعوة روفان، لكن ما فائدة الندم بعد أن تحطم قلب احدهم كالزجاج وإذا أعاد ترميمه ستظل الشروخ كما هي!
༺※※※༻
يحيط ذراعه ظهرها و يجلسا في انتظار أن يأذن لهما فني الأشعة بالدخول، و ذلك بعد أن فحص الطبيب قدمها وطلب بعمل أشعة للتأكد من وجود شرخ أم لا، لم تترك يد زوجها وتتشبث به كالطفلة التي تمسك بوالدها، فكان تارة يربت عليها و أخرى يخبرها بأن لا تخاف ويداعبها ببعض المزاح الخفيف ليجعلها تضحك وتنسي الألم.
"حاسة بإيه دلوقتي؟"
أجابت بصوت خافت من أثر التعب والبكاء الكثير
"لسه حاسة بوجع بس مش زي الأول، خصوصاً بعد ما أنت دهنتلي المسكن في العربية"
ضمها إلي صدره وقام بوضع قُبلة علي مفترق خصلاتها
"حبيبتي ألف سلامة عليكي"
"الله يسلمك"
"اللي يسمع صوتك اللي مش طالع دلوقت ما يصدقش أنك من شوية كنتي عمالة تزعقي"
تفوه بذلك مازحاً، حدقت إليه بامتعاض
"أنت شمتان فيا؟!"
ابتسم وأخبرها بنبرة رومانسية حالمة
"حد هايشمت في روحه برضه!، يعلم ربنا لما وقعتي وقعدتي تصرخي وتعيطي قلبي واجعني عليكي أوي، قولت يارب اللي فيكي يجي فيا بس تكوني كويسة"
وضعت كفها علي خده تردد بحب مماثل
"بعد الشر عليكي يا حبيبي، أنا ما استحملش عليك حاجة أبداً"
أمسك يدها وقام بتقبيل ظهر كفها
"ربنا يباركلي فيكي أنتي والأولاد"
"اه صح، أنت كلمت داده زينات تطمن عليهم؟"
"مستني أطمن عليكي الأول و إحنا مروحين هتصل بيهم"
"مدام صبا عابد"
كان نداء الفني، فأخبره قصي
"حاضر جايين"
نهض وقام بحملها إلي داخل غرفة الأشعة، أشار إليه الفني نحو مقعد مجاور للجهاز
"المدام هتقعد علي الكرسي ده وترفع رجلها هنا علي الجهاز"
انزلها قصي برفق و رفعت ساقها بروية لكي لا تؤلمها، اقترب الشاب وكاد يمسك قدمها فسبقته يد قصي وحدق إليه محذراً تحت نظرات صبا التي انتفضت من رد فعل زوجها، لا تنكر أنها تشعر بالسعادة لكن الوقت غير مناسب لغيرته، شعر الشاب بالخوف من رد فعل الأخر وهو يخبره بلهجة تحذيرية
"قولي أعمل إيه وعينك علي الجهاز؟"
أخبره الشاب بحذر دون أن ينظر إلي قدم صبا بالأحرى لم يتجرأ للنظر إليها ككل.
و بعد قليل انتظرا لدي الطبيب حينما تظهر الأشعة و كانت النتيجة شرخ بسيط و تم إحاطة قدمها بالداعم الذي سيساعد علي إلتئام الشرخ، و كتب بعض الأدوية مثل مسكن لألم العظام ومكمل غذائي كالكالسيوم.
جلست بجواره في السيارة وقبل أن يبدأ بالقيادة اقتربت منه وقامت بتقبيل خده المقابل لها
"ربنا ما يحرمني منك أبداً و لا من حنيتك وخوفك عليا"
أحاط ظهرها بذراعه وأجاب بعشق
"و طول ما أنا فيا نفس هشيلك جوة قلبي وعينيا، تعرفي لما بقولك بعشقك مش مجرد كلمة في لحظة رومانسية، دي أفعال في وقت الشدة والفرح، كفاية أشوفك مبسوطة ديماً ده عندي بالدنيا كلها"
لم تكتفي البسمة بالظهور علي شفتيها وفقط بل تتراقص من عينيها
"عارف لولا إننا في العربية و وسط طريق عام و الناس رايحة جاية كنت عملت فيك إيه دلوقتي؟"
غمز بعينه بجرأة سافرة
"خلاص نرجع علي اليخت وقوليلي هاتعملي إيه"
نظرت بجرأة مماثلة وعضت علي شفتها السفلي فأخبرته
"لاء إحنا نروح علي القصر عشان الولاد وحشوني، و في أوضتنا هابقي أقولك"
غمزت بعينها أيضاً
أخذ يضحك وقام بتقبيل خدها ثم جبهتها
"بعشقك و بعشق جنانك"
أنطلق بالسيارة وقلبه ينبض بالسعادة والراحة، فالمرأة التي يعشقها قابعة بين أحضانه، لم يريد سوي الهدوء والعيش في إستقرار بين زوجته وأولاده دون حدوث شىء مزعج يعكر صفو حياتهم، لكن نحن نعيش في دنيا الخير والشر، يوم حلو وآخر مُر، نضحك تارة و نبكي تارة أخرى، و كما قالوا السابقون دوام الحال من المُحال.
༺※※※༻
يفتح الباب ويدخل بضع خطوات ثم رفع زر المسئول الرئيسي عن تشغيل الكهرباء في الشقة، انبعث الضوء من جميع المصابيح وظهر كل شىء من أثاث وطلاء و كل ما يجب أن يحتويه المنزل كل هذا علي الطراز الحديث، أشار إليهما
"واقفين عندكم ليه أدخلوا"
تشبث الصغير بيد والدته التي دخلت وتنظر من حولها بانبهار قاطعه سؤاله
"عاجبتكم الشقة؟"
حدقت بسعادة تنضح من عينيها
"اللهم بارك حلوة أوي"
"ماما، حمزة جعان"
كان صوت صغيرها فقال له عمه
"أنا طلبت دليفري يا حبيبي، أدخلوا استريح أنت وماما عقبال ما الأكل يجي"
ثم نظر إلي علا وأخبرها
"أنا خليت البواب جاب ناس نضفت الشقة إمبارح، و مليت التلاجة عشان العشا والفطار، شوفي لو عايزين أي حاجة عندك الأنتركم كلمي فيه عم مسعود البواب وهيجبلك الحاجة لحد هنا"
استنتجت من حديثه إنهما سوف يقيمان هي وصغيرها فقط لذا سألته
"أنت مش هتقعد معانا؟"
اتسع ثغره بابتسامة بعد أن رأي اهتمامها وسؤالها حول وجوده معها أم لا
"أنا هاكون ما بين هنا و ما بين الفيلا والشغل، أهو هاسيبك تاخدي راحتك من غير ما أضايقك"
شعرت بالحرج لذا أخبرته سريعاً دون التفكير
"أبداً بالعكس مش هضايق لو أنت قعدت معانا... "
أدركت ما تفوهت به فتابعت لتعالج الأمر لاسيما عندما رأت تلك الإبتسامة الماكرة علي شفتيه
"قصدي يعني أن أنا وحمزة ما نعرفش حد هنا، و المكان جديد علينا وكدة يعني"
مسح بطرف لسانه علي شفته السفلي وأخبرها بخبث
"ما تقلقيش هاجي كل يوم أطمن عليكم وممكن، ممكن يعني أبات عشان ما أسابكمش لوحدكم"
نظرت بعيداً بخجل ثم قالت
"بجد مش عارفة أشكرك علي اللي عملته معانا، وقفتك جمبنا وكل حاجة"
اقترب منها و كم كان قربه مُهلك، تراجعت إلي الوراء فاصطدمت بالحائط، تنظر بجوارها لم تجد ابنها الذي أنطلق لاستكشاف المنزل
"ما تقوليش كدة، أولاً أنتي مراتي، و حمزة زي ما هو ابن أخويا يبقي ابني أنا كمان، و راحتكم من راحتي، و أوعدك تقول ما أنا عايش محدش يقدر يقرب منكم أو يأذيكم حتي لو بكلمة"
نظرة امتنان تلمع من عينيها و كلمة همست بها من بين شفتيها
"شكراً يا أحمد"
"شكراً كدة حاف من غير أي حاجة؟"
سؤاله في ظاهره يبدو جاد لذا ابتعدت من أمامه ووجهها كاد ينفجر من دماء الخجل، ولت ظهرها إليه وكانت علي وشك أن تذهب من أمامه قائلة
"أنا، أنا هادخل أفضي الهدوم من الشنط"
أمسك يدها وجعلها تنظر إليه، ضحك فأخبرها
"علي فكرة مكنتش هعمل حاجة، أنا كنت بهزر مش أكتر، عايزك تطمني عمري ما هعمل حاجة غصب عنك"
ظل كل منهما ينظر إلي الآخر بحدث متبادل في صمت لأن هنا العيون هي من تتحدث
"تعالي أفرجك علي باقي الشقة وأوريكي أوضة حمزة و أوضتنا"
قام بسحب الحقائب من المقابض الخاصة بها، توقف أمام غرفة صغيرة بها سرير صغير ومكتب وخزانة كما يوجد تلفاز وألعاب أطفال، نظرت إليه فأخبرها
"الأوضة دي كانت فاضية و جهزتها زي ما أنتي شايفة عشان حمزة"
"شكراً"
عقد ما بين حاجبيه
"ياريت ما اسمعش شكراً تاني"
نظرت إلي أسفل بحرج ثم رفعت وجهها عندما سمعت فتح باب غرفة مجاورة ه قوله
"و دي أوضتنا"
دخلت وأخذت تنظر إلي كل ما يوجد بالغرفة حتي وقعت عينيها علي صورة داخل إطار خشبي مربع أعلي الكمود، كانت صورة فوتوغرافية لفتاه عشرينية، تشعر إنها رأتها من قبل لكن لم تتذكرها جيداً، انتبه أحمد إلي الصورة فولج سريعاً وأخذ الصورة وألقي بها داخل درج الكمود حتي دون أن ينظر إلي الصورة
"حبيبتك؟"
أخبرها بحزن قد أغلق عليه الأبواب منذ سنوات
"كانت حبيبتي"
لا تنكر هذا الشعور الغريب الذي نما بداخلها، غيرة تشعر بهت لأول مرة، فهل وقع قلبه في حبه؟!
"سيبتوا بعض ليه؟"
تنهد وبدي علي وجهه رغبة عدم التحدث في هذا الأمر
"هابقي أحكيلك بعدين، أنا مضطر أنزل و لو في أي حاجة كلميني علي طول"
غادر الغرفة ومضي نحو باب المنزل فأوقفته
"أحمد؟"
ألتفت إليها
"نعم؟"
"لما تخلص كل اللي وراك تعالي علي هنا"
أومأ لها وقال
"حاضر"
عاد إلي وجهته وكاد يفتح باب المنزل فاوقفته مرة أخرى
"أحمد"
زفر قليلاً وسألها
"نعم يا علا؟"
ابتسمت إليه وأخبرته
"لا إله إلا الله"
ردد معقباً
"محمد رسول الله"
غادر سريعاً قبل أن يستسلم لهذا الصوت الذي يردد في أذنه بأن يعود إليها و يجذبها بين ذراعيه، يحتضنها بقوة ويخبرها لا وجود لـ أمرأة أخرى في حياته سواها، هي من اختطفت قلبه قبل بصره عندما رآها لأول مرة، قسوته في البداية و حتي وقت قريب ما هي إلا دفاع وحماية لكي لا يسيطر عليه حبه لها، كان لا يريد تكرار الماضي مرة أخرى يكفيه ما قد عناه من ألم الفراق، لكن جاءت علا إليه و عصفت بمشاعره التي استيقظت من جديد، لذلك عزم علي حماية هذا الحب مهما واجه من صعوبات وتحدي حتي لو كان ذلك التحدي متمثل في والدته!
و في مكان آخر حيث فيلا عائلة الشريف، تجلس شيريهان في شرفة غرفتها تشرب القهوة، جاءت إليها الخادمة تأخذ القدح الشاغر
"أي أوامر تانية يا شيري هانم؟"
"علا و ابنها في أوضتهم؟"
شحب وجه الخادمة من التوتر، فقد اوصاها أحمد أن لا تخبر والدته بأمر رحيل زوجته وابنها من المنزل حتي يعود هو، ابتلعت ريقها ثم أجابت
"معرفش يا شيري هانم"
نظرت الأخرى إليها بحدة
"إزاي ما تعرفيش؟"
"قصدي إنهم خرجوا و معرفش راحوا فين"
"إزاي تخرج من غير ما تقولي أو تقول لجوزها؟!"
"معرفش حاجة يا هانم"
زفرت الأخرى بغضب و نهضت تزيح الخادمة من أمامها جانباً
"غوري من وشي"
ذهبت إلي غرفة النوم لتطمئن أن ما تسعي إليه زوجة ابنها يكون مجرد ظن سئ ليس أكثر، فتحت الخزانة فوجدتها خالية من ثياب علا و ثياب الصغير، كان داخلها كأنه مرجل من الماء يفور، أخذت هاتفها من جيب ثوبها، قامت بالإتصال علي ابنها و لم يرد، فاسرعت تنقر علي تطبيق الدردشة لترسل إليه
«مراتك خدت ابنها و هربت... اتصرف ولاقيها قبل ما اتصرف أنا وتصرفي مش هايعجبك»
الفصل الثالث والثلاثون
كُل البدائل مُتاحة لكن هناك أشياء لن يمكن استبدالها، واحذر من الوقوع في الأخطاء إذا تم تحذيرك قبلاً، فهناك خطأ كالسهم المارق عندما ينطلق لن يعود مرة أخرى.
ولاء رفعت
تتمدد فوق الفراش علي جانبها في صمت قاتل، لكن عينيها لم تكف عن البكاء منذ أن جاءت من الخارج، انتبهت أذنيها إلي طرق الباب ه صوت زوجة أخيها
"خديجة؟، أنتي صاحية؟"
نهضت وأخذت تمسح دموعها بالمحرمة ثم ذهبت لتفتح الباب، ظهرت شيماء وتنظر إليها بأسف
"ما كفاية عياط بقي و تعالي أغسلي وشك، أنا عاملة طاجن بامية باللحمة الضاني هتاكلي صوابعك وراه، هينسيكي اللي حصل معاكي النهاردة"
عقدت الأخرى ما بين حاجبيها، تعجبت كيف علمت صديقتها بما حدث، فسألتها
"أنتي عرفتي إزاي؟"
"ما أنا رجعت من برة لاقيت طه قاعد في الصالة و حكالي علي حادثة الواد اللي كان عايز يقتل البت صاحبتك في الجامعة، و كلمتيه وأنتي في المستشفي و بعدها خدك علي الشركة عند جوزك و نزلتي من عنده معيطة و من ساعتها مش عايزة تتكلمي، قولت له بالتأكيد آدم عرف باللي حصل شد معاها وهي ما استحملتش و أتخانقوا"
كانت شاردة نحو الفراغ في عالم آخر، رؤية تلك الصهباء تعانق زوجها و تقبله كان مشهداً لا يُنسي، كادت تبكي من جديد فحاولت أن تتماسك لا تريد أحد أن يعلم بنزيف قلبها، لا ترجو شفقة أو مواساة حتي لو كانت من شقيقها، فهي قد عزمت علي قرارها و لم تتراجع عنه.
انتبهت إلي يد شيماء تلكزها بخفة
"إيه يا بنتي سرحتي في إيه، فوكي كدة و أنسي اللي حصل، و تعالي يلا نتغدي، أنا غديت يوسف وسالم من بدري و قاعدين يلعبوا، والبت ريتاچ مارضتش تاكل معاهم و قالتلي لاء أنا هاكل مع عمتو"
شبه ابتسامة غزت ثغرها فأومأت إليها ثم سألتها
"أومال فين طه؟"
"جاله تليفون و نزل من غير ما يقولي كالعادة، خلينا كدة أحسن أنا وأنتي عشان بعد ما نخلص أكل نعملنا كوبيتين شاي و نقعد نشربهم في البلكونة، عايزة افضفض لك شوية"
وعلي مائدة الطعام في الخارج، تجلس في صمت شاردة في الصحن دون أن تأكل منه ملعقة واحدة
"ألا بالحق، هم فعلاً أهل الواد باعتين لك واحد يهددك لو شهادتي باللي ابنهم عمله؟"
نظرت إليها بعينين تائهة في البادية، لم تملك طاقة كافية للتحدث فأخذت تحدق إليها وداخل عينيها الكثير، تود أن تصرخ عما يعتمل به صدرها من ألم لكن من المُحال أن تفصح عن ما رأته اليوم، صدمة لا يستوعبها عقلها و تتخبط بين جدرانها، وخز قوي داهمها بقوة جعلتها تتأوه ألماً واضعة يدها علي بطنها، و ملامح وجهها منقبضة
"خديجة؟"
صرخت بها زوجة أخيها ونهضت سريعاً تتفحصها وتسأله بقلق بالغ
"مالك حاسة بإيه؟"
رفعت خديجة كفها وبنبرة تكاد تكون مسموعة لدى الأخرى
"أنا بخير، بخير"
حاولت أن تنهض فأمسكت الأخرى بيدها تساعدها
"تعالي أدخلي أستريحي جوة"
عقب جملتها صوت فتح باب المنزل وصوت طه الذي ولج للتو
"شيماء أدخلي غطي شعرك، آدم معايا و واقف برة"
نظرت إليه ثم إلي شقيقته وأخبرتها قبل أن تذهب
"اقعدي طب استريحي، شوفتي أهو ما استحملش زعلك و جه يصالحك، ربنا يهدي سركم"
ذهب بخُطى سريعة إلي الداخل، بينما خديجة حاولت أن تتماسك وتتحمل هذا الألم الذي يهاجمها كالوحش الضاري
"أنا داخلة...
قاطعها شقيقها
"استني يا خديجة، آدم جاي عشان عايز يقعد يتكلم معاكي"
وكأن قوة مفرطة سرت في أنحاء جسدها جعلتها تقف كالوتد الصامد أمام رياح عاتية
"و أنا مش عايز أقابل و لا أتكلم مع حد"
كادت تذهب حتي سمعت صوته حينما دخل
"خديجة تعالي نقعد و أنا هافهمك كل حاجة"
"خديجة، آدم حكالي علي كل حاجة و اللي شوفتيه مش زي ما أنتي فهمتي، ياريت تديله فرصة يشرحلك اللي حصل"
عقب طه ويبدو أن أصبح لديه علم بما حدث وهذا بعد أن تقابل مع زوج شقيقته والذي حكي إليه ما حدث وكذلك الأخر أخبره ما تعرضت له شقيقته اليوم وذهابه إلي المشفي بعدما قامت بمهاتفته
نظرة هازئه تنضح من عينيها تحولت إلي نظرة أخرى بازدراء
"يشرحلي إيه بالظبط؟!، أنا و لا هاقعد معاه و لا هاسمع منه حاجة، لأنه مهما قال وأتكلم مش هاتراجع عن قراري"
تلاقي حاجبيه فسألها مُردداً
"قرارك؟"
أخذت تحدق نحو كليهما بقوة حتي أخبرت شقيقها أولاً
"أنا مكنتش أصلاً هاقولك أي حاجة، بس بما أنه هو حكالك فلازم تسمع اللي هاطلبه منه دلوقتي"
عادت عينيها تنظر إلي زوجها بأمر لم تتراجع عنه
"طلقني يا آدم"
༺※※※༻
صف السائق السيارة أمام باب القصر وترجل مسرعاً ليفتح الباب الخلفي، نزل قصي ومد يديه إليها لتستند عليهما
"علي مهلك، خدي بالك"
و إذا بقدمها المصابة لامست الأرض فتأوهت
"مش قولتلك خدي بالك، كدة بقي مضطر، استعنا علي الشقى بالله"
"قصدك إيـ..
لم يمهلها وقت للسؤال فحملها علي ذراعيه، تعلقت بيديها حول عنقه وأخذت تضحك، فسألها مبتسماً ويسير نحو الداخل
"طبعاً مبسوطة وأنا شايلك، و مش مشكلة اللي بيحصل لضهري"
حدقت بغضب زائف مازحة
"لاء يا حبيبي أنا رشيقة، أنت اللي كبرت و ما بقتش قادر تشيلني زي زمان"
رفع حاجبه فأخبرها بحنق مازحاً
"بدل ما تشكريني بتتريئي عليا؟!، ماشي أتلقي وعدك بقي من ضرتك"
وأشار إليها بعينيه نحو صغيرته التي تقف وساعديها تعقدهما أمام صدرها، وحاجبيها يلتقيا، تحدق لهما بنظرة غاضبة
نزلت صبا بحذر علي الأرض مستنده علي ذراع زوجها، تبتسم إلي ابنتها وتمد ذراعها الآخر لها
"زوزو حبيبة مامي وحشاني أوي، تعالي في حضني"
هزت رأسها برفض ثم صاحت بغضب طفولي
"لاء، أنا مخصماكي أنتي وبابي ومش هكلمكم تاني، عشان روحتوا تتفسحوا و ما خدتنيش أنا ومالك"
اقتربت صبا بشفاها نحو أذن زوجها وسألته بهمس
"هي عرفت منين؟"
"أنا قولتلها لما أتصلت اطمن عليهم"
"و أنا اللي كنت هضحك عليها و أقولها كنا في شغل عشان ما تزعلش، أعمل فيك إيه دلوقتي، كل ما أصلح علاقتي بيها تيجي أنت و تبوظها"
"ما هو ما ينفعش تكذبي عليها، بنتك ماشاء الله ذكية و بتفهم إن كان بتكذبي عليها و لا بتقوليلها الحقيقة"
"هي هتجيبه من برة، طالعة زيك"
ابتسم بفخر متباهياً
"طبعاً لازم تطلعلي، دي زوزو حبيبة بابا"
ثم ألتفت إلي صغيرته المشاكسة وهبط علي ركبتيه فاتحاً ذراعيه
"ممكن حضن الأول و بعدين نتصالح؟"
و سريعاً تبدلت ملامح وجهها من الغضب إلي ابتسامة تصل من الأذن إلي الأذن الأخرى، و لما لا فهذا والدها حبيبها وهي مدللته الصغيرة التي من أجلها يفعل المستحيل ويري تلك الابتسامة تزين ثغرها الصغير دائماً.
اطلقت ساقيها الصغيرتين وارتمت بين ذراعيه، تتعلق بيديها حول عنقه، تخبره بدلال طفولي
"i miss you بابي"
قام بتقبيل وجنتها الوردية
"و أنتي كمان وحشاني يا قلب بابي"
نظرت لهما صبا بحاجبين مرفوعين إلي أعلي، تردد بتعجب ساخر
"لا والله؟"
كتم ضحكته حتي لا يثير حنقها أكثر، فأخبر صغيرته
"قولي لمامي ألف سلامة عليكي، عشان وقعت علي رجلها وروحنا عند الدكتور"
حدقت نحو قدم أمها فرأت الضماد، انتبهت صبا إلي قلق وخوف ابنتها مما أثار دهشتها من رد فعل الصغيرة، و تعجبت أكثر عندما احتضنتها بذراعيها الصغيرين
"ألف سلامة عليكي يا مامي، أنا بحبك أوي"
دنت الأخرى منها واستندت بيد علي كتف زوجها و اليد الأخرى ضمت ابنتها إلي صدرها
"الله يسلمك يا قلب مامي، و أنا كمان بحبك أوي أوي"
رفعت وجهها وسألتها ببراءة
"مين اللي عمل كدة في رجلك؟"
"أتزحلقت و وقعت عليها"
ربتت بكفها علي خد أمها فقامت بتقبيل خدها الأخر
"خلي بابي يشيلك و تعالي نامي جمبي"
نظرت صبا إلي قصي الذي ابتسم وهو يرى تطور علاقة ابنته بأمها إلي الأفضل، سأل صغيرته
"يرضيكي تاخدي مامي تنام جمبك و بابي ينام لوحده؟"
أجابت بتلقائية
"خلاص إحنا نسيبها تنام لوحدها عشان رجلها فيها واوه، وأنت تعالي نام جمبي"
اتسعت عينان صبا و التي صاحت
"بقي كدة يا زوزو؟، لحقتي تقلبي عليا؟، أنا زعلانة منك"
"لاء يا مامي زوزو ما تقصدش، و هي شطورة و هتطلع تنام في سريرها عشان بكرة هاخدها هي و مالك ونروح الملاهي"
و ما أن انتهي والدها من الحديث هللت بفرح
"بجد يا بابي هتودينا الملاهي بكرة؟"
أومأ لها مهمهماً، صاحت بتهليل ثم قامت بمعانقته و تقبيله
"حبيبي يا بابي"
"يلا بقي اطلعي نامي عشان هنصحي بدري"
"أوك بابي، تصبح علي خير"
"و أنت من أهله يا حبيبي"
و لم تنظر إلي أمها وركضت إلي أعلي كما أمرها والدها
"شوفت البنت، و لا عبرتني بأي كلمة"
نهض ضاحكاً
"معلش، واحدة واحدة وهتلاقيها متعلقة بيكي اكتر من تعلقها بيا"
"طبعاً لازم تدافع عنها، أنت بابي السوبر هيرو بالنسبة لها و أنا مامي الشريرة"
قام بحملها مُجدداً يخبرها بمزاح
"لاء أنتي مامي الشريرة اللي خطفت حبيبها منها"
لكزته في كتفه ويصعد الدرج حاملاً إياها
"اه منك أنت و بنتك، هتشلوني"
أخذ يضحك ثم تابع صعود الدرج
༺※※※༻
"افتحي الباب يا خديجة وتعالي نتفاهم، بلاش شغل العيال اللي بتعمليه ده"
صاح بها آدم ويطرق باب الغرفة بقوة، فبعد أن ألقت عليه قرارها الحاسم انطلقت من أمامه إلي الغرفة وأوصدت الباب من الداخل، قلبها نبض بقوة و كلما زادت نبضاته كلما اشتد الألم أكثر، فهي لم تتحمل النظر إلي عينيه وتطلب منه الإنفصال، فالعاشق حينما يصل به الأمر إلي الإنفصال فهو بذلك يحكم علي روحه بمغادرة جسده، يشعر بكل سكرات الموت حتي يصل إلي اللحد ويصبح حبيس جدران مقبرة الزمن الذي يمر ببطئ، فالساعة تصبح يوماً واليوم يصبح شهراً والشهر يصبح كالسنة و السنة تمر كمرور الدهر علي هذا الميت الحي.
صرخت من الداخل وما زالت تضع كفها علي بطنها
"و أنا مش طايقة اشوفك و لا اسمع صوتك، طلقني بالمعروف أحسن ما نتقابل في المحكمة"
كان كل من طه و زوجته يقفان في الرواق فقالت شيماء
"معلش سيبها تقعد مع نفسها شوية وأنا هادخل ليها و هاطمن عليها ، هي شكلها أعصابها تعبانة من اللي حصل لصاحبتها في الجامعة، بالتأكيد ما تقصدش اللي قالته"
فعقب زوجها
"تعالي نقعد في البلكونة شوية و شيماء هاتدخل تكلمها، و إن شاء الله كل حاجة هاتتحل ما بينكم، تعالي يلا"
انفتح الباب فجأة وظهرت منه، تتظاهر بالقوة الواهية
"و أنا مش هتراجع عن قراري، هاطلق يعني هاطلق، و أهو يخلي الجو للباشمهندس مع الهانم اللي كانت في حضنه"
أنهت كلماتها بنظرة ساخرة إلي زوجها، بينما شيماء التي أدركت سبب ردود أفعال صديقتها للتو، شهقت بصدمة واضعة يدها علي فاها غير مصدقة، حاول زوجها أن يهدئ من العاصفة و لو قليلاً
"خديجة عشان خاطري، استهدي بالله و اقعدي مع جوزك و اسمعيه، و بلاش تظلميه قبل ما تعرفي كل حاجة، ده كلنا بنقول أنتي أعقل واحدة فينا، إيه اللي جرالك؟"
"ما أنا كنت بعقلي و أسأله، بما أنك سمعت له هقولك أنا ليه عايزة أتطلق، الهانم اللي شوفتها معاه في المكتب دي اللي كان عمي الله يرحمه كان عايز يجوزها له لما أتأخرت في الحمل، شوفناها من فترة لما كنا مسافرين لما اتخطف يوسف ابني و سبحان الله هي ظهرت فجأة وانقذته و فاكراني مغفلة مش عارفة أنها لعبة عملتها عشان تقرب من البيه، و اتكلمت معاه و حذرته منها بكل هدوء و عقل و لو واحدة غيري أقسم بالله كانت عملت مشكلة كبيرة، لكن قولت خليني ورا عقلي و أحل أموري من غير مشاكل، و اتفقت معاه مهما حاولت تقرب منه تاني يقفل كل الأبواب في وشها و وعدني بكدة لحد ما أتفاجئ النهاردة و أنا رايحة له الشركة منهارة من اللي حصلي في الجامعة عشان أحكيله اللي حصل معايا و أقوله أعمل إيه لاقيتهم في حضن بعض و.... ااه"
بلغ الألم ذروته لديها ولن تتحمل، أطلقت صرخة وسقطت علي ركبتيها، تضع يديها علي بطنها
هبط علي ركبتيه بقلق وخوف
"خديجة، مالك؟"
أخبرته شيماء
"قبل ما تيجوا كانت برضه ماسكة بطنها وبتتوجع"
"أنا هكلم الدكتور بسرعة"
صاح بها طه، و آدم كان يضع يده علي ظهر خديجة ويهدأها بينما هي تصرخ بألم عارم
"مش قادرة استحمل الوجع، بطني بتتقطع، ااه"
و هنا الصرخة قد بلغت أقصاها وتردد صداها بين جدران المنزل!
༺※※※༻
وصل قصي إلي داخل الغرفة و مازال يحملها، أنزلها علي الفراش وجلس جوارها، يرفع ساقها علي فخذيه، يخلع لها الحذاء وفعل المثل مع ساقها الأخرى، أمسك يديها فقام بتقبيل كل منهما علي حده، يخبرها من شهد الكلمات
"بعشقك"
ابتسمت له وعينيها الرمادية تتلألأ علي ضي المصباح الخافت، تخبره بأعذب الألحان التي تعزفها علي أوتار فؤاده
"ده أنا اللي بعشقك و متيمة بيك، و كل مدي عشقي بيزيد لما بشوف قد إيه أنت حنين معايا و بحس بخوفك و لهفتك عليا لو حصلي أي حاجة"
اقترب منها وعانقها، طرف أنفه يكاد يلامس طرف أنفها، يزيد من البيت شعراً رومانسياً بصوته الرجولي الأجش
"حنيتي دي نقطة في بحر حبي ليكي، أنتي روحي يا صبا، يعني أنتي عايشة جوايا و بتجري في دمي، ما بقدرش أستحمل عليكي أي حاجة"
ابتعدت برأسها قليلاً لتستمتع بالنظر صوب عينيه التي تسحرها في محراب عشقه
"أنا آسفة إن اتنرفزت عليك لما حيت تواسيني عشان ما أركزش في ألم رجلي، مكنتش مستحملة بجد الوجع"
قام بتقبيلها من جوار شفتيها ثم أخبرها
"عارف ومقدر حالتك وقتها، و مش زعلان بالعكس أنا ضحكت من ردة فعلك، أصل شكلك يجنن لما بتتنرفزي"
"أنت كنت قاصد بقي؟"
أومأ لها مبتسماً
"و كنت مبسوط كمان"
تبرق عينيها بلمعة ماكرة تقترب بشفتيها من خده وفي لحظة ضغطت بأسنانها علي خده فتأوه
"عشان تبقي تنبسط أوي"
ضيق عينيه بوعيد
"خدي بالك أنتي اللي بدأتي"
تزحزحت مبتعدة عنه تبتسم بقلق
"قيصو، أنا كنت بهزر معاك، بالله عليك أوعي تعملها أنا مش قادرة أتحرك من رجلي"
ابتسامة خبيثة ها غمزة ينهيها قوله
"أنا واحشتني أوي حركات الشقاوة، فاكرة؟"
رفعت يديها برجاء وتضحك في آن واحد
"لاء مش فاكرة، و لا عايزة افتكر"
"بس أنا بقي فاكر و هافكرك"
أخبرها بذلك وجعلها أسيرة بين ذراعيه وهي تصيح برجاء
"لاء يا قيصو لاء، بلاش عض، عض لاء"
و في لحظات كانت ممددة علي بطنها فوق الفراش، و تحت ضغط يده علي ساقيها و يده الأخري علي ظهرها كافياً بشل حركتها
"يلا عدي و لو غلطي في العد هبدأ من أول و جديد، واحد"
صاحت بعد غرز أسنانه أسفل ظهرها
"ااه، أنت رخم و هزارك تقيل"
"2"
"ااه، كفاية بقي علي فكرة أنت سادي"
تعالت ضحكته علي وصفها المُبالغ به، فجعلها تستشيط من الغيظ أكثر، سألها بصدمة زائفة
"أنا سادي؟!"
"ايوه و شرير كمان"
"طيب، نبدأ من أول وجديد، يا تري أعضك منين يا بطة، سادي بادي كرنب زبادي"
"اااه، خلاص، خلاص، بجد مش قادرة، كفاية هزار"
حررها من قبضتيه فنهضت وهو مازال يضحك، لكزته و تحدق إليه بغضب طفولي مثل ابنتها
"أبعد عني أنا مخصماك، و مش هتنام جمبي النهاردة، عندك الكنبة و لا روح نام جمب بنتك"
جذبها بين ذراعيه بحنان و حب
"أنا أقدر علي زعل روحي؟!، تعالي لما أصالحك"
قام بتقبيل خدها
"أوعي برضه زعلانة منك"
"طب و كدة"
قام بتقبيل موطن كلماتها وسألها متابعاً
"لسه زعلانة؟"
"اه، و زعلانة أوي كمان"
اقترب بشفتيه نحو عنقها بقبلة جعلتها تشعر بأجواء طقس شهر يوليو الحار، ابتعد قليلاً ليرى ملامحها و مدي تأثيره الطاغي عليها، قرأ
في عينيها نداء من أعماقها، فاقترب مرة أخرى وعينيه لا تبرح شفاها
"أنا مش هيسيبك الليلة دي غير لما أصالحك و تبقي مبسوطة"
و بعد كلماته قام بتلبية النداء باشتهاء و رغبة جامحة لا يشعر بها سوي معها هي فقط، المرأة التي امتلكت مفتاح قلبه فولجت داخله وتربعت علي عرشه، و كما أخبرها قولاً وفعلاً فهي صبا القلب والروح.
༺※※※༻
في وقت متأخر من الليل يفر النوم من عينيه كالليالي السابقة، كلما يفكر في حديث صديقه يجن جنونه، علي الرغم أنه قد عاش في بلد أوروبي لسنوات لكن هذا لن يغير من طباعه العربية المتأصلة به كالغيرة ويحب أن يكون الرجل الأول في حياة المرأة التي سيشاركها حياته...
«حدث سابقاً»
"قبل إجابتي علي طلبك، لازم تعرف حاجة"
ابتلعت منار غصة علقت في حلقها فمن الممكن أن علم أدهم بالأمر سيغير رأيه ويعزف عن أمر زواجه بها، تابعت
"قصي هيقولك كل حاجة"
و بدون تردد ذهبت سريعاً من أمامهما، توجه نظر أدهم إلي صديقه منتظراً أن يخبره
"هي إيه الحكاية بالظبط"
نهض الأخر وجلس في الكرسي المقابل له، ود لو أخبره بصدق روايته لكن أحياناً نلجأ إلي الكذب في أمور بها الصدق له وقع الضرر علي الآخرين
"قبل ما أحكي هكرر لك اللي قولته لك من شوية، منار في مقام أخواتي البنات، و الحكاية أن باباها كان مديون لراجل من اللي شغلهم شمال، و كتب علي نفسه شيكات بمبالغ كبيرة وعشان مش قادر يسددها كان عايز يجوزها لراجل أكبر منه هو شخصياً، مالقتش حل غير أن نكتب الكتاب وعملنا فرح علي الضيق، وجت عاشت في القصر عندي لحد ما ضمنت باباها أنه مش هيقربلها من تاني أو يأذيها"
عقد ما بين حاجبيه حاول استيعاب ما قد سمعه
"ثواني، مسألة كتب كتابكم و الفرح و فهمنا الهدف من وراهم، طيب مدام صبا كان وضعها إيه بالظبط لاء و كمان جايبلها ضرة تعيش معاها في القصر، عملتها إزاي؟"
تنهد قصي وتناول لفافة تبغ من الصندوق الخشبي و أشعلها بنار القداحة، وجد عليه تجاوز الخوض في الحديث عن شأن زوجته لاسيما عند تذكره لما سببه لها من آلام نفسية وقهرية
"عادي، هي تفهمت الأمر بصدر رحب، لأن ما بينا ثقة متبادلة، ده غير أن منار كانت قاعدة في أوضة لوحدها"
"يعني...
أدرك سؤال صديقه لذا تابع حديثه ليطمئنه
"أيوه، كان جواز علي ورق مش أكتر من كدة"
«عودة إلي الوقت الحالي»
زفر بضيق لديه سؤال يلح عليه يريد معرفة إجابته من بين شفتيها هي حتي يطمئن قلبه و يريح عقله من التفكير
"إيه اللي مسهرك يا حبيبي لحد دلوقتي و واقف في البلكونة في السقعة دي"
ألتفت إلي هذه السيدة الخمسينية ذات الملامح الجميلة برغم ظهور بعض الخطوط قد حفرها الزمان، تمسك بصينية يعلوها كوبان تتصاعد منهما الأبخرة.
ابتسم إليها بــ ود
"مش جايلي نوم يا لولي"
وضعت الصينية فوق المنضدة
"طبعاً مش هيجيلك نوم من غير ما تشرب من إيد مامتك حبيبتك الـكاكاو بللبن اللي بتحبه"
و أمسكت كوب ومدت يدها بها إليه
"طول عمرك مدلعاني يا ست الحبايب، تسلم إيديكي"
أخذ الكوب من يدها، فأخبرته و عينيها تنضح بالحنان والحب
"أنا ليا مين غيركم أنت وأخوك، هو أتجوز وسافر برة و فين و فين لما بيجي اجازة، وأنت نفس الحكاية بس الفرق هو أن نفسي أفرح بيك وأشوف ولادك قبل ما أقابل وجه كريم"
ترك الكوب سريعاً وأمسك بيدها بين كفيه
"بعد الشر عليكي يا أمي، بإذن الله هحققلك أمنيتك قريب أوي، و كمان هستقر هنا و هأسس فرع للشركة اللي بشتغل فيها برة، محتاج بس دعواتك"
تعجبت ثم ابتسمت بسعادة
"يا حبيب قلب مامتك، أنا مش مصدقة نفسي، وأخيراً هتريح قلبي الله يريح قلبك، بس تطلع مين دي ياتري اللي قدرت تغير تفكيرك"
كاد يتحدث فاوقفه تنبيه رسالة واردة علي هاتفه
"ثواني يا لولي"
فتح الرسالة وكان محتواها اسم منار بالكامل و كل بياناتها والتي تشمل من بينها عنوان مسكنها، ردد بصوت خافت
"كفاية تفكير لحد كدة، أنا لازم أروحلها"
"فيه حاجة و لا إيه؟"
حدق إلي والدته بنظرة غامضة وأخبرها
"لما أرجع هابقي أحكيلك"
تركها و ولج إلي الداخل
"أدهم؟، أدهم؟"
هزت رأسها بسأم وعلقت
"ربنا يرزقك باللي تتمناه يا حبيبي وأشوفك ديماً مبسوط و مرتاح البال"
༺※※※༻
«"أيوة بحبك، و لما لاقيت رد فعلك معايا عنيف كل ما أقرب منك، حبيتك أكتر وجيت النهاردة لقصي عشان يقولك إن أنا عايز أتجوزك" »
كان المشهد الذي يتردد كل حين والآخر في ذاكرتها لا سيما عند تمدد جسدها علي الفراش، باتت تشعر بالأرق منذ ذلك اليوم، لا تنكر أن شعور السعادة غزي دواخلها عند سماعها إلي اعترافه لكن أكبر مخاوفها هو عندما يعلم بأمر زواجها من صديقه.
تنهدت وعينيها مازالت شاردة نحو السقف، نهضت بجذعها باحثة عن هاتفها، قامت بفتح الشاشة ولمست أيقونة تطبيق شهير، قد توصلت إلي حسابه الشخصي و كل فينة والأخرى تشاهد صوره الملتقطة له ما بين إيطاليا و مصر، و صور أخرى له عندما كان طفلاً ثم مراهقاً و شاباً حتي أصبح في منتصف الثلاثينات من عمره، ابتسمت وعلقت
"حلو من صغرك يا أدهومي"
و إذا فجأة يرن هاتفها فانتفضت بفزع ووقع الهاتف من يدها، دنت من الأرض بيدها لتمسك به و ترى اسم المتصل فكان رقم مجهول الهوية، ترددت في الإجابة وانتظرت ريثما ينتهي الرنين فعاد مرة أخرى، لا مفر من الإجابة
"ألو؟"
كان صوتاً رجولياً جعل قلبها ينبض بقوة، ترددت في الرد وانتظرت حتي تحدث المتصل ثانية
"أنا أدهم الشافعي يا منار، ما تقلقيش"
نهضت والصدمة تنضح من عينيها
"أدهم؟، أنت عرفت رقمي منين؟، سؤال غبي صح، بالتأكيد خدته من مستر قصي"
أطلق زفرة و أخبرها بجدية
"لاء، بس عرفت و خلاص، علي فكرة أنا تحت البيت عندك"
صاحت غير مصدقة
"نعم؟!، أنت بتهزر؟"
ذهبت من قرب النافذة وأزاحت الستائر لتجد بالفعل سيارة تقف أمام البناء، بينما هو لاحظ ظلها من خلف زجاج النافذة فقام بتشغيل وميض المصابيح الأمامية لسيارته عدة مرات
"لاء مش بهزر، مش شايفة كشافات العربية؟"
"خلاص شوفت، ممكن تفهمني سبب وجودك تحت بيتي؟"
"جيتلك عشان عايز أتكلم معاكي ياريت تنزلي"
"لاء أنت مجنون بقي، أنت عارف الساعة دلوقتي كام؟، 2 بالليل إستحالة أنزل من البيت في الوقت ده أو أهلي يسمحوا لي أعمل كدة"
زفر بنفاذ صبر شعرت به عبر الهاتف وخشيت من رد فعله القادم و قد كان
"بصي أنا مليش خُلق أتحايل، قدامك دقيقتين ألاقيكي قدامي، لو خلصوا هطلع لحد عندك يا إما هوقف أنادي عليكي و خلي الجيران و كل اللي في مصر الجديدة كلهم يسمعوا و أنا بنادي عليكي عشان تنزلي"
صدرت منها ضحكة رغماً عنها
"أقسم بالله أنت مجنون"
"أنتي فاكراني بهزر، أنا بتكلم جد و عشان تتأكدي هبدأ عد، واحد، اتنين"
صاحت برجاء
"خلاص، خلاص، هلبس بسرعة و نزله لك"
"و ياريت لو في طريقك إزازة ميه هاتيها عشان عطشان"
ابتسمت وحركت رأسها يميناً ويساراً
"مش عايز بالمرة أكل"
"لاء شكراً، و يلا بقي الدقيقتين قربوا يخلصوا أنتي حرة"
أنهت المكالمة وفي سباق مع عقارب الساعة كانت ترتدي معطفها الأسود الذي يصل إلي الركبتين فوق قميصها القطني، ألقت نظرة سريعة في المرآة علي هيئتها، قامت بتمشيط خصلاتها وارتداء قبعة صوفية حمراء اللون ثم ارتدت حذائها الأسود الجلدي ذو النصف رقبة.
في خلال دقائق كانت في الفناء بعد أن خرجت من منزلها دون أن تصدر صوت أو يشعر به أحد فوالدتها وشقيقها في سبات عميق.
يستند بظهره علي السيارة عاقداً ساعديه أمام صدره، طيف ابتسامه علي ثغره عندما رآها، كم هي جميلة مثل حبة الفاكهة الشهية، و خصلات شعرها الذهبية تضوي أسفل ضوء مصابيح البناء، اقتربت منه وتدس الزجاجة في يده بحنق
"اتفضل أشرب"
"علي فكرة الدقيقتين خلصوا من خمس دقايق، يعني ممكن أنفذ تهديدي دلوقتي يا...
كاد يصيح باسمها فوضعت يدها علي فمه
"يخربيتك يا مجنون، ما أنا أهو قدامك"
حدق إليها لثوان ولم تدرك شيئاً من نظراته، شعرت بملمس شفتيه علي كفها يقبله، كان كتأثير التيار الكهربي، ابعدت يدها عن فمه وأخذت تحرك اهدابها ثم رفعت سبابتها في وجهه
"للمرة الأخيرة لو عملت الحركات دي تاني هتلاقي مني رد فعل مش هايعجبك، و لا نسيت القلم اللي خدته في المكتب؟!"
فتح الزجاجة وشرب الماء في صمت، و بعد أن أنتهي من الشراب و أغلقها أعطاها إياها ثم دخل سيارته علي مقعد القيادة وفتح لها الباب الآخر مشيراً إليها
"اركبي"
رفعت احدى حاجبيها
"إيه الاستهبال ده؟!، ما تخلص قول عايزني في إيه و يلا أمشي قبل ما حد يشوفك معايا من الجيران و تجيبلي الكلام"
نظر لها بصرامة غير معهودة من شخص لا يتسم بالجدية أغلب الأوقات
"أنا قولت اركبي و مش هكررها، إلا و إذا هطلع دلوقتي أرن الجرس و أصحيلك مامتك و أخوكي"
زفرت بحنق من أفعاله الهوجاء
"و علي إيه المشاكل، أمري لله هاركب بس ياريت تنجز عشان عايزة أطلع قبل ما يصحي حد فيهم"
و ولجت داخل السيارة وجلست بجواره، سمعت صوت إغلاق أقفال أبواب السيارة و النوافذ أيضاً
"أنت بتقفل ليه؟"
أنطلق بالسيارة دون أن يعطيها إجابة مما جعلها تصيح بغضب وتلكزه في كتفه
"هو أنا مش بسألك؟!، يا برودك يا أخي، نزلني"
استمر في القيادة حتي توقف في مكان هادئ و ألتفت إليها
"أنا عايز أعرف قصي يبقي بالنسبة لك إيه؟"
سؤاله مباغت دون مقدمات، نظرت إليه وهي تحاول استيعاب السؤال لتجيب
"هو قالك إيه بالظبط؟"
"ما ترديش علي سؤالي بسؤال وعايز إجابة واضحة من غير لف ودوران"
"و أنا ما بحبش اللف والدوران، و إجابتي هي أن قصي بالنسبة لي زي أخويا الكبير، سواء قبل جوازي منه أو بعده"
ظل ينظر إليها و يدور في رأسه سؤال آخر نطق به لسانه
"يعني لما كنتم متجوزين محصلش حاجة ما بينك و ما بينه؟"
فهمت ماذا يقصد، شعرت بالحرج من كون السؤال جريئاً، هزت رأسها بالنفي
"لاء محصلش، و كان اتفاقنا من الأول أن جوازنا علي الورق و بس"
نظر أمامه وأطلق زفرة بأريحية وكأنه يتنفس الصعداء ثم عاد يحدق إليها من نظرة الجمود إلي ابتسامة صاحبها فعل أهوج حيث جذبها بين ذراعيه وعانقها بقوة
"بحبك أوي يا منار"
حاولت التملص من عناقه بينما ذراعيه كانت تطوقها بقوة، تابع بنبرة نابعة من قلبه
"تعرفي أنا نفسي أنزل من العربية و أشيلك و أجري بيكي في الشوارع و أصرخ أقول لكل الناس أنا بحب منار، أنا بحب منار"
"ما أنت لو فضلت مكلبش فيا كدة نفسي هايروح و مش هتلحق تحقق أمنيتك"
تركها من بين ذراعيه
"آسف، من كتر فرحة قلبي اللي إرتاح بعد سهر يومين ورا بعض، محستش بنفسي غير و أنا باخدك في حضني جامد"
"طالما قلبك أرتاح وهاتعرف تنام أخيراً، ممكن يعني بعد إذنك ترجعني بيتي"
قرب وجهه من وجهها فتراجعت إلي الوراء قليلاً و رفعت يدها استعداداً للطمه
"هاا؟؟"
أومأ لها مبتسماً
"أمرك يا حبيب قلبي"
و قبل أن يستعد للقيادة ألتفت إلي إضاءة قوية صادرة من مصابيح سيارة الشرطة و الضابط الجالس بجوار السائق، يشير إليه بأن يترجل من السيارة، بينما هي لطمت علي وجنتيها
"روحنا في داهية"
الفصل الرابع والثلاثون
لم أطلب منك المغفرة لكن أطمع في كرم فؤادك ليستمع إلي دفاعي عن ما اقترفته من أخطاء في حقك، أتوسل بكل كلمات الحب بيني و بينك حتي تعفو عني أو أن أصبح في هجرك لي أسير لعذاب اللوعة و الاشتياق.
آدم البحيري...
في رواق قسم الشرطة التابع لحي مصر الجديدة، يقف كليهما بين رجلين من رجال الشرطة، تنوح و تبكي
"ياربي أنا عملت إيه في حياتي عشان يحصلي كدة، أنا خلاص اتفضحت"
حدق إليها بأسف و ندم يخبرها بصوت خافت
"اهدي و متخافيش، إحنا هنخرج "
ألتفت إليه بنظرة تنضح بالغضب ودت أن تخمش وجهه بأظافرها لأنه السبب فيما حدث لهما
"اخرص مش عايزة اسمع صوتك خالص، ياريتني ما سمعت كلامك و نزلت من بيتنا في وقت زي ده، أنا ماما لو عرفت أنا فين و بيحصل معايا إيه ممكن لا قدر الله تروح فيها، منك لله"
تحولت نظرة عينيه من الأسف حيالها إلي التجهم، فصاح إحدى رجُلين الشرطة
"اسكت منك ليها أحسن لكم"
طبقت شفتيها ومازالت تبكي، و رغماً من صعوبة المشكلة التي يمر كليهما بها الآن، استند بظهره و رأسه علي الحائط، أطلق زفرة فانتفض عندما تذكر مخرجاً من هذا المأزق
"ينفع أعمل مكالمة ضروري؟"
سأل رجل الشرطة الذي يقف جواره، تلقي إجابة سريعة
"ممنوع"
"هو إيه اللي ممنوع؟، روح أدخل للظابط بتاعك و أسأله"
"الباشا مشغول لما ندخلكوا أبقي أسأله"
عض أدهم علي شفته السفلي بحنق شديد، يضم قبضته و كاد يرفعها، أمسكت منار يده وهمست إليه
"أنت عايز تودينا في داهية تانية غير اللي إحنا فيها، استني لما ندخل و هستأذن الظابط أكلم قصي و هو يتصرف و يخرجنا من غير مشاكل"
حدق إليها بنظرة حادة قاتمة جعلتها تندم علي التفوه بحديث أشعل نار الغيرة داخله، نظر إلي يديها التي تمسك بقبضته فجذب يده منها بعنف فوجد مساعد الضابط يخرج من غرفة المكتب ينظر نحو منار بازدراء ثم إليه وأشار لهما
"أدخل منك ليها"
تقدم أدهم نحو الداخل و تتبعه منار و خلفهما رجلان الشرطة، فأخبر المساعد الضابط ويعطيه بطاقة هوية واحدة
"البت والواد اللي قفشناهم في العربية في الشارع المتفرع من شارع المرغني يا باشا"
"إيه قفشتنا ديه، والله ما كان فيه حاجة أ....
صاحت بها منار، رمق إليها الضابط بنظرة تحذيرية لتصمت، ثم حرك بصره نحو أدهم بعد أن قرأ بياناته في بطاقة الهوية الخاصة به فعاد إليها يسألها باقتضاب
"فين بطاقتك؟"
نظرت إلي أدهم عّله ينقذها من ذاك الموقف التي تدرك توابعه، ابتلعت ريقها وأخبرت الضابط
"أنا....
"الآنسة منار تبقي خطيبتي وكنت بوصلها للبيت، بطاقتها مش معاها لأنها نسيت شنطتها اللي فيها كل حاجتها في البيت"
رفع الآخر زاوية فمه هازئاً
"و المفروض أصدق أنا الكلمتين دول، علي كدة إن شاء الله كل ما نيجي نقفش واحد مقضيها مع واحدة في أنصاص الليالي يقولنا خطيبتي نصدق إحنا بقي كدة؟!، صح و لا إيه يا هانم؟"
انتفضت بـ ذعر، وقفت خلف أدهم تحتمي به من نظرات وصياح هذا الضابط، بينما أدهم يلتزم الصبر لكي لا تتفاقم المشكلة فهما داخل قسم الشرطة لا مجال لإرتكاب الأخطاء هنا.
"لو سمحت يا فندم ممكن أعمل مكالمة؟"
حدق الضابط إليه قليلاً و أطلق زفرة فأشار إليه
"أتفضل"
أخرج هاتفه من جيب بنطاله وأجري إتصالاً بأحد معارفه و من ذوي النفوذ الهامة في البلدة
"ألو، معلش صحيت حضرتك من النوم"
.......
شرح أدهم ما حدث بإيجاز إلي الأخر حتي أخبره بأن يعطي الهاتف إلي الضابط، فمد يده بهاتفه
"أتفضل"
أخذ الضابط الهاتف علي مضض، تحدث بلا اكتراث
"ألو؟"
.....
انتفض مكانه واعتدل ثم حمحم وتحدث بكل احترام و إجلال
"معالي الباشا، أنا تحت أمرك، اللي تؤمر بيه جنابك"
........
"اعتبره حصل يا فندم و آسف أنا مكنتش أعرف أدهم بيه أنه تبع حضرتك"
.....
"تمام، و بعتذر لحضرتك مرة تانية، مع السلامة يا باشا، في رعاية الله، سلام"
نهض وأعاد الهاتف إلي أدهم و تحدث بنبرة و أسلوب علي نقيض حديثه السابق لهما
"أنا بعتب عليك يا أدهم بيه، لأنك مقولتش أنك تبع معالي الباشا، عموماً حصل خير، و دلوقتي تقدر تتفضل تمشي أنت والآنسة خطيبتك"
ظهرت ابتسامة ساخرة علي شفتيه
"تمام، تمام"
و بعد مغادرة قسم الشرطة، ولجت داخل سيارته فوجدته ينظر أمامه في صمت
"مين اللي اتصلت عليه و كلم الظابط خلاه بعد ما بهدلنا كان ناقص يبوس راسك عشان تسامحه"
أجاب باقتضاب
"صاحب بابا"
لاحظت أنه لم ينظر لها متعمداً ونبرة صوته جادة
"واضح صاحب باباك ده يبقي صاحب منصب كبير في البلد"
أنطلق بالسيارة دون أن يجيب، فتح الدرج الأمامي وأخرج علبة سجائر وقداحة، تناول لفافة تبغ و وضعها بين شفتيه، فقامت هي بــ اختطفها
"علي فكرة غلط تشرب سجاير وأنت متعصب"
نظر إلي لفافة التبغ و إلي العلبة التي في يده، جذب اللفافة من يدها وقام باشعالها ونفث دخاناً كثيفاً من أنفه و فمه و يحدق إليها بتحديٍ، طبقت شفتيها بغيظ فاعتدلت ونظرت إلي الأمام تردد بصوت خافت
"مجنون و غبي"
༺※※※༻
صف السيارة أمام مسكنها وألقي ما تبقي من اللفافة المحترقة من النافذة المجاورة له، فتحت باب السيارة فأمسك يدها، ألتفت إليه بغضب
"نعم عايز إيه مني تاني؟، و لا مش مكفيك اللي حصلنا من شوية، و لا تكون ناوي المرة دي علي فضيحتي قدام جيراني؟!"
جذبت يدها بقوة ونزلت من السيارة، تلتفت يميناً و يساراً تطمئن أن لا يراها أحد و تابعت سيرها إلي فناء العمارة، و إذا بيده تجذبها و يدفعها نحو الحائط، تتلاقي عينيها بعينيه، يحاصرها بين جسده والجدار الرخامي، و يده تقبض علي رسغها حتي لا تستطيع الفرار
"أول و أخر مرة تكرري اللي قولتيه و إحنا في القسم، أنا الحمدلله قادر أحميكي بنفسي و مش محتاج مساعدة قصي"
"بالتأكيد ما أقصدش، أنا بس...
"هوس"
أوقفها عن الحديث بوضع طرف سبابته علي شفتيها وتابع
"مش عايز أي مبررات، أنا كلامي واضح كويس أوي"
حاولت أن تسحب يدها عنوة من قبضته لم تفلح من قوة يده
"مالك بتتكلم معايا كدة ليه؟، بصفتك إيه إن شاء الله؟"
"بصفتي خطيبك حالياً و شهر بالكتير وهتبقي مراتي"
ضيقت عينيها بنظرة هرة متمردة ثم صاحت لتثير حنقه
"و إذا رفضت؟"
استند بيده الحرة علي الجدار جوارها فلا مهرب لها من أنفاسه الحارة لاسيما عندما أخبرها بثقة
"أنتي موافقة، ولو افترضنا العكس، هخليكي توافقي برضه"
ابتسمت بسخرية
"و جايب ثقتك الجامدة دي منين، واضح أنك ماتعرفنيش كويس، لو مش عايزة أعمل حاجة، مش هعملها و لو انطبقت السما علي الأرض"
تنهد و في عينيه نظرة تخبرها أن تتوقف عن تحديه و إثارة جنونه، فهي بين يديه الآن و لا تأمن ماذا سيفعل لها، قاطع وصلة تبادل النظرات صوت أقدام علي الدرج، شهقت و دفعته نحو أسفل الدرج حتي لا يراهما صاحب الأقدام.
لم تنتبه إلي أنها تلتصق بصدره وبين ذراعيه، أنفاسهما تتضارب كموج البحر في صخور الشاطئ، عينيها صوب مدخل الفناء تنتظر مغادرة الجار، تنفست الصعداء
"الحمدلله"
ألتفت إليه لتدرك ما به للتو، شهقت و كادت تبتعد، سبقتها ذراعيه و كانت كالقيد الحديدي حول جذعها
"أوعي سيبني"
"مش هاسيبك غير لما اسمع من شفايفك الحلوة، بحبك يا أدهم و موافقة أكون مراتك"
لكمته في صدره
"حبك برص، مش هقول حاجة ولو ما بعدتش هصرخ وأفضحك و أقولهم أنك عايز تعتدي عليا"
"ده أنا هاموت و أعمل كدة"
و حينما أدركت مقصد حديثه، اتسعت عينيها من أمنيته الجريئة والسافرة
"أنت قليل الأدب"
أخذ يضحك ثم أخبرها
"و أنتي زي القمر"
لا تنكر أنها يحلو لها جنونه لكن يثير حنقها
"لو ما بعدتش عني البوكس الجاي مش هيبقي في صدرك، هيبقي في وشك"
"أبقي أعمليها و رد فعلي هيبقي زي اللي عملته معاكي في الشركة"
صاحت بغيظ
"بارد"
"بالعكس أنا سخن، حتي حطي إيدك علي خدي هتلاقي حرارتي 40، و أنتي السبب"
غمز بعينه، لكمته في كتفه
"وقح"
"أنا وقح فعلاً و سافل، و لسه فيه صفات كتير تانية هتعرفيها لما نتجوز"
"مش عايزة أعرف، و أبوس إيدك سيبني خليني أطلع، الفجر خلاص هيأذن و ماما وأخويا بيصحوا في الوقت ده يصلوا الفجر، و لو شافوني و أنا داخلة من باب الشقة هتبقي مصيبة"
"خلاص هسيبك عشان صعبتي عليا، بس زي ما أنتي لسه قايلة"
"قولت إيه؟"
"مش قولتلي أبوس إيدك؟"
"ده مجرد تعبير مجازي مش هعمل كدة يعني"
"و أنا مش هخليكي تبوسي إيدي، بس ممكن تبوسيني في خدي"
رفعت حاجبها
"واضح أنك مش ناوي تجيبها لبر"
"خلاص مش عايز حاجة، بس ممكن طلب أخير؟"
زفرت بنفاذ صبر
"أنجز قول"
"لما تطلعي ابعتيلي رسالة طمنيني فيها عليكي"
أخبرته علي مضض
"ماشي، حاجة تانية؟"
"لاء خلاص، يلا روحي"
أطلق سراحها من بين ذراعيه وقبل أن تبتعد قام بخطف قبلة علي وجنتها و غادر سريعاً، فتح باب سيارته وأشار لها بيده
"باي باي"
داخلها يتراقص فرحاً لكن تظهر له النقيض و تناديه بصوت خافت
"يا مجنون"
༺※※※༻
صوت العصافير في الخارج اخترق سمعها وأشعة الشمس التي اخترقت زجاج النافذة أجبرتها علي فتح بصرها، استيقظت في يوم جديد آخر لها في هذا المنزل، شقة زوجها الذي بدأ قلبها ينبض إليه بمشاعر حالمة كلما تراه عينيها، لا تريد سماع كلمات الغزل والحب الواعدة بل أرادت الأمان، و هذا ما شعرت به معه وكانت الشرارة الأولي لبداية قصة حب خطت حروفها الظروف التي جمعتهما معاً في إطار علاقة زواج إجباري وتحت ضغط وتهديد، إلي أن حدث ما ثبت النقيض، فمن كانت تخشاه ومصدر الخوف في السابق أصبح الآن الجبل الذي تحتمي به كلما واجهت عاصفة من عواصف والدته.
أخذت تنظر إلي صغيرها الذي نام جوارها ويحتضن دمية الدب والتي اشتراها له عمه، قبلت جبهته ثم نهضت تتثاءب، و في طريقها إلي الحمام تذكرت أمر زوجها الذي ينام في الغرفة الأخرى.
و بعد أن خرجت من الحمام أبدلت منامتها بثوب أرجواني قصير حتي ركبتيها وبحمالات رفيعة، ارتدت فوقه من الأعلي كنزة باللون السكر مفتوحة الأزرار، نظرت إلي هيئتها في المرآة، رأت فتحة صدر الثوب متسعة و تظهر الكثير بسخاء، شعرت بالخجل و سرعان أغلقت الأزرار و لم يظهر سوي عنقها المرمري الطويل، تحدق نحو خصلات شعرها فقامت بتجميعها علي هيئة كعكة وتثبيتها بمشبك شعر علي شكل فراشة ملونة.
خرجت متجهة إلي المطبخ و قبل أن تذهب، ترددت في إلقاء نظرة عليه في الغرفة الأخرى، و أخبرت نفسها حُجة ابطلها قلبها وهي أنها تفعل ذلك من باب الإطمئنان لا أكثر، لكن فؤادها أقر لها بالدافع الحقيقي و هو الشوق، تشتاق لرؤيته و الفرصة متاحة إذا كان نائماً، فتحت الباب وكادت تتراجع لكن تحركت ساقيها إلي داخل الغرفة فوجدته يغط في النوم، شهقت عندما رأته ينام جذعه عارياً لا يرتدي سوي بنطال قصير، يتمدد علي بطنه، سحبت نفسها إلي الخارج و دماء الخجل تملأ خديها.
ولجت إلي المطبخ سريعاً تُعد الفطور، شاردة في هيئته التي رأتها منذ قليل.
"صباح الخير"
كانت تحيته التي جعلتها تنتفض بفزع، ألتفت إليه فتجمدت حين رأته أمامها مستيقظاً و مازال علي هيئته، كان الأمر لديه لا يقل عنها لأول مرة يراها ترتدي ثوب قصير وأنيق رغماً من الكنزة التي أثارت فضوله أن يرى الثوب كاملاً من دونها، خصلات شعرها المجمعة تعطيها مظهر جذاب و ستكون أكثر جمالاً إذا اطلقتها بحرية علي كتفيها.
ردت التحية بتوتر وتتحاشي النظر إليه و هو يعلم السبب جيداً
"صباح النور يا أحمد، أنا قربت أخلص الفطار عقبال ما تغير هدومك"
عقد ساعديه أمام صدره واستند علي الجدار بجانبه، رفع زاوية فمه بابتسامة ماكرة فأخبرها
"أنا مش هفطر دلوقتي، بس ممكن تعمليلي فنجان قهوة وهاتيه جوه عقبال ما أخد شاور"
أومأت إليه وتظاهرت بالبحث عن كوب القهوة الخزفي، ازدادت ابتسامته
"ما تتأخريش عليا بالقهوة"
انتهت سريعاً من إعدادها وعادت إلي غرفته، وضعت الفنجان علي المكتب الذي يعلوه حاسوبه المتنقل، لاحظت إشعار وارد من برنامج الدردشة، كان صوت فضولها يحثها علي فتحها، ترددت في فعل ذلك والمبرر نطق به لسانها
"شكلك مقضيها يا أحمد بيه"
فوبخها صوت آخر داخل عقلها
"و أنتي مالك؟، يقضيها و لا يعرف غيرك، بتغيّري عليه؟"
"أغيّر ليه يعني؟!، بس المفروض يحترم نفسه و أنا علي ذمته، زي ما أنا بحترمه"
سارت نحو باب الحمام لتتأكد إنه مازال يستحم فاطمئنت حينما سمعت خرير مياه صنبور الاستحمام، قامت بالضغط بالسهم لفتح الرسالة و كما ظن حدسها، قرأت اسم صاحبة الرسالة«Dodo Fouad» و المحتوي كالتالي
«يعني رجعت من السفر بقي لك كتير و مهنش عليك تكلمني أو ترد عليا ... هستناك النهاردة و لو ماجتش هتلاقيني قدام باب شقتك»
جزت علي شفتها بغيظ فقامت بمسح الرسالة بلا تردد
"لما أشوف مين دودو فؤاد دي كمان يا سي أحمد"
"دي كانت بتشتغل في الماركيتنج عندنا في الشركة"
شهقت بفزع للمرة الثانية، ألتفت إليه وجدته يقف خلفها لا يستر جسده سوي منشفة حول خصره، نظرت إلي الجهة الأخرى و همت بالمغادرة
"أنا مسألتكش"
أمسك يدها وأجبرها أن تلتفت إليه
"أومال أيه اللي خلاكي تفتحي الرسالة و تمسحيها؟"
اتسعت عينيها بحرج والخجل يداهم وجنتيها، نظرت إلي أسفل
"أنا، أنا...
باغتها بسؤال محاصراً حصونها المنيعة
"بتغيّري عليا؟"
رفعت وجهها وتظاهرت بنقيض ما داخلها
"و أغيّر ليه؟"
"مش جايز تكوني حبتيني؟"
ضربة أخرى وجهت إلي حصونها التي اهتزت وأخذت قراميدها في التساقط
"لاء هو فضول مش أكتر"
ابتسم إلي عنادها الأبي و عدم اعترافها بما يراه في عينيها، أخبرها بكلمات مبطنة
"عندك حق، هو الفضول اللي بيخلينا عايزين نشوف حاجات غيرنا مخبيها علينا برغم أنها من حقنا"
لاحظت نظراته المتفحصة لكنزتها ذات الأزرار المغلقة، ابتلعت ريقها ظناً منها أنه يقصد فضولها حول معرفة من تكون صاحبة الرسالة، فسألته كالبلهاء
"و إيه هي الحاجات اللي غيرنا مخبيها؟"
أخفي ابتسامته بعد إدراكه لبرائتها، تناول فنجان القهوة بعد أن ترك يدها
"زي مثلاً مين تكون دودو و علاقتها بيا كانت إيه؟، و يا تري العلاقة ما بينا وصلت لفين؟، كلها أسأله بتدور في دماغك و عايزة تعرفي الإجابة"
ارتشف القليل من القهوة بصوت مسموع، زفرت بضيق لكشف حقيقة مشاعرها تجاهه أمامه، كادت أن تذهب
"مش عايزة أعرف، دي حياتك و أنت حر فيها"
وقف أمامها ومنعها من الذهاب
"بس ما بقتش حياتي لوحدي، أنتي فيها معايا"
أخذت تنظر إليه وتشعر بخليط أنفاسه مع رائحة القهوة، و دون أن تنتبه إلي الفنجان الذي يمسكه بيده حاولت دفعه من أمامها لتذهب، تحركت يده رغماً عنه وانسكبت القهوة الساخنة علي كنزتها وثوبها فصرخت بألم
"آسف مكنتش أقصد"
ركضت سريعاً إلي الحمام، تفك أزرار الكنزة و قامت بخلعها وفتحت صنبور مياه الحوض، تغترف بيدها الماء و تلقي بها أعلي صدرها لتخفف ألم سخونة القهوة التي انسكبت عليه، و في اثناء انشغالها كان قد ولج و وقف خلفها ينظر إلي انعكاسها في المرآة، يزدرد لعابه ويرسم تفاصيل جمالها، فهو يراها الآن اجمل إمرأة في العالم داخل عينيه، تملك منه الشعور مجدداً، حب من نوع فريد لم يشعر به من قبل حتي مع الفتاة التي أحبها قديماً.
تقابلت عينيه بعينيها عبر المرآه، شهقت للمرة الثالثة وجذبت منشفة معلقة تلقي بها علي كتفيها وتضم أطرافها بيدها
"أنت أزاي تدخل ورايا في الحمام؟"
توترها ونظرة الخوف في عينيها كليهما جعلاه ينفصل عن كل شىء كان يشعر به منذ لحظات، زفر بضيق وأخبرها بسخرية
"أولاً أنا دخلت أطمن عليكي، تاني وأهم حاجة أنا جوزك علي فكرة، و أظن أنتي فاهمة أنا أقصد إيه، مش كل ما نقرب من بعض ألاقي نظرة الخوف اللي أنا شايفها دلوقتي في عينيكي"
"أنا مش خايفة، كل الحكاية أنا لسه مش مستعدة"
اقترب منها واستند علي حافة الحوض محاصراً إياها بين ذراعيه
"مش مستعدة و لا خايفة مكونش بحبك و بضحك عليكي عشان الورث اللي بابا كتبه باسم ابن أخويا؟!"
هزت رأسها بالنفي وصاحت
"و لا ده و لا ده، أنا خايفة أسلملك قلبي و نفسي و بعدها تبعد عني، خايفة لشيريهان هانم تخيرك ما بيني وما بينها و وقتها مقدرش ألومك لو اختارتها و سيبتني، بس اللي مقدرش عليه و صعب أتحمله هو بُعدك عني، لأن أنا...
صمتت وكان الإنتظار عدوه فحثها علي المتابعة
"أنتي إيه؟"
لُجم لسانها عن النطق من فرط التوتر الذي تشعر به الآن، و كان لجام لسانها حل لعقدة لسانه هو وإطلاق سراح كلمة احتلت قلبه منذ رؤيتها و خشي كثيراً من عواقبها حتي حانت لحظة التصريح بها عندما تأكد من تبادل المشاعر
"و أنا بحبك، بحبك من أول يوم شوفتك، بحبك لما شوفتك في كل حالة كنتي قدامي فيها، لما كنتي ضعيفة، لما كنتي قوية، لما كنتي قليلة الحيلة و محتاجة وجودي جمبك"
أشار بيده نحو موضع قلبه ليكمل
"ده كان ميت و أنتي خليتي الحياة ترجعله من تاني، غيرتيني بعد ما كنت ضايع في عتمة و مش شايف غير كل اللي حواليا أسود في أسود، من الأخر أنتي النور اللي دلني لطريق الصح"
أمسك يدها ويسطرد بكل ما في قلبه
"بحبك و عمري ما هتخلي عنك، و لو خيروني حتي لو كانت أمي، برضه مش هسيبك، الحاجة الوحيدة اللي تقدر تبعدني عنك هي الموت"
شعور بالبكاء يُلح عليها بقوة، و هذا بعد أن استمعت إلي كل ما أخبرها به للتو، لم تصدق سمعها رغماً من صدق بصرها وهي تراه يدلي باعترافه أمامها.
ارتمت علي صدره، احاطت جذعه العاري بذراعيها، فإذا كان الدمار يلحق بكل شيء من حولهما فهي في أمان وسلام بين يديه، كان لا يقل عنها صدمة في رد فعلها، بادلها العناق و التربيت علي ظهرها، أجهشت في البكاء وبللت صدره بدموعها، حملها علي ذراعيه وخرج من الحمام متجهاً بها نحو مضجعه ووضعها فوقه، حاوط وجهها بكفيه وأخذ يمسح دموعها بإبهاميه
"طيب بتعيطي ليه بعد كل اللي قولته لك؟"
"خايفة لكون بحلم، وأفوق علي كابوس أصعب من اللي حصلي من سنين علي إيد أخوك"
تجهم وجهه ثم حاول أن يظهر نقيض ذلك، شبه ابتسامة ظهرت علي شفتيه، مال نحوها وقام بتقبيل جبهتها ثم استند عليها بجبهته، يخبرها بكل طمأنينة يحملها لها
"ما تخافيش يا علا، عمري ما هعمل حاجة تأذيكي أو تجرحك، اللي يزعلك كأنه زعلني، بوعدك هفضل أمانك و حمايتك من أي حد يحاول يقرب منك أو من حمزة بأذي"
رفعت يدها لتضعها فوق يده، تريح خدها علي راحة كفه وتبتسم إليه من بين دموعها وتخبره
"أنا عمري ما حسيت بالأمان غير وأنت معايا، بحبك"
قامت بطبع قبلة بشفتيها في منتصف كفه، غر فاه وقلبه ينبض بقوة، قبلتها له في يده كانت كالنيران التي اشتعلت في جسده، أخذ يحدق إليها بنظرات عاشق غارق في بحور عينيها، بينما هي قد تملكت منها النيران أيضاً، نهضت أمام بصره الذي لا يحيد عنها، ذهبت لتغلق الباب ثم عادت إليه ووقفت أمامه، أسقطت المنشفة من أعلي كتفيها، نهض واقترب منها و أدرك إشارة الاستسلام من نظرات عينيها، مد يده إلي مشبك شعرها وقام بخلعه فانسدلت علي ظهرها خصلات شعرها الغجري الذي يعشقه وأمسك بجزء منها وأخذ يستنشق رائحة عطرها الطبيعي المتيم به.
كانت هنا لغة العيون تبوح بما تخفيه الصدور، عشق تحدي الصعاب وعبر كل الأبواب المغلقة، كنبتة ولدت أسفل الركام فشقت حطام الحجر لترى النور و لو كان من بين شقوق الصخور.
تركت أنفه خصلات شعرها وانتقلت إلي ما بين عنقها وكتفها، لم يكتفي بشم رائحتها لتشارك شفاه باللمس، يُقبل موضع العرق النابض، يشعر بنبضاتها بين شفتيه التي اضرمت النيران، تغمض عينيها وتتمسك بعضديه، تنتقل قبلاته من العنق إلي حافة عظام فكها السفلي مروراً بشحمة أذنها مما تسبب لها القشعريرة، فتحت عينيها وهمست بحروف اسمه
"أحمد"
انسحبت شفاه ليسألها من خلالها عن وقع همسها الذي جعله أسير بين يديها وذلك بنبرة ذات رنين رومانسي جذاب
"عيون و روح قلب أحمد؟"
تحدق في عينيه بنظرة تفيض بالهوێ، حررت حروفها من بين شفتيها
"أوعدني عمرك ما هتتخلي عني مهما حصل"
ابتسامة عاشق زينت ثغره و عيناه ذات لون القهوة تخبرها بصدق قبل أن يبوح به لسانه
"رغم أن وعدتك قبل كدة، بس هقولهالك تاني، أنا عمري ما هتخلي عنك أبداً إلا في حالة واحدة"
اتسعت عينيها وافترقت شفتيها في إنتظار أن يكمل حديثه حيث أردف
"لما أموت"
احتضنته علي الفور وتعقب بعد أن دب الرعب في قلبها من تخيل رحيله
"بعد الشر عليك، أنت لاقدر الله جرالك حاجة أنا ما أقدرش أعيش من غيرك"
أبعدها لينظر صوب عينيها وكلا كفيه يحاط وجنتيها، يسألها و لم يصدق ما يسمعه من حب جم
"بتحبيني أوي كدة؟"
أومأت إليه بنعم ورغماً عنها امتلأت عينيها بالدموع
"كلمة حب قليلة أوي علي اللي جوه في قلبي ليك"
جذبها بين ذراعيه وعانقها بقوة حب جامحة
"بحبك، بحبك أوي"
ليست شفاه فقط من تتفوه بمشاعره تجاهها بل كان هذا صوت فؤاده النابض بعشقها، أخذ يقبل كل ما يقابل شفتيه، جبهتها، عينيها، وجنتيها، طرف أنفها إلي أن استقر أخيراً علي مبتغاه، كم تخيل تلك اللحظة وكم فعلها في أحلامه، يتوق إلي معانقة شفتيها بخاصته وكأنها قُبلة المحياه.
و قد أصبح حلمه واقعاً حينما احتضنت شفتيه شفتيها كما تطوق ذراعيه جذعها بحميمية، انفصل عن الزمان و المكان ولم يريد أن تنتهي تلك اللحظات، لحظات اعتراف كليهما بحب الآخر بعد التحرر من قيود الخوف من المجهول كما تحرر جسدها من الثوب الأرجواني و ألقت بنفسها لتصبح غريق في بحور عشقه.
༺※※※༻
تخترق رائحة المُخدر الطبي أنفها وتصاحبه رائحة المعقم المستخدم في تطهير كل شىء داخل المشفي، ألتقط سمعها صوت تميزه جيداً
يسأل شخص آخر بقلق
"هي هاتصحي أمتي يا دكتور؟"
نظر في ساعة معصمه
"كلها عشر دقايق وهيروح مفعول المسكن"
ألتفت إليها وجدها مازالت تغط في النوم، بينما هي مستيقظة لكن غير قادرة علي فتح عينيها أو التحرك من أثر المخدر.
و بعد مغادرة الطبيب للغرفة، جلس علي طرف السرير الطبي جوارها أمسك بيدها وحاصرها بين يديه، يحدق إليها بندم وأسف
"حقك عليا يا حبيبتي، يا ريتني سمعت كلامك، بس والله ما خونتك زي ما أنتي فاهمة، لما تقومي بالسلامة هحكيلك علي كل اللي حصل، قومي أنتي بس و مستعد لأي حاجة هتقوليلي عليها، و مستعد كمان لأي عقاب يرضيكي بس بلاش طلاق، أنا بحبك يا خديجة وياما مرينا باختبارات عرف كل واحد فينا قيمة التاني بالنسبة له إيه"
كل حرف يمر بسمعها وذاكرتها تكرر لها مشهد رؤيته داخل مكتبه، تعانقه الصهباء و تقبله، كيف سمح لها بذلك؟!، و لما أعطاها فرصة التقرب إليه مرة أخرى؟!
تشوش مفاجئ علي ذاك المشهد يليه ألم في الرأس أجبرها علي الإستيقاظ والوعي الكامل
، فتحت عينيها فتلاقت بخاصته.
و في الخارج تنتظر شيماء مع زوجها ريثما شقيقته تستيقظ
"هو أنا ليه كل ما أسألك جوز أختك هبب إيه تتهرب مني بحوارات ملهاش لازمة؟"
عقد ما بين حاجبيه بضيق
"لأنها أسرار ما بينه و ما بين أختي، و لما تصحي بالسلامة أبقي أسأليها ولو عايزة تقولك هتقولك"
رفعت زاوية فمها جانباً بسخرية
"ما هي كل حاجة واضحة، شكل البيه خانها مع البت اللي كان عمك الله يحرقه قصدي الله يرحمه كان عايز يجوزهاله"
حدق إليها بامتعاض ممتزج بالغضب
"شيماء، أتلمي"
"اه منكم يا رجالة عيلة البحيري، ملكمش أمان و ينفتلكم بلاد، يا عيني يا خديجة يا حبيبتي، ما قدرتش تستحمل اللي عمله جوزها وشالت المرارة أومال لو عمل مصيبة تانية هيحصلها إيه يا تري، ده مش بعيد ممكن يجيلها جلطة وتتشل فيها بعد الشر عليها"
باغتها طه بقبضته علي ذراعها و يحذرها من بين أسنانه
"أنا اللي هقطعلك لسانك ده لو نطقتي بحرف تاني"
"اه دراعي، خلاص هاتكتم خالص أهو"
و وضعت كفها علي فمها، عقب بنفض ذراعها بازدراء
"يبقي ريحتي و ريحتيني و ريحتي البشرية كلها، أنا رايح أشرب لي فنجان قهوة يضيع الصداع اللي جالي بسببك"
تركها وذهب، ضيقت عينيها بوعيد تفوهت به و لم يسمعه هو
"كلامي طبعاً مش علي هواك، ما أنت من آل البحيري، و قلبي بيقولي بتلعب بديلك من ورايا، يا ويلك و سواد ليلك يا طه لو إحساسي طلع صح، ساعتها محدش هيرحمك من إيدي أنت والبت أم شفايف و بالونات منفوخين عند العجلاتي"
بالعودة إلي داخل الغرفة، كان يعم الصمت بينهما، تبادل نظرات فقط، تحدق إليه بكم جم من اللوم لكن دون عتاب، لما العتاب وهي مازالت علي قرارها و لم يشفع له ندمه وحديثه الذي استمعت له منذ قليل.
"حمدالله علي السلامة يا حبيبتي"
كأن لم يكن يتحدث إليها، أخذت تنظر من حولها و حاولت تذكر أحداث البارحة، رفعت يدها وجدت إبرة المحلول مثبته في أحد أوردة يدها اليسري، حاولت النهوض، فقام سريعاً لمساعدتها، واضعاً ذراعيه حول جذعها
"علي مهلك براحة عشان الجرح اللي في بطنك"
انتبهت إلي كلماته، اتسعت عينيها وسألته
"جرح إيه؟"
"ما أنتي لما أترميتي علي الأرض و فضلتي تصرخي خدتك بسرعة علي أقرب مستشفي وطلع أنك لازم تشيلي المرارة"
"ابعد عني"
صاحت بها ودفعته بقوة ضعيفة من أمامها فتراجع إلي الخلف، تابعت
"أنا افتكرت كل حاجة، و سبب اللي أنا وصلت ليه أنت السبب فيه"
"اهدي بس و بلاش تتعصبي عشان جرحك و لما نروح القصر و نقعد في أوضتنا هنتكلم و أفهمك كل حاجة"
"نروح؟!، اسمها أنت تروح القصر ومش عايزة أشوف وشك خالص، و لا عايزة أفهم و لا أعرف، مبرراتك كلها من قبل ما تنطق بيها و لا هتغير حاجة من قراري"
زفر بنفاذ صبر ثم أخذ يردد الاستغفار
"أنا مقدر تعبك و حالتك النفسية و أنك لسه قايمة من العمليات، عشان كدة مش هعاتبك و لا هحاسبك علي كلامك"
ابتسامة هازئة احتلت شفتيها تابعها قولها الساخر
"اه يا حبيبي يا حنين ياللي بتخاف عليا وأنا طلعت ظالمة ومفترية"
مسح علي وجهه بكفيه ثم رفع سبابته أمامها
"خديجة كفاية، و بلاش تختبري صبري أكتر من كدة، أنا مراعي تعبك ولولاه كان زمان رد فعلي مش هايعجبك"
داهمها ألم في بطنها موضع الجرح فتحاملت ولم تتألم أمامه
"طيب و علي إيه وجع القلب ده كله؟!، تعالي كل واحد فينا يروح لحاله أحسن، و ما تقلقش مش هاخد منك مؤخر و لا أي حاجة من اللي عمي الله يرحمه أجبرك تكتبها لي في عقد الجواز"
كان ينظر إليها بتعجب ولم يصدق ما يسمعه، جز علي أسنانه وأراد ركل كل شىء أمامه، لكنه أكتفي بعصر قبضة يده، هز رأسه في صمت ونظرات عينيه جعلتها تبرح التحديق إليه وتنظر في الجهة الأخرى
"أنا رايح أنده للدكتور و لو سمح بخروجك النهاردة، هاخدك علي شقتنا عشان هيبقي لينا قعدة مع بعض و كلام كتير أوي ما ينفعش يخرج ما بيني و ما بينك"
ألتفت إليه وبنظرة تحدي ونبرة شديدة اللهجة
"و أنا يا آدم هخرج علي بيت بابا الله يرحمه، و في طريقي هنروح للمأذون تطلقني، يا كدة يا هكلم المحامي أعمله توكيل برفع قضية طلاق"
وقبل أن يتحول الهدوء إلي عاصفة قاطعها طرق علي الباب ثم فُتح وظهرت شيماء التي ابتسمت إلي صديقتها
"حمدالله علي السلامة يا ديجا"
واقتربت لمعانقة صديقتها
"الله يسلمك يا شيماء، معلش تعبتك معايا"
"ما تقوليش كدة لأزعل منك"
كانت الأخرى تحدق بازدراء إلي آدم الذي زفر بحنق وفاض به الأمر و حتي لا يفلت زمام صبره همّ بالمغادرة
"أنا رايح للدكتور"
غادر بالفعل وأغلق الباب بقوة جعلت كلتيهما تنتفض بفزع، ألتفت شيماء إلي الأخرى
"أنتم أتخانقتوا تاني و لا إيه؟، و اه صح إيه حكاية أنك عايزة تتطلقي دي كمان؟، أنا معرفش إيه اللي حصل بالظبط بس اللي فهمته أن فيه سوء تفاهم"
"و لا تاني و لا تالت يا شيماء، أنا خلاص تعبت ومعنديش طاقة أستحمل، طه عارف كل حاجة و مع ذلك مش هيغلطه، و أنتي كمان ياريت ما يكونش سؤالك عن الطلاق عشان تنصحيني أتراجع و أفكر، أنا أخدت قراري و مش هتراجع عنه"
حدقت الأخرى بأسف وربتت علي كتف صديقتها
"أنا معاكي في أي حاجة تكون فيها راحتك، بس واجب عليا كصديقة قبل ما أكون مرات أخوكي، أنصحك وأقولك بلاش الحل ده، الطلاق مش كلمة سهلة وعواقبها أصعب، خصوصاً لما بتكونوا بتحبوا بعض و بينكم ولد زي القمر ربنا يبارك لكم فيه، لازم تفكري في ابنك و بيتك الأول"
"أنتي لو مكاني مش هتقولي كدة، أنا سمحته وأديتله فرصة مرة و أتنين، التالتة خلاص، مهما قال أي عذر أو مبرر مش هسامحه"
كان حديثها مصحوباً بغصة تبعها دموع ذُرفت من عينيها المليئة بالحزن
"بلاش عياط عشان الجرح اللي في بطنك ما يحصلوش حاجة، قومي أنتي بس بالسلامة و بإذن الله اللي فيه الخير يقدمه ربنا وأنا وأخوكي معاكي و في ضهرك"
طرق علي الباب تبعه دخول آدم و خلفه الطبيب وتتبعه الممرضة، مسحت خديجة دموعها سريعاً قبل أن يلاحظها زوجها
"حمدالله علي السلامة يا مدام خديجة؟"
"الله يسلمك يا دكتور؟"
"حاسة بإيه دلوقتي؟"
تبادلت النظر مع آدم الذي يقف ساكناً ثم نظرت إلي الطبيب وأخبرته
"ألم بسيط في الجرح"
"ده طبيعي عشان مفعول المسكن راح، هنحطلك في المحلول جرعة تانية مع الـ antibiotic و هنبص علي الجرح"
ألتفت إلي كلا من آدم و شيماء
"معلش ممكن تستنوا برة عقبال لما أخلص فحص، أو ممكن آدم بيه يستني كزوجها و مرافق ليها"
عقبت خديجة بإصرار
"لاء، صاحبتي اللي هتقعد معايا كمرافق لحد ما أخرج "
كانت كلماتها كأن سكبت دلو ماء فوق رأس زوجها، و رد فعله نظرة نارية تنضح من عينيه وأسنانه علي وشك أن تتحطم من الجز المبالغ من شدة غضبه، حاول علي قدر التمكن من التحكم في تلك النيران الحارقة وابتسامة علي وجهه تخفي خلفها وعيد مظلم
"تمام، أنا كدة كدة كنت هخرج"
واقترب منها و دنا بالقرب من أذنها هامساً
"هما يومين بس هسيبك ترتاحي فيهم عند أخوكي وهاجي أخدك علي شقتنا القديمة، و بالنسبة للطلاق تنسي الكلمة دي خالص عمري ما هنولهالك طول ما أنا عايش، و عافية زوق هاتسمعيني يعني هاتسمعيني، سلام مؤقت يا حبيبتي"
ربت علي خدها بخفة و مَنْ يراه يظن أنه يغدق عليها بحنانه وكلمات مؤازرة وحب، وقف فجأة و ذهب أمام عينيها، تمنت أن لا يوجد سواها في الغرفة كانت أطلقت صرخة تخرج بها كل ما تشعر به من الغضب والحنق معاً، لكن هنا للصبر مكاناً و لكل مقام عنواناً ستخطه بيدها لاحقاً رغماً عن أنفه.
الفصل الخامس والثلاثون
داخل متجر شهير بأثواب العرائس، تقف أمام المرآة الكبيرة تنظر إلي ثوب الزفاف الأبيض الذي ترتديه، تبتسم وهي تري حلمها علي وشك أن يتحقق، كم رأت ذلك المشهد مراراً وتكراراً في أحلامها و تُزف إلي الرجل الوحيد الذي أحبته، و ها هو حلمها أضحى حقيقة واقعية، تدور حول نفسها لترى شكل الثوب جيداً قبل أن تعطي قرارها
"ها يا آنسة رودينا، الفستان عجب حضرتك و لا أجيبلك واحد غيره؟"
كان سؤال مسئولة البيع خارج غرفة القياس، فتحت الأخرى الباب وخرجت مبتسمة بسعادة
"عاجبني جداً و هاخده"
و كانت تبحث بعينيها عن صديقتها التي ظهرت خلف الباب الزجاجي الذي فُتحَ إتوماتيكياً و ولجت لترى الأخرى تقف في منتصف المتجر بذلك الثوب الفاخر
"واو، حلو أوي اللهم بارك"
"بجد يا ملك الفستان حلو و لا أشوف غيره؟"
اقتربت منها وتتفحص تفاصيل الثوب بابتسامة عارمة
"ده ماشاء الله تحفة و مخليكي شبه الـ princess"
"تفتكري هايعجب ياسين؟"
"هو الفستان اللي مش هايعجب أخويا وبس"
غمزت بعينها وتابعت
"اللي جوه الفستان هو اللي عاجبه وعاجبه أوي كمان"
تبدلت نظرة صديقتها من الفرح إلي الحزن والأسى، سألتها ملك بقلق وتعجب
"هو أنا قولت حاجة زعلتك؟!"
جلست علي أقرب مقعد لها وأخبرتها عن ما يقلقها منذ مقابلتها مع شقيقها
"بالعكس كلامك أي واحدة هاتسمعه هاتكون فرحانة، لكن اللي شايفاه لحد دلوقت من ياسين مخليني قلقانة ومش مطمنة"
"هو عمل حاجة ضايقتك لما روحتوا اتغديتوا برة؟"
حدقت إليها وتتذكر الحوار الذي دار بينهما سابقاً........
« "أنا مكنش قصدي أجرحك أو أزعلك، لكن مكنش ينفع أكذب عليكي، أنا هقولك واسمعيني كمعالجة نفسية"
"اتفضل أنا سمعاك"
"الموضوع و ما فيه أن مش قادر أخرج من حالتي النفسية من وقت موت ياسمين، جوايا إحساس بيقولي أن قلبها لسه بينبض وعايش، لأنها لو ماتت كان زمان ده مات هو كمان"
كان يشير إلي موضع قلبه، حاولت أن تستمع إليه بعقلها وليس بقلبها حتي لا تحترق من الكلمات التي تخترق كل خلاياها
"أنت عشان بتحبها أوي ومتعلق بيها فمش قادر تستوعب موتها، بقي عقلك و قلبك في صراع، عقلك عايزك تكمل حياتك طبيعي وقلبك معارض عقلك وعايزك تفضل أسير الذكريات، الحل لحالتك أو نقدر نقول العلاج المناسب أنك تسمع لعقلك"
أخذ يحدق نحوها كالبحار التائه الذي يبحث عن مرسي قبل أن يغرق داخل ظلام المحيط
"مسألة جوازي منك دي رغبة عقلي، مش نتيجة ضغط أخواتي عليا زي ما أنتي فاكرة"
"و أنا مش هستسلم غير لما أخليها رغبة قلبك كمان"
كلمات دارت في عقلها واحتفظت بها لنفسها ثم قالت بصوت مسموع
"بس أحياناً بتكون رغبات العقل نابعة من رغبات القلب من غير ما نحس"
"ده لو في حالة تبادل الطرفين نفس المشاعر"
»
عادت من فلك ذاكرتها تخبر صديقتها
"ياسين ما بيحبنيش و لا هايحبني، أخوكي مهووس بمراته حتي بعد ما مماتت، هقولك علي حاجة بسيطة المفروض يبقي كان معايا النهاردة و أنا بشتري الفستان علي الأقل أحس منه باهتمام، لكن اتحجج أنه واقف مع العمال اللي بيشطبوا الشقة، الشقة اللي اشتراها من غير ما ياخد رأيي و لا يسألني عايزاها فين و لا شكلها إيه، ليه بيعمل معايا كدة؟، هو أنا وحشة يا ملك؟"
شعرت ملك بالأسف حيالها لأنها الأقرب من شقيقها و تدرك أفعاله الغير لائقة، تنهدت ثم أشارت لها
"قومي يلا أقلعي الفستان و غيري عقبال ما أحاسب ونروح نشربلنا حاجة في كافيه قريب بيعمل drinks حلوة أوي هاتعجبك"
وبعد قليل داخل الكافيه...
تنصت إلي صديقتها بإمعان دون أن تأخذ رشفة واحدة من المشروب الموضوع أمامها
"هحكيلك سر بس بالله عليكي أوعي ياسين يعرف أني قولته لك"
أومأت إليها
"اطمني عمري ما هقول علي حاجة آمنتيني عليها"
تنهدت ملك وبدأت بوح من أحداث الماضي
"سبب حب وتعلق أخويا لياسمين الله يرحمها كان بسبب الندم"
عقدت الأخرى ما بين حاجبيها ورددت بتعجب
"ندم!"
"ياسمين زي ما أنتي عارفة كانت بتشتغل عندنا في القصر بعد وفاة باباها عم اسماعيل الجنايني، ياسمين كان ليها وضع خاص عند ماما و بابا كانوا بيعتبروها أمانة لحد ما تخلص تعليمها و تتجوز، ياسين أعجب بيها و هي كمان بادلته الإعجاب، بس كانت خايفة منه ليكون بيلعب بمشاعرها و تبقي زيها زي أي واحدة عرفها قبل كدة، قرب منها لفترة و فضل يطمنها أنه حبها بجد ومش بيتسلي و مستني يعمل مشروع الچيم و هيبقي أكبر center في مصر و يحقق حلمه في حاجة هو بيحبها ويكون ليه career خاص بيه وبعيد عن شغل بابي الله يرحمه و غير أنه يبقي مستقل بنفسه، لأن كان واثق بابي هيرفض جوازه من ياسمين ومحبش يتمارس عليه أي ضغط عشان يبعد عنها، و الدنيا ماشية تمام لحد ما حصل الماس والچيم ولع بكل حاجة فيه و ياسين خسر أكبر حلم كان يعتبر خلاص علي وشك أنه يتحقق، الوقت ده حرفياً كان من أسوأ أيام حياته حس بالضياع و اليأس و كل الدنيا اسودت في وشه، حتي فقد الأمل أنه هيتجوز ياسمين، كان كل يوم يروح النايت يسهر مع أصحابه و يرجع سكران، وهي افتكرته أنه بيضحك عليها و بيخونها و اللي حصل معاه خده حجة عشان يخلع من وعده ليها و في ليلة....
توقفت قليلاً عن الحديث، حثتها الأخرى علي المتابعة
"حصل إيه؟"
ابتلعت ريقها بتوتر و أكملت
"اللي حصل دخلتله أوضته عشان تعاتبه و في لحظة شيطان أعتدي عليها"
شهقت صديقتها وعقبت بصدمة وعينين متسعة
"اغتصبها؟؟؟!"
أومأت ملك بالإيجاب
"للأسف ده اللي حصل، طبعاً كانت مصيبة كبيرة خصوصاً هي ما استحملتش اللي حصلها وحاولت تنتحر، أهلها عرفوا من واحدة اسمها علا كانت بتشتغل برضه في القصر، راحوا خدوها و كانوا هيجوزوها لابن عمها اللي متجوز و مخلف عشان يذلوها و كأن اللي حصلها كان بمزاجها مش هغصب عنها، ياسين و مصعب راحوا أنقذوها منهم ولما رجعت معاهم كتبوا الكتاب وبابي كان رافض لكن مامي كانت معاهم، طبعاً بابي هدده بحاجات كتير منها الحرمان من كل حاجة لكن أخويا اتحداه وبعد ما كتب عليها خدها وعاشوا برة القصر في الشقة اللي قاعد فيها حالياً"
أطلقت زفرة عقب إلقاء هذا الحمل وإيضاح الصورة كاملة إلي صديقتها لكي تكون علي دراية بكل ما هو مبهم لها حول الرجل الذي سيصبح زوجها بعد عدة أيام قليلة، استطردت مرة أخرى
"طبعاً أنتي فاكرة حكايتهم انتهت بنهاية سعيدة و ان ابن الباشا أخيراً أتجوز ببنت الجنايني وعاشوا في تبات و نبات و خلفوا بنوتة زي القمر"
ابتسامة يشوبها سئم
"ياسمين من وقت ما اتجوزوا لحد يوم ما مشيت وحصلتلها الحادثة وهي و أخويا كانوا كل يوم خناق، هي تعند و هو يعند أكتر، و لا غيرته عليها لدرجة الخنقة، غير أنها مكنش عندها استقرار نفسي من كل اللي حصلها ديماً كانت ديماً بتحاول تثبت له أنها مش أقل منه، و مش عشان هو ابن الباشا يقعد يتحكم فيها و في شغلها، فضلت خناقتهم تكبر لحد ما هو فاض بيه و غصب عنه انفجر فيها قدامنا و قالها كلام عمري ما كنت أتوقع أنه يطلع منه برغم عشقه ليها"
"عايرها باللي عمله فيها؟"
كان سؤال رودينا، هزت الأخرى رأسها بنعم
"و عايرها كمان بالفرق الاجتماعي اللي ما بينهم وأنها المفروض تحمد ربنا أنه اتجوزها واستحمل عشانها كتير"
عادت رودينا بظهرها إلي الوراء
"ياسين ارتكب أكبر غلط يمكن أكبر من غلطه زمان
، أقرب تشبيه أنه فتح جرح الماضي وغرز فيه سكينة أكبر، تخيلي كم الوجع اللي سببه ليها هيبقي إيه؟"
"و الله يا رودينا أنا اتخانقت معاه يومها، ياسمين أنا كنت أقرب واحدة ليها و كان كل ما يحصل مشكلة ما بينهم كنت بحاول أحلها علي قد ما أقدر، بس أحياناً الظروف بتكون أقوي مننا"
نظرت الأخرى إلي الشارع في الخارج عبر الواجهة الزجاجية للكافيه
"الحياة دي غريبة، يوم ما تديلك اللي بتتمنيه ما تديكيش معاه الراحة، لازم يبقي فيه عذاب و عدم راحة بال، أو تدفعي تمن مقابل اللي أخدتيه حتي لو كان التمن ده تعاستك، و برغم كدة بنكمل عشان عارفين لو بعدنا هنتعب أكتر، زي علاقة المدمن بالمخدرات بالظبط"
مالت ملك بجذعها نحو الأمام لتخبر صديقتها بجدية
"و أنتي علاج ياسين من إدمانه من تعلقه بياسمين حتي بعد موتها، أخويا بيضيع نفسه بنفسه، عايش في الماضي و بيخسر روحه من غير ما يحس، زي التايه كوني أنتي المرسي ليه، خليه يرجع لحياته الطبيعية، أنا مش بقولك تعملي كدة و تيجي علي نفسك، بالعكس عايزاكي تكوني ذكية و تخليه يبدأ قصة جديدة تكوني أنتي البطلة فيها، تعيشوا مع بعض كل لحظة حب وسعادة من غير جراح الماضي"
"و لو فشلت؟"
سؤال نابع من العقل في حالة سبات قلبها، استمعت أذنيها إلي الإجابة
"أوعي تيأسي و خلي أملك في ربنا كبير، ياسين هيبقي جوزك يعني هيكون بينكم رباط قوي مشاعر وحياة زوجية متبادلة، مع الوقت و العِشرة هيحبك، حب أقوي من حب الأساطير اللي كنا بنسمعها في الحواديت، إيه يا رودي أنا اللي هنصحك يعني؟!، مش ده شغلك برضه و لا بتشتغليني؟!"
أخذت تضحك بمزاح فتبادلت صديقتها الضحك حتي دمعت عينيها
"ماشي يا ست ملك، هعديهالك عشان أخوكي"
ضحكت الأخرى وأخبرتها بفكاهة
"لاء خدي بالك أنا مش ملك صاحبتك الكيوت، أنا خلاص هبقي أخت جوزك، خدي بالك بقي"
"بتهدديني يعني؟!، أوك لما ترجع طنط چيچي بالسلامة هقولها، هي بتحبني جداً وهاتقف معايا علي طول و....
قاطعها رنين هاتفها وحينما رأت اسم المتصل، ابتسمت بسعادة وعلقت
"ده ياسين"
"ابن الحلال علي ذكره يبان"
قالتها ملك، بينما الأخرى أجابت علي الإتصال
"كنا لسه في سيرتك أنا وملك"
"أنتي عندها؟"
"لاء إحنا برة في كافيه، كنا بنشتري فستان الفرح و لسه هنشتري شوية حاجات، أنا اتصلت عليك الصبح عشان اقولك لاقيتك ماردتش عليا"
"معلش كنت مشغول مع العمال لأنه كان آخر يوم في تشطيب الشقة، وكلمتك عشان أقولك تقدري تيجي تشوفيها وننزل نروح نختار الفرش اللي أنتي عايزاه"
"خلاص أنا و ملك جايين دلوقتي، محتاج أي حاجة نجبهالك و إحنا جايين؟"
"لاء، قصدي شكراً، اه صح هابعتلك الـ location "
غصة أصابت قلبها من هذا الجفاء، تظاهرت أمام صديقتها بالفرح
"تمام، مسافة السكة و هتلاقينا عندك، باي"
"سلام"
أنهت المكالمة ونهضت فسألتها ملك
"هنروح له فين؟"
أجابت بين السخرية والمزاح
"رايحة أشوف شقتنا"
و قد كان ذهبت مع صديقتها بعد أن استقلت كلتيهما سيارة الأولى، لاحظت رودينا طوال المسافة أن تلك الطرق التي تعبرها بسيارتها تحفظها جيداً، نبضات قلبها تزداد لاسيما عند وصولها لدي الموقع المرسل إليها، ترجلت من السيارة و تبعتها ملك التي سألت بتعجب
"ده البرج اللي فيه شقة ياسين!، متأكدة أن ده الـ location اللي بعته لك؟"
نظرت في شاشة الهاتف للتأكد
"أيوة هو"
ولجت إلي داخل الفناء، ابتسم الحارس لها وكأن لديه علم بمجئ كلتيهما، استقلت المصعد و معها الأخرى حتي توقف في الطابق الذي يقطن به خطيبها، خرجت من المصعد وتجري الإتصال به فسمعت صوته وهو ينادي عليهما ويشير لهما من الشقة المقابلة لمنزله الأخر أو الشقة التي شاهدت علي أيامه مع زوجته الأولي!
༺※※※༻
يقف طه أمام الباب الرئيسي ينفث دخان لفافة التبغ التي تحترق بين اصبعيه، يتابع المارة أمام المشفى، لفت انتباهه التي تنزل من السيارة و تمسك بساعدها برفقتها فتاة شابة يبدو أنها صديقتها.
ألقي اللفافة علي الأرض ودهس إياها بحذائه ثم ذهب إلي تلك الحسناء يسألها بقلق
"روميساء؟، ماله دراعك حصله إيه؟"
كانت تجز علي شفتها السفلي بألم و تمسك بساعدها المصاب و المحمول علي طوق طبي يلف حول عنقها، كانت صديقتها ستخبره لكن نظرت إليها روميساء بتحذير فأجابت الأخرى
"كانت، كانت في سيشن تصوير، و، ووقعت علي دراعها فضلت يا عيني تصرخ جامد"
لم تتحمل الألم فاجهشت في البكاء
"اه يا طه، دراعي مش قادرة شكله أتكسر"
وسألته صديقتها
"أنت تعرف دكتور العظام اللي هنا فين؟"
"أدخلوا جوه أنا جاي معاكم"
يبدو أنه قد نسي سبب وجوده هنا و أنه ليس بمفرده و إذا علمت زوجته بما يفعله ستجعله هو من يتألم بدلاً من جارته الحسناء.
توقف أمام باب مغلق و مدون علي لوحة صغيرة خارجه «عيادة العظام»
"اتفضلوا أنتم هنا استريحوا لما أدخل أسأل و أشوف الدكتور جوه و لا لاء"
وجد الطبيب بالفعل، و يقوم الأخر بفحص ساعدها المتورم، لاحظ آثار أنامل يبدو كانت تقبض علي ساعدها بقوة شديدة فتركت آثار وكدمات داكنة اللون
"آنسة روميساء، حضرتك متأكدة أن اللي حصل لدراعك ده نتيجة وقوع عليه و لا حد مسكك منه و حاول كسره عن عمد؟، عشان لو بفعل معتدي هكتبلك تقرير طبي تعملي بيه محضر"
نظرت إلي صديقتها و إلي طه ثم أخبرت الطبيب
"لاء أنا وقعت فعلاً و فضلت ماسكة في دراعي جامد من الوجع"
حدق الطبيب بنظرة غير مصدق إلي حديثها الذي يبدو كذباً لا سيما عند ذهاب بصره نحو طه
"أنت جوزها؟"
أجاب الأخر
"لاء، أنا...
قاطعته روميساء التي تكبت ألمها الغير محتمل
"أستاذ طه يبقي جاري"
"طيب، أنتي كدة هاتروحي لقسم الأشعة و هاتعملي أشعة علي دراعك و تجيبوا الصورة و ترجعوا علي هنا"
و بعد قليل...
يقف أمام باب غرفة الأشعة ينتظرها و جواره صديقتها، صدح رنين هاتفها فنهضت وأخبرته
"معلش يا أستاذ طه، ممكن تستناها لحد ما أخلص التليفون"
أومأ لها برأسه
"اتفضلي، أنا مستنيها"
فُتح الباب وظهرت روميساء، ما زالت تتألم ودموعها تنساب علي وجنتيها، نهض طه مقترباً نحوها يخبرها بمواساة
"ألف سلامة عليكي"
توقفت عن البكاء
"تسلم يا طه"
جال بصرها باحثة عن رفيقتها فسألته
"أومال فين مي صاحبتي؟"
"معاها مكالمة وجاية"
حاولت فتح حقيبة يدها المعلقة علي كتفها فأنزلق حزامها الجلدي ووقعت علي الأرض، كانت ستدنو منها فأوقفها
"خليكي"
"معلش يا طه ممكن تطلعلي المناديل؟"
نظر إليها وإلي حمرة وجنتيها وأنفها من البكاء، زادتها تلك الحمرة جمالاً، ابتسمت له وكررت طلبها
"المناديل يا طه"
غر فاه
"ها؟، اه آسف"
أخرج علبة المحارم الورقية، أخرج لها محرمة وأعطاها إياه، فأخذت تجفف دموعها وسيل أنفها من أثر البكاء
"thank you "
ابتسم إليها و رد بحرج و خجل
"العفو"
مد يده بالحقيبة إليها لتحملها علي كتفها مجدداً
"معلش، ممكن تلبسني الشنطة cross"
حمحم وسألها
"أعلقهالك علي دراعك يعني و لا إيه؟"
"تعلقهالي بالعكس"
و أشارت لموضعها علي جذعها، أومأ إليها
"فهمت، معلش أصلي مليش في مسميات اللبس بتاعكم"
ضحكت برغم ألمها
"ليه دي كلها مسميات سهلة جداً، هابقي هحفظهالك، ممكن تعلقها لي بقي"
قام بتعليقها لها وكان علي مقربة منها، لم ينتبه إلي ساعدها المصاب حيث اصطدمت يده به فتأوهت و أمسكت في ذراعه
"ااه"
"آسف مكنش قصدي، مش عارف إزاي خبطك"
"آنسة روميساء"
قالها فني الأشعة، ألتفت إليه و تمسك في ذراع طه الذي يشعر بتيار كهربائي يسري في إنحاء جسده بمجرد قربها من جواره و يدها تتشبث بساعده
و لدي الطبيب، انتهي للتو من إحكام الجص حول ساعدها ثم دون لها الأدوية الخاصة لحالتها، خرجت من العيادة و طه ينتظرهما
"متشكرة جداً يا طه، علي وقفتك معايا و ماسبتنيش من وقت ما جينا و كشفت، عملت الأشعة و حتي والدكتور بيجبس دراعي، مش عارفة أشكرك أزاي؟"
"عيب تقولي كدة، ده حتي الجيران لبعضيها، ولو محتاجة أي حاجة أنا تحت أمرك"
"إيه ده أنتي خلصتي؟"
صوت صديقتها التي وصلت للتو، سألتها روميساء بتوبيخ
"إيه كل ده فينك من ساعة ما خرجت من الأشعة و مالقتش سيادتك"
"كان معايا مكالمة مهمة وخلصتها، و روحت عديت علي الحسابات لاقيتهم بيقولولي أن"
نظرت إلي طه ثم إلي روميساء
"قالوا لي أن أستاذ طه دفع كل الحساب"
ألتفت الأخرى إليه حدقت بامتعاض
"ليه بس كدة يا طه؟"
"دي حاجة بسيطة و مش مستاهلة، أنتي زي خديجة أختي، هي هنا من إمبارح عملولها استئصال المرارة"
"ألف سلامة عليها، عشان كدة من إمبارح ماشوفتكش واقف في البالكونة، طيب ممكن تاخدني ليها أسلم عليها؟"
"لاء"
صاح بها بصوت مرتفع بعد أن تذكر أمر زوجته ثم اخفض صوته قليلاً وتابع
"قصدي مش هاينفع، أصل الدكتور مديلها مسكن وزمانها نايمة، أنا هابقي أبلغها سلامي"
كانت صديقة روميساء تتابع الحديث بين الأخرى و جارها، ابتسمت و لكزت صديقتها دون أن يلاحظ طه، همست إليها
"مش يلا بقي و لا ناوية تقعدي تستني أخته؟"
ابتسمت روميساء فاخبرته
"شكراً مرة تانية يا طه، و ما تنساش تسلملي علي أختك"
"يوصل إن شاء الله، عن أذنكم"
ذهب ولن ينتبه إلي محفظة نقوده التي أنزلقت من بين يده وهاتفه، لكن من لاحظت إياها التي تدعو مي، دنت من المحفظة وأمسكت بها
"ألحقي يا روميساء، جارك وقعت منه المحافظة"
أخذتها من يدها وابتسمت بخبث ودهاء
"أنا هاروح أوديهاله، استنيني برة لحد ما أرجعلك"
"أنتي رايحة له فين؟"
"بيقولك أخته لسه عملة عملية فبالتأكيد مراته معاهم، و الهانم غلطت في حقي جامد، أنا بقي هردلها القلم قلمين و مابقاش روميساء إلا و أنا خليتها تندم علي كل حرف قالته لي"
༺※※※༻
كان قد صعد إلي الطابق الخاص بغرف العناية بالمرضي بعد العمليات، وجد شقيقته تستند علي يد زوجته و تسير بتؤدة، مد آدم يده ليمسك بيدها و يسندها لكن جذبت خاصتها
"ما تلمسنيش و أبعد عني"
أسرع طه في معالجة الموقف، ضحكة زائفة ها قوله
"معلش يا ابن عمي، البنج لسه مأثر عليها"
رفعت شيماء زاوية فمها جانباً بتهكم ثم سألت زوجها
"كنت فين كل ده يا أستاذ؟"
أمسك يد شقيقته ليسندها و يخبر زوجته بتوتر
"كنت، كنت بشرب سجاير و...
قاطعه صوت جارته الحسناء التي صعدت للتو بعد أن علمت من احدي الممرضات عن الغرفة التي توجد بها خديجة
"طه، محفظتك وقعت منك تحت و مي صاحبتي لاقتها"
و نظرت إلي خديجة متجاهلة شيماء التي تقف كالمياه داخل المرجل المشتعل، تفور من الغيظ.
"حضرتك خديجة أخت طه؟، ألف سلامة عليكي"
نظرت خديجة إلي شقيقها ثم أومأت بنعم إليها
"تسلمي"
مدت يدها لمصافحة خديجة غير مكترثة لنظرة طه التحذيرية، يخشي أن تتفوه بكلمة لكن كما قالت الحكمة سبق السيف العزل
"أنا روميساء، جارة طه و ساكنة في الشقة اللي جمبه، و زي ما أنتم شايفين دراعي في الجبس، أصل وقعت عليه و جيت علي هنا لاقيت طه ربنا يخليه، أول ما شافني ما سبنيش برغم كانت معايا مي صاحبتي، دخلنا للدكتور الأول بعدها الأشعة وبعدها رجعنا للدكتور تاني عشان يجبس دراعي، كل ده و طه ماسبناش و لا لحظة"
ألتفت إلي شيماء و ابتسامة داهية علي ثغرها تصل من الأذن للأذن، يليها صفعة أخرى من الصدمات
"ربنا يباركلك يا مدام شيماء في جوزك، بجد مفيش زيه في الزمن ده، تصدقي لما صاحبتي راحت تدفع الحساب لاقته مدفوع و عرفت أن طه اللي دفعه بالكامل"
وضعت يدها في حقيبتها وأخرجت ورقات نقدية ومدت يدها بها إليه
"أنا جيت عشان أزور أختك و أقولها حمدالله علي السلامة و جيتلك عشان أرجعلك فلوسك، أنا كدة كدة معايا الفيزا والحال ميسور الحمدلله"
لم يرفع يده ليأخذ النقود فكان في حالة لا يحسد عليها، بينما مدت شيماء يدها وأخذت منها المال و علي نقيض توقع الجميع كان ردها ما يلي
"خليهم لك يا حبيبتي، هو طه جوزي حبيبي طول عمره جدع وشهم مع جيرانه و أصحابه، و كان نادر أول ما تقوم أخته بالسلامة هيطلع حاجة لله، و طلعتي صاحبة النصيب، ألف سلامة علي دراعك"
وعقبت داخل عقلها
"عقبال دراعك التاني و اللي هاكسره لك إن شاء الله بعد ما أصفي حسابي مع البيه جوزي، صبركم عليا يا ولاد الـ..... "
ابتسامة نصر لدي روميساء تتراقص علي ثغرها، تدرك جيداً ما تمر به شيماء للتو رغماً من الهدوء التي تتظاهر به والإهانة التي برمتها، أمسكت بيد طه أمامهم جميعاً وتركت النقود في كفه.
"خلي الصدقة لحد محتاجها، معلش مضطرة أستأذن، أصل صاحبتي مستنياني تحت و زمانها طلبت تاكسي، باي"
همس آدم إلي طه بسخرية يشوبها الكوميديا
"و كنت بتلومني لما حكيتلك علي اللي حصل معايا و أنت طلعت مقضيها مع جارتك، حافظ الشهادتين و لا أقولهم لك؟"
لوحت الجارة الحسناء بيدها إليهم و غادرت المكان بعد أن أشعلت فتيل الحرب و المعركة علي وشك النشوب!
༺※※※༻
هدأت العاصفة واستلقي كليهما جوار بعضهما، تنظر إلي الفراغ بفم مفتوح، تحاول إدراك ما حدث منذ قليل، استسلامها و رفع راية الحب علي أسوار مدينتها جعلته يعتلي كرسي عرش قلبها فاصبح هو الحاكم والعاشق والفارس الذي في يديه لجام الفرسة التي كان صعب ترويضها سابقاً حتي تمكن من ذلك باهداء فؤاده لها بين يديها.
تقلب علي جانبه و رفع ذراعه العاري مثل جذعه وبقية جسده المدثر، أمسك بعض من خصلات شعرها وقام بتحريك أطرافها الناعمة علي خدها
"هاتفضلي مبحلقة في السقف كدة كتير؟"
حركت عينيها نحوه وابتسمت ثم أخبرته
"أنا حاسة أن بحلم"
ترك خصلاتها وأمسك يدها وقام بتقبيل ظهر كفها
"طول ما أنتي معايا هخليكي تعيشي حلم و واقع و خيال، أهم حاجة تكوني مبسوطة"
تقلبت علي جانبها لتصبح مقابلة له وعينيها تخبره بكل ما يحمله قلبها و يدور في رأسها
"لو قولت لك أنا حاسه بإيه مش هتصدقني، فرحة المهاجر اللي أجبرته الحرب يسيب وطنه و لما أتحرر الوطن رجع ليه"
اتسعت ابتسامته و لا يقل حال قلبه عن حال فمه
"ده أنتي طلعتي بتقولي خواطر و تشبيهات جميلة زي روحك و كل حاجة فيكي"
وضعت كفها علي صدره، تحدق إليه بعشق وهيام
"أنت اللي روحك و كل حاجة فيك حلوة يا أحمد، بالرغم كنت تبان قاسي من أول يوم شوفتك، لكن طلعت القسوة مجرد قناع مخبي وراه قلب أبيض وحنين، و كنت بتحبني من قبل ما تتجوزني، لأني كنت شايفة نظرات حبك ليا كل ما أبص في عينيك، أصل العيون بتحكي اللي ما تقدرش تقوله الشفايف"
وضع كفه علي وجنتها يشعر بملمسها الناعم المياس، يحرك طرف ابهامه علي شفتيها و عينيه تخبرها الكثير و الكثير من المشاعر، سألته عندما طال صمته
"ساكت ليه؟"
ابتسم مرة أخرى و رأت في عينيه ما هو مقبل عليه، مد ذراعه أسفل رأسها ليصبح وجهها صوب وجهه، يمسك طرف ذقنها و يجيب علي سؤالها
"الشفايف زي ما بنعبر بيها علي اللي جوانا بالكلام بنقدر برضه نعمل بيها حاجات كتير و من أهمها الفعل زي كدة بالظبط"
اقترب بشفاه وأنفاسه تسبقه، عينيها تفيض بالعشق وخاصته تنضح بالتيم، و هو أعلي الدرجات التي يصل إليها فؤاد العاشق، يشعر بالدفء حينما تلاحمت الشَفاه في معركة أسلحتها سهام الحب التي تراشقت في قلبين هذان العاشقان.
لم يشعر كليهما بصوت مقبض باب الغرفة، يتحرك ببطىء فانفتح الباب و ظهرت قدمان ترتدي صاحبتها حذاء أسود ذو كعب مرتفع، تسمرت في مكانها عندما رأت ابنها غارقاً في بحور عشق الخادمة التي انجبت من شقيقه سِفاحاً وقام زوجها بتصحيح هذا الوضع و جعلها زوجة ابنه الذي كان قد توفى، و كل ذلك تم عبر الأوراق الرسمية ليصبح ابن ولده حفيده الشرعي و قبل وفاته قام بكتابة كل أملاكه باسم الحفيد، لم يكن يعلم حينها أن تلك الأفعي الشيطانة زوجته و أم ولديه لن تظل مكتوفة الأيدي، قامت بالتخطيط كلاعب الشطرنج، تراهن علي الفوز بتحريك الحصان، و كانت لا تدري أن هذا الحصان سيقع في عشق أنثاه و يحميها من بطشها بل ويخبئها في مأمن بعيداً عن أذرع شرها، و بذلك سيضرب كل ما خططت إليه في عرض كل الجدران التي ظلت حبيسة داخلها لأيام قبل أن تعلم بعنوان هذا المنزل من أحد رجالها المخلصين.
أبيضت مفاصل أنامل يدها التي تمسك بمقبض الباب، صاحت و كأن تمسك نجلها بالجرم المشهود مع زوجته!!
"أحمد؟"
انتفض كليهما و ردد ابنها
"ماما!"
تشبثت علا بالغطاء عليها تداري ذراعيها و كتفيها العاريين، لن تقل مفاجأة عن أحمد الذي يحدق إلي والدته بنظرة آتية من قاع الجحيم......
الجزء الثالث
لقراءة الجزء الاول جميع الفصول
لقراءة الجزء الثاني جميع الفصول