تحميل رواية غابة الذئاب من صراع الذئاب بقلم ولاء رفعت علي pdf
بقلم ولاء رفعت علي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يتسلط ضوء الكاميرا علي تلك الحسناء ذات الشعر البني اللامع، ترتدي ثياب رسمية و تمسك بين يديها بطاقات مدون علي ظهرها شعار القناة الفضائية ذات الثلاثة أحرف و إسم البرنامج الشهير«كلام الناس»، أفترقت شفتيها ذات الحُمرة القانية لتبدأ في إلقاء المقدمة: " الليلة ضيفنا من ألمع النجوم علي ساحة البيزنس،يتربع عرش سوق رجال الأعمال منذ سنين، أثار الجدل من تمن سنين و دارت حواليه الشائعات، لقبه الملك و هو يستحقه عن جدارة لأنه أثبت قوته و أصبح من أشهر رجال الأعمال علي مستوي الوطن العربي و مش بس كده علي المستوي ا...
الفصل الحادي والعشرون
🐺 غابة الذئاب «ما بعد العهد» 🐺
"الجزء الثالث من رواية صراع الذئاب"
بقلم: ولاء رفعت علي
يجذبني الشوق إليك بقيود من حديد كلما انتزعت قيداً أعادته الذكرى من جديد، أخبرني كيف أحيا وقلبك عن قلبي بعيد، كم يطيب لي عذابي ونفسي تطالب بالمزيد، فما الحب إلاّ مَلِك ونحن له كالعبيد.
"أتفضل يا قصى بيه"
قالتها والدة منار بعد أن قدمت له فنجان من القهوة، أخذه قائلاً:
"شكراً"
تناول منه رشفة ثم ترك الفنجان علي المنضدة بجواره وقبل أن يبدأ التحدث سبقته منار التي تري في عينين والدتها الكثير من الأسئلة يشوبها الغضب حيال أمر مبهم لها أو ربما قد ظنت أمراً سيء لاسيما عندما رأت خاتم الزواج في بنصره الأيسر.
"ماما قصى جه عشان يتكلم معاكي في موضوع مكنش ينفع أحكيه لحضرتك في التليفون و...
أشار لها قصى بيده لكي تصمت فقال:
"أنا أعرفك بنفسي بشكل أوضح، زي ما منار قالت لحضرتك، أنا قصى البحيرى مدير و صاحب الشركة اللي بتشتغل فيها منار"
أخرج من جيب سترته عقد الزواج قبل أن يسترسل حديثه قائلاً:
"وأنا ومنار كنا متجوزين علي سنة الله ورسوله"
تناولته من يده وعندما قرأت البيانات المدونة به انتفضت من الغضب صارخة:
"إزاي وأمتي؟!"
أشار إليها لعلها تهدأ:
"اسمحي لي أشرح لحضرتك السبب قبل ما تحكمي علي الموضوع"
صاحت والنيران تندلع من عينيها، تحدق نحوه شزراً تارة ونحو ابنتها تارة أخري:
"هتشرح لي إيه يا أستاذ؟، ما هو واضح كل حاجة، الهانم بنتي كانت مستغفلاني ومفهماني إنها مسافرة تبع الشركة في شغل"
"يا ماما ا...
كادت ابنتها تجيب بدفاع، فقاطعها قصى بعد أن نظر إليها لتطمئن ثم قال:
" ممكن تديني دقيقتين اشرح لك فيهم السبب، طليق حضرتك جه واتهجم عليها بالضرب عشان كان عايزها تتجوز من واحد كاتب عليه شيكات بحوالي ربع مليون جنيه، وعشان أنقذها كتبت عليها"
حدقته بسخرية واستهزاء:
"و أنا بقي المفروض أصدق الحكاية اللي ما تدخلش دماغ عيل صغير"
أطلق زفيراً كان يعلم هذا سيحدث، تهز منار رأسها لنهيه عن أن لا يخبرها بالحقيقة حتي لا يزيد الطين بلاء.
أومأ الأخر لها بعينه وألقي ما بجعبته، أخرج من الجيب الداخلي لسترته مجموعة ورقة مطوية:
"أتفضلي حضرتك ده دليل علي كلامي"
ألقت منار نظرة استفهام وتعجب في آن واحد حتي أردف:
"ده الشيك المديون بيه للراجل اللي كان عايزه يجوزه منار، أنا سددت الدين وأخدت الشيك ولسه في اتنين من الديانة بخلص معاهم الديون، وبكدة أصبح باباها مديون ليا وأنا هخليه ما يقربش منها و لامنكم تاني"
لا تعلم ماذا تقول له، هل توبخه أم تسمعه كلمات الشكر والإمتنان، لم تتعجب من أي فعل لزوجها السابق فهي تدرك جيداً إنه وضيعاً وعلي استعداد بيع ابنته مقابل المال.
كان كلا من قصى و منار يتبادلا النظرات، فهو يبدو هادئاً نقيض حالتها ونظرات عينيها الحائرة والخوف يسيطر عليها من ردة فعل والدتها وصدمة الأمر الذي فعلته دون علمها.
"وياتري بقي كانت بتبات في الشركة ولا عندك في الشقة؟"
أدرك الأخر من سؤالها عدة أسئلة فأجاب بذكاء:
"جوازنا كان علي ورق مش أكتر من كدة، وبالنسبة كانت قاعدة فين هي فعلاً كانت عندي، في القصر مع مراتي و ولادي"
غرت السيدة فاها فأردف:
"يعلم ربنا أنا منار هي إيه بالنسبة لي، انا بعتبرها زي ملك وكارين أخواتي البنات، معزتها من معزتهم بالظبط، أنا عارف أنك مش قادرة تستوعبي اللي حصل، إحنا علي فكرة قبل ما نيجي علي هنا روحنا للمأذون و طلقتها"
عقبت السيدة ماجدة:
"طلقتها كمان؟!"
"زي ما فهمتك في البداية سبب جوازنا والحمدلله عرفت أسيطر علي الوضع، وأوعدك عمري ما هتخلي عنها لحد ما تتجوز، أتمني تكوني متفهمة كلامي وتعتبريني زي ابنك، ولو محتاجين أي حاجة تكلموني علي طول"
نهض إستعداداً للمغادرة، فنهضت السيدة ماجدة وتنهدت ثم قالت:
"أنا مش قادرة أحدد ردة فعل مناسبة علي اللي حصل، ولو هشكرك عشان وقفتك مع بنتي وانقذتها من مصايب أبوها الجشع، لكن اللي مش هقدر أتقبله مسألة جوازها وطلاقها، أنا مهما كان أم وأنت بتقول عندك أولاد، لو حد فيهم لما يكبر، لا قدر الله عمل نفس الموقف بالتأكيد هتزعل أوي من جواك"
اقترب خطوة ووقف أمامها:
"أنا فاهم كويس ومقدر اللي حضرتك فيه، وكنت أتمني أتعرف عليكم في ظروف أفضل من كدة، و زي ما قولت لك أنا هفضل جمبكم واعتبريني ابنك"
نظرت إليه في صمت ثم جالت ببصرها نحو ابنتها التي تنظر بخجل ثم حدقت إلي الأسفل للهروب من نظرات والدتها التي تشعر بالخذلان.
※※※
تجلس شاردة في الفراغ فهي كالجسد بلا روح من دونه، كيف له أن يتركها هكذا دون لوم أو عتاب؟!، يمكنها أن تتحمل ما سوف يلقيه عليها من كلمات قاسية بدلاً من ابتعاده الذي أرهقها وأضناها العذاب من الاشتياق واللوع.
ثلاث طرقات متتالية علي باب غرفتها انتبهت إليها، ها صوت شقيقها:
"ملك؟"
نهضت وسارت نحو الباب بأعين أرهقها البكاء، وعندما فتحت لشقيقها ولم تستطع أن تتحمل أكثر من ذلك، انتابتها نوبة بكاء من جديد، ارتمت بين ذراعيه فتفاجئ الأخر وشعر بقبضة في صدره، اخذ يربت عليها وسألها بخوف وقلق:
"حبيبتي مالك فيه إيه؟"
هزت رأسها علي صدره وأجابت بإنكار:
"مفيش"
كانت خديجة تقف خلف زوجها فقالت:
"طيب أنا نازلة للأولاد تحت"
أغلقت الباب وذهبت لكي تتمكن ملك من البوح عن ما تكنه في صدرها إلي شقيقها، بينما آدم مازال يربت عليها بحنان حتي تركها تهدأ، ابتعدت من بين ذراعيه ونظرت إليه بهذه الهيئة التي يرثي لها، فسألها:
"قادرة تتكلمي؟"
اجابت بحزن يذرف له قلبها الدموع:
"هاحكي لك علي كل حاجة بس ارجوك تسمعني للأخر"
عقد ما بين حاجبيه بعد أن ساور القلق قلبه، أومأ إليها قائلاً:
"اتفضلي أنا سامعك"
※※※
وصل للتو داخل الشركة، لحق به أحد رجاله منادياً:
"قصى بيه؟"
توقف وألتفت إليه فتوقف الرجل ومد يده بظرف ورقي:
"اتفضل حضرتك دي كل الشيكات اللي أندفعت"
نظر إلي الظرف ثم إلي الرجل وقال له بأمر:
"أول ما يجي دلوقت عينكم عليه لحد ما تجبيوه علي المكتب"
أومأ له قائلاً:
"أمرك يا باشا"
ولج إلي داخل الغرفة ثم جلس خلف المكتب، ترك الظرف أمامه وأمسك بهاتفه، شرع باجراء إتصالاً هاتفياً:
"ألو، لو سمحت يا داده زينات حضري لي شنطة فيها هدوم وكذا بدلة وأنا هابعت السواق يجي ياخدها"
أجابت علي الجانب الأخر:
"حاضر يا أبو مالك"
"وخدي بالك من زينب ومالك ولو في أي حاجة كلميني علي طول"
فسألته بتعجب وحزن في آن واحد:
"هو حضرتك مسافر؟"
أجاب باقتضاب:
"عندى شغل"
ألقي نظرة في الساعة التي تحيط برسغه ثم أردف:
"معلش يا داده مضطر اقفل معاكي ورايا شغل، سلام"
انهي المكالمة سريعاً وترك الهاتف، استند بمرفقيه أعلي المكتب، يضم كفيه معاً ثم زفر بينهما، فقد قرر الابتعاد حتي يختلي بأفكاره لعله يجد حلاً لإنهاء هذا الصراع الدائر بينه وبين زوجته، يجب علي إحداهما أن يبدأ الخطوة الأولي للصلح، لكن كبريائه مازال متحفظاً كلما يتذكر نظرتها ولهجة حديثها القوية في المناقشة الأخيرة قبل أن يترك القصر.
و علي الجانب الأخر في القصر، ذهبت زينات لتبحث عن صبا وتخبرها، كانت الأخري في غرفة النوم داخل غرفة الثياب، تحتضن قميصه، تستنشق عبق رائحة عطره المميز والفريد، كم تتمني أن تطوق جسده بذراعيها وتدخله بين أضلعها؛ فقد أهلكها الشوق إليه، ذرفت عينها دمعة انزلقت من خدها وسقطت على القميص، ليته يشعر بالنيران التي تحرق فؤادها كلما تتذكر لحظات هزيمتها أمامه عندما حطم كبريائها فأصبح كالفتات المبعثر دون أن يرف له جفناً، والآن يعطي لها الأختيار أما أن تغفر أو تلجأ إلي قرارٍ تعلم جيداً عدم استطاعتها في تنفيذه، فماذا عساها أن تفعل؟!
"صبا؟"
انتبهت إلي نداء زينات التي ولجت منذ دقائق وظلت تراقبها في صمت، تشعر بالحزن من أجلها، فهي أول من يشهد علي كل الذكريات بدايةً من ليلة زفافها حتي الآن.
ألتفت سألتها بصوت هادئ للغاية:
"فيه حاجة يا داده؟"
نظرت إليها بأسف وأجابت:
"جوزك أتصل عليا وعايز مني أحضر له هدومه في شنطة والسواق هيجي ياخدها دلوقت"
تعلقت في حلقها غصة عندما سمعت ما ذكرته لها المربية، فسألتها بحزن دفين:
"هو قالك إنه مسافر؟"
أدركت الأخرى ما تريد معرفته فقالت:
"لاء، بس الموضوع واضح جداً زي ما أتكلمت معاكي من شوية، شوفتي بقي نتيجة العند والكبر اللي ما بينكم أخرته إيه؟"
عقبت صبا بشفاه أصابتها رجفة طفيفة:
"هو بيبعد عشان أروح له لحد عنده عشان أترجاه إنه يسامحني، وأرجع عبدة لأوامره من تاني"
"يا بنتي أنتِ فاهمة غلط المـ...
بترت الأخري حديثها بصياح:
"غلط إيه يا داده؟!، كل حاجة قدام عينك، الباشا عايز يعلمني الأدب على طريقته ويجرحني ويهين كرامتي وفي الأخر أنا اللي أروح له لحد عنده، وأنا بقي مش هاحقق له اللي في دماغه، خليه يبعد علي قد ما يقدر، وأهي حاجته اللي عايزها"
أخذت تبعثر ثيابه وتلقي بها علي الأرض بحنق وغيظ شديد حتي خارت قواها، توقفت تلتقط أنفاسها ودموعها تتساقط بغزارة، شعرت بوخز أصاب قلبها، جثت علي ركبتيها وتضع يدها، تنقبض قسمات وجهها بألم، ركضت نحوها زينات وسألتها بخوف:
"هاتصل بالدكتور؟"
رفعت يدها وأجابت بصوت خافت:
"لاء"
حاولت أن تنهض وبالفعل قامت بذلك ثم ولجت إلي المرحاض وأوصدت الباب خلفها.
عودة إلي الشركة، مازال يجلس على هذه الحالة، ينظر في شاشة هاتفه، يتأمل الخلفية وهي صورة تجمعه بها، التقطها لهما في العام الماضي وفي هذا التوقيت تحديداً، أغمض عينيه ليستعيد هذه الذكري لكن طرق الباب قطع عليه تلك اللحظة مما جعله يلعن في سره ثم قال:
"اتفضل"
دخل أحد رجال الحراسة خاصته، كان رجل ذو بنية جسدية قوية:
"معانا برة يافندم"
أشار الأخر له بأمر:
"دخلوه هنا"
ولج من الباب رجلان يمسك كل منهما عضد والد منار الذي يتلفت بذعر ورعب، قاما بدفعه فوق المقعد، نظر إلي قصى فابتلع لعابه ثم سأله:
"هو فيه إيه يا باشا؟"
أمسك قصى مجموعة من الشيكات ورفعها ليراها الأخر قائلاً:
"دي كل الديون اللي مش قادر تدفعها بقي لك سنة وأكتر، أنا سددتها عنك كلها"
ظهرت ابتسامة علي ثغر الأخر فأردف قصى:
"ما تفرحش أوي كدة، لأن شيكاتك دي هتبقي معايا، لأن أقسم بالله لو قربت من بنتك تاني أو مامتها في نفس اللحظة هتلاقي الشيكات متقدمة في النيابة، وأنا حبايبي في الداخلية كتير، يعني بمكالمة أخليهم يرموك في السجن وأبقي قابلني لو خرجت"
اختفت الابتسامة وأخبره:
"مش هيحصل يا باشا، وأنا تحت أمر جنابك"
حدق إليه قصى بنظرة ازدراء فقال إليه:
"أنا هديك مبلغ تعمل بيه مشروع تاكل منه عيش أحسن ما أنت عمال تستلف وتاخد من بنتك بدل ماتديها"
كاد الأخر أن يفتح فمه ليطلق له المبررات الواهية، لكنه غر فاه فجأة عندما ألقي قصى أمامه شيك، أخذ يقرأ الرقم المدون عدة مرات فنزل ببصره إلي قيمة المبلغ المدونة كتابةً، قيمة المبلغ مليون جنيهاً مصرياً، نهض يقفز من الفرح والسعادة:
"ربنا يعمر بيتك يا باشا، ربنا يبارك لك أنت وبنتي، يا زين ما أختارت و...
"خلاص"
صاح قصى فتوقف الأخر عن الحديث وتراجع قائلاً:
"عن إذنك يا باشا، يا دوب ألحق البنك قبل ما يقفل لأن بكرة وبعده عطلة زي ما حضرتك عارف، سلام عليكم"
قالها ورفع يده بجوار رأسه إشارة تحية ثم أطلق ساقيه للريح غير مصدق ما يحمله في يده.
بينما قصى تنهد بأريحية بعد أن أغلق هذا الجانب من الأحداث، صدح صوت تنبيه رسالة واردة على هاتفه، فوجد المرسل شقيقه يونس، ضغط على زر التشغيل
«صباح الخير يا كبير، أنا عارف إنك مشغول عشان كدة قولت ابعت لك voicenote، إحنا عاملين حفلة بمناسبة رجوعي أنا وكارين، تقدر تقول إنه فرحنا كلاكيت تاني مرة بس المرة دي هايكون كلنا فيه مع بعض متجمعين وهاعزم كمان معارفنا وأصحابنا، بقي لنا كتير ما أتجمعناش و أهي جت الفرصة، هاتلاقي عندك الـ location والميعاد تحت الـ voice، ما تتأخروش أنت وصبا والأولاد، مستنينكم سلام»
※※※
"طبعاً غلطانة ولو أنا مكان جوزك مكنتش هضمن ردة فعلي هاتبقي معاكي إيه، إحمدي ربنا إنه بعد عنك بدل ما كان أتهور"
هذه الكلمات التي صاح بها آدم في وجهه شقيقته بغضب وحدة مما جعلها تبكي بشدة من جديد مما جعلها تراجعت عدة خطوات إلي الوراء بتوجس قائلة:
"أيوة أنا غلطت بس والله ما كنت أعرف من الأول إن ده هيحصل"
اقترب منها ومازال على وتيرة صياحه الحاد والمخيف:
"وأنتِ كان فين عقلك؟!، و لسه قايلة بنفسك إنه كان مصعب محذرك، ولو خايفة تقولي له عندك خمس أخوات رجالة كنت حكيتي لواحد فينا مكنش الو... اللي كان بيهددك ده ما أتجرأش يقولك حرف واحد وإحنا كنا شوفنا شغلنا معاه"
عقبت بأعين باكية وملامحها شديدة الحزن التي تذرف لها القلوب الدماء من الشعور بالأسف نحوها:
"أنا فعلاً لجأت لقصى، بس عارف هو معملش معايا زي ما أنت بتعمل كدة دلوقت، عتابه ليا كان بحنية، لكن أنت زي ما أنت من زمان معايا و زي بابي الله يرحمه، بتحكموا علي اللي قدامكم من غير ما تسمعوا للأخر"
ولجت خديجة والفزع جلي على ملامحها فسألت كليهما بقلق:
"فيه إيه صوتكم جايب لحد الجنينة و كل اللي في القصر سامعكم، فيه إيه يا ملك؟"
نظرت إلي شقيقها ولم تتحدث بحرفٍ واحد بل تركت كليهما وغادرت الغرفة، فسألت خديجة زوجها:
"هو إيه اللي حصل يا آدم؟"
أطلق زفرة ينفث بها عن غضبه فأجاب باقتضاب:
"مفيش"
ضرب الحائط بقبضة قوية جعلتها انتفضت ونظرت إليه بامتعاض دون أن تعقب بكلمة.
※※※
يقف خلف الحائط الزجاجي في مقر عمله، ينفث دخان سيجاره الذي قلما يلجأ لها للتنفيث عن ما بداخله، يغمض عينيه لعله يهدأ كلما تذكر ما حدث، كيف لها أن تخفي عليه كل هذا وتلجأ لغيره حتي لو كان شقيقها، هل ذلك خوفاً منه أم عدم ثقة، هناك صوت من عمقه السحيق أخبره إنه مَنْ جعلها تتصرف على هذا النحو، وهذا لعدة أسباب تحكمه الزائد خلق حاجزاً بينهما وبدلاً من أن يكون مصدر الأمان لها أصبح النقيض.
باغته شعور الاحتراق بغتةً، ليس شعور معنوي بل مادي ملموس، فتح عينيه ونظر إلي ما بين أنامله، وجد السيجار قد احترق للنهاية وأصاب كلا من السبابة والوسطى لديه، ألقي بها على الفور وبرغم شعوره بالألم ابتسم ساخراً من حاله.
أخرج هاتفه من جيبه وقرر الإتصال بأحد رجاله والذي يعمل داخل قصر البحيري.
"إيه الأخبار؟"
اجاب الرجل والذي يراقب ملك التي تجلس في الحديقة وتحمل من الهموم أثقالاً، بينما كلتا ابنتيها تلهو لدي الأرجوحة القريبة منها:
"تمام يا باشا، مدام ملك بخير هي والبنات وقاعدين دلوقت في الجنينة"
تنهد ثم أخبره:
"لو في أي حاجة أبقي أتصل عليا فوراً زي ما أتفقت معاك"
"تمام يا باشا"
أنهي الأخر المكالمة وقلبه يشعر مثل ما أصاب أنامله، بداخله العديد من المشاعر المتناقضة، يطوق لها شوقاً و في نفس اللحظة يشعر بالغضب منها ويخشي أن لو رآها أمامه لم يستطع في كبح جماح غضبه ويفعل ما لا يحمد عقباه.
انتبه إلي صوت رنين رسالة واردة، فكانت من يونس
«صباح الخير يا أبو الصعاب، يارب تكونوا بخير، أنا عارف أنك في الشغل دلوقت فقولت أبعت لك رسالة تشوفها في الوقت اللي يعجبك، بإذن الله عاملين حفلة بمناسبة رجوعي أنا وكارين، المكان و الميعاد في أخر الرسالة، أنا اتصلت علي ملك ماردتش عليا، أبقي بلغها هنستناكم وياريت متتأخروش»
※※※
ترتدي حقيبة الظهر خاصتها وتأخذ هاتفها من فوق المنضدة، تستعد للمغادرة، خرجت والدتها من الرواق تحمل صينية يعلوها كوبان.
"برضو هاتروحي يا لوچي وهاتسيبيني لوحدي؟"
ألتفت إليها الأخرى وقالت:
"معلش يا مامي لازم أروح قبل ما بابي يرجع"
تركت الصينية أعلي المنضدة وحدقت بتهكم وتعجب تسألها:
"للدرجدي خايف عليكي تباتي معايا؟!"
اقتربت ابنتها نحوها فامسكت بيدها وأخبرتها معتذرة:
"مش قصدي يا حبيبتي، sorry حقك عليا، الموضوع بس أنا ما أستأذنتش منه قبل ما أجي لك أو أبات عندك"
رفعت أنجي شفتيها جانباً بسخرية:
"و هو فاضي لك أصلاً عشان يكلمك!، هتلاقيه بايت في المستشفي مع العيانين بتوعه و أنتِ أخر حاجة يفكر فيها، ده بعد علياء وابنها طبعاً"
نظرت بامتعاض وشعرت بالضيق، والدتها لديها حق فيما ذكرته للتو، فهي آخر إهتمامات والدها، همت بالمغادرة فقالت:
"أنا مضطرة أمشي بقي عن إذنك"
فتحت الباب وقبل أن تخرج نظرت إلي والدتها بابتسامة خبيثة تخبرها:
"على فكرة بابي بقي له كام يوم مع علياء فى الساحل، باي مامي"
خرجت علي الفور وأغلقت الباب خلفها، تاركة والدتها تستوعب ما أخبرته بها للتو، لحظات صمت قاطعها زمجرة غضب وعينيها تشتعل بنيران الشر والحقد، تفوهت بوعيد:
"ما بقاش أنجي المهدي غير لما أخليك تطلقها وترجعي لي يا يوسف، يا إما هخلص لك عليها بنفسي"
وفي الأسفل تقف وتنظر في شاشة الهاتف، تنتظر وصول سيارة الأجرة التي قامت بطلبها عبر إحدى تطبيقات التوصيل الشهيرة، توقفت أمامها سيارة دون أن تنتبه لها، خرج سائقها برأسه من النافذة يسألها:
"تحبي أوصلك فين؟"
نظرت إليه وتتذكر ملامحه، فكان هذا الشاب الذي أنقذها من الغرق في المسبح، حدقت إليه بامتعاض وأجابت بحدة:
"ده أنت بتراقبني بقي؟!"
عقد ما بين حاجبيه وقال بتهكم:
"علي فكرة أنا جدتي ساكنة هنا في الشارع اللي ورا"
شعرت بالحرج وكادت تبتعد دون أن تعقب علي حديثه، ترجل من سيارته وأوقفها قائلاً:
"لسه عرض التوصيل ساري، أنتِ رايحة فين؟"
نظرت إليه شزراً ثم تفوهت:
"مش بركب مع حد ما أعرفهوش"
ذهب خلفها وأوقفها مرة أخرى:
"بس أنا أعرفك"
رفعت إحدى حاجبيها فأردف:
"أيوة أعرفك من قبل حتي ما أنقذك من البيسين، تقدري تقولي أعجبت بيكي من أول مرة شوفتك من أربع شهور في النادي، بعد كدة لاقيتك أختفيتي مرة واحدة"
داهمت كلماته دواخلها التي اهتزت، ظلت تنظر إلي عينيه لتتأكد مما أخبرها به لكن هي لا تملك الخبرة الكافية التي تدرك بها كذب أو صدق الآخرين لذا سألته:
"طيب المطلوب مني إيه؟"
ابتسم لها وحاصرها بحديثه الذي يعلم جيداً تأثيره الساحر عليها:
"المطلوب إننا نقرب من بعض، قصدي يعني عشان نتعرف على بعض أكتر ولا أنتِ في حياتك حد تاني؟"
أجابت بنفي و حدة في آن واحد:
"مفيش، و لا هيبقي فيه، عن إذنك"
تركته واتجهت نحو السيارة التي كانت تنتظرها وولجت إلي الداخل دون أن تكترث إلي عمرو الذى وقف يجز على شفته السفلي بحنق.
※※※
على ألحان وصوت فيروز يقود سيارته، وبجواره تستند برأسها على زجاج النافذة شاردة، من يراها يظن إنها تتأمل الطريق بينما هي في رأسها يدور ألف سؤال علي رأسهم «هل هو يتحدث مع طليقته كما قرأت في محتوي الرسالة الواردة إليه؟!»
"سرحانة فيه إيه يا لولو؟"
سألها يوسف ويمسك بيدها فقام بتقبيل ظهر كفها، نظرت إليه بطيف ابتسامة وأجابت:
"كنت بسمع الأغنية"
ترددت قليلاً في أن تخبره لكن وجدت في النهاية أنه لا جدوى من الصمت ولا تترك ظنونها إلي الشيطان الذى يحيك لها آلاف الإحتمالات وجميعها تؤدي إلي الخراب بينهما.
"يوسف هو أنت بتتكلم مع أنجى؟"
ألقي عليها نظرة متعجباً من هذا السؤال، فأجاب بسؤال:
"تقصدي إيه بسؤالك؟"
عقدت ساعديها أمام صدرها ونظرت إلي الأمام وأجابت:
"قصدي أنت فاهمه كويس"
هدأ من سرعة السيارة حتي توقف على جانب الطريق فسألها مرة أخرى:
"وحصل إيه خلاكي تسألي السؤال ده؟، إحنا بقي لنا كام يوم مع بعض في الشاليه، واكلين شاربين نايمين في وش بعض، اشمعنا بتسألي دلوقتي وحصل إيه أصلاً؟"
تركت ذراعيها بحرية ثم ألتفت إليه قائلة:
"أفتح رسايل الواتس عندك وأنت هاتعرف"
فعل كما طلبت فوجد الرسالة مقروءة
«معقول نسيت كل اللى ما بينا، لكن أنا عمرى ما هانسي، أنا بحبك و هانرجع لبعض بأى تمن»
عقد ما بين حاجبيه معقباً:
"أنا أول مرة أشوف الرسالة، وبعدين فتحتي الفون إزاي وقرأتيها أمتي؟"
أجابت بصدق دون تردد أو كذب:
"كنت عايزة أكلم ماما عشان أطمنها عليا وأنا أطمن على عز وأكلم لوجي، أنت كنت نايم مارضتش أصحيك فحطيت طرف صباعك مكان البصمة واتصدمت بالرسالة دي في وشي"
ابتسم رغماً عنه ثم أخذ يضحك، أثار غضبها فسألته:
"أنا قولت إيه يضحك؟!"
كف عن الضحك وأجاب:
"بضحك على غيرتك، معقولة يعني بالعقل كدة وأنتِ أكتر واحدة عارفة إن موضوع أنجي ده بالنسبة لي مات و كل اللي بيربطني بيها لوجي وبس بغض النظر إنها تبقي بنت خالي"
سألته بحنق:
"و إيه اللي يخليها تفتكرك دلوقت وواثقة في نفسها أوي كدة؟"
أمسك يدها مرة أخرى بحب وحنان حميمي قائلاً:
"لا هي و لا مليون زيها يقدروا يشغلوني أو يبعدوني عنك، أنا أصلاً مش بكلمها و رقمها معايا بس عشان لما لوچي بتروح لها"
ابتسمت هي أيضاً وقالت:
"من غير ما تبرر مصدقاك، وعمري ما شكيت فيك، عارف ليه؟"
قام بتقبيل خدها ثم سألها:
"ليه؟"
"عشان في بينا ثقة محدش يقدر يهزها، لا أنجي و لاغيرها"
حك ذقنه بعد أن أدرك ما تقصده من حديثها والرسالة التي أرادت أن توصلها له من بين حروف كلماتها.
※※※
يغط في النوم ومن فرط التعب الذي يشعر به نتيجة إجهاد العمل طوال النهار داخل المشفى، بينما هي بجواره أخذت تتقلب يميناً ويساراً لم تستطع النوم في ظل هذا الصوت المزعج، فقالت له:
"أسر ممكن توطي صوت شخيرك شوية مش عارفة أنام"
لا حياة لمن تُنادي بل زاد من الصوت مما جعلها تنهض وتزفر بصبر قد نفذ قبل أوانه، خرجت من الغرفة وذهبت إلي غرفة ابنائها، تمددت جوار ابنتها لكن لا فائدة فقد فارقها الشعور بالنوم وأصابها الأرق، أصدرت معدتها صوتاً يخبرها إنها جائعة، فقررت الذهاب إلي المطبخ.
و في المطبخ، فتحت البراد وإذا به انتفضت بسعادة، قالب كيك مزينة بالشكولاتة والكريمة وقطع الفواكه اللذيذة الشهية، يبدو إنه قد جلبه وهي نائمة، أخرجت القالب وتنظر له بإشتهاء، تلعق شفتها السفلى بلسانها، تناولت شوك وسكين صغير، أخذت تتناول قطعة تلو الأخري ولم تنتبه إنها انهت منتصف القالب كما لا تشعر بخطوات من يقترب منها يسألها وكأنها افتعلت كارثة:
"إيه اللي أنتِ بتهببيه ده الساعة 3 بالليل يا مفترية؟"
انتفضت بفزع وحاولت أن تبتلع ما بفمها وعلي شفتيها وطرف أنفها وكلا خديها آثار الشكولاتة والكريمة كأنها تأكل بوجهها، أخذت تتحدث بصوت مكتوم لم يفقه منه حرفاً:
"أبلعي اللي في بوقك الأول وبعدين أتكلمي"
تناولت كوب ماء وشربت لتساعد في الإبتلاع وأجابت ببراءة:
"أنا كنت جعانة يا أسورتي"
أمسك ياقة منامتها وكأنه يقبض علي لص ليخبرها بحنق:
"يخربيت بطنك المفجوعة الـ 24 ساعة، ده أنا جايبها لابنك عشان عندهم حفلة في المدرسة بكرة وكلمني و مأكد عليا أجيبها له عشان مفيش محلات الصبح بتبقي مفتوحة"
صفعت جبينها لنسيانها هذا الأمر قائلة:
"ده أنا كنت ناسية خالص ونمت قبل ما أكلمك، طب والعمل؟"
"استلقي وعدك منه لما يصحي هيقلبها لك مناحة وأبقي روحي لفي له علي محل فاتح الصبح عشان تجيبي له واحدة"
تركت ما في يدها وقالت:
"أعمل إيه أنا دلوقتي"
وقف بجوارها وينظر إلي نصف القالب المتبقي قائلاً:
"هقولك علي حل حلو أوي"
وبعد قليل... تناول أخر قطعة في القلب بتلذذ تحت نظرات هاجر التي تشعر بالصدمة:
"هو ده الحل اللي ربنا قدرك عليه؟"
ابتسم بثقة وأخبرها:
"أعملك إيه، ما هو أمجد لو صحي وشاف نص التورتة هايعرف إن مامته المفجوعة اللي كلتها، قولت أخفي آثار جريمتك"
لكزته في ذراعه:
"و نعم التفكير"
أخذ يضحك حتي توقف عن الضحك وظل يتأمل مظهرها، خصلات شعرها مبعثرة بعشوائية ووجهها أصبح مستديراً بسبب انتفاخ وجنتيها مؤخراً، رفع إحدى حاجبيه وسألها:
"إيه ده يا جوجو؟"
سألته بعدم فهم:
"فيه إيه؟"
أمسك خديها بأطراف أنامله وقام بالضغط عليهما:
"أنتِ بتحقني بوتوكس وفيلر من ورايا؟!"
نفضت يديه عن وجنتيها وأجابت:
"بعد الشر عليا، ليه شايفني عجوز شمطاء بلغت من العمر أرذله عشان أعمل الحاجات ديه؟!"
هز رأسه بعد أن أدرك سبب تلك الانتفاخات لاسيما عندما اخفض بصره نحو بطنها المنتفخة فقال لها:
"خلاص أنا عرفت اللي فيها، أنتِ أخر مرة وزنتي نفسك أمتى؟"
نظرت بتوتر وأجابت:
"مش فاكرة، ما بهتمش الولاد وشغل البيت مش مخليني أركز"
ظهرت أسنانه ولمعت من بين شفتيه اللتان أفترقا من ابتسامته التي وصلت لكلا أذنيه:
"أنا بقي هقولك، خدودك اللي كل شوية يا تكنسل عليا لما بكلمك في الفون أو تدوس علي مسجل المكالمات ولا كرشك اللي خلاص تفوق على كرش الحناوي أبو كركر، فأنتِ بتلعبي في تسعين كيلو و داخلة علي المية، لاء يا جوجو كدة لازم تخسي يا حبيبتي لأن مش هقدر اتعامل مع الأحمال التقيلة، ضهري مش لاقيه في كيس شيبسي يا روحي"
مع كل كلمة كان يتفوه بها تغلي دماؤها التي بلغت ذروتها، أصبح وجهها محتقن بالدماء، نهضت أمامه وهو مازال جالساً فوق الكرسي، تسأله بهدوء قاتل:
"أنت بتقول إيه يا حبيبي؟"
ابتلع لعابه بخوف عندما رأي أمامه هذا الوحش الكاسر وتتناول سكين من الوعاء الخشبي الخاص بالسكاكين، نهض ويتراجع إلي الوراء، رافعاً يديه:
"جوجو حبيبتي، أنا كنت بهزر معاكي، أنتِ زي القمر وخدودك بقوا زي التفاح، وكرشك ده مجرد انتفاخ من القولون بالمواظبة على البرشام هيروح على طول"
رددت من بين أسنانها:
"بقي أنا كرشي زي الحناوي؟!، أنت بقي اللي جيبته لنفسك"
ركض علي الفور وهي خلفه، صعد علي الدرج، فوقفت تلتقط أنفاسها لتستطيع اللحاق به، صعدت خلفه و ولجت إلى غرفتهما التي اختبأ بها:
"أطلع يا أسر أحسن لك، عمال تتنمر عليا عشان تخنت كام كيلو، ما أنا كذا مرة اتحايلت عليك أروح چيم وأنت مش بترضي، أخس عليك دلوقتي بتعايرني وبتتريق عليا"
كانت تتحدث بحزن تحول إلي بكاء، ولت ظهرها إلي الخزانة وكانت تفعل شيئاً لم يراه جيداً فخرج إليها يتعجب من بكائها بسبب مزاحه معها، وضع يده علي كتفها وجعلها تلتفت إليه:
"حقك عليا أنا أسف، مش قصدي أضايقك"
كفت عن البكاء ورفعت وجهها لتنظر إليه بابتسامة مخيفة، حدق إليها بخوف:
"أنتِ...
باغتته بالسكين التي تحمله في يدها وتضربه في صدره، أطلق آهه فوجدها تضحك، وضع يده علي صدره فلم يجد جرح، نظر إلي يدها التي رفعتها ولوحت له بالسكين الزائفة قائلة:
"حتة سكينة لعبة عملت فيك إيه، أحسن واحدة قصاد كلامك الرخم"
حدق لها بوعيد قائلاً:
"شكلنا هانرجع لأيام الشقاوة"
توقفت عن الضحك وكادت تركض من أمامه، قبض علي ظهر منامتها وألقي بها فوق المضجع، صاحت بضحك هيستري:
"لاء خلاص يا أسورتي، أنا حرمت مش هعمل كدة تاني"
جلس علي طرف الفراش وحاوط ساقيها بذراعه وبيده الأخره أخذ يدغدغ قدميها، تعالت صوت ضحكاتها حتى ذرفت عينيها دموعاً من كثرة الضحك، توقف عندما صرخت باستسلام:
"خلاص والله حرمت، أنا آسفة"
ترك ساقيها ونظر إليها وعندما شاهد دموعها وبخ نفسه، تمدد بجوارها وأخذ يمسح أسفل عينيها قائلاً:
"الظاهر كان هزاري تقيل، ما تزعليش حقك عليا"
ابتسمت له وأمسكت يده فقالت:
"أنا عمري ما بزعل منك، ربنا يخليك ليا يا حبيبي"
حدق إليها بعشق وتيام:
"والكلام الرومانسي الحلو ده يتقال حاف كدة؟"
تظاهرت بعدم الفهم وهو يعلم ذلك:
"عايز إيه؟"
أخذ يلمس وجنتها بظهر أنامله يخبرها:
"بقي لي كام يوم بعيد عنك وبرجع ألاقيكي نايمة وبتصعبي عليا عشان عارف طول النهار من شغل البيت لمذاكرة ودروس الولاد للنادي، وشايلة كل ده ومش راضية أجيب لك ناني تساعدك، وأنا شغلي واخد كل وقتي، وبقينا نشوف بعض كل كام يوم"
عقبت على حديثه:
"أنا اتفقت معاك من أول ما أتجوزنا ما بحبش حد غريب يدخل بيتي، الأكل والشرب بحب أعملهم بنفسي و بيتي هو مملكتي، أرتبه وأعمله بنفسي ومحدش هيكون أمين على ولادي أكتر مني أنا وأنت، بالنسبة لشغلك أنا مقدراه وعارفة وقتك مش ملكك وأنا أصلاً مش أشتكيت، ممكن كل فترة تاخد فاصل نجدد بيه روتين حياتنا، نخرج نسافر المهم نبعد عن دايرة ضغط الشغل والمسئوليات اللي عمرها ما بتخلص"
رسم الجدية على ملامحه وقال:
"عندك حق يا دكتورة جوجو في كل اللي قولتيه، عشان كدة قررت أنفذ نصايحك ونبتدي برحلة حلوة أوي هاتعجبك"
حاوطت عنقه بذراعيها وسألته:
"هتودينا فين يا أسورتي"
حمحم ثم قال:
"رحلة لقلب أسورتك المشتاق، وتذكرة الرحلة عبارة عن كدة"
أنهي كلماته باختطاف شفتيها في قبلة لبداية رحلة حب حميمية داخل مملكة العشاق ذات الراية الحمراء وهناك القانون السائد لا صوت يعلو علي صوت الحب.
الفصول الثاني والعشرون
الجزء الثالث
لقراءة الجزء الاول جميع الفصول
لقراءة الجزء الثاني جميع الفصول
الفصل الثاني والعشرون
🐺 غابة الذئاب «ما بعد العهد» 🐺
"الجزء الثالث من رواية صراع الذئاب"
بقلم: ولاء رفعت علي
ما أجمل لقاء الحبيب بعد طول فراق، و بعد سيل من الأشواق، إنها لحظة ترسم أحداثها في لوحة ربيع العمر، لحظة يزاد فيها نبض القلب، و تتجمد المشاعر من فرح القلوب، لحظة فيها من الوفاء ما يروي الأحاسيس.
في صباح اليوم التالي، ضغط على زر ماكينة عمل القهوة، تناول الكوب وأخذ منه رشفة ألقي نظرة علي الساعة في هاتفه ثم نادى علي ابنته:
"يلا يا ياسمين عشان هتأخر علي شغلي"
لم يجد منها رداً، ترك الكوب وذهب ليتفقدها، وجدها مازالت نائمة والعرق يتصبب علي جبينها، تهمهم بكلمات غير مفهومة، شعر بقبضة في قلبه فوضع يده على جبينها، فتح الدرج وأخرج مقياس الحرارة الرقمي وضعه أسفل لسانها فوجد حرارتها 39، أسرع يبحث عن الدواء المسئول عن خافض الحرارة، وجده وحاول أن يوقظها ليسقيها الدواء في فمها.
ألقي نظرة على الساعة مرة أخرى، فوجد زميله في العمل يهاتفه:
"ألو يا مصطفي، أنا هتأخر وإحتمال مش جاي النهاردة البنت سخنة وهاخدها للدكتور"
أجاب الأخر:
"طيب يا ياسين والعميل اللي مستنيك تسلمه الـ project بنفسك، وخد بالك دي تاني مرة هتأجل الميعاد"
تذكر أمر ملك التي أتصل بها عدة مرات بالأمس ولم تجب وعلم من آدم إنها تمكث في القصر، فالمسافة التي تفصله عن قصر عائلته تقدر بساعتين وأكثر وابنته مريضة الآن.
حضرت في ذهنه فكره وشعر بالحرج الشديد، لكن الظروف الآن هي التي جعلته يلجأ لذلك، أجري الإتصال علي من ستنقذه من هذا المأزق.
وفي الجانب الأخر لديها، كانت تضع أحمر الشفاه أمام المرآة وتستعد للذهاب إلي يومها الأول لها في العمل الجديد، صدر من هاتفها إهتزازاً جعلها تنتبه إليه فرأت اسمه وأجابت على الفور:
"ألو، صباح الخير"
رد الأخر:
"صباح النور، أسف إن صحيتك من النوم"
"أنا صاحية من بدري، ياسمينا عاملة إيه؟"
أجاب بحرج:
"الحمدلله، أنا طالب منك خدمة ومعلش هتقل عليكي شوية، ياسمين تعبانة وأنا عندي تسليم project لعميل عندنا في الشركة ولو ماروحتش سلمت الشغل هيبقي فيها مشكلة كبيرة...
قاطعته رودينا بترحاب قائلة:
"ما تقلقش أنا نازلة دلوقتي وجاية حالاً، مسافة الطريق"
و بعد أن وصلت قام بفتح الباب، ولجت إلي الداخل، شعرت بتوتر فهي المرة الأولي لها للدخول في هذا المنزل، حاولت أن تخفي ذلك التوتر فسألته:
"هي فين؟"
أشار إليها نحو الغرفة فذهبت إلي الصغيرة، فقالت له:
"انزل أنت على شغلك وأنا قاعدة معاها، ما تخافش عليها"
أخبرها على عجلة من أمره:
"لو في أي حاجة كلميني فوراً، أنا هاروح أسلم الشغل وراجع على طول"
ابتسمت وقالت:
"ربنا يوفقك"
وقبل أن يغادر أخبرها بامتنان:
"شكراً يا رودينا"
أومأت له قائلة:
"لا شكر علي واجب، و زي ما قولتها لك قبل كدة، ياسمينا بعتبرها زي بنوتي الصغيرة"
أخذت تعتني بها وتتابع حرارة جسدها بعمل الكمدات الباردة، صنعت لها حساء الخضروات اللذيذ ووضعت لها به قطع دجاج صغيرة.
أطعمتها ثم قرأت لها بعض القصص والحكايات من الكتب التي تقتنيها في مكتبتها الصغيرة التي اعدها إليها والدها.
داهم النوم كلتاهما حتي حان المساء، و عاد ياسين من عمله، يستنشق رائحة الطعام اللذيذة الذي اعدته له رودينا.
رأي المنزل أنيقاً و مرتباً وكأن الحياة عادت إليه من جديد و رائحة عطر ذكية تفوح في الأرجاء، بينما هي بالداخل استيقظت عندما سمعت خطوات داخل المنزل، اعتدلت من مظهرها وخرجت فوجدته داخل المطبخ، وقفت تراقبه وهو يتناول بالملعقة الطعام من الإناء ويتلذذ بسعادة من مذاقه، ابتسمت وأرادت أن تخبره بوجودها قبل أن يلتفت و يشعر بالفزع.
"ما ينفعش تاكل من الحلة لأن كدة الأكل هايحمض والسبب إن المعلقة لما بتاكل منها و ترجع تحطها في الحلة بتكون حاملة من لُعابك و بيسبب البكتريا اللي بتفسد الأكل"
ابتسم بحرج وترك الملعقة جانباً وقال:
"أنا كدة ليه عرفت الأكل بيحمض حتي لو حطيته في التلاجة"
اقتربت من الموقد وضغطت علي زر الإشعال ثم أدارات المقبض المسئول عن العين في الجهة اليمني في الموقد:
"في حل بسيط جداً، ممكن تسخنه لدرجة الغليان اللي بيقتل البكتريا وتطفي عليه، تسيبه لحد ما يبرد و تشيله في التلاجة"
"معلش بقي أنا مش خبير في المسائل دي، ياسمين الله يرحمها هي اللي كانت تعرف بكل ده"
هزت رأسها وأخفت التوتر والضيق الذي داهم قلبها للتو فقالت:
"ياسمينا الحمدلله بقت كويسة أكلت وخدت الدوا ونامت، معلش أنا مضطرة أستأذن و لو في أي حاجة أبقي أتصل عليا، و أنا هابقي أطمن عليها علي الفون"
أدرك كم هو أحمق، بدلاً من أن يشكرها علي اعتنائها بابنته المريضة و مجهوداتها ما بين إعداد الطعام وترتيب و تنظيف المنزل، يأتي لها بذكري زوجته وكأنه يضعها بينهما كالجدار العازل.
"رودينا، استني"
ألتفت إليه فأردف:
"شكراً علي كل حاجة عملتيها و إن أديتنا من وقتك و إهتمامك"
أجابت بشبه ابتسامة:
"العفو، و بعدين قولنا مفيش شكر ما بينا، أنا لو كنت أتجوزت من تسع سنين كان هيبقي معايا بنوتة قدها، و أنا بعتبرها بنوتي زي ما قولت لك"
همت بالذهاب فقال لها:
"طيب أنا هانزل تحت هستناكِ تجهزي براحتك عشان أوصلك"
"مفيش داعي، أنا معايا عربيتي وكمان لسه هاشتري شوية حاجات وأنا في طريقي"
سألها بمزاح:
"معاكِ كاش و لا فيزا؟"
تذكرت هذا الموقف الذي حدث معها من قبل عندما دفع لها حساب المشتروات التي ابتاعتها، ابتسمت وأجابت:
"معايا الحمدلله"
أنتظرها في الأسفل فوجدها خرجت من البناء وقامت بفتح باب السيارة، ولجت علي مقعد القيادة:
"باي"
رد عليها يلوح لها بيده:
"باي"
※※※
يقف أمام المرآة التي تعلو الحوض، يقوم بحلق ذقنه، وقفت بجواره تنظر إليه في صمت، رآها بطرف عينه فاخبرها ببرود رغم علمه بسبب وجودها بجواره:
"الفلوس عندك في درج التسريحة، خدي اللي أنتِ عايزاه"
هزت رأسها بالنفي وعقبت بحزن:
"أنا مش عايزة فلوس يا طه"
أنتهي لتوه من الحلاقة فقام بغسل وجهه كاملاً ثم ألتفت وألتقط المنشفة القطنية ليجفف وجهه، يسألها دون أن ينظر إليها:
"أومال عايزة إيه؟"
وقفت أمامه ونظرت إليه بعتاب قائلة:
"بقي لك كام يوم مش بتتكلم معايا من وقت ما شدينا مع بعض، أتأسفت لك وقتها وسيبتيني ونزلت، كل ما أجي أكلمك بعدها لا تبص لي و جاوبك علي قد السؤال، هاتفضل مخاصمني لحد أمتي؟"
"لحد يا شيماء ما تبطلي ردودك اللي تخلي الواحد ينفر منك، مش أول مرة تعمليها، قبل كدة وحذرتك بس للأسف مفيش فايدة"
أطبقت شفتيها معاً لتمنع نفسها من البكاء فأخبرته بكبرياء أنثى لا تنحني:
"أنا بقي هريحك مني مادام بقيت تقيلة على قلبك"
تركته وولجت إلي غرفة النوم فلحق بها ووجدها تخرج حقيبة الثياب ثم الخزانة، وقف يسألها:
"أنتِ بتعملي إيه؟"
أجابت بغضب وتلقي قطع ثيابها داخل الحقيبة:
"زي ما أنت شايفك، بلم هدومي وسايبة لك الشقة يكش ترتاح مني"
ألقي بالمنشفة التي في يده على الفراش وتقدم نحو الخزانة فأغلقها وقال لها:
"أعقلي وبطلي جنان"
صرخت في وجهه:
"أبعد عن وشي يا طه، أنا ما أقدرش أقعد مع حد مش طايقني و لا طايق ليا كلمة"
اقترب منها وأجاب:
"وأنا ما قولتش كدة، كل إعتراضي كان عن أسلوبك في الكلام، تحبي أعيد لك كلامك؟!"
لم تستطع منع نفسها أكثر من ذلك فاطلقت عبراتها وقالت:
"أنا غلطانة وكلامي زي الطوب، بس حسيت وأعترفت بغلطي، لكن أنت كأنك صدقت تمسك ليا غلطة وماتتكلمش معايا"
شعر بغصة في فؤاده لم يتحمل بكائها الذي أحرق داخله، طوقها بين ذراعيه يعانقها بقوة ثم أخذ يربت علي ظهرها بحنان قائلاً:
"خلاص إهدي وبطلي عياط، و بعدين مش كل ما نتخانق تسيبي البيت وتمشي، أنتِ بقي اللي كدة مش طايقاني"
رفعت وجهها عن صدره لتنظر إليه من بين دموعها:
"أنا لو مش طايقاك مكنتش زماني عمالة أتحايل عليك عشان نتكلم، أنت معودني أنام في حضنك ومن وقت اللي حصل وأنت بتنام جمبي ومديني ضهرك، مش كنا متفقين مهما حصل ما بينا من خلافات ما نبعدش عن بعض؟!"
"مديكي ضهري بس جمبك برضو"
لكزته في صدره بخفة قائلة:
"فيه طبعاً فرق كبير، كأنك جمبي وبعيد عني في نفس الوقت"
عقب بعتاب:
"ما قبلها لما أتخانقنا عشان موضوع الشقة سيبتي البيت"
عقدت ما بين حاجبيها بامتعاض وقالت:
"افتكر وقتها أنا عملت كدة ليه، ولا ناسي الكف اللي أديته لي؟!"
دنا بشفتيه نحو وجنتها وأخبرها بصوت خافت يعزف على أوتار قلبها الذي يعشقه:
"وكان أنهي خد فيهم؟"
أجابت بحزن ودلال في آن واحد:
"كان ده"
وأشارت إلي خدها الأيسر، فأخذ يقبله بنعومة وكأنه يستمتع بملمسه المياس ورائحتها التي تشبه عطر العود، تُأسر حواسه بدلالها الغير متكلف، وإذا بذاكرته أتت له بصورة لهذه الجارة الحسناء فحاول تشتيت انتباهه ويُركز مع زوجته التي يعشقها ولم يحتل قلبه سواها.
هبطت شفتيه من وجنتها إلي شفتيها فتلاحما مواطن الكلمات خاصتهما معاً في قبلة عميقة استمرت لدقائق تلاها عناق قوي أنتهي بملحمة حب أسطورية أنهكت قواهما، فعاد الصفاء بينهما من جديد.
※※※
و ها قد جاءت الليلة المنتظرة، تجلس بداخل الغرفة الملحقة بقاعة الإحتفال، ترتدي ثوباً أبيض اللون ينساب علي منحنيات جسدها ذو الخصر المنحوت، تلقي نظرة علي مظهرها الأنيق وخصلاتها التي تركتها تنعم بالحرية علي ظهرها، الآن أصبحت الابتسامة لا تفارق شفتيها فقد عاد لها نصفها الآخر العاشق المتيم بها، زوجها وحبيب فؤادها الذي علمت بكل معاني الحب والهيام بين يديه.
لاحظت باب الغرفة يتحرك فظهر لها مبتسماً، في كامل أناقته وذوقه الرفيع، يرتدي حُلة سوداء بل هو عريس في ليلة زفافه، أخذ يتأملها و كأنه يراها عروس لأول مرة.
"واقف عندك كدة ليه؟"
سألته وتحدق إليه عبر المرآة بابتسامة لا تخلو من نظرة عشق أسرت قلب حبيبها، تقدم نحوها فوقف خلفها مباشرة ثم طوق خصرها بذراعيه ودنا بذقنه فوق كتفها، ينظر إلي صورتها المنعكسة قائلاً:
"هتصدقيني لو قولت لك إن أنا عندي نفس إحساسي يوم فرحنا"
وضعت يدها علي خده من يراهما الآن يظن إنهما في وضعية لوحة فنية أو صورة فوتوغرافية يتم إلتقاطها الآن، أجابت بصوت ناعم يشوبه نبرة حب وهيام:
"نفس إحساسي، و الحفلة المرة دي أحسن، هانحتفل في وسط أخواتك ولمة العيلة، كان ناقصنا ماما چيهان، و أهو منها كمان نخلص من سؤال چوليانا بنتك اللي كل شوية لما تشوف ألبوم صور فرحنا تقولي أنا ورسلان كنا فين يا مامي"
ضحك وقال:
"هي هتطلع فضولية وذكية لمين، طالعة زي مامتها"
عقبت كارين بفخر:
"طبعاً طالعة لي حبيبة مامي"
"بالمناسبة أنا أتصلت بماما وقولت لها، فرحت أوي هي و uncle عابد، بيقولوا هينزلوا الأسبوع الجاي"
اتسعت عيناها بسعادة وقالت:
"ياريت بجد، وحشاني جداً وهي اللي بتجمعنا علي طول، هقولك علي حاجة، من وقت ما سافرت والقصر بقي زي المكان المهجور برغم وجود آدم ويوسف فيه، فعلاً الأم هي بركة البيت، ربنا ما يحرمنا منها"
جعلها تستدير لتصبح أمامه وجهاً لوجه يسألها بنظرة ماكرة لا تخلو من روح الدعابة لديه:
"و بالنسبة لابنها مفيش كلام حلو ليه، ده حتي ابنها بيموت فيكي"
دنا نحو عنقها وقام بتقبيله فأردف:
"و بيعشقك"
أرتفع بقبلاته التي جعلتها تائهة في دروب عشقه نحو وجنتها:
"و عمره ما هايخليكي تبعدي عنه ولو ثانية تاني لأنك روحه وحياته اللي ما يقدرش يعيش من غيرهم"
كاد يلتقط شفتيها بخاصته فأوقفته قائلة:
"الـ lip stick اللي أنا حطاه هيطلع في شفايفك"
حاوط وجهها بين كفيه وأخبرها:
"اجسن برضو، عشان مخلي شفايفك شكلها مغري وأنا مش عايز حد يشوفك بيه غيري أنا و بس"
أنقض علي شفتيها بضراوة عاشق أرهقه الإشتياق لمليكة فؤاده، عانقها بقوة ودفعها بجسده نحو الحائط، حاولت دفعه بيديها للإلتقاط أنفاسها لكنه قبض عليهما بيديه وقام بتثبيتهما علي الحائط.
أنفتح الباب فجأة وظهرت صبا التي رأتهما في هذا الوضع، شعرت بالحرج والخجل فتراجعت، أخذت كارين تهمهم وتشير له بعينيها نحو الباب ليتوقف، ابتعد عنها بشق الأنفس ونظر إلي الباب فوجد صبا تغض بصرها قائلة:
"هابقي أجي لك وقت تاني"
حمحم يونس بحرج قائلاً:
"أدخلي يا صبا، أنا كنت بس لاقيت الروچ بتاعها مش مظبوط كنت بمسحه لها قصدي بظبطه لها"
أشارت له كارين نحو شفتيه وحول فمه الملطخ بالحمرة خاصتها، نظر في المرآة وأخرج المحرمة الورقية أخذ يمسح شفتيه وقال بجدية زائفة مازحاً:
"إيه الإستهتار ده، مش كذا مرة قولت لك هاتيه water proof، عيب كدة يا فنانة"
أخذت صبا تضحك، دفعته كارين إلي الخارج:
"أمشي بقي فضحتنا"
ولجت صبا وبجوارها ابنتها التي جاءت تواً، و بعد أن خرج يونس كادت زوجته تغلق الباب فأوقفها ليخبرها بتهديد ضاحك:
"عارفة لو حطيتي من البتاعة ده تاني هاعيد اللي عملته فيكي من شوية و لا هايهمني الموجودين"
"هاحط وابقي وريني هاتعمل إيه"
قالتها وصفقت الباب وأوصدت القفل فجاء لها صوته من الخارج:
"هاتعرفي وقتها و خليكي شاهدة يا صبا علي كلامها"
كانت كلتيهما تضحك وتنظر الصغيرة إليهما، اقتربت من عمتها وسألتها:
"عمتو، هو بوقك ليه عامل زي البلياتشو؟"
ضغطت كارين بأناملها علي خدين الصغيرة فقالت:
"آه منك يا أم لسان طويل، أنا متأكدة إن الدكتورة اللي ولدت مامتك سحبتك من لسانك"
عقبت صبا من بين ضحكاتها:
"ما تفكرنيش بيوم ولادتها، قعد معايا الطلق يومين، عكس ولادة أخوها اللي مكنش فيها أسهل منها"
نظرت إليها كارين و لكزتها بمرقفها في ذراعها قائلة:
"ما أنتِ اللي ما خلتيش قصى يولدك زي ولادة مالك"
تلاشت الضحكة من شفتيها وأصبح بدلاً منها شبح ابتسامة فعقبت:
"كان مسافر وقتها بقي للأسف"
لاحظت كارين الحزن الذي داهم ملامح الأخرى فسألتها بقلق:
"هو لسه مطلقش البت السكرتيرة؟"
أجابت وحاولت أن لا تبكي:
"طلقها من كام يوم"
وضعت يدها علي كتفها بمواساة وقالت:
"ما طلقها أهو، إيه اللي مزعلك طيب؟"
لم تستطع الصمود فاطلقت لعبراتها العنان وأجابت بصوت مختنق من البكاء:
"قصى سايب القصر من وقتها ولا حتي بيتصل يطمن عليا، تخيلي بيعرف أخبارنا من دادة زينات، هونت عليه للدرجدي؟!"
أخذت كارين تربت علي ظهرها وتناولت من المنضدة المجاورة لها علبة محارم ورقية أعطتها إليها:
"إهدي يا حبيبتي، بالتأكيد عنده شغل كتير مع المشاكل اللي كانت ما بينكم، فحب يعمل فاصل يراجع نفسه، مش يمكن بيبعد عشان يشوف غلاوته عندك؟"
نظرت إليها بعينيها الدامعتين وعقبت:
"و غلاوتي اللي مش لاقيها عنده دي، يعمل اللي عمله وعقابه اللي أكبر من الذنب اللي عملته، في الأخر المفروض أنا اللي أصلحه؟!"
تنهدت الأخري وأجابت:
"مش عارفة أقول لك إيه بصراحة، بس أنا عندي إحساس بيقول مش هايستحمل بعدك عنه وهو اللي هيجي لحد عندك، أنتِ بالنسبة له الهوا اللي بيتنفسه"
رفعت زاوية فمها بتهكم معقبة:
"بدليل غيابه عن البيت تلات أيام، و طبعاً شكله مش جاي الحفلة عشان ما يشوفنيش"
ضحكت كارين رغماً عنها فقالت:
"أنا حاسة إن بتكلم مع أتنين مراهقين ومقموصين من بعض و كل واحد فيهم مستني التاني يصلحه، دي أم إبراهيم اللي أنتم مخلفينها لو مكانك كانت راحت صالحت جوزها بعد ما تكون رفعت عليه المطواة و أديت له طعنتين لزوم التأديب عشان يحرم يزعلها"
ابتسمت صبا من حديث الأخري الذي لا يخلو من المزاح، نظرت من حولها باحثه عن ابنتها حتي وقعت عيناها عليها، تقف علي الكرسي أمام المرآة وتمسك بقلم الحمرة، تطلي شفتيها بعشوائية مما جعل الحمرة تلطخ ذقنها وخديها، شهقت كارين قائلة:
"يخرب عقلك يا زوزو، إيه اللي أنتِ هببتيه في نفسك ده"
ألتفت لهما وأجابت:
"بحط روچ عشان قيصو حبيبي لما يشوفني يلاقيني حلوة، هو كلمني علي فون داده زينات و قالي أنا هاجي لك يا زوزو وهارقص معاكي"
ضحكت كارين حتي دمعت عيناها:
"أنا هاموت وأعرف كنتي بتتوحمي علي إيه و أنتِ حامل فيها، لايمكن تكون دي طفلة"
بدأ الحفل بعد أن تجمع عائلة البحيري، آدم وخديجة وابنهما، يوسف وعلياء وابنهما عزالدين وابنته لوچي التي تنظر بحقد نحو آسر وهاجر زوجته وابنائهما، ياسين وابنته ياسمين التي تجلس بجوار رودينا، صبا تجلس مع ابنها وابنتها بجوار ملك وابنتيها، كل منهما تنتظر مجئ زوجها، وهناك طه وشيماء وابنتها وابنهما يجلسون حول منضدة، وهناك بعض المعارف مثل(ماهي) مساعدة كارين في معرض اللوحات خاصتها والتي تولت دعوة بعض العملاء إلي الحفل.
أصبحت الإضاءة خافتة وبدأت الموسيقي الرومانسية الحالمة، خرج كلا من يونس وكارين من الرواق المظلم، تتركز بقعة ضوء ملونة عليهما وهما يتجهان إلي ساحة الرقص، صعدت الدرجة أولاً ثم تبعها، أمسك كلا يديها، وضع كليهما علي كتفيه، بدأ يتراقصا معاً علي الألحان والكلمات التي تعبر عن كل ما تحمله القلوب العاشقة.
« إرسمني في ليلك نجمة
ضيها يلمع في العين
إكتبني في عمرك كلمة
يحكوها الناس بعدين
أنا نفسي أعيش فوق عمري
يا حبيبي معاك عمرين
لو تطلبي مني عينيا
لو تطلبي عمري كمان
هديكي سنيني الجاية
وهكون راضي وفرحان
انتي اللي وجودك جنبي
حسسني إن أنا إنسان»
و في زاوية كانت عيون تبكي من ألم الإشتياق، تنظر إلي صورة زوجها في شاشة هاتفها فوجدت يد وضعت علي كتفها فوجدت شقيقها آدم، دنا منها وقال:
"حقك عليا، ما تزعليش مني، أنا بحبك وعايز مصلحتك"
أومأت له في صمت فهي لم تملك طاقة كافية للحديث، أمسك يدها فأردف:
"لاء أنتِ لسه شكلك زعلانة، تعالي برة نتكلم"
"مش زعلانة يا آدم، أنا بخير أطمن"
رد بإصرار وقال:
"هاتقومي وهاتيجي معايا، و لا تحبي أشيلك زي زمان وهاخلي بناتك يضحكوا عليكي"
نهضت وقالت علي مضض:
"خلاص جاية معاك"
و هناك في زاوية أخري من ينظر بتمعن إلي كارين التي ترقص بين يدي زوجها، يجز علي أسنانه بغضب مكبوت داخله و في هذه اللحظة كانت تنظر إليه ماهي التي تتمني أن يحدق إليها، ذهبت إليه وجلست علي الكرسي المقابل له وقالت:
"منور الحفلة يا مستر مهند"
أومأ لها بابتسامة رسمية وأجاب باقتضاب وبرود:
"شكراً"
شعرت الأخري بالحرج فابتلعت لعابها ونهضت قائلة:
"عن إذنك"
وفي خارج القاعة، كان تلحق خطوات شقيقها بتعثر:
"حرام عليك يا آدم، راعي إن خطوتي مش زيك"
توقف فضحك قائلاً:
"أومال بتمشي مع جوزك إزاي، ده ماشاء الله خمس خطوات منه يعملوا كيلو متر ومربع كمان، بالتأكيد بيشيلك علي كتفه ويمشي"
حدقت إليه بحنق وسألته:
"يعني أنت مخرجنا برة عشان تتريئ عليا؟!"
أجاب وينظر إلي شاشة هاتفه:
"لاء عشان حاجة تانية أهم، بصي وراكي وهاتعرفي"
ألتفتت فوجدته يقف أمامها بطوله الفارع، شبه مبتسماً:
"مقدرتش أبعد عنك أكتر من كدة"
و بدون أن تتفوه بحرف ألقت نفسها علي صدره، تعانقه وتتشبث به، اجهشت في البكاء تخبره بنبرة سارت ذبذبتها في خلايا جسده:
"وحشتني أوي يا مصعب، أرجوك ماتسيبنيش تاني، أنا آسفة"
قال آدم الذي استعد للذهاب:
"طيب أنا بقي أستأذن وأسيبكم علي راحتكم، بس ما تاخدوش راحتكم أوي المكان مليان كاميرات، عشان ما لاقيش تاني يوم ترند شاهد قبل الحذف"
ضحك مصعب و أجاب:
"ما تقلقش لينا بيت نرتاح فيه، خد بالك أنت وخديجة من البنات، وأنا بكرة إن شاء الله هعدي أخدهم"
"ربنا ما يحرمكم من بعض، مش هوصيك عليها بقي ومش عايز اسمع عنكم غير كل خير"
أومأ له الأخر وعقب علي حديثه:
"بإذن الله"
تركهما معاً، أبعد وجهها عن صدره وحدق في عينيها بنظرة تحمل الكثير ما بين عشق وشوق، عتاب ولوم، لكن وجد لسانه يتحدث بما يمليه عليه قلبه قائلاً:
"أنا مش جاي أعاتب و لا ألوم، كفاية اللي عيشناه الأيام اللي فاتت، عايز منك أنك تعرفي حاجة واحدة بس، و هي إن أنا الحضن اللي يوم ما تحسي بخوف تستخبي فيه، أنا أمانك وحمايتك وأكتر واحد بيحبك، أنا اللي جوايا ليكي عدي مرحلة العشق"
ليست شفتيها التي تبتسم فقط بل قلبها يتراقص من السعادة، عادت روحها إلي جسدها الذي لم يستطع العيش في بعاده، مضت الأيام عليها وكأنها عقود خريفية تتساقط فيها أوراق الشجر الذابلة علي دموع ذرفتها عيون بكت بحرقة وألم نابعة من قلوب يملأها الحنين والندم.
افترقت مواطن الكلمات لديها لتنطق بحروف لا تفقه سواها معهُ:
"أنا بعشقك أوي يا مصعب"
عانقها بقوة كاد يحطم عظامها بين ذراعيه من فرط إشتياقه إليها قائلاً:
"و أنتِ روحي يا ملاكي"
عودة إلي الداخل، كانت الأجواء مليئة بالفرح، بدأت الأغاني ذات الإيقاع السريع بالعمل ويتراقص عليها الأطفال، تقف صبا والقلق يبدو علي ملامحها، تنظر من الفينة والفينة نحو الباب، وقفت كارين بجوارها تهمس بالقرب من أذنها لكي تسمعها من بين صخب الأغاني:
"زمانه علي وصول دلوقتي"
نظرت إليها الأخري فاردفت كارين:
"لسه يونس مكلمه وهو قاله إنه كان عنده شغل لازم يخلصه"
و لدي رودينا سألت خديجة:
"هي فين ملك؟"
أجاب آدم الذي جذب كرسي وجلس بجوار ياسين:
"مع مصعب بره بيتصالحوا"
ابتسمت بسعادة وعقبت:
"بجد؟!، أحلي خبر سمعته النهاردة"
تدخل ياسين في الحوار الدائر، لم يكن لديه علم ما حدث لشقيقته:
"ما لهم ملك ومصعب؟"
نظر آدم إلي رودينا بتحذير وأومأت له دون أن تلفت انتباه ياسين، فأجاب الأول علي سؤال شقيقه:
"كان مسافر ولسه راجع، و أنت عارف أختك بتحبه قد إيه و ما تقدرش تبعد عنه، عقبالك أنت كمان لما ما تبعدش عن اللي في بالي"
قالها وأشار إليه بعينيه نحو رودينا، حدق ياسين إليه بتحذير ولكزه في ذراعه هامساً:
"خليك في حالك أحسن لك"
رد الأخر بصوت خافت:
"أنا بكلمك لمصالحتك، البنت شكلها بتحبك أوي وبنتك بتموت فيها، إيه المانع تدي لنفسك فرصة تانية، تحب وتتجوز و لا هاتفضل عايش زي الراهب باقية عمرك؟!"
نظر ياسين إلي رودينا التي لاحظت نظراته فتهربت ونهضت تمسك بيد ياسمين لتذهب بها إلي ساحة الرقص لترقص مع ابناء أعمامها، فأردف آدم إلي شقيقه:
"أنا مش بضغط عليك و لا بتدخل في حياتك، بس عايز أقولك في فرص بتيجي مرة واحدة بس ولو ضيعتها عمرها ما هتجي لك تاني، علي الأقل فكر في بنتك اللي واضح جداً إنها أتعلقت بيها وكأنها مامتها"
ألتفت ياسين إليه وقال بحدة:
"مامتها تبقي ياسمين الله يرحمها"
تنهد الأخر وعقب قائلاً:
"الله يرحمها، و أنا ما أقصدش حاجة، كل اللي عايز أقوله لك، إن بنتك فاقدة لحنان الأم و أنت مهما أحتويتها عمرك ما هتعوضها عن اللي فقدته، لكن أنا شايف في عيون بنتك نظرة حب وفرح طول ما رودينا جمبها، و مش بس عشان بنتك، أنت كمان محتاج واحدة تحبك وتحتويك و اللي أنا شايفه بعينيا إن رودينا بتحبك أوي، بدليل إنها ما أتجوزتش لحد دلوقت"
أخذ ياسين ينظر إلي رودينا التي لاحظت مراقبته لها مما أصابها بالتوتر فتظاهرت بالانشغال واللعب مع ابنته و ابنتي ملك.
و لدي المنضدة القريبة حيث يجلس كلا من طه وشيماء، يمسك يدها بامتلاك تتخلل أنامله بين خاصتها، اقترب نحو أذنها بشفاه وقال لها:
"ما تيجي نطلع برة و نتمشي شوية"
نظرت إليه وأجابت:
"و لا عايز تشرب سجاير؟"
غمزت بعينها فقال:
"ده أساسي، بس فعلاً عايز أتمشي شوية و لا أخرج لوحدي؟"
نهضت و ردت قائلة:
"رجلي علي رجلك قوم يلا"
نعود مرة أخري لدي صبا التي مازالت تنتظر علي أحر من الجمر قدومه، كانت خلفها تقف فتاتان من إحدي معارف كارين في مجال العمل، تقول إحداهما:
"مكنتش أتصور إن أخوات يونس جوز كارين بالحلاوة دي، و لا الدكتور صاحب أخو جوزها يخربيته قمر"
أجابت الأخري:
"طول عمرك بتحبي الراجل الأبيض أبو عيون ملونة، لكن بقي لو شوفتي الكينج هتغيري رأيك خالص"
"مين الكينج ده كمان؟"
"ده يبقي أخو كارين بالتبني، مهما وصفت لك مش هاتقدري تتخيليه، حاجة كدة زي ملوك الرومان، أنطونيو، شبه الموديل اللي كنتِ بتكراشي عليه، اللي كان طالع مع إليسا في كليب تعبت منك، مش فاكرة كان اسمه إيه، أيوه افتكرته إليخاندرو كورزو"
جاء للتو و ولج من الباب الزجاجي، مجيئه كالعادة له حضور خاص، تلتفت الأنظار إليه فذهب أشقائه ليتبادلون معه التحية والمصافحة.
صاحت الفتاة الأخري:
"ألحقي إليخاندرو أهو، أوعي تقولي إن ده الكينج اللي قصدك عليه؟"
أومأت لها وأجابت:
"أيوه هو اسمه قصى البحيري"
"أنتِ بتهزري أكيد، ده أنا كنت لسة شايفة له لقاء من فترة علي الـ T. V، و المذيعة عمالة تعاكسه و كانت ناقص تقوم تاخده بالأحضان"
هنا لن تتحمل صبا ما تسمعه من هاتان الأفعتان، استدارت إليهما بنظرة ترعب كلتاهما قائلة بهدوء تُحسد عليه:
"مش عيب تقعدوا تتكلموا علي رجالة متجوزين بالشكل ده؟!، و لا أنتِ و هي اللي بيتقال عليها صيادة رجالة متجوزة؟!"
اشتد حنق كلتاهما فسألتها إحداهما:
"أنتِ مين عشان تتكلمي معانا بالأسلوب ده؟"
عقدت ساعديها أمام صدرها ورفعت إحدي حاجبيها فأجابت بثقة وفخر:
"أنا مرات الكينج"
تلون وجه كل منهما و انسحبا في هدوء قبل أن تفتك بهما صبا، بينما زوجها انتهي من التصافح مع أشقائه والمعارف، وقف علي مقربة منها وحدق إليها دون أن ينبث بكلمة، أثرت الصمت و لا تعلم لماذا أجبرها لسانها علي عدم التحدث، يكفي نظرات العيون؛ فهي أبلغ من آلاف الكلمات.
تخشي أن تخونها عيناها و تظهر ضعفها أمامه وتذرف عبرات الحنين والإشتياق، ذهبت مسرعة عن مرمي بصره وغادرت المكان وقلبها يناشدها بالعودة إليه، لكن تضارب المشاعر داخلها جعلها كالشريدة، تتخبط وتتعثر في كل خطوة لها حتي وجدت إنها تقف لدي سور مصنوع من الزجاج الشفاف مطل علي مياه النيل السوداء والمنعكس علي موجاتها ضوء القمر، أطلقت سراح دموعها، ظلت تبكي بنحيب كطفلة تائهة في درب مظلم ملىء بالوحوش حتي أنتشلها الفارس المغوار، يمسك رسغها بحنان فألتفت إليه لتجده يقف أمامها مباشرة، يحدق إليها بكلمات تدركها دون أن ينطق بها لسانه.
"أنا آسف"
توقف الزمن في تلك اللحظة، وقفت الدموع أيضاً فخفق القلب العاشق من جديد، أردف حديثه المقتضب:
"آسف علي كل دمعة من عيونك أنا السبب فيها، و آسف علي كل لحظة ألم خليتك تعيشيها، قولي عليا ظالم وأناني، أوصفيني زي ما أنتِ عايزة، بس أهم حاجة قلبك يرتاح وعيونك تبطل بُكا"
جذبها إلي صدره وطوقها بين ذراعيه بلهفة عاشق مشتاق، مغترب يعود إلي أحضان وطنه بعد سنوات من الضياع، ظمآن يرتوي ماء عذب، آسير يُطلق سراحه بعد سنوات من السجن والعذاب، ضرير قد عاد إليه بصره ليري النور، تائه وجد سبيله، فهي إليه النور والسبيل، هي الوطن والماء، هي ضالته التي كان سيفقدها في لحظة أنانية وجنون.
أبعدت رأسها عن صدره لتخبره بكل أسف نابع من داخلها بصدق:
"حقك عليا أنا آسفة، أنا...
وضع طرف سبابته علي شفتيها قائلاً:
"كفاية، شيلي أي حاجة من دماغك وتعالي نطوي الصفحة دي من حياتنا ونبدأ من جديد، الليلة دي هانسيب قلوبنا اللي تتكلم وتحكي"
ألقي نظرة سريعة من حوله قبل أن يقول لها:
"أنا قولت لآدم ياخد مالك و زوزو معاه يوصلهم في طريقه لحد القصر و دادة زينات هتستناهم علي البوابة"
"إيه ده ليه؟"
ضحك من ضعف استيعابها فقال لها:
"أصل بصراحة ناوي أخطفك، بس مش علي الحصان الأبيض"
حملها فجأة علي ذراعيه وأردف:
"في عربيتي الـ jeep السودة"
الفصول الثالث والعشرون
الجزء الثالث
لقراءة الجزء الاول جميع الفصول
لقراءة الجزء الثاني جميع الفصول
الفصل الثالث والعشرون
🐺 غابة الذئاب «ما بعد العهد» 🐺
"الجزء الثالث من رواية صراع الذئاب"
بقلم: ولاء رفعت علي
أهتدي فؤادي بعشقك الذي يأسرني أينما أذهب، قد أظلم بصري ولم أكن سوي في عتمة مظلمة؛ فقلبك سراجي الذي ينير دربي وبدونه لا عودة لي، يا مَنْ أحتليتِ كياني و وجداني ضُمني بين ذراعيك حتي أشعر بالدفء من جديد فأنت شمس ربيعي والدماء التي تتدفق في شرياني.
تتشابك الأنامل في قبضة واحدة، وذراعه الأخري تحاوط كتفيها، فالوضع أشبه بالعناق، يأمن وجودها جواره وكأنها ستذهب أو ربما لم يصدق بعد مرور تلك الأيام العصيبة سيحظي أخيراً بالعودة إليها، كم هو مشتاق وقلبه يخفق بالحنين، ينظر لها كل فينة والفينة، يبتسم إليها كالفتي الذي يفقه معني الحب من جديد.
تسمع دقات قلبه فرفعت وجهها ونظرت إليه تسأله:
"دقات قلبك سريعة أوي كدة ليه؟"
حدق صوب رماديتيها وأجاب بلهفة عاشق:
"هتعرفي بعدين"
لم تفترق الابتسامة عن شفتيها، فهي الآن تنعم بوجودها وعودتها إلي عرشها مرة أخري، ملكة علي عرش قلب الملك والذي علمها ما هو العشق علي يديه.
عاد بالنظر إلي الطريق بينما هي تقرب أنفها من ثيابه وصدره، تغمض عينيها وتستنشق رائحته بقوة، مدت يدها الأخري وطوقت جذعه فنظر إليها بطرف عينيه وأخبرها بنبرة صوته الأجش العذب:
"عرفتي بقي إن ملكيش مكان غير هنا"
وأشار إليها نحو صدره، كانت قد فتحت عينيها فأجابت:
"و هو نفس مكانك عندي، و لا خلاص؟"
عقد ما بين حاجبيه فسألها:
"تقصدي إيه بخلاص؟"
رمقته بابتسامة لعوب وقالت:
"ده أنت بتفهمها وهي طايرة، إيه اللي حصلك يا كينج؟"
ترك يدها وأمسك بطرف ذقنها قائلاً:
"و من غير ما تتكلمي، من بصة واحدة في عيونك بفهم أنتِ عايزة تقولي إيه، و عموماً أنا ليا عندك طلب صغير، ياريت نأجل أي عتاب أو لوم بعدين، وأوعدك هنتكلم و نحكي ونبوح بكل اللي في قلوبنا، بس كل حاجة في وقتها، اتفقنا؟"
هزت رأسها بالموافقة، فكان رده طبع إختطاف قُبلة سريعة وغمز إليها بعينه.
※※※
وهناك في مكان ليس بقريب، أمام منزل كبير توقفت السيارة وسرعان قام الحارس بالضغط علي الزر فانفتحت البوابة بآلية، بدأت السيارة بالتحرك عبر البوابة وسارت في ممر علي جانبيه حديقة من الحشائش الصغيرة الخضراء والورود، تكاد تميز ألوانها من إضاءة المصابيح المنتشرة في الإرجاء.
توقف أمام المنزل مباشرة وكان في إنتظاره كبير الحراسة خاصته، يفتح باب السيارة بترحاب قائلاً:
"أهلاً وسهلاً يا مصعب بيه"
أجاب الأخر بابتسامة:
"تسلم يا مجدى"
مد يده إليها قبل أن يترجل من السيارة وقال لها:
"اتفضلي يا ملاكي"
حدقت إليه باستفهام فسألته:
"إحنا فين و لاجايين هنا ليه؟"
أجاب ومازالت الابتسامة تُزين ثغره:
"إحنا قدام فيلتنا الجديدة، كنت هعملها لك مفاجأة في عيد جوازنا، بس لاقيت إن دي أحسن مناسبة أقدم لك فيها هديتي ليكي"
ترجلت من السيارة تمسك بيده، تنظر إلي هذا المنزل الذي يشبه قصر الملوك في تصميمه الهندسي والإضاءة المتنوعة تسحر البصر، رددت بسؤال:
"هديتك ليا؟"
جوابه ليست كلمات بل كان فعلاً نابع من القلب؛ قام بحملها علي ذراعيه وولج بها نحو الداخل، تعلقت بذراعيها حول عنقه وأسندت رأسها علي كتفه، أنفاسها الدافئة تضرب بشرة رقبته، لا تعلم لما داهمها الشعور بالبكاء؟!، ربما تذكرت ما حدث وكيف كانت حمقاء، كما تذكرت الليالي السابقة وهي تتوق له شوقاً في ظل غيابه المتعمد، ذلك كان عقاباً كافياً لها جعلها ستفكر آلاف المرات قبل أن تقدم علي أمر مثل الذي حدث معها من قبل، فهذا كان بمثابة درساً قاسياً تعلمته عن جدارة.
وقف في منتصف البهو وأنزلها منتظراً تعليقها، تأملت المكان من حولها بإعجاب وإنبهار، فكان الأثاث كما تحب هي، الآرائك والمقاعد علي الطراز الحديث والمعاصر، كذلك الطلاء الأبيض الذي تفضله، كل ركن و جدار وفراش وكأنها من قامت باختياره:
"واو، إيه ده يا مصعب؟!، زوقك في الديكور وكل حاجة روعة"
اقترب واحتضنها من الخلف، فكانت كالعصفور بين ذراعيه، فقال لها:
"ده زوقك أنتِ يا حبيبتي، أنتِ عرفاني بحب الغوامق، وحبيت برضو الأبيض عشان شبهك"
استدارت بين يديه وأصبح وجهها أمامه مع فارق الطول الذي بينهما، أمسكت بتلابيب سُترته:
"مصعب أنا كل ما تمر بينا السنين بحبك أكتر، أنت أحن راجل في الدنيا و ده مخليني أحتقر نفسي إزاي أنا عملـ...
وضع سبابته علي شفتيها ليجعلها تصمت:
"بس، لو بجد بتحبيني أوعي تعيطي، يعني ينفع كدة لسه شايلك من عند العربية لحد هنا، و لسه كنت هقولك إن الفيلا دي أنا سجلتها في الشهر العقاري بإسمك وأنتِ في الأخر عايزة تعيطي؟!، ده أنا اللي هاعيط لو ما قولتليش حالاً كلمة حلوة"
نجح في انتشالها من حالة الحزن التي رآها في عينيها للتو وجعلها تضحك الآن، أطبقت شفتيها وتبتسم إليه ثم قالت بحب وحنان يفيض من زرقاويتيها:
"كل كلمات الشكر و كل كلمة قالوها العشاق لبعض، أعتبرني بقولها لك، وفوقيها دعوة من كل قلبي، ربنا يبارك لي فيك ومايحرمنيش منك يا حبيبي"
أمسكت بإحدى يديه وطبعت قُبلة في كفه ثم وضعت خدها علي راحته، تنعم بملمس يده لوجنتها، دنا منها وأنفاسه تعلو رويداً رويداً قائلاً:
"بس أنا مش عايز كلام، أنا عايز فعل"
أمسك بطرف ذقنها وظل يحدق بعينيه صوب خاصتها بنظرات تخبرها بشوقه وعشقه إليها، تفوه بأنفاس اختلطت بأنفاسها:
"وحشاني أوي يا ملك قلبي"
ألتهم مواطن كلماتها التي أسرها بين خاصته في قُبلة تلاها عناق قوي، كما لم يكتف بالعناق وحسم بل حملها دون أن يتوقف عن تقبيلها، سار بتؤدة حتي وصل إلي الدرج، يصعد بها كل درجة إلي الأعلي، حاولت خلع حجابها وألقت به علي الدرج، جذبت مشبك الشعر من خصلاتها فانسدلت علي ظهرها.
عندما وصل إلي الطابق الثاني، نزلت من بين يديه وابتعدت بصعوبة لتلتقط أنفاسها، نظرت إليه وأجابت بشوق ورغبة يشوبها بعض من الدلال:
"ده أنت اللي واحشني أوي أوي يا صاصا"
قامت بخلع سترته عنه وألقتها ثم جذبته من ربطة عنقه وهي تخطو إلي الخلف فاصطدمت بالباب الذي كان مفتوحاً، دفعها الأخر بجسده نحو الداخل قائلاً:
"مش أكتر مني يا عيون صاصا"
※※※
توقف السائق لدي المرفأ، فانتبهت من النظر عبر زجاج النافذة، تحولت ملامحها إلي الوجوم والضيق الأقرب إلي الغضب، فهذا يذكرها بيوم زفافه فوق اليخت الذي تمقته بشدة.
"أنت ليه جايبني هنا؟"
أمسك بيدها ليطمئنها مجيباً:
"أنا بيعت اليخت"
ظلت تحدق إليه في تلك الحالة بصمت ثم سألته بتهكم:
"أومال جايبني تفكرني بيوم فرحك علي منار؟!"
رفع يدها نحو شفتيه وقام بتقبيلها ثم أجاب بهدوء و وداعة:
"أوعدك هخليكي تنسي أي لحظة حزن أو أي جرح أنا السبب فيه"
ترجل من السيارة وتبعته، أمسك يدها وسار بضع خطوات حتي توقف أمام يختٍ كبير مزود بأحدث التقنيات ويوجد به حمام سباحة علي السطح العلوي، نظرت إليه باستفهام فأخبرها وهو يخرج بِضع أوراق من الجيب الداخلي لسترة حُلته، يمد يده إليها قائلاً:
"لسه شاريه إمبارح وسجلته بإسمك"
حدقت في عينيه لثوان فسألته:
"أنا كل اللي عايزاه قصى اللي بيحبني بجد، هتقسي عليه تاني؟"
تنهد وأجاب:
"قصى مش بيحبك، ده بيعشقك وروحه فيكي، و قسوتي كانت علي قد عشقي ليكي، وبعدين مش قولنا ممكن نأجل أي كلام؟"
ابتسمت بمكر وبخبث سألته:
"وإحنا ورانا إيه يعني عشان نأجل الكلام؟"
أجاب وهو يخلع سترته ويثنيها علي ساعده:
"ورانا حاجات كتير أوي ما بتتقالش"
نظر إليها مضيقاً عينيه وبجدية زائفة يخفي خلفها مكرً ودهاء:
"بتتعمل"
فاجئها بحملها علي ذراعيه فصرخت بفزع بعد أن تعلقت بذراعيها حول عنقه، فعقب بخبث:
"كويس إن حيطان الأوضة عازلة للصوت"
وغمز لها بعينه ثم صعد الدرج المعدني وولج إلي داخل اليخت.
※※※
وصل إلي داخل الغرفة ذات الطراز والديكورات الحديثة، إضاءات متنوعة اللون تضيف للغرفة جمالاً ساحراً.
أخذت تحدق وتتأمل المكان من حولها ثم ألتفت إليه وأخبرته:
"طول عمرك زوقك يجنن"
نظر بزهو وفخر قائلاً:
"من يومي"
لكزته في كتفه وعقبت بمزاح:
"مغرور"
أخبرها بنظرة خطفت فؤادها وجعلتها أسيرة مملكته:
"ما أنا لازم أبقي مغرور عشان أنتِ مراتي"
جذبها من يدها فارتطمت بصدره وعانقها بقوة، هبط بأنفه نحو عنقها أخذ يستنشق عطرها ويهمس بشوق:
"وحشاني أوي"
أجابت بأنفاس حارة مثل حرارة جسده التي شعرت بها وهي بين ذراعيه:
"أوعي تبعد عني تاني"
وقبل أن يجيب قاطعه إتصالاً هاتفياً، لم يبتعد عنها فقالت له:
"شوف مين بيتصل لتكون دادة زينات"
أخرج الهاتف من جيبه وبالفعل وجد المتصل زينات فأدرك سبب الإتصال من قبل أن يعلم فقال:
"ربنا يستر"
وهمّ بالذهاب إلي الخارج قائلاً:
"خليكي هنا وأنا هاطلع فوق أرد عشان الشبكة هنا ضعيفة"
أومأت بطاعة وقالت:
"ok"
تركها فأخذت تتجول في الغرفة وتستكشف كل ما بها، إنتبهت إلي خزانة الثياب، قامت بفتحها فوجدت ثياب معلقة خاصة به ومتعلقات، يبدو إنه أعد كل شىء للمكوث هنا أكثر من يوم، قامت بدفع الضلفة علي المزلاج فظهرت لها ثياب أخري خاصة بها لكن هناك شيئاً غريب، أشرأبت بعنقها لتتمعن النظر وتتأكد من ما تراه جيداً، فالأول زي لخادمة والثاني زي مثل ما ترتديه النساء داخل الملاهي الليلية في البلاد الغربية، وزي ثالث ملحق به أنشوطة علي شكل أذن قطة، ورابع ثوب مرقط كجلد الفهد، وأخيراً زي خامس والذي يبدو قد وقع عليه الإختيار من نظرتها إليه بأعين تلمع بسعادة ومكر في آن واحد، ألتقطته وأخذت تحدق نحوه والابتسامة تحتل ثغرها.
※※※
و في الأعلي يمسك بالدرابزون المعدني علي الحافة ويده الأخري يمسك الهاتف، يتحدث بوجه ممتعض:
"معلش يا دادة، روحي لها وقولي لها بابي عايز يكلمك"
أجابت الأخري:
"والله يا بني زي ما قولت لك، أول ما جابها آدم بيه، دخلت وطلعت علي أوضتها وقفلت القفل من جوة مش عايزة تفتح، حتي مالك عمال يتحايل عليها عشان يدخل يقعد معاها ومايسبهاش لوحدها برضو مش عايزة تفتح"
"ممكن تطلعي لها وتقفي قدام الأوضة وتشغلي الـ speaker"
تنهدت وقالت:
"حاضر"
ذهبت زينات وفعلت ما طلبه منها:
"أنا شغلت الـ speaker "
وصل صوتها إلي الداخل، فكانت الصغيرة تقف خلف الباب عاقدة ساعديها أمام صدرها وتبكي في صمت، انتبهت إلي صوت والدها الذي قال:
"زوزو حبيبتي، أنا بحبك ومش عايزك تزعلي، أنا أول ما هارجع من الشغل هاخدك وهافسحك في المكان اللي تشاوري عليه"
أخذت تمسح دموعها وأنقلبت ملامحها فجأةً، وجنتيها تكاد تنفجر من الغيظ والغضب، فتحت الباب بُغتةً وصاحت:
"بطل كدب بقي عليا، أنت مش في الشغل، أنت جيت الـ party وأخدت مامي وروحت تتفسحوا، أنا سمعت عمو آدم وطنط ديجا بيقولوا كدة، وأنا زعلانة منك يا قصى مش هكلمك تاني"
منع نفسه من الضحك علي ردة فعلها وكأنها إمرأة ناضجة فقال لها:
"أنا مع مامي عشان كانت زعلانة وأنا بصالحها وهنيجي بعد يومين و زي ما قولت لك هاخدك أفسحك وهانروح الملاهي"
ظن إن كلماته ستكون شفيعة له لديها، لا يعلم بمجرد إنه يؤكد علي وجود والدتها معه فهذا كفيل بإثارة حنقها وغيرتها عليه، فصاحت بغضب:
"و أنا مش هاروح معاك في حتة، وخلي صبا تنفعك، روح صالحها وأنا مخصماك وأنسي زوزو بقي"
و سرعان عادت إلي الداخل وصفقت الباب في وجه زينات، فقال قصى:
"معلش يا دادة، هي متضايقة عشان كانت مستنياني في الحفلة وأنا أخدت صبا ومشينا علي طول"
أجابت الأخري:
"و لا يهمك يا قصي يابني، دي طفلة صغيرة وبتحبك أوي ربنا يبارك لكم فيها هي وأخوها"
ردد قصى:
"يارب، خدي بالك منها هي ومالك و لو في أي حاجة أتصلي بيا علي طول، إحنا مش هنطول بإذن الله يومين وراجعين علي طول"
"ربنا يهدي سركم وتيجوا بالسلامة و علي خير"
"إن شاء الله، سلام"
أنهي مكالمته وتذكر صغيرته و حديثها فأخذ يضحك وهبط الدرج متجهاً إلي أسفل ليعود إلي صبا فؤاده.
وصل أمام الغرفة، فوجد الباب مغلقاً، وبمجرد أن أدار المقبض و فتح الباب تفاجئ بإضاءة خافته تصدر من الشموع المتناثرة في أرجاء الغرفة يُصاحبها إضاءة مصابيح زينة علي جانبي السرير، و رائحة عطرة تصدر من تلك الشموع لكن هناك رائحة أقوي منها قد ضربت حاسة الشم لديه، جعلته يبحث عن صاحبة رائحة زهور اللافندر، و هنا أتسعت عيناه و لمع بريقها علي ضوء الشموع عندما رآها تجلس علي حافة الفراش تضع ساق فوق الأخري
هذا الزي التي ترتديه، القبعة الخاصة برجال الشرطة و ينسدل من أسفله خصلات شعرها التي قامت بتغير لونه مؤخراً فأصبح أشقر.
رفع زاوية فمه جانباً بابتسامة و عيناه تهبط بالنظر إلي ذلك القميص الأسود بنصف أكمام، و يعلو كلا كتفيها شريطتان تحمل نجوم، تركت أول ثلاثة أزرار مفتوحة لتظهر قباب مفاتنها المكتنزة إلي أعلي بسبب تلك الصدرية السوداء الضيقة، و ليس ذلك فقط فأكملت تلك الهيئة المثيرة تنورة سوداء قصيرة، تكاد تصل إلي منتصف فخذها البض و أسفلها ترتدي جورباً أسود شفاف يتصل بما ترتديه أسفل التنورة بشرائط رفيعة، كما ترتدي حذاء ذو كعب مرتفع.
ما زال يقف مكانه يتأملها من أعلي رأسها إلي أخمص قدميها مُستنداً بجانبه علي الحائط، لم يتفوه بكلمة، بينما هي نهضت و سارت إليه بدلال حتي أصبحت أمامه تشعر بأنفاسه، أفترقت شفتيها المطلية باللون الأحمر القاتم كاللون دماء قلبها الذي يخفق بقوة عند رؤيته،كم أحرقها البعد شوقاً:
"أنت بقي واحشني أوي أوي أوي"
كانت تتفوه بدلال في تكرار الكلمة الأخيرة، اقتربت منه وأمسكت يده ويدها الأخري وضعتها علي صدره مُردفة:
"أنا بعترف، من غيرك مقدرش أعيش"
كان يتأمل ملامحها وكأنه يخبرها بشوقه العاتي إليها، تفوه بأنفاسه الحارة من فرط الإشتياق:
"مهما يحصل ما بينا هاتفضلي عندي صبا القلب والروح"
وضع يده علي يدها التي علي صدره وأزاحها علي موضع الوشم أعلي صدره، داهمها شعور بأن يا ليت ما كانت بدأت بالخطأ من البداية، فهي المرأة الوحيدة التي تملك مفاتيح قلبه، هي التي تولج إلي ثغراته وببراعة تستطع السيطرة عليها، فلما العناد والكذب؟!
نظرت إلي أسفل وقالت بأسف:
"أنا غبية أوي وعنادي ده كان هيخليني أخسرك، والأفكار اللي كانت مسيطرة علي دماغي إن أنت هتمل مني وهاتروح تبص برة، وممكن كان جوازك ده هيبقي حقيقي، كنت زي المغيبة"
أطلق تنهيدة و أثر الصمت يتأمل هيئتها التي أهلكت قواه و هي تقف أمامه نادمة، وكأنه يراها لأول مرة في لحظة ضعف فهذا الأمر جعله علي حافة الإنهيار، إنه كان كالحصن الشاهق الذي بدأ يتصدع بعدما أشعلت النيران من حوله، و ما كانت تلك النيران سوي جمالها الذي يزداد توهجاً، تلك الحمقاء ماذا كانت تظن؟!، فهو كلما ينظر إليها يراها في كل مرة أكثر جمالاً وإثارة.
ظهرت إبتسامة ماكرة علي ثغره:
-و أنا كمان آسف علي ردة فعلي اللي كانت أغبي قرار أخدته في حياتي وعلي وعدي ليكي عمري ما هكررها مهما حصل، عمري ما هوجعك تاني.
أراد أن يشاكسها قليلاً ويري البسمة علي شفتيها، أردف قائلاً:
"وبالمناسبة أنا خلاص شيلت من دماغي فكرة أنك تحملي و كفاية علينا مالك و زينب"
رفعت وجهها مبتسمة إليه وتنفست الصعداء، فاستطرد بدهاء ومزاح جعل الدماء لديها قد جفت تماماً:
"أنا ممكن أرُد منار وهخلف منها دستة، و هي بصراحة كان نفسها في كدة، أصلها بتحبني أوي.
أطبقت الأخري شفتيها و هزت رأسها بهدوء أثار قلقه، و خلال لحظات كانت قبضتيها تمسك بتلابيب قميصه تجذبه نحو الفراش ثم دفعته أعلاه، صعدت فوقه و لم تمهله فرصة أن يستوعب ما تفعل، صاح يسألها:
"بتعملي إيه يا مجنونة؟"
أخذت من خلف التنورة أصفاد حديدية كانت تخبأها وقامت بتقيد يديه بها قائلة بحزم وإصرار:
"قالها الزعيم حكمة زمان ما أُخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، و أنت بتاعي أنا، ملكي أنا يا قصي يا عزازي سابقاً وبحيري حالياً، و أبقي وريني هتشوف إزاي هترد ست باربي دي إزاي؟!، و لا تخليها تخلف لك فريق الكورة اللي أنت عايزه!"
لم يملك نفسه أكثر من ذلك، أخذ يضحك من فعلتها المجنونة، هبطت بجذعها فأصبحت كأنها ملتصقه به، تردف بحنق وغضب:
"فاكرني بهزر!، أنا بتكلم جد علي فكرة، أنت هاتفضل محبوس هنا"
ظل يضحك وأجاب:
"و أنا بهزر علي فكرة"
قبضت علي تلابيب قميصه مرة أخري وصاحت من بين أسنانها بحنق:
- قصي، بطل ضحك و إستفزاز أحسن لك.
توقف عن الضحك فجأة ورفع إحدي حاجبيه يسألها بجدية زائفة:
"أحسن لي اللي هو إزاي يعني؟"
"اللي هو زي ما سمعت بودانك كده، هافضل حبساك هنا"
لمعت عيناه ببريق وابتسامة ثعلب ماكر، أستغل وضع جسدها الممدد فوقه، رفع يديه المكبلين معاً وحاوطها بذراعيه ثم دفعها بجسده وأنقلب حيث تبدل الوضع فهو بالأعلي وهي بالأسفل:
"و أنا قولت لك بهزر، وريني بقي هاتعملي إيه"
أخذت تتحرك بصعوبة بسبب ثقل جسده، تصيح بحنق:
"قوم يا قصي هتفطسني"
رد ومازال مبتسماً لإغاظتها:
"مش هايكون أكتر منك يا روح قلب قصي"
أتسعت عيناها وصاحت:
"قصدك يعني أنا تخينة؟!"
هبط بشفتيه أسفل أذنها وقال بنبرة لفحت بشرتها:
"خالص بالعكس، أنا شايفك *molto bello"
ثم قام بتقبيل عنقها وهمس مرة أخري: "Eccitante*"
لثم أسفل وجنتها وأردف بنبرة مثيرة: "Attraente*"
نطقه لتلك كلمات الإطراء باللغة الإيطالية بصوته الرجولي الأجش جعلها تغمض عينيها غير مكترثة لثقل جسده، لاسيما عندما ذهب بشفتيه إلي خاصتها مستحوذاً عليها و كأنه يلتقم ثمرة توت بري حمراء يغمرها عسل أبيض.
أبتعد بوجهه ليري ملامحها التائهة في عالمه:
"صبا؟"
همهمت ثم أجابت:
"نعم؟"
"ممكن تفكي لي الكلابشات؟"
فتحت عينيها وحدقت في أشجار الزيتون خاصته، رأت الشوق ينضح من نظراته و الرغبة تتأجج من أنفاسه العالية التي تضرب بشرتها، قالت بدلال و غمزة من إحدي عينيها:
"ممكن طبعاً"
تقلب وهي بين يديه مرة أخري فسمح لها بالإنسحاب من بين ذراعيه، أخذت المفتاح من فوق الكمود وأقتربت منه، فسألها ونظرات عيناه تلتهمها:
"بس مقولتليش إيه الطقم الجامد ده، ظابط و كلابشات، مكنتش أعرف إن الهدوم دي هتبقي عليكي حلوة أوي كدة، وأنتِ اللي محلياها"
حدقت إليه بإبتسامة قائلة بزهو وفخر:
"عشان بس تعرف قيمة مراتك، و أنا الوحيدة اللي ملكت قلبك، يعني لا منار و لا غيرها تقدر تحرك منك شعرة، ولا أنت إيه رأيك يا جوزي يا حبيبي؟"
كان يجلس علي حافة الفراش وهي تقف أمامه، فحاوط خصرها بين يديه وأخبرها:
"لا هي و لا ألف غيرها تقدر تملي عيني زيك"
عقدت ساعديها أمام صدرها ورفعت إحدي حاجبيها:
"هاصدقك عشان أنت وعدتني مش هاتكررها تاني"
لا يعلم لما يريد إثارة حنقها، فغضبها في تلك اللحظة يشعره بالإثارة فعقب علي حديثها:
"أنا وعدتك، بس ده ما يمنعش أن الشرع محللي مثني و تلاتة و أربعة وما ملكت إيماني، ولا يرضيكي أعمل زي كريستيانو اللي ماشي مع چورچينا في الحرام؟، و أنا راجل بصراحة بحب الحلال"
أثارت كلماته حنقها فاستشاطت غيظاً، أرادت الثأر لكبريائها فقالت:
"عادي يا حبيبي، و أنا كمان الشرع محللي أتطلق منك و بعد تلات شهور عدة أبقي حرم أحمد أبو هشيمة، وهو بصراحة ما هيصدق، زي ما كسب منك الصفقة بتاعت الواحات هيكسب كمان طليقتك اللي هو أنا"
كانت تضحك و ليتها ما تفوهت بذلك الحديث الأحمق إنه مباح لها المزاح معه في أي أمر ما عدا أمر الغيرة، يبدو قد نست من هو قصى البحيري، أو كما يحب أن يناديه الجميع قصى العزازي.
أجفلها باختطاف الأصفاد من يديها وأمسك برسغيها فقام بتقيدهما خلف ظهرها، سألته بتوجس:
"قصى بتعمل إيه؟، أنا كنت بهزر و الله"
حملها وجعلها تتمدد علي بطنها فوق فخذيه، يخبرها:
"و أنا كمان كنت بهزر، بس أنا أهزر في حاجة زي كده لكن أنتِ لاء، قولت لي صح هتطلقي وهاتبقي حرم مين ياحبيبتي؟!، الظاهر وحشك عقاب زمان بس مش مشكلة هافكرك بيه"
صاحت بتوسل وهي تتحرك بدفع جسدها للتخلص من قبضة ذراعه علي ساقيها:
"أوعي يكون اللي في بالي، خلاص يا قصى بالله عليك، أنا حرمت خلاص أول و آخر مرة"
ابتسم دون أن تري وجهه فرأسها تدلي و لا تري سوي الأرضية الخشبية:
"و أنا ظالم ومفتري و برضو مش هاسيبك غير لما تحرمي و تبطلي جنانك ده، و بطلي تتحركي"
باغتها بصفعة علي أسفل ظهرها فأطلقت صرخة:
"إيدك بتلسع يا شرير"
"أنتِ لسه شوفتي حاجة!، قال أبو هشيمة قال، فاكرة نفسك ياسمين صبري و لا كنتِ هاتغريه بالتايجر؟!، ده أنتِ ليلتك سودة"
و هبط علي موضع العضلة الخلفية أسفل ظهرها وقام بعضها مرة تلو الأخري، بينما في كل عضة تصرخ و توبخه، حتي شعر من نبرة صوتها إنها بدأت تبكي، توقف عن ما يفعل وفك قيودها، نهضت فابتعدت عنه، كادت تغادر الغرفة فأمسك يدها و حدق إليها بنظرة شوق ولهفة غرار ما حدث بينهما من مشاكسة فكاهية بالنسبة إليه علي نقيض ما تشعر به من مزاح مبالغ وعنيف كالعادة:
"وحشاني أوي"
كانت هي أيضاً مثله بل و أكثر شوقاً، استطاع بنجاح أن يجعلها تنسي ما حدث للتو، فنظرات عينيه إليها تشتعل بالرغبة والعشق، في لحظة خلعت حذائها حتي لا يعوقها ثم قفزت إلي صدره وعانقته بكل قوتها، تلف ذراعيها حول عنقه وساقيها حول خصره، تخبره من خلال عينيها بلهفة ونظرات عاشقة يغمرها التيم و الهيام في أعماق بحار عاشقها:
"أنا ملكك وأنت ملكي أنا و بس"
أختتمت كلماتها بإلتهام شفتيه في قبلة تشتعل كالنيران من فرط ما يشعران به، بادلها هذا الجنون أيضاً الذي أنتهي بحرب ملحمية، تحددت أركانها تو لقائهما، فالزمان غير محدد و المكان ذلك الفراش الوثير، جميع الأسلحة متاحة حيث يثبت كل طرف مدي عشقه للأخر.
※※※
خرجت من المرحاض للتو، ترتدى ثوب الحمام القطني وعلي رأسها منشفة قطنية، رأته مازال يتمدد علي الفراش والغطاء يدثر نصف جسده وجذعه عارياً.
"أنت لسه نايم مكانك؟!، قوم استحمي عقبال ما أسرح شعري وأغير وبعدها هاروح أعمل حاجة ناكولها عشان أنا جعانة أوي"
كان ينظر إليها في هدوء ساكن فأدركت إنه في لحظة تفكير وهناك ما يدور في رأسه، فسألته:
"مالك سرحان في إيه؟"
أشار بيده لتقترب:
"تعالي يا ملك عايز أتكلم معاكي شوية"
اقتربت فوقفت بجوار السرير، تزحزح قليلاً حتي منتصف الفراش ليترك لها مكاناً شاغراً:
"أقعدي جمبي"
فعلت كما أمرها، جلست بجواره، فتقلب علي جانبه، نظرت إليه بتردد وتوتر تسأله:
"هو أنت لسه زعلان مني؟"
أجاب وعيناه تفيض بالصدق والحب:
"لو كنت لسه زعلان منك مكنش زماني جيت و لا أنتِ قاعدة جمبي دلوقت"
نهض بجذعه ليجلس بجوارها، حاوط كتفيها بذراعه وبيده الأخري يمسك يدها مردفاً:
"أنا عايزك تعرفي مفيش حد بيحبك و لا بيخاف عليكي قدي، أنا حضنك وأمانك، و لو في يوم حسيتي بخطر أو خوفتي بسبب أو من غير سبب تجري عليا وتقولي لي وأنا هاتصرف"
نظرت إليه بجانب وجهها بندم قائلة:
"أنا آسفة"
طأطأت رأسها إلي الأسفل، فقام برفع وجهها لتنظر نحوه وجهاً إلي وجه:
"أنا مش عايز إعتذار و قولت لك خلاص، أنا محيت اللي حصل، أنا بتكلم علي اللي جاي، اتفقنا يا ملك؟"
هزت رأسها بالأيجاب وأجابت:
"اتفقنا، بس أنا طالبة منك حاجة وياريت تفهمني"
أومأ لها بعينه:
"أنا أكتر واحد بيفهمك، أتفضلي قولي وأنا سامعك"
ابتلعت لعابها وقالت:
"عايزاك تكون واثق فيا، يعني بلاش تحسسني إن أنا طفلة محتاجة للي يوجهها طول الوقت، الإحساس ده بيخنقني، أنا عارفة ده من خوفك عليا عشان طيبة و ساذجة وبنخدع في الناس بسهولة، ده عشان أنت ما ادتنيش أخوض تجربة الاحتكاك بالناس، لما طلبت منك أنزل أشتغل مش علشان أثبت ذاتي وأعمل كيان ليا زي ما كنت بقول، أنا كنت عايزة أنزل لأرض الواقع وأتعلم من الدنيا بدل ما أنا معزولة في البيت أخري النادي ومدرسة البنات، أخري في التعامل مع الناس أخواتي اللي بشوفهم كل فين وفين"
أطلق زفرة من أعماقه وعقب علي حديثها:
"طيب ليه مفكرتيش سبب رفضي لشغلك خصوصاً لما جيتي تشتغلي في الشركة هو إن أنا بغير عليكي، خصوصاً من بعد الراجل اللي كان فاكرك سكرتيرة وآنسة جاي يطلب إيدك مني، ده يا سبحان الله اللي صبرني عليه وما خنقتهوش أو رميته من الشباك"
ابتسمت رغماً عنها، فأردف:
"بتضحكي؟!، ما هو أنا مش ناقص حرقة دم لما كل يوم و التاني يجي واحد يطلب إيدك مني، و لا أنتِ هاتفرحي لما أبقي قاتل وتيجي تزوريني في سجن أبو زعبل؟!"
قامت بتقبيل خده وقالت:
"بعد الشر عليك، لاء طبعاً ما يرضنيش، خلاص أنا شيلت أصلاً فكرة الشغل من دماغي"
"وأنا بقولك ما تشيلهاش و فيه حل أحسن و يرضي الطرفين"
نظرت إليه بعدم فهم فأردف:
"ترجعي وتكوني المساعدة بتاعتي، ومكتبك يبقي جوة المكتب عندي، و بكدة مفيش حد يتجرأ حتي يبُص لك"
احتلت البسمة شفتيها فأجابت:
"لو كدة أنا موافقة طبعاً"
عقد ما بين حاجبيه بجدية وقال:
"المصيبة إن أنا كدة مش هاعرف أركز في الشغل خالص"
سألته بدلال ومكر:
"ليه بتقول كدة يا حبيبي؟"
نظر إليها قليلاً فأجاب:
"تفتكري يعني لما تكوني قدامي هاعرف أشتغل؟!"
أرادت أن تشاكسه وتظهر له عدم فهمها لما يقصده من حديثه فسألته ببلاهة زائفة:
"و لا خايف أطفش لك العملاء الستات اللي بيجوا لك؟"
"علي طول ظلماني، ده أخر واحدة دخلت مكتبي كانت منار ونقلتها من المكتب والشركة كلها مخصوص عشان خاطرك، خوفت علي زعلك و في الأخر تقولي لي العملاء الستات!"
لكزته في صدره وقالت بمزاح:
"ما خلاص بقي يا صاصا كنت بهزر معاك"
رفع إحدى حاجبيه وأخبرها بتمثيل:
"لاء زعلت، و لازم تصالحيني"
"خلاص ما تزعلش بقي يا حبيب قلبي"
وقامت بطبع قبلة علي خده، مازال يرسم علي وجهه التجهم الزائف فأخبرها بدهاء:
"هو أنتِ بتصالحي ابن أخوكي الصغير؟!"
أخذت تضحك علي ملامح وجهه وهو يتظاهر بالحزن وبأسلوب ضاحك
"خلاص خلاص ما تزعليش يا بطتي أنا هاصلحك"
قامت بطبع قُبلة علي شفتيه وقبل أن تبتعد أمسك رسغيها بقبضتيه و قال لها:
"أنا هاعرفك الصلح بيبقي إزاي، و بعدين مين ده اللي بطتك؟!"
لم تستطع أن تكف عن الضحك فأجابت:
"أنت بطتي"
"لاء يا قلب مصعب، أنتِ البطة و أنا الأسد اللي هياكل البطة"
زمجر كالليث وأطرحها بجواره فصاحت من بين ضحكاتها:
"بس بقي مش قادرة أخد shower تاني"
حدق إليها بإصرار عاشق:
"مش مشكلة عيدي تاني، أهم حاجة تعرفي إزاي تصالحي جوزك حبيبك"
أنهي كلماته بتعاليمه لها قواعد العشق عملياً، فهي ملاكه وهو مالك قلبها.
※※※
و بالعودة إلي يخت الملك... بعد إنتهاء الحرب التي قضت علي قوي طرفيها، يتمدد علي ظهره بأريحية مغمض العينين، بينما هي تستند برأسها علي صدره العاري و خصلاتها مبعثرة، يحتضنها بذراعه والأخر يثنيه خلف رأسه.
"قصيو أنت نمت؟"
سألته بصوت خافت فأجاب عليها:
"لاء صاحي"
تلمس شعيرات ذقنه بأطراف أناملها وأخبرته مرة أخرى:
"أنا عندي سؤال وياريت عايزة إجابة واضحة وصريحة عشان أقتل أي شكوك جوايا وياريت ما تفهمنيش غلط"
أجاب و مازال يغمض عينيه:
"و أنا من أمتي مش صريح معاكي أو كذبت عليكي؟"
ابتلعت لعابها قبل أن تسأله:
"هو أنت حبيت منار، أو حسيت من ناحيتها بإعجاب؟"
أجاب ومازال علي وضعه:
"فيه فرق كبير بين السؤالين، عموماً هجاوبك وياريت تفهميني صح"
باغتتها غصة علقت في حلقها و قلبها يخفق بقوة فأردف لينتشلها من هذا التوتر والخوف:
"أيوة يا صبا، أنا أعجبت بيها، تحديداً بشخصيتها، عاجبني إنها عاشت في ظروف قاسية وبرغم كدة ما خضعتش وأتحدت الظروف دي وبقت ناجحة، هي تبان إنها فريسة سهلة لأي صياد لكن هي عكس كدة خالص، شخصية قوية وناجحة و ما بتقفش قدام أي عاقبات، واثقة من نفسها"
"أنا من رأيي رُدها وطلقني أنا مادام هي عجباك أوي كدة"
عقبت بغضب وكادت تنهض من جواره فمنعها بذراعه الذي يحاوطها به و نظر إليها قائلاً:
"استني عندك، مش أنتِ اللي سألتي و طلبتي الصراحة، ليه بقي شغل القمص بتاع العيال ده؟"
حدقت إليه بحزن واستياء:
"عمال تعدد لي في مزايا الهانم اللي كانت ضرتي وعايز مني أكون عاملة إزاي؟!"
أطلق زفرة ثم قال:
"أنا كان كلامي واضح، قولت لك معجب بشخصيتها مش بمنار نفسها"
حاوط جذعه بذراعه الأخري، و دفن وجهه بين عنقها و كتفها ثم طبع قبلة رقيقة:
"أقسم بالله ما حبيت و لاهاحب غيرك، أنتِ الست الوحيدة اللي ملكتني و لا مش واثقة فيا؟"
أجابت ولم تبادله العناق:
"كله بإيدك"
رفع رأسه لينظر إليها ويسألها:
"قصدك إيه؟"
نظرت إليه وأجابت:
"قصدي زي ما أنت بتغير عليا قيراط أنا بغير عليك ٢٤ قيراط"
ارتفع بجذعه قليلاً ليحتضنها ويجعل رأسها تتوسد صدره:
"أنا وعدتك ومش محتاج أعيد وعدي ليكي تاني"
أجابت:
"ماشي يا قصى، بس في حاجة تانية كانت مضيقاني زي...
صمتت قبل أن تكمل فسألها:
" كملي وقفتي ليه؟"
"ما أنت هتضحك عليا زي قبل كده لو قولت لك"
ابتسم رغماً عنه و حدق إليها من طرف عينيه:
"أوعي تقولي أنك بتغيري من بنتك عليا!"
حدقت إليه بإمتعاض و قالت:
"شوفت بقي ده اللي كنت عاملة حسابه، أنت فهمت غلط، هي كل الحكاية إنك بقيت مش مهتم بيا من وقت ما خلفت زينب، يعني علي طول تنيمها في حضنك، و في يوم أجازتك بتبقي مخصصه ليها، حتي يوم ما بنخرج كلنا بتبقي الأماكن علي مزاجها هي كأنها هي اللي مراتك مش أنا"
كان يكبت ضحكاته، فهو يعلم تفكيرها في ذلك الأمر فقال لها:
"هي مش مراتي بس بنتي و ما بحبش أحرمها من أي حاجة نفسها فيها"
زمتت شفتيها بشكل يثير الضحك وقالت له بحسم:
"أنا بنتك قبل منها"
داعب وجنتها بأنامله و كأنه يتعامل مع طفلة صغيرة:
"أنتِ بنتي ومراتي وحبيبتي وكل حاجة ليا"
أخذ ينظر إلي عينيها للحظات ولا يعلم لما أراد أن يخرج لها من بئر أسراره ما طواه الزمن، فاستطرد حديثه:
"تعرفي يا صبا، أنا حياتي من قبلك كانت زي العتمة، تخيلي طفل كان عنده عشر سنين أتربي علي إيد تاجر سلاح وعيشت في وسط غابة مليانة مافيا السلاح والمخدرات ولازم يا إما أكون قوي يا إما أكون ضعيف، واللي بيختار القوة بيمحي من قاموسه المشاعر عشان ما يبقاش ليه نقطة ضعف يوقعوه أعدائه منها، أنا شوفت بعينيا حاجات لو حكيتها لك هتقولي لي أنت بتألف، بس عايز أقولك إحنا عايشين في عالم أسوأ وأشر ما فيه البشر إلا من رحم ربي، شياطين الأنس غلبت شياطين الجن في الشر، تخيلي واحد زيي أتربي واحتك بالعالم دي، كنتي عايزاني أبقي إيه؟!"
توقف فاطلق تنهيدة ثم أردف:
"أنتِ بقي الشمس اللي جت نورت العتمة، غيرتي لي حياتي للأحسن، قدرتي ترجعيني لقصى الإنسان، خلتيني أبعد عن طريق الشر رغم إن أنا عارف هافتح علي نفسي أبواب جهنم بس الحمدلله حبك شجعني ومقويني أتحدي الصعب وأقف قدامه، أنا عنيد بس في الحق، ما أنكرش إن غلطت لما روحت أتجوزت و اللي عملته وقتها معاكي، و أقسم لك بالله كنت بتوجع قبلك ألف مرة عشان ما بستحملش عليكي حاجة، أنا قاسي وبعترف بكدة و للأسف العيب الوحيد اللي مش قادر و لا عارف أغيره، عشان كدة أرجوكي بلاش تخرجي قسوتي خصوصاً معاكي"
"حاضر يا قصى، بس ياريت قصاد كدة قبل ما تدي أوامراك ياريت تناقشني وتشوف رأيي، جايز المناسب ليك مش مناسب ليا، جايز مش مستعدة أنفذ الأمر ده غير لما أكون مهيئة نفسياً وجسدياً ليه، وأظن ده من حقي مش رفاهية ولا دلع"
أدرك مغزي تعقيبها علي حديثه فقال لها:
"و أنا مش هجبرك علي حاجة أنتِ مش عايزاها، وأنا اللي بقولها لك هاسيب لك قرار الحمل زي ما أنتِ عايزة، الوقت اللي شايفاه مناسب ليكي"
لم تصدق ما تسمعه أذنيها، ها هو يُعطي لها مطلق الحرية في حق الإختيار لشىء يرغب فيه بقوة، لذلك ستخبره عن قرارها التي أتخذته بعد ترتيب أفكارها:
"و أنا موافقة و مقولتش لاء، بس بعد سنة، وفي خلال السنة دي حبة أعمل حاجة كان نفسي فيها من زمان بس الحمل والخلفة كانوا مخليني مأجلة الموضوع ده"
فهمَ ما ترمي إليه ويبدو علي وجهها التوتر قبل أن تخبره بالأمر الذي تريده فسألها:
"عايزة تشتغلي؟"
"أنا مش عايزة اشتغل، أنا عايزة أعمل project يكون خاص بيا، واسمه يكون براند في السوق المحلي والدولي و في العالم كله"
هز رأسه بإعجاب فهي أخيراً أتخذت قراراً إيجابياً، قال لها:
"و أنا موافق، رتبي أمورك وشوفي المشروع اللي أنتِ حابة تعمليه وأعملي دراسة جدوي، و أنا عليا التنفيذ واللي هتشاوري عليه هايكون موجود عندك، حتي الدعاية والتسويق هادعمك فيهم وبقوة سواء هنا في مصر أو برة"
كانت ردة فعله كفيلة بأن تجعلها تشعر بالسعادة، كم هو حنون في صفاء مشاعره معها، تتمني أن يدوم هذا الهدوء والإستقرار بينهما و لا يعكر صفوه أي شىء، نهضت وجلست باعتدال دون أن تنتبه للدثار الذي أستقر إلي خصرها فحدقت إليه بنظرة حانية يشوبها حب نابع من فؤاد عاشقة:
"ربنا ما يحرمني منك يا روح قلبي"
كانت نظراته تتراوح ما بين عينيها تارة و تارة أخري إلي ما بين ذراعيها و لم يكن علي وجهه سوي تعبير واحد وهي إبتسامة تخبئ خلفها قنبلة من الضحك، لذا أرتسم الجدية ليخبرها:
"الكلام ده مش محتاج دعوة وبس"
فسألته وتترقب إجابته:
"نفسك فيه إيه يا حبيبي وعيوني ليك؟"
أجاب بخبث قائلاً:
"نفسي تديني حبة حنان، أنا أمي ماتت و أنتِ مكانها دلوقت، اعتبريني إبنك الصغير أو بيبي "
أعتلت الدهشة ملامحها و غرت فاهها بعدم فهم ثم عقبت ساخرة بمزاح:
"بيبي؟!، ما أحط لك التتينا أحسن"
و هنا لم يستطع إخفاء نظراته الماكرة الغير مهذبة نحوها، نظرت نحو ما ينظر إليه، هبطت بنظرها إلي أسفل عنقها فوجدت الغطاء يدثرها إلي خصرها و بقية جذعها إلي كتفيها عارياً، شهقت وجزت علي شفتها السفلي، صاحت حين أمسك الأخر بالدثار وألقاه عليهما، فلا يظهر منهم قيد أنملة، صاحت بالنداء عليه بدلال:
"قصى؟"
أجاب بتيه و وله:
"عيونه، خليكي مؤدبة و إسمعي الكلام، سيبيني أنسي الذكريات و أعوض اللي فات"
ضحكت وقالت:
"و أنت اللي يعرفك يبقي مؤدب من أنهي إتجاه؟"
أشار بعينيه نحو شفتيها وأجاب:
"من الإتجاه ده"
و قبل أن تتفوه بحرفٍ ألتقط شفتيها في قبلة مغلفة بعشق الملك لملكته التي تجلس علي عرش قلبه المحفور به حروف إسمها داخله قبل أن تصبح وشماً علي صدره.
*molto bello: تعني جميلة جدا
*Eccitante: تعني مثيرة
*Attraente: تعني جذابة
الفصول الرابع والعشرون
الجزء الثالث
لقراءة الجزء الاول جميع الفصول
لقراءة الجزء الثاني جميع الفصول
الفصل الرابع والعشرون
🐺 غابة الذئاب «ما بعد العهد» 🐺
"الجزء الثالث من رواية صراع الذئاب"
بقلم: ولاء رفعت علي
لو أن حبك كان في القلب عادياً لمللته من كثرة التكرار لكن أجمل ما رأيت بحبنا هذا الجنون وكثرة الأخطار، حينا يغرد في وداعة طفلة حينا نراه كمارد جبار.
~نزار قباني~
تتقلب علي الفراش وتمد يدها بجوارها فما قابل يدها سوي الفراغ وملمس الفراش الذي فقد دفء جسده عندما استيقظ من الصباح الباكر وتركها تنعم بنومٍ هادئ لتستعيد نشاطها وقوتها التي أُنهكت طوال الليل.
نهضت بجذعها الذي يدثره منامة حريرية لونها كالون النبيذ الأحمر، تقتصر علي قطعتين الأولي كنزة بحمالات رفيعة و الأخري سروال يصل إلي منتصف فخذيها، وضعت يديها علي خصلاتها المشعثة، تجمعها في يدها و تبحث عن مشبك الشعر فوجدته علي طاولة مرآة الزينة.
نهضت وأخذته ثم قامت برفع خصلاتها المجمعة وقيدتها بالمشبك، لفت انتباهها تلك البثور الصغيرة التي بدأت تظهر علي خديها و ذقنها، ظلت تحدق بهم عاقدة ما بين حاجبيها، أطلقت زفرة بضيق بعد أن تذكرت سبب ظهورها مثل كل شهر.
أنفتح الباب فجأةً، فكان هو يدفع العربة الخشبية التي يعلوها أطباق من الطعام و إبريق المشروبات الساخنة والفناجين، و عندما رآها قد استيقظت وتقف أمام المرآة قال:
"يا خسارة كان نفسي أنا اللي أصحيكي"
ألتفت إليه وابتسمت عندما رأته يدفع عربة الفطور:
"أنا اللي صحاني لما كنت بتقلب و ما لقتكش جمبي، بس أنا نفسي أعرف أنت لحقت تنام أمتي و تصحي بدري و كمان محضر لي الفطار؟!"
ترك العربة أمام السرير وذهب إليها يحاوط خصرها بيديه مجيباً:
"يعني بذمتك عايزاني يجي لي نوم إزاي و أنا معايا القمر أبو عيون سحراني من يوم ما شوفتهم؟!"
تعلقت بيديها علي منكبيه العاريين حيث لا يرتدي سوي سروال الخاص بالبحر، فقالت له:
"أنا بقي كدة من حقي أصرخ وأقول أنا أسعد واحدة في العالم؛ لأن ربنا رزقني بيك"
أخذ يحدق صوب عينيها بنظرة مبهمة قبل أن يسألها:
"يعني مش ندمانة علي حبك ليا، أو هتيجي في يوم من الأيام و تقولي لي طلقني؟"
أدركت ما يرمي إليه لاسيما المشادات التي حدثت بينهما في الأيام السابقة، أجابت وهي تشعر بالندم من إندفاعها المتهور:
"أنا كنت معذورة وقت ما طلبت منك الطلاق، بلاش بقي نفتح في مواضيع بحاول أنساها بالعافية"
"خدي بالك إحنا أتطلقنا قبل كدة مرة و لا ناسية؟"
تهربت من النظر إليه، فأمسك بطرف ذقنها ليرفع وجهها وينظر إليها بقليل من اللوم والعتاب مُردفاً:
"أنا مش بفتح في اللي بنحاول نقفله، بس حبيت ألفت نظرك لنقطة ضايقتني جداً، و هي لما أتجوزت كنت منتظر أشوف ردة فعل تانية، زي مثلاً غيرتك عليا، قولت أنك هتحاربي عشان أرجع لك، لكن لاقيت عكس كدة خالص، أستقبلتي الموضوع ببرود، مش قادر أوصف لك أنا وقتها حسيت بإيه، قولت لنفسي وقتها هو أنا للدرجدي مش فارق معاها كدة؟!"
رفعت بصرها نحوه فأجابت بجدية:
"لأن مكنش جرحك ليا جرح عادي، ده كان إهانة لكرامتي قبل مني، و كان أضعف الإيمان أحسسك إن اللي عملته ده و لا يهز شعرة من صبا الرفاعي، و مش أنا اللي أقعد أبكي و أنوح علي جرحي، بالعكس أنا أدوس بكل قوتي عليه وأستحمل الألم و لا أبين لحظة إنكسار للي قدامي"
كان يستمع إليها بصمت وعيناه تنضح بنظرة غامضة، وفي عقله يتعجب منها فهي تشبهه في هذا الطبع كثيراً، مهما كان شعوره من الألم من المستحيل أن يظهر لأي أحد ألمه عدا هي، فأمامها قد أسقط قناعه.
بدد داخله أي شعور يعكر صفو تلك اللحظات الرائعة، أغمض عينيه وهبط بشفتيه ليُقبل جبينها ثم ابتسم إليها وأخبرها:
"أنسي أي حاجة قولتها، جوزك واقع من الجوع، يلا بينا نفطر الأول عشان لما نخلص هاخدك جولة علي اليخت بتاعك تتفرجي عليه"
ظهرت إبتسامة علي ثغرها فقالت له:
"خمس دقايق هاروح التويليت أغسل وشي وراجعة لك"
قامت بخطف قبلة فوق خده ثم ذهبت سريعاً وكأنها تخبره بأن يمحو تلك الذكريات المقيتة و يترك نفسه ليحيا معها لحظات السعادة الحالية.
※※※
صدح رنين جرس المنزل و تبعه صوت الجدة:
"حاضر ياللي بترن الجرس، ده مين ده اللي جاي علي الصبح بدري كدة"
فتحت الباب فوجدت الزائر حفيدتها المبتسمة إليها:
"يعني مين هايعبرك غيري يا تيتا؟!"
صاحت الأخري بحفاوة وترحاب مهللة:
"أهلاً، أهلاً بالغالية بنت الغالي"
تبادلا العناق القوي، فأردفت الجدة:
"أخص عليكي، بقي كدة بقي لك يومين ما بتسأليش عني؟!، و لا علي رأي المثل من لقي أحبابه نسي أصحابه؟!"
ولجت دنيا إلي الداخل وأغلقت الباب قائلة ومسحة من الحزن تلوح علي ملامحها التي أصبحت بائسة:
"و الله أبداً يا تيتا، الموضوع و ما فيه كنت مشغولة مع مذاكرة قصى، ده غير يزيد و سيف اللي متعلقين بيا و مش بيبطلوا خناق، و طول النهار زي اللي دايرة في ساقية"
ظلت الأخري تنظر في وجهها الشاحب بتمعن لا سيما إلي الهالات التي بدأت في الظهور أسفل عينيها، فسألتها بصرامة:
"هو المنيل علي عينه جوزك لسه مزعلك؟"
هزت رأسها بنفي، فواصلت بسؤال أخر:
"أوعي بيكون بيمد إيده عليكي، أحسن و رب الكعبة لأروح لحد عنده و بعكازي أنزل فوق نفوخه و لا يهمني"
أطلقت دنيا زفرة علها تخفف عبئ ما تكنه بداخلها فأجابت:
"مفيش حاجة مين اللي قولتيها حصلت، بالعكس أنا اللي بتعامل معاه بجفاء و ببرود وكل ما يقرب مني بطين عيشته، هو غصبني علي الرجوع ليه فيستحمل بقي"
رفعت الجدة إحدى حاجبيها بتعجب وعقبت علي حديث حفيدتها كما برمت الأمور جيداً:
"هو اللي يستحمل و لا أنتِ اللي مش قادرة تستحملي؟!، ده وشك بقي شبه الكركم و تحت عينك منفوخ من كتر العياط و لا السواد من قلة النوم، ليه بتعملي كدة في نفسك يا ضنايا؟، كل ده عشان هددك بطردي، أنا عندي أعيش في الشارع وأرض ربنا واسعة، لكن ما أشوفكيش بالمنظر ده، لو ملناش راجل أنا هخلي رجالة الحارة يوقفوا له لحد ما تطلقي منه و العيال ملزومين منه، هو أبوهم و يصرف عليهم ويوفر لهم سكن لو مش بمزاجه ده غصب عنه"
لم تتحمل أن تمنع دموعها أكثر من ذلك فأطلقتها تنهمر علي خديها كما أطلقت لسانها ليبوح عن ضعفها وقلة حيلتها:
"أنا اللي راجعني ليه ده يا تيتا"
أشارت إلي موضع قلبها، و أكملت حديثها الذي يبكي له الفؤاد بدلاً من الدموع دماء:
"حاولت أكرهه معرفتش، و يوم ما روحت لحد عنده كنت فاكرة هفضل علي موقفي لكن لاقيت قلبي أعلن عصيانه عليا و عملت العكس، أنا جوايا حرب يا تيتا، عقلي اللي بدأ ينتقم منه وقلبي اللي بيقولي أديله فرصة تانية، و لما بفتكر إن كان متجوزني عشان ينسي بيا مراته اللي بيحبها وكان مغفلني السنين اللي فاتت دي كلها، ببقي هاين عليا أولع في نفسي وأرتاح و أريحه مني"
ربتت عليها جدتها:
"أستغفري الله يا حبيبتي، ألف بعد الشر عليكي ربنا يبارك في عمرك ليكي و لولادك"
أخذت تمسح دموعها بالمحرمة الورقية، رفعت رأسها لتخبر الأخري:
"المصيبة بقيت أشوف في عينيه الندم و بقي يحاول يرضيني عشان أسامحه، و أنا مش قادرة أعمل كدة، خلاني بسببه أتغيرت كتير، ما بقتش دنيا اللي يعرفها، بتظاهر قدامه بقوة مخبية وراها ضعفي اللي قواه عليا"
عقبت الأخري بحزن علي ما وصلت إليه حفيدتها:
"لا حول ولا قوة إلا بالله، أنا ياما يا بنتي قولت لك أعملي حساب للزمن و أعملي لك قرش خاص بيكي علي جمب، مفيش راجل مضمون في الزمن ده إلا من رحم ربي، و جوزك بسم الله ماشاء الله معاه بزيادة و كان بيديكي فلوس كتير مصاريف البيت ومصاريفك، أو كنتِ تشتغلي، مش كان زمانك يبقي ليكي حاجة تقويكي وتتسندي عليها بدل ما أنتِ محوجة ليه"
"مكنتش أتصور إن كل ده يحصل، و مبدأ الشغل هو كان رفضه و أنا شيلته من دماغي خصوصاً بعد ما خلفت"
و كأنها تذكرت شيئاً، ظهرت علي شفتيها ابتسامة ساخرة من بين دموعها:
"لاء و البيه فاكرني هارجع له الجارية بتاعت زمان، ينسي اللي كنت بعمله عشانه، ياريت ينسي إني مراته أحسن"
عقدت الجدة ما بين حاجبيها فسألتها بعدم فهم:
"لا مؤاخذة في السؤال، يعني إيه ينسي إنك مراته، أومال عايشة معاه بصفتك إيه؟"
نظرت إليها في صمت حتي أدركت الجدة ماذا تقصد حفيدتها، فقالت:
"أوعي يكون اللي في بالي!"
هزت رأسها بنعم وأجابت:
"يعني يا تيتا بعد ده كله أخليه يلمسني تاني إزاي؟!"
عقبت الأخري:
"يا خايبة هو اللي زي جوزك هتربيه بأنك مش هتدي له حقوقه!، تبقي خايبة وهبلة، قرشه في جيبه وهتلاقيه داخل عليكي بضرة عشان يقهرك ويقولك مش أنا اللي يتلوي دراعي"
بمجرد التخيل تأججت النيران وأكلت قلبها فصاحت:
"نعم!، ده أنا كنت قتلته و أنتحرت"
رفعت الأخري حاجبيها وأخبرتها:
"الله يخربيت الحب وسنينه، أي نعم أنا ما بطقش جوزك بس كلمة حق هو ما يعملهاش، بس بإيدك بقي تخليه زي الخاتم في صباعك وتسويه علي نار هادية، و في نفس الوقت تأمني نفسك و لو مش عشانك عشان عيالك، و خدي بالك طالما أنتِ لسه علي ذمته حرام تمنعيه إنه يقرب منك"
نظرت نحو الفراغ بشرود كالتي تتحدث مع نفسها:
"أنا خلاص أتغيرت فعلاً و كل حاجة هقدمها بعد كدة هيبقي قصادها تمن"
※※※
الطقس معتدل والشمس ساطعة، ينعكس شعاعها علي النظارة الشمسية الداكنة، تخبئ خلفها عينيها الرمادية التي تنظر إلي زوجها وهو يعوم في المسبح أعلي اليخت، يبدو علي وجهها علامات التعب والألم، تضع يدها علي بطنها، انتبهت إليه وهو يتجه إلي درج المسبح فأخذت المنشفة من فوق المقعد ووقفت لدي الحافة، صعد الدرج الصغير فوضعت علي ظهره المنشفة، سألها:
"مش ناوية تنزلي برضو؟، الميه تجنن"
ابتسمت علي مضض حتي لا تقلقه عليها فأجابت:
"مش دلوقتي"
أخذت تجفف جسده من المياه مُردفة:
"ناوي تتغدي إيه النهاردة؟"
أنتقلت إلي رأسه لتجفف له شعره المبتل وكأنه طفلها الصغير، أمسك بكلا يديها بعد أن أنتهت وأخبرها:
"الإيدين الحلويين دول ما يعملوش أي حاجة خالص، لما هيجي وقت الغدا هنرجع للمرفأ وهنروح لمطعم أسماك حلو أوي، وبعدها نرجع علي هنا نسهر مع بعض وعايز أشوف باقي الأطقم شكلهم إيه عليكي"
غمز لها بعينه فابتسمت وقالت بدلال:
"أنت وحظك بقي"
عقد ما بين حاجبيه فسألها:
"تقصدي إيه؟"
أشارت إليه نحو البثور المنتشرة علي أنحاء وجهها، فأدرك حينها إنه توقيت كل شهر لديها، ظل ينظر إليها في صمت ثم تمتم بصوت خافت مازحاً:
"إذا فهي الحرب، هيا إلي ساحة المعركة"
وإذ فجأةً حملها علي ذراعيه مما سبب لها الفزع فصرخت بضحك:
"هتعمل إيه يا مجنون؟"
حدق إليها بمكرٍ وأجاب:
"هتغدي بيكي قبل ما الحظ يتعشا بيا"
و علي الجانب الآخر في القصر، تقف زينات أمام باب غرفة الصغيرين
"أفتحي بقي ما توجعيش قلبي معاكي"
أتاها صوت الصغيرة من الداخل برفضٍ تام:
"لاء مش فاتحة، و مش هاكل و لا هشرب لحد ما أموت و خلي الست مامي تنفعه لما يبقي مفيش زوزا تاني"
"طيب لو قولت لك عشان خاطري و أنا هاتصل ببابي و هخليه يجي لك حالاً"
صاحت بغضب مرة أخري:
"قولت لك يا داده مش هفتح و أنا أصلاً مش عايزة أشوفه، زعلانة منه و مش هكلمه خالص"
ابتعدت قليلاً من أمام الباب و أخرجت هاتفها من جيب ثوبها:
"كدة لازم أكلم أبوها، ده بنت دماغها أصعب من أمها"
بالعودة إلي الملك وزوجته بعد أن أخذها إلي ساحة المعركة حيث الغرفة، و ذلك لخوض ملحمة جديدة علي وشك أن تبدأ.
صدح رنين هاتفه فكان غير منتبه إليه و ربما تجاهله عن عمد، حاولت أن تتملص من قبلته لها حتي تخبره وهي تلتقط أنفاسها:
"فونك عمال يرن"
أومأ لها قائلاً:
"سمعه، بس أنا مركز معاكي، سيبك منه دلوقتي وخليكي معايا"
و هبط علي عنقها يلثم بشرتها بين شفتيه، تكرر الرنين مرة أخري:
"يا قصى بالله عليك رد يمكن داده زينات و فيه حاجة عايزة تبلغنا بيها"
تذكر أمر صغيرته التي تسبب في حزنها و غضبها منه، نهض من أعلي زوجته سريعاً وألتقط هاتفه من فوق الكمود ثم أجاب:
"ألو يا داده"
"تعالي يا بني شوف حل مع بنتك، من إمبارح لا عايزة تاكل و لا تشرب و قافلة علي نفسها و مبهدلة نفسها عياط"
أطبق شفتيه بضيق من نفسه، أطلق زفرة ثم أخبر زينات:
"خلاص يا داده سيبيها و أنا و صبا جايين، ما تقوليلهاش لحد ما أجي"
"حاضر، معلش حقكم عليا، قطعت عليكم راحتكم، بس أنت عارف محدش بيقدر عليها غيرك والوحيد اللي بتسمع كلامه"
ابتسم وقال:
"و لا يهمك أي حاجة تتعوض، كويس إنك كلمتيني، و لو في أي حاجة جديدة أتصلي عليا فوراً"
"حاضر يا بني، ترجعوا بالسلامة"
"الله يسلمك، سلام"
أنهي المكالمة فسألته صبا بقلق:
"مالها زوزا؟ هي كويسة؟"
ترك هاتفه علي الكمود و أجاب:
"قالبة الدنيا من إمبارح عشان جيت الحفلة و خدتك و سيبتها، و مش عايزة تاكل و لا تشرب "
غرت الأخري فاها بتعجب فعقبت:
"أدي أخرة دلعك ليها"
ذهب إلي الخزانة ليأخذ ثيابه وقال:
"ده مش دلع، البنت بتحبني و متعلقة بيا جداً"
عقدت ساعديها أمام صدرها تعقب بسخرية:
"طبعاً علي قلبك زي العسل، ما أنت بابي حبيب قلبها و أنا الكاتعة اللي بتعذب فيها طول الليل والنهار"
ضحك رغماً عنه وسرعان رسم الجدية علي ملامحه فألتفت إليها:
"نتكلم بجد بعيد عن الهزار، ياريت تقربي منها وتصاحبيها و تبطلي تتخانقي معاها و تحطيها في دماغك كأنها واحدة قدك، دي بنتك و كمان طفلة عندها خمس سنين"
نهضت من فوق الفراش واقتربت منه لتخبره بدفاع:
"أنا ما بتخانقش معاها غير لما بلاقيها تتكلم بأسلوب مش كويس سواء معايا أو مع أي حد، و بعدين دي بنتي مش معقول هحطها في دماغي زي ما أنت فاهم، أنا كل اللي بيضايقني إنك بدل ما تعاقبها علي الغلط، بلاقيك تاخدها في حضنك و تطبطب عليها ناقص تقولها برافو عليكي حبيبة بابي"
أرتدي القميص وشرع في غلق أزراره و يحدثها في آن واحد:
"عشان أنا فاهمها كويس و عارف سلوكها الغلط ده بتعمله عشان تلفت الأنظار ليها و تلاقي إهتمام، هي شايفاكي بعيدة عنها و مهتمة بمالك أكتر، دي في مرة سألتني سؤال عمري ما كنت أتوقعه، بتسألني ليه يا بابي مامي بتكرهني وبتحب مالك أكتر مني"
"أنا!"
صاحت باستنكار فقال لها:
"البنت مش هتألف من دماغها، دي لسة طفلة و اللي بتحسه بتقوله، ياريت تقربي منها و تهتمي بيها"
أطلقت زفرة تنفث بها عن الضيق الذي تشعر به تواً ثم قالت باقتضاب من بين أسنانها:
"حاضر"
لم يكن يعجبه إجابتها لأنه رأي إن حديثه لا يروق لها، تغاضي عن هذا الأمر مؤقتاً فأمرها بعجالة ويرتدي ربطة العنق أمام المرآة:
"يلا أجهزي و أنا هستناكي فوق"
وفي تلك الأثناء مازالت تمكث الصغيرة في غرفتها، يطرق شقيقها باب الغرفة:
"أفتحي يا زوزو أنا مالك"
"يوه بقي أنا قولت مش فاتحة، زهقتوني في عيشتي"
أخذ يلتفت من حوله ليطمئن أن لا يسمعه أو يراه أحد خاصة زينات، فأخبر شقيقته بصوت خافت:
"ما تخافيش أنا لوحدي"
نزلت من فوق الفراش و ذهبت لفتح الباب فسألته بهمس:
"جيبت اللي قولت لك عليه؟"
أجاب ويخرج لها من أسفل قميصه كيساً بلاستيكياً ممتلئ:
"عملت لك ساندوتشات نوتيلا و حطيت لك تفاح و موز و معرفتش أجيب لك عصير أو لبن عشان مكنتش هعرف أخبيه في الشنطة"
تناولت الكيس منه بلهفة:
"مش مشكلة أهم حاجة الساندوتشات، يلا روح أقعد مع داده زينات و لو سألتك عليا قولها زوزو نامت بعد ما عيطت كتير"
ابتسم وقال:
"ماشي يا مجنونة"
و قبل أن تغلق الباب أوقفته:
"شكراً يا لوكا يا حبيبي"
و وقفت علي أطراف أنامل قدميها وقامت بتقبيله علي خده ثم عادت إلي الداخل وأغلقت الباب دون أن تصدر صوتاً، جلست علي الأرجوحة الصغيرة الخاصة بها، أخرجت شطيرة الشكولاتة الذائبة، تنظر إليها بشهية قائلة:
"أنا زعلانة من بابي اه بس ساندوتشات النوتيلا لاء"
نظرت علي يمينها وجدت الهامستر ينظر إليها من خلف القفص
"يا حبيبي يا شرنوبي أنت ما أكلتش من إمبارح، خد حتة أهي علي قدك و لما تخلصها هديك تاني"
مدت إليه من بين الفتحات الرفيعة قطعة من الشطيرة فقام الهامستر بأكلها
أقتربت منه وببراءة همست إليه:
"أوعي تقول لبابي إن أنا باكل، عشان مش أرميك للقطة اللي في الجنينة"
※※※
يتجمع كل من آدم وخديجة ويوسف وعلياء حول المائدة، وكذلك ابنائهم و ابنتي ملك، تمد علياء يدها إلي صغيرها عزالدين تقدم له ملعقة من مقرمشات الذرة المخلوطة بالحليب فيأكلها، تخبره بهمس وتحذير:
"أنا مارضتش أقول لبابي علي اللي أنت عملته عند نناه، بس والله يا عز لو لاقيتك بتتكلم مع اللي أكبر منك بأسلوب مش حلو هحرمك من كل حاجة أنت بتحبها ده غير هخليك محبوس في أوضتك"
ضيق عينيه وأجاب باستنكار:
"أنا معملتش حاجة و نناه بتكذب عليكي، هي اللي علي طول بتزعق لي"
حدقت إليه بنظرة تحذيرية:
"عز، أنا قولت إيه؟"
طأطأ رأسه إلي الأسفل متمتماً:
"sorry مامي"
بينما كانت لوجي تتصفح حسابها علي موقع التواصل في هاتفها ولم تمد يدها إلي الطعام فهذا لفت انتباه والدها الذي يغزو الغضب ملامحه من أمر ما، ترك ما بيده وقام بنهرها أمامهم جميعاً:
"جري إيه يا لوچي هانم؟، مش قادرة تسيبي الفون خمس دقايق عشان تفطري؟"
رفعت وجهها عن شاشة هاتفها و حركت عينيها في نظرة سريعة فوجدتهم ينظرون إليها، عادت ببصرها تحدق نحو والدها بتمرد:
"مش جعانة"
صاح والدها بغضب:
"ما تقومي تديني قلمين أحسن"
تدخلت علياء لتخمد تلك النيران التي نشبت بين زوجها وابنته:
"فيه إيه يوسف هي معملتش و لا قالت حاجة"
فتدخل آدم أيضاً:
"مالك يا يوسف بتزعق فيها كدة ليه؟"
نهضت لوجي و تمنع بكائها بشق الأنفس:
"عن أذنكم"
كادت تذهب، أوقفتها خديجة تمسك يدها:
"استني رايحة فين؟"
وقف والدها و لم يكترث لحديث زوجته و شقيقه:
"تعالي هنا رايحة فين؟"
ألتفت إليه بوجه محتقن بالدماء:
"هستني الـ Bus "
ضيق عينيه ثم قرر أن يفصح لها عن سبب غضبه:
"أنا كم مرة نبهت عليكي مفيش بيات عند مامتك و أخرك زيارة ليها كل أسبوع، و أستغليتي سفري و إن مش موجود و قعدتي معاها يومين، و لا كأن فيه حاجة إسمها هستأذن بابا"
اتسعت عيناها بصدمة كيف يناقشها في ذلك الأمر أمام الأخرين، ابتلعت ريقها وقالت:
"ممكن نتكلم بعدين؟"
أطلق زفرة و لم يأبه لحرجها بل زاد منه أكثر بقوله لها:
"أنا بكلمك قدام عمك ومراته و مامتك"
أشار لها نحو علياء وأردف:
"يعني مفيش حد غريب"
تريد الصراخ في وجهه لكن هناك غصة عالقة في حلقها تمنعها عن ذلك، أرادت التنفيث و لو بمقدار ضئيل عن ما تشعر به قبل أن تنسحب:
"أنا مليش غير أم واحدة، و هي مامي أنچي"
و في لحظة أطلقت ساقيها للريح تجاه البوابة، كاد يوسف يذهب خلفها ليلحق بها فأوقفته علياء تمسك بذراعه:
"سيبها هي هتهدي و لم ترجع أنا هقعد معاها"
عقبت خديجة:
"معلش يا يوسف متزعلش مني، مكنش ينفع تعاتبها و تزعق لها قدامنا، لوجي ما بقتش طفلة صغيرة و في سن حرج و محتاجة اللي يطبطب عليها و يحتويها"
نظرت إليها علياء بقلة حيلة تخبرها:
"و الله قولت له كدة أكتر من مرة و برضو مفيش فايدة"
نهض آدم ووضع يده علي كتف شقيقه قائلاً:
"علياء و خديجة عندهم حق، و بعدين أنت كنت طول عمرك قريب منها، مالك قلبت عليها ليه دلوقت؟"
تريث في التفكير قليلاً وجد إنهم علي حق مما زاد غضبه لكن تجاه نفسه، أخذ متعلقاته من فوق المائدة و ذهب دون الإجابة بحرف واحد علي سؤال شقيقه.
صاح آدم:
"ماشي رايح فين؟، مش بكلمك؟"
فقالت خديجة:
"سيب أخوك على راحته"
أمسكت بيد حقيبة اليد خاصتها وأردفت:
"أنا مضطرة أسيبكم عشان ما أتأخرش علي أول section "
عقب آدم:
"إستني هاجي أوصلك"
※※※
ترجلت من السيارة و تبعها هو أيضاً، رآهما الصغير فركض منادياً:
"مامي؟، بابي؟"
فتحت كلا ذراعيها في إستقبال عناقه الحنون:
"مالك حبيب مامي واحشني أوي"
"و حضرتك كمان وحشاني أوي يا مامي"
جاء من خلفه صوت والده يسأله:
"و بالنسبة لبابي إيه النظام؟"
انسحب من حضن والداته وألتفت إلي والده فقام بمعانقته:
"حمدالله علي السلامة يا بابي، وحشتنا أوي"
ربت علي ظهر صغيره:
"و أنتم واحشيني أكتر"
أنسحب من العناق ليخبره ببراءة:
"بليز يا بابي ما تغيبش عننا تاني، البيت من غيرك وحش"
وضع الأخر كلا يديه علي كتفين صغيره قائلاً:
"أطمن يا حبيبي أنا مش هابعد عنكم تاني، و و رايح هخصص لكم يوم كل أسبوع يبقي بتاعكم نخرج و نتفسح فيه"
دنا من أذن ابنه و أخبره بصوت خافت:
"ده غير خروجاتنا أنا وأنت يا صاحبي، بس أوعي تفتن لزوزا بدل ما تشرحنا أنا وأنت، اتفقنا؟"
هز الصغير رأسه مبتسماً وقال:
"إتفقنا يا صاحبي"
وضع يده علي رأس صغيره وداعب خصلاته:
"معلش بقي هاسيبك دلوقت و هاطلع أشوفها أصلها زعلانة مني أوي"
بدي علي ملامح مالك إنه يريد يخبر والده بشىء، تلفت من حوله حتي لا يسمعه أحد ثم أشار إليه بأن يقترب:
"هقولك علي سر بس أوعي تقول لحد بالذات زوزو"
عقد ما بين حاجبيه و رسم علي ملامحه الجدية:
"قول سرك في آمان"
أقترب من أُذن والده وأخذ يهمس له ببضع كلمات.
و في الأعلي تطرق الباب:
"زوزو حبيبتي أفتحي أنا مامي"
كانت الأخري في الداخل تستمع إلي صوت والدتها فأدركت أن خطتها قد نجحت بجدارة، فصاحت بغضبٍ زائف:
"ملكيش دعوة بيا و روحي عند جوزك"
أعتلت الصدمة وجه صبا و رددت مع نفسها:
"جوزك!، دي طلعت فعلاً غيرانة بجد"
أخبرتها بصوت مرتفع:
"طيب أفتحي عشان خاطري، أنا جايبة لك الشوكيلت اللي بتحبيها"
"مش عايزة منك حاجة و لا أقولك روحي أديها للوكا ابنك حبيبك"
عقدت الأخري ما بين حاجبيها تتذكر ما أخبرها به زوجها عن ملاحظة ابنتهما التفرقة في المعاملة.
"ما أنتِ برضو زوزو بنتي حبيبتي، أنا بحبك أنتِ و مالك"
وقفت الصغيرة خلف الباب لتعقب علي حديث والدتها:
"لاء مش واحد، بتحبيه أكتر مني و بابي كمان بيحبك أكتر مني، و أنا بنت البطة السودة"
كادت تنفلت منها ضحكة لكن خشيت أن هذا يثير غضب ابنتها فقالت لها:
"لاء يا زوزو أنتِ بنتي حبيبتي أنا، و بابي كمان بيحبك أوي، حتي لوكا كمان، كلنا بنحبك، ممكن تفتحي بقي عشان أنتِ وحشاني أوي"
جاء قصى للتو بعد أن صعد الدرج، أقترب منها و همس لها:
"روحي أنتِ و سيبها لي، أنا بعرف أتعامل معاها"
أخبرته قبل أن تذهب:
"أستلقي وعدك بقي عشان شكلها أعلنت غضبها عليك، ربنا معاك"
ابتسم ثم وضع يده علي مقبض الباب، حمحم أولاً فقال بنبرة يشوبها الحنان:
"زوزو حبيبتي أنا جيت عشانك، حقك عليا ما تزعليش مني علي اللي حصل إمبارح، أنا أخدت مامي عشان أصالحها لإنها كانت زعلانة مني، ممكن بقي تفتحي عشان أصالحك أنتِ كمان؟"
كانت تضع طرف إصبعها بين أسنانها و الإبتسامة تشق ثغرها وتكاد تصل إلي كلا أذنيها، فقالت بحزن زائف من أجل أن تجعله يشعر بالذنب نحوها:
"لاء أنت مش بتحبني، بتحب مامي أكتر، أنا زعلانة منك أوي أوي ومش هكلمك تاني"
"لاء أنا بحبك أنتِ، و لو فتحتي هاخدك النهاردة الملاهي اللي أنتِ بتحبيها و نشتري ألعاب كتير"
ترددت في أن تفتح قفل الباب، ابتسم بمكر فقرر إستخدام نفس الحيل التي تستخدمها هي فأردف:
"خلاص يا زينب خليكي قافلة الباب و أنا هاسيب لك البيت ومش هارجع، و مش هيبقي فيه قصى تاني"
اتسعت رماديتيها الصغيرتان وسرعان وضعت المفتاح في القفل و فتحت الباب، و حدث عكس ما كان يتوقع، بعدما فتحت ركضت إلي الكرسي فجلست بزاوية حيث ولت ظهرها إليه وعقدت ساعديها أمام صدرها.
أقترب منها و وقف أمامها أمسك بذقنها:
"القمر بتاعي هيفضل زعلان مني لحد إمتي؟"
نظرت إليه في تلك اللحظة بحدة وغضب في آن واحد، ألقت يده عن ذقنها في الهواء قائلة:
"ملكش دعوة بيا و روح أقعد مع حبيبتك"
ابتسم رغماً عنه، مد يديه إلي خصرها حملها ثم جلس علي الكرسى فوضعها أعلي فخذيه، وضع كفه علي خدها يخبرها:
"ما أنا قاعد فعلاً مع حبيبتي، اللي هي أنتِ طبعاً"
نظرت إلي أسفل وتهز ساقيها في الهواء:
"عشان كدة ضحكت عليا و أخدت مامي إمبارح و مشيت، أنا قعدت أعيط كتير و عمتو كارين فضلت تضحك عليا"
"هتلاقيها كانت بتهزر معاكي، و بعدين أنا قولت لك السبب ليه أنا أخدت مامي، يا زوزو أنا بحبك و بحب لوكا، و زي ما بحبكم بحب مامي"
قالت بدفاع و إصرار:
"لاء أنا اللي حبيبتك و بس، و أنت حبيبي و my hero"
نزلت من علي فخذيه و ذهبت لتحضر له شيئاً، تابعها بعينيه فرآها تخرج من حقيبة المدرسة دفتر الرسم، عادت إليه تفتح له الدفتر وتعطيه إياه، أخذه و نظر إلي رسوماتها، أول صفحة كانت رسمة عشوائية لرجل يرتدي حُلة و بجواره طفلة صغيرة ترتدي ثوب مثل العروس و تاج يعلو رأسها، و الصفحة التالية صورة لنفس الرجل يرتدي زي الرجل الخارق(superman)، و أخر صورة كانت لها و له تتشابك يديهما معاً و صورة إمرأة و ولد يقفان بمسافة، كم أسعد قلبه مدي حبها له، لكن لا يريدها أن تظل علي موقفها نحو والدتها.
"حلوة أوي يا زوزو، بس ليه مش بترسمي صورة ليكي مع مامي؟"
أجابت بتلقائية:
"لأن الميس قالت لنا أرسموا أكتر حاجة بتحبوها، فأنا رسمتك"
هبط علي ركبتيه ليصبح في مستوي قامتها وعانقها بحنان، يربت علي ظهرها:
"أنا كمان بحبك أوي يا قلب قصى"
لفت انتباهه جزء من كيس بلاستيكي يخرج من درج الكمود و تذكر ما أخبره به مالك، فقال لها:
"أنا هاقول لدادة زينات تحضر لك الفطار و أنا هاروح أغير و هاجي أفطر معاكي"
هزت رأسها بالرفض وأخبرته:
"أنا مش جعانة، بس لو هاتفطر هاكل معاك"
حدق إليها بابتسامة:
"بس أنا عايز أفطر سندوتشات نوتيلا و دادة زينات قالت لي النوتيلا خلصت"
و دون تفكير لديها ركضت إلي الكمود وفتحت الدرج أخرجت منه كيس الشطائر، عادت له تمد يدها بالكيس إليه:
"خد يا حبيبي"
ضيق عينيه يسألها بمكر:
"إيه ده يا زوزو، مش أنتِ من إمبارح مش بتاكلي و لا بتشربي، جيبتي الساندويتشات دي منين؟"
غرت فاها و اتسعت عيناها، ضربت الحمرة خديها من الحرج، وضعت كفيها تخبأ وجهها لتتهرب من نظراته، أمسك بيديها وأخبرها:
"ما تتكسفيش، أنا كنت هزعل بجد لو أنتِ ما كلتيش، و هابقي مبسوط لو جيتي معايا دلوقت نفطر تحت في الجنينة، و بعدها مامي هتغير لك عشان هنخرج أنا و أنتِ زي ما قولت لك، إتفقنا؟"
هزت رأسها بالموافقة:
"إتفقنا يا حبيبي"
※※※
و في السيارة صدر من هاتفها تنبيه لرسالة واردة، قامت بفتحها وقرأت بعينيها في صمت
«أوعي تفتكري إنك تقدري تبعديه عني زي زمان، يبقي واضح لسه أنتِ ما تعرفنيش كويس»
توقف آدم بسيارته أمام بوابة الجامعة، أخبرها قبل أن تهم بالنزول:
"ديجا، كلميني أول ما تخلصي"
انتبهت إليه و حاولت أن تداري ضيقها من الرسالة و قررت أن لا تخبره لأمر ما في داخلها.
"معقول هاتسيب شغلك عشان تيجي تاخدني؟!"
أمسك بيدها وبنظرة يملؤها الحب يحدقها:
"ده أنا أسيب الدنيا كلها، و لا عندك شك في حبي و خوفي عليكي؟"
هزت رأسها بالنفي وقالت:
"ربنا يبارك لي فيك و تفضل علي طول كدة و ما تتغيرش"
قطب ما بين حاجبيه فسألها:
"و إيه اللي هايغيرني؟"
اقتربت بوجهها لتصبح علي مقربة من وجهه فأجابت:
"الشيطان يا حبيبي بيدخل ما بين أي زوجين مش بيسيبهم غير لما بيخرب عليهم، عشان كدة عايزاك طول ما أنت فاضي أدعي و قول اللهم أعوذ بك من شياطين الجن و الإنس و خصوصاً الإنس، أصل شرهم بعيد عنك بيبقي ألعن"
أدرك من بين سطور حديثها ماذا تقصد لذا سألها:
"هو فيه حاجة حصلت؟"
نظرت في شاشة هاتفها و أختارت الهروب من الإجابة، لا تريد أن تلجأ للكذب.
"يا نهار أبيض أنا أتأخرت خالص، خد بالك من نفسك و أول ما هخلص هكلمك، في حفظ الله يا حبيبي"
قامت بتقبيل خده ثم ترجلت من السيارة بخطي سريعة تاركة إياه في حيرة، يدعو أن لا يكون هناك أمراً يحدث من دون علمه، لا يريد ما يعكر صفو حياته مع زوجته، لكن كيف و تلك الصهباء تحوم كالأفعى من حوله!
※※※
ترتدي وشاحاً زمردياً أمام مرآة الزينة و حين أنتهت من ضبطه جيداً حول رأسها، أمسكت هاتفها تلقي نظرة علي الساعة، ألتفت إلي صغيرها الجالس علي حافة الفراش:
"جاهز يا حمزة؟"
نظر إليها و هز رأسه:
"أيوه يا ماما"
أمسكت بيد حقيبتها و إرتدتها علي كتفها، مدت يدها إليه:
"يلا يا حبيبي عشان ما نتأخرش"
غادر كليهما الغرفة فوجدت الهدوء يعم أرجاء المنزل ما عدا من وجود العاملين فأوقفت الخادمة تسألها:
"هي مدام شيرين فين؟"
أجابت الأخري:
"مدام شيري وأحمد بيه خرجوا من بدري"
تنفست الصعداء و كادت تكمل سيرها أوقفتها الخادمة تسألها:
"هو حضرتك خارجة؟"
حدقتها علا بتعجب:
"ليه بتسألي؟"
ابتلعت الأخري لعابها بحرج ثم أجابت:
"مدام شيري منبهة علينا إن ممنوع حضرتك تخرجي أنتِ أو البيه الصغير"
غرت فاها بصدمة، هل سوف تصبح آسيرة داخل هذا المنزل!، و لما تلك المرأة المتسلطة تعطي الأوامر إلي الخدم لمنعها من الخروج؟!
أخرجت هاتفها من الحقيبة، فقامت بالإتصال علي زوجها، تلقت رسالة مسجلة بأن الهاتف غير متاح، زفرت بغضب و هي تعيد الإتصال مرة أخري، فتلقت الرسالة مرة ثانية.
"يلا يا حمزة عشان ما نتأخرش"
"مدام علا أرجوكِ مش عايزين مشاكل مع مدام شيري"
حاولت الخادمة منعها مما أثار حنق وغضب الأخري فصاحت:
"مالهاش حكم عليا أنا وابني"
"فيه إيه؟"
سؤال هذا الذي حضر للتو أجفلها وجعل قلبها ينتفض خاصة بعد أن تلاقت عيناها بخاصته ونظرته الحادة التي يحدقها بها الآن
أجابت الخادمة علي سؤاله:
"مدام علا عايزة تخرج و مدام شيري قايلة لنا ممنوع"
صاحت علا بغضب:
"هي مامتك بتأمر الخدامين يمنعوني من الخروج بصفتها إيه؟"
حدقها أحمد ببرود ثم حرك عينيه إلي الخادمة وأمرها قائلاً:
"خدي حمزة ونزليه يلعب في الجاردن"
تشبث الصغير بأمه وقال:
"حمزة هيخرج مع ماما"
اقترب منه و دنا منه ثم وضع يده علي رأسه يمسدها بحنان:
"حمزة حبيبي روح مع الناني عشان نلعب أنا وأنت بلايستيشن"
نظر الصغير إلي أمه فأومأت له بأن يفعل ما طلب منه عمه فذهب مع الخادمة، و عندما أختفي عن بصرها أجفلها زوجها بالقبض علي ذراعها و دفعها داخل الغرفة يغلق الباب بقدمه،
صرخت بألم:
"آه، سيب دراعي"
نفض ذراعها في الهواء وقد تخلي عن البرود الذي كان يرسمه علي وجهه في الخارج، يحدقها الآن بنظرة جعلت قلبها يرتجف خوفاً خاصة بعد سؤاله، يقترب منها ببطئ بينما هي تتراجع إلي الوراء:
"واخدة ابنك و رايحة فين؟، و لا حضرتك ناسية إنك متجوزة و المفروض قبل ما تتحركي تستأذني؟!"
ابتلعت لعابها لكن كالعادة تظاهرت بالقوة أمامه قائلة:
"أنا أتصلت عليك و أدالي غير متاح"
كان يجز علي شفته بغضب فسألها من بين أسنانه:
"ما أنا كنت قدامك الصبح و إحنا بنفطر ما كلمتنيش ليه؟، إلا و إذا بقي كنتي فعلاً ناوية تهربي"
وقعت علي الكرسي وتشبثت بالمساند الجانبية فدنا منها واضعاً كلا يديه علي خاصتها و وجهه مقابل وجهها، تضرب أنفاسه بشرتها، أخبرته بثقة:
"لأن مكنتش قررت أخرج لولا الدكتور أتصل بيا و قالي المفروض أجيب حمزة عشان نكمل الجلسات"
أطلق زفرة عن تعمد ثم تراجع مبتعداً بمسافة قليلة واضعاً يديه في جيوب بنطاله:
"عيادة الدكتور دي فين؟"
كانت تمسد كلا يديها من أثر ضغط يديه عليهما بضيق، أجابت و تحدقه بسخط:
"ده مركز مش عيادة، موجود في زهراء المعادي"
"قومي عشان نوديه"
قال لها بأمر فقالت:
"مفيش داعي تتعب نفسك، أنا هخلي عم صابر يودينا و يجيبنا"
"أنا لما أقول كلمة تتسمع، قومي يلا قدامي"
※※※
حل المساء بظلامه الذي يعيش فيه أحدهم، يتجنب التعامل معها حتي لا ينتهي الحوار بينهما مثل المرة السابقة، لا يعلم ماذا عساه أن يفعل، فهو مدرك بأن القادم سئ و عليه أن يتذوق من ما صنعته يداه.
ولج من باب المنزل للتو فقابله الهدوء، لكن هناك روائح داعب أنفه خليط من رائحة طعام شهي يشوبها رائحة عطور زكية تملأ المكان،
انتبه إلي المائدة المليئة بأطباق الطعام يتوسطها شموع مشتعلة تضفي أجواء ساحرة و رومانسية، و علي رأس الطاولة كانت تجلس في انتظاره، لم يصدق عينيه من ما يراه الآن، ترتدي ثوب أسود ملتصق بجسدها ويكشف عن ذراعيها، خصلات شعرها الغجري متروكة بحرية علي كتفيها، فهي في كامل زينتها.
أقترب و يحك فروة رأسه خلف أذنه، توقف علي مقربة منها يسألها:
"الأولاد فين؟"
نظرت إليه بابتسامة وأجابت:
"مش ترمي السلام الأول يا حبيبي؟، عمتاً الأولاد عند تيتا مسكت فيهم و بيني و بينك أنا قولت أسيبهم الليلة عندها، زي ما أنت شايف كدة مكنتش هاعرف أعملك عشا رومانسي علي ضي الشموع و هما موجودين"
جذب كرسي و وضع بجوارها فجلس عليه يمسك بيدها، قام بتقبيل ظهر كفها يحدقها بسعادة يشوبها نظرة أخري جعلت غصة داهمت قلبها، فهل ما تراه في عينيه للتو هو الحب؟!
"تسلم إيدك"
حاولت التهرب من النظر إليه وجذبت يدها من يده، فأخبرته بجفاء:
"أنا معملتش حاجة، كله دليفري"
ما زال يرمقها تلك النظرة و يخبرها:
"برضو تسلم إيدك"
أخذت من أمامه الصحن الشاغر فأوقفها:
"أنا مش هاتعشي دلوقت"
نهضت وسألته:
"خلاص هشيل الأكل و لما تجوع هسخنه لك في الميكرويف"
نهض و حاوط خصرها بيديها يقربها منه، يتأمل كل إنشاً بها بلهفة.
"سيبي الأكل علي السفرة زي ما هو، هانبقي نرجع له بعدين"
و أنهال علي عنقها يقبلها بنهم، حاولت إبعاده عنها لتخبره:
"قبل أي حاجة، أنا عايزة منك طلب"
"أؤمري"
تحدق إليه بنظرة باردة و لوهلة شعر كأن التي تقف أمامه ليست دنيا التي تزوجها بل هي إمرأة أخري.
"أنا عايزة مليون جنيه سلف"
ضحك فجأة و سألها:
"سلف؟، هو في حاجة اسمها سلف بين الراجل و مراته"
أومأت له وأجابت:
"اه، لأن هارجعهم لك بس بعدين"
"أنا هديهم لك و مش عايزهم، بس ممكن أعرف هاتعملي بيهم إيه؟"
عقدت ساعديها أمام صدرها وقالت بحدة:
"أنت هاتفتح معايا تحقيق!، بقولك عايزاهم"
" ده مجرد سؤال مش تحقيق، عشان لو فيه حاجة أقدر أساعدك، عموماً حاضر هيكونوا عندك بكرة الصبح"
ردت بإصرار و أمر:
"لاء، عايزاهم دلوقت"
تعجب من إصرارها هذا، لكنه خشي أن يضيع تلك الليلة هباءً، كما أسعده رضاها عليه، أومأ له و أخبرها:
"حاضر"
ذهب إلي غرفة المكتب التي أصبح بابها غير موصد منذ يوم إكتشافها لسره الذي حطم قلبها إلي فتات.
عاد إليها يحمل دفتر صغير و قلم:
"أتفضلي ده شيك بالمبلغ تصرفيه في أي وقت"
قام بكتابة الشيك و ذيلهُ بتوقيعه ثم قطعه من الدفتر و مد يده به إليها، أخذته و ألقت نظرة عليه، قامت بطيه وذهبت إلي الغرفة، لحق بها وجدها تضع الشيك داخل حقيبتها، ألتفت فوجدته يقف خلفها مباشرة.
"دنيا أنتي مخبية عليا حاجة؟"
أطبق الصمت لثوان ثم أجابت:
"الموضوع و ما فيه، أنت رافض مبدأ الشغل، قولت هافتح مشروع و أديره من و أنا في البيت"
"هو أنا قصرت معاكي في حاجة؟، إيه لازمتها توجعي دماغك بمشاريع، أنا الحمدلله عندي فلوس و أملاك تخلي ولاد ولادنا يعيشوا ملوك"
"هو رفضك للشغل و لا رفضك أن يكون ليا مالي الخاص، خايف أستقوي عليك أغدر بيك و أطلق منك أو أخلعك"
لم يستطع أن يتمالك نفسه فأخذ يضحك، كما يعهدها فهي ما زالت بريئة و بداخلها نقاء غير قادرة علي الخبث و المكر فهي نقيض سيلينا التي تتخذ إبليس قدوة لها.
توقف عن الضحك و وضع يديه علي ذراعيها، و بنظرة جادة بل و بتحذير واضح يخبرها:
"أنتي غلبانة أوي يا حبيبتي، و شكلك لسه ما تعرفيش جوزك كويس، أنتي مهما وصلتي و لو كان معاكي مال قارون مش هاتعرفي و لا تقدري تغدري بيا أو حتي تعملي حاجة ضد إرادتي، تحبي أكتب لك شيك بمليون تاني؟"
لم تبدي له توترها من ما قاله للتو، تماسكت أمامه فابتسمت له:
"و أنا عمري ما كان في طبعي الغدر"
أقتربت منه أكثر وقامت بمعانقته تخفي دموعها التي تجمعت في عينيها للتو:
"و لأني عشان ما أقدرش أعمل حاجة ضد إرادتك، عندي حل عشان نقدر نكمل مع بعض أو نقول إتفاق يرضي الطرفين"
أبعدها لينظر إلي عينيها يسألها:
"إتفاق؟"
"ممكن نتكلم بعدين، هاقولك بعد ما تخلص سهرتنا"
قامت بمعانقته مرة أخري و قامت بنثر قبلاتها علي ذقنه و عنقه تسأله:
"و لا مش عايز نقضي ليلتنا الجميلة؟"
شعرت بعلو أنفاسه و حرارة جسده التي أشعلتها لمساتها و عناقها المصاحب بسيل من القبلات جعلته كالمغيب بين يديها.
فقال لها بحالة من التيه:
"ياريت كل ليالينا تبقي كدة علي طول"
ختم جملته بإلتقاط شفتيها في قبلة ضارية، و لمساته القوية نابعة من شوقه إليها منذ ليالي مضت، لكن هناك ما لاحظه و لامسه جيداً وهي بين يديه، كانت مستسلمة كالدمية لم يجد منها ردود أفعال مثل السابق، أقرب وصف لما وجده منها ممارسة الحب دون أي مشاعر.
وصل إلي نهاية رحلته معها فكاد يرتمي بين ذراعيها، لكنها نهضت سريعاً من جواره، ألتقطت المأزر القطني فقامت بإرتدائه، ألتفت إليه وجدته يحدقها بتعجب فقالت له بقلب من فولاذ:
"إتفاقنا هو المقابل، و اللي حصل ما بينا دلوقت مقابل الشيك اللي كتبته لي"...
الفصول الخامس والعشرون
الجزء الثالث
لقراءة الجزء الاول جميع الفصول
لقراءة الجزء الثاني جميع الفصول
الفصل الخامس والعشرون
🐺 غابة الذئاب «ما بعد العهد» 🐺
"الجزء الثالث من رواية صراع الذئاب"
بقلم: ولاء رفعت علي
هؤلاء هم البشر يمقتون كل ما هو سهل، و يعشقون كل ما هو صعب المنال.
يتمدد كنان علي مضجعه في سكون يحيطه دخان سيجاره الذي ينفثه و ينفث معه كل ما يشعر به الآن، هل كان يجعلها تشعر بتلك الإهانة طوال السنوات المنصرمة عندما كان يقترب منها دون مشاعر؟!
خرجت من باب المرحاض، تسير بزهو نحو مرآة الزينة، ترتدي مأزر الحمام و علي رأسها منشفة قطنية، قامت بتجفيف شعرها أولاً ثم تركتها جانباً وجلست علي الكرسي أمام الطاولة الرخامية المليئة بزجاجات العطور و مستحضرات التجميل.
أخذت الفرشاة وبدأت تمشط شعرها، رأته عبر المرآة ينهض ويسير نحوها، تتابعه بعينيها حتي توقف خلفها مباشرة، تركت الفرشاة علي الطاولة وظل يتبادل كليهما النظرات، انحني بجذعه ووضع يديه علي أعلي ذراعيها، رأسه بجوار رأسها وينظر إلي إنعكاسها في المرآه يخبرها بهدوء مخيف لما يحمله في طياته من تهديد:
"اللي حصل منك من شوية هاعتبر نفسي ما اسمعتوش، لأن لو سمعته كان رد فعلي مش هايعجبك أبداً، اتجنبي غضبي أحسن لك"
حدقت إليه بقوة دون أن ترف أهدابها قائلة:
"إيه حسيت بالوجع والإهانة؟"
رد بغرور وتعجرف:
"محدش يقدر يوجعني و لا يهيني و اللي هايعمل كدة أنا هامحيه من علي وش الدنيا"
ابتسامة ساخرة ظهرت علي شفتيها تبعها قولها:
"ما أنا عارفة، بأمارة اللي عملته سيلينا هانم لما استغفلتك وهربت منك"
ليتها ما ذكرت اسم هذه الحية الصفراء، فمجرد تذكيره بما فعلته معه يجعل شيطانه الخامد يستيقظ من جديد، لملم خصلاتها في قبضة واحدة، و من بين أسنانه يخبرها بتهديد:
"لو السيرة دي جت علي لسانك تاني، هاتشوفي مني وش أظن إنك جربتيه قبل كدة، بلاش تقفي قصادي يا دنيا لأنك مش قدي"
ترك شعرها وابتعد ذاهباً إلي المرحاض، صفق الباب بقوة أجفلتها، قوتها الآن تلاشت فذرفت عيناها الدموع، كلما تريد الإنتقام والثأر فينتهي الأمر فوق رأسها، لا يوجد أمامها الآن سوي أن تكرس اهتمامها إلي الخطوة القادمة و أن تبني لها كياناً.
※※※
مع مرور الأيام، حالة من الهدوء النسبي تغلب علي أحوال الجميع، و لكن كما قال السابقون دوام الحال من المحال، فهناك بعض الرياح التي تهب أحياناً، فهل تلك الرياح نذير للعاصفة التي سبقها ذلك الهدوء!
يترجل كلاهما من السيارة أمام إحدى الأندية الشهيرة في العاصمة، فسألته وهي تراقب المكان بإعجاب وإبهار:
"الله يا طه، المكان تحفة أوي، أنا كنت بشوفه ديماً في التليفزيون بس علي الحقيقة أحلي بكتير"
وقف بجوار وخلل أنامله بين خاصتها فنظر إليها بسعادة وحب قائلاً:
"و أنا مش ناسي لما قولت لي نفسك تتفسحي في مكان زي ده"
ترك يدها ليحاوط كتفيها بذراعه، حدقت إليه و عينيها تتلألأ بالفرح نابع من فؤادها:
"ربنا ما يحرمني منك يا أبو سالم"
ابتسم و في عينيه لمحة عتاب فأخبرها بتوكيد:
"أبو سالم وأبو ريتاچ"
تحولت ابتسامتها من الفرح إلي الحرج، فأردف حتي يرى السعادة مجدداً في عينيها:
"و قبل منهم أبو شيماء، مش أنا بالنسبة لك جوزك و حبيبك و أخوكي و أبوكي؟"
أجابت و بريق عينيها يضوي من إنعكاس تلك الأضواء المتحركة عليه:
"أنت كل أهلي و ناسي ومليش غيرك في الدنيا أنت وولادنا"
كم أسعده تلك الكلمات البسيطة النابعة من القلب لتستقر في فؤاده، فمنذ ليلة الحفل و تصالح كليهما، حينها كان التفكير بتلك الجارة الحسناء يسيطر علي ذهنه بقوة فيبدد هذا التفكير بالتقرب إلي زوجته بعقله و قلبه قبل جسده، يعلم أن الشيطان لا يتركه بسهولة و سوف يكون له بالمرصاد حتي يقع في المعصية.
"يلا بينا ندخل قبل ما أتهور و يمسكونا بفعل فاضح في مكان عام"
لكزته بخفة في صدره وتضحك قائلة:
"يا مجنون"
في الداخل جلس كليهما حول طاولة مطلة علي مياه النيل، نسمات الهواء تلفح بشرتها وهي تراقب اليخت العائم علي متنه حفل زفاف، انتبهت من تأملها إلي صوت النادل الذي يسألهما:
"طلباتكم إيه يا فندم؟"
سأله طه:
"عندكم فتة كوارع؟"
نظرت شيماء إليه بدهشة، فأجاب النادل:
"عندنا طواجن يا فندم، أتفضل بص علي الـ menu و قولي طلبات حضرتك"
ألقي نظرة علي قائمة الطعام و المشروبات، لم يفهم أغلب أسماء المؤكلات، أغلق الكتيب وقال:
"أنا عايز أتنين طاجن كوارع و ممبار و فتة، و كفتة مشوية علي الفحم و ياريت لو سلطة بلدي وطحينة"
دون الأخر كل ما طلبه طه، فسأله:
"أي طلبات تانية؟"
"لما نخلص أكل هابقي أقولك علي الحلو"
أومأ له الأخر قائلاً:
"تحت أمرك"
ذهب النادل فمالت شيماء بجذعها علي جانب الطاولة لتقترب من زوجها:
"كوارع و ممبار إيه اللي عايز تاكلهم هنا!، كنت قولي وأنا أعمله لك في البيت أحسن"
أمسك يديها وأخبرها:
"أنا عايزك تريحي نفسك من شغل البيت اللي بيهد حيلك"
سألته بإندفاع:
"و مين اللي هيطبخ و يغسل و يروق؟"
حدقها مبتسماً:
"هاجيب لك واحدة تعملك كل ده"
سألته بسخرية:
"أومال أنا بقي أعمل إيه بقي؟! "
"كل المطلوب منك تهتمي بنفسك وبس"
اتسعت عيناها بصدمة صاحت بغضب:
"قصدك إن أنا معفنة يا طه؟!"
أطلق زفرة و حاول أن لا يغضب من صوتها المرتفع، أجاب بهدوء:
"وطي صوتك يا حبيبتي، طبعاً ما قصدش اللي فهمتيه، أنا بقولك تهتمي بنفسك يعني تنزلي تشتري لي هدوم جديدة و ياريت لو الحاجات المدلعة، تروحي الكوافير و لا بيوتي سنتر تعملي نيو لوك، من الأخر عايزك تدلعي نفسك، مش عايز منك أكتر من كدة"
كانت تستمع إليه بفم مفتوح، بينما كان ينتظر الرد لفت إنتباهه علي بعد أمتار قليلة وجود جمع من الشباب يتجمعون حول إمرأة، لم يتمكن من رؤيتها جيداً سوي إن ابتعدوا جانباً فتقدم أحدهم منها ويقف بجوارها، يرفع هاتفه ليلتقط صورة selfie معها، في تلك اللحظة انتبهت إلي طه و تلاقت عيناها بخاصته، لكنه تهرب من النظر إليها علي صوت زوجته التي تقول:
"ما أنا بشتري و بلبس و كل شهر بروح كوافير البت بيسه اللي علي ناصية الحارة لأن ما برتاحش غير معاها"
عقب بصوت خافت من بين أسنانه:
"بقولك بيوتي سنتر و أنتي تقوليلي بيسة اللي في الحارة!، تصدقي بالله أنا غلطان و حقك عليا"
و قبل أن تنطق شيماء تدخل صوت أنثوي ناعم:
"هاي طه"
و كأن مسه تيار كهربائي، ينظر إلي زوجته تارة و إلي الأخري ذات القد المثالي ترتدي ثوباً ضيق للغاية يصل إلي ركبتيها بنصف أكمام وفتحة صدر تظهر بشرتها البيضاء، شفتاها الممتلئة و المطلية بالحمرة تتحرك لتسأله بدلال:
"أنت مش فاكرني و لا إيه؟، أنا روميساء جارتك اللي ساكنة جمبك"
نهض علي الفور دون تردد، مد يده إليها تلقائياً للمصافحة:
"لاء طبعاً فاكر حضرتك، أهلاً وسهلاً"
رأي شيماء تجلس في هدوء عكس طبيعتها في تلك المواقف، رسم ابتسامة علي ثغره يخفي بها توتره، يخبر جارته مشيراً نحو زوجته:
"شيماء مراتي"
هزت زوجته الأخري رأسها و بإبتسامة صفراء تخبرها:
"و أم ولاده"
أخذت الأخري تتفحصها لتري أمامها إمرأة ثلاثينية يبدو علي مظهرها إنها من الطبقة الشعبية، بينما الجمال فالمقارنة ليست في صالح شيماء.
حدقت روميساء الأخري بكبر وزهو:
"أهلاً وسهلاً"
أجابت شيماء و مازالت تحتفظ بهدوئها إضافة إلي الابتسامة الساخرة:
"أهلاً بيكي يا أخت روميساء"
ألتفت الأخري بإهتمام و دلال إلي طه تسأله:
"أنتم هنا تبع الفرح و لا جايين تتفسحوا؟"
"جايين نشم شوية هواء و نتغدي، أتفضلي معانا الأكل زمانه جاي"
أجابت بلباقة و تزيح خصلات شعرها خلف ظهرها:
"Thanks، أنا هنا كان عندي سيشن تصوير زي ما قولت لك أنا بشتغل موديل "
جاء إحدي الشباب:
"ممكن أتصور معاكي يا فنانة؟"
"طبعاً"
وقف الشاب بجوارها ملتصقاً و رفع هاتفه يلتقط الصورة، اقتربت شيماء من زوجها وهمست إليه:
"أنا عايزة أروح"
عقد ما بين حاجبيه ثم خبرها:
"إحنا جايين نقضي وقت حلو مش نتخانق و لا ننكد علي بعض، و بعدين لما نروح هافهمك كل حاجة"
عقبت بابتسامة تخفي خلفها بركان علي وشك الإنفجار:
"و أنا بقولك عايزة أمشي ياطه، بدل و رحمة أبويا لأسيبك و أروح لوحدي"
جز علي أسنانه و حدقها بوعيد قائلاً:
"ماشي يا شيماء"
تفرغت روميساء من التصوير فألتفت إليه وقالت:
"معلش ممكن تستناني أروح أغير هدومي و راجعة لكم؟"
لم تستطع شيماء أن تتحلي بالصبر أكثر من ذلك فقالت له:
"أنا هستناك في العربية"
ذهبت في الحال فما كان بيد طه سوي الإعتذار من الأخري قائلاً:
"معلش خليها مرة تانية، مضطرين نمشي عشان سايبين الأولاد لوحدهم في البيت، عن إذنك"
قالها و علي الفور ذهب ليلحق بزوجته تحت نظرات روميساء التي تدرك كل ما يحدث جيداً، تتابع كليهما بنظرة مبهمة.
※※※
وصل لتوه أمام المشفى، ترجل من سيارته يحمل حقيبة سوداء، هناك علي بُعد خمسة أمتار سيارة سوداء ذات زجاج معتم، تنظر إليه من خلف نظرتها الشمسية، حاولت الإتصال لكن كما يعطيها في كل محاولة _مشغول_ أدركت أن رقمها محظور لديه ألقت هاتفها علي الكرسي المجاور لها بغضب، فتحت أحد أدراج التابلوه، أخذت منه علبة معدنية صغيرة و ورقة نقدية بعملة أجنبية، قامت بفتح العلبة بها كيساً صغيراً شفافاً يحتوي علي مسحوق أبيض، أفرغت منه القليل داخل العلبة و وضعتها علي فخذها ريثما تطوي الورقة النقدية علي شكل أنبوب رفيع، قامت بإستنشاق المسحوق بفتحة أنفها من خلال الأنبوب التي صنعته، عادت إلي الوراء بأريحية تشعر بالإنتشاء بسبب هذا المخدر اللعين الذي اعتادت عليه حتي الإدمان عندما كانت في المصحة النفسية.
بحثت بعينيها عن شىء ما فوجدت ضالتها تقع أسفل الكرسي المجاور، دنت من علبة السجائر وسحبت منها سيجارة، قامت بإشعالها و نفثت دخانها في الهواء، تقول بوعيد:
"ما بقاش أنچي المهدي غير لما أرجعك ليا يا يوسف"
وبداخل المشفي يخرج من غرفة تبديل الثياب، يرتدي الثياب الخاصة عندما يجري العمليات، هذا الزي الأزرق و لدي صدره مطرز بإسم المشفى، أتجه إلي غرفة مكتبه و عندما فتح الباب، وجدها تقف أمام المكتب تبتسم إليه:
"واحشني يا يوسف"
وقف بصدمة في مكانه، يحدق إليها والشرر يتطاير من عينيه، بحدة يسألها:
"أنتي دخلتي هنا إزاي؟"
يصدر منها صوت استنشاق كالمصاب بالزكام، ابتسمت وأجابت وهي تقترب منه آن واحد:
"دخلت من الباب عادي، و لو قصدك دخلت من باب المستشفي إزاي، ما تنساش بابا الله يرحمه كان شريك هنا، و ما تنساش برضو أنا أبقي أم بنتنا لوجي"
أصبحت علي مقربة منه كادت تلتصق بصدره، قبض علي رسغها يسألها من بين أسنانه:
"عايزة مني إيه يا إنجي؟"
نظرت إلي عينيه لثوان وضعت يدها علي صدره فأجابت بثقة:
"عايزة نرجع أنا وأنت لبعض"
أبعد يدها عنه بعنف قائلاً:
"واضح إنهم خرجوكي من المصحة قبل ما تكملي علاجك"
انسدل من أنفها خط من الدماء، شعرت به ففتحت حقيبتها تناولت محرمة وأخذت تجفف بها الدماء وترجع برأسها إلي الخلف لثوان ثم قالت باستنكار:
"بالعكس أنا أتعالجت و أتغيرت للأحسن، حتي إسأل لوجي، دي حتي هي بتقعد تقولي يا مامي نفسي أنتي و بابي ترجعوا لبعض"
حدقها بازدراء وكراهية حينما أدرك سبب تلك الأعراض التي تحدث لها فأخبرها:
"أتغيرتي!، بأماراة شمك للبودرة اللي مبهدلاكي و مخلياكي تنزفي من مناخيرك"
قالت بدفاع عندما كشف لها أمرها:
"لاء، ده ده إلتهاب في الجيوب الأنفية هو اللي عاملي النزيف"
ابتسم بسخرية قائلاً:
"جيوب أنفية!، عموماً أنا مليش دعوة بيكي تشمي و لا تولعي بجاز أنا اللي يهمني بنتي، لو أتأذت بسببك في يوم من الأيام أو حتي لاقيتك ضيقتيها أنا مش هرجعك المصحة، لاء هخلي حبايبي اللي في الداخلية ياخدوكي بتهمة التعاطي"
وجدت إن محاولتها لا تجدي نفعاً فلجأت إلي حيلة تظن إنها ستؤثر عليه، جلست علي ركبتيها أمامه تمسك بيده بتوسل، ترفع رأسها وتنظر إليه برجاء و بكاء زائف:
"أرجوك يا يوسف أنا مليش غيرك، بابا مات و ماما عايشة برة مع أخواتها، و أي حد من قرايبنا لو كلمتهم ما يردوش عليا، كلهم بعدوا عني، مليش غيرك أنت ولوجي، أنا عارفة إنك بتحب علياء ومش هتقدر ترجعني عشانها، أنا راضية ترجعني و أكون مراتك في السر و أوعدك هاعيش تحت أمرك"
عبس ونظر إليها بضيق، سحب يده من يدها وابتعد إلي الوراء:
"قومي يا أنجي وبطلي اللي بتعمليه ده عشان ما تنزليش من نظري أكتر ما أنتي نازلة، حتي لو علياء مش في حياتي، قولي لي مين الراجل المحترم اللي يقبل يرجع لمراته اللي كانت بتخونه؟!، ده غير إن عمري ما حبيتك، يعني مفيش أي حاجة تشفع لك و تخليني أرجع لك"
نهضت وقلبها في الحقيقة ينفطر من الألم أثر طعنات كلماته المهينة لها، أصابها نزيف أخر في أنفها، وضعت المحرمة لدي فتحة أنفها.
أنقذه منها طرق الباب وصوت الممرضة في الخارج:
"دكتور يوسف العمليات والحالة جاهزين"
أخبرها بصوت جهوري:
"أنا جاي حالاً"
و قبل أن يذهب أخذ علبة المناديل من فوق المكتب وأعطاها إليها قائلاً:
"اللي بيحصلك ده نتيجة أفعالك زمان ودلوقت، و لو عايزة تتغيري فده عشان نفسك و عشان بنتك اللي للأسف أنتي وصمة العار اللي في حياتها، عن إذنك عندي عمليات"
غادر الغرفة تركها داخل خليط من عواصف المشاعر السلبية كالغضب والحقد، لم تبكي ولم تصرخ بل أخذت تضحك كمن أُصيبت بالجنون، توقفت عن الضحك تدريجياً عندما رأت المأزر الطبي، رفعت يدها تتحسس القرط في أذنها، قامت بخلعه وقامت برفعه أمام عينيها تحدق نحوه عن كثب و بداخل عقلها تقبع وساوس إبليس.
※※※
تجلس ريتاج تستذكر دروسها في الغرفة و شقيقها في الردهة يشاهد التلفاز، أمسكت بهاتفها و رأت رسالة واردة لم تسمع صوت رنينها، قرأت محتواها في الحال
«ريتاچ عشان خاطري ممكن تردي عليا، أخر مرة هكلمك و مش هزعجك تاني»
ترددت في الإتصال ثم قررت أن تلبي طلب هذا المحب المراهق، نهضت فذهبت لتطمئن بإنشغال شقيقها بالمشاهدة ثم عادت إلي غرفته وأغلقت الباب، قامت بلمس عدة أرقام تحفظها عن ظهر قلب، وضعت الهاتف علي أذنها تنتظر الرد.
"ألو؟"
جاء صوت زميلها:
"أخيراً سمعت صوتك، مش كفاية ما بقتش أعرف أشوفك؟!"
جلست علي طرف الفراش، وضعت خصلة شاردة خلف أذنها بخجل، أجابت بصوت هادئ للغاية:
"من وقت ما ماما سمعتنا و أنت بتكلمني بقت تنزل معايا في كل مشوار حتي المدرسة"
"طيب ينفع أكلم مامتك؟"
"هتكلمها هتقولها إيه؟"
"أقولها إن أنا بحبك و بخاف عليكي و عمري ما هأذيكي"
لطمت خدها:
"يا نهار أزرق!، ماما لو عرفت أصلاً إن بكلمك لسه ممكن تقتلني"
"تقتلك ليه ما صاحبتك تولين هي و معاذ صاحبي بيحبوا بعض و مامتها عارفة و بتكلم مامته وبيتقبلوا في النادي كمان"
"يا بني إحنا لسه أطفال، أخرنا نبقي أصحاب في المدرسة و...، سلام دلوقت هكلمك بعدين"
انهت المكالمة عندما سمعت صوت صياح والدتها في الغرفة الأخري، و ذلك بعد أن ولج طه من باب المنزل، دفعته عن دربها و ذهبت إلي الغرفة، لحق بها وأغلق الباب خلفه حتي لا يسمعه الصغار
"ممكن أعرف إيه اللي عملتيه ده؟"
صاحت بصوت غاضب وبسخرية:
"هو أنا لسه عملت حاجة، قال إيه هاي طه أنا روميساء جارتك، تعرفها منين البت دي و شوفتها و قبلتها قبل كدة أمتي؟"
"وطي صوتك يا شيماء و أتكلمي عدل، و بعدين مالك بتسألني بنبرة إتهام ليه كأني خونتك معاها!"
لوحت بيديها:
"الله أعلم، الأيام اللي فاتت قعدت مخاصمني بالعشر أيام و قالب بوزك عليا كأن قتلت لك قتيل، يا تري الوقت ده شوفت الهانم أم فستان ملزق و شفايف هتفرقع من كتر الفيلر؟ "
أطلق زفرة و حاول جاهداً أن يتحلي بالصبر في هذا الشجار الحاد، أخذ يردد:
"أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم، يارب الصبر من عندك"
عقبت بتهكم:
"أتاريك عمال تقولي اهتمي بنفسك ألبسي متدلع و غيري من لبسك، روحي بيوتي سنتر، ما كنت تقولي بالمرة روحي أنفخي شفايفك عشان أبقي شبهها و نعجب سيادتك؟!"
تعجب من تفسيرها للأمور مما جعله يشعر بالضيق و قد نفذ صبره بالفعل، فقال لها:
"هو أنا عشان بطلب منك أنك ترتاحي و تهتمي بنفسك و عايز أشوفك أجمل واحدة في عينيا تقومي تتهميني بإن عايزك تبقي شبهها؟!، هو ده اللي فهمتيه؟!، علي وضعك يا شيماء"
شعرت كم هي حمقاء للمرة الثانية، لم تمنحه فرصة للشرح و تطلق الأحكام دون تفكير، تخشي أن يخاصمها مرة أخري، رأته قد استدار و كاد يذهب فأوقفته:
"طه؟"
ألتفت إليها و بوجه متجهم أجاب:
"نعم؟"
تقدمت نحوه واقتربت منه، فجاءت لها فكرة حتي لا ينقلب عليها كالسابق، أرتمت علي صدره، طوقت جذعه بذراعيها و أطلقت دموعها باكية:
"غصب عني حقك عليا، أنا من حبي و غيرتي عليك ما بقتش شايفة قدامي و لا عارفة أنا بقول إيه"
شعر بغصة في فؤاده نحوها، عانقها و أخذ يربت عليها لتهدأ وتكف عن البكاء:
"خلاص يا شيماء"
أبعدت رأسها عن صدره و نظرت إليه من بين دموعها تسأله:
"أنت زعلان مني؟"
رفع حاجبه يسألها:
"أنتي شايفة إيه؟"
توقفت عن البكاء التي أتقنته ببراعة وابتسمت:
"شايفة إنك بتحبني و ما بيهونش عليك تشوفني في الحالة دي"
تنهد قائلاً:
"طيب الحمدلله إنك عارفة إن بحبك و ما بقدرش أشوف دموعك، يعني إستحالة أفكر حتي أخونك"
فكت ذراعيها لتطوق عنقه بدلاً من جذعه، تبتسم بانتصار دون أن يراها، فقالت له بدلال:
"و أنا واثقة فيك يا حبيبي، يا أبو ريتاج و سالم، و أبويا أنا كمان"
"طيب مش هتعوضي بابا ده عن الأكلة اللي ضيعتيها علينا؟"
ابتعدت قليلاً وسألته بحب:
"من عيوني يا حبيبي، أحلي فتة كوارع و ممبار لبابا، هغير هدومي و هاروح أحضر لك الغدا"
جذبها من خصرها بيديه يخبرها:
"أنا مش عايز كوارع، أنا عايز أكلك أنتي"
أنقض علي شفتيها بقبلة تلاها عناقاً أنتهي بالغوص في رحلة حب حميمية.
※※※
إنها السادسة مساءً كما تراها الآن في الهاتف، عادت بأريحية إلي الوراء بعد عناء ساعات من فحص كل حالة لديها، ضغطت علي زر جرس التنبيه والذي صدح بالخارج، ما لبث سوي ثوان وولجت مساعدتها تخبرها:
"دكتور علياء فاضل عشر حالات أربعة كشف و ستة استشاره"
أخذت الأخري تمسد جبهتها و تنكمش ملامحها بألم فقالت لها:
"معلش يا أمل بلغيهم إنهم يجوا بكرة و هيدخلوا الأول"
سألتها أمل بإهتمام:
"حضرتك كويسة؟"
أجابت بصوت ينضح بالوهن:
"مرهقة و عندي صداع مخليني مش شايفة قدامي"
"ألف سلامة عليكي"
نهضت وتخلع المأزر الطبي:
"الله يسلمك، لما الحالات يمشوا أبقي أقفلي المكان كويس"
"ما تقلقيش يا دكتور"
غادرت المركز الطبي وذهبت إلي السيارة، و قبل أن تدخل هاتفت زوجها لكن كالعادة لا يجيب و ذلك لإنشغاله في إجراء العمليات الجراحية للمرضي.
جلست علي كرسي القيادة، قامت بتشغيل المحرك وقد سمعت صوت تنبيه رسالة واردة
«مش قولت لك إن يوسف هيرجعي لي، روحي له المكتب و هاتعرفي كل حاجة، و بليز ممكن تدوري لي علي فردة الحلق بتاعي، أصل لما روحت أكتشفت إنها وقعت مني لما كنا أنا ويوسف مع بعض»
أسفل الرسالة صورة فردة القرط الأخري و صورة للمأزر الطبي الخاص بزوجها والمطرز عليه اسمه ملطخ بحمرة الشفاه.
رغماً من شعورها بالتعب لكن بمجرد قراءة تلك الكلمات و رؤية الصور جعل دمائها تغلي كالماء داخل المراجل، قررت بدلاً من الذهاب إلي المنزل عليها أن تذهب إلي المشفى.
※※※
"أهلاً وسهلاً دكتور علياء، المستشفي نورت"
قالتها موظفة الإستقبال، اكتفت الأخري بابتسامة رسمية و ردٍ مقتضب:
"أهلاً"
قادتها ساقيها إلي غرفة المكتب الخاصة بزوجها، و حينما وصلت اقتحمت الغرفة دون أن تطرق الباب، لم يكن بها يبدو إنه لم ينته من العمليات بعد، تركت حقيبتها علي الكرسي أمام المكتب، وقعت عيناها علي محارم ورقية ملقاه علي الأرض أمام الكرسي، دنت منها فوجدتها ملطخة بآثار الحمرة، و قبل أن تنهض لمحت بريق معدني، مدت يدها إلي هذا الشئ فوجدتها فردة القرط مثل الصورة المرسلة إليها.
نهضت تبحث عن المأزر فوجدته معلقاً علي المشجب المعدني، اقتربت منه وأخذت تتفحصه جيداً فرأت آثار الحمرة كما يوجد بالصورة الأخري.
فُتح الباب فجأة فالتفت، ولج فرآها تقف أمام المشجب تمسك المأزر، ابتسم دون أن ينتبه إلي نظرات عينيها التي يتطاير منها الشرر:
"للدرجدي وحشك أوي، ماسكة البالطو بتاعي وشكلك كنتي بتحضنيه، أهو صاحب البالطو واقف قدامك"
أشارت بعينيها إلي آثار الحمرة علي المأزر تسأله بهدوء قاتل:
"إيه ده؟"
نظر حيثما تشير رفع كتفيه مجيباً:
"معرفش"
رفعت أمام عينيه فردة القرط تسأله باتهام صريح:
"و دي كمان متعرفهاش؟"
شعر كأنه أحمق لوهلة، سألها و بدي عدم فهمه للأمر علي ملامح وجهه:
"أيوة مش فاهم تقصدي إيه، دي فردة حلق و ده البالطو بتاعي"
ضيقت عينيها قائلة:
"أنا قصدي علي أحمر الشفايف اللي علي البالطو و فردة الحلق اللي كانت لابسها الست أنچي، اللي كانت هنا بتعمل إيه؟"
الآن اتضح له الأمر كالشمس، جلس علي الكرسي وعقد ساعديه أمام صدره فأخبرها:
"أيوة كانت هنا قبل ما أبدأ العمليات، جت وبتتحايل عليا أرجع لها حتي لو في السر، خيالها المريض مصور لها إن أنا ممكن أطوعها بس أنا عرفت أوقفها عند حدها وعرفتها لو السما أنطبقت علي الأرض مستحيل نرجع"
"يعني ده كل اللي حصل بس؟"
عقد ما بين حاجبيه قائلاً:
"أظن أنتي عارفاني كويس، مليش في الكدب و لا الحوارات، واضح الهانم حبت تلعب لعبة قذرة عشان توقع ما بينا"
جلست علياء علي الكرسي المقابل له:
"أتاريها عمالة تبعت لي في رسايل بتقولي إنها مش هاتسيبك غير لما ترجع لها و النهاردة بعتالي صورة الحلق و البالطو و رسالة فيما معناه إنها كانت معاك وحصل ما بينكم...
لم تكمل حديثها فأصابته نوبة من الضحك مما أثار غضبها، صاحت تسأله:
"هو أنا قولت إيه يضحك؟"
توقف عن الضحك رويداً فأجاب:
"مش قصدي أضايقك والله، أنا بضحك إزاي تصدقي إن ممكن يحصل حاجة ما بيني و بين أنچي و أنتي أكتر واحدة عارفة يوم ما أتجوزتها كان إجبار من بابا الله يرحمه و جوازنا أنتهي لما أكتشفت خيانتها وبعدها قتلت ابن خالتها اللي كان عشيقها، مش عارف شكيتي فيا إزاي؟!"
"ده مش شك لأن عمري ما شكيت فيك، الموضوع و ما فيه مجرد التخيل خلاني أتجننت، و رسايلها مستفزة جداً، بصراحة لوجي صعبانة عليا أوي إن واحدة زي دي تبقي مامتها"
تنهد وقال:
"ما هو عشان كدة أنا قررت إنها ما تروحلهاش"
"ما ينفعش يا يوسف، مهما كانت دي مامتها مش لو عشان أنجي يبقي عشان لوجي اللي المفروض أنك تقرب منها و تصالحها عشان واخدة علي خاطرها منك لما زعقت لها قدامنا"
"أنا اللي عصبني منها لما عرفت إنها باتت عندها اليومين اللي سافرنا أنا وأنتي فيهم، رغم كنت منبه عليها قبل كدة ممنوع تبات عند مامتها، كفاية إن بخليها تروح لها كل أسبوع"
عقدت حاجبيها فسألته بعد أن شعرت هناك خطب ما:
"ما جتش من يومين يا يوسف في الأول و الآخر دي مامتها و عمرها ما هتأذيها"
أطلق زفرة يخرج ما يجول و يثور في صدره قائلاً:
"أنجي لسه محتاجة تكمل علاج نفسي، ده غير الكارثة الكبيرة الهانم مدمنة كوكايين"
شهقت بصدمة ثم قالت:
"ده كدة بتدمر نفسها و ممكن تدمر البنت وتأذيها نفسياً"
حدق نحو الفراغ ليخبرها بأمر محسوم:
"ما أنا مش هخليها تشوف بنتها غير لما تتعالج الأول نفسياً و من الإدمان"
※※※
و في صباح اليوم التالي...
عبرت جهاز التفتيش الإلكتروني في مدخل بوابة الجامعة، تتحدث في الهاتف:
"أنا وصلت يا حبيبي أول ما هخلص الـ section هكلمك"
أجاب آدم علي الجهة الأخري داخل مكتبه:
"أهم حاجة خدي بالك من نفسك، و ملكيش دعوة بحد"
ابتسمت وقالت ساخرة بمزاح:
"ناقص تقولي أعملي الواجب، هو اللي بعمله مع يوسف ابننا أنت بتعمله فيا و لا إيه؟"
"ما أنا فعلاً ناوي لما أرجع النهاردة هذاكر لك بنفسي، عملي و نظري، و العملي قبل النظري كمان ولا عندك إعتراض؟"
أدركت مغذي حديثه فقالت ضاحكة:
"يارب أكون فهمت غلط"
"لاء أنتي فهمتي صح، عارفة ليه؟"
"ليه يا دومي؟"
"عشان بحبك و وحشاني علي طول"
"طيب بذمتك أنا هارد عليك إزاي دلوقت و...
اصطدمت بفتاة فوقعت حقيبة اليد خاصتها
"هقفل معاك دلوقتي وهكلمك بعدين، سلام يا حبيبي"
دنت من الحقيبة فسبقتها الفتاة تعطيها إياها معتذرة:
"آسفة، أصلي كنت بمد عشان ألحق الـ section قبل ما تبدأ"
ابتسمت خديجة وقالت:
"و لا يهمك، حصل خير"
مدت الأخري يدها:
"معلش ملحقناش نتعرف المرة اللي فاتت، و شكراً علي وقفتك معايا أنتي والأستاذ اللي كان معاكي، اسمي فجر الدسوقي، سنة أولي للمرة التانية"
صافحتها مبتسمة:
" أنا خديجة البحيري، وبعدين مفيش شكر علي واجب، و بما إننا طلعنا زملاء دفعة واحدة ممكن نبقي أصحاب"
"ده شرف ليا طبعاً، بس أنا أفتكرتك سنة رابعة و أتنقلتي من جامعة تانية لهنا"
هزت الأخرى رأسها بالنفي وقالت:
"لاء أنا كنت ثانوي تجاري و جبت مجموع عملت معادلة منزلي و كنت بروح علي الإمتحانات، و لما نجحت أنشغلت في تربية يوسف ابني عن أكمل دراستي"
"ربنا يوفقك، أنا بحب الإنسان المجتهد و مش بيوقف عند حد معين في طموحاته، كل ما يكون عندك هدف كل ما هاتسعي لحد ما تحققيه"
"برافو عليكي، ده اللي بقوله لنفسي فعلاً، واضح إن تفكيرنا متقارب"
ابتسمت الأخري وقالت:
"ده أنا اللي فرحانة جداً أخيراً لاقيت حد يفهمني...
شهقت عندما تذكرت موعد المحاضرة:
"شوفتي الكلام خدنا إزاي!، يلا تعالي نلحق ندخل قبل الدكتور بدل ما يطردنا، أصله لما بيدخل ممنوع أي حد يدخل بعده"
بعد قليل...
يجلس الطلاب خلف المقاعد في صمت يستمعون إلي استاذهم ذو الملامح الحادة، رجل أربعيني يرتدي بدلة سوداء.
"النهاردة هنتكلم عن الحرية، حرية الرأي و حرية الفكر، أنت حر في إختيار عقيدتك حتي ميولك"
رفعت احداهن يدها، أشار إليها فوقفت
"أتفضلي"
"حضرتك بتقول الواحد حر في ميوله معني كدة أنك بتؤيد اللي بيحصل من فترة زي الشباب و البنات اللي بيهاجروا برة بسبب أنهم منبوذين من المجتمع العربي بسبب ميولهم إنهم يعني رينبو"
عقب حديثها صوت ضحكات الطلاب علي الكلمة الأخيرة، فأوقفهم الأستاذ بجدية:
"قصدك علي المثـ ليين، لو هنتكلم علي الحرية فهم أحرار في إختيار ميولهم طالما ما بيضروش اللي حواليهم"
رفعت خديجة يدها تنتظر أن يسمح لها الأستاذ بالتحدث والمناقشة، اقتربت منها فجر هامسة إليها:
"أنتي رافعة إيدك ليه؟"
"هرد علي كلامه"
"بلاش تتناقشي معاه لأنه متعصب لأفكاره و لو أتكلمتي معاه مش هتخلصي منه و ممكن يحرجك قدامنا"
ما كان من تحذير زميلتها سوي إنه زادها إصراراً فقالت:
"لما نشوف هيخرجني إزاي!"
أشار إليها الأستاذ بأن تقف و تتحدث، فسألها:
"أنا أول مرة أشوفك معانا، ممكن تعرفينا بنفسك"
أجابت بملامح صارمة تخبئ خلفها غضب عاصف لما لمسته من حديث هذا الأستاذ بعد أن أدركت توجهاته و أفكاره.
ابتلعت ريقها وبقوة وثبات بدأت بتعريف نفسها:
"اسمي خديجة سالم يحيي البحيري"
"اتفضلي يا خديجة قولي سؤالك"
"هو مش سؤال، هو تعقيب علي كلام حضرتك، دلوقتي أنت بتتكلم عن الحرية، ربنا سبحانه و تعالي خلقنا كلنا أحرار، و في نفس الوقت نظم حياتنا بالدين والشرائع السماوية، و زي ما كلنا عارفين إن الإسلام و المسيحية و اليهودية كلهم فيهم تحريم ما فعله قوم سيدنا لوط"
بدي علي ملامحه الإنزعاج الذي يشوبه الغضب، فقال بهدوء زائف:
"إحنا مش في محاضرة دين و لا أنا شيخ و لا قسيس"
ابتسامة هادئة زينت ثغرها، تخبره بثقة:
"لكن كلامك مخالف للدين"
عقد ما بين حاجبيه وسألها:
"قصدك إيه باللي قولتيه؟"
"قصدي حضرتك فهمه كويس أوي، بلاش بث أفكار مسمومة في عقول طلابك حتي لو كانت دي أفكارك و معتقداتك، دلوقتي كنت بتقول اللي بيعملوا فعل قوم لوط هم احرار في إختيار ميولهم، لكن هم مش أحرار لأنهم بيعملوا ذنب عظيم بيهز عرش ربنا و إلا مكنش أول قوم ابتدعوا الفعل المقرف ده أتخسف بيهم الأرض هما و زوجة سيدنا لوط اللي خدت نصيبها من العذاب عشان موقفها و دعمها ليهم زي موقفك كدة بالظبط"
تفهم جيداً الخلفية الثقافية والدينية لديها، و بخبث أراد أن يقلب دفة الحوار لصالحه:
"و معني كلامك نطبق الشرع والعقوبة علي اللي بيعمل زيهم، أحب أقولك أنتي لو في أمريكا أو فرنسا و قولتي الكلام ده هيعتقلوكي في الحال بتهمة العنصرية"
"و أنا مش في أمريكا و لا فرنسا، أنا في مصر بلد عربي فيها مسلم و مسيحي، لينا أخلاقنا و مبادئنا و عادتنا وتقاليدنا، و حضرتك عارف كويس البلاد اللي ذكرتها بتنفذ تعليمات مين"
ساد الصمت و نظراته إليها تحمل الكثير، أشار إليها قائلاً بأمر:
"اقعدي"
※※※
و بعد انتهاء المحاضرة، خرج جميع الطلاب و جميعهم يتهامسون بالمناقشة التي دارت بين الطالبة الجديدة و بين الأستاذ.
تركض فجر خلف خديجة:
"خديجة، استني هنا رايحة فين؟"
ألتفت إليها وأجابت:
"رايحة أشتري مايه"
"تعالي نشتري و نروح ناكل في الكافتريا، أنا ما فطرتش وجعانة جداً"
أخبرتها خديجة:
"معلش يا فجر، كولي أنتي أنا ماليش نفس"
"أوعي تكوني مضايقة من دكتور هاني، ده أنتي المفروض تفرحي إنك إديتيله علي دماغه و هو بصراحة يستاهل، ده معرفش يرد عليكي"
"بيتهيئ لك يا فجر، هو حاطني في دماغه لأن أنا و اللي زيي بالنسبة له خطر علي تحقيق أهدافه"
نظرت الأخري باستفهام:
"مين زيك؟، و خطر إيه؟"
"اللي بيحب دينه و عارف الصح من الغلط، اللي أتربي علي الأخلاق والقيم، اللي ما بيحبش يشوف الحرام أو أي شئ منكر قدامه ويسكت"
و كأن الأخري قد تذكرت شيئاً ما فقالت:
"أنتي صح يا خديجة، و بالنسبة للخطر مش أنتي بالعكس ده دكتور هاني هو كل اللي زيه، ما تعرفيش إن هو خلاني أكره أكتر شخص حبيته"
استمعت إليها خديجة باهتمام فتابعت الأخري:
"تعالي و إحنا بناكل هحكي لك"
تجلس كلتيهما حول المنضدة، ابتلعت فجر ما بفمها ثم قالت:
"الموضوع ابتدي من سنتين، كنت أنا وباسم بنحب بعض، رجله علي رجلي من أول ما أخرج من البيت لحد ما أخلص يومي و أرجع، كان بيخاف عليا جداً حتي من نفسه، كان محترم و قريب من ربنا مكنش بيسيب فرض، لحد من سنة و نص ظهر في حياتنا دكتور هاني الله يحرقه، باسم ذكي جداً و مثقف كان عامل زيك ما بيسكتش، يفضل يتناقش و يجادل، و في يوم طلبه دكتور هاني في مكتبه و قعد يتكلم معاه"
تناولت زجاجة المياه المعدنية وشربت منها القليل ثم أغلقت الغطاء وتركتها لتسطرد حديثها:
"من بعدها قربوا من بعض و بقوا أصدقاء تقدري تقولي بقي قدوته، استغربت جداً إزاي باسم يبقي صديق لدكتور هاني و هو نقيضه تماماً، عرفت الإجابة لما لاقيت باسم بدأ يتغير، يقصر في الصلاة لحد ما بطلها، بقي يتكلم معايا في حاجات غريبة، حتي طريقة لبسه والتاتو اللي مالي جسمه رسومات غريبة شبه الطلاسم، وتصرفاته بقت أغرب، كأنه واحد ما عرفهوش، الكارثة بقي لما اكتشفت إنه بيشرب خمرة ومخدرات، و لما جيبت أخري معاه من نصايح و محايلات عشان يبعد عن الطريق ده لاقيته بيقولي دي حياته و هو حر فيها و أنا المفروض عشان بحبه أتقبله زي ما هو وماليش حق أعترض"
تراجعت بظهرها إلي المسند الخلفي للكرسي، تنظر إلي الفراغ:
"قررت وقتها إن أبعد، كنت فاكرة إن كل حاجة انتهت لكن للأسف بُعدي عنه كان تحدي له، بقي يطاردني في كل مكان زي ما أنتي شوفتي قبل كدة، و كل ما أقوله مش عايزاك يزيد عناد و إصرار ويقعد يهددني"
عقبت خديجة قائلة:
"كلمي حد من أهله و أحكي لهم"
ابتسمت بتهكم وأخبرتها:
"مامته متوفية و باباه متجوز وعايش في كندا، ليه أخ واحد متجوز و عايش في دبي، يعني باسم عايش لوحده، ما لهوش غير عم يبقي نائب في البرلمان بس ما بيسألش عنه و لاحتي في دماغه"
"خلاص يبقي كلمي أهلك أنتي، مامتك أو باباكي يتكلموا معاه ويوقفوه عند حده"
"بابا الله يرحمه و أنا وماما عايشين لوحدنا، لولا الورث اللي بابا سابوا لينا و محل مفروشات، مكنش زماني دخلت الجامعة، ده غير ليا عم ظالم بيتلكك لماما من زمان عشان يستولي علي المحل غير عايز يجوزني ابنه، مش عايزاه يعرف بموضوع باسم و يستغله لصالحه و...
"فجر، تعالي عايزك"
و كأنه قد جاء علي ذكر اسمه، ألتفت إليه و حدقته بازدراء قائلة:
"و أنا مش عايزة أتكلم معاك يا باسم، عشان كل اللي ما بينا أنتهي"
يهز رأسه و يجز علي شفته السفلي ثم دنا منها يهمس إليها بتهديد:
"قومي معايا أحسن ما أعملك فضيحة في الجامعة وخلي الموضوع يوصل لعمك"
تدخلت خديجة للدفاع عن الأخري:
"أنت إزاي قابل علي نفسك تجبر واحدة مش عايزاك إنها ترجع لك؟!"
حدق إليها بازدراء و بتهكم أخبرها:
"خليكي في حالك أنتي يا ست الشيخة"
نظرت خديجة إلي فجر ثم إليه وقالت:
"ده لحق دكتور هاني يحكي لك!، ده أنتم فعلاً طلعتوا أصحاب، فعلاً الطيور علي أشكالها تقع"
رد باستهزاء ساخراً:
"دكتور هاني أكبر من إنه يرد علي حد رجعي ومتخلف"
وقفت خديجة و حدقت إليه بابتسامة ثقة وتحدي تخبره:
"التخلف في حد ذاته لما تغمض عينيك و تمشي ورا الشيطان اللي كلنا عارفين مصيره جهنم هو و أتباعه، يبقي مين بقي فينا اللي متخلف وغبي كمان؟!"
شعر بشئ ما داخل نفسه قد اهتز، أراد الهروب من نظرات و كلمات هذه المرأة، ألتفت إلي فجر و أمسك رسغها قائلاً:
"يلا يا فجر قدامي"
أمسكت خديجة ذراع فجر وجذبت رسغها من قبضة باسم وقالت له بتحذير:
"أول و آخر مرة تمد إيدك عليها أو تتعرض لها تاني، لو كنت بتحبها بجد يبقي لازم تستحقها الأول، تغير من نفسك وتبعد عن طريق الشر اللي ماشي فيه يا كدة يا تنساها أحسن لك"
نظرت إلي فجر:
"يلا يا فجر ورانا محاضرة"
جذبتها من يدها وذهبت فجر معها تحت مرأى باسم وعيناه تنضح بالشر والوعيد دون أن يتفوه بحرف واحد.
※※※
خرجت لوچي من بوابة النادي وكان هناك سيارة أجرة في انتظارها، دخلت السيارة وانتبهت إلي رنين هاتفها، لم تكن تريد أن تجيب لكن هذه المرة المائة التي تتصل بها زوجة والدها، و بعد تردد أجابت:
"ألو يا علياء؟"
"أنتي فين؟"
"لسه خارجة من النادي وراكبة أوبر"
"طيب ممكن تخليه يغير الرحلة و يوصلك عندي في المركز"
"بالله عليكي أنا مش عايزة أتكلم في حاجة، مش بابي حلف عليا ما أروحش عند مامي تاني، قولي له إنه هو كدة خسرني"
قاد السائق السيارة وأنطلق، جاء صوت علياء لها عبر الهاتف
"عشان خاطري أنا، تعالي و أنا و أنتي هانتكلم معاه و نوصل لحل حلو و في نفس الوقت تشوفي مامتك، بس بلاش تسيبي البيت"
زفرت بضيق فقد فاض بها الأمر، لم تستطع أن تتحمل أوامر والدها التي تراها ظلم يوقعه عليها بلا سبب
"معلش يا علياء مش هقدر أتكلم، باي"
أنهت المكالمة وأغلقت الهاتف ثم ألقت به داخل حقيبتها، فرت عبرة من عينها وهي تتذكر ما حدث قبل أن تذهب إلي النادي، جاء إليها والدها في الغرفة ليتحدث معها ويريد الاعتذار لها عن ما بدر منه منذ أيام أمام الجميع عندما كانوا يتناولون الفطور.
قدم إليها هدية ذات زوق رفيع، سلسلة من الذهب الأبيض بها قلادة ماسية لونها زمردي لامع، كم اسعدتها تلك الهدية و بعد حوار يدور حول بضع أسئلة ليطمئن علي أحوالها، انتهي بطلبه الذي جعلها تنسي اعتذاره في الحال عندما قال:
"لو بتحبي بابي ياريت تسمعي كلامي، بلاش تروحي لمامتك الفترة دي و من غير ليه قبل ما تسألي"
تلاشت ابتسامتها وقالت:
"معلش يا بابي، من حقي أعرف ليه"
أخبرها بحسم:
"هو كدة و اللي أقول عليه يتسمع"
وقفت أمامه تحدق إليه بتحديٍ قائلة:
"أنا هاسمع كلامك في أي حاجة إلا تمنعني عن مامي، مش عشان حضرتك بتكرهها تقوم معاقبها بأنك تحرمها مني"
صاح بتعجب:
"بكرهها!، مين اللي قالك كدة؟، طبعاً هي كل ما تشوفك تقعد تقولك الكلام ده، مش بعيد تقولي لي أن أنا اللي كنت الظالم والقاسي، لوچي أنتي مش صغيرة و أكيد فاكرة اللي حصل زمان، واحد غيري مكنش خلاكي شوفتيها خالص"
انتابتها حالة من البكاء فقالت:
"هي عملت كدة عشان أنت السبب و مكنتش بتحبها، و علي طول كنت بتجرحها عشان جدو الله يرحمه خلاك تسيب علياء و تتجوز مامي غصب عنك، مش كدة؟!"
تأكد يوسف من حدسه وأدرك أن وجود أنجي في حياة ابنتها خطر عليها نفسياً، و ها هي نتيجة سمومها التي تبخها في مسامع ابنتها، زاد إصراره فأخبرها بصرامة:
"كلمة و مش هاكررها تاني يا لوچي، أنسي تروحي لمامتك تاني"
"يبقي تنساني أنا كمان"
أخذت حقيبتها من فوق الطاولة و قبل أن تغادر الغرفة ألقت السلسلة في الأرض و ذهبت من القصر.
عادت من الذاكرة علي هزة قوية نتيجة توقف السيارة فجأة، سألت بقلق وخوف:
"هو إيه اللي حصل؟"
لم يلحق أن يجيب علي سؤالها ويخبرها أن هناك سيارة مجهولة أجبرته علي التوقف فجأة، نزل منها ثلاثة شباب، فتح أحدهم باب السيارة، صرخت لوجي بخوف:
"أبعد بدل ما أتصل علي البوليس"
جذبها الشاب عنوة قائلاً بسخرية:
"تعالي و إحنا هنتصلك عليه"
الفصول السادس والعشرون
الجزء الثالث
لقراءة الجزء الاول جميع الفصول
لقراءة الجزء الثاني جميع الفصول
الفصل السادس والعشرون
🐺 غابة الذئاب «ما بعد العهد» 🐺
"الجزء الثالث من رواية صراع الذئاب"
بقلم: ولاء رفعت علي
الحب كالبذرة الصغيرة تنمو وتترعرع داخل
قلوب منيرة بالخير الذي إذا لم يكن موجوداً تُفسد تلك البذرة قبل أن تنمو فتصبح الأفئدة آنذاك مليئة بالحقد والشر.
عادت من الذاكرة علي هزة قوية نتيجة توقف السيارة فجأة، سألت بقلق وخوف:
"هو إيه اللي حصل؟"
لم يلحق أن يجيب علي سؤالها ويخبرها أن هناك سيارة مجهولة أجبرته علي التوقف فجأة، نزل منها ثلاثة شباب، فتح أحدهم باب السيارة، صرخت لوجي بخوف:
"أبعد بدل ما أتصل علي البوليس"
جذبها الشاب عنوة قائلاً بسخرية:
"تعالي و إحنا هنتصلك عليه"
أطلقت صرخة لطلب الإستغاثة، لكن نجح الشاب الملثم بجذبها عنوة خارج السيارة يأمرها بصوت غليظ:
"قدامي يا حلوة"
و قبل أن يدفعها داخل سيارتهم أوقفته سيارة توقفت أمامهما وترجل منها عمر، صاحت لوجي:
"ألحقني يا عمر"
أشهر الملثم سكينه قائلاً:
"لو قربت منها هشقك نصين"
ركض الشابان الأخريان نحو عمر لكنه تصدي لهما ببراعة بحركات قتالية، سدد لهما اللكمات والركلات فأصبح كل منهما طريحاً في الأرض.
بدأ الذي يمسك بلوچي يتراجع إلي الخلف واضعاً سكينه علي نحرها:
"لو راجل قرب مني و أنا هدبحهالك زي الفرخة دلوقتـ...
لم يكمل جملته فقام عمر بركله في ساقه مما جعله يشعر بخلل في توازنه، استغلت لوجي ذلك فدفعته وابتعدت عنه، بينما عمر أخذ يضرب الملثم
صرخت لوچي:
"حاسب يا عمر"
في محاولة فاشلة لهذا الملثم منه استطاع أن يخدش ذراع الأخر بالسكين، لكن تمكن عمر برغم إصابته تسديد له عدة لكمات متتالية و قبل اللكمة الأخيرة، رفع الشاب يديه ودفعه هارباً إلي سيارته ولحق به الشابان، انطلقت السيارة في الحال تحت خوف و هلع لوچي التي تبكي، اقترب منها ليطمئن عليها:
"أنتي كويسة؟"
أومأت رأسها بنعم فأخبرته مشيرة له بيدها نحو جرح ذراعه:
"دراعك بينزف، أنت لازم تروح علي المستشفي"
جذبت الوشاح الملتف حول عنقها وضعته علي الجرح لوقف النزيف، كان يشعر بالألم لكنه تظاهر بعكس ذلك قائلاً:
"متخافيش، الجرح مش مستاهل نروح لمستشفي، ممكن نروح لأقرب صيدلية "
وبداخل الصيدلية يجلس علي الكرسي، يقوم الصيدلي بتطهير جرحه أولاً مخبراً إياه:
"الحمدلله الجرح مش محتاج غرز، إحنا نحط لك لزق طبي بديل الغرز وإن شاء الله هاتبقي كويس"
ألتفت إليه عمر وقال له:
"شكراً يا دكتور"
لوي الأخر شفتيه جانباً:
"العفو يا...
قاطعه الأخر ويضغط علي حروف اسمه للتأكيد علي الآخر:
"عمر، اسمي عمر المصري يا دكتور"
"عمر علشان خاطري تعالي نروح للمستشفي عند بابي، بابي جراح شاطر جداً وعشان يقدم لك بلاغ في البلطجية اللي اتهجموا علينا"
أخبرها الصيدلي:
"مفيش داعي يا آنسة إنه يروح لمستشفي، الجرح مش عميق، يعني الحكاية مش مستاهلة"
"خلاص يبقي كدة نروح نقدم بلاغ، المشكلة كانوا ملثمين"
وعقب عمر بعد حديثها:
"و لوحة العربية بتاعتهم معليهاش ولا رقم"
حدق الصيدلي إلي عمر أولاً بنظرة مبهمة ثم إلي لوچي يخبرها:
"بالتأكيد فيه كاميرات في مكان الحادث ممكن نخلي أصحابها يفرغوها و تقدموا بالتسجيل في المحضر"
نهض عمر وقال لها:
"يلا عشان أوصلك، و أنا هارجع لأصحاب الكاميرات وهعمل المحضر بنفسي"
"لاء أنا جاية معاك عشان أحكي لهم اللي حصل قبل ما أنت تظهر و...
توقفت عندما تذكرت أمراً ما للتو فسألته:
"ألا قولي صح، أنت ظهرت فجأة كدة وقتها إزاي؟، هو أنت...
بدي علي ملامحه التوتر والقلق وعندما تابعت سؤالها:
"هو أنت كنت بتراقبني؟"
تنفس الصعداء فقال معاتباً:
"و لنفرض إن براقبك، المفروض تشكريني لأن أنقذتك من إيد العيال اللي الله أعلم كانوا خدوكي عملوا فيكي إيه"
ابتسمت إليه وقالت:
"thank you"
بادلها الابتسامة قائلاً:
"أنا بهزر معاكي مش عايز شكر، كل اللي عايزه تاخدي بالك من نفسك، و يلا عشان أوصلك"
وبعد قطع مسافة قصيرة أخبرته أن يوصلها إلي مسكن والدتها، و عندما صف السيارة أمام البناء
"بجد مش عارفة أشكرك إزاي"
ابتسم وقال:
"لو تقبلي أعزمك بكرة في النادي هابقي أنا اللي شاكر ليكي جداً"
أومأت بالموافقة:
"أوك"
رفع هاتفه قائلاً:
"ممكن تسجلي نمرتك عشان هكلمك لما أنزل هعدي عليكي أخدك "
ترددت قليلاً ثم أخذت منه الهاتف و قامت بتسجيل رقم هاتفها وقالت:
"هاستناك بكرة، باي"
فتحت باب السيارة وكادت تنزل فألتفت إليه تسأله:
"هو أنت بتلعب چودو أو كارتيه؟"
أجاب مبتسماً:
"كنت بلعب كونج فو وكنت واخد بطولة الجمهورية كمان"
هزت رأسها دلالة علي إقتناعها لما رأته فتابع:
"بكرة هانقعد نتكلم مع بعض و كل واحد هيحكي عن نفسه، و لو مش عايزة خلاص"
ابتسامة ساخرة بدت علي ثغرها:
"ما تقلقش هحكي لك، لأن محدش تقريباً هيسمعني غيرك، أشوفك بكرة باي"
لوحت له بيدها ونزلت، تابعها حتي اختفت عن نظره ثم أنطلق بسيارته.
༺※※※༻
في غرفة الإجتماعات داخل شركة البحيري ستيل، يترأس الطاولة و يجلس بعض من موظفين الشركة علي يمينه، يراجع كل منهم الملف الورقي الذي أمامه، بينما علي شماله يجلس رجال يبدو علي ملامحهم إنهم من سكان جنوب القارة الأوروبية.
لاحظ قصى كرسي نظيره الأجنبي شاغراً، فسأل أحد أعضاء الوفد بالإيطالية:
"أين هو رئيسكم؟"
أجاب الشاب:
"نحن نعتذر لك عن التأخير، لكنه أخبرنا منذ قليل في الهاتف إنه قادم، فهناك أزمة مرور في الطريق المؤدي إلي هنا"
"حسناً، فلننتظر"
تنهد وألقي نظرة علي ساعة يده، عقد ما بين حاجبيه بضيق وضجر، أمسك هاتفه وقام بالإتصال عليها، بالرغم إنها تركت العمل في الشركة لكنه يحتاج إليها اليوم، فقد جاء إليه الكثيرات مَنْ يرغبن في العمل بمجال التسويق لديه لكن كلما يتم توظيف احداهن تفشل في إدارة التسويق وتسبب الخسائر، لذا لم يكن أمامه سوي أن يلجأ من هي جديرة في تلك المكانة ريثما يجد مثيلتها.
لنذهب في مكان قريب من الشركة، فهناك ازدحام مروري قد وصل لذروته، يصدح ضجيج أصوات أبواق السيارات، وهنا داخل سيارة أجرة تجلس منار خلف السائق تزفر بضيق، تسأله:
"هانفضل في الزحمة دي كتير يا سطا؟، بقي لنا ساعة واقفين وأنا ورايا شغل أتأخرت عليه"
أخبرها السائق بعد أن نفذ صبره من الإنتظار:
"جرى إيه يا ست؟!، عينيكي الحلويين دول مش شايفين الزحمة اللي إحنا فيها و لا إيه؟"
صاحت بحنق:
"أنت بتزعق و لا بتعاكس؟!، و بعدين إيه ست ديه؟"
نظر إليها عبر المرآة يجيب بتهكم:
"أومال عايزاني أقولك إيه يا مزة؟"
كانت نظراته إليها كفيلة بأن تجعلها تشعر بالحذر منه والغضب في آن واحد:
"لاء أنت كدة زودتها أوي، لولا إن أنا مستعجلة كنت وريتك، و لا أقولك أنا هانزل أحسن و أخدها مشي بلا هم"
فتحت باب السيارة ونزلت ثم صفقت الباب بقوة، أخرج الأخر لها رأسه من النافذة يصيح بغضب:
"الله يخربيتك هتكسري الباب، العربية عليها أقساط"
و كأن تذكر أمر قد نسيه:
"الأجرة يا ست، طيب يا مودمزيل"
أشاحت له بيدها دون أن تلتفت إليه، تحاول العبور من بين السيارات لتصل إلي الجهة الأخري من الطريق، و عندما أصبح أمامها العبور من أخر صف لم تجد منفذ للعبور منه، سوي هذه الدراجة النارية، يرتدي قائدها حلة رسمية وخوذة الحماية للرأس، لمعت عينيها بفكرة، نظرت إلي ساقيها فهي ترتدي بنطال من القماش مناسب لهذا الموقف.
اقتربت من الدراجة فقالت لقائدها:
"معلش ممكن أعدي من فوق الموتسيكل، أصلي متأخرة علي الشغل جداً"
نظر إليها من خلف الغطاء البلاستيكي الشفاف لثوان ثم أومأ لها بالسماح، ابتسمت إليه بإمتنان:
"متشكرة جداً"
و ما أن رفعت ساقها أعلي الدراجة تحركت السيارات إلي الأمام مما أفسح مجالاً للإنطلاق، لم يمهلها بأن تنزل من فوق دراجته فأنطلق بها، صرخت بخوف وتمسك به خشية من السقوط:
"أنت يا اسمك إيه، بتعمل إيه نزلني، و ربنا لأصوت و ألم عليك الناس"
لم يهتم لتهديدها ذاك لكنه يسألها بهدوء:
"عايزة تروحي فين؟"
كان سؤاله الهادئ بل والبارد جعلها تثور وتصيح:
"أنت ما بتسمعش؟!، بقولك نزلني"
توقف فجأة مما جعلها تتشبث به أكثر حتي لا تقع، نزلت سريعاً وتزفر بغضب:
"بني آدم مستفز"
"العفو يا...
قالها بسخرية مازحاً، بينما هي أسرعت من خطواتها ولم تنتبه إلي ما سقط من حقيبتها، نزل من فوق دراجته ودنا من حامل البطاقات الجلدي خاصتها، أخذه وكاد ينادي عليها فلم يجدها؛ لأنها اختفت بين المارة.
أنطلق بدراجته إلي الشركة، فوصل أمام البوابة الزجاجية، نزل من أعلاها فتقدم منه المسئول عن ساحة الإنتظار الخاصة بالسيارات، أعطاه الأخر المفتاح بعد أن خلع الخوذة وتركها لديه أيضاً، ضبط ترتيب خصلات شعره التي تبعثرت ثم ولج إلي الداخل.
نعود إلي قصى الذي مل من طول الإنتظار فقال إلي الوفد الإيطالي:
"يكفي تأخيراً، فلنبدأ الإجتماع"
انتبه الجميع إلي صوت فتح الباب علي مصراعيه تزامناً مع ولوج هذا ذو الطول الفارع والجسد الرياضي وهو يقول بالإيطالية:
"ها أنا جئت"
حدق إليه قصى بتمعن وسرعان تحولت ملامحه من الضيق إلي التعجب والسعادة معاً، نهض قائلاً:
"أدهم الشافعي؟!"
تقدم أدهم إليه بسعادة مماثلة:
"قصى العزازي"
تعانق كليهما بقوة، ربت قصى علي ظهر الأخر:
"كنت مختفي فين السنين اللي فاتت؟"
أجاب أدهم بعدما أنتهي العناق:
"دي قصة طويلة هابقي أحكيهالك بعدين"
"ده أنا مش هاسيبك النهاردة، هنخلص الـ meeting و هاخدك نتغدي برة"
و قبل أن يجلس كليهما تابع قصى الحديث بسؤال:
"اه صح، مش المفروض المسئول عن الوفد كان سنيور ماثيو إيفانز"
نظر إلي الوفد ثم إلي قصى فأخبره بصوت خافت:
"سنيور ماثيو مراته مسكته متلبس وهو بيخونها مع السكرتيرة، سلطت عليه الجاردس بتوعها، ضربوه علقة لما أدغدغ يا ولداه، طلب مني أنزل مصر وأكون مكانه، أهو ما يبقاش موت وخراب ديار، بس تعرف هو ابن حلال ويستاهل محدش قاله يخون مراته مع السكرتيرة، جو قديم أوي"
برغم من تعابير وجه أدهم المازحة وهو يخبره بما سبق، لكن كان قصى يستمع إليه بصمت حتي أنتبه إلي دخول منار التي تلهث
"آسفة جداً جداً علي التأخير يا مستر قصى، الطريق كان واقف بقي له ساعة وأنا أخر ما زهقت نزلت من العربية وخدتها جري لحد هنا"
كان قد ألتفت إليها أدهم ونظر إليها يتأملها، فهي الفتاة التي صعدت علي دراجته النارية، ابتسم بمكر ثم انتبه علي صوت قصى وهو يشير إليها:
"أتفضلي أقعدي وخدي نفسك الأول عشان هنبدأ دلوقت"
فعلت ما قاله لها لكن لاحظت نظرات أدهم الذي لم تعرفه بسبب خوذة الأمان التي كان يرتديها، بينما نظراته لها وكأنه يعرفها، فدار داخل عقلها هذا الحديث:
"و ده مين القمر أبو عيون خضرة ده كمان؟، عمال يضحك لي و يبص لي كدة ليه؟، ما تبطل تبص لي بقي أنا ما أنفعكش خالص أنت إيطالي وأنا...
"أعرفك يا منار بسنيور أدهم الشافعي"
ثم ألتفت إلي أدهم وأخبره:
"آنسة منار مسئولة التسويق و صاحبة فكرة المشروع المشترك ما بين الشركتين"
مد أدهم يده ليصافحها:
"أهلاً وسهلاً سنيورتا"
بينما هي شاردة تكمل الحديث داخل عقلها
"إيه ده!، طلع عربي الحمدلله"
اقترب قصى منها وهمس إليها:
"الراجل بيكلمك و أنتي سرحانة؟!"
غرت فاها ببلاهة:
"ها؟"
نظرت إلي أدهم وبادلته المصافحة بابتسامة أظهرت جمالها الساحر أكثر:
"أهلاً بحضرتك يا فندم"
ظل أدهم يمسك بيدها و كل من يجلس من الوفد الإيطالي و الموظفين التابعين للشركة يتابع كليهما، حمحم قصى ثم قال:
"مش هانشتغل و لا إيه؟"
تركت منار يد أدهم علي الفور فقالت بخجل و حرج:
"حالاً يا مستر قصى"
نهضت وبدأت تشرح بالإيطالية ملخص أفكار المشروع بكل سهولة يشوبها الجدية، فهي تتجنب النظر إلي أدهم حتي لا تتشتت، لكن الأخر كان ينجح في لفت نظرها إليه عبر إفتعال تعابير مضحكة، بينما هي تتظاهر بعدم الإهتمام رغم كبت سيل من الضحك بداخلها.
وأخيراً ها هي انتهت من الحديث الذي نال إعجاب الجميع فصفقوا لها بحرارة.
عقب أدهم بعد أن تحلي بالجدية بالتحدث عن رأيه في تلك الأفكار التي طرحتها منار، كما أضاف عليها حلول مبتكرة، كانت تتابعه ولم تنكر إعجابها بذكائه وهذا غير وسامته التي تنضح بالرجولة والجذابية، سرعان ما نفضت عن رأسها تلك الأفكار.
و بعد انتهائه من الحديث أخذ هو وقصى كليهما يزيل توقيعه أسفل العقود.
"مبارك يا صديقي"
قالها أدهم بالإيطالية فأجاب قصى:
"مبروك علينا و علي سنيور ماثيو"
نهض الجميع فتابع قصى يخبرهم:
"و من أجل هذه المناسبة السعيدة، أدعوكم إلي تناول الغداء"
فقالت منار ويداهمها الحرج:
"معلش يا مستر قصى، مش هقدر أجي معاكم"
سألها بصوت خافت:
"ليه فيه حاجة؟"
"مفيش، أصل بس...
"طالما مفيش حاجة تمنع، يلا معانا"
وجدت أن لا مفر من ذلك، ابتسمت وقالت:
"تمام، هاجي معاكم"
بدأ الجميع مغادرة الغرفة، كانت تقف تفتش في حقيبتها و يخالج القلق ملامحها
"راحت فين دي ياربي؟"
"بتدوري علي حاجة؟"
رفعت رأسها فوجدت أدهم يقف أمامها ويمد يده إليها بالمحفظة
"شكراً يا...
كادت تأخذها لكنه رفع يده لكي لا تأخذها و علي وجهه إبتسامة أثارت حنقها
"مش هتاخديها غير لما تعتذري الأول"
تعجبت ورفعت احد حاجبيها:
"أعتذر!، عن إيه إن شاء الله؟"
دنا منها لفرق الطول بينهما ليخبرها بهدوء لا يخلو من ابتسامة تجعلها تستشيط غيظاً أكثر:
"أحب أعرفك بنفسي أنا البني آدم المستفز اللي كنتي راكبة الموتوسيكل بتاعه"
و بعد أن أخبرها بهذا أخذ يراقص حاجبيه، و دون سابق إنذار صاحت بغضب:
"قولتلي بقي أنت...
كمم فمها بكفه:
"هوس، إحنا مش في الشارع عشان تزعقي، عايزة مديرك اللي هو صاحبي يقول علينا إيه"
نظر خلفه ليطمئن إنه لم يجد أحد سواهما ثم ألتفت إليها وقال:
"ما تقلقيش أنا هديلك محفظتك حالاً بس بشرط"
أزاحت كفه بعنف:
"و كمان بتتشرط!، عايز إيه يا سنيور أدهم؟"
"أتفضلي"
أخذت من يده المحفظة، فتابع حديثه:
"هعتبر إنك اعتذرتي وأنا قبلت الإعتذار، و الإثبات هو حاجة كان نفسي أعملها أول ما شوفتك في الإشارة"
لم يمهلها التفكير فقام بخطف قبلة من جانب شفتيها، و بتلقائية منها قامت بصفعه:
"يا مجنون يا قليل الأدب"
ركضت إلي الخارج وتركته يضع أصابعه علي خده يلمس أثر صفعتها له مبتسماً، يقول بوعيد:
"بقي أنا مجنون و قليل الأدب!، هتخليني أرجع لأيام الشقاوة يا، يا سنيورتا"
༺※※※༻
"بس أقف هنا علي جمب"
قالتها وألقت نظرة في المرآة ثم كادت تغادر السيارة فامسكها زوجها من يدها سائلاً:
"نازلة كدة من غير بوسة و لا حضن أو حتي هتوحشني يا يونس يا حبيبي!"
ابتسمت كارين وقالت:
"اللي يسمعك يقول إني مسافرة، دي كلها كام ساعة يا حبيبي وهاروح البيت تكون خلصت اللي وراك في الجاليري وترجع تلاقيني محضرة لك العشا ومنيمة جولي ورسلان عشان نعرف نسهر براحتنا"
غمزت بعينها فاتسع ثغره بسعادة و تلألأت عيناه بنظرة تدركها هي قائلاً:
"أيوه بقي، ده إحنا سهرتنا هتبقي للصبح"
و بادلها بغمزة
"ممكن بقي تسيبني أروح أشوف شغلي"
اقترب بشفتيه من خاصتها هامساً:
"مفيش نزول من العربية غير لما أخد تصبيرة لحد ما أرجع لك بالليل"
ختم كلماته بإلتقاط شفتيها في قبلة يراها هذا الذي يراقبهما من خلف نافذة غرفة المكتب، يحتسي مشروباً في كأس زجاجية، أخذت قبضة يده حول الكأس تضغط بقوة حتي انكسرت في يده.
ولجت المساعدة الخاصة به في هذا الحين، شهقت وسألته بقلق وخوف حياله:
"حضرتك كويس يا مهند بيه؟"
ألتفت إليها والوجوم يعتلي ملامحه يخبرها:
"أطلعي برة و أقفلي الباب وراكي، و لما تيجي مدام كارين خليها تستني برة لحد ما أقولك تدخليها"
هزت رأسها بطاعة قائلة:
"أمرك يافندم"
وفي الخارج كانت قد نزلت من السيارة و قبل أن تدخل إلي مبني الشركة، لوحت بيدها مودعة زوجها بابتسامة نابعة من فؤادها الذي يهيم في عشقه.
صوت كعب حذائها يدوي في أرجاء ردهة الإستقبال حيث مكتب المساعدة، توقفت لتسألها:
"أستاذ مهند جوة؟"
ترددت الأخري قليلاً وهي تجيب بما أمرها مديرها حتي أجابت في النهاية:
"معلش يافندم ممكن تتفضلي تستنيه هنا لأنه مشغول دلوقت"
عقدت ما بين حاجبيها بتعجب فقالت:
"إزاي و هو بنفسه مكلمني أجي له في الميعاد ده"
"معرفش والله يا فندم، بس هو بنفسه لسه قايلي إنه مشغول و ممنوع حد يدخل غير لما يكلمني"
هزت كارين رأسها وضغطت علي شفتها السفلي بحنق، جلست علي أقرب مقعد و تزفر بغضب:
"و ماله أستني"
ثم أردفت بصوت خافت:
"شكله سماوي و بيرد لي تأخير الشغل عليه، ماشي يا أستاذ مهند"
༺※※※༻
حول مائدة طعام مليئة بكل ما لذ وطاب من أصناف الطعام والمشروبات، يرأسها صاحب الدعوة الذي يتناول طعامه و يمضغ في صمت، يراقب ما يحدث دون أن يلفت الانتباه، لاحظ نظرات أدهم نحو منار مطأطأة رأسها وخديها يكسيهما حمرة الخجل، يبدو عليها شعور التوتر والقلق، لذا مال إليها قصى يسألها بصوت خافت:
"مالك قاعدة مش علي بعضك كدة ليه؟، فيه حاجة حصلت عندكم؟"
رفعت رأسها واعتدلت، نظرت إلي أدهم بتجهم ثم حدقت إلي قصى بشبه ابتسامة فأجابت:
"لاء مفيش حاجة"
"متأكدة؟"
سؤاله يصاحبه نظرة يشوبها ابتسامة جعلتها تشعر بالتوتر أكثر، أدركت إنه لاحظ ما يدور علي المائدة مما زاد علي التوتر لديها الشعور بالحرج والخجل، تظاهرت بالتماسك وأجابت:
"أطمن حضرتك مفيش حاجة"
نهضت وأردفت:
"عن إذنك خمس دقايق وراجعة"
"أتفضلي"
ذهبت و عينان أدهم تتبعها كظلها حتي انتبه إلي قصى وهو يخبره:
"واضح إنها مش رحلة عمل وبس"
"دي شكلها هتبقي أحلي وأجمل وأشيك رحلة شوفتها في حياتي"
ضحك قصى وقال:
"زي ما أنت لسه ما أتغيرتش"
نظر الأخر إليه وسأله:
"هو باين عليا أوي كدة؟"
"أيوة طبعاً، ده حتي البنت من كتر إحراجها أتكسفت وقامت عشان عينيك اللي ما نزلتش من عليها من وقت ما قعدنا"
ترك الشوك والسكين جانباً ثم زحزح مقعده بالقرب من صاحبه ومازال جالساً ليخبره قائلاً:
"ممكن ما تصدقنيش أو تقول عليا مجنون، بصراحة البنت عجباني أوي ويارب ما تطلعش مخطوبة و لا مرتبطة"
"أدهم، منار بنت محترمة و مالهاش في الحوارات اللي كنت بتعملها زمان مع البنات"
أسرع الأخر مدافعاً عن نفسه:
"أبداً والله، أنت فاهمني غلط، القصة و ما فيها قبل ما أنزل مصر قررت أستقر و أتجوز وأعيش قريب من أهلي"
"أفهم من كدة إنك معجب بيها بجد و عايز تتجوزها؟"
"مش علي طول طبعاً، قصدي يعني مش لازم نتعرف علي بعض الأول و تعرف عني كل حاجة والعكس، واضح إنها ما أتجوزتش قبل كدة و ده اللي بتمناه، أنت عارفني بقي بحب أكون الأول حتي في حياة البنت اللي هاتجوزها"
ابتلع قصى لعابه وهو يتذكر أمر زواجه من منار برغم إنه مجرد زواج علي ورق فقط، يخشي ما فعله يصبح عائق أمامها أو مشكلة تسبب إليها المتاعب.
"لو الحكاية جد زي ما أنت بتقول، هاكون أول واحد فرحان ليك"
"ياريت بقي تكمل جميلك مع صاحبك و تلمح لها أو تعرفي لي منها إن فيه حد في حياتها و لا لاء"
أومأ إليه:
"حاضر، أنا هتكلم معاها بس حكاية حد في حياتها دي أنت تعرفها بنفسك منها"
"و طلب تاني، معلش هتقل عليك شوية، سنيور ماثيو قرر يفتح فرع هنا وأنا هادخل معاه كشريك فكل اللي طلبه منك تشوفي لي موظفين زي اللي عندك خصوصاً في الـ marketing"
هز الأخر رأسه بالموافقة قائلاً:
"اعتبره حصل"
صدح رنين هاتف أدهم، أخرج هاتفه من جيب سترته الداخلي، نهض يخبر الأخر:
"عن إذنك هارد علي التليفون ده و راجع لك نكمل كلامنا"
ذهب علي بُعد أمتار يجيب علي المكالمة، أخذ يسير حتي رآها تقف لدي حافة السياج البلاستيكي المطل علي النهر مباشرة، كأنها تقف لتتنفس الهواء وسرعان ما توقف لديها التنفس عندما سمعت صوته خلفها:
"أنا آسف من اللي حصل بعد الـ meeting"
ألتفت إليه علي الفور، تحدق إليه بغضب زائف:
"بص يا اسمك إيه أنت"
ابتسم ببرود قائلاً:
"اسمي أدهم و بيدلعوني أدهومي، وياسلام لما أبقي أدهومك هابقي سعيد أكتر"
"سعيد و لا حزين و...
قاطعها مردداً الأغنية:
"و لا"
ازدادت ابتسامته فأخبرها:
"علي فكرة بهاء سلطان كان بيقول حزين و لا سعيد مش العكس"
أطلقت زفرة نارية وقالت:
"اسمع يا أستاذ أدهم، عيب اللي حضرتك عملته في المكتب، و كان بإمكاني أشتكيك لمستر قصى و...
توقفت حينما اقترب منها وكاد يلتصق بها، خلفها السياج و لا مفر من الابتعاد أو الهروب من أمامه
"ها كملي؟، كنتي عايزة تشتكيني لمستر قصى كنتي هتقوليله إيه بالظبط؟"
دنا برأسه و بهمس من شفتيه جعل أنفاسه تضرب بشرتها التي توهجت من فرط الخجل وأردف قائلاً:
"هاتقولي له إن أنا بوستك كده"
و قبل أن تلمس شفتاه خاصتها رفعت يدها لتصفعه لكنها انتفضت حين أمسك رسغها بقبضة قوية، و في برهة تحولت نظراته المبتسمة إلي أخري مرعبة دبت الخوف في صدرها، يحدق إليها بنظرة مخيفة محذراً إياها:
"لو أتكررت الحركة دي تاني مش هتبقي بوسة وبس"
كانت عيناها تتسع من الصدمة وكادت تخرج من محجريهما عندما أردف:
"هتبقي كل الخطوات اللي بتيجي بعد البوسة"
شهقت ودفعته بكل قوتها جاذبة رسغها من قبضته ثم صاحت:
"أنت مش قليل الأدب و بس، أنت وقح كمان"
ركضت قبل أن يلحق بها و يفعل بها أمر أحمق، إنها قد أيقنت كانت أمام شخص مجنون يفعل ما يحلو له، بينما هو كان يقف في مكانه يضحك علي ردة فعلها وكيف استطاع أن يجعلها تصدق مزاحه
༺※※※༻
تطلق زفرة بين كل الفينة والأخري بعد أن نال منها الضجر والملل، تنظر في ساعة هاتفها فتجد قد مر أكثر من نصف ساعة ومازال هذا المهند مشغولاً كما أخبرتها المساعدة التي تتحدث في الهاتف بهمس:
"أيوه يا مهند بيه، لسه منتظرة و شكلها متضايقة من الإنتظار علي الأخر"
نهضت كارين بغضب وتقدمت من مكتب الأخري:
"روحي بلغي مديرك إن ملهوش شغل عندي و أي إتفاق ما بينا يعتبر لاغي"
"يا مدام كارين ثواني بس"
أخبرها مهند في الهاتف:
"قوليلها تدخل"
"أتفضلي يافندم، مهند بيه مستني حضرتك"
أشارت المساعدة إليها نحو باب مكتب مديرها، ألقت كارين عليها بنظرة ازدراء ثم ذهبت بخطوات سريعة، طرقت الباب أولاً ثم قامت بفتحه قائلة بسخرية:
"أتفضل أدخل و لا حضرتك لسه مشغول؟!"
حدق إليها بطيف ابتسامة ثم أشار إليها نحو الكرسي أمام المكتب:
"أتفضلي يا مدام كارين"
جلست علي مضض و عيناها تتجول بالنظر من حولها، اللون الأسود منتشر في الأثاث والحوائط جعلها تشعر بعدم الراحة، انتبهت إلي لوحة زيتية تتوسط الجدار المقابل للمكتب، اللوحة لجندي روماني يضع سن سيفه المدبب نحو نحر سيدة عارية تجثو أمامه وتتوسل إليه.
قاطع تأملها للوحة صوت مهند يخبرها:
"ده مشهد لواحد من المحاربين الرومان رجع من حرب كان منتصر فيها عشان يلاقي مراته بتهزمه وهي بتخونه مع أعز أصدقائه، و زي ما أنتي شايفة راكعة قدامه بتتوسل ليه إنه ما يقتلهاش"
انتابها شعور غريب فاقشعر بدنها لما أخبرها به مع رؤية تلك اللوحة المرعبة إليها، ألتفت إليه و بفضول سألته:
"القصة دي حقيقة و لا أسطورة؟"
أجاب بهدوء وشبح ابتسامة ظهر علي شفتيه، رفع أصبعيه السبابة والوسطي:
"الأتنين، ما بتسمعيش عن قصص الخيانة سواء في الأخبار أو الميديا و لا مش متابعة؟"
لحظات صمت معدودة حتي أجابت:
"بحاول ما أتابعش لأن المواضيع دي بتتعبني نفسياً"
رفع سماعة الهاتف وتحدث:
"فنجان قهوة بلاك و عصير ليمون"
وضع السماعة ثم نهض في خطوات وئيدة سببت لها التوتر من هذا الرجل الغامض، جلس في الكرسي المقابل لها
"بالمناسبة، أنا عرفت إنك كنتي متضايقة من الإنتظار برة، أنا فعلاً كنت مشغول في حاجة مهمة"
عاد بظهره إلي المسند الخلفي للمقعد بأريحية مردفاً:
"الانتظار برضو إحساس وحش ولازم يجي معاه الشعور بالضجر والملل والغضب كمان، عشان كدة لازم نحترم الوقت والمواعيد، صح يا فنانة؟"
همهمت داخل رأسها:
"كان عندي حق لما قولت عليك سماوي و زي العقرب، بتردها لي عشان أتأخرت عليك في طلبية الشغل، اه يا خوفي لتكون اللوحة السايكو دي بتعبر عنك وتطلع مجرم في الأخر، لا لا ده أول وأخر تعامل معاك عشان بس أديتلك كلمة و رحمة بابي مش هاتشوف وشي تاني"
كان آنذاك المساعدة قد ولجت ووضعت علي المنضدة بينهما كأس العصير وفنجان القهوة، انتبهت كارين إلي مهند:
"مدام كارين، العصير"
نظرت إليه بابتسامة زائفة ثم تناولت الكأس وارتشفت القليل وتركته
"ندخل في الشغل عشان ما نضيعش وقتك، أولاً بعتذر عن تأخير الطلبية اللي لسه وصله لحضرتك امبارح ثانياً يارب تكون اللوحات عاجبتك وتزين بيها جدران الشركة وألف مبروك عليك"
"الله يبارك فيكي"
تناول دفتر صغير وقلم من الوعاء الإسطواني الممتلئ بالأقلام، فتح الدفتر وأخذ يكتب
"طبعاً أي لوحة ليكي بتعجبني لأنها قيمة و ما تتقدرش بتمن زي الفنانة اللي رسماها"
ذيل توقيعه في نهاية الشيك ثم أنتزعه من الدفتر ليعطيها إياه، وجدها تنظر إليه والضيق يغزو ملامحها، ربما تعمد تكرار الغزل بأسلوب مراوغ
"علي فكرة أنا مكنتش جاية عشان الشيك، أنا جيت عشان أعتذر لك و أشكرك علي تقدير انتظارك"
"أي كانت الأسباب، الشيك حقك يا فنانة وإن شاء الله مش هيبقي التعامل الأخير"
"إن شاء الله"
أدرك من ردها المقتضب إنها سوف تغادر فأوقفها بسحب بطاقة دعوة من فوق المكتب قدمها إليها، و بفطنة وذكاء يخبرها:
"دي دعوة افتتاح المعرض اللي هاعرض فيه لوحاتك، ياريت تشرفيني أنتي والأستاذ يونس"
أخذت البطاقة وقالت:
"شكراً"
نهضت وتنظر في ساعة هاتفها:
"أستأذن حضرتك"
أمسك يدها فجأةً ثم رفع يده الأخري إليها:
"الشيك يا مدام كارين"
حدقت إليه بنظرة تحذيرية ثم جذبت يدها من قبضته، اختطفت الشيك ثم ألقته داخل حقيبة يدها دون أن تقرأ قيمة المبلغ المدون به فغادرت مسرعة من أمام غريب الأطوار هذا معلقة بصوتٍ خافت:
"مجنون"
༺※※※༻
هناك من تمكث في غرفتها منذ خمسة أيام بعدما علمت بسفر مالك القلعة في مهمة لم تعلم عنها شىء، حاولت الإتصال به مراراً وتكراراً لكن دون جدوي، فهاتفه مغلق و ربما أغلقه عن عمد حتي لا تتصل به، و من قبل سفره كان يتجاهلها، يظن بما يفعله سيجعلها تتعلق به مثل قلبه المتعلق بها منذ أن رآها أول مرة، العائق الوحيد كان شقيقه و ها قد رحل لكن حدسه يخبره هناك عائق آخر يقف في دربه إليها، فكلما يقترب منها تبتعد لذا عندما جاءت إليه مهمة عمل خارج البلاد لم يتردد و ذهب.
خرجت من الغرفة أخيراً لتستنشق بعض الهواء في الخارج، و قبل أن تخطو قدمها خارج بوابة القلعة قام بمنعها إحد الحراس ذو جسد ضخم، يقف كالجدار المنيع:
"ممنوع سيدتي"
حدقته بازدراء وصاحت بحنق:
"أنا لم أهرب يا أحمق، أريد التنزه قليلاً في الحديقة فقط"
أخبرها بجدية صارمة:
"أوامر سيد فلاد أن حدودك هنا"
أطلقت زفرة و نظرت بسخط قائلة:
"تباً لك و لسيدك"
كادت تعود إلي الغرفة لكنها توقفت حين سمعت صوت وصول سيارة بالخارج و صياح أحد الرجال:
"ماذا حدث جوستو؟"
أجاب جوستو:
"ظهرت أحد السيارات في طريقنا إلي القلعة و نزل منها مجموعة من الرجال المسلحين، تبادلنا إطلاق النار وعندما اشتد القتال ترجل السيد فلاد من السيارة ليطلق عليهم الرصاص، تسلل أحدهم دون أن ننتبه إليه بسبب الظلام الذي كان يعم المكان هناك، أطلق هذا اللعين رصاصة علي الزعيم و استقرت في كتفه"
رد الأخر علي عجلة من أمره:
"هيا أحمله إلي الداخل سريعاً وأنا سوف أتصل بالطبيب"
"قمت بالإتصال بالطبيب لكنه سيتأخر قليلاً بسبب سوء أحوال الطقس"
ظلت تنتظر ريثما يدخلوا جميعاً، و عندما رآتهم يحملون فلاد من ذراعيه علي أكتافهم ركضت نحوه وأخبرتهم:
"أتركوه أنا سوف أهتم به و أعالج جرحه"
نظر إليها فلاد والعرق يتصبب من جبينه، رفع جانب شفتيه بتهكم قائلاً:
"و كأنك تهتمين لأمري!"
لم تهتم إلي سخريته فأشارت إلي رجاله:
"هيا أسرعوا إلي غرفته"
فتحت باب الغرفة فولج الحارسان يحملونه، تركاه علي الفراش بروية، فأمرت سيلينا أحدهما:
"أجلب لي حقيبة الإسعافات الأولية و إبرة وخيط طبي"
نظر أولاً إلي سيده فأومأ له فلاد بأن يذهب و يفعل ما أمرته به سيلينا، التي بمجرد ذهاب الحارسين قامت بإغلاق الباب ثم عادت إلي هذا الجالس علي الفراش، أقتربت منه ومدت يديها إلي تلابيب سترته:
"أعلم إنك غير قادر علي تحريك ذراعك لدي الجهة المصابة، أرجو منك أن تتحمل ريثما أنتهي من إخراج الرصاصة وتضميد جرحك"
أذعن إليها دون أن يتحدث بكلمة، قامت بخلع سترته ثم شرعت بفك أزرار قميصه قائلة:
"كيف تتحمل هذا البرد القارس بتلك الثياب الخفيفة؟"
رفع وجهه إليها وأخذ ينظر إليها بصمت، فهي حمقاء لا تعلم وجودها بهذا القرب الشديد منه يجعل جسده يتحمل ثلوج سيبيريا دون ثياب، كم يعشقها و لا يريد البوح بكل ما يحمله لها.
شعر بوخز قوي ألمه بشدة عندما حرك ذراعه التي توجد أعلاها الرصاصة، تأوه من بين أسنانه فقالت:
"أعتذر، لم أقصد أن إيلامك"
حدقها بنظرة تحمل الكثير من المشاعر فسألها ساخراً:
"حقاً؟"
هربت من التحديق في عينيه التي حديثها أبلغ من كلمات لسانه، ذهبت إلي البراد فقامت بفتحه، وجدتها مليئة بزجاجات المياه المعدنية و عدة زجاجات متنوعة من الخمر، أخذت زجاجة مياه وأخري نبيذ، جذبت كأساً كان يوجد أعلي البراد، عادت إلي فلاد المراقب لما تفعل، قامت بفتح زجاجة النبيذ وبدأت تسكب منه في الكأس حتي امتلئ للنصف، مدت يدها بالكأس إليه:
"تفضل، النبيذ سيخفف ألمك"
تناول الكأس وأخذ يرتشف منه القليل ثم تركه علي الكمود، في تلك اللحظة ولجت الخادمة تحمل حقيبة الإسعافات، وقفت تنظر إلي فلاد الذي يجلس وجذعه عارياً، فقالت لها سيلينا بسخرية بعدما لاحظت تأمل الأخري لفلاد:
"و متي ستنتهي وصلة التأمل في جذعه العاري؟!"
انتبهت الأخري إلي سؤال سيلينا فشعرت بالحرج مما راق الأمر لفلاد فابتسم، تركت الخادمة الحقيبة أعلي المنضدة:
"عذراً، هل من خدمة أخري سيدي؟"
"أذهبِ أنتِ آنا"
ذهبت الخادمة وأغلقت الباب خلفها، أسرعت سيلينا بتحضير الأدوات، أخبرها الأخر:
"أنك تحتاجين إلي سكين أو خنجر لإخراج الرصاصة، ستجدينها في درج المكتب هناك"
ذهبت خلف المكتب وفتحت الدرج وجدت كما أخبرها سكيناً صغيراً ولاحظت وجود سلسلة ليست غريبة الشكل، أخذتها أيضاً وعادت إليه وعندما رأت التعب قد تملك من جسده وعرق جبينه يزداد تركت ما بيدها جانباً ولمست جبينه فوجدت حرارة جسده مرتفعة فقالت:
"يجب أن أخرج الرصاصة سريعاً؛ فدرجة حرارة جسدك مرتفعة"
قامت أولاً بسكب القليل من المطهر علي الجرح فألمه بشدة، جز علي فكه حتي استمعت إلي صوت اصتكاك أسنانه.
"آسفة لك"
"هيا أخرجيها بسرعة"
نظرت إليه وأخبرته:
"ضع هذه بين أسنانك"
مدت يدها إلي فمه بلفافة من الضماد الطبي، فوضعتها بين أسنانه، أمسكت السكين قامت بتطهيره ثم بدأت تخرج الرصاصة بحذر حتي لا تصيب ما حولها، كلما تسحب الرصاصة كلما زادت زمجرته التي تشبه زئير الليث حينما يتألم.
"تحمل، قاربت علي الانتهاء فالرصاصة لم تتعمق أكثر من سنتيمترٍ ونصف، تذكرني بالرجل الفولاذي"
ابتسمت له لعلها تخفف عنه الألم، قامت بتنظيف الجرح جيداً ثم أعدت الإبرة والخيط الطبي، وجدته ينظر إليها بقلق فأخبرته بزهو:
"لا تقلق فقد حصلت علي درجة امتياز في التمريض وذلك عندما كنت في دورة الكشافة، كما قمت بخياطة و تضميد جروح شقيقك أكثر من مرة حينما كان يتعرض لهجوم مسلح مثلك"
باغتته بوخزة الإبرة فهنا أطلق أنين مكتوم بسبب اللفافة التي بين أسنانه، يقبض بقوة علي الفراش بيديه، شعر كأن روحه ستغادر جسده بعد هذه المعاناة.
انتهت من ما تفعله وقامت بتضميد الجرح جيداً، كان يغمض عينيه فأخذت اللفافة من فمه قائلة:
"لقد انتهيت"
أخذ يلتقط أنفاسه يخبرها من بينها:
"شكراً لك"
"لم أفعل سوي الواجب، ربما أرد بعض الدين وفضل عائلة رومانوف علي عائلتي"
لاحظت مرة أخري تلك النظرة التي يحدقها بها كلما جاءت ذكري الماضي فأردفت:
"سأجلب قميصاً لك من الخزانة، فالطقس بارد وجسدك محموم، تناول قرص خافض الحرارة والمضاد من أجل إلتئام جرحك حتي يأتي الطبيب ويخبرك بالادوية اللازمة لحالتك"
فعلت ما أخبرته به وقامت بمساعدته علي إرتداء القميص، أمسكت بالوسادة وضعتها لدي موضع رأسه علي مضجعه وقالت:
"هيا أرح جسدك وسأخبرهم يعدون لك حساء اللحم، فيجب أن تأكل جيداً لكي يطيب جرحك أيها القيصر"
كادت تذهب فأمسك رسغها يسألها:
"لما كل هذا الإهتمام؟"
ابتسمت بدهاء فهي علي وشك السيطرة عليه و التلاعب به كما أرادت، تعلم إنه صعب المراس لكن لا مستحيل يستطيع الصمود أمامها، يكفي نظرات عينيه التي تخبرها إنه عاشق لها حتي النخاع.
دنت منه حتي شعرت بأنفاسه علي وجهها، فأجابت بمكر حية خبيثة:
"ربما قلبي من يأمرني بما عليه فعله"
كاد يُقبلها فعادت إلي الوراء عن عمد، تريده أن يحترق شوقاً إليها حتي في حضرتها.
"سأعود بعد قليل"
سارت بدلال و ألقت نظرة إليه قبل أن تغلق الباب، و عندما ذهبت هبط بجسده علي الفراش ينظر في السقف قائلاً بداخل عقله:
"لأن قلبك ملكاً لي أنا فقط"
༺※※※༻
عاد لتوه إلي قصره بعد عناء يوم طويل ولقاء صديق قديم، كان يبتسم كلما يتذكر الأحاديث التي دارت بينهما عن ذكريات الماضي، فبرغم فارق العمر بينه و بين أدهم والذي لا يتجاوز السبع سنوات لكن كل منهما لا يشعر بهذا الفارق لتقارب الأفكار، و ما يميز أدهم فإنه يمتلك روح الدعابة ويحب المزاح حتي في أصعب الأوقات والشدائد.
وصل قصى بعد أن صعد الدرج أمام غرفة النوم، توقف قبل أن يمسك بالمقبض وذهب ليطمئن علي ابنه وابنته، ولج إلي غرفة الصغيرين وجد مالك ينام و الغطاء ملقي علي الأرض، دنا وألتقط الغطاء ودثر به الصغير جيداً ثم قام بتقبيل جبهته.
ألتفت إلي سرير أميرته الصغيرة فلم يجدها، ذهب إلي غرفته ليسأل زوجته فتعجب من ما يراه الآن، وجد كل منهما تحتضن الأخري و بجوارهما كتاب لقصص الأطفال، ابتسم و شعر بالراحة أخيراً، يبدو أن صبا تكلفت جهداً كبيراً حتي تصبح صديقة لابنتها وليست أُماً لها فقط.
خلع سترته وألقاها علي المقعد المخملي أمام السريع ثم جلس ليخلع حذائه، نهض ويخلع ربطة العنق وألقاها فوق القميص متجهاً إلي جانب السرير بجوار زوجته، تمدد وأطلق آهه بصوت خافت، يضع ساعده أسفل رأسه، استيقظت صبا وتقلبت لتقول بصوت يغلب عليه النوم:
"حمدالله علي السلامة يا حبيبي"
تمدد علي جانبه لصبح مقابلاً إليها وابتسم:
"الله يسلمك يا قلب حبيبك"
"هاقوم أقولهم يحضروا لك العشا عقبال ما تغير هدومك"
حاوط خصرها بذراعها وجذبها إلي صدره:
"مش جعان و لا قادر أقوم حتي أغير هدومي"
"للدرجدي كان يوم صعب؟!"
أغمض عينيه من التعب وأجاب:
"كلمة صعب دي قليلة، بس كل التعب راح لما شوفتك أنتي و زوزو في حضن بعض، عملتي إيه يخليها ترضي عنك"
قالها مبتسماً، فأجابت الأخري بزهو:
"يا حبيبي أنت مستهون بيا؟!، أنا دخلت لها من ثغراتها، يعني كل حاجة هي بتحبها أعملها لها أشاركها اهتمامتها وبقيت أتجنب أجيب سيرتك قدامها عشان بتغير عليك كأنك جوزها هي"
ضحك حتي دمعت عيناه، لكزته في كتفه فتأوه:
"و كمان بتضحك، ماشي أنا وهي بقينا أصحاب وهنتفق عليك"
توقف عن الضحك وأخبرها:
"إستحالة زوزو حبيبتي تعمل كدة، لو العكس هتعملها لكن أنا قيصو حبيبها"
لكزته مرة أخري بمرفقها ونهضت بجذعها:
"طيب اشبعوا ببعض يا حبيبها و أنا هاروح أنام جمب ابني حبيبي"
أمسك ذراعها وجذبها فسقطت علي صدره:
"تعالي هنا رايحة فين، ملكيش حبيب غيري أنا وبس"
ضحكت وبدلال عقبت قائلة:
"إيه ده معقول بتغير من ابنك؟!"
"لاء طبعاً، أنا دماغي مش تافهة"
رفعت حاجبها وسألته بغضب طفولي:
"قصدك إن أنا تافهة؟"
"لاء يا حبيبة قلبي أنتي ست العاقلين"
"أيوة كدة، كنت بحسب"
ابتسم بمكر قائلاً:
"علي طول ظلماني"
"ماشي يا عم المظلوم، قوم أدخل خد لك shower عقبال ما أحضر لك هدومك عشان ما ينفعش تنام كدة"
أمسك يدها وحدق إليها بعشق:
"عارفة، حبك عندي كوم و اهتمامك بيا ده كوم تاني، أنا خايف أحسد نفسي عليكي"
قام بتقبيل راحة كفها وأردف:
"ربنا يخليكي ليا يا صبا قلبي وروحي"
"مش خايف للسوسة اللي نايمة جمبنا تسمعك؟"
"ما تقلقيش دي زمانها في سابع نومة"
"طيب يلا قوم بقي واسمع الكلام قبل ما النوم يغلبك أنت كمان"
نهض وجلس علي طرف السرير:
"نسيت أقولك أنا بكرة أجازة، ما تيجي أنا وأنتي نقضي اليوم بكرة علي اليخت"
وقفت أمامه وحاوطت عنقه بين يديها:
"كنت لسه هقولك تعالي نقضي الـ weekend علي اليخت"
ظهرت ابتسامة خبيثة علي وجهها ثم اردفت:
"حتي أفرجك علي باقي الأطقمة"
نهض وأمسك بكلا يديها:
"و يا سلام لو ضيفنا عليهم بدلتين رقص زي بتاعت لما كنا في الفندق، واحشني رقصك"
أطلقت ضحكة مغناج دوي صداها في الغرفة:
"بس كدة، عيوني هتلاقي لورديانا بترقص لك"
حاوط خصرها بيديه واقترب بشفتيه من وجنتها:
"أنتي في عيني أجمل من مليون لورديانا"
باغتها بإلتقاط شفتيها في قبلة ناعمة قاطعها صوت تقلب ابنتهما مما جعل كليهما يبتعد عن الآخر حيث انتفضت صبا واضعة يدها علي صدرها:
"حتي و هي نايمة عاملة لنا قلق"
أشار إليها قصى بالصمت و اقترب من وجه ابنته ليتأكد إنها نائمة ثم عاد إلي زوجته وأمسك يدها قائلاً بصوت خافت:
"تعالي معايا"
"أجي معاك فين أنا رايحة أحضر لك الهدوم"
جذبها خلفه وفتح باب المرحاض:
"هبقي ألبس البورنص بعد ما تحميني"
ولج كليهما وأغلق الباب خلفه، بينما فتحت هذه الصغيرة الماكرة عينيها تنظر نحو باب المرحاض بغضب و بوعيد قالت:
"بقي كدة يا بابي، عايز تاخدها تفسحها و ترقص لك وكمان واخدها تحميك، ماشي أنا بقي مش هخليك تشوف لا صبا و لا بتنجانة (لورديانا)، هوريك زوزو النوزو كونوزو "
༺※※※༻
صف عمر سيارته أمام متجر السيارات ونزل ثم ذهب إلي الداخل، يمسك المفتاح في يده، و عندما رآه صاحب المتجر حدق إليه بسخرية:
"حمدالله علي السلامة يا، نقول سيد ولا عمرو و لا مروان و لا تحب أنادي لك بإيه؟"
ألقي الأخر المفتاح علي المكتب:
"بقولك إيه، أنت ليك عندي حق إيجار العربية و ملكش دعوة بأي حاجة تانية"
حك الرجل ذقنه وقال:
"أنا مليش دعوة، بس المرة الجاية خد بالك الإيجار هيبقي الضعف"
نهض عمر ويرمقه بازدراء:
"حسابك مش معايا أصلاً، ياريت تبلغ اللي قولته لشناوي، وماتنساش تاخد حبوب الشجاعة وأنت بتقوله هات ضعف الإيجار"
ارتبك الأخر وأبتلع لعابه بخوف، ابتسم عمر بانتصار:
"سلام يا عم بيبو"
غادر المتجر وعبر الطريق وولج إلي حارة جانبية متفرعة من شارع متسع، كان بناء قديم، توقف أمام باب شقة قديم، قام بوضع المفتاح فوجد الباب يُفتح وظهرت له فتاة ترتدي ثياباً سوداء و يزين عنقها الوشوم، ترتدي قرط في أنفها و أذنيها مليئة بالأقراط المعدنية.
ابتسمت بترحاب:
"حمدالله علي السلامة يا سوسو و لا نقول دكتور عمر المصري!"
خرج من باب غرفة شاب ذو جسد ضخم أسمر البشرة قائلاً:
"خدي بالك يا ميجو ده بقي دكتور مجانين، صح و لا أنا غلطان يا معلم شناوي؟"
رد رجل يقوم بلف سيجار ويلعق الورقة ثم أخذ يبصق بقايا التبغ العالقة بلسانه:
"لاء صح يا ريكو، هيفضل الدكتور عمر لحد ما يخلص المهمة مع البت بنت الدكتور، لكن لو قل بعقله و لعب من ورانا هخليه يرجع سيد كابو ونسلم الفيديوهات إياها بتاعته للبوليس و هما بقي يتصرفوا معاه"
اقتربت ميجو من عمر وتعلقت بذراعه:
"حرام عليك يا معلم شناوي، سوسو ده أكتر واحد بيسمع كلامك"
وقفت أمام عمر وسألته بمزاح ساخرة:
"ما قولتلناش يا سيسو، لوچي عملت إيه معاك بعد ما أنقذتها من ريكو والمعلم وعبود؟"
أبعد يدها عن ذراعه وحدق إليها بازدراء قائلاً:
"خليكي في حالك أحسن لك يا ميجو بدل ما تزعلي"
ترك ثلاثتهم وولج إلي إحدي الغرف فأوصد الباب، شعر باهتزاز هاتفه في جيبه، أخرجه ونظر في الشاشة فوجد المتصل لوچي، ألقي الهاتف علي مضجعه وخلع قميصه ليبدل ثيابه.
الفصول السابع والعشرون
الجزء الثالث
لقراءة الجزء الاول جميع الفصول
لقراءة الجزء الثاني جميع الفصول
الفصل السابع والعشرون
🐺 غابة الذئاب «ما بعد العهد» 🐺
"الجزء الثالث من رواية صراع الذئاب"
بقلم: ولاء رفعت علي
تظن الفراشة كل ما هو مضئ نور، تقترب دون حذر وتحوم، لا تعلم إن ذلك الضوء مجرد ألسنة لهب تتراقص لأنها وجدت ضالتها، تقترب الفراشة أكثر ويتعالي صوت معزوفة الموت في الخلفية.
تنهض من جواره وتتثائب، تمسك بالمعطف الحريري وترتديه فوق المنامة القصيرة، تعقد حزام المأزر وكادت تذهب إلي الحمام فأوقفها اهتزاز هاتفها فوق الكمود، لاحظت إنه تنبيه لرسالة تذكير تحتوي علي تلك الكلمات التي قامت بتسجيلها سابقاً
«ميعاد الـ interview مع الـ Designers»
قامت بوضع كفها علي جبهتها وتزفر بقوة فقالت:
"إزاي كنت هانسي الموضوع دة؟!"
"صاحية بدري وعمالة تكلمي نفسك ليه يا حبيبتي؟"
انتفضت بفزع عندما أتي صوت زوجها من خلف ظهرها، فألتفت إليه ترمقه بابتسامة:
"النهاردة المفروض هعمل interview مع الـ Designers اللي هايشتغلوا في الشركة وأختار منهم المناسب"
"يعني المفروض خلاص هتبدأي الشغل من النهاردة؟"
كان سؤاله يبدو عادياً، لكن في عينيه الكثير من الكلمات أدركتها هي بالطبع، دنت منه ووضعت كفها الرقيق علي وجنته تلمس لحيته المشذبة:
"عايزاك تعرف إن و لا شغلي و لا أي حاجة تانية في الدنيا تقدر تشغلني عنك، هاتفضل رقم واحد في حياتي"
أمسك بكفها وقام بطبع قبلة في راحة يدها ثم أخبرها وعيناه تنضح بعشقه إليها:
"سعادتك هي من سعادتي و أنا هافضل واقف جمبك وهادعمك، لكن عايزك قبل ما تفكري فيا أنا حتي، ولادنا قبل أي حاجة، إياكي تهملي فيهم في يوم من الأيام وتيجي عليهم عشان شغلك"
أزاحت خصلات شعرها المبعثرة علي وجهها إلي الخلف، ملقية إياها علي ظهرها قائلة:
"حبايب قلب مامي أهم من الشغل وأهم من أي حاجة في الدنيا"
نهض بجذعه وجلس فجذبها بين ذراعيه:
"و بابي يبقي إيه؟"
ضغطت علي وجنته بإصبعيها السبابة والإبهام:
"بابي يبقي دنيتي كلها"
"طيب ياريت تكلمي بابي أول لما تخلصي النهاردة عشان يعدي عليكي و تروحو ليخت مامي نقضي الـ week end هناك"
لمع بريق عينيه وكاد يُقبلها لكنه توقف حين طُرق الباب فسأل قصى الطارق:
"مين؟"
و مَنْ غيرها هادمة الملذات التي تُبدد تلك اللحظات، تجيب بصوتها ذو النبرة التي لا تمت للطفولة بشئ:
"أنا زوزو يا قيصو، أنت صاحي يا حبيبي؟"
نظر إلي صبا بابتسامة استفزازية جعلتها نهضت من بين ذراعيه تعض علي شفتها السفلية غيظاً، وقفت أمامه ترمقه بحنق:
"والله ما حد هيشلني غيرك أنت وبنتك"
"بعد الشر عليكي يا حبيبتي"
قال لها تلك الجملة بصدق لكن القهقهة التي تنبثق من بين كلماته جعلتها أكثر غيظاً، تناولت وسادة وألقتها في وجهه ثم ذهبت إلي الحمام، بينما هو نهض وأخذ مأزره ليرتديه ثم ذهب ليفتح الباب لصغيرته فوجدها تنتظر عاقدة ما بين حاجبيها بضيق وغضب:
"كل ده بتفتح الباب؟"
دنا منها وحملها قائلاً:
"مش نقول صباح الخير لبابي الأول"
ذهب الامتعاض من وجهها وحلت ابتسامة مشرقة مع تورد خديها المكتنزة:
"Bonjour بابي"
وأعطته قبلة علي خده فأجاب:
"Bonjour علي روح وعقل وقلب بابي"
وقام بتقبيل وجنتها، فأشارت إليه نحو خدها الأخر و بمكر تخبره:
"و بوسة هنا كمان عشان الخدة دي متزعلش"
"بس كدة، خدي واحدة في الخد ده و الخد التاني"
أخذ ينثر قبلاته الحانية علي خديها وهي تتعلق بيديها حول عنقه
"بحبك أوي يا بابي"
"و أنا بموت فيكي أنتي وأخوكي يا حبيبة قلب بابي"
عانقها بحنان زاخر وأخبرها:
"يلا تعالي نغسل وشنا ونغير هدومنا عشان نفطر، أنا النهاردة أجازة وهقعد ألعب معاكي أنتي ومالك"
و بفطنة تبهر بها والدها دائماً سألته:
"و مامي مش هتلعب معانا؟"
"مامي عندها شغل النهاردة وأنا هافضل معاكم لحد ما تخلص"
"wow، yes, yes"
غمرتها السعادة فجعلت الابتسامة علي ثغرها تصل من الأذن إلي الأذن الأخري، وهذا البريق اللامع في عينيها نتيجة ما يدور في عقلها من مخطط تتمني أن تنفذه، وها قد جاءت إليها الفرصة علي طبق من ذهب.
༺※※※༻
يقف أمام المرآة الطويلة يضبط ربطة العنق جيداً، وبخطوات معدودة أتجه نحو طاولة الزينة الرخامية، أخذ منها قارورة العطر الخاص به ثم قام بالضغط علي المكبس ونثره بغزارة محركاً يده بشكل دائري، وصلت الرائحة القوية إلي تلك النائمة أو بالأحري لنقل تحاول الغرق في النوم لكن تحركات زوجها منذ أن استيقظ جعلت النوم يغادرها وخاصة بعد أن سألها زوجها وهو يراها عبر المرآة تتململ و تتقلب يميناً ويساراً
"ديجا، أنتي مش رايحة الكلية النهاردة أوصلك في طريقي؟"
وضعت ساعدها علي عينيها المغلقة وتجيب والقنوط جلي في نبرة صوتها:
"مش رايحة النهاردة"
استدار وذهب إليها فجلس بجوارها يسألها بإهتمام:
"مالك يا حبيبتي، أنتي كويسة؟"
ابعدت ذراعها ووضعته جانباً مزامنة مع فتح عينيها وعندما وجدته قريباً منها للغاية وينظر إليها، تهربت من التحديق إليه مباشرة فقالت:
"اه بخير الحمدلله"
أمسك بيدها وأخبرها بإصرار:
"مادام مش عايزة تبصي لي يبقي فيه حاجة حصلت ومش عايزاني أعرفها، حد ضايقك في الكلية من زمايلك أو الدكاترة؟"
ترددت أن تخبره لكن تريد أن تزيح ما يثور بداخلها وخاصة أن اليوم هو موعد محاضرة هذا الدكتور العلماني كما أدركت أفكاره، نهضت بجذعها وجلست في صمت، رفع آدم يدها إلي شفتيه وقام بتقبيلها قائلاً:
"شاور لي بس علي اللي ضايقك وأنا هاتصرف معاه"
تنهدت فأخبرته:
"الموضوع مش مستاهل تدخل منك، و أنا الحمدلله كفيلة أرد علي أي حد من غير أي غلط"
ابتسم وعقب وقال مازحاً:
"أنتي هتقوليلي عليكي، ما أنا عارفك أستاذة و رئيسة قسم في فنون الرد و عندك قدرة إقناع و لا سقراط بجلالة قدره"
رفعت إحدي حاجبيها تسأله:
"أنت بتتريئ عليا؟"
أخذ يضحك ثم أجاب:
"أنا بضحك معاكي، ما تبقيش قفوشة كدة"
قام بالضغط علي وجنتها بإصبعيه مداعباً إياها، بادلته الابتسامة وقررت أن تحكي له وتستشيره في هذا الأمر
"الموضوع و ما فيه إن فيه دكتور اسمه هاني....
أخذت تسرد له ما دار في المحاضرة بينها و بين هذا الدكتور ذو الأفكار التي تنفر منها لأنها تخالف ما جاء في دينها، كما أخبرته عن تأثير هذا الدكتور علي طلابه وخاصة « باسم» الذي يلحق دائماً بزميلتها «فجر» و الذي تبدل حاله من شاب ملتزم بأمور دينه إلي آخر ملحد وهذا منذ أن تقرب من المدعو دكتور هاني.
"هو ده كل اللي حصل، والنهاردة المفروض ميعاد محاضرته و مش هقدر أسكت وهو عمال يبث لينا أفكاره المسمومة"
انتظرت رداً إيجابياً من زوجها يهدأ من روعها أو يخبرها بحل مناسب لكن حدث النقيض تماماً، ذلك بدي بوضوح الشمس عندما حدق بامتعاض سرعان تحول إلي وجوم فعقب علي ما أخبرته إياه:
"بصي يا خديجة، لما طلبتي مني تكملي تعليمك كنت مرحب جداً وقولت أهو تسلي وقتك و منها تستفيدي وعشان لو حبيتي يبقي ليكي career خاص و سايبك براحتك لأن واثق في تفكيرك واختياراتك، بس لو موضوع كليتك ده هيجيب لنا المشاكل أصل ده افكاره عاملة إزاي و ده بقي كافر و الحوارات اللي مالهاش أي لازمة هقولك stop و ارجعي لحياتك العادية"
تعقيبه لديها أقل وصف له -أحمق- بل إضافة إلي هذا ثورة من الحنق والغضب معاً ولدت لتوها بداخلها، ولأن الصبر من شيمها حاولت أن تهدأ بأخذ نفساً عميقاً و أطلقته رويداً رويداً، و عندما قامت بالرد خانها لسانها:
"تصدق إن أنا غلطانة أصلاً عشان حكيتلك، أنت أخرك شغل الشركة و صفقات ومكسب، الدنيا بالنسبة لك بيزنس وبس، لكن إيه اللي بيحصل و القرف اللي بقينا وصلنا ليه من أشكال الدكتور ده وأمثاله مش مهم بالنسبة لك، هاتفضل تفكر بأنانية"
كان يستمع والصدمة تعلو ملامح وجهه
"هو أنا عشان خايف عليكي و علي مصلحتك أبقي أناني؟!، و لا عايزاني أسقف لك وأقولك روحي أمسكي الدكتور وأقيمي عليه الحد عشان ترتاحي!"
كان صوته مرتفعاً للغاية مما جعلها انتفضت من مضجعها وابتعدت عن مرماه قائلة:
"أنا لا عايزاك تسقف لي و لا تطبلي، أنا كنت منتظرة تقولي رد أحسن من كدة"
كان يضع يديه علي جانبي خصره و يجز علي أسنانه حتي لا يفلت لجام غضبه فأخبرها بحدة:
"لاء أنا هقولك رد أحسن من اللي كنتي منتظراه، عايزة تروحي الكلية أو ما تروحيش براحتك لكن أقسم بالله يا خديجة لو حصلت مشكلة هقولك مفيش كليات و لا جامعات نهائي"
اقتربت منه غير عابئة ودون خوف لتخبره بتحدي:
"إيه رأيك بقي أنا هاروح و هاكمل و الحمدلله عمري ما كنت بتاعت مشاكل، و لو حصل أي أمر لا قدر الله هاعرف كويس أخد حقي بنفسي من غير ما ألجأ لك"
أمسكها من رسغها بقوة وهدر من بين أسنانه:
"ليه ما لكيش راجل يا هانم!"
بدي علي وجهها الألم من قبضته وأنامله التي تضغط علي جلدها وتنغرز به، حرر رسغها علي الفور، ولي إليها ظهره وأطلق زفرة لعلها ينفث من خلالها غضبه، عادت أنفاسه بانتظام ثم استدار إليها وقال لها بهدوء:
"أرجوكِ يا خديجة بطلي تطلعيني عن شعوري، أنتي عارفة كويس جداً أنا بحبك وعمري ما هقبل حد يبص أو يقولك كلمة تجرحك"
انتبه إلي دمعة سقطت من بين أهداب عينها فاقترب منها وعانقها مقبلاً رأسها:
"أنا آسف وحقك عليا، مكنتش أقصد أوجعك"
انسحبت من عناقه لها بهدوء قائلة:
"خلاص يا آدم، اعتبر ما حصلش حاجة"
"لاء مش خلاص، و مش ماشي غير لما أشوف ضحكتك و تقومي تغيري هدومك عشان ننزل نفطر و أخدك أوصلك، و لاناوية تهربي من ضريبة التوصيل؟"
غمز بعينه ماكراً، فتذكرت كلما يوصلها إلي الجامعة يقتنص منها قبلة قبل النزول من السيارة، ابتسمت رغماً عنها فهلل بسعادة:
"أيوة بقي، هي دي أجمل ضحكة بصتبح بيها كل يوم"
༺※※※༻
تراقب سيارة والدتها وهي تغادر القصر عبر البوابة، و قد غمرتها السعادة مرة أخري لاسيما عندما عادت إلي داخل الغرفة، توقفت أمام باب الحمام لتنصت إلي صوت هدير الماء التي تنهمر علي والدها فتأكدت إنه مازال يستحم، ركضت سريعاً بقدميها الصغيرتين متجهة نحو غرفة الثياب.
بينما داخل الحمام، أنتهي لتوه من الإستحمام فأغلق الصنبور وتناول المنشفة وقام بوضعها حول خصره، توقف أمام مرآة الحوض وأخذ ينظر إلي ملامح وجهه التي لا تعترف بسنوات عمره رغم تجاوزه الأربعة والأربعون عاماً ببضعة أشهر، فمازال هذا الرجل الوسيم ذو الملامح الرجولية، حافظ علي مظهر لحيته التي تعطيه وقاراً أكثر، تناول فرشاة الأسنان خاصته وأنبوب المعجون لكنه انتبه للتو إلي صوت موسيقي في الخارج، ترك ما بيده علي الرخام المحيط بالحوض وذهب ليري ما الأمر!
فتح الباب فتفاجئ بمشهد جعله يتسمر من الصدمة وانتابته موجة من الضحك الهستيري، و لما لا و صغيرته ترقص في منتصف الغرفة علي موسيقي للرقص الشرقي تصدر من اللوح الألكتروني خاصتها، قد تركته علي الكمود بالأمس.
مهلاً إنها ترتدي ثياب الرقص الخاصة بوالدتها، و تضع الحمرة علي شفتيها كما تركت خصلات شعرها المسترسل بحرية علي ظهرها وكتفيها.
لم يكن قادراً علي تمالك نفسه أكثر من ذلك فأطلق ضحكاته و دوي صداها بين حوائط الغرفة، نوبة ضحك هستيرية جعلته يهبط علي ركبتيه، مما جعلها تتوقف فجأة عن الرقص وإغلاق الموسيقي ثم ألتفت إليه بوجه عبوس:
"بقي كدة يا بابي، عمال تضحك عليا!!"
عقدت ساعديها وأكملت:
"زعلانة منك يا قيصو"
قوست شفتيها بحزن فتوقف عن الضحك ونهض ثم أتجه نحوها، حملها وجلس علي الأريكة قائلاً:
"مكنتش بضحك عليكي يا قلب بابي، أنا بس مكنتش مصدق المفاجأة، و بعدين إيه اللي أنتي لابساه ده، مش دي حاجات مامي؟"
غرت فاها ونظرت ببلاهة زائفة ثم أخبرته بدلال طفولي وهي تتعلق بذراعيها حول عنقه لتتجاوز الإجابة علي سؤاله:
"شوفتني وأنا برقص أحسن من مامي، أنا حبيبتك، هي سابتك لوحدك ومشيت راحت الشغل، أنا قاعدة معاك و هعملك أكل كمان و نتفرج علي الكارتون مع بعض وهخلي ناني زينات تعملنا فيشار و هوت شوكيلت"
يعلم مدي تعلق ابنته به، و تعجب من أفعالها التي تتناقض مع كونها طفلة صغيرة ذات الخمس أعوام، فهي تتميز بذكاء وفطنة ورثتها من أبويها، لكنه لم يريد هذا التعلق يصير فيما بعد تعلقاً مرضياً، لذا رد بنبرة ينبع منها الحنان والحب:
"حبيبتي يا زوزو و أنا كمان بحبك أوي، أنتي و مالك و مامي، أنتم التلاتة عندي أهم حاجة في حياتي، و مامي كمان بتحبك، مش هي لسه إمبارح كانت بتحكي لك حكاية وقبلها قعدت تلعب معاكي؟"
فكت ذراعيها وأومأت إليه ثم نكست رأسها إلي أسفل، أمسكها من ذقنها وحدق إلي عينيها مبتسماً فسألها بإكتراث:
"طيب أنتي ليه زعلانة دلوقت؟، أنا قولت حاجة ضايقتك؟"
"أنا مش زعلانة، بس أنت بتحب مامي أكتر، بتنام جمبها و في أوضة لوحدكم و مش بتنام جمبي، تقعد تتكلم معاها كتير و أنا لاء"
أخبرها بذكاء:
"بحبها أكتر إزاي، مش أنا بجيبلك ألعاب وحلويات كتير، وباخدك نتفسح ساعات لوحدنا؟"
"اه"
"يبقي أنا بحبك أنتي أكتر"
وضع يده علي رأسها يداعب خصلات شعرها
"قومي أقلعي هدوم مامي دي و أغسلي وشك عشان نروح نصحي مالك وننزل نفطر، و بعدها هنقعد نلعب مع بعض و نخلي داده زينات تعملنا فيشار و كيك وعصير"
ابتسمت إليه ثم قامت بتقبيله علي وجنته فنزلت من علي فخذيه قائلة:
"حاضر يا بابي"
و غادرت راكضة إلي غرفتها لتفعل ما أمرها به والدها.
و بالأسفل تجمع الأب وصغيريه في الحديقة يتناولون وجبة الفطور بمرح ثم أخذوا يلعبون ثلاثتهم في الأرجاء، فكان والدهما يلهو معهما مطلقاً روح الطفل التي لديه، يحمل ابنته فوق كتفيه ويلعب بالكرة مع نجله تارة، و تارة أخري يلعبون الغميضة والكثير من الألعاب المرحة.
أدرك معني السعادة وهي وجوده و مشاركته ابنائه أوقات اللعب والمرح، كم كان أغلب الوقت غارقاً في عمله، لذا تعهد بينه وبين نفسه أن يكرس وقتاً من كل أسبوع خاصاً لصغاره فقط.
༺※※※༻
تتمدد علي مضجعها في غرفتها داخل منزل والدتها، وهناك ضوء منبعث من شاشة هاتفها يكشف عن ملامحها وهي تبتسم وتقرأ كلماته المرسلة إليها في الدردشة الخاصة بينهما عبر التطبيق الشهير، فكانت كالتالي:
«أنا نازل رايح النادي، إيه رأيك أعدي عليكي وأخدك من تحت البيت؟»
أخذت تضغط علي الحروف لكتابة تلك الكلمات:
«ممكن تديني نص ساعة أكون جهزت، أصلي بصراحة لسه صاحية من نص ساعة حتي لسه نايمة علي السرير»
وأختتمت رسالتها برمز تعبيري خجول
«يا بخت السرير، نايمة عليه أجمل بنت شافتها عينيا»
شعرت بحرارة تغزو وجهها عندما قرأت الرسالة فأرسلت إليه
«بليز عمر، أنا ما بحبش الكلام ده حتي لو بالهزار، اللي ما بينا صداقة مش أكتر»
«أنا ما أقصدش حاجة وبعتذر منك لو ضايقتك»
أطلقت زفرة وقالت بصوت لا يسمعه أحد سواها:
"إيه قلة الذوق اللي عملتها دي، بس هو بجد اللي أستفزني، خلاص هاصلحه من غير ما أحسسه بحاجة"
فقامت بكتابة ما يلي
«عمر ممكن نروح مكان غير النادي، بصراحة أنا جعانة ونفسي أفطر في أي مطعم بيتزا أو برجر»
أرسل رمز تعبيري مبتسماً و أعقب مرسلاً
«عيوني يا لوچي، اعتبريه حصل، قومي أنتي بس أجهزي وأنا هستناكي تحت»
«ok»
أغلقت شاشة الهاتف ونهضت، تفتح الخزانة تبحث في الثياب التي تركتها فيها من قبل، وقع اختيارها علي ثوب زهري بدون أكمام، ألقت به علي السرير وأتجهت إلي الحمام.
وفي الخارج أمام التلفاز حيث يعرض مشهد من مسلسل تركي، تستجدي البطلة فيه البطل بأن لا يتركها، و أثناء هذا المشهد تجلس هي خلف المنضدة جالسة علي ركبتيها، تمسك ببطاقة بلاستيكية تشكل بها خطين رفيعين من المسحوق الأبيض المدمر، والذي أهدر حياة آلاف من الشباب وفي المقابل تعافي الكثير منه قبل فوات الآوان، بينما هي لاتريد التعافي فهذا يجعلها تعيش داخل بوتقة من الأوهام حيث يسبح بها خيالها داخل أجواء عائلية بينها وبين طليقها وابنتها.
صوت استنشاق تكرر مرة ثانية وتأوه بأريحية وهمية ورحلة جديدة من الأمنيات ظلت بداخلها لدقائق، تُزين شفتيها ابتسامة بلهاء، تلاشت بمغادرة ابنتها الغرفة ورأت والدتها في تلك الحالة المزرية، وعند وقوع بصرها علي الورقة النقدية الملفوفة علي شكل إسطوانة رفيعة و بطاقة بلاستيكية علي حافتها آثار مسحوق أبيض، فكثير رأت مثل تلك الأشياء في الأفلام والمسلسلات، و يكفي حالة الانتشاء التي بها والدتها تؤكد لها ظنونها، اقتربت ووقفت أمامها تصيح متسائلة:
"إيه ده يا مامي؟!، أنتي مدمنة كوك؟!"
عادت أنجي من رحلتها علي صوت ابنتها وملامحها التي تجمع ما بين الصدمة والغضب معاً، أجابت بلا مبالاة وببرود:
"أيوه، وأوعي من قدامي عايزة أتفرج علي المسلسل"
ألتفت الأخري إلي التلفاز وذهبت نحو المقبس وضغطت علي الزر فأغلقت الشاشة، نهضت والدتها وصاحت بغضب:
"إيه يا غبية اللي عملتيه ده؟!، شغلي البتاعة وغوري من وشي، كتك القرف طالعة زي أبوكي"
اقتربت منها ابنتها وبغضب جم أجابت:
"الحمدلله إن أنا طلعت زيه مش زيك، خاينة وكدابة وأخرتها شمامة"
"أخرسي بنت قليلة الأدب"
صاحت بها وهوت علي وجهها بصفعة قوية، أخبرتها ابنتها بصوت وشيك علي البكاء:
"الوحيدة اللي حسيت بجد إنها مامي هي علياء، و بابي كان عنده حق لما حذرني منك"
ألقت عليها تلك الكلمات وركضت مغادرة المنزل، أخذت الأخري تصرخ ولم تستطع التحرك من مكانها
"لوجي، لوجي"
وكأن ما حولها يتحرك بجنون، وضغط دمائها يرتفع ويتدفق كأنه الماء المغلي داخل مرجل، تصيح بوعيد:
"خليت بنتك تكرهني يا يوسف أنت والحرباية اللي متجوزها، و رحمة بابي لأنتقم منكم وهخلي حياتكم جحيم"
أمسكت بمزهرية من الكريستال وقذفتها بكل قوتها علي الشاشة فتدمرت.
༺※※※༻
يشرب آخر رشفة من قدح القهوة عاقداً ما بين حاجبيه، شارداً في نقطة وهمية، فكانت زوجته تطعم صغيرها في فمه وانتبهت إلي حالة هذا الشارد فقالت له:
"ما تقلقش علي لوجي، هما يومين وهاترجع، أنت عارفها كل ما أنت بتتخانق معاها أو بتشد عليها تسيب القصر وتروح لمامتها وترجع بعد يومين"
شيعها بنظرة امتعاض:
"يعني عاجبك يا علياء حالها اللي بيتقلب بعد كل مرة تيجي من عند مامتها؟"
مسحت فم صغيرها و دنت منه قائلة:
"عز حبيبي روح ألعب مع يوسف"
أذعن ابنها لأمرها:
"حاضر مامي"
و بعد أن ذهب قالت لزوجها:
"طبعاً مش عاجبني، بس أنا أكتر واحدة عارفة لوچي، و البنت في سن مراهقة محتاجة الإحتواء والإهتمام، و أنت للأسف يا يوسف معندكش صبر و لا طول بال لما بتتناقش معاها، حاول أكسبها وقرب منها ومتخليهاش خايفة منك و تبعد تروح لمامتها اللي الله أعلم بتقولها إيه بالظبط"
أطلق زفرة ثم ترك القدح أمامه علي المائدة، نهض قائلاً:
"أنا هاروح لها هناك و هاتكلم معاها"
"بلاش تروح لها النهاردة، سيبها تقضي اليوم ده معاها و في نفس الوقت تهدي، و أنا بنفسي هاروح لها وأتكلم معاها وهاجيبها كمان معايا"
رفع حاجبيه بتعجب وكأنهما قوسين يستعدا لقذف السهام:
"هاتروحي في بيت أنجي اللي بتعتبرك عدوتها و هاتقعدي مع بنتها عشان تقنعيها ترجع معاكي؟!، ده لو حصل من غير أي مشاكل ليكي عندي هدية وهانخرج كمان في المكان اللي هتقولي عليه"
نهضت علياء ثم عقدت ساعديها أمام صدرها وحدقت بتحدي إليه وبثقة أخبرته:
"من غير هدية أو خروج، ربنا يعلم لوچي بالنسبة لي بنتي وزيها زي عزالدين في قلبي، كلها بكرة بإذن الله هاروحلها وهنرجع مع بعض"
ألتف من خلف المائدة وتقدم منها فعانقها بعشق قائلاً:
"ربنا ما يحرمني منك أبداً يا أغلي هدية ربنا رزقني بيها"
༺※※※༻
تتخبط بين الناس لكي تلحق كرسياً داخل سيارة الأجرة الجماعية وكالعادة تمتلئ السيارة فتنسل من بين هذا الزحام بصعوبة ومعاناة، تزفر بضجر لأن عليها أن تنتظر في قيظ شمس الظهيرة حتي تأتي سيارة أخري شاغرة.
تنظر في ساعة هاتفها وجدت الوقت قد تأخر علي الإنتظار وعليها اللحاق بالمحاضرة، أخذت تسير نحو الطريق المتسع حيث سيارات الأجرة الخاصة، فتحت حقيبتها ونظرت داخلها وجدت لديها مبلغ مالي لا بأس به يكفي للأجرة ذهاباً وإياباً، و ما أن أغلقت الحقيبة رأت سيارة سوداء تقترب منها فكادت تظن أن صاحبها يريد دهسها، شهقت ثم صعدت أعلي الرصيف ودقات قلبها تسابق دقات الناقوس، توقفت السيارة فترجل صاحبها و عندما رأته تحول الذعر علي وجهها إلي غضب جماً، اقترب منها فصاحت فيه كالمعتاد كلما يقاطع دربها إينما ذهبت:
"هي حصلت تمشي ورايا وتيجي عندي في المنطقة!"
حاول الحديث معها بهدوء فأخبرها مُفسراً:
"إهدي يا فجر إحنا في الشارع، مش في الجامعة، أنا أصلاً و لا كنت براقبك و لاحاجة، أنا الطريق اللي بعدي منه كل يوم زحمة فعديت من طريق تاني وكنت بدعي إن أشوفك وأديني شوفتك"
ابتسمت بسخرية وعقبت بتهكم:
"و يا تري كنت بتدعي تقولي يارب و لا الطبيعة؟"
بادلها بابتسامة لم تصل إلي عينيه:
"مقبولة منك، تعالي يلا عشان نلحق محاضرة دكتور هاني وعايز أتكلم معاكي وإحنا في الطريق"
رمقته بسخط وبرفض لا نقاش فيه قالت:
"بص بقي أنت تاخد بعضك زي الشاطر وتركب عربيتك لأن أنا مش هاركب معاك و لا ليك دعوة بيا وإحمد ربنا إن واقفة معاك، و لا أقولك أنا غلطانة أصلاً برُد عليك"
كادت تبتعد من أمامه فاعترض طريقها وبتهديد قال لها:
"طب وحياتك عندي يا فجر، لو ما ركبتي معايا بالذوق لأخدك بالعافية و لا يهمني اللي هاتعمليه و لو حد أعترض هقولهم دي مراتي ومتجوزين عرفي"
اتسعت عيناها بصدمة، ابتلعت لعابها خوفاً فهي علي دراية بأنه ينفذ تهديده دون أن يرف له هدب، عقبت بصوت خافت وصل إليه:
"أنا كل مدي بكرهك أكتر"
فتح لها باب السيارة حيث الكرسي المجاور لمقعد القيادة قائلاً:
"أركبي وبعدين أكرهيني براحتك"
أطلقت زفرة في وجهه ثم دخلت إلي السيارة، فأغلق الباب ثم ذهب وولج من الجهة الأخري فأنطلق إلي طريق الجامعة.
وفي مكان ليس ببعيد داخل سيارة أخري، يتحدث في سماعة الأذن اللاسلكية:
"يعني لو ما اتصلتش عليك ما سمعش صوتك خالص يا عم ياسين"
جاء صوت الأخر، يتحدث من خلف زجاج النافذة في منزله:
"معلش يا آدوم كنت مشغول جداً الأيام اللي فاتت، كان عندنا تسليم وحدة للعملاء والحمدلله خلصت علي خير"
"ربنا يوفقك، بما أنك بقيت فاضي والنهاردة الـ weekend تعالي وهات ياسمين قضوا معانا يومين الأجازة"
"خليها بكرة أحسن، عشان أختك ملك عزماني النهاردة وهابقي أقولها نتجمع بكرة كلنا في القصر"
"وأنا هاكلم يونس وقصى وهايبقي يوم جامد"
"خلاص ظبط أنت وأبقي كلمني قولي الحوار رسي علي إيه"
"تمام يا برو، هاضطر أقفل معاك عشان سايق وقربت علي بوابة الجامعة"
"جامعة!، إيه بتحضر الماچيستير يا باشمهندس"
نظر آدم إلي خديجة وأجاب بمزاح:
"ماچيستير إيه يا عم، دي خديجة بتكمل عشان أول ما هتتخرج ناوية تبقي بيزنس ومان وهتنفسنا بعد كدة، موضوع طويل عريض هاتعرفه بكرة"
لكزته في ذراعه فأخذ يضحك، فقال شقيقه:
"والله جدعة، و ربنا يعينها علي الدراسة وعليك، سلملي عليها"
ضحك آدم وقال:
"الله يسلمك، سلام"
أنهي المكالمة فهدأ من سرعة السيارة لأنه يقترب من البوابة الرئيسية
وبالقرب من البوابة يصف باسم سيارته وبداخلها يتعالي صوت فجر:
"أنت مخك ده فيه إيه بالظبط، قولتلك خلاص كل حاجة ما بينا أنتهت"
سألها كالمجذوب ويمسك ذراعها بقوة:
"يعني بعد كل اللي قولتهولك طول الطريق وبرضو مُصره علي رأيك؟!"
جذبت ذراعها بكل قوة فحررته من قبضته وقالت:
"أيوة يا باسم، هافضل علي رأيي، وهقولهالك تاني وتالت وعاشر كمان، أنا ما بقتش أحبك، بالعكس بكرهك من وقت ما أتغيرت 180 درجة ومشيت ورا الشيطان اللي اسمه دكتور هاني و أتلميت علي شلة عيال ما يعرفوش لا تربية و لا دين و لا يعرفوا ربنا أصلاً، يا بني بص لنفسك في المراية"
تلقائياً نظر إلي نفسه في المرآة الجانبية فأردفت:
"بقت شبه المسخ من كتر الوشوم المقرفة اللي مالية جسمك، و الإستايل بتاعك اللي بقي شبه عبدة الشيطان، بذمتك عمر ما قولت لنفسك مرة إيه اللي أنا بعمله فيا ده؟!"
نظرة ساخرة وبنبرة هازئة استطردت:
"اه صح هتسأل نفسك إزاي، و نفسك متسلطة عليك، و ده أكبر عقاب لكل واحد بيبعد عن طريق ربنا ويمشي في طريق الشيطان، ربنا بيسلط عليه نفسه و يا ويلو لو مافقش وتاب قبل ما يموت"
صرخ بها وكأنه يتحدث بلسان شيطان مارد:
"كفاية، كفاية بقي، بطلي كل ما تشوفيني تقعدي تقوليلي كلام أصلاً مش مؤمن بيه، أنا كدة وهفضل كدة وعمري ما هتغير، وهتقبليني علي وضعي ده سواء بمزاجك أو غصب عنك"
فتحت باب السيارة وقبل أن تترجل ألقت عليه تلك الكلمات، قد ظنت إنها تحطم أمله وقلبه معاً حتي لا يقترب منها مرة أخري
"و أنا بقولك خلاص مفيش أمل للرجوع، مش عشان اللي أنت فيه"
ابتلعت ريقها قبل أن تردف:
"عشان أنا في حكم المخطوبة ومقري فاتحتي"
قالتها وغادرت السيارة سريعاً قبل أن يمسك بها، لكن كيف للغزالة أن تسبق فهداً ضارياً!، قبض علي يدها وسألها بصوت دب الخوف والرجيف في فؤادها:
"الكلام اللي أنتي لسه قايلاه ده لو طلع بجد، عندي موتك أهون من إنه يحصل"......
الفصول الثامن والعشرون
الجزء الثالث
لقراءة الجزء الاول جميع الفصول
لقراءة الجزء الثاني جميع الفصول
الفصل الثامن والعشرون
🐺 غابة الذئاب «ما بعد العهد» 🐺
"الجزء الثالث من رواية صراع الذئاب"
بقلم: ولاء رفعت علي
فتحت باب السيارة وقبل أن تترجل ألقت عليه تلك الكلمات، قد ظنت إنها تحطم أمله وقلبه معاً حتي لا يقترب منها مرة أخري
"و أنا بقولك خلاص مفيش أمل للرجوع، مش عشان اللي أنت فيه"
ابتلعت ريقها قبل أن تردف:
"عشان أنا في حكم المخطوبة ومقري فاتحتي"
قالتها وغادرت السيارة سريعاً قبل أن يمسك بها، لكن كيف للغزالة أن تسبق فهداً ضارياً!، قبض علي يدها وسألها بصوت دب الخوف والرجيف في فؤادها:
"الكلام اللي أنتي لسه قايلاه ده لو طلع بجد، عندي موتك أهون من إنه يحصل"
صاحت من بين أسنانها:
"أوعي سيب إيدي، فاكرني هخاف و لا إيه؟، أنا ممكن أطلع علي أي قسم بوليس وأقولهم أنك بتهددني وعايز تموتني وأظن الأمن وزمايلنا في الجامعة يشهدوا علي جنانك"
تقدم أحد أفراد الأمن عندما وصل إليه صوتها:
"فيه حاجة يا آنسة؟"
كانت تنظر بتحدي إلي باسم ثم ألتفت إلي حارس الأمن وأخبرته:
"مفيش"
كان ذلك علي مرأي من خديجة التي وصلت تواً، وكادت تنادي علي فجر لكن كانت قد عبرت البوابة بخطوات أشبه بالركض، فتلاقت عيناها بأعين باسم الذي حدق إليها بعداء جلي فنظرت إليه وكأنها تخبره بعينيها _يهديك ربي_ ثم عبرت البوابة لتلحق بفجر.
༺※※※༻
تتقلب دنيا علي جانبها الأيسر فداهمتها رائحة الطعام المنبعثة من المطبخ، استيقظت فجأة ألقت نظرة في الهاتف فوجدت إنها اقتربت علي الواحدة ظهراً، نهضت قائلة:
"ده أنا نمت كتير أوي"
تذكرت أمر الرائحة وخشيت أن صغارها هما من في المطبخ ويلعبون في الموقد، نهضت وركضت نحو المطبخ غير مكترثة إلي شعرها الأشعث، وقفت لدي الباب وتنفست الصعداء عندما أطمأنت إنه زوجها هو من في المطبخ، شعر بها فقال دون أن يلتفت إليها:
"واضح إن يزيد وسيف كانوا مسهرينك للفجر عشان كدة نمتي لحد دلوقت"
لاحظت صورتها المنعكسة علي مرآة الطاولة المجاورة للمطبخ، وانتبهت إلي شعرها فأخذت تلملم خصلاتها بيديها وخلعت مشبك الشعر ثم وضعته مرة أخري بعد أن ضبطت من مظهرها بشكل مهندم.
ولجت إلي المطبخ وسألته دون التعقيب علي حديثه:
"الولاد فين؟"
أدار مقبض الموقد ليهدأ النيران قليلاً فألتفت إليها وأخبرها مبتسماً:
"الولاد صحيوا من بدري فطرتهم و لبستهم ووديتهم النادي ومعاهم الناني، وسيف وديته عند جدتك"
انتابها التوتر والقلق فسألته مرة الأخري:
"ليه؟"
اقترب منها فتراجعت حتي اصبحت محاصرة بينه و بين حافة القطعة الرخامية الملساء، استند بيديه علي الحافة وهي محاصرة بين ذراعيه، دنا من عنقها يخبرها بهمس:
"حابب نكون أنا وأنتي لوحدينا النهاردة"
ارتجف جسدها من قربه المُهلك، فبرغم القوة التي تتظاهر بها دائماً لكن في حقيقة الأمر في حضرته هي أضعف مما تكون، ردت دون النظر في عينيه:
"وأنت مش عندك شغل النهاردة، دي لسه الأجازة بكرة"
أجاب وبسمة ماكرة تعلو شفتيه:
"أنا صاحب الشركة، يعني أقعد و أشتغل وقت ما أنا عايز، و لا أنتي عندك رأي تاني؟"
مع كل حرف يخرج من مواطن كلماته يصاحبها أنفاسه المحرقة لبشرة عنقها صعوداً إلي وجنتها
"رأيي في إيه؟"
سألته ومازال التوتر ينضح في نبرة صوتها، حاوط بيديه جانبي خصرها مجيباً:
"أقعد و لا أروح الشغل؟"
وضعت كفيها علي صدره العريض ودفعته برفق لتتمكن من الابتعاد عنه، لا ترغب أن يظهر ضعفها السابق أمامه، اتجهت إلي باب المطبخ لتغادر قائلة وكأنها لا تكترث لأمره:
"براحتك أنت حر"
لحق بها ووقف أمامها، يمسك بذقنها ليرفع وجهها وينظر صوب عينيها، فشعرت وكأنه يخترق روحها، فأخبرها:
"إحنا هانفطر وبعدها تجهزي عشان هاخدك مشوار قريب ونعدي علي جدتك ناخد سيف وبعدها نعدي ناخد الأولاد من النادي ونشوف نفسهم يتفسحوا فين"
كان ينتظر منها نظرة رضا لكن أبدت له النقيض وقالت:
"أحسن برضو، أهو تغير جو للأولاد"
رمقها بغموض وسألها:
"حاسس إنك مش مبسوطة؟"
أجابت بابتسامة رسمتها بإتقان علي ثغرها:
"انبساطي من انبساط ولادي"
زفر بقوة وكان يضغط علي فكه، مد يده إليها بطريقة مسرحية نحو طريقها
"روحي يا دنيا جهزي نفسك عشان نلحق نفطر ونروح مشوارنا"
وبعد قليل... تقف أمام المرآة ترتدي وشاحها المزركش، تضبطه جيداً ثم ألقت علي هيئتها ذات الزوق الرفيع باستحسان، تستدير يميناً ويساراً، سمعت صفيراً يأتي منه، يقف لدي باب الغرفة وعلي كتفه منشفة خاصة بالمطبخ
"شكلك حلو أوي، و كل يوم بتحلوي أكتر من اللي قبله"
ألقي هذه الكلمات التي تأسر قلوب الحسناوات، وأنتظر أيضاً ولو نظرة قبول أو شبح ابتسامة لكن وجدها تأخذ حقيبة اليد خاصتها من أعلي طاولة الزينة ثم أتجهت نحوه وقالت بثقة وغرور تتقنه أمامه فقط:
"عارفة"
رفع جانب شفتيه وهز رأسه بسأم فسألها عندما رآها متجهة نحو باب المنزل، فتعجب:
"أنتي مش هاتفطري؟!"
أخذت تنظر إلي شاشة هاتفها وكأنها منشغلة بأمر ما فأجابت:
"مليش نفس"
فتحت باب الشقة وسابقته بخطوة مما أثارت وحش غضبه داخله، فكان صبوراً إلي أبعد الحدود، زفر بحنق وجذب المنشفة من فوق كتفه ثم ألقاها بعنف علي المائدة، فقال ببقايا كبرياء:
"تمام، يلا نمشي"
خرجت و علي شفتيها ابتسامة انتصار رغماً من لوم وعتاب قلبها إليها، لكن عقلها يخبرها أنها تسير علي الدرب الصحيح وعليها أن تذيقه و لو بضع جرعات الويل والعذاب التي تجرعتها علي يديه منذ سنوات.
༺※※※༻
يصدح صوت الفنانة فيروز بأغنية(سألتك حبيبي) من مشغل الأغاني داخل السيارة، بينما هي كانت تستند برأسها علي زجاج نافذة السيارة شاردة فيما يحدث من حولها، تشعر بالضياع وكأنها شريدة داخل غابة معتمة، ودت لو تبتعد وتعيش بعيداً عن والدها بعدم إهتمامه بها و بعيداً عن والدتها بمؤامرتها وأفكارها الشيطانية التي لا تمل منها من أجل العودة إلي طليقها الذي يمقتها بشدة.
أخذت الأفكار تدور وتتأجج داخل رأسها كبركان علي وشك الإنفجار، وكان عمر يراقبها في صمت يتأمل ملامحها المليئة بالشجن، ودموع عينيها تأبي السقوط، سألها و لا يعلم لما يشعر بضيق في قلبه عندما رآها في تلك الحالة، ربما يشعر بالذنب فهو ليس سوي محتال ينصب شباكه حول ضحياه من الفتيات من عائلات الطبقة المخملية.
"لوجي، إحنا من ساعة ما خرجنا من المطعم بنلف بالعربية، تحبي نروح أي حتة تانية؟"
ألتفت إليه وظلت تحدق إليه في صمت مطبق لدقائق معدودة ثم أرتمت علي صدره تبكي بألم وداخلها يحترق حزناً، تردد بعض الكلمات:
"أنا خلاص مابقتش قادرة أستحمل، أنا تعبت"
اصابته رجفة تنبع من فؤاده وترددت في سائر جسده، فهي تقبع بين ذراعيه في حالة من الضعف، تردد قبل أن يحتويها بذراعيه، شعر بملمس دافئ من عبراتها المتساقطة والتي قد بللت قميصه القطني.
ضم ذراعيه وأخذ يربت عليها هامساً بحنان:
"عيطي، طلعي كل اللي جواكي"
رفعت رأسها عن صدره فنظرت إليه من بين دموعها تسأله بقلبٍ ملتاع:
"هو أنا وحشة يا عمر؟"
كان قربها منه كالجحيم، ابتلع ريقه وأخبرها بصوت خافت:
"أنتي أجمل وأرق بنت عرفتها، ليه بتقولي كدة؟"
"بابا وماما محدش فيهم بيحبني، كل واحد فيهم بيدور علي مصلحته وبس، حتي علياء كانت بتحبني لحد ما خلفت عزالدين وبقي كل حياتها وأتحطيت علي الهامش"
"أنا جمبك وهافضل معاكي"
ألقي عليها بتلك الكلمات وأخذ ينظر إلي شفتيها التي ترتجف من البكاء، فأراد أن يسكنها، بطرفي إبهاميه يزيح دموعها فدنا منها ببطئ وكاد يُقبلها، دق الناقوس في مسامعها، انتفضت فجأة وابتعدت عنه، تمسح عبراتها بأناملها قائلة:
"أنا عايزة أروح"
كان يرمقها بحذر وحرج في آن واحد، سألها:
"أوصلك عند مامتك؟"
قامت بضم تلابيب مأزرها وكأنها تحمي نفسها، أجابت بجمود:
"هروح علي القصر"
༺※※※༻
وصل كليهما للتو أمام بناء مكون من طابقين يحيطه سور مرتفع، نظرت دنيا إليه و لم تفهم سبب وجودهما هنا:
"إحنا بنعمل إيه هنا؟"
أمسك يدها وأخبرها:
"تعالي وهاتعرفي كل حاجة جوة"
أخرج سلسلة مفاتيح من جيبه وقام بفتح البوابة، ولج كليهما ثم فعل المثل مع بوابة المبني، توقف أمام لوحة معدنية كبيرة، قام بفتحها وأنزل عدة مفاتيح، أضاء كل المصابيح شديدة الإضاءة، ظهر لها مساحة شاسعة تتراص فيها أربع صفوف أحدث ماكينات غزل خيوط الصوف وأخري للحياكة، تصطف جميعها بالتوازي، لم تصدق عينيها، سألته بسعادة عارمة:
"أوعي تقول إنك أنت اشتريت وعملت كل ده؟!"
ألتفت إليه فوجدته يقف واضعاً يديه في جيبي بنطاله، أجاب بزهو وفخر:
"و كل الخامات اللي محتجها المشغل في المخازن، من أنضف وأعلي الخامات، تقريباً كل حاجة جاهزة و واقفة بس علي العمالة، وهيكونوا عندك إن شاء الله في خلال أسبوع"
هي الآن في مأزق فتلك المفاجأة جعلتها لا تعلم ماذا عليها أن تفعل له، شعر بما يدور في خُلدها فقال:
"دي أقل حاجة ممكن أقدمها لك، كل سنة وأنتي طيبة ومنورة حياتنا"
قد تذكرت للتو أن اليوم هو عيد مولدها التاسع والعشرون، لم تكن تهتم به من قبل وهو أيضاً قلما كان يتذكره ويكتفي بشراء هدية من الحلي يهديها إياها دون إلقاء عبارة المعايدة وكأنه يؤدي واجب عليه فقط، لكن الأن أختلف الأمر كثيراً، فهل ما يفعله حب أم طلب مغفرة؟
طيف ابتسامة يعلو شفتيها ثم قالت باقتضاب:
"شكراً"
لجأت إلي الفرار من النظر إليه، استدارت وأعطته ظهرها فاقترب منها قائلاً:
"كل ده هدية مني ليكي، بعيد عن المبلغ اللي طلبتيه"
وقف خلفها مباشرةً، وضع كلا يديه علي عضديها وأخبرها:
"لما تعوزي أي حاجة أطلبيها علي طول، و ياريت موضوع المساومة ده ما يتكررش تاني، أنا جوزك وأنتي مراتي، و زي ما ليكي حقوق عندي أنا برضو ليا حقوق عليكي"
استدارت إليه ولم تكن في حاجة أن تعقب بالرد، يكفي نظراتها وكأنها تخبره ما شعرته من إهانة للحظة فأنا قد عشته لسنوات، كنت أشعر بالغربة بين يديك، أفيض عليك بحناني ولم ألق منك سوي الجفاء، عقلك حاضر وفؤادك غائب، جعلت مني بديلاً يعوضك عن المرأة التي تعشقها بكل حواسك وتركت قلبي يُناجي لياليه وحيداً ويشحذ منك قطرة ماء يروي بها ظمآه، حتي نال منه الجفاف فأصبح قلباً خاوياً لا يعرف سوي القسوة.
تخلت أخيراً عن الصمت وقالت بنبرة خالية من المشاعر:
"ما تقلقش أنا عارفة حقوقك عليا، مالكش غير اللي ربنا أمرني بيه لكن قلبي ومشاعري ما أوعدكش يرجعوا زي زمان، اللي أنكسر بينا محتاج وقت كبير أوي عشان يتصلح، و لو أتصلح هيبقي مليان شروخ صعب تداوي"
هنا قد تحمل ما يكفي اليوم، كبريائه يهزم ويغلب مشاعر الندم الثائرة في قلبه، وكأنه لم يستمع إلي ما أخبرته به فقال لها:
"مبروك عليكي، و صح قبل ما أنسي"
حدق في عينيها عن كثب وأردف:
"بيتك والولاد أول اهتمامتك وبعديهم البيزنس، وأنا كدة كدة جيبتلك الناني عشان تساعدك في تربيتهم"
أدركت هروبه من الإعتراف بالذنب، فرفعت زاوية فمها بسأم وأخبرته كلمات تحمل رسالة مبطنة:
"أطمن، طول عمر عيالي أول إهتماماتي"
"كدة تمام، تحبي تتفرجي علي باقي المكان و لا نروح نجيب الأولاد ونخرج؟"
"كفاية، تعالي نروح لهم عشان وحشوني أوي"
ترقبت إلي أي تعقيب أو نظرة منه، فاردفت وتهم بالمغادرة:
"هطلع استناك في العربية عقبال ما تقفل المكان"
لم تنتظر رده وتابعت السير إلي الخارج، لا تعلم إنه وقف يتابعها بعينيه إلي أن أختفت عن مرمي بصره.
༺※※※༻
تقلب بالملعقة الخشبية لحم العصاج، تنثر فوقه مسحوق الفلفل والبهارات ذات الرائحة الذكية، تسللت يد من جوارها تحمل ملعقة صغيرة يغترف بها القليل من اللحم، صاح صوتها محذراً إياه:
"مصعب، بطل حركات عيالك، اللحمة أصلاً لسه ما أستويتش كويس"
رمقها بنظرات طفل صغير وبصوت لا تعلم من أين جاء به قال:
"آسف يا ماما ملوكة مش هعمل كدة تاني"
أطلقت ضحكة وصلت إلي ابنتيها، فخرجت كلتيهما، فسألت مليكة:
"أنتم بتضحكوا علي إيه يا مامي"
وسألت توأمها نور:
"ما تضحكونا معاكم"
نظرت ملك إلي مصعب فأخبرها بصوت خافت:
"إياكِ، هتبوظي برستيچي قدام البنات"
"إيه يا مامي هو سر و لا إيه؟"
قالت إلي زوجها بهمس:
"هطلع جدعة ومش هقول، بس بعد العزومة دي تنزل تشتريلي اتنين قنبلة وصينية مدلعة"
"طب والدايت؟"
"النهاردة يوم الـ free"
"أنا خايف بس الخمس كيلو اللي خسيتهم في شهرين ترجعي تزيديهم تاني"
نضح من عينيها نظرة نارية ثم نظرت إلي حامل السكاكين الخشبي، ذهب ببصره حيثما تنظر، ابتلع ريقه بشكل مضحك، تراجع رافعاً يديه في وضع الدفاع:
"ناوية علي إيه يا ملوكة، أنا كنت بهزر يا حبيبتي، أسألي حتي مليكة ونور كنت لسه بقولهم امبارح إن مامي خست وبقت زي القمر "
نظرت نور إلي شقيقتها شاغرة فاها فغمزت لها الأخري وقالت:
"أيوة يا مامي حتي بالأمارة قال بقيتي شبه زومبا اللي مسلسل في بيتنا روبوت"
شهقت ملك والشرر يتطاير من عينيها، عقبت نور:
"لاء يا مليكة قال شبه ويزو اللي في مسرح مصر"
رمقهما والدهما بوعيد ثم صاح مدافعاً عن حاله:
"أنا قولت عليها كدة؟"
أنقذه من بين يدي زوجته رنين جرس الفيلا، صاحت الفتاتان بتهليل:
"هيه خالو ياسو جه، خالو ياسو جه"
تسلل مصعب، زمجرت ملك فأخبرها:
"أنا رايح أستقبل أخوكي"
أشارت له بيدها نحو ذقنها بوعيد قائلة:
"ماشي، أعمل حسابك بعد الغدا أنت اللي هاتغسل المواعين"
لم يعلق وذهب فوجد ابنتيه قاما بفتح الباب واستقبال خالهما الذي كان يحمل صندوق هدايا كبير الحجم
استقبله مصعب بترحاب:
"أهلاً أهلاً، الفيلا نورت"
ترك ياسين الصندوق علي المنضدة الرخامية وصافح زوج شقيقته فعانقه الأخر عناقاً أخوياً، قال ياسين:
"منورة بأصحابها، ألف مبروك"
"الله يبارك فيك"
ثم نظر إلي ياسمين الصغيرة ومد إليها يده:
"أهلاً وسهلاً بالكتكوتة الجميلة"
ابتسمت بخجل ولم تمد يدها فقال والدها:
"سلمي علي عمو مصعب يا ياسمينا"
أذعنت لأمر والدها ثم قالت لها مليكة:
"تعالي نلعب في أوضة الألعاب"
نظرت إلي والدها فأومأ لها وقال:
"روحي يا حبيبتي معاهم"
ونظر إلي مصعب وعقب:
"هي لما بتدخل مكان جديد بتبقي مكسوفة"
"ما أنت مابقتش تجيبها تقعد مع البنات"
حمل ياسين الصندوق وسار كليهما إلي الداخل
"الكمبوند هنا بعيد عني كتير، شقتكم القديمة كانت في طريقي، فبضطر أخدها معايا الشركة"
"ربنا يعينك، و بعدين ليه يا بني مكلف نفسك وجايب بوكس هدايا، إحنا مش أغراب"
تركه ياسين علي الطاولة وجلس علي الأريكة ذات الملمس الوبري:
"دي حاجة بسيطة بمناسبة الفيلا"
"أخويا حبيبي الندل اللي ما بيسألش"
صاحت بها ملك مازحة وقامت بمعانقة شقيقها الذي قال:
"حبيبي و ندل إزاي في جملة واحدة!، ما أنتي عارفة إن كان عندنا تسليم وحدة خد مننا وقت ومجهود"
لكزته في كتفه بمزاح:
"عارفة أنك مشغول، بس برضو أسأل عليا إفرض مصعب عمل فيا حاجة ما تطمنش عليا؟"
ضحك الأخر فعقب مصعب:
"شوفت أختك، علي طول ظلماني ومطلعاني أنا الشرير"
قهقه ياسين قائلاً:
"نفس اللي كانت بتعمله فيا قبل ما أتجوز، كنت باخد كمية تهزيئ من بابا الله يرحمه بسببها"
عقبت ملك:
"واضح أنكم ما صدقتوا تتفقوا عليا، إيه رأيكم أنتم الأتنين هتنوروا المطبخ النهاردة غسيل مواعين وترويق"
اقترب مصعب وهمس إلي ياسين مازحاً:
"قولها حاضر، دي عندها طقم سكاكين وسواطير جوة في المطبخ، تعمل مننا أنا وأنت بفتيك"
نهض الأخر وقال:
"أنا مضطر أمشي أصلهم بعتولي رسالة عايزينك حالاً"
عقبت مالك بمزاح أيضاً:
"علي فين يا هدهد الجناين، أقعد ده العزومة معمولة ليك مخصوص"
نظر شقيقها إلي مصعب برعب مضحك:
"هي قالت العزومة معمولة ليا و لا عليا؟"
رفع مصعب كتفيه وزمت شفتيه ثم أجاب بنبرة فكاهية:
"أنت وحظك"
"لاء أنا هنفد بجلدي أحسن، العمر مش بعزقة"
دفعته ملك من كتفه وهي تضحك:
"أقعد ما تخافش"
انتبهت إلي ابنتها تركض نحوها تحمل هاتف والدتها:
"مامي، مامي رو...
"اه دي كارين، شكلها عايزيني في حاجة"
قاطعتها ملك وهي تحدق إليها بتحذير، ثم أردفت:
"روحي ألعبي مع أختك وبنت خالك عقبال ما خلص الأكل"
فعلت ابنتها ما أُمرت به، بينما ملك قالت إلي شقيقها:
"أنا رايحة أطفي علي الأكل وأغرف"
قالتها ولم تنتظر أن يقول شقيقها كلمة، ذهبت إلي المطبخ وقامت بمهاتفة صديقتها:
"ألو يا رودي أنتي فين؟"
"ما هي دي أخرة اللي يمشي ورا الـ GPS وخصوصاً في مصر، بقالي ساعة بلف بالعربية عشان أوصل للـ location اللي أنتي بعتهولي وكأني بلف في صحرا ملهاش نهاية"
"خلاص أبعتي لي مكانك وهخلي مصعب يجي يروحلك"
"خلاص أنا تقريباً وصلت، دقيقتين وهاكون عندك، يلا سلام"
خرجت من المطبخ وأشارت إلي زوجها ليأتي إليها، نهض بعد أن أستأذن من ياسين، وعندما ولج برفقتها داخل المطبخ سألها:
"هي وصلت؟"
"دقيقة وهتلاقيها هنا، المهم عايزاك تمهد له الموضوع وتفهمه إن راحته وراحة ياسمينا هيلاقيها مع رودي وإنها كمان بتحبه من زمان"
"ما ينفعش أقوله إنها بتحبك من زمان عشان ما يفتكرش إن بستعطفه، هو بالتأكيد حاسس أنا هلفت نظره بطريقة غير مباشرة وبعد ما نتغدي، نسيبهم يقعدوا مع بعض في الجنينة"
صدح رنين الجرس فقالت ملك:
"أوك، أنا هاروح أفتح لها"
ذهبت وقامت باستقبال صديقتها، فكانت رودي تحمل حقيبة هدايا فاخرة:
"حمدالله علي السلامة"
تصافحا ثم تعانقا وقالت رودينا:
"الله يسلمك، إيه يا بنتي قاعدين في أخر الدنيا!"
"معلش بقي كانت مفاجأة ليا، وإيه اللي جايباه ده، هو فيه ما بينا جو الهدايا، إحنا أخوات"
قدمتها الأخري إليها قائلة:
"دي بمناسبة الفيلا الجديدة، ربنا يبارك لكم فيها وتملوها أخوات لمليكة ونور"
عقبت ملك:
"يارب، تعالي بقي عشان تسلمي"
أمسكتها من يدها فتوقفت صديقتها وسألتها:
"إيه ده أنتم عندكم ضيوف؟"
نظرت إليها بابتسامة ماكرة وأخبرتها:
"هو مش ضيف ده حبيب ولقلبك قريب"
فطنت الأخري هوية الضيف، ضربت حمرة الخجل وجنتيها فقالت:
"أنتي بتهزري، ليه ما تقوليليش إنك عازمة ياسين، أهو أول ما يشوفني يفتكر إنك قولتيلي إنه عندك وأنا ما صدقت وجيتلك"
"إيه الأوڤر ده يا رودي، ياسين ما بيفكرش في كدة، أنتي وهو محدش فيكم يعرف إن عزمة التاني، بصراحة حبيت أجمعكم وأخليكم تقعدوا تتكلموا مع بعض"
"مش أنا قايلة لك أخر مرة إن أنا خلاص صرفت نظر وخصوصاً بعد ما لمح لي إنه عايش علي ذكري مراته وما يقدرش يخونها حتي لو هي ميتة"
"سيبك منه هو بس عايز يبينلك إنه مخلص، أنتي بس أقعدي معاه وأتكلموا مع بعض، أنتي إخصائية نفسية وتقدري تفتحي قلبه وتخليه يفضفض لك، هو أنا اللي هقولك تعملي إيه"
"ماشي يا ملك، بس لو أحرجني والله ما هجيلك تاني ولو عايزة تشوفيني نبقي نتقابل في أي مطعم أو نادي"
"أطمني، أخويا أنا حفظاه كويس، هو محتاج دفعة وتشجيع ومش بعيد يقولك تتجوزيني وإحنا قاعدين"
༺※※※༻
يجلس الجميع حول المائدة وياسمين تجلس بجوار رودينا التي تطعمها قطعة الدجاج في فمها، لاحظت أن ياسين يقتنص كل فرصة غير منتبهة وينظر إليها.
مالت نحوه شقيقته وهمست إليه:
"بذمتك هتلاقي حد حنين علي ياسمين زي رودي؟!، ما بالك بقي هتبقي معاك إيه، هاتشوف دلع وحنية عمرك ما عشتهم قبل كدة"
حدق إليها بامتعاض وضيق فأخبرها بتحذير:
"ملك، ياريت بلاش تلميحات سخيفة عشان ما أزعلش منك"
شهقت بصدمة عندما أدركت ما قد تفهمه شقيقها فقالت:
"أنت اللي فاهم غلط، الموضوع و ما فيه عايزة مصلحتك مع اللي بتحبك، أنا عمري ما أسيئ لياسمين الله يرحمها وأفتكر أخر خناقة كانت ما بينكم أنا وقفت معاها ضدك، لكن دلوقتي هي في مكان أحسن وهتبقي فرحانة لما تلاقي بنتها وأنت مبسوطين"
لم يكن يريد الجدال فحسم أمره وسألها:
"من الأخر أنتي عايزاني أقعد معاها و نتكلم مع بعض ونعرف بعض أكتر وأجي بعدها بيومين أطلب إيدها، صح؟"
"مش بالسرعة دي، علي الأقل أعملوا فترة خطوبة تعرفوا وتتعودوا علي طباع بعض"
"تمام يا ملك، هاعمل اللي نفسكم فيه أنتي وأخواتك بس أنا راجل معنديش وقت للخطوبة والجو ده"
داهم قلبها القلق فسألته:
"أومال ناوي تعمل إيه؟"
بشبه ابتسامة ساخرة أجاب:
"أبقي أسألي صاحبتك وهي هتقولك"
تناول محرمة ورقية ومسح فمه ثم نهض قائلاً:
"الحمدلله، سفرة دايمة"
أشار مصعب إليه نحو صحنه الممتلئ:
"إيه ده يا ياسين، ده طبقك يعتبر زي ما هو، أقعد كمل أكلك"
تلاقت عينيه بعينين رودينا والتي تصنعت إنشغالها بللعب مع ابنته
"لاء أكلت الحمدلله، مش محتاج عزومة أنا في بيت أخويا"
فقالت ملك وبداخلها تدعو الله أن يمر اليوم علي خير ولا يرتكب شقيقها أي موقف أحمق:
"خلاص روح أغسل إيديك، وروح أقعد في الجنينة برة"
أنتهي الجميع من تناول الطعام وذهبت الصغيرات يلعبن لدي الأرجوحة و علي بُعد أمتار يجلس كلا من مصعب وملك و رودينا وياسين
"مصعب بقولك صحيح، قصى أتصل عليك وأنت كنت بتغسل إيديك من شوية"
صدق حديثها ونهض قائلاً:
"و مقولتيش ليه من وقتها، بالتأكيد عايزني عايزني في حاجة مهمة، عن إذنكم"
ذهب فنهضت وقالت:
"و أنا هاروح أحضر المولتن كيك بسرعة عشان ياسمينا بتحبها"
رمقتها رودينا بتحذير حتي لا تتركها بمفردها، لكن الأخري قد ذهبت سريعاً
ساد الصمت للحظات حتي بادر ياسين في التحدث
"إيه أخبار دراستك وشغلك؟"
أجابت ببراءة وابتسامة جعلتها كالملاك:
"الحمدلله كل حاجة تمام، وبإذن الله هبدأ شغل من بكرة وفي نفس الوقت شغلي هيبقي مع حالة هاتبقي رسالة الدكتوراة"
"ربنا يوفقك"
"mercie"
قلبها ينبض بقوة، فنظراته تخترقها وهي جالسة أمامه، عينيه تحكي الكثير من الأسئلة، تحمحمت ثم سألته لتهدأ من إيقاع تلك الأجواء المتوترة:
"و إيه أخبار الشغل معاك؟"
تناول علبة السجائر وكاد يأخذ سيجاراً فأوقفته:
"ممكن بلاش سجاير"
ترك العلبة فأردفت:
"معلش لو ضايقتك، بس أنا قولتلك بلاش عشان صحتك، و غلط عشان صحة ياسمينا"
ظهرت علي وجهه ابتسامة دبت القلق بداخلها
"ما تقلقيش أنا بشرب واحدة أو أتنين في اليوم وبرة البيت"
"واحدة أو خمسة، الضرر واحد"
باغتها بسؤال جعل القشعريرة تسري علي طول عمودها الفقري:
"خايفة عليا؟"
أجابت بذكاء:
"أنا كنت عضو نشط في مبادرة مكافحة المخدرات والإدمان، و عارفة مدي ضرر السجاير علي صحة الإنسان إزاي سواء التدخين الإيجابي أو السلبي"
ابتسم مرة أخري بعد أن أدرك مراوغتها في الإجابة، فحاصرها بين حصونه من جديد وأخبرها:
"خلاص، هابطلها عشانك"
اعتلت الدهشة ملامحها، وألجمت الصدمة لسانها لاسيما عندما ظل ينظر إليها في ترقب فألقي عليها دون أي مقدمات:
"تتجوزيني يا رودينا؟"
༺※※※༻
وصل للتو من الخارج يحمل حقيبة في يده، يتغني بصوت خافت والبسمة تعلو شفتيه، وجد والدته تجلس أمام التلفاز تشاهد فيلماً عربياً قديماً.
ألقي عليها التحية:
"بونسوار شيري"
سألته دون أن تحيد عينيها عن الشاشة:
"كنت فين؟"
جلس علي أقرب مقعد مخملي وأجاب:
"روحت الشركة أتابع شوية شغل هناك وعديت علي المحامي"
أمسكت جهاز التحكم وقامت بكتم الصوت ثم ألتفت إليه باهتمام وسألته:
"و قالك عمل إيه في موضوع الوصاية علي حمزة؟"
لا يريد أن يخبرها هذا الأمر ليتجنب ثورة غضب والدته فقال:
"لسه هايعرف بعد يومين"
لم تصدق أكذوبته لذا رمقته بنظرة غامضة وقالت:
"يومين و لا حتي شهرين، كله هيبان"
نهض قائلاً:
"أنا طالع أطمن علي حمزة حضرتك عايزة حاجة؟"
ابتسمت بتهكم وسألته:
"حمزة برضو و لا علا؟، عموماً هما مش فوق"
انتصب جسده فجأة وسألها غاضباً:
"راحوا فين؟"
ضغطت علي زر تشغيل الصوت لتتابع المشاهدة، فأجابت غير مهتمة لسبر أغواره:
"مش أنت اللي أديت أوامر للشغالين يسيبوها علي راحتها؟!، أنا كنت نايمة وصحيت لاقيت الشغالة بتقولي إنها خدت الولد وخرجت وبلغتها تقولنا إنها راحت للدكتور اللي متابع حالة حمزة"
أخرج هاتفه من جيب بنطاله وقام بالإتصال علي الفور، لم يتلق إجابة بل وكانت تغلق، تذكر عنوان الطبيب حيث قام بإيصالهم إلي هناك قبل ذلك وأنتظر في الأسفل ريثما أنتهت جلسة ابن شقيقه.
و أمام المركز تقف تنتظر سيارة الأجرة التي قامت بطلبها عبر التطبيق الشهير لخدمة التوصيل.
"مدام علا؟"
ألتفت إليه وسألته:
"فيه حاجة يا دكتور أسامة؟"
اقترب منها ووقف يربت علي خصلات شعر صغيرها قائلاً:
"ممكن نروح مكان قريب نتكلم فيه؟"
أجابت بتوتر:
"بصراحة ما ينفعش، بس ممكن أفهم ليه؟"
"أنا عارف إن طلبي سخيف، بس كنت عايز حضرتك في موضوع شخصي وما ينفعش نتكلم في الشارع، رجاءً تتفضلوا معايا وأوعدك مش هتتأخري"
عقبت بإصرار:
"أنا بعتذر منك، لأن مش هقدر ألبي دعوتك و ده عشان....
"متجوزة، مدام علا تبقي مراتي، و أي كلام يبقي معايا أنا يا دكتور، فاهم و لا أفهمك؟"
مقاطعته لحديثها وتدخله المفاجئ دب الرعب في أوصالها، رأت الشر في عينيه وهو يقوم بتحذير الطبيب.
ألتفت إليها وحدق إليها بنظرة قاتلة قائلاً بأمر صارم:
"قدامي علي العربية"
تخشي الإعتراض أو التلفظ بحرف، فمن الغباء مواجهة وحش في أوج غضبه، صعدت إلي داخل السيارة وجلس صغيرها في الخلف، ألتزمت الصمت حتي توقف أمام باب الفيلا ترجل أولاً ليفتح الباب إلي الصغير وقام بمناداة إحدي الخادمات فتقدمت نحوه
"أمرك يا أحمد بيه"
"خدي حمزة و غيري له وأكليه وخليكي لحد ما ينام"
نزلت علا من السيارة وقلبها كاد يتوقف وهي تخمن ما يحدث
"أنا طالعة مع ابنـ...
قبض علي ذراعها ومازال يحدق إليها بتلك النظرة المرعبة:
"اللي أقول عليه هو اللي يتنفذ، وأنتي شكلك لسه ماتعرفيش مين هو أحمد الشريف، قدامي "
أنهي حديثه ودفعها أمامه بقسوة ليريها الوجه الآخر له...
الفصول التاسع والعشرون
الجزء الثالث
لقراءة الجزء الاول جميع الفصول
لقراءة الجزء الثاني جميع الفصول
الفصل التاسع والعشرون
🐺 غابة الذئاب «ما بعد العهد» 🐺
"الجزء الثالث من رواية صراع الذئاب"
بقلم: ولاء رفعت علي
إذا ما بكيت أراك ابتسامة... وإن ضاق دربي أراك السلامة... وإن لاح في الأفق ليل طويل
... تضيء عيونك خلف الغمامة
أحمد شوقي
نزلت علا من السيارة وقلبها كاد يتوقف وهي تخمن ما يحدث
"أنا طالعة مع ابنـ...
قبض علي ذراعها ومازال يحدق إليها بتلك النظرة المرعبة:
"اللي أقول عليه هو اللي يتنفذ، وأنتي شكلك لسه ماتعرفيش مين هو أحمد الشريف، قدامي "
أنهي حديثه ودفعها أمامه بقسوة ليريها الوجه الآخر له، استندت علي المنضدة حتي لا يختل توازنها وتقع فاستدارت إليه وقد وصل غضبها إلي الحلقوم فانفجرت في الحديث:
"بقولك إيه، أنا فضلت ماسكة نفسي لما كنا في الشارع والعربية عشان خاطر الولد ونفسيته، لكن لحد هنا وأقف عندك، بتشخط وتزعق وتزقني ليه كل ده؟!، كنت مع ابني بياخد الجلسة"
بينما وهي تصيح كالعاصفة الهوجاء لاحظت حماتها تقف علي مقربة تحدق إليها بكبر وابتسامة تعلو ثغرها بسبب ما يفعله ابنها لذا ظنت إنها من وسوس إليه، سرعان عاد انتباهها إلي أحمد الذي اقترب منها خطوة بنظرة قاتلة يسألها:
"و مش أنا قايلك قبل ما رجلك تخطي الأوضة تتصلي عليا؟"
"أتصلت عليك كتير، و كل مرة ما بيجمعش و بعدين أنا مش خارجة أتفسح، دي جلسة علاج للولد"
"اللي أنا أعرفه المفروض لما حصل كدة تستني لحد ما أجي أخدك وأوديكي زي كل مرة بنروح فيها، مش تروحي من ورايا وكمان ألاقيكي واقفة في الشارع مع الدكتور عاملين تتكلموا"
"الراجل كان بيتكلم معايا بكل أدب وإحترام وواقفين في الشارع، يعني في مكان عام"
"عام ولاخاص، الموضوع من أوله غلط، خروجك من غير إذن في حد ذاته أكبر غلط، حياتك قبل ما تبقي علي ذمتي دي تنسيها"
مازالت نظرة والدته المثيرة للحنق صوبها، فارادت علا أن تشفي ولو القليل من غليلها فحدقت إلي زوجها بلا مبالاة ثم أطلقت من بين شفتيها ما يجعل دمائه تفور:
"وأنت ياريت ماتنساش أنك أتجوزتني بعد ما أنت والست هانم أمك أجبرتوني علي كدة، ورضخت في النهاية عشان ابني، يعني كل اللي ما بيني وبينك عقد جواز وبس"
تلقي كلماتها كالصاعقة فوق رأسه، كان أثرها يكفي لجعل دمائه تثور كبركان أنفجر لتوه، و ما زاد الطين بلاءً تعقيب والدته التي تحدثت بتعجرف وعنجهية:
"أومال أنتي كنتِ فاكرة إيه اللي هيبقي ما بينك وبينه أكتر من كدة؟!، و لا تكوني فاكراه زي أخوه الله يرحمه اللي ضحكتي عليه ودبستيه في عيل، أنا اللي خليته يتجوزك عشان حفيدي يتربي في جو مناسب يليق بعيلة الشريف أحسن ما يطلع تربية خدامين"
صاح أحمد محذراً:
"ماما"
لم تكن علا قادرة علي التحمل أكثر من ذلك فاندفعت بصوت جهوري:
"ما تسيب شيري هانم تطلع اللي جواها"
ثم وجهت بصرها إلي والدة زوجها وأكملت:
"ابنك حازم الله يرحمه مكنش متربي ولا كان عارف معني التربية، بالنسبة بقي لموضوع جوازي من ابنك التاني أنا عارفة أسبابه كويس، وخصوصاً بعد ما اكتشفتي إن يسري بيه الله يرحمه كتب كل أملاكه لابني، خوفتي طبعاً علي الفلوس والأملاك تضيع منك مش علي حفيدك"
وبالرغم من غضب السيدة شيريهان الذي وصل لذروته لكنها تتظاهر عكس ذلك بالقوة والثبات.
لحظات صمت قاطعها صوت أحمد الذي أمر علا بحدة:
"أطلعي فوق"
وقبل أن تتفوه بكلمة فسبقتها شيريهان:
"أطلعي فوق!، بدل ما تعرفها مقامها وتخليها تعرف تتكلم مع أسيادها إزاي"
أغمض عينيه وبرزت عظام فكه وكذلك عروق عنقه النافرة، لم تهتم علا لرؤيته المثيرة للرعب ويجب عليها الفرار من أمامه الآن، لكنها أصرت ألا تلتزم الصمت ويجب عليها أن تثأر لإهانة والدته المتعمدة لها في حديثها ونظراتها.
"أنا مش شغالة و لاجارية عندك عشان تتكلمي معايا أو مع ابنك عليا كدة، ولولا أنك جدة ابني وست كبيرة في السن كان هيبقي ليا رد عليكي يعرفك حدودك معايا كويس"
اتسعت عينان الأخري بصدمة ونظرت إلي ابنها بغضب لأنه لم يثأر لها من علا ثم غادرت المكان واتجهت نحو الدرج، بينما أحمد أمر زوجته من بين أسنانه وكأنه يصارع شيطانه حتي لا يرتكب كارثة:
"لأخر مرة بقولك أطلعي علي فوق يا علا"
صاحت بإصرار:
"أنا هطلع هاخد ابني وهامشي وياريت تطلقني أحسن"
هنا استيقظ الوحش من سباته، وفي لمح البصر قبض علي يدها جاذباً إياها بعنف خلفه، أخذت تتعثر مع كل خطوة محاولة الفرار من قبضته:
"أوعي سيبني"
وتشبثت بـ داربزون الدرج وتردد:
" أوعي مش طالعة معاك"
توقف ليمسك بيدها الأخري يجذبها بقوة لتترك الداربزون ثم حملها علي كتفه، فشهقت بخوف وأخذت تركل ساقيها وتضرب ظهره بيديها وهو كالجبل الصامد لا يتأثر قط.
وصل أمام غرفتهما وفتح الباب بعنف ثم قام بركله لإغلاقه، أنزلها لتجد جسدها ملتصق بالحائط جوار الباب
"كنتِ بتقولي ياريت إيه بقي؟"
لم تجرؤ علي النظر في عينيه يكفي يديها المثبتة علي الحائط، أجابت ودقات قلبها يسمعها واضحة عن صوتها الخافت:
"تـ.. طـ.. لـ.. ـقـ..ـني"
و في لحظة أخري أصبحت ذراعيها خلف ظهرها يمسكها بيد واحدة والأخري يرفع لها وجهها عنوة، يضغط علي وجنتيها ويحدق في عينيها عن كثب فتظهر بسمة مخيفة علي شفتيه قائلاً:
"كلمة طلقني لو طلعت من شفايفك تاني، لا هاتشوفي الشارع و لا هاتخرجي من الأوضة و لا حتي هاتشوفي ابنك نهائي"
كلماته ونظراته المرعبة كفيلة لجعل عينيها تذرف دموعها فتنساب علي خديها، غير قادرة علي الرد بسبب ضغط يده علي فكها ووجنتيها، لان قلبه لرؤيتها في هذه الحالة، فأرخي قبضته وأبعد يده عن وجهها لكنه مازال يقبض علي يديها خلف ظهرها
"مفيش حاجة هاتقدر تبعدك عني غير موتي"
لا تعرف ما تراه في عينيه الآن هل هو عشق أم امتلاك؟، تعبير وجهه المرعب لم يستطع إخفاء ما يحمله فؤاده لها، ودون أن تشعر تلفظ لسانها بسؤال اهتز إليه كيانه:
"و إيه السبب اللي مخليك متمسك بيا أوي كدة؟"
تبدلت معالم الغضب علي وجهه إلي التوتر وتحول الإعصار إلي هدوء تام، يخشي أن تكون قد كشفت خبايا قلبه فيقع أسيراً للهوێ مرة أخري.
اختار الجمود تعبيراً لوجهه عندما أنكر ما تنضح به عينيه وبوح أسير خلف شفتيه:
"السبب أنتي قولتيه بنفسك تحت لشيري هانم"
عادت الدموع من جديد تتحد سوياً داخل عينيها، ابتلعت ريقها وسألته وفي قلبها غصة:
"يعني أنت أتجوزتني عشان الورث مايروحش منكم؟"
أومأ لها وبنبرة أتقن أن تكون باردة كثلوج القطبين:
"أومال هاتجوزك ليه يعني؟!، فاكراني مثلاً حبيتك؟"
رجفة أصابت خلايا جسدها ولسانها قد فقد القدرة علي الكلام، أين ذلك البريق الذي تراه كلما تتلاقي عينيها بخاصته؟
هل الشعور بالخذل الذي يصول ويجول بداخلها نابع عن حب وأدَ قبل أن يولد!
اقترب منها ليخبرها ويفعل ما قطع الخيط بينهما، وضع يديه علي كتفيها ويحدق صوب عينيها ببراعة أطفأت نور الأمل لديها
"مش آن الآوان بقي نتمم جوازنا"
رفع يده وكاد يلمس وجنتها، دفعت يده بازدراء والأخري عن كتفها وابتعدت فرمقته بنظرة مقيتة قائلة:
"عمره ما هيحصل"
رفع جانب فمه بابتسامة ساخرة:
"بلاش تتحديني عشان هخليه يحصل ولو غصب عنك"
ركضت نحو الشرفة وبتهديد تخبره:
"أقسم بالله لو قربت مني هارمي نفسي"
شعر بخوف لوهلة أن تنفذ ما تفوهت به، فسألها:
"هاتنتحري عشان عايز حقي؟!"
استعادت رباطة جأشها ووقفت بقوة لتثأر منه:
"الإنتحار أهون من إن واحد زيك يلمسني"
تصاعدت أنفاسه وقبل أن يسيطر عليه غضبه الكاسر، ذهب من أمامها وغادر الغرفة علي الفور.
ركضت نحو الباب وقامت بوصده بالمفتاح، تشعر بالبرد فاستندت بظهرها تحتضن جسدها بذراعيها، أطلقت آهه نابعة من قلبها ها بكاءٌ مرير بطعم الألم.
༺※※※༻
داخل مجمع تجاري شهير، فبعد أن حصلت علي مبلغ مالي ممتاز مكافآة نظير مجهوداتها الأخيرة في الشركة، حصلت علي المبلغ نقداً من الماكينة فقررت أن تأتي هنا وتتسوق وتشتري هدايا لوالدتها ولشقيقها الذي لا يرضيه شيئاً.
لفت انتباهها ثوب زفاف يشبه ما كانت ترتديه في الحفل الزائف، وقفت تتأمل الثوب وتبتسم، صدح رنين هاتفها في حقيبتها فأخذت الهاتف من داخلها لتجد المتصل والدتها، أجابت:
"ألو يا ماما؟"
"أتأخرتي ليه يا منار، مش قولتي هاتقبضي وهاتطلعي علي طول عشان نتغدا مع بعض؟"
أخذت تسير بخطي وئيدة في الرواق الكبير بين واجهات المتاجر
"لاء أتغدي أنتي وأخويا عشان هتأخر شوية، بشتري شوية حاجات وجاية"
"طبعاً هتطيري فلوسك كالعادة علي اللبس والمكياچ والبرفانات"
"أنا مش بشتري حاجة ليا، والحمدلله المكافآة مبلغ حلو جداً فقولت أشتريلكم شوية حاجات وأجيب لكم اللي ناقصكم وناقص البيت"
"يا حبيبتي تعالي و ما تجبيش حاجة، خير ربنا كتير ومش ناقصنا شئ"
"حاضر يا ماما، بقولك بس قبل ما أقفل هو مقاس حمادة في التيشرتات medium و لا large؟"
زفرت والدتها بسأم ثم أجابت:
"برضو مصممة تشتري؟"
"أنا أصلاً في المول، قوليلي بقي عشان أنا واقفة قدام المحل"
"هاتيهوله مقاس xlarge"
"أوك، هقفل معاكي بقي عشان أعرف أنقي له حاجة يارب تعجبه"
"خدي بالك من نفسك"
"حاضر، سلام"
أنهت المكالمة وألقت هاتفها داخل الحقيبة فولجت داخل المتجر، تقف حائرة أمام القمصان ذات نصف الأكمام وماركات عالمية متنوعة، تقدم منها إحدي البائعين يسألها بلباقة:
"عاجبتك حاجة يافندم؟"
كادت تجيب فتوقف لسانها حينما سمعت صوت ينادي علي بائع آخر:
"لو سمحت عايز المقاس الأصغر وياريت يبقي نفس اللون"
أغلقت عينيها لثوان تدعو بداخلها أن لا يكون هو، تخشي أن تلتفت ورائها وتجده، أصبحت تخشي مقابلته أو مواجهته فهو غريب الأطوار، وتذكرت فعلته الجنونية عندما قام بتقبيلها في غرفة الإجتماع.
فتحت عينيها وعلي شفتيها ابتسامة سرعان تلاشت عندما شعرت إنه علي مقربة شديدة منها وهذا من سماع صوته مرة أخري يقول للبائع:
"معلش ممكن تجيبلي الأسود السادة"
ابتلعت لعابها بتوتر وحاولت التسلل قبل أن يرى وجهها، ودون أن تنتبه تعثرت في مجسم بلاستيكي فوقع علي الأرض ولفت الأنظار إليها، شهقت بـ فزع فرفعت وجهها إلي مسئول البيع:
"معلش ما أخدتش بالي"
"و لا يهمك حصل خير"
قالها وأعاد المجسم لوضعه السابق، بينما هي همت بالمغادرة وتراجعت خطوتين إلي الوراء و من ثم تتجه إلي الباب الزجاجي سريعاً حتي أصبحت خارج المتجر، توقفت بعيداً تلتقط أنفاسها وظلت تردد:
"يارب ما يكونش أدهم المجنون ويطلع واحد تاني نفس صوته"
ألتفت يميناً ثم يساراً للتأكد إنه لا ها أو قد يكون رآها، أخذت تبحث عن المصعد فسألت إحدى العاملين فأشار إلي آخر الرواق، ذهبت بخطوات سريعة وكأنها تهرب خوفاً من الشبح، وصلت أمام الباب المعدني وضغطت علي الزر، توقف المصعد وفُتح بابه علي مصراعيه أتوماتيكياً فولجت إلي الداخل، ضغطت علي رقم الطابق ويليه زراً أخر، أُغلق الباب وتواً فُتحَ مرة أخري فدخل مَنْ كانت تهرب منه، يبتسم إليها قائلاً:
"رب صدفة خير من ألف ميعاد"
صاحت في وجهه بغضبٍ زائف:
"ممكن تطلع برة"
اقترب منها فتراجعت حتي أصبحت محاصرة في زاوية كالقطة الخائفة
"هاطلع إزاي والإسانسير خلاص أتحرك"
وجدت ما قاله صحيحاً فكيف لم تنتبه إلي تحرك المصعد!
رفعت اصبعها السبابة في وجهه قائلة بتحذير:
"أقف مكانك وبطل حركاتك المجنونة دي لإما..
أمسك باصبعها والبسمة مازالت علي شفتيه يسألها بهدوء يشعلها حنقاً:
"و لو ما بعدتش يا قطتي هاتعملي إيه؟"
جذبت اصبعها ووبخته:
"أولاً أنا مش قطتك، أنا اسمي آنسة منار، ثانياً بلاش جنان ولأخر مرة بحذرك لو ما بعدتش هتندم"
اقترب أكثر وقال إليها ببرود مبتسماً:
"أنا نفسي أندم وأتوب علي إيديكي"
ضيقت عينيها بوعيد:
"أفتكر إن حذرتك"
أطلق تأوهاً مدوياً سببه الركلة التي سددتها إليه بين ساقيه، فُتح باب المصعد وقبل أن تغادر، ابتسمت إليه تراه يضم ساقيه وعلامات الألم علي وجهه ونواذجه شديدة الحمرة.
"أفتكر إن قولتلك بلاش"
أخرجت لسانها بحركة طفولية واطلقت ساقيها للريح قبل أن يلحق بها ويقتص منها علي ما اقترفته للتو.
༺※※※༻
كان يُذيل الأوراق التي أمامه بتوقيعه «آدم البحيري»، كثيراً من الأوراق لا يعلم عدد التوقيعات، و بعد الإنتهاء من آخر ورقة ألقي القلم فوق المكتب فاطلق زفرة تخرج من أعماقه، نظر في ساعة يده وجدها الخامسة مساءً، أخذ هاتفه وأجري إتصالاً ليطمئن علي زوجته، فجاء ردها في الحال، ابتسم مُعقباً:
"شكلك كنتِ مستنية أتصل عليكي"
"لسه خارجة من آخر محاضرة ويادوب خرجت الفون من الشنطة عشان أبص في الساعة لاقيتك بترن"
"و أنا كمان يعتبر خلصت شغل النهاردة، هاقوم أجهز وهاعدي عليكي"
"تمام و أنا هستناك قدام الـ...
طرق علي الباب اختطف سمعه فقاطع حديثها:
"ثواني يا حبيبتي"
قال للطارق بصوت جهوري:
"أتفضل"
ولجت مساعدته لتخبره:
"مستر آدم فيه ضيفة عايزة تقابل حضرتك اسمها مدام رو...
دفعتها الضيفة من أمامها وولجت بابتسامة هادئة:
"هاي آدم"
أصابه التوتر فأكمل حديثه مع زوجته سريعاً:
"معلش يا قلبي هاكلمك بعدين، سلام"
وكأنه قد نسي اتفاقه معها بأن يذهب ليأخذها من أمام الجامعة، و لما لا ينسي، وهذه الصهباء قامت بزيارته دون سابق تحديد موعد أو إتصالاً يعلم من خلاله مجيئها.
نظر إلي مساعدته وأخبرها بأمر:
"روحي أنتي دلوقتي"
تقدمت روڤان من مكتبه وجلست قبل أن يأذن لها، الوجوم يعتلي ملامح وجهه، فبدي علي ملامحها الأسف والحزن قائلة:
"معلش، So Sorry عشان جيت من غير ميعاد، والمفروض كنت علي الأقل كلمتك قبل ما أجي"
حدجها بامتعاض فسألها:
"و ياتري إيه سبب الزيارة المفاجئة؟"
حدقت إليه بصدمة وسريعاً ابتلعت سؤاله وكأنها لم تسمعه، زادت من نظرة الحزن في عينيها التي بدأت بالبكاء:
"أنا محتاجة لك جمبي يا آدم"
تناولت محرمة من فوق مكتبه وأخذت تمسح في عبراتها، وبطرف عينها لاحظت جسده المتصلب وعيناه المترقبة ومسامعه المنتظرة أن تكمل حديثها
"كنت عاملة توكيل عام لمحامي جوزي الله يرحمه، تقريباً من سنة، مكنتش عارفة أدير شركة بابي الله يرحمه وأدير شركة المرحوم في نفس الوقت"
ضغط الأخر علي زر الهاتف وأبلغ المساعدة:
"واحد عصير ليمون وفنجان قهوة"
أخذت تمسح دموعها واستطردت:
"جيت أخر تلات شهور تعبت وما بقتش قادرة أروح الشركة ووكلته بمهمة إنه يدير الشركة أو يشوف حد مناسب وأمين يقوم بالمهمة دي"
التقطت أنفاسها وأكملت:
"أتفاجئ لما رجعت من الأجازة، إن الباشا بالتوكيل العام خلي الشركتين باسمه، و لما روحت له عشان أواجهه عرفت إنه سافر وكان موصي الـ security يطردوني برة وفعلاً ده حصل"
سكب مياه معدنية في الكوب وأعطاه لها، تناولت فارتشفت القليل من الماء
"إهدي يا روڤان، العياط ملهوش فايدة دلوقت"
نظرت إليه بعينين باكيتين:
"آدم أنا مليش حد، بابي كان وحيد ملهوش أخوات، وأنا كمان مليش أخوات، معنديش حد يقف معايا ويرجعلي حقي، أنا...
تناولت الكوب وارتشفت القليل فتابعت الحديث:
"أنا جيتلك لأن بعتبرك زي أخويا، عارفة إن وقتك ضيق ربنا يعينك، بس أنا بجد مليش حد ألجأ له غيرك"
تنهد الآخر ويفكر في الأمر ملياً، أول أمر طرق في ذهنه زوجته إذا علمت بأمر تواصله مع هذه الصهباء مرة أخري ستقيم الدنيا حرباً فوق رأسه، أطلق زفرة فامسك بدفتر ورقي صغير نزع منه ورقة بيضاء وتناول قلم من الإسطوانة المعدنية، مد يده إليها بالقلم والورقة قائلاً:
"اكتبيلي كل حاجة تعرفيها عن المحامي بياناته، مكان مكتبه، عنوان سكنه، وعنوان الشركة"
أخذت الورقة والقلم وقبل أن تدون ما أمرها به سألته:
"أنت لو وصلت له هاتعمل معاه إيه؟"
أشار إليها نحو الورقة وأخبرها:
"اكتبي بس وأنا إن شاء الله هاعرف أجيبه لحد عندك وهخليه يرجعلك كل اللي خده منك، ماتقلقيش"
قامت بكتابة كل البيانات ومدت يدها إليه بالورقة، تبتسم بسعادة وعينيها تلمع ببريق أمل قائلة:
"مش عارفة أشكرك إزاي، ربنا يخليك ليا thank you very much "
أكتفي بابتسامة تخفي قلقه والتوتر الذي داهمه منذ رؤيتها، يتمني أن ينتهي من هذا الأمر بسرعة دون حدوث عواقب ليس علي استعداداً لها.
نهضت وتخرج من حقيبتها بطاقة ورقية:
"أتفضل ده الكارت بتاعي فيه أرقامي الجديدة عشان لو فيه أي جديد تكلمني"
أومأ برأسه وقال:
"اطمني، هابلغك بكل حاجة"
"هاسيبك بقي عشان معطلكش أكتر من كدة"
أخبرها بشبه ابتسامة:
"و لا يهمك"
غادرت المكتب وتركته حائراً، يمسك بالورقة والبطاقة يتأمل كل منهما مردداً:
"ربنا يستر"
༺※※※༻
تقف لدي ساحة الإنتظار بالقرب من البوابة في الخارج، تضع هاتفها علي أذنها تستمع إلي الجرس للمرة العاشرة ولا إجابة منه، نظرت إلي شاشة الهاتف:
"ماشي يا آدم، هي دي النص ساعة وأكون عندك!، و كمان ما بتردش"
قامت بالبحث عن رقم مسجل باسم «عم شكري»، ضغطت علي رمز الإتصال
وفي مكان قريب داخل الحرم الجامعي، تغادر فجر البوابة الزجاجية لمبني المكتبة المركزية، تنظر في شاشة الهاتف فوجدت يجب عليها العودة إلي المنزل، سارت نحو البوابة والتقت عيناها بعينين باسم الذي يقف مع أصدقائه اللذين علي نفس شاكلته، حدقت إليه بازدراء ومضت في دربها دون أن تري النظرة النارية التي رمقها بها، نظرة تنضح بوعيد آثم.
عبرت البوابة وانتبهت إلي خديجة المنتظرة، ذهبت إليها:
"أنتي لسه ماروحتيش؟"
كان الضيق يغزو ملامحها، لكنها أخفته خلف ابتسامة، فأجابت:
"أنا مستنية عم شكري السواق هيجي ياخدني، أنتي اللي روحتي فين بعد المحاضرة ما خلصت؟"
فتحت حقيبتها وأخرجت مجموعة من الكتب:
"كنت بستعير كتب ومراجع عشان البحث اللي طلباه دكتور سوزان، المفروض أنتي كمان تحضري المراجع اللي هاتعملي منها بحثك"
أخبرتها الأخري بفخر:
"أنا عندي مكتبة مليانة كتب ومراجع في كل المجالات"
"ده كدة بقي أنا اللي هاجي عندك، أصلي هوايتي المفضلة القراءة، عندي كمان روايات كتير رومانسي واجتماعي وفنتازيا علي رعب، عندي كل روايات العراب دكتور أحمد خالد توفيق الله يرحمه"
رددت خديجة:
"الله يرحمه، بما أن بقي طلع فيه حاجة مشتركة ما بينا، أنا بعزمك تيجي تقضي معايا يوم "
"بإذن الله، هابقي أستأذن من ماما ويارب توافق، أصلها ما بترضاش تخليني أروح عند أي حد أو أروح حتي رحلات، بتخاف عليا أنا وأخويا الصغير"
ابتسمت إليها وعقبت:
"ربنا يباركلك فيها، هي بتحبك وبتخاف عليكي"
رأت السيارة تقترب ووقفت بالقرب منهما فقالت:
"أهو عم شكري وصل، تعالي معايا نوصلك في طريقنا"
"مفيش داعي أنا كدة كدة هطلب أوبر"
وضعت الأخري يدها علي كتف فجر وقالت بإصرار:
"اسمعي الكلام و يلا عشان نلحق نوصلك قبل ما الجو يليل"
أذعنت إليها فجر بابتسامة قائلة:
"أوك، يلا بينا"
ولجت إلي داخل السيارة بجوار خديجة تحت أنظار باسم الذي ها اينما ذهبت، مُعلقاً:
"ماشي يا فجر، إما خليتك بكرة تيجيلي لحد عندي راكعة ما بقاش أنا باسم"
༺※※※༻
طاولات متراصة بشكل منتظم ورائحة عطرية تفوح في الأرجاء وموسيقى هادئة تصدر من السماعات الصغيرة.
يجذب المقعد قائلاً بنبرة رجل ذو ذوق رفيع:
"أتفضلي"
جلست ورائحة عطره تخترق أنفها، جلس في المقعد المقابل، لاحظ نظرات عينيها يشوبها القلق والتوتر فسألها باهتمام:
"المكان مش عاجبك؟"
طيف ابتسامة زين محياها فاجابت:
"أبداً، بالعكس المكان حلو جداً وشيك، أنا بس قلقانة علي الأولاد، يزيد وسيف أشقية جداً"
"أطمني يا دنيا، الـ kids aria هنا أمان وفيها staff بياخدوا بالهم من الأطفال خصوصاً اللي في سن يزيد وسيف و قصى أخوهم هياخد باله منهم"
عقبت بعفوية:
"قصى ابنك ده بالذات طالعلك بالظبط، مع نفسه في عالم موازي"
أخذ يضحك ولأول مرة تراه يضحك هكذا، و كما يقولون الضحك عدوي، فأخذت تضحك هي أيضاً وسألته:
"هو أنا قولت إيه يضحكك أوي كدة؟"
"و أنتي بتضحكي ليه؟"
توقفت عن الضحك وأجابت:
"ضحكت علي ضحكك عادي، أصل أول مرة أشوف فشتك عايمة كدة"
ضحك من جديد مُعلقاً:
"فشتك عايمة!، إيه يا دنيا التشبيهات العجيبة دي؟"
ابتسمت بحرج ثم أخبرته:
"تيتا كانت بتقولهالي لما بتلاقيني بضحك جامد"
توقف عن الضحك بالتدريج فسألها:
"هي عاملة إيه؟"
"الحمدلله بخير، لما طلعت أجيب الولاد من عندها سألتني عليك مطلعتش ليه"
حمحم وبدي علي وجهه الحرج فعقبت:
"لو مكسوف منها عشان اللي حصل قبل كدة، أحب أطمنك تيتا قلبها أبيض وعمرها ما بتشيل من حد، هي مسمحاك"
استند علي الطاولة بمرفقيه ومد ساعديه ليمسك بيدها ويسألها:
"طب وأنتي؟"
نظرت إلي أنامله المتشابكة بأنامل يدها ثم رفعت وجهها فحدقت إليه وسألته بتوتر:
"أنا؟، أنا إيه؟"
نهض وجلس فوق المقعد المجاور وقام بإزاحته حتي أصبح ملتصقاً بها قائلاً:
"سامحتيني؟، أو أسألك بصيغة أحسن، لسه بتحبيني؟"
أخذت تتلفت من حولها ثم أخبرته بعينين تفر من النظر إليه وشفتين تهرب من الإجابة علي السؤال
"أبعد شوية، الناس عمالة تبص علينا"
وضع كفه علي وجنتها لتنظر إليه:
"سيبك من الناس وبطلي تتهربي، عايز إجابة علي سؤالي"
نظرت إليه وأجابت بسؤال جعل الزمن قد توقف لديه:
"راجع ذكرياتنا من أول يوم ما أتجوزنا وأنت هاتعرف الإجابة، أنت بقي حبتني؟ و لا اللي جواك من ناحيتي دلوقتي إحساس بالذنب؟"
لحظة سكون لايعلم كليهما كم مر من الوقت، حتي جاء مدير المطعم وبرفقته النادل، فقال الأول بترحيب وحبور:
"أهلاً وسهلاً يا كنان بيه، المطعم نّور بحضرتك، أول لما قالولي إن أتصلت تحجز مكان ما صدقتش، أخر مرة شوفناك هنا من 8 سنين"
انتبهت مسامعها بل جميع حواسها لما ذكره هذا الرجل، نظرت إلي زوجها بملامح يعلوها الصدمة، أدرك ما يدور في عقلها الآن.
صافح كنان المدير وأخذا يتبادلا عبارات الإطراء وأملي النادل طلباته، فانصرف وذهب المدير أيضاً، فالتفت إليها وقبل أن يخرج من فمه حرف وجدها نهضت وهَمّت بالمغادرة قائلة:
"أنا قايمة أخد الولاد وهانروح"
أمسك يدها ليجعلها تجلس ثم أوضح لها:
"اقعدي بس وأنا هافهمك، أنا فعلاً كنت باجي هنا من قبل ما أعرفك أكتر من مرة كلهم مع قصى البحيري لما كنا بنعقد صفقات مع مستثمرين ورجال أعمال، و مرة وحيدة جبت"
كاد ينطق بإسم زوجته الأولي فزجرته دنيا فتفادى هذا بقوله مردفاً:
"جبتها هنا، أقسم لك أنا مش جاي أستعيد الذكريات، أنا جيبتك هنا أنتي والأولاد لأنه من أنضف المطاعم اللي زورتها"
لم يكن حديثه مقنعاً كفاية، وذلك يبدو من تحديقها إليه، فسألته هازئة:
"و ياتري دي كانت نفس الطرابيزة اللي قعدتها عليها؟"
"مش للدرجدي يا دنيا"
زفر ثم قال:
"إحنا هنا عشان نغير جو، نقرب من بعض، ومفاجأة كمان محضرها لك"
"خلاص يا كنان، هصدقك"
رفع يدها إلي فمه وقام بتقبيلها:
"ربنا يخليكي ليا"
سحبت يدها، وكأنها تذكرت شيئاً ما، قامت بفتح حقيبتها وأخرجت ورقة مطوية، قدمتها إليه قائلة:
"أتفضل ده الشيك اللي أنت كتبتهولي لما طلبت منك الفلوس، ملهوش لازمة لأنك عملت كل اللي أنا كنت هاعمله وبزيادة كمان"
ضغط علي يدها بخفة وأبعدها نحوها:
"خليه معاكي، وهاكتبلك شيك بمبلغ أكبر عشان يكون معاكي رأس مال لمشروعك، غير مصاريف كتير هتقابلك"
أعادت الشيك إلي حقيبتها، وشبح ابتسامة يعلو ثغرها قالت:
"شكراً"
اقترب منها أكثر وحدق إليها عن كثب يخبرها بتحذير:
"وللمرة الأخيرة إياكِ ثم إياكِ تكرري اللي عملتيه، أنا عديتها بمزاجي، المرة الجاية هتلاقي رد فعل مش هايعجبك"
ابتلعت لعابها وبنظرة قوة وشموخ تسأله:
"ده تهديد؟"
"لاء تحذير"
أخذ كليهما يتبادلان التحديق، قاطع ذلك التواصل البصري مجئ النادل، قام برص أطباق الطعام من مأكولات البحرية الشهية.
"حضرتك تؤمر بحاجة تانية يا كنان بيه؟"
غمزه الأخر وأجاب:
"أنا هابقي أكلمك"
ذهب النادل، ألتفت كنان إلي زوجته:
"أنا عارف بتحبي أوي الـ seafood، وخليتهم يتوصوا بالجمبري"
نظرت إلي الطعام والرائحة الذكية المنبعثة منه، وإذا بها تشعر بنفور، داهمها شعور بالغثيان، وضعت كفها علي فمها تسأله:
"هو الحمام فين؟"
شعر بالقلق عندما رأي شحوب بشرتها، نهض وأمسك يدها:
"تعالي"
وبداخل الحمام، تقف أمام الحوض بعد أن أفرغت ما في جوفها، فتحت الصنبور وأخذت تغسل يديها ووجهها، بينما هو ينتظرها في الخارج، طرق الباب وسألها باهتمام يشوبه القلق:
"دنيا، أنتي كويسة؟"
أجابت من الداخل بصوت جهوري:
"أنا بخير"
استندت علي حافة الحوض، رفعت وجهها تنظر إلي صورتها في المرآة، تتأمل بشرتها الشاحبة والشك يراوضها، فقررت عليها أن تقطع الشك باليقين في أقرب وقت!
༺※※※༻
تتأمل الصور التي أخذتها لهم في عيد ميلاد ابنته، لاسيما تلك الصورة التي يبتسم بها وهي تنظر إليه، فهذه الصورة الفوتوغرافية التي تتوسط شاشة الحاسوب النقال تؤكد لها حقيقة الأمر التي لا مفر منها، فهي من تحبه، نظرات عينيها داخل الصورة تشع بعشقه، يبدو دربها نحو فؤاده يقطع آلاف الأميال لكي يشعر نحوها بالإعجاب وليس الحب.
تتذكر ما حدث اليوم عندما كانت في منزل صديقتها...
«مشهد سابق»
ألقي عليها سؤاله دون أي مقدمات:
"تتجوزيني يا رودينا؟"
مزيج من الصدمة والدهشة في آن واحد علي وجهها، كم تمنت هذا الطلب منذ سنوات مضت، لكن ليس بهذا الأسلوب والمفاجأة دون تمهيد وكأن الأمر لديه مثل إلقاء تحية الصباح.
أخرج من جيب بنطاله علبة سجائر وقداحة، جذب سيجاراً، أشعل النار بها يسحب نفساً ثم ينفث دخاناً كثيفاً، تعجبت من إقباله علي التدخين فتلك ليست عادته.
"إيه يا رودينا، ما سمعتش ردك يعني؟"
ابتلعت ريقها فأجابت بعفوية:
"بصراحة سؤالك فاجئني، و في نفس الوقت مش مصدقة نفسي"
نفث دخاناً كثيفاً مرة أخري وعقب:
"مش مصدقة ليه يعني؟!، أنا شايف الموضوع عادي، واحد بيطلب من واحدة إنه يتجوزها"
صدمة أخري كادت توأد سعادتها الواهية، تجاوزت ذلك وقالت:
"أنا كان قصدي المفروض فيه تمهيد للموضوع الأول"
رد بحُجة ربما جعلت قلبها يطمئن قليلاً:
"اللي بتقوليه ده لو إحنا أتنين أغراب وبنتجوز صالونات، لكن أنتي وملك أصحاب من زمان وكلنا نعرفك وأنتي عارفنا كلنا، يعني عِشرة عمر و لا إيه؟"
أومأت إليه وبدي عليها الاقتناع:
"عندك حق"
نفث دخان سيجاره التي علي وشك الإنتهاء، قام بإطفاء ما تبقي منها في المرمدة وسألها مرة أخري:
"نرجع لسؤالنا اللي لسه ما جاوبتيش عليه، تتجوزيني؟"
ألقت كل ما شعرت به من قلق وخوف من المجهول خلفها، عليها بالصمود حتي تحتل فؤاد الرجل الذي تعشقه، ابتسمت وأجابت بحبور:
"موافقة، بس...
ترددت في تكملة حديثها، فادرك ما تريد قوله
"ما تقلقيش أنا لسه هاتكلم مع باباكي، ودي مهمتك، تحددي لي معاه ميعاد، وأعملي حسابك بعد المقابلة باسبوع هنكتب الكتاب وبعدها باسبوع كمان الفرح"
"ليه الإستعجال؟!، مش المفروض نعمل فترة خطوبة نعرف فيها بعض أكتر"
"ما أنا لسه قايل إننا عِشرة عمر، وبعدين اللي أنا شايفه في عينيكي يقول إنك تعرفيني كويس أوي، صح و لا غلط؟"
باغتها بحديثه وقوله إليها صراحةً إنها تحبه، مما جعل خديها شديدي التورد من الخجل لذا أومأت إليه دون أن تنبت شفاها بكلمة، تخشي ما تخفيه لها الأيام، خاصة لغة جسده التي تخبرها إنه ليس فرحاً بطلبه ويبدو إنه يقع تحت ضغط لكي يُقدم علي هذه الخطوة.
«عودة إلي الحاضر»
أغلقت الحاسوب بطي الشاشة علي لوحة المفاتيح ثم نهضت تبحث عن هاتفها، فوجدته يعلن لها عن إتصال وارد برقم مسجل-Dad-
༺※※※༻
يجلس داخل غرفته خلف مكتبه بوجه عابس، ينظر إلي الساعة المعلقة علي الحائط المقابل له كل حين والآخر حتي أصبحت التاسعة مساءً، طرق علي الباب فقال:
"اتفضل"
فُتحَ الباب وظهرت السيدة الحنون تسأله:
"أحضر لك العشا يا قصى بيه؟"
"شكراً يا دادة، مليش نفس، الولاد ناموا؟"
"اتعشوا وقعدوا يلعبوا شوية وناموا في أوضتهم، مفيش لسه أخبار عن صبا؟"
نهض من خلف المكتب قائلاً:
"لاء، تليفونها غير متاح، شكله فصل شحن منها، أتفضلي أنتي روحي يا دادة أرتاحي، أنا قاعد سهران مستنيها"
"ربنا يطمنا عليها وترجع بألف سلامة، تصبح علي خير يا بني"
"وأنتي من أهله يا دادة زينات"
ذهبت وأغلقت الباب خلفها، أمسك بهاتفه ليجري إتصالاً بعد محاولات عديدة فتلقى تلك الرسالة المسجلة التي بات يكرهها، فقام بالإتصال علي هاتف الشركة الخاصة بزوجته فأجاب عليه حارس الأمن وأبلغه أن الجميع رحل منذ نصف ساعة وأكثر، أنتهي من المكالمة ويشعر بالضيق، أمسك بصندوق خشبي من فوق المكتب، أخذ منه سيجاراً فاخراً، وضع طرفها بين شفتيه فاشعلها، أتجه نحو باب الشرفة الزجاجي المطل علي الحديقة، ووقف ينفث الدخان، و ما هي سوي دقائق قد مرت حتي رأي سيارتها قادمة من إتجاه بوابة القصر، عاد إلي الداخل وخرج ليكون في استقبالها.
دخلت تحمل في يديها حذائها واليد الأخري حقيبة يدها، تسير علي أطراف قدميها وتتأوه بألم، وجدته ينتظرها قائلاً:
"حمدالله علي السلامة"
ألقت الحذاء علي الأرض والحقيبة تركتها فوق المنضدة الرخامية ثم قفزت بين ذراعيه:
"وحشتني أوي يا حبيبي"
يبادلها العناق وربت علي ظهرها:
"قلقتيني عليكي، موبايلك غير متاح ليه؟"
رفعت وجهها إليه ومازالت بين ذراعيه:
"فصل شحن وكنت مشغولة في المقابلات مع المصممين، غير مقابلات مندوبين المصانع اللي هنشتري منهم الخامات، كان يوم متعب ومرهق جداً، وفوق كل ده رجلي أتكسرت من الـ hills اللي كنت لابساها"
ألقت برأسها علي صدره تستند بنصف وجهها فاردفت بارهاق يشوبه قليل من الدلال:
"يمكن عشان بقالي كتير ما بلبسش hills، ااه يا قصى أنا جسمي واجعني أوي من التعب ورجلي مش قادرة أمشي عليها"
قام بمناداة إحدى الخادمات فهرولت إليه احداهن:
"أمرك يا قصى بيه؟"
"حضري العشا وطلعيه علي فوق"
أومأت إليه الأخري قائلة بطاعة:
"تحت أمرك يا بيه"
ذهبت سريعاً، أنزل ذراعين صبا التي كانت تتعلق حول جذعه، قام بحملها علي ذراعيه
"بتعمل إيه؟"
سار بها نحو الدرج:
"هاطلع علي أوضتنا"
ضحكت وتتعلق بيدها حول عنقه:
"أنت مستغني عن ضهرك ولا إيه، نزلني و أنا هاسند علي دراعك"
رفع إحدى حاجبيه قائلاً:
"عندك شك في قدراتي؟"
هزت رأسها نفياً وقالت بدلال:
" you my hero"
فأخذت تتضحك وتغني مقطع من أغنية من أحد أفلام الأبيض والأسود الشهيرة:
"فى إيديك قوة تهد جبال، فى إيديك قوة
وعليك صبر وطولة بال وعينيك حلوة"
أخذت تردد ذلك المقطع حتي ولج إلي داخل الغرفة ومازال يحملها حتي وصل بها إلي السرير ووضعها أعلاه برفق، جلس لدي قدميها وأمسك باحداها، تأوهت صبا بألم:
"اه بتوجعني أوي"
خلع لها الجورب الشفاف وبدأ يُمسد قدمها بعناية
"شوفتي إن الشغل مش حاجة سهلة إزاي، و لسه لما تبدأي شغل بجد وتبقي مسئولة عن موظفين وعمال وحوارات عايزة وقت ومجهود ونشاط فوق الطبيعي"
مالت بظهرها إلي الوراء واستندت علي يديها قائلة:
"قصدك عايز مجهود جبار، بس كله يهون لما يطلع أول Design و مطبوع عليه اسمي ويبقي فيما بعد براند، وقتها يهون أي تعب"
ابتسم إليها ويمسد قدمها الأخري:
"حبيبتي ربنا يوفقك وأشوفك من أنجح الـ business women جوة وبرة مصر، و زي ما وعدتك هافضل جمبك وهادعمك، بس زي ما اتفقنا شغلنا ما يجيش علي حساب ولادنا"
أنزلت قدميها ثم قامت بالزحف علي ركبتيها أعلي السرير، احتضنته بقوة والسعادة تغمرها:
"ربنا ما يحرمني منك أبداً يا حبيبي يا جوزي يا أبو ولادي"
حملها من خصرها ليجعلها تجلس أعلي فخذيه وكأنها طفلته الصغيرة، يحدق إليها بشوقٍ وعشق فاخبرها بصدق نابع من قلبه المتيم بها:
"تعرفي البيت وحش أوي من غيرك، الأكل ملهوش طعم غير وأنتي منورة السفرة، حتي لما قعدنا نلعب أنا والولاد كانت لمتنا ناقصاكي"
"يا حبيب قلبي والله كان غصب عني، انشغلت مع الناس وأوراق وعقود بتتمضي، ما حستش بالوقت، و لما لاقيت الفون فاصل قولت زمانك قلقان ومضايق عشان أتأخرت ومش هانعرف نخرج و لا نروح اليخت"
حاوط وجهها بين كفيه:
"فداكِ يا روحي أي حاجة، أنا كنت فعلاً قلقان عليكي و لما شوفتك قلبي أرتاح"
كاد يلثم شفتيها فأوقفه طرق علي الباب ه صوت الخادمة:
"العشا يا قصى بيه"
رد بصوت جهوري:
"سيبيه عندك"
نهضت صبا وقالت:
"الأكل جه في وقته، أنا فعلاً واقعة من الجوع"
أمسك يدها ورمقها بابتسامة ماكرة:
"الأكل مش هايطير، أنتي روحي غيري هدومك وخدي لك حمام دافي، وبعدين نتعشا"
نظرت إلي ثيابها:
"اه صح أنا ماغيرتش هدومي"
و مع أول خطوة شعرت بألم يسري من قدميها إلي ظهرها وعظامها بالكامل
"اه يا عضمي ياني"
نهض قصى مُتجهاً نحو الباب قائلاً:
"لما تخلصي حمامك هعملك أحلي مساچ سويدي ينسيكي وجع عضمك خالص"
وقفت لدي مدخل غرفة الثياب تنظر نحوه بحبٍ وسعادة:
"بموت فيك يا روحي يا مدلعني"
أرسلت إليه قبلة في الهواء، بينما هو غمز إليها بعينه وقال بمكر:
"ما تتأخريش"
"عينيا"
ولجت داخل غرفة الثياب وشرعت بالغناء من جديد:
"فى إيديك قوة تهد جبال، فى إيديك قوة،
و عليك صبر وطولة بال و عينيك حلوة"
༺※※※༻
يتمدد كليهما علي المضجع لكن كل منهما مولياً ظهره للآخر، فبعد أن خرجت من المرحاض كان يبدو عليها التعب والإعياء الشديد، أصابها دوار جعلها تترنح، وحينما فتحت الباب تلقاها بين يديه والقلق ينهش قلبه، طلب لها كوب من العصير وجلبه النادل إليها فقامت بتجرعه بالكامل بعد أمر صارم من زوجها حتي شعرت بالراحة، غادر كليهما برفقة ابنائهما الثلاثة الصغار وفي طريقهم إلي المنزل أراد أن يذهب بها إلي الطبيب لكنها قابلت طلبه بالرفض التام، وأخبرته إنها قد أصبحت بخير وتريد الراحة علي مضجعها فقط، فهي تعلم سبب ما يحدث لها وتدعو بداخلها أن يصبح ظنها هباءً.
مازالت مستيقظة ولم يغفو لها جفن من القلق، تتحدث مع نفسها بصمت
"أنا عارفة إنك بتحاول ترضيني عشان أسامحك علي كل اللي فات، ما تعرفش كل جرح منك سايب علامة جوايا لحد ما قلبي مابقاش فيه مكان سليم، 8 سنين قلبي أتعذب من جفاك وعايزني أسامحك إزاي في يوم وليلة"
كان علي الطرف الأخر عينيه تلمع من تسلط ضوء القمر المتسلل من الشرفة، لا يعرف النوم درباً إليه إضافة إلي التفكير الزائد وتأنيب ضميره الذي لا يغادره منذ تلك الليلة المشئومة، حينما اكتشفت زوجته سر غرفته المغلقة دائماً وما تحتويه من أسرار زلزلت ما بينه وبينها.
"أنت لسه شوفت حاجة، اللي شافته منك كتير وإحمد ربنا إنها لسه باقية عليك، علي الأقل ما باعتكش زي الخاينة سيلينا"
كان صوت ضميره والذي أجاب عليه وكأنه شخصاً أخر:
"هو كان بإيدي؟!، ما أنت عارف كنت متعلق وبحب الأولي قد إيه"
"ده مكنش تعلق، كان جنان وهوس، عميت عينيك عن الحقيقة وإنها كانت وخداك كوبري لصاحب عمرك اللي ملكش أهل ولا أصحاب غيره و بسببها عيشت أم ولادك سنين لا يعلم بها إلا ربنا، و عايزها تسامحك علي طول، يا بجاحتك يا أخي"
"و من إمتي ولينا سلطان علي قلوبنا، أنا كنت بحبها للأسف ومراية الحب عامية، و كنت زي اللي بيجري ورا سراب"
"وإيه اللي يخليك تجري ورا سراب والحقيقة عايشة معاك، ست زي القمر بتحبك و بتتمني لك الرضا، ربنا رزقكم بتلات أولاد زي الملايكة، ربنا أنعم عليك بنعم كتير، قولي أنت بقي قدرت النعم دي و لا أتبطرت عليها لحد ما أخدت علي قفاك وفوقت متأخر، وأتسببت في جرح عميق لأكتر إنسانة حبتك ومخلصة ليك"
"ما أنا بحاول أرضيها وأقدملها اللي نفسها فيه، و هحاول علي قد ما أقدر أعوضها عن اللي فات"
"يبقي تصبر، لأن لسه قدامك المشوار طويل، و يا عالم يمكن قلبها يحن عليك كالعادة و تسامحك وتفتحوا مع بعض صفحة جديدة"
"ياريت، دي بقت أمنيتي الوحيدة"
"يبقي تخلص النية وأعمل اللي عليك لوجه الله وبأمره هيحقق لك أمنيتك، و بعدين تعالي هنا، أنت ليك عين بتطلب من ربنا يقف معاك وأنت مقصر في حقه؟!، قولي ركعتها أخر مرة أمتي؟، طلعت صدقاتك وزكاتك بما يرضي الله و لا كنت بترمي لمراتك الفلوس عشان تقوم بالمهمة دي عنك؟!، و لا أزايز الفودكا والنبيذ اللي شربتها علي مدار حياتك، تخيل لو ملاك الموت قبض روحك وأنت لسه ما توبتش هيبقي إيه وضعك؟"
ساد الصمت بينهما حتي أردف ضميره:
"مش لاقي حاجة تقولها صح، طيب ياريت يا كنان بيه تلتزم باللي ربنا أمرك بيه من صلاة وصوم وزكاة وتبعد عن كل المحرمات عشان ربنا يباركلك ويرضي عليك، و يا بخت اللي ربنا يرضي عليه ويحبه، وقتها ربنا بيحبب فيه خلقه وخصوصاً أقرب الناس ليه، أظن مفتاح تحقيق أمنيتك في إيديك، يلا بقي وريني شطارتك"
رد علي ضميره بخجل:
"إن شاء الله هلتزم في الصلاة وأقرب من ربنا"
"مش بالكلام يا حلو، ده بالفعل يعني تقوم كدة تتوضى وتصلي وتشكر ربنا وتدعي من قلبك باللي نفسك فيه، أنت لسه بتفكر قوم يلا"
نهض علي الفور وكأنه يستعد لأمر هام، شعرت بحركته ورأته عبر المرآة يدلف إلي داخل الحمام، ظلت تراقبه دون أن يراها، وتعجبت لإنه بعدما خرج من المرحاض أخذ يبحث عن شئ ما، نهضت بجذعها وسألته بصوت يغلب عليه النوم:
"فيه حاجة يا كنان؟"
حك رأسه من الخلف بحرج وسألها:
"هي فين سجادة الصلاة؟"
أشارت إليه نحو مكانها وقالت:
"مطبقة ومحطوطة علي الشيزلونج، الساعة يجي لها عشرة بالليل، هاتصلي إيه؟"
قام بفرد السجادة علي الأرض وأخبرها:
"هصلي ركعتين شكر لله"
لم تعلق وأثرت تعجبها بداخلها بل شعرت بالسعادة فها هو يسير في الدرب الصحيح، وتذكرت كم كانت تنصحه كثيراً بأن يصلي ويتقرب من الله لكنه كان لا يهتم علي الإطلاق
، انتبهت إليه وكاد يصلي فأوقفته:
"أستني القبلة مش كدة"
نهضت من علي السرير وذهبت إليه، دنت قليلاً لتأخذ السجادة ثم وضعتها في إتجاه القبلة الصحيح
"كدة القبلة"
و قبل أن تبتعد نظر إليها مبتسماً:
"شكراً"
"الشكر لله"
تركته وذهبت إلي الحمام، عليها أن تقطع دابر ذلك القلق الذي أصابها بالأرق.
و بعد دقائق، تستند علي حافة الحوض وتراقب شريط إختبار الحمل، دقات قلبها كقرع الطبول، و كان علي وشك أن يخترق ضلوعها عندما ظهر كلا الخطين باللون الوردي القاتم، فقطع لها الشك باليقين، تردد بصوت خافت والصدمة تعتلي وجهها:
"حامل!"
༺※※※༻
صفت سيارتها أمام البناء المنشود حيث كانت تقود سيارتها إتجاه الموقع الذي أرسله إليها زوجها عبر تطبيق الدردشة الشهير، كانت تتردد قبل مواجهة طليقته، لكن حبها لابنة زوجها والتي بمثابة ابنتها يجعلها لا تبالي لأي مخاوف.
ترجلت من السيارة وتقوم بالإتصال بـ لوچي، تلقت البريد الصوتي كالمعتاد منذ صباح اليوم، ولجت إلي داخل البناء ولم تجد الحارس، استقلت المصعد وضغطت علي رقم الطابق والذي أخبرها به زوجها حتي وصلت.
و ها هي أمام الباب تضغط علي زر الجرس حتي فتحت إليها مَنْ لا تود رؤيتها يوماً ما، تسألها بثمالة من أثر ما تجرعته من خمر وهذا منذ أن غادرت ابنتها المنزل وتركتها وحيدة مرة أخري:
"أنتي مين؟"
أجابت الأخري بزهو:
"أنا دكتورة علياء"
ضيقت أنجي عينيها وتسألها:
"علياء مين؟"
"مرات الدكتور يوسف البحيري"
ليتها ما تفوهت بهذا التصريح الذي جعل الأخري تحولت إلي شيطان مارد استيقظ لتوه من غفوته، انقضت عليها وقبضت علي تلابيب سُترتها تدفعها إلي داخل المنزل صارخة:
"و ليكي عين تيجيلي لحد البيت بعد ما خطفتي جوزي مني"
حاولت علياء أن تبعد يديها عنها:
"أنا مش هرد عليكي، لأن ليس علي المريض حرج، أنا جاية عشان لوچي"
ودفعتها بعيداً ثم ولجت إلي داخل المنزل تبحث عنها:
"يا لوچي؟، لوچي؟"
صاحت بها أنجي كالمجذوبة:
"بنتي سابتني بسببك أنتي وأبوها بعد ما كرهتوها فيا، عايزة تاخديها مني زي ما أخدتي يوسف"
"برضو مش هارد عليكي"
وظلت تنادي علي لوچي ولم تتلق رداً منها، فتحت أحد الغرف و لا يوجد أثراً لابنة زوجها، استدارت وشهقت بفزع وتري هذه الشيطانة مقبلة عليها تحمل سكيناً في يدها ووجهها شديد القبح مما دب الرعب في قلبها
"أنا هاقتلك وأخلص منك وهارجع لجوزي وبنتي، لازم تموتي، لازم تموتي"
صرخت علياء وهي تتفادي السكين الذي اصطدم سنه في الحائط:
"أبعدي عني يا مجنونة"
ركضت إلي الردهة والأخري خلفها، ترفع السكين واقتربت منها، كادت تصيبها فأمسكت علياء بوسادة من الأريكة لتستقر السكين في منتصف الوسادة، أطلقت صرخة وأمسكت بتحفة خزفية:
"أبعدي عني أحسنلك يا أنچي، أنا لحد دلوقت مراعية حالتك، أنا ممكن أخبطك بالتمثال ده في دماغك"
"أنتي اللي لازم تموتي"
صاحت بها أنجي بجنون وكانت علي وشك أن تطعن علياء التي دنت نحو طرف السجادة وقامت بجذبها بكل ما أوتيت من قوة فانزلقت الأخري وارتطمت رأسها علي زاوية الطاولة الحادة التي تقع خلفها، فوقعت هامدة علي الأرض وسالت دماؤها من خلف رأسها.
دب الخوف في أوصال الأخرى، أخذت تبحث عن حقيبتها، ركضت إليها وأخذت هاتفها وسرعان قامت بالإتصال به في الحال، تخبره بخوف وهلع:
"يوسف، ألحقني"
الفصل الثلاثون
تبدو لنا الأجواء هادئة، ربما هذا نذير لما هو قادم من إعصار مدمر!
رائحة نسيم الصباح يُخالطها رائحة الأزهار، تولج تلك العطور وتتسلل في أرجاء القصر، حتي وصلت إلي أنف هذه النائمة، فأشعة الشمس التي اخترقت زجاج النافذة وشقت طريقها فهبطت علي وجهها وتداعب أهدابها وكأنها توقظها من سباتها العميق، تململت وأصدرت همهمة دون أن تفترق شفتيها، تقلبت بتذمر قائلة والامتعاض جلي علي ملامحها:
"قصي أقفل الستاير، مش عارفة أنام"
لم تجد رداً، قامت بالنداء:
"قصي؟"
فتحت عينيها رويداً رويداً وكانت الرؤية ضبابية حتي تلاشت وأضحت تري بوضوح تام، تحرك رأسها باحثة عنه، لم تجده جوارها و باب الحمام شبه مغلق و لا يوجد صوت يدل علي وجوده في الداخل، لمع بريق ابتسامة علي ثغرها وذلك لدي تذكرها ليلة أمس عندما كان قائماً علي بث الراحة في جسدها من خلال تدليك كل مواضع عضلات الذراعين والساقين وكذلك الظهر وفقرات عنقها الخلفية، يقوم بهذا كخبير محترف حتي نعمت بالاسترخاء والإريحية ولم تشعر بالزمان أو المكان فكان سلطان النوم قد غلبها وذهبت إلي رحلة في عالم آخر.
لحظة و اخترقت أنفها رائحة شهية، ربما تكون رائحة مخبوزات، وصوت ضحكات صغيريها تصل إلي مسامعها، نهضت علي الفور باحثة عن معطفها الحريري فوجدته ملقي علي مسند الأريكة الجانبي، أخذته وقامت بارتدائه فغادرت الغرفة لتطمئن علي الصغيرين.
وبالأسفل داخل المطبخ الذي يخلو من الخدم، يتوسط صغيريه خلف الطاولة الرخامية، يمسك بعصا فرد العجين، يحاول فرد تلك الكرة وأسفلها حنطة منثورة، صاحت الصغيرة وهي تأخذ منه العصا الخشبية:
"يا بابي أنت بتفرد العجينة غلط، ناني زينات بتعملها كدة الأول"
أخذ ينظر إليها وهي تضغط علي العجين بكفيها الصغيرين، أكملت:
"و بعدين بتفردها بالبتاعة دي كدة"
ضحك علي ذكائها وتعلمها السريع في أمور مازال مبكراً علي عمرها أن تتعلمها.
بينما صبا ولجت إلي المطبخ فوجدت زوجها وصغاريهما مشغولون ثلاثتهم بالعجين ووجوههم و ملابسهم ملطخة بآثار الدقيق الأبيض.
"أنتم بتعملوا إيه؟"
أشارت إليها صغيرتها بالعصا نحو العجين:
"بعمل بيتزا لبابي ولوكا بيعمل باتيه بالجبنة اللي بتحبيه"
لاحظت أن الوقت مبكراً:
"إيه النشاط ده، صاحيين من بدري"
أجابها وهو يتابع ما تفعله ابنته:
"آدم أتصل بيا إمبارح وعازمنا النهاردة، فقولت نصحي من بدري نفطر ونقضي وقت حلو أنا وأنتي والأولاد، وبعد صلاة الجمعة نروحلهم"
نظرت من حولها وسألت زوجها:
"أومال فين دادة زينات و الشغالين؟"
"أديتهم كلهم أجازة النهاردة، قولت نقضي نص اليوم علي راحتنا أنا وأنتي والأولاد"
تقدمت إليهم ووقفت بجواره قائلة بأمر:
"مالك، خد أختك وروحوا أغسلوا إيديكم وأخرجوا ألعبوا في الجنينة"
أومأ إليها الصغير وترك ما كان في يديه:
"حاضر يا مامي"
لكن شقيقته المتمردة صاحت بصوتها الطفولي:
"أنا مش هاروح في حتة غير لما أعمل لبابي البيتزا الأول"
حدقت إليها والدتها بنظرة محذرة:
"بنت، أنا قولت إيه؟"
صاحت برفضٍ تام:
"أنتي أخرجي مع لوكا وسبيني أنا وبابي بنعمل الأكل ولا روحي نامي أحسن"
"سامع بنتك بتقولي إيه يا أستاذ!، أدي أخرة دلعك ليها"
ألتفت قصي إلي ابنته شبه غاضب، ولأول مرة يحدثها بتلك النبرة التحذيرية:
"أول وأخر مرة أشوفك بتتكلمي كدة مع مامي تاني، فاهمة؟"
كان بداخله يتمزق وهو ينظر إليها ويحذرها هكذا، لكنه يخشي تدليله الزائد لها يُفسدها، نظرت إليه والصدمة تعلو ملامحها الصغيرة، تكونت دموعها داخل عينيها وتضم شفتيها بسخط:
"أنا زعلانة منك ومش هكلمك تاني"
نزلت من فوق الكرسي وكادت تذهب فأوقفها:
"زينب"
توقفت ولأول مرة تشعر بالخوف، أجابت بهمس ودون أن تنظر إليه:
"أتأسفي لمامي"
كانت صبا تشاهد ما يحدث ولاحظت لأول مرة غضبه من صغيرته هكذا، شعرت بالشفقة عليها وذلك بعد أن رأت دموعها تتساقط والحزن يكسو وجهها حينما رفعت عينيها لتنظر إليها وبصوت يختنق وقد أوشك علي البكاء:
"sorry مامي"
وبطرف عينيها ألقت نظرة بعينيها الدامية نحو والدها ثم ركضت في الحال حتي لا تبكي أمامهما.
هنا تخلت صبا عن صمتها فأخبرته:
"أنا أول مرة أشوفك تتعامل معاها كدة، مكنش فيه داعي تزعقلها جامد"
حدج إليها وكان الغضب يتطاير من عينيه ليس منها بل غاضباً من حاله، كيف أصبح قاسياً مع مدللته الصغيرة؟!
زفر بقوة حتي تتطاير بعد الدقيق من فوق الرخام، وقرر أن يخبرها بما جعله قلقاً من أمر ما
" ورايح لازم يتشد عليها، بعد كدة ممكن تعمل أي سلوك غلط مع حد غريب زي ما بتتعامل معاكي، غير إن لسانها بيطول كتير، أنا غلطان من الأول مكنتش باخد معاها موقف حازم، وده خلاها بتتمادي في الغلط"
"ما ده اللي كنت بقولهولك من الأول يا قصي، و فاكرني بضطهدها وبظلمها"
"اللي كان بيخليني ماشدش عليها أنتي يا هانم"
"أنا؟"
"اه أنتي، مش أنا أتكلمت معاكي في الموضوع ده قبل كدة؟، وقايلك قربي منها، بنتك محتاجة لقربك منها أكتر مني؟!"
اقتربت منه ببضع خطوات:
"و مين قالك معملتش كدة، قربت منها وبلعب معاها وبحكيلها قصص وبنيمها في حضني، زي ما جيت و شوفتها من يومين"
تنهد ثم قال:
"ياريت يا صبا تبقي معاها علي طول، مش مجرد اهتمام وقتي، و زي ما نبهتك قبل ما تبدأي الشغل، عيالنا رقم واحد في حياتك وحياتي، هما أولێ من أي حاجة"
ضاق ما بين حاجبيها بعد أن ذهب عقلها إلي فهم أمراً آخر، ابتسمت هازئة:
"قول بقي من الأول، عمال تلف وتدور في الكلام أصل البنت محتاجاكي وقربي، من الأخر بتقولي بلاها شغل وأقعدي ربي عيالك"
جز علي أسنانه بحنق، يا لها من حمقاء كيف حولت مقصد حديثه إلي هذه النقطة، لو كان يريدها أن لا تعمل منذ البداية، فكان لم يسهل إليها أمور الشركة و كل ما يخص عملها، بل إنه يشجعها لتنجح، فهو ليس رجل أناني، بل هو زوجها العاشق وسعادتها تطرب فؤاده.
"مش أنا يا صبا اللي محتاج يلف ويدور لما يكون عاوز حاجة، أنا لو مش عايزك تشتغلي مكنش هيبقي لشركتك وجود من الأول، فبلاش تتهربي من موضوعنا الأساسي، اللي أتمني ما نتكلمش فيه تاني وهي مصلحة بنتنا، قربي منها وأحتويها، خصصي ليها جزء من حياتك وأكسبيها، علميها الصح من الغلط"
"حاضر، بس ياريت اللي أصلحه فيها ماتجيش أنت تبوظه بدلعك ليها، و تربية الأولاد زي ما هي مسئولية عليا أنت برضو شريكي في المسئولية دي، و ياريت كمان تقرب من مالك ابنك بدل ما أنت مركز مع بنتك"
"و أنا موافق، ابني وأنا عارف هخليه ابن أبوه إزاي، بالنسبة بقي للباقي لو حصل تقصير منك ناحية الأتنين فماتلوميش غير نفسك وقتها"
عقدت ساعديها أمام صدرها قائلة بثقة:
"إن شاء الله مش هيحصل أي تقصير، و هعرف أوفق ما بين بيتي و شغلي، و ما تقلقش هيفضلو ولادنا رقم واحد"
أنزلت ساعديها وهمت بالذهاب فأوقفها متسائلاً:
"رايحة فين؟"
أجابت ويبدو عليها الإنزعاج منه:
"رايحة أشوف زوزو وأغيرلها هدومها اللي بقت كلها دقيق وعجين"
فتح ذراعيه وعيناه تناديها ليتعانقا، رفعت احدى حاجبيها بتعجب ساخرة:
"يعني بعد كلامك اللي يضايق ومطلوب أجي أترمي في حضنك؟!"
انقلب وجهه الذي كان مبتسماً إلي أخر حانقاً بل وغاضباً:
"مش عايز منك حاجة، وتعالي حضري الفطار لولادك"
خرج من المطبخ فسارت خلفه
"طيب وأنت مش هتفطر"
تبتسم بانتصار دون أن يراها، أشاح بيده كطفل غاضب من والدته:
"مش عايز أفطر"
"تعالي هنا ماتبقاش قموصه، أنا كنت بغلس عليك"
كادت تضع يدها علي ذراعه، في لحظة كان ملتفتاً إليها، احتضنها بقوة دافعاً إياها نحو غرفة المكتب، لم يمهلها أن تتحدث أو تسأل فكانت شفتيها أسيرة خاصته، يتذوقها بشوق ولهفة، يعتصر جسدها بين ذراعيه حتي كادت عظامها تتحطم لولا إنها اصدرت تأوهاً خرج في حلقه، ابتعد لاهثاً يلتقط أنفاسه وأنفاسها في آن واحد، يخبرها والتيم ينضح من عينيه
"وحشاني أوي"
وضعت سبابتها علي عنقه تلمسها بدلال صعوداً وهبوطاً تكراراً
"مش أكتر منك"
رغبة عارمة يتخللها عشق ولذة طاغية، كل ذلك يتجمع في نظرة عينيه التي تجول علي تفاصيل وجهها فاستقر بالتحديق إلي شفتيها شديدة الإحمرار من أثر قبلته الضارية
تابعت حديثها الذي أوغر قلبه وجسده إشتعالاً من فرط الحب والرغبة
"نسيت أقولك صح، تسلم إيديك علي المساچ بتاع إمبارح، من كتر الراحة ماحستش بنفسي ونمت، بس قايمة وحاسة بنشاط"
أمسك يدها وقام بتقبيل أطراف أناملها ثم هبط إلي باطن كفها، و معصم يدها الذي لا يسلم من قبلاته دون أن يقطع النظر إلي عينيها الغائبة في عالم آخر وأفاقت علي صوته
"ده أقل حاجة عندي أقدمهالك، راحتك من راحتي"
"بعشقك أوي ياقصي"
ليست شفتيها فقط من تفوهت بهذا بل كان كل خلية بها تخبره عن عشقها وهيامها به
"و اللي يثبت؟"
سؤال مقتضب وماكر، ينتظر إجابة يطوق إليها منذ الأمس، و لا وقت للتفكير فكان الفعل أبلغ من الرد بللسان، انقضت عليه كالكشماء عندما تنقض علي فريستها.
تأسر شفتيه ولكن ليست بمثابة قوة قبلاته إليها، لم يعد يملك صبراً أكثر من ذلك فقد فار التنور، والعشق داخل جسده يثور، تحرر من قميصه القطني فظهر وشم ملكيته لها علي صدره العاري.
"قصي، الأولاد صاحيين وممكن يدخلوا علينا في أي وقت وخصوصاً ضرتي، قصدي بنتك زوزو"
لا وقت للجواب فصوت إغلاق الباب بالمفتاح أدخل لقلبها الطمأنينة إلي حد ما، لم تعلم متي وكيف أصبحت متحررة مثله إلا عندما شعرت بملمس صدره شديد الحرارة علي بشرتها التي انتفضت بنيران العشق والشوق، أضحت بين ذراعيه وضلوعه يدق قلبه أسفلها فيجيب فؤادها بنبضات مُلبياً نداء الحب كما يُلبي جسدها نداء عاشقها.
༺※※※༻
"بعد ساعة إن شاء الله هاكون في المستشفي، عايز أجي ألاقي كل حاجة جاهزة الحالة وأوضة العمليات"
يتحدث في هاتفه وينظر إلي إنعكاسه في المرآة، يلاحظ انتفاخ جفونه وذلك لأنه لا ينام منذ البارحة، عاد إلي ضبط ربطة عنقه.
جاء إليه رد بصوت أنثوي حازم:
"تمام يا دكتور يوسف"
"يلا سلام"
أنهي المكالمة فتحول بصره نحو هذه النائمة في سبات عميق، تنكمش ملامحها تارة وتنبسط تارة أخرى، يبدو إنها تري كابوساً مُزعجاً ألم يكفيها أحداث الأمس!
سار نحوها وجلس جوارها فوضع كفه يلمس وجنتها، و ما حدث في الليلة السابقة لا يفارق ذهنه....
«حدث بالأمس»
ينتهي للتو من إغلاق جرح رأس هذه الحية الغائبة عن الوعي، ترك أدوات الجراحة في إناء التعقيم، يتابع جهاز قياس نبض قلبها و مدي كفاءة الأجهزة الحيوية لديها، من الجيد إنه قام بنقلها علي المشفى في أقرب وقت وهذا بعد مكالمة علياء و إخباره ما حدث لوالدة ابنته.
أطمئن قلبه بعد أن وجد الجرح مجرد قطع في فروة الرأس و كدمة في الجمجمة نتيجة ارتطام رأسها علي حافة الطاولة.
وخارج الغرفة في وسط الرواق حيث تنتظر علياء وتبكي بشدة وجوارها كلا من آسر وهاجر التي تربت عليها لعلّها تهدأ
"كفاية يا علياء عياط، الحمدلله هي لسه عايشة و زي ما آسر و دكتور يوسف قالوا، ده مجرد جرح هيتخيط و هاتخف علي طول"
ردت الأخرى من بين دموعها:
"والله يا هاجر مكنش قصدي يحصل فيها كدة، هي اللي أتهجمت عليا وكانت عايزة تقتلني"
وقف آسر أمامها مُعقباً:
"بصراحة أنتي غلطتي يا علياء لما روحتلها لوحدك، المفروض كنتي أستنيتي يوسف يروح معاكي"
حدقت إليه زوجته بامتعاض وعتاب، بينما الأخر علل حديثه
"كلنا عارفين إنجي بني آدمة غير سوية و النتيجة اللي حصل، إفرضي لا قدر الله كانت أذتك أو هي ماتت، كان هيبقي إيه الوضع دلوقت؟!"
"أنا روحت عشان أطمن علي لوچي وأقنعها ترجع معايا"
أخبرته علياء بنبرة ينقطع إليها وتين الفؤاد، ربتت هاجر علي كتفها بمؤازرة
"خلاص يا علياء، حصل خير"
تنهد زوجها فأخبر علياء:
"اطمني، لوچي بخير أنا من شوية أتصلت عليها وقالتلي إنها في القصر"
توقفت عن البكاء وشعرت بقليل من الراحة، لكن هناك ما ينتظرها لنقل ما تنتظره هي الآن.
صوت فتح باب غرفة العمليات جعل ثلاثتهم ينظرون إلي يوسف الذي أقترب نحوهم، سألته زوجته بقلق وخوف:
"أنچي كويسة؟"
أطلق زفرة عميقة فأخبرها:
"الحمدلله، ساعة بالكتير وهتفوء"
تنفست الصعداء أخيراً و ها قلبها ينعم بالراحة والسكون، كانت تخشي موت الأخري والذي كان سيجعلها في مأزق لا نجاة منه.
وبعد مرور أكثر من ساعة، قد استيقظت أنچي فذهب يوسف ليطمئن عليها بالرغم إنه لا يتحمل التعامل معها ولو كان الأمر بيده لتخلص منها، فهي أضحت خطراً يحاوطه هو وعائلته.
"يوسف"
خرجت من بين شفتيها بصعوبة وألم يداهم رأسها، بينما هو أجاب دون أن ينظر إليها:
"حمدالله علي سلامتك"
"أنا، أنا فين؟، اه"
يداهمها الألم من جديد، رفعت يدها إلي رأسها، فأمسك بيدها ووضعها بجوارها قائلاً:
"ده جرح بسيط وهيخف علي طول"
ظلت تنظر إليه في صمت وذاكرتها تعود إلي ما حدث في المنزل منذ ساعات، و إذا بها تنقلب ملامحها وكأنها هاربة من مشفى الأمراض العقلية
"شوفت يا يوسف علياء، كانت عايزة تقتلني، مش كفاية خدتك أنت ولوچي مني!"
جز علي فكه وود أن يصفعها، و ما شفع لها حالتها الصحية، تظاهر بالهدوء واللامبالاة، يخبرها بنبرة هازئه
"أيوة بأمارة السكينة اللي كنتي بتجري وراها بيها"
قلبت حدقتيها يميناً ويساراً باحثة عن سببٍ كاذب أو حيلة توقع بهما في شرٍ تضرمه بينه وبين زوجته
"أنا، أنا كنت بدافع عن نفسي لما لاقيتها بتتهجم عليا"
ابتلعت لعابها حتي تخبره بكلمات كالرياح حينما تهبُ علي جمرٍ خامد فتشتعل من جديد
تابعت حديثها
"هي كانت جاية بتدور علي لوچي، عشان تطلب منها ما تجيش تقولك علي اللي عرفته وشافته"
تظاهر بالهدوء نقيض ما يحدث داخله الآن
"و دي كذبة و لا حيلة جديدة عشان توقعي ما بيني و بين مراتي؟، ريحي نفسك يا أنچي علياء أنضف منك و من أمثالك وبثق فيها أكتر من نفسي"
ظهرت ابتسامة سرعان أخفتها وحلت بدلأً منها وداعة الحمل الصغير لتؤكد ما تخبره إياه
"لوچي لما سابت القصر وجت تقعد عندي بسبب مش قادرة تواجه مراتك بعد ما شافتها هي وصاحبك دكتور آسر في مكتبه و هما،...
اقسمت بداخلها أنها تري الآن تلك النيران التي اشتعلت منذ سنوات عندما علم بخيانتها وقام بمواجهتها، بينما هو مازال يرسم الهدوء علي ملامحه، داخله صوتين يتصارعان، الأول يخبره إنها حيلة و خدعة من هذه المجرمة لكي تدمر حياته مع زوجته كما حدث معها منذ تسعة أعوام مضت، و الصوت الأخر كان صوت الشك الذي استيقظ من سباته يقول له ربما حديثها صادق، يخشى سيطرة أوهامه علي رأسه، قبض علي ذراعها فتأوهت بألم، و صاح بها محذراً
"أقسم بالله يا أنچي لو ما بطلتي الكذب والخداع اللي بيجروا في دمك، لهكون أنا اللي مخلص عليكي بإيدي "
بصيص من الأمل يبرق أمام عينيها، نجحت في إثارة شكه بل ما تراه علي وجهه قد يكون أقرب إلي اليقين، ابتلعت لعابها مرة أخري لتبخ سمها الزُعاف
"وحياة بنتنا ما بكدب عليك، عندك لوچي أسألها و خليها توريك الصورة اللي خدتها ليهم لما شافتهم في العربية، و مرة في مكتبه في المستشفى"
أرخى قبضته من علي عضدها، يعني ذلك أنه قد صدقها ولو بنسبة ضئيلة، يكفيها إنها أشعلت الفتيل ويحدث الإنفجار المدمر لاحقاً.
"لما جت وسألتني عن بنتنا قولتلها إنها مش موجودة، و واجهتها باللي عرفته من لوچي أتجننت، خافت لأقولك و حصل اللي حصل وأنتهي بأني كنت هاموت، واحدة غيري كانت عملت محضر فيها و كان هيبقي شروع في قتل، لكن عشان خاطرك مش هبلغ بس ياريت تاخد بالك من بنتنا لتعمل فيها حاجة"
كان صمته خير دليل علي ما يدور في عقله...
«عودة للوقت الحالي»
أطلقت علياء صرخة وتنهض بفزع
"لاء، لاء أبعدي عني"
صرخت بتلك الكلمات، احتضنها بين ذراعيه وأخذ يربت علي ظهرها
"ما تخافيش، ده كان كابوس"
ابتعدت عن صدره وأخذت تنظر من حولها فوجدت إنها بغرفة النوم، وضعت يدها علي رأسها وتنفست بأريحية
"أنا فعلاً كنت في كابوس فظيع"
كان يتأمل ملامحها وسم الأفعى يدور في خلده، يتصور مئات السيناريوهات والتي جميعها تنتهي إلي الجحيم، بل نهاية مفجعة وهنا الأمر يختلف عن خيانة أنجي له، فهو لم يحبها يوماً، لكن رد فعله حينها كان من دافع الكرامة لأنها كانت زوجته وأم ابنته، بينما علياء هي حب عمره و مَنْ ملكت فؤاده فخيانتها له سوف تكون بمثابة آلاف الطعنات في جميع أنحاء جسده، ميتة لم يتحملها أقوي و أعتي الرجال.
انتبه من شروده علي ندائها إليه:
"يوسف؟"
"نعم، سمعك"
"بقولك، أنت لابس ليه؟، مش المفروض كلنا هنتجمع النهاردة مع أخواتك"
نهض وذهب باحثاً عن سترته
"عندي عملية لحالة ما تستحملش التأجيل، هخلصها و هاجي إن شاء الله علي ميعاد الغدا، مش هتأخر"
نهضت بثقل ترتدي نعلها ذو الفراء الأبيض، سارت نحوه ووقفت أمامه، تعانقه واضعة رأسها علي صدره وتحيط خصره بذراعيها
"أنا بحبك أوي يا يوسف، أنت ضهري وسندي، وأول واحد ألجأ له علي طول"
رفع رأسها، يمسك بذقنها، عيناه صوب خاصتها، لحظات مضت ها سؤال قد يبدو غريباً إليها
"معني كدة أنك مش ممكن تسيبيني في يوم من الأيام؟"
تقلصت المسافة ما بين حاجبيها والتعجب والدهشة كليهما نضحا في ابتسامة متسائلة
"إيه السؤال العجيب ده؟، بقولك أنت ضهري وسندي وكمان حبيبي وروحي، فيه حد ممكن يسيب روحه؟، يبقي هيعيش إزاي يا دكتور؟!"
حاول أن يلهو عقله بأمر آخر، فوجد أن عليه يجيب علي كلماتها بفعلٍ مناسب، دنا من شفتيها وقام بتقبيلها ثم حاوط وجهها وطبع قبلة علي جبينها ثم أخبرها بصدق نابع من قلبه العاشق
"و أنا كمان بحبك أوي"
رفرف قلبها وكاد يحلق في السماء، فتلك اللحظات قد محت ما حدث بالأمس والكوابيس التي اقتحمت عالم أحلامها
"هاروح أخد shower وأغير هدومي، تكون أنت روحت للوچي تصبح وتطمن عليها وتاخدها وتنزلوا في الجاردن، وأنا هاحصلكم عشان نفطر سوا، زمان آدم وخديجة صحيوا من بدري وفطروا كمان"
أومأ لها وقال
"ماشي، بس ياريت ما تتأخريش"
هزت رأسها وقلوب تنضح من عينيها وابتسامة تزين شفتيها ثم ذهبت إلي الحمام.
༺※※※༻
تنقر بطرفي إبهاميها علي حروف لوحة المفاتيح في الهاتف
«معلش لسة شايفة رسالتك، أنا لسه صاحية»
تلقت رداً كتابياً من عمر
«و لا يهمك يا حبيبتي، أنا كنت بطمن عليكي وبقولك صباح الورد»
اتسعت عينيها وخفق قلبها من أثر كلمة
-حبيبتي- أرتفع مستوي شعور التوتر لديها، إحساساً مختلفاً عن ما كنت تشعر به نحو صديق والدها.
ابتسمت وقامت بالكتابة
«good morning»
عمر
«ينفع أكلمك فون، أصلي بتخنق من الكتابة، بصراحة وحشاني ونفسي أسمع صوتك»
شهقت من فرط الخجل، وضعت كفها علي فمها، أخذت تقرأ رسالته مراراً، فتلقت رسالة أخري
«؟»
أجابت بالكتابة سريعاً
«عمر، please ما بحبش كدة»
عمر
«هو أنا بقولك حاجة عيب أو غلط؟
أنا بقولك وحشاني ونفسي أسمع صوتك، أنا لولا النهاردة أجازة وعارف إن كل اللي في البيت عندك موجودين، كنت قولتلك تعالي نخرج أو نروح النادي»
لوچي
«ممكن أقابلك بكرة في النادي»
عمر
«خلاص يبقي هعدي عليكي وأخدك»
لوچي
«لاء
قصدي ما ينفعش عشان عم شكري الشوفير بيوصلني ويفضل مستنيني لحد ما أخلص»
عمر
«تمام
هقابلك في النادي»
طرق علي الباب جعلها انتفضت بفزع، وصوت والدها
"لوچي، أنتي صاحية؟"
أغلقت شاشة الهاتف من الزر الجانبي وتركته علي الكمود جوارها قائلة
"أتفضل يا بابي، أنا صاحية"
نهضت سريعاً من فوق الفراش وقلبها يعلو صوت نبضاته، تخشي توبيخ والدها إليها علي تركها القصر وذهابها للإقامة لدي والدتها دون علمه.
قد ولج يوسف إلي الداخل فرآها تقف وتنكس رأسها لأسفل بخجل، تقدم نحوها ورفع وجهها، ممسكاً بطرف ذقنها، تلاقت نظرات كليهما، نظرته عتاباً بمحبة بينما نظرتها تنضح بالخجل والإعتذار.
وبدلاً من نهرها و إلقاء كلمات العتاب والتوبيخ التي تجعلها تنفر منه وتبتعد احتضنها بحنان قلما يبثه إليها.
"ما تبعديش عني تاني"
"so sorry dad"
يتخلل صوتها بحة تخبره إنها علي وشك البكاء، مسد علي خصلاتها المتناثرة علي ظهرها
"و أنا قبلت إعتذارك، بس عايزك تعرفي مفيش حد في الدنيا بيحبك ولا بيخاف عليكي قدي، و لما بشد عليكي ده من دافع الخوف وعايز مصلحتك وببعد عنك أي أذي"
أكتفت بالصمت، تفكر أتخبره بما وصلت إليه والدتها من حال سئ بل وأسوأ، هوس وجنون وأدمان، قطع تفكيرها بإبعادها عن صدره ليخبرها بسؤال مُبطن
"و ياريت ما تخبيش عني أي حاجة، وعد؟"
ظلت ترفرف بأهدابها وتفكر ماذا يقصد!، لكل منهما إجابة مختلفة عن الآخر؛ فهو يريد منها تفصح له عن ما أخبرته به والدتها بالأمس حتي يعلم ما يدور من خلف ظهره، و هي تظن إنه من الممكن علم بشأن مقابلاتها مع عمر ويريدها أن تخبره عن علاقتها به، لكنها تعلم طباع والدها جيداً، لم يمتلك هذا الهدوء والصبر نحو تلك الأمور.
أومأت إليه وأجابت بصدق قابله بعدم التصديق وأخفي ذلك في صدره
"promise"
༺※※※༻
و في غرفة قريبة خرجت للتو من الحمام، ترتدي ثوب الحمام القطني و منشفة ملتفة حول خصلات شعرها المبللة أسفلها، جلست أمام مرآة الزينة، و تنظر من خلال انعكاس المرآة إلي زوجها الجالس علي السرير بأريحية، منشغلاً بهاتفه، أطلقت زفرة بصوت وصل إليه، انتبه إليها ورفع عينيه عن شاشة الهاتف فلاحظ كم الحنق والضيق علي ملامحها، أدرك إنها لم تمر إليه عدم مجيئه أمام الجامعة مرور الكرام، يكفي إنه عندما عاد بالأمس من عمله وجدها نائمة في موعد مبكر عن ميعاد نومها المعتاد، و لم تستقبله بترحاب مثل كل يوم،
ضحك بداخله رغماً عنه كم يروق له ملامحها وهي غاضبة منه تدفعه للضحك، تبدو في هذه الحالة كالطفلة الصغيرة.
"مفيش صباح الخير يا حبيبي، و لا يا قرة عيني؟!"
أراد مشاكستها وسبر أغوارها، وقد كان نجح بالفعل و عن جدارة، فسرعان ألتفت إليه وبغضبٍ مكنون:
"لما تحترم اتفاقك معايا وترد علي مكالماتي ليك وما تسبينيش ملطوعة لوحدي قدام الجامعة، ساعتها هقولك يا حبيبي وقرة عيني، عموماً شكراً يا باشمهندس آدم وربنا ما يحوجني ليك"
فتح فمه بدهشة و حاول بجهد أن لا ينفجر في موجة من الضحك، ترك هاتفه علي مضجعه ونهض متجهاً إليها.
"والله الفون كان Silent و نسيت ألغي الوضع، ده غير كان وقتها جالي شغل مكنش ينفع أسيبه وأمشي"
ها هو يلجأ إلي الكذب، فهل من العقل والحكمة يخبرها بأنه لم يذهب إليها بسبب مجئ ذات الشعر الناري إليه في الشركة وتريد منه المساعدة؟!
فإذا علمت زوجته إنه وعد هذه الحرباء الصهباء روڤان بتقديم يد العون وهذا كافي لقربها منه مرة أخري، حتماً ستقيم الدنيا فوق رأسه وربما تؤول الأمور إلي ما لا يحمد عقباه.
نهضت و صاحت فالغضب يتملك منها كفايةً
"طبعاً نسيتني، ما أنا طول عمري أخر إهتماماتك، الشغل في المرتبة الأولي ثم نفسك وفي الآخر مراتك"
رفع سبابته نحوها يحذرها:
"أولاً صوتك ما يعلاش عليا، و أنا زي ما قولتلك جالي شغل، عادي بتحصل كتير، يعني مش أول مرة، وأنتي أكتر واحدة عارفة ظروف شغلي، مش جديد عليكي، فياريت بلاش ما تقوليش كلام ما بيحصلش"
أعطت إليه ظهرها دون إهتمام وأخذت فرشاة الشعر وكادت تمشط خصلاتها، قبض علي يدها وجعلها تقف في مواجهته رغماً عنها
"لما أكلمك ما تدنيش ضهرك وتردي علي كلامي"
حدقت إليه بامتعاض لثوان فتحدثت
"لأن الكلام ملهوش لازمة طالما مش شايف نفسك غلطان كالعادة، و أنا الظالمة المفترية"
زفر بضيق وأخذ يتمتم بذكر الاستغفار
"استغفرالله العظيم، يارب صبرني"
رفعت زاوية شفتيها بسخرية مُعقبة:
"ويهديك يا جوزي يا قرة عيني"
جز علي شفته السفلي بحنق ثم تنهد
"نعم يا خديجة، إيه المطلوب مني دلوقتي؟، عايزاني أعتذرلك؟"
وضع يديه علي كتفيها وتابع:
"حقك عليا يا ستي، و أدي راسك أبوسها كمان"
قبّل ناصيتها فسألها:
"ها، لسه مضايقة وزعلانة؟"
نظرت إليه ثم أبعدت بصرها عنه بعيداً، فأخبرها راجياً:
"بالله عليكي بلاش زعل وخصوصاً النهاردة، كلها ساعتين و أخواتي هيجوا وهنقعد كلنا مع بعض، و ما صدقت نتجمع، يعني ينفع تستقبيلهم ووشك مكشر؟!"
شبح ابتسامة ظهر علي ثغرها
"أطمن، أنا بخلي مشاكلنا علي جمب مهما حصل ما بيني و ما بينك"
"حبيبتي ديجا العاقلة، ربنا يباركلي فيكي"
ألتفت إلي المرآة ونظرت إليه لتسأله وتمشط شعرها في آن واحد:
"أنت أتصلت علي طه عزمته؟، و لا أنت عازم أخواتك بس؟"
شعر بالحرج فقد نسي أمر شقيق زوجته وابن عمه، أخفي حرجه بابتسامة قائلاً:
"لاء أبداً، أنا فعلاً كنت هكلمه وهاعزمه، ما هو من عيلة البحيري"
قامت بتجميع خصلاتها ولفها علي شكل كعكة ثم وضعت مشبك الشعر لكي تثبت
"ياريت ما تنساش تكلمه، وأنا هلبس وهنزل عشان نفطر، زمان يوسف وعلياء صحيوا من بدري"
تذكر أمر كلا من شقيقه وعلياء بالأمس، حيث عندما عاد من العمل تقابل ثلاثتهم في مدخل البوابة، ولاحظ شحوب وجه علياء وتستند علي ذراع زوجها بوهن، وبعد أن قام بإيصلها إلي غرفتها.
عاد إليه يوسف وأخذ يسرد إليه ما حدث، وطلب منه عدم إخبار إخوته.
"وأنا هاتوضي وهاصلي وهاحصلك"
بعد قليل...
انتهت سريعاً من ارتداء ثوبها الفضفاض والوشاح الذي يصل طرفه بالقرب من خصرها، وصل إلي أذنها صوت خرير الماء من الصنبور، صاحت قبل أن تغادر الغرفة:
"آدم أنا نازلة، ما تتأخرش"
ذهبت بالفعل فخرج هو من الحمام يجفف ساعديه ويردد أذكار ما بعد الوضوء، وقبل أن يؤدي فرضه أوقفه رنين هاتفه، ذهب ليري هوية المتصل
"المحامي؟!"
وكأنه تذكر أمراً هاماً فأجاب سريعاً قبل أن ينزل ولم يستطع التحدث أمام زوجته
"ها وصلت لحاجة؟"
أجاب الأخر
"كل اللي قالته مدام روڤان لحضرتك صح مية في المية، ومش بس المحامي باع شركتها لنفسه، ده كمان باعها لواحد مجهول معرفتش أوصل لأي معلومة عنه، بس خليت جماعة حبايبي يتولوا أمر البحث وبإذن الله أسبوع بالكتير وهاعرف مين ده، و هاجيبه هو و المحامي لحد عندك"
"طبعاً مش محتاج أوصيك علي الموضوع ده بالذات، و عمولتك الرقم اللي هتطلبه، بس ياريت في أقرب وقت تكون خلصت من كل حاجة"
"من غير ما توصيني يا آدم بيه، كل هيبقي تمام"
"و لو في أي جديد تبلغني فوراً، سلام"
أغلق المكالمة بعدما تلقي الرد من الأخر ثم تنهد وأخذ يفكر في كيفية إنهاء ما يخص هذه الصهباء سريعاً دون الإحتكاك بها، فهو ليس بحاجة إلي مشكلة تحدث بينه و بين زوجته إذا علمت بالأمر.
أنتهي لتوه من تأدية فرضه وهمّ بالذهاب، و في اثناء نزوله علي الدرج قام بالاتصال علي طه ليدعوه إلي تجمع العائلة لديهم في القصر، وضع هاتفه علي أذنه وظل ينتظر حتي يأتيه الرد...
༺※※※༻
"يا بني يا حبيبي، أبوس إيدك صغر خطك و أمشي علي السطر، هفضل أفهم فيك و أنت مخك دي فردة جذمة، المرة الجاية مش هتكلم"
رفعت شيماء نعلها من جوارها وتابعت:
"شكل الشبشب وحشك يا سالم"
كان صوتها يدوي بين أرجاء الغرفة وهي توبخ صغيرها حيث تساعده في كتابة دروسه، و ماكان من الصغير سوي التذمر، نهض وابتعد عنها فصاح بسخط:
"والله ما أنا كاتب الواجب ومش رايح المدرسة تاني"
حدقت إليه بنظرة نارية كعادة كل أم تصل إلي ذروة غضبها من صغارها، أخبرته بوعيد
"بقي كدة؟!، ماشي أنا بقي هاروح أقول لأبوك اللي سايبني قاعدة في المرار ده لوحدي، و عقاباً ليك مفيش تابلت لحد ما تاخد أجازة أخر السنة"
وقبل أن تخطو إلي الخارج أوقفها الصغير برجاء وخوف:
"خلاص يا ماما، ما تقوليش لبابا، هاخلص الـ homework وهاكتب بخط حلو"
ضيقت عينيها وظلت تنظر إليه وهو يتوسل إليها، زفرت بقوة وقبل أن تتفوه بحرفٍ قاطعتها ابنتها من خلفها وتمد يدها بهاتفها
"ماما، عمتو خديجة عمالة بتتصل عليكي أنتي وبابا ومحدش فيكم بيرد عليها"
ألتفت إليها وأخذت الهاتف لتجيب
"ألو يا ديجا، أزيك عاملة إيه؟"
"الحمدلله بخير، ما بترديش ليه أنتي وطه علي تليفوناتكم؟، آدم أتصل بيه وما بيردش، قالي أكلمك وأتصلت مرتين ما بترديش"
أشارت إلي ابنتها لتذهب وإلي ابنها أن يكمل كتابة درسه وتتابع المكالمة
"معلش والله ما سمعته، أصل كنت بذاكر لسالم و مغلبني بقالنا ساعتين بنكتب في واجب العربي، و أخوكي مريح دماغه مننا وقاعد في البلكونة بيشرب سجاير، هتلاقيه ناسي موبايله في أي حتة ومش سامعه"
و بداخل الشرفة كان يقف مستنداً علي حافة السور بساعده، ويده الأخري يمسك بها سيجاره التي ينفث دخانها، يستمع إلي ألحان أغنية شهيرة صادرة من الشقة المجاورة وصوت أنثوي يسحر الفؤاد قبل السمع، تُردد كلمات الأغنية بنبرة عذبة، و رائحة عطرها المثيرة تفوح من داخل منزلها لتصل إلي أنفه الذي كان يشم رائحة دخان سيجاره، ألتفت رغماً عنه نحو الشرفة المجاورة لا سيما بعد أن استمع إلي خطوات قرع نعليها وصوتها الذي يقترب.
أخذ ينتظرها ريثما تخرج إلي الشرفة وتطل ليتفاجئ بمظهرها الذي أرغمه بعدم غض البصر، ترتدي كنزة قطنية ذات لون أحمر قرمزي بدون أكمام تلتصق بجذعها وتبدي كل تضاريسها، كما ترتدي بنطال أسود ملتصق بساقيها، تجمع خصلات شعرها لأعلي علي هيئة ذيل حصان، فيتراقص شعرها مع كل حركة أو خطوة لها.
تجرع لعابه مزامنة مع تحرك تفاحة آدم في منتصف عنقه، اغمض عينيه للحظات ووجد عليه أن يترك الشرفة ويدخل إلي زوجته وابنائهما بدلاً من وقوفه أسيراً لهذه الفتنة.
كادت قدمه تخطو إلي الوراء فأوقفته بصوتها الرنان وابتسامة تزيد من بهائها سحراً جذاباً
"Bonjour
طه"
أخذ يطلق اللعنات سراً وعيناه تنظر إلي أسفل، يجيب بحرج وتوتر:
"صباح النور يا مدام روميساء"
نظرت إليه عابسة
"مش أتفقنا تقولي يا روميساء من غير ألقاب؟ وأنا هقولك يا تيتو، دلع طه"
وضع كفه علي جانب عنقه، و كأن الكلمات تلاشت من علي لسانه، فضحكت بدلال
"ليه الإحراج ده كله، خلاص كنت بهزر معاك، ممكن طلب؟"
اقتربت واستندت بمرفقيها فوق السور الفاصل بينهما، مدت يدها إليه بهاتف جوال
هنا رفع عينيه فسألها
"إيه ده؟"
"هعمل لايف أصبح بيه علي الفولورز بتوعي، معلش أصل الـ stand اللي بثبت عليه الفون أتكسر ولسه هاشتري واحد جديد، فممكن أنت تمسك الفون لحد ما أخلص اللايف، دقيقتين مش أكتر"
أومأ لها بالموافقة علي الفور، و يتمني أن ينتهي من هذا الأمر سريعاً قبل أن تراه زوجته
"حاضر، ممكن تقوليلي أضغط فين؟"
اقترب منها ولا يفصل بينهما سوي السور وذلك لينظر في شاشة الهاتف وتشير إليه نحو علامة تصوير البث المباشر
"أضغط هنا علي طول أول ما أقولك go"
كان قربها مُهلك للغاية، كان عطرها يأسر حاسة الشم لديه والآن أنفاسها تسلب روحه مما جعلته غير متحكم في أعصاب يده فكاد الهاتف يقع من قبضة كفه، فاسعف الموقف حتي لا يدمر لها هاتفها الثمين، امسك به وكذلك هي، لمست يدها يده ، فتلاقت حينها العيون وأخذ كل منهما ينظر إلي الآخر
"آسف، وقع غصب عني"
"و لا يهمك، فداك"
تفوهت الأخري بتلك الجملة بإغواء فأجبرته للنظر إلي شفتيها الممتلئة، ابتلع لعابه بصعوبة ونظر إلي أسفل قبل أن يخضع لأمر هويٰ نفسه، هيهات ووصل إلي مسامعه صوت فتح زجاج الباب الزجاجي واتبعه صياح مثل دوي الإنفجار
"مش كنت تقولي يا جوزي يا حبيبي أعملكم كوبيتين ليمون؟!"
ابتعد طه و في يده هاتف روميساء، ألتفت إلي زوجته التي بلغ غضبها إلي الحلقوم
"وطي صوتك يا شيماء وتعالي ندخل جوة وهافهمك كل حاجة"
لوحت بيديها وتشدقت
"تفهم مين يا عينيا، ما هي كل حاجة واضحة زي الشمس، مخليني قاعدة جوه طالع عيني مع ابنك وأنت هنا واقف هنا بتخوني مع السنيورة"
"يخونك إيه بس، أنتي حضرتك فاهمة غلط"
أخبرتها روميساء بذلك، وليتها ما تحدثت إليها فكانت نظرات شيماء إليها كقذيفة من اللهب الحارق، بل ازداد غضبها أكثر عندما تذكرت الأخري عندما رأتها في النادي، نظرت إلي زوجها تسأله بسخرية و إهانة موجهة لذات الكنزة الحمراء
"مش دي البت الشمال اللي كانت عمالة تتصور بين أحضان الشباب في النادي؟!"
شهقت روميساء وصاحت بغضب
"أنا ما أسمحلكيش يا بتاع أنتي تتكلمي عليا بالألفاظ البيئة دي"
اقتربت شيماء منها وكادت يديها تقبض علي ذراعها
"نعم ياختي؟!، بيئة مين يا أم بيئة يا...
أمسك طه بكتفيها ويدفعها نحو الداخل
"عيب يا شيماء، تعالي ندخل جوة وأفهمك"
ثم نظر إلي روميساء معتذراً
"معلش يا مدام روميساء"
"و كمان بتعتذر لها"
كانت تدفعه ليبعد عنها، فصاح بها وصوته الغاضب جعل الجيران يخرجون من النوافذ والشرفات ليروا ما يحدث.
انتبه طه إلي هذا الأمر مما جعله يشعر بالحرج أمام جيرانه، جز علي أسنانه وقال بصوت منخفض يحمل تهديداً ووعيداً لن يتراجع عنه
"أدخلي جوة بدل وقسماً بالله...
رفعت كفها أمام وجهه ليتوقف عن تهديده إليها مقاطعة إياه
"أنا فعلاً داخلة جوة وهلم هدومي وهاروح علي بيت أبويا، أهو يخلالك الجو معاها"
وحدجت نحوها بازدراء ولم يسلم هو أيضاً من تلك النظرة، بينما شيماء عادت إلي الداخل لتنفيذ ما تفوهت به للتو، وقبل أن يلحق بها أعطي روميساء الهاتف
"آسف مرة تانية، عن إذنك"
كانت تقف أمام الخزانة بعد أن خلعت خلعت العباءة وأصبحت بمنامة قصيرة، تأخذ ثيابها المعلقة و المطوية تلقي بهم علي السرير وتتمتم
"أنا مش قاعدالك فيها، أبقي خلي الحلوة بتاعت الشباب اللي فاكرة نفسها نجمة الجماهير تنفعك"
"هدومك دي ترجع مطرح ما كانت يا إما مش هيحصل كويس"
كان يقف لدي باب الغرفة المفتوح، ينظر إليها وهي تقف بتلك المنامة ذات النسيج الشفاف، كان خلفه صغيريه فانتبه إلي وجودهما فقال لأحدهما:
"ممكن يا ريتاچ تاخدي سالم وتقعدوا جوة في أوضتكم"
أمسكت الصغيرة بيد شقيقها الذي تذمر برفض
"لاء، أنا عايز ماما"
"أنا قولت تدخل جوة أنت وأختك، يبقي تسمع الكلام"
أجفل صوته الجهوري ابنه مما جعله أجهش في البكاء وركض إلي غرفته، لحقت به شقيقته وفعلت كما أمرها طه والذي دخل إلي الغرفة وأغلق الباب.
"بتشخط في الواد ليه؟!، هو أنت فاكر لما تقعد تشخط وتهدد أنا أخاف مثلاً؟!"
أخذ يضغط علي قبضته ويستعين بالصبر
"أتقي شري يا شيماء أحسنلك"
ألقت ما في يدها علي الأرض
"عايز إيه شر أكتر ما أنا داخلة عليك البلكونة، لاقيتك لازق في الولية اللي معندهاش بربع جنيه ذرة أخلاق، ووشك لازق في وشها، إيه كنت ناوي تبوسها وجيت قطعت عليك اللحظة؟!"
زفر من أعماقه وأخذ يردد
"استغفر الله العظيم"
ثم تابع:
"أنا هقولك وعايزة تصدقي ما تصدقيش براحتك، أنا كنت واقف بشرب سيجارة وهي خرجت شافتني صبحت عليا وكانت طلبت مني أصورها لايف"
كان صدقه زاد الطين بلاء
"و أنا مالي بالحوارات دي كلها، اللي أعرفه فيه أنك راجل متجوز و المفروض لما تشوف واحدة زي الست دي تغض بصرك وتدخل علي طول تقعد مع مراتك و عيالك اللي سايب مسئوليتهم فوق دماغي لوحدي، أقولك من ساعتين تعالي أقعد ذاكر لابنك شوية هو بيسمع كلامك تقولي أنا مخنوق وهاروح أولع سيجارة، أومال أنا اللي علي أخري أروح أولع في نفسي؟!"
"يوه ما خلاص بقي"
أمسك قنينة عطر وأطاح بها علي الحائط فتحطمت إلي فتات علي الأرض وسائل العطر تناثر علي الحائط.
شعرت بالفزع عندما رأته في تلك الحالة، اكتفت بالصمت واستدارت لتأخذ الحقيبة من الخزانة ووضعتها علي السرير لتضع داخلها الثياب، تمد يدها نحو السحاب فقبض علي ساعدها
"مش قولتلك ترجعي الهدوم مكانها، و لا أنا كلامي ما بيتسمعش؟!"
حدقت إليه بغضب وتحدي في آن واحد
"ايوه مش هاسمع كلامك لأن أنا مش طيقاك و هسيبلك البيت والعيال وما....
جذبها إلي صدره وابتلع بقية الأحرف التي تفوهت بها داخل فمه عبر قُبلة أخرج بها كل ما يشعر به من غضب و إثارة و خليط من المشاعر المتناقضة، يعلم داخله أن زوجته علي حق، كل ما أخرجته من بين شفتيها ينبع عن حب وغيرة ضارية كالنيران المشتعلة وعليه أن يطفئها بنفسه.
ابتعد عنها بعد أن انقطعت أنفاس كليهما، نظر إلي عينيها ثم إلي شفتيها الوردية والمنتفخة:
"حقك عليا ما تزعليش مني"
اعتذاره الصريح والمصاحب بقبلة كانت كالمطر الذي هطل فوق نيران تلتهم الأخضر واليابس، جعل كل مشاعرها السلبية من غضب وغيرة تخبو ويحل بدلاً منها الهدوء والطمأنينة
"لسه زعلانة مني؟"
اكتفت بهز رأسها بالنفي ثم أكملت
"أنا لو زعلت منك بجد هيبقي ساعتها كل واحد فينا في طريق، ياريت ما تخلنيش أزعل منك في يوم من الأيام، لأن لو قلبي قفل عمره ما هيفتح تاني، إياك والخيانة يا طه، وياريت ترجع بالذاكرة زمان وتاخد اللي حصل عبرة"
تذكر في الحال ما حدث بينها وبين طليقها عبدالله، عندما أنتهي الأمر بينهما بعد خيانته لها مع سماح والتي كانت زوجة طه، ذلك الأمر جعلها تلقي الحب خلف ظهرها وابتعدت وحينما لم يتحمل الابتعاد ذهب ليأخذها من منزل والدها وانتهي الأمر بمقتل والدها الذي فارق الحياة بطعنة من يد مَنْ كان يوماً زوجها وحبيبها.
"عايزك تطمني قلبك، عمري ما هخونك يا شيماء"
يصدح صوت القرآن الكريم من المذياع والذي يسبق صلاة الجمعة، وأصوات صاخبة بين شد وجذب ينتهي بشجار ما بين هذين الصغيرين، بينما هي تجلس علي المقعد المرتفع تحتسي القهوة وتجري مكالمة مرئية مع ابنة خالتها
"إيه يا جوجو مش ناوية تجيبي دكتور آسر و الأولاد وتيجو تقضوا لكم يومين هنا في الجونة؟"
كانت تشعر بالضيق داخلها، تتذكر كان أخر مرة لهما في السفر عندما كانت ابنتها في عمر الثالثة، ومن بعد ذلك كم تمنت أن تحظي بنزهة ترفيهية و لو ليوم واحد، لكن كيف يحدث هذا و زوجها يعمل ليلاً ونهاراً في المشفى ما بين إجراء عمليات للمرضي و فحوصات!، وقته ليس ملكاً له وهي علي دراية بذلك جيداً، لذا كان قرار ترك عملها منذ فترة حتي تهتم بصغيريها والمهام المنزلية التي لن يقضيها أحد سواها.
ابتسامة باهتة تظهر علي شفتيها
"هنسافر بإذن الله بس مش دلوقتي، أصل آسر عنده مؤتمر في لندن بعد كام يوم"
"يا حرام يا جوجو بجد أنتي صعبانة عليا، أنتي والولاد من الفيلا لخالتو و من خالتو للفيلا، إيه الخنقة دي يا بنتي، ما أنا عندي عيالي وبنخرج و نتفسح و بنروح مصايف"
اكتفت هاجر بهز رأسها و داخلها ألسنة من اللهب، تلاحظ أن الأخري تجعلها تشعر بالحنق الشديد، و هنا لجأت لفن الرد لتكف الأخرى عن مضايقتها
"وهاصعب عليكي ليه؟!، أنا جوزي دكتور جراحة مشهور وقته مش ملكه، و أنا مقدرة ضغوط الشغل عنده في المستشفي، لكن أنتي جوزك من وقت ما خسر فلوسه في البورصة وشركته فلست بقي قاعد من غير شغلة و لا مشغلة، و لولا شغلك و اللي خالتي بتبعته لك كان زمانكم بتصيفو في البانيو"
أطلقت الأخرى ضحكة تظهر أسنانها الصفراء وتخفي خلفها كم الحقد
"يخرب عقلك يا جوجو، لسه زي ما أنتي دمك زي العسل"
داهم هاجر الشعور بالاختناق فأرادت أن تنهي تلك المكالمة
"تسلمي يا هالة، أبقي سلميلي علي خالتو لما تشوفيها"
انتبهت الأخرى بأن ابنة خالتها تنهي معها الحديث، ابتسمت بمكر وتخبرها بالآتي
"يوصل، إحنا هنرجع علي آخر الأسبوع وهنروحلها عشان كريم أخويا راجع من السفر، أصله من وقت ما أتجوز و هو ومراته مش مبطلين سفر و فُسح كل weekend، لفوا أوروبا وأمريكا ودلوقتي هو وهي في المالديف كان واخد أجازة أسبوع من الشغل وراجعين بعد يومين، مش كنتي يا خايبة لو وافقتي علي أخويا كان زمانك مكان مراته دلوقتي"
كان الحديث تعدي كل الحدود مما جعلها تفقد أخر ما تبقي من الصبر لديها، وهنا قد انفجرت
"بصي يا هالة أنا عمالة أعديلك كلامك اللي من تحت لتحت و غرضك إنك تغيظيني، لكن هتفتحي موضوع أتقفل من زمان وملوش لازمة تفتحيه لحد هنا و stop، ما تخليش حقدك عليا يعميكي، وأنا غلطانة عشان كلمتك وبطمن عليكي بس للأسف أنتي ما تستاهليش وكان ليها حق علياء إنها تقاطعك، و من غير سلام"
أنهت المكالمة تاركة الأخري في صدمة وعدم استيعاب، لكن هذا لم يكن يكفي لإطفاء ما تشعر به هاجر من داخلها، ذرفت عينيها الدموع رغماً عنها، و حتي لا تعطي إلي عقلها فرصة للتفكير فيما يرفع ضغط الدم لديها، نهضت وذهبت إلي صغيريها
ركضت إليها ابنتها تشكو من شقيقها
"مامي أمجد خد العروسة بتاعتي وخباها ومش عايز يقولي هي فين"
اقترب الصغير ليخبر والدته
"يا مامي هي خدت مني التاب ومسحتلي اللعبة وقولتلها هقول لمامي طلعتلي لسانها"
مدت يديها إليهما
"تعالوا"
اقترب كليهما منها فقامت بمعانقتهما
"مش أنا قولتلكم قبل كدة، بلاش حد فينا يضايق التاني، و كونوا حنينين علي بعض؟!"
هز كل منهما رأسه فأشار ابنها نحو شقيقته
"هي اللي بدأت الأول من غير ما أعملها حاجة"
عقبت الصغيرة بإنكار
"أنا مسحتله اللعبة دي يا مامي عشان أنتي كنتي قايلالي أي لعبة أو فيديو فيها حاجة وحشة أو علم رينبو ما تتفرجيش عليها أو إحذفيها، واللعبة اللي كان بيلعبها فيها اعلام رينبو وحاجات شكلها تخوف"
ابتسمت والدتها إليها وبداخلها تشعر بالفرح، فالنصائح التي تقدمها لصغيرتها رغماً من عمرها الصغير قد تجني ثمارها.
ربتت علي رأسها
"شاطرة يا كارما برافو، و ليكي عندي هدية"
ثم ألتفت برأسها نحو صغيرها وقالت
"أختك صح يا أمجد، و أنا نبهتك قبل كدة مفيش كارتون و لا ألعاب و لا نتفرج علي فيديوهات فيها حاجة وحشة"
"حاجة وحشة إزاي، مش الرينبو دي ألوان الطيف اللي بتظهر بعد المطر، إزاي تبقي حاجة وحشة؟"
"بص يا أمجد يا حبيبي، ألوان الطيف مخلوق من مخلوقات ربنا و حاجة شكلها حلو جداً، بس فيه ناس وحشة خدو الألوان دي عملوا بيها علم ليهم"
تدخلت الصغيرة لكي تفهم أكثر
"و مين دول الناس الوحشين يا مامي؟"
"فاكرين لما حكيت لكم إن ربنا خلق سيدنا آدم و خلق له حواء؟"
أجاب الصغير:
"أيوه فاكر، و فاكر قولتلنا إنهم لما كلوا من الشجرة اللي ربنا نهاهم عنها ربنا زعل منهم وخلاهم ينزلوا من الجنة ويعيشوا علي الأرض هما والشيطان"
ابتسمت هاجر وقالت:
"برافو يا أمجد، و بعد ما سيدنا آدم وزوجته حواء حسوا بالذنب طلبوا من ربنا يغفر لهم، عاشوا وخلفوا، السيدة حواء جابت مرة ولد وبنت و مرة تانية ولد و بنت، يعني اللي أقصده إن عشان يبقي فيه أطفال لازم راجل و ست يتجوزوا، لكن الناس الوحشة أصحاب علم الرينبو مش عايزين كدة، عايزين الرجل يعيش مع راجل و الست تعيش مع الست، وده ضد اللي ربنا خالقنا عليه وهي الفطرة، والشيطان الشرير هو اللي خلي الناس الوحشين يعملوا كدة من زمان لحد دلوقتي، عشان مش يبقي فيه أطفال، و ربنا خلقنا للعبادة وعشان نعمر الأرض، فهمتوا؟"
هز كلا منهما رأسه
"فهمنا يا مامي"
وتابع أمجد
"و أنا مش هلعب أي لعبة فيها علم رينبو تاني و لا هاتفرج علي كارتون فيه كدة"
"حبيبي ربنا يحميك ويباركلي فيكم أنت وأختك، يلا روحوا أغسلوا إيديكم عشان عملتلكم مولتن كيك اللي بتحبوها"
هلل الصغيران بفرح، ونفذ كليهما أمر والدتهما التي أعدت إليهما أطباق الكيك وعصائر طازجة لذيذة.
༺※※※༻
تفتح عينيها بعد أن داعبتها أشعة الشمس، تقلبت لتطمئن علي ابنها الذي بات منذ الأمس نائماً بين ذراعيها، و إذا بها تهرع عندما لم تجده بجوارها، نهضت سريعاً وذهبت تغسل وجهها وترتدي وشاحها، خرجت تقصد الغرفة التي خصصتها السيدة شيري إلي حفيدها، فتحت باب الغرفة ولم تجده هنا أيضاً.
"حمزة؟، يا حمزة؟"
تناديه بصوت مرتفع، فظهرت إحدى الخادمات تخبرها
"حمزة مش موجود يا مدام علا"
اتسعت عينيها والخوف تملك من قلبها الذي خفق بقوة من الرعب
"راح فين؟"
"شيري هانم خدته وراحوا النادي"
صاحت والغضب داخلها كألسنة اللهب تريد حرق كل ما يقابلها
"تاخدو إزاي من غير ما تقولي"
لم تجد الخادمة رداً علي سؤال الأخرى، لكنها همت بالذهاب وقالت
"عن إذن حضرتك"
ذهبت من أمامها و تركتها تشتعل من الغضب، فما كان لعلا سوي أن تبحث عن زوجها لتجعله يهاتف والدته، أخذت تبحث عنه في كل غرفة حتي وصلت إلي الأسفل وانتبهت إلي صوت الموسيقي الصادر من الغرفة الرياضية الخاصة به.
فتحت الباب فوجدته يجلس علي مقعد جهاز جذب الأثقال باليدين، يرتدي سروال رياضي فقط وجذعه عارياً تنزل قطرات العرق علي صدره، فكان يجذب المقابض إلي أسفل فترتفع الأثقال وتصدر صوت اصطدامها الذي اجفلها، دخلت واقتربت منه فوقفت أمامه تسأله بنظرة تنضح بالعداء
"أمك تاخد ابني وتروح بيه النادي إزاي من غير ما تقولي؟"
توقف فجأة عن ما يفعله ونهض ليلتقط المنشفة القطنية ليجفف بها عرق جبهته وصدره، يخبرها بلهجة حادة
"اسمها مامتك أو تقولي حماتي، أمك دي تتقال في الحارة اللي كنتي عايشة فيها"
ابتلعت الإهانة المتوارية في حديثه
"و لما أنت عارف بالفرق اللي ما بينا و أنا كنت عايشة في حارة و كنت خدامة أخوك، ليه سيادتك أتنازلت عن برجك العالي وأتجوزتني؟!"
كان يتجرع الماء من الزجاجة حتي انتهي وأجاب ببرود
"مزاجي كدة"
"و أنا عمري ما هابقي علي مزاج حد أو يجبرني أعمل حاجة غصب عني، اللي خلاني وافقت هو ابني اللي خوفت عليه من شركم وجبروتكم أنت والست شيرين، مامتك"
للمرة المائة تخبره إنها مجبرة علي الزواج أو الحياة معه، فقد سأم من نفورها منه وهذا يجعله يتراجع إلي الوراء آلاف الخطوات عن ما يشعر به نحوها و من المستحيل أن يخبرها في يومٍ ما عن هذا الشعور طالما هي تكرهه إلي هذا الحد، وأكبر مخاوفه والدته، إذا علمت بذلك سوف تقف من جديد أمامه، و لما لا فالماضي خير معلم وقد حفظ الدرس جيداً وليس بحاجة إلي الغرق في دوامة عذاب مرة أخري.
تردد بداخله قبل أن يلقي عليها إهانة أشد من السابقة، لكن لسانه سبق تفكيره كالعادة
"طالما أنتي قوية أوي كدة وما بتحبيش تبقي علي مزاج حد، أومال بقيتي علي مزاج أخويا إزاي، و لا كان ساعتها اللي عمله علي هواكي"
لم تشعر بنفسها و كفها يهوي نحو خده لكن قبضته الفولاذية قد سبقتها وعيناه يتطاير منها الشر، أثني ذراعها خلف ظهرها ودفع جسدها إليه حتي كاد وجهها يلتصق بصدره العاري.
"أقسم بالله لو كانت إيدك لمست وشي لكنت خليت حياتك جحيم، أوله أحرمك من ابنك وأخره مش هاتشوفي الشمس تاني"
كانت تحدق إليه بتحدي وتظهر له كراهية واهية، تثأر لكرامتها التي بعثرها بحديثه المهين لها عن عمد
"و لا أنت و لا الست الوالدة ولو كان مين في عيلتك كلها، محدش يقدر ياخد مني ابني"
رفع جانب فمه بسخرية، قبض بيده الأخري علي وجنتيها ويخبرها بثقة
"ما بلاش تعملي فيها شبح وتتحديني، عشان لو وريتك وشي التاني هخليكي تتحايلي عليا عشان أموتك وأخلصك من العذاب اللي هاتشوفيه"
وضعت يدها علي قبضته التي تؤلم فكها وخديها، تجيب بصعوبة
"و مستني إيه، موتني دلوقت"
أخذ يجول علي ملامحها بعينيه ونظراته التي لا تدرك منها شيئاً، فكانت تعابير وجهها الشئ ونقيضه، القوة والضعف، الخوف والشجاعة، التحدي والخضوع، وبداخل عينيها آلاف الكلمات التي لو دونها بقلمه سوف ينتهي من مجلدٍ مكون من آلاف الصفحات.
صوت أنفاسه تتصاعد، فتصطدم بوجهها، حرر خديها من قبضته ويده الأخري أعاد وضع ذراعها الطبيعي فتأوهت، رفع يدها وألقي نظرة علي الرسغ وجد أنامله تركت علامات جلية علي بشرتها، كانت تراقب ما يفعله ولاحظت تحول نظراته من الشر والتهديد إلي اللين.
رفع معصم يدها نحو شفتيه، أغمض عينيه وقام بتقبيل موضع الشرايين أثر أنامله، همس إليها ولم تصدق ما يهمس به
"آسف"
أراح كفها علي خده ومازال مغمض العينين، يشعر بدفء ملمس يدها، ارتجف جسدها وأخذ قلبها ينبض بقوة، كليهما يخفي مشاعره تجاه الآخر خشية من توابع هذا الحب الذي ربما ينتهي بعواقب مؤلمة كما سبق!
"عايزني أسامح علي إهانتك ليا دي بسهولة أوي كدة؟!"
اهتز قلبه من سؤالها، كم هو أحمق عندما قام بفتح جرح لديها مازالت تدفع ثمنه إلي الآن، فالكلمة بمثابة رصاصة إذا انطلقت لم تعود، عليه أن يطلب الغفران كما أمره فؤاده
"أنا أكبر عيب فيا لما بتعصب ما ببقاش شايف قدامي، و بيخرج مني كلام أفضل أندم عليه، قوليلي إيه يرضيكي وأنا هعمله، بس بلاش أشوف نظرة الكره دي في عينيكي"
تقسم إنها تري العجب مع هذا الرجل، تارة يكون حنوناً وتارة أخري قاسياً، أوقات يصبح كجبل الجليد و أخري يكون كالجحيم تتأجج نيرانه وتلتهم كل شئ أمامها، تعترف بداخلها إنها قد أحبت الجانب الطيب منه و في ذات اللحظة تكره وبشدة الجانب السيئ فيه، فماذا عساها أن تفعل؟
"لو عايزني أسامحك بجد، خرجني من الفيلا وخليني أعيش أنا وابني بعيد عن هنا، إن شاء الله حتي تشوفلي أوضة"
وجدت عليها استغلال الفرصة أو بالأحرى من الجانب الطيب الحنون لديه، أخذت تحدق إليه و تنتظر أن يجيب علي طلبها، تغمض عينيها وتتوقع الإجابة بالرفض لطلبها
"موافق"
فتحت عينيها والصدمة تعتلي ملامح وجهها، فتابع ليطمئن قلبها
"أنا عندي شقة في المهندسين، محدش يعرف عنها حاجة، هاخدك أنتي وحمزة ونعيش هناك"
"نعيش؟"
ترددها لتأكيد ما يخبرها به حدسها، فأجاب بالإثبات
"أه، أنا وأنتي وحمزة، مش أنا المفروض جوزك؟"
قطعت التواصل البصري بينهما ونظرت في إتجاه آخر، فعاد الوحش كما تسميه من جديد
ويخبرها
"فاكراني عبيط عشان أسيبك تقعدي لوحدك، وهوب ألاقيكي هربتي، أنا هعملك اللي أنتي عايزاه أه عشان أنا عايز كدة، و رجلي علي رجلك في أي مكان هتروحيه"
زفرت بضيق
"إيه مش عاجبك كلامي و لا هاسيبك تعيشي هنا في الفيلا، وشك في وش شيري هانم اللي هي أمي؟!"
ابتسمت رغماً عنها، وتذكرت أمر والدته التي استطاعت أن تأتي بها إلي هنا بكل سهولة
"طب و هتقولها أو هتقنعها إزاي بالموضوع ده؟"
"ما تقلقيش أنا هخليها تقتنع بطريقتي، أمي وعارفها"
شعرت بالقلق والخوف خاصة علي صغيرها
"أنا خايفة لما تقولها تاخد مني حمزة وتبعده عني"
"ماتخافيش، طول ما أنا عايش محدش يقدر ياخده منك أو يمسه بأذي، حتي أنتي مش هسمح حد يقرب منك"
كانت ليست مجرد كلمات بل قطرات من الماء تروي حلقها بعد شعور بالجفاف الشديد، كم تتمني أن ما ينبع منه يكون الصدق، فحديثه كان كالسحر، لا تعلم كيف و متي أصبحت بين ذراعيه، وشفتيه تعانق خاصتها في قبلة يخبرها بها إنه الأمان والسند حتي إذا لم يعترف لها بحبه فيكفي الفعل الذي يقدمه إليها، فالحب والعشق أفعال وليست أقوال.
"ماما، ماما"
نداء ابنها جعلها تعود إلي وعيها، دفعت بيديها صدر أحمد وركضت نحو الخارج حتي وصلت إلي البهو، وجدت ابنها يقف جوار جدته، و عندما رآها اندفع راكضاً إليها، دنت منه واحتضنته بقوة
"حمزة خايف ماما"
ربتت علي ظهره ليطمئن
"ما تخافش يا حبيبي، محدش هيقدر ياخدك مني تاني"
كانت تنظر إلي والدة زوجها وكأنها تخبرها هي بتلك الجملة، فظهر لها أحمد وبدون أن تنتبه إليه أمه أشار إلي علا بوضع كفه علي فمه وهذا يعني أن لا تزيد في الحديث مع والدته حتي يوفي بوعده إليها ويبعدها عن جحيم هذه المرأة.
༺※※※༻
دخلت إلي غرفة النوم لتوقظ زوجها فلم تجده علي مضجعه، انتبهت إلي باب الحمام قد فُتح و هو يخرج منه ليراها فسألها:
"ما صحتنيش ليه من بدري؟"
"أنت راجع من المستشفي و الفجر بيأذن، فسيبتك تنام وتاخد كفايتك من النوم"
إجابتها تحمل الحزن بين ثنايا الكلمات وتأكد عندما ولت إليه ظهرها وتظاهرت بترتيب الأشياء علي طاولة الزينة، اقترب منها وأمسك ذراعها برفق ليجعلها تلتفت إليه
"مالك فيكي إيه؟"
أخفت ما تشعر به من حزن و صنعت بسمة علي شفتيها لكنها لم تستطع التحكم في دموعها التي تجمعت، فتهربت من النظر إليه وخفضت بصرها إلي أسفل، تجيب علي سؤاله بإنكار
"مالي إزاي، أنا كويسة"
وضع كفه علي وجنتها ورفع وجهها ولا يخفي علي بصره تلك الدموع التي علي وشك النزول من عينيها
"و من إمتي و أنتي بتكدبي عليا يا هاجر؟، نبرة صوتك الحزينة و دموع عينيكي بتقول إن فيه حاجة و حاجة كبيرة كمان مزعلاكي، و أنا مش هاسيبك غير لما أعرف"
أبعدت يده عن وجهها وابتعدت بمسافة
"مفيش حاجة يا أسر ويلا عشان تفطر وتلحق صلاة الجمعة"
نفث بقوة من أنفه وتلك علامة تنذرها بأن صبرها علي وشك أن ينفذ، أخبرها باصرار واضح
"طب إيه رأيك أنا مش هفطر و لا خارج من الأوضة غير لما أعرف فيه إيه، و لا أنا عشان ما بقعدش معاكم يبقي خلاص ماليش حق اعرف اللي بيحصل في غيابي؟!"
تركته دون أن تنطق بكلمة واتجهت نحو الباب فصاح بغضبٍ هادر:
"هاجر؟"
ألتفت إليه ولم تتحمل أكثر من ذلك فأجابت من بين دموعها:
"أنا مكنتش عايزة أتكلم، و أنت مصمم تعرف، أيوه أنا مخنوقة ونفسيتي زي الزفت، مش عارفة أقعد معاك و لا نقعد نتكلم زي أي اتنين متجوزيين، تصحي من النوم علي المستشفي و ترجع منها علي النوم، أجازتك تفضل قاعد قدام اللاب تتفرج علي مؤتمرات وبرامج طبية و ناسي إن ليك زوجة وأولاد عايزين يقعدوا معاك أو يخرجوا يتفسحوا"
ضم يديه معاً وزفر بينهما
"هو جديد عليكي طبيعة شغلي؟!، ده أنتي المفروض أكتر واحدة عارفة إننا كدكاترة معندناش رفاهية الوقت والخروج والفسح، أنا عارف إن مقصر معاكي أنتي و الأولاد، و قايلك فترة وهتعدي استحمليني فيها لحد ما تخلص تجهيزات الفرع الجديد"
صاحت باكية:
"الكلام ده داخل علي 3 سنين، أخري فيهم أروح أزور ماما أو نروح النادي عشان تدريبات كارما وأمجد، قولي أنت أخر مرة سافرنا مصيف أو أتفسحنا في أي حتة أمتي؟"
لم تعط إليه فرصة للإجابة أو إعطاء مبررات واهية فتابعت:
"أنا جيت علي نفسي وقفلت العيادة عشان ولادنا يتربوا قدام عيني وما أحسسهمش بأي تقصير، مش يبقي أنت وأنا، أنت بقي بتعمل ألف حساب لشغلك ومش مهم إحنا، كل الناس عايشة حياتها طبيعي بيخرجوا و يقعدوا مع بعض لكن إحنا لازم نستحمل شغل ساعدتك"
ظل ينظر إليها وعلم بل كان علي يقين سبب تلك الثورة التي أمامه، فسألها:
"هي هالة بنت خالتك كلمتك؟"
أخذت تمسح دموعها من علي وجنتيها ثم أجابت
"و إيه علاقة هالة بكلامنا؟"
رفع حاجبيه بتعجب فقال
"عشان هي اللي كل ما تكلمك تقعد تسخنك عليا، و مش بعيد تقعد تجيبلك سيرة الأستاذ كريم أخوها"
"أنا ماليش دعوة بهالة ولا أخوها، أنا كلامي معاك واضح وصريح"
اقترب منها والغضب يتملك منه
"لاء مش واضح و لا صريح، لأن قبل كدة قولتلك بلاش كلام مع بنت خالتك و لو كلمتك قصري معاها لأنها واحدة حقودة مهما ربنا أنعم عليها"
زفر وحاول أن يهدأ من روعهِ ليتابع حديثه
"و لا ناسية لما كانت بتسلط علياء علي يوسف ودخلت في دماغها إنه يعرف واحدة عليها، و علياء لما فهمتها بعد ما كانت هتخرب بيتها بسبب أوهام قاطعتها خالص، أنا كان ممكن أحلف عليكي تقاطعي بنت خالتك دي، لكن بقول لنفسي لاء حرام دي صلة رحم و مراتك ست عاقلة و مش هاتسمح لأي حد يوسوس لها"
"و أنا الحمدلله عاقلة يا دكتور آسر، و مش كلام بنت خالتي اللي هيقومني عليك، هي مجرد ضغطت علي الجرح مش أكتر"
ابتسم بسخرية من هذا التشبيه البالغ في التعبير
"ياه للدرجدي تقصيري بقي بالنسبة لك جرح؟!، أومال لو عملت حاجة كبيرة مثلاً لو خونتك كنتي سمتيها إيه؟!"
سحبت هاتفها من جيب ثوبها وأخذت تلمس علي عدة ملفات فقامت بفتح رسالة نصية واردة
"أنا لو مش عاقلة كان زماني صدقت رسالة من حد عايز يخرب بيتنا بجد، و مش هسمح لأي مخلوق يدخل ما بيننا أو يهز الثقة اللي ما بينا"
رفعت شاشة هاتفها أمام عينيه، فأخذ يقرأ الرسالة
«خلي بالك من جوزك لأن الضربة مش بتيجي غير من أقرب الناس ليكِ حتي لو من دمك»
لاحظ الرقم غير مسجل، بحث بعينيه عن هاتفه فذهب نحو الكمود وتناول الجوال، نقل الرقم علي تطبيق يظهر هوية المتصل، لاحظ أن هذا الرقم قد أتصل عليه من قبل.
و قبل أن تعمل ذاكرته ظهر له هوية صاحب أو صاحبة الرسالة، علياء!!
سألته زوجته والشك يساور قلبها
"أنت تعرف مين صاحب الرقم؟"
كان يدور داخل عقله تحليلاً لم يجد له سوي استنتاج وحيد وعليه التأكد من ذلك قبل أن تأخذ الأمور مجري لايريد الوصول إليه.
سرعان قام بحذف خلية التطبيق والتي يظهر بها الاسم، أغلق شاشة هاتفه وأعاده في مكانه السابق، ألتفت إليها يخبرها كذباً
"لاء، مفيش اسم ظاهر، و لو رن عليكي الرقم تاني أو بعتلك رسايل أعملي له بلوك، عشان واضح ده حد قاصد يخرب لنا حياتنا"
نظرت إلي عينيه التي تحاوطها الهالات السوداء مؤخراً نتيجة السهر المتكرر في عمله، سألته
"تفتكر مين من مصلحته يعمل كدة؟"
جذبها بين ذراعيه، وجد عليه أن يراجع الأمر جيداً ويحتوي زوجته، فلديها حق في شكواها و كم هو مقصراً نحوها ونحو ابنائه
"حقك عليا يا حبيبتي، أنا عارف إني مقصر جامد و خليت شغلي يسيطر علي كل وقتي، لكن و رايح هخصص ليكم وقت نعمل فيه اللي عايزينه، و هرتب أموري بإذن الله و بعد ما هارجع من المؤتمر، هاخدكم نقضي أسبوع في الشالية بتاعنا في الجونة"
و كطفلة صغيرة تبدد حزنها وحل مكانه سعادة تغمرها، ابتعدت قليلاً والفرح يقفز من عينيها، تسأله
"بجد يا أسورتي؟"
ابتسم إليها ووضع كفيه علي كتفيها قائلاً
"بجد يا عيون أسورتك، مفيش شكراً بقي؟!"
"شكراً يا حبيبي و ربنا يخليك لينا"
عبس بمزاح و أخبرها
"و أنا مش عايزك تشكريني بالكلام"
ضحكت وأدركت ما يريده، أشار إليها نحو وجنته، وضعت قبلة بشفتيها علي خده، فأشار إليها علي خده الأخر فكررت ما فعلته في الأول، أشار أخيراً إلي شفتيه وقال
"دي بقي أنا اللي هاخدها بنفسي عشان وحشاني أوي"
احتضنها بين ذراعيه وغمر شفتيها بين قُبلاته، فهي عشقه الذي أسر قلبه من أول مشاكسة دارت بينهما منذ سنوات، ومقالب انتهت بزواج سعيد إنجاب صغيرين قد ورث كليهما صفات الوالدين.
༺※※※༻
هناك بعض الهدوء يسود بينهما منذ أن أنهي علاقته بهذه الأسيل التي قامت بخداعه وتم هدم كل ما بينه و بين زوجته بالطلاق، و بعد معاناة وتوسل لطلب الغفران منها، أعاد ما تم هدمه ليصبح رباط قوي وسيظل محافظاً علي ذلك مهما كان الثمن وحتي تفيض روحه إلي الخالق.
يفتح باب السيارة ويجلس خلف المقود، يضغط علي الزر المسئول علي فتح حقيبة سيارته لتضع زوجته الحقيبة الخاصة بابنها وابنتها، أغلقت الحقيبة وذهبت لفتح باب المقعد المجاور لمقعد القيادة، سبقتها ابنتها
"أنا اللي هاقعد جمب بابي"
دفعها شقيقها وقال باصرار أيضاً
"لاء، أنا اللي هاقعد جمب بابي"
صاحت كارين بهما
"و لا أنت و لا أختك، ده مكاني و أنتم أقعدوا ورا"
قوست ابنتها شفتيها إلي أسفل وأذعنت إلي أمر والدتها، دخلت إلي المقعد الخلفي وها شقيقها
أخبرهما والدهما
"كل واحد فيكم يربط الحزام كويس، ومش عايز خناق زي كل مرة"
أجاب الصغير
"حاضر بابي"
"يونس ما تنساش وإحنا في الطريق تعدي علي محل الحلويات اللي بتجيبلنا منه"
ألتفت إليها برأسه
"أومال كمية الحلو والحادق اللي صاحية من الفجر تعملي فيها ده تبقي لمين؟!"
ترتدي حزام الأمان قائلة
"دي أنا عاملها لولادنا وولاد أخواتك، هما بيحبو الحلويات والحادق اللي بعمله لهم، لكن اللي هاتشتريه ده لأخواتك، ماتبقاش بخيل بقي"
"نعم؟!، وبالنسبة للـ credit card اللي كان فيها 10آلاف جنيه وسيادتك خدتيها إمبارح عشان تتسوقي من الهايبر لغاية ما بقت رصيدها زيرو؟!"
نظرت إلي الأمام وترتدي نظارتها الشمسية ذات العدسات سداسية الشكل
"محسسني إن صرفتهم في تافهات، أنا نزلت أجيب حاجة الشهر ومكونات المخبوزات اللي عملتها، مكنتش أعرف إن الأسعار زادت عن الشهر اللي فات"
أخذ يتمتم بصوت غير مسموع
"هي بتزيد كل شهر بس؟!، دي كل يوم كأنها أسهم في البورصة، الجنيه يعوم وإحنا نغرق لحد ما بقينا عايشين في قاع المحيط مع سبونج بوب وسلطع برجر، وأنتي بالنسبة لك الـ 10 آلاف كأنهم 10 جنيه، يارب عدينا منها علي خير"
انتبه إليها وتنظر إليه
"أنت بتقول إيه؟"
ألتفت إليها مبتسماً
"فداكي، فداكي يا روحي 10 آلاف مليار دولار، المهم تكوني مبسوطة"
ابتسمت وعقبت بزهو
"ربنا يخليك ليا يا حبيبي يا يويو"
تمتم مرة أخري كالسابق
"و أخرتها بقيت يويو كمان"
أنطلق بالسيارة وبعد أن قطع منتصف المسافة التي بين منزله و بين القصر، لفت انتباهه وميض مؤشر الوقود يضوي وينطفئ
"إيه ده إزاي؟!"
"فيه إيه؟"
سألته وتنظر نحو الشاشة الرقمية، فأخبرها
"ده مؤشر الوقود بينبهني إنه يقرب يخلص، بس إزاي و أنا مفول العربية و أنا راجع من الجاليري إمبارح؟!"
"ليكون فيه مشكلة في التانك وسرب الغاز"
"أنا لسه كنت في الصيانة من أسبوع و عملت check عليها ومفيش أي حاجة"
"خلاص أقف علي جمب لحد ما نشوف أي محطة بنزين قريبة مننا"
توقف وترجل من السيارة قائلاً
"أقرب محطة بنزين في طريق مقطوع زي ده علي بعد كيلو ونص "
"مامي إحنا هننزل"
كان سؤال ابنتها فأجابت كارين
"لاء يا چولي، خليكم مكانكم وأنا هطلب أوبر"
نزلت من السيارة تلتفت يميناً ويساراً، لاحظت اقتراب سيارة سوداء، فقالت لزوجها المنشغل بهاتفه
"يونس، فيه عربية جاية علينا، ما نقوله يسحبنا معاه لحد محطة البنزين"
و قبل أن يجيب توقفت السيارة بالقرب منهم وأخرج لهما السائق رأسه من النافذة، شبه مبتسم
"أستاذة كارين، فيه مشكلة؟"
نظر يونس إليه يتأمل ملامح هذا الرجل الغريب الذي يبدو إنه علي معرفة بزوجته، فكان يرتدي نظارة شمسية فقام بخلعها
"أستاذ مهند إيه الصدفة السعيدة دي؟"
ألتفتت إلي زوجها وأخبرته
"أستاذ مهند عبدالرحمن، من أهم العملاء للجاليري و هيبقي فيه ما بينا مشروع قريب"
ابتسم يونس علي مضض وكأنه يمضغ حبة هيل مُرة
"أهلاً وسهلاً"
ألتفت إلي مهند لتخبره أيضاً
"طبعاً بالتأكيد عارف الفنان يونس البحيري جوزي من يوم الحفلة اللي عزمت حضرتك عليها وجيت"
بادله مهند ابتسامته الصفراء
"أهلاً بحضرتك"
تجاهل التحدث مع يونس وظل ينظر إلي كارين، يسألها ليعرض عليها المساعدة
"هي العربية فيها مشكلة ولا إيه؟"
"محتاجة تتفول ومحطة البنزين بعيدة عن هنا"
أجابت هي بدلاً عن زوجها الذي يمقت هذا الرجل دون سبب، بينما مهند لا يهتم إليه علي الإطلاق
"ممكن تسيبوها مكانها وتقفلوها كويس، و تعالوا معايا أوصلكم للمكان اللي أنتم عايزينوا"
ترددت كارين وتشعر بالحرج، فقال زوجها
"شكراً، أنا طلبت أوبر وأكدت علي الرحلة"
"و ليه أوبر و أنا موجود؟، ممكن تكنسل الرحلة عادي، و لا يا مدام كارين بتعتبروني غريب؟!"
ابتسمت بحرج وأخبرته
"ليه حضرتك بتقول كدة؟، هو يونس بس مش راضي يتعبك معانا"
"و لا تعب و لا حاجة، أنا كدة كدة رايح التجمع"
عقبت بدهشة
"إيه الصدفة دي، إحنا كمان رايحين التجمع"
زفر يونس لعلها تدرك أن تكف عن التحدث مع هذا الرجل ذو النظرة القاتمة، لاحظ مهند شعور الأخر إتجاهه لكنه لا يبالي مرة أخري وقال
"خلاص يلا أركبوا"
اقتربت كارين من زوجها:
"فيه إيه يا يونس، عمال تنفخ ومش طايق الراجل، يعني الحق عليه إنه عايز يوصلنا؟!"
أجاب بصوت خافت
"أيوة مش طايقه، و مش مرتاحله نفسياً خالص، و أنتي عمالة تاخدي وتدي معاه في الكلام و لا كأني قرطاس لب واقف جمبك"
"يخربيت تشبيهاتك اللي بتموتني من الضحك، معلش عشان خاطري تعالي علي نفسك ويلا نركب معاه، وأتصل بالإنقاذ يجوا ياخدوا العربية، بليز بقي الأكل اللي في شنطة العربية ممكن يبوظ غير إننا هنتأخر علي أخواتك"
قال علي مضض والامتعاض يعلو ملامح وجهه
"ماشي يا كارين و لما نروح بيتنا حسابك معايا"
و بعد أن قام يونس بنقل الحقائب التي تحتوي علي الطعام من حقيبة سيارته إلي حقيبة سيارة الأخر، دخل هو وزوجته وابنائهما إلي سيارة مهند، حيث جلس بجواره يونس، وكارين وصغارها في المقعد الخلفي، كان مهند كل فينة والأخري ينظر إلي كارين عبر المرآة الأمامية، لكن دون أن يلاحظ يونس ذلك، فكانت النظارة الشمسية تخفي تجاه ما ينظر، يتأمل ملامح ابنتها التي تشبهها كثيراً، علي نقيض ابنها الصغير الذي يشبه والده تماماً، وبالرغم من أنها ترتدي نظارة شمسية أيضاً لكنها تلاحظ جيداً نظراته إليها والتي تسبب القلق والتوتر نحوه، رجل غريب الأطوار وتحيطه هالة مخيفة، و هي حتي الآن تفترض حسن النية نحوه إلي أن يثبت لها عكس ذلك.
"أيوة هنا"
قالها يونس بعد أن ألتزم الصمت طوال الطريق، هلل الصغيران
"هييه، وصلنا، وصلنا"
ترجلت كارين لتساعد ابنتها في الخروج من السيارة، و ترجل يونس أيضاً وبعد أن أخذ الحقائب قال باقتضاب
"متشكرين يا أستاذ مهند"
نظر الأخر إلي كارين ثم إلي زوجها
"العفو يا فنان"
تقدم إحدى حراس الأمن لدي البوابة من يونس يأخذ من يديه الحقائب قائلاً بترحاب
"أهلاً وسهلاً يا يونس بيه، أهلاً وسهلاً يا هانم نورتم القصر"
أومأت كارين إليه مبتسمة و كذلك يونس
"تسلم يا عم مؤمن"
وقبل أن ينطلق مهند نظر إلي كارين ولوح بيده و ألقي ما يسبر أغوار زوجها
"مع السلامة يا مدام كارين، وبكرة هاكون عندك عشان دراسة الجدوي الخاصة بالمشروع اللي ما بينا"
أومأت إليه قائلة
"إن شاء الله هستني حضرتك، باي"
لوح إليها بيده ثم ألقي بنظرة وعيد إلي يونس وعاد ببصره من أسفل النظارة إلي كارين
"خدي بالك من نفسك باي"
أنطلق بسيارته وكارين تتابعه وتخشى أن تلتفت إلي الذي يقف علي يمينها، فكان يهمس إليها بوعيد
"أنا هعدي اليوم بس عشان خاطر أخواتي، لكن والله يا كارين لما نروح بيتنا هيكون ليا معاكي كلام تاني"
نظرت إليه بضيق
"قصدك إيه بكلامك ده؟!، كل اللي ما بيني وبينه شغل و بس، لو أنت بقي نيتك رايحة لحتة تانية يبقي أنت كدة أتجننت وأنا اللي مش هاسكت، عشان معني كلامك أنك ما بتثقش فيا"
"أنتي أتجننتي في مخك و لا إيه؟!، طبعاً واثق فيكي، بس معنديش ذرة ثقة في أي حد من اللي حواليكي وخصوصاً البني آدم التنح ده، قال اسمه مهند قال"
نطق كلماته الأخيرة بنبرة ساخرة مما جعلها تضحك رغماً عنها، لكنه أتخذ ضحكتها استهزاء وسخرية علي حديثه
جز علي أسنانه وداخله يشتعل من الغيظ، أشار إليها بيده إلي البوابة المفتوحة يقول من بين أسنانه
"قدامي يلا"
أدركت أنه علي وشك أن يفقد صبره، و إذا حدث ذلك فلم تأمن حدود غضبه إلي أين سوف تصل!
أمسكت صغيريها، كل منهما في يد و عبر جميعهم البوابة في صمت.
༺※※※༻
يتجمع رجال العائلة في الحديقة وصوت ضحكاتهم يتردد في الإرجاء، فكان يونس يعيد من ذكريات الماضي عندما كانوا أطفالاً
"فاكر يا ياسين لما كنا وإحنا صغيرين، روحت وقفت أمام باب التويليت وفاكر إن أنا اللي جوه وقعدت تقول بتعمل إيه جوه يالا، ده أنت لسه عاملها علي نفسك علي السرير، و لسه هاتكمل كلامك هوب لاقيت الباب أتفتح وبابا الله يرحمه واقف في وشك"
عقب ياسين من بين دموع ضحكته
"الله يخرب عقلك، ده أنا علي طول كل ما كنت أعمل أي حاجة فيك أنت بالذات ألاقي بابا في وشي، وساعة الموقف ده أول ما شوفته طلعت أجري وأستخبيت في أوضة داده سميرة من كتر الإحراج"
"و لا طه اللي دايماً كل ما يجي عندنا علي طول باصص لنا بقرف و مش طايقنا، ببقي نفسي أقوله والله يا بني إحنا لسه واخدين shower ، روح أكشف علي مناخيرك"
حدق يونس إلي طه الذي يضحك وتابع:
"ألا قولي يا طه كل مرة نفسي أسألك ليه كنت قرفان مننا وبنسي"
ماذا سيخبره، هل يقول له إنه كان حاقداً عليهم حتي وفاة والده وتبدل حاله علي النقيض؟!
حمحم ثم أجاب
"كنت طفل رخم بعيد عنك، حتي مكنتش طايق نفسي"
قهقه الجميع وكان قصى الذي كان يقف بجوار مصعب حول فرن الشواء ذو الفحم المشتعل، كان يستمع إلي سرد شقيقيه لمواقفهم الكوميدية، علي وجهه ابتسامة لكن داخله ذكريات طفل عاش مواقف أكبر من عمره حينها، يكفي إنه عاش أول العشر سنوات من عمره في ذلك القصر علي إنه ابن الخادمة، كم تلق الإهانة من المفترض إنه جده «حكيم البحيري»، و عندما قام بطرده مع والدته خارج القصر و كان مصيريهما حادث بشع أدى إلي وفاتها فأخذه الرجل الثري رسلان العزازي، كان حنوناً وعطوفاً عليه لكن كان أيضاً حازماً، جعله فتي قوياً وماهراً في فنون القتال والرماية وخاصة إطلاق الرصاص صوب الهدف بكل دقة ومهارة، جعله يحتك ويتعامل مع عالم رجال مافيا السلاح داخل وخارج البلاد، رأي الموت والأهوال بعينه حتي أصبح كجلمود صخر لا يخشى شيئاً، بل كان الجميع يهابونه كما كان أعدائه يخشون مواجهته، تمُر السنين ويصير الفتي شاباً ثم رَجُلاً يافعاً، و جاء العشق ليجعل هذا الوحش يترك عالمه المظلم ويسير في درب النور من أجل زوجته التي يعشقها وانجبت إليه ابنه وابنته فأصبحوا الهواء الذي يتنفسه ويحيا به.
عاد من بحر ذكرياته المظلم علي صوت آدم
"إيه يا قصى، سرحت في إيه وسايب اللحمة هتتحرق"
أنتبه إلي قطعة اللحم فقام بتقلبيها علي الجهة الأخري و ألتفت إلي أشقائه قائلاً
"كنت بفتكر ذكريات طفولتي"
سأله ياسين بفضول
"طبعاً كنت أعقل واحد فينا و مكنتش بتعمل الهبل اللي كنا بنعمله أنا ويونس"
"هي مش مسألة عقل، لكن الظروف وقتها هي اللي أجبرتني علي كدة"
أكتفي بتلك الكلمات والتي جعلتهم جميعاً يشعرون بالأسف نحوه، فضحك قصى حتي يُبدد تلك الغيمة
"الحق يتقال، الأتنين اللي كانوا عاقلين وواخدين الحياة جد من صغرهم، آدم و يوسف"
عقب آدم
"أنتم واخدين عني فكرة غلط، بالعكس أنا كنت شقي ومتهور بس كنت بعمل المصيبة من غير ما حد يعرف"
عقب يونس
"قصدك تقول كنت سوسة ولئيم"
ضحك آدم وأخبرهم
"أعترف كنت سوسة آه، بس لئيم دي لاء، اللئيم كان يوسف، ذكي وحويط، و كان يعمل المصيبة و يلبسها لحد فينا، بسببه كلت كذا علقة من بابا الله يرحمه، أو كنت بتعاقب بالحبس في أوضتي باليومين والتلاتة"
"ده مين ده اللي حبسك؟"
ألتفت جميعهم إلي صاحب الصوت فقال مصعب
"ابن حلال والله يا دكتور، كانوا لسه بيجيبوا في سيرتك و بيشكروا فيك، صح يا آدم؟"
سألهم يوسف وهو ينظر إلي شقيقيه يونس وياسين وهما يكتمان الضحك
"و ياتري سيرتي كانت بالخير ولا بالشر؟"
حدق آدم إلي ياسين ويونس بوعيد ثم ألتفت إلي يوسف قائلاً
"خير طبعاً، حمدالله علي السلامة"
༺※※※༻
وهناك بداخل القصر حيث تتجمع النساء والأطفال يلهون قريباً منهن
"والله أنا فرحانة جداً، أخيراً أتجمعنا من بعد أخر مرة في عزومة مامي وأونكل عابد"
كان حديث ملك التي تشعر بالسعادة، فعقبت خديجة
"إن كان علينا ممكن نتجمع كل يوم، لكن الرجالة هم الشغل اللي واخدهم"
اعتدلت علياء وتركت قدح القهوة فوق الطاولة التي أمام الأريكة
"بالنسبة ليا أنا ويوسف الشغل فعلاً واخد كل وقتنا، هو في المستشفي و أنا في المركز، بجد مهنة الطب عايزة قوة ومجهود جبار، و في نفس الوقت لازم أخد بالي من عزالدين ولوچي، وشكلي هاخد اجازة قريب عشان إمتحانات لوچي"
تناولت كارين قطعة شيكولاتة من الإناء الزجاجي المزخرف قائلة
"بالنسبالي الجاليري بحس فيه براحة نفسية، و لما بكون مضغوطة أو نفسيتي تعبانة بخرجها في الرسم، و سبحان الله بتبقي أكتر لوحات بتتباع و بيبقي عليها الطلب مخصوص"
ألتفت نحو صبا التي تمسك بالهاتف وتتابع شيئاً ما، فسألتها كارين
"خير يا صبا، ساكتة و مش بتتكلمي معانا، طبعاً مشغولة بالشركة الجديدة"
نظرت إلي البقية وتابعت بسعادة
"باركوا لصبا يا جماعة، أخيراً قصى سابها تعمل مشروع شركة للـ fashion design، و بالتأكيد هاتبقي من أكبر الشركات في الشرق الأوسط و مش بعيد هتبقي تريند"
ابتسمت إليها علياء وقالت بتهنئتها
"ألف مبروك يا صبا"
أجابت الأخري بسرور
"الله يبارك فيكي يا دكتور"
"ألف مبروك يا صبا، و أنا هاكون من أول زباينك، بس ياريت تصمموا حاجة تناسب المحجبات"
"الله يبارك فيكي يا ملك، ما تقلقيش ده أول ستايل ههتم بيه وهيبقي ليه قسم خاص في خط الإنتاج"
عقبت خديجة
"خلاص كدة مش هلبس غير من عندك، ألف مبروك"
"بس كدة من عينيا أنتي وملك هيتصمم ليكم أحلي شغل"
كانت شيماء تجلس وتتابع في صمت منذ أن جاءت، تتأمل صبا التي ترتدي ثياباً أنيقة تنم عن زوق رفيع لسيدة أستقراطية وكذلك الأمر لدي علياء و كارين، و ملك رغماً أنها ترتدي ثوب محتشم وحجاب لكن أيضاً أنيق وجذاب.
عادت ببصرها إلي صبا مرة أخري ثم اقتربت من خديجة وسألتها بصوت خافت
"بت يا خديجة، مش دي البت بنت عمة جوزك اللي كان بيحبها و قام جوزها خدها منه عافية وأتجوزها؟!"
لكزتها خديجة بمرفقها دون أن يلاحظ البقية وأخبرتها بهمس
"وطي صوتك الله يسامحك"
"هو أنا قولت حاجة غلط؟!، أنا بسألك هي و لا لاء، أصلها حلوة و جميلة أوي، بالتأكيد جوزها الراجل القمر المز اللي واقف مع جوز ملك و بيشوا اللحمة"
حدقت إليها الأخرى بامتعاض وقالت بتهديد
"أيوة هي، و لو ما سكتيش هاروح لجوزك و اقوله عماله تقولي علي ابن عمه إنه قمر ومز، خليه يوريكي القمر و النجوم في عز الضهر"
ابتلعت شيماء لعابها بخوف أخفته خلف ابتسامة
"كدة يا ديجا، أخس عليكي أنا كنت بهزر و بفضفض معاكي بكلمتين، عايزة تقولي لطه عشان يعمل من لحمي شاورما"
ضحكت خديجة رغماً عنها من حديث صديقتها المضحك فقالت لها
"بدل ما تخافي من أخويا، خافي من ربنا الأول حتي لو قصدك هزار، ما ينفعش تتأملي في راجل مش من محارمك و تقعدي توصفيه كدة"
"ما خلاص بقي يا شيخة خديجة مكنوش كلمتين قولتهم، بس سيبك أنتي مني دلوقتي، هو أنتي بتعرفي تتعاملي معاهم إزاي، قصدي عرفتي تتأقلمي علي عيشتهم؟"
تعلم الأخرى بمدي طيبة زوجة أخيها التي تجعلها تتحدث بأسلوب ينفر منه البعض، أو يأخذونه علي محمل سيئ.
"أنا و آدم بقالنا تسع سنين متجوزين، يعني كل واحد فينا عارف طباع وعادات التاني، أي نعم أتربيت في الحارة بس أتعلمت بسرعة إزاي أتعايش وأبقي منهم، و في نفس الوقت محافظة علي تعاليم ديني"
"الله يقوي إيمانك أكتر وأكتر يا أخت خديجة"
قالتها شيماء بسخرية مازحة، نهضت الأخري وأخبرتها بمزاح أيضاً
"أنا حاسة بسخرية في كلامك، لما أقوم أطمن علي أخويا و أقوله علي القمر"
قبضت صديقتها علي رسغها بكلا يديها
"رايحة فين يا مجنونة، أنا بهزر معاكي"
جلست خديجة وتبتسم بانتصار
"و أنا كمان كنت بهزر، يلا يا جبانة"
༺※※※༻
وبالعودة إلي الخارج، ينبعث الدخان من الفحم بقوة بعد أن ألقي مصعب عليه الماء
"أخيراً خلصنا شوي"
"أنا هاروح أغسل إيدي و هاغير هدومي اللي بقت كلها ريحة دخان"
تفوه قصي فقال له آدم
"أطلع أوضتي فوق وألبس اللي يعجبك"
"أنا عامل حسابي وجايب معايا هدوم إحتياطي"
فقال يوسف
"و أنا كمان هاطلع أخد shower وأغير و نازلكم علي طول، بس أوعوا تاكلوا من غيري"
ضحك يونس وقال
"أنت بتقول لمين ما تاكلوش، ده مصعب وآدم هيقوموا بالسفرة لوحدهم"
رد آدم ويلكز شقيقه بالهوائية ذات الريش
"لما إحنا كدة أومال أنت تبقي إيه"
عقب ياسين وقد تملك الضحك منه
"يونس يبقي من نسل يأجوج ومأجوج، يقضي علي الأخضر واليابس"
دنا يونس نحو أسفل الشجرة حيث يوجد غصن خشبي غليظ، رفعه لأعلي وكأنه سيضرب أحد به
"ده مين ده ياض اللي من نسل يأجوج و مأجوج، و ربنا لوريك "
ركض ياسين وخلفه يونس في الحديقة، ركض الأطفال ليروا الأثنين فأخذوا يضحكون
و في الداخل، مر يوسف وألقي التحية علي النساء، فرد جميعهن، وقفت علياء منادية
"يوسف أستني"
نهضت واقتربت نحوه
"حمدالله علي السلامة يا حبيبي"
رد باقتضاب
"الله يسلمك"
"أنجي عاملة إيه دلوقتي؟"
"تمام كويسة، خرجت الصبح بعد ما غيرتلها علي الجرح"
تنفست الصعداء ثم قالت
"الحمدلله، أنا كنت خايفة أوي"
سألها و نظرة غموض جلية داخل عينيه
"خايفة عليها و لا منها؟"
لم تفهم مغذي سؤاله
"قصدك إيه؟، أنا كنت فعلاً خايفة عليها، مهما كان دي أم لوچي و عمري ما أتمني الموت لأي حد حتي لو عدوي، و بعدين هخاف منها ليه، أنا عمري ما هحتك بيها تاني خالص"
"حصل خير يا علياء، عن إذنك أنا طالع أغير هدومي"
"طيب ممكن طلب و ياريت ما تنسي؟"
"قولي"
"أنا نسيت الفون بتاعي فوق علي التسريحة ممكن تجيبو معاك و أنت نازل؟"
أومأ لها قائلاً
"حاضر"
"حبيبي ربنا ما يحرمني منك"
ربت علي كتفها ثم تركها واتجه نحو الدرج، لاحظت لوچي أن والدها سيصعد إلي أعلي، نهضت فأوقفتها علياء
"رايحة فين يا لوچي، إحنا هنتغدي دلوقت"
أجابت الأخري والتوتر يبدو واضحاً علي ملامحها
"نسيت حاجة فوق، هطلع أجيبها ونازلة علي طول"
كانت خطواتها أقرب إلي الركض، و السبب إنها قد نست هاتفها في الأعلى في غرفة والدها وعلياء، تذكرت أمر عمر إذا قام بالاتصال بها ووالدها في الغرفة.
كان يوسف قد دلف للتو، يخلع سترته وربطة العنق ثم ساعة يده، اتجه إلي الحمام، أوقفه صوت رنين هاتف، ألتفت إلي مصدر الصوت وجد هاتفين علي طاولة الزينة أحدهم لزوجته والأخر لابنته.
رأي أن الرنين صادراً من هاتف علياء و المتصل
«أسر»!
أمسك الهاتف وتردد في أن يجيب أم لا، أنتهي الرنين و ما هي إلا ثوان وجاءت رسالة واردة، يظهر نصها المتحرك علي شاشة القفل
«علياء لما تشوفي المكالمات والرسالة كلميني ضروري، عايزك في حاجة مهمة»
قرأ ذلك النص مراراً وتكراراً، الوسواس ينهش أذنه و يحتل رأسه، كلمات طليقته قد يكون بعضها صدق، عليه أن يترك الأمور تسير بشكل طبيعي دون أن يتدخل أو يجعل زوجته تنتبه إلي مراقبته لها، حيث قرر إنه سيأخذ وضع المراقب حتي يمسك ولو دليلاً واحداً وحينها سيكون لها القاضي والجلاد!
فُتحَ الباب فجاءة و ظهرت لوجي التي رأت والدها يمسك بهاتف زوجته وتركه بمجرد رؤيته لها
"فيه حاجة يا لوچي؟"
أجابت وعينيها ما بين النظر إلي هاتفها ثم إلي والدها
"كنت بدور علي الفون بتاعي"
أمسك بالهاتف ومد يده به إليها
"أتفضلي"
أخذته وحاولت إخفاء القلق والتوتر خلف ابتسامة قائلة بإمتنان
"thank you dad"
ذهبت سريعاً وأغلقت الباب ورائها.
༺※※※༻
تجتمع العائلة حول المائدة، و علي رأسها قصي لأنه كبير العائلة الآن و علي يمينه صبا ومالك و علي شماله مصعب جواره ملك ويليها ابنتيها مليكة ونور، ثم يوسف وجواره علياء وابنها عزالدين وشقيقته لوچي، وفي الجهة المقابلة جوار مالك عمه آدم و يليه خديجة وجوارها يوسف الصغير والتي تجلس بجانبه زينب الصغيرة بينه و بين عمتها كارين ويليها ابنتها چوليانا و ابنها رسلان ثم يونس الذي يجلس في الجهة المقابلة له طه وجواره شيماء وابنها سالم وتليه شقيقته ريتاچ وتجلس بجوارها ياسمين الصغيرة والتي بجانب والدها الذي يتأمل هذا المكان، يشم رائحة ياسمين زوجته عندما كانت تعمل هنا، كيف كان يقترب منها ويشاكسها، حتي حدث المحظور، وبرغم ندمه الشديد علي ما فعله بها، لكنه كان و مازال يعشقها.
"بالمناسبة السعيدة دي و إننا كعيلة متجمعين يارب ديماً في كل خير، أقولكم باركوا لياسين هيخطب رودينا صاحبتي"
تفوهت ملك بكلمات انتبه إليها شقيقها الذي جز علي أسنانه و حدق إليها معاتباً وغاضباً في آن واحد، فهو لا يهتم بهذا الأمر فلماذا هي تخبرهم بشأن يخصه هو؟!
هل تخشي أن يتراجع عن قراره و بإعلانها هذا تجعله مُقيد بالإجبار في زواجه من صديقتها؟!
"ده أنا مش مصدق نفسي أخيراً، ما كنا قاعدين معاك من بدري ما قولتش يعني"
قالها آدم فعقب يونس قائلاً
"و رودي قصدي رودينا بنت زي القمر وعاقلة وهادية"
لكزته كارين بمرفقها في ذراعه فتأوه
"أتلم"
"والله ما قصدي أعاكسها، أنا بقوله علي مميزاتها بس"
"ألف مبروك يا ياسين"
قالها قصى، فأجاب ياسين
"الله يبارك فيك"
تلقي التهنئة من الجميع فسألته صبا
"و أمتي الخطوبة؟"
"لسه هاقابل باباها وهانحدد مع بعض، و غالباً هتبقي خطوبة وكتب كتاب"
"كتب كتاب علي طول كدة، ليك حق ما أنت عازب بقالك أكتر من سنتين"
قالها مصعب فضحك الجميع ما عدا ياسين الذي نهض بعد أن شعر بالضيق والاختناق
"الحمدلله"
سأله يونس الذي فطن السبب
"أجي معاك نتمشي شوية ونشربلنا سيجارتين"
"لاء خليك كمل أكلك، أنا شوية وراجع"
ذهب تحت أنظارهم جميعاً، فقالت ملك
"أنا حاسة إنه أتضايق لما قولتلكم"
أخبرها آدم
"مش أنتي السبب، كلنا عارفين إنه لسه متعلق بذكرياته مع ياسمين الله يرحمها، و متأكدين عمره ما هيقدر ينساها"
مسح قصي فمه بالمحرمة وعلق علي حديث أخوته
"أنا شايف إنكم تسيبوه علي راحته، دي حياته، و هو ما حبش غير مراته، يعني لما يتجوز صاحبة ملك هيعاشرها بالمعروف ويمكن من معاملتها الكويسة ليه يحبها، بس مش هيكون بنفس درجة حبه لمراته الله يرحمها"
تدخلت كارين بنبرة تنبع من الحزن والأسف علي حال شقيق زوجها
"بس ده هيبقي ظلم لرودينا وظلم لنفسه في نفس الوقت"
قالت ملك التي شعرت بالحيرة والقلق علي صديقتها، تخشي ما قاله قصي، فقالت
"ليه بنسبق الأحداث، مش يمكن مع العِشرة يحبها، كلنا بنحب ياسمين الله يرحمها، بس برضو ده أخويا و مش هفضل شيفاه متعذب بسبب فراق مش بإيديه وعايش علي الأطلال، و لا أنت إيه رأيك يا مصعب؟"
كان مصعب مندمجاً في تناول الطعام، تدخلت زينب الصغيرة قائلة
"عمو مصعب مش هايسمعك يا عمتو عشان عمال ياكل الطبق بتاعك"
نظر الجميع إلي مصعب الذي كان يأكل بالفعل الطعام من صحن ملك، قهقه آدم وقال مازحاً
"كدة يأجوج ومأجوج زادوا واحد بعد يونس"
نهض يونس وصاح مازحاً
"إيه يا باشمهندش آدوم، هي الحفلة النهاردة عليا و لا إيه؟"
أمسكت كارين يده ليجلس وتكتم ضحكتها، فجلس زوجها وأخذ يبحث بعينيه في الصحون الكبيرة، فقال إلي ابنة شقيقه
"بالله عليكي يا لوچي ناوليني حتة الريشة الكبيرة عشان من بدري هاموت عليها"
انفجرت كارين ضحكاً وتبعها الجميع..
༺※※※༻
بعد انتهاء الغداء، تجمعوا في الحديقة وتبادلوا الأحاديث، و أخذ الأطفال يمرحون ويتناولون الحلوى و الحادق التي صنعته كارين.
ذهب كل من قصى وآدم ومصعب لدي الإسطبل وركب ثلاثتهم الخيول، كل واحد علي حده، و قاموا بالمسابقة تحت تشجيع زوجاتهم، وفي النهاية تفوق عليهم قصي ليصبح في المقدمة.
و في مكان قريب قام كلا من يوسف و طه ويونس يلعبون ألعاب إلكترونية «playstation»
وبعد انتهاء كل منهم من ممارسة ما يحبونه تجمعوا داخل القصر، و تبادلوا السمر من ذكريات أو التكلم عن أحداث هامة.
حتي قاطعتهم ملك جميعاً
"كفاية بقي كلام عن الحوادث والبيزنس، إحنا جايين نقعد مع بعض ونفرح، بس إحنا نسينا أهم حاجة المفروض كنا بدأنا بيها أول ما اتجمعنا"
سألها قصي
"إيه هي؟"
"إننا نقرأ الفاتحة لبابا الله يرحمه، بالتأكيد هو حاسس بينا ومبسوط إننا مهما أنشغلنا عن بعض وبعدنا بنتجمع من تاني، الدنيا والمشاغل بتلهينا وبتخلينا نفقد أحلي أوقاتنا مع أهلنا وحبايبنا، ولما يجري بينا العمر أو بنفقد اللي بنحبهم نقول ياريت"
عقبت خديجة
"فعلاً عندك حق، عشان كدة لازم نعملها عادة كل أسبوع أو كل شهر حتي، نتجمع كلنا و يبقي فيه ود ما بينا وبين أولادنا، عشان لما يكبروا يبقوا مع بعض عيلة وعزوة ومفيش حاجة تفرقهم"
قال طه
"نقرأ الفاتحة علي روح عمي وروح بابا الله يرحمهم"
رفع الجميع أياديهم وقاموا بتلاوة سورة الفاتحة، فقال يونس
"و لا الضالين آمين، صدق الله العظيم"
لاحظ أن ياسين مازال غير موجود، فنهض وأخبرهم
"أنا طالع أطمن علي ياسين"
༺※※※༻
و في الأعلى في غرفته القديمة، يتمدد علي مضجعه، يضع يديه علي الفراش ويتأمل كل ركن وكأنه يراها في كل مكان داخل الغرفة،
يمسك إطار خشبي صغير يحمل صورة تجمعه مع زوجته علي شاطئ البحر، كم كان يشعر بالسعادة حينها، كأنه يملك كنوز العالم بين يديه، و بين ليلة وضحاها تحولت الكنوز إلي الثري.
طرق علي الباب وقام بالإستئذان
"ياسين، أفتح أنا يونس"
أخبره الأخر بصوت مرتفع
"أدخل يا يونس، الباب مفتوح"
دخل ليري شقيقه يجلس في حالة يرثي إليها، جلس بجواره وقال
"لما أنت مش قادر تنسي مراتك الله يرحمها، ليه هتظلم معاك صاحبة أختك؟!"
نظر إليه ياسين والحزن يفيض من عينيه
"أنا مش هظلمها، هي بتحبني وعايزاني ليها"
"طيب وأنت؟"
نظر الأخر أمامه وظهرت ابتسامة يسخر بها من حاله
"أنا؟!، أنا موتّ مع ياسمين من زمان، اللي قدامك ده مجرد واحد عايش حلاوة روح"
"أنا بجد مش فاهمك، و لما أنت زي ما بتقول إيه لازمتها تتجوز واحدة وتعيشها في المآساه اللي أنت عايش فيها"
نظر إليه في صمت لثوان ثم ترك قلبه هو من يجيب
"مش لما حد بيتعب والمرض بيتملك منه و يبقي بين الحيا والموت، بيروح للدكتور يديله الدواء؟"
"قصدك إن...
قاطعه ياسين بإيمائه من رأسه
"رودينا هي الدوا اللي ممكن يرجعني للحياة"