تحميل رواية غرام الذئاب بقلم ولاء رفعت علي pdf
بقلم ولاء رفعت علي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
༺الفصل الأول༻ بقلم ولاء رفعت ~ما بين الحب والفراق~ ما بين الحب و الفراق هناك وعد ووفاء... توالت السنوات بيننا و خوضنا معارك مع الحياة... كدت أفلت يدي من قبضتك فكان ذراعك الذي أحاط جسدي هو طوق النجاة... يا مَنْ سكن عشقك صدري لن تجد وطنا سوي فؤادي... أهلكت حصوني حتي اذاب صهر عذابك قراميدها... رفعت رايتي البيضاء واستسلمت... و ها أنا للتو في حرم سلطانك أقدم لك فروض الطاعة والولاء. استيقظت للتو من النوم وتبحث بجوارها عنه ولم تجده مثل الأمس، فكما أخبرها في اتصال هاتفي لديه رحلة عمل في دولة مجاورة و عل...
رواية غرام الذئاب الفصل الأول 1 - بقلم ولاء رفعت علي
༺الفصل الأول༻
غرام الذئاب
بقلم ولاء رفعت
~ما بين الحب والفراق~
ما بين الحب و الفراق هناك وعد ووفاء... توالت السنوات بيننا و خوضنا معارك مع الحياة... كدت أفلت يدي من قبضتك فكان ذراعك الذي أحاط جسدي هو طوق النجاة... يا مَنْ سكن عشقك صدري لن تجد وطنا سوي فؤادي... أهلكت حصوني حتي اذاب صهر عذابك قراميدها... رفعت رايتي البيضاء واستسلمت... و ها أنا للتو في حرم سلطانك أقدم لك فروض الطاعة والولاء.
استيقظت للتو من النوم وتبحث بجوارها عنه ولم تجده مثل الأمس، فكما أخبرها في اتصال هاتفي لديه رحلة عمل في دولة مجاورة و عليه الحضور للأهمية و سوف يأتي اليوم، و من المفترض سيأتي إليها لدي الشركة خاصتها، نهضت علي الفور بنشاط و حيوية، ولجت إلي داخل المرحاض وفي دقائق انتهت من رويتنها اليومي.
قامت بإجراء اتصال هاتفي وانتظرت ريثما يجيب، لكن لا إجابة، كررت الاتصال وتلقت عدم الرد مرة أخري، زفرت باستياء لأنه تريد أن تخبره اليوم هو افتتاح شركة تصميم الأزياء.
ذهبت سريعاً إلي غرفة الثياب وأخذت تبحث عن الثوب الذي أعددته مسبقاً، كان ثوب باللون الأحمر القرمزي مثل لون التوت، أخذته وقامت بخلع المشجب الخشبي منه ثم شرعت بارتدائه، ألقت نظرة علي نفسها أمام المرآة، كان ثوب بأكمام تصل إلي الرسغين و ذو فتحة رقبة مفتوحة علي شكل مثلث مقلوب، ضيق من الصدر و يتسع من الخصر، يصل إلي أسفل ركبتيها، لقد صُمم خصيصاً لها من قبل أمهر مصممات الأزياء التي تعاقد معها زوجها و جلبها لها خصيصاً من باريس.
وقفت أمام مرآة الزينة وأخذت تصفف شعرها ثم وضعت لمسات من المستحضرات التجميل لا سيما قلم الحمرة التي برزت جمال شفتيها، والخط الأسود الرفيع علي حافة جفنيها، فبدت كملكة جمال حقبة الستينات، أكمل هذه الهيئة حذاء أسود ذو كعب مرتفع.
انتبهت إلي طرق الباب، رفعت رأسها وقالت:
"اتفضلي يا داده زينات"
ولجت الأخرى فأردفت صبا تسألها:
"مالك و زينب فين؟"
"فطروا و قعدوا يلعبوا في الجنينة و بعد كدة طلعوا علي أوضتهم مالك بيلعب بلايستيشن وزوزو نامت"
نهضت و اتجهت إلي غرفة الثياب مرة أخري باحثة عن حقيبة يدها:
"بالله عليكي يا داده خدي بالك منهم لحد ما أرجع، و أدعي لي إن اليوم يعدي علي خير"
رفعت الأخرى كفيها في وضع الدعاء:
"يارب يا صبا يا بنت إيمان شركتك تنجح و تبقي أكبر دار أزياء في العالم"
رددت عقبها:
"يارب"
التقطت الحقيبة وأخذت تضع بداخلها متعلقاتها، اقتربت منها زينات تربت عليها بحنان:
"أطمني علي عيالك دول ولادي و في عينيا، تروحي وترجعي أنتي و أبوهم بالسلامة"
ننتقل إلي حفل الافتتاح حيث بهو الشركة المزين بالبالونات ذات اللون الأحمر و أخري أسود، و زينة ذهبية و بالونات مثلها علي هيئة حروف تشكل اسم الشركة "Seba Group"
كان أغلب الحضور من النساء وسيدات المجتمع، أتوا جميعهن لحضور هذا الافتتاح المهيب و رؤية العرض الأول للأزياء التي صممت علي يد مصممة فرنسية شهيرة.
كان من بين الحضور و قمن بمشاركتها لحظة نجاحها كلا من كارين و علياء زوجات أشقاء زوجها، و كذلك شقيقته الصغرى ملك، بينما خديجة اعتذرت عن الحضور من أجل حالتها المرضية أثر عملية استئصال المرارة.
نعود للأجواء مرة أخري فالحفل منظماً و رائعاً، يتراص المصورون و الصحفيون علي جانبي ممشي العرض يلتقطون صور العارضات، بينما هي تقف داخل مكتبها تشعر بالقلق علي زوجها الذي لم يجب علي اتصالاتها، فهو قد أخبرها بالأمس في الهاتف إنه سيأتي ليشاركها تلك اللحظة، زفرت بسأم فانتفضت عندما قامت إحداهن بالنداء عليها:
"مدام صبا؟"
ألتفت إليها:
"نعم"
أخبرتها مساعدتها:
"أتفضلي حضرتك علي الـ carpet، الناس برة مستنياكي"
أومأت لها وقالت:
"حاضر، أنا جاية"
تركت هاتفها أعلي المكتب بعد أن شعرت بالسأم، ودت لو حضر الآن قبل أن تصعد علي المنصة و تلقي خطاب الترحيب بالحضور.
و في الخارج عندما ظهرت سقف لها الجميع، رفعت كارين يديها لها بتشجيع و برزت إصبعها الإبهام كدلالة علي إعجابها و انبهارها بإنجازاتها، ابتسمت إليها بامتنان و هزت رأسها قائلة:
"شكراً ليكم، شكراً علي تلبية الـ invitation"
ابتلعت ريقها بتوتر ثم تابعت:
"يارب يكون الـ show عاجبكم...
ظلت تتحدث وبداخلها خليط من التوتر والسأم، لأول وهلة تشعر إنها وحيدة من دون وجوده معها في هذه اللحظة، فهو الداعم والمشجع لها كما وعدها عندما قام بالتصالح معها في اليخت.
ها قد قاربت علي الانتهاء من حديثها:
"و في النهاية أشكر زوجي وأبو أولادي علي دعمه ليا، و أهديه كل نجاح هاحققه إن شاءالله"
تعالي السقف وتردد في الأرجاء، لم تتحمل الوقوف أكثر من ذلك فأومأت لهم بشكرٍ ثم ذهبت سريعاً إلي الداخل متجهة نحو غرفة مكتبها و دبيب قلبها يسبق خطواتها.
فتحت الباب وتعجبت من الظلام، فهي قد تركت الغرفة مضيئة، أخذت تبحث عن زر الإضاءة فانتفضت فجأة عندما أُغلقَ الباب، شهقت بخوف والتفتت، كادت تخطو نحو الباب فاصطدمت بجسد هذا المنتظر والمشتاق إليها، أطمئن فؤادها حينما قال لها بصوته الأجش:
"كل سنة و أنتي معايا"
اشتعلت المصابيح والتي تتنوع ما بين اللون الأحمر والأصفر الذهبي، أخذت تنظر من حولها و عيناها تنضح بعدة أسئلة، و بفطنته علم دون أن تنطق بها، حاوط خصرها بيديه قائلاً:
"أنا لسه واصل من عشر دقايق، أول ما أنتي خرجتي من المكتب، و أنا اللي زينت المكتب بنفسي"
أشار إليها نحو البالونات الطائرة في الهواء، أخرج هاتفه و ضغط علي مشغل الموسيقي، بدأت معزوفة رومانسية في العمل، استدار بزاوية و حمل بين يديه صندوقاً مغلف بالمخمل الأحمر و مزدان بشريط من الحرير الأسود، وضعت كفها علي شفتيها بسعادة تغمرها
"أنا لو جيبت لك كل كنوز الدنيا بين إيديكي، برضو هيبقي قليل عليكي"
حدقت إليه بنظرة تفيض من الحب والشوق الكثير والكثير، أخذت الصندوق من يديه وقالت:
"بصراحة خوفت لتنسي حفلة الإفتتاح و ماتجيش، كنت مستنياك"
ابتسم بحب ووداعة يخبرها بكل ما يكنه لها من العشق:
"عمري ما أنسي أي حاجة تخصك، و زي ما أنتي عارفة أنتي هنا و هنا ديماً"
أشار إلي قلبه ثم إلي رأسه، تركت الصندوق أعلي المكتب و ألقت بجسدها بين ذراعيه تعانقه بقوة، تستنشق رائحة عطره بقوة، تقترب بشفتيها نحو أذنه لتهمس إليه بعشق واشتياق:
"واحشني"
وقامت بطبع شفتيها علي عنقه نتج عنها إضرام نيران قد اشتعلت للتو في جسده، و ما هي سوي نيران الشوق والولع، وضع كفه علي خدها يداعب بشرتها الملساء، و عيناه تنضح بكل ما يشعر به في تلك اللحظة الحالمة:
"مش أكتر من شوقي ليكي"
أختتم جملته بقبلة يسبقها الهدوء ما قبل العاصفة، ألتهم شفتيها بنهم معانقاً إياها بقوة وكأنه سيفقدها إذا ابتعدت.
همهمت بصوت لم يتمكن من الخروج من شفتيها الأسيرة بين خاصته، أبتعد بلهاث ينظر إليها يسألها:
"فيه إيه؟"
ابتسمت وأشارت إليه بعينيها نحو الباب قائلة:
"ممكن حد يدخل علينا دلوقت"
ذهب نحو الباب وقام بوصده بالقفل الداخلي ثم عاد إليها و يخلع سترته فامتدت يده إلي ربطة العنق ليقوم بفكها:
"أطمني قايل للـ security يقف علي أول المدخل اللي برة و ممنوع حد يعدي حتي من قدام المكتب"
ارتفع حاجبيها وسألته بتعجب وسعادة في آن واحد:
"أنت ناويها بقي؟"
ألقي الربطة فوق المكتب وكاد يفك أزرار قميصه:
"بحتفل بشغل مراتي بس علي طريقتي"
غمز بعينه، سبقت يديها يديه نحو أول زر في قميصه قائلة بدلال جعل خلايا جسده تحترق عشقاً:
"تسمح لي أشاركك في الاحتفال"
بدأ احتفال الملك وزوجته علي أضواء الحب المتوهجة مثل قلوبهم المتقدة بنيران العشق الأسر، يطوقها بذراعيه و أنطلق بها في رحلة ذهاب أعلي غيوم العشق الوردية بينما العودة من الرحلة ستكون آمنة علي أرض الوطن، فموطنها صدره الحنون الذي يحتويها دائماً في كل اللحظات لديها، الحزن قبل الفرح، فهو شريك كل لحظة فرح و أمل و نجاح معها بل هو شريك عمرها، و هي لديه كما وشمَ أعلي صدره _ صبا القلب والروح _.
❈-❈-❈
و في الخارج تجلس لوچي تنظر إلي شاشة الهاتف كل فينة والأخرى حتي انتبهت إليها علياء
"فيه حاجة يا لوچي؟"
ابتسمت الأخرى بتوتر وأجابت باستنكار
"لاء يا لولو، مفيش قصدي يعني كنت مستنية واحدة صاحبتي هتعدي عليا عشان رايحين نزور واحدة صاحبتنا تعبانة بقالها كام يوم"
"طيب ليه مقولتيش كنت روحت أنا و أنتي و زورنا صاحبتك قبل ما نيجي علي هنا"
ابتلعت لعابها و مازالت ترسم البسمة علي شفتيها لتخفي توترها الناتج عن الكذب
"مفيش داعي أتعبك معايا، هي ساعة زمن و هاروح علي القصر علي طول، خليكي هنا مع unte كارين وصبا، و لو في أي حاجة هاتصل عليكي، Don't worry "
أومأت إليها زوجة ابيها و ابتسمت
"روحي و ما تتأخريش"
نهضت من جوارها و دنت منها لتعطيها قبلة علي وجنتها ثم ذهبت مسرعة إلي الخارج، غادرت الشركة و المكان بأكمله وقامت بالاتصال علي الذي ينتظرها، وضعت الهاتف علي أذنها و تسير دون انتباه، و إذا بيد تجذبها نحو مكان هادئ بعيد عن الأنظار، شهقت حينما نظرت إليه
"عمر؟"
"قلبه، كل ده عشان أشوفك؟!"
ابتسمت بخجل و تجذب ذراعها من قبضته الحانية، تتهرب من نظراته المصوبة نحو عينيها، يكفي قربه المهلك هذا.
"مكنش هاينفع أخرج غير لما يخلص الديفليه، unte صبا كانت هاتزعل مني"
رفع يده وأخذ يلمس خصلات شعرها المحيطة بوجهها
"أنا اللي كنت هازعل لو مكنتش شوفتك، أنتي وحشاني أوي أوي"
أبعدت يده عن خصلاتها
"عمر please، ما بحبش الحركات دي"
ابتسم و رفع كفيه
"أنا كنت بس بزيح شعرك عشان بيداري عني القمر اللي أنا شايفه قدامي"
نظرت إلي أسفل بخجل و تخضبت وجنتيها بالحمرة، اطلق ضحكة علي هيئتها
"ده أنا شكلي مش هابطل غزل فيكي عشان اشوف خدودك الحلويين دول"
"بس بقي يا عمر"
غمز بعينه وأومأ
"حاضر، يلا بينا بقي عشان نلحق نستمتع بالساعتين اللي هانخرج فيهم مع بعض"
رفعت وجهها و رمقت باستفهام
"ساعتين إيه؟، هي ساعة واحدة بس و لا دقيقة زيادة"
"طب يلا بينا عشان الساعة خلصناها و احنا واقفين و كمان محضرلك مفاجأة"
مد يده لها لتمسك بها لكن نظرت إليه ثم ليده فتقدمت نحو الإمام، هز رأسه
"ماشي هعديهالك المرة دي"
اتجه نحو سيارة سوداء، فتح الباب الأمامي وولجت إلي الداخل، أغلق الباب و ألتف إلي الجهة الأخرى حيث مقعد القيادة، جلس ثم انطلق بالسيارة ذات المظهر الفاره.
بعد قطع مسافة ليست ببعيدة صف السيارة أمام مرسي علي ضفة نهر النيل
"إحنا وقفنا هنا ليه؟"
"عايز أقضي وقتنا زي ما بتمني، مركب بشراع و أنا و أنتي والهوا و الميه"
انتهي من حديثه و ظل يحدق إليها، ابتسمت و تجلت السعادة علي وجهها
"هاتفضل باصص لي كده كتير؟"
"بملي عيني منك قبل ما الوقت يسرقنا"
نظرت إلي الجهة الأخرى بخجل فاردف
"رجعنا نحمر تاني"
و اطلق ضحكة اثارت حنقها فالتفت إليه ولكزته في كتفه، هبط كليهما من السيارة و سارت معه نحو المرسى، كان بانتظارهما صاحب المركب الشراعية، صعدت داخلها و تبعها، هيهات و أخذت المركب تبحر، كانت تشعر بالخوف فطمئنها حينما جلس جوارها و تشبثت بذراعه و تتلفت من حولها تخشي منظر مياه النيل الأزرق القاتم وانعكاس أشعة شمس العصر تجعلها تتلألأ كالزجاج.
رست المركب علي شاطئ في الضفة الأخرى
"عمر، احنا ما رجعناش ليه مكان ما ركبنا؟"
سألته وتنظر من حولها بقلق، أجاب ممسكاً بيدها لبث الطمأنينة إليها
"ما هي دي المفاجأة، حبيت أفرجك علي أحسن مكان برتاح فيه نفسياً، فيا سلام بقي لو المكان ده معايا فيه البنت اللي بحبها"
هبط من المركب و مد يده إليها لتستند عليها و تهبط هي الأخرى، أخرج من جيبه شريط من القماش
"ممكن تثبتي مكانك و تغمضي عينيكي؟"
"هاتعمل إيه؟"
"إيه يا لولو، بالتأكيد مش هخطفك هغمي عينيكي بس، من باب التشويق يعني للمفاجأة"
اغمضت عينيها
"أوك"
وضع الشريط علي عينيها وأمسك بيديها فسار بها نحو كوخ متطرف بين الزرع الكثيف، كل خطوة يتبعها قلق يداهم قلبها
"وصلنا؟"
"اه خلاص وصلنا، خطوتين كمان و هاشيل الشريطة وتقدري تفتحي عينيكي"
شعرت بقدميه قد توقفت ووقف خلفها ليزيح العُصابة من عينيها
"تقدري تفتحي عينيكي"
بدأت تفرج جفونها فبدأت الصورة ضبابية قليلاً حتي اتضحت الرؤية و رأت كوخاً خشبياً قد جاء من كتب أساطير العشاق، مبني من الخشب الأبيض المطلي حديثاً و يزينه بالونات حمراء اللون، موضوع أمام الباب باقة كبيرة من زهور الجوري الحمراء و جوارها صندوق هدايا أسود مُزدان بشرائط من الحرير الأحمر، لا تنكر مدى سعادتها عندما رأت هذا المنظر الذي اختطف قلبها من أول وهلة، لكن هناك ما يقلقها أو أثار الشك والريبة داخلها، تراجعت خطوة إلي الوراء و كانت علي وشك الرحيل
"أنا عايزة أمشي من هنا"
قاطع طريقها واقفاً أمامها
"رايحة فين، استني هنا أنتي فاهمة غلط"
"جايبني في مكان غريب و بعيد، و شايفه قدامي كوخ عايزني افهم إيه؟، أنا وافقت أخرج معاك اه، بس أي حاجة في دماغك انساها"
كاد يمسك يدها فأبعدت يده
"ما تلمسنيش"
رفع يديه في وضع الاستسلام
"حاضر مش هلمسك، بس أنا مش في دماغي أي حاجة خالص، أنا حبيت أجيبك المكان ده لأن بحبه أو لما بكون مخنوق باجي ارتاح فيه، و أنا مش برتاح غير في وجودك"
تنظر إليه في محاولة تصديق كلماته
"أنا عارف أنك خايفة و قلقانة بس أنا أحب اطمنك عمري ما هأذيكي، بالعكس أنا جايبك في أكتر مكان أمان، عايزك تثقي فيا"
أطلقت زفرة وأخبرته
"أوك، بس مش هانقعد كتير، شوية و هانمشي"
"حاضر، أهم حاجة تكوني مطمنة"
اتجه إلي باقة الزهور و الصندوق و حمل كليهما، مد يده بالباقة إليها
"كل عيد حب و أنتي معايا"
أخذت الباقة وابتسمت
"و أنت طيب"
"اتفضلي أفتحي الصندوق"
قام بإمساك الصندوق بكلا يديه، قامت بفتحه ظهر لها داخل الصندوق كم من الحلوى و الشوكولا، صاحت بفرح
"واو، الحلويات و الشوكليت اللي بحبها"
"و كل الأنواع المفضلة ليكي"
مدت يدها لتأخذ قطعة فأوقفها
"مفيش حلويات قبل الأكل، ده أنا مجهزلك أكلتك المفضلة"
ولج سوياً داخل الكوخ، فكان الداخل أروع من الخارج، الأرض مغطاة بأوراق الزهور، كاد يغلق الباب خلفهما أوقفته علي الفور
"لاء، سيبه مفتوح"
"سواء مفتوح أو مقفول مش فارقة، مفيش حد غيرنا في المكان، عموماً هاسيبه مفتوح عشان تكوني مطمنة"
ولج إلي الداخل، تركها تقف في وسط الردهة
"خدي راحتك، هادخل اعملنا أكلة حلوة عشان واقع من الجوع"
"كنا أتغدينا في أي مطعم أحسن"
جاء صوته إليها من داخل المطبخ
"لاء أنا هعملك أكلة عمايل إيديا و لا أجدعها شيف فيكي يا مصر، واثق إنها هاتعجبك"
"لما نشوف"
قالتها وكانت تتجول داخل الكوخ حتي انتبهت إلي وميض هاتفه، سيطر عليها الفضول فاقتربت من الهاتف ونظرت إلي الشاشة فوجدت اتصالا وارداً باسم «سارة»، انتابتها مشاعر الغيرة ولم تشعر بحالها سوي و هي تضغط علي قبول وتضع الهاتف علي أذنها، سمعت صوتاً أنثوياً
"ألو يا مازن، أنت فين؟"
شهقت بفزع عندما اختطف منها الهاتف وأغلق المكالمة سريعاً بل أطفأ الهاتف ذاته
عبست و سألته بعدم استفهام
"مين سارة و بتقولك يا مازن ليه؟"
ألقي هاتفه داخل جيب بنطاله و أخفي توتره
"دي أختي و بتحب تناديني مازن"
"لو هي أختك مش بترد عليها ليه؟"
"هاكلمها بعدين"
و إذا يجذبها علي حين غرة
"تعاليلي هنا بقي، إحنا فينا من أولها مين دي و تفتشي الفون؟"
"ياريت تجاوب علي سؤالي"
"ما أنا جاوبتك، مش مصدقة إنها أختي، ممكن أتصلك عليها حالاً و أعمل speaker عشان تسمعي بنفسك"
بدي علي وجهها الراحة بعد أن استشعرت صدق ما يخبرها إياه
"مفيش داعي تعمل كدة، دي حياتك و أنت حر فيها"
التقطت حقيبة اليد خاصتها و كادت تذهب، امسك رسغها و منعها من ما هي مقبلة عليه
"لوچي"
تنهدت ثم حدقت إليه
"نعم؟"
"أنا مش خاين، و لا عمري هاخونك، لأن أنا من أول مرة شوفتك فيها حاجة شدتني ليكي، والانجذاب اتحول لحب، و اللي بيحب حقيقي عمره ما بيخون اللي بيحبه"
اقترب منها فلا مفر لها، خلفها الحائط الخشبي وأمامها هو، يحاصرها بأنفاسه و بكلماته التي طرقت علي باب فؤادها فانفتح علي مصرعيه، ابتلعت لعابها وصوت النبض يدق كالناقوس داخل مسامعها، اغمضت عينيها وتخبره بشق الأنفس وهي تخشى أن يرى ضعفها
"عمر، please ابعد"
"و لو ما بعدتش؟، هاتعملي إيه؟"
استند بيديه علي الجدار حيث احاط بها من كلا الجانبين، كانت بين قاب قوسين و شفتيه علي مقربة شديدة تفرقت عندما تابع
"هقولك أنا"
لم يعط لها فرصة للاعتراض وباغتها بقبلة يتخللها عناق، قاومت قليلاً و هيهات وأصبحت المقاومة في مهب الريح!
❈-❈-❈
تمسك بيد صغيرها وتقف أمام منزل في حي هادئ، تنتظر هذا الشيخ الكبير يفتح البوابة الحديدية الصدأة والتي اصدرت صوت اصطكاك مزعج
"اتفضلي يا ست أم حمزة، و خدي دول نسختين مفاتيح واحد للشقة وواحد للبوابة، مفيش حد غيرك هايسكن هنا، و لو محتاجة أي حاجة رقمي معاكي، كلميني علي طول"
"تسلم يا حج"
و ربت علي رأس ابنها بحنان
"وأنت يا حمزة خد بالك من ماما"
ابتسم إليه ببراءة وردد بطريقة حديثه الخاصة
"حمزة بيحب ماما أوي"
بادله العجوز الابتسامة وعقب
"ربنا يباركلك فيه، هستأذن أنا بقي"
ولجت داخل الفناء ثم فتحت باب المنزل، أخذت تنظر من حولها، ها قد عادت إلي الفرار والوحدة من جديد، كانت لا تريد فعل ذلك بعد أن حيا قلبها بعشقه و أصبح الحب بينهما قولاً و فعلاً، لكن ما حدث ذلك اليوم التي أصبحت فيه ملكه قلباً و قالباً جعلها تراجعت آلاف الخطوات إلي الوراء.....
«حدث سابقاً»
لم يشعر كليهما بصوت مقبض باب الغرفة، يتحرك ببطيء فانفتح الباب و ظهرت قدمان ترتدي صاحبتها حذاء أسود ذو كعب مرتفع، تسمرت في مكانها عندما رأت ابنها غارقاً في بحور عشق الخادمة التي انجبت من شقيقه سِفاحاً وقام زوجها بتصحيح هذا الوضع و جعلها زوجة ابنه الذي كان قد توفى، و كل ذلك تم عبر الأوراق الرسمية ليصبح ابن ولده حفيده الشرعي و قبل وفاته قام بكتابة كل أملاكه باسم الحفيد، لم يكن يعلم حينها أن تلك الأفعى الشيطانة زوجته و أم ولديه لن تظل مكتوفة الأيدي، قامت بالتخطيط كلاعب الشطرنج، تراهن علي الفوز بتحريك الحصان، و كانت لا تدري أن هذا الحصان سيقع في عشق أنثاه و يحميها من بطشها بل ويخبئها في مأمن بعيداً عن أذرع شرها، و بذلك سيضرب كل ما خططت إليه في عرض كل الجدران التي ظلت حبيسة داخلها لأيام قبل أن تعلم بعنوان هذا المنزل من أحد رجالها المخلصين.
أبيضت مفاصل أنامل يدها التي تمسك بمقبض الباب، صاحت و كأن تمسك نجلها بالجرم المشهود مع زوجته!!
"أحمد؟"
انتفض كليهما و ردد ابنها
"ماما!"
حدقت نحوهما بازدراء وباقتضاب أمرته
"ألبس هدومك، هستناك في الـ living room "
خرجت وأغلقت الباب خلفها بعنف، بينما هو ألتفت إلي علا التي كانت في موقف لا تُحسد عليه، أمسك يدها وشعر بالرجفة التي تسري في جسدها
"مش عايزك تخافي من أي حد و لا من أي حاجة طول ما أنا معاكي"
نظرت إليه بعينين يغلب عليهما الخوف والتوتر
وكان لسانها يعجز عن الرد اكتفت بهز رأسها فأكمل ويحيط وجهها بين كفيه
"خليكي هنا لحد ما أجيلك"
و اقترب بشفتيه نحو جبهتها فقام بتقبيلها ثم ابتعد رويداً فنهض، و في الخارج تقف في منتصف الردهة تعقد ما بين حاجبيها، تتأمل صورة ولدها المعلقة علي الحائط، تحدق بتحديٍ سافر و يدور في رأسها ألف وعيد حتي انتبهت مسامعها إلي صوت خطواته بالقرب منها
"مش هسألك عرفتي منين مكان شقتي، بس ممكن اعرف إيه سبب زيارتك المفاجأة؟"
أطلقت زفرة ودون أن تكلف نفسها عناء الالتفات له فأجابت ومازالت موليه ظهرها إليه
"جيت عشان أشوف خيبتك للمرة التانية، و أشوف بعيني و أنت في حضن البت الخدامة اللي قدرت تضحك علي أخوك و بعدها أبوك و للأسف قدرت توقعك أنت كمان"
كان يستمع إليها و يجز علي أسنانه فعقب قائلاً
"أولاً هي ليها اسم و ثانياً مفيش داعي لكلامك اللي أنا و أنتي عارفين كويس حقيقة اللي حصل، إما ثالثاً و أخيراً علا تبقي مراتي علي سنة الله و رسوله، و اللي شوفتيه جوه ده شيء طبيعي ما بين أي راجل ومراته"
وإذا بها تتلفت فجأة وصاحت برفض
"أنا ما بتكلمش علي اللي كنت بتهببه معاها، أنت فاهم قصدي كويس، أنا عارفة من أول يوم لما جبناها هي وابنها علي الفيلا أنت أول ما شوفتها دخلت دماغك وعاجبتك، و لما اتفقت معاك تتجوزها عشان نخلص من الكارثة اللي باباك عملها فينا و تبقي تحت عيننا هي و ابن أخوك، طبعاً قلبك الحنين وقع في حبها وقدرت تقنعك أنك تسيب الفيلا، أنا عديتلك كتير قبل كدة لكن المرة دي مش هاسكت"
يقسم داخله أنه يرى في عينيها شر يتطاير، خفق قلبه وجلاً علي زوجته فتعمد قول ذلك عله يتقي شر والدته لكن هناك من فتحت باب الغرفة قليلاً بعد أن انتهت من ارتداء ثوب محتشم، سمعت قوله الزائف
"و ليه ما تقوليش إن أنا حبيت أثبتلها حبي ليها عشان تثق فيا و أعرف أنفذ اتفاقي أنا و أنتي"
اقتربت منه ووضعت يدها علي كتفه
"أنت بتضحك عليا و لا علي نفسك؟!، و لا تكون فاكرني عيلة صغيرة هاتصدق الكلمتين اللي قولتهم!، عيب لما تكذب علي شيري الشريف اللي ربيتك و علمتك أصول اللعب"
حاول بكامل طاقته أن يظهر لها صدقه
"ما هو التلميذ بيتفوق علي استاذه، وأنا ما بكذبش عليكي، كل اللي طالبه منك شوية وقت و كل حاجة هتم زي ما أنتي عايزة"
رفعت احدى حاجبيها
"هحاول أصدقك، بس لو طلعت بتستغفلني يا أحمد، ما تزعلش من اللي هاعمله، ساعتها مش هتلوم غير نفسك"
ابتسامة لم تصل إلي عينيه ونظرة وعد زائف
"اطمني، قريب أوي كل حاجة هاترجع لنا"
و لدي علا بعد سماعها كل ما قيل شعرت بغصة بل بزلزال قام بهدم كل ما شيده زوجها من آمال ووعود أعطاها إياها، تردد و عينيها قد بدأت الدموع بالتجمع داخلها
"لاء، لاء، ده أكيد بيكذب، مستحيل يكون بيخدعني، هو بيحبني فعلاً، و جابني هنا أنا و ابني عشان يبعدني عن شر مامته"
وقفت أمام مرآة الزينة وكأنها تتحدث مع شخص آخر
"و إفرضي بيخدعك و كل وعوده ليكي مجرد وهم، هاتعملي إيه؟!"
هزت رأسها تحاول رفض استيعاب و إدراك ما قد سمعته فاستسلمت إلي حالة البكاء التي انتابتها للتو، أخذت تبكي حتي رأت المقبض يتحرك ويُفتح الباب، قامت بمسح دموعها سريعاً و تظاهرت بعدم معرفتها أو أنها قد سمعت الحوار الذي دار بينه و بين والدته
اقترب منها و جثى علي ركبتيه أمامها، يمسك بكلتا يديها
"اطمني يا حبيبتي، هي جت عشان تعرفني أن أنا مهما أخدتك و هربنا علي أي مكان، هاتقدر توصل لنا"
كانت تنظر صوب عينيه لعلها تصدق هذا الصوت الذي داخلها يخبرها بأنه يحبها حقاً و ربما ما قاله كذباً وذلك من أجل حمايتها من شر والدته
"مالك بتبصي لي كدة ليه؟"
صمتها أثار الريب داخله فأدرك علي الفور سماعها لما قاله منذ قليل، تنهد وأخبرها
"ما تصدقيش أي كلمة قولتها ليها، كان لازم أكذب عليها عشان أحميكي أنتي و حمزة، مكنش ينفع أقف قصادها و اتحداها و أنا معرفش هي ممكن بتفكر أو ممكن تعمل إيه، وللأسف هي في الأول و الأخر أمي"
سحبت يديها من خاصته و نهضت متجهة نحو النافذة، تتجنب النظر إليه مباشرة وتخبره
"و جايز جداً كل اللي قولته ليها صح، و أنك فعلاً أوهمتني بالحب و خلتني أصدقك عشان أديلك الثقة و الأمان، منها أكون أنا و ابني تحت إيدك و سيطرتك أنت و مامتك"
ألتفت إليه وابتلعت غصتها واستطردت حديثها الذي ألم قلبها قبل أن تلقيه علي أذنيه
"و منها تنول مُرادك مني تحت مسمي الجواز"
غر فاه بصدمة
"أنتي بتقولي إيه؟"
تقدم نحوها ووقف أمامها وجهاً إلي وجه
"معقول أنتي شيفاني واحد وسخ أوي كدة؟!"
عقدت ساعديها أمام صدرها و تظاهرت بالتماسك أمامه
"أومال اتجوزتني ليه، قصدي أجبرتوني أنت و مامتك تحت الضغط و التهديد بأنكم يا أقبل الجواز منك يا تاخدوا مني ابني"
"أنا اتجوزتك عشان بحبك، و كل كلمة ووعد قولتهولك بجد، مش بكذب عليكي"
كادت تبتعد من أمامه أوقفها ممسكاً بيدها
"أقفي و بصيلي و أنا بكلمك، أنا هعذرك عشان لسه ما تعرفنيش كويس، و أنا هاثبتلك مع الأيام إن أنا ما بكذبش عليكي"
"و أنا كل اللي عايزاه إن أنا و ابني نعيش في سلام، بعيد عن جو المؤامرات و الكذب، وواضح أن شيري هانم مش هاتسيبك تكمل معايا و هتأذيني أو تأذي ابني عشان شوية فلوس و أملاك أنا أصلاً مش عايزة منهم أي حاجة"
تجمعت العبرات في عينيها مجدداً و أكملت بنبرة وشيكة علي البكاء
"أنا مش عايزة أتوجع تاني، و لو اضطر الأمر اختار ما بين ابني و ما بين قلبي هـ....
توقفت قبل إطلاق كلمات بمثابة الرصاصة، لكن ملامحه تخبرها بأن صدمته تتفاقم و بدلاً من الوثوق به والوقوف جواره أمام الصعاب فها هي تُصرح بعدم تحملها لهذا الوضع، لم يرى سوي أنانيتها و ليس الخوف علي فلذة كبدها
"كملي، قولي اللي كنتي هتنطقيه دلوقتي، عايزاني ابعد عنك عشان خايفة علي نفسك، و مش مهم البني آدم اللي حبك و مستعد يعمل أي حاجة عشانك"
صاحت بأنكار تام:
"أنا مش خايفة علي نفسي، أنا بخاف علي ابني اللي مالهوش حد غيري"
"و أنا؟"
لن يكن سؤالاً عادياً فأجابتها يتوقف عليها كل ما هو قادم بينهما، اغمضت عينيها وتمنع عبراتها بصعوبة بالغة، فتحت عينيها ثم أخبرته
"أنت أحمد بيه و أنا علا اللي كانت بتشتغل خدامة عند أخوك اللي اعتدي عليها و حملت منه"
كلماتها كالرياح التي عصفت علي جمر خامد فأشعلته، استيقظ الوحش داخله و يخشى عليها من غضبه الضاري، جز علي أسنانه حتي برزت عظام فكه و عروق عنقه النافرة، يكور قبضتيه بقوة فهربت الدماء من مفاصل أنامله، و في غضون لحظات اختفي من أمامها قبل أن يرتكب فعلاً سيندم عليه لاحقاً.
سمعت صوت إغلاق الباب بقوة و اهتزت جميع نوافذ المنزل مما أيقظ الصغير مرتعداً، خرج من غرفته و أتي إلي والدته، عانقها و يحتمي بها
"ماما، حمزة خايف"
قامت بمعانقته والتربيت علي ظهره بحنان و حماية
"متخافش يا حبيب ماما، مش هاسمح لأي حد يقرب منك أو يبعدك عني أبداً"
عودة إلي الوقت الحالي...
تقف داخل الشقة الجديدة المستأجرة، تنظر من حولها و تتأمل الأثاث البسيط، انتبهت إلي صوت رنين هاتفها والذي استبدلت شريحته بشريحة اتصال جديدة لا يعلم عن رقمها أحداً سوى هذا المتصل
"ألو يا عم صابر أنا لسه وصلة حالاً أنا و حمزة"
"معلش بقي يا بنتي، معرفتش أكون معاكي، أنتي عارفة أي خطوة ليا متراقبة من الهانم"
"أنا عارفة، كتر خيرك كفاية أنك قدرت تلاقيلي شقة إيجار بالسرعة دي، و زي ما قولتلك بالله عليك أوعي أحمد يعرف مكاني، مهما ضغط عليك قوله ماتعرفش"
"ما تقلقيش، و لو حصل أي جديد هابلغك علي طول، في حفظ الله أنتي و ابنك"
"تسلم يا عم صابر، مع السلامة"
أنهت المكالمة وألتفت إلي ابنها و كادت تتحدث، وجدته يمسك باللوح الإلكتروني يتأمل صورة تجمع بينه و بينها و ثالثهما أحمد، خفق القلب شوقاً و دمعت عينيها ألماً، ودت لو عادت إليه وألقت نفسها بين ذراعيه، لن تنكر شعورها بالأمان حينما كانت معه، لكنها ظنت أن الأمان الحقيقي هو الابتعاد عن كل ما يخص والدة زوجها.
❈-❈-❈
في داخل أحد الأحياء الشعبية في محافظة الإسكندرية، تجلس داخل مكتبة لبيع الأدوات المدرسية وتصوير المستندات، تمسك بين يديها المصحف الشريف و تتلو الآيات بصوت خافت، وقفت فتاة أمام خزانة العرض الزجاجية وقالت
"أميرة، معلش صوريلي الملزمة دي بسرعة الله يخليكي"
"صدق الله العظيم"
تفوهت بها الأخرى ثم طوت الصفحة التي كانت تتلو منها الآيات وتركت المصحف فوق المنضدة فنهضت ثم ذهبت إلي الفتاة
"عايزه كام نسخة؟"
"نسخة واحدة"
أخذتها الأوراق منها ووقفت أمام ماكينة تصوير الأوراق، و إذا بها تشعر بدوار مفاجئ كادت تقع فاستندت علي الماكينة، دخلت إليها الفتاة تسألها بقلق
"أنتي كويسة؟"
رفعت يدها وأخبرتها بصوت شبه مسموع
"أنا بخير"
"فيه إيه يا أميرة مالك؟"
كان صوت هذا الرجل العجوز الذي دخل للتو، أجابته الفتاة
"كانت بتصور ليا الملزمة وفجأة لاقيتها كانت هاتقع من طولها"
"معلش يا إسراء، سنديها لغاية بيت الحاجة خيرية و ما تسيبهاش لغاية ما تدخل البيت"
"لاء يا عم خليل، أنا بقيت كويسة"
قالتها أميرة واعتدلت واقفة لكن يبدو علي وجهها علامات التعب، فاخبرها الأخر
"كويسة إيه بس، ده أنتي وشك لونه زي الكركم، روحي النهاردة و ارتاحي و لو بقيتي أحسن بكرة أبقي تعالي، الشغل مش هايطير"
ذهبت معها الفتاة إلي أمام باب ذاك المنزل القديم وقامت بالضغط علي زر الجرس وانتظرت حتي فتحت لهما امرأة في العقد السادس من عمرها
"إيه ده، مالك يا أميرة حصلك إيه يا بنتي؟"
أخبرتها الفتاة
"ما تقلقيش يا خالتي، هي تعبت فجأة و داخت فعم خليل قالي أوصلها لحد عندك"
"تسلمي يا إسراء، اتفضلي يا حبيبتي"
"شكراً يا خالة، أصل ورايا درس بعد ربع ساعة و نخافوا نتأخروا، عن أذنك"
أمسكت خيرية بيد أميرة وسارت بها داخل الفناء ثم إلي داخل الشقة ذات الأثاث الزهيد
"قولتلك مية مرة يا بنتي بلاش شغل، الحمدلله المعاش بيكفينا، برضو ما بتسمعيش الكلام و تعبة نفسك و تعبة قلبي معاكي من المناهدة"
جلست أميرة علي المقعد ذو الوسائد القطنية
"اقعد اعمل إيه يا ماما خيرية، القعدة في البيت بتتعبني أكتر، بحاول ألهي نفسي في شغل المكتبة"
"و كلام الدكتور و تحذيره ليكي لما تعبتي المرة اللي فاتت، قالك بلاش تجهدي نفسك عشان حالة الإغماء اللي بتجيلك كل فترة دي"
"حاضر يا ماما، عم خليل أدالي راحة النهاردة"
رفعت الأخرى سبابتها محذرة إياها
"اعملي حسابك مفيش شغل خالص"
أومأت و رددت باستسلام
"حاضر"
"يحضرلك الخير يا حبيبتي، يلا قومي اغسلي إيديكي عملنالك صينية سمك و معاه رز صيادية هتاكلي صوابعك وراه"
نهضت الأخرى و ذهبت تفعل ما أمرتها به هذه السيدة الحنون ذات الملامح السمحة، تتميز وسط جيرانها بالطيبة وحسن الأخلاق.
صدح رنين جرس المنزل فصاحت
"حاضر ياللي علي الباب"
فتحت الباب فظهر لها رجلاً يرتدي حلة سوداء و نظارة طبية، يبتسم لها
"مساء الخير يا حاجة خيرية"
"أهلاً وسهلاً، مين حضرتك؟"
"أنا المتر حسين الغمري، جاي بالنيابة عن ثروت بيه عشان نخلص إجراءات بيع البيت"
تحولت ملامحها في لحظة من الهدوء إلي الغضب العارم
"أنتم تاني!!، هو البيه بتاعك ده مش هيتلم غير لما نهزقوه، قولنا مليون مرة مش هنبيع البيت، ما يروح للبيوت المعروضة للبيع علي الإمة و لا بيتي أنا اللي عليه سكر "
"يا هانم اسمعيني الأول، مش يمكن العرض اللي هقدمه لحضرتك أحسن من اللي قالك عليه البيه المرة اللي فاتت"
"إن شاء الله لو عرضت مية مليون أني مش هنبيع البيت حتي لو بقي خرابة، روح قول للبيه لما نبقي نموت يبقي يجي يشتريه من الورثة، و بلغوا سلامي"
أغلقت الباب في وجهه، جز الرجل علي أسنانه بحنق وغادر علي الفور، بينما في الداخل، خرجت من المرحاض تجفف يديها بالمنشفة القطنية
"كنتي بتكلمي مين يا ماما خيرية؟"
"الراجل اللي معندهوش دم اللي اسمه ثروت، باعتلي المحامي بتاعه عشان يقنعني نبيع البيت، هو اشتري البيت اللي علي يميني و التاني اللي علي شمالي و عايز يشتري بيتي عشان يهدهم التلاتة و يبني أل إيه مول"
"طيب يا ماما أنتي ليه رافضة تبيعي، أنا سمعته المرة اللي فاتت عرض عليكي مبلغ حلو أوي و شقة في العجمي"
تنهدت الأخرى واخبرتها
"أني رافضة لسببين يا أميرة، الأول زي ما أني حكينا لك قبل كدة، البيت ده مش مجرد حيطان عايشين جواها، دي ذكريات و أجمل سنين العمر عيشتها ويا المرحوم لحد ما مات و سابلي العيال صغيرين، أني اللي ربيت و علمت لحد ما كبروا و هجروا علي إيطاليا، تقدري تقولي البيت بقي جزء مني، روحي فيه"
حدقت إليها أميرة و تشعر في آن واحد بحنين لا تعلم لما هذا الشعور، سألت الأخرى
"و السبب التاني؟"
ابتسمت خيرية و الابتسامة تخفي خلفها حزن دفين يتضاعف كل يوم عن الأخر منذ سنين
"بقالي 15 سنة عايشة لوحدي من وقت ما كل واحد فيهم سافر علي إيطاليا و مارجعوش، بقيت زي المقطوعة من شجرة و لا كأني شيلتهم في بطني تسع شهور و سهرت الليالي وربتهم و تعبت عليهم و كنت الأب و الأم من بعد أبوهم، بقي أخرهم معايا مكالمة كل فين و فين يعملوا انهم بيطمنوا عليا"
"بالتأكيد عندهم ظروف منعاهم أنهم يرجعوا هنا"
"ظروف إيه يا أميرة اللي تخليهم في بلد غريبة يقعدوا 15 سنة!!، و اعرف من الأغراب منهم اللي اتجوز واحدة قدي عشان ياخد الجنسية و لا التاني اللي مقضيها خمرة ونسوان، و لا التالت اللي ما يعرفوش أخواته هو راح فين و لا بيشتغل مع مين، كأنهم ملهمش أم شقيت و اشتغلت 25 سنة عاملة نظافة في مستشفي عشان أقدر أصرف عليهم و ما أحسسهمش أنهم أقل من حد"
اقتربت منها الأخرى و عانقتها بحنان
"ما تزعليش يا ماما خيرية، بإذن الله هيرجعولك بالسلامة و يجوا يملوا عليكي البيت"
"ولو حتي ماجوش، كفاية ربنا عوضني بيكي، كنت نفسي من زمان ربنا يرزقني ببنت، البنت بتبقي حبيبة أمها و القلب الحنين اللي بتميل عليه في عز حزنها، و الإيد اللي بتطبطب و تواسيها، بتهيقلي لو كان معايا بنت مكنتش هتبقي في حنيتك عليا و لا بتحبني زيك"
ابتسمت الأخرى و عقبت بسعادة
"ده أنا اللي ربنا بيحبني أنه رزقني بيكي، لولاكي كنت زماني مرمية في الشارع و يا عالم كان جرالي إيه، و أنا لا عارفة أنا أبقي مين و لا مين أهلي!"
❈-❈-❈
منذ أن غادرت المشفى وذهبت إلي منزل والدها القديم برفقة زوجة أخيها وصديقتها، قررت المكوث وعدم العودة إلي القصر بالرغم من محاولات عديدة من زوجها و التحايل لتعود إليه، لكنها تأبى العودة و مسامحته بتلك السهولة، يكفي من فرط حزنها تسبب لها بأن تم استئصال المرارة لديها.
كانت تتمدد علي الفراش بعد النوم طوال الليل، تقلبت علي جانبها الأيمن فشعرت بأنفاس دافئة تلمس بشرتها، شعرت بالخوف وأخذ قلبها يخفق بشدة وجلاً، فتحت عينيها رويداً رويداً و تردد بسم الله الرحمن الرحيم و بعض أدعية التحصين، و إذا تجده يتمدد جوارها وينظر إليها مبتسماً، كادت تصيح فكمم فاها
"أوعي تزعقي و لا تصرخي عشان غلط علي جرحك"
أزاحت يده من علي فمها ونهضت رويداً وتحاملت علي ألم الجرح لديها، تسأله بنفاذ صبر من بين أسنانها
"أنت إيه اللي جابك هنا؟"
نظر إليها بعينين الجرو البريء يخبرها بوداعة
"مش عارف أؤكل و لا أشرب و لا أنام و أنتي بعيدة عني"
رفعت كلا حاجبيها بتعجب ساخر
"لا والله؟!، تصدق صعبت عليا و الدمعة هتفر من عيني"
"بقي كدة يا ديجا؟!، بتتريقي عليا!، ده أنا عملت المستحيل عشان أصالح أخوكي و مراته علي بعض، و شيماء كتر خيرها خدت يوسف ابننا عندهم يومين عشان أجي استفرد بيكي قصدي أجي أقعد معاكي و أعرف أصالحك علي راحتنا"
"و أنا بقولهالك يا آدم للمرة المليون، أنا مش عايزة أتصالح لأن عديتلك قبل كدة و حذرتك و ماسمعتش كلامي لحد ما القدر جابني لحد عندك و خلاني شوفت بعيني و عرفت اللي مخبيه عليا، و بسبب أنك حرقت دمي و ما استحملتش شيلت المرارة، عايزني أسامحك عشان المرة الجاية تجيبلي جلطة و أموت و ترتاح مني!!"
نهض واقترب منها
"ألف بعد الشر عليكي، والله ندمان أشد الندم و مش طبعي و أنتي عارفة أن أفضل أتحايل علي اللي قدامي، بس عشان بحبك و مقدرش أعيش بعيد عنك فجيت لحد عندك و بقولك احكمي عليا بأي حاجة إلا البعد و كلمة طلقني دي، لأن أنا و لا هابعد و لا هاطلق، و هاتفضلي مراتي و حبيبتي لحد أخر يوم في عمري"
كانت ستضحك علي طريقته التي تخللها بعض الطفولية في تحديه، لكن تظاهرت بالجدية أمامه، لا تنكر أن إصراره البالغ علي طلب مسامحتها له و عدم تلبية طلب الانفصال ولم يكل و لا يمل بالرغم أن هذا نقيض طبعه الذي يمل سريعاً، بينما هذا أمراً يتوقف عليه حياته، فهي زوجته و حبيبته كما أخبرها، و القلب الذي يعيش به و من أجله.
قفزت داخل رأسها فكرة تجعله يفكر آلاف المرات قبل أن يرتكب خطأً في حقها
"عايزني أسامحك و ما ابعدش عنك؟"
اقترب نحوها أكثر فابتعدت إلي الوراء تنظر إليه بتحذير أن يظل مكانه
"بجد؟، قصدي يعني هتسامحيني و هانرجع زي الأول و أحسن؟"
"أنا فعلا هسامحك و هانرجع بس بشرط"
عقد ما بين حاجبيه وكاد يفقد صبره ويعط لغضبه إشارة الانطلاق لكنه تمكن من السيطرة علي نفسه، فهو علي مقربة من تحقيق ما كان يرجوه منذ أيام
"قولي شروطك يا قلب آدم"
ابتسامة نصر تتلألأ علي محياها وهي تخبره
"أولاً هاتعيش معايا هنا في بيت بابا الله يرحمه لمدة شهرين، قول أربعة لحد ما أقولك أنا زهقت و نرجع القصر، ثانياً أنا هنام في أوضتي و أنت شوفلك أي أوضة تانية نام فيها، معلش بقي أصل جرحي مطرح العملية مش بيخليني اعرف أنام علي راحتي و بفضل أتقلب كتير فعايزة أكون علي راحتي"
"مفيش ثالثاً بالمرة و لا لسه هاتفكري؟!"
أدركت السخرية في سؤاله و تعلم أن لو زادت من الضغط عليه فلا تلوم سوي حالها، لا تأمن غضبه الذي مثل الخيل الجامح دون لجام. لاء، هما شرطين مالهمش تالت، و عشان أكون
منصفة معاك هاديلك مهلة يومين تفكر فيهم عـ....
قاطعها بجدية
"و أنا موافق"
يتبع
الفصل الثاني من هنا
لقراءة باقي فصول الجزء الرابع من هنا
لقراءة الجزء الاول جميع الفصول اضغط هنا
لقراءة الجزء الثاني جميع الفصول اضغط هنا
لقراءة الجزء الثالث جميع الفصول من هنا
روايات شيقة
الفصل الثاني
༺الفصل الثاني༻
غرام الذئاب
~ما بين الحب والفراق~
لكم في الذّكرى شجوني من أجلها تدمع عيوني، فإذا طال الزّمان ولم تروني، فابحثوا عنّي على من أحبّوني، وإذا زاد الفراق ولم تروني، فهذا كلامي فيه تذكروني
ها قد جاء اليوم الموعود... و لنذهب أولاً إلي مهبط الطائرات علي أرض مطار القاهرة الدولي فيدوي صوت المذيعة بالإعلان عن وصول الطائرة القادمة من فرنسا، و داخل المطار تقف جوار زوجها والسعادة تغمرها، عادت إلي أرض الوطن بعد رحلة سفر طويلة في عدة دول أوروبية، و ها قد أتت إلي وطنها بعد أن علمت بموعد زفاف ياسين علي رودينا و الذي كان مفاجأة غير متوقعة لها
"حمدالله علي السلامة"
ألقاها عليهما قصي والذي كان ينتظرهما
"حمدالله علي السلامة يا عمي، حمدالله علي السلامة يا چيهان هانم"
قام بمصافحتها بينما قام بعناق والد زوجته
الذي سأله
"أومال فين أخواتك و صبا؟"
"صبا ما تعرفش غير أنها مع ملك و كارين و علياء بيحضروا نفسهم للفرح، و بالنسبة لأخواتي چيهان هانم طلبت مني ما قولش لحد منهم"
عقبت چيهان
"أيوه، حبيت اعملها لهم مفاجأة، خصوصاً أن النهاردة يوم فرح ياسين اللي مش مصدقة إزاي وافق أخيراً يتجوز بعد ما كان رافض الجواز تماماً بعد موت ياسمين الله يرحمها"
أخبرها قصي
"فيه مثل بيقول الزن علي الودان أمر من السحر، و ملك و آدم ما شاء الله قاموا بالواجب و زيادة"
"طيب و هو يا قصي، قصدي دي كانت رغبته؟"
"هو اللي يقدر يجاوبك علي السؤال ده"
نظرت نحو الفراغ بتفكير
"أتمني تكون رغبته نابعة من جواه، لأن لو العكس هيبقي بيظلم نفسه و قبلها بيظلم رودينا معاه"
❈-❈-❈
و داخل جناح كبير الخاص بتجهيز العروس، تقف أمام المرآة ترتدي ثوب الزفاف ذو الأكمام الدانتيل، من الخلف التول الشفاف الذي يكشف عن معظم ظهرها، ينتشر اللؤلؤ و الألماس الصغير علي جميع أنحاء الثوب، تتحرك يميناً و يساراً لترى كيف يبدو عليها الثوب الذي طالما حلمت به منذ سنوات و قد تحقق لها الأمر الذي ظنت أنه معجزة صعبة المنال.
طرق علي الباب ه أذناً منها للطارق بالدخول
"اتفضل"
فتح الباب و كانت والدتها صاحبة الوجه ذو الملامح الصارمة
"ماما!، اتفضلي واقفة عندك ليه؟"
دلفت وتتأمل هيئة ابنتها التي ابتسمت
"شوفتي يا مامي، ده الفستان اللي كنت رسماه في خيالي، و أخيراً جه اليوم اللي عشت سنين أحلم بيه"
هزت والدتها رأسها بنظرة تقييمية غير مرضية، تزمت شفتيها إلي الأسفل مما جعلت الأخرى تشعر بالاستياء
"و أنا كمان كنت بحلم باليوم ده بس مع اللي يستاهلك و يقدرك، مع الوحيد اللي بيحبك و يخليكي ملكة فوق راسه، أنتي أول بخته و كذلك هو، مش واحد أرمل عايش علي أطلال المرحومة مراته اللي سابتله بنت محتاجة رعاية و بدل ما يجيبلها ناني تهتم بيها راح يتجوز و يجيب لها مرات أب"
كلمات كالسموم أصابتها في مقتل، ضربة بآلاف الضربات سببت لها ألم جم في قلبها، فتلك الكلمات تخبرها به أقرب الناس لها فماذا عساه الغريب أن يخبرها هو أيضاً!
"أنتي ليه بتعملي معايا كدة؟، حسسيني و لو مرة في حياتك إن أنا بنتك، جاية لي في يوم زي ده؟!، عارفة أنتي عملتي إيه كدة فيا؟!، كأنك جيبتي سكينة تلمة وقعدتي تغرزيها في جوه قلبي"
أجهشت في البكاء، لم تتحمل تلك الطعنات القاتلة، اقتربت والدتها وتخرج من حقيبتها المحرمة الحريرية الخاصة بها
"أنا مش جاية أوجع قلبك، أنا جاية أحذرك لأخر مرة و إحنا لسه علي البر، فاكرة أن ما بحبكيش برغم لو قعدتي تفكري هتلاقيني خايفة عليكي، كلامي لو وجعك النهاردة، أحب أقولك جوازك من ياسين هيكون وجع هايقعد معاكي لأخر العمر"
صرخت بجنون
"كفاية، كفاية، مش عايزة اسمع كلمة تاني، و لعلمك أنا عمري ما هابعد عن ياسين حتي لو هاعيش في وجع، الوجع و أنا في قربه أرحم بكتير و هو بعيد عني، و هيحبني زي ما أنا بحبه، و مع الأيام هتتأكدي من كلامي"
ابتسامة ساخرة ها قذيفة أخرى مدمرة
"اللي أنتي فيه ما اسمهوش حب، اسمه مرض، أنتي مهوسة و مريضة بلعنة اسمه ياسين، و بكرة هتتمني أن الزمن يرجع بيكي للحظة اللي إحنا فيها دلوقتي و تتراجعي، يا خسارة يا رودينا"
ألقت تلك الكلمات الحارقة وتركتها وغادرت المكان، وقفت أمام المرآة تنظر إلي هيئتها فأمسكت بزجاجة العطر و بكل قوة لديها قذفتها علي المرآة، تهشم الزجاج و تناثر في كل مكان حولها مثل حالتها الآن، جلست علي الأرض تبكي بضعف حتي سمعت إلي طرق علي الباب مرة أخرى ه صوت أنثوي
"آنسة رودينا الميك أب آرتيست وصلت"
مسحت دموعها سريعاً واستندت علي الأرض بيدها لتنهض و لم تنتبه إلي قطعة المرآة المكسورة، تأوهت بألم وألقت نظرة علي كفها المصاب فوجدت الدماء تدفق من جرحها النازف لكن الجرح الذي تركته لها والدتها أعمق بكثير من جرح يدها.
❈-❈-❈
يغفو داخل غرفته في القصر و حوله صور زوجته الراحلة و صور أخرى تجمع بينهما، مطفأة السجائر الكريستال مليئة ببقايا لفافات التبغ المحترقة جوارها كأس شاغرة و زجاجة نبيذ فارغة أيضاً، يبدو أن ليلته بالأمس كانت حافلة بالدخان والشراب حتي الثمالة.
يتمدد علي مضجعه يرتدي بنطال وقميص مفتوحة أزراره، لم يسمع الطرق المتكرر و المصاحب لصوت والدته
"ياسين، ياسين"
فتحت الباب ودلفت لتري هذا المشهد المذكور سابقاً حينها علمت إجابة السؤال الذي كان يحيرها، اقتربت منه و جلست جواره، مالت بجذعها جواره، تداعب خصلات شعره كما كانت تفعل له ذلك وهو طفلاً صغيراً
"طول عمرك أكتر واحد قلبه حنين من و أنت صغير، لما بتحب، بتحب بقلبك وروحك، عمري ما انسي لما كان عندك عصفورة و سميتها چيچي علي اسم الدلع بتاعي، كنت متعلق بيها لدرجة كنت بتحط القفص جمبك و أنت نايم، و لما تعبت و ماتت قعدت تعيط عليها وفضلت مقاطع الأكل لحد ما تعبت وأخدتك علي المستشفي، من ساعتها عرفت أن الحب ليك زي اللعنة، فضلت أدعي و أقول يارب ما تجرحش قلبه و لا تعلقه غير مع اللي تحبه بجد و تستاهل حبك ليها، و برغم اللي حصل بينك و بين ياسمين ما وقفتش قدام حبكم، بالعكس كنت واقفة جمبك ومهمنيش موقف باباك ورفضه لجوازك من بنت الجنايني، مكنش يعرف أن الحب ما بيعترفش بالفروق، المهم يكون الحب متبادل ما بين الطرفين"
يفتح عينيه ببطيء حتي تمكن من رؤيتها بوضوح، لم يصدق عينيه والدته تجلس جواره الآن!!
نهض بجذعه مبتسماً
"ماما!، إيه المفاجأة الحلوة ديه، حمدالله علي السلامة"
عانقها بقوة فأخبرته
"أنا رجعت مخصوص عشانك، أول ما عرفت بموضوع جوازك من رودينا"
أمسك يدها وقام بتقبيل ظهر كفها
"حبيبتي ربنا يخليكي ليا"
ربتت علي كتفه بحنان غادق و أمرته
"قوم خدلك دش، ريحة الخمرة و السجاير فايحين منك أوي و أنا هستناك في التراس"
و بعد قليل... كانت ترتشف القهوة و تنتظره، رأته يخرج إليها ورائحة عطره تسبقه، تركت القدح بعد انتهائها من القهوة أعلي المنضدة.
"تعالي أقعد جمبي"
و أشارت إلي المقعد المجاور لها فجلس أعلاه
"مش هعطلك عشان بعد شوية سيادتك المفروض تروح الأوتيل و تجهز هناك"
كان يتهرب من النظر في عينين والدته، يتجنب السؤال الذي يتوقعه منها
"طولتي الغيبة يا ماما، كنت و لسه لحد دلوقتي محتاجلك أوي"
نظرت إليه بابتسامة تمده بالأمل و التفاؤل
"أنت محتاج نفسك أكتر من احتياجك لأي حد حتي لو كان الحد ده أنا، أدي لنفسك فرصة تعيش من جديد، لكن لو أنت هاتتجوز عشان تنسي وجعك علي ياسمين الله يرحمها فأنا بقولك بلاش و إحنا فيها ممكن تنهي كل حاجة، بلاش تظلم رودينا معاك"
"أنا مش هتجوزها عشان أنسي بيها ياسمين، ياسمين ماتت بس لسه عايشة جوايا، إنما جوازي من رودينا لأسباب خاصة مش حابب أتكلم فيها"
أمسكت طرف ذقنه ونظرت صوب عينيه و كأنها تقرأ داخله
"مش محتاج تقولي الأسباب، أنا شايفاها في عينيك، عشان كدة بقولك يا ياسين لو ظلمت رودينا أو جيت عليها أنا أول واحدة هتلاقيني واقفة قدامك، اللي ما أقبلوش علي أختك عمري ما هقبله علي بنات الناس، فياريت تحط تحذيري ليك قدام عينيك ديماً"
بشبه ابتسامة يخبرها
"اطمني، مش هظلمها"
رفعت حاجبها بسخرية
"بأمارة الشقة اللي هتتجوزوا فيها قدام شقتك القديمة!"
نظر إلي أسفل بحرج كالطفل الصغير أمام والدته
"عموماً مكانكم موجود في القصر، ممكن تنقلوا حاجتكم هنا، و عقبال لما تقضوا الهني مون و ترجعوا أكون جهزتلكم الجناح اللي كان بتاعي أنا و باباك"
نهض و الوجوم يعلو وجهه، اكتفي بردٍ مقتضب
"أنا مضطر أمشي عشان هاروح ألحق أجهز نفسي للفرح"
و دنا من رأسها قام بتقبيل جبهتها وغادر في صمت، كانت تنظر في إثره
"ماشي يا ياسين، اهرب براحتك، بس عمرك ما هاتقدر تهرب من نفسك"
استقل سيارته وانطلق في طريقه نحو الفندق الذي سيقيم داخله العرس، انحرف عن الطريق و سلك آخر يتفرع منه منطقة خاصة بالمقابر و تقع بها المقابر الخاصة بعائلة البحيري، توقف بالسيارة ونظر من خلف نظارته الشمسية نحو المقابر، يتردد في النزول و الذهاب إليها لكن لم يملك الجرأة بأن يفعل ذلك، لديه شعور تجاه نفسه، شعور أقرب للكراهية، لا يرى نفسه سوى أنه خائن!
انسدلت دمعة من عينه انزلقت علي خده و تتخلل شعيرات ذقنه النامية، لم يتحمل أكثر من ذلك وانطلق بالسيارة نحو وجهته الأولى.
❈-❈-❈
بعد مرور ساعات معدودة، امتلأت القاعة بالحضور الذين جاءوا من أجل العروسين حيث الأقارب والمعارف والأصدقاء، يقف قصي و يليه آدم ثم يوسف في استقبال المدعويين و علي الجهة الأخرى والد رودينا وجواره رحيم ابن شقيقة زوجته التي اكتفت بالجلوس جوار شقيقتها في أحدى الأركان كالغرباء.
"ألا قوليلي يا شاهيناز، هو عريس بنتك رودينا أرمل و عنده بنت، أنا عرفت من أصحابي اللي في النادي، أصل عيلة البحيري ماشاء الله سمعتهم مسابقاهم"
شعرت الأخرى بالحنق لكن أظهرت نقيض ذلك علي وجهها بابتسامة صفراء
"اه يا رجاء، أرمل أو مطلق أهو في النهاية راجل و مش أي راجل، ده ياسين البحيري، و أخته و بنتي أصحاب من و هم لسه في الـ KG"
رفعت رجاء زاوية فمها
"اه ما أنا عارفة، بس بنتك برضو مش قليلة، إحنا عيلتنا كبيرة، و رودينا كانت تستاهل واحد تكون هي أول زوجة ليه زي ما هو أول زوج ليها"
نهضت و قد فاض بها الكيل من حديث شقيقتها
"عن إذنك يا رجاء، هاروح أشوف رودي تكون محتاجة حاجة"
وذهبت بعيداً، فقامت الأخرى بالاتصال بابنها الذي عندما رأي اتصالها نظر نحوها، أشارت إليه بأن يأتي إليها، استأذن زوج خالته وذهب إلي والدته
"فيه حاجة يا ماما؟"
"اه فيه، سيادتك جايلك نفس وواقف تستقبل معازيم فرح بنت خالتك اللي سيادتك لحد دلوقتي بتحبها ورافض الجواز بسببها"
"أقولها لك تاني يا ماما، رودينا قبل ما تكون الإنسانة اللي بحبها هي تبقي بنت خالتي و سبب وجودي هنا لأن جوز خالتي عازمني بنفسه، و مش معني أن مفيش نصيب يبقي اقاطعهم إحنا أهل في الأول و الأخر، و اللي بيحب حد بيتمني له السعادة حتي لو كانت هتبقي لغيري"
"طبعاً ما أنت طالع زي باباك، بسبب طيبته الزيادة عن اللزوم ما أقدرش يعيش و خلع من الدنيا بدري"
نظر بامتعاض وسأم
"أنا رايح أقف مع عمي أحسن"
وفي الأعلى تنتهي الفتاة من وضع اللمسات الأخيرة من مستحضرات التجميل علي وجه العروس
"تقدري فتحي عينيكي"
فتحت عينيها وأخذت تتأمل جمالها التي تبرزه بعض اللمسات البسيطة، هكذا كان طلبها عدم الإفراط من تلك المساحيق.
طرق علي الباب ثم فتحت ملك
"ها، ندخل و لا لسه؟"
"اتفضلي يا مدام ملك، أنا خلصت"
ولجت ملك و برفقتها ياسمينا الصغيرة، تنظر إلي زوجة والدها
"زي القمر يا مامي رودي"
ابتسمت الأخرى بسعادة و دنت من الصغيرة لتقبل خدها
"قلب مامي رودي أنتي اللي قمر وسكر كمان"
نظرت إلي صديقتها وبنبرة يتخللها التوتر سألتها
"بجد يا ملك، شكلي حلو؟"
"يا حبيبتي أنتي مش محتاجة رأيي، و مالك متوترة كدة ليه، لاء أجمدي كدة يا عروسة، ده الليلة ليلة فرحك أنتي و ياسو"
غمزت بعينها لها، جاءت كلا من صبا و كارين و علياء وخديجة، يهنئن العروس.
و جاء والدها بعد أن حمحم
"عروستي الحلوة جاهزة؟"
ظهرت ابنته من بينهن تتقدم علي استحياء نحو والدها، فتح ذراعيه ليأخذها بينهما في عناق حنون
"و جه اليوم اللي بحلم و أشوفك أحلي عروسة"
"حبيبي يا بابي، ربنا يخليك ليا أنت و مامي"
مد ساعده و يخبرها
"يلا بقي حطي إيدك علي دراعي الزفة بدأت و المفروض أنزل أسلمك لعريسك"
و في الأسفل بدأت الموسيقي بصوت دوي في ارجاء القاعة كانت الموسيقي الشهيرة لظهور العروس، تمسك بساعد والدها و يسير بها نحو عريسها الذي ينتظرها أمام المقاعد الخاص بهما.
مد ياسين يده فوضعت خاصتها، شعر ببرودة يدها و الرجفة التي تسري بها، مال نحوه والدها يلقي علي أذنه وصيته
"أنا أديتلك روحي فحافظ عليها"
أومأ له الأخر و أخبره
"ما تقلقش يا عمي، رودينا في عينيا"
تقف السيدات جوار بعضهن فوقف خلفهن أزواجهن، همس آدم إلي خديجة
"فاكرة يوم فرحنا يا حبيبتي"
أجابت بسخرية
"و ده كان يوم يتنسي برضو، ده في قائمة الذكريات السودة يا حبيبي"
تذكر سريعاً هذا اليوم و كأنه حينها كان مجبوراً علي الزواج وظهر في ذاكرته ومضات من مشاهد ليلة الزفاف، كان قاسياً معها، عاد من الذاكرة ينظر بامتعاض
"كان عندك حق والله، عشان كدة أنا بفكر نعمل فرح من أول و جديد"
لكزته بمرفقها فأصابت بطنه وتأوه بألم، ألتفت له
"لو رجع بيا الزمن ليوم فرحنا كنت فكرت ألف مرة ومكملتش، أنا موافقة نعمل فرح من أول و جديد بس تطلقني و بعدين أفكر نرجع و نعمله و لا لاء"
"علي جثتي موضوع الطلاق، و مش عايز فرح"
"يعني أنا اللي عايزة؟!، أوعي من طريقي هاروح أشوف يوسف ابني حبيبي بيعمل إيه"
دفعته من أمامها فعقب بوعيد
"ماشي يا خديجة، ما بقاش آدم البحيري غير لما هاطلع عليكي كل اللي بتعمليه فيا، بس بعد ما نتصالح"
بينما طه يقف جوار شيماء التي تتمتم
"معقول ده ياسين اللي كان بيموت بقاله سنتين علي فراق مراته؟!، أقول إيه بس، كلهم صنف واحد ما بيطمرش فيهم حاجة"
كان طه منشغلاً في التصفح علي هاتفه أو تحديداً يشاهد البث المباشر لجارته الحسناء و يستمع إلي صوتها عبر سماعة الأذن اللاسلكية، انتبه علي وكز زوجته له بمرفقها في عضده
"سيب المخروب اللي في إيدك و جاوب علي سؤالي"
أغلق الهاتف سريعاً و خلع السماعة من أذنه
"إيه يا شوشو، فيه حاجة يا حبيبتي؟"
"بقولك هو أنا يعني ألف مليون بعد الشر عليا لو جرالي حاجة هاتروح تتجوز بعدي؟"
ردد بهمس خافت
"اعمليها أنتي بس الأول"
"نعم؟"
"يا وقعتي السودة، بقولك بعد الشر عليكي يا حياتي، ده أنا مقدرش أعيش لحظة من غيرك، و خير دليل اليومين اللي سيبتيني فيهم و روحتي قعدتي مع أختي، مدوقتش النوم و لا الأكل غير لما رجعتي بيتك بالسلامة"
"اه ما أنا عارفة، حتي بدليل السفرة اللي كانت مليانة شنط الوجبات و علب البيتزا و الحلويات و لا أزايز البيبسي، ده و لا كأنك صدقت أن سيبتلك البيت"
"يعني يرضيكي أموت من الجوع يعني و ما أكلش عشان اثبتلك أن أنا زعلان علي بُعدك؟"
"لاء يا حبيبي ما يرضنيش، أموت أنا أحسن من القهر يا بتاع روميساء"
صاحت في أخر جملة، وضع كفه علي فمها
"وطي صوتك فضحتيني"
أزاحت يده وأمسكت عضده
"هوطي صوتي و مش هاتكلم بس خدني يلا نرقص سلو"
"يارب أنا عارف أنه ابتلاء و عقاب علي الذنوب اللي ارتكبتها في حياتي"
جذبته من ذراعه و دفعته نحو ساحة الرقص
"كفاية برطمة و يلا قدامي، عدي ليلتك أحسنلك"
و في مكان قريب تتابع لوچي هاتفها والرسائل الواردة من عمر الذي جاء بعد أن أخبرها إنه يريدها في أمر هام و سيرحل، أرسلت إليه رسالة نصية
«استناني في الجراچ تحت و أنا جاية لك»
لم تنتبه إلي أسر الذي كان يقف خلفها جوار زوجته ولاحظ ما تفعله ابنة صديقه و انتابه الفضول أو ربما القلق نحو تلك المراهقة.
بينما علياء تجلس بجوار يوسف الذي يتابع عمله عبر الهاتف
"حتي في فرح أخوك بتابع شغلك؟!"
"والله المفروض لأنك دكتورة تكوني أكتر واحدة مقدرة ظروفي"
كظمت الغيظ، فهو في الآونة الأخيرة أصبح يتعمد الرد الجاف و أحياناً القاسي، نهضت من جواره
"أنا رايحة التويليت و راجعة"
ذهبت فتبعتها لوچي لكن تعلم الوجهة التي تريد الذهاب إليها، ألتفت من حولها لتجد والدها الذي تظاهر بالتصفح علي هاتفه و إلي زوجته التي اختفت بين الناس، وجدت تلك هي الفرصة، و تذهب إلي المنتظر في المرآب.
"رايحة فين يا أسر؟"
أجاب علي زوجته
"رايح اشوف حاجة وراجع بسرعة، خلي عينك علي كارما و أمجد"
ذهب وكانت عينين صديقه كعيون الصقر، نهض وذهب خلفه، و في طريقه والشك يجول صدره أوقفته والدته
"چو، تعالي معلش قيس الضغط لعابد، تعب فجأة و طلع يرتاح فوق في السويت"
أطلق زفرة و كاد يجن جنونه، لكن طلب والدته لن يمكن رفضه أو تأجيله فهذا واجبه.
و في الأسفل حيث المرآب، تسير بين صفين من السيارات، تبحث عنه فوجدت يد تجذبها ويدفعها نحو العمود الخرساني، شهقت بفزع
"ينفع كدة يعني؟"
"آسف علي الخضة يا حبيبتي"
و أخذ يتأمل مظهرها الجذاب والفاتن، ترتدي ثوب أسود لامع دون أكمام و يصل طوله إلي ركبتيها، بعض خصلاتها تتجمع خلف رأسها علي شكل زهرة و بقية شعرها ينسدل خلف ظهرها، كم هي جميلة و ساحرة!
"آسف علي إيه و لا إيه، أصلاً مكنتش هجيلك و لا ناسي أخر مرة لما كنا في الكوخ كنت هاتعمل إيه معايا"
"ما أنا جاي عشان اعتذرلك و أقولك حقك عليا مش هاكررها تاني، أنا ضعفت قدام رغبتي و مكنتش قادر أمسك نفسي عنك، لولا إزازة المية اللي كسرتيها فوق دماغي مكنتش عارف كان ممكن يحصل إيه"
"أنا اللي غلطانة عشان وافقت أروح معاك من الأول، و هتبقي أول و أخر مرة هخرج معاك، و لو عايز تشوفني يبقي نتقابل في النادي"
كان هناك من يستمع و يراقب الموقف من مسافة قريبة
"خلاص هاعملك اللي أنتي عايزاه، المهم ما تكونيش زعلانة مني"
"يعني أنت جاي من أخر الدنيا عشان تقولي الكلمتين دول؟"
اقترب منها وحاصرها بينه و بين العمود
"أنا فعلاً جيت أقولك الكلمتين دول و أصالحك"
دنا بشفتيه نحو خاصتها فدفعته في صدره قبل أن ينال غايته
"تاني يا عمر؟!"
"أنا كنت هبوس راسك، خلاص بقي ما تكشريش، و لا أقولك خليكي كدة شكلك بيبقي حلو أوي"
صدح رنين هاتفها وجدت المتصل علياء
"دي طنط علياء، شكلها بتدور عليا، أنا مضطرة أسيبك، باي"
ركضت تاركة إياه، ظهر أسر له و تعمد أن يفعل ذلك و ينظر له من طرف عينيه، حمحم الأخر بحرج و ذهب نحو باب الخروج، شعر باهتزاز هاتفه فأجاب
"ألو؟"
"إيه يا سي روميو مش قولت هاتبعت الفيلم اللي صورته وأنت مع البت بنت الدكتور؟"
"الفون وقع مني ومكنش عايز يفتح اضطريت أعمله سوفت و اتمسح كل حاجة من عليه بالفيلم"
صاح الشاب بصوته المزعج
"سوفت يا روح خالتك!، بقولك إيه يالاه أنت أخرك معانا يومين مالهمش تالت اتصرف إلا وفيديوهاتك الحلوة مع البنات التانية هنوديها للحاجة تشوف بطولات ابنها ده غير الأفلام دي هاتنزل علي كل المواقع إياها و أهل البنات دي هايجبوك من قفاك يا هيشرحوا جتتك يا هيسلموك للبوليس وهاتبقي ترند بعنوان عنتيل شبرا، ها هاتنفذ المطلوب منك و لا نذيع يا حلو؟"
نعود إلي حفل الزفاف، ترقص بين ذراعيه وتنظر إلي عينيه كل حين و الأخر، تستمع إلي الموسيقي وتتحرك علي إيقاعها كالفراشة بين يديه، بينما كان ذهنه في ملكوت خارج نطاق ما يحدث من حوله، يرى مَنْ استحوذت علي لبه تقف في زاوية بعيدة عن الأضواء، ترتدي ثوب أبيض تبتسم إليه و كأنها تهنئه، ردد اسمها حتي تلاشت الصورة و عاد إلي الواقع علي صوت عروسه
"أنا رودينا مش ياسمين"
أثر الصمت بالتزامن مع توقف الموسيقي.
و في أحد الأروقة صوت ضحكاتها وهي تسرع خطواتها لتلحق به
"استني يا قصي، مش عارفة أجري معاك كعب الشوز عالي و هاقع علي وشي"
توقف وألقي نظرة عليها
"يبقي مفيش غير حل واحد"
قام بحملها علي ذراعيه
"نزلني يا مجنون، هو كل ما نحضر فرح لواحد من أخواتك تروح حاجز سويت لينا، أخوك اللي هايتجوز و لا إحنا"
أنزلها أمام باب الجناح وأخرج البطاقة الإلكترونية وقام بفتح القفل من خلالها، سحب زوجته خلفه وأغلق الباب ثم دفعها نحو الحائط
"أيوه إحنا هانفضل عريس و عروسة و لا أنتي شايفة إيه؟"
ينتظر إجابتها ويده تتسلل إلي سحاب ثوبها ويقوم بفتحه رويداً رويداً
"أنا شايفة كل ما بنبقي مع بعض ببقي حاسة إن أنا عروسة"
"طب يلا تعالي أعيشك الإحساس ده للمرة اللي معرفلهاش رقم"
وجدت أكمام الثوب تسقط من كتفيها ويحملها من جديد متجهاً إلي الغرفة.
❈-❈-❈
كان الزفاف علي وشك الانتهاء، سألت ياسمينا الصغيرة جدتها
"نناه هو بابي و مامي رودي هيمشوا و مش هاروح معاهم؟"
ربتت جدتها علي يدها فسبقتها ملك التي دنت منها وأخبرتها
"بابي و رودي هيروحوا لوحدهم و إحنا هانبقي نروح نزورهم"
سألتها ببراءة
"و أنا هاروح فين؟"
أجابت ملك
"هاتروحي معايا، إيه مش وحشوكي مليكة و نور؟"
فتدخلت چيهان
"لاء ياسمينا هاتيجي معايا و هتبات في حضن نناه، صح يا ياسمينا؟"
عانقت الصغيرة جدتها
"صح نناه"
"حبيبة قلب نناه ياروحي أنتي"
و لدي العروسين، اقتربت السيدة شاهيناز من ابنتها قامت بمعانقتها قبل أن تغادر القاعة مع زوجها
"خدي بالك من نفسك"
لم تبادلها ابنتها العناق فيكفي ما قد سمعته منها اليوم و تأتي أمام الجمع و تعانقها و تمثل دور الأم الحنون، هكذا كان يدور في رأس رودينا التي وجدت يد مدت إليها، رفعت عينيها تري صاحبها فما هو سوي رحيم، و قبل أن تمد يدها سبقتها يد زوجها يصافحه بقبضة عنيفة
"الله يبارك فيك يا دكتور رحيم، معلش أصل العروسة ورايح ما ينفعش تسلم بإيدها علي حد غير محارمها"
نظرت رودينا إليه ثم إلي رحيم وتخشي أن يحدث شجار، فأجاب الأخر علي زوجها
"ألف مبروك يا أستاذ ياسين، رودينا تبقي بنت خالتي و زي أختي"
لم يرد المباركة فأجابت الأخرى بدلاً من زوجها
"الله يبارك فيك يا رحيم عقبالك"
أومأ لها بشبه ابتسامة و ذهب بعيداً قبل أن تفضحه نظرات عينيه أكثر من ذلك، لكن تلك النظرات أدركها جيداً ياسين والذي جز علي أسنانه، لم يعط لها أن تلتقط أنفاسها فجذبها أمام عائلته و عائلتها
"يلا نروح"
"ياسين، استني بس أخواتك لـ...
توقف فجأة وحدق إليها بنظرة نارية جعلتها تبتلع بقية الكلمات
"مش عايز اسمع و لا كلمة لحد ما نوصل لشقتنا، فاهمة؟"
هزت رأسها دون أن تتفوه بكلمة وسارت معه إلي خارج الفندق، تشعر بقبضته التي تعتصر أناملها، وجد السائق في انتظاره يفتح لهما باب السيارة الخلفي، ولجت إلي داخلها ثم فعل المثل.
تقف چيهان تتابع ما يحدث، قالت ملك
"مامي أنتي إزاي سيبتيه ياخدها كدة و هو في الحالة دي، أنا خايفة علي رودينا ليعمل فيها حاجة"
كانت تمسك هاتفها وتجري الاتصال بنجلها
"بطلي قلق يا ملك، أخوكي ما يقدرش يعملها حاجة"
وضعت الهاتف علي أذنها تنتظر إجابته
"ألو يا ياسين، خد بالك من عروستك و ماتنساش وعدك ليا و ماتنساش تحذيري ليك"
أجاب بعد أن ألقي نظرة عبر المرآة الأمامية فوجد رودينا خائفة
"اطمني يا ماما، مفيش حاجة أنا بس مكنتش قادر أقعد أكتر من كدة، مع السلامة"
أنهي المكالمة وظل ينظر إليها، في غضون دقائق توقفت السيارة فكان المنزل قريباً من الفندق.
رفعت رأسها تنظر لما توقف السائق، ألتفت إلي ياسين فأجاب سؤال عينيها
"وصلنا"
لقراءة باقي فصول الجزء الرابع
لقراءة الجزء الاول جميع الفصول
لقراءة الجزء الثاني جميع الفصول
لقراءة الجزء الثالث جميع الفصول
الفصل الثالث
༺ الفصل الثالث ༻
غرام الذئاب
كقطرة ماءٍ أنتِ ها غيث يهطل علي أرض فؤادي الذي تشقق من فرط الاشتياق، اسقيني من نهر عشقك ولا تتمهلي فاللوعة قد بلغت الآفاق.
صوت المفتاح يخترق قفل الباب كما يخترق صوت أنينها السكون الذي يعم في الإرجاء، هذا بسبب قبضة يده علي أناملها و لم يلاحظ أن يدها مصابة، و إذا به يفتح الباب ثم يدفعها إلي الداخل و شيطانه يهيمن عليه، يسألها بصوت جعلها ترتجف كما اهتزت النوافذ أثر إغلاقه للباب بعنف
"ممكن تفهميني ابن خالتك عايز إيه منك؟"
تضع أناملها علي الجرح عّلها تخفف الألم الداهم في يدها، توجست خيفة من تلك النظرة المخيفة التي يرمقها بها، ابتلعت لُعابها وافترقت شفتيها لتخبره
"ما أنت قولتها، ابن خالتي يعني طبيعي هايحضر فرحنا"
يقترب منها بُخطى يماثلها خطواتها حيث تبتعد إلي الوراء
"بلاش استعباط و وش البراءة اللي راسماه عليا ده، أنتي فاهمة أنا أقصد إيه"
كادت تتعثر لكن سرعان وجدت يدها مسند المقعد المخملي فجلست
"لو قصدك عشان بيسلم عليا، هو ما يقصدش حاجة، خلاص دلوقتي أعتقد إنه هايعتبرني زي أخته"
اقترب حتي أصبح أمامها مباشرة ثم دنا منها مستنداً بيديه علي مسندين المقعد
"نظراته ليكي مكنتش بتقول كده"
ألتصق ظهرها بالمسند الخلفي للمقعد تتحامي به
"و أنا أعمله إيه"
"ما تشوفيش وشه تاني نهائي، أي مناسبة عائلية عندكم هايكون هو فيها ممنوع تروحي، مفيش مرواح للنادي غير لما أكون أنا معاكي، مفهوم؟"
لم يتلق رداً فصاح في وجهها مكرراً سؤاله، هزت رأسها في التو ورددت
"حاضر، حاضر"
ابتعد عنها و لم يخف عن فطنتها الحالة النفسية التي تسيطر عليه، يبدو التوتر و القلق بل و الارتباك أيضاً، تلك الانفعالات يخفيها خلف عنفوان غضبه الذي تراه لأول مرة، لم تنكر أنه سبب لها الذعر، ظلت تراقبه في صمت وهو يجول أمامها ذهاباً و إياباً و كان يتمتم بكلمات غير مسموعة، نهضت علي الفور و أرادت الفرار من أمامه
"عن إذنك"
"إستني عندك"
توقفت ونظرت إليه باستفهام في انتظار معرفة ماذا يريد منها و ليته ما تفوه ببنت شفه
"أوعي خيالك يصورلك سبب غيرتي عليكي من رحيم يكون أن أنا بحبك وعاشقك مثلاً، ده طبع فيا لأني راجل دمي حامي و بغيّر علي أهل بيتي و اللي مني"
تسبب حديثه اللاذع في تصدع جدران قلبها، حاولت التظاهر بالقوة أمامه و لم تريه ضعفها أو السماح لهبوط دمعة واحدة علي وجنتها أمامه
"لاء اطمن، أنا مش غبية للدرجدي، أنا فاهمة و عارفة أنا إيه بالنسبة لك، بس حبيت أفكرك أن دوام الحال من المُحال"
أطلق زفرة وفي عينيه نظرة لم تستنتج منها بشيء فسألته
"في أي حاجة عايزة تقولها ليا تاني؟"
شعور قليل من الندم انتابه علي ما تفوه به من حديث، حك فروة رأسه بحرج، سألها و كأنه لم يكن كالثور الضاري منذ قليل
"جعانة؟"
تعجبت من سؤاله الذي لا محل له من هذا الحديث الفظ
"ما باكلش بالليل"
رفع يده مشيراً إليها نحو وجهتها بوجه من الجليد
"تمام اتفضلـ...
لم تدعه يكمل قوله وذهبت تلملم أذيال آلامها، و بمجرد أن دخلت أغلقت الباب و استندت خلفه بظهرها، وضعت كفها علي فمها تمنع شهقاتها و حديث والدتها يتردد في رأسها بضراوة
«"و أنا كمان كنت بحلم باليوم ده بس مع اللي يستاهلك و يقدرك، مع الوحيد اللي بيحبك و يخليكي ملكة فوق راسه، أنتي أول بخته و كذلك هو، مش واحد أرمل عايش علي أطلال المرحومة مراته اللي سابتله بنت محتاجة رعاية و بدل ما يجيبلها ناني تهتم بيها راح يتجوز و يجيب لها مرات أب"
"أنا مش جاية أوجع قلبك، أنا جاية أحذرك لأخر مرة و إحنا لسه علي البر، فاكرة أن ما بحبكيش برغم لو قعدتي تفكري هتلاقيني خايفة عليكي، كلامي لو وجعك النهاردة، أحب أقولك جوازك من ياسين هيكون وجع هايقعد معاكي لأخر العمر"
"اللي أنتي فيه ما اسمهوش حب، اسمه مرض، أنتي مهوسة و مريضة بلعنة اسمه ياسين، و بكرة هتتمني أن الزمن يرجع بيكي للحظة اللي إحنا فيها دلوقتي و تتراجعي، يا خسارة يا رودينا"»
زادت تلك العبارات وجعاً فتاكاً فوق آلامها التي بلغت الحلقوم، لم تتحمل فأجهشت في البكاء كانت دموعاً كالسيل العارم.
و بالعودة إلي ياسين، كان قد ذهب إلي غرفة مجاورة يغلق الباب خلفه و يلتقط أنفاسه كالذي انتهي لتوه من سباق مارثون، انتظمت انفاسه ثم عبس وكأنه تذكر أمراً ما، أخرج زجاجة صغيرة في حجم كف اليد من بين طيات الجيب الداخلي لسترته، رفعها أمام عينيه، قد أعطاه إياه شقيقه يونس بعيداً عن الأنظار أثناء حفل الزفاف و أخبره
«مشهد سابق»
"أنا حاسس بيك و عارف اللي بتمر بيه من ضغط نفسي، عشان كدة جيبتلك حاجة هتخليك تنسي أنت مين و تعيش ليلة و لا ألف ليلة و ليلة كأنك داخل دنيا أول مرة في حياتك"
اعطاه شقيقه الزجاجة الصغيرة فأخذ ياسين يحملق بها ثم حدق إلي شقيقه بامتعاض
"نبيذ؟!"
ابتسامة من الأذن إلي الأخرى تجلت علي وجه شقيقه ذو العقل الهارب
"و مش أي نبيذ، ده متعتق من أيام جدك البحيري، الله يرحمك يا جدي، حاجة كدة مفعولها زي السحر، بس خد بالك أخرك بوقين تلاتة منه و ما تكترش"
"أنت عبيط يا يونس؟!، أنا أصلاً قررت ماشربش الهباب ده تاني"
لكزه شقيقه في كتفه
"أنت هاتعيش عليا الدور و لا إيه، بأمارة أوضتك اللي كانت مليانة أزايز فودكا و سجاير"
كان يمر أحد ما من جوارهما فخبأ ياسين الزجاجة سريعاً في الجيب الداخلي لسترة حُلته السوداء، فاستطرد يونس حديثه
"اسمع كلامي و هاتدعيلي، دي الليلة ليلتك يا عريس، اللي أنت داخل عليه محتاج عامل نفسي و أنت يا حبيب أخوك عندك اكتئاب و عايش و مش عايش علي رأي الهضبة، المفروض كنا عالجناك في مصحة"
رمقه الأخر بغضب فحمحم يونس
"بهزر معاك، ده أنت سيد العاقلين، بص عشان ما نلفتش الأنظار أكتر من كدة، بوقين من البتاعة دي و هتبقي ملك زمانك و هتدعيلي"
«عودة إلي الوقت الحالي»
قام بفك ربطة العنق و ألقاها ثم خلع سترته وألقاها أيضاً و كما فعل بهما فعل أيضاً بجسده، استلقي علي ظهره و أخذ يتأمل الزجاجة في يده في محاولة عدم الانغمار في براثن الذكريات لكي لا يصبح أسير الألم لا سيما عندما تذكر تحذير والدته و شعوره بالندم من أسلوبه الفظ و الحاد منذ قليل مع زوجته القابعة في الغرفة الأخرى.
نهض بجذعه و شقت وجهه ابتسامة يشوبها خليط من السخرية والشجن، فتح الزجاجة و تجرع علي دفعة واحدة من هذا الشراب المُحرم.
❈-❈-❈
ليل أسود ونسمات هواء شديدة البرودة وصوت طائر البومة المختبئة في الأشجار التي تحيط بالقلعة ذات المظهر المظلم و المخيف،
تجلس الشقراء علي حافة النافذة تنظر نحو الخارج بملل وضجر، تنظر إلي شاشة هاتفها لتعيد الاتصال رقم المائة فتتلقي رسالة صوتية مسجلة بأن الرقم غير متاح في الوقت الحالي، فهكذا كان الوضع منذ يومين، لا تعلم عنه شيء كالعادة، يسافر و يذهب إلي أشغاله و أعماله الظاهر منها و الباطن و لم يخبرها تفاصيل ما يقوم به، يتجاهلها عمداً أو ربما يريد معرفة مشاعرها الحقيقية اتجاهه و السبب خلف تهربها كلما يطلبها للزواج، حمقاء فهناك مئات يتمنين بالتقرب فقط من فلاديمير رومانوف أكبر زعماء المافيا الروسية!
انتفخت أوداجها و لم تستطع عليه صبراً أكثر من ذلك، اهتز هاتفها ليعلن عن رسالة واردة فحواها كالتالي
«القيصر يسهر الآن في ملهي الدائرة الحمراء»
ابتسامة عارمة ظهرت منها أسنانها ها قولاً بل وعيداً وتنظر إلي صورة تحتفظ بها داخل ملف يُفتح برقم سري علي الهاتف
"مهما مرت أعوام وأصبحت عقود لم أستسلم للوصول إليك و ستصبح لي أنا فقط"
ذهبت إلي الخزانة و أخذت ثوباً لنقل بالأحرى شبه ثوب!
بعد أن أعدت نفسها للذهاب ارتدت معطف من الفرو الوثير لتخبأ أسفله ما ترتديه من ثوب أسود عاري وذلك ليس خجلاً من رجال فلاد أن يرونها بهذا المظهر المنحل بل تخشي من الوشاية بها إليه، فهي لا تريد إثارة غضبه ريثما يكمل مخططها الشيطاني!
بعد مرور وقت، كانت داخل سيارة ذات دفع رباعي، يرافقها حارس شخصي هكذا شرط فلاد للسماح إليها بالتنزه أو الخروج بعد استئذانه بالطبع.
"توقف هنا"
ألقت أمرها علي السائق، ليست حمقاء أن تجعله يتوقف أمام الملهي حتي لا يخبر سيده فأمرته بالتوقف أمام مطعم قريب من مبتغاها.
ألتفت إليها الحارس الشخصي
"سيدتي، المطعم هنا ليس آمن، من الممكن أن نذهب إلي مطعم آخر من المطاعم التي يملكها الزعيم"
حدقت إليه شزراً
"ليس من شأنك ما أريده يا هذا، فأنا كفيلة بحماية نفسي"
"إذن لن أتركك بمفردك في الداخل"
أخبرها بهدوء قاتل أثار حنقها، أخذت تتمتم بغيظ بصوت خافت
"تباً لك فلاد و لرجالك"
قامت بخداع الحارس حيث ولجت داخل المطعم برفقته و جلست و طلبت الطعام ثم نهضت وأخبرته أنها سوف تذهب إلي المرحاض و عليه الانتظار جوار الطاولة ريثما تعود، فعلت ما سبق ثم خرجت من باب آخر يؤدي إلي الشارع الخلفي و طريق مختصر إلي الملهى كما يظهر لها علي خريطة الموقع الجغرافي للمنطقة.
وصلت إلي بوابة صغيرة يقف في الخارج رجلان ذوي بنية جسدية ضخمة، و لافتة ضوئية باسم الملهى، أظهرت لأحدهما شاشة الهاتف تريه دعوة خاصة من صاحب هذا الملهى، ابتسم لها هذا الحارس العابس
"تفضلي سيدتي، سيد روجرز في انتظارك"
أومأت إليه بابتسامة يكللها إغراء سافر
"شكراً لك أيها الضخم"
و ولجت إلي الداخل، سارت في رواق ذو إضاءة خافته و ها رجل يعمل هنا، أعطي أمر إلي حارس البوابة الداخلية و ما أن قام بفتحها صدح صوت الموسيقي الصاخبة، روائح خمر و أدخنة لفائف التبغ الفاخر منها و المحلي، أصوات ضحكات أنثوية ها تهليل من هؤلاء الشباب و الرجال السكارى
" سيدتي، تفضلي"
أشار إليها الرجل نحو رواق شبه مظلم، وصل كليهما أمام باب غرفة صاحب الملهى والذي أن رآها نهض وفتح ذراعيه بترحاب
"أوه سيلينا، لقد اشتقت إليكِ كثيراً يا امرأة"
اقتربت منه و تبادلا العناق
"روجرز، كيف حالك يا رجل؟"
"كما ترين أيتها الجميلة الشقراء، كنت صاحب حانة في أحد الحواري التي يقبلون عليها المتسكعون و المجرمون، و ها أنا اليوم أصبحت صاحب أكبر سلسلة ملاهي ليلية في روسيا و قريباً سأفتتح سلسلة في إيطاليا"
"لا داعي أن تخبرني فأنا أعلم بكل هذا و أكثر"
"يا لي من أحمق، قد نسيت أنك الآن زوجة الزعيم فلاديمير"
ابتسامة صفراء تخفي خلفها غيظ جعل دمائها تغلي كالمُهل
"لم أصبح زوجته بعد، فنحن في مرحلة التعارف"
أطلق الآخر ضحكة و أخبرها
"أنتما ليس بحاجة إلي عقد زواج فالجميع يعلم أنك زوجته، لكن مهلاً، هل يعلم بوجودك هنا؟"
"بالطبع لا، كيف يعلم ذلك و أنا أخبرتك من قبل مجيئي هنا أمر سري"
"كنت أظن سبب مجيئك هنا هو اشتياقك إلي أيام السهر و الرقص كما كنتِ تفعلين في الحانة"
خلعت المعطف ذو الفراء و رأت كيف ينظر إليها الأخر، ابتلع ريقه فهو يرى أيقونة الإغراء أمامه، جلست أعلي المكتب الزجاجي عاقدة ذراعيها أمام صدرها تخبره بكل ثقة
"لا داع أن تذكرني بتلك الأيام، كنت طائشة و حمقاء، أنا هنا لأمر هام"
دنا منها وسألها بأنفاس ثقيلة و عينيه لا تبرح عن ما بين ذراعيها
"ما هو؟"
حلت ساعديها لإحاطة عنقه بيديها ذات الملمس الحريري
"أريد مقابلة القيصر"
جحظت عيناه و ابتعد عنها
"مَنْ؟، هل تمزحين أم ماذا؟، لا تعلمين أن القيصر المنافس و العدو الأول لزوجك؟!، و إذا علم بهذا الأمر ستكون كارثة فوق رأسي قبل رأسك"
زفرت بغضب
"لا تقل زوجك مرة أخرى، و أنا أدرك جيداً ما أريده، لا تقلق لن يعلم بهذا الأمر"
"كفي هراء سيلينا، زوجك لن يخفي عليه شيئاً و أنتِ أكثر الناس معرفة بفلاد رومانوف و إلي أي مدي تصل نفوذه و سطوته، و أنا ليس علي استعداد أن أصبح علي القائمة السوداء لديه"
لمعت عيناها بنظرة تحدي و إصرار غير آبه بجميع تحذيرات روجرز لها
"عزيزي روجرز، شئت أم أبيت، سألتقي بالقيصر"
تناولت معطفها و حقيبة يدها ثم غادرت تاركة إياه يضرب كفً في الأخر غير مكترثة بأي أمر لاحق.
أخذ روجرز يبحث بعينيه عن هاتفه حتي وجده فامسك به و قام بأجراء اتصالا هاماً وهو يتمتم
"اللعنة عليكِ أيتها الحية، لابد أن أخلي مسئوليتي و أحافظ علي ما بنيته لسنوات"
و علي نفس التوقيت في بلدٍ آخر، يجلس داخل سيارته السوداء، يتابع عمله علي الحاسوب ويتابع أيضاً الاتصال الوارد إليه للتو
"ماذا هناك ألبير؟"
"سيدي لقد كنت مرافقاً للسيدة سيلينا إلي مطعم يقع في شمال موسكو"
أغلق الحاسوب في الحال وصاح سائلاً إياه
"ماذا؟، أعد ما قلته للتو مرة أخرى"
"سيدي، السيدة سيلينا قالت لي أنها قد أخبرتك بذهابها إلي المطعم"
"هل أنت أحمق أم تَدعي ذلك؟!، ماذا عن تحذيراتي لكم؟!، أمرتكم ممنوع أن تخطو قدمها خارج بوابة القلعة و ألا سأحاسبكم جميعاً"
"أعتذر بشدة سيدي"
"ماذا سأفعل باعتذارك أيها الأحمق، أرسل لي الموقع الآن فأنا قادم غضون نصف ساعة"
ابتلع الحارس ريقه خوفاً من سيده لذا أخبره بتردد
"سـ سيدي، هناك أمر هام أريد أن أخبرك به"
انتبه فلاد إلي انتباه مكالمة علي الانتظار، ألقي نظرة حتي علم هوية المتصل فأخبر الحارس
"افعل ما أمرتك به و لا تتحرك من مكانك"
لم يجب علي المتصل الأخر بعد أن تكرر الاتصال حتي صدح صوت رسالة نصية فحواها جعل دماءه تفور كالماء المغلي داخل المراجل
«زوجتك لدي في الملهي تريد مقابلة القيصر»
برزت عروقه و صوت اصطكاك أسنانه من الغضب يسمعه السائق الذي اختطف نظرة في المرآة وجد سيده في حالة قد اصابته بالرعب، كلما رآه في تلك الحالة يعلم أن الأمر لن يسلم من إراقة الدماء.
صوت رسالة أخرى من الحارس بها تفاصيل الموقع، كانت قبضته كادت تحطم هاتفه!!
❈-❈-❈
ما زالت تمكث في الغرفة وانتهت من وصلة بكاء تلاها حالة تبلد، تقف أمام المرآة وتنظر إلي هيئتها، عروس بائسة بل ومريضة بحُب هذا القاسي الذي لا يكترث إلي أي شيء تقدمه إليه أو مشاعرها حياله، نظرت إلي نفسها بازدراء و لم تتحمل رؤية ثوب الزفاف عليها أكثر من ذلك فبدأت بفك التاج ثم الوشاح المتشابك به ألقتهم علي الأرض وشرعت بخلع ثوبها.
وفي الغرفة المجاورة، أصبح في حالة سعادة زائفة، يضحك تارة ثم يصمت و يعيد الكرة مرة أخري، يبدو أنه قد بدأ مفعول الشراب ودخل في حالة ثمل، يشعر بحرارة اضرمت في جسده نابعة من مشاعر أخرى تراوضه كالرغبة والإثارة.
بينما العروس البائسة أغلقت صنبور الاستحمام و تناولت المنشفة القطنية، ارتدتها حول جسدها ووقفت أمام مرآة الحوض، تتحدث إلي ذاتها
"أنا مش هاسكت له تاني ولازم يفهم إن أنا بقيت مراته ولازم يحترمني و يحترم مشاعري"
تناولت منشفة صغيرة و خرجت من الحمام تجفف شعرها المبتل وإذا بها تبعد المنشفة عن وجهها لتجده يجلس علي طرف الفراش ويدخن لفافة تبغ، أزرار قميصه مفتوحة تكشف لها عن صدره العاري، يتأمل هيئتها المثيرة عن كثب وينفث الدخان من أنفه و فمه، شعرت بالخجل من نظراته وقد نست قرارها الذي اتخذته منذ قليل!
حمحمت وأخبرته دون أن تنظر إليه
"الحمام جاهز، تقدر.....
جذبها من يدها ثم ألقي اللفافة المشتعلة علي المنضدة المجاورة، رفع وجهها لتنظر إليه
"آسف"
أصابتها الدهشة، هل يعتذر لها حقاً؟!
أحاط خصرها بين يديه، تشعر بأنفاسه ذات رائحة دخان التبغ وتخالطه رائحة أخرى لم تعلم ماهيتها
"لسة زعلانة مني؟"
غرت فاها لم تصدق ما يفعله و يقوله لها، و علي الفور قد محت من ذاكرتها كل من أفعال و كلمات جارحة صدرت منه، سرعان و أذاب قلبها بين يديه كما يشعر جسدها بالذوبان من قربه المهلك و نظراته التي جعلتها تنسي ذاتها.
"ما أقدرش أزعل منك أبداً، أنا بحبـ....
وضع طرف سبابته علي شفتيها فأصابها بقشعريرة، يخبرها بنبرة اشعلت نيران العشق بها
"كفاية كلام، و تعالي ننسي كل حاجة، أنا محتاجلك"
اختتم كلماته بدفن وجهه بين كتفها و عنقها، أخذ يقبل موضع العرق النابض لديها، اغمضت عينيها واذعنت إلي كلماته واستسلمت إلي ما يفعله من لمسات و ها همسات بكلمات عزفت علي أوتار قلبها طرباً، همهمت بترديد اسمه حتي ارتفعت قبلاته ووصلت إلي شفتيها، ابتعد برأسه و نظر إليها غارقاً في بحر الرغبة وصورة مشوشة ضربت ذاكرته وكأنه يراها علي الحقيقة، همس داخل عقله
"ياسمين؟!"
اختفت الصورة كمشهد انقطع إرساله، أطلق عنان خياله وكأنها هي، ألتقم شفتيها بقبلة مباغتة، تأوهت بألم وحاولت التملص من تلك القبلة الغاشمة
"ياسين ممكن بس..
لم يمهلها أن تكمل طلبها، فقام بتقبيلها وحملها من خصرها حتي وصل إلي المضجع، أنزلها و لم يفصل قبلته، كانت تدفعه في صدره بقوة واهنة لتستطيع التنفس، ابتعد ليلتقط أنفاسه وخلع قميصه وبدأ في خلع بنطاله، تراجعت بالتزحزح إلي الوراء بعد أن أدركت حالة الثمل التي بها، رفعت يدها كإشارة للتوقف عن ما سيفعله
"ياسين، ما ينفعش نكمل و أنت سكران، أنا مش عايزة كد.....
جذبها من قدميها ودنا منها فأصبحت محاطة بجسده ويده تمسك بطرف المنشفة التي ترتديها
"بس أنا عايز"
"ياسين، ياسين، يا....
ضاع توسلها إليه داخل جوفه و لم يكترث، نيران الرغبة في جسده قد وصلت إلي ذروتها مثل لفافة التبغ التي مازالت مشتعلة، تتوهج نيرانها وازداد الدخان و احترقت اللفافة و صوت صرخة في الخلفية فأصبحت زوجته شرعاً وقانوناً، و ما تبقي من لفافة التبغ المحترقة سوي الرماد!
❈-❈-❈
تتمايل هذه الشقراء علي الموسيقي و في يدها كأس من النبيذ الأحمر، تضع ساق فوق أخرى و عينيها كالصقر نحو القيصر الجالس وسط حاشيته في الجهة المقابلة، و بالفعل أصابت هدفها، لاحظ نظراتها فمال إلي مساعده الأقرع
"من تلك الشقراء المثيرة؟"
"دعك منها سيدي، فهذه تخص آل رومانوف، تدعي سيلينا، كانت ترافق نيكلاوس و الآن أصبحت رفيقة شقيقه فلاد و سوف يتزوجا عما قريب"
"قلت لي رفيقة فلاد، علي الرحب و السعة"
رفع كأسه كإشارة ترحيبية لها، بادلته الترحاب ونزلت من فوق الكرسي، تتمايل بخصرها المنحوت وثوبها الذي يكشف عن ساقيها و ذراعيها و يبرز أعلي مفاتنها، وقفت أمام الطاولة تبتسم بدلال سافر
"هل لي من مكان جوارك يا قيصر؟"
"بالطبع أيتها الشقراء المثيرة"
نظر إلي رجاله من حوله فنهضوا جميعاً وابتعدوا علي مسافة قريبة، اقتربت و جلست جواره
"سيلينا، هذا هو اسمي"
ابتسم بدهاء وأخبرها بمكر
"و من لا يعلم عروس آل رومانوف؟!"
جزت علي أسنانها وحاولت ألا تظهر غضبها و وارته خلف ابتسامة حية لعوب
"مجرد ترهات تقال هنا و هناك، أنا مساعدة الزعيم فقط، عرض علىّ الزواج بالفعل لكنني لم أوافق بعد"
أثار حديثها فضوله و أراد أن يعلم المزيد
"عفواً، أريد إيضاح أكثر من ذلك"
تناولت زجاجة خمر من علي الطاولة و أخذت كأسه الذي اوشك علي الانتهاء وقامت بسكب القليل، تناولت رشفة و تركت طبعة حمرة شفتيها واعطته إليه وأشارت بنظراتها نحو الكأس ليشرب من خلفها، اتسعت ابتسامته و رفع الكأس فرفعت كأسها هي أيضاً، ارتطم الكأسين وقال
"نخبك سيلينا"
"نخبك قيصر"
انتهت من الشراب و تركت الكأس لتردف
"أنا أمكث لدي فلاد لأنني أعمل معه و كنت اعمل مع شقيقه سابقاً و والدي كان يعمل لديهم، فعلاقتي بالزعيم مجرد عمل ورفاق ليس أكثر"
"لقد فهمت إذن، لكن هناك سؤال أريد أن أعلم إجابته، هل يعلم فلاد أنك هنا و تجلسين معي، فأنا عدوه اللدود"
اخفت توترها خلف ابتسامة
"هذا ما كنت سأخبرك إياه، أرجو أن مقابلتنا تكون سراً بيننا لا يعلم بها أحد، فأنا أريد منك خدمة و سأعطيك المقابل الذي تريده"
"و ما هي الخدمة؟"
و خارج الملهى علي بُعد مسافة أمتار، تتقدم السيارة نحو العنوان المنشود
"سيدي لقد اقتربنا"
لاحظ وجود بعض من رجال القيصر ينتظرون خارج الملهى فعقب
"اللعنة سيلينا، كنت أؤجل أمر هذا الوغد لاحقاً"
العودة إلي القيصر الذي انتهي من الاستماع لطلبها، سألته و تخشي رفضه
"ماذا قلت؟"
"بالطبع لن أرفض لك طلباً لكن تعلمين في عالمنا كل شيء و له مقابل، و أنا لا أريد مقابل واحد بل اثنان"
و أشار لها بأصبعيه السبابة و الوسطي
"أخبرني إياهما و أعدك لم نختلف"
"المقابل الأول أريد قضاء ليلة معك"
"و الثاني؟"
" و كما أخبرتني منذ قليل كونك مساعدة فلاد، فأنا أريد صفقة الأسلحة التي سيستلمها في إيطاليا"
لم يكن لديها فرصة للرفض فهدفها هو الأهم مهما كان الثمن الذي ستدفعه حتي لو اضطر الأمر إلي خيانة فلاد!
"أوافق"
ابتسم بانتصار و وجد أحد رجاله يدنو منه و يهمس إليه بأمر، فأسرع يخبر سيلينا
"انهضِ وارحلي علي الفور، فلاد و رجاله في الخارج"
انسحبت الدماء من وجهها، نهضت مسرعة لتختبأ قبل أن يمسك بها فلاد وهي تجلس مع عدوه، أدركت أن روجرز قد أخبره
"كان روجرز اللعين لا يمزح إذاً"
كان بالفعل قد ولج فلاد و رجاله داخل الملهى و كان في استقباله روجرز
"مرحب بك يا زعيم"
كان غاضباً حقاً و عندما يصل إلي تلك الحالة فلا يرى أمامه و يريد حرق الأخضر و اليابس
"أين هم؟"
"يا للمفاجأة السعيدة، الزعيم بذاته هنا!"
كان وجه القيصر مثير لحنق فلاد مما دفعه إلي تسديد لكمة قوية في أنفه جعلته وقع علي الأرض طريحاً
كاد يشتبك رجال القيصر مع فلاد و رجاله رفع يده و أمرهم
"لا يتدخل أحد بيني و بين الزعيم"
نهض وأخذ يمسح دماء أنفه بالمحرمة، حدق فلاد روجرز بنظرة قاتلة، أشار له الأخر بعينيه نحو الرواق المؤدي إلي المرحاض، فأمر فلاد رجاله
"انتظروا هنا"
و اتجه مسرعاً نحو الرواق، كانت تختبئ داخل المرحاض وارتدت ثياب عاملة النظافة، تدفع عربة المنظفات إلي الخارج بعد أن وضعت علي رأسها قبعة من الصوف تخفي أسفلها شعرها الأشقر، لمحت طيف فلاد الذي يقترب من المرحاض، أسرعت خطواتها دون مبالغة حتي لا تلفت انتباهه إليها.
ولج داخل الحمام فوجد شقراء موليه إليه ظهرها، جذبها من ذراعها
"ماذا تفعلين هنا أيتها الـ....
صرخت الفتاة ووجدها ليست هي، تركها معتذراً
"معذرة"
أخذ يفتح كل باب مرحاض فيجده شاغراً، غادر و نظر يميناً ويساراً لم ير سوي عاملة النظافة في نهاية الرواق، ظل يتأملها حتي اختفت عن الأنظار
توقفت أمام الغرفة الخاصة بعمال النظافة، ولجت و تركت العربة جانباً تتنفس الصعداء، عليها أن تعود إلي المطعم قبل أن يجدها و يفتك بها.
بدلت الثياب و ارتدت ثوبها و المعطف، امسكت بحقيبة يدها واستطاعت الهروب من الباب الخاص بالعمال وذلك بمساعدة أحد رجال القيصر، و في غضون دقائق كانت داخل المطعم، ولجت من الباب الخلفي لتجد المطعم خالي من الزبائن و هدوء يسبق العاصفة.
"هل كان الأمر صعباً لتبقين كل هذا الوقت داخل المرحاض؟!"
ألتفت خلفها لتجده يقف و علي شفتيه ابتسامة دبت الرعب في قلبها، فهو نقيض شقيقه حليم و صبور للغاية و إذا غضب فلن يرحمها، و تلك الابتسامة غير مبشرة علي الإطلاق.
"قمت بالاتصال بك أكثر من مائة مرة و أجد هاتفك غير متاح و لا أعلم عنك شيء، أردت التنزه قليلاً بدلاً من الكلل و الملل داخل القلعة الباردة"
لاحظت نظراته إلي أسفل حيث يمعن النظر إلي حذائها الأحمر المخملي ذو الكعب المرتفع
"ماذا كنتِ تفعلين مع القيصر داخل الملهى"
شهقت وأجابت بإنكار
"ما هذا الهراء، ملهى؟!، و من قيصر ذاك؟"
جذبها من شعرها حتي كادت تقتلع خصلاتها في يده
"أكره الكذب و خبث ومكر العاهرات ذلك، هيا أجيبِ"
"ما زالتِ تستمرين في الكذب، أنتِ من أردتِ ذلك فلتتحملي النتائج"
جذبها عنوة تحت توسلاتها إليه بأن يترك ذراعها، وصل بها إلي سيارته و دفعها إلي الداخل، وجدت أن البكاء خير وسيلة لاستعطاف قلبه، لا تدرك البكاء و العويل يضرمان نيران غضبه أكثر.
"اصمتِ"
صاح بغضب جامح مع دفعة من يده لها جعل رأسها يرتطم في زجاج النافذة ففقدت وعيها في الحال.
أصاب قلبه الذعر نحوها، أمسك برأسها وأخذ يربت علي وجهها
"سيلينا، سيلينا، كفي تمثيلاً"
تناول زجاجة المياه وقام بسكبها علي رأسها فشهقت كالعائد من الموت، فتحت عينيها رويداً رويداً لترى نظرة القلق و الخوف عليها في عينيه، بصوت خافت سألته
"ماذا حدث؟"
أطلق زفرة تنم عن الراحة التي شعر بها بعد أن اطمئن عليها و عاد الوجه الغاضب مرة أخرى
"لن أعيد سؤالي مرة أخرى، ماذا بينك و بين القيصر ليجعلك تهربين من الحارس و تذهبين إلي ملهي روجرز؟ و هناك السؤال الأول لماذا خرجتي من دون إذني"
هنا استخدمت ذكائها لتتجنب عقابه
"أنت لم تهتم بي مثل قبل وفوق ذلك تسافر بالثلاثة أيام و لم تخبرني عنك شيئاً و تضع رقمي علي قائمة الحظر لديك لكي لا أزعجك، لماذا تفعل معي ذلك؟"
عقد ما بين حاجبيه و داخله يشعر بالانتصار ها هو قد أصاب هدفه
"ألم تسألي نفسك أولاً لماذا أفعل معك ذلك؟"
"كل هذا بسبب تأجيلي لموعد الزفاف"
"و أريد تفسيرك لهذا التأجيل الغير مبرر"
"و أنا أخبرتك شرط زواجي منك أن تأخذ بثأر شقيقك، و الثأر ليس بالتخلص بمن قتله بل تقضي علي من يحبهم، عائلته"
"و أنا قد سألتك حينها لماذا تُردين ثأر شقيقي بالرغم من ما فعله بك؟، ما هو الدافع الحقيقي لديك؟"
شعرت بالتوتر والخوف من نظراته الحادة، ابتلعت ريقها ثم أخبرته كذباً
"لأن قاتل شقيقك هو السبب في إفساد علاقتي بكلاوس، كان يريد مني أن أرافقه ورفضت، حينها أخبر شقيقك أنني من أريد التقرب منه و لا أعلم بماذا أخبره أيضاً و جعل كلاوس ينتقم مني أشر الانتقام"
هز رأسه برفض معقباً
"لم اقتنع، هناك حلقة بل حلقات مفقودة، هيا سيلينا أخبريني بالحقيقة كاملة و ألا سأجعلك تندمين كثيراً إذا علمتها بنفسي"
نظرت إلي الجهة الأخرى تبتعد عن النظر إليه مباشرة لكي لا يكشف كذبها
"هذا كل ما لدي، و إن لم تصدقني دعك مني واتركني أذهب"
لم يعقب و أخذ ينظر إليها في صمت وصوت داخله يردد في رأسه
«عشقك لعنة جنت علي قلبي وروحي، كنتِ تظنين لا أعلم بما تخفيه داخلك، لكن أنا أعلم عنك ما لا تعلميه عن ذاتك حبيبتي»
انتبهت إلي صمته فألتفت إليه
"ما سبب صمتك هذا؟"
تنهد وأخبرها
"لا شيء سيلينا، لا شيء"
و نظر أمامه و يلاحظ نظراتها إليه و مدي التوتر و القلق المسيطران عليها، يبدو هذه الحمقاء لا تعلم مَنْ هو فلاديمير جيداً و كم هو يتميز بدهاء و مكر لم يضاهيه فيه أحد من أقوي و أعتى الرجال في عالمهم المظلم ذاك و إذا لم يكن كذلك فما كان قد وصل لمكانته الحالية.
وصل إلي قلعته الشامخة و الحراس منتشرون في كل مكان، نزلت من السيارة و هو خلفها
"اذهبي أنتِ و سألحق بك ريثما انتهي من شيء سأفعله"
ابتسمت بدلال واقتربت منه، وضعت يديها علي كتفيه لتخبره بنبرة لعوب
"سأنتظرك في غرفتي لأرحب بعودتك"
اقتربت أكثر و همست جوار أذنه
"لا تتأخر فأنا أشتاق إليك كثيراً يا زوجي المستقبلي"
تركت قبلة علي وجنته ثم ذهبت وتغمز بعينها، ابتسم من فعلتها و هناك سبب آخر خلف ابتسامته تلك؟!
أجري أتصالاً هاتفياً
"روجرز، أرسل لي حديثهما الذي سجلته"
"و ماذا عن القيصر، إذا علم بهذا الأمر سُيقضي علي"
"لا تقلق فأنت في حمايتي و لن يقدر هو و أمثاله علي الاقتراب منك"
"أمرك يا زعيم، لقد أرسلته لك الآن"
نظر في شاشة هاتفه ووجد رسالة صوتية بالفعل قد أُرسلت إليه، أنهي المكالمة ووضع الهاتف علي أذنه ليستمع هو فقط و عينيه نحو النافذة حيث تقف حبيبته الشقراء و تلوح له بيدها.
❈-❈-❈
إنها السابعة صباحاً كما يظهر في ساعة هاتفها، ترتشف قهوتها كما هي عادتها كل صباح، تتأمل أزهارها من شرفة الغرفة مع الاستماع إلي صوت فيروز
«شايف البحر شو كبير، كبر البحر بحبك، شايف السما شو بعيدة......»
أخذت نفساً عميقاً بمتعة لا تشعر بها سوي علي أرض الكنانة نقيض الأجواء الباردة و الغريبة في البلاد التي قامت بزياراتها مع زوجها الذي خرج للتو إلي الشرفة ووقف خلفها يعانقها
"وردتي الجميلة صاحية بدري أوي كدة ليه؟"
تركت القدح من يدها وألتفت إليه
"صحيت عشان استمتع بأحسن وأحلي جو وريحة نسيم مش هتلاقي زيها غير في بلدنا"
ابتسم و عقب
"و ياسلام علي فنجان القهوة مع صوت فيروز اللي خلوكي تقومي من حضن جوزك حبيبك و تسيبيه لوحده نايم، بقي كدة يا چيچي بيدو حبيبك هان عليكي؟!"
ضحكت من أسلوب حديثه الفكاهي المازح
"عمرك ما تهون علىّ، بس كانت وحشاني اللحظات دي أوي كنت مفتقداها الشهور اللي فاتت"
"لاء أنا كدة أغير بقي، مفيش حد يوحشك غيري أنا فاهمة يا هانم و لا لاء"
أخذت يده بين كفيها وأخذت تربت علي كفه
"عابد أنت هدية ربنا بعتها ليا بعد سنين صبر شوفت فيها كتير، أنت حب حياتي الوحيد اللي كنت بدعي ربنا ديماً أننا نكون لبعض، أي نعم أتحقق في وقت متأخر و بعد ما اتسرقت أجمل سنين عمرنا و بقينا جد و جدة، بس ده ما يمنعش أن أنا فرحانة من كل قلبي و بستمتع بكل لحظة وأنت معايا"
قام بتقبيل جبهتها ثم قبل كلا يديها
"ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي، و ربنا يبارك في اللي باقي من عمرنا وأفضل أسعدك و نعوض كل اللي فاتنا"
لاحظ نظراتها نحو الفراغ، يشغلها أمر اظهر الحزن في عينيها فجأة
"مالك يا چيهان؟، سرحتي فجأة و شكلك متضايق و حزين"
أطلقت زفرة عميقة وأفاضت عما يقلقها
"قلقانة علي الأولاد أوي يا عابد، حبيت أعملهم رجوعنا مفاجأة لاقتهم هم اللي فاجئوني، آدم و خديجة متخانقين و طالبة الطلاق، ياسين أتجوز رودينا عشان ينسي بيها وجعه علي فراق مراته و كده هيظلم التانية معاه، حتي يوسف ابني الدكتور اللي بقول عليه عاقل عو ومراته شكل ما بينهم مشاكل معرفش أي هي بس قلبي بيقولي في مصايب هاتحصل و ربنا يستر"
"ليه التشاؤوم ده يا حبيبتي، وارد جداً يحصل مشاكل ما بين أي زوجين، و هما ماشاء الله كبار و عندهم أولاد و فاهمين يعني إيه جواز و مسئولية، سيبيهم يحلوا مشاكلهم بنفسهم و لو لا قدر الله الأمر كبر وقتها هانتدخل أنا وأنتي عشان نحلها"
ابتسمت وارتمت علي صدره
"آسفة يا عابد، شغلتك بمشاكل ولادي و نكدت عليك و أنت عمال تقولي كلام حلو و رومانسي"
أبعد رأسها عن صدره وأحاط وجهها بين يديه
"أنا هازعل بجد لو كررتي كلمة ولادك دي، اسمهم ولادنا، و لا أنتي بتعتبريني غريب بالنسب لهم؟!"
"أبداً والله يا حبيبي، أنت في مقام باباهم وربنا الشاهد طول السنين اللي فاتت من مواقف و مشكلات بتحصل معاهم كنت أنت أول واحد بتقف جنبهم"
ابتسم بحب مربتاً علي كتفها
"ما تقلقيش يا قلب عابد، أنا هاخدك و نروح نزور كل واحد فيهم يوم و نطمن عليهم"
"بحبك أوي يا عابد"
حدق في عينيها بمكر مبتسماً
"و أنا مش بحبك، ده أنا بعشقك و بعشق نفسك و روحك و نبضك و كل حاجة فيكي، و يلا تعالي ندخل جوة عشان حاسس ببرد و عايزك تدفيني و أثبتلك كل الكلام الرومانسي اللي قولتهلك دلوقت قولاً وفعلاً"
ضحكت ويدفعها برفق أمامه إلي داخل الغرفة
"استني بس، طب نفطر الأول وناخد الدوا"
"فطاري ودوايا هاخده دلوقتي"
أغلق عليهما باب الشرفة الزجاجي وها غلق الستائر، كفت عن الضحك فلديهما حديث من نوع آخر.
❈-❈-❈
لقطات مزعجة تراوضه في أحلامه، ذلك اليوم الذي ظل يدفع ثمنه حتي فقدها للأبد، صرخاتها وهي تتوسل له ليبتعد عنها ويتوقف عن تمزيق ثيابها وهو يقوم بالاعتداء عليها
صرخاتها باسمه
«ياسين... ياسين... ياسين»
استيقظ بفزع ويشهق كالعائد من الموت، ظل لثواني يدرك أين هو وما يحدث حوله، وجد سكون مريب، انتبه إلي جسده العاري ويغطيه الدثار إلي خصره، وقعت عينيه علي ثوب الزفاف الملقي فوق مقعد طاولة الزينة و ثيابه المبعثرة علي الأرض، جواره منشفة قطنية كبيرة، اتسعت عينيه عندما رأي بالقرب من طرفها بقعة دماء!
لقراءة باقي فصول الجزء الرابع
لقراءة الجزء الاول جميع الفصول
لقراءة الجزء الثاني جميع الفصول
لقراءة الجزء الثالث جميع الفصول
الفصل الرابع
༺الفصل الرابع༻
غرام الذئاب
و خرت على الارض راياتي
وقطعت من آمالي الاعناق
سفني كلها ضاعت ..اغرقت
ضاع مينائي في الافاق
ملئت قصص الغدر هواجسي
و سودت افكاري للأعماق
وعانقت آهاتي حد الاحراق
قولي ما افعل في الاشواق
انت الداءِ و انت الترياق
«من أشعار سليم الخطابي»
لقطات مزعجة تراوضه في أحلامه، ذلك اليوم الذي ظل يدفع ثمنه حتي فقدها للأبد، صرخاتها وهي تتوسل إليه ليبتعد عنها ويتوقف عن تمزيق ثيابها وهو يقوم بالاعتداء عليها
صرخاتها باسمه
«ياسين... ياسين... ياسين»
استيقظ بفزع ويشهق كالعائد من الموت، ظل لثوان يدرك أين هو وما يحدث حوله، وجد سكون مريب، انتبه إلي جسده العاري ويغطيه الدثار إلي خصره، وقعت عينيه علي ثوب الزفاف الملقي فوق مقعد طاولة الزينة و ثيابه المبعثرة علي الأرض، جواره منشفة قطنية كبيرة، اتسعت عينيه عندما رأي بالقرب من طرفها بقعة دماء، داهمته ذاكرته بومضات من أحداث الأمس، باغته ألم الرأس و صفير في أذنيه، وضع كفيه علي مسامعه حتي توقف الصفير، دنا بجذعه من الأرض جوار السرير، ألتقط سرواله فارتداه أسفل الدثار ثم نهض اتجه نحو الحمام، دلف داخل كابينة الحمام الزجاجية وفتح صنبور المياه فتساقطت بغزارة علي رأسه وجسده، استند بكفيه علي الحائط الرخامي، ينكس رأسه محاولاً تذكر ما حدث أمس، عينيها تذرف الدموع وتوسلاتها له برفضها إتمام زواجه منها و حالة الثمل التي كان عليها يصاحبها قوة مفرطة جعلته كالوحش الثائر عليها.
هز رأسه برفض مرة أخرى كان وغداً و مغتصب حتي لو كانت الضحية في تلك المرة زوجته، فأخذ الحق عنوة من الطرف الأخر يصبح اغتصاباً و إذا كان مشروعاً، و شعور بذنب أكبر و هو خيانة الإنسانة التي عشقها بكل حواسه و لو كانت في حكم الأموات.
انتهي من الاغتسال سريعاً، يجب أن يصلح ما أفسده قبل أن يعيد مرة أخرى المعاناة التي ظل يدفع ثمنها منذ سنوات مع زوجته الأولي.
تبدل الوضع من الأمس، فبعد انتهائه منها حاولت النهوض برغم الألم الذي اجتاح جسدها، غارقة عينيها بدموع القهر، كانت تحلم بليلة العمر فأصبحت أسوء ليلة لن تنساها بتاً.
اغتسلت وارتدت منامة قطنية فضفاضة ثم تناولت قرص من المهدأ الذي قلما لجأت له لتفر من التفكير المهلك للأعصاب و الألم النفسي، اليوم لجأت لتناوله فراراً من الألم الجسدي والنفسي معاً.
و الآن قد استيقظت للتو وقامت بغسل وجهها وأخذت تتأمل وجهها الشاحب، لاحظت بقع الدماء المتجلطة المتفرقة علي شفتيها، عنقها لا يخلو من كدمات ناتجة عن قبلات عنيفة، رسغيها بهما آثار قبضتيه عندما قام بشل حركاتها أسفله.
انتابتها حالة من البكاء يُرثي لها، وضعت كفها علي فمها حتي هدأت و خرجت، أبدلت المنامة بثوب ذو أكمام وأخذت تمشط خصلات شعرها المبعثرة، فُتح الباب فجأة و عندما ألتفت ورأته شهقت بذعر وتراجعت إلي الخلف، ألمه قلبه من رد فعلها الذى زاده شعور الازدراء من نفسه، اتجه نحوها ورفع كفيه
"ما تخافيش مش هعملك حاجة، أنا مكنتش في وعيي إمبارح و مش عارف حصل كده إزاي، أقسملك مكنتش في وعيي خالص"
نظرتها إليه مليئة بالغضب والازدراء
"مهما كانت أعذارك عمري ما هنسالك اللي عملته فيىّ امبارح"
اغمض عينيه يعتصرها بندم
"أنا عارف الأسف مش كفاية، وماليش الحق أطلب أنك تسامحيني، بس قوليلي إيه اللي يرضيكي و أنا هاعمله؟!"
"أنا كان نفسي إمبارح نبدأ أول ليلة في عمرنا زي أي أتنين متجوزين، كان اللي يرضيني هو أنك تفتح صفحة جديدة في حياتك معايا و تدي لقلبك فرصة يحب من جديد مع حد طول عمره بيحلم أنك تكون ليه"
"و أنا محتاج لك تكوني جنبي و تساعديني عشان أبقي معاكي واحد تاني، ياسين اللي بيحب الحياة و البسمة ما بتفارقش وشه، مش مجرد واحد عايش بعقدة الذنب و علي الذكريات اللي بتاكل فيىّ و بتعذبني، أنا عارف ما ينفعش أقول اللي هاقوله قدامك، أنا عمري ما هنساها و لا هانسي حبي ليها، ياسمين بالنسبة لي كل الحياة و لما سابتني و حصلها اللي حصل خدت حياتي معاها و بقيت عايش حلاوة روح، تعبت من الحالة اللي مازالت عايش فيها، نفسي أفوق من غير ما أخسر نفسي و لا أخسر اللي حواليا، و لا أخسرك"
تشعر بصدق حديثه وحالة الضعف التي بها و توسله لها لمساعدته أن يحيا من جديد، أصبحت في حيرة من أمرها، فما حدث بالأمس ولد لديها شعور بالنفور منه و هناك صوت آخر داخلها وهو صوت قلبها الأعمى، يخبرها أن تعطيه فرصة و تأخذ بيده ليبنيا معاً حياة جديدة خالية من المعاناة، و استقرار عاطفي ونفسي دون متاعب.
اقتربت منه ووقفت أمامه، لاحظ كل آثار العنف التي تركها لها، مد يده وحاول أن يمسك يدها، يخشي رفضها أن يلمسها لكنه وجدها ترضخ للمسة يده و في عينيها نظرة الغفران
"و أنا ممكن أغفرلك كل كلمة أو فعل جرحتني بيه بس توعدني أنك ما تتخلاش عني في يوم من الأيام و تدي لقلبك فرصة يحبني زي ما أنا بحبك، و كل واحد فينا يساعد التاني أننا نتجاوز أي محنة أو عقبة سواء من الماضي أو الحاضر عشان نقدر نعيش المستقبل في سلام"
لم يجد مفر من الوعد، لعله يكفر عن جزء بسيط من خطأه، ابتسم إليها وأومأ بالموافقة
"أوعدك"
اقترب بشفتيه فأغمضت عينيها، تظن أنه سيقبل خاصتها، لكنه يحاول إدراك ما هو مقبل عليه فاكتفي بقبلة علي جبهتها و ابتعد خطوة إلي الوراء
"أنا، أنا نازل رايح مشوار وراجع تاني، عندك كل حاجة في المطبخ، افطري براحتك و لو محتاجة أي حاجة كلمي البواب و هو هيجبهالك"
زفرت بحنق ها هو قد عاد من جديد، الهروب وسيلته الدفاعية كلما اقترب منها.
بينما هو غادر الشقة و توقف أمام الباب في الخارج، ينظر نحو باب الشقة المقابلة بحنين وشوق، لم يشعر بقدميه وهو يسير نحو الباب، يخرج مفتاح من جيب بنطاله، فتح الباب و دخل ثم أغلقه خلفه، أضاء كل المصابيح فانكشفت كل تفاصيل المنزل من أثاث و أركان في كل ركن و زاوية لهما ذكريات لن تنسي، ذهب إلي غرفة النوم وفتح الخزانة، أخذ ألبوم الصور و جلس علي الأرض، يتأمل كل صورة سواء لها أو لهما معاً و صور أخيرة تجمعهما مع ابنتهما.
لمس بأطراف أنامله وجهها و ملامحها في الصورة، تجمعت دموع الحزن في عينيه فانسدلت رغماً عنه علي وجنتيه
"سامحيني، سامحيني يا ياسمين، سامحيني يا حبيبتي، عمري ما هنساكي و لا هانسي حبنا، قلبي عمره ما هايعشق و لا هايحب غيرك أنتي و بس"
أخرج صورتها وأسقط ثوبها من فوق المشجب و احتضن كليهما، اجهش في البكاء بنحيب و كأنه قد تلقي خبر وفاتها للتو، تمدد علي الأرض و مازال يحتضن الصورة و الثوب، ظل علي هذا الوضع دون أن يشعر بالوقت حتي غلبه النوم.
❈-❈-❈
يتقلب و لم يفتح عينيه بعد، يمد ذراعه ليحتضنها فلم يجد سوي الفراغ و الفراش بارد الملمس، فتح عينيه بانزعاج ونهض بجذعه يبحث بعينيه عنها فوجدها تجلس أمام مرآة الزينة تطلي شفتيها بقلم الحمرة، انتهت للتو ورأته عبر المرآة
"مارضتش أصحيك و سيبتك نايم براحتك، هاتصل عليهم هخليهم يطلعولك الفطار عقبال ما احضرلك الإسبريسو"
نهض بجذعه العاري، يرتدي بنطال قطني، اقترب منها ووقف خلفها، وضع كفيه أعلي منكبيها
"و أنتي لابسة و بتجهزي كدة رايحة علي فين؟"
رفعت وجهها تنظر له عبر المرآة و تخبره
"رايحة علي الشركة، بقالي يومين مش متابعة الشغل عشان كنا مشغولين في تجهيزات فرح ياسين ورودي، فما ينفعش أغيب أكتر من كدة لأن عندنا أوردرات لازم تتسلم قبل آخر الأسبوع"
داهمه شعور بالضيق كلما وجدها تهتم بعملها أكثر و انشغالها مؤخراً عنه، و أصبح يستغل كل فرصة لينفرد بها قبل أن تغرق في عملها كصاحبة دار أزياء محلية شهيرة.
"مالك يا قصي، سرحت في إيه يا حبيبي؟"
شبه ابتسامة علي شفتيه، يجيب عليها
"مفيش يا حبيبتي، أنا هاروح أخد لي shower يكون طلعوا الأكل و نفطر مع بعض"
نهضت و ألتفت إليه
"معلش يا روحي، أنا للأسف مش هلحق أفطر، و كمان مليش نفس، أفطر أنت و أنا هابقي علي تواصل معاك و مع داده زينات هاطمن علي الأولاد"
لم تنتظر تعقيبه علي حديثها سواء بالقبول أو الرفض، اعطته قبلة سريعة علي ذقنه و غادرت الجناح علي الفور.
جز علي أسنانه غضباً، زفر بقوة و لم يستطع التحمل فركل مقعد الزينة من أمامه.
❈-❈-❈
كان صباحاً غير معتاداً لخديجة التي استيقظت للتو علي رائحة الطعام، نظرت في شاشة الهاتف لتجد الساعة العاشرة صباحاً و إشعار رسالة تنبيه قد سجلتها من قبل فحواها كالآتي
«ماتنسيش ميعاد النيابة النهاردة»
رنين وارد من المحامي التابع لعائلة فجر، نهضت و ذهبت لتتأكد أن زوجها لم يسمعها إذا أجابت علي الاتصال، قامت بفتح الباب فوجدته أمامها مما سبب لها الفزع، رددت بسم الله بصوت خافت، صاحت بحنق في وجهه
"مش تخبط علي الباب الأول و لا لازم تخضني علي الصبح؟!"
"هو أنا لحقت أخبط، كنت لسه هارفع إيدي و هاخبط عشان أصحيكي لاقيتك فتحتي علي طول، و بعدين هو أنا محتاج أستأذن أو أخبط علي مراتي؟!"
رفعت أحد حاجبيها وأجابت لتجعله يستشيط من الغيظ
"اه محتاج تستأذن يا حضرة الباشمهندس و لا نسيت اتفاق و شروط قعادك هنا معايا؟!"
جز علي شفته السفلي و يكور قبضته ثم ضربها في الباب الخشبي
"لاء مانستش يا خديجة، بس ياريت أنتي ما تنسيش طباع جوزك، و إن أنا مفيش بيني و بين الصبر عمار"
ابتسمت بسخرية
"و تيجي علي نفسك ليه و تتحمل، ما قولتلك نفضها سيرة من الأول و نتطلق"
أخذ شهيقاً ثم أطلقه زفيراً عدة مرات ليهدأ
"شكلك بتنسي كتير يا ديجا يا حبيبتي، و زي ما بيقولوا في التكرار إفادة، مفيش طلاق يا بيبي"
و ربت علي وجنتها، أبعدت يده عنها
"بلاش تستفزني لأكلم المحامي و أخليه يبدأ في إجراءات الخلع"
تحول هدوئه الزائف إلي النقيض مما جعلها تهرب من أمامه، صاح بصوت أخافها
"خلع مين يا أم خلع، ده أنا أحبسك مكانك و أمنع عنك التليفون و أي وسيلة تواصل و أخليكي تترجيني عشان نرجع علي القصر"
رفعت سبابتها بتحذير
"لو سمحت ألتزم أدبك معايا في الكلام، إيه أسلوب سواقين التوكتوك اللي بتكلمني بيه ده؟!"
ضحك بسخرية معقباً
"هو أنت لسه شوفتي حاجة؟!، البركة فيكي يا هانم، بعد ما كنا عايشين في القصر خلتيني كل يوم اصطبح بوش حموكشة و زرجينة و الخناقات اللي كل يوم بتحصل في قلب الحارة ووصلة الشتايم و الردح و لا كل ما أمشي خطوة ألاقي واحد من الشمامين اللي بيبيعوا مخدرات يوقفوني بيسألوني أن كنت عايز اشتري حشيش و لا هباب أزرق علي دماغهم"
ضحكت رغماً عنها
"اضحكي، اضحكي، يبقي أنا سايب شغلي و حالي و مالي و قاعد معاكي عشان ما ينفعش اسيبك لوحدك و كل شوية علي بوقك كلمة نتطلق، نتطلق"
انتبهت إلي وميض شاشة الهاتف و تذكرها لموعد شهادتها في سراي النيابة، اقتربت منه و فاجأته بعناق قوي
"حبيبي يا دومي، أنا بحب أستفزك، أنا ما أقدرش استغني عنك يا جوزي يا حبيبي يا أبو ابني"
كانت تدفعه إلي الخارج و تعجب من رد فعلها، وجد نفسه خارج الغرفة وابتعدت عنه لتصبح هي بالداخل
"عن أذنك بقي يا حبيبي عشان ألحق أغير هدومي لأن ورايا مشوار مهم و ما ينفعش أتأخر"
أغلقت الباب في وجهه وأوصدت القفل
"مشوار إيه و النهاردة أجازة من الجامعة"
أجابت وتعد ثيابها علي عجلة من أمرها
"هقابل واحدة صاحبتي كنت قايلة لها تصور لي المحاضرات عشان عندنا امتحانات ميدترم"
"مفيش نزول غير لما تفطري الأول"
صاحت تخبره كذباً
"أنا صايمة، افطر أنت"
" ده النهاردة السبت و لا هو اتنين و لا خميس و لا حتي رمضان و لا الستة البييض، أنتي غيرتي الملة و لا إيه يا شيخة ديجا؟!"
"إحنا في التلات أيام القمرية يا باشمهندس والنهاردة أول يوم"
زفر بحنق و أدرك أنها تتهرب منه فأراد أن يضيق عليها الخناق
"خلاص أنا كمان هغير هدومي و أجي أوصلك"
كانت قد انتهت من تبديل ثيابها سريعاً، فتحت الباب و خرجت
"لاء، قصدي مفيش داعي أصلي طلبت أوبر، خليك أنت هنا أفطر و أنا هارجع علي طول و عشان نروح نزور ماما چيهان و uncle عابد"
ضيق عينيه بعد أن لاحظ تفرك يديها معاً، و تلك الحركة تفعلها كلما تشعر بالتوتر و القلق
"فيه حاجة مخبياها عليا؟"
ولت ظهرها إليه لتخفي نظرة القلق علي وجهها
"هاكون مخبية عنك إيه يا حبيبي، مفيش حاجة، ده أثر الصيام ما تاخدش بالك"
"تمام يا خديجة، روحي و خلصي مشوارك بسرعة و ياريت ما تتأخريش"
ألتفت لتنظر إليه بابتسامة حتي لا يشك في أمرها
"تسلم يا دومي يا حبيبي"
ركضت من أمامه لترتدي حجابها تحت نظرات تعجبه واندهاشه، فتحدث مع ذاته
"يا تري مخبية إيه عليىّ يا خديجة؟!"
بعد قليل...
قد غادرت هي و هو جلس ليتناول الفطور، صدح رنين هاتفه فنهض قائلاً
"شكلها نسيت حاجة"
وجد المتصل المحامي الخاص به الذي وكله لمتابعة قضية فجر و باسم حرصاً علي سلامة زوجته و حماية لها من شر و تهديد عائلة باسم إذا قامت بأدلاء شهادتها
أجاب في الحال
"فيه جديد في القضية؟"
أخبره المحامي
"مش عارف أقول لحضرتك إيه، التحقيق اتفتح و النيابة طلبت شهادة مدام خديجة، و لسه جايلي خبر أن محامي أهل فجر مستنيها قدام سراي النيابة عشان تحكي عن اللي شافته بحكم إنها شاهد عيان علي محاولة القتل"
اتسعت عينيه فها هو اتضحت له كل الأمور التي اخفته عنه
"تسلم يا متر معلش مضطر أقفل معاك و ألحقها بسرعة قبل ما توصل"
أنهي المكالمة و قبل أن يتحرك لتبديل ثيابه فوجد كل ثانية تأخير خطر علي زوجته، تناول مفتاح سيارته و هاتفه
"بتكذبي عليىّ يا خديجة و رايحة تنفذي برضو اللي حذرتك منه، صبرك عليا لما أشوفك"
❈-❈-❈
"إينما أنا عاملة لكم صينية بسبوسة بالقشطة، من اللي كنتي بتخليني أصحالك نص الليل عشان أعملهالك"
وضعت الجدة طبق حلوي البسبوسة أمام دنيا الشاردة و يبدو علي وجهها علامات الإرهاق و التعب
لم تتحمل الأخرى رؤية أو شم رائحة الحلوى وتفوح منها رائحة السمن و القطر، أبعدت الطبق من أمامها
"بالله عليكي يا تيتا، ابعدي الطبق ده عن وشي، مش طايقه ريحته"
فطنت جدتها الأمر في الحال، هللت بسعادة
"يا ألف نهار أبيض، عملتيها رابع؟!، يا ماشاء الله، ألف مبروك و ربنا يزيد و يبارك"
كان علي وجهها ملامح الحزن وردها المقتضب علي تهنئة الجدة التي شعرت بالقلق لصمت و حزن حفيدتها
"بت يا دنيا، مالك مش فرحانة ليه؟، هو جوزك مزعلك و لا يكون نكد عليكي لما عرف أنك حامل؟"
"أنا اللي مش عايزة الحمل ده"
ضربت الجدة بكفها علي صدرها
"يا نهارك اللي مش فايت، بت يا دنيا، أنتي اتجننتي؟!، ربنا بعتلك رزق و نعمة و أنتي تقولي مش عايزاها؟!"
"لأن لا ده و قته و أنا نفسياً مابقاش عندي طاقة أتحمل حمل وولادة، أنا لسه ما فوقتش من يزيد"
لكزتها الجدة في كتفها و قامت بتوبيخها
"معلشي يا قلب ستك أتحملي و تعالي علي نفسك التسع شهور و قومي بالسلامة و أنا اللي هربيه و أخد بالي منه زي ما ربيتلك أخواته"
نهضت من جوارها ووقفت تخبرها بإصرار
"لو سمحت يا تيتا، دي حياتي و أنا حرة"
أمسكت الجدة العصا المعدنية التي تتكأ عليها و نهضت
"قولتيلي بقي يا عين ستك دي حياتك و أنتي حرة فيها، الكلام ده لمين يا بت"
و قامت بضربها علي أسفل ظهرها بالعصا، صاحت الأخرى
"اه يا تيتا، العصاية بتوجع، حرام عليكي"
كفت الجدة عن ضربها
"و هاكسرلك بيها دماغك الناشفة دي لو ما أتعدلتيش يا بنت ابني، قال مش عايزة الحمل قال، ده جوزك لو سمعك هينفخك"
كانت تضع يدها علي أثر الضربة و تخبر جدتها بتردد
"ما أنا قولتله مش عايزاه"
شهقت الجدة وجحظت عينيها
"يخربيت عقلك، و عمل إيه لما قولتي له؟"
"ماردش عليا و ما بيكلمنيش ورجع يتجاهلني تاني"
"طبعاً عنده حق، و محدش يقدر يغلطه المرة دي، ما أنا معرفتش أربيكي"
"يا تيتا افهميني، أنا الضغط النفسي اللي مريت بيه طول السنين اللي فاتت عمل تراكمات جوايا، ما بقاش عندي قدرة لإحتمال أي شىء، محتاجة فترة راحة نفسية و خايفة أظلم اللي في بطني"
"بصي يا بنت ابني، لو كنتي فاكراني أكمني جاهلة و مش ههفهم من كل اللي قولتيه ده حاجة تبقي غلطانة، أنا الزمن علمني اللي دكتور الجامعة نفسه ما اتعلمهوش، نفسيتك التعبانة دي دواها تقربي من ربنا و تقربي من جوزك اللي عمال يعملك البدع عشان ترضي عنه وتسامحيه علي اللي فات، لكن دماغك اللي زي حجر الصوان دي مخلياكي تقلانه علي الراجل و مزعلاه، ربنا غضبان عليكي عشان كدة هاتفضلي في عدم راحة و مش هطيقي اي حاجة و أولهم نفسك"
عقبت بدفاع و قلب ملتاع
"ربنا يعلم يا تيتا أنا مش مقصرة في أي حق من حقوقه، و بعامله بما يرضي الله"
"أيوه بتعامليه بما يرضي الله بس من غير نفس يا قلب تيتا، و دي ما تبقاش عيشة"
"و قلبي مش زرار يا تيتا عشان أدوس عليه يقوم ناسي في يوم و ليلة اللي عمله معايا طول السنين اللي فاتت، أنا قولتله أن سامحته و فتحنا صفحة جديدة مع بعض، لكن لسه جوايا غصة في قلبي مش عايزة تروح، كل ما افتكر اللي فات أتقهر"
اقتربت منها جدتها وربتت علي كتفها بحنان
"بعد الشر عليكي يا ضنايا من القهرة، ربنا يريح قلبك و يهدي سرك، حاسة بيكي و عارفة ما أنتي طالعة لي ما بتنسيش بسرعة، بس أوقات مضطرين نتعايش مع الوضع المفروض علينا لحد ما النفسية تهدي، و ده مش عشان إحنا، ده عشان الولاد و البيت اللي بنحافظ عليه، و الحمدلله ربنا هدالك العاصي و خلاه نفسه يجيبلك حتة من السما و يحطها ما بين إيديكي و يشوف في عينيكي نظرة الرضا"
انتابها البكاء فشهقت و أخذت تبكي بين ذراعي جدتها
"تعبت يا تيتا، تعبت أوي"
"عيطي يا حبيبتي عيطي، دي هرمونات الحمل قالبة معاكي بنكد، شكلك حامل في بت، الله يرحمها أمك فضلت شهور الوحم و هي حامل فيكي تعيط و تنكد علي أبوكي لحد ما هو كمان بقي يعيط و أنا لما شوفتهم كده قعدت جمبهم أعيط، الله يرحمهم ماتوا وارتاحوا و سابولي بومة عمالة تنوح"
ضحكت رغماً عنها من بين دموعها
"أنا بومة يا تيتا؟!، الله يسامحك"
"أيوه بومة، هخاف منك يعني و لا إيه، و قومي يلا اغسلي وشك و حطي لك شوية أحمر وأخضر داري بيهم وشك اللي بقي شبه الكركم ده، و روحي لجوزك صالحيه و فهميه أنك ما تقصديش حاجة"
"هو أنا زعلته عشان أصالحه؟"
"اه زعلتيه و هتصالحيه، و لا معملتيش كده يبقي ما اشوفش وشك هنا تاني و انسي إن ليكي تيتا"
"حاضر يا تيتا، هاسمع كلامك، و عشان أنفذه بضمير مضطرة أسيبلك الولاد، عن إذنك بقي يا دوب أروح أجهز حالي و شقتي"
قامت بتقبيل يد جدتها و ذهبت، ابتسمت الأخرى
"ربنا يهديلك الحال يا دنيا و يهدي سرك أنت و جوزك قادر يا كريم"
❈-❈-❈
تشاهد فيديو بعنوان كيف تصبغين شعرك في المنزل، تتبع الخطوات وتقوم بتطبيقها، ضغطت علي علامة إيقاف التشغيل، نظرت إلي المرآة لتكمل وضع بقية الصبغة علي خصلات شعرها الكثيف.
دخلت ابنتها إليها تسألها
"ماما، مش لاقيه الفستان الأحمر بتاعي في الدولاب و أنا المفروض عندي درس بعد ساعة"
كانت منشغلة بوضع الصبغة و تردد التعليمات بصوت خافت
"كدة حطيت صبغة التفتيح، يبقي ناقص كدة صبغة اللون اللي أنا عايزاه"
"يا ماما، ردي عليا"
سألتها ابنتها بصياح، ألتفت الأخرى و صرخت في وجهها
"سمعتك خلاص، ماما، ماما، ماما، إيه بغبغان! "
رمقتها ابنتها بامتعاض و كادت تذهب، اوقفتها
"تعالي هنا، فستانك متعلق في الدولاب"
"دورت عليه مش موجود في الدولاب و لامتعلق"
"و لو جيت يا ريتاچ و طلعته لك بنفسي هخليكي تغسلي كل يوم المواعين؟"
تراجعت علي الفور تعلم أن والدتها لا تمزح و تعاقبها بأعمال البيت رغم صغر سنها
"خلاص يا ماما، هاروح أدور تاني عليه كويس، شكلي ما أخدتش بالي"
ذهبت ابنتها و جاء ابنها يسألها
"ماما ممكن ألعب بموبايلك شوية؟"
"لاء يا سالم، عشان بعد كدة تسمع الكلام و تخلص الواجب أول بأول و الميس بتقعد تشتكي لي منك، لما تتعدل و ألاقيك شاطر هخلي بابا يشتريلك موبايل"
"طيب هتخلي بابا يشتريه لي امتي؟"
"لما تبقي شاطر"
"اعتبريني بقيت شاطر و قوليلي امتي؟"
صاحت في وجهه
"ولاه، امشي من وشي ألاقيها منك أنت و لا أختك و لا من أبوكم، خلوني أخلص العك اللي بعمله ده، يكش نعجب أبوك في الأخر و يبطل بص علي المزغودة اللي ساكنة جنبنا"
حدق ابنها إلي شعرها فانطلق في الضحك
"بتضحك علي إيه يا أهبل؟"
وضع سالم كفه علي فمه و بيده الأخرى أشار لها نحو شعرها، ألتفت نحو المرآة، صرخت
"يالهوي، شكلي تقلت في بودرة الأكسجين، ده أنا بقيت شبه العجوز الشمطاء، لهتوني و نستوني أغسل شعري يا ولاد الـ.... "
ركضت إلي الحمام و دنت برأسها أسفل صنبور مياه الحوض، كلما تدلك خصلاتها لتزيل الصبغة تجد شعرها يتساقط بغزارة، رفعت رأسها فوجدت الحوض امتلأ بشعرها نظرت سريعاً إلي المرآة فأطلقت صرخة جعلت ابنها و ابنتها يهرعا إليها ليرى كليهما ماذا حدث لوالدتهما و كانت الصدمة!
وصل طه بعد قليل من الخارج منادياً
"سالم، يا ريتاچ، شوشو"
ركضت ريتاچ نحوه و قامت بعناقه و كذلك صغيره سالم
"حمدالله علي السلامة يا بابا"
"حبايب بابا، أومال فين ماما؟"
نظر الصغيرين إلي بعضهما فابتسما ثم ألتفت كليهما إلي والدهما، فأخبره ابنه
"بص يا بابا هنقولك علي حاجة بس أوعي تقول لماما إن إحنا اللي قولنالك، اتفقنا؟"
أُثير فضوله فأومأ إليه
"ربنا يستر، يارب ما تكنش عملت مصيبة، و لا تكون قتلت روميساء و حطتها في أكياس!، دي قادرة و تعملها"
انتهي من همهمته مع نفسه فسأل ابنه:
"قول يا سولي"
مال الصغير إلي أذن والده و أخذ يروى له ما حدث مع والدته، كبت الأخر ضحكته حتي لا تسمعه زوجته التي مكثت في غرفة النوم تلف وشاحاً علي رأسها وتعقصه إلي أعلي، تبكي علي شعرها الذي احترق و تساقط بسبب سوء الاستخدام، سمعت صوت باب الغرفة يُفتح و دخل زوجها، كان يكبت ضحكته عنوة حتي لا تظن أنه يسخر منها.
"شوشو، نايمة و لا صاحية يا حبيبتي؟"
نهضت بجذعها وانفجرت في البكاء
"شعري باظ يا طه، كنت عايزه أصبغه و أعمل مفاجأة عشانك"
قام بمعانقتها فبالرغم من المشاكل التي لا تنتهي بينهما بين شد و جذب لكن هناك حب ووصال، لن يتحمل دموعها حقاً، أخذ يربت عليها
"حبيبتي اهدي مفيش حاجة تستاهل أنك تعيطي و تعملي في نفسك كدة"
رفعت رأسها عن صدره وأخبرته من بين عبراتها
"أنا بعيط علي شعري اللي باظ، ده كان أحلي حاجه فيا شعري، كان الكل بيحسدوني علي تقله و نعومته، و أنا بغبائي روحت دمرته"
"يا شيماء مش أنا قولتلك يا حبيبتي روحي لأكبر بيوتي سنتر و ملكيش دعوة بأي فلوس، إحنا الحمدلله ربنا كرمنا من وسع و عاملك فيزا سايبلك فيها مبلغ محترم عشان تشتري و تعملي اللي أنتي عايزاه؟"
أومأت إليه وأخذت محرمة ورقية من العلبة فوق الكمود وقامت بتجفيف سيل أنفها بصوت مقزز، رمقها بامتعاض
"لا مؤاخذة يا أخويا"
"أخوكي؟!، و لا يهمك يا حبيبتي"
"أنا فعلاً روحت سألت في بيوتي سنتر كانت قايله لي عليه كارين دخلت أسأل عن صبغة الشعر بكام، لاقيت بت شبه السحلية قعدت ترتطم بالإنجليزي و مفهمتش منها حاجة و في الأخر إديتلي زي كتالوج صغير شبه منيو المطعم، قعدت خليت البت ريتاج تترجم لي لاقيت أرقام عجيبة و غاليين أوي، دي البت توحة اللي في الحارة بتعمل صبغة و بروتين و بطلع الواحدة عروسة و هما 500 جنيه اللي بتاخدهم"
اغمض عينيه و ظل يردد كلمات لم تتمكن من سماعها، زفر بنفاذ صبر
"أنا و لا هتخانق معاكي و لا هلومك و لا هعاتبك، كفاية اللي حصل لشعرك ده أكبر عقاب ليكي، و أبقي خلي توحة تعالج لك شعرك بالجاز اللي بتحطه ليكم و تفهمكم إنه بروتين، و أنا مني لله لو قولتلك تعملي حاجة تاني"
نهض من أمامها فأجهشت في البكاء مجدداً
"شمتان فيىّ ليه ده أنا قولت أوفرلك "
"اسكتي يا شيماء لأنك كل ما تتكلمي بتعكيها أكتر و بتخليني أقعد أدعي علي نفسي"
نهضت واقتربت منه
"بعد الشر عليك يا حبيبي، ده أنا ماليش غيرك، أنا خلاص مش هاتصرف من دماغي تاني، وهاعمل اللي هاتقولي عليه"
رفع أحد حاجبيه وسألها
"و لو حصل عكس كدة، اعمل معاكي إيه؟"
ابتسمت بدهاء أنثى بلهاء
"أنت قلبك طيب و بتحبني و بالتأكيد مش ههون عليك تزعلني"
"ماشي يا شيماء"
احتضنت عنقه بين يديها، تسأله بدلال
"ماشي يا شيماء كدة حاف؟"
تظاهر بعدم الفهم
"حاف إزاي يعني؟"
"و أنا اللي بقول عليك بتفهم من النظرة، أخص عليك"
عقب وهو يتأمل ربطة الوشاح العجيبة
"لاء فاهم، بس ربطة الإيشارب العجيبة دي مخلياني شايفك شخصية ظريفة اللي كانت في المسلسل اللي بيجي زمان"
شهقت بصدمة ولكزته في صدره
"نهارك مطين، أنا ظريفة؟!، لاء كدة أقلبلك علي الوش التاني"
رفع كفيه
"بس لا تاني و لا تالت، أنا أصلاً كنت جاي أخد حاجة و نازل"
"استني هنا، رايح فين؟"
"و من امتي و أنتي بتسأليني رايح فين"
ظن أن سبب سؤالها بدافع الغيرة، فأجابت لتقلب كل توقعاته رأساً علي عقب
"خد شنطة الزبالة معاك و أنت نازل"
جز علي أسنانه بحنق شديد و تركها، أخذ يردد في طريقه
"يارب، صبرني علي ما ابتلتني بيها يارب"
و أغلق الباب خلفه بعنف
"بقي أنا بلوه يا طه، ماشي لما ترجع، حسابك معايا لما تيجي"
❈-❈-❈
أصوات تنبيه السيارات يصدح هنا و هناك، و أصوات صاخبة ما بين السائقين و أصوات أغاني و موسيقي، و من بين كل هؤلاء، تجلس في حالة قلق، تنظر كل فينة و الأخرى إلي الساعة، تخشي التأخير، تتجاهل اتصال زوجها المتكرر، لا تريد الكذب أكثر من ذلك عليه، ستؤدي واجبها و تعود سريعاً، لا تدرك أنها بما ستفعله تلقي بنفسها في عش الدبابير.
و علي مقربة مسافة أمتار قليلة، تقف سيارة زوجها في وسط هذا الزحام الخانق، يكاد يجن جنونه
"ردي عليا يا خديجة، يا غبية هتودي نفسك في داهية"
لا رد منها، ألقي هاتفه علي المقعد المجاور بغضب، انتبه إلي سيارة سوداء لا تحمل لوحة أرقام داخلها رجال غريبون الهيئة، الإجرام والشر سيماهم علي وجوههم، ازداد خوفه أكثر و أكثر علي زوجته
"لازم ألحقها"
تحركت السيارات و بدأ يقل الازدحام شيئاً فشيئاً، لم يجد مفراً سوي أن يكسر الإشارة و يعبر سريعاً ليلحق بسيارة الأجرة حتي وصل إليها و سار بمحاذاتها، أخذ يضغط علي الزمور، فانتبه السائق و هي أيضاً، انتفضت حين تلاقت عينيها بعينيه، صاح في السائق
"اقف علي جمب و نزلها بسرعة"
صاحت خديجة بأمر
"ما تسمعش كلامه و كمل طريقك، مفيش وقت"
سألها السائق
"هو قريبك يا مدام؟"
نظرت إلي زوجها ويصيح بغضب مشيراً إليها بيده
"قوليله يوقف و ينزلك بسرعة يا غبية"
استشاطت من الغيظ لأنه نعتها بالحمقاء
"و عشان طول لسانك ده مش نازلة، سيبك منه يا سطي ده لا قريبي و لا أعرفه"
تعمدت قول ذلك بصوت مرتفع فكان آدم في حالة غضب عارم، ود لو قفز من سيارته ليقبض علي نحرها
"يا مدام الراجل ده عمال يقفل علييّ في الطريق و العربية دي أكل عيش و عليها أقساط لو حصلها حاجة و لا أنتي و لا هو هاتنفعوني"
توقف فجأة بجوار الرصيف فأردف
"اتفضلي أنزلي يا مدام"
"أنزل إيه مفيش وقت"
"و أنا مش عايز مشاكل، لو عندك مشاكل مع البيه حلوها بعيد عني"
"بقي كدة طب و....
لم تكمل وعيدها حيث وجدت باب السيارة يُفتح، و يجذبها آدم من ذراعها
"أنزلي يلا و تعالي معايا، و لو سمعت صوتك هوريكي وشي التاني هخليكي تكرهي حياتك"
جزت علي أسنانها بحنق، رضخت لأمره و نزلت من السيارة فانطلق السائق، فتح زوجها باب سيارته
"يلا أطلعي اركبي بسرعة"
وقفت بتحدي ورفض
"مش طالعة و لا رايحة معاك، و روح قول للي قالك أنا رايحة فين، أنا ما بخافش و هاشهد بالحق و هاجيب حق فجر"
"مش هاتروحي يا خديجة، و كلامي هو اللي هايمشي، و إن كنتي مش خايفة علي نفسك أنا هاتصرف"
"ما تزعقليش، و أوامرك دي علي نفسك مش عليا"
و إذا بصوت طلقات نارية عشوائية أطلقت صوبهما، هبطت و اختبأت بين ذراعيه صارخة باسمه، و كان يحاوطها بجسده، و في لحظات فرت السيارة
نظر إليها آدم بقلق و خوف، يلتقط أنفاسه من هول الموقف
"أنتي كويسة؟"
أومأت خديجة و الدموع في عينيها، سألته بقلق
"و أنت؟"
شعرت بسائل دافئ علي ذراعه المتشبثة به، رفعت كفها لتجد دمائه المتدفقة حيث أُصيب برصاصة في عضده.
❈-❈-❈
هبط علي الدرج حتي وصل إلي بهو الفناء، وجد جارته تقف جانباً وجوارها حقائب عديدة، تمسك بالهاتف تجري اتصالا، تزفر بضيق
"راح فين ده بس دلوقتي"
اقترب طه نحوها مبتسماً
"أي خدمة؟"
"لاء، شكراً يا أستاذ طه"
انتبه إلي لقب أستاذ، و حديثها يخلو من ابتسامة نقيض ما كانت تتحدث معه قبل ذلك، تدخل بذكاء لمعرفة سبب معاملتها الجافة
"لو بتتصلي علي البواب، مش هتلاقيه لأنه مسافر و راجع بالليل، لو عايزاه عشان الشنط أنا هشيلهالك وأطلعهالك لحد شقتك"
ألقت هاتفها داخل حقيبتها
"بلاش أحسن ما أسبب لحضرتك مشاكل مع مدام شيماء"
"مفيش مشاكل خالص، لو قصدك لما كنا في المستشفى ده كان سوء تفاهم و المدام ماكنتش تقصد تضايقك"
"تمام، حصل خير"
و دنت من الحقائب لتحملها بيدها و الأخرى مازالت في الجص الطبي، سبقها و حملها عنها
"عنك، مش هاتقدري تشيلي كل ده بإيد واحدة"
ابتسمت وسلبت ابتسامتها عقله، ابتلع ريقه وتقدمها
"أنا هاسبقك"
"استني، هانطلع مع بعض"
ذهب كليهما ودخلا إلي المصعد، ضغط علي رقم الطابق، تحرك المصعد لأعلي طابق واحد ثم توقف فجأة وقُطع التيار، صرخت
"إيه ده، هم رجعوا يقطعوا الكهربا تاني؟!"
أخرج هاتفه وقام بتشغيل ضوء الفلاش، نظر إلي الساعة
"اه كانوا نبهوا امبارح الكهربا هاترجع تقطع ساعة كل يوم"
"ساعة!!، ساعة هانفضل محبوسين في الأسانسير و النور قاطع، أنا عندي فوبيا من الضلمة و الأماكن الضيقة"
ابتسم الأخر بمكر
"أنتي تخافي و تتخنقي لو كنتي لوحدك، لكن بالتأكيد الموضوع هيبقي أهون و أنا معاكي، و لا أنتي شايفه إيه؟"
"عندك حق، بس الجو حر أوي"
باغتها باقتراح فج وسافر
"اقلعي"
اتسعت عينيها و كادت تعقب قاطعها بعد أن حمحم فأصلح حديثه سريعاً
"قصدي ممكن تقلعي البليزر اللي أنتي لابساه لأنه هو اللي مخليكي حرانة"
"تصدق فعلاً، أنا كنت لبساه عشان كان عندي meeting مع شركة إعلانات عقارات، كانوا عايزين موديل"
خلعت السترة من ذراع وليتها ما قامت بخلعها، ترتدي أسفله كنزة بحمالات رفيعة وضيقة للغاية تحدد و تظهر تفاصيل جذعها وتفاصيل أخرى جعلته يبتلع ريقه ويشعر بارتفاع في حرارة الطقس!
"معلش ممكن تساعدني، مش أعرف أخلع الكوم التاني"
انتبه إلي طلبها فأومأ إليها، و كانت المساعدة جعلته علي مقربة شديدة منها، لم يتحمل هذا القرب المهلك له، انتفض بعيداً وحاول أن لا ينظر إليها.
"مالك يا طـ...
قاطعها عودة التيار سريعاً، ضغط علي زر الصعود للطابق الذي يقطن كليهما به، حمل الحقائب وتوقف أمام باب الشقة دون أن يتكلم أو يلتفت إليها.
"معلش عطلتك معايا، thank you "
"أبداً و لا تعب و لا حاجة، عن إذنك"
ذهب إلي المصعد لينزل فانتبه إلي سوار ذهبي رفيع، يبدو قد وقع من رسغها دون أن تنتبه، أخذه وعاد إليها، وجد الباب غير مغلق وصوت لرجل يتطاول عليها بحديث فظ و لا أخلاقي
"ما أنتي عايشة علي كيفك و دايرة علي حل شعرك و لا كأن ليكي أهل"
"لأخر مرة بقولك أطلع برة و مش عايزة أشوف وشك تاني، إحمد ربنا ما بلغتش فيك لما ضربتني و كسرتلي دراعي، و ده مش عشان خاطرك ده عشان خاطر ماما"
"مش طالع غير لما تديني الفلوس اللي قولتلك عليها لإما أكسرلك دراعك التاني"
"يا أخي حرام عليك، بتستقوي عليىّ و عايز مني فلوس كل ده عشان الهباب اللي بتشربه؟!"
"الهباب ده اللي حايشني عنك، كان زماني دفنك و اغسل عارك، بدل ما أنتي مجرسانا في كل حتة و عملالنا فيها بلوجر و بتتصوري مع الرجالة"
"اخرس يا سافل"
صياحها تزامن مع صفعة هبطت بها علي وجهه، زمجر الأخر كالوحش
"بتمدي إيدك عليىّ يا بنت الـ.... "
أطلقت صرخة مدوية، ركض طه سريعاً ليجد الرجل الغريب يعتدي عليها بالضرب والسباب
"ماتمدش إيدك عليها يا حيوان"
لكمه بقوة في وجهه، نظر الأخر له بشرٍ
"و أنت مين أنت كمان يا..... "
و نهض فلكمه في عينه، صرخت روميساء واقتربت من طه
"طه معلش حقك عليىّ أنا، ملكش دعوة بيه، ده حاتم أخويا"
حدقه طه بازدراء فسألها شقيقها بسخرية لاذعة
"و مين سي طه؟، زبون من زباينك إياهم؟"
"زباين إيه الله يخربيتك، ده جارنا وراجل محترم، أقسم بالله لو ما ممشيتش يا حاتم لهتصل بالبوليس وأقولهم أنك جاي تتهجم عليىّ و هخلي الجيران يشهدوا عليك"
يخشى تهديدها لكنه تظاهر عكس ذلك، جز علي شفته السفلى بحقد فأخبرها بوعيد
"أنا ماشي، بس يكون في علمك مش هاتقدري تخلصي مني و هاتلاقيني طلعلك زي القدر المستعجل و أنتي وحظك بقي، سلام يا بلوجر"
لوح بيده ساخراً و ذهب، ركضت تغلق الباب خلفه ثم عادت إلي طه الذي يتحسس أثر الضربة علي عينه وعظمة وجنته
"آسفة مرة تانية يا طه، مكنتش حابة تشوف البني آدم ده و لا يحصل اللي حصل"
"هو بيعمل معاكي كده ليه؟"
أجابت بخجل وحرج
"أصله، أصله مدمن، و كل ما أروح في مكان يعرفه و يجي عشان ياخد مني فلوس، يا إما يضربني، و عشان أخلص منه و أذيته بضطر أرميله قرشين"
"ما تودوه مصحة أحسن، كده خطر عليكي و علي اللي حواليه"
"وديناه و هرب منها، هو خلاص ضيع نفسه وضيعنا معاه"
"بس أنتي غلطانة لما تنازلتي عن حقك لما كسرلك دراعك"
"مكنش ينفع أحبسه، عشان خاطر ماما، أنا حبسته قبل كده وهي تعبت واتحجزت في المستشفى، كانت هاتضيع مني"
"ربنا يهديه"
"يارب، يوه شوفت خدنا الكلام و نسيت أجيبلك تلج تحطه علي خدك، ثواني"
ذهبت لتجلب قطعة ثلج وضعتها داخل قطعة قماش خفيفة، عادت إليه واقترب منه للغاية
"معلش هي هتلسعك في الأول، استحملها"
كان لا يشعر بألم اللكمة أو برودة الثلج قدر ما يشعره من نيران مشتعلة في قربها، تزيح خصلاتها عن وجهها وترجعها خلف ظهرها، فتعطي له مساحة من رؤية ما كانت تغطيه الخصلات.
أمسك يدها فجأة
"كفاية"
"عشان حوالين عينك ما يورمش، مش كفاية إنه حصلك بسببي، بجد يا طه أنا عمري ما قابلت حد في جدعنتك و لا شهمتك، بجد يا بختها بيك مراتك"
"مفيش داعي للشكر، ده واجب عليىّ"
تركت قطعة الثلج علي منضدة مجاورة لها ثم وضعت يدها علي وجنته تسأله
"و يا ترى الواجب ده بتعمله مع كل الناس و لا مع اللي بتحبهم؟"
ابتلع ريقه وأنزل يدها برفق
"مع أي حد في محنة أو محتاج مساعدة"
"بس اللي شايفاه في عينيك ما يقولش إن أنا أي حد، قصدي يعني إن ليا معزة أو مكانة خاصة"
"و أنا شايف إن لازم أمشي، عن إذنك"
اعترضت طريقه وأمسكت يده
"ليه بتهرب؟، أنا و أنت فاهمين بعض كويس، من أول يوم شوفتني فيه و بالك مشغول بيا، و أنا كمان حسيت بنفس الشعور"
"روميساء أنتي فاهمة غلـ...
وضعت أطراف أناملها علي شفتيه
"بلاش تنكر مشاعرك، اهتمامك بيا و متابع كل أخباري علي السوشيال ميديا، سواء نزلت صور أو ريلز، كل ده معناه حاجة واحدة بس"
لا يعلم بماذا يجيب أو يعقب، كان لا يتوقع تلك المواجهة وتصريحاتها الصادمة، هو لم يعرف الحب سوي مع زوجته، لكنه كمعظم ابناء آدم يقودهم الهوى إلي كل أنثى مختلفة وجذابة ومثيرة للاهتمام.
"أنا مش هانكر، بس اللي حسه مجرد إعجاب، زي الفانز بتوعك علي حسابك، شايفين واحدة جميلة، فيها مواصفات فتاة أحلامهم"
"أيوه معجب، بس إعجابك بيا غيرهم، إعجاب من نوع تاني، و كل ما بتقرب مني حاجة جواك بتبعدك، لأنك بتحب الأصول وبتخاف تغضب ربنا، نقدر نقول عايز اللي نفسك فيه بس بالحلال"
احاطت وجهه بين كفيها واستطردت أمام شفتيه
"و أنا نفسي أعيش مع اللي بحبه في الحلال، من الأخر يا طه أنا موافقة أكون الزوجة التانية و أي شروط هتقولها أنا موافقة عليها من قبل ما أعرفها، أنا بحبك"
وكادت تقبله فاوقفها رنين هاتفه الذي كان نجدة له قبل أن يقع في المحظور، وجد المتصل شقيقته فاجاب
"ألو يا خديجة"
..........
"إيه!!، أنا جايلك حالاً، سلام"
"فيه حاجة يا طه و مين خديجة دي؟"
نظر لثوان إليها ثم أخبرها ويهم بالذهاب
"دي أختي اللي كنا معاها في المستشفي، جوزها حد ضرب عليه رصاص، جاتله طلقة في دراعه، عن إذنك مضطر أمشي"
ذهب سريعاً فخرجت هي إلي الشرفة ولم تنتبه إلي شيماء التي كانت تقف وتراقب المارة في الشارع، وجدت زوجها يخرج للتو من البناء
"هو كان نازل من بدري، أومال كان فين كل ده؟!، هادخل أجيب موبايلي و أتصل عليه، يا ويلك يا طه لو كنت بتلعب بديلك من ورايا و....
قبل أن تدخل رأت روميساء تقف بدلال و علي محياها ابتسامة كيدية وعادت إلي داخل منزلها، تاركة خيال شيماء قد بلغ العنان، فلم تملك تفسيراً سوي أن زوجها كان مع تلك الجارة الحية.
"هي وصلت لكده يا طه!، مابقاش شيماء بنت سهير و بنت الحاج فتحي الله يرحمهم غير إما وريتك النجوم في عز الضهر"
لقراءة باقي فصول الجزء الرابع
لقراءة الجزء الاول جميع الفصول
لقراءة الجزء الثاني جميع الفصول
لقراءة الجزء الثالث جميع الفصول
الفصل الخامس
ليتني لم أرد على رسالتـك ذات يـوم و تركتك غريباً ..ليتني تجاهلتك ولم أفتح لكَ نافذة فؤادي ..
ليتني لم أسمح لك بتجاوز أسوار وطني وأبقيتك بعيداً ..بعيداً حيث لا قصة بيننا ؛ ولا ذكرى قد تشق خاطري في فلك الليل ..ولا لأعيش الألـم بهـذه الطريقة ..
ليتني أنهيت الطريق معك قبل أن يبدأ..
وأدرت ظهري واقتنعت بأنها كانت قصة زائفة!
يجلس أعلي السرير الطبي حيث يخرج شقيقه الرصاصة من عضده، تأوه آدم بألم فقال شقيقه مازحاً بسخرية
"ما تنشف يا آدوم، أومال لو مش حطيتلك بنج كنت عملت إيه؟!"
"أخلص يا يوسف أنا مش مستحمل كلمة، و ياريت محدش يعرف باللي حصلي خصوصاً ماما"
"مش هقول بس علي شرط، تقولي مين عمل فيك كدة، أنت ليك عداوة مع حد؟"
كتم الأخر ألم داهمه فالمخدر لم يكن كافياً لتسكين الوجع، فأخبره من بين أسنانه
"هحكيلك"
أنتهي شقيقه من مداواة جرحه وتعقيمه ثم تقطيبه فحمايته بالنسيج الطبي واللاصق، أعطاه حمالة و أمره
"خلصت، خد دي علق فيها دراعك لحد ما جرحك يلم"
نظر من حوله باحثاً عن سبب متاعبه
"هي خديجة راحت فين؟"
"قولتلها تقعد مع طه عشان مش هاتستحمل تشوف و أنا بخرجلك الرصاصة، ها احكيلي"
روى له آدم كل ما حدث منذ بداية محاولة قتل فجر علي يد باسم حتي أحداث اليوم وكانت خديجة المقصودة بالرصاصة و ليس هو.
عقب يوسف بامتعاض
"و إزاي كل ده يحصل معاكم و ما تقولناش كنا اتصرفنا و ما تجرأوش يبصوا لكم حتي، يا بني أنت ناسي إحنا مين؟!، دي مكالمة واحدة من قصي يجيبلك الواد ده و عيلته كلها لحد عندك"
"أنا مش ناسي، لكن قبل أي تصرف لازم أعرف أنا بتعامل مع مين الأول، خليت المحامي يجيبلي قرارهم، طلعوا تجار سلاح و من التقال كمان، و اللي زي دول البعد عنهم غنيمة"
"هاتزعل مني لو قولتلك أنت جبان؟"
نزل من فوق السرير يرمقه بغضب
"ما تروح أنت أقف قدامهم يا دكتور وورينا شجاعتك، و ما تزعلش بقي لما الحرب تطول أهل بيتك وولادك، أنا مش جبان و لا ضعيف و هاعرف أخد حقي و حق مراتي بالعقل من غير ما أؤذي اللي مني، فيه أمور لازم تتعامل معاها بحكمة لأنك لو عملت العكس مش هاتتحمل عواقبها"
وقف أمامه مباشرة وأردف
"النار لما بتولع مش بتنطفي غير لما بتحرق الكل يا دكتور"
و في الخارج تجلس جوار شقيقها الذي يرتدي نظارة شمسية ليواري بها أثر اللكمة حول عينه
"أنا نفسي أفهم إزاي جالك الجرأة ورايحة لوحدك تعملي خطوة عارفة بمجرد لو خرجتي من باب البيت بعد الشر ممكن يجرالك حاجة"
"لأن اللي كنت هاعمله شهادة حق، و ربنا هو الحافظ يا طه، و ما أحبش أكون جبانة و أضيع حق واحدة عشان حتة عيل هو و أهله معرفوش التربية وبيدوسوا علي الناس و كأن البلد مفيهاش قانون"
"يا حبيبة أخوكي، أنتي لاغيتي وجودنا، أنا و جوزك وولاد عمنا، و لا كأن ليكي رجالة هم اللي يتصرفوا، إيه يا خديجة ده كان ديماً بابا الله يرحمه بيتباهي بعقلك اللي يوزن بلد"
"و أنا لو كنت قولتلك أنت و آدم أنا رايحة أشهد في تحقيق النيابة باللي شوفته كنت سمحتوا لي أخرج من باب البيت!"
"طبعاً لاء، لأن أهل الولد بعتولك اللي قالهالك في وشك صراحة، لو شهدتي علي ابنهم هيأذوكي و مش أنتي و بس، أنتي و جوزك و ابنك"
تدخل الذي خرج للتو يثني ساعده في الحامل المعلق
"قولها يا طه، قولها عشان مكنتش مصدقة غير لما شافت بعينيها والرصاص نازل علينا، يمكن كانت صدقت أكتر لو كانت جت في دماغي و لا قلبي"
صاحت بقلق و خوف
"بعد الشر عليك، أنا قلبي كان هيقف لما جاتلك الرصاصة في دراعك"
حدقها بامتعاض معقباً بتهكم
"صادقة يا شيخة خديجة"
اقتربت منهما أحدى العاملات تحمل صينية يعلوها زجاجات مياه و أكواب فارغة و كؤوس مليئة بالعصير الطازج
"اتفضلي يا فندم"
ومدت الصينية أمام خديجة فأخذت زجاجة مياه
"جزاكِ الله كل خير، كنت عطشانة أوي"
أخذت تتجرع المياه بنهم، اقترب منها زوجها وسألها ساخراً من ما كانت تخبره به من صيامها صباحاً
"ألا قوليلي يا شيخة خديجة إيه أخبار الصيام؟"
توقفت عن شرب المياه ونظرت بابتسامه يشوبها الخجل
"أصل، أصل أنا.....
"أنتي إيه؟!، هقولك أنا، أنتي كذابة و مش مرة، مرتين، كذبتي لما قولتيلي إنك صايمة عشان ما تقعديش تفطري معايا و تلحقي ميعاد تحقيق النيابة، و المرة التانية لما روحتي من غير ما تستأذنيني، و أنتي أكتر واحدة فينا عارفة تعاليم دينك و ما ينفعش تروحي في مكان غير بعلم جوزك يا مدام، صح و لا أنا بتكلم غلط يا طه؟"
أجاب الأخر وينظر إلي شقيقته من خلف النظارة الشمسية بعتاب
"بتتكلم صح و أديك جيت و أنا بعاتبها علي اللي عملته"
وقفت أمامهما تحدق إليهما بحنق
"خلاص، اتفقتوا عليا أنتم الأتنين وطلعت أنا الظالمة الكذابة"
قال يوسف الذي كان يتابع في صمت
"لاء يا خديجة، اللي عملتيه كان بدافع الحق و الكذب كان وسيلة لتحقيق غاية"
أشار إليه شقيقه بأمر
"نقطنا بسكاتك بالله عليك، مش ناقصاك أنت كمان، بتشجعها علي الغلط بدل ما تعقلها، عايزاها تعمل إيه تاني و بسببها جايلك و دراعي سايح بدمي، المرة الجاية أجيلك جثة؟!"
"لاء يا عم آدم، أنا كان قصدي كان ممكن تخليها تروح تشهد و أنت توفر لها جارد أو إتنين و قبلها كنت بلغت صاحبك العقيد كان زمانه خلص لكم كل حاجة"
"معلش يا دكتور، أصل أخوك ما بيحبش المشاكل عشان ما يأثرش علي شغله و سمعة العيلة"
تفوهت خديجة مما أثارت غضب زوجها الذي نهرها بغضب
"ممكن ما اسمعش صوتك خالص، و خلي يومك يعدي علي خير و ألا والله لـ...
"لإيه؟، هاتعملي إيه يا باشمهندس، الحمدلله أن الحوار قدام أخويا و أخوك، عشان محدش يلومني لما كنت بطلب منك الطلاق"
نهض طه وعقب
"طلاق إيه أنتي كمان، جوزك خايف عليكي و عايز مصلحتك و مش عايز يدخل في مشاكل مش هاتضر بيكم بس هاتضر العيلة كلها، بطلي عند و فكري في جوزك و ابنك، و ربنا ما بيضيعش حق حد و حق صاحبتك هيرجعلها سواء بيكي أو من غيرك"
كان آدم سيعلق علي حديث شقيق زوجته لكن سبقه هاتفه باتصال وارد، وجد المتصل المحامي الخاص به
"ألو يا متر"
.............
"تمام، أنت متأكد؟"
.............
"طيب أنا هاشغل speaker عشان المدام تسمع بنفسها"
لمس مكبر الصوت فأخبرهم المحامي
"من ساعة جه ظرف لوكيل النياية المسئول عن القضية، طلع فيه فلاشة عليها فيديو متصور عليه تفاصيل محاولة القتل، و ما يعرفوش مين اللي بعته"
سأله آدم
"و بعد ما شافوا الوكيل إيه اللي تم؟"
"بعتوا جابوا فني عشان يتأكدوا من صحة الفيديو و طلع سليم مية في المية، كانت مفاجأة علي دماغ أبو باسم و هايتجنن، مقوم لابنه أكتر من عشر محامين"
"طيب بالنسبة لشهادة المدام؟"
"مش هاتضيف جديد لأن الفيديو جايب كل التفاصيل صورة و صوت و تهديد باسم لفجر وهو بيطعنها"
"تمام يا متر، شكراً"
"العفو يا آدم بيه"
ألغي مكبر الصوت ووضع الهاتف علي أذنه
"سلام يا متر"
قال طه
"الحمدلله و أخيراً، أظن يا خديجة سبب مشكلتكم أتحل، و أنت يا آدم خد مراتك وروحوا أتصافوا في بيتكم"
سأل يوسف بتهكم مازحاً
"أنهي بيت بالظبط في القصر عندنا و لا بيتكم يا طه اللي في الحارة"
أجفلها آدم بالقبض علي يدها وأخبرهم
"و لا ده و لا ده، إحنا لينا شقة هنروح ليها وهابقي أكلمهم في القصر يبعتولنا حاجتنا عليها"
"و أنا......
كادت تعترض فألجم لسانها نظرة زوجها التحذيرية بل والمرعبة لها، أومأت بالموافقة، ضحك كل من يوسف و طه الذي علق بنبرة فكاهية
"هم كده يا ابن عمي صنف ما بيجيش غير بالعين الحمرة"
اقترب منه آدم و سأله بهمس
"ألا قولي يا طه، من وقت ما وصلت هنا ولابس نضارة شمس، هي شيماء علمت علي وشك و لا إيه؟"
"مين دي اللي تعلم، ابن عمك مسيطر، دي خناقة كانت في الشارع و جاي أحوش، راح جه بوكس في عيني"
حدقه الأخر بمكر
"هاعمل نفسي مصدقك، و يا خبر بفلوس بكرة هيبقي ترند بعنوان الزوجة التي لقنت زوجها ضرباً مبرحاً بعد أن أمسكت به مع جارتهم الحسناء"
لكزه طه في ذراعه المصاب
"امشي يا آدم أحسن ما هسلط عليك أختي و هخليها تيجي تقعد عندي"
"الطيب أحسن، أنا كده كده ماشي"
نظر إلي شقيقه يوسف ورفع يده
"سلام يا دكتور"
لوح الأخر يده
"سلام، المرة الجاية مش عايزك تيجي غير في زيارة مش مصاب"
انتبه طه إلي اهتزاز هاتفه الذي كان يهتز كل فينة و الأخرى، تذكر أمر المتصل، زفر بضجر و تمتم قبل أن يجيب
"شكلي انا اللي هاجي مصاب بجلطة بسببك يا شيماء"
أجاب علي الاتصال
"نعم يا حبيبتي"
أبعد الهاتف عن أذنه بسبب صراخها المزعج
"مش عايز ترد عليىّ ليه يا أستاذ؟!، طبعاً خايف ترد يا خاين، كنت بتعمل إيه عند أم سحلول اللي جنبنا يا طه، و إياك تكذب لأن أنا شوفتك بعينيا و أنت خارج من العمارة بعد ما مشيت من الشقة بحوالي أكتر من نص ساعة"
"عارفة يا شيماء، أنا مكنتش ناوي أعملها، بس عشان ظنك السئ فيىّ علي طول هاعملها، هاخونك مع أم سحلول قصدي روميساء و كل واحدة حلوة هاشوفها هاخونك معاها و كلمة كمان و هتلاقيني داخل عليكي بالزوجة التانية و التالتة و الرابعة و ما ملكت أيماني، و هاشتريلهم قصر و اكتب عليه طه سالم البحيري و حريمه، و ياريت ما تتصليش تاني عشان مش هارد عليكي و من غير سلام، ها"
أنهي المكالمة وأغلق الهاتف!
❈-❈-❈
تتأمل هيئتها الجديدة حيث ذهبت إلي مركز تجميل شهير، قامت بتغير لون شعرها من الأسود إلي الأشقر الذهبي و فعلت كل ما تفضله المرأة من الزينة والتجميل، تمسك في يدها ثوب حريري باللون الزمرد الأخضر، تنظر من خلال المرآة إلي المضجع تتذكر آخر ليلة قبل المشاجرة.
«مشهد سابق»
كان يتمدد جوارها يلتقط أنفاسه بينما هي ولت ظهرها إليه و الدثار يكسو جسدها ما عدا رأسها و ذراعيها، تضم يديها أسفل خدها، لا يبدو علي ملامحها أي تعبير وكأنها تمثال صامت، و قررت أن تتخلي عن صمتها فأخبرته دون مقدمات
"مبروك، هتبقي بابا للمرة الرابعة"
انتفض بسعادة سألها للتأكد من الخبر
"قولتي إيه؟، أنا سامع كويس و لا بتهيئلي؟!"
نهضت واستندت بجذعها علي مسند الظهر للسرير، تجيب ببرود
"أيوه زي ما سمعت"
لاحظ ملامحها الساكنة لا يبدو عليها سعادة المرأة عندما تخبر زوجها بحملها، أمسك يدها وقام بفرض حسن النية
"أنا عارف يا حبيبتي لسه ما فوقتيش من تربية يزيد و قد إيه تعبتي في حمله و فترة الرضاعة مع مسئولية الأولاد و البيت و كنتي بترفضي أجيبلك حد يساعدك أو ناني تاخد بالها معاكي من الولاد، المرة دي هاجيبلك شغالة تشيل شغل البيت و ناني تهتم بالولاد و مش عايز منك غير أنك ترتاحي و كل طلباتك مجابة"
نظرت إليه وترددت قبل أن تلقي عليه بالصاعقة
"بس أنا مش عايزة الحمل ده"
ترك يدها وحاول إدراك ما تخبره إياه، شبه ابتسامة ظهرت علي شفتيه يسألها ويكذب حدسه
"ده شعور طبيعي يا حبيبتي، ما تقلقيش أنا معاكي و جمبك و هادعمك معنوياً و حسياً و كل أنواع الدعم"
احتضنها وقام بتقبيل عنقها، دفعته ونهضت ولا تبالي بالحماقة التي تصرفت بها للتو، تناولت مأزر الغلالة وارتدته سريعاً
"ما تفهم بقي، قولتلك مش عايزه الحمل يعني مش عايزاه، كفاية ولادنا التلاتة، الرابع ده هعرف أربيه إزاي و احتويه وأبقي حنينه عليه و أنا خلاص بقيت فاقدة للعطاء، مش قادرة أتجاوز اللي عملته معايا السنين اللي فاتت"
صدمة تلو صدمة يستقبلها بوجه متجهم عاقداً ما بين حاجبيه، سألها بكل هدوء ينافي ما داخله من عاصفة غضب جم
"يعني كنتي بتنامي في حضني طول الأيام اللي فاتت و أنتي مش طيقاني؟!، و بعد كل كلامي معاكي و الاعتذارات اللي قدمتهالك برضو لسه شايلة مني لدرجة مش عايزه اللي في بطنك؟!"
تلاشت النظر إليه فأجابت بدفاع و تنظر بعيداً عنه
"ما أقصدش اللي فهمته، بقولك مش مستعدة نفسياً للحمل مش عشان أنا مش عايزاه منك"
صاح بصوت أجفلها وجعلها تنتفض خوفاً
"لاء قصدك يا دنيا، و لو مقولتيهاش بلسانك شايفها دلوقتي في عينيكي، كنت كل ما أقرب منك حتي من شوية ألاقيكي زي اللي بتأدي واجب، من غير مشاعر و لا أي إحساس، كنت بكدب نفسي أو أقول معلش أصبر عليها ما اللي شافته مني برضو مش قليل"
لن تتحمل صياحه المخيف و مواجهته لها فأجهشت في البكاء
"أنت مش عارف حاجة، مش حاسس بيا"
"أنا عارف و فاهم و حاسس بكل اللي مريتي بيه لحد اللحظة اللي واقفة فيها قدامي، الواضح إنك أنتي اللي مش فاهمة و لا حاسة و لا حتي بتحبي جوزك، جوزك اللي عمال يرضيكي بكل الطرق عشان يعوضك عن كل اللي فات"
"و أنا ما أنكرتش أي حاجة بتعملها عشان ترضيني، أنا بس...
"بلاش كذب، أفعالك عكس كلامك،و مش بعيد سبب أنك عايشة معايا لحد دلوقتي خوفتي من تهديدي ليكي لما قولتلك لو طلقتك زي ما طلبتي مش هاتشوفي الولاد فاضطريتي تتقبلي الأمر الواقع، مسألتيش نفسك أنا لجأت للأسلوب ده ليه و اتمسكت بيكي؟!، و ليه عديتلك الليلة إياها لما خلتيني قربت منك و بعدها تقوليلي قربي منك مقابل الفلوس عشان تأمني نفسك و تقدري تطلقي و أنتي مطمنة؟!"
شعرت وكأن هناك آلاف القيود علي لسانها،
و مازالت مستمرة في البكاء، اقترب منها وقبض علي رسغها يهزها بغضب
"بطلي عياط و ردي عليىّ"
هزت رأسها بنفي وكأن الكلمات تبخرت من رأسها، رددت باقتضاب من بين بكائها
"مش فاهم حاجة، مش فاهم حاجة"
أمسك ذقنها ورفع وجهها لينظر صوب عينيها الباكية
"أنا اللي مش فاهم حاجة و لا أنتي اللي مش
لاقيه حاجة تقوليها؟!، لأن كلامي كله صح"
نفض كل من رسغها وذقنها وذهب نحو الكمود، أخذ من العلبة لفافة تبغ وقام بإشعالها و نفث دخانها و شحنات الغضب في آن واحد
"بصي يا بنت الناس، أنا هعيش معاكي تحت سقف واحد بس أنتي مع نفسك و أنا مع نفسي، الظاهر لما كنت كدة معاكي أدمنتي تجاهلي ليكي و لما بدأت أتقي الله فيكي و بقيت معاكي كويس مابقاش عاجبك، و أنا ما بحبش أغصب حد علي حاجة"
أخيراً استطاعت التوقف عن البكاء وأخبرته
"ممكن تسمعني و تديني فرصة أتكلم"
"هاتقولي إيه يعني، هتحاولي تجبري بخاطري، مش عايز، متشكر، و علي أي حال أنا هاريحك مني، هاسيبلك الأوضة تاخدي راحتك فيها من غير أي إزعاج اسببهولك و أنا هانام في أوضة المكتب، اعتبريني ضيف تقيل، و لا بلاش أنا هنفذلك اللي طلبتيه مني قبل كدة، مش كان نفسك تطلقي؟"
هزت رأسها بالرفض وقالت
"أنا مطلبتش الطلاق و لا عايزة أتطلق"
دس ما تبقي من اللفافة في الصحن الخزفي، أخذ وسادة و دثار و همّ بمغادرة الغرفة
"بشوقك، بس خليكي فاكرة أنا عرضت عليكي ورفضتي، تصبحي علي خير"
وقبل أن يخرج قام بتهنئتها بسخرية علي خبر حملها
"نسيت أقولك صح، مبروك"
«عودة للوقت الحالي»
دمعة هربت من عينها سرعان ما قامت بمسحها، كفى بكاء فالقلب لن يتحمل الشجن أكثر من ذلك، عليها أن تسترده إلي أحضانها فهي تعشقه إلي حد الثمالة.
دخلت إلي الحمام لتبدل ثيابها وترتدي هذا الثوب الزمردي ثم خرجت بعد قليل، أصبحت نجمة من نجوم الفن التي تتصدر صورهم أغلفة المجلات، قامت بنثر العطر وتركت الزجاجة، انتبهت إلي صوت باب المنزل وخطواته تتجه إلي غرفة المكتب التي يمكث بها منذ أيام وليالي.
و لأنها تعلم أنه لا يحب تناول وجبة العشاء، اكتفت بصنع العصير الطازج و جواره طبق من الحلوى الشهية، حملت الصينية، طرقت مرتين علي الباب ثم فتحت ودخلت، وجدته يقف بظهره ويخلع قميصه، تركت ما في يدها أعلي المكتب واقتربت منه لتساعده، و حينما رفع وجهه وتلاقت عينيه بخاصتها، تفاجئ بمظهرها الجديد بل فاجأها هو بتعبير وجهه عندما رآها، كان واجماً ولم يتحمل النظر إليها،
أمسكت ذقنه ونظرت صوب عينيه
"لحد أمتي هاتفضل هاجرني؟!"
أبعد يدها عنه و ألقي قميصه علي الأريكة، مجيباً باقتضاب
"لو سمحت اتفضلي بره أنا عايز أنام"
"أنا هاعتبر نفسي ما سمعتش حاجة، بس عايزاك تبص لي و لا اللوك اللي أنا عاملاه بيفكرك بحد مش عايز تفتكره؟!، و لا يمكن أنت ما نستهاش أصلاً"
ألقت تلك الكلمات وتدرك جيداً الفتيل الذي أشعلته و ستتحمل العواقب مهما كانت، لكن هناك شيء ربما قد نسته، زوجها يمتلك من الذكاء يفوق ذكائها، لذا عقد العزم سيريها كيف تتلاعب بمشاعره و تسبر أغواره!
"أيوه يا دنيا مانستهاش"
اتسعت عينيها ولم يدع لها مجال لاستيعاب جوابه، جذبها من رسغيها ثم وضع ذراعيها خلف ظهرها فأصبح صدره العاري ملاصقاً لها
"مش عايزة تعرفي آخر مرة كانت بيني و بينها قبل ما تهرب عملت معاها إيه؟"
ارتجفت عندما رأت تلك النظرة المظلمة داخل عينيه، حاولت تفك رسغيها من قبضتيه
"مش عايزة أعرف"
"مش أنتي شبهتي نفسك بيها و جاية تسأليني نسيتها و لا لاء؟!، خليني أقولك الإجابة عملي بس ياريت تتحملي"
فتحت فاها للرفض فباغتها يقبلها بنهم ضاري علي جيدها و كتفها العاري، أخذت تتلوي بين يديه
"كنان، كفاية، كنان كفاية بجد"
ترك يديها لكنه قيد جسدها بين ذراعيه حيث حملها نحو الأريكة واختطف شفتيها بعنفوان، قامت بدفعه عنها في صدره حتي استطاعت النهوض قبل أن يجثم فوقها و هو في تلك الحالة من الغضب والعنف، جذبها من يدها ودفعها مرة أخرى علي الأريكة
"رايحة فين!، مش ده اللي أنتي عايزاه أعمله معاكي وعلشان كده روحتي صبغتي و حطيتي ميك أب و لابسه قميص نوم من نفس البراند اللي كانت هي جايبه منه القميص اللي لاقتيه في الصندوق"
دنا منها وأنفاسه صفعت وجهها
"ما كنتي لبستي قميصها زي ما لبستيه قبل كده"
علقت غصة في حلقها، وكانت علي وشك البكاء، فقام بهزها
"بلاش عياط لأنك مش هاتصعبي عليا، مش أنتي عايزاني اعتبرك هي أتحملي بقي"
أنزل حمالة ثوبها عن كتفها فوضعت يدها علي يده لتوقفه، و يدها الأخرى وضعتها فوق بطنها، ترجوه ببكاء
"أنا خايفة علي ابننا"
نهض مبتعداً يحدق إليها بازدراء يخبرها بسهام من نار
"ما تخافيش مكنتش هعمل حاجة و لا هأذي ابني، و بلاش تلعبي بالنار معايا أنا بالذات، لأن ناري ممكن تحرقك زي ما حرقت اللي قبلك"
"أنت إزاي بقيت كده!"
"أنتي، أنتي السبب، بعد ما أتغيرت علي إيديكي رجعتيني للصفر من تاني، خلتيني أرجع أكره نفسي زي ما بقيت كاره القرب منك"
كان حديثه فوق قدرة تحملها، صرخت في وجهه
"طلقني"
نظر بسخرية وأخبرها
"مع الأسف كان عرض متاح لما سألتك قبل كدة، دلوقتي مش هاينفع، فمعلش تعالي علي نفسك زيي وأرضي بالوضع"
لم يرحم ضعفها أمامه فكانت في حالة سيئة، حاولت أن تجمع قواها ولن تظل الضعيفة و قليلة الحيلة أمامه، وقفت تحدق إليه وجهاً إلي وجه بقوة و وعيد
"والله يا كنان بحق كل كلمة دبحتني بيها ما هسامحك حتي لو هتجي لي راكع عمري ما هنسي كلامك و لا الطريقة المهينة اللي عاملتني بيها، و مش أنت بتقولي عرض الطلاق خلص، تمام أنا بقي هاعتبر نفسي من اللحظة دي اتطلقت منك وهاعيش لعيالي و لنفسي و بس، حياتي خاصة بيا ملكش دخل بيها"
اقترب منها فأخذت تعود إلي الخلف حتي أصبح ظهرها ملتصق في الحائط، أخبرها جوار أذنها بحسم و هيمنة
"طول ما أنتي علي ذمتي كل الهرتلة اللي قولتيها دلوقتي تبقي مجرد أحلام عصاري، أوامري اللي هاتمشي و اللي هاقول عليه يتنفذ"
أخذ يعبث في خصلات شعرها و أمرها بنبرة تحمل قسوة عاتية
"تاخدي بعدك وتروحي علي أوضتك وياريت طول ما أنا موجود تلمي شعرك وتلبسي طرحه، و نصيحة مني بلاش تقلدي حد تاني وخصوصاً لو كانت ضرتك"
أبعدت يده عن شعرها وتنظر له من أسفل إلي أعلي بسخط وازدراء ومشاعر أقرب للكراهية، كلماته هدمت كل ما كان يشيده الأيام السابقة من حب ومودة، فأين هذا الحب و أين هذه المودة الآن!
"لو تعرف أنا شيفاك إزاي دلوقتي قدامي، مجرد.....
وضع كفه علي شفتيها، وبنظرة تحذيرية أخبرها
"هتطولي لسانك و هتتجاوزي حدودك هتلاقي رد فعل مش هايعجبك خالص، أنا لغاية دلوقتي محترم معاكي"
دفعته من أمامها وتصيح في وجهه
"أنا بكرهك، بكرهك"
وركضت إلي الخارج وذهبت إلي غرفتها، أغلقت الباب بقوة وأطلقت العنان لدموعها التي انهمرت بغزارة، تقف أمام مرآة الزينة ظلت تنظر إلي نفسها وتعيد كلماته القاسية داخل رأسها، تحول بكائها إلي حالة من الهياج والصراخ، أمسكت بكل شيء أعلي طاولة الزينة وأخذت تلقيه علي المرآة وعلي الحائط، تردد عكس ما في قلبها
"بكرهك يا كنان، بكرهك، بكرهك"
❈-❈-❈
كان يشغل نفسه عن عمد في مراجعة أعماله عبر الحاسوب و ذلك حتي لا يترك نفسه فريسة داخل براثن أفكاره.
دخلت زينات و وضعت أمامه فنجان القهوة أمامه أعلي المكتب
"ده خامس فنجان قهوة تشربه يا بني و أنت و لا اتعشيت حتي الغدا يعتبر ماكلتش"
كان ظاهره هادئ للغاية و داخله حمم بركانية تتأجج نيرانها وتفور
"شكراً لاهتمامك، ممكن تروحي أوضتك ترتاحي"
نظرت إليه بعتاب فهو يطلب منها المغادرة من الغرفة بأسلوب مهذب، لا تعلم إنه يدعها في مأمن عن غضبه الكامن، ليست هي السبب بالطبع لكن تلك التي وصلت في الخارج للتو هي من جعلته في هذه الحالة.
ألقي نظرة علي الساعة في شاشة الحاسوب، فوجدها الثانية عشر وثلاثون دقيقة
"حاضر يا قصي بيه، تصبح علي خير"
ذهبت وداخلها يشعر بالحزن، تعلم سبب حالته لاسيما عندما رأت باب القصر يُفتح وتدخل صبا تحمل حقيبة كبيرة داخلها أوراق رسم، ذهبت زينات لتستقبلها وتحذرها أيضاً
"حمدالله علي السلامة يا بنتي"
"الله يسلمك يا داده، وحشاني يا زيزي"
عانقتها فربتت الأخرى بحنان
"و أنتي أكتر يا حبيبة قلب زيزي"
"الولاد طبعا ناموا من بدري"
امسكت عنها الحقيبة الكبيرة وحقيبة يدها الصغيرة
"اه اتعشوا و ناموا علي الساعة تسعة"
ألتفت من حولها لتأمن عدم سماع قصي لتحذيرها لزوجته
"أنتي إيه اللي أخرك لنص الليل، قصي بيه من وقت ما جه و قاعد في أوضة المكتب، ما أكلش و كل اللي عليه يشرب قهوة و خلص يجي عشر علي سجاير لحد دلوقتي"
"اعمل إيه يا داده، غيبت عن الشركة يومين عشان فرح ياسين وروحت النهاردة لاقيت الشغل كله متراكم، و عقود وكمية ورق مستنية مراجعة مني و توقيعي، قعدت من أول ما دخلت المكتب لحد ما قبل ما أمشي عمالة أراجع ورق و أمضي علي ورق"
"يا حبيبتي مقولناش حاجة، الله يعينك و يقويكي، بس ما ينفعش برضو تقعدي في شغلك لحد نص الليل، ما تعمليش لنفسك مشاكل مع جوزك"
"هو قالك حاجة؟"
"لاء مقالش، بس الجواب باين من عنوانه، و أنتي أكتر واحدة أدري بجوزك لما بيوصل للحالة دي"
"ما تقلقيش يا داده، أنا هاعرف أهديه، روحي أنتي إرتاحي"
ذهبت زينات إلي غرفتها بينما الأخرى ذهبت إلي غرفة مكتب زوجها و مع كل خطوة تدعو داخلها أن تمر هذه الليلة بسلام.
دخلت ورأته ينظر إلي شاشة الحاسوب باهتمام، اقتربت نحوه حتي وقفت خلف المقعد الذي يجلس عليه، وضعت يديها علي كتفيه ودنت منه تقبل وجنته
"وحشتني"
رفع الفنجان إلي فمه وارتشف باقي القهوة ثم ترك القدح، يخبرها بتهكم
"إيه اللي رجعك بدري كده، ده أنا كنت بحسبك هاتخلصي شغلك الفجر"
ازاحت القدح بعيداً وجلست أعلي المكتب لترى وجهه و بمرح عقبت
"ما أنا قولت لنفسي كفاية النهاردة كدة يا صبا، و روحي أقعدي مع جوزك حبيبك"
أغلق الحاسوب ونظر إليها يرفع حاجبه
"ليكي نفس تهزري!"
احتضنت عنقه بين ذراعيها مبتسمه بمرح
"أنا ليا نفس أهزر و نسهر ونلعب و نضحك بس بعد ما ناكل عشان أنا هاموت من الجوع وعايزاك تعملي ساندوتشات من إيديك الحلويين يا بيبي"
كانت نظرته و ملامح وجهه المتجهم تخبرها أن تكف عن المزاح و حان وقت الجد، و ها هو أبعد يديها عن عنقه ونهض، رفع شاشة هاتفه أمام عينيها
"أنتي شايفة الساعة كام؟"
"اه شايفاها، 12 ونص"
"طيب ينفع واحدة محترمة و متجوزة ترجع من الشغل بعد نص الليل؟!"
شعرت بالإهانة فتحولت ابتسامتها المرحة إلي النقيض
"و هل أنا في يوم وجهتلك نفس سؤالك المهين ده، لما كنت بترجع متأخر أو بتبات في الشركة؟!"
"أنتي هتقارني شغلك بشغلي يا هانم؟!، و لا نسيتي إتفاقي معاكي!"
"مانستش، بس ده ظرف يوم وعدى خلاص"
"بالنسبة لك عدى لكن بالنسبة لي ماعداش ولازم تتحاسبي"
ابتسامة ساخرة علي شفتيها يعقبها قولها بتذمر
"اتحاسب!!، أنت شايفاني عيلة صغيرة قدامك؟!، انتبه لكلامك يا قصي، أنا ماكفرتش لما أتأخرت يوم بسبب كم الشغل اللي كان لازم أتابعه لحد ما يخلص عشان أقدر أسلم الحاجة لأصحابها، ده أنت المفروض أكتر واحد تقدرني"
"ماشي يا صبا، طالما وصلنا للنقطة دي، و نكرانك لتقديري ليكي، كلمة و مش هقولهالك تاني لأنها المرة الجاية هاتبقي فعل، لو تأخيرك أتكرر تاني و لا هايبقي فيه شركة و لا مصنع و لا خروج من القصر كمان"
"اعتبر ده تهديد؟"
"اه يا صبا، أنا بهددك وأنتي عارفة كويس لما بهدد المرة اللي بعدها بنفذ علي طول"
ابتلعت ريقها فهي ترى الصدق في عينيه، لذا عليها إطفاء نيران غضبه وكسب وده و تنحي عنادها جانباً الآن، تقربت منه وبدلال غير مبالغ تخبره
"أنا آسفة، مش هاكررها تاني، و أي شغل هيخليني أتأخر هاجيبه معايا هنا و هخلصه، أهم حاجة أنت ماتزعلش و لا تضايق"
تعجب من حديثها النقيض لطبيعتها المتمردة في الغالب
"أنتي بتثبتيني يا صبا؟!"
"أثبتك ليه يا روح قلبي، أنا بتكلم بجد و مش عايزه شغلي يكون سبب مشاكلنا، وبعدين أنت الفترة اللي فاتت وقفت معايا كتير لحد ما بدأ البراند بتاعي بدأ يسمع في السوق، أقل حاجة بقي أقدمهالك هي التقدير"
احتضنته وبذكاء و دلال أنثي تعزف علي أوتار قلب حبيبها أردفت
"مش كان أحمد عز برضو بيقول لكيندا علوش في فيلم المصلحة، الراجل ليه عند مراته تلات حاجات، الطاعة ثم الطاعة ثم الطاعة"
وضع كفه يتحسس جبهتها
"أنتي سخنة يا حبيبتي؟"
لكزته بخفة في كتفه
"أدي اللي باخده منك، تريئة يا أوامر"
"أصل بصراحة مش مصدق وداني، معقول صبا الرفاعي هي اللي بتتكلم؟!"
"يعني كان هايعجبك لو وقفت قصادك و أفضل أعند معاك"
"مش أنا يا حبيبتي اللي يتوقف قصاده و يتعاند معاه، لأنك أنتي اللي هاتبقي خسرانة"
"عشان كدة لازم أغير من نفسي و أكون هادية و ست مطيعة وجوزي حبيبي يكون راضي عني"
أومأ بعدم تصديق
"ما هي حاجه من الأتنين الأولى أنك بتمثلي عليا عشان تتجنبي اللي كنت ناوي أعمله معاكي و الحاجة التانية و دي اللي أتمناها تكوني أتغيرتي وعقلتي"
قامت بالحديث في أمر آخر كي لا يكشف أمرها، جذبته من يده
"شوفت بقي عمالين نتكلم و أنا من وقت ما جيت و هاموت من الجوع، شوية كمان هتلاقيني أغمي عليىّ، يلا بينا علي المطبخ"
و داخل المطبخ، يعد لها الشطائر الشهية، تقضم بنهم وكان هو أيضاً يأكل وينظر لها، تلوك الطعام داخل فمها باستمتاع
"كولي براحة محدش بيجري وراكي"
ابتلعت ما بفمها ثم أخبرته
"اتلهيت في الشغل و ما أكلتش حاجة خالص، بالله عليك يا قيصو ناولني برطمان الشوكيلت اللي هناك ده و كمل جميلك بقي هاتلي معلقة معاه"
"اتفضلي"
أعطاها ما تريده وكان يراقبها وهي مستمرة في تناول الطعام، وقفت تخلع السترة
"الشوكيلت ليها طقوس عندي و أنا باكولها، أقلع البليزر الأول و الشيميز الأبيض"
قامت بفك أزرار قميصها وخلعته فأصبحت بكنزة قطنية دون أكمام تظهر جمال قدها و منحنياتها، جلست علي المقعد ومازال يتابعها
"كده أؤكل و ألغوص براحتي"
فتحت البرطمان و تناولت ملعقة، أخذت تموء بدلال جعله لم يتحمل هيئتها المثيرة، أخذ منها البرطمان والملعقة، فحدقت إليه بضيق، تفاجئت عندما وجدته يجذب الكرسي الذي تجلس أعلاه، حملها من خصرها واتجه نحو الطاولة الرخامية وأنزلها فوقها
"أنت أخدت مني الشوكيلت ليه؟"
وقوست شفتيها لأسفل مثل ابنتها، ابتسم من ما تفعله وتبدلت ابتسامته إلي نظرة يملأها رغبة جامحة
"هخليكي تاكلي الشيوكليت بطريقة هتخليكي تحسي بطعم مادوقتهوش قبل كدة"
تناول بأصبعه قليلاً من سائل الشكولاتة فقام بدهنها علي شفتيها، ابتعد قليلاً وأخذ ينظر إلي شفاها باشتهاء ثم همس أمامها
"و دلوقتي حسي بطعمها معايا"
ألتقم شفتيها ويتذوق طعم الشكولاتة في آن واحد، ابتعد ليلتقط أنفاسه وكذلك هي أيضاً، أمسكت البرطمان فأخبرته بمكر
"و فيه طريقة أحلي كمان لأكل الشوكليت"
غمزت اصبعها و تناولت القليل ثم قامت بتلطيخ وجهه، علي وجنتيه و شفاه وعلي نحره، تركها تفعل ما تريد فقامت بلعق الشكولاتة من عنقه ثم وجنته ووجنته الأخرى حتي وصلت إلي مبتغاها وقامت بالتهام الشكولاتة وشفاه معاً، انتهت تلك القبلة الجامحة فوجدته تركها وذهب ليغلق باب المطبخ بالمفتاح من الداخل، ابتسمت وسألته
"وافرض حد من الشغالين صحي وسمعنا؟"
"هي أول و لا آخر مرة، وبعدين إحنا جعانين ولسه مخلصناش أكل"
قام بتفريغ المائدة من كل شيء يعلوها فأصبحت شاغرة، حمل صبا فؤاده
"يا قيصو يا مجنون، تعالي نطلع أوضتنا أحسن"
وضعها أعلي المنضدة
"أنا مزاجي هنا، ركزي معايا أنتي وملكيش دعوة باللي بيحصل بره، مفيش حد هنا غيري أنا وأنتي والحلل تالتنا، تعالي بقي ما أعلمك طرق أكل الشوكليت"
أطلقت ضحكة توقف رنينها بين شفتيه حيث أصبحت بين ذراعيه يتبادلان العشق والغرام و تناول الشكولاتة علي طريقة الملك وزوجته، و الأواني والموقد والبراد و كل أدوات المطبخ
تشهد علي ذلك!
لقراءة باقي فصول الجزء الرابع
لقراءة الجزء الاول جميع الفصول
لقراءة الجزء الثاني جميع الفصول
لقراءة الجزء الثالث جميع الفصول
الفصل السادس
༺الفصل السادس༻
غرام الذئاب
لم أعلم مَنْ أنا و أين أكون، يكفيني وجودك فأنت ذاتي و وطني
يخلع قميصه من المشجب ثم يطويه ليضعه داخل حقيبة السفر خاصته، دخلت إليه والدته تسأله بامتعاض
"مصمم برضو تسافر يا رحيم؟!"
أجاب و مستمر في وضع بقية ملابسه
"معلشي يا ماما، محتاج أقعد مع نفسي بعيد فترة"
"ما أنت كل مرة تقولي كدة، و فترة تجر فترة و تقعد بالشهور بعيد عني، كأنك بتعاقبني أنا، طب كان بإيدي إيه و معملتوش؟!، ده أنا طلبتهالك من خالتك من و أنتم لسه عيال في ثانوي، و البنت لما سمعتني عوجتلي بوقها، إيه اللي بتقوليه ده يا خالتو، رحيم زي أخويا"
"خلاص يا ماما مالهوش لازمة الكلام، أنا أصلاً شيلت أي حاجة من دماغي، ربنا يسعدها مع جوزها"
شهقت والدته ثم صاحت بتعجب
"و كمان بتدعيلها؟!، يا خيبتك القوية يا رجاء"
حدق إليها بضيق ثم أغلق حقيبته و حملها تاركاً إياها تنعي حظها، لحقت به
"رحيم، استني يا حبيبي"
توقف عن جر حقيبته
"نعم؟"
وضعت يديها علي منكبيه
"متخليك قاعد هنا معايا و جمب عيادتك، أنت غاوي بهدلة و غربة ليه"
"أنا مسافر لمحافظة تانية مش بره مصر"
"في بلد إيه؟"
أطلق زفرة بنفاذ صبر
"إسكندرية، و دي سفرية تبع عمل خيري"
"طيب هاتقعد قد إيه هناك؟"
"معرفش"
همّ بالذهاب فأوقفته مرة أخرى
"خلاص أبقي أنزل علي الفيلا بتاعتنا اللي في كفر أبو عبده و أنا هاتصلك علي البواب هناك يخلي مراته تنضفهالك و تحضرلك الأكل عقبال ما تروح"
"ماما كفاية بقي، أنا مش طفل صغير و لا هي أول مرة أسافر، كل اللي محتاجه منك تدعيلي ربنا يريح قلبي"
"حبيبي يا ابني، يارب يا رحيم يا ابن رجاء يريح قلبك و تقابل بنت الحلال اللي تحبك و تحطك في عينيها"
ثم أردفت بصوت خافت
"و اللهي يا رودينا يا بنت شاهيناز ما تتهني و لا تنعمي براحة زي ما خليتي ابني مكسور القلب"
انتبهت إلي ابنها الذي فتح باب المنزل و كاد يغادر، ركضت نحوه وصاحت
"رحيم؟"
رد بهدوء و أدب
"نعم؟"
"خلي بالك من نفسك، و هاتصل بيك كل شوية أطمن عليك"
"حاضر"
"رحيم؟"
"نعم؟"
"لا إله إلا الله"
ابتسم لها وعقب
"محمد رسول الله، سلام"
❈-❈-❈
"أميرة، يا أميرة، هي راحت فين؟"
كان نداء السيدة خيرية و يبدو علي صوتها التعب، فُتح باب المنزل و ولجت أميرة تحمل كيساً بلاستيكياً، فوجدت الأخرى تقف و تستند علي مسند الظهر لمقعد المائدة
"إيه اللي قومك يا ماما، أنا خرجت كنت بجيب عيش لأن اللي هنا عيش بايت و أنتي بتحبي العيش الصابح، روحي إرتاحي و خمس دقايق و الغدا هايكون علي السفرة"
"تعبت يا بنتي من الرقدة علي السرير، قولت أمشي رجلي شوية"
"طيب تعالي افتحلك التليفزيون و مددي علي الكنبة هنا"
أمسكت جهاز التحكم بالتلفاز قامت بتشغيل الشاشة، أمسكت بيد خيرية
"المسلسل اللي أنتي بتحبيه شغال أهو، تعالي يلا نامي هنا"
ذهبت لتعد أطباق الطعام و غرفها بشكل فني تعلمته من السيدة خيرية، قامت برصها فوق المائدة
"يلا يا ماما الغدا جاهز"
جاءت وأخذت تنظر إلي الأطباق بابتسامة
"الله، شكل الأكل يفتح النفس"
"البركة فيكي يا ماما، أنتي اللي علمتيني إزاي اطبخ و أقدم الأكل بشكل حلو، و علي رأي المثل العين بتاكل قبل الفم"
ربتت علي يدها بسعادة و حنان غادق
"ربنا يبارك لي فيكي يا بنتي"
جلست ثم كادت أميرة تجلس فوقفت
"نسيت دورق الميه و العيش، هاروح أجيبهم من المطبخ"
و في طريقها إلي المطبخ صدح رنين الجرس، صاحت خيرية
"شوفي مين اللي بيرن الجرس يا أميرة"
قامت الأخرى بفتح الباب لتجد ثلاثة رجال اعمارهما تتراوح ما بين الثلاثين و الأربعين عاماً سألها
"أنتي مين؟"
انتبهت إلي وشاحها المزحزح من فوق شعرها الناعم، قامت بضبطه سريعاً
"أنا اللي المفروض أسالكم أنتم مين؟"
"مين يا أميرة؟"
سألتها خيرية من الداخل فدلف الثلاثة تراجعت أميرة بحرج و خجل، و أن رأتهما السيدة نهضت تحدق إليهما بصدمة، تقدم أكبرهم
"مش هتقوليلنا حمدالله علي السلامة يا ماه"
هناك صراع المشاعر يجول داخلها، جزء يرفض وجودهم بعد أن تركوها لسنوات ما بين الآسي و الهجران، و جزء آخر و هي عاطفة الأم التي مهما تلقت من قسوة ابنائها أطناناً فهم ابنائها في النهاية و لم تستطع أن تكرههم فالغلبة لعاطفة الأمومة، ليت الابناء يدركون ذلك.
اقتربت منهم و فتحت ذراعيها، ارتمي ثلاثتهم يعانقونها، كانت تتابع أميرة ذلك المشهد و ذرفت عينيها الدموع يتخللها ابتسامة.
بعد قليل...
يجلس جميعهم حول المائدة يتناولون الطعام بشهية، ماعدا أميرة التي طلبت من خيرية أنها ستتناول طعامها في المطبخ لأنها تشعر بالخجل و التوتر في وجود ابنائها.
قال أوسطهم بتلذذ و استمتاع
"الله ياماه، طول عمرك عليكي طبق ملوخية ريحته تشميها من علي الإمة"
"مش أنا اللي طبخة، دي أميرة ربنا يباركلها، بنتي اللي مخلفتهاش"
توقف الكبير عن تناول الطعام و ابتسم بسخرية
"بنتك!، ده كلام الناس طلع صح بقي، جايبة لنا واحدة من الشارع مقعداها معاكي، و تقولي عليها بنتك، دي ناقص تورث معانا كمان"
صاحت والدته بغضب
"أيوه بنتي، رزق ربنا بعتهولي من سنتين، عوضني عن ولادي التلاتة اللي هجروني و لا سألوا عليا و بقيت أعرف أخباركم من الجيران زي الغريبة و لا كأني كنت أمكم وتعبت و شقيت عليكم لحد ما بقيتوا رجالة"
اقترب أوسطهم من شقيقه الكبير يهمس إليه
"ما تهدي يا كبيرنا لحد ما نخلصوا اللي جايين عشانه و بعد كدة نشوفوا إيه حكاية البت دي و نديها قرشين تغور "
قام أصغرهم بتهدئة الأجواء فأخبر والدته مبتسماً
"معلش يا ماه، أخويا ما يقصدش حاجة، هو بس كان قلقان عليكي برضو إحنا مانعرفش مين البنت دي و أصلها و فصلها"
"ما تقلقش منك ليه، دي ملاك و بنت أصول، و شيلاني و مرعياني و عمرها ما رفضتلي طلب، أنا سميتها أميرة لأنها اسم علي مسمي، مش زي ولاد بطني اللي مطمرش فيهم تعبي و تربيتي ليهم"
حمحم بحرج ابنها الأوسط
"ما تزعليش نفسك ياماه، إحنا غلطانين فعلاً و مهما قولنا لك من حجج ليكي حق تزعلي، بس أنا و أخواتي خلاص مش هنسافر تاني و قررنا نعيش معاكي، مأمون طلق الولية المجنونة اللي كان متجوزها، و أنا الحمدلله أتجوزت أخت واحد زميلي كان معايا في الغربة، و محمود أنتي بقي دوري له علي عروسة"
صاح شقيقه محمود
"خليك في حالك أنت، أنا بحب أعيش حر، مش ناقص هم و نكد"
انتهوا من تناول الطعام، قامت أميرة بتقديم أكواب الشاي، توقفت أمام الشقيق الأوسط، ظل ينظر إليها حتي جعلها تشعر بالخجل
"اتفضل الشاي"
لاحظت والدته نظرات ابنها
"خد الشاي منها يا وليد"
تناول الكوب، تركت أميرة الصينية
"محتاجة حاجة يا ماما؟"
"شكراً يا بنتي، أدخلي أوضتك أرتاحي"
كان الثلاثة يتابعون حوار والدتهم مع تلك الغريبة، انتظروا ريثما دخلت للغرفة و أغلقت الباب، نهض مأمون و جلس جوار والدته
"لاء كده الحوار يقلق ياماه، هي البت دي هاتفضل عايشة معاكي و لا إيه؟"
"أنا نفسي تفضل تعيش معايا، بس بالتأكيد ليها أهل بيدوروا عليها"
نظر الثلاثة لبعضهما البعض ثم نظروا إلي والدتهم و في صوت واحد
"أنتي خطفاها ياماه؟"
"خطف إيه يا مجنون منك ليه، دي كانت في المستشفي اللي كنت شغالة فيها، كانت جاية بعيد عنكم في حادثة كبيرة، فضلوا يعالجوها و عملية ورا عملية لحد ما قامت بالسلامة لكن يا عيني عليها فقدت الذاكرة و مكنش معاها أي أوراق تثبت مين هي و لا أهلها مين، كتر خير الدكتور اللي كان متابعها و خلاها لحد ما اتحسنت لاقيتها مش عارفة تروح فين و لا لمين، خدتها عندي و قولت ربنا بعتهالي تاخد بإيدي و تاخد بالها مني بدل ما أنا عايشة لوحدي بين أربع حيطان لو تعبت محدش بيسأل عليا، علي الأقل لو مت هلاقي اللي تقف علي غُسلي و تدفني"
"بعد الشر عليكي ياماه، و إحنا روحنا فين، إحنا جينالك أهو و قولنا بدل الغربة و التعب برة في بلاد الخواجات خلينا نفتح مشروع أنا و أخواتي نكسب منه و منها نبقي جنبك و ناخد بالنا منك"
"لو كلامك صح يبقي ربنا يوفقكم و يعينكم"
اقترب محمود منها بابتسامة خبيثة
"ربنا يوفقنا و يعينا بمساعدتك يا أمي"
أدركت خيرية مُراد ولدها
"والله يا ابني لو بأيدي حاجة مكنتش أتأخرت عليك أنت و أخواتك، كل اللي أملكه سيباه للزمن علي الأقل تلاقوا فلوس عشان الدفنة و الإجراءات وقتها"
تدخل أكبرهم بعد أن نظر إلي شقيقيه
"بصراحة ياماه إحنا جينا بعد ما كلمنا محامي ثروت بيه، قالنا مستعد يدفع اللي هنقوله عليه، و أنا و أخواتي سألنا واحد سمسمار معرفة و قدر لنا سعر البيت لاقيناه هايجيبلنا 50 مليون جنيه، لأن منطقتنا هتاخدها شركة مقاولات كبيرة تبع جماعة خلايجة و أجانب مستثمرين هيدفعوا مليارات الدولارات"
عقب أوسطهم
"و إحنا ياماه لو اشتغلنا أنا و أخواتي طول عمرنا بره عمرنا ما هنجيب عشر المبلغ ده، و بعد البيع هنقسم الفلوس زي ما قال شرع ربنا، ليكي نصيبك و كل واحد فينا ليه نصيبه بالعدل"
نهضت خيرية بوجه متجهم تخبرهم بحسم منقطع النظير
"و أنا مش هبيع، حتي لو اتباعت كل البيوت اللي حواليا و مافضلش غير بيت أبوكم، برضو مش هبيع"
"اسمعينا ياماه بـ...
قاطعته بصرامة
"اسمعوني أنتم يا ولاد بطني، البيت ده مش مجرد جدران تتهد و يتبني بدالها جديد، ده عمر و ذكريات، روحي و عمري كله فيه، لما أموت أبقوا أتصرفوا فيه براحتكم"
صاح ابنها الأكبر الغاضب دائماً
"معناه إيه الكلام ده ياماه؟"
"معناه أنك تاخد أخواتك و تتكلوا علي الله و ترجعوا مطرح ما جيتوا، و أنا اللي كنت فاكرة أنكم ندمانين و راجعين تعوضوني عن فراقكم السنين اللي فاتت، زي ما قلبي كان حاسس اللي هايجيبكم المصلحة و الفلوس"
وقف الثلاثة فقال أوسطهم
"أنتي بتطردينا من بيت أبونا ياماه؟"
نهرتهم بقسوة وليدة سنوات هجران
"دلوقتي بقي بيت أبوكم؟!، كنتم فين من سنين فاتوا؟!، اسمعني ياض أنت و هو، ملكمش حاجة عندي"
اندفع نحوها أوسطهم
"يعني إيه الكلام ده؟"
"زي ما فهمت كدة بالظبط، الجحود بيولد جحود و الجفا بيولد جفا، فما تنتظروش الحنية، أمكم بتاعت زمان ماتت"
اقترب أصغرهم من شقيقه
"يلا بينا دلوقتي و نبقي نجيلها في وقت تاني"
ثم أخبر والدته بصوت مسموع
"هنسيبك دلوقتي يا أمي و هانبقي نرجعلك تاني تكوني فكرتي في كلامنا، نصيبك هيجيبلك شقة واتنين و تلاتة، فكري قبل ما تردي، يلا يا مأمون أنت و محمود"
ألقي كلا من شقيقيه نظرة سخط علي والدته قبل أن يغادرا، ذهبت خلفهم و أغلقت الباب بعنف، أخذت تبكي فخرجت لها أميرة، تعانقها
"ما تزعليش منهم هم بيحبوكي، هم بالتأكيد خدوا علي خاطرهم لما قولتلهم مالكمش حاجة، مهما كان ده بيتهم و ليهم فيه"
"من قهرتي يا أميرة و قسوة قلوبهم خلوني أقولهم كدة، أنا عمري ما هخالف شرع ربنا، بس من حقي أعيش آخر أيامي في البيت اللي أتجوزت و عشت فيه، حتي دي كمان مستخسرينها فيىّ؟!"
أخذت الأخرى تربت عليها و لا تعلم ماذا عساها أن تفعل لها.
"إهدي يا ماما و كفاية عياط عشان ضغطك ما يعلاش"
كانت قد كفت عن البكاء بالفعل، لكن هناك ما أثار قلق و خوفها علي السيدة خيرية عندما شعرت بثقل جسدها بين ذراعيها، ألقت نظرة علي وجهها لتجدها فاقدة للوعي
"ماما خيرية، ماما خيرية، ردي عليا عشان خاطري، ماما، يا ماما"
صرخت في آخر نداء لها مما جعل الجيران يهرعون إليها و قاموا بمهاتفة خدمة طوارئ الإسعاف و التي جاءت في غضون دقائق لقرب المشفى من السكن.
❈-❈-❈
كانت تقف بجوارها في الغرفة و الممرضات و الطبيب يسعفونها و يوصلون بها أجهزة تنشيط و متابعة الأجهزة الحيوية، كانت تتابع ما يفعلونه بجنون
"طمني يا دكتور ماما مالها، هي مغمي عليها بس؟، حضرتك ما بتردش عليىّ ليه، طمني عليها بالله عليك"
نظر إليها بأسف وأخبرها بحزن
"واضح إن والدتك اتعرضت لضغط نفسي و عصبي خلي الضغط ارتفع عندها و عملها جلطة علي المخ وخلاها دخلت في غيبوبة الله أعلم هاتقوم منها امتي، إدعيلها"
تراجعت إلي الوراء في زاوية وجلست علي الأرض تبكي و تدعو الله بأن يشفي تلك السيدة التي لم ترَ منها سوي الخير و الحنان.
"معلشي يا آنسة ما ينفعش تقعدي هنا، و كمان محتاجين تشتري لوالدتك أدوية ضروري تجيبيها لأنها مش متوافرة عندنا في صيدلية المستشفي"
نهضت أميرة و أخذت منها الورقة
"حاضر، هاروح أشتريها لها بسرعة و راجعة تاني، بس ممكن تاخدي رقم تليفوني عشان لو حصل أي حاجة أو فاقت تقوليلي؟"
"خدي سجليه"
اعطتها هاتفها لتسجل رقمها سريعاً، قامت بتجفيف دموعها و غادرت الغرفة ثم المشفى و لم تنتبه إلي ابناء السيدة خيرية الثلاث اللذين يهرولون بحثاً عن والدتهم، أوقف احدهم الممرضة
"فين حالة الست الكبيرة اللي كان مغمي عليها؟"
أشارت إليه نحو الدرج
"لو قصدك علي الحجة خيرية، في الدور التاني، غرفة رقم 22 بس ممنوع الدخول"
سألها الأخر
"هي حصلها إيه؟"
"أنتم تقربولها إيه؟"
"إحنا ولادها"
"ادعوا لها جالها جلطة علي المخ خلاها دخلت في غيبوبة و طلبنا من أختكم تروح تجيب الأدوية المطلوبة"
"أختنا؟!"
همس شقيقه الأخر له
"البت اللي إسمها أميرة"
فتهامس الثالث
"إحنا سايبين أمكم سليمة و البت شكلها سمعت كلامنا إحنا و أمنا و الله أعلم عملت فيها إيه"
رد الثاني
"تصدق عندك حق، خافت لأمنا توافق و هي هاتروح فين، و الله أعلم ممكن مضتها علي ورق و لا حاجة"
قال أصغرهم
"اتقوا الله حرام عليكم، دي شكلها بت غلبانة و لو كانت زي ما بتقولوا كان زمانها عملت كده من زمان و إحنا سايبين أمنا"
عقب كبيرهم
"بقولكم إيه تعالوا نطلع نطمن علي أمنا و واحد مننا يروح البيت و ياخد باله من الأوراق و أي حاجة هناك، و خصوصاً حجة ملكية البيت"
"أنا هاروح، خليك أنت يا مأمون مع وليد و أنا لو فيه حاجة هاكلمكم"
كانت قد وصلت المنزل و قد نست إغلاق الباب خلفها، فما يشغلها الآن هو تدبير المال لشراء الأدوية، أخذت محفظة النقود خاصتها من حقيبتها فوجدت كل ما لديها لا يكفي سوي لشراء علبة واحدة، ففي طريقها إلي المنزل سألت في الصيدلية عن ثمن الأدوية المطلوبة.
زفرت بضيق
"أدبر باقي المبلغ منين ياربي"
نظرت نحو غرفة السيدة خيرية و ترددت، و بعد تفكير و حيرة، دلفت إلي الغرفة واتجهت نحو الخزانة لتبحث عن محفظة نقود الخاصة بخيرية، فتحت الضلفة و مدت يدها إلي الرف العلوي
"أنا كان عندي حق لما حذرت أمي و أخواتي منك يا حرامية"
شهقت و ألتفت لتجد المدعو محمود، هزت رأسها بالنفي و أخبرته بدفاع
"أنا كنت عايزة أخد فلوس عشان أجيبلها الدواء، أنا أخدت كل اللي معايا و لاقتهم مش هيكفوا، فحاولت أخد من عند ماما و هقولها أول لما تفوق بالسلامة"
اقترب منها حتي أصبحت محاصرة بينه و بين الخزانة، يرمقها بنظرات ذئب يتمعن فريسته قبل الانقضاض عليها
"ما تخافيش مش هقول لأخواتي حاجة، و هاسيبك تعيشي مع أمي حتي بعد ما نبيع البيت، بس علي شرط"
ابتلعت ريقها بخوف فغريزتها الأنثوية تدرك تلك النظرة المخيفة و ما يليها
"لو سمحت يا أستاذ، عيب كدة وابعد عني"
"ما تبطلي تعيشي عليا يا بت دور الشرف ده لإنه مش لايق عليكي، هتلاقيكي كنتي هربانة من أهلك و جيتي علي إسكندرية و حصلتلك الحادثة و بتمثلي أنك فاقدة الذاكرة بعد ما لاقيتي أمي بتحن و بتشفق عليكي، قولتي ست كبيرة و عايشة لوحدها و لا هتعرف أصلي و لا بنت مين وكنتي هربانة ليه"
دفعته بقوة من أمامها وخرجت من الغرفة، صدح رنين هاتفها و قبل أن تمد يدها عليه وجدت من يجذبها من ذراعها ويلقي بها علي الأريكة
"الظاهر ما بتحبيش الذوق، لما نجرب معاكي العافية"
حاول تقيد يديها و كانت تقاومه بكل قوة، ضرب ذاكرتها المصابة ومضات من مشاهد من الماضي حدث مثل تمر به الآن لكن المعتدي وجهه مبهم، أخذت تصرخ و تخمشه بأظافرها، و جمعت قواها فقامت بركله بركبتها بين ساقيه، انتفض و صرخ بألم، ألقي عليها سبة بذيئة، بينما هي التقطت حقيبتها و هاتفها و نجت بنفسها راكضة إلي خارج المنزل، تلقت اتصالا مرة أخرى فوجدت رقم غير مسجل
فتذكرت أمر الممرضة، أجابت في الحال
"ألو"
"أنا بتصل عشان اقولك ما تجبيش حاجة خلاص"
ابتسمت من بين دموعها وسألتها
"ماما فاقت؟"
"البقاء لله يا حبيبتي"
و في نفس الوقت تلقي محمود من شقيقيه مكالمة بوفاة والدته، اتسعت عينيه بصدمة وأخذ يبكي، فما نفع البكاء و الندم الآن!
نعود لأميرة التي ركضت بكل قواها إلي المشفى حتي وصلت أمام الغرفة و ترى الممرضات تخلع أسلاك الأجهزة عن السيدة خيرية ثم تغطي وجهها بالدثار، لم تصدق أميرة ما تراه عينيها ارتمت جوار الجثمان وأخذت تصرخ
"ماما، يا ماما، ردي عليىّ، ما تسيبنيش يا ماما، أنا ماليش غيرك"
حاولت الممرضة جذبها لتبعدها
"ما ينفعش يا آنسة، اللي بتعمليه ده، معلش اطلعي استني برة و هنندهلك وقت غُسلها"
خرجت من الغرفة رغماً عنها، فوجدت مأمون ووليد يجلسان علي المقاعد و يبكيان علي والدتهما، جاء محمود من نهاية الرواق، يصيح ببكاء
"ماتت و هي زعلانة مننا، إحنا السبب"
وضع مأمون كفه علي فم شقيقه
"بس اسكت، هاتفضحنا"
انتبه محمود إلي وجود أميرة ويخشي أن تخبر شقيقيه و لم يبالي إلي وفاة والدته وحزنهم عليها، اقترب من تلك المسكينة التي تبكي بحرقة حزناً علي أمها التي لم تلدها
"انتي واقفة عندك بتعملي إيه؟!، ليكي عين و عمالة تعيطي عليها؟!، أنتي السبب، هتلاقيكي أديتلها دوا غلط هو اللي عملها الجلطة وموتها"
نهض وليد و جذب شقيقه يبعده عن الأخرى
"عيب يا محمود مش وقته اللي بتعمله ده، خلينا نشوف هانعمل إيه و نجيب تصريح الدفن"
ثم وجه حديثه إلي أميرة
"و أنتي يا بنت الناس روحي دوري لك علي مكان تعيشي فيه، اللي كنتي قاعدة معاها ماتت، و إحنا تلات رجالة و الوضع مش حلو لا ليكي و لا لينا"
نظرت إليه بانكسار لم يكن لديها رد أو إجابة فلديه حق لاسيما بعد محاولة اعتداء شقيقه عليها.
أخرج من جيبه عدة ورقات من المال مطوية، مد يده بها إليها
"خلي دول معاكي و لو احتاجتي أي حاجة هاديكي أرقامنا كلمي أي واحد فينا وهتلاقينا واقفين جمبك"
"كتر خيرك يا أستاذ، شكراً مش عايزة حاجة منكم"
لم تتحمل سماع كلمة تزيدها وجعاً فوق أوجاعها، غادرت المشفى بقلب ملتاع، تبكي علي فراق السيدة التي كانت بمثابة والدتها، تبكي علي حالها حيث أصبحت بلا مأوي، شريدة لا تملك مكان يأويها.
❈-❈-❈
عبر بسيارته للتو من مدخل محافظة الإسكندرية، عينيه صوب الطريق وذهنه شارد مقتطفات من ذكريات ومواقف قد جمعته بها، كان يخاف عليها دائماً فحينما كانا في رحلة صيفية عائلية، كانت تريد تعلم الصيد، أخذ يشرح لها كيف تمسك بالخطاف وتضع في نهاية الخيط الطعم المفضل للأسماك.....
"إيه الملل ده بقالي ساعة و لا سمكة واحدة قربت من الطُعم"
ضحك فألتفت إليه بحنق
"هو أنا بقول حاجة تضحك يا دكتور رحيم؟"
"لاء، بس بضحك عليكي، لأن قايلك أهم حاجة في الصيد الصبر، ممكن تقعدي اليوم كله عشان تصطادي سمكة"
"نعم!، بلاها صيد أصلاً، أنا إيه اللي يجبرني أقعد كل الوقت ده"
نظر نحو مياه البحر وأمواجها المتلاطمة يخبرها
"مش إجبار و لا حاجة، الموضوع بيبقي نابع من جواكي، أنتي نفسك في حاجة و عشان تبقي ليكي عارفة هاتقعدي وقت كبير عقبال ما توصلي لها، الدافع اللي عندك هيخليكي تصبري لحد ما توصلي لهدفك"
تأملت ملامح وجهه وعينيه داخلهما آلاف الكلمات، فهي تدرك جيداً ما بين سطور حديثه، قاطع تأملها صوته ويشير إليها نحو نهاية الخيط
"شدي الصنارة بسرعة"
"مش عارفة، فيه حاجة بتشدها مني جامد"
اقترب منها ووقف خلفها، وضع يديه فوق يديها
"خليكي ماسكة جامد واسحبي لفوق و شدي عليكي"
شعر بجسدها الذي انتفض بين ذراعيه، تظاهر بالانشغال في مساعدتها لتحصل علي صيدها، لاحظ بطرف عينه دون أن ينظر إليها تحدق بتيه، الأمر كان لديه فوق الوصف، يشعر وكأنه يملك دنياه وتمني لو امتلك قلبها الذي ينبض بقوة ويصل صوت دقاته إلي مسامعه.
جذب الخطاف فجأة فوجد الصيد سمكة كبيرة لكن تمكنت تلك السمكة من التحرر من الخيط وقفزت في البحر.
ابتعدت من بين ذراعيه فوقفت أمامه تشعر بسخط
"يعني بعد ما صبرت كل ده عشان اصطادها تقوم هي هربانة مني، أنا عارفة حظي، عمري ما تمنيت حاجة وبقت ليا، بالعكس بلاقيها تبعد وتبعد أوي كمان"
رمقها مبتسماً وعقب بهدوء
"مش كل اللي بنتمناه بناخده، أحياناً بيكون شر و ربنا مش كتبه لينا، المفروض نعيد حسابتنا و نبص للأمور صح، هتلاقي نفسك أمنية لحد تاني"
"كلامك صح، بس ملناش حكم علي قلوبنا، فساعات بنتعلق بالشخص الغلط"
"و ليه ما نفكرش بالعقل مع القلب، عشان نختار صح؟"
"لأن في الغالب القلب و العقل ما بيتفقوش"
"لو التفكير سليم هيتفقوا، ما ينفعش ندي السلطة للعقل لوحده أو للقلب و المشاعر لوحدهم، لازم يبقي فيه توازن عشان ما نندمش في الأخر ونقعد نقول ياريت"
ضحكت وأرادت تغير دفة الحديث، أدرك ذلك سريعاً عندما عقبت قائلة بمزاح
"أنت سيبت الطب واشتغلت فيلسوف و لا إيه يا دكتور؟"
"كلامي مالهوش علاقة بالفلسفة دي دراستي لعلم النفس بحكم تخصصي في علاج المخ و الأعصاب"
أطلق تنهيده وتردد فيما هو مقبل علي التصريح به مردفاً
"رودينا، أنا كنت فيه حاجة عايز أقولهالك و مأجلها للوقت المناسب، و شايف أنه جه الوقت ده، أنا بحبك وعايزك تكوني شريكة حياتي، تتجوزيني؟"
نظراتها أقرب للصدمة لكن جوابها وكأنه أُعد من قبل
"أنا مقدرة و محترمة شعورك، بس أنا اللي جوايا ليك مخليني مش قادرة أشوفك غير ابن خالتي وأخويا"
"بس أنا مش أخوكي يا رودينا و لا عمري شوفتك زي أختي، أنا فاهم سبب رفضك، بس أنا المعلومات اللي عرفتها أن اللي كنتي مستنياه يكون ليكي أتجوز خلاص"
أخفت ما شعرت به من ضيق و غيره خلف ابتسامة ساخرة
"و يا تري مصدر معلوماتك تبقي شاهيناز هانم اللي متفقة معاك أنت و خالتو رجاء أننا نيجي نقضي الأجازة هنا عشان نقرب أكتر أنا و أنت من بعض وتقولي بحبك و عايز أتجوزك، و أنا المفروض أوافق عشان أنسي حبي اللي من طرف واحد"
"و ليه حسبتيها كده، كان ممكن جيتلكم لحد البيت و طلبتك بشكل رسمي و يبقي كده حطيتك قدام الأمر الواقع"
"و لو عملت كده كنت هقولك نفس اللي هقوله لك دلوقتي، لاء يا رحيم، مش موافقة، أنا مش هاتجوز غير اللي بحبه حتي لو هافضل طول عمري single"
عاد من ذكري تلك الرحلة و لقطات من حفل زفافها وهي بين ترقص بين يدي زوجها، كم يكره حالة الضعف التي جعلت عينيه تذرف دموعاً، يأبى أن يظل أسير هذا الحب، يكفيه عذاباً وألماً، لذا لجأ للفرار إلي عمله و شغل نفسه علي قدر ما يستطع حتي لا يترك لفؤاده فرصة للتفكير بها مرة أخرى.
و في ذات الوقت كانت تلك المسكينة تركض في الشوارع و الممرات حتي وصلت إلي الطريق الرئيسي للسيارات، تعبر الطريق وتغرق الدموع عينيها، لم تنتبه إلي السيارة التي علي وشك أن تصدمها.
كان ينظر إلي هاتفه الذي يرن، كاد يجيب علي اتصال والدته التي تريد الاطمئنان عليه، رفع عينيه نحو الطريق فإذا بالتي ظهرت أمامه فجأة واصطدمت بمقدمة سيارته فخرت علي الأرض دون حراك!
❈-❈-❈
يهبط ويرتفع بجسده مستنداً علي ذراعيه، يفرغ غضبه في ممارسة التمارين الصعبة بدلاً من الانفجار، علي وشك أن يفقد عقله لا يعلم أين هربت إلي الآن، لم يترك مكاناً إلا وبحث عنها وكانت مجهوداته تذهب سدي.
سمع صوت خطوات حذاء تقترب منه حتي توقفت أمامه، رفع وجهه ونظر إليها فسألته
"و معني أنك مالقتهاش لحد دلوقت يبقي كده خلاص هاتبطل تدور عليها؟"
نهض وألتقط منشفة قطنية يجفف عرقه، نظر بسخرية إلي والدته
"و شيري هانم بنفوذها و علاقاتها مش قادرة تعرف حفيدها و مرات ابنها فين؟!، معلش بقي حكم السن بيخلي الواحد جهده علي قده"
سخريته الصريحة أثارت حنقها
"اخرس، أنا لسه زي ما أنا، شيريهان الشريف اللي بإشارة من صباعها هتلاقيني جيبالك مراتك تحت رجلي، بس سبب سكوتي لحد دلوقتي لأن أنا لو وصلتلها هخليها تبكي بدل الدموع دم"
جز علي أسنانه بغضب، تهديد والدته يحمل إهانة لزوجته لذا قام بتحذيرها
"لأخر مرة يا شيريهان اتكلمي عنها باحترام، لأنها في الأول و الأخر مراتي"
"مش لما أنت الأول تحترم نفسك و انت بتتكلم مع مامتك؟!، يا فرحتي بيك وأنت فخور أوي و تقولي مراتي، أومال لو مكنتش خدامة أخوك قبل ما تضحك عليه و تلبسه في الولد اللي بلتنا بيه"
ركل بكل قوته كرسي من المعدن أصدر صوتاً جعلها انتفضت ذعراً و ابتعدت، تنظر له بصدمة فأخبرها
"عيدي كلامك ده تاني وهتلاقي الفيلا بقت عاليها واطيها ده غير مش هخليكي تشوفي وشي تاني"
ألقي المنشفة بقوة علي الأرض ثم تركها وذهب خارج صالة الرياضة الخاصة به، و في طريقه إلي غرفته أوقفه أحد الحراس
"أحمد بيه"
ألتفت إليه فاقترب الحارس منه وهمس في أذنه بأمر كان ينتظره الأخر
"روح أنت وشوية و أنا جاي وراك"
بعد قليل...
دخل غرفة تقع خلف المنزل يجلس في الوسط هذا الرجل الطيب و علي يمينه و يساره حارسين، علي ملامحه الخوف من تلك المواجهة، ابتلع ريقه حينما رأي أحمد يجذب مقعد ويجلس عكسه مستنداً بذراعيه علي مسند الظهر، أشار إلي أحد الحارسين، جاء إليه مسرعاً يعطيه علبة لفائف التبغ، سحب لفافة ويسأل الرجل الطيب
"ها يا عم صابر، لسه مصمم أنك ما تعرفش مكانها؟"
أشعل الحارس له اللفافة فنفث الدخان في الهواء، يستمع إلي إجابة العم الصابر المغلوب علي أمره
"حضرتك ليه مش مصدقني يا أحمد بيه، أنا آخر مرة شوفتها لما حضرتك أخدتها من الفيلا و معرفش عنها و لا عن ابنها أي حاجة"
نفث دخان اللفافة مرة أخرى وينظر نحو هذا الرجل بإمعان
"و لو قولتلك مش مصدقك و أنك راجل كداب"
نظر إلي أسفل بحزن
"الله يسامحك يا بني"
نهض من علي الكرسي وركله بعيداً، قبض علي تلابيب قميص العم صابر بعنف
"اسمع يا راجل أنت، جو المسكنة و يا بني و يا ضنايا ده مش هياكل معايا، أقسم بالله لو ما قولت مراتي وابن أخويا راحوا فين لأبعت رجالتي يجيبوا مراتك و بناتك هنا، خليهم يشوفوك و أنا بقل منك قدامهم"
رأى صابر الشر في عينين أحمد، لكن ليس هذا الشر الذي كان عليه سابقاً، فهذا الغضب الذي عليه غضب عاشق يكاد يجن جنونه إذا لم يصل إلي من التي امتلكت قلبه.
مرت دقيقتان دون إجابة، فصاح هذا الأحمد بصوت جهوري مخيف
"مش عايز تنطق، فاكرني بهدد وخلاص؟!، ماشي هخليك تسمع و تشوف، متولي، لم الرجالة و تروحوا علي بيت الراجل ده، تجيب لي مراته و بناته"
صاح صابر متوسلاً
"بالله عليك يا أحمد بيه، بلاش اهل بيتي أبوس أيدك، هقولك علي اللي أنت عايزه"
أشار الأخر إلي الحارس بأن لا ينفذ أمره، دنا من العم صابر الذي أخبره
"هقولك، بس بالله عليك بلاش تأذيها، دي غلبانة و بنت حلال"
"أنت هاتوصيني علي مراتي، أنا حر أعمل اللي اعمله معاها، أنجز وقول يلا"
و في مكان آخر، كانت تغفو وولدها يغفو أيضاً بين ذراعيها، يصل إلي أذنها صوت خرير مياه تنهمر بقوة تخرج من صنبور تالف، ضيقت ما بين حاجبيها وتنصت جيداً إلي مصدر الصوت، انسحبت من جوار ابنها بهدوء كي لا يستيقظ، و ما أن وضعت قدميها علي الأرض، غمرتهما المياه، شهقت وركضت إلي المطبخ لم تجد شيء، ذهبت إلي الحمام فوجدت المياه تتدفق من صنبور الحوض الذي امتلأ وفاضت منه المياه التي اغرقت الممر و الغرف و الردهة، بحثت سريعاً عن المحبس الرئيسي وقامت بغلقه فتوقفت المياه، قامت بشد غطاء مصرف المياه الصغير داخل الحمام فبدأت المياه تُصرف من خلاله.
لملمت السجاد المبتل سريعاً و ألقت به علي سور الشرفة ثم عادت إلي الداخل، قامت بخلع العباءة القطنية المبتلة من حملها للسجاد وأصبحت بالقميص القطني القصير ذو الحمالات، ظلت تزيح المياه بالممسحة وتجفف الأرض خلفها بقطعة قماش من القطن، قاربت علي الانتهاء و لم يتبق سوي الردهة، كانت تجثو علي ركبتيها وتجفف وتزيح خصلاتها الحرة إلي الوراء بظهر يدها، لم تشعر بمرور الوقت أو الانتباه إلي صاحب الحذاء الأسود، قد دخل بعد أن فتح باب الشقة بالمفتاح الذي أخذ نسخته من صاحب العقار.
سار بخطى واثقة حتي توقف أمامها، انتفضت لدى رؤيتها للحذاء، رفعت رأسها فشهقت عندما رأته يقف أمامها!
لقراءة باقي فصول الجزء الرابع
لقراءة الجزء الاول جميع الفصول
لقراءة الجزء الثاني جميع الفصول
لقراءة الجزء الثالث جميع الفصول
الفصل السابع
أنا مُتعب كوطن أرهقه الإحتلال... كـ بيت قديم أوشك على الإنهيار... وهناك وهناك بأقصى يسار الصدر كدمات وندبات تنعي بعضها بعضاً.
كانت تغفو وولدها يغفو أيضاً بين ذراعيها، يصل إلي أذنها صوت خرير مياه تنهمر بقوة تخرج من صنبور تالف، ضيقت ما بين حاجبيها وتنصت جيداً إلي مصدر الصوت، انسحبت من جوار ابنها بهدوء كي لا يستيقظ، و ما أن وضعت قدميها علي الأرض، غمرتهما المياه، شهقت وركضت إلي المطبخ لم تجد شيء، ذهبت إلي الحمام فوجدت المياه تتدفق من صنبور الحوض الذي امتلأ وفاضت منه المياه التي اغرقت الممر و الغرف و الردهة، بحثت سريعاً عن المحبس الرئيسي وقامت بغلقه فتوقفت المياه، قامت بشد غطاء مصرف المياه الصغير داخل الحمام فبدأت المياه تُصرف من خلاله.
لملمت السجاد المبتل سريعاً و ألقت به علي سور الشرفة ثم عادت إلي الداخل، قامت بخلع العباءة القطنية المبتلة من حملها للسجاد وأصبحت بالقميص القطني القصير ذو الحمالات، ظلت تزيح المياه بالممسحة وتجفف الأرض خلفها بقطعة قماش من القطن، قاربت علي الانتهاء و لم يتبق سوي الردهة، كانت تجثو علي ركبتيها وتجفف وتزيح خصلاتها الحرة إلي الوراء بظهر يدها، لم تشعر بمرور الوقت أو الانتباه إلي صاحب الحذاء الأسود، قد دخل بعد أن فتح باب الشقة بالمفتاح الذي أخذ نسخته من صاحب العقار.
سار بخطى واثقة حتي توقف أمامها، انتفضت لدى رؤيتها للحذاء، رفعت رأسها فشهقت عندما رأته يقف أمامها!
تركت ما في يدها ووقفت علي الفور تسدل قميصها القصير ثم تراجعت إلي الوراء، تبتلع ريقها خوفاً لكن نظرة عينيه الثاقبة تعكس نقيض ما داخله من غضب ضاري، بل كان الإشتياق والعشق ينضحان من حدقتيه، و داخلهما سؤال يتردد في عقله ويتلفظ به قلبه وهو -لماذا؟- لماذا تركتيني بعد أن امتلكتي قلبي وروحي وجسدي، لماذا كلما أصبح بقربك فتلجأين إلي الفرار!
بينما هي لم تدرك معني تلك النظرة و قد ظنت أن صمته القاتل ليس سوي الهدوء ما قبل العاصفة، لم تعد زوجة شقيقه المتوفي كالسابق، فهي -زوجته-
"أحمد أنا كنت...
بتر كلماتها وأخلف كل توقعاتها الواهية، بخطوة واحدة اختطفها بين ذراعيه ليعانقها بقوة و افرغ صدره براحة ها قوله بنبرة تغدق من العشق أطناناً
"لو كنتي تحت سابع أرض برضه كنت هلاقيكي"
ابعدها قليلاً لينظر صوب عينيها، يمسك بطرف ذقنها ويسطرد
"لأنك روحي، و محدش يقدر يبعد عن روحه ولو ثانية"
افترقت شفتيها وكادت تتحدث فأوقفها بوضع طرف سبابته لتصمت وهو يخبرها بألحان العشق التي تعزف علي أوتار فؤادها النابض لأجله
"محدش بيحبك و لا هيخاف عليكي و علي ابنك و ابن أخويا غيري أنا، أنا أمانك و محدش في الدنيا دي كلها يتجرأ يبصلك حتي بنظرة طول ما أنا موجود"
يصدقه قلبها لكن لديها هاجس يوسوس داخل رأسها اليابس بأن تلك خدعة وربما لعبة من ألاعيبه الملتوية حتي يضمن عودتها معه و يتمكن من معاقبتها علي هروبها.
انتشلها صوته وحركات يديه من الصراع الذي يدور داخل سمعها بأن تصدقه أو لا تصدقه.
"شايف في عينيكي كلام كتير و نظرة خوف مني، وأنا بقولك ما تخافيش يا روحي، و كل حاجة هتَّم زي ما أنتي عايزه، بس عايز وعد منك إنك متكررهاش تاني وتهربي، اوعديني"
كانت في موقف ضعف للغاية لاسيما وهي قابعة بين ذراعيه، يغمرها الشوق ولعاً، رائحته التي ضربت أنفها حتي وصلت للأعماق جعلتها أسيرة حضوره الطاغي، تعشقه بكل حواسها، ترتجف شفتيها تياماً وتطوق عشقاً لإلتقام خاصته وتخبره عبر قبلاتها كم هي تعشقه إلي حد الثمالة و الإدمان.
كان لا يقل حاله عنها فلديه ذات الشعور وأضعاف اضعافه لذا لم يتحمل أكثر من ذلك، و لبي رغبتها نظيرة رغبته، ألتقم شفتيها باجتياح عاشق متيم.
لم تشعر بالزمان والمكان و قامت بمبادلته طقوس الحب من قبلات وعناق اضرم بينهما نيراناً حيث ظل يدفعها برفق نحو الحائط ومازال يقبلها حتي انقطع الهواء عنهما فترك شفاها وأخذ يلتقط أنفاسه
"أنتي وحشاني أوي"
تلتقط أنفاسها وتجيب بنظرات غائبة عن الواقع
"و أنت كمان واحشني أوي، بس...
لم تكمل وابتلعت ريقها بتردد، لم يمهلها إكمال جملتها، فقام بالإطغاء عليها بفعله الذي يجعل الحديد ينصهر بين يديه فما بال حالها هي، حيث دنا بشفتيه علي عنقها وأخذ يقبله إنشاً إنشاً، يهمهم من بين قبلاته يحثها
" بس إيه؟، قولي يا روحي أنا سمعك"
تسمع كلماته ومازال الصراع قائم داخل عقلها، تتذكر حديثه مع والدته و كيف وجودها ووجود ابنها داخل تلك العائلة يكون خطراً كبيراً، وساوس تنهش سمعها وتزداد كلما خضعت واستسلمت إلي حديثه وهمساته و لمساته و ما يفعله للتو و ما هو يوشك أن يفعله لاسيما يداه التي مدت نحو حمالات قميصها لإزاحاتهما مع قبلاته المندرجة من الترقوة متجهة نحو الأسفل، فإذا بها تدفعه بكل قوة اوتيت بها صارخة
"لاء يا أحمد"
يحدق إليها بصدمة علي ما فعلته للتو و كانت الطامة الكبري حينما ألقت علي مسامعه الآتي
"مش هرجع تاني أعيش أنا وابني تحت خوف و تهديد سواء من شيريهان هانم و لا منك، قلبي بيقولي اصدق كلامك لكن عقلي بيحذرني منك، و للأسف كل اللي فات و خصوصاً بعد ما سمعت كلامك مع مامتك و أنك بتضحك عليا عشان تضمنوا ابني تحت وصايتكم، كل ده يخليني أقولك لاء، مش عايزه ارجع معاك و لا أكمل"
كلماتها كالسهام المتراشقة في قلبه كلما يستوعب ألم سهم يتلقي الأخر ليزيد من أوجاعه أضعافاً
يسألها بصدمة نكراء
"بعد كل اللي قولته لك ووقفتي جمبك ووعودي ليكي، لسه مش مصدقاني و عايزه تبعدي؟!"
ابتلعت ريقها و رسمت علي وجهها الصلابة حتي لا تظهر له ندمها و مشاعر نحوه
"ايوه، البُعد أسلم حل لابني، بعيد عن شركم"
"شرنا!"
ردد اتهامها الآثم له وفي تلك اللحظة تحول الشعور بالصدمة إلي شعور آخر وهو استيقاظ شيطانه الكامن داخله، لكنه يحاول السيطرة علي نفسه خوفاً عليها.
لم تدرك حالته التي إذا علمت بها لفرت من أمامه في الحال، ما زالت تتشدق بحماقة و دون وعي
"شركم أنت والهانم مامتك، مش أنت ابنها برضه!، و مصلحتكم واحدة، معقول يعني هاتسيب مملكة عيلتكم من جاه ومال يروح لابن حتة واحدة كانت بتشتغل خدامة عند أخوك؟!"
صاح بتحذير حاسم
"اخرسي"
و بصياح مماثل و قوة تحسد عليها
"لاء مش هاخرس، و بقولهالك لآخر مرة، أنا و لا ابني مش عايزين حاجة منكم، و أنا كفيلة أربي ابني وأراعيه في جو نضيف بعيد عن الخداع والشر والطمع اللي مالي قلوبكم"
اقتربت منه بهدوء ولا تبالي لهذا البركان المنفجر أمامها لتلقي عليه طلبها دون الاكتراث أو الاحتراس لردة فعله إثر قولها
"طلقني يا أحمد"
لم يشعر بكفه سوي وهو يهوي علي خدها بلطمة قاسية جعلتها وقعت علي الأرض أمام حذائه، لن يكتفي بهذا بل جذب خصلاتها بقبضته الحديدية ليجبرها علي النظر إليه من وضعها المزري هذا ولأول مرة تري كم هذا الجبروت والقسوة في عينيه وخاصة عندما أخبرها
"قدامك اختيارين مالهمش تالت، الأول تروحي تحضري شنطتك و تغيري هدومك انتي وابنك و نروح كلنا نعيش في الفيلا وهو يتربي تحت رعايتي أنا وجدته وأنتي طبعاً بس دورك كأم و بس، أو الاختيار التاني هحقق لك رغبتك في الانفصال لكن بشرط أنك تنسي ابنك خالص وبرضه أنا وجدته اللي هنربيه، ها هتختاري إيه؟"
❈-❈-❈
لا أعلم مَنْ أنا و أجهل مَنْ تكون أنت، لكن أدرك جيداً بأن القدر قد دبر لقائنا حتي نكون لبعضنا البعض الملجأ والسكون أو ربما كلانا همزات الوصول إلي دروبنا الصحيحة.
و بالتحليق إلي عروس البحر و داخل مشفى استثماري، يقوم الطبيب بإنهاء الفحص الطبي للتأكد من عدم اصابتها بكدمات، رفع يده أمام عينيها يسألها ويراقب استجابتها جيداً
"دول كام؟"
تمسك بالغطاء الذي يدثر نصف جسدها عندما تذكرت هذا المشهد المتكرر حينما فاقت في المستشفى بدون أن تتذكر مَنْ تكون و من أين جاءت، خرج صوتها الخافت غير مدركة لمنقذها الذي يقف في الزاوية يتابع الفحص ليطمئن عليها
"تلاتة"
أخذ يدون عدة ملاحظات حتي جاءت الممرضة وتمد يدها إليه بملف ورقي كبير الحجم يحتوي علي تقرير وصورة من آشعة.
"اتفضل يا دكتور دي الآشعة و معاها التقرير"
قرأ التقرير بعناية و يهز رأسه في حالة رضا بشبه ابتسامة حتي اختفت ابتسامته عند ملاحظة استوقفته قليلاً، استدار علي الفور إلي زميله في المهنة واخبره
"دكتور رحيم عايز حضرتك خمس دقايق"
قابل الأخر طلبه بقلق وخوف و ليس خوفاً من المسئولية بل خوفه علي تلك الفتاة التي يبدو أنها بلا حولا و لا قوة، تلتزم الصمت منذ أن فاقت من الإغماء.
نظر رحيم إليها ثم إلي الطبيب
"مع حضرتك، اتفضل"
ذهب رحيم معه إلي غرفة المكتب، وقف الأخر خلف مكتبه وقام بإضاءة اللوح المضئ اللذي تعلق عليه الآشعة قائلاً
"اطمن يا دكتور، هي بخير و مفيش أي إصابات و الإغماء نتيجة من الخوف و رهبة الموقف أن العربية كانت هتخبطها"
تنفس رحيم الصعداء بطمأنينة
"الحمدلله"
حتي استرسل الطبيب حديثه ويعلق الصورة علي اللوح المضئ
"تقرير الآشعة المقطعية اللي عملنهولها برضه عشان نطمن إن كان حصل نزيف لا قدر الله بيقول مفيش الحمدلله أي إصابة، لكن"
نظر علي اللوح و تبعه الأخر بالنظر إلي اللوح أيضاً، فأردف الأول كلماته
"تعالي حضرتك قرب وشوف النقاط الغامقة بتقول إن الآنسة عندها فقدان ذاكرة بسبب تضرر اجزاء من خلايا المخ و غالباً أنها اتعرضت لحادث طريق واضح آثاره من ندوب جروح قديمة في منطقة الراس و الكتف"
كان يستمع إلي حديث الأخر ويدقق بالنظر في الآشعة وقد أدرك الحالة جيداً، فهذا مجال عمله كطبيب مختص في علاج المخ والأعصاب، بدى علي وجهه علامات الحزن علي حالة تلك المسكينة.
"و للأسف حالتها مالهاش علاج غير التعايش بجانب الرعاية النفسية و الصحية"
عقب رحيم بثقة دون أن يلتفت إلي الأخر
"ليها عملية بس مش هنا"
"بس نسب نجحها شبه ناجحة و ممكن المريضة تصاب بسكتة دماغية"
و في تلك الحين ألتفت الأخر إليه يخبره
"مفيش حاجة مستحيلة طول ما أنت مؤمن بالله و السعي أنك توصل لعلاج حالات فقدت الأمل، يمكن ربنا جعلنا سبب نرجع لهم الأمل وحياتهم من جديد"
"و نعم بالله يا دكتور، بس الحالات اللي شبه حالة الآنسة تمت العملية ليهم و انتهت بالفشل و النتيجة كانت الشلل الكلي يا شلل نصفي يا الموت"
اقترب من الطبيب معقباً بثقة بالغة
"لو كان كل الدكاترة خافوا من الفشل مكنش الطب اتقدم و لو خطوة واحدة"
أومأ الطبيب بأسف
"حضرتك عندك حق"
تأهب الأخر للذهاب للإطمئنان علي تلك القابعة في الغرفة المجاورة و لكن قبل أن يغادر
"في كل الأحوال القرار الأول و الأخير ليها"
عاد إليها وجد الممرضة تزيل من ظهر كفها حقنة المحلول الذي فرغ لتوه، لاحظت أميرة وجوده فشعرت بالحرج، نظراته إليها تربكها و تشعرها بالتوتر وربما الخجل لذا سألت الأخرى بصوت يبدو علي نبرته الوهن
"هو أنا ينفع أمشي؟"
كادت تجيب الممرضة لكنه قاطعها موجهاً حديثة إلي صاحبة العيون ذات لون العسل الصافي
"ممكن طبعاً بس بعد ما الدكتور يكتب التقرير ويقدمه في المحضر"
عقدت ما بين حاجبيها تسأله بقلق
"محضر إيه؟"
أجاب بنبره شبه جادة
"المحضر اللي هتقدميه ضدي عشان خبطك بالعربية"
اتسعت عينيها من حديثه، توقعت أن يطلب منها العفو ألا تقوم بالابلاغ عنه
"بس حضرتك مكنتش تقصد، أنا، أنا اللي كنت بجري علي الطريق من غير ما أبص وأخد حذري من العربيات"
ابتسم من برائتها الجذابة فاقترب منها و احتفظ بحد مسموح بينهما قائلاً
"بس أنا عايز تعمليلي محضر"
فطنت مزاحه فأجابت بتحفظ
"و أنا مسامحة"
نهضت فجأة فداهمها شعور الدوران، كاد يختل توازنها و تقع، أمسك بساعدها
"خدي بالك"
رفعت عينيها نحو خاصته و عبير عطره اقتحم حاسة الشم لديها، ضربت حمرة الخجل خديها، جذبت ساعدها برفق من يده وتنظر نحو أسفل
"أنا كويسة، حسيت بدوخة خفيفة"
سألها باهتمام
"الموضوع ده بيحصلك علي طول و لا النهاردة بس؟"
"بيحصل معايا كل فترة"
"خلاص خليكي مرتاحة و لو حبيتي تتصلي بحد من أهلك أو معارفك تطمنيه عليكي"
هنا أثرت الصمت لكن عينيها تحكي الكثير و الكثير، فماذا عساها أن تخبره!
فطن من نظرة الشجن التي في عينيها ما لا تستطع البوح به
"آسف لو كلامي ضايقك، بس أنا مش عارف حاجة عنك اكتر من اسمك اميرة من بطاقتك الشخصية اللي كانت معاكي في شنطتك و كمان لسه عارف أنك...
حمحم بحرج فاكملت بدلاً منه
" فاقدة الذاكرة"
اطلقت تنهيدة واسطردت
"أنا صحيت في يوم لاقيت نفسي في مستشفي وعرفت أن كنت في حادثة علي الطريق ودخلت عمليات و بعدها دخلت في غيبوبة صحيت منها و أنا معرفش أنا مين و لا جيت منين، مالقتش حد وقف جمبي غير ماما خيرية الله يرحمها كانت بتشتغل في المستشفي، خدتني عيشت معاها لحد...
تذكرت الأحداث التي مرت بها خلال الأربعة وعشرون ساعة السابقة، غلبتها دموعها رغماً عنها
"لحد ما تعبت و مكنتش اتوقع أنها هاتمشي و تفارقني وهاتسيبني لوحدي"
انهمرت دموعها وصوت بكائها اهتز له جدران فؤاده، فقام بمواساتها ببضع كلمات
"ربنا يرحمها ويغفر الله، هي راحت لمكان. أحسن بكتير من الدنيا اللي إحنا عايشين فيها، و واضح من زعلك و كلامك عليها أنها كانت طيبة و اسم علي مسمي وبإذن الله هايكون جزائها الجنة"
أخذ من فوق الكمود علبة المحارم الورقية واعطاها إياها، تناولت محرمة وأخذت تجفف دموعها وسيل انفها وتردد
"الله يرحمها، الله يرحمها"
نظرت إليه فوجدته يحدق بها عن كثب و علي وجهه إمارات الحزن أيضاً
"آسفة، شيلتك همومي و تعبتك معايا"
أدرك الحرج و الخجل البادي علي وجهها، أراد أن يخطتف منها الحزن و يلقي به بعيداً ويرسم علي شفتيها ابتسامة تبث داخلها الفرح في القلب والوجدان.
"ما تقوليش كده، ده واجب عليا، و بشكر الصدفة اللي خلتك تطلعيلي مرة واحدة قدام العربية، هو حد يطول يقابل القمر؟!"
ابتسمت بخجل فضحك واخبرها
"علي فكرة أنا بهزر لا تفتكريني بعاكس و لا حاجة"
نظرت علي استحياء وقالت بتوتر
"و لا يهمك، أنا، أنا الحمدلله بقيت كويسة وممكن أمشي دلوقتي"
ألقي نظرة علي ساعة يده
"هتروحي فين في الوقت ده، إحنا بقينا بعد نص الليل"
"هدور علي أي فندق لحد ما أدبر أموري"
"هتروحي فندق إزاي وأنتي معكيش فلوس حق ليلة واحدة"
نظرت بضيق فقام بتفسير الأمر إليها
"بعتذر طبعاً، أنا كنت بدور في شنطتك علي أي إثبات شخصي ليكي و مالقتش معاكي غير محفظة فيها مبلغ صغير وبطاقتك و معاهم تليفون قديم فاصل شحن"
أمسكت بحقيبتها الصغيرة وهمت بالذهاب
"ربنا كبير، عن إذنك"
أمسك رسغها مزامنة مع أمره
"استني"
نظرت إليه ثم إلي قبضته علي رسغها، فتركها علي الفور
"أنا ممكن أساعدك لحد ما أمورك تتظبط، أنا عندي فيلا العيلة في كفر عبده، ممكن تيجي تقعدي هناك"
عقدت ما بين حاجبيها بامتعاض، و قبل أن تجيب بتوبيخه فأخبرها
"ما تفهمنيش غلط، ربنا يعلم بعتبرك زي أختي و بقدملك المساعدة من باب الواجب و الإنسانية، و بعدين الفيلا هناك عم دسوقي السكيورتي ومراته و عياله، و أنا طول اليوم هاكون في المستشفي بحكم شغلي كدكتور يا دوب هاجي علي النوم، و ما تقلقيش هاكون ضيف خفيف مش هتحسي بيا خالص"
يا له من موقف حرج للغاية، مهما تعددت الأسباب فهو بالنسبة إليها مجرد رجل غريب لا تعلم عنه سوي اسمه رحيم كما ناداه الطبيب منذ قليل، كما الظروف الحالية ليست بالوضع الجيد، فهي تكاد تملك أجرة سيارة تقلها داخل نطاق المحافظة فأين ستمكث و أين تذهب؟!
قرأ الأخر ما يدور داخل رأسها، يبدو عليها فتاة محافظة و لن ترضي بطلبه فأسرع بإلقاء عرض آخر
"عشان تطمني أكتر، أنا هوصلك هناك و هروح المستشفي هناك مخصصين مكان للبيات حتي علي الأقل هبقي في قلب شغلي، و لو محتاجة أي حاجة هديكي رقم تليفوني تكلميني في أي وقت، و عم دسوقي هيجيبلك كل طلباتك"
حمحمت بحرج
"معقولة هخليك تسيب بيتك و تبات في شغلك، معلش مش هقدر أقبل بكده، مش هينفع خالص، كفاية وقفتك جمبي"
❈-❈-❈
وبعد قليل...
تقف علي الجانب الآخر من الطريق في انتظار سيارة أجرة بعد إصرارها علي رفض عرض هذا الوسيم، ما الذي يضمن لها أن مقصده الخير من وراء ما يقدمه لها، ثقتها في جنس الرجال أصبحت منعدمة يكفي ما كان سيحدث لها علي يد محمود ابن السيدة خيرية.
سيارة تلو أخرى تنطلق بسرعة فائقة أمامها، الوقت متأخر بالفعل و لا يوجد علي الطريق سوي بعض الرجال العائدون من اعمالهم و البعض الآخر شباب متسكع في الشوارع، و هذا آخر ما ينقصها، اقتراب سيارة ملاكي يشرأب من نافذتها رأس رجل ذو نظرات ذئب جائع، ألقي طلبه الذي يخلو من الأدب تماماً بجرأة سافرة
"إيه يا جميل، مصلحة و لا مروحه؟"
رمقته باشمئزاز و ابتعدت حيث بدأت بالسير فتبعها بسيارته بالتوازي لخط سيرها
"يعني مشيتي وماردتيش عليا، مش تسألني هدفعلك كام، ده أنا هبسطك، العشا ولزوم الليلة و المُكنة كلهم عليا، استني بس أنا هابسطك، يا مزة، طب يا...
اهتزت سيارته بعنف أثر اصطدام سيارة توقفت أمامه مباشرة، شهقت أميرة حينما رأت الذي ترجل من سيارته وتوجه نحو صاحب السيارة الأخرى الذي نزل وألقي نظرة علي مقدمة سيارته التي تضررت بالفعل، صاح بغضب جم
" هار أبوك أسود، ما تفتح يا جدع، العربية عليها أقساط الله يخربيتك"
قبض رحيم علي ياقة قميصه و نظرات آتية من قعر الجحيم يحرقه بها
"أحمد ربنا أن وشك اللي مكنش مكان عربيتك دلوقتي، أنت مالك و مالها"
نظر الرجل إلي أميرة التي تتابع الموقف بخوف ثم إلي القابض علي تلابيبه، ابتسم ساخراً
"اه، هي المزة طلعت تبعك؟!، لا مؤاخذة يا أستاذ، أنا كنت فاكرها بتلقط رزقها قولت أنفعها و ابسطها و...
لكمة سددها الأخر له بقوة في أنفه، تراجع علي إثرها الرجل، وضع يده علي أنفه النازف للتو، رفع رحيم سبابته يحذره بحزم
" كلمة كمان وهاخدك من قفاك علي أقرب قسم ونقدم فيك محضر تحرش"
رفع يده الأخري وتقهقر إلي الوراء
"قسم إيه يا هندسة، و تحرش إيه بس، ده أنا غلبان و بجري علي أيتام، حد الله ما بيني و بين دخول القسم، حقكم عليا و اعتبروني مش موجود، و آسف للمزة"
نظر لأميرة ثم لرحيم الذي تأهب لضربه مرة أخري
"قصدي الآنسة أو المدام"
"غور "
صاح بها رحيم مما جعل الرجل يفتح باب سيارته سريعاً وجلس خلف المقود ثم انطلق خوفاً من تهديده له، و بعد أن رحل ألتفت رحيم إليها وجدها قد تسمرت في مكانها و في حالة خوف، بدل الغضب علي وجهه إلي ابتسامة ليبث إليها الشعور بالأمان نقيض ما يسيطر عليها الآن.
"خليتهولك يجري زي الفار المبلول، خايفة ليه؟"
ابتلعت ريقها وبدأت تهدأ قليلاً، اكتفت بكلمة واحدة
"شكراً"
ذهب نحو سيارته وفتح باب المقعد المجاور لمقعد القيادة، يخبرها بروح الدعابة
"عزيزتي العميلة مازال العرض مستمر، للتأكيد اضغط واحد و للرفض خليكي مكانك و أنا مش مسئول"
ابتسمت رغماً عنها و ذهبت للدخول إلي السيارة فتبعها بالجلوس علي المقعد المجاور، يهز رأسه ضاحكاً
"ما كان من الأول"
❈-❈-❈
مكثت داخل شرفة حجرتها المطلة علي بوابة المنزل، تحتسي القهوة بهدوء نقيض ما داخلها من نار الفضول، فهي تترقب إلي عودة ابنها ومعه زوجته وحفيدها كما علمت من أحد رجال الحراسة الذي شهد علي تهديد ابنها لعم صابر ليقر علي مكان زوجته و ابنها.
وها هي الآن تنتهي من قهوتها و تبتسم لأنها تعلم جيداً أن ابنها لم يمرر هروب زوجته مرور الكرام، و إذاً كما توقعت رأت البوابة تنفتح علي مصراعيها و يهبط ابنها منها و علي وجهه إمارات الغضب الكاسر، وقفت تراقب في الظلام ما يحدث.
بينما في الأسفل بعد أن نزل من السيارة وقف ينتظر زوجته الجالسه في حالة جمود كالتمثال، يتمسك بها ولدها الخائف ويردد جملة واحدة
"ماما، حمزة خايف"
وذاك المنتظر قد فقد صبره فتقدم نحو النافذة المجاورة لها، كاد يوبخها لكنه رأي الخوف في أعين الصغير فتهادي قليلاً و دنا بالقرب من سمعها بنبرة تهديد من بين أسنانه ساخراً
"هي البرنسيسة مستنية ليه عندها، و لا تحبي اجرك قدام ابنك و الخدم، أو قدام شيري هانم اللي مستنية الحدث العظيم؟!"
لم تكلف نفسها عناء الرد عليه واكتفت بنظرة ازدراء ومضض جعلت قلبه يهتز مرة أخرى، زفر بنفاذ صبر و غضب ففتح باب السيارة و أشار إليها لتنزل، أذعنت إلي أمره وقبل أن تتحرك همس إليها و تعمد احاطت ظهرها ليجدها تنتفض وتحاول ابعاد ذراعه عنها
"خليكي هادية أحسن لك، أنا مش مقرب منك حباً فيكي أنا حبيت انبهك إن أي حركة هتعمليها أو محاولة مجرد هتفكري فيها هتلاقيني منفذ الاختيار التاني، إلا إذا بقي لو مش همك ابنك"
نفضت ذراعه عنها بازدراء وأخبرته
"و أنا كل اللي يهمني ابني وبس"
ضغطت علي الكلمة الأخيرة كرسالة صريحة إليه أنه لن يعد في دائرة اهتمامها، ألقت كلماتها وتركته متجهة نحو باب المنزل، وإذا بقدمها تطأ داخل البهو يتشبث بيدها صغيرها، لاحظت وجود حماتها تقف في أعلي الدرج، تقف بشموخ و غرور متأصل في خصالها.
"سبق وقولت لك قبل كدة كلامي هو اللي بيتنفذ، لأن أنا هنا صاحبة المكان و الآمر و الناهي، و كنتي فاكرة لما تبعدي و تاخدي حفيدي بعيد عني يبقي كده الحكاية خلصت، أنتي هنا مجرد ضيفة وحفيدي هيبقي تحت رعايتي أنا"
تلقت علا كلماتها وشعرت أنها قد وقعت في التهلكة أو سجن يصعب التحرر منه، فالكل مستغل لنقطة ضعفها، صغيرها الذي تعيش وتحارب العالم من أجله.
رفعت وجهها لأعلي تجيب علي عنجهية تلك المرأة الطاغية
"أنا فعلاً ضيفة، و ضيفة مجبرة تعيش في مكان عمرها ما حبته و لا طايقة تقعد فيه دقيقة واحدة، و اللي جايبني هنا ابنك اللي قولته له كل واحد فينا يروح لحاله وهو رافض، إما بالنسبة لحمزة فهو ابني أنا و مش هسمح لحد يقرب منه سواء أنتي أو عمه"
لن تكن تدرك أن حديثها يستمع إليها الذي يقف خلفها و تزداد نيران غضبه أكثر فأكثر، فعليها تتحمل ردود فعله شديدة القسوة.
مر بجوارها فوقف أمامها و هنا تقسم بأن الذي ينظر إليها ليس زوجها بل إبليس بذاته، يضع يديه في جيوب بنطاله ويلقي عليها أوامره الصارمة
"أولاً لما تيجي تتكلمي أو تردي علي شيريهان هانم التزمي أدبك لأنها لو اتكررت هعلمك بنفسي الأدب وأصول الرد علي اللي أكبر منك في السن والمقام، ثانياً ابن أخويا إحنا لينا فيه أكتر منك و جدته ليها حق تربيه، ثالثاً وأخيراً موضوع الانفصال قصاده تمن لو هتقدري تدفعي التمن ده أنا معنديش مانع"
لن تصدق أذنيها، هل هذا الرجل مَنْ كان يعانقها و يغدقها عشقاً وهياماً بين ذراعيه؟!، أين هذا الحب والوعد الذي ابرمه لها؟!
كانت في حالة أقرب إلي القهر وهذا ما يراه الأخر في عينيها الآن، لكنه لم يكترث بل تعمد عدم الإهتمام ليذيقها آلام قلبه التي اقترفتها.
هبطت دمعة علي خدها سرعان قامت بمسحها و حاولت التماسك أمامه هو ووالدته، يكفي ضعفاً وهواناً أمامهما، ارتدت قناع القوة الزائف
"أنا عارفة الأدب والأصول كويس جداً يا أستاذ أحمد، مش محتاجة تعلمهم ليا"
كاد الأخر يتحدث فسبقه الصغير في الحوار الدائر
"ماما، حمزة خايف و عايز ينام"
نظرت إليه بحنان وربتت علي يده، ترسم بسمة علي وجهها رغماً عنها ليشعر صغيرها بالطمأنينة
"حمزة حبيبي راجل قوي ما بيخافش، صح و لا لاء؟"
هز رأسه بالإيجاب ثم عانقها بذراعيه الصغيرين أمام مرأي ومسمع عمه وجدته
"بحبك ماما"
وقف أحمد يتأمل هذا المشهد ويحارب قلبه اللائم له علي ما اقترفه معها، بينما كبريائه يدفعه نحو إتخاذ المعاملة القاسية غير رحيم بها، انتبه من شروده علي صوت والدته وتنادي أحدى الخادمات
"انتصار"
جاءت الخادمة بخطى سريعة
"أمرك يا شيري هانم"
"خدي الولد و طلعيه أوضته"
"أمر حضرتك"
تقدمت نحو حمزة ومدت يدها نحوه فابتعد عنها ومازال يتمسك بوالدته
"لاء، حمزة عايز ماما"
تخشي علا أن تعاند مع جدته فتتلقي ما لاتحمد عقباه، انحنت نحو صغيرها واخبرته
"حبيبي روح مع الناني عشان تنام وأنا جاية وراكم"
هز رأسه برفض تام
"لاء"
اقترب أحمد نحوه وجلس علي عقبيه أمامه
"حمزة حبيبي، اسمع كلام ماما ونناه، عشان هاخدك بكرة و نروح الملاهي زي المرة اللي فاتت"
تحولت ملامح الصغير من الرفض والتذمر إلي السعادة البالغة
"نركب الحصان و القطر؟"
"هنركب كل الألعاب"
وثب فرحاً ثم عانق عمه
"حمزة بيحبك يا عمو"
"و أنا كمان بحبك يا روح عمه"
كان يعانقه بحب و حنان غامر، تراه الواقفة جوارهما، و داخل رأسها أفكار كيف يتحول من وحش كاسر إلي رجل حنون!
قام بتقبيل رأس ابن أخيه وانسحب الصغير فذهب مع الخادمة، كادت علا تذهب خلفهما فاوقفها زوجها بالقبض علي ساعدها، نظرت إليه بسخط لتعود الأجواء المشحونة مجدداً، بالأحرى لنقل عاد هو إلي جانبه المظلم
"رايحة علي فين؟، احنا لسه مخلصناش كلامنا"
"أنا هاطلع علي أوضة ابني"
"و أنا بقولك لاء، و مكانك أنا اللي هقول عليه"
نظرت إليه تارة و تكبت دموعها ثم ألتفتت إلي والدته رأت ابتسامة النصر و الشماتة تزين محياها، فصاحت في وجهه بشجاعة واهية
"لو قصدك أننا هنرجع ننام في أوضة واحدة، فبقولهالك إن أنا عندي أنام في أوضة الشغالين و لا إن يجمعني بيك مكان واحد"
انتهت من صياحها وقلبها يخفق بقوة خوفاً من رد فعله المفاجئ لها، فوجدته يبتسم ليست ابتسامة تنم عن الفرح بل ابتسامة زادت من خوفها، اصابتها رجفة، نظرت مرة أخرى إلي والدته التي قالت بسخرية
"تصبحوا علي خير"
وذهبت إلي غرفتها محلقة ويغمرها الفرح، فهذا ما أرادته و ها هو يحدث حالياً، فقد رأت في عينيه عودة نجلها الذي تعرفه قبل أن يغيره الحب.
وبالعودة إلي علا وأحمد الذي يحدق صوب عينيها بصمت مخيف، تخبره بقوة بائسة
"و يكون في علمك مش عايزه أي حاجة منكم، أنا من بكرة هدور علي شغل إن شاء الله حتي أرجع اشتغل خدامة"
يكفيه استماعاً لهذا الحد فتخلي عن صمته وتفوه بنبرة جادة
"و أنا مش هقولك لاء"
ثم قام بمناداة أحدى الخدم فجاءت إحداهن ركضاً
"أمرك يا أحمد بيه"
"خدي الهانم وصليها علي الأوضة اللي جمبك"
اتسعت عينان الخادمة بتعجب فسألته للتأكد
"دي يا بيه أوضة نوال اللي كانت بتشتغل معانا و لما مشيت شيري هانم قالتلنا نخليها مخزن للكراكيب"
كانت نظرات علا لم تقل عن نظرات الخادمة حيث التعجب والدهشة، و مازال هناك من الصدمات لاسيما بعد أن أخبر الخادمة أمامها
"ما هي من الليلادي هتبقي أوضة علا هانم"
و نظر إلي علا، و كانت الخادمة تراقب تبادل نظراتهما وقالت بطاعة أمره
"تمام يا أحمد بيه، ممكن تديني ساعة زمن أوضبها للهانم"
و كانت علي وشك الذهاب فاوقفها
"روحي أنتي علي أوضتك و علا هي اللي هتوضبها"
ألقي نظرة للخادمة بأن تذهب ففعلت علي الفور، ليتمكن من إخبار زوجته و يلقي عليها المزيد من المفاجآت الغير سارة علي الإطلاق
"مالك؟، شايفك مصدومة، مش كنتي بتقولي هترجعي تشتغلي خدامة؟!، اديكي هتبدأي شغلك، و بدل ما هتخدمي عند الأغراب اخدمي في بيت حماتك وجوزك أحسن، و أديكي شايفة بنعامل الشغالين احسن معاملة و بنديهم أحسن المرتبات"
"ياه، مش مصدقة نفسي إزاي كنت غبية لما صدقتك، كان لازم أفكر نفسي كل يوم بأول لقاء بينا وأنك في الأول و الأخر أنت أحمد بيه ابن الأكابر وأنا البت الشغالة اللي حملت من أخوك بعد ما اعتدي عليها"
حمقاء عندما تلفظت و ذكرته بهذا الحدث الذي يمقته، اصطكت اسنانه من الغيظ، أمرها بنهي
"أقسم بالله يا علا لو لسانك نطق تاني بحوار أخويا معاكي لهخليكي تلعني اليوم اللي شوفتي وشي فيه، اتقي شري لأن أنا لحد دلوقتي حايش نفسي عنك بالعافية، أنتي لسه معرفتيش مين هو أحمد الشريف، احذري من وشي التاني لأن بقلب وقتها لأقذر بني ادم ممكن تشوفيه في حياتك"
يمر أمام عينيها اللحظات السعيدة والقليلة التي عاشتها معه وتقارنها بما يحدث الآن، فما بها سوي أن تشعر وكأنها قد ملكت كنز من الذهب وتحول في يوم وليلة إلي حبات من الرمال وليست أي نوع من الرمال بل هي حبات تحرق الذي يتمسك بها، فقربها منه أصبح احتراقاً.
"و هو لسه فيه أكتر من كدة يا أحمد؟"
سؤالها يكون اقرب للعتاب أكثر من التهكم، فاسرع بالاجابة وببرود قاتل محترف يخبرها
"اللي عملته ما يجيش نقطة في بحر من اللي أنتي لسه ماشفتهوش مني"
كان هناك زوج من العيون و أخرى من الأذن تسمع و ترى الحوار الجاري، و قبل أن يراها ابن سيدتها، تجنبت شره وصعدت إلي السيدة شيريهان التي تتمدد علي الفراش وتستمع إلي سيمفونية شهيرة من الأوبرا الروسية.
طرقت انتصار الباب فأتاها رد شيريهان
"اتفضل"
فتحت وألقت نظرة في الخارج قبل أن تغلق الباب ثم ذهبت إلي تلك الممددة
"في إيه يا إنتصار؟"
"ده فيه حاجات و حاجات يا شيري هانم، أحمد بيه سمعته بينادي للبت شادية بيقولها تحضر لعلا هانم الأوضة اللي حاطين فيها الكراكيب، و كانت لسه هتروح هتوضبها للهانم فالبيه قالها الهانم هي اللي هتوضبها وبصلها عشان تمشي و كمل كلامه مع الست علا قالها مش كنتي عايزه تشتغلي خدامة اهو بيت جوزك و حماتك اولى بيكي من الغريب، لاء و كمان هي اللي هتوضب الاوضة اللي هتقعد فيها"
استمعت شيريهان إلي الخبر بصدر رحب بل بسرور وحبور وصل لديها إلي عنان السماء
"اسمعي يا إنتصار أول و أخر مرة اسمعك بتقولي عليها هانم، مفيش هانم هنا غيري أنتي فاهمة؟"
اومأت لها بايجاب، فاكملت الأخرى
"و بالنسبة للي أنتي قولتيه دلوقتي لو طلع صح، يبقي دي مهمتك بما أنك مديرة الخدم عايزاكي تتوصي بيها علي الأخر"
"طب وأحمد بيه؟"
سألتها بخوف وتردد، فاجابت الأخرى
"ما تقلقيش، ابني وأنا فاهماه كويس، و الأيام جاية هعرف بنفسي إن كان هو فعلاً قلب عليها وهيعرفها مقامها الحقيقي و لا ده مسلسل بيعملوه قدامي عشان خايف عليها مني"
"و هتعرفي إزاي يا هانم؟"
ابتسمت إليها بفخر وزهو بذاتها
"أنتي نسيتي أنا مين و لا إيه؟!"
نظرت أمامها صوب مرآة الزينة وكأنها تتحدث مع صورتها المنعكسة في المرآة
"إن كان هو ورث الذكاء والدهاء مني، فأنا برضه الأصل وما تخلقش لسه اللي يضحك علي شيريهان الشريف"
"و حضرتك ناوية تعملي إيه؟"
ألتفتت إليها وأجابت بغموض
"أنا عندي كارت من ضمن كروت كتير، و أهو جه الوقت اللي هستخدمه فيه"
كانت تستمع لها الخادمة وتنظر إليها بدهشة وتردد داخلها دون صوت مسموع
"جيب العواقب سليمة يارب"
❈-❈-❈
"يا سعدية، أنتي يا بت يا سعدية"
كان صياح صوتاً غليظاً تبعه رد حانق
"حاضر، حاضر"
كانت صاحبة الرد امرأة ذات قدَّ ممتلئ يهتز مع خطواتها المسرعة، لتلبي نداء هذا الرجل ذو الشارب الكث، ينفث دخان الأرجلة، يضع ساق فوق الأخرى متفاخراً بكلسونه الأبيض أسفل جلبابه الرمادي، وكانت الأخرى تتمتم بصوت خافت
"يخربيت سعدية و اللي جابوها"
أنزل ساقه وترك عصا الأرجيلة علي المنضدة أمامه
"بتبرطمي بتقولي إيه يا وليه؟"
"ما بقولش، نعم عايز إيه؟"
أجاب ببرود يجعل جبل الجليد ينفجر منه بركان هائل
"تعالي غير لي حجر الشيشة"
جزت علي أسنانها بغيظ و قد فاض بها الكيل
"بقي يا راجل يا للي معندكش دم عمال تنادي لي و أنت عارف أن طالع عيني في تنضيف الفيلا عشان رحيم بيه زمانه علي وصول و أنت قاعد هنا زي اللوح عمال تشربلي شيشة و عايزني بعد ما اتقطم وسطي في الشغل أجيلك اغيرلك الحجر؟!"
نهض واقترب منها فتراجعت خوفاً لتأمن غدره، رفعت سبابته بتحذير
"عارف لو قربت مني هفتح دماغك زي المرة اللي فاتت كان بقالب الطوب"
دنت نحو الأرض ألتقطت صخرة صغيرة ملساء واكملت تهديدها
"و المرة دي بالزلطة دي"
رفع كفه و هي رفعت يدها بالصخرة استعداداً بقذفها علي رأسها فاوقفهما صوت تنبيه سيارة رحيم، اخفت سعدية الصخرة خلفها و زوجها تراجع علي الفور و ذهب ليفتح البوابة مُهللاً بترحاب
"يا مرحب يا مرحب بالبيه الدكتور"
فتح البوابة وعبرها الأخر بسيارته إلي الداخل وتوقف ثم هبط منها ليصافح الحارس
"ازيك يا عم دسوقي عامل إيه؟"
بادله المصافحة بفرح
"في نعمة يا حضرة البيه الدكتور"
واقتربت سعدية
"يا أهلاً و سهلاً يا بيه، نورت الفيلا"
"تسلمي يا سعدية"
"يسلمك من كل شر يا غالي يا ابن الغاليين، أنا أول ما عرفت حضرت جاي مسكت الفيلا من أول الروف فوق لحد الجنينة تحت و خليتهالك فلة، و أوضتك علي نفس النظام اللي حضرتك بتحبه، و حضرتلك العشا قوام لما ترتاح هايكون جاهز علي السفرة"
"تسلم ايديكي يا سعدية، بس أنا ماشي و جيت عشان أوصيكم علي ضيفة هي اللي هاتقعد معاكم"
نظر نحو زجاج السيارة الأمامي فانتبه كلا الحارس وزوجته إلي التي تهبط من السيارة، اكمل رحيم حديثه ليتجنب النظرة التي ظهرت للتو داخل أعين دسوقي وسعدية و يتجنب أيضاً سوء الظن لديهما.
حمحم فاخبرهما
"آنسة أميرة تبقي بنت عمي و جاية تقضي الاجازة معانا، عايزكم تاخدوا بالكم منها و أي طلبات كلموني علي طول و أنا هابقي أجي كل يومين أطل عليكم"
"أهلاً و سهلاً يا أميرة هانم"
قالتها سعدية بترحاب، فاجابت الاخري بحرج
"أهلاً بيكي"
"سعدية ابقي حضري لأميرة هدوم من دولاب ماما"
اتسعت عينيها بتعجب فهي تحفظ خصال ربة عملها جيداً و من بين تلك الخصال أنها تكره أي شخص يلمس مقتنياتها أو ممتلكاتها فما بال ثيابها!
هزت رأسها بإذعان وبابتسامة زائفة
"أمرك يا بيه، اعتبره حصل"
تبع دسوقي زوجته لكي يخفي الأرجيلة سريعاً، اقترب رحيم من أميرة
"أظن كدة مفيش أي سبب يخليكي تخافي أو تقلقي، أديني سايبلك الفيلا تقعدي فيها براحتك و معاكي سعدية لو احتاجتي أي حاجة، بس خدي بالك دي رغاية أوي هتاكل ودنك لحد ما ترفعلك الضغط"
بسمة رقيقة ملأت ثغرها الفاتن
"مفيش داعي أنك تسيب بيتك عشاني"
"أنا كده كده أصلاً مكنتش هاقعد هنا غير يومين، عشان مكان شغلي بعيد عن هنا، فخدي راحتك واعتبري المكان مكانك"
"جيميلك ده عمري ما هنساه أبداً"
رد بابتسامة و ظل ينظر إليها في صمت وهدوء، و كان علي الجانب الآخر النقيض تماماً، حيث كانت والدته تجول ذهاباً و إياباً، تمسك بجوالها والقلق ينهش قلبها علي ابنها الذي لم يجب إلي الآن علي إتصالها منذ أن ترك المنزل.
"ما بتردش ليه يا رحيم، يارب يكون بخير، أنا ماليش غيره يارب، هو سندي واللي طلعت بيه من الدنيا"
و إذا بهاتفها يتلق إتصالاً وارداً من خادمتها، تجلي الحبور علي وجهها فقد أوصت الخادمة أن تخبرها فور مجئ ابنها، تنفست الصعداء واجابت
"ألو يا سعدية، وصل؟"
ردت الأخرى وهي تقف داخل الغرفة الخاصة بسيدتها وأمام الخزانة المليئة بثيابها
"وصل بالسلامة يا رجاء هانم، بس، بس"
ضرب القلق صدرها فسألتها
"بس إيه؟، هو بخير؟، حصله حاجة؟"
"هو جه و معاه موزمازيل حلوة أوي قالنا اسمها أميرة و بنت عمه"
"بنت عمه!!، بنت عمه مين، عمه معندهوش غير ولد وحيد و عايش في انجلترا"
"والله يا رجاء هانم زي ما قولتلك، و الغريبة بقي أنها معهاش شنطة سفر و رحيم بيه طلب مني أطلع لها هدوم من هدوم حضرتك"
"نعم!!"
صاحت الأخرى وصدي صوتها قد تردد في الأرجاء
"و ياريت علي كده و بس يا هانم، ده قالنا هي اللي قاعدة وهو ماشي باين هيبات برة، يعني أنا يطلع عيني في تنضيف الفيلا من النجمة لرحيم بيه و تيجي الهانم اللي معاه هي اللي تقعد، يا قطمة وسطك يا سعدية"
"الله الله يا سي رحيم، هو ده الشغل اللي سايب مامتك عشانه"
انتبهت أن مازالت الأخرى علي الهاتف
"سعدية خدي بالك من البنت دي عقبال ما أجي كلها كام ساعة و اول ما النهار يطلع هاجي أشوف حكاية البت دي إيه، و لو حصل أي حاجه تبلغيني فوراً"
انهت المكالمة دون إنذار للأخرى، زفرت سعدية بضيق وتنظر للهاتف
"و بتتخلق عليا أنا ليه و أنا مالي"
و بالعودة إلي رجاء التي وصل الغضب لديها إلي الحلقوم، استدارت إلي خزانة الصحون الخزفية حيث يعلوها إطارات تحتوي علي صورة تجمعها بابنها و آخر يحتوي علي صورته هو فقط، تتمعن بها بغضبٍ مستطير
"والله عال يا دكتور رحيم ياللي الكل بيحسدني علي أدبك و أخلاقك، بقي دي اخرتها؟!، و ليه عشان معرفتش تتجوز اللي هاتموت عليها؟!"
رفعت يديها في وضع الدعاء وصاحت بحرقة بدعائها المُعتاد
"منك لله يا رودينا يا بنت شاهيناز، اللهي ما يرتاح قلبك و لا تشوفي يوم راحة زي ما قلبتي حياة ابني الوحيد"
❈-❈-❈
نسمات الصباح الباردة يتخللها صوت زقزقة العصافير ورائحة أوراق الريحان تتسلل من الشرفة إلي أنف هذه النائمة، تتقلب علي جانبها رويداً رويداً، تتحرك مقلتيها من أسفل جفنيها فهي علي وشك أن تستيقظ، فتحت عينيها علها تسترق لحظات من التأمل في وجهه وهو نائم بدلاً من حرمانها النظر إليه وهو يقظ.
يكفيها ما تجده منه من تجاهلها وذلك بعد ليلة الزفاف القاتمة، رغم اعتذاره منها واعطاها وعداً بمحاولة التقرب من بعضهما البعض، فكيف ذلك وهو يسهر إلي ساعات متأخرة عن عمد ما بين مشاهدة التلفاز أو تصفح الإنترنت دون هدف، و كأنه يعيش بمفرده وليس هناك زوجة لها من الحقوق والواجبات ومعاملة من الود والرحمة عليه أن يلتزم بكل ما سبق.
نهضت بجذعها، فتحت فمها لتتثائب، لملمت خصلات شعرها المبعثرة بعشوائية، نهضت لتقضي روتينها الصباحي لكن اوقفها ذبذبة هاتفها النقال، نظرت في شاشته وجدت المتصل والدتها، زفرت بضيق حينما تذكرت تجاهل الرد علي مكالمات والدتها حتي لا تعكر صفوها، يكفي ما تلقته في ليلة الزفاف وآثاره مازالت علي شفتيها و عنقها ورسغيها!
وجدت لا مفر من عدم الرد فأجابت واستمعت إلي توبيخ أمها المعتاد
"مش عايزة تردي علي مامتك يا ست رودينا؟!، و لا من لقي أحبابه نسي أهله و ناسه!"
"معلشي مامي Sorry "
"براحتك يا رودي، علي العموم أنا كنت عايزه اطمن عليكي، عاملة إيه و جوزك عامل معاكي إيه؟"
نهضت وتتحدث في الهاتف، تقف لدي باب الشرفة
"بخير يا مامي، i'm so happy"
عقبت والدتها بسخرية
"فرحانة أوي!، واضح أوي من صوتك يا حبيبة مامي"
ابعدت الهاتف قليلاً وأطلقت زفرة ثم عادت لتخبرها
"مامي أنا لسه صاحية من النوم و طبيعي صوتي هايكون مش في المود يعني"
"خلاص يا رودي روحي كملي نومك، أنا كنت بطمن عليكي وبقولك إن أنا وباباكي هنيجي نزوركم علي المغرب، فقولت ابلغك لتكونوا خارجين و لا مسافرين للـ honey moon زي أي اتنين عرسان"
استشفت السخرية من حديث والدتها مما جعلها شعرت بالحنق والغيظ، فكلمات الأخرى علي حق وهي أكبر همها إلفات نظر زوجها!
"أوك، تيجوا تنورونا أنا و ياسو مرهقين من يوم الفرح و مش قادرين نتحرك لأي مكان"
"مرهقين، قولتيلي بقي، امم"
"اه مُرهقين يا مامي، هو احنا مالناش نتعب زي الناس؟!"
انتهزت شاهيناز الفرصة وألقت سؤالها مباشرة دون إيضاح مُفصل
"هو حصل؟"
لن تفهم ماهية سؤال والدتها
"هو إيه يا مامي؟"
رددت شاهيناز بصوت خافت
"ليه ياربي رزقتني ببنت غبية"
ثم أجابت بصوت مسموع جيداً
"اللي بيحصل بين أي اتنين متجوزين يا قلب مامي"
وقع السؤال كافياً بجعلها تلتفت خلفها وتنظر إلي السرير الذي شاهد علي ما حدث لها عنوة، كما دارت عينيها علي الجدران التي تردد بينها صدي صوت صرخات توسلها، شعرت بالاختناق لمجرد الذكرى.
جاء نداء والدتها لها عبر الهاتف
"رودي، رودي، روحتي فين؟"
"أنا مستنياكم، و سلميلي علي داد، عن إذن حضرتك، باي"
و انهت المكالمة في الحال وذهبت إلي الحمام.
وبعد مرور وقت قليل... تقف أمام مرآة الزينة وتقوم بتجفيف شعرها بمجفف الهواء الساخن ثم شرعت بتمشيطه وتركت بعض الخصلات القصيرة علي جانبي وجهها لتعطيها مظهراً رقيقاً وجذاب، ذهبت إلي الخزانة لتبدل معطف التجفيف القطني بثياب منزلية، ارتدت ثوب أحمر داكن تنتشر علي أطرافه دوائر صغيرة بيضاء، ذو حمالات رفيعة، و قبل أن تغادر الغرفة، نثرت من عطرها علي ثوبها وامسكت بقلم الحمرة ووضعت القليل منها ثم خرجت باحثة عن آسر فؤادها.
كان ممدد علي الآريكة في سبات عميق، وشاشة التلفاز تعرض فيلماً أجنبياً، امسكت جهاز التحكم وقامت بكتم الصوت وجلست جواره، أخذت تتأمل ملامحه، مدت أناملها الممشوقة تلمس خصلات شعره الأشقر الداكن، لمساتها تتحرك ببطئ من شعر ثم ذقنه فعنقه حتي صعدت مرة أخرى إلي شفاه، تلمسها بأطراف اناملها، تلعق شفتيها بتوتر ثم تغمض عينيها، تتمني أن يبادلها الحب بمشاعره حين يحبها من قلبه.
و كان هو يتمدد فوق عشباً أخضر ويبتسم، يمد ذراعيه إليها فارتمت فوقه وتضحك كالطفلة، فسألها ويداعب خصلاتها الذهبية المتناثرة علي وجهه
"بتحبيني؟"
اجابت بعشق
"و ده سؤال محتاج إجابة؟"
"ما أنا بحب اسمعها من بين شفايفك، أصل كل مرة بيبقي ليها طعم تاني عن المرة اللي قبلها"
وضعت اصبعها علي خدها تتظاهر بالتفكير فسألته بمشاكسة
"و يا تري طعمها بيبقي إيه؟"
"قربي مني و أنا هقولك عن الطعم و هخليكي تدوقيه معايا"
احاط خديها بين كفيه وألتقط شفتيها المتيم بتذوقها مراراً وتكراراً، يشعر بملمسها وكفيها علي رأسه من الخلف وأناملها تتخلل خصلاته، كان يغمض عينيه ليستمتع بتلك اللحظة وبصوتها وهي تردد اسمه مع كلمات العشق المتناغمة، لن يصدق نفسه هل هو في حلم أم حقيقة، ترك نفسه قليلاً حتي بدأ يفتح عينيه ويقع من فوق العشب الأخضر ليجد نفسه علي أرض الوادي المظلم أو الواقع الصادم.
انتفض وابتعد عنها، ينهض بجذعه، نهضت من جواره ووقفت أمامه بخجل
"so sorry "
ظل ينظر إليها ثم إلي مكان حوله، يستوعب الحقيقة وتذكر الحلم الجميل للتو و ما يعادله في الواقع، تحسس شفتيه وأدرك ماذا كان تفعل به وهو نائم.
اقتربت منه وجلست بالقرب منه
"أنت مانمتش جمبي ليه امبارح؟"
تزحزح قليلاً إلي الوراء يتجنب ملامستها
"مكنش جايلي نوم وحبيت اتفرج علي الـ Tv"
"أومال ليه أنا حاسه أنك بتتجاهلني طول الوقت، رغم وعدك ليا أن كل واحد فينا هيدي للتاني فرصة نقرب من بعض ونفهم بعض، إزاي هيحصل كل ده وأنت بعيد؟"
قبل أن يجيب ألتقطت عيناه آثار ما اقترفت يديه وشفتيه بها ليلة الزفاف الماضية
"أنا وعدتك، بس خايف أقرب أؤذيكي ومش عايز أعيد اللي حصل أول ليلة تاني"
وضعت يدها علي خده واخبرته
"اللي حصل ده كان غصب عني و عنك، أنت كنت تحت تأثير الشرب و مكنتش عارف بتعمل إيه"
"أنتي لو كان جرالك حاجة مكنتش هسامح نفسي"
"خايف عليه يا ياسين؟"
سؤالها الظاهر واضح بينما الإجابة التي تريدها ليس مستعد لها بعد، فاكتفي بتقبيل جبهتها
"آسف مرة تانية"
وضعت كفها الثاني علي خده الأخر وحدقت إلي عينيه بعشق وهيام
"أنا عمري ما زعلت و لا هزعل منك أبداً، ياسين أنا لحد Now مش قادرة أصدق أنك بقيت ملكي، أنا مؤمنة بأن اللي بيسعي لتحقيق حلمه لازم يستحمل ويعافر ويتحمل أي عقبة، و أنا اتحملت وهاتحمل كمان لحد ما تبقي ليا بقلبك كمان"
"رودينا أنا...
قاطعت حديثه بوضع كفها علي فمه
" عارفة اللي هتقوله، وهفضل مستنية قلبك حتي لو أخر يوم في عمري، كل اللي عايزاه نقضي مع بعض وقت حلو من غير ما نفكر في اللي فات أو اللي جاي، نعيش اللحظة"
ابعدت كفها عن فمه وترددت قليلاً قبل أن تكمل
"ياسين أنا بعشقك، مش عايزة أي حاجة من الدنيا غيرك، بحبك بمميزاتك و عيوبك، في أي مود أنت فيه، أنا...
انتهي ترددها بقيامها إلتقام شفتيه بخاصتها، كانت مفاجأة لديه جعلته يتسمر في مكانه، تعانقه بعنفوان فوقع علي ظهره، حاول أن يبعدها قليلاً ليلتقط انفاسه ويخبرها أن تتمهل حيث هذا الأمر يحتاج إلي تهيئة نفسية وهو ليس في الحالة المزاجية لذلك.
كيف تدرك كل هذا وكل من القلب والرغبة كليهما يسيطران عليها.
أخيراً اعطته فرصة للتنفس لكن كانت تلك البداية
"رودينا اصبري، رودينا استنـ...
لا فائدة من الحديث فيديها سبقت كلماته نحو تلابيب قميصه فتطايرت أزراره!
لقراءة باقي فصول الجزء الرابع
لقراءة الجزء الاول جميع الفصول
لقراءة الجزء الثاني جميع الفصول
لقراءة الجزء الثالث جميع الفصول
الفصل الثامن
واشتياق... وروح تراق
وقلبٌ تمزقَ بعد الفراق
لأن هواكَ عذابٌ أليم
وإنَّ التعلق فيكـ... احتراق!!
-عطر الربيع-
يغمض عينيه مع حركات شفتيه أسيرة خاصتها، فالمشهد من بعيد يبدو إنه الفاعل لكنه في الحقيقة كان المفعول به!
تعانقه بتملك وشغف عاشقة وصل بها الحب إلي حد التيام، لن تكترث إلي رد فعله البارد كالثلج فعزمت أن تجعله ينصهر بين ذراعيها، تتعمد الانتقال بشفتيها من خاصته إلي عنقه و ما بين كتفه و جيده و يد تتخلل شعيرات صدره الشقراء المتناثرة ويدها الأخرى تتداعب خصلات شعره ذات الملمس الحريري، تبعثرها كما يبعثرها وجوده دائماً وفي حضرته.
هيهات وهيهات وبدأ بالفعل جبل الجليد ينصهر بين ذراعيها الدافئة كشمس الربيع، فمهما قام بمقاومة رغباته كرجل أمام لمسات وأفعال زوجته فلن يتحمل الأمر طويلاً، فقد وصل لديه الشبق إلي العنق، وفي لحظة أصبح الوضع رأساً علي عقب، كانت أسفله تنظر إليه بقلق، يقبض علي عضديها وينظر صوب عينيها، ابتلعت ريقها بخوف وكادت تفتح فمها لتتحدث فاسكتها بالانقضاض علي شفتيها في قبلة يشوبها القليل من العنف، انفصل عنها عندما شعر بتحركها للحاجة إلي التنفس، لم يمهلها سوي ثوان، مد يديه إلي مقدمة ثوبها وقام بتمزيقه مما افزعها فشهقت وتذكرت الليلة المنصرمة، صرخت وتلملم في ثوبها
"لاء يا ياسين"
تراجع علي الفور ونهض من فوقها، صدره يعلو و يهبط عندما أدرك ما قد أوشك علي فعله للمرة الثانية، و هنا بكامل وعيه، نهضت واخبرته بعينين تملؤها الدموع
"أنت ليه بتعمل كده؟"
اجاب وكأنه لم يقترف شيئاً كان بمثابة إهانة لها
"مش أنتي كنتي عايزه كده!، و لا أنا فهمت غلط؟!"
لن يكتفي باجابته الحادة فقط بل سخر منها أيضاً، حاولت الثبات امامه وألا تعط لدموع عينيها المجال للنزول، وقفت بقوة و ثبات يخفيان خلفهما قلب يبكي دموعاً علي حاله
"علي فكرة أنا مراتك، و مش عيب و لا حرام اعبر لك عن حبي، العيب بقي رد فعلك، واسلوبك معايا اللي بتحاول توصلي من خلاله أن أنا أبعد عنك بالذوق أحسن لي بدل ما هتكرهني في القرب منك، مش كدة و لا أنا اللي غلطانة؟!"
تفاجئ بكشفها لنواياه وتذكر أن هذا ليس أمراً خارقاً بحكم مجال عملها كاخصائية للعلاج النفسي فهذا منطقي للغاية؛ لذا ولي ظهره إليها واجاب بمراوغة
"بطلي اوهام، كل الحكاية زي ما طلبت منك تديني وقت لحد ما اتأقلم علي وضعنا الجديد، أنتي اللي بتنسي الظروف النفسية اللي بمر بيها"
تحركت بضع خطوات لتقف امامه و تواجهه ومازالت تمسك بمقدمة ثوبها
"مش ناسية يا ياسين، لأن ظروفك النفسية مش هتنتهي غير بالعلاج، وعلاجك بكسر الحواجز اللي أنت مصمم تحطها بيني و بينك، وأول خطوة في العلاج الاعتراف بالأمر الواقع وحياتك الجديدة مع واحدة بتحبك، واحدة بتتمني رضاك"
اقتربت منه وقد خفضت من نبرة صوتها واردفت
"الواحدة دي من روح بتعشقك للأبد و قلب بيدق بُحبك"
و خلال برهة تحولت نبرتها من الهدوء والوداعة إلي التذمر والحنق
"أنا الحاضر يا ياسين، أنا الحياة اللي رجعتلك من جديد، لكن أم بنتك هي الماضي، مجرد ذكريات حابس نفسك فيها"
رفع سبابته كاشارة تحذير لها
"أول وآخر مرة تجيبي سيرتها علي لسانك"
"أنا ما غلطتش فيها، أنا بسمعك الحقيقة اللي أنت مش متقبلها و معذب نفسك بين الأطلال و بتعذبني معاك"
"و أنا ماخدعتكيش يا دكتورة، و قولتلك علي وضعي من غير كذب وخداع"
"وأنت وعدتني أنك هاتتغير وطلبت مني فرصة أساعدك، و كل ما أحاول اساعدك ألاقيني قدام حيطة سد"
رفع حاجبيه يسألها ساخراً
"وعايزاني أتغير في يومين!"
"عايزاك تديني فرصة أساعدك"
"بس كدة من عينيا"
وذهب إلي باب غرفة النوم و قام بفتحه وأشار بيده نحو داخل الغرفة
"يلا اتفضلي"
نظرت إليه بدهشة وتعجب، فاكمل يخبرها بوقاحة
"مش طلبتي مني اديكي فرصة تساعديني؟!، يلا أول فرصة هتبقي علي سرير أوضة النوم"
حدقت إليه بازدراء واتجهت إلي غرفة أخرى وألقت عليه بالمحظور قوله
"كان عندها حق أنها تطفش منك وترتاح منك للأبد"
ليتها ما تفوهت بتلك الكلمات التي اضرمت به النيران وأحيت عذابه مجدداً، تحول في لحظات إلي وحش كاسر، اختبأت منه وسرعان أوصدت الباب من الداخل قبل أن يصل إليها، يصيح بهياج غول متوحش و يده تطرق الباب عليها بقوة ارعبتها وجعلتها تتراجع إلي الوراء، تضع كفيها علي أذنيها حتي لا تسمع صياحه
"أنتي مين اللي قالك؟، و مين سمحلك تتكلمي عنها؟!، افتحي بقولك بدل ما أكسر الباب فوق دماغك"
لم تطعه وجاء رنين الهاتف المنزلي لإنقاذها من براثنه، ذهب وحاول أن يهدأ ليجيب علي الإتصال، فكانت شقيقته التي اخبرته بما كان ينقصه
"ألو يا ياسين، بتصل علي الفون بتاعك و فون رودي و محدش فيكم بيرد"
نظر نحو هاتفه النقال الموضوع أعلي المنضدة فقال لها
"معلش مكنتش سامع، أنتي بخير والبنات وياسمينا؟"
"ياسمينا كل يوم بالليل تقعد تعيط و تنادي علي مامتها الله يرحمها وهي نايمة و كل مرة اخدها في حضني واهديها، النهاردة يا حبيبتي صاحية منهارة من العياط وعايزة تفتح الباب وعماله تصرخ وتقول أنا عايزة أروح لمامي"
❈-❈-❈
حين يغمرني الحنين إليكِ... اتخم عقلي بالأفكار والأفكار
واشغل وقتي بالأعمال والأسفار... بعيداً بعيداً... فيما وراء البحار...
ليرسل رسائله العشقية الجنونية فأنا بحالة عشقك فاقد للصواب... يامن بعثرث مشاعر القلب وجعلت قلبي ينبض مثل أمواج البحار.
تتقلب علي جانبها الأيمن وتهمهم بأريحية حيث تشعر بنعيم الدنيا بين ذراعيه وفوق الطاولة داخل المطبخ، تسمع صوت طرق علي الباب ومعه صوت يناديها علي استحياء، ارهفت السمع جيداً وعلمت هوية المنادي، فتحت عينيها قليلاً لتستوعب أين هي وكيف غفت في هذا المكان، و حين أدركت أنها تنام بين ذراعي زوجها فوق الطاولة، نهضت لتكتشف انهما عاريا ولا يسترهما سوي قطع ثياب داخلية، نزلت من فوق الطاولة تبحث عن ثيابها لترتديها علي عجل من امرها وتوكز زوجها تزامناً مع طرق المربية علي باب المطبخ من الخارج
"قصي، قوم ألبس هدومك بسرعة"
امسك يديها ومازال في غفوته، وضع كفها أسفل خده، يخبرها بنبرة يغلب عليها النوم
"سيبيني شوية يا حبيبتي"
"اسيبك إيه بس، إحنا في المطبخ وداده زينات برة بتخبط"
مرر الكلمات داخل رأسه فتذكر علي الفور ما حدث بالأمس، ففتح عينيه ونظر من حوله، وجدها تقف امامه مرتدية ثيابها وهو فوق الطاولة يرتدي قطعة واحدة فقط، نهض وانتبه إلي طرق الباب ونداء زينات علي صبا.
"هاتيلي هدومي"
"ياريت تلبس بسرعة"
قامت بلملمت ثيابه واعطتها إليه، وبعد أن انتهي كادت هي تذهب لتفتح الباب، فاوقفها
"استني"
وبعد دقيقة، فتحت ووجدت زينات تحمل مدللة والدها، تنظر بغضب إلي والدتها وتسألها
"قافلة الباب ليه و فين بابي؟"
سبق قصي صبا في الإجابة ويقف أمام ماكينة القهوة
"انا هنا يا زوزو"
تحولت تعابير وجهها من الغضب إلي السعادة، صاحت وتنزل من بين يدي زينات
"بابي"
فتح ذراعيه لتعانقه وبادلها الحضن
" Buongiorno, papà "
"Buongiorno, mia piccola principessa "
عقبت صبا بسخرية ومزاح
"علي أساس أن أنا مش هفهم أنكم بتتكلموا بالإيطالي يا ست زوزو، وبالنسبة لمامي مفيش أي حاجة؟"
همس قصي في أذن صغيرته
"روحي صبحي علي مامي واديها حضن وبوسة كبيرة"
نظرت بمكر وابتسامة فاخبرته
"أوك، بس قولي الأول أنت و مامي كنتوا قافلين باب المطبخ عليكم ليه؟"
نظر إلي صبا التي سمعت سؤال ابنتها وغرت فاها تعجباً من سؤال صغيرتها الماكرة، ضحكت زينات رغماً عنها فكبتت ضحكتها خجلاً فهي قد فطنت سبب وجودهما هنا، بينما قصي عاد بالنظر إلي ابنته ووجد لا مفر من الإجابة أو تأليف قصة منطقية لإقناع صغيرته لذا اجاب بجدية زائفة
"أنا ومامي كنا بنتعشا إمبارح هنا، فسمعنا صوت فار صغير بيتحرك، قفلنا الباب عشان ما يطلعش بره وقعدنا نجري وراه لحد مالاقيناه وبعدها حسينا بالتعب ونمنا غصب عننا هنا"
كانت تنصت إليه وتتأمل وجهه، مدت اصبعها الصغير تشير نحو بصمة شفاه بلون الحمرة علي خده الأيسر، سألته
"هو الفار النوتي ده اللي عمل في وشك كده؟"
وضع يده علي خده ونظر إلي صبا، حمحم بحرج
"لاء يا حبيبتي، دي، دي، وأنا بدور علي الفار اتخبطت"
ربتت عليه بحنان وبنبرة عطف حيزبون صغيرة
"معلش يا بابي"
وقامت بتقبيل أثر حمرة شفاه والدتها واردفت
"كده مش هتوجعك تاني يا حبيبي"
عقبت صبا بحنق
"يارب صبرني"
ألتفت إليها ابنتها وركضت نحوها فألقت تحية الصباح وفتحت ذراعيها لتدنو منها صبا وتبادلها العناق، فاخبرتها الصغيرة ببراءة علي نقيض مشاكستها معها دائماً
"بليز مامي، ما تتأخريش تاني في الشغل، عايزاكي تنامي جمبي و تحكي لي حدوتة زي اللي كنتي بتحكيهالي قبل كدة"
كان قصي يتناول فنجان القهوة وينظر إلي زوجته التي تهربت من نظراته وقالت لصغيرتها
"حاضر يا قلب مامي، مش هتأخر تاني، وهرجع كل يوم بدري نتعشا مع بعض واحكيلك حدوتة قبل النوم، اتفقنا؟"
هزت زينب رأسها بالإيجاب
"اتفقنا"
وقامت بتقبيل خد صبا التي عانقتها مرة أخرى
"يلا روحي مع داده زينات وصحوا مالك عقبال ما أنا اطلع أخد شاور وهنزل عشان نفطر كلنا مع بعض"
"يلا يا مامي و أنا هستناكي"
ربتت صبا علي رأس صغيرتها مبتسمة ثم ذهبت إلي الخارج، همّ زوجها باللحاق بها فاوقفته ابنته
"رايح فين يا بابي؟"
"طالع أغير هدومي يا حبيبتي وهاجي تاني عشان نفطر مع بعض"
وفي الأعلي داخل غرفة تبديل الثياب، كانت تفك أزرار قميصها أمام المرآة الطويلة ذات الإطار الذهبي، انتبهت إلي زوجها الذي دخل للتو ويخلع قميصه، ينظر إليها بصمت وتعلم مغذى تلك النظرة جيداً
"لو عايز تقولي حاجة قولها بدل ما أنت عمال تبصي لي كأني عملت مصيبة"
ألقت بقميصها داخل سلة الثياب المتسخة وهو أيضاً فعل المثل في قميصه ثم عقب علي حديثها
"لو اتكلمت كلامي مش هايعجبك"
عقدت ساعديها أمام صدرها
"كل ده عشان كلمتين قالتهم بنتك؟!، ما أنا قولتلك امبارح مش هتأخر تاني ولو عندي شغل كتير هجيبه هنا و هخلصه و أنا في بيتي"
"أنا نظرة عتابي ليكي بقولك شوفتي وصلتي بنتك الصغيرة إنها تحس بإيه"
ولت ظهرها إليه وتزفر بضجر وهي تشرع في خلع كنزتها، امسك يدها ليجبرها علي الالتفات والنظر إليه مباشرة
"لما أكلمك ما تدنيش ضهرك وتقعدي تنفخي يا هانم، و لا عشان الكلام مش جاي علي هواكي"
جذبت يدها من قبضته واخبرته بمضض
"شكلك نسيت اتفاقي معاك إمبارح وواضح إننا رجعنا لنقطة الصفر من تاني"
"لاء مانستش كل كلمة قولتيها، و لا رجعنا لنقطة الصفر زي ما فهمتي، أنا كل قصدي انبهك لنتيجة أفعالك علي مشاعر ولادنا"
"و أنت شايفني غبية للدرجدي!، ما أنا رديت علي بنتك وقولتلها مش هتأخر وهاقعد معاها زي كل يوم واحكيلها حدوتة، عايز مني إيه اعمله تاني اكتر من كده؟، و لا أنت غاوي نكد علي الصبح"
و ها هي عادت إلي طبيعتها من جديد، فالتمرد و الجدال دون جدوى من شيمها مهما حاولت التأقلم علي خصال التريث والهدوء في المناقشات معه.
جز علي فكه وهو ينظر إليها
"مفيش فايدة، مهما حاولتي تمثلي أنك اتغيرتي للأحسن، يجي طبعك يغلبك في الأخر"
"و أنا معنديش وقت و لا طاقة للجدال، لأن بتعب من كتر الكلام معاك"
اقتربت منه واكملت
"وبصراحة كلامك بقي يرفعلي الضغط ويحرق دمي وأنا واحدة محتاجة صحتها للشغل ولتربية الأولاد، عن إذنك"
تركته وذهبت لتأخذ ثياباً استعداداً للذهاب إلي عملها بلا مبالاة او اكتراث لهذا الذي يتابعها بعينيه وهو مازال يقف مكانه، لا تنكر داخلها أنها شعرت بالقلق حيال صمته المريب، فهي تعلم إذا ألتزم الصمت في تلك المواقف فهو من المؤكد لن يمرر حديثها وستتلقي الرد لاحقاً.
❈-❈-❈
يجلس هذا المحامي خلف مكتبه داخل شقة في بناء قديم يقع في حي الأزريطة بمحافظة الإسكندرية، يرتشف الشاي ويبدو إنه ينتظر احدهم، طرق مساعده الباب ثم فتح ليخبره
"استاذ رشدي، ولاد الحاجة خيرية وصلوا بره"
"معاهم واحدة اسمها أميرة؟"
"لاء يافندم هم التلاتة بس"
"و أنا بحاول اوصلها من إمبارح مش لاقيها"
ترك الكوب بعد أن انهي علي ما به ولم يتبق سوي حبيبات الشاي، وأمر مساعده
"خلاص خليهم يدخلوا"
ولج كلا من محمود و مأمون ووليد و بسمة أمل تملأ وجوههم، سيكون المنزل ملكهم و سيقوموا ببيعه إلي رجل الأعمال ليحصلوا منه علي ط المبلغ المالي والذي سيحقق لهم أحلامهم دون عناء الغربة والشقاء.
ألقوا التحية وقام رشدي بردها ثم أشار إليهم ليجلسوا الثلاثة علي المقاعد الجلدية
"اتفضلوا يا أساتذة"
بدأ محمود الحديث
"أنا وأخواتي بعد ما حضرتك اتصلت بينا امبارح بخصوص إعلان الوراثة قولنا نيجي لحضرتك"
حمحم الأخر ثم اخبرهم
"بعتذر طبعاً أن كلمتكم من تاني يوم لوفاة الحاجة خيرية الله يرحمها ويغفر لها، بس هي وصتني أن أجمعكم علي طول بعد ما يتم دفنها"
"الله يرحمك ياماه"
ردد ثلاثتهم بحزن لا يصدقه المحامي فهو يعلم عنهم كل شىء ما اخبرته به والدتهم
"هي جاتلي من سنة و عملتلي توكيل بإعلان الوراثة وتوزيع نصيب كل واحد فيكم من البيت ووديعة في البنك وخلافه"
حاول ثلاثتهم اخفاء السعادة والتظاهر بالحزن الزائف، فقال مأمون
"لا البيت و لا ألف وديعة تقدر تعوضنا عن أمنا"
عقب رشدي والذي يدرك غايتهم و ما داخلهم جيداً
"معلش يا أستاذ...
اخبره الأخر
" مأمون يا متر"
"معلش يا أستاذ مأمون دي سُنة الحياة، كلنا هنموت واللي بيفضل عايش اعمالنا الصالحة"
أمسك بملف ورقي وظرف أصفر كبير واردف
"ندخل في الموضوع علي طول عشان ما أخدش من وقتكم، الوصية الأولي كانت للحاجة خيرية قبل ما نتكلم علي أي حاجة لازم تكون أميرة موجودة"
" نعم؟، أميرة مين؟"
صاح بها ثلاثتهم، فأجاب رشدي
"الآنسة أميرة اللي كانت عايشة مع والدتكم أخر سنتين"
صاح محمود بغضب
"و دي إيه اللي دخلها في موضوع الورث، دي كانت حتة بت أمي لاقتها ولمتها من الشارع و بتعطف عليها"
عقب رشدي بكل هدوء أثار حنق وغضب المدعو محمود
"والله دي وصية الحاجة خيرية، إن الوصية ما تتفتحش غير في وجودها، و انا بحاول أوصل ليها من وقت ما كلمتكم و مش عارف هي فين و لا أي رقم أتصل بيها عليه"
فسأله وليد مستنكراً لما تفوه به المحامي
"يعني لازم نلاقيها عشان نستلم ورثنا و لا إيه؟"
" بالظبط، لازم تدوروا عليها و أنا كمان هحاول بعلاقاتي أدور عليها، معايا صورة من بطاقتها اللي كانت مديهالي والدتكم"
نهض محمود بوجه من قاع الجحيم فسأله شقيقه
"أنت رايح فين؟"
أجاب بعد أن عزم علي أمره
" رايح أدور علي البت دي و مش راجع غير لما ألاقيها حتي لو مستخبية في سابع أرض"
❈-❈-❈
كان يجلس علي رأس المائدة، وصغيريه علي يساره يتشاكسا معاً كالعادة
"خد الطبق بتاعي و هات طبقك يا لوكا"
هز شقيقها رأسه بالرفض قائلاً
"لاء، و داده قالتلك إن الكورن فليكس فروتس طعمه مش هايعجبك وصممتي تاخديه"
"و أنت مالك"
صاحت بها بتذمر و هنا قال لهما والدهما
"و بعدين يا مالك أنت وزينب، مش قولت ناكل وإحنا ساكتين"
أجاب ابنه
"يا بابي هي عايزة الكورن فليكس بتاعي اللي بطعم الشوكيلت وتديني بتاعها عشان بطعم الـ fruits، و داده زينات قالتلها قبل ما تحضر لها الطبق طعمه مش حلو وهي صممت تاخده"
زحزح الكرسي الجالس أعلاه إلي الوراء قليلاً وأشار لابنته بأن تأتي إليه
"تعالي يا زوزا"
نزلت من الكرسي و ذهبت إليه فربت علي فخذه
"تعالي اقعدي"
ترددت قليلاً وخشيت أن يوبخها، ابتسم لها فركضت في الحال وجلست علي فخذيه
"حبيبتي مش عايزه تاكلي الكورن فروتس ليه؟"
اخبرته بشفتيها المضمومة بتذمر
"طعمها يكي"
"حرام يا زوزو نقول علي نعمة ربنا وحشة"
"خلاص مش هقول كده تاني"
"برافو، شطوره، وأنا هعملك بنفسي أحلي توست بالمربي والقشطة"
أخذ قطعة خبز وقام بدهنها بالمربي والقشدة واعطاها لها، تناولتها واخذت تلوكها في فمها بمتعة
"thanks daddy"
وقامت بتقبيل خده
وعلي الدرج كانت تنزل وتتحدث في الهاتف، وذلك بعد أن أرتدت ثياباً رسمية لسيدة أعمال أنيقة
"قوليلهم ما يعملوش أي حاجة غير لما أجي بنفسي وأشرف علي الـdesigns"
.................
"أوك، بس زي ما قولتلك، و أنا نص ساعة وهاكون في الشركة، يلا باي"
وصلت إلي المائدة وجذبت الكرسي الخاص بها ثم جلست تلقي تحية الصباح
"صباح الخير يا لوكا أنت وزوزو"
"صباح الخير يا مامي"
وأجابت أيضاً ابنتها علي تحيتها، تناول أمامها قطعة خبز ووضعت عليها شريحة من الجبن وشرائح الزيتون ثم وضعت قطعة خبز أخري فقامت بتقطيع تلك الشطيرة إلي قطع بالسكين وأخذت تتناول قطعة قطعة بالشوكة.
تراقب تعابير وجه زوجها من طرف عينيها فوجدته يتناول طعامه في هدوء ودون أن ينظر لها ولو بنظرة واحدة، فقالت داخل رأسها
"أحسن برضه، خليني أروح الشركة و دماغي رايقه من غير صداع ونفسيتي مرتاحة من غير نكد"
انتهت من تناول الشطيرة وتبعتها بفنجان من خليط الشاي والحليب، وتنظر في ساعة الهاتف كل حين والآخر حتي انتهت من المشروب وتركت القدح
"حبايب قلب مامي مش عايزه أي شقاوة و أنت يا مالك جهز نفسك الساعة 3 العصر عشان عندك تمارين السباحة، داده زينات هاتروح معاك و أنا هاجيلك علي هناك وأنا راجعه"
"أوك، مامي"
نهضت وتمسك حقيبتها تهم بالذهاب وكأن هذا الجالس لا وجود له
"يلا باي باي يا حبايبي"
وأرسلت إلي صغيريها قبلات في الهواء، ارتدت النظارة الشمسية وحملت يد الحقيبة علي ساعدها وسارت خطوة تلو الأخرى
"استني عندك"
تخلي عن صمته فجأة، ألتفت إليه تنظر بتعجب و حنق في آن واحد، سألته باقتضاب وعلي مضض
"نعم؟"
أجاب بهدوء يناقض أسلوب إلقاء أوامره الصارمة
"اطلعي غيري هدومك، مفيش شغل النهاردة"
ثم أمر ابنه الذي انتهي لتوه من تناول طعامه
"مالك خد أختك وروحوا ألعبوا بره في الجاردن"
أمسك الصغير بيد شقيقته وذهبا إلي الحديقة في الخارج، بينما صبا
عقبت باستهزاء علي أوامره السابقة لها
"هو حضرتك مكنتش سامعني وأنا بتكلم مع السكرتيرة؟!"
أعاد أمره وكأنه لم يسمعها
"اطلعي علي فوق"
حدقت إليه من خلف النظارة الشمسية بحنق، تحاول جاهدة ألا تندفع في الرد حتي لا تجد ما لا تحمد عقباه، فأجابت بهدوء مماثل له
"أنا ورايا مليون حاجة مهمة مستنياني في الشركة، عن إذنك"
سارت و وجهتها باب القصر، و قبل أن تخطو خارج محيط غرفة المائدة أوقفها صوته بتهديد يبدو أنه لا يمزح علي الإطلاق
"رجلك لو خطت بره باب القصر هاتكوني طالق"
وقعت من يدها الحقيبة فخلعت نظارتها ولم تصدق ما ألقاه عليها للتو، أيعقل ما تفوه به؟!
"أنت واعي للي بتقوله؟"
"زي ما سمعتي كده بالظبط"
تعترف داخل نفسها أنها غير قادرة للوقوف أمامه وتحديه حيث قام بوضع عائق أمامها لن تتوقعه يوماً، هي تحبه وتعشق بيتها وابنائها وإذا سارت خلف صوت كبريائها وعاندت فستخسر كل ما سبق لا محالة.
أطاعت أمره بالصعود إلي الأعلي بخطي أشبه بالركض، ومجرد أن دخلت الغرفة أغلقت الباب وأخذت تبكي بدموع إلي حد الاحتراق، وانتابتها حالة من الهياج العصبي، تركل كل ما يقابلها حتي هدأت وتذكرت أمر ما، بحثت عن حقيبتها وتذكرت أنها تركتها في الأسفل، نظرت نحو الهاتف المنزلي الخلوي أعلي الكمود، أمسكت به وقامت بالنقر علي عدة أرقام بعد أن هدأت قليلاً من البكاء و انتظرت الرد حتي أتاها صوت والدها
"بابي أنا عايزاك تجيلي دلوقتي حالاً"
❈-❈-❈
ونعود مجدداً إلي عروس البحر المتوسط...
مازالت تغفو إلي الآن فالساعة تكاد تقترب علي الحادية عشر وقت الظهيرة وذلك بسبب ما اصابها من الأرق، فهي داخل منزل شخص لا تعرفه سوي الأمس، و رغم رفضها لمساعدته تكراراً لكن موقفه النبيل حيث ترك لها المنزل الكبير هذا لتشعر بالأمان ويرفع الحرج عنها لقبولها البيات في منزل أسرة هذا الطبيب الوسيم الأعزب.
فُتح الباب بتؤدة وظهرت سعدية تحمل علي يديها ثياب مطوية، دخلت دون إصدار صوت و تحدق نحو تلك النائمة التي ترتدي عباءة قطنية بيضاء ذات أكمام تعود إلي ثياب السيدة رجاء.
لن تبرح عينيها عنها و تتسحب دون أن تنتبه للمنضدة الصغيرة، أهتزت ووقعت من فوقها مزهرية خزفية، وقعت وتحطمت، أصدرت صوتاً أيقظ أميرة فقد اصابها الفزع، نهضت في التو، تضع كفها علي صدرها والذعر يرتسم علي وجهها، ابتسمت سعدية إليها واخبرتها
"آسفة يا موزمازيل أميرة، أصل أني أخدت هدومك وغسلتها و جففتها وكويتها وقولت أطلعهالك؟"
"شكراً يا...
حاولت تذكر اسم الأخرى فأكملت الثانية
"سعدية يا موزمازيل أميرة"
"شكراً يا سعدية تسلم إيدك"
أجابت الأخرى بمكر ودهاء بعد أن تأكدت من السيدة رجاء بالأمس أن أميرة لا تمت لهم بصلة قرابة
"العفو يا موزمازيل، ألا بصحيح هو حضرتك موزمازيل و لا مؤاخذة مدام؟، أصل دكتور رحيم لما عرفنا عليكي ماقلناش حاجة غير أنك بنت عمه وبس"
شعرت أميرة بالحرج فهي تدرك تلك النظرة التي تراها الآن في أعين هذه المرأة الماكرة، ابتلعت ريقها وبدأت تخبرها بتردد
"أنا، أنا بصراحة يعني معرفش"
تعجبت الأخرى و لم تفهم شيئاً
"هو إيه اللي ما تعرفيش، هقولك أني بقي عارفاكي كويس أوي، البيه مالهوش بنات عم، و هتلاقيكي واحدة من إياهم وبتضحكي عليه وعاملة نفسك مش عارفة و لا فاكرة حاجة"
نهضت الأخرى من فوق الفراش، اصابتها الصدمة من حديث تلك المرأة، فصاحت بإنكار و دفاع
"أنت بتقولي إيه يا ست أنتي!"
"بقول الحقيقة يا ختي"
رفعت اصبعها اشارة تحذيرية لها
"ما اسمحلكيش تتكلمي معايا بالطريقة دي أحسنلك، واتفضلي اطلعي بره عشان هغير هدومي"
ألقت سعدية الثياب علي الفراش ونظرت إليها بازدراء وكادت تتحدث، سبقتها الأخرى بصياح حاسم
"بره"
"ما براحة علي نفسك يا حلوة"
دفعتها أميرة إلي الخارج و أغلقت الباب بقوة، استندت علي الباب من الداخل وانتابتها حالة من البكاء، فهي منبوذة من الجميع واليد الوحيدة التي انتشلتها من الضياع جعلها صاحبها في موقف سئ للغاية كما شعرت بالخوف من ما هو آت و من المجهول الذي لا تعلمه بعد!
و ها هي الآن تنتهي من ارتداء ثيابها ووشاحها، تبحث عن حقيبة اليد خاصتها فاخذت تتلفت من حولها علها تجدها، سمعت صوت تنبيه سيارة ه صوت الحارس
"أنا جاي أهو يا رحيم بيه"
ذهبت نحو الشرفة لتلقي نظرة، وجدت سيارته تعبر البوابة التي فتحها الحارس، صف سيارته جانباً ثم نزل ويخبر الأخر وهو يلقي إليه مفاتيح السيارة
"لو سمحت يا عم دسوقي هات الحاجات اللي في شنطة العربية وخلي سعدية تطلعها"
"أمرك يا بيه"
كانت تتابعه وهو يمسك بهاتفه ويبدو أنه يتابع شيئاً ما علي الشاشة، يخلع نظارته السوداء و علقها علي مقدمة قميصه، انتهي من المتابعة وأغلق الشاشة، انتبه إلي التي ظلت تراقبه من خلف زجاج الشرفة، رفع رأسه مبتسماً إليها ولوح بيده بتحية، اكتفت بالإيماءة يخالطها طيف ابتسامة ثم عادت للداخل بعد أن عزمت علي ترك هذا المنزل في الحال، و عليها أن تخبره بذلك.
دخل واتجه إلي المطبخ، رأته سعدية فتركت ما بيدها من الحقائب التي جلبها معه، ركضت خلفه
"عشر دقايق والفطار هايكون جاهز يا بيه"
"روحي أنتي يا سعدية، طلعي الشنط لأميرة فوق"
وقفت في مكانها دون حراك تتابعه يفتح البراد ويخرج منه معلبات وطبق البيض، سألها دون أن ينظر إليها
"أنت لسه واقفة عندك بتعملي إيه؟"
"ها؟!، حاضر يا بيه أنا طالعة أهو"
وذهبت تتحدث بصوت خافت
"و كمان بيعملها الفطار بنفسه، ده شكل الموضوع وراه حوار كبير أوي، لما ألحق أكلم رجاء هانم وأقولها علي اللي بيحصل"
اهتزت فجأة عندما اصطدمت بها أميرة التي نزلت للتو، فصاحت الأخرى
"ما تفتحي ياختي و لا دي كمان ماتعرفهاش؟!"
حدقت إليها بازدراء و تقزز دون أن تعقب علي أسلوبها المنفر، تابعت سيرها تبحث عنه حتي سمعت صوت موسيقي آتية من المطبخ يصاحبها صوته، يغني تزامناً مع صوت فيروز
"نسم علينا الهوى من مفرق الوادي"
توقفت لدي مدخل الباب وظلت تستمع إليه وتتأمل ما يفعله، يقف أمام الموقد ويقوم بإعداد البيض المقلي ثم تقديمه علي طبق من الخزف.
"صباح الخير"
انتبهت لإلقاءه عليها تحية الصباح فأجابت
"صباح النور"
فتح الصنبور ليغسل يديه، يخبرها بمزاح
"يارب يا فندم تكون الغرفة عجبت حضرتك وقدرتي تنامي كويس، أصل في فندقنا المتواضع شعارنا أهم حاجة راحة الضيوف"
ابتسمت رغماً عنها حيث نجح في تبديد شعور الحزن لديها، لكنها لم تنس كلمة أو إهانة من تلك السعدية سليطة اللسان، لذا اخبرته بجدية وامتنان
"دكتور رحيم، أنا بشكرك جداً علي وقوفك جمبي، و جميلك عمري ما هنساه، فبستأذنك أنا مضطرة أمشي لأن ما ينفعش أقعد هنا أكتر من كدة"
اقترب منها ووقف أمامها يسألها
"فيه حد ضايقك هنا؟، سعدية و لا عم دسوقي؟"
تهربت من النظر إليه مباشرة وأنكرت فهي لا تريد إخباره بما قالته سعدية حتي لا تتسبب لها الأذي في عملها
"محدش عملي حاجة، الحكاية و مافيها إنه، إنه....
"أومال فيه إيه؟"
"فيه إنه ما ينفعش أقعد هنا، أنا لا أقربلك من قريب و لا بعيد، و مش مستريحة فمعلش ممكن تسمحلي أمشي هاروح أدور علي مكان من غير أي مشاكل ليا و لا أي حد"
"معلش أنتي يا أميرة، مش هاينفع أسيبك لوحدك أولاً بسبب حالتك المرضية، ثانياً أنتي ما تملكيش المال اللي يساعدك تلاقي مكان تقعدي فيه، و الدنيا بره مفيش أمان، و أديكي جربتي بنفسك لما خرجتي من المستشفي وأتعرضلك الراجل إياه"
"أرجوك أنت سيبني علي راحتي، مش عايزة أعملك مشاكل مع اللي حواليك"
حرصت أن لا تخبره، لكنه فطن بالطبع سبب رفضها للإقامة هنا، أطلق زفره يستعين بالصبر حتي لا يستسلم للغضب
"استنيني هنا، راجعلك تاني"
صعد الدرج وسار نحو الغرفة التي بها سعدية، فهي تتحدث في الهاتف
"والله زي ما بقولك كدة يا رجاء هانم"
فتح الباب فجأة، شهقت سعدية وخبأت الهاتف خلف ظهرها، دخل ورمقها بانزعاج بائن علي ملامح وجهه، تقدم نحوها ومد يده يحركها طلباً منها أن تعطيه الهاتف، ابتلعت ريقها ورفعت الهاتف علي أذنها
"معلش يا هانم أنا...
اختطف منها الهاتف و لوح لها بيده أن تترك الغرفة فامتثلت لأمره في الحال، بينما هو تحدث في الهاتف
" أظن عيب أوي يا ماما لما تخلي سعدية تتجسس عليا وتنقلك كل أخباري"
"و ليك عين تتكلم يا حضرة الدكتور المحترم!"
"حضرتك فاهمة غلط، أنا هابقي أكلمك بعدين وهافهمك كل حاجة، بستأذنك مضطر أقفل دلوقتي، سلام"
"هاتقفل عشان تروح للهانم اللي جايبها من الشارع...
أنهي المكالمة دون تردد حتي لا يدخل في أحاديث لا نهاية لها، و عاد إلي المطبخ فلم يجد أميرة، خرج وبحث عنها في البهو حتي رآها عبر الباب الزجاجي المطل علي الحديقة في الخارج.
ترص الأطباق بعناية وجاءت تلتفت إلي يسارها فوجدته أمامه، شهقت بفزع
" بسم الله الرحمن الرحيم"
ضحك من عفويتها وقال
"ما تقلقيش، عمر العفاريت ما بتطلع للملايكة"
اصابها بالخجل بعد أن أدركت غزله الغير مباشر والعفيف، فأجابت دون النظر إليه
"أنا كملت اللي كنت بتحضره وحطيته هنا، أصل لاقيت الجو جميل و فيه نسمة هوا حلوة أوي"
همت بالذهاب فاعترض طريقها وسألها
"علي فين؟"
"طالعة أجيب شنطتي عشان ماشية"
رأي في عينيها إصرارها الحريص علي المغادرة، تنهد واخبرها بهدوء وإقناع
"أنا مش هاجبرك علي حاجة، بس ممكن تتفضلي نفطر مع بعض، و بعدها هاخدك بنفسي و هوديكي لأوتيل قريب ، عشان أبقي قريب منك و أقدر أطمن عليكي"
وقعت في حيرة بدت علي نظراتها، جلس و أعد حاله لتناول الطعام
"يلا اقعدي عشان بعد ما نخلص المشوار ده، هنطلع علي المستشفي نبدأ الفحوصات وأطمن علي حالتك قبل ما نمشي في إجراءات العملية"
جلست علي الكرسي المقابل، سألته باهتمام بالغ
"عملية إيه؟"
"عملية تخلي ذاكرتك ترجعلك"
"بجد يا دكتور؟"
ابتسم وشعر بالسعادة لما يراه في عينيها من أمل، هيهات واخبرها ما جعل بريق الأمل انقشع في لحظة
"بجد، لكن حالتك اللي هاتحدد هل العملية ممكن تنجح أو العكس"
"حضرتك تعرف حد عملها قبل كده و نجحت؟"
"كنت في مؤتمر طبي واتعرض فيه تقرير عن حالة مشابهة لحالتك، لكن...
أثر الصمت و تذكر حديث الطبيب له عن ضعف نجاح العملية نظراً إلي أثارها الجانبية
" العملية فشلت، صح؟، طب هقولك علي حاجة و ما تستغربش، أي حد مكاني بيبقي بيتعلق في قشاية تقدر ترجعه يفتكر أي حاجة و خصوصاً أهله و ناسه، أنا بقي خايفة"
نظرت نحو الأزهار واسطردت
"خايفة لو رجعتلي الذاكرة، اكتشف أن حياتي كانت مآساه أو أهلي هم اللي يكونوا السبب في اللي وصلت ليه، خايفة ليكون ماليش حد في الآخر ووقتها مش هايفرق وجود الذاكرة أو عدم وجودها"
"و ليه تظني الوضع السئ مش يمكن حياتك القديمة أحسن، و يمكن ليكي أهل و عيلة بيحبوكي و زعلانين عليكي"
ابتسامة ساخرة يشوبها الشجن فاخبرته بما تبوح به لأول مرة عن ما كانت تخبر به دائماً نفسها
"تفتكر لو كان ليا أهل و عيلة بيحبوني إيه اللي خلاهم ما يسألوش عني؟!، إيه اللي خلاهم ما حاولوش يدوروا عليا و يبلغوا كل جهة مسئولة تقدر توصلهم بيا"
"الله أعلم، بس إحساسي بيقولي...
" ليك حق طبعاً تقفل السكة في وشي يا حضرة الدكتور"
كان صياح والدته الذي قاطع حديثه، نهض واقترب من والدته التي تحدق في أميرة بنظرات قاتلة من أسفل إلي أعلي
"تعالي يا ماما نتكلم جوه"
أمسك يد والدته فجذبت يدها منه بعنف وأكملت وصلة الصياح والتوبيخ
"مش رايحة في أي مكان، غير لما تقولي مين البت دي و بتعمل إيه في الفيلا؟، و قال أنا اللي رافعة راسي لسابع سما وعماله أفتخر بيك وبأخلاقك، ده الناس كانوا بيقولوا لي يا زين ما ربيتي يا رجاء، ابنك راجل من ضهر راجل و متربي سبع مرات"
"ماما لو سمحت تعالي نتكلم جوه أحسن"
محاولة بائسة باتت بالفشل و كان تعقيبها لازعاً وحاداً
" اخرس، لما اتكلم ما تقطعنيش، بقي كدة يا دكتور؟!، كل ده بسبب بنت خالتك اللي راحت لغيرك قومت عشان تنساها روحت جايب لي واحدة من الشارع ومقعدها في الفيلا بتاعتنا، لاء و كمان خليت سعدية تطلع ليها من هدومي، ما كنت خليها تورثني أحسن بالحيا!"
"والله العظيم حضرتك فاهمة غلط، أميرة محترمة جداً بس هي ظروفها صعبة شوية"
في تلك الأثناء كانت أميرة تبتعد رويداً رويداً، تضع كفها علي فمها، تمنع حالها من البكاء وخاصة بعد أن قالت رجاء أقسي الكلمات من صفات و نعت ظالم لها
"ظروف إيه اللي تخلي واحدة زيها لا تعرفك و لا تعرفها و تيجي تبات في الفيلا معاك، إلا لو واحدة من البنات الشمال و ما صدقت لاقت صيد ابن ناس زيك تقدر تضحك عليه"
أصبحت علي مسافة بعيدة تبكي و تهز رأسها بالرفض، ترفض تلك الإتهامات الظالمة، لذا قررت الابتعاد بل الرحيل من هذا المكان، ركضت نحو البوابة وفي ذلك الحين كانت مفتوحة علي مصراعيها بعد دخول سيارة السيدة رجاء منذ قليل.
رآها دسوقي الحارس فأخذ ينادي
"يا آنسة؟، رايحة فين؟"
لم تلتفت خلفها و استمرت في الركض بكل ما أوتيت من قوة، ذهب دسوقي بعد فشله للحاق بها إلي رحيم
"يا دكتور رحيم، إلحق يا دكتور"
يلتقط أنفاسه، ألتفت إليه الأخر وتابعته والدته بالاهتمام، فسأله بقلق
"في إيه يا دسوقي؟"
أكمل لاهثاً
"بنت عم حضرتك لاقيتها بتجري علي بره، فضلت أنادي عليها ماردتش عليا ومالحقتهاش"
لم يمتلك وقت للرد فركض هو أيضاً، صاحت والدته بالنداء
"رايح فين؟، يا رحيم؟، رحيم؟"
❈-❈-❈
تضغط متابعة لأحدى الصفحات علي موقع التواصل الإجتماعي الشهير، فتلك الصفحة تعرض مقاطع من البرامج الحوارية، فانتبهت إلي عنوان شيق قد جذبها و كان بعنوان
«جوزي بيحب جارتي و عايز يتجوزها قولولي اعمل إيه؟»
ضغطت علي تشغيل المقطع و استمعت إلي متحدثة في الهاتف و تستمع إليها مذيعة شهيرة تستقبل تلك المشكلات الناتجة عن العلاقات كالزواج و الخطوبة والزواج في منزل عائلة الزوج و خلاف ذلك.
كانت مشكلة المتصلة تشبه كثيراً ما تمر به شيماء التي انصتت لكل حرف وتهز رأسها وتتبدل تعابير وجهها كل حين و آخر كلما تسرد الأخرى تفاصيل أكثر و أكثر حتي انتهي حديثها بمقولة
«و للأسف يا أستاذة لما واجهته بعلاقته مع جارتنا قالي بكل جرأة بحبها وعايز يتجوزها و لو مش عاجبك هاطلقك»
شهقت شيماء وضغطت إيقاف المقطع
"هار أبوه أسود، يخربيتك أنت و كل اللي زيك يا راجل يا عره، بس الحق مش عليه، الحق عليكي يا غبية، و أدي تعليق عشان تفوقي أنتي و كل واحدة غبية، ما أنا لازم أنصحكم قبل تتغفلوا وأديكم عصير خبرتي"
فتحت مستطيل التعليقات و قامت بكتابة الآتي
«لو جوزك عاوز يتجوز عليكي يبقي أنتي ما بذلتيش المجهود الكافي في أنك تكرهيه في صنف الستات كلها... ستات خايبة 😏»
ضغطت علي إرسال التعليق بابتسامة تصل إلي أذنيها و بكل فخر واعتزاز تقول
"الله عليكي يا شوشو، عليكي حِكم تتكتب في التاريخ ويدرسوها للعيال في المدارس"
سمعت صوت فتح باب المنزل، رفعت عينيها عن شاشة الهاتف فوجدته زوجها الذي تعمد هجرها والنوم في غرفة أخرى، و ذلك منذ أن تلقي لكمة في عينه علي يد شقيق الجارة الحسناء، مما تسببت له في كدمة تميل إلي الأزرق حول عينه، و حينما عاد إلي منزله أختلق مشكلة دون داع حتي لا تري الذي حدث له وتبدأ التحقيق معه.
"ما ترمي السلام يا أستاذ نادية لطفي في فيلم النضارة السوداء"
و بدلاً أن يذهب إلي غرفته عاد إليها و علي مسافة لا يمكنها كشف ما يخبأه اخبرها بتهديد
"لأخر مرة بحذرك يا شيماء، لو ما بطلتيش أسلوب التلقيح ده معايا هاتشوفي مني وش هخليكي تهربي أول ما مجرد تلمحيني"
حركت شفتيها يميناً و يساراً و لم تبالي لتهديده فعقبت
"هو أنا شايفة منك حاجة غير نضارة الشمس اللي مصدرهالي كل ما اشوف خلقتك، و تدخل الأوضة تقفل علي نفسك، ليه يعني، كل ده عشان عملت الرز حبة و حبة مش بشعرية زي ما بتحبه"
"يا سلام!، هو ده سبب خناقي معاكي برضه!، و لا نسيتي طبق الشوربة المولعة لما دلقتيها عليا بالقصد!"
نهضت ووضعت يديها علي جانبي خصرها واخبرته بإنكار
"هو أنا هدلق عليك الشوربة قصد ليه إن شاء الله، كنت حارق دمي مثلاً و لا بتعمل حاجة من ورايا!، ما قولتلك مكنش قصدي اتكعبلت في كرسي السفرة، كفرت يعني و لا أذنبت"
"لاء يا شيماء، أنا اللي أذنبت يوم ما فكرت أتجوزك، بقت عيشة تقرف"
ألقي كلماته و ذهب مسرعاً نحو غرفته، لكنه وجد يد تقبض علي قميصه من الخلف تجبره علي الإلتفات إليها
"أنت قد الكلام اللي أنت قولته؟"
رأي في عينيها نظرة قد رآها من قبل في أعين القاتلة ريا والتي أدت دورها ببراعة الفنانة عبلة كامل، ابتلع ريقه بخوف لم يظهره لها
"عايزه إيه يا شيماء؟"
"عايزاك تعقل يا حبيبي و ترجع تنام في فرشتك جمب مراتك حبيبتك، لأن بيقولوا الراجل المتجوز اللي بينام لوحده كتير، اللهم احفظنا ويجعل كلامنا خفيف عليهم بيبقي مطمع ليهم، يعني هتلاقي نسوان الجن يكراشو عليك و لو واحدة فيهم عشقتك يا حبيبي يبقي علي الله حكايتك، وأخرتك العباسية جمب أخواتك المجاذيب"
"و مين بقي اللي افتي لك الفتوى المتخلفة زي افكارك دي يا حبيبتي؟"
"هو أنت ما تعرفش؟، عمي الشيخ سالم الله يرحمه زارني في المنام و فضل يقولي يا شيماء خدي بالك من طه، فيه واحدة منهم بتلوف عليه حذريه وقوليله اللي أنا قولته لك من شوية كدة بالظبط"
افترقت شفتيه بابتسامة صفراء واخبرها بسخرية
"طب ياريت يا شوشو لما يزورك أبويا الله يرحمه تاني، بلغيه سلامي وقوليله ابنك بقي بيكفر عن سيئاته اللي فاتت و اللي جاية و البركة فيكي يا حبيبتي"
أبعد يدها ونفضها عنه وأكمل تحت نظراتها النارية
"و كمان قولي له إن ابنك عنده العيشة مع ستات الجن أرحم بكتير مع العيشة معاكي"
و كاد يفتح باب الغرفة فاوقفته
"يعني ده أخر كلام عندك يا طه؟"
أجاب بإصرار وحسم
"أيوه، و لو مش عاجبك أبقي روحي اشتكيني لأبويا في تربته"
شرعت في رفع أكمام ثوبها وقد عزمت علي أمر تمنعت عنه مراراً قبل ذلك
"أنا كده عداني العيب و أزح، خد دي يا قلب شوشو"
"ااه، يا مجنونة"
آهه أطلقها بألم وهو يتلقي منها لكمة هشمت النظارة و أصابت عينه المصابة سابقاً بل و تسببت بفتح جرح صغير في نهاية حاجبه.
شهقت بخوف عندما رأت خط دماء رفيع ينزل جانب عينه، صاحت بنواح
"يا لهوي أنا هببت إيه، فقعتي عين جوزك يا شيماء"
اقتربت منه وأخذت تربت عليه
"أنا آسفة يا حبيبي، تتقطع إيدي اللي ضربتك"
"غوري من وشي يا شيماء، كل حاجة مكنش قصدك، من يومين تحرقي فخادي بالشوربة و المرة دي كنتي هتفقعي لي عيني بالبونية، روحي يا شيخة منك لله"
ابتعد عنها ودخل إلي الغرفة ثم أغلق الباب خلفه بالمفتاح، أسرع نحو المرآة ليطمئن علي عينه و يتفحص جرح حاجبه
"منك لله يا بعيدة، عيني كانت هاتضيع"
و إذا به تتحول تعابير وجهه من الألم إلي ابتسامة
"الحمدلله إنها جت علي جرح صغير، كدة بقي مش هلبس النضارة تاني و أخاف تسألني مين اللي ضربك في عينك، و دي بومة لو عرفت اللي حصل ممكن ترميني و أنا و روميساء من سطح البرج"
عادت إلي الردهة وتبكي علي ما اقترفت يدها في عين زوجها، جلست تنعي حظها حتي انتبهت إلي هاتفه الذي وقع منه و لم يشعر به، كان يضئ برسالة واردة من روميساء عبر تطبيق الدردشة، دنت وأمسكت به لتجد جزء كبير من نص الرسالة يظهر علي شاشة القفل و كان فحواها
«عامل إيه يا طه... أنا من وقت ما كنت عندي و......
لم تستطع معرفة الرقم السري للهاتف، قامت بتجربة عدة أرقام و كل تجربة تنتهي بعدم الفتح، زفرت بنفاذ صبر وقالت بوعيد
"يعني إحساسي طلع صح و طلعت بتروح لها كمان يا سي طه، و قال أنا اللي عماله أعيط علي عينك اللي باظت، ده أنا ما بقاش شيماء لو ما فقعتلك عينيك الاتنين و خليتك بدل ما أنت طه البحيري تبقي طه حسين"
لقراءة باقي فصول الجزء الرابع
لقراءة الجزء الاول جميع الفصول
لقراءة الجزء الثاني جميع الفصول
لقراءة الجزء الثالث جميع الفصول
الفصل التاسع
أيا دموعًا من الحزن مُرّت شجونهَا،
أَخبِريني، أتبكي العينُ أم تدمع الجفونُ أمانيا؟
ويا قلبًا يحمل في الضلوع وزرًا أثقلتهُ،
ألستَ أنت من اختار ذات يوم طريق السّرايا؟
تنظرُ إلى الحياةِ من نافذةٍ كالسّراب،
كأنّ كلّ ما عبرت، خيالٌ أو خُطى الهَاربين.
تبحثُ في الضباب عن معنى أو جواب،
لكن الصدى في قلبها يقول، أيّ مصيرٍ تنتظرين!
تنظر إلي الطريق من خلف نافذة باب السيارة، تذرف عينيها دموعها الحارقة تزامناً مع دموع قلبها اللائم لها علي كل ما هي مقبلة عليه، فكانت منذ قليل لدي المحامي الذي عثرت عليه خلال رحلة من البحث و التصفح علي الإنترنت، و عندما قرأت العنوان شعرت بالراحة يكفي أنه يبعد عن منطقة نفوذ زوجها، هكذا ظنت فبمجرد أن ذكرت اسم زوجها بالكامل شحب لون وجهه و....
«مشهد سابق»
داخل مكتب المحامي..
ابتلع ريقه بتوتر لم يظهره أمامها بعد سماعه اسم زوجها فسألها
"حضرتك متأكدة أنك عايزة ترفعي علي جوزك قضية خلع؟"
اومأت وأجابت بحزن مرير
"لو مكنتش متأكدة، مكنش زماني قاعدة قدام حضرتك دلوقتي"
"حضرتك مش فاهمة قصدي، هو الموضوع....
" أنا فاهمة قصدك كويس أوي، واضح لما قولتلك علي اسمه بالكامل وشك أصفر، و عارفة أن جوزي ليه علاقات و نفوذ كتيرة و أنت خايف منه"
اعتدل من وضع نظارته الطبية
"أنا بـ...
"أنا هادفعلك المبلغ اللي هاتقول عليه، بس ياريت الموضوع يخلص بسرعة لأني ما بقتش استحمل أعيش معاه اكتر من كده، و عندي أسباب كافية تخلي القاضي ينطق بحكم الخلع من أول جلسة"
«العودة إلي الوقت الحالي»
"معلش يا مدام دنيا أنا مضطر أقف بالعربية علي الناصية، حضرتك زي ما أنتي شايفة الحارة ضيقة و مش هاينفع أكمل"
انتبهت إلي حديث السائق و دون أن تطلب بأن يعيد عليها كلماته مرة أخرى، نظرت من حولها و علمت بوصولها لهذا المكان مرة أخرى!
نزلت من السيارة وسارت بضع خطوات ووقفت تتذكر الزيارة السابقة لها في هذا المكان وخاصة في مكتب الطبيبة بالأعلي
«مشهد سابق»
تنظر الطبيبة إلي شاشة جهاز السونار ثم نهضت
"كيس الحمل في أفضل حال، ممكن أعرف ليه عايزه تجهضي؟"
وقع السؤال عليها كوقع الماء المثلج فوق رأسها رغم مجيئها هنا بكامل إرادتها لكن ضميرها و قلبها يخبراها أن ترحل و تتراجع عن هذا الجُرم، و بعد تفكير قليل واستسلامها إلي وساوس إبليس أجابت كذباً
"عندي أسبابي المرضية"
"معاكي شهادة طبية أو تقرير فيه نوع التعب اللي عندك؟"
ضجرت من أسئلة الطبيبة والتي استشفت من خلالها الاتهام و عدم تصديقها، لذا اختارت اللهجة الأخرى و التي اكتسبتها من زوجها حديثاً
"بصي يا دكتورة من الآخر كده و من غير لف و دوران، أنا قبل ما اجيلك سألت عليكي ناس معرفة و هم قالولي أنك بتعملي العمليات ديه غير العمليات الشمال اللي بترجعي فيها البنت من واحدة ست لبنت بنوت، فياريت بلاش بقي الأسئلة اللي مالهاش لازمة وفلوسك و هتاخديها مقدم"
شعرت الأخرى بالتوتر والخوف، خشيت أن خلف تلك المرأة خدعة من الشرطة
"مش عايزه حاجه و فلوسك خليهالك، روحي لمعارفك خليهم يدلوكي علي حد غيري"
نهضت دنيا و ازاحت الدثار من فوقها و نزلت لتذهب خلف الطبيبة و لم تجد مفراً من الإجابة البديلة و التي خططت لها من قبل المجئ، حاولت تذكر كلمات زوجها من إهانة وتهديد و كيف كان يعاملها حتي وجدت دموعها تنهمر، اكملت هذا المشهد التمثيلي ببراعة
"ارجوكي يا دكتور، أنا جوزي مهددني لو حملت هيطلقني، يرضيكي بيتي يتخرب، غير إنه مفتري و ظالم، ده ممكن يموتني فيها"
شعرت الطبيبة بالعطف عليها، فاخبرتها بملامح تحمل الحزن عليها
"خلاص يا مدام دنيا، كفاية عياط، و معلشي سامحيني، أنا شكيت فيكي ليكون حد زقك عليا، و لا تكوني تبع البوليس"
اعطتها محرمة ورقية و سكبت لها كوباً من الماء و قدمتها إليها
"أنا هعملك اللي عايزاه، بس خدي بالك العملية دي مش سهلة زي ما أنتي مفكره، دي بيبقي فيها خطر علي حياتك"
«عودة»
كانت تتردد قبل أن تدلف إلي فناء المبني، وصوت داخلها يذكرها بأن ما ستفعله جريمة لدي القانون و حرام في الشرع والدين.
وجدت ساقيها تتحرك حتي وصلت إلي البوابة و كادت تعود إلي السيارة لكن هناك إتصال من الطبيبة لتذكرها بموعد العملية، فالموعد بعد نصف ساعة.
و في مكان آخر... يتعانق انعكاس لون السماء مع لون أوراق الريحان بين اهدابه التي ترف كل حين و الآخر، وهناك ضباب رمادي ناتج عن حرق التبغ من اللفافة المحترقة بين أصابعه، فذلك الدخان يقف حائل بينه و بين الحائط الزجاجي، يقف أكثر من ساعة في حالة تفكير ضاري لم يعرف الرحمة، ينهش عقله و قلبه أيضاً، فهو سؤال واحد يتردد داخل رأسه، لماذا أصبحت الحياة بينهما تنحدر إلي الهاوية!
صار يقضي معظم يومه داخل مكتبه الشركة الخاصة به و يعود في وقت متأخر مساء حتي لا يلتقي بها، رغماً من يقينه أنها لا تغفل عن وجوده حينما يعود ويدخل إلي غرفة مكتبه لينام ويستيقظ صباحاً في اليوم التالي و يبدل ثيابه ثم يذهب إلي عمله من جديد، فهذا الوضع الرتيب منذ آخر ليلة تمت خلالها مواجهة و نقاش حاد وعادت الأمور بينهما إلي نقطة الصفر.
صوت اهتزاز هاتفه أعلي سطح المكتب جعله يلتفت نحوه و بطرف عينيه لمح هوية المتصل فاسرع بالإجابة وتلقي صوت أحد رجاله يخبره
"كنان بيه، المدام نزلت من البيت من حوالي ساعة زمن، خدت أوبر ونزلت المعادي في شارع 9 قدام عمارة قديمة من أربع أدوار مفيهاش حد غير مكتب محامي، طلعت وراها و فضلت واقف بره لحد ما دخلت للمحامي، روحت علي طول سألت المساعد مكنش عايز يقول حاجة غير لما غمزته بقرشين فقالي أن المدام واخده ميعاد قبل ما تيجي و جاية في قضية خلع"
كان الآخر يستمع إليه ويجز علي أسنانه حتي برزت عظام فكه من فرط رياح غضبه العاتية التي تموج في صدره الآن، يبدو أنها كانت تخطط منذ فترة إلي ما تفعله وانتظرت ريثما تمتلك ما يجعل قدميها ثابتة علي أرض صلبة لتنفصل عنه دون الوقوع تحت رحمة سطوته و تهديده السابق لها وهو عدم الطلاق بتاً و سيأخذ ابنائه ويجعلها تعيش في نيران الحرمان من رؤيتهم مرة أخرى.
اتحسب أنها تمتلك الذكاء لتتحداه، كم هي حمقاء فهو الذي يمتلك الدهاء و المكر و بإمكانه أن يفعل بها ما يجعلها تركع أمامه ذليلة لكي يرحمها.
أطلق زفرة طويلة اخترقت أذن هذا المنتظر الرد من سيده، عقب قائلاً بهدوء نقيض حالته
"هي لسه عند المحامي؟"
"عشر دقايق و خرجت علي طول و رجعت تركب مع العربية اللي كانت فيها، و بعدين طلعت علي منطقة اسمها المعصرة، فضلت وراهم بالعربية لحد ما نزلت علي ناصية الحارة وراحت لدكتورة النسا اللي كانت عندها من تلات أيام"
شعر الآخر علي الفور بأن هناك خطب ما و سبب وراء تلك الزيارة الثانية خلال وقت قصير، و ما جعل الشك يدق ناقوس الخطر داخل رأسه عندما تذكر أن زوجته كانت تتابع حملها حتي الولادة مع طبيب تقع عيادته في حي مجاور للمنطقة، فلماذا ذهبت إلي طبيبة أخرى و في تلك الحارة العفنة و إلا أنه يوجد سبب كما يخبره حدسه، تذكر سريعاً عندما عاد في الأمس لاحظ ظرف كبير مدون عليه اسم أحد المعامل الشهيرة، فإذا صدق حدسه فلا أحد يلومه علي ما سيفعله بها!
"كنان باشا"
انتبه إليه بعد أن فاق من تفكيره القاتل، صاح بصوت وصل إلي القاصي والداني
"خليك مكانك و ماتتحركش و أنا مسافة السكة و هاكون عندك"
أنهي المكالمة علي الفور، امسك بمفتاح سيارته و سترة البدلة يرتديها علي عجل وذهب ليمنع تلك الحمقاء من الكارثة التي علي وشك الحدوث.
❈-❈-❈
يتسابق مع الزمان و المكان مزدحم بالسيارات و المارة، يريد اللحاق بها قبل أن تفعلها، قام بمخالفة كل الإشارات المرورية و لم يكترث إلي الردارات التي ترصد سيارته و تسجل كل مخالفة يفعلها، لا تهمه العواقب قدر اهتمامه، فيجب عليه الوصول في أسرع وقت.
و ها هي و بعد صراع مع قلبها وصوت ضميرها الذي تأبي سماعه، تتمدد علي سرير عمليات الولادة، تشاهد الطبيبة و برفقتها سيدة تحل محل الممرضة، تحضر أدوات طبية من مبضع الجراحة و مقصات مختلفة الأحجام و خيط طبي، هذا المنظر المريب و المخيف يكفي لجعل الدماء تهرب من الوريد ويكاد القلب يتوقف عن الخفق، تغمض عينيها، تكاد تبكي بل وسيطر الآن عليها الشعور بالندم،
أفزعها صوت الطبيبة
"جاهزة يا مدام دنيا؟"
و كانت الطبيبة تمسك بالإبرة الممتلئة بالمادة المخدرة، ألتقطت قطنة غمرتها في المعقم و قامت بمسح رسغ دنيا التي ارتعشت بخوف لامسته الأخرى و أحست به
"بلاش توتر وخوف، ضغطك هايرتفع و ده مش في صالحك"
نظرت إلي الطبيبة تارة و تارة أخرى تنظر نحو الباب، منفذ الهروب الوحيد من قرارها الظالم، امسكت الأخرى يدها و تستعد لغرز إبرة المخدر بها، انتفضت دنيا
وهيهات قلبها توقف عن النبض عندما فتح الباب علي مصراعيه بصوت هادر يناديها
"دنيا"
وقعت الإبرة من يد الطبيبة التي تسمرت في مكانها و كذلك المساعدة التي وقع ما بيدها من الفزع و هول الموقف، ورؤية هذا الوحش الكاسر و عينيه تلمع بغضب يحرق الأخضر و اليابس!
❈-❈-❈
دخان كثيف منتشر في أرجاء غرفة المكتب داخل القصر، ذلك الدخان ناتج عن إحتراق لفافة التبغ العاشرة و ربما العدد أكثر من ذلك، فكلما يصبح في حالة مزاجية سيئة يلجأ إلي التدخين بشراهة، تلك الوسيلة ينفث من خلالها غضبه بدلاً من الاستسلام إلي أفكاره السوداء، هو يحبها بل و يعشقها لايريد إيذائها كسابق عهده في أول عام من الزواج، تلك البلهاء العنيدة لا تعلم حقاً قيمتها و مكانتها داخل قلبه و عقله، يعشقها حد الجنون، متيم بها و هائم في بحور عشقها، و يالها من عنيدة مدللة، ضمنت حبه و كيف هو أصبح يتحلي بالصبر نقيض ما كان عليه في السابق، فمن أجل عينيها يفعل المستحيل، و لما لا؟!، فهي صبا القلب والروح.
دق الباب ثم فتحت أحد الخادمات لتخبره
"عابد بيه جه بره و عايز يقابل حضرتك"
انتهي من تدخين اللفافة التي بيده ثم أطفأ بقاياها داخل المطفأة الكريستالية، ذهب ليستقبل والد زوجته الذي كان ينتظره في البهو وكأن شيئًا لم يحدث منذ قليل، مبتسمًا ابتسامة رسمتها الاحترافية لا العاطفة، وهو يعلم جيدًا سبب هذه الزيارة، حينما عانق حماه بترحاب
"أهلاً وسهلاً عابد بيه"
بادله الأخر العناق بحرارة، لكن بعين الأب التي تحمل عتابًا دفينًا
"اسمها بابا عابد، ولاّ أنت مش معتبرني زي والدك الله يرحمه؟"
ابتسم قصي بتلك الابتسامة التي تخفي وراءها طبقات من المشاعر المتداخلة، ورد سريعًا يشوبه القليل من المزاح
"طبعًا حضرتك زي والدي، بس أنا مش عايز أكبرك"
ضحك حماه ورد ممازحًا
"مين ده اللي كبر؟!، أنتم اللي كبرتوا وعجزتوا"
اجاب الأخر بمزاح ساخر
"معلش بقى يا عمي، كل سن ليه أحكامه، تعالَ اتفضل نقعد في المكتب"
دخل الاثنان غرفة المكتب، حيث جلس عابد براحة على الكرسي الجلدي الفخم، مستندًا بذراعيه على مسندي الكرسي. أخذ يتأمل محتويات الغرفة بدقة، ثم علّق بنبرة مليئة بالحنين
"نفس ديكور مكتبك اللي كان في قصر رسلان العزازي، نفس الأثاث، حتى المكتب"
كان الأخر يقف عند بار صغير يحضر فنجانين من القهوة بماكينة الإسبريسو الخاصة به، وأجاب مبتسمًا
"الله يرحمه، كان ذوقه متفرد وكأنه ملك من العصور الوسطى، طبع جوايا نفس الذوق وحب كل ما هو متميز وفريد"
مدّ عابد يده إلى صندوق خشبي على الطاولة أمامه وفتحه ليكشف عن لوح شطرنج فاخر.
بدأ يرص القطع بعناية، ثم قال دون أن يرفع عينيه عن اللوح بنبرة ذات مغزى مقصود
"وعلمك كمان إن القسوة عمرها ما تجيب نتيجة غير إنها تولّد الجفا في القلوب"
وضع الأخر صينية القهوة أمام حماه وقال بثقة مشوبة بالهدوء
"اطمّن يا عمي، مفيش حد بيقسى على اللي بيحبهم إلا لو كان خايف عليهم"
أمسك حماه بقطعة شطرنج، ووضعها بحركة مدروسة على اللوح، ثم قال وهو يختبر رد فعل صهره
"تفتكر لما قلت لك ليلة فرحكم إني مطمن عليها معاك، ليه أنا قولت كده؟"
ابتسم صهره بخفة، وأمسك قطعة شطرنج ليعترض طريق القطعة التي وضعها حماه، ثم قال بنبرة واثقة
"عشان كنت عارف إني بحبها وعمري ما هأذيها"
حرك عابد قطعة أخرى ثم عقب قائلاً
"و عرفت إنه حصل ما بينكم حوارات كتير لا داعي لذكرها لأن في الأول و الأخر دي خصوصيات و ما ينفعش اتدخل ما بين راجل و مراته اللي هي بنتي"
ترك الأخر القطعة التي كان يمسك بها، واستند بظهره إلى الكرسي، ثم قال بلهجة فيها رسائل خفية
"وأنا مقدّر موقفك يا عمي، ومهما حصل أو هيحصل بيني وبين صبا، هايكون بيني وبينها بس، وأقولها لك تاني، اللي بيحب حد عمره ما بيقسى إلا لو خايف عليه"
ارتشف حماه قهوته قليلًا ونهض بابتسامة مرهقة
"أتمني ما يجيش اليوم اللي هضطر اتدخل فيه، و بعدين أنت اكتر واحد حافظ بنتي و فاهمها كويس، عمرها ما بتيجي بالشدة و القسوة، خد بالك منها"
هزّ صهره رأسه يطمأنه
"ما تقلقش يا عمي"
عند الباب، وضع حماه يده على كتفه وقال بنبرة مفعمة بالجدية
"أسيبك تطلع تطيب خاطرها بكلمتين حلوين، مش عايز أسمع عنكم إلا كل خير"
رد قصي مبتسمًا
"بإذن الله، حضرتك مش عايز تقعد معانا تقضي اليوم؟"
ضحك حماه د بخفة وربّت على ذراعه
"هجيلكم في يوم تاني إن شاء الله ومعايا جيهان، نقضي معاكم الويك إند"
رد الأخر وهو يودعه عند السيارة
"بيتكم يا عمي تنوروا في أي وقت"
و بعد ذهاب حماه عاد إلى الداخل، يخطو خطوات ثابتة، رغم النار التي تشتعل في صدره.
آخر ما توقعه أن تجرؤ صبا على الحديث مع والدها عمّا جرى بينهما.
وقف أمام باب غرفة النوم، ودعا الله أن يلهمه الصبر، ثم دخل.
و قد انتفضت حينما رأته يدخل فجأة، وقفت متوجسة، لكنها لم تكن تتوقع ما سمعته:
"كلمة واحدة، ومش هعيدها، أقسم بالله لو الحركة اللي عملتيها دي اتكررت، هتكون النهاية بيني وبينك"
تركها وذهب إلى غرفة الملابس ليبدّل ملابسه، لحقت به، ووقفت عند المدخل تقول بتحدٍّ متألمة من تهديده الذي تكرر للمرة الثانية اليوم
"أنت السبب! نسيت اللي قلته لي تحت؟"
أشار بسبابته أمام شفتيه، كأنما يأمرها بالصمت، وقال بصرامة
"مش عايز أسمع أي كلمة، اللي أقولك عليه يتنفذ من غير نقاش"
كان قد ارتدى ثيابًا أنيقة، ثم أكمل بتهكم
"واضح إني كنت غلطان لما كنت بهاودك و اعدي الأمور بمزاجي، و نسيت إنك ما بتيجيش غير بالطريقة التانية، استعدي بقى واستحملي لأن قصي القديم رجع"
ارتدى سترته، ثم وضع يديه على كتفيها وقال بلهجة آمرة
"لما أرجع بالليل، ألاقيكِ جاهزة لجوزك حبيبك"
غمز بعينه وربّت على كتفها بعنف خفيف، ثم تركها واقفة في حالة من الصدمة والندم.
❈-❈-❈
يقود السيارة و لم يرى أمامه الطريق سوي حمم بركانية و جمرات مشتعلة بنيران كالمندلعة داخله، ود أن يمسك برأس هذه الجالسه جواره و يحطمها، يخشي عليها من نفسه، بل يخاف عليها من شيطانه الأعمى.
كان الحال لديها خليط من المشاعر، خوف و رعب يشوبه راحة، الراحة بعدم فقد ما تحمله داخل أحشائها، اغمضت عينيها وحينما سمعت صوته ويتحدث في هاتفه
"أرجع أنت علي الشركة"
أنهي المكالمة وألقي هاتفه بعنف خلف عجلة القيادة، نظرت إليه و ليتها ما نظرت، يكفيها نظرة من طرف عينيه ارتعدت منها أوصالها، ابتلعت ريقها لاسيما عندما نظرت أمامها فوجدت الطريق الصحراوي، طريق يخلو من معالم الحياة، صحراء علي اليمين و علي الجهة الأخرى أيضاً، هنا شعرت بالرعب، سألته بحذر
"أنا عارفة ماليش حق أنطق بحرف بس ممكن تقولي إحنا رايحين فين؟"
ألتزم الصمت و لم يهتم لها و لو بنظرة واحدة، فعادت تستند ظهرها مسند الظهر للمقعد، لحظات و اهتز جسدها بفعل توقف السيارة بعد أن ضغط علي المكابح فجأة، فتح السيارة وهبط منها، ذهب في خطى سريعة و فتح الباب بعنف حتي كاد يخلع في يده
"انزلي"
تراجعت بخوف وتهز رأسها بالرفض و الخوف يملئ عينيها، لم يكترث لكل هذا و علي حين غرة جذبها بقوة من ذراعها ، شعرت بألم في مفصل المرفق وكأنه كاد ينخلع كما انخلع قلبها من الذعر.
وقف أمامها يضع يديه علي جانبي خصره، يحدق نحوها دون شفقة، يجز علي شفته السفلي، يتذكر كل ما أخبره به الحارس المراقب لها.
"أقسم بالله ما كنت هنزله و...
رفع يده لتتوقف عن الحديث
"بلاش تحلفي كذب عشان ما تسقطيش من نظري أكتر من كده، ده أنا لو كنت أتأخرت عشر دقايق كان زمان العملية خلصت"
كلماته كالرصاص الذي يقتلها بدم بارد
"أنا عمري ما حلفت كذب، و أنت عارف طبعي، اه صح نسيت هاتعرف طبعي إزاي وأنا مكنتش في دماغك أصلاً من وقت ما اتجوزنا"
"مش عايز تبرير و لا حجج فارغة"
صاح بها مما افزعها اكثر و كادت تهرب من أمامه، أسرع في إمساك يدها
"ما تتحركيش من مكانك"
دفعها نحو سيارته فاصطدم جسدها بعنف، اكمل بوتيرة صياحه الهادر
"عايزه تهربي مني؟!، زي ما عينيكي شايفة مفيش غير صحرا و لو عديتي الصحرا هاجيبك في الأخر"
لم تستطع الاحتمال أكثر من ذلك فاطلقت صراخاتها بل ما يحمله صدرها من كلمات حبيسة فافرجت عنها
"أيوه ههرب و هابعد عنك، لأن ما بقتش قادرة استحمل أعيش في ذل و إهانة و مع واحد عمره ما حبني، واحد كنت مجرد ليه أم لعياله مش أكتر من كده"
تبدلت تعابير وجهه من الغضب إلي ابتسامة ساخرة
"إيه هتخلعيني مثلاً؟"
جحظت عينيها من الصدمة فادركت أنه علم بأمر المحامي، سألته من خلف دموعها التي كونت غشاوة علي عينيها وتأبى نزولها
"أنت معين عليا جواسيس يمشوا ورايا يا كنان؟"
اقترب ببضع خطوات منها واخبرها بفخر و تباهي
"معلش بقي يا أم قصي، جوزك صاحب أكبر شركة أمن و حراسة في مصر، يعني يرضيكي نأمن الغريب و نحرسه وأسيب مراتي أم ولادي من غير أمن أو حراسة، ده حتي تبقي عيبة في حقي"
"و ده من أمتي؟"
"من وقت الليلة الجميلة اللي قضنيها مع بعض و طلبتي مني مبلغ يأمنك ويوقفك علي رجلك عشان تقدري تروحي تقومي محامي و تخلعيني، لكن حساباتك باظت لما حصل حمل، الحمل اللي روحتي تنزليه قال يعني لو نزل مفيش بيني و بينك تلات ولاد"
وضع يديه علي كتفيها و مازال مبتسماً بسخرية فقابلته بنظره بغض و كراهية، بينما هو اسطرد
"أنا هاحقق لك طلبك من غير محامي و لا محاكم بس علي شرط"
اقترب من أذنها، يريد عقابها بأشد طلب يعلم من المستحيل أن توافق عليه، لذا اخبرها
"تسيبي ولادك وتنسيهم خالص"
ابعدت يديه من فوق كتفيها
"ده في أحلامك، و ولادي عمري ما هفارقهم غير في حالة واحدة لما أموت يا كنان"
جن جنونه، بدل من أن تبكي ندماً علي فعلتها و ترجوه أن يسامحها فها هي تقف أمامه بتحدى سافر، و تتظاهر بالقوة وهو يري في عينيها حالة من الضعف لم يراها من قبل، لكن عندما تذكر أمر المحامي و الطبيبة و ظنت أنه غافل عن ما يحدث، عاد إلي غضبه الضاري، لم يشعر بحاله وهو يسحب من خلف ظهره سلاحه، قام بشد أجزائه و صوبه نحوها
"إيه؟، خوفتي؟"
اقترب منها ولم تتوقع منه هذا الجنون و الهراء، هل حقاً يريد قتلها!
وضع فوهة السلاح علي رأسها و ابتسم بسخرية ويري الخوف واضحاً في عينيها و تلاشت تلك القوة الزائفة
"إحساسك إيه وأنتي بين إيديا و برصاصة واحدة أخلص عليكي"
رفعت وجهها لتتقابل سهام الأعين، و يرى مدي القهر الذي تشعر به منذ سنوات وهي تخبره
"هو نفس إحساسي من أول يوم جواز، كنت كل يوم تموتني بنظراتك البارده، تجاهلك ليا كان بيدبحني، كل ما كنت أحس أني مجرد سد خانة و كنت بتتخيلني مراتك الأولي اللي مش قادر تنساها مهما أنكرت وأوهمت نفسك، بحس أنك جايب حبل مشنقة و عمال تلفه حوالين رقبتي وبتخنقني بالبطىء"
شهقة خرجت من حلقها ها دموعها التي سقطت رغماً عنها و بغزارة، ترجوه ببكاء مرير
"اقتلني، اقتلني لأن ما بقتش استحمل و لا قادرة اسامحك، عارف، لو فضلت معاك هاموت من القهر و لو بعدت عنك هاموت برضه، في كل الحالات أنا ميتة، ارحمني و خلصني من العذاب اللي أنا فيه، اقتلني يا كنان"
اطلقت دموعها وصوت نحيب بكائها للعنان، ارتجف جسده من هول ما يرى، فهو من أوصلها إلي تلك الحالة المزرية، اسقط السلاح علي الرمال و جذبها بين ذراعيه، يعانقها بقوة، لم يمتلك اعصابه فشاركها البكاء أيضاً، فهي تبكي إلي حد الإحتراق حتي شعر بدموعها اخترقت نسيج قميصه و لامست صدره، يشعر بالوجع والألم والندم الشديد، أدرك كم كان حقيراً ووغداً ليجعلها تصل إلي هذا النحو.
أخذ يربت عليها بعد أن كف عن البكاء حتي هدأت هي أيضاً واكتفت من البكاء واصيبت برجفة تصاحبها شهقة كل حين و الآخر.
اخرج من جيبه محرمة، يمسح خديها من الدموع، تنظر له و يحدق صوب العينين التي يستعد أن يقدم عمره فداء لها.
ظل كليهما في هذا الهدوء و تبادل النظرات في صمت، اقترب بشفتيه نحو جبهتها و ترك قبلة استغرقت ثوان ثم ابتعد قليلاً ليخبرها
"أنا عمري ما أحرمك من ولادنا، و أوعدك عمري ما هوصلك للحالة اللي أنتي وصلتيلها دي تاني"
عانقها بقوة، و عناق أقرب للوداع، قام بتقبيل خدها ثم أخذ يقبل كل أنش في وجهها، تغمض عينيها لتشعر بتلك اللحظات متناسية كل ما حدث اليوم بل كل ما حدث منذ سنين، مازالت تغمض عينيها تستمتع بلمسات شفتيه علي وجهها، ختم تلك القبلات المتناثرة بقبلة اقتنص خلالها شفتيها بقوة وكأنه يريد الاحتفاظ بهذه اللحظة و تُحفر في ذاكرته مهما طال الزمان.
ترك شفتيها ليلتقط أنفاسه و هي أيضاً، توقفت عن التنفس فجأة وهو يخبرها
"أنا بحبك أوي، أنتي طالق"
كانت تغفو في سريرها، تتقلب بين أحضان الكوابيس، تهذي بكلمات مبعثرة لا رابط لها.
فجأة، جاءها صوت طرقات الباب ليقطع حلمها المرعب ويعيدها إلى واقعها البائس.
فتحت عينيها بتثاقل، واحتاجت للحظات قليلة لتدرك أين هي وتسترجع أحداث الليلة الماضية، ألقت نظرة على الساعة المعلقة على الحائط، بينما استمر صوت الطرق يتزايد بإلحاح ورافقه صوت أنثوي تذكرت صاحبته التي تنادي
"علا، يا علا"
قامت بتثاقل وفتحت الباب، لتجد انتصار، مدبرة المنزل، كانت واقفة أمامها تحمل على ذراعيها بعض الملابس المطوية.
لمحت علا الجدية في ملامح وجهها فسألتها بقلق
"حمزة صحي؟"
ردت الأخرى بجمود
"صحى من بدري، والناني فطرته وقاعدة معاه في الجنينة، أنا جاية أديلك اليونيفورم اللي هتلبسيه"
ألقت الملابس بين يديها ببرود، مما جعل الأخيرة تسأل بذهول
"يونيفورم؟"
ابتسمت الأخرى ابتسامة ساخرة وأجابت "أحمد بيه اللي وصانا عليه ليكي مخصوص، خدي بالك، شيري هانم بتحب الانضباط في الشغل والمواعيد جدًا، آه، واعملي حسابك، من بكرة هتصحي من الساعة ستة الصبح، نظام الخدمة عندنا كدا"
شعرت علا أن كلمات انتصار كجليد يتساقط بقوة فوق رأسها، متوالية في قسوتها وبرودها.
وبينما كانت لا تزال تحاول استيعاب ما يحدث، أكملت انتصار
"عشر دقايق تكوني جاهزة وتحصّليني على المطبخ عندنا ضيفة زمانها علي وصول"
وفي مكان آخر من الفيلا، تجلس شيري في قاعة الصالون الفاخرة، تقرأ كتابًا وتعلو وجهها ابتسامة راضية.
بدت وكأنها تتلذذ بما يحدث لعلا، كأن هذه الأخيرة قدمت لها فرصة ثمينة على طبق من ذهب لتنفيذ مخططاتها.
اقتربت منها انتصار وهمست في أذنها كلمات خفية.
لم تلبث الأخرى أن أومأت برأسها بارتياح، قائلة
"برافو يا انتصار، ولسه ياما هتشوف، اللي زيها لازم تعرف مكانها كويس، حتى لو كانت أم حفيدي أو مرات ابني، في الآخر، هي مجرد خدامة"
قاطعت كلماتها خطوات ابنها الذي نزل من الطابق العلوي وسأل باستغراب
"مين دي يا شيري هانم؟"
نظرت إليه انتصار بتوتر، ثم استأذنت "عن إذنك يا شيري هانم، هروح أخليهم يحضروا السفرة"
انسحبت سريعًا، تاركة أحمد ينظر نحو والدته في محاولة لفهم ما يجري، أجابته والدته بابتسامة ماكرة
"نسيت أقولك، في ضيفة معزومة عندنا على الغداء، زمانها جاية"
لم يمر وقت طويل حتى اخترق صوت أنثوي مائع الأجواء
"هاي"
نهضت شيري بلهفة لاستقبال ضيفتها، قائلة بحفاوة مبالغ فيها
"أهلًا أهلاً يا دودو"
لم يتفاجأ أحمد كثيرًا، إذ أدرك على الفور أن والدته تريد اختبار ما حدث بينه وبين علا، أرادت أن تتأكد أنه قطع معها كل أحبال الوصال، وأحضرت دودو، المرأة الوحيدة التي تعرف تمامًا كيف تقهر علا.
اقتربت هذه المدللة منه ومدت يدها قائلة بدلال مفرط
"هاي ميدو!،لاقيتك ما بتردش عليّ؟، قولت طيب أجيلك بنفسي!، I miss you too"
لم تكتفِ بالمصافحة، بل سارعت بمعانقته دون أن تنتظر رده، و في تلك اللحظة، ظهرت علا حاملة صينية يعلوها كؤوس العصير.
توقفت قدماها عن السير عند رؤية ذاك المشهد أمامها، وسرعان ما أفلتت الصينية من يديها، لتسقط الكؤوس وتتناثر شظاياها على الأرض.
استدارت شيري نحوها بغضب وصاحت "إيه اللي هببتيه ده؟!"
كانت علا واقفة كأن الزمن توقف بها، تحدق صوب أحمد الذي أبعد ذراعي دودو عنه، نظراتها تحمل اتهامات عديدة، بينما كانت نظراته، تحمل ألف معنى، موجهة لعلا وحدها خاصة بعد ملاحظته لما ترتديه من ثياب العمل الرسمية، و هي قميص ابيض من الأعلي و بنطال اسود، محتفظة بالوشاح الأبيض يخفي أسفله شعرها.
"اتفضلي روحي هاتي حاجة ولمي اللي وقعتيه وامسحي مكانه"
كان صياح شيري بصوت صارم، أفاق عليه كلا من ابنها و زوجته التي انتظرت دفاعًا منه كعادته، لكنها صُدمت بصمته.
لم تنبس شفتاه بحرف، وكأنه يوافق على كل ما يحدث، بلعت ريقها وهي تشعر بمرارة الإهانة، وردت بصوت مبحوح "أمرك يا طنط"
قاطعتها حماتها بحدة
" اسمي شيري هانم، زي ما زمايلك الشغالين بينادوني"
ابتلعت علا كلماتها المُرة، ولملمت ما تبقى من كبريائها المنكسر قبل أن تسرع بالذهاب من أمامهم.
لم تتجه نحو المطبخ، بل هرولت إلى الغرفة التي أصبحت مأواها الجديد، أغلقت الباب خلفها وجلست تبكي بحرقة. لم تكن تتخيل يومًا أن أحمد سيخذلها بهذه الطريقة، بدلًا من الدفاع عنها كما فعل سابقًا، وقف يتفرج على إهانة والدته لها دون أن ينبس ببنت شفة.
لم يمضِ وقت طويل حتى فُتح باب الغرفة.
رفعت رأسها لتجده هو ذاته واقفًا أمامها، لن توجد ذرة من الندم علي ملامحه، بل على وجهه ابتسامة تحمل كل معاني الشماتة.
بصوت منكسر، صاحت
"إنت إيه اللي جابك؟ جاي عشان تشمت؟ ولا عشان تكمل إهانتك أنت والست الوالدة؟"
تمنت داخليًا، ولو بنسبة ضئيلة، أن يكون جاء ليعتذر أو ليخفف عنها.
لكن ابتسامته كانت كفيلة بأن تخبرها أنه لا يحمل سوى المزيد من الإهانة، أجابها ساخرًا
"ليه يا مراتي يا حبيبتي بتقولي كده؟ مش إنتِ اللي قولتيلي تفضّلي تنامي في أوضة الشغالين بدل ما تجمعك أوضة بيا؟ أنا مالي؟ إنتِ اللي اخترتي!، و أنا مابحبش أجبرك علي حاجة، خصوصاً لما لاقيتك حنيتي لشغلك القديم، مش كنتي برضو قولتيلي هتنزلي تشتغلي حتي لو هترجعي خدامة؟، بيت ابنك و جوزك و حماتك أولى بيكي، و لا رجعتي في كلامك؟!"
تسمعه اذنيها و يكذبه فؤادها، كيف تحول في يوم و ليلة من عاشق متيم إلي جلاد و قاسي، يستلذ برؤية الألم في عينيها، اجابت بصعوبة من بين شفتيها
"أنا لسه عند كلامي، ما رجعتش فيه، هتحمل أي حاجة عشان ابني، حتى لو البعد عنك نار و قربي منك هو النعيم، هختار البُعد برضه"
اصابت كلماتها للمرة المائة قلبه، و داخله اعلن إنها قد انتصرت عليه مرة أخرى في وجعه و ألمه، حتي في حالة انكسارها مازالت قوية وذات كبرياء لا ينحني.
رد عليها بكل ما أتى في المعجم من مفردات القسوة و الجبروت
"و أنا اوعدك يا علا مش هاسيبك في حالك غير و انتي جيالي راكعة تطلبي إن ارحمك من اللي هاتشوفيه علي إيديا"
ردت بشموخ انثي مجروحة
" عشم إبليس في الجنة يا ابن شيريهان"
لا تنكر داخلها إنها تري الآن في عينيه لهيب إذا طالها لن يتركها سوي رمادًا منثورًا، يكفي سماعها لصوت طقطقة عظام فكه و اصتكاك اسنانه، قبضتيه اللتان علي استعداد تكسير رأسها اليابس و انفها المرفوعة إلي أعلى بشموخ كلما تقف أمامه بكل تحدٍي سافر.
و لكي يفرغ و لو قليلاً من طاقة غضبه القاتل، أمسك كوب الماء الفارغ وقذفه علي المرآة مما سبب لها الذعر و الخوف بل و الابتعاد من أمامه، رمقها بنظرة من الجحيم ثم تركها تنعي حظها العسير الذي جعلها قد وقعت بين براثن أشواك دربه!
❈-❈-❈
عندما استبد الغضب به أخذ يطرق الباب بعنفٍ كأنما ينوي اقتلاع المفاصل الحديدية التي تربطه بإطار الغرفة، علا صوته صاخبًا كالرعد
"افتحي الباب يا شيماء، افتحيه قبل ما أكسره فوق دماغك!"
من داخل الغرفة، جاء ردّها صارخًا مليئًا بالحنق والتحدى
"مش فاتحه! ومالك مسعور على الموبايل كده؟ تكونش عامل مصيبة وخايف أكتشفها؟! لتكون بتلعب بديلك مع السافلة الرخيصة اللي ساكنة جنبنا!، يا خاين يا غشاش، يا بتاع روميساء!"
صفع جبهته بكفه في محاولة يائسة لإيقاف دوامة الانكشاف التي أطاحت بأسراره.
لقد وقعت الكارثة، وانكشف أمره أمام زوجته التي كانت دائمًا تراقب كل صغيرة وكبيرة، أخذت شيماء من خلف الباب تصبّ جام غضبها على الجارة الحسناء التي لم تكفّ عن التودد لطه، حتى صارت كالأفعى تتربص بالفريسة.
توقفت أخيرًا بعد أن أصابها الإجهاد، فسألها ساخرًا بعد دقائق من السباب الذي كاد يثقب أذنيه
"خلصتي وصلـة الردح؟"
ردّت، دون أن تترك له مساحةً للحديث
ــ "ده لسه ولسه! والله لأفضحها في كل حتة! هنزل بوست طويل عريض على الفيس بوك والإنستغراب والتوك توك!"
كتم ضحكته على خطأها اللفظي، وردّ بتهكم
"إنستجرام وتيك توك، يا جاهلة، وإياكِ تعملي الهبل ده أحسن لك!"
فأجابته بغيظٍ واضح
"جاهلة أحسن ما أكون خاينة زيك، ولا واحدة بتلف على الرجالة المتجوزين، فاكرني هخاف منك؟ طب هقولك إيه، مش هديك الموبايل، عندك حيطان الشقة، اخبط رأسك في أكبر واحدة فيها!"
احمرّ وجهه غضبًا، وضرب بقبضته على الباب
"بقي كده يا شيماء! خديه واشبعي بيه! أنا هسيبلك البيت ومش هتشوفي وشي تاني"
ردّت بلا مبالاة متعمدة
"روح يا أخويا! بس ما تنساش تقفل الباب وراك عشان ما يدخلش دبان من اللي ملموم على الزبالة اللي ساكنة جنبنا"
سمعت صوت الباب يُغلق بعنف، فاهتزت نوافذ المنزل وتبعه صمتٌ ثقيل، نادت من الداخل بصوتٍ يائس
"يا طه! يا طه! أنت طفشت؟ أومال هفش غلي في مين دلوقتي؟"
انتظرت طويلًا، حتى شعرت بمللٍ شديد وحاجة مُلحّة لدخول الحمام، فتحت الباب بخطى مسرعة، لكن فجأة، شعرت بيدٍ تشدها بقوة من قفاها، صرخت
"يا نهار أسود! أنت عاملي كمين؟!"
نظر إليها بسخرية
"سمّعيني كده، كنتِ بتبرطمي جوه وبتقولي إيه؟!"
ترجته بلهجةٍ متوسلة
"سيبني الأول أروح الحمام زي بقية الناس"
ابتسم ابتسامة ساخرة
"أنا عايزك تعمليها على نفسك عشان تتعلمي الأدب!"
صرخت بتذمر
"مش لما انت تحترمني الأول؟! بتخوني مع أم أفخاد اللي عايزة الحرق؟!"
ردّ بنبرة جادة
"والله ما بخونك! الحكاية وما فيها كنت بشوف حد بيتهجم عليها في شقتها مش من الرجولة أسيبها وأمشي"
ضحكت بسخرية
"وأنت والشهاده لله، منبع الشهامة والرجولة، باتمان زمانك و أوانك"
زجرها بنظرةٍ نارية، فصاحت بتوسل
"خلاص! ما تبصليش كده! ما أنت اللي بتحرق دمي بعمايلك السودة، بتخليني اخرج عن شعوري و أنا ست مؤدبة و في حالي"
جز باسنانه علي شفته السفلي من فرط الغيظ
" اعمل فيكي ايه يا شيخة، ادعي عليكي بس ما تهونيش عليا و عشان خاطر ولادنا الغلابة اللي محتاجين وجودك معاهم، اتجوز عليكي و اقهرك؟! "
اتسعت عينيها و سرعان ما تراخت جفونها حينما أكمل
"اتجوز إيه بس و أنتي كرهتيني في صنف الحريم كلهم"
اشاحت وجهها جانباً لاخفاء ابتسامتها لانتصارها عليه واوصلته لما تريد، عادت تنظر إليه مرة أخرى
"ركز معايا أنت و بس و هخليك ترجع تحب الصنف، قصدي الحريم، يووه قصدي تحبني أنا و بس"
تركها من قبضته و ذهب ليجلس على أقرب كرسي، وأخذ نفسًا عميقًا، قائلًا بلهجة مليئة بالمرارة
"عايزاني ارجع معاكي زي الأول ازاي و أنتي مخلياني أخر اهتمامتك، اتحايلت عليكي اجيبلك اللي يشيل عنك شغل البيت رفضتي، اديتلك الفيزا و قولتلك اشتري و اتدلعي وروحي بيوتي سنتر، روحتي اخترعتيلي من دماغك صبغة خلت شعرك شبه سلك المواعين المولعين فيه بالنار"
رمقته بصدمة، فاكمل
"ما تبصليش كده، أيوه انا تعبت من عمايلك اللي كلها من دماغك و تفكيرك اللي هيوديكي لسكة مقفولة ما بينا، انتي اللي هتجبريني أبص بره غصب عني"
صرخت بانفعال
"يعني ده مبرر لخيانة؟!"
وضعت يديها علي جانبي خصرها
"اه، قولتلي بقي الحجة و لا الشماعة اللي هتبرر لنفسك بيها خيانتك"
صاح بانكار
"برضه هتقوليلي خيانة!"
ردت باصرار مؤكد
"ايوه خيانة، رقمها بيعمل ايه عندك و عمال تبعتلها و تبعتلك رسايل، ده أنا ياللي اسمي مراتك بتشوف رسايلي و ما بتردش، لكن هي لو بعتتلك ايموشن ترده لها عشرة، خيانة دي و لا مش خيانة يا ابن الشيخ سالم"
تريث قليلاً قبل أن يجيب و شعر بالندم، فهي علي حق، مهما كانت الأسباب لديه.
اقترب منها و قام بتقبيل رأسها
"حقك عليا ما تزعليش"
نظرت بعيدًا، لكنه أمسك بذقنها بلطف، و
اخبرها بصدق رأته داخل عينيه
"والله بحبك، ولو مليون واحدة زي روميساء مش هيملوا عيني زيك"
رفعت زاوية فمها بتهكم
"فاكرني هبلة و عبيطة اصدق الكلمتين اللي بتضحك بيهم عليا دول؟!"
جز علي فكه بحنق و حاول مرة أخرى بصدق
" أنتي و لا هبلة و لا عبيطة، انتي اطيب قلب و ست الحلويين"
رمقته بعينين نصف مغلقة
"لو عايزني أصدقك بجد تعمل حالًا بلوك لوحل البرك اللي اسمها روميساء، ولو لمحتها في أي مكان تغض بصرك، لو لاقيتها ماشية في الشارع لف أنت من الشارع التاني، و لو لاقيتها بتولع أو بتفرفر و بتطلع في الروح إياك تبص حتي عليها"
هز رأسه بطاعة ربما تكون صادقة
"حاضر يا حبيبتي"
"يحضرلك الخير يا أخويا"
نهض وامسك يديها، جذبها إلي صدره قائلاً
"جري إيه يا شوشو، بقولك يا حبيبتي، تقوليلي يا أخويا؟!، أخوكي إزاي طيب، أومال الواد سالم ابننا ده جه منين!"
تلفت من حوله و سألها
"هم العيال فين؟"
أدركت مراده و رمقته بدلال و اجابت
"أختك كلمتني عشان هتاخدهم النادي مع ابنها، وخدتهم من الصبح و مش هايرجعوا غير علي العشا"
هلت السعادة علي محياه، لكزها في ذراعها
"مش كنتي تقولي من الصبح، يلا قومي حضري لنا قعدة من بتوع أول الجواز، وأنتي بقي فاهمة الباقي"
اطلقت ضحكة
"عينيا يا سي طه"
ذهبت بالفعل لتنفذ ما يريده، و كالبلهاء قد نست ما حدث!
❈-❈-❈
في غرفة خافتة الإضاءة، كانت رودينا تجلس إلى جوار الصغيرة ياسمينا، تمسك بيدها قطعة قماش قطنية مبللة، تعصرها برفق فوق طبق صغير، ثم تضعها على جبين الطفلة التي تهذي بصوت خافت، بالكاد مسموع، وهي تردد بضع كلمات متقطعة
"ماما... ماما تعالي... ماما"
نظرت إليها الأخرى بحزن غامر يعكس زوبعة مشاعرها، وكأنها تشعر بالعجز أمام هذا المشهد المؤلم.
عيناها تلمعان بتأثر وهي تراقب الصغيرة، لم تلحظ للحظة أن هناك شخصاً يقف عند باب الغرفة، كان ياسين الذي كان يطمئن على ابنته المريضة.
حيث ذهب مسرعاً بمجرد أن تلقى مكالمة من شقيقته تخبره أن ابنته في حالة سيئة، تبكي وتصرخ تريد والدتها، وهي عاجزة عن تهدئتها.
لم يتردد لحظة؛ ذهب إلي شقيقته وحمل ابنته فوراً، استدعى الطبيب في منزله وقال له بلهجة صارمة ومباشرة
"البنت عندها التهاب حاد في الحلق، وحالتها النفسية متدهورة. يمكن تحتاجوا لمساعدة أخصائي نفسي"
و بعد انتهاء الفحص ذهب الطبيب، و منذ تلك اللحظة، تولت رودينا الاهتمام بالصغيرة، لم تكن تنتظر طلباً منه إن تقوم بذلك.
جلست بجانب ابنته، تعتني بها كأنها طفلتها.
حينما توقفت الصغيرة عن الهذيان وغطت في نوم عميق، زفرت رودينا براحة، وضعت كفها على خد الطفلة بحنو، تمتمت بشكر الرحمن
"الحمد لله، الحرارة نزلت"
أزاحت قطعة القماش عن جبينها، وأخذت منشفة قطنية، تمسح وجهها بلطف.
و قبل أن تنهض، انحنت وقبّلت رأسها بحب، ثم قامت متجهة نحو الباب، تحمل الطبق في يدها.
لكن ما إن استدارت حتى تفاجأت به أمامها، واقفاً، يراقبها بصمت.
شعرت بالارتباك، وتجنبت النظر في عينيه.
حاولت المرور من جواره، لكنه أمسك بذراعها بلطف، نظر إليها نظرة ممتنة، وقال بصوت منخفض
"شكراً"
رفعت عينيها نحوه ببطء، عتابها واضح، قالت بصوت يحمل شجنًا دفينًا
"مفيش داعي للشكر، ياسمينا زي بنتي"
ظل يحدق بها، عاجزاً عن النطق، كأن كلماته تأبى الخروج.
أشارت بيدها نحو يده التي تمسك بذراعها، فتحرّج وأفلتها فوراً.
مضت في طريقها، بينما عاد هو إلى ابنته. جلس بجانبها، أمسك بيدها الصغيرة، وضعها على خده، وقبّلها برفق، ثم أخبرها بقلب ملتاع
"أنا آسف يا ياسمينا، عارف إنها وحشاكي ومحتاجاها، زي ما هي وحشاني أنا كمان، هي سابتنا، راحت مكان أحسن، بس أنا حاسس بيها، بروحها حوالينا، لسه بتحضني كل ما أنام، ولسه عايشة معايا في أحلامي زي ما كانت عايشة معايا في الحقيقة"
تنهد بعمق، تمدد بجوارها على السرير، مغمض العينين، يحتضن ألم قلبه.
من ينظر إليه في هذه اللحظة يظنه هو المريض، وليس ابنته!
خارج الغرفة، كانت رودينا تقف خلف الباب الموارب، تستمع لكل كلمة ينطق بها. كلماته كانت كسكين تغوص في صدرها ببطء، لكنه ألم تختلط فيه مرارة الحب بشعلة أمل، ولو صغيرة، لعله يلتفت يومًا ما إليها!
❈-❈-❈
صدحت أنغام الموسيقى الشعبية في أرجاء الشقة، كأنها تُشعل المكان بحماسةٍ هوجاء.
أطلق طه صيحةً مفعمة بالبهجة، قائلاً وهو يصفق بحماس
"أيوه بقى، يا شوشو يا جامد"
وفي تلك اللحظة، انفتح باب الغرفة، لتخرج شيماء مرتدية عباءة رقصٍ ضيقة، تحتضن تفاصيل جسدها كأنها رسمت عليها.
تخفي شعرها التالف أسفل شعر مستعار أسود طويل ينسدل على كتفيها، يتماوج مع كل حركة، كأنها تحاكي مشهداً من عالم السينما المثير.
بدأت تهز خصرها وتتراقص بخفةٍ وتناغمٍ مع إيقاع الأغنية، تتمايل كأفعوانٍ يجذب الأنظار بلا هوادة.
بينما الأخر، فقد تسمرت عيناه عليها لوهلة، ثم كتم ضحكته بصعوبةٍ حين لمح الشعر المستعار، كان يشبه إلى حدٍ كبير شعر روميساء!
اقترب منها بخفةٍ وبدأ يشاركها الرقص، محاولاً أن يبث في الجو مرحاً يُنسِيه أعباء الليالي السابقة.
كان الهاتف المحمول الخاص به مُلقىً على الطاولة القريبة، صامتاً لكنه يرسل إشارات متتالية من رسائل واردة.
ووسط هذه الإشعارات المتكررة، ظهر اسم المتصل، ليكسر اللحظة ويعيده إلى واقعه المتوتر.
التقط الهاتف بحركةٍ سريعة، وفي غفلةٍ عن شيماء، فصل الاتصال دون أن يصدر أي صوت، ثم أطفأ الجهاز تماماً.
بدا عليه التوتر، لكنه كان مصمماً على الحفاظ على هدوء الليلة بأي ثمن.
عاد ليشارك زوجته الرقص، ولكن شيئاً في داخله كان يُشبه النار الكامنة تحت الرماد.
❈-❈-❈
ما إن همّت بالانشغال في تحضير الغداء حتى باغتتها رنّة جرس الباب.
رفعت رأسها متأففة وكأنها قد أُخرِجَت من غفلة.
تركت صحن الماء الذي كانت تغسله على رخام المطبخ، وتوجهت بخطى سريعة نحو الباب.
وقفت برهة تتأمل الفتحة الصغيرة، فرأت وجهَيْ والديها.
ارتسمت على ملامحها تعابير ضيقٍ ممزوجة بحرج، ثم ضربت جبهتها بكفها، وقد تذكرت أنها نسيت ترتيبات قدومهما.
أزاحت شعرها إلى الخلف، وتأكدت أن الوشاح الصغير يغطي جيدًا عنقها. راجعت هيئتها سريعًا أمام مرآة الزينة، ورتبت خصلات شعرها بعناية، ثم فتحت الباب وابتسمت
ـ"أهلًا مامي، أهلًا بابي، اتفضلوا"
كان والدها أول من استقبلها بحضن دافئ قائلاً
"أهلًا يا حبيبة قلب بابي"
لكن والدتها لم تبادلها نفس الحماس؛ بدت نظراتها فاحصة، ترصد أي تغيّر على ملامح ابنتها.
لاحظت رودينا ذلك، فتعمدت التهرب من عيني أمها، آملة أن لا تُفتَضَح مشاعرها المضطربة.
جلست الأسرة في غرفة الصالون، أشارت إلى والدها
"اتفضل يا بابي"
ثم التفتت إلى أمها وفعلت المثل
جلست والدتها في مكانها بصمت متوتر، بينما ابنتها سألتهما بابتسامة مترددة
"تشربوا إيه؟ ولا أقولكم، أحنا هنتغدى سوا"
أمسكها والدها بلطف من يدها
"اقعدي، ما تعمليش حاجة، إحنا مش جايين نتضايف، إحنا جايين نطمن عليكي وعلى ياسين"
ابتسمت ابتسامة خافتة قائلة
"حبيبي يا بابي، أنا وياسين بخير الحمد لله، هاروح أقوله إنكم وصلتوا، أصله مريح جنب ياسمينا شوية، كانت تعبانة و.....
قاطعتها والدتها وقد رفعت حاجبًا
"مش بنتُه المفروض كانت عند عمتها؟"
تلعثمت وهي تعي مقصد أمها
"هي فعلًا كانت عند ملك، بس لما تعبت أوي وما عرفتش تعمل إيه، ياسين جابها عشان نرعاها"
اكتست ملامح الأم بسخرية واضحة قائلة
ـ"قصدك أنتي اللي تاخدي بالك منها"
لم يمنحها زوجها الفرصة للمزيد من السخرية؛ وخزها بلطف على ذراعها وهمس بانزعاج
"وطي صوتك، إيه الكلام ده؟!، دي طفلة صغيرة محتاجة رعاية، وإحنا عارفين ظروف الراجل"
لكن والدتها لم تردع نفسها، فقالت بشيء من الحدة
"عارفين، بس برضه بنتي عروسة، من حقها تقضي شهر العسل، مش تبقي ناني لبنته!"
لم تحتمل رودينا أكثر، كفاها ما تتحمله من زوجها، فكيف بها تُضاف أعباء تعليقات أمها؟ بصوت حاولت أن تكبح فيه رجفتها قالت
ـ"مامي، بالله عليكِ كفاية كلام بقي، أنا قبلت ياسين بظروفه، وبنته هي بنتي، احنا اتجوزنا و الموضوع خلص و بقي واقع"
ثم نظرت نحو والدها واستطردت
"كلامي غلط، يا بابي؟"
هزّ رأسه موافقًا بحنان
"لأ، يا بنتي، كلامك صح، بس نعمل إيه في دماغ أمك وتدخلاتها؟"
رمق زوجته بنظرة غاضبة، لكنه آثر الصمت عندما همّت ابنته بالانصراف لتخبر زوجها بوجود والديها.
دلفت بهدوء إلى غرفة الصغيرة، فوجدت زوجها مستلقيًا وقد أحاط ابنته بذراعيه. بقيت تتأمله للحظات، ثم اقتربت وربتت على كتفه برفق
"ياسين، ممكن تصحى؟ بابي ومامي بره، عايزين يسلموا عليك"
أجاب بصوت ناعس
"روحي أنتي اقعدي معاهم و أنا جاي وراكي"
في الصالون، كان حديث جانبي يدور بين والديها قالت والدتها بإصرار
"بكرة تندم أنت وبنتك، وتشوف كل كلمة قولتها كانت صح"
رد زوجها بنبرة مملوءة بالضيق
"ويمكن يحصل العكس، بطلي بقى تكسير مجاديف البنت، هي عارفة ظروفها وراضية بيها، مالك إنتِ ومالها؟!"
قطعت كلامهما خطوات ياسين الذي أطلّ مرحبًا
"يا أهلًا وسهلًا، البيت نوّر بيكم"
رد حماه مبتسمًا
"إزيك يا بني؟ معلش عاملنا لك إزعاج"
ابتسم ياسين بحرج
"ابداً والله، ده بيتكم في أي وقت تشرفوا"
ثم أدار نظره نحو حماته ومد يده مصافحًا
"إزيك يا طنط؟"
نظرت إليه ببرود وسلمت على مضض، كان يعلم جيدًا أنها لا تطيقه، فقد كانت أكثر الناس فهمًا أنه لا يحب ابنتها.
جلس في المقعد المقابل، بينما دخلت رودينا تحمل صينية عامرة بكؤوس العصير وقطع الحلوى.
وضعتها على الطاولة ووزعت على الحاضرين أكوابهم، حينما مدت الكوب لوالدتها، تسمرت الأم فجأة.
وقعت عينها على عنق ابنتها، وقد انزاح الوشاح عنه، فكشفت آثاره عن كدمات خافتة.
ثم لاحظت رسغها الذي ظهرت عليه علامات مماثلة.
نهضت فجأة، وبتوتر واضح أمرت ابنتها
"تعالي معايا عايزاكي دقيقتين"
ارتبكت رودينا وهمست
"فيه إيه، يا ماما؟ اهدي، الموضوع مش زي ما انتي فاكرة"
لكن والدتها احتدت نظراتها، قالت بصوت حازم
"بقولك قدامي، دلوقتي"
❈-❈-❈
داخل غرفة النوم، دفعَت والدتها يدها بحزم لتجلس على الأريكة، ثم بدأت بفك الوشاح الذي التفَّ حول عنقها، قائلةً بصوت يشوبه التوتر
"استني بس يا مامي، بتعملي إيه؟"
قاطعتها والدتها بلهجة صارمة
"اسكتي إنتي"
كشفت عن عنقها لترى الكدمات التي شوهته، ثم رفعت أكمام ثوبها دون اكتراثٍ لاعتراضاتها، لتكشف عن مزيدٍ من الآثار المروعة.
صمتت لوهلة ثم دفعتها باتجاه المرآة، وأشارت بيدها نحو انعكاس جسدها المتضرر، صارخة
"إيه ده؟!"
رفعت ابنتها رأسها لتقابل عيني والدتها عبر المرآة بخجلٍ وارتباك، محاولةً تخفيف حدة الموقف
"خلاص بقى يا مامي، عريس وعروسة بقى، وحضرتك فاهمة"
لكن كلماتها لم تُجدِ، إذ رفعت والدتها حاجبيها بتعجب وقالت بنبرة مشوبة بالغضب
"لأ يا حبيبة مامي، ده مش تعامل طبيعي، المنظر اللي قدامي بيقول إن ده عنف، هو عمل فيكي إيه؟"
ابتلعت الابنة ريقها وقد وجدت نفسها في مواجهة حائط سدٍّ، فهي كانت تعلم أن ذكاء والدتها وقوة ملاحظتها لن يسمحا لها بالتمويه بسهولة.
حاولت التهرب مجددًا وهي ترفع صوتها
"هو ليه إنتي مش مصدقاني؟ بقولك عريس ومراته، يا ماما، خلاص بقى، دي كمان هتعمليلي عليها مشكلة؟!"
هزت والدتها رأسها ببطء، وقالت بلهجة ملؤها العتاب
"أنا عشان بحبك وخايفة عليكي أبقى بعملك مشاكل؟ ده لو كان عملك سحر مكنش ده بقي حالك"
دفعت الابنة الهواء من بين شفتيها بضيق، وحسمت الحديث بنبرةٍ حادة
"لو سمحتي يا مامي، ياريت ما أسمعش منك كلمة تاني عن جوزي ولا عن حياتي، كفاية بقى، أنا تعبت من كلامك وانتقاداتك سواء ليا أو لجوزي"
ظهرت الصدمة على وجه والدتها، لكن ملامحها سرعان ما تجمدت، وقالت بلهجة تحمل ألمًا عميقًا
"بقي كده يا رودينا؟! تمام، مش هتعبك تاني ولا هتكلم معاكي أصلاً، وبيتك ده أول وآخر مرة أجيلك فيه"
ألقت كلماتها كسهامٍ في صدر ابنتها، ثم اتجهت إلى الخارج بخطى غاضبة.
شعرت رودينا بالعجز، فركضت خلفها معتذرة، لكنها توقفت فجأة عندما سمعت صوت والدتها يخاطب ياسين بلهجةٍ تفيض ازدراءً وتعجرفًا
"وأنت فاكر بقى إن من الرجولة إنك تاخد حقك الشرعي من بنتي بالغصب؟!"
شهقت رودينا، بينما توسعت عينا ياسين غضبًا واندلعت نظراته كالنيران نحوها
ردت والدتها بتحدٍّ
"بصلي أنا اللي بكلمك! ما تقلقش، أنا مش بحاسبك ولا بعاتبك، لأنك ما تستاهلش الواحد يحرق دمه معاك، بس أنا حذرتك قبل كده وقولتلك، لو أذيت بنتي بكلمة، أنا اللي هقفلك"
صرخت رودينا بتوسل
"مامي، بليز كفاية، مفيش حاجة حصلت، حضرتك فاهمة غلط"
تدخل والدها بحيرة واضحة
"إيه اللي بيحصل؟ ما تفهموني؟"
أجابته زوجته وهي تهم بالخروج
"خلي البيه يقولك عمل إيه في بنتك، أصله فاكر نفسه اشترى جارية يعمل فيها اللي هو عايزه"
جذب ياسين يد رودينا برفق، ووضع ذراعه حول كتفيها بابتسامة باردة وقال لوالدتها
"رودي حبيبتي مش جارية، دي مراتي وجوه عينيا وفوق راسي، وبالتأكيد حضرتك فاهمة غلط، معلش بقى يا طنط، مش هقدر أفهمك لأن حضرتك من الجيل القديم اللي عايش على الفطرة، أنا ورودي لسه شباب وبنجرب كل جديد عشان ما نحسش بملل ولا زهق"
ألجمت وقاحته لسان والدتها، فاختنق وجهها بالغضب حتى احمرَّت وجنتاها. نظرت إلى زوجها وأمرت بحزم
"ابقي حصّلني"
كان الأب في موقف لا يُحسد عليه، ألقى السلام بتوتر ثم لحق بزوجته، تاركًا ابنته وزوجها وسط معركة صامتة.
ما إن أغلق ياسين الباب حتى التفت إليها، وعيناه تشعان غضبًا كاد يحرق الأخضر واليابس.
تراجعت بخوف واخبرته بسرعة
"والله يا ياسين ما قولتلها حاجة، هي لما شافت رقبتي وإيديا، جه في بالها إنك اعتديت عليا، صدقني، ما قلتلهاش حاجة"
صرخت فجأة حين قبض على ذراعيها بقوة، وهدر من بين أسنانه
"بصي عشان مش هعيد الكلام تاني، أمك دي ما تجيش هنا طول ما أنا في البيت، عايزة تشوفيها، روحيلها، وكبيرك ساعة زمن وترجعي، وماتجيش تقوليلي على أي مناسبة تجمعني بيها، أنا ما رضتش أتكلم عشان خاطرك وخاطر أبوكي، ها وصل الكلام؟"
هزت رأسها برعب، فصرخ بها ليعيد التأكيد
ــ "ما سمعتش؟"
ردت بصوت أعلى
"أه، أه، فهمت"
ترك ذراعيها وأغمض عينيه للحظة كأنه يحاول كبح جماح غضبه، ثم قال بلهجة تحذير
"وعلى فكرة، أنا ما نستش الكلام اللي قولتيه قبل ما أروح أجيب ياسمينا، لسه هحاسبك عليه، بس مش دلوقتي، وأتمنى ما أسمعش حاجة زي دي تاني، و لا تجيبي سيرة مراتي الله يرحمها و لا بخير و لا بشر، لأنك ساعتها هتشوفي وش عمرك ما هتتمنيه حتى لألد أعدائك"
لقراءة باقي فصول الجزء الرابع
لقراءة الجزء الاول جميع الفصول
لقراءة الجزء الثاني جميع الفصول
لقراءة الجزء الثالث جميع الفصول
الفصل العاشر
الساعة تشير إلى التاسعة مساءً بتوقيت روسيا، وكان واقفًا أمام ساعة حائط ضخمة شبيهة بساعة بيج بن، لكنها نموذج مصغر منها، تتوسط أكبر جدار في غرفة مكتبه.
وقف بملامح جامدة، يداه تعبّران عن توتره؛ إحداهما في جيب بنطاله والأخرى تحمل كأسًا من النبيذ المعتق.
بدا وكأنه ينتظر شيئًا معينًا، يتمني عدم حدوثه، الصمت يملأ المكان حتى قطعه صوت هاتفه يرن، ليجيب عبر سماعته اللاسلكية بصوت مترقب
"هل من جديد؟"
أجابه المتصل بلهجةٍ تخفي ارتباكًا
"أجل سيدي، تركنا لها حرية التحرك والتسوق داخل المجمع التجاري دون قيود، كما أمرتنا"
زفر ببطء، ثم سأل بصوت هادئ، لكنه يحمل نبرة قاتلة
"وماذا بعد؟"
ردّ الآخر بسرعة
"تمكنت من التخفي والهروب، وشاهدها السائق بالخارج وهي تركب سيارة سوداء"
رفع الكأس إلى شفتيه وارتشف منه قليلاً، قبل أن يرد بهدوء جليدي
"سأرسل لك عنوانًا الآن، اذهب إليه وانتظرني هناك"
أغلق المكالمة فجأة، دون أن يمنح المتصل فرصة للرد، وعيناه كانت ثابتة على عقرب الثواني ومراقبته لحركات البندول المتأرجح يمينًا ويسارًا.
صوت دقات الساعة اندمج مع نبض قلبه المتسارع، حتى بدأت عروقه البارزة تنبض بشكل واضح.
قبضته على الكأس ازدادت قوة، إلى أن تحطم الزجاج تحت أصابعه، وتمتم بين أنفاسه المتهدجة
"اللعنة سيلينا!"
و في مكانٍ آخر بعيدٍ عن الأنظار، توقفت السيارة السوداء أمام منزل حجري عتيق، حجمه الكبير وشكله المخيف يعكسان غموض المكان.
ترجل منها رجل ضخم البنية، وجهه كالصخر، واتجه لفتح الباب الخلفي للسيارة.
هبطت منها وأخذت تتلفت حولها بحذر، وكأنها تحاول التأكد من خلو المكان من أعين رجال فلاد.
انتفضت عندما شعرت بيدٍ تربت على كتفها، ثم سمعت صوت امرأة تقول لها بابتسامة
"مرحبًا بكِ سيدتي، تفضلي "
نظرت إليها سيلينا، وعينيها تمتلئان بالقلق، شعرت بإحساس غريب ينذرها بأن هناك أمورًا خفية تدور حولها.
مشت خلف المرأة، وعندما دخلت إلى المنزل، أخذت تلاحظ نظرات العاملات وابتساماتهن الغامضة التي زادت من توترها، سألت الفتاة المرافقة لها بصوت مضطرب
"أين القيصر؟"
أجابت الفتاة وهي تمد يدها إليها بهاتف محمول
"سيدي يريد التحدث معكِ"
أخذت سيلينا الهاتف ورفعته إلى أذنها، ثم سألت بلهجة حادة تخفي مشاعر متناقضة
"أين أنت؟"
جاءها صوته هادئًا مريبًا
"عزيزتي، أعتذر لعدم استقبالي لكِ بنفسي، حدث أمر طارئ اضطرني إلى مغادرة المنزل، لكنني سأعود قريبًا، انتظريني في غرفتي، وتهيئي للقاء لن تنسيه ما حييتِ"
رسمت على شفتيها ابتسامة تخفي قلقها، وردّت عليه بنبرة مفعمة بالإغراء
"سأكون في انتظارك، وعلى أتمّ استعداد، عزيزي"
داخل غرفة واسعة تتسم بالفخامة، يغلب عليها اللونان الأسود والفضي، كانت كل زاوية تعكس ذوقًا حديثًا ومترفًا.
في وسط الغرفة، برز سرير كبير مغطى بدثار حريري أسود.
خرجت من الحمام بعد أن بدّلت ملابسها بثوب يكشف الكثير و الكثير بسخاء. وقفت أمام المرآة، رفعت شعرها الأشقر الطويل إلى الأعلى وثبّتته بمشبك الشعر، ثم تأملت انعكاسها في المرآة بشيء من الغرور.
التقطت هاتفها من فوق طاولة الزينة، فتحت تطبيقًا شهيرًا للتواصل الاجتماعي، ودخلت إلى الصفحة الشخصية الخاصة بمن يسرق من عينيها النوم لليالي بائسة. حدّثت الصورة بصوت خافت، يحمل همسات جنون الحب
"من أجلك حبيبي سأفعل كل شيء، لن يكون هناك عائق بيننا بعد القادم"
تنهدت بحرارة، وأكملت وهي تقبّل الشاشة التي تحمل صورته
"أحبك قصي"
قطع لحظاتها صوت خطوات تقترب من الغرفة، أثار دهشتها وصول القيصر بهذه السرعة!
أغلقت الهاتف و تركته علي الطاولة ثم التقطت الروب الخاص بثوبها وارتدت سريعاً.
سمعت طرقات خفيفة على الباب، فسألت بصوت مرتفع
"من الطارق؟ القيصر؟"
جاءها صوت توهمت هو مَنْ في الخارج
"أجل"
ضحكت بدلال واخبرته
"تفضل أيها القيصر الوسيم، لكن أغلق عينيك، ولا تفتحهما إلا عندما أقول لك"
جلست على حافة الفراش، التقطت كأس النبيذ الذي أعدّته سابقًا، ورفعت الكأس إلى شفتيها بابتسامة عريضة، تنتظر لحظة دخوله.
لكن ما إن انفتح الباب، وظهرت هيبته الطاغية و ملامح وجهه الحادة المخيفة حتى تجمّدت في مكانها.
جحظت عيناها من المفاجأة، وسقط الكأس من يدها على الأرض، وهي تصيح بذهول
"فلاد!"
❈-❈-❈
استفاقت على صوت رنين هاتفها، يتردد صداه في الغرفة المظلمة كناقوس يُزعزع هدوء الليل.
تململت تحت غطاءها الثقيل، تحاول انتزاع نفسها من بقايا النوم العالق بجفونها المثقلة.
اعتدلت ببطء، وقد تدلى شعرها البني كفوضى حول وجهها الشاحب.
بيدين مرتجفتين، جمعت خصلاته بإهمال وأرجعته إلى الخلف، ثم أنزلت قدميها العاريتين على أرضية باردة، شعرت بوخزها الحاد وكأنه ينذر بيوم ثقيل قادم.
خطت خطوات متثاقلة نحو الحمام، وجسدها يئن تحت وطأة إرهاقٍ خفي.
ما إن بلغت المغسلة حتى أدارت صنبور الماء، ليتدفق سيله البارد ويتراقص تحت ضوء مصباح شاحب.
مدت يديها النحيلتين أسفل الماء، فتجمدت فجأة حين وقع بصرها على معصمها، حيث ظهرت علامات حمراء داكنة مائلة إلى الزرقة، تحيط به كأنها أطواق من ألم.
رفعت بصرها ببطء نحو المرآة، لتواجه انعكاس ملامحها المنطفئة.
عينان غائرتان تتخللهما مسحة من الحزن، وشفتان مرتعشتان تحاولان كتمان سؤال يصرخ في أعماقها، كان على عنقها وكتفها آثار داكنة، دوائر متناثرة بلونٍ أحمر قاتم!
تسمرت أمام المرآة، تتأمل تلك العلامات وكأنها خارطة ألم تحكي قصصاً لا ترغب في تذكرها.
شحب وجهها أكثر، وتجمدت ملامحها في تعبير يجمع بين الصدمة والقهر. أغمضت عينيها فجأة، ولفّها شعور عارم بالإنهاك، كأن الذكرى التي حاولت دفنها قد استيقظت من سباتها، لتطاردها بلا رحمة.
ومع انغماسها في ألم اللحظة، تدفقت الصور إلى ذهنها كطوفان.
تذكرت ليلة الأمس... التفاصيل التي حاولت طمسها، الكلمات التي اخترقت روحها كالسكاكين، والأفعال التي تركت ندوباً أعمق من آثارها الظاهرة.
شعرت وكأن قلبها ينكمش، وكأن الألم يأبى إلا أن يُحيي كل ما دفنته بداخلها.
«مشهد من الأمس»
في ساعة متأخرة من الليل، كان الأرق يفتك بها كوحش شرس.
منذ رحيل زوجها، وذهنها يضجّ بأسئلة بلا أجوبة، تتكرر كأنها تُعاقب نفسها
يا ترى ماذا كان يقصد بحديثه!، هل سيعود كما كان بطباعه التي طالما كرهتها وخاصة طبع القسوة؟!، كانت فكرة عودته بتلك الخصال التي تمقتها في السابق تؤرقها، فهي تعلم أن ردود أفعاله غير متوقعة، وأن اندفاعه قد يفتح أبواباً للندم والخوف.
بدأت تشعر بوخز الندم، ينهش قلبها شيئاً فشيئاً، على أفعالها وعنادها.
لكنها سرعان ما تصطدم بصوت شيطانيّ من داخلها، يبرر لها أخطاءها، هو السبب!، هو من يحب السيطرة والتحكم، يريدني أن أكون خاضعة إلي أوامره، وطالما أنه يحبني عليه أن يتحملني، أليس كذلك؟!
لكن في مواجهة ذلك التبرير، يعلو صوت ضميرها كناقوس يحذرها من السقوط في دوامة الخطأ،يخبرها إنها على خطأ، العناد والمكابرة لن يقودا إلا إلى نتائج عكسية.
ألم يكن عليها فهم طباعه؟، إنه يحبها ويحاول إسعادها، فلمَ لا تبادله ذلك؟ بدلًا من أن تقحم حياتهما في دوامة الحزن والغم!
وبين صراع ضميرها ومبرراتها، جاءها صوت مألوف، كالرعد يخرق سكون الليل، كان صوت سيارته يتوقف أمام بوابة القصر.
شعرت بوخزة في حلقها، وابتلعت ريقها بتوتر، وجملته الأخيرة تتردد كصدى لا ينفك يقرع مسامعها
"لما أرجع بالليل، ألاقيكِ جاهزة لجوزك حبيبك"
انتفضت من مكانها كمن لسعته النار، ركضت نحو السرير كطفلة مذعورة تبحث عن ملاذ.
ألقت بجسدها على الفراش، وسرعان ما جذبت الغطاء الثقيل لتغطي نفسها بالكامل، وكأنها تحتمي من شيء مخيف. الغطاء كان أكثر سماكة مما لا يناسب أجواء الصيف الحارة، لكنه كان ضرورة لتخفي توترها.
أغمضت عينيها بقوة، ومثلت أنها غارقة في نوم عميق، فيما كان قلبها يدق بعنف كأنه يُعلن عن حضور عاصفة لا مفر منها.
وبعد دقائق معدودة، فتح باب الغرفة ودخل، كانت الإضاءة خافتة، يتسلل منها نور ضعيف ينبعث من مصباح زينة بجانب السرير.
لاحظ أن زوجته مستلقية تحت الغطاء، تغطي نفسها من قدميها حتى رأسها. ابتسم بطيف من السخرية، فقد كان واثقاً أنها تحاول التهرب منه، ومتيقناً أنها تتظاهر بالغضب.
تركها تواصل "تمثيلها"، واتجه نحو غرفة الملابس لتبديل ثيابه، قبل أن تسمع خطواته متجهة نحو الحمام.
زفرت هي بأريحية حين شعرت بابتعاده، وقررت أن تبعد الغطاء قليلاً عن وجهها لتتنفس بحرية.
فجأة صرخت بفزع عندما رأته واقفاً أمامها، واضعاً يديه في جيوبه، وعيناه تتابعانها بنظرة ساخرة.
يخبرها بنبرة هازئة
"وإنتي بقى فاكراني هصدق حركاتك القديمة دي؟!"
اعتدلت بسرعة، تُزيح الغطاء عن جسدها كأنها تزيح جبلاً يثقل صدرها، ثم وقفت أمامه متحدية
"آه، بَتهرب منك وزعلانة أوي كمان"
رفع حاجبه بسخرية، لكن الابتسامة ظلت مرتسمة على وجهه.
فجأة، أمسك بيديها بحنان وقال بهدوء
"وأنا جاي أصالحك"
ثم جذبها إليه، وأحاط خصرها بذراعيه، نظرت إليه بدهشة، إذ لم تكن تتوقع هذا التحول المفاجئ في تصرفاته.
كانت ملامحه هادئة ونظراته مليئة بالدفء، على عكس ما كان عليه قبل قليل حين بدا وكأنه لا يطيقها.
ترددت للحظة، ثم سألته بشك
"يعني إنت مش متضايق مني؟"
أمسك طرف ذقنها برفق، ومسّد شفتها السفلى بإبهامه، وقال بصوت هادئ وابتسامة تزين ملامحه
"وأنا هضايق منك ليه؟ عملتي حاجة يا حبيبتي؟!"
رغم ابتسامته، كان في نبرته شيء من السخرية، فتحت فمها لترد عليه، لكنه وضع إصبعه على شفتيها ليمنعها من الحديث
"أنا مش جاي أعاتب، خلينا نتصالح من غير عتاب"
كانت الغرفة غارقة في هدوء متوتر، تتراقص ظلال النور الخافت على الجدران، كأنها شاهدة على تلك اللحظة التي انصهر فيها الزمن بين القرب والرغبة والتوتر، عيناه تحكيان قصصًا لم تفهمها كاملة، لكن إحساسها كان ينذرها بالخطر. عندما أحاطها بذراعيه، بدا وكأنه يحتمي بها، يدفن وجهه ما بين كتفها وعنقها، كأنه يبحث عن شيء مفقود بين ملامحها وصمتها.
كانت هي واقفة بين المفاجأة والريبة، شعور غريب تسلل إليها؛ بين رقة الاحتواء التي لم تستوعبها، وبين قلق غامض ارتسم في ملامحها.
شعرت بأنفاسه الحارة تداعب عنقها، فتسللت القشعريرة إلى جسدها كنافذة تُطرق بشدة في ليلة عاصفة.
فهمت حينها نواياه؛ كان يمهد لشيء أكبر، شيء لا تشعر أنها مستعدة له، خاصة في ظل حالتها النفسية المضطربة.
حاولت الانسحاب بهدوء، تسحب جسدها بخفة من بين ذراعيه كمن يحاول الهروب من دوامة تسحبه إلى الأعماق.
همست، تحاول أن تجعل صوتها طبيعيًا رغم تسارع نبضاتها
"قصي، ممكن نخلي الموضوع ده بعدين؟ تعالي نتكلم شوية"
لم تتوقع أنه سيعاند رغبتها بهذه الصورة؛ فاجأها تمامًا، كأنه انقلب إلي شخص آخر في لحظة.
قبض على رسغيها بعنف، يجرها إلى قربه أكثر، ذراعيها مقيدتان خلف ظهرها، ووجهه قريب جدًا من وجهها، حتى صار صدره يضغط على خاصتها بقوة.
خرج صوته من بين أسنانه كزئير أسد يعلن سيطرته
"أنا اللي أقرر مش إنتي"
ارتعشت نظرتها أمام نظرته الثابتة، الخوف تسلل إلى قلبها كأنه ظلال ليل لا تُمحى.
أدركت من تلك اللحظة أن ملامحه القديمة التي اعتقدت أنها اختفت مع الزمن، عادت تفرض نفسها بقوة.
تلك النظرة المتوحشة، ذلك الطبع المسيطر الذي حاولت أن تنساه، عاد ليطفو على السطح، كأنه كان يترقب اللحظة المناسبة للظهور من جديد.
بلعت ريقها بصعوبة، تحاول أن تخفي ارتجاف جسدها، كانت تعلم أن المقاومة الآن لن تفيد.
قررت أن تسايسه، أن تحاول تخفيف هذا التوتر الذي يشبه النار المستعرة، ابتسمت له بهدوء مصطنع، وهمست بصوت مبحوح بالكاد خرج منها
"وأنا ما رفضتش يا حبيبي، بقولك بس تعالي نتكلم"
كانت كلماتها محاولة لخلق مساحة أمان بينها وبينه، لكن في أعماقها كانت تعرف أن ما حدث لتوّه ليس إلا بداية لعاصفة قد لا تهدأ قريبًا.
في ظلام الغرفة، كان السكون ثقيلًا، لا يُقطَع إلا بصوت أنفاسها المتلاحقة، انحنى برأسه، وهمس قرب أذنها، بصوت يخلو من أي رحمة
"خلص الكلام يا حبيبتي، فياريت تخلي ليلتك تعدي على خير"
لم يمهلها فرصةً للرد، باغتها بقبلة على عنقها بدأت بلطف يشوبه التحذير، لكنها سرعان ما تحولت إلى سلسلة من القبلات العنيفة، وكأنما يريد أن يُشعرها بسطوته دون أي مراعاة.
حاولت أن تتحرك، أن تُبدي اعتراضها، لكن صوتها خرج متقطعًا، مهزومًا
"كفاية... كفاية بقى!"
توقف أخيرًا، محررًا إياها من بين يديه، لكنها لم تسلم تمامًا.
رفعت يدها المرتعشة تلامس آثار شفتيه وأسنانه التي تركت ندوبًا حمراء على عنقها، قبل أن تدرك ما يحدث، باغتها بدفعة قوية جعلتها تهوي على الفراش، مستلقية على ظهرها.
أنحنى فوقها، وجهه قريب من وجهها، وكلماته خرجت صارمة، قاسية
"مش قولتلك أنا اللي أقرر؟! استحملي بقى"
لم تستوعب ما كان يقصد حتى شعرت بقبضته القوية تمسك يديها معًا، يرفعهما فوق رأسها ويضغط على معصميها بقوة. لم تكن مجرد قبضة، بل إعلان واضح عن نيته، انقض عليها كعاصفة لا تهدأ، شفتيه تتحرك بلا هوادة على وجهها، عنقها، كتفيها، ونحرها.
يده الأخرى كانت تعمل على نزع ثيابها، قطعةً بعد أخرى، دون أن يُبقي لها مجالًا للمقاومة أو الاعتراض.
تحولت اللحظة التي كانت يومًا تعني السعادة والأمان إلى جحيم يخنقها، شعرت بأنها لم تعد أمام زوجها، بل أمام شخص آخر غريب عنها، يُفرغ بها غضبًا دفينًا مكبوتًا بداخل قلبه.
وسط هذا العنف، اجتاح ذاكرتها مشهدان لم تفلح الأيام في محوهما.
الأول كان في بداية زواجهما، حين أخذ حقه منها عنوة في الطائرة الخاصة، دون أي اعتبار لمشاعرها أو ارتباكها.
أما الثاني، فهو ما حدث في القبو، حيث كرر أفعاله وكأنما يريد أن يُرسّخ قناعته بأنها ملكٌ له، بلا حق في الاعتراض أو المقاومة.
استسلمت للحظة، غير قادرة على الفكاك، وكل ما شعرت به هو مزيج من الألم والخوف والخذلان.
كانت الليلة شديدة السواد كأنما أغلقت السماء ستائرها عن الأرض، تاركةً الظلام يلفهما معًا.
كانت تنظر بعيون منطفأة إلى السقف، كيف عاد إلى هذا الطبع بعد كل هذه السنوات؟!، كيف يمكن لقصي الذي كان يومًا عنوان الأمان لها، أن يتحول إلى هذا الكابوس المخيف؟
لماذا يفعل بي ذلك؟!، سألت نفسها وصوتها الداخلي يرتعش وكأنه يخشى الإجابة.
لم تكن تدرك هل هو الغضب أم الانتقام أم مجرد قسوة باتت جزءًا من شخصيته؟
فجأة، قاطع صمت أفكارها صوته الحاد، و قبضته القوية كانت تطبق على فكها، تضغط بشدة، فأحست بألم يمتد كاللهب إلى أعماقها، عينيه صوب عينيها، نظراته تحمل ما يكفي ليزرع الرعب في قلبها، يخبرها بصوت خافت ولكنه كالسياط
"كنتي فاكراني بقولك كلام في الهوا؟!"
تهدجت أنفاسه، كانت متسارعة وكأنها انعكاس لغضبه الذي يتصاعد بلا حدود.
شعرت صبا بالعجز التام، عيناها المغرورقتان بالدموع خانتاها، فاضطرت أن تغمضهما، محاولةً الهروب من الحاضر. لكنه لم يدع لها هذا الملاذ البسيط، فصاح بصوتٍ جافٍ قاسٍ حتى شعرت برذاذ كلماته يلطخ وجهها
"افتحي عينيكي وردي عليا"
ببطء، فتحت عينيها التي باتت مثقلة بالدموع الوشيكة، وبصوت خافت يحمل رجاءً وهميًا قالت
"أرجوك كفاية يا قصي..."
ترك قبضته عن فكها، لكنها شعرت أن الألم لا يزال محفورًا في عمق عظامها، رفع حاجبه بازدراء وقال بصوتٍ لا يعرف الرحمة
"مش كفاية يا صبا، إنتي لسه ما شوفتيش مني حاجة، أنا لسه على كلامي ليكي، قصي أبو قلب حنين ده تنسيه خالص"
شهقت وألمها الداخلي والخارجي امتزجا كجرحٍ مفتوح يرفض الالتئام، جسدها الذي انهار تحت وطأة قسوته، كان يرتجف كأنه يعبر عن احتجاجه الصامت. لكنها كانت تعرف بل متيقنة، أن بكاءها لن يغير شيئًا، فهو الآن أسير غضبٍ طاغٍ يعميه عن أي شيء سوى الانتقام الذي يحرقه من الداخل.
لم يكن ما فعله حبًا، بل كان انتقامًا باردًا، يقتص من شيء ما دفين في أعماقه. ورغم ذلك، جسدها استجاب له رغمًا عن إرادتها، وكأن الألم أصبح جزءًا من كيانها.
وحين شعر بوصوله إلى غايته و ذروة متعته، قام عنها ببرود قاتل، تاركًا إياها مكسورة، في مواجهة احتياجها العاطفي والجسدي الذي صار عذابًا مضاعفًا.
سمعت صوت باب الحمام يغلق بقوة، وكأنه أغلق آخر باب بينهما.
مدت يدها، لملمت الغطاء على جسدها، واستدارت على جنبها، متخذةً وضع الجنين.
ظلّت تبكي بصمتٍ، كأن البكاء هو اللغة الوحيدة التي تفهمها في تلك اللحظة، لغة الوجع والألم!
«عودة إلي الوقت الحالي»
كانت تجلس في غرفتها، شاردة الذهن، تحاول لملمة شتات نفسها بعد أحداث الأمس التي أرهقتها نفسيًا وجسديًا، تقف أمام المرآة تنظر إلى وجهها الشاحب بعينين متورمتين من أثر البكاء.
دموعها تساقطت فجأة دون أن تشعر، تمتزج بمياه الصنبور المتدفقة في الحوض، وكأن الحوض صار شريكًا لصمتها في تحمل عبء الألم.
بعد قليل، وجدت نفسها واقفة أمام مرآة الزينة، تحاول تصفيف شعرها المتشابك بأصابع مرتجفة.
كانت عيناها تفضحان التعب والحزن رغم محاولتها تغطيتهما.
تناولت علبة مستحضرات التجميل، التي نادرًا ما تلجأ إليها، وبدأت في إخفاء آثار البكاء وانتفاخ جفونها، وهي تراقب انعكاس وجهها الباهت في المرآة.
رنَّ هاتفها فجأة، فاختطفته بسرعة وكأنها تنتظر خبرًا لا تعلم إن كان سيفرحها أم يثقل كاهلها أكثر.
"ألو؟"
أجابت بصوت متعب، جاءها صوت مساعدتها على الجانب الآخر
"مدام صبا، لازم حضرتك تيجي حالًا، فيه مشكلة كبيرة في الشركة"
"إيه اللي حصل؟"
سألت بتوتر، لكن المساعدة أجابت بارتباك
"مش عارفة أوضح أكتر في التليفون، بس لازم حضرتك تيجي فورًا"
تنهدت بعمق، ثم قالت بجدية
"ماشي، أنا جاية ولو حصل حاجة بلغيني عقبال ما أوصل"
ردت المساعدة على الفور
"أوامر حضرتك"
أنهت المكالمة، ثم أسرعت تطلب رقم زوجها.
وضعته على مكبر الصوت لتسمع الجرس يتكرر دون أن يأتيها أي رد، كررت المحاولة مرة ثانية، لكن لا رد!
زفرت بضيق، وهي تفكر في احتمال أن يغضب إن غادرت القصر دون إخباره.
كان ما حدث بينهما بالأمس كافيًا لإشعال أي خلاف جديد.
حاولت الاتصال بمكتبه، فجاءها صوت السكرتيرة وهي تبلّغها أن-سعادة الباشا- في اجتماع، ولن ينتهي قبل ساعة.
شعرت بغصة تخنقها، ولم تجد حلاً سوى كتابة رسالة قصيرة له
"فيه مشكلة كبيرة في الشركة، وأنا مضطرة أروح أشوفها، هرجع أول ما أخلص"
رمت الهاتف على الفراش، ثم أسرعت ترتدي ملابس رسمية.
استبدلت معطف الحمام القطني بفستان داكن وحذاء أنيق، بينما كانت تتابع عقارب الساعة وهي تتحرك ببطء، وكأن الزمن يثقل كاهلها أيضًا.
بينما ترتدي معطفها، جاءها صوت تنبيه رسالة جديدة، أمسكت الهاتف لترى رد زوجها
"مفيش خروج من القصر"
جزَّت على أسنانها بغضب مكتوم، كتبت له رسالة أخرى
"لازم أروح، دي مشكلة كبيرة، وهخلص بسرعة وهرجع"
انتظرت، وهي تتمنى أن يلين قلبه هذه المرة، لكنه جاءها برد قاطع ومتوقع
"أنا كلامي بقوله مرة واحدة، مفيش خروج من القصر يعني مفيش خروج"
شعرت وكأن الكلمات تضيق حول عنقها كطوق من حديد.
رمت هاتفها المحمول بعنفٍ على الأريكة، وكأنها تُفرغ فيه شحنة قهرٍ تجتاح قلبها، ثم انخرطت في بكاءٍ مرير يتخلله صراخ ممزوج بالعجز والألم.
كان صوتها الجريح كناقوسٍ مدوٍ داخل المنزل، جذب انتباه زينات التي دخلت الغرفة بخطى مترددة، وعلى وجهها علامات الخوف والقلق وهي تُلقي نظراتها هنا وهناك
"يا ستير يا رب، إيه اللي حصل يا بنتي؟"
لم تُجبها صبا، بل ما إن وقعت عيناها على زينات حتى جرت نحوها، وارتمت في حضنها، كطفلة تبحث عن ملاذٍ آمن. انهمرت دموعها بغزارة وهي تقول بصوتٍ متهدج بين شهقاتها
"ليه عايزني أكرهه يا داده؟! ما بقتش قادرة أستحمل معاملته معايا!"
ربتت الأخرى على ظهرها بحنو، تحاول تهدئة ثورتها العاطفية، وقالت بصوتها المفعم بالطمأنينة
"معلش يا حبيبتي، الشيطان بيحب يدخل بين أي اتنين"
رفعت رأسها من حضن زينات، وعيناها غارقتان بالدموع، وقالت بانفعال يكشف مرارة قلبها
"هو ما بقاش يحبني، داده! اللي بيحب حد مهما حبيبه غلط، عمره ما يقسى عليه بالطريقة دي، أنا عارفة إني غلطت وتماديت، بس أنا مش صغيرة عشان يعاملني كده، أنا مراته وأم ولاده، بيعمل فيا كده ليه؟!"
وضعت زينات كفها الحنون على خدها، تمسح دموعها وتهمس بلطف
"طيب، بطلي عياط واهدي الأول يا بنتي"
ردت بصوتٍ مختنق
"مش قادرة يا داده، أنا مخنوقة أوي، ولو معيطش ممكن يجرالي حاجة"
ابتسمت زينات ابتسامةً صغيرة تخفي قلقها
"طيب عشان خاطري، قومي اغسلي وشك وتعالي نقعد نتكلم"
أطاعت الأخرى كلامها، ذهبت إلي الحمام وغسلت وجهها، تحاول استجماع شتات نفسها.
خرجت بعد لحظات، ممسكةً بالمنشفة، تمسح بقايا الماء عن وجهها.
لم تكن قد انتهت من تجفيفه حين فوجئت بدخول قصي.
نهضت زينات فور رؤيته وقالت بلهجةٍ رسمية
"أهلاً يا قصي بيه"
أجابها باقتضاب دون أن يلتفت نحوها
"أهلاً"
كان يخلع جاكيت بدلته بحركاتٍ سريعة متوترة، فسألته زينات بحذر:
"أخليهم يحضروا الغدا؟"
رد وهو يلقي بالسترة على طرف الأريكة
"مش هنتغدى دلوقتي، اتفضلي أنتي"
استجابت لإشارته، خرجت وهي تحاول إخفاء شعورها بالإحراج، لكنها لم تستطع كتم قلقها على صبا.
ألقت نظرة خاطفة على الأخيرة قبل أن تغادر، فوجدتها واقفةً في مكانها، تنظر إلى قصي بنظراتٍ مشحونة بالحزن والغضب.
كان الصمت فرض سيطرته كضيف ثقيل، كانت صبا تقف في الزاوية القريبة من النافذة، تحاول تهدئة العاصفة التي تعصف بها من الداخل.
خرجت زينات بخطوات مسرعة، وكأنها كانت تود الهروب من توتر الأجواء، وما أن أغلق قصي الباب خلفها حتى انتفضت صبا في مكانها، كطائر جريح فزع من قفصه.
لم تنتظر طويلاً قبل أن تسأله، بصوت حاولت أن تجعله هادئاً، رغم أن اضطرابها كان واضحاً بين نبراتها
"لما كنت في الطريق ما بتردش ليه؟، وخلّيت السكرتيرة تقولي إنك في اجتماع؟، وأنت أصلاً رجعت بدري عن ميعادك من الشركة"
لم تكن تنتظر جواباً مباشراً؛ فقد كان قصي معروفاً ببروده وهدوئه اللذين يسبقانه في كل المواقف.
بدأ في خلع ساعته ببطء، ثم فكّ أزرار قميصه دون استعجال.
رفع عينيه إليها بعد لحظة، وأجابها بسؤال حاد كالسيف
"وإنتِ بقى لابسة كده ورايحة الشركة؟، مع إني باعتلك مفيش خروج؟!"
كانت نبرة صوته أشبه بإنذار، كفيلة بجعلها تقف على حافة الحذر.
حاولت أن تبدو متماسكة أمامه رغم أن قلبها كان يخفق بعنف داخل صدرها. أجابته بثبات مصطنع
"وأنا ما خرجتش، وبعدين اتصلت عليك عشان أستأذنك، وإنت عارف الباقي"
ألقى بقميصه على كرسي طاولة الزينة بلا اكتراث، ثم خطا نحوها ببطء، خطواته أشبه بوقع المطر الثقيل على أرض رطبة. تراجعت خطواتها للوراء بحذر، لكنها لم تكن تعرف إلى أين يمكنها الهروب.
فجأة، مدّ يده وأمسك بمعصمها بقوة، مانعاً إياها من التراجع أكثر.
ضغط على ساعدها وهو يسأل بنبرة فيها من الصرامة ما يكفي لتحطيم جدار ثقتها
"هو أنا كلامي ليه ما بيتسمعش؟، ولا عاجبتك المعاملة الجديدة؟"
نظرت إليه بعيون مرتجفة، ثم هزت رأسها برفض خافت، لكنها فاجأته بقولها
"بالعكس، أنا خايفة أكرهك"
ابتسم ابتسامة ساخرة، شقت طريقها ببرود على شفتيه حتى ظهرت نواجذه.
ردد كلمتها وهو ينظر إليها نظرة لم تخلو من التحدي
"تكرهيني؟!"
"آه... هكرهك لو استمريت في معاملتك ليا بالقسوة والعنف، زي ما عملت فيا امبارح، وعلى فكرة أنا عمري ما هنسي اللي حصل"
اقترب منها أكثر، أمسك بخصلة من شعرها بيده، فارتدت برأسها للخلف بخوف لا يمكنها إخفاؤه.
لف خصلة شعرها حول إصبعه بخفة مريبة، ثم تحدث بصوت خافت لكنه كان مشحوناً بالحدة
"إنتِ اللي اخترتي، الحنية واللين ما بينفعوش معاكي، وفاكرة عشان بحبك هسكتلك على غلطاتك؟"
"إنا ما عملتش حاجــــ...
حاولت أن تجيب، لكن كلماتها ضاعت بين شفتيها حين جذب خصلة شعرها بقوة، فأطلقت تأوهاً مكتوماً.
قال ببرود أشد من برد تلك الليلة
"لا... عملتي واللي عملته فيكي امبارح ده و لا حاجة، ده يعتبر... دلع"
كانت نظراتها تتوسل رحمة لم تأتِ، وكأنها عرفت في تلك اللحظة أن صراعها معه لن ينتهي بسهولة.
حاولت جذب ساعدها من قبضته، ولكنها فشلت.
وفي لحظة، دفعها بقوة ناحية الفراش، فسندت على يديها وكأنها كانت تنوي الزحف إلى الوراء، إلا أن قبضته على فخذيها منعتها من التحرك.
انحنى نحوها فجأة وسألها بنبرة مليئة بالتحدي
"مالك يا حبيبتي؟، في واحدة تخاف من جوزها حبيبها برضه؟"
نظرت إلى جانبها، تحاول أن تتجنب النظر في عينيه، امسكها من ذقنها وأجبرها على أن تحدق له مباشرة.
قائلًا بصوت هادئ قاطع
"لما أكلمك، عينيكِ تبقي في عينيا، اطمني ماليش مزاج دلوقتي"
غمز بعينه وتركها، ثم وقف أمامها متفحصًا إياها.
"المشكلة اللي عندكِ في الشركة كانت مع موظفين من مصلحة الضرائب، بعت لهم المحامي عشان يخلص معاهم الإجراءات، وحولت له المبلغ المطلوب دفعه"
وقفت فجأة، مبتعدة عنه بخطوتين، ثم قالت، وتهتز نبرتها بنبرة اعتراض واضحة
"مكنش فيه داعي تدفع لي الضرائب، ده شغلي، وأنا المسئولة عنه"
أطلق ضحكة ساخرة، وكان له وقعها العميق في قلبها، ثم قال بصوت خافت
"ضحكتيني بجد"
فأجابته بنبرة صارمة، تخفي وراءها غصة
"وإيه اللي بيضحك في كلامي، إن شاء الله؟"
"كلامك كله ضحكني بصراحة"
ردت وهي ترفع صوته بغضب، وقد تجاوزت مرحلة السكوت
"وأنا ما بقولش نكت يا قصي، بتكلم بجد و ياريت تخليك في حالك وتسيبني في حالي، ولو كنت اعتبرت سكوتي على امبارح ضعف، يبقى أنت غلطان"
تحولت ابتسامته إلى وجوم، وعيناه ضيقتا وهو يطرح السؤال بحذر، كما لو كان يستشعر القادم من العاصفة
"الكلام ده ليَّ أنا؟"
وقفت أمامه بتحدٍ، وعادت إليها ملامحها المتمردة من جديد، ثم قالت بصوت واثق، يملؤه القوة
"اه ليك، وما تقلقش، أنا مش هادخل بابي بينا تاني، بس أنا كفيلة أحل أموري بنفسي، وأخد حقي كمان"
ضاقت عينيه وهو يسألها بهدوء ساخر، يسبق العاصفة
"وهتاخدي حقك من مين بقى؟"
رفعت حاجبها الأيسر، ثم أجابت بثقة لا مثيل لها، وبنبرة تحدٍّ
"منك أنت، وحقّي منك هو إن أنا..."
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم أكملت كلامها، وهي تكاد تخرج الكلمات من بين أسنانها
"أنا عايزة أطلق"