تحميل رواية غرام الذئاب بقلم ولاء رفعت علي pdf
بقلم ولاء رفعت علي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
༺الفصل الأول༻ بقلم ولاء رفعت ~ما بين الحب والفراق~ ما بين الحب و الفراق هناك وعد ووفاء... توالت السنوات بيننا و خوضنا معارك مع الحياة... كدت أفلت يدي من قبضتك فكان ذراعك الذي أحاط جسدي هو طوق النجاة... يا مَنْ سكن عشقك صدري لن تجد وطنا سوي فؤادي... أهلكت حصوني حتي اذاب صهر عذابك قراميدها... رفعت رايتي البيضاء واستسلمت... و ها أنا للتو في حرم سلطانك أقدم لك فروض الطاعة والولاء. استيقظت للتو من النوم وتبحث بجوارها عنه ولم تجده مثل الأمس، فكما أخبرها في اتصال هاتفي لديه رحلة عمل في دولة مجاورة و عل...
الفصل الحادي عشر
كم من المظاهر تخفي تحتها حقائق موجعة؟... وكم من الكلمات تصير كالسهام التي لا تُمحى آثارها؟... تلك كانت ليلة خُطت فيها ذكريات، لن تُنسى أبداً.
انطلق الصوت مدوياً من مسجل السيارة، أغاني صاخبة تتناغم مع إيقاع الإطارات التي تزحف بعنف على الطريق السريع المؤدي إلى مدينة العلمين الجديدة.
تتحرك السيارة في انحرافات مفاجئة يميناً وشمالاً، فكانت بملامح متوترة، تمسك يديها بقوة في أطراف الكرسي الذي تجلس عليه، تصرخ وقد بدا الرعب يسيطر على نبرتها
"بطل جنان يا يونس، العربية هتتقلب بينا"
كان يضحك بحرارة، وجهه مشرق بحماس طفولي، صوته يتناغم مع هدوء داخلي غريب رغم الفوضى.
ألتفت إليها وعيناه تضجّان بالحياة، قائلاً بصوت لا يخلو من المرح
"اعذريني يا كوكي، مش مصدق نفسي أنا وإنتِ هنقضي أسبوع لوحدنا، نعيد أمجاد الهني مون"
نظرت إليه بوجه غاضب، أنفاسها متلاحقة، ثم قالت بنبرة عاتبة
"أنا بقى متضايقة، هايجيلي نفس إزاي أتفسح وأؤكل وأشرب من غير الولاد؟"
هدأ ضحكه قليلاً، وبدا الامتعاض يتسلل إلى ملامحه، ثم قال وهو ينقل نظره بين الطريق ووجهها
"أنا ممكن ألف وارجع على القصر أوديكي ليهم، وأنا اللي هسافر لوحدي"
نظرت إليه بدهشة، ثم رفعت حاجبيها بسخرية خفيفة
"لاء يا حبيبي، دعوة المؤتمر دي جاتلي أنا الأول قبل ما تجيلك، ولا أنت كنت عايز تسافر لوحدك عشان ما اتكرمش؟!"
ابتسم ابتسامة بريئة، أقرب إلى البلاهة، وقال وهو يحاول تلطيف الأجواء
"ما أنتي وأنا واحد يا حبيبة قلبي، نجاحك من نجاحي، وعيب عليكي لو كنتِ فاكراني بغير من نجاحك، وبعدين الأولاد زمانهم فرحانين وخديجة مدلعاهم"
تغيرت ملامحها فجأة إلى نعومة وعاطفة غامرة، مدت يديها وأمسكت بيده لتضعها بينهما، تحاوطها بإحكام وكأنها تعانق قلبه، ثم نظرت إليه بنظرة مليئة بالعشق وقالت بصوت منخفض
"بالعكس، إنت اللي على طول بتشجعني أكبر وأتطور من شغلي، ولولاك مكنش هيبقى عندي أكبر جاليري في مصر"
ساد صمت بينهما للحظات، لم يكن صمتاً عادياً، بل كان ممتلئاً بأحاديث غير مرئية، قلوبهما تتكلم لغة لا يدركها إلا من جمعهما الحب والمودة.
استقام يونس على عجلة القيادة، خفّف من السرعة قليلاً، ثم قال بصوت هادئ، وكأنها كلمات خُتمت في صدره منذ زمن
"وإنتِ لولاكِ، مكنش هيبقى عندي حياة"
خفّض صوت الأغاني المنبعثة من المذياع، وانحنى قليلاً نحوها وهمس بنبرة أقرب إلى الدفء منها إلى الجرأة
"كارين..."
رفعت رأسها إليه، عيناها يملؤها الوجد وقلبها يخفق كأنه يناجيه بصمت.
تمعّن في شفتيها بنظرة اشتهاء واضحة، ثم قال بجرأة أصبحت مألوفة لديها
"ما تجيبي بوسة؟"
قبل أن تتسنى لها فرصة الرد، اخترق سكونهما صوت زمور حاد لشاحنة نقل ضخمة تقترب بسرعة جنونية.
انتفض كلاهما، وصرخت كارين بفزع
"حاسب يا يونس!"
استجاب بسرعة، وانحرف بالسيارة عن مسارها، فصعدت فوق الرصيف المجاور محدثة ارتجاجًا عنيفًا وفرقعة مدوّية من أحد إطاراتها.
ضرب يونس كفه على عجلة القيادة بضيق، ثم قال بنبرة تحمل الغضب
"أنا كان قلبي حاسس العربية هاتعملها معانا"
نفخ بعصبية، فمدّت كارين يدها تربّت على كتفه بحنان، محاولة تهدئته
"معلش يا حبيبي، قدر الله وما شاء فعل، ده الحمد لله إحنا نفدنا بأعجوبة، النقل كانت خلاص هتفرمنا"
أطلق زفرة طويلة، وكأن الكلمات لم تخفف من وطأة توتره، وقال بامتنان مكتوم
"الحمد لله، كان فاضل تلاتة كيلو على الفندق"
ثم التفت إليها قائلاً
"هكلم أقرب مكتب خدمة صيانة ونستناهم"
هزت رأسها مترددة، وقالت وهي تشير بيدها خارج النافذة إلي المكان المحيط بهما
"أنت بتهزّر؟ ده مكان مفيهوش صريخ ابن يومين، هتلاقي فين خدمة صيانة؟ وكمان مفيش شبكة"
رفعت هاتفها أمام وجهه، نظر إلى شاشة هاتفه، فوجد بالفعل أن الإشارة مفقودة تمامًا.
عادت برأسها علي المسند الخلفي وأطلقت تنهيدة عميقة ثم قالت
"وبعدين؟، هانتصرف إزاي دلوقتي؟، أنا قولتلك ماتنساش تغير العجلة الاستبن، و كالعادة تكبير دماغك على طول بيحطنا في مواقف زي الزفت"
رفع حاجبه بامتعاض، ثم نظر إليها نظرة ضيقة تحمل الضيق والغضب
"ممكن تسكتي خالص؟"
عقدت ساعديها أمام صدرها ونفخت بغضب
"هاسكت خالص عشان ترتاح، بس ياريت تشوفلنا حل لأن الجو حر أوي ومفيش مكان ضل نقعد فيه"
ظل صامتًا للحظة، يفكر في الحلول الممكنة.
فاخبرها بنبرة تقطع حبل التوتر
"كده مفيش قدامنا غير حل واحد"
رفعت حاجبيها باهتمام، وعيناها تلمعان بالفضول
"حل إيه؟"
❈-❈-❈
في حديقة القصر الغنّاء، حيث امتزجت ألوان الزهور بعذوبة الهواء ونسماته، كانت خديجة تلعب مع الصغار.
عينيها محجوبتان بوشاح حريري رُبط خلف رأسها بإحكام، وابتسامتها الوضاءة ترتسم على شفتيها.
كانت تجري بينهم بخفةٍ كالفراشة، تتبع أصوات خطواتهم الصغيرة وضحكاتهم المتناثرة هنا وهناك، وهم يمرحون حولها في لعبة الغميضة.
قالت بصوت مرح، وقد مدت يديها في محاولة لإمساك أحدهم
"روحتوا فين؟، هاه، هامسكوا برضه، مفيش مجال للهروب النهارده"
في تلك اللحظة، انفتح باب البهو الزجاجي الكبير، وخرج منه آدم بخطوات هادئة وثقة واضحة.
لمح الصغار وجوده، فتوقفوا عن الركض، وابتسموا بحماس وكأنهم وجدوا قائدهم، لكنهم لم ينبسوا ببنت شفة حين أشار لهم بإصبعه أمام شفتيه علامة على الصمت.
علت شفتيه ابتسامة ماكرة وهو يراقب خديجة التي استمرت في تحركاتها العشوائية، غافلةً تمامًا عن وجوده بسبب الوشاح الذي يغطي عينيها.
اقترب منها بخفة دون أن يصدر أي صوت، بينما هي ما زالت تنادي بصوت مليء بالتحدي
"فينكم؟! أنا حاسة بيكم حواليا، متستخبوش مني، هامسككم...
وفي غفلةٍ منها، وجدت جسدها فجأة محمول في الهواء، فصرخت متفاجئة وهي تحاول التملص.
رفعت الوشاح عن عينيها في الحال لترى آدم يحملها بين ذراعيه بقوةٍ وابتسامة ساخرة تعلو وجهه.
كان ابنها وابناء عمه يقفون حولهم يضحكون من قلوبهم، مستمتعين بالمشهد الذي بدا كمسرحية فكاهية.
لكزته في كتفه بخفة وقالت بنبرة خافتة مغلفة بالخجل والغضب
"إنت بتعمل إيه؟! نزلني حالاً و اتلم، إحنا قدام العيال"
لكنّه تجاهل كلماتها وكأنه لم يسمع شيئًا، واستدار نحو الأطفال، ليصيح بنبرة مليئة بالمرح
"إيه رأيكم يا شباب؟ نحكم على خديجة بإيه النهارده؟"
رفعت جوليانا يدها بحماس وقالت
"تحكيلنا قصة جديدة"
ثم قاطعها أخيها الصغير وهو يرفع يده قائلاً بفخر
"لأ، خدها وارميها في البانيو وافتح عليها الدش، زي ما بابي بيعمل في مامي لما بنلعب كوتشينة وبيطلع معاها الشايب"
ساد لحظة من الصمت الممزوج بالدهشة قبل أن ينفجر الجميع بالضحك، بما فيهم خديجة التي لم تستطع أن تمنع نفسها من الابتسام.
بينما آدم، فقد كان يحاول جاهدًا كتم ضحكته، لكنه لم يفلح، وانطلق ضاحكًا بصوت عالٍ ثم قال بصوت خافت
"الله يخربيت جنانك يا يونس"
اقترب يوسف الصغير، بعينيه الصغيرتين اللتين تتوهجان فضولاً، رفع رأسه نحو والده قائلًا
"بابي، أنا عايز نونو يكون أخويا أو أختي، زي ولاد أعمامي و عمتو، كل واحد عنده أخت وأنا لاء"
شعرت خديجة بوقع كلماته البريئة في قلبها، ألتفتت نحوه وجلست بجواره، أخذت يده الصغيرة بين يديها برفق
"حبيبي يا يوسف، ولاد عمامك هم كمان إخواتك، وأنا وبابي بإذن الله هندعي ربنا يرزقنا بنونو قمر زيك كده"
نظر إليها صغيرها بعينيه اللامعتين، وسألها ببراءة كطفل يبحث عن أسرار الدنيا
"وإنتم هتجيبوا النونو منين؟"
قبل أن تجيب خديجة، اندفع رسلان الصغير بجرأته المعتادة، وبابتسامة طفولية تحمل شبهًا كبيرًا بوالده، قائلاً بثقة
"أنا سمعت بابي بيقول لمامي تعالي أقولك كلمة سر في بوقك ونجيب نونو جديد"
ضرب آدم كفًا على كف، وعلت ملامحه دهشة
"يخربيت عقلك الضارب يا يونس! هتبوّظ أخلاق ولادك"
لم تستطع خديجة منع ضحكتها التي كادت تفلت من شفتيها، لكنها سيطرت على نفسها بصعوبة، ولكزت آدم بخفة وهي تقول بصوت منخفض يشوبه الحزم
"اسكت إنت، ما تلفتش انتباه الولد"
ثم التفتت نحو رسلان، وابتسمت له بحنان وهي ترفع حاجبها كإشارة تحذير لطيفة
"حبيبي، تعال هنا"
أطاعها رسلان دون تردد، واقترب منها بخطوات خفيفة.
أشارت إليه ليجلس بجوارها، ثم رفعت رأسها ونادت
"چولي، خدي يوسف وروحوا المكتبة، و أنا هاجي لكم كمان شوية وأحكيلكم قصة جديدة"
فرحت الصغيرة و فعلت ما أمرتها به زوجة عمها.
وقفت خديجة أمام الصغير رسلان، بابتسامة وديعة تُخفي جدية رسالتها، همست له بنبرة هادئة مليئة بالحب والحرص
"حبيبي، ما ينفعش أي حاجة نسمعها أو نشوفها في بيتنا نروح نحكيها لحد، خصوصًا لو حاجة تخص بابا أو ماما، عارف ليه؟، لأن اللي بيعمل كده الناس بتبعد عنه، وربنا بيزعل منه، بس أنا عارفة إنك ولد مؤدب وزي القمر، وعمرك ما هاتعمل كده تاني، صح؟، وعد؟"
هزّ الصغير رأسه بثقة
"وعد، يا ديجا"
لم يكد ينهي كلمته حتى أتى آدم من خلفه ولكزه بخفة على مؤخرة رأسه، قائلاً بلهجة ساخرة
"اسمها طنط خديجة ياض"
نظرت خديجة إلى آدم بنظرة تحذيرية مختلطة بابتسامة، ثم انحنت نحو الصغير، وقالت بحنان
"ملكش دعوة يا عمو آدم، رسلان حبيبي بيدلعني، وأنا اللي قايلة له يناديني يا ديجا"
ربتت على كتف الصغير برفق وأضافت "يلا يا بطل، روح ليوسف و لچولي في المكتبة، وأنا جاية وراك"
تهلل وجه الصغير بالفرحة، وانطلق يركض بخفة نحو الداخل.
ما إن غاب الصغير عن الأنظار حتى التفتت خديجة إلى آدم، وضعت يدها على خاصرتها وسألته بابتسامة تحمل عتابًا خفيفًا
"سمعت ابنك نفسه في إيه؟"
رفع آدم حاجبيه متظاهرًا بعدم الفهم
"لاء، ما سمعتش"
لم تتراجع، بل رفعت حاجبها متحدية
"بطل تتهرب مني كل ما أجيبلك سيرة الخلفة"
تنهد بضيق وزفر قائلاً بلهجة لم تحتمل الصبر
"تاني يا خديجة؟ مش اتفقنا كفاية يوسف؟، وبعدين انتي مش المفروض تركزي في دراستك بدل ما تجيبي لنا مشاكل جديدة؟"
ضيّقت عينيها، ثم أخذت نفسًا عميقًا وهي تحاول أن تتمالك نفسها.
بدا على ملامحها الهدوء، لكنها كانت تغلي من الداخل، تستعين بالصبر كي لا تفقد أعصابها.
قالت بصوت متماسك، وإن كانت نبرته مشوبة بغضب مكتوم
"أولًا، أنا ما اتفقتش معاك على حاجة بخصوص الخلفة، أنا قولت هأجل الموضوع مؤقتًا، و أديك سمعتها بودانك، ابنك نفسه في أخ، والحمد لله مفيش أي مانع، أما بالنسبة لدراستي والمشاكل اللي جت من وراها، فيا حبيبي أي مكان في الدنيا فيه مشاكل، ولو كلنا بعدنا عن الحاجة اللي بنعملها عشان نتجنب المشاكل، مكنش حد اتعلم ولا اشتغل، وخلاص قفلنا على الموضوع ده، و باسم خد جزاءه"
رفع رأسه إليها بصمت، مترددًا قبل أن يتحدث.
كان يدرك جيدًا أن قراره لن يروق لها، لكنه اتخذه عن قناعة، ولم يكن على استعداد للتراجع.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال ببرود متعمد
"تمام، وأنا ما بحبش المشاكل، عشان كده سيادتك هاتكملي دراستك من البيت أونلاين، وهاتروحي بس على الامتحانات"
صاحت بحدة وهي ترفع حاجبيها في دهشة واضحة
"نعم؟!"
لم يهتز من اعتراضها، بل تابع ببروده المزعج
"زي ما سمعتي، أنا مش ضامن ممكن يحصل إيه تاني، وأنتِ ما شاء الله عليكِ، فاكرة نفسك مصلحة اجتماعية، وآخرتها هنلاقي نفسنا متورطين في حوارات كنا هانروح فيها أنا وإنتِ"
كتمت غضبها وهي تحاول أن تلجم لسانها، لكن ذلك كان أشبه بمحاولة تهدئة بركان على وشك الانفجار.
رأى صمتها فابتسم بسخرية مستفزة، ثم قال بتحدٍّ
"ساكتة ليه؟ مش المفروض لما جوزك يقولك على حاجة تقولي حاضر وتسمعي كلامه؟"
عند هذه النقطة نفذ صبرها، ولم تعد قادرة على الاحتمال.
انفجرت فجأة وقالت بصوت غاضب، وإن كانت نبرته تحمل استهزاءً مبطنًا
"ماشي يا آدم، مش هاروح الجامعة وهكمّل من البيت، بس مش لأنك إنت عايز كده، لأني عايزة أركز الأيام الجاية عشان ربنا يرزقني بأخ أو أخت ليوسف"
تركته واقفًا مكانه وهي تتحرك نحو الداخل بخطوات مسرعة، لكنه لم يدعها تغادر دون أن يلقي آخر كلماته المسمومة
"وده هتركزي فيه إزاي لوحدك؟ هتتكاثري ذاتيًا يعني؟!"
توقفت فجأة، ثم استدارت إليه بابتسامة صفراء تنذر بعاصفة، وقالت بنبرة هادئة لكنها لاذعة
"مش بمزاجك يا باشمهندس"
عقد حاجبيه بدهشة وقال متسائلًا
"يعني إيه؟"
ردت وهي تتراجع بخطواتها، مبتسمة بسخرية
"يعني الموضوع إجباري مش اختياري"
وقبل أن يتمكن من الرد، ألقت عليه وشاحها بحركة مفاجئة وركضت نحو الداخل.
وقف مكانه يحدق في أثرها بفم مفتوح غير مصدق لما سمعه، تمتم لنفسه بصوت خافت
"دي اتجننت دي ولا إيه؟!، هستنى إيه يعني من واحدة صاحبتها تبقى شيماء!"
❈-❈-❈
بعد السير لمسافة طويلة تحت وهج الشمس الحارقة، ووسط أجواء المناخ الجاف الذي أثقل خطواتهما، وصلا أخيرًا إلى الفندق.
كانت آثار التعب واضحة على ملامحهما، لكن بريق الأمل في الراحة والتخلص من عناء الرحلة لم يفارقهما.
تقدّم العمال بخطوات ثابتة، وتسلّموا حقائبهما بعد أن تأكّدوا من هويتهما. أظهرا بطاقات الدعوة الرسمية التي تخصّ المؤتمر الفني والثقافي المقام بمدينة العلمين الجديدة، ذلك الحدث الذي يجمع كبار الفنانين التشكيليين وأساتذة كليات الفنون الجميلة من مختلف المحافظات، بالإضافة إلى مشاركين من دول أوروبية.
توقّف يونس ليلتقط أنفاسه التي أثقلها الإرهاق، ثم تقدّم نحو موظفة الاستقبال وسألها بنبرة تفيض بالتعب
"لو سمحتي، الحجز بتاعنا باسم يونس عزيز البحيري وكارين رسلان العزازي"
ابتسمت الموظفة ابتسامة خفيفة تحمل في طياتها شيئًا من الحرج، ثم أجابتهما
"للأسف، الغرفة اللي حاجزينها فيها إصلاحات وصيانة، والعمال شغالين عليهم دلوقتي"
ارتفعت حرارة الحوار، وزفر يونس بامتعاض واضح وهو يعلّق
"هو ده اللي ناقصنا كمان، تعبنا ومشينا طريق طويل لما الواحد اتحمص من الشمس، وفي الآخر نلاقي الغرفة مش جاهزة"
بجانب يونس، نظرت كارين إليه بضيق، لكنها اختارت أن تعبّر عن رأيها بأسلوب أكثر حدة.
"إيه يا يونس؟ مش وقت هزارك ده خالص، شوف لنا حل، بدل ما نضطر ننام على الرصيف"
قاطعتهما الموظفة بسرعة، محاولة تهدئة الأجواء
"ما تقلقوش يا فندم، إحنا عاملين حسابنا، حجزنا لكم سويت بيطل على ڤيو البحر أكيد هيعجبكم"
على الفور، بدت السعادة تلوح على ملامح كارين بابتسامة عريضة وقالت بحماس
"ياريت، أنا أصلًا كان نفسي الرووم تطل على البحر"
مدّت الموظفة يدها بالمفتاح الإلكتروني، وقدّمته ليونس بابتسامة هادئة
"اتفضلوا، السويت جاهز، ونتمنى ليكم إقامة سعيدة"
تناول يونس المفتاح، واتجه بصحبة زوجته نحو المصعد.
حين وصلا إلى الغرفة، فتح يونس الباب بهدوء، وما إن دخلت كارين حتى ركضت إلى الداخل كطفلة صغيرة غمرها الحماس.
فتحت باب الشرفة الزجاجي بسرعة، ليملأ الغرفة نسيم عليل يحمل معه عبق البحر المالح.
وقفت هناك، وشعرها يتطاير مع الهواء النقي، وعيناها تستقران على مشهد الشاطئ الممتد بأمواجه الهادئة ورماله الذهبية، وكأنها أمام لوحة فنية مرسومة بعناية.
وقف يونس خلفها، يحيط خصرها بذراعيه كأنما يحميها من نسمة باردة تسللت على استحياء.
سألها بصوت رخيم يشوبه دفء الحنين
"فرحانة يا حبيبتي؟"
وضعت يديها على يديه وأرخت ظهرها على صدره، وكأنها وجدت في حضنه ملاذًا لا تطاله هموم الدنيا.
أجابته بابتسامة ناعمة ملؤها الرضا
"أنا مبسوطة أوي، بجد كنا محتاجين الإجازة دي جداً، صحيح هي ليها علاقة بالشغل، بس فعلاً كنا محتاجين نستجم شوية ونفصل عن الروتين وجو البيت ودراسة الأولاد"
انحنى برأسه وطبع قبلة على خدها بحب، ثم قال بنبرة هادئة تشي بامتنان عميق
"أنا اللي الفرحة مش سيعاني، واقف قدام منظر طبيعي خرافي، و معايا أجمل ست في العالم، هاكون عايز إيه تاني من الدنيا؟"
استدارت بين ذراعيه حتى أصبحت وجهاً لوجه معه.
نظرت إليه بعينين لامعتين، امتلأتا بعشق لم تنطفئ جذوته.
قالت وهي تحاول اختبار مشاعره بشيء من المزاح
"إنت فعلاً شايفني أجمل ست في العالم يا يونس؟ ولا دي مجرد مجاملة؟"
اتسعت ابتسامته التي ملأتها العذوبة والتيم، ورد بثقة تتسلل إلى القلب بلا استئذان
"أنتِ في عيوني أجمل ست في المجرة كلها، وعشان أثبتلك تعالي جوه وهتعرفي بنفسك"
وقبل أن تدرك ما يقصده، حملها بين ذراعيه بقوة، فتفاجأت وصرخت وهي تضحك كطفلة صغيرة
"يا مجنون نزلني!، أنا جسمي مدغدغ من المشي، مفيش أي طاقة"
ضحك من قلبه وهو يتقدم بها نحو الحمام، ثم قال بمرح وهو يومئ برأسه كأنه يطمئنها
"تعالي ناخد شاور وهجددلك طاقتك، هخليكي تنوري من كتر الطاقة"
مرت لحظات من الانسجام داخل أجواء تنبض بالحب والراحة.
وبعد أن خرجت من الحمام، كانت ترتدي معطف الإستحمام القطني، وتُجفف شعرها بمنشفة بيضاء ناعمة.
أما يونس، فكان يقف أمام المرآة، يُمشط شعره و يرتدي المعطف القطني أيضًا، يُغني بصوت مرح
"يا خارجة من باب الحمام، وكل خد عليه خوخة، خوخة، خوخة، خوخة"
توقفت أمام السرير تبحث عن شيء ما، فتوقف عن غنائه ونظر إليها عبر المرآة. سألها وعينيه تتابع ما تفعله
"بتدوري على إيه؟"
أجابت دون أن ترفع عينيها عن ما تبحث عنه
"على الفون بتاعي، عايزة أتصل بجوليانا أطمن عليها هي ورسلان"
اقترب منها بخطوات هادئة، لكنه كان يحمل في عينيه رغبة مضمرة.
جذبها نحوه برفق حتى التصقت به كلياً، وصوت أنفاسه المتسارعة يعلن عن شوقه الذي لا ينتهي.
همس بصوت منخفض، أشبه بنغمة مشحونة بالدفء
"أنا كلمتهم واطمنت عليهم وأنتِ كنتِ بتاخدي شاور، وبيقولوا لك بليز مامي، خلي بالك من بابي ودلعيه آخر دلع"
رفعت حاجبها بابتسامة خفيفة، مستندة على دفء حضوره، وردت بنبرة مازحة
"متأكد إنهم قالوا لك كده؟"
هز رأسه تأكيداً، وعيناه لا تفارق ملامحها التي تحمل كل مفردات الجمال
"آه طبعاً متأكد، يلا بقى دلعيني"
ضحكت وهي تسحب المنشفة من فوق خصلات شعرها المبللة وتلقي بها علي كرسي طاولة الزينة
"ممكن تسيبني أغير هدومي وأسرح شعري"
نظر إليها نظرة تفيض بالعشق، ورفع إحدى خصلاتها بين أصابعه وهو يستنشقها بعمق، وكأنه يستنشق الحياة ذاتها.
ابتسم قائلًا بمتعة تغمره
"أنا طول عمري بحب شعرك وهو مبلول، وريحته اللي زي ريحة الفراولة"
ابتسمت بخجل كلما تسمع إطراءً، وقد زادها خجلها جمالاً، فأخبرته
"دي ريحة البلسم"
ضمّها بين ذراعيه بقوة، حتى شعرت وكأنها جزء من كيانه، ثم أسند جبهته على جبهتها وهمس بصوت مشبع بالحنان
"إنتِ البلسم، وإنتِ الفراولة، وإنتِ كل أنواع الفاكهة"
صمت وأطلق تنهيدة من قلبه المشتعل بالعشق فناداها بهمس
"كوكي؟"
ردّت بدلال وكأن كلماتها أغلقت أبواب عقله عن أي شيء آخر
"وروحها، وعمرها كله"
همس لها بشوق لا يعرف حدوداً
"أريد حباً وحناناً، زيديني عشقاً وأماناً"
ضحكت بخفة، وهي تحاول كتم دقات قلبها التي علت
"جوزي حبيبي طلع مش فنان وبس، ده بقى أديب وبيقول شعر كمان"
ابتسم بمكر، واخبرها بجدية لكنه لا يخلو من المزاح
"أومّال إيه يا قلب قلبي، أنا بتاع كل الفنون والأدب، وقلة الأدب كمان، تعالي أوريكي"
حملها بين ذراعيه، وهي تضحك بلا توقف، وذهب بها إلى الفراش حيث اختلطت ضحكاتهما بدفء اللحظة، ليصنعا معاً لحظة من السعادة الخالصة، غير عابئين بما يدور في العالم حولهما.
و إذا بهذا المشهد الرومانسي تحول فجأة على شاشة حاسوب مضيئة، داخل غرفة شبه مظلمة، يملؤها سكون ثقيل كأنه صدى للحياة التي تمضي بلا ضجيج. تتخلل من بين ستائر الغرفة المغلقة خيوط خافتة من أشعة الشمس، ترسم ظلالاً باهتة على الجدران.
بجوار الحاسوب، استقرت مطفأة زجاجية تتكدس فيها بقايا لفافة تبغ محترقة، وكأنها شاهدة على ليالٍ طويلة من الوحدة والتأمل.
قطع السكون صوت اهتزاز هاتف موضوع على الطاولة، مدّ الرجل يده إلى الهاتف ببطء، وضغط على زر كتم الصوت للحاسوب قبل أن يلتقط الهاتف ويرد بصوت منخفض خالٍ من أي انفعال
"ألو؟"
جاءه صوت أنثوي ناعم من الطرف الآخر، وكأنها تحاول أن تكون حذرة في حديثها
"مهند بيه، فيه واحد بيسأل على حضرتك، بيقول إنه مندوب من شركة العربي للمقاولات"
تبدلت نبرته قليلاً، لكنه ظل محتفظاً ببروده
"قولي له أنا مسافر بره مصر"
"تمام يا فندم، هبلغه بكده، سوري على الإزعاج"
أنهى المكالمة بلا كلمة إضافية، وأعاد هاتفه إلى مكانه.
عاد بنظره إلى شاشة الحاسوب، لكن هذه المرة كانت عيناه تضيقان بتعبير لا تخطئه عين؛ غضب مشتعل، وكأن كل شيء فيه يتمرد بصمت.
برزت عظام فكه وهو يضغط على أسنانه، مدّ يده إلى كوب الخمر الموضوع أمامه، ثم تجرعه دفعة واحدة بعصبية.
دوى صوت الكوب وهو يرتطم بالأرض ويتحطم إلى قطع متناثرة.
❈-❈-❈
كانت أميرة تجلس على حافة القبر، منكبة على التراب، تلمسه بأصابعها المرتعشة كأنها تبحث عن الأمان بين ذراته.
دموعها تبلل وجنتيها، وتزيد من خشونة كلماتها التي خرجت متقطعة، مثقلة بالألم. قالت بصوت متحشرج
"محتاجة لك أوي يا ماما خيرية، مكنش ليا حد غيرك، كنتِ الأب والأم، والسند، ليه سيبتيني لوحدي؟ ليه؟!"
كانت كل كلمة تخرج منها كأنها تمزق قلبها، وعينيها لا تفارق نقش اسم "خيرية" على شاهد القبر.
كأنها تحاول أن تستعيد دفء الذكريات، لكنها لا تجد سوى صمت الموت.
و في مكان ليس ببعيد، كان محمود يقود سيارته بسرعة جنونية، يمسك هاتفه المحمول بيد، بينما يده الأخرى تتحكم بعجلة القيادة.
قال لأخيه، وهو بالكاد يكتم غضبه
"هاتجنن يا مأمون لافيت إسكندرية شارع شارع، وحارة حارة، عشان ألاقي بنت الـ... دي، مش لاقي لها أثر نهائي"
رد شقيقه بصوت حاد عبر الهاتف
"يعني إيه يا محمود؟ اتبخرت؟!"
"مش عارف والله، الواحد مش عارف يترحم على أمي ولا يقول إيه، لما تخلي حتة بت لا نعرف لها أصلها من فصلها تورث معانا، ولا كمان الوصية ما تتفتحش غير لما تكون هي موجودة!"
بينما كان محمود يتكلم، قاطعه صوت تنبيه مكالمة واردة علي الإنتظار، نظر سريعاً إلى الشاشة، قرأ اسم المتصل، وقال لأخيه
"عمك صبحي بتاع التُرب بيتصل عليا، عايز إيه ده كمان؟، سلام هكلمك بعدين"
ضغط على زر الإجابة
"خير يا عم صبحي؟، مش أخدت فلوسك؟ عايز إيه تاني؟"
جاء صوت الرجل العجوز من الطرف الآخر، متهدجاً لكنه حازم
"يا محمود بيه، فيه واحدة دخلت المدافن اللي تبعكم، قاعدة من أول ما الشمس طلعت لحد دلوقتي وبتعيط، وسمعتها بتنادي على الحاجة الله يرحمها، بتقول يا ماما خيرية"
ضغط محمود على فرامل السيارة فجأة، فصدر صوت صرير عالٍ جعل المارة ينظرون إليه باستغراب.
سأل صبحي بلهفة
"البت دي شكلها إيه؟ في أواخر العشرينات كدة؟ و بيضة زي لهطة القشطة؟"
رد صبحي بارتباك
"ما دققتش في وشها يا بيه، بس شوفتها مرة مع الحاجة الله يرحمها، أيام ما كانت بتيجي تقرأ الفاتحة للحاج الله يرحمه"
لم ينتظر مزيداً من التفاصيل
"طيب، بالله عليك ما تخليهاش تتحرك من عندك، أنا جاي دلوقتي حالاً، أصلها قريبتنا، وشكلها جت البيت وما لقتش حد، وهي كانت بتعز أمي أوي"
رد صبحي مطمئناً إياه
"حاضر يا بيه، هقولها تستناك"
صرخ الأخر بانفعال
"تقولها مين يا غبي!، ما تجيش جنبها خالص، أنا جاي في السكة"
أنهى المكالمة وأعاد تشغيل السيارة بسرعة كأن الشوارع تضيق عليه.
تمتم لنفسه، وهو يشد قبضته على المقود
"أخيراً لاقيتك، صبرك عليا لما أشوفك"
انطلقت السيارة كالسهم، يتردد صدى كلماته في داخله.
❈-❈-❈
ما إن خارت قواها من البكاء حتى استسلمت للتعب والإرهاق.
لقد تركت فيلا عائلة رحيم وهي لم تأكل لقمة واحدة منذ ذلك الحين.
هامت على وجهها في الطرقات بلا هدف، بحثت عن مأوى يحميها، لكن الأبواب كانت توصد في وجهها الواحد تلو الآخر. حتى انتهى بها الحال إلى سطح منزل السيدة "خيرية"، حيث اختبأت في غرفة صغيرة من الخشب القديم، تحتمي بجدرانها المهترئة من قسوة الليل وبرودته.
على بُعد خطوات من بوابة المقابر، أوقف محمود سيارته ونزل منها.
ألقى نظرة سريعة على المكان قبل أن يلمح عم صبحي حارس المقابر، ينتظره كعادته.
أخرج ورقة نقدية من محفظته ومدّها إليه قائلاً بصوت هادئ، وإن كان يخفي وراءه نوايا أخرى
"معلش يا عم صبحي، ممكن تجيبلي علبة سجاير؟ وخلي الباقي علشانك"
نظر صبحي إلى الورقة النقدية، اتسعت عيناه في دهشة ممزوجة بفرحة، وقال بحماسة
"حاضر يا باشا، عينيا ليك"
أسرع الرجل مبتعدًا عن المكان، غير مدرك أن الأخر أراد التخلص من وجوده لتنفيذ ما كان يدور في رأسه.
تسلل محمود داخل المقابر بهدوء، كانت عيناه تبحثان عنها.
حتى وقعتا عليها أخيرًا.
كانت أميرة جالسة على الأرض، وظهرها مستند إلى حافة قبر والدته.
عيناها تغرقان في ظلال الحزن واليأس، وحالتها يرثي لها.
تقدم نحوها بخطوات ثقيلة، يُخفي بيده مُدية صغيرة كان قد خبأها في جيب بنطاله.
اقترب حتى أصبح خلفها مباشرة، ثم بصوت خافت ولكنه يحمل تهديدًا صارخًا
"بهدوء كده يا حلوة، قومي معايا بدل ما أخليكي ترقدي جمب أمي"
رفعت رأسها ببطء، ألتفتت نحوه، و ما إن رأت ملامحه واستوعبت وجوده حتى شهقت بصوت مكتوم، وكانت على وشك أن تصرخ، لكنه لم يمهلها الفرصة.
وضع يده بقسوة على فمها وهمس
"أقسم بالله لو عملتي أي حركة، شايفة المطوة الحلوة دي؟ "
أشار إلى المدية التي تتلألأ تحت ضوء الشمس، ثم أكمل ببرود
"هشقك بيها نصين وأدفنك مكانك، خليكي شاطرة ويلا معايا على العربية"
أومأت برأسها برجاء، محاولة استجداء رحمته، إلا أن نظراته الباردة لم تُظهر أي شفقة على حالتها المزرية.
"مش هياكل معايا جو أمينة رزق اللي أنتي عايشالي فيه ده، يلا قدامي، أحسن لك"
نهضت ببطء، بينما كانت عيناها مغرورقتين بالدموع، وذراعيها ترتعشان من شدة الخوف.
قادها تحت تهديد السلاح نحو السيارة، متعجلاً تنفيذ خطته قبل أن يعود عامل المقبرة.
وبالفعل، عندما عاد الحارس بعد دقائق، وجد المكان خاليًا.
توقف قليلًا، ناظرًا إلى سيارة محمود التي تحركت مبتعدة، ثم نظر إلى علبة السجائر وباقي النقود بين يديه وقال بصوت خافت وكأنه يحدث نفسه
"حلال عليك السجاير والفلوس يا واد يا صبحي"
وابتسم ابتسامة عابرة، غير مدرك لما جرى خلف ظهره في تلك اللحظات!
❈-❈-❈
و في حي كفر عبده، كانت سيارة سوداء فارهة تتسلل بهدوء عبر بوابة الفيلا، حتى توقفت أمام الباب الكبير.
ترجل منها الطبيب الوسيم، تظهر ملامح الإرهاق واضحة على وجهه.
أسرع الحارس ليستقبله
"حمدالله على السلامة يا دكتور رحيم"
نظر إليه الأخر نظرة واهنة، وكأن التعب قد استنزف قواه، فاكتفى بإيماءة صغيرة دون أن ينبس ببنت شفة، ثم خطا بثقل إلى داخل الفيلا.
هناك، وجد والدته تنتظره في بهو المنزل، وقد ارتسم الغضب على ملامحها التي لم تستطع إخفاء حدة تعبيراتها.
"بقالك يومين سايب الفيلا وشغلك، وبتلف في شوارع ربنا عشان البت اللي جايباها من الشارع؟!"
كان رحيم يقف قبالتها، عيناه غارقتان في الإرهاق، ووجهه يحمل مزيجًا من الصمت والتعب.
لم يتفوه بكلمة، لم يكن يملك طاقة الدخول في أي جدال.
أدركت والدته ذلك، لكنه لم يشفع له عندها، إذ صاحت بعصبية وهي تتابع خطواته الثقيلة التي بدأت تتجه نحو الدرج
"براحتك يا رحيم! بس خُد بالك، البت دي لو رجعت هنا، أنا بنفسي هاخدها وأسلمها للبوليس، هم يشوفوا حكايـتها إيه، إحنا مش ناقصين مصايب في البيت ده، نخلص من بلوة بنت خالتك، تطلع لنا مصيبة جديدة مش عارفين أصلها ولا فصلها، يا أبو قلب رهيف زي أبوك الله يرحمه"
كانت كلماتها أشبه بطعنات متتالية، لكنه لم يلتفت، تركها تهدد وتنفث غضبها، وأكمل طريقه إلى الطابق العلوي، مثقلًا بحمل أثقل من أن يتحمله كتفاه المنهكتان.
وبينما كانت قدمه على وشك أن تطأ عتبة غرفته، وكأنه مغناطيس خفي قاده، وجد نفسه يتجه إلى الغرفة التي كانت أميرة تسكنها قبل رحيلها.
ضغط زر الإضاءة، لينير الغرفة التي بدت كأنها حكاية معلقة بين الحضور والغياب.
ألقى بجسده المرهق على الأريكة، وراح ينظر حوله.
كل زاوية في هذه الغرفة كانت تحمل أثرها، لمسة من روحها التي لا تزال تطوف في المكان رغم غيابها.
زفر بعمق، وأغمض عينيه، و في تلك اللحظة، ألتقطت عيناه حقيبة يد موضوعة على طاولة الزينة.
كانت حقيبتها، شعر بقلبه ينبض بسرعة غريبة، ووجد نفسه ينهض من مكانه، وكأن طاقة مجهولة تدفعه.
توجه بخطوات ثابتة إلى الطاولة، ومد يده ليمسك بالحقيبة.
فتحها ببطء، وبدأ يفتش بين أغراضها. كان كل شيء بداخلها يحمل رائحتها، أثرها.
فجأة، وقعت عيناه على بطاقة هويتها، حمل البطاقة بيد مرتجفة، وتوقف للحظات يتأمل العنوان المكتوب عليها.
هناك، في زاوية البطاقة، كان مكتوبًا عنوان منزل السيدة خيرية.
رفع رأسه ببطء، وقد اتسعت عيناه بدهشة، تلك الكلمات البسيطة كانت تحمل مفتاحًا جديدًا.
أخذ البطاقة ووضعها في جيبه، وقد اشتعل داخله الأمل من جديد.
"لازم أوصلها!"
قالها بصوت حاسم، وخرج من الغرفة، تاركًا وراءه كل التعب والضياع، عازمًا على المضي نحو وجهته الجديدة.
❈-❈-❈
وصل محمود أمام البيت، أوقف السيارة ونظر إليها بعينين جامدتين قبل أن يخرج.
نبرة صوته كانت هادئة لكنها تحمل تحذيرًا صارخًا:
"زي ما فهمتك وإحنا في الطريق، هيجوا إخواتي ومعاهم المحامي، تتفتح وصية أمي، تمضي على الأوراق اللي هيقولك عليها، وبعدها تمضي لي على التنازل، فاهمة يا قطة؟"
ردت بصوت مرتجف بالكاد يخرج من بين شفتيها
"فاهمة"
لم تمض دقائق حتى كانت تجلس على الكرسي، تشعر بالقلق والخوف.
عيناها تتجولان في المكان، تتأمله كأنها تودعه.
هذا البيت الذي عاشت فيه لحظات من الدفء والحنان أصبح الآن أكثر مكان تخشاه.
شعرت وكأن الجدران تهمس بالغدر، سألت بحذر، وهي تلتقط أنفاسها
"فين المحامي وإخواتك؟"
أشاح وجهه بعيدًا وكأنه منشغل بالهاتف، ثم رد بنبرة لا مبالية
"زمانهم جايين، ما تقلقيش"
توجه نحو الشرفة وهو يتحدث في الهاتف بصوت منخفض
"ألو يا مأمون، إنتم فين؟"
جاءه الرد من الطرف الآخر
"إحنا لسه ما اتحركناش من مكانا، المتر عنده حالة وفاة وأجل الموضوع لبكرة، البت لسه معاك؟"
"آه، ومش هاينفع أسيبها لتهرب"
"خد بالك منها، وأوعي شيطانك القذر يخليك تعمل فيها حاجة، إحنا ما صدقنا لاقيناها لحد ما ناخد حاجتنا، وبعد كده سيبها لحال سبيلها"
ضحك بسخرية خبيثة
"ما تقلقش يا أخويا، هحطها في عيني"
ألتفت نحوها بطرف عينه، فوجدها تنهض بحذر.
أنهى المكالمة سريعًا واقترب منها بخطوات ثابتة، أمسك بذراعها بقوة، بينما يده الأخرى ترفع مديته.
"رايحة فين؟"
بلعت ريقها وهي تحاول السيطرة على ارتجاف صوتها
"رايحة الحمام، ممكن تسيبني؟"
ابتسم ابتسامة خبيثة
"اتفضلي يا حلوة، قدامك خمس دقايق و ترجعي تترزعي على الكرسي"
نظرت إلى المدية بخوف واضح ثم قالت بصوت خافت:
"حاضر"
أسرعت إلى الحمام وأغلقت الباب خلفها، أخذت نفسًا عميقًا وحاولت تهدئة نبضها المتسارع.
نظرت إلى نافذة الحمام التي تطل على الشارع الخلفي، لم تتردد لحظة واحدة. فتحت الصنبور ليغطي صوت المياه على محاولتها فتح النافذة.
كانت النافذة صغيرة، لكنها لم تيأس. فتحتها بحذر دون أن تصدر صوتًا.
عندما نظرت للخارج، رأت أن المسافة بينها وبين الأرض ليست قليلة، لكنها اغمضت عينيها وتمتمت بدعاء سريع قبل أن تضع قدمها على الحافة.
فجأة، سمعت صوت طرقات عنيفة على الباب
"كل ده بتعملي إيه عندك؟"
لم ترد عليه، دفعت نفسها نحو النافذة، لكن صمته لم يدم طويلًا.
دفع الباب بجسده بعنف مرة بعد أخرى، حتى انفتح.
رأى ما كانت تحاول فعله، فصاح بغضب
"يا بنت الـ...، عايزة تهربي؟!"
في لحظة، حملها من خصرها وجذبها بعنف إلى الداخل.
أخذت تصرخ وتقاوم
"سيبني! سيبني يا حيوان"
رد عليها بتهكم ساخر
"إنتي اللي جبتيه لنفسك يا حلوة"
دفعها إلى داخل غرفة وأغلق الباب بقدمه ثم ألقي بها على السرير.
جلست وهي ترتجف، عيناها تملؤهما الرعب
"هتعمل إيه؟ أبعد عني، لاموتك!"
أخذت تبحث بعينيها عن أي شيء تدافع به عن نفسها.
حاولت النهوض لكنه أمسك قدمها بقوة وجذبها نحوه. صرخ وهو يقترب منها
"رايحة فين يا قشطة؟، ده أنا ماسك نفسي عنك بالعافية وقلت أستحمل لحد ما نخلص حوار الورث، لكن حظك خلي الموضوع يتأجل لبكرة، يعني أنا وإنتِ هنفضل لوحدنا، ليلتنا هتكون طويلة"
حاولت المقاومة بكل قوتها، كانت تصرخ وهو يكتم فمها بيده، و بيده الأخرى حاول رفع ثوبها، قائلاً بلهجة مستفزة
"بطلي حركة! خليكي هادية ومطيعة، ده ليلتنا هتبقى حلوة"
فجأة، أزاح يده عن فمها وهمّ بتقبيل شفتيها، لكنها كانت أسرع منه.
عضّته في خده بقوة حتى صرخ من الألم، دفعها بعيدًا وهو يسبّها بأقذر الألفاظ.
و كان في الخارج أمام المنزل، قد وصل رحيم للتو و وقف متأملاً لوحة الرقم المثبتة بجانب الباب.
كانت عيناه تجولان بين الأرقام المدونة على البطاقة في يده وبين تلك المعلقة على الجدار، وكأنه يتأكد من أنه في المكان الصحيح.
وبينما هو على وشك الاقتراب أكثر، تناهى إلى مسامعه صوت صراخ بعيد، بالكاد يصل إليه.
ألقى نظرة سريعة حوله، فكل شيء بدا هادئًا، لكن الصوت استمر، صارخًا، مستغيثًا.
وما إن عبر الفناء حتى تبدلت نبرة الصوت، صارت أوضح، أقرب.
هذا الصوت، لا يمكن أن يخطئه.
إنه صوتها، قلبه تسارع كأنه يدق بعنف في محاولة لتسريع خطاه.
وعندما اقترب من باب الشقة، بدا الصراخ أكثر ارتفاعًا، دفع الباب بقدمه عدة مرات، ولم يتوقف حتى انفتح على مصراعيه.
دخل يلهث من الانفعال، ينادي بصوت عالٍ
"أميرة؟، يا أميرة؟"
و من الداخل، جاء ردها المرتجف مليئًا بالفزع، وكأنها تستغيث بحياتها كلها
"ألحقوني"
اندفع نحو مصدر الصوت بلا تردد، حتى وجدها في غرفة داخلية.
المشهد أمامه أشعل كل غضبه.
كان محمود، ذلك الذئب الجبان فوقها يحاول الاعتداء عليها بلا رحمة.
انفجرت طاقة رحيم في جسده، ولم يدع عقله فرصة للتفكير.
جذبه بعنف من فوق أميرة وسدد له لكمة قوية في وجهه.
تأوه الأخير، لكنه سرعان ما انتفض واقفًا وكأنه يستعد للرد، لكن رحيم كان أسرع، ركله بقوة في معدته، ما جعله يترنح، ثم قبض على نحره بكل قوته ودفعه نحو الحائط.
توسلت أميرة بصوت مخنوق ومذعور
"سيبه يا رحيم، هاتودي نفسك في داهية عشانه، ده كلب ما يستاهلش"
تردد رحيم للحظة وهو يرى نظرات الرجاء في عينيها، لكنه كان بالكاد يستطيع كبح غضبه.
أرخى قبضته عن نحر محمود، لكنه لم يتركه دون أن يبصق على وجهه بازدراء.
"قذر!"
قالها بصوت مليء بالاحتقار، ثم دفعه ليسقط على الأرض يلهث ويكافح لالتقاط أنفاسه.
رفع محمود عينيه نحو رحيم، وصوته مبحوح من أثر الاختناق
"والله، والله لأوريك! انت وهي"
ألتفت رحيم نحو أميرة، يسألها وهو يلهث
"مين ده؟ وإزاي دخل هنا؟"
ردت بصوت مبحوح مشوب بالبكاء
"ده يبقى ابن ماما خيرية، الله يرحمها، شافني وهددني بالمطوه عشان أمشي معاه، قالي إنه لازم أكون موجودة لإعلان الوراثة، لكن طلع كداب، جابني هنا عشان يعمل اللي كان هايعمله زي قبل كده"
جن جنون رحيم عند سماع كلماتها، وألتفت بحدة نحو محمود الذي ما زال مرميًا على الأرض.
دون تفكير، سدد له ركلة قوية في وجهه جعلته يتلوى من الألم ويتأوه بشدة.
تقدمت أميرة بخوف، ممسكة بذراعه
"بالله عليك كفاية يا رحيم، أنت مش ناقص مصيبة تانية بسببي"
نظر إليها، وإذا به يرى في عينيها خليطًا من الذعر والخوف.
لم تكن تخشى محمود فقط، بل كان خوفها عليه، من أن تؤدي أفعاله الغاضبة إلى شيء أكبر.
هدأ قليلًا، أنزل يديه وهو يكتم غضبه، ثم نظر نحو محمود الذي ما زال متلوّيًا
وعاد بنظره نحو أميرة، ليجدها تجهش بالبكاء، اقترب منها وربت على كتفها بخفة، محاولًا تهدئتها
"خلاص، أنا هنا، محدش هيقدر يأذيكي تاني"
مرت ثوانٍ معدودة قبل أن تجد نفسها جالسة في سيارة رحيم، تنطلق بأقصى سرعة، بعيدًا عن تلك الحارة الضيقة المظلمة.
❈-❈-❈
وقفت أمام الموقد تُقلب بيديها المرتجفتين وعينيها المُرهقتين محتويات القدر، تُحضر طعاماً لابنها.
في الخلفية كانت الهمسات الخافتة من بعض الخدم تتسلل إلى أذنيها، تثير فضولها وتُشعل حنقها.
قالت إحداهن بنبرة خافتة لكنها مشحونة بالفضول
"هي إيه حكاية اللي اسمها دودا؟، دي تاني مرة شيري هانم تعزمها في نفس الأسبوع"
ردت الأخرى بتعجل، كأنها تحمل سراً كبيراً
"أنا سمعت امبارح شيري هانم وهي بتتكلم مع مدام انتصار، قالتلها تحضر الأوضة اللي جمب أوضة أحمد بيه، اللي فهمته إنها هتيجي تقعد هنا، بس هموت وأعرف هتقعد هنا بصفتها إيه؟!"
لم تُكمل الثانية عبارتها حتى أردفت الأولى بابتسامة خبيثة
"مش محتاجة ذكاء يا ناصحة، واضحة أوي، شكل شيري هانم هتجوزها له، يا عيني عليكي يا ست علا، هتلاقيها منين ولا منين"
لكزتها زميلتها في خصرها وهي تهمس بتحذير
"وطي صوتك، لتسمعك وتعمل لنا مشكلة"
لم تمض لحظات حتى ظهرت مديرة الخدم انتصار بوجه متجهم وملامح جامدة تعكس قسوة داخلية.
وقفت أمام علا وقالت بلهجة جافة
"مدام شيري بتقولك جهزي السفرة وما تنسيش الفروت سالاد بتاع مدموزيل داليا"
رفعت علا رأسها ببطء وحدقت في الأخرى بنظرة غاضبة، شعاع من النار كان يتقد في عينيها وهي ترد بحزم
"تمام، هآكل الولد وهاعمل اللي قولتي عليه"
لكن انتصار بعنجهيتها المعهودة، لم تدع الحوار ينتهي عند هذا الحد.
نظرت إلى العاملات اللواتي وقفن يتابعن الموقف وكأنهن يشاهدن مشهداً مسرحياً، ثم التفتت إلى علا وقالت ببرود
"الولد سيبيه للناني تأكله، وأنتي اتفضلي على شغلك"
شعرت علا بالضيق، لكنها لم تُخفِ غضبها وهي ترد بصوت لم يخلُ من تحد
"إنتي بتتكلمي معايا كده ليه؟"
أجابت انتصار بلهجة متعالية
"عشان أنا هنا مديرة كل اللي بيشتغلوا في الفيلا، واللي من ضمنهم أنتي"
ارتفع حاجبا علا في تعجب ساخر، ثم قالت بتحد واضح
"طيب روحي لشيريهان هانم اللي مشغلاكي، وقوليلها علا لما تأكل ابنها هتحضر السفرة والسم الهاري بتاع الآنسة داليا"
تصاعدت الضحكات المكتومة من العاملات الواقفات بجوار الموقد، لكنهن صمتن سريعاً حين التفتت إليهن انتصار بنظرة صارمة، كأنها تُهددهن بالعقاب. عادت بنظراتها إلى علا، التي كانت تتابعها بملامح غاضبة ممتزجة بالازدراء، وقالت بوعيد واضح
"تمام، هاروح أبلغها بكلامك واتحملي النتيجة"
ردت الأخرى بنبرة مقتضبة، مفعمة بالاشمئزاز
"براحتك"
ثم تركت انتصار المكان بخطوات متوترة، بينما بقيت علا أمام الموقد، تقبض الملعقة بيدٍ مشدودة وكأنها تُمسك بآخر خيط من صبرها.
❈-❈-❈
توقفت السيارة فجأة على شاطئ البحر، فكان البحر أمامها واسعًا، مياهه تلامس السماء في امتداد غير محدود.
نظر إليها نظرة سريعة قبل أن يصدر أمره ببرود
"انزلي"
نزلت من السيارة، وهو ها عن كثب. وقفا على الشاطئ، حيث كانت الأمواج تتكسر على الصخور بينما هو يقف أمامها، غاضبًا للمرة الأولى. كانت تلك هي المرة الأولى التي ترى فيها ملامحه تحمل هذا القدر من الغضب.
سألها بصوتٍ قاسي، حاملاً في طياته عتابًا ثقيلًا
"هربتي ليه من الفيلا؟"
لم تجب، بل غاصت أفكارها في ذكريات مؤلمة، حينما صمَّت والدته أذنيها بكلمات لاذعة، ملأت قلبها بالحزن والمرارة، واتهمتها بأنها مجرد فتاة من الشارع! تجمعت الدموع في عينيها، قبل أن تقول بصوت يكاد ينكسر
"لأن مكنش ينفع أقعد في بيت حد لا أعرفه، ولا يعرفني، وما بحبش اتحط في محل اتهامات"
أدرك من ملامحها أنها قد سمعت حديث والدته، وفجأة وقبل أن ينبس بكلمة أخرى، قالت له
"دكتور رحيم، أنت راجل جدع وطيب ومحترم، وابن ناس، ومالكش ذنب أنك تتورط معايا ولا تعمل مشكلة مع والدتك عشاني"
حدق نحوها بحدة، نبرته تعكس قسوة لم تعهدها
"أنتي جبانة"
شعرت بكلماته وكأنها صاعقة ضربت أذنيها.
نظرت إليه في دهشة وامتزجت مشاعرها بالضيق، ثم اقترب منها أكثر، حتى أصبحت المسافة بينهما معدومة، وقال
"أيوه جبانة، ما بتعرفيش تواجهي، وكل ما بيحصلك مشكلة بتهربي، ممكن تقوليلي أخرة هروبك ده بيبقى إيه؟"
وقفت صامتة، لا تملك من الكلمات ما تدافع به عن نفسها. لكن رحيم أكمل حديثه بنبرة صارمة
"أخرتها زي اللي كان هايحصلك من شوية قبل ما أجي وأنقذك من إيد الكلب اللي كان...
قاطعته بغضبٍ غير متوقع، وانفجرت بالبكاء، وأدرَت ظهرها له حتى لا يرى دموعها.
كان شعور الأسف يعتصر قلبه لرؤية ضعفها بهذا الشكل، لكن كلماته كانت قد سببت ألمًا عميقًا لها.
قالت بصوتٍ مبحوح من بين دموعها، وهي تلتفت إليه
" أيوه أنا جبانة، ماليش حد، معرفش مين أنا، الكل بيتهمني إن واحدة...
كانت تمسح دموعها بيديها، وعينيها تغرقان في بحر من الألم.
أخرج من جيبه محرمة ورقية، وكاد يمسح بها دموعها، لكنه توقف، معتذرًا قائلاً
"أنا آسف"
لكنها جذبت المحرمة منه، وجففت دموعها بنفسها، قائلة بصوت ضعيف ولكن عميق
"ما تعتذرش يا دكتور، أنا اللي المفروض اعتذرلك، وعمري ما هنسي وقفتك معايا، وجميلك هايفضل في رقبتي"
نظرت إلى البحر من حولها، كانت نظراتها تتنقل بين المدى المفتوح والموج المتكسر.
وبشعور بالضيق العميق اخبرته
"مع السلامة يا دكتور"
همت بالرحيل، إلا أنه أوقفها بكلماتٍ كانت بمثابة صدمة لم تتوقعها.
قال لها بصوتٍ جاد، يبدو وكأنها جزء من حلم غير واقعي
"تتجوزيني؟"
❈-❈-❈
في غرفة الطعام، كانت قد انتهت من إعداد السفرة بعناية.
الأطباق موضوعة بإتقان، والملاعق تلمع تحت وهج الضوء، وكأن كل شيء في مكانه ينطق بالأناقة والاهتمام.
دخلت شيريهان وجهها عابس ونظراتها حادة تنبئ بعاصفة لا مفر منها.
جلست على الكرسي، تستند بظهرها بإظهار متعمد لعدم الارتياح.
كان واضحاً من نظراتها الحادة أن انتصار قد ملأت أذنيها بكل صغيرة وكبيرة، وأنها جاءت محملة برسالة تفيض بالسخرية والانتقام.
لم يمر وقت طويل حتى دخلت داليا بخطوات خفيفة ممزوجة بدلال سافر، وكأنها تعتلي مسرحاً تنتظر التصفيق.
جلست على الكرسي المقابل لـشيريهان، ثم قالت بلهجة تتصنع البراءة
"هاي شيري، معلش اتأخرنا عليكي، أصل الطريق كان زحمة قوي، وميدو حبيبي اضطر يمشي من طريق تاني بس طويل أوي وخدنا وقت"
علا التي كانت منشغلة بصب الماء من الدورق، أرهفت السمع بلا وعي وانسابت يدها لتسكب أكثر مما يتحمل الكوب. ارتطمت قطرات الماء بالصينية، مما دفع شيريهان لتصيح بحدة
"ما تاخدي بالك من شغلك بدل ما انتي رامية ودانك معانا، طبعاً ما دي عادة الخدامين، تلميع الأوكر"
توقفت علا لبرهة، رفعت عينيها ببطء ونظرت إلى شيريهان نظرة مشبعة بالاشمئزاز، كأنما تقول بلا كلمات إنها تتجاوز كل الحدود.
لكن تلك النظرة أشعلت الغضب في عيني شيريهان، التي وقفت بغتة واقتربت منها بخطوات متوترة، وقالت بسخرية
"إيه؟، كلامي جه على الجرح؟!"
تنهّدت علا وهي تحاول كبح أعصابها التي بدأت تفلت منها، ثم ردّت باقتضاب
"السفرة جهزت، عن إذنك"
أدارت ظهرها مستعدة للخروج من الموقف الذي يكاد يخنقها، ولكن صوت شيريهان أتى صارماً كالسيف
"اقفي عندك"
تجمدت قدما علا في مكانهما، وأدركت أن تلك المواجهة لن تنتهي هنا.
كانت تعلم أن حماتها، لن تضيع الفرصة لتمزيق كبريائها أمام الجميع.
وفي تلك اللحظة دخل أحمد بخطوات واثقة، فلفت وجوده انتباه الجميع.
نظر إلى علا ثم توقفت عيناه عندها لوهلة، وكأن بينهما لغة سرية لا يفهمها أحد.
و بالطبع لم تغفل والدته عن تبادل النظرات بين ابنها وزوجته، شعرت بالغليان يتصاعد في صدرها.
حركت رأسها نحوه وهي تسأل بابتسامة مصطنعة تكسوها نبرة متعمدة لإثارة الغيرة
"إيه الأخبار يا حبيبي؟ مش ناوي تفرحني إنت وداليا؟!"
لم تنتبه علا في البداية إلى ما قيل، أو بالأحرى تظاهرت بعدم الاكتراث، لكنها شعرت بسهم في قلبها حين أدركت القصد من الكلام.
حاولت الخروج سريعاً لتتجنب مزيداً من الألم، ولكنها توقفت فجأة كأن قدميها قد تجمدتا في الأرض.
السبب لم يكن صوت حماتها هذه المرة، بل كان الرد الذي أتى من أحمد نفسه.
قال بنبرة هادئة ولكن حاسمة، كأنه يقطع بحكم لا رجعة فيه
"بعد يومين إن شاء الله"
كلمات قليلة، لكنها كانت كفيلة بأن تجعل عالم بأسره ينهار بصمت، وكأن الحياة انسحبت فجأة من ملامح وجهها.
غادرت الغرفة بخطوات مثقلة بالألم، وهي تدرك أن العاصفة لم تهدأ بعد، بل على العكس، ستزداد شراسة في الأيام القادمة.
وإذا بالصغير يركض نحو والدته، يختنق بالبكاء، ويردد بنبرة مفجوعة
"ماما، ماما!"
ألتفتت إليه سريعًا، ودنت منه بحنان جارف، ضمته إلى صدرها بحماية أم ترى في صغيرها كل العالم.
نظرت إلى المربية بنظرات ممتزجة بالغضب والقلق، وكأن عينيها تسأل بلا كلمات
"حصل إيه؟"
تحاول المربية تبرير الموقف بصوت مضطرب
"كنا بنلعب، وفجأة لاقيناه بيعيط وبيقول عايز حضرتك"
ارتمي الصغير في حضن أمه كمن وجد الأمان الذي كان مفقودًا.
راحت تمسد على ظهره برفق، وقالت بصوت خفيض يفيض حنانًا
"مالك يا حبيبي؟ بتعيط ليه؟"
رفع الصغير رأسه، وعيناه تغرقان في دموع بريئة، وقال بصوت متقطع
"حمزة عايز يروح بيتنا، هنا وحش"
اقترب أحمد، الذي كان يراقب المشهد بصمت، وانحنى قليلًا ليراعي مستوى الصغير، ثم مسح على ظهره بلطف وقال "حمزة حبيبي، تعالَ هنا عندي"
لكن حمزة، في تمرد طفولي حاد، نفض جسده عنه، وتمسك أكثر بحضن والدته، وهو يرفع صوته
"أنا مش بحبك، أنت بتزعل ماما، ومش بحب نناه، بتزعل ماما"
ألتفت أحمد نحو علا، التي كانت تحملق فيه بنظرات تحمل عتابًا أشد من ألف كلمة.
حاولت علا تهدئة صغيرها، فابتسمت بحزن خفي
"مفيش حد يقدر يزعلني طول ما أنت موجود معايا يا حبيبي"
ثم أبعدت رأسه عن صدرها برفق، أحاطت وجهه بيديها كأنها تمسح عن وجنتيه غبار الألم
"ممكن نبطل عياط ونشوف أحلى ضحكة؟"
وكأن كلماتها عصا سحرية، توقف حمزة عن البكاء، وابتسم ببراءة ملأت الغرفة دفئًا.
فتحت ذراعيها على وسعهما، وارتمى بينهما كأنه يذوب في عناقها، وهي تغمض عينيها، كأنها تخبئه من هذا العالم القاسي.
وقف أحمد يراقب المشهد بصمت، وتسلل إلى قلبه شعور مختلط بالغبطة والغيرة، تمنى لو كان بإمكانه أن يحظى بجزء ولو ضئيل من ذلك الحب المتدفق، من ذلك الحنان الذي بدا وكأنه لا ينضب.
قطعت علا لحظات السكون بقولها
"يلا يا حمزة، حبيب ماما روح مع الناني وأنا جاية وراك"
أطاع الصغير أوامرها دون تردد، وغادر الغرفة، بينما بقيت هي تتابع أثره بعينيها حتى اختفى عن الأنظار، ثم التفتت نحو زوجها الذي كان ما يزال يحدق بها، وقالت بلهجة حازمة
"أظن سمعت بودانك وشوفت بعينيك الحالة اللي وصل لها ابني بسببك وبسبب الست والدتك، ياريت ومن غير جدال تطلقني، وكل واحد يروح لحاله"
لم يمهلها الوقت للرد، إذ انطلقت شيريهان بنبرة لا تخلو من الاستعلاء
"حفيدي مالوش مكان غير بيت أهل أبوه الله يرحمه، إنما إنتِ لو مش عاجبك عيشة الفلل والقصور، أو مش متعودة عليها، اتفضلي ارجعي للحارة اللي كنتِ عايشة فيها"
التفتت علا إليها، والشرر يتطاير من عينيها، وردت بحدة
"أنا موجهتش الكلام ليكي، ولولا إنك ست كبيرة في سن والدتي، كان هيبقى ليَّ رد تاني خالص على اللي بتعمليه معايا"
تدخل أحمد بلهجة صارمة، محذرًا إياها
"علا، احترمي نفسك وخدي بالك إنك بتتكلمي مع أمي"
انفجرت الأخرى غير قادرة على كبح جماح غضبها المكبوت
"مش لما تحترموا نفسكم أنتم الأول!، أنا من وقت ما جيت المكان الملعون ده وأنا بتذل وبتهان، وأنت شايف وسامع وبتكمل عليَّ، كان عندي حق لما ما صدقتش الأوهام ولا الكدب اللي كنت بتحاول تقنعني بيه، ومش هاستغرب أنت ليه عملت كده، لأنك ابن شيريهان هانم، ابن أمك....
وقبل أن تنهي عبارتها، باغتها بصفعة مدوية، تردد صداها بين جدران الغرفة، تاركة الجميع في صدمة مروعة!
الفصل الثاني عشر
ناديت باسمـك، لا أدري بما اعتصرت
روحـي
أهذا نجـاة؟! أم بداية عمـري؟!
في الليل خوفي قد تهاوى الأمنُ واحترقا
وتاه صوتي بين أصداء الأسى غرقًا
عيناي مغمضة، لكني أبصر الظلما
أرى القيود، أرى شِباك الخوف مُندفقًا
تدخل أحمد بلهجة صارمة، محذرًا إياها
"علا، احترمي نفسك وخدي بالك إنك بتتكلمي مع أمي"
انفجرت الأخرى غير قادرة على كبح جماح غضبها المكبوت
"مش لما تحترموا نفسكم أنتم الأول!، أنا من وقت ما جيت المكان الملعون ده وأنا بتذل وبتهان، وأنت شايف وسامع وبتكمل عليَّ، كان عندي حق لما ما صدقتش الأوهام ولا الكدب اللي كنت بتحاول تقنعني بيه، ومش هاستغرب أنت ليه عملت كده، لأنك ابن شيريهان هانم، ابن أمك....
وقبل أن تنهي عبارتها، باغتها بصفعة مدوية، تردد صداها بين جدران الغرفة، تاركة الجميع في صدمة مروعة!
كانت الصدمة كالصاعقة التي هوت على رأسها دون سابق إنذار.
أكانت هذه صفعة؟، بل طامة كبرى ضربت صميم كرامتها!، أكان يثأر لوالدته أم لنفسه؟
نظراته إليها لم تقل صدمةً عن صدمتها، كأنها مرآة تعكس ارتباكه وهو يسأل نفسه، كيف سمحتُ لنفسي أن أفعل ذلك؟
عيناها الغارقة بالدموع، لم تحمل إليه سوى سؤال واحد -لماذا؟-، ذلك السؤال الذي خنق صوتها، ولكنه زأر في صمتها، كأنه طعنة تسري في صدره.
بينما هي فقد شعرت بمزيج من القهر والخذلان، قهر أشبه بحرقة نيران مستعرة وألم أعمق من أن يصفه الكلام.
كان ينبغي له أن يكون سندها وحاميها من غدر والدته، لكنه اختار أن يغرس الخنجر في قلبها بدلاً من ذلك، لذا ما فعله لم يكن سوى القشة التي قسمت ظهر البعير، فكيف يمكن أن تلتئم الجراح بعد هذا؟!
لو كان للمشاعر صوت، لكانت الآن صرخة غضب تجلجل كغليان ماء المهل الذي بلغ الغليان ذروته، داخلها نيران قد بلغت عنان السماء.
لم ترَ أمامها سوى شيء واحد، شيء لا يحتمل التأجيل، نظرت أولاً إلى حماتها التي كانت تبتسم بشماتة تُشبه سِمًا يتقطر من عينيها، ثم التفتت إلى تلك الدخيلة التي وضعت يدها على فمها كأنها تحاول إخفاء ابتسامة انتصار، لكنها لم تخفَ عنها، كانت نظراتها نسخة أخرى من نظرات شيريهان في مشهد درامي لا يحتمل المجاملة.
عادت لتحدّق إليه، ذلك الذي تجمد في مكانه، وكأن الزمن قد توقف عنده.
عيناه كانتا مزيجًا من ذهول وندم، لكنه لم يتحرك قيد أنملة.
وهنا قررت أن تُعيد إليه ما فعله، ولكن على طريقتها!
فجأةً وفي لحظة لم يتوقعها أحد، رفعت يدها وصفعته صفعة مدوية ملأت المكان، تلتها أخرى دون تردد، وكأنها كانت تسترد شيئاً من كرامتها المسلوبة.
الدهشة علت وجوه الجميع، لكنه كان الأكثر ذهولاً بينهم.
فذلك الغضب الكامن في أعماقها كان أقوى من أن يُحتوى، وأشد من أن يُكبح.
لم تكتفِ بالصفعتين، بل اندفعت تصرخ من ألم قلبها، تضربه في صدره بكل ما أوتيت من قوة، وعيناها تشتعلان غضبًا ووجعًا.
تردد بصوت منكسر لكنه مزلزل
"ما تمدش إيدك عليَّ، أنا بكرهك، أنا بكرهك"
كان جسده يهتز مع كل ضربة تسددها إليه، لكنه لم يحاول إيقافها.
ظل واقفًا، مستسلمًا أمام زوبعة انفعالاتها، يراقبها في ذهول غير مصدق للحالة التي وصلت إليها.
يدرك أنها لم تكن تضربه بقدر ما كانت تفرغ جرحًا نازفًا في روحها.
اجتمع الخدم على وقع صراخها، تكدسوا عند باب القاعة، عيونهم متسعة بالدهشة والخوف.
لمحتهم شيريهان فانتفضت غاضبة، تصيح بهم في حدة
"إنتم واقفين بتعملوا إيه؟، كل واحد يروح على شغله، بره"
ما إن دوى صوتها في المكان حتى تفرقوا على الفور، كأن رياحًا عاتية دفعتهم بعيدًا.
بينما هو ما إن أدرك أن الأمور خرجت عن السيطرة، حتى قبض على معصمي علا بقوة ناظرًا في عينيها مباشرةً.
كانت أنفاسها متسارعة، والدموع تغرق وجهها، لكنه لم يمهلها لحظة أخرى.
فجأة انحنى وحملها على كتفه بقوة، غير عابئ بصراخها أو تململها، سار بها أمام أمه و داليا التي ظلت تتابع المشهد في صمت، تتأرجح نظراتها بين الدهشة والغضب.
"نزلني، نزلني بقولك، أنا بكرهك"
كانت كلمات صراخ علا و هي تضربه على ظهره، تحاول الفكاك من قبضته، لكنه لم يُعر صراخها أي انتباه، صاعدًا بها درجات السلم بثبات، يتجه نحو غرفته في الطابق العلوي، بينما ضجيج اعتراضها يتردد في أنحاء القصر، شاهقًا كنداء جريح.
و بمجرد أن وطأت قدمه الغرفة، دفع الباب بقدمه خلفه فأحدث صوتًا ارتجت له جدران المكان، ثم أطبق عليه بعنف. وقفت أمامه بثبات، وعيناها تتفحصان المكان حتى أدركت أنها في غرفته. التفتت إليه وشرر الغضب يتطاير من عينيها، فهتفت بحدة
"أنت جايبني هنا ليه؟!، ناوي تاخد حقك مني؟، ولا كرامتك اتجرحت لما رزعتك قلمين؟!، أنت اللي بدأت وأنا حذرتك قبل كده وقلتلك لو مديت إيدك عليا ها....
كانت تشير بإصبعها نحوه في تحذير صارم، غير أن كلمتها انقطعت حين جذبها نحوه علي غفوة منها ودون أدنى تمهيد، التهم شفتيها في قبلة خاطفة، سرعان ما تحولت إلى عناق طويل محموم، حمل بين طياته شوقًا جارفًا ورغبة متقدة.
تلاشت حدة الغضب في عينيها، وسرعان ما تحولت من عاصفة هوجاء إلى نسمة وادعة تتهادى بين ذراعيه، كأنها فقدت السيطرة على نفسها، أو كأن الزمن توقف عند تلك اللحظة.
كان ينهل من شفتيها بشغف، بينما هي غارقة في دوامة من المشاعر المتناقضة، تضيع بين أحضانه وكأنها قبلة المحياه التي أعادت إليها أنفاسها.
وحين بدأ كلاهما يلهث ابتعدا قليلًا، فأسند جبهته إلى خاصتها، يستجمع أنفاسه المبعثرة، ثم همس بصوت خافت تغلفه نغمة ساخرة
"لسه بتكرهيني؟"
جملته باغتتها كصفعة أيقظتها من نشوتها العابرة، كأنها استيقظت من حلم لم ترد أن ينتهي.
انتفضت و تراجعت خطوة إلى الوراء، حدّقت فيه بعينين متقدتين غضبًا، ثم صاحت
"أيوه، بكرهك ومش عايزة أقعد ثانية واحدة هنا، هاخد ابني وأمشي ومش خايفة لا منك ولا من مامتك، وأظن خلاص هي لاقيت لك الزوجة اللي تليق على أحمد بيه الشريف ابن الأكابر"
راقبها بصمت ثم لمعت ابتسامة خفيفة على طرف شفتيه حين لمح غيرتها الصريحة التي فاضت من كلماتها، لم يكن بحاجة إلى تأكيد، فقد رآها في عينيها قبل أن يسمعها من شفتيها.
حك ذقنه بنظرة ماكرة وسألها بصوت يحمل من التحدي بقدر ما يحمل من السخرية
"بتغيري عليا؟"
اتسعت عيناها دهشة وأنكرت مشاعرها، يكفيها ضعفًا أمامه، رفعت ذقنها بتحد مصطنع وقالت بجمود
"وهغير عليك ليه؟، فوق من الوهم اللي أنت عايش فيه، أنا مش بحبك ووافقت على الجواز منك عشان خاطر ابني وبس"
تحرك نحوها خطوةً فتراجعت مذعورة، حتى كادت تتعثر في الكرسي خلفها، فامتدت يده في لمح البصر وأحاط خصرها ليمنع سقوطها.
التصقت أنفاسها بأنفاسه، واشتعلت نظراته ولهًا وهو يهمس بنبرة سلبت عقلها واضطربت لها أنفاسها
"طب واعترافك ليا لما كنا في شقتي؟، وكل اللي حصل ما بينّا هناك؟، واللي شايفه في عينيكي دلوقتي؟، واللي حصل من شوية؟، كل ده ومش بتحبيني؟!"
كانت كلماته تحاصرها كطوفان لا مفر منه، وأذناها تسمعان صوته، لكن قلبها كان قد أعلن العصيان عليها.
نظرتها المرتجفة تنضح بالعشق، لكن ما إن تذكرت ما فعله بها منذ أن أحضرها إلى الفيلا حتى اشتعلت النيران في داخلها من جديد، خاصة حين لمحت داليا...
همست بصوت متحشرج وكأنها تنتزع الكلمات من قلبها انتزاعًا
"كنت، كنت حبيتك وأمنت لك قبل ما أكتشف خداعك وكذبك عليّ"
كأنما أطفأت كلماتها اللهب في مقلتيه، فاحترقت ملامحه بخيبة مفاجئة.
صرخ بها بصوت تخللته نبرة خذلان موجعة
"افهمي بقى عشان خاطري و لو لمرة واحدة، أنا عمري ما كذبت عليكي، الكلام اللي سمعتيه بيني وبين أمي هو اللي كدب، هي اللي فهمتك إني بضحك عليكي عشان تفضلي إنتي وحمزة تحت سيطرتنا"
نظرت إليه بغضب لا يهدأ، وهتفت بحدة تتخللها مرارة الشك
"وفرضًا لو أنا صدقت كلامك، ليه بتقولها كده؟ ليه بتخبي عليها مشاعرك ليا؟!، إنت بتضحك عليا ولا عليها! ولا على نفسك!، ولا خايف من إيه بالظبط؟"
ارتجف شيء في عينيه، كأنها أصابته في موضع لم يكن يتوقع أن يُمس.
أطرق برأسه للحظة، ثم رفعها مجددًا وهزها بسأمٍ وحيرة
"أنتي ماتعرفيش حاجة ولا فاهمة حاجة"
كانت كلماته تلك بمثابة ستار أسدل على المعركة الدائرة بينهما، لكنها لم تكن نهاية الحرب، اضطربت الأجواء و كأن السماء تلبدت بغيوم ثقيلة تعكس ظلمة المشاعر المتشابكة بينهما.
وقف كلاهما في مواجهة الآخر، بينما كانت نبراتها الحادة تقطع سكون الغرفة كخنجر يشق ستار الليل.
ابتسمت بسخرية ثم قالت بلهجة مشوبة بالتحدي
"لاء، أنا فاهمة كل حاجة يا أحمد بيه، وشايفة بعينيا الحقيقة كلها"
ابتلعت ريقها الجاف، كأنها تحاول دفع مرارة الكلمات العالقة في حلقها، قبل أن تتابع بصوت أكثر حدة، صوت يشبه احتدام العاصفة قبل انفجارها
"على فكرة أنا مش هضايق ولا هغير عليك زي ما أنت فاهم، لو خطبت أو اتجوزت داليا أو غيرها، ولا فارق معايا أصلاً، بس اعمل حسابك المأذون اللي هاتجيبه عشان تكتب كتابك عليها، هتخليه يطلقنا، وما تقلقش أنا متنازلة عن كل حقوقي، حتى حق ابني في الميراث اللي خايف عليه أنت والهانم والدتك، ولعلمك لو ما نفذتش اللي بقولك عليه هاخد ابني، والمرة دي هاسيبلك البلد كلها، ومش هاتعرف لي طريق جره"
تغيرت ملامحه في لحظة، كأن صاعقة ضربت قلبه.
انقبض فكه بشدة حتى برزت عظامه، واشتعلت عيناه ببريق قاتم، يخبرها بصمته أنها تخطت الحدود.
نظر إليها بثبات لكن توتر عضلاته أفشى عنف العاصفة التي تتخبط داخله.
فقط فكرة هروبها مرة أخرى كانت كفيلة بإشعال نيران في دمائه، كأنها تضع أصابعها على جرح مفتوح، تضغط عليه بلا رحمة.
أطلق زفرة طويلة، محاولة أخيرة لكبح جموح نفسه ثم قال بصوت هادئ لكنه يخفي وراءه عاصفة لا تقل عن تلك التي اجتاحت ملامحه
"أنا مراعي الظروف النفسية اللي بتمري بيها، وهاعمل نفسي مش سامع حاجة، بس عايزك تفهمي إنك طول ما أنتي معايا، هتبقي في أمان وفي حمايتي"
رفعت عينيها نحوه بعدم فهم، بينما كان في داخلها إصرار لا يلين على معرفة ما يدور في رأسه.
تشابكت أفكارها واختلطت بمخاوفها، لكنها لم تتراجع بل واجهته بسؤال جاء كطعنة في صدر صبره المتهاوي
"و عشان أكون في أمانك وحمايتك، أفضل مغصوبة على العيشة هنا تحت رحمة شيريهان هانم؟!، تهيني وتذل فيا؟!"
كان الصمت الذي تبع سؤالها أكثر قسوة من أي إجابة قد يُلقيها.
التقت نظراتهما، أحدهما يحمل الغضب والتحدي، والآخر يشتعل بالصراع.
في تلك اللحظة، لم يكن هناك سوى صدى أنفاس متوترة، نبضات تتسارع في صدرين يرفضان الانكسار.
أحاط وجهها بين كفيه، وعيناه تفيضان بحنان غامر، كأنما يغترف من معين قلبه ليمنحها الطمأنينة التي فقدتها.
همس بصوت يلامس نبضات فؤادها
"حقك عليا"
ثم انحنى وطبع قبلة دافئة على جبهتها، كأنما يختم بها عهده المقدس.
تابع بنبرة حازمة لكنها لا تخلو من الرجاء
"مش هاسمح لحد يهينك أبدًا تاني، بس عايزك توعديني ما تتصرفيش من دماغك وتعملي أي حاجة من ورايا"
أطلق زفرة طويلة كأنما يُلقي بها أعباء أثقلت صدره، ثم أردف بنظرة متوسلة
"اوعديني"
كانت تحدق في عينيه، تقرأ فيهما مزيجًا عجيبًا من الخوف واللهفة، ممزوجًا بعشق تحاول الفرار منه، لكنها تخشى أن يفتك بها الندم إن استسلمت.
عقلها يصرخ بها ألا تنخدع مجددًا، أن تظل حبيسة حصونها العالية، فأي ضمان لها أن المستقبل لن يكون مرآة للماضي!
وفي لحظة تحفزت ملامحها، وارتدت قناع القوة والتحدي، ثم نطقت ببطء، كأنها تحفر كل كلمة في كيانه
"أوعدك، بس وعد مع أول فرصة مناسبة تجيني هاخد ابني وأبعد عنكم وأكون في أمان، حتى لو كان المكان ده في جهنم، هايكون أرحم ألف مرة من وجودنا معاك إنت والست الوالدة"
نفضت يديه عنها، و وقع كلماتها علي مسامعه احرقت روحه بقسوة، وقف متجمدًا يحاول استيعاب ما تفوهت به للتو.
بينما هي فقد أدارت ظهرها، ومضت بخطوات سريعة نحو الباب، فتحته وخرجت ثم أغلقته خلفها بعنف، صدرها يعلو ويهبط في اضطراب.
كانت دموعها تتراقص في مقلتيها، لكنها تأبى السقوط، تصارع وجعها الذي ينهشها بلا رحمة.
أرادت الصراخ، أرادت أن تمزق هذا القلب الذي يعشقه ويصدق كل كلمة قالها، لكنه في الوقت ذاته يكبلها بسلاسله.
و بالعودة إليه، فما إن أدرك أنها غادرت حتى لم يستطع كبح جماح غضبه المتفجر، فإذا به يركل ويقذف كل ما تقع عليه يداه، يقلب محتويات الغرفة رأسًا على عقب، يصيح كليث جريح في أوج عنفوانه.
و خارج الغرفة، كانت و مازالت واقفة، تستمع إلى صراخه الهائج وما يحدثه من دمار، لكن ما أثقل عليها لم يكن صوته، بل صدى كلماتهما الذي ظل يتردد في عقلها كضربات طبل جنائزي.
لم تحتمل أكثر فاستدارت مسرعة تهبط درجات السلم.
و إءا بها تجد حالها وجهًا لوجه أمام حماتها التي وقفت بجوار غريمتها.
حدقت فيهما بنظرة ملؤها الازدراء، عبرت من خلالها عن كل ما يعتمل في صدرها من احتقار وقهر ثم واصلت ركضها، غير عابئة بشيء حتى وصلت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها، اسرعت نحو الفراش و امسكت بوسادة صغيرة لتفرغ بها صرخاتها دون أن يسمعها أحد سواها!
❈-❈-❈
تقود سيارتها عبر الطريق الطويل، حيث بدت وكأنها تسير بلا وجهة، مستغرقة في أفكارها المتشابكة.
انسابت الأغنية الحزينة من مكبرات الصوت لسيارتها، كأنها تعكس حالتها النفسية المضطربة، لتزيدها انغماسًا في دوامة من المشاعر المختلطة.
في المقعد الخلفي علت أصوات طفليها، كليهما يتشاجران حول اللوح الألكتروني، كل منهما يحاول انتزاعه من يد الآخر.
لم يتوقف الصغير عن مناداة والدته بإلحاح
"مامي، مامي، زينب مش عايزة تديني التاب بتاعي"
لم تتأخر شقيقته في الرد وهي منشغلة بشاشة الجهاز، قائلة ببراءة دفاعية
"قولتلك يا لوكا هلعب شوية، التاب بتاعي فصل شحن، اسكت بقى هخسر الـGame"
نفخ مالك بضيق وعاود النداء
"مامي، مامي؟"
نظرت إليه والدتع عبر المرآة الأمامية، نظرة واحدة كانت كفيلة بأن تسكته فورًا، إذ تراجع في مقعده مرتعدًا.
فجأة هدأت سرعتها، ثم أوقفت السيارة بعنف على جانب الطريق، وانفجرت في صرخة مدوية
"مامي، مامي، مامي!، فيه إيه؟، عايزين مني إيه؟!، أقسم بالله يا مالك، كلمة كمان وهلف وارجع على القصر، هسيبك مع دادة زينات، وهاخد أختك ونروح لجدك"
اتسعت عينا صغيرها بحزن وانكمشت شفتاه وهو يحاول كتمان دموعه التي تجمعت عند أطراف عينيه، خفض رأسه والتزم الصمت.
بينما شقيقته فلم تكن تبالي بما يحدث حولها مستغرقة في لعبتها الإلكترونية.
استدارت إليها صبا بحزم
"زينب؟"
رفعت الصغيرة رأسها ونظرت إليها ببراءة، مجيبة
"نعم يا مامي؟"
"إدي لأخوكي التاب بتاعه، ولما نوصل عند جدو ابقي اشحني بتاعك وألعبي عليه براحتك، سمعاني؟"
أومأت الصغيرة برأسها، إشارة على الامتثال، رغم أنها اعتادت على العناد والمخالفة.
عادت الأخرى تنظر إلى الطريق أمامها، بينما كانت غصة ثقيلة تخنقها.
رغبة عارمة في البكاء والصراخ كانت تتأجج في صدرها، لكنها تماسكت، خشية أن يشعر أطفالها بشيء.
لم تكن تريدهما أن يروا هشاشتها، ألا يدركوا ثقل الأحمال التي تنوء بها روحها.
فجأة، اهتز هاتفها الموضوع على المقعد المجاور، نظرت سريعًا إلى اسم المتصل فوجدت أنه هو.
يبدو أنه قد علم بمغادرتها للقصر، وهو الآن يستعد لفعل ما اعتاد فعله دائمًا.
زفرت بمرارة وهي تدرك في قرارة نفسها أنها لم تعد تحتمل أكثر من ذلك.
إذا بها تنتابها نوبة من البكاء المفاجئ، فانهارت دموعها كالسيل المنهمر، تبكي بحرقة لا تدري منبعها، وكأنها طفلة صغيرة تسكن روحها قد أطلقت من أسرها، فشرعت تبكي بلا قيد.
أثارت حالتها دهشة طفليها اللذان كانا يلعبان بالقرب منها، فتبادلا النظرات بحيرة ثم هرعا إليها وضعا أيديهما الغضة على كتفيها في حنو طفولي، وسألاها بصوت متداخل
"مالك يا مامي؟"
كفت عن البكاء شيئًا فشيئًا، تسارعت أنفاسها المضطربة وهي تلتقط محرمة ورقية، تمسح بها دموعها التي تركت أثرًا رطبًا على وجنتيها، وتجفف سيل أنفها الذي جرى مع الدموع كأنهما شريكان في الحزن.
استدارت قليلًا و مالت برأسها لتكون على مستوى نظرهما، ارتسمت على شفتيها ابتسامة واهنة تخبرهما بصوت مبحوح، يخفي أكثر مما يبوح
"مفيش يا حبايبي، ألعبوا مع بعض وبلاش تتخانقوا لو بتحبوا مامي"
أومأ الصغيران برأسيهما الصغيرين، ورددا بصوت موحد، يحمل براءة الطفولة وسذاجتها
"أوك مامي"
عادا إلى لعبهما كما لو أن شيئًا لم يكن، بينما عادت هي إلى شرودها، تنظر إلى الأمام بعينين شاردتين، وكأنها ترى ما حدث معها يتجسد أمامها كمشهد سينمائي يُعرض علي شاشة التلفاز...
"أنا عايزة أتطلق"
أطلقت طلبها، وكانت تتوقع أن يتكرر المشهد ذاته كما في كل مرة تفوهت بها بهذا الطلب قديمًا في بداية زواجهما.
لكنها تلك المرة لم تجد الصدى المعتاد؛ لم يشتعل في وجهها غضبه، ولم ينفجر بصوته الجهوري نافياً مجرد الفكرة.
بل على العكس باغتها بابتسامة باردة ثم استدار عنها متجهًا إلى غرفة الملابس.
لحقت به بخطوات سريعة وقلبها ينبض بقوة وكأنها تدرك أنها تقف الآن عند مفترق الطرق.
رأته يفك طوق بنطاله تمهيدًا لنزعه، فازدادت ثورتها.
عقدت ساعديها أمام صدرها ونبرتها تحمل إصرارًا لم تعهده في نفسها من قبل
"أنا بتكلم جد المرة دي، مش زي كل مرة قبل كده طلبت منك الطلاق، أنا عايزة أتطلق يا قصي"
لم يلتفت إليها، وكأنها لم تكن.
ارتدى بنطالًا قطنيًا، ثم قميصًا بنصف أكمام برزت من خلاله عضلات جسده المشدود.
أنهى ارتداء ثيابه و ألقى نظرة على هيئته في المرآة، هندم خصلاته التي تبعثرت قليلًا.
كل هذا وكأن حديثها كان مجرد همهمة عابرة لا تستحق حتى الرد.
استدار نحوها أخيرًا، وعيناه تحملان برودًا نقيضًا لطبيعته الثائرة.
مالت زاوية فمه بابتسامة ساخرة وقال بنبرة هادئة تُغضبها أكثر
" هعمل نفسي ما سمعتش حاجة، وأحسن كده عشان مصلحتك"
ثم غمز لها بعينه، ودفعها بكتفه لتتنحى جانبًا وهو يعبر خارجًا.
وقفت في طريقه بعناد، عيناها تتوهجان بالتحدي والإصرار، وأخبرته بصوت ثابت
"تمام، طالما بتستهزئ بكلامي وواضح إنك مش هتنفذ اللي أنا عايزاه، فأنا هسيب لك القصر وهاروح أقعد عند بابي، وهو اللي هيعرف يتصرف معاك، لأن أنا خلاص فاض بيا منك"
ظهر على ثغره نصف ابتسامة بزاوية، ذلك التعبير الذي تعرفه جيدًا؛ عندما يكون في أوج غضبه، لكنه يُحكم إخفاءه خلف قناع من اللامبالاة.
اقترب منها بخطوات محسوبة، وربت بأطراف أصابعه على أسفل خدها بلمسة حادة تحمل من الاستهزاء أكثر مما تحمل من الحنان، ثم همس بصوت منخفض لكنه حاد
"لو قد الكلام اللي لسه قايلاه اعمليها وساعتها مش هتلومي غير نفسك"
في تلك اللحظة، شعرت وكأن البث قد انقطع عن الشاشة، فعادت مجددًا وهي أسيرة حزنها.
تخشى العواقب الوخيمة لقرارها، وهي التي ستدفع الثمن في النهاية.
لكنها كلما تذكرت إهاناته المتكررة، كلماته الجارحة وتهديداته، ازداد إصرارها على ألا تعود عن قرارها.
لقد حسمت أمرها، ستتركه وتذهب إلى والدها.
وإن خذلها هذه المرة كما فعل سابقًا، ستلجأ إلى زوجة والدها التي هي أيضًا زوجة والده.
أدارت المحرك و انطلقت بسرعة، متجهة نحو وجهتها الوحيدة الآن-قصر والدها-
❈-❈-❈
تصب الشاي في الفنجان أولًا ثم تضيف إليه الحليب ببطء، تراقب زوجها بعينين يملؤهما القلق.
فكان زوجها شاردًا، ينظر إلى اللاشيء وكأنه يحمل على كاهله ثقلًا من الهموم لا قبل له به.
لم تستطع أن تصمت أكثر، فوضعت الإبريق برفق على الطاولة، ثم سألته بحنو واضح
" مالك يا عابد؟، من وقت ما بدأنا نفطر مكلتش غير لقمة صغيرة وقاعد سرحان مع نفسك، هما صبا وقصي كويسين؟"
رفع رأسه إليها، ابتسم ابتسامة واهنة. كانت تفهمه دون أن ينطق وكأن ما بينهما لم يكن مجرد زواج بل رباط روحي يتجاوز حدود الكلمات.
تنهد بعمق ثم أجاب بصوت منخفض
" خايف أوي على صبا من دماغها وطبع العند اللي عمره ما بيتغير، بل بيزيد مع الوقت، أنا عارف إن قصي بيحبها وبيعشقها كمان، لكن كل واحد فينا ليه طاقة تحمل، وخوفي إنهم يوصلوا لنقطة صعبة، وأنتي فاهمة إيه اللي ممكن يحصل لا قدر الله"
تركت الإبريق على الطاولة، ثم وضعت يدها برفق على يد زوجها، كأنها تحاول أن تنقل إليه بعضًا من سكينتها.
نظرت إليه بعينين مطمئنتين، وقالت بهدوء
"ما تقلقش يا حبيبي، أمورهم بإذن الله هتتحل"
ترددت للحظات وكأنها تحاول أن تزن كلماتها قبل أن تنطق بها، لكنه كان ينظر إليها نظرة تحثها على إكمال حديثها، فتابعت بصوت خافت
"أنا كنت زيها في يوم من الأيام، بس الفرق بيني وبينها إنها حبت جوزها رغم إنكم أجبرتوها على الجواز في البداية، هي كمان عشقته، طبيعي يحصل بينهم مشاكل واختلافات زي أي اتنين متجوزين، المشكلة الحقيقية إنهم مايعرفوش إزاي يتعاملوا مع المشاكل دي صح، يمكن اللي بيحصل ده مجرد نتيجة ملل وفتور، أو يمكن هي عايزة تلفت انتباهه واهتمامه بيها، عشان كده بتعند معاه، يمكن محتاجة دلع"
توقفت قليلًا، ثم تابعت بنبرة أكثر عمقًا
" قصي حنين جدًا، بس عيبه نفس عيب باباه الله يرحمه، على قد ما هو حنون على قد ما لما بيقلب بتتحول الحنية لقسوة، لأنهم للأسف ما بينسوش الإساءة وبيحبوا ياخدوا حقهم، حتى لو من أقرب الناس ليهم"
كان يستمع إليها بإمعان، كأن كلماتها تحفر داخله، لكن قبل أن يتمكن من الرد، قطع صمت اللحظة صوت جرس الباب. نهضت إحدى الخادمات لتفتح وسرعان ما اندفع الصغيران إلى الداخل، يهللان بفرح لرؤية جدهما والسيدة جيهان التي بمثابة جدتهما.
وقف عابد متوجهًا نحو ابنته التي دخلت إلى بهو الاستقبال، لكنها توقفت في مكانها فجأة، وكأن قدميها عجزتا عن التقدم.
لم تمر سوى لحظات حتى اقترب منها، فما كان منها إلا أن ارتمت في حضنه، وانفجرت في بكاء مرير.
❈-❈-❈
داخل قاعة المؤتمرات في مدينة العلمين، حيث يُقام تكريم لأشهر الفنانين التشكيلين.
في المقاعد القريبة من المنصة، جلس كلا من يونس وكارين متجاوران، يتبادلان الهمسات، بينما تعلو وجهها ابتسامة مشرقة، تتخللها بين الفينة والأخرى ضحكات خافتة.
لكن ذلك المشهد لم يكن ليعبر بسلام أمام ذاك الجالس على مقربة منهما، عينيه تتابعهما بريبة.
فجأة، قطع صوت مسئولة الإعلام شروده
"والآن، سيتم توزيع الجوائز المقدمة برعاية الشركة الراعية، والتي يملكها الأستاذ مهند عبد الرحمن"
"أستاذ مهند، اتفضل"
بخطواتٍ واثقة، نهض وتسربت إلى شفتيه ابتسامة باهتة، ثم أومأ برأسه تحيةً قبل أن يصعد إلى المنصة.
وما إن التقت عيناه بعيني يونس، حتى تلاشت ابتسامة الأخير، حل محلها وجوم شديد وسرت في أوصاله نار غضب مكتوم.
أخذ يتمتم بين أسنانه، صوته بالكاد يصل إلى كارين، لكنه كان مشبعًا بالاستياء "كنتي عارفة إن الزفت ده معانا هنا؟"
تداركت كارين الموقف، وهمست إليه بلهجةٍ مهدئة، تحاول امتصاص انفعاله "والله ما كنت أعرف إنه هيبقى من أكبر السبونسر للحفلة، لسه عارفة زيي زيك دلوقتي"
لكن كلماته التالية جاءت أكثر حدة، خرجت من بين أسنانه كأنها تهديد محكم
"أنا ممكن أقوم أخدك من إيدك، نعمل تشيك أوت ونمشي"
رفعت نظرها إليه بتوسل ثم ألقت نظرة خاطفةً حولها، لتدرك أن بعض الحضور قد بدأوا يلتفتون إليهما بفضول خفي.
اقتربت منه أكثر، وهمست بحذر
"اهدى يا يونس، الناس عمالة تبص علينا"
ارتفع صوت مسئولة الإعلام من على المنصة معلنة بصوت مميز
"ومع صاحبة الجائزة الأولى، الفنانة كارين رسلان العزازي، فلتتقدم إلى المنصة"
نهضت كارين ببطء، تتراقص أنفاسها بين التردد والقلق، عيناها تتنقلان بين زوجها الذي بدا كبركان يوشك أن ينفجر، والمنصة التي تنتظر صعودها.
خشيت أن ينفذ صبره في لحظة طائشة فيثير فضيحة تقلب هذا الحفل رأسًا على عقب.
التفتت نحو يونس الذي أومأ إليها على مضض، إيماءة أقرب إلى الأمر منها إلى التشجيع.
ازدردت ريقها ثم توجهت إلى المنصة بخطوات محسوبة، لا تخلو من الرهبة. كان ثوبها الأزرق ينحت جسدها برقي، يُبرز انحناءاتها دون ابتذال، يزيدها سحرًا فوق سحرها الطبيعي.
بدا وكأن اللون قد وُجد خصيصًا ليعانق بهاء بشرتها، بينما خصلاتها الذهبية المرفوعة في أناقة، فقد أضفت على عنقها الأبيض المياس إشراقةً ملكية.
وحين بلغت المنصة، وجدت نفسها تقف أمام مهند، عيناها اصطدمتا بعينيه، فتلبثت للحظة.
نظراته لم تكن عادية، بل حملت شيئًا جعل قلبها يجفل في صدرها.
أصابها التردد في مد يدها لتستلم الجائزة وكأن تلك المسافة الضئيلة بينهما صارت فجوة متسعة.
اقترب منها برأسه قليلًا وهمس دون أن تفارق عينيه عينيها
"أهلًا وسهلًا يا فنانة، نورتي المؤتمر"
ابتسمت و اجابت بصوت لم يخل من التوتر
"أهلًا"
قطع جملتها بابتسامة جانبية، وهو يمد لها الجائزة
"اتفضلي و بالتوفيق"
مدت يدها، لكنها ما إن لمست الجائزة حتى أحست بحرارة أنامله تلامس أناملها للحظة خاطفة.
رفعت عينيها إليه مجددًا فوجدته يبتسم ابتسامة خفيفة و غامضة، وكأنه يدرك تمامًا ما يفعله.
بينما الجهة المقابلة في الصفوف الأمامية، كان يونس يراقب المشهد بعينين تضيقان شيئًا فشيئًا حتى كاد الشرر يتطاير منهما...
مازال مهند يحدق نحو كارين بعينين متربصة بكل تفصيلة بها، تلتهم حضورها الجليل بنظرات جريئة.
شعرت بوخزة من الانزعاج فقبضت على الجائزة سريعًا وسحبت يدها مبتعدة، خطت خطوات رصينة إلى منتصف المنصة، تقف بثبات أمام الحضور، تتنفس بعمق وتحاول أن تزيح من عقلها ذلك الشعور غير المريح.
أمسكت بالميكروفون وابتسمت ابتسامة متزنة قبل أن تقول بصوت صاف يفيض امتنانًا
"أحب أوجه كل الشكر لكل المسئولين والمقيمين على الحفل، والشكر كله للحضور الكريم اللي شرفنا النهارده، لكن قبل أي حاجة، كل الحب والامتنان لشخص واحد، شخص وقف جنبي من أول خطوة في مشواري وبفضله بعد ربنا بقيت صاحبة أكبر جاليري في مصر، أنا بهدي له الجايزة وبقوله شكرًا على وجودك في حياتي، يا أغلى نعمة ربنا رزقني بيها"
ما إن فرغت من كلماتها حتى نهض يونس من مجلسه، لم يستطع أن يخفي أثر تلك العبارات على وجهه، ابتسم رغم ثقل المشاعر التي اجتاحته واتجه إلى المنصة بخطوات ثابتة.
وحين بلغها وقف جوارها، رفع يده برفق ليقبل رأسها أمام الجميع، كأنما يختم على حبها أمام الملأ، يعترف به في صمت يضج بالمعاني.
امتدت يد المسئولة الإعلامية، تناوله الميكروفون فتلقفه بتردد، ألقى نظرة خاطفة على كارين قبل أن يتحدث بصوته العميق، الذي بدا متأثرًا رغم محاولاته أن يبدو متماسكًا
"أنا في الطبيعي مش بعرف أتكلم في المناسبات اللي زي دي، لكن لو هقول حاجة، فأنا اللي عاوز أشكرها، كارين مش بس زوجتي دي أمي وأختي وصاحبتي وكل عيلتي، اللي عارفين قصتنا عارفين إحنا عدينا بإيه عشان نكون مع بعض في الآخر، وده بعد ما وقفت معايا قصاد أي تحديات أو صعوبات واجهناها مع بعض، يعني هي اللي تستحق الشكر و الجايزة و كل حاجة حلوة، شكرًا يا حبيبتي إنك موجودة في حياتي"
وضع يده حول خصرها، كأنما يعلن أمام الجميع أن هذا المكان لا يليق إلا به، قبّل رأسها من جديد، لكن هذه المرة، لم تكن قبلة امتنان فحسب بل إعلان ملكية، رسالة واضحة، لم يكن يعني بها الحضور، بل رجلًا بعينه!
توقف بصره عند مهند، كان ينظر إليه نظرة حازمة، مشبعة بالتحذير، أو ربما كانت أكثر من ذلك، كأنه يقول له دون أن ينطق-لا تقترب ولا حتى بالنظر-.
❈-❈-❈
جلست كلا من جيهان وصبا على أحد المقاعد الحجرية المزينة بالنقوش الأندلسية في حديقة قصر والدها.
بدا عليها أنها قد انتهت لتوها من البكاء، إذ كانت عيناها محمرتين، ووجهها يشوبه الشحوب.
نظرت إليها جيهان بحنان وقالت بصوت هادئ يحمل لمسة من العتاب اللطيف
"أظن كفاية عياط، وجه الوقت اللي تقولي اللي جواكي، ولو مش عايزة تحكي، ممكن تقومي تطلعي تغيري هدومك و تنزلي تفطري، وبعدها تنامي وتريحي دماغك خالص من التفكير"
اطلقت الأخرى زفرة طويلة، وكأنها تحاول التخلص من عبء ثقيل يضغط على صدرها، و بصوت خفيض متحشرج اخبرتها
"وهي فين الراحة يا چيچي؟!، أنا وصلت لمرحلة إنه خلاص كل شيء انتهى، البعد أريحلي، ليا و ليه"
لم تحتمل جيهان رؤيتها بهذا الانكسار، فنهضت من مقعدها وجلست بجوارها، وأمسكت بيدها برفق، كمن يحاول أن ينقل دفء الأمان والاطمئنان إليها.
"بيتهيألك إن البعد هو الأسهل، بس للأسف هو الأصعب، اللي بينك وبينه مش مجرد حب وعشق وهيام، اللي بينكم حياة وولاد زي القمر ما شاء الله"
صمتت لحظة، تراقب انعكاس كلماتها على ملامح صبا، ثم أضافت بنبرة تحمل يقينًا عميقًا
"كبريائك اللي بيتكلم، لكن عينيكي بتقول عكس كده، بتقول إنك بتعشقيه، ومش هتقدري تبعدي عنه، وفي نفس الوقت زعلانة منه جامد وموجوعة أوي من جواكي"
رفعت صبا عينيها إلى زوجة والدها، نظرة الغريق الذي يتشبث بقشة في بحر هائج، ثم همست بصوت مهزوز
"طب والحل؟!، أعيش معاه من غير كرامة؟!"
هزت الأخرى رأسها نفيًا بحزم، ثم شدت على يدها برفق
"لأ طبعًا، مش هرضى لك بكده، أنتي بنتي يا صبا، زيك زي ملك عشان كده بنصحك بالصح، وليكي حرية الفعل في النهاية، الحل لمشكلتك مع جوزك إنكم لازم تقعدوا مع بعض، تتكلموا أو حتى تروحوا لثيرابيست أو استشاري لحل المشاكل الزوجية، تحكوا لهم عن كل حاجة إيه اللي بتحبوه في بعض، وإيه اللي بيضايقكم من بعض، مش عيب ولا حرام تلجأوا لحد متخصص وفاهم، على الأقل دي تبقى أول خطوة في علاج المشاكل اللي بينكم، وطالما في مودة ورحمة وترابط، يبقى الأمل موجود"
ابتسمت جيهان ابتسامة هادئة وأخذت تربت على يد صبا بحنان عميق، ثم استطردت بثقة
"أنا واثقة إن قصي بيحبك وبيموت فيكي، وما يقدرش يبعد عنك، حتى لو كان قاسي، مش بعيد يكون دلوقتي قاعد بيلوم نفسه، وأول ما يعرف إنك سيبتي القصر، هييجي على طول عشان يصالحك ويرجعك على قصركم"
رفعت وجهها ونظرت إلى زوجة والدها نظرة ممتلئة بالشك والألم
"ما أظنش إنه هيعمل كده، ده هددني لو سيبت القصر وجيت هنا مش هلوم غير نفسي،انتي ما تعرفيش حاجة يا چيچي، ومش كل الكلام ينفع يتقال"
كادت جيهان أن ترد عليها، لكن انتباهها تحول إلى اقتراب عابد منهما، يمسك بهاتفه ووجهه يحمل مزيجًا من القلق والجدية.
ما إن وصل إليهما حتى سأل بصوت هادئ لكن قاطع
"إيه الأخبار؟، بقت كويسة؟"
أجابت جيهان بسرعة، محاولة أن تبدد قلقه
"الحمد لله، هي بقت أحسن إن شاء الله"
جلس زوجها بجوار ابنته، ثم نظر إليها وقال بنبرة واثقة
"على فكرة، قصي لسه قافل معايا حالًا، قال لي إنه جاي في الطريق، عشان ياخدك أنتي والأولاد"
ارتجفت أناملها لوهلة، ونظرت إلى والدها بذهول، وكأنها لا تصدق ما سمعته.
تُرى، هل يكون هذا اللقاء بدايةً لنهاية أزمتها، أم مجرد محطة أخرى في دوامة الألم؟
❈-❈-❈
في قاعة الاحتفال، حيث تعالت الأحاديث وتناثرت الضحكات في الأرجاء، كان المشهد ينبض بالحياة.
بعد انتهاء مراسم التكريم، انتقل الضيوف إلى قاعة أخرى أُعدت بعناية لاستقبالهم، حيث امتدت الموائد الفاخرة تحمل أشهى الأطباق وألوانًا من الحلوى والمشروبات.
الأضواء الدافئة تنعكس على الأسقف المزخرفة، فيما يتسلل صوت الموسيقى الهادئة ليضفي على الجو لمسة من الألفة والبهجة.
جلست كارين برفقة زوجها حول إحدى الطاولات، لكن الضيق كان جليا على ملامحها وهي تقلب هاتفها بين يديها، لتتمتم بغيظ
"الفون هايفصل ومفيش شبكة، الله يسامحك"
رفع زوجها عينيه نحوها، ممسكًا بشوكة طعامه بينما يلوك الطعام ببطء، ثم رد بنبرة لا تخلو من اللامبالاة
"وأنا ذنبي إيه طيب؟"
رمقته بامتعاض، وملامح الاستياء تزداد على وجهها
"لأنك أول ما وصلنا مادتنيش فرصة لأي حاجة، وخلتني نسيت أشحن الفون وعايزة أطمن على چولي و رسلان"
دون أن يظهر تأثرًا بشكواها، أخرج هاتفه من جيبه ومده إليها قائلًا
"خدي كلميهم من عندي، وأول ما تخلص الحفلة هانطلع السويت بتاعنا، هاشحن لك الفون وصاحبته كمان"
اختتم عبارته بابتسامة تحمل من المكر ما يكفي ليُفصح عن نواياه، فالتقطت كارين الإشارة على الفور، وزاد ضيقها به. تبسمت بغيظ وهي تميل نحوه قليلاً، لتهمس بنبرة ساخطة
"أنت فايق ورايق أوي"
دفعت الكرسي إلى الخلف ونهضت، أكملت وهي تتحرك مبتعدة
"أنا قايمة هاشوف signal بره في اللوبي"
راقبها زوجها بنظرة مرحة قبل أن ينهض بدوره، يمسد ذقنه بتفكير وكأنه يدرس خطواته القادمة، ثم قال وهو يتجه صوب طاولة البوفيه
"وعقبال ما تخلصي مكالمتك، هاروح أنا للبوفيه أجيب لنا كام طبق، دول عليهم نجريسكو تهوس"
توقفت كارين في منتصف الطريق، قبضت أصابعها بقوة وهي تجز على أسنانها، ثم زفرت بضيق قبل أن تتابع سيرها، تقاوم رغبتها في الالتفات إليه وإلقاء أي شيء على رأسه.
في بهو الفندق، حيث الأضواء المعلقة تنثر وهجًا ناعمًا على الأرضية الرخامية، وقفت تحاول التقاط إشارة جيدة لهاتفها.
تنفست بعمق وأوشكت أن تجري المكالمة، لكن فجأة اجتاحها ألم حاد في صدرها، كأن سكينًا باردة انغرست في ضلوعها.
تذكرت أنها لم تتناول أقراص الدواء منذ قدومها إلى هنا، وما زاد الألم توترها الذي ازداد كثافة، كضباب ثقيل يحيط بها من كل جانب.
حاولت مرة أخرى، غير أن يدها ارتجفت على غير إرادتها، فانزلقت منها أناملها على الهاتف، ليسقط أرضًا محدثًا صوتًا خفيفًا لكنه دوى في أذنيها كأنه إعلان عن كارثة.
شهقت بفزع وانحنت لتلتقطه، لكن صوتًا جهورًا أوقفها بلطف حازم
"متوطيش"
رفعت رأسها سريعًا، فوقع نظرها عليه. كان واقفًا أمامها، ينظر إليها بثبات، عيناه تحملان ذلك المزيج الغريب من الحدة والغموض.
انحنى ببطء والتقط الهاتف، ثم مده نحوها قائلاً بنبرة هادئة ولكنها آمرة
"اتفضلي"
تناولته منه دون أن ترفع نظرها إليه، ثم قالت بجفاء وهي تهم بالمغادرة
"عن إذنك"
كادت تخطو مبتعدة، لكنه أمسك بمعصمها، قاطعًا عليها طريق الفرار. انتفضت تحت وطأة لمسته، والتفتت إليه بحدة، لكن نظراته كانت أشد وطأة من قبضته.
عينيه اخترقتاها كأنهما تفتشان عن شيء خفي داخلها، ثم قال بصوت خافت لكنه نافذ، كمن اعتاد أن يُطاع
"فين كلمة شكراً؟"
لم تأبه لسؤاله، بل لم تعبأ حتى بإلحاحه، فما كانت تريده فقط هو أن يترك يدها، فهتفت بغضبٍ مكتوم
"سيب إيدي يا أستاذ مهند"
لكن بدلاً من أن ينصاع لطلبها، شد قبضته أكثر، فاضطربت أنفاسها وتضاعفت نبضات قلبها الضعيف.
التوتر، الألم والخوف، اجتمعوا جميعًا ليشكلوا دوامة اجتذبتها نحو الهاوية.
تلاحقت أنفاسها، شعرت بجفاف حلقها، ثم بدأت الدنيا تظلم شيئًا فشيئًا من حولها.
ترنّحت فهرع لاحتضانها قبل أن تهوي أرضًا، نظر سريعًا إلى الجانبين، متفحصًا المكان.
لم يكن ثمة أحد يعرفها أو يعرفه، مجرد موظفين وعاملين غير مبالين بما يحدث.
لم يتردد لحظة، بل انحنى وحملها بين ذراعيه، ماض بها إلى المصعد بخطوات سريعة!
الفصل الثالث عشر
ما زالت تائهة بين موج وموج
تسأل عن ماض يطاردها
عن كوابيس تحاصرها
عن حقيقة تخشى أن تخرج للنور فتوجعها
وهو هناك بين الصبر. والرجاء
يحملها بنظراته بحنانه
يهمس لها لا تخافي أنا معكِ
وكأنه قسم من قلب لا يعرف الجفاء
على مشارف مدخل محافظة القاهرة، كان منطلقًا بسيارته بعد أن قرر العودة، أو ربما أدرك أن المغادرة باتت ضرورة، لا من أجله بل من أجل تلك التي تجلس إلى جواره، تحدق عبر النافذة بشرود، تغوص في لجُة مصيرها المجهول.
منذ اللحظة التي عرض عليها الزواج، تبعثرت مشاعرها، رغم يقينها بدوافعه الخفية خلف هذا الطلب كان الجواب ثقيلًا على لسانها، لا تدري أترفض أم تقبل؟، لم ترغب أن تكون عبئًا عليه، فهي كما ترى مجهولة الهوية، فاقدة للذاكرة، لا تعلم من تكون ولا أين تنتمي.
بينما هو طبيب ينتمي إلى عائلة ثرية، ينتظره مستقبل مشرق، وحين يفكر في الزواج، فلا بد أن يختار امرأة تليق به، لا امرأة تائهة في متاهات النسيان.
كانت هذه الأفكار تعصف بذهنها، وانعكاسها بدا جليا على ملامحها التي يغلب عليها الحزن والهموم.
لم تلحظ عيناه التي تراقبها بطرف خفي، يتابع تقلب تعابير وجهها؛ تارة يغمرها التوتر، وأخرى يغلب عليها الأسى.
كل يوم يكتشف فيها صفة أصدق وأنبل من سابقتها، يكفي أنها حين طلب منها الزواج، أبت ورفضت على نقيض أي امرأة لو كانت في ذات الظروف التي مرت بها، لكانت قبلت دون تردد سيما أنه يجسد أحلام الفتيات في فارس أحلام مكتمل الصفات.
لكنه أيقن سبب رفضها؛ فقد أدرك أنها شعرت بأن مطلبه هذا لم يكن سوى ضرب من الشفقة، وهي رغم قسوة ما تمر به، تأبى أن تكون محل شفقة أو تُجرح كرامتها بتوبيخ ومعايرة، كما فعلت والدته معها.
و بعد مرور وقت...
داخل حي مصر الجديدة، حيث المنازل ذات التراث العريق والمباني التي تحكي قصص الزمن الماضي، توقفت السيارة أمام مبنى قديم.
لاحظت أميرة توقف السيارة، فاعتدلت في مقعدها ونظرت إليه متسائلة، وقد شاب نبرتها بعض التوجس
"إحنا وصلنا؟"
ابتسم رحيم ابتسامة خفيفة، كأنما يحاول انتشالها من أفكارها المثقلة بالحزن، ثم رد بمزاح خفيف
"لأ، لسه في إسكندرية"
تسللت شبه ابتسامة إلى ثغرها، ولمعت عيناها ببريق صاف أشبه بالذهب المصقول.
أردفت
"طيب، إحنا وقفنا هنا ليه؟"
لكن سؤالها تلاشى مع صوت قادم من ناحية بوابة المبنى.
كان حارس العقار، رجل من الوجه القبلي يرتدي جلبابًا بسيطًا، تقف على وجهه علامات الطيبة والخبرة التي نحتها الزمن
"أهلًا وسهلًا بالدكتور الغالي، ابن الغاليين"
ارتسمت على وجه رحيم ابتسامة دافئة وهو يرد
"الله يكرمك يا عم ربيع"
"الله يبارك لك يا دكتور رحيم، أنا جيبتلك واحدة نضفت الشقة وخليتهالك فلة"
أخرج رحيم محفظته وأخذ منها بضع أوراق نقدية، ثم مد يده بها إلى الرجل
"تسلم يا عم ربيع"
لكن الحارس وقد بدا عليه الامتناع، لوح بيده مستنكرًا
"وعليا الطلاج ما هاخد چنيه واحد، يا بيه، خيرك سابق، ده أنا لحم اكتافي من خيرك وخير البيه الوالد الله يرحمه"
قطب رحيم حاجبيه وهو يرد بلطف حازم
"ما تحلفش لأزعل منك، دي حاجة بسيطة"
ازدادت ملامح عم ربيع إصرارًا وهو يقول بابتسامة ودودة
"خلاص يا بيه، يرضيك أطلج الچماعة بتوعي؟!"
ضحك الأخر وهو يهز رأسه قائلاً
"لا طبعًا، ربنا يبارك ما بينكم"
ثم اقترب الحارس منه بعض الخطوات، كمن يحمل سرا، وهمس إليه
"بقولك إيه، زي ما اتفقنا، أوعي والدتك تعرف إن قريبة البيه الوالد الله يرحمه هنا"
هز رحيم رأسه، وقد علت وجهه نظرة فهم ممتزجة بالحنين
"عيب يا بيه سرك في بير، البيه والدك الله يرحمه كان بيچي هنا يقعد بالأيام، كل ما يزهق من الدنيا والناس، ده غير إن والدتك فاكرة إنه باع الشقة دي من زمان"
ألقى رحيم بنظره إلى الأمام، كأنما يرى أطياف ذكريات قديمة، مشاهد من طفولته عندما كان يشهد شجار والديه المتكرر، وكانت والدته لا تكف عن توبيخ والده، متهمة إياه بأنه طيب إلى حد السذاجة، يقوم الجميع باستغلاله
أغمض عينيه، راغبًا في طرد هذه الذكريات بعيدًا عن ذهنه، ثم زفر ببطء وقال للحارس
"تمام يا عم ربيع روح أنت، ولو فيه أي حاجة هاكلمك، بس مش هوصيك، آنسة أميرة أمانة في رقبتك طول ما أنا مش هنا"
أشار الحارس إلى عينيه، في لفتة تدل على الوفاء والاطمئنان
"العين دي قبل العين دي يا دكتور، وطلباتها أوامر"
"تسلم يا عم ربيع"
حينما التفت رحيم إلى أميرة، وجدها تنظر أمامها في استحياء، وكأنها تخشى التقاء نظراتهما.
تأملها للحظة قبل أن يقول بصوت هادئ
"يلا ننزل؟"
فتحت الباب ونزلت، وهو أيضًا، ألقت نظرة على المبنى، وإذا بألم مباغت يداهم رأسها، فتهاوت الصور في ذاكرتها كالأمواج المتلاطمة، مستحضرة ماضي بعيد لمبنى حديث شاهق الارتفاع وبدلًا من رحيم، كان هناك رجل آخر ذو ملامح مبهمة، لكنها رأت فمه وابتسامته بوضوح، يمد يده نحوها في دعوة صامتة.
ارتعش جسدها رغمًا عنها، وتناهى إلى مسامعها صوت بعيد
"أنتِ كويسة؟"
ضيقت عينيها لتتبين صاحب الصوت غير أن الرؤية ازدادت تشوشًا، واختلط صوتان مختلفان في أذنها؛ أحدهما يناديها "أميرة!"، والآخر يردد "ياسمين!"
قبل أن تسقط أرضًا، كان رحيم قد لحق بها وحملها بين ذراعيه بثبات.
من بعيد لمح الحارس المشهد فأسرع إليهما وسأله بقلق
"مالها الهانم؟ ألف سلامة عليها"
أجابه رحيم وهو يسابق الخطى نحو المبنى
"معلش يا عم ربيع، اسبقني على فوق وافتح باب الشقة بسرعة"
هز الرجل رأسه بإذعان
"أمرك يا دكتور"
صعد الدرج متجهًا إلى المصعد العتيق، الذي لا يزال محافظًا على طرازه القديم، بينما رحيم كان يحدق في وجهها، يراقب ارتجاف جفونها وهذيانها بكلمات غير مفهومة، تفتح عينيها لوهلة ثم تغلقهما من جديد.
ناداها برفق محاولًا إعادتها إلى وعيها
"أميرة؟ سامعاني؟"
حين وصل إلى الطابق المطلوب، وجد الباب مفتوح على مصراعيه.
دلف إلى الداخل ولا تزال بين ذراعيه، فاستقبلته رائحة الماضي العتيق، تلك التي لطالما التصقت بجدران المنزل العريق، الذي شُيد منذ خمسينات القرن الماضي.
سقف عال، أكثر من أربع غرف وردهة فسيحة تكتظ بالأثاث العتيق.
اتجه مباشرة إلى إحدى الغرف، حيث وضعها فوق الفراش بحذر.
ما إن تأكد من أنها مستقرة، حتى غادر الغرفة بخطوات مسرعة متجهًا نحو غرفة أخرى بدت كمكتب خاص.
فتح خزانة صغيرة، وأخذ يتمتم لنفسه بقلق
"يارب يا بابا متكونش اتصرفت في أي حاجة من حاجات جدي"
وجد ضالته أخيرًا، حقيبة جلدية مهملة في زاوية خفية، كأنها تنتظر من ينفض عنها الغبار ويعيد إليها الحياة.
فتحها بعجلة، فلمع بريق سماعة فحص طبية تحت ضوء المصباح الخافت، يجاورها جهاز لقياس الضغط وبعض الأدوات الأخرى، أغلق الحقيبة بحركة سريعة وعاد إلى حيث ترقد أميرة، جسدها يرتجف تحت الغطاء كزهرة تذبل تحت وطأة الصقيع.
أمسك بمعصمها، أنامله تتحسس نبضها الواهن ثم التقط جهاز الضغط، وضعه حول ذراعها، وضغط على المضخة في توتر حتى ظهرت القراءة… منخفض.
انقبض قلبه فالتقط هاتفه على الفور وأجرى مكالمة سريعة، صوته يتشابك بين الحزم والاستعجال
"اطلع يا عم ربيع، هبعتلك ورقة فيها أسماء أدوية، تجيبها من أقرب صيدلية وتيجي بسرعة"
أنهى المكالمة ودون الأسماء في خط ثابت لا يعرف التردد، ثم ناول الورقة للحارس، وعاد بخطوات مسرعة إلى أميرة.
كانت ملامحها مكفهرة، وكأنها تغوص في كابوس يوشك على ابتلاعها.
جلس على عقبيه بجوار الفراش، اقترب منها بحذر كمن يقترب من غصن هش يخشى أن ينكسر بين يديه، ثم ناداها بصوت خافت حتى لا يفزعها
"أميرة؟"
ظل يردد اسمه كمن يحاول انتشالها من أعماق اللاوعي، حتى ارتعشت جفونها وداهمها طيف مشؤوم، وجه محمود ابن السيدة خيرية، يلوح أمامها ضاحكًا بخبث وشر متربص يتغلغل في ملامحه.
ارتعش جسدها كمن أصابته صاعقة، فجأة انتفضت جالسة بفزع، صرخت بصوت مرتجف
"لأ"
صدرها يعلو ويهبط بسرعة، أنفاسها متلاحقة كأنها عادت من الموت للتو. راحت تنظر حولها في ذهول، كأنها تحاول التمسك بشيء مألوف ينقذها من دوامة الذعر التي تلتف حولها.
إلى أن وقعت عيناها على رحيم، كان جالسًا إلى جوارها، يراقبها بعينين تفيضان بالهدوء ثم ابتسم في رفق، وبمزاح خفيف قال
"حمدالله على السلامة"
كانت كلماته كموجة دافئة ارتطمت بساحل روحها المتعبة، لكن قلبها ما زال يترنح بين الماضي والواقع، بين الخوف والحقيقة.
حدقت إليه بعدم فهم، كأنها تائهة بين الحلم واليقظة، تبحث عن إجابة لسؤال لم تدركه بعد.
شفتاها ارتجفتا بغير وعي، قبل أن تهمس بصوت واهن
"هو حصل إيه؟، آخر حاجة فاكرها لما نزلنا من العربية، حسيت بدوخة ومش فاكرة أي حاجة بعدها"
نهض وجلس إلى جوارها، متكئًا على حافة السرير، عيناه مسكونتان بقلق دفين، لكنه حاول إخفاءه وهو يجيبها بنبرة هادئة
"كل اللي حصل إنك عشان مابتاخديش علاجك بانتظام وماكلتيش كويس بقالك كام يوم، طبعًا ضغطك نزل وجالك تشنجات وشبه حالة إغماء"
ازدردت ريقها بصعوبة، بينما عيناها امتلأتا بأسى واضح، كأنها تلوم نفسها أكثر مما يلومها هو.
أطرقت برأسها قليلًا و رفعتها بحرج ثم همست بصوت خفيض
"أنا مش عارفة أعتذرلك عن إيه ولا إيه... أ...
كفه ارتفعت بإشارة حاسمة ليقطع حديثها، وعيناه ثبتتا عليها بحزم
"مش إحنا اتفقنا مفيش بينا الكلام ده؟ وإنك ورايح مسئولة مني؟ حتى لو موافقتيش على طلب جوازي منك، برضه مش هتخلي عنك مهما حصل"
صمتت، لكن عينيها أفصحتا عن أشياء كثيرة لم تنطقها، كأن كلماته لامست شيئًا خفيًا بداخلها، شيئًا يرفض التصديق لكنه يتمنى أن يكون حقيقة.
ابتسمت وتلألأ وجهها كالقمر ليلة اكتماله.
شرد في ملامحها التي سحرت عينيه رغمًا عنه، وكأنها تغزلت في روحه قبل أن تلامس نظره.
لم يدرك أنه تحدث بصوت مسموع حتى فاجأته كلماته نفسها
"ضحكتك حلوة أوي، زي القمر"
تغضنت وجنتاها بخجل، واحمرت بلون الورود المبتلة بندى الفجر.
حمحم بحرج، ونهض يحك عنقه كأنه يبحث عن مفر من اعتراف غير مقصود، ثم قال بسرعة
"أنا، أنا رايح هحضرلك حاجة تاكليها، عقبال ما عم ربيع يجيبلك الأدوية"
تحرك مبتعدًا، لكنه ما لبث أن توقف فجأة، استدار إليها مجددًا وقال بنبرة جادة
"ونسيت أقولك، إن شاء الله بكرة هاخدك لاستشاري مخ وأعصاب جاي من لندن، كنت باعتله إيميل عن حالتك ومعاه التقارير اللي خدتها من المستشفى، ورد عليّ وقال إنه هيوصل بكرة الصبح، هنروح له، وبعد ما يطلب أشعة وتحاليل، هيقرر ينفع نعملك العملية ولا لأ"
قطبت جبينها بضيق وعيناها تقلبت بين الخوف والرفض ثم تمتمت بشك
"عملية إيه؟"
وبعد لحظة صمت، أكملت بحدة
"تقصد العملية اللي قولتلي عليها قبل كده؟، بس أنا مش عايزة أعملها"
نظر إليها بدهشة، لكن قبل أن يتكلم، استرسلت بلهجة مرتعشة
"مش خايفة من الموت، أنا خايفة لو نجحت العملية وعرفت أنا مين، ألاقي كابوس أو حقيقة يكون وضعي الحالي أرحم منها بكتير"
ضاقت عيناه بغموض، ثم قال ببطء
"يعني عاجبك حالات الإغماء والتعب اللي بتجيلك كل وقت والتاني؟"
رفعت عينيها إليه بحزن، وأجابت بصوت خافت لكنه محمل بأثقال من الألم
"مفيش حد بيعجبه التعب والمرض يا دكتور، أنا حاليًا نفسيًا متدمرة، بقيت أخاف أنام عشان ماحلمش بكوابيس، وحاسة إني عايشة مهددة، هتصدقني لو قولتلك إني بخاف أنزل الشارع لوحدي؟، هواجس كتير بتطاردني، خايفة أتحول لمريضة نفسية أو أتجنن"
ألتقطت أنفاسها ثم اردفت بضعف
"أنا تعبانة أوي يا رحيم، تعبانة نفسيًا أكتر من تعبي الجسدي"
لم تستطع منع الدموع التي انهمرت كالسيل، فتوقف الزمن للحظة كأن العالم كله بات محصورًا بين نظراتهما.
مد يده يمسح دموعها برفق وقال بصوت دافئ كحلم في ليلة باردة
"ماتخافيش طول ما أنا جنبك"
ثم ابتسم بعفوية، وأردف مازحًا ليخفف عنها
"وعلى فكرة، أنا ما استسلمتش لسه، وهفضل أقولك تتجوزيني لحد ما تقولي، أجل يا طبيب، موافقة وهيا بنا إلى أقرب مأذون"
ضحكت وسط دموعها، كأن مزاجها تغير بلحظة، لكنها عادت لتسأله هذه المرة بجدية
"ولو وافقت والدتك هتوافق؟، هتقول للناس إيه لما يسألوك عني؟ هي مين؟ مين أهلها وأصلها وعيلتها؟!، وأنا ماعنديش حاجة أقدر أقدمها لك"
نظر إليها بعمق و اخبرها بثقة
"وأنا مش عايز منك أي حاجة، وسبق وقولتلك جوازنا مش هيخلي حد يقدر يقربلك، وهتفضلي في أماني وحمايتي، وبالنسبة لماما عمرها ما هتقف في طريق سعادتي"
تأملته بحيرة، ثم تمتمت بتردد
"وأنت سعيد معايا؟"
ابتسم وأجاب بسؤال آخر
"وأنتِ شايفة إيه؟"
ابتلعت ريقها، ونظرت بعيدًا للحظات قبل أن تهمس
"أنا شايفة تديني فرصة أفكر، على الأقل أكون مستعدة نفسيًا"
شرد قليلًا، كأنه يفكر في أمر هام وأخبرها بنبرة واثقة
"حالتك النفسية علاجها موجود عندي"
نظرت إليه بتوجس، وقالت ببطء
"مش فاهمة، تقصد إيه؟"
ابتسم بغموض واجاب بهدوء
"اديني وقت وهتعرفي كل حاجة بنفسك المهم، أنتِ واثقة فيا قبل كل شيء؟"
هزت رأسها بالإيجاب دون تردد، وابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيها وهي تهمس بصوت صادق
"ومن أول يوم شوفتك"
ساد الصمت بينهما، لكنه لم يكن صمتًا عابرًا بل ذلك النوع الذي يحمل بين طياته آلاف الكلمات غير المنطوقة، ويدوي في الأجواء رغم هدوئه.
❈-❈-❈
يمكث قبالة المدفأة ذات النيران المشتعلة، يرفع كأسه إلى شفتيه مرة بعد أخرى، يرتشف نبيذًا أحمر كدمائه التي تغلي في عروقه.
انعكست ألسنة اللهب في عينيه المضطرمتين، فيما كانت الأخشاب تتآكل تحت وطأة النار، كما يتآكل قلبه تحت وطأة الذكريات.
كلما استعاد خيانتها الآثمة، تآكلت روحه أكثر واشتد وجعه كأن جراحه لم تندمل قط.
كان القيصر قد همس له بصوت حذر، كلماته كسهام مسمومة تخترق وعيه
"احذر من تلك الحية، أنتَ مجرد وسيلة لتصل إلى غايتها"
ترددت الكلمات في ذهنه كصدى بعيد، ومنذ أن عاد بها إلى القلعة، لم يفارق خياله مئات السيناريوهات الانتقامية التي راودته.
أراد أن يعاقبها، أن يذيقها ذات الألم الذي تجرعه، أن يجعلها تتوسل عند قدميه طلبًا للصفح، لكنه سقط في شَرَك قلبه... وهذا ما يثير جنونه.
كيف له أن يتردد؟ كيف يسمح لعاطفته أن تقوده وهو الذي لم يعرف للرحمة سبيلًا؟!
قطع شروده صوت خطوات منتظمة تخترق صمت المكان، ارتفع صدى ارتطام كعب الحذاء بالأرضية الرخامية، حتى وقفت صاحبة الخطوات عند مدخل القاعة، وانحنت قليلًا قبل أن تقول بنبرة يكسوها التردد
"سيدي، السيدة سيلينا لم تأكل شيئًا إلى الآن، كلما أدخل إليها الغرفة وأضع صينية الطعام، لا تنظر إليها حتى وتمر الوجبة تلو الأخرى دون أن تتناول لقمة واحدة"
لم ينبس ببنت شفة، ظلت نظراته مسمرة على النيران المتراقصة أمامه، وكأنما يستمد منها يقينًا.
وبصوت أجش حاسم أمرها
"اذهبِِ أنتِ الآن"
انحنت الخادمة مرة أخر وانصرفت على الفور، بينما نهض هو بخطوات ثابتة واتجه نحو الدرج الحجري المؤدي إلى الأسفل.
فُتح الباب الحديدي الكبير بصرير ثقيل اخترق السكون، وتلاه باب آخر بعد خطوات معدودة.
كان المشهد يوحي بالرهبة، بل يبعث في النفس رجفة لا إرادية.
سار في ممر طويل، تتراقص ظلاله تحت إضاءة خافتة تزيده وحشة، مع برودة رطبة تتسلل إلى العظام، كأنك تخطو بين جدران سجن روماني قديم، حيث تختلط الرهبة بالغموض.
توقف أمام باب حديدي أقل حجمًا من البوابة الرئيسية وإلى جانبه قفل إلكتروني لا يُفتح إلا ببصمة اليد.
وضع كفه فوق اللوحة، فتوهجت الأضواء الصغيرة بلون أحمر قبل أن تصدر صوتًا ميكانيكيًا خافتًا، وانفتحت الأقفال تلقائيًا.
عبر العتبة بخطوات ثابتة، وما إن دلف إلى الداخل حتى بدت الغرفة أشبه بزنزانة معتمة، تجرد السجين من كل أمل، وتهيئه لأسوأ أيام حياته.
كانت جالسة في الزاوية، تسند ظهرها إلى الجدار البارد، وقد ضمت ساقيها إلى صدرها، تحتمي من قسوة البرد بين ذراعيها.
رغم أن المكان مدعم بنظام تدفئة مركزي، إلا أنه تعمد تعطيله هنا، في هذه الغرفة تحديدًا، كما يفعل دائمًا مع كل عدو يقع في قبضته، أو كل خائن يحاول التمرد عليه.
تقدم بخطوات رتيبة، لم يكن بحاجة إلى إصدار صوت، ومع ذلك شعرت بقدومه قبل أن ترفع رأسها.
لم تكن بحاجة إلى أن تراه لتعرف أنه هو، فذاكرتها لا تزال تنزف من ذاك اليوم، حين جرها من خصلاتها كما يُساق الشاة إلى الذبح.
فعندما فاجئها بوجوده في منزل التابع للقيصر، ولج في سكون وألقى عليها معطفه الثقيل بعنف، لم يكن فعلًا نابعًا من شفقة، بل كان غطاءً فرضه عليها لتستر جسدها، إذ لم تكن ترتدي سوى الغلالة والمأزر الخاص بها فوقها، استعدادًا للقاء حميمي مع القيصر، ألد أعدائه!
وعند عودتهما إلى القلعة، لم يمهلها لحظة لالتقاط أنفاسها.
نزلت من السيارة، فأطبق على خصرها بذراعه وسار بها وسط رجاله و الحراس المنتشرين في الأرجاء يراقبون المشهد في صمت مطبق.
لم ينبس ببنت شفة حتى بلغا هذا المكان، حيث يقف الآن.
عندها رفعت رأسها أخيرًا، تحدق فيه بعينين زائغتين، وكأنها تستجدي منه شفقة لن تأتي.
بصوت مرتعش، حاولت أن تتوسله
"رجاء فلاد انصت لي...
كادت تنهض و تمسك بيده فأوقفها باشارة من يده و أمرها بصوته الأجش
" كلمة أخرى و سأقتلع لسانك بيدى"
ازدردت ريقها بصعوبة، عينها تتعلق به كالغريق الذي يبحث عن طوق نجاة، لكنه لم يمنحها سوى مزيد من الهاوية.
ارتسمت على وجهه ابتسامة قاتمة، لا تحمل أي رحمة.
كان الهواء مشبعًا برائحة دخان التبغ الممزوجة بعطره النفاذ، وعبق الخمر الذي يتسلل بين أنفاسه، كأنه طيف من الظلام يحوم حولها، يحيط بها من كل جانب، يخنقها دون أن يلمسها.
وقفت أمامه، ووجهها شاحب، وعيناها تنضحان بالقهر، لكنها لم تتفوه بحرف واحد.
رفع حاجبه بازدراء وسألها بصوت منخفض يحمل نذير الخطر
"لماذا لا تأكلين؟"
لم تجب بل تجاهلت سؤاله كأنها لم تسمعه، لكن صمته لم يدم طويلًا، إذ عاد يسألها بنبرة ملؤها الغضب الكامن
"ألم تسمعي؟ أم أصابك الصمم؟"
رفعت رأسها ببطء، نظرت إليه بعينين تحدقان في وجهه ببرود، وكأنها تعلن تحديها الصامت، ثم نطقت بجملة مقتضبة حملت بين طياتها كل ما تشعر به من رفض
"لا أريد"
انحنى أمامها وارتكز على عقبيه، رفع يده إلى شعرها الأشقر، يعبث به ببطء كمن يربت على حيوان أليف قبل أن يُجهز عليه، ثم همس بصوت خفيض لكنه محمل بالتهديد
"الطعام هنا ليس اختياريًا بل إجباريًا"
جذب خصلاتها بين أصابعه، شدها قليلًا حتى مال رأسها للخلف، ثم تابع بصوت خبيث يتسلل إلى أعماقها و كأنه سم زعاف
"لا تتعجلي أمر موتك، فما زال لديك متسع من الوقت، هيا أخبريني ما الصفقة التي بينكِ وبين القيصر؟ وما المقابل؟، أهو جسدكِ؟! هل بعتِ نفسكِ له كعاهرة بلا ثمن؟"
ارتجف جفناها، لكنها تماسكت، رفعت عينيها بحدة، كانت نظرتها صريحة ومليئة بالكراهية والعداء، ثم أجابته ببرود قاتل
"ليس من شأنك"
ضحك ضحكة قصيرة خالية من المرح، ثم اعتدل واقفًا، تمتم بصوت خافت ساخر
"أجل، إنه بالفعل ليس من شأني"
لكن كلماته الأخيرة بالكاد خرجت من شفتيه، إذ عاجلها بجذب خصلاتها بعنف ضار، أجبرها على إمالة رأسها، حتى أصبح وجهها قبالة وجهه، أنفاسه الحارة تلفح بشرتها، وعيونه تخترق أعماقها، رأى الخوف الذي تحاول إخفاءه.
ابتسم ابتسامة قاتمة، ثم رفع يده الأخرى، وهوت كالسوط على وجهها بصفعة مباغتة، ارتد رأسها للخلف تحت وطأة الألم، وصرخة حادة شقت حنجرتها، لكنها لم تلبث أن تلاشت في الفراغ.
همس وكأن الصفع لم يكن سوى بداية ناعمة لما هو آت
"ما زال الوقت مبكرًا على الصراخ، وقت الحساب لم يحن بعد، والآن قولي لي الحقيقة، لأنني إن اكتشفتها من مصادري الخاصة، وليس منكِ، فحينها ستتمنين الموت من فرط العذاب الذي ستتلقيه علي يداي"
شعرت بحرارة الألم تتغلغل في خدها، وفروة رأسها تكاد تُقتلع مع خصلاتها، لكنها تماسكت، عضت على أسنانها، وأجبرته على سماع صوتها، رغم كل شيء
"وماذا ستفعل معي؟"
ثم انفجرت ضاحكة، ضحكة مجنونة مشبعة بالمرارة، وكأنها تتحدى عذابها، أردفت بصوت يحمل من الألم أكثر مما يحمل من السخرية
"هل ستجعل رجالك يتناوبون عليّ، كما فعل شقيقك بي من قبل؟"
دفعها نحو الجدار تاركًا خصلاتها،فتراجع إلى الخلف مع قوة اندفاعها نحو الجدار، أطلق ضحكة متهكمة حادة كنصل السبف، ثم أخبرها بصوت مشحون بالسخرية والقسوة
"أنا لست نيكولاس بلا نخوة، وليتكِ أدركتِ الفرق بيننا قبل فوات الأوان، لقد أخطأت حقًا حين منحتكِ قيمة ومكانة لا تستحقينها، كنت أصم أذني عن حديث أخي، حينما كان يخبرني عن أفعالكِ القذرة، ظننتُ أنه يسعى إلى إبعادي عنكِ بدافع الكراهية، لكن ليتني أصغيتُ له! كنتُ مخطئًا، فشقيقي كان محقًا، أنتِ لستِ سوى عاهرة لكل الرجال"
شعرت بطعنة في صدرها من كلماته، لكن كبريائها لم يسمح لها بالاستسلام أو الانكسار، اعتدلت بصعوبة تتلمس بيدها الجدار خلفها حتى استوت واقفة رغم الألم الذي كان يتخلل عظامها.
رفعت وجهها المدمى إليه، وبعينين تضجان بالسخرية سألته بنبرة متهكمة
"ولما طلبت الزواج بي إذًا؟ وأنتَ ترى فيّ امرأة بلا شرف؟!"
لم تمنحه فرصة الإجابة، بل اقتربت منه رغم الألم، رغم النزيف الذي خط شفتها السفلي أثر صفعته، رغم الوجع الذي خلفه عنفه عليها، اقتربت أكثر حتى لامست أنفاسُها الساخنة وجهَه المتجهم وهمست بثقة وزهو
"سأخبرك أنا فلاديمير، لأنني أجري في عروقك كما تجري دماءك بها، لأنك تعشقني، لأنك متيم بي حتى الجنون، أليس كذلك؟"
تشنج فكه من وقع كلماتها، وأظلمت عيناه بالغضب، فقد لامست في قلبه وترًا حساسًا، وكأنها ضغطت بجرأة على موضع الجرح الذي كان يحاول إنكاره.
هي تعرف مدى عشقه لها، وتتمادى في إذلاله بتلك المعرفة، تستفزه لأنها تعلم أنه لن يؤذيها، أو هكذا كانت تظن.
لكن الحمقاء لم تدرك أن للصبر حدودًا، وأن بركانه الخامد قد بدأ بالثوران.
لم يرَ أمامه سوى غيمة سوداء حجبت كل منطق، فلم يشعر بنفسه إلا وهو يطبق بيده على عنقها، ويدفعها بقوة نحو الجدار البارد.
شهقت وهي تشعر بقبضته تزداد إحكامًا حول عنقها، نظرت إليه برعب، فهي تعلم أنه حين يغضب لا يعود يعرف للرحمة طريقًا، وأنه حين يصل إلى هذه المرحلة، فهو كالنار المضرمة، لا تهدأ حتى تحرق كل ما يمر في طريقها، ولا تترك خلفها سوى رمادٍ هش.
همس بصوت هادئ، لكنه كان أكثر رعبًا من صراخ الغاضبين، همس بكلمات جعلت أطرافها ترتجف رغم محاولتها الحفاظ على تماسكها
"نعم، كنت أحبكِ، وطلبتُ يدكِ للزواج، وكان زفافنا سيشهد عليه شعب روسيا بأكمله، كنتُ أراكِ جوهرة لا تقدر بثمن، ولكني كنتُ أعمى وأحمق حين منحتكِ قيمة لا تستحقينها، لكنني أستفيق الآن، وستعرفين مكانتك الحقيقية علي حالًا"
اقترب منها أكثر حتى كاد يلتصق بها، همس في أذنها بنبرة تقطر قسوة
"من اليوم لن تكوني سوى عشيقتي، بل عاهرتي"
هزت رأسها برفض غير مصدقة ما تسمعه و عينيها تتسع من الفزع عندما فهمت ما يرمي إليه، فصاحت بصعوبة من ضغط قبضته علي نحرها
" أنا لست عشيقة لأحد، و لم أحبك يوماً، أنت، أنت الذي توهمت هذا الحب، اتعلم شئ؟"
ابتسمت ثم اردفت
"أنا أكره عائلة رومانوف جميعاً، والدك الذي كان يعاملنا كالعبيد لديه، و أخيك المجنون، و أخيراً أنت، و لو كان الأمر بيدي كنت سأتخلص منكم جميعاً منذ سنوات"
كلماتها كانت أشد قسوة عن كلماته لها، اصابته في مقتل، فهي لديها حقد دفين من الماضي تجاه عائلته و كانت تتظاهر بالحب و الود لأجل أهداف أخرى، صاح بقسوة
" لماذا؟"
"قولت لك يا أحمق ليس من شأنك"
هدر معقبًا علي ردها اللاذع
"إذاً عليكي أن تتحملي ما ستتلقيه من الآن فصاعداً"
و قبل أن تدرك مغزى حديثه، باغتها بجذب معطفه و قام بخلعه عنها عنوة تحت صراخاتها و مقومتها
"اتركني، اتركني أيها الـ*****"
مد يده إلي تلابيب المعطف الحريري "كوني عشيقة مطيعة و ارضي سيدك، أليست تلك الثياب ارتديتها من أجل امتاع هذا الـ****"
قام بتمزيق المعطف و الغلالة بكل ضراوة، أخذت تقاومه و محاولاتها ضعيفة أمام قوته، فماذا ستفعل أمام الوحش الضاري وهي بتلك الضعف و الحالة المزرية، أخذها عنوة ودون رحمةأو شفقة.
تعالت صرخاتها وتردد صداها بين الجدران لتصبح بالفعل عشيقة له بدلاً من زوجته!
❈-❈-❈
جلست تُلبس صغيرها قميصه الأبيض المكوي بعناية، كانت يدها تتنقل بين أزراره برفق، بينما أمسكت الهاتف بين كتفها وأذنها، تتحدث بصوت هادئ لكنه يحمل شيئًا من العجلة
"ما تقلقيش عليا يا تيتا، باخد بالي من أكلي كويس، وعندي متابعة مع الدكتورة بعد ساعتين و بجهز الولاد عشان الناني هتاخدهم النادي ولما أخلص المتابعة هعدي عليهم آخدهم، وهانجيلك على طول"
جاءها صوت جدتها عبر الهاتف، مزيج من القلق والحنان يحمل دفء السنوات التي قضتها راعية ومحبة
"هتيجي ولا هاتضحكي عليا زي المرة اللي فاتت؟"
ابتسمت ابتسامة صغيرة، وكأنها تستطيع رؤية تعبيرات وجه جدتها رغم المسافة، ثم ردت تطمأنها
"لاء، جاية لك ما تقلقيش، المرة اللي فاتت تمارين الولاد كانت متأجلة، وما ينفعش يغيبوا، قصي عنده بطولة يا تيتا"
تنهدت الجدة وبصوت يغلبه الدعاء والرضا قالت
"ربنا يعينك ويقويكي على تربيتهم يا حبيبتي، خدي بالك من نفسك ومنهم"
"حاضر يا تيتا، مع السلامة... سلام"
وضعت الهاتف برفق على سطح الكومود، بينما كانت عيناها لا تزالان معلقتين بنظرة حانية على صغيرها.
أخذت نفسًا عميقًا، تحاول أن تكبح ذلك التوتر الخفي الذي تسلل إلى صوتها حين هتف طفلها بالسؤال الذي طالما خشيت سماعه.
"لو سمعت من الناني أي شكوى منك تاني، هحرمك من النادي والتمارين والتليفون، وأي حاجة أنت بتحبها"
بدت حازمة وعيناها تشعان بصرامة لم يألفها، إلا أن الصغير لم يتراجع، بل زفر بضيق واضح، متأففًا بأسلوب كشف عن استيائه المكبوت.
قطبت جبينها ونبرتها صارت أكثر حدة "أنت بتنفخ ليه؟، كلامي مش عاجبك؟"
لم يتحمل قصي الصغير كبت مشاعره أكثر، فصرخ بانفعال طفولي موجوع
"وأنا زهقت منك، عايز بابي، ما بقاش ييجي ليه؟، سابنا ليه؟!"
كلماته أصابتها كسهام مسنونة أوجعتها رغم أنها كانت مستعدة لها، بل وتوقعت هذا الانفجار الصغير منذ مدة.
للحظة، شعرت أن جسدها قد تجمد، وكأنها نسيت كيف تنطق أو تبرر.
لكن سرعان ما تماسكت، وأجابت بصوت هادئ تخفي به رجفة قلبها
"بابا مشغول اليومين دول في الشركة، وأول ما يخلص هيجي ياخدكم ويخرجكم في الإجازة"
لم تدرِ إن كانت كذبتها البيضاء ستُقنعه، لكنها كانت عاجزة عن مواجهة الحقيقة أمام طفلها في هذه اللحظة.
وقبل أن تتطور المحادثة إلى ما هو أشد إيلامًا، جاءها صوت طرقات خفيفة على الباب ثم أطلت المربية برأسها قائلة
"مدام دنيا، يلا لو سمحتِ كده هنتأخر"
أحست بارتياح طفيف، كمن أُعطي فرصة للهرب من موقف خانق.
أجابت على الفور وهي تلتقط نفسًا عميقًا
"خلاص يا سحر، الولاد جاهزين"
نظرت مرة أخرى إلى صغيرها، لم تكن متأكدة إن كان اقتنع بما قالته، لكن لم يكن لديها وقت لتفسير المزيد.
كل ما أرادته الآن هو أن تمضي هذه اللحظة الثقيلة دون أن تترك أثرًا أكبر في قلب طفلها الصغير.
سلمت الأولاد إلى المربية وأوصتها عليهم، وما إن غادروا حتى وجدت نفسها وحيدة، غارقة في أفكارها.
سرحت طويلًا في كلمات ابنها، ذاك الذي لم يعلم بعد بأمر انفصالها عن والده.
يبدو أن غياب طليقها بدأ يترك أثرًا نفسيًا على صغارهما، بل عليها أيضًا.
فمنذ أن ألقي عليها اليمين، وهي ليست على طبيعتها، تميل إلى العزلة، تبكي وتنهار، تشتاق إليه، تمسك متعلقاته أو ثيابه، تستنشق عبقه العالق بها، ثم تنفجر في نحيب مُر، تصرخ باسمه بشوق ولوعة، وكأن النداء قد يعيده إليها.
أفاقت من شرودها على بلل دموعها الساخنة على وجنتيها، فسارعت إلى مسحها قبل أن تتذكر موعد فحصها الطبي للاطمئنان على جنينها.
نهضت بتثاقل، وتوجهت إلى الحمام، أدارت صنبور المياه، وضبطت درجة الحرارة، ثم بدأت في خلع ثيابها استعدادًا للاستحمام، علّ المياه تغسل عنها شيئًا من تعب روحها، من اشتياقها، من وحدتها التي تسكنها منذ أن أصبح بيتها بلا ظله.
وفي الخارج، فُتح المصعد وخرج منه، فقد عاد لتوه من الشركة بعد أن مكث فيها أيامًا، محاولًا دفن نفسه وسط أكوام العمل، علّه يهرب من صخب أفكاره.
فتح باب المنزل بمفتاحه، فاستقبله هدوء ثقيل.
المصابيح مطفأة، ما عدا ضوء خافت يتسلل من غرفة النوم، وصوت خرير الماء يشي بأن الحمام مشغول.
أدرك أنها بالداخل، حدق في الغرفة الأخرى الخاصة، وكأنما يتفحص غيابه عنهم.
شرد لحظة، ثم تذكر مكالمة أحد رجاله، الذي أخبره أن أولاده برفقة المربية، متجهين إلى النادي الرياضي.
توجه إلى الخزانة، فتحها وأخرج حقيبة ثياب شاغرة، ووضعها على الفراش، لكنه ما لبث أن لمح ملابسها الملقاة بعفوية على السرير. مدّ يده إليها، أمسك بثوبها برفق، ورغم أنه نظيف ومغسول، إلا أن رائحتها لا تزال عالقة به.
رفع الثوب إلى أنفه، واستنشق بعمق، أغمض عينيه وكأنه يعانقها بين طياته. يضمه إلى صدره وتركه بين ذراعيه، كأنما يحتضن شبحها، كأنما يحاول أن يستعيدها ولو للحظة عابرة، قبل أن يلفظه الواقع من جديد إلى قسوته.
خرجت من الحمام، فوجدته،
تسمرت في مكانها، وجف الدم في عروقها، بينما هو واقف هناك، يحتضن ثوبها القطني، يرفعه إلى وجهه، يستنشق عبيره العالق به، تمامًا كما كانت تفعل هي حين يشتد بها الشوق إليه!
راقبته بصمت، وتحركت شفتاها باسمه دون أن تصدر صوتًا.
"كنان!"
كانت روحها تتهجى وجوده أمامها، تتلمس ملامحه التي تحفظها عن ظهر قلب، وقد أضاءت عيناه ببريق الحنين. أحس بوجودها، فانتفض ناظرًا إليها بنظرة حملت كل معاني الاشتياق واللوعة.
كانت تقف أمامه، مُتلفعة بمنشفة قطنية تلف جسدها، تبدأ من أعلى صدرها حتى منتصف فخذيها، بينما التفت منشفة أخرى حول شعرها المبلل، فتتساقط قطرات الماء من أطرافها لتتلاشى فوق كتفيها العاريين.
لاحظت حركة شفتيه الخافتة، يهمس بكلمة واحدة
"وحشتيني"
لم تشعر به وهو يقترب منها، عيناه تفيض بالهيام، أنفاسه تلتهب شوقًا، لكنه توقف فجأة، وكأنه تذكر شيئًا، لقد ألقى لفظ الطلاق، فهل يجوز له هذا القرب؟، أهو حلال أم حرام؟
لكن قبل أن ينطق، تفاجأ بأناملها تُطبق على شفتيه برفق، ومن بين وجيب أنفاسها، انطلقت همستها
"رُدني ليك"
اتسعت عيناه بدهشة غير مصدق، هل تطلب منه الرجوع حقًا؟، أهذه حقيقة أم محض حلم يوشك على التبدد؟!
أومأ برأسه، شفتاه ترسمان بسمة مغمورة بالحب، ثم همس بصوت عميق
"أنا رديتك"
وما إن خرجت كلماته، حتى ألقت نفسها بين ذراعيه، تعانقه بكل ما أوتيت من قوة وكأنها تخشى أن يُنتزع منها مرة أخرى.
"واحشني أوي"
خرجت الكلمات من بين شفتيها متلهفة، تائهة بين شهقات الحب، وما لبثت أن رفعت رأسها نحوه، تطبع قبلة دافئة على عنقه، فاشتعلت نار الشوق في جسده، واستعر به الحنين حد الاشتعال.
أبعد رأسها قليلًا، ينظر في عينيها المتوهجتين، لم يعد قادرًا على كبح جماح مشاعره، فانقض على شفتيها، يقبّلها بكل ما يختلج في قلبه من عشق واشتياق.
بادلته الشغف، تفيض منه وتنهل إليه بلا قيود ولا حواجز، كأنها تريد أن تعوض كل ما فات، كل لحظة قهر وافتقاد.
أبعد المنشفة عن رأسها، وألقى بها بعيدًا، ثم أمسك بخصلاتها المبللة، وعيناه تتابعان قطرات الماء التي انسابت على كتفيها العاريين كأمطار هطلت فوق زهرة لم تروَ منذ زمن.
ألتقم عنقها بقبلات متوهجة، جعلت أنفاسها تتلاحق، وشعرت بجسدها يتهاوى من بين يديه، حتى وجدت نفسها مستلقية على الفراش، يداها بجوارها، تتخلل أنامله أصابعها، بينما ما زال يجوب شفتيها وعنقها، ينتشلها من بحر الفراق الذي غرقت فيه طويلًا.
توقف للحظة، ينظر إليها بعينين يملؤهما العشق ثم قال بنبرة تشع حبًا، تتفجر منها الكلمات دون تصنع، تحمل في طياتها ما يعجز عنه الوصف
"أنا مقدرتش أستحمل أبعد عنك أكتر من كده، أنا نفذتلك طلبك، وطلع أصعب من الاحتمال، أنا بحبك يا دنيا، لا ده أنا بعشقك أوي"
استمعت إليه ونظراتها هائمة في ملامحه، مغمورة بعشقه، لم تره يومًا بهذه الصورة، ولم يرها هو كذلك من قبل، كانت في أوج رغبتها واحتياجها إليه، ولهذا لم يتردد لحظة في تلبية نداء قلبها.
اقترب منها ببطء، كمن يخشى أن تذوب بين يديه إن لمسها، لكن نظرتها إليه كانت مزيجًا من الحنين والتسليم، فأدرك أن لا شيء يمنعه من الغرق في هذا العالم الذي لا يتسع الآن إلا لهما.
شعرت بحرارة أنفاسه تلامس عنقها، فتسارعت دقات قلبها، تترجم ما عجزت شفتاها عن البوح به.
لم يكن في تلك اللحظة سوى همسات متناثرة، أنامل تستكشف ما كان مألوفًا لكنه يتجدد كل مرة، وكيانان يلتقيان في انصهار لا يحتاج إلى تفسير.
و بعد لقاء لن ينسي و سيظل محفور في ذاكرة كليهما، لم يبقَ سوى صدى أنفاس متقطعة وجسدين يحتضنهما سكون دافئ، حيث لا زمن، ولا مكان، فقط نبضان توحدا في لحن أبدي.
❈-❈-❈
ظلام وسكون يُخيمان على أرجاء الغرفة، لا صوت سوى أنفاس متقطعة تتردد في الأرجاء، كأنما المكان يلفظ أنفاسه معها. تلك الممددةُ فوق الفراش، استيقظت على وقع إحساس غريب يسري في جسدها.
فتحت عينيها، ولكن لم ترَ شيئًا!
كانت هناك عُصابة سوداء تحجب عنها الرؤية، أكانت مجرد وسيلة لمنع الضوء من إزعاجها أثناء النوم؟ أم أن الأمر أخطر من ذلك؟!
حاولت أن تُحرك جفونها مجددًا، ولكنها شعرت بثقل غريب يضغط على رأسها، وكأن روحها تُسحب من بين أضلاعها.
اخترقت أنفها رائحة دخان كثيف، نفاذة إلى حد أن أنفاسها أصبحت متقطعة، فكانت رايحة احتراق لفافة تبغ!
إذاً لم تكن وحدها في الغرفة.
شعور بارد تسلل إلى ساقها، أنامل غريبة تتحرك ببطء، تصعدُ من أسفل ثوبها حتى بلغت فخذها، تململت بجسدها في اضطراب، وخرج صوتُها واهنًا مرتجفًا
"يونس، بتعمل إيه؟"
لكن الصمت كان سيد اللحظة!
حاولت أن تحرك يدها لتزيح العُصابة، لكن لا جدوى!، حيث توجد قيود حديدية تحكم وثاق معصميها، تمنعها من الحركة بحرية.
ارتعشت أصابعها وكأنها تتحسس مصيرها المجهول.
وفي تلك اللحظة، تسللت صورة خاطفة إلى ذهنها، آخر ما تتذكره قبل أن تفقد وعيها.
نظرات مرعبة، نظرات ذاك الرجل!
شهقة مرتعبة أفلتت من صدرها، حاولت النهوض بجذعها، ولكن القيود كبلت حركتها.
زفرت أنفاسها في هلع ثم صرخت بأعلى صوتها، تستغيث باسم زوجها
"يونس؟، يونس؟، الحقني"
وفي تلك اللحظة، تُنزع العُصابة عن عينيها بعنف، يُلقى بها إلى أحد أركان الغرفة، فتتسع حدقتاها في فزع وهي تحدق في الوجه الذي تجلى أمامها، في الرجل الذي لم يكن زوجها!
رددت بصدمة
"مهند!"
الفصل الرابع عشر
ظلام وسكون يُخيمان على أرجاء الغرفة، لا صوت سوى أنفاس متقطعة تتردد في الأرجاء، كأنما المكان يلفظ أنفاسه معها. تلك الممددةُ فوق الفراش، استيقظت على وقع إحساس غريب يسري في جسدها
فتحت عينيها، ولكن لم ترَ شيئًا!
كانت هناك عُصابة سوداء تحجب عنها الرؤية، أكانت مجرد وسيلة لمنع الضوء من إزعاجها أثناء النوم؟ أم أن الأمر أخطر من ذلك؟!
حاولت أن تُحرك جفونها مجددًا، ولكنها شعرت بثقل غريب يضغط على رأسها، وكأن روحها تُسحب من بين أضلاعها.
اخترقت أنفها رائحة دخان كثيف، نفاذة إلى حد أن أنفاسها أصبحت متقطعة، فكانت رايحة احتراق لفافة تبغ!
إذاً لم تكن وحدها في الغرفة.
شعور بارد تسلل إلى ساقها، أنامل غريبة تتحرك ببطء، تصعدُ من أسفل ثوبها حتى بلغت فخذها، تململت بجسدها في اضطراب، وخرج صوتُها واهنًا مرتجفًا
"يونس، بتعمل إيه؟"
لكن الصمت كان سيد اللحظة!
حاولت أن تحرك يدها لتزيح العُصابة، لكن لا جدوى!، حيث توجد قيود حديدية تحكم وثاق معصميها، تمنعها من الحركة بحرية.
ارتعشت أصابعها وكأنها تتحسس مصيرها المجهول.
وفي تلك اللحظة، تسللت صورة خاطفة إلى ذهنها، آخر ما تتذكره قبل أن تفقد وعيها.
نظرات مرعبة، نظرات ذاك الرجل!
شهقة مرتعبة أفلتت من صدرها، حاولت النهوض بجذعها، ولكن القيود كبلت حركتها.
زفرت أنفاسها في هلع ثم صرخت بأعلى صوتها، تستغيث باسم زوجها
"يونس؟، يونس؟، الحقني"
وفي تلك اللحظة، تُنزع العُصابة عن عينيها بعنف، يُلقى بها إلى أحد أركان الغرفة، فتتسع حدقتاها في فزع وهي تحدق في الوجه الذي تجلى أمامها، في الرجل الذي لم يكن زوجها!
رددت بصدمة
"مهند!"
المكان كان أشبه بقفص من العتمة، جدرانه الصامتة تتآمر مع الهواء الخانق على كتم أنفاسها.
لحظة الكشف عن وجه هذا الجالس أمامها لم تكن مجرد مفاجأة بل كانت كصفعة باردة على وجهها الذي أصبح شاحبًا من الخوف لاسيما عندما رأته يحدق بها بتلك النظرات التي دبت الرعب و الرجيف داخل فؤادها الضعيف.
تراجعت بجذعها إلى الوراء رغم القيود، حدقت فيه كأنها لا تزال تأمل أن يتبدد هذا الكابوس، أن تنشق الأرض ويخرج منها يونس ليأخذها بعيدًا عن هذا الرعب المجسد أمامها.
لكن هذا المهند لم يكن ذلك الوجه العابر الذي لمحته في الفندق، بل كان الآن أقرب، أقرب مما يجب وأكثر غموضًا مما يمكن احتماله، لا تدرك أو ربما لا تصدق لما اختطفها وتخشي الإجابة!
اقترب بخطوات بطيئة، كل خطوة منه تحدث صدى في قلبها المرتجف، كان يحمل سيجارة مشتعلة في يده، ينفث دخانها بهدوء، عيناه لا تتركان وجهها، وكأنها لوحة مرسومة، أو فريسة محاصرة.
تحدث بنبرة منخفضة يشوبها سخرية باردة
"يونس مش هايسمعك لو فضلتي تنادي طول عمرك و لو بأعلي صوتك"
شهقت وهي تهز رأسها بعنف، تحاول استيعاب ما يحدث
"أنت جبتني هنا إزاي؟، إحنا كنا في الفندق و أنا كنت بره وحسيت بـ....
صمتت للحظات علها تتذكر ما حدث، لكنه
أطلق ضحكة هازئة و مرعبة في آن، لا تحمل فيها أي دفء
"هو إيه اللي حصل ولا إمتى أو إزاي؟، كلها اسئلة مش لازم تعرفي إجابتها"
اقترب أكثر حتى بات يظللها بظل جسده، ثم انحنى قليلًا وهمس بجوار أذنها
"بس عارفة؟، أنا من أول مرة شوفتك و أنا بحلم باللحظة دي، كل حاجة فيكي كانت بتندهلي و بتقولي إنك هتبقي بتاعتي"
صرخت في وجهه من الصدمة و محاولة استيعابها للخطر التي سقطت في براثنه، حاولت أن تفلت من القيود
"أنت مجنون، أنت مريض"
قهقه مجددًا ونظر في عينيها نظرة باردة، لمحت فيها شيئًا حقيقيًا هذه المرة، شيئًا مظلمًا ومرعبًا.
"مجنون؟!، هعديهالك المرة دي و هعذرك"
اطلقت صرخة استغاثة فابتسم وأخذ
يدور حول الفراش ببطء وبدأ يتحدث كأنه يحدث نفسه، أو كأن هناك مَن يسمعه سواها
"وفري صوتك، لأنه مش هيوصل لحد ولا حتى لنفسك، إحنا في شاليه في مكان مفيهوش صريخ ابن يومين، و لا ليه وجود علي الخريطة، ما تقلقيش وضع مؤقت لحد ما يجي ميعاد سافرنا يا حبيبتي"
كفت عن الصراخ بعد أن تلقيها صدمة تلو الأخرى، فعاد يحدق فيها من جديد ذات الابتسامة المخيفة، وبنظرة مطولة، مسح ببصره ملامحها المرتجفة ثم اخبرها بنبرة أكثر هدوءً، لكنها كانت تحمل في طياتها وعيدًا خفيًا
"النهاردة هنبتدي اللعبة، بس القواعد أنا اللي بحددها"
تسارعت أنفاسها وانهمرت دموعها بصمت، غير قادرة على تصديق ما تنحدر إليه الأمور أو الوحل الذي انزلقت فيه، و رغم ذلك هناك صوت داخلها يبث إليها الطمأنينة و ألا تستسلم للخوف، لكنها تشعر بأن القادم أسوأ، أسوأ بكثير!!
رمشت بعينيها سريعًا، كأنها تطرد خيالات الجنون، لكن الواقع كان أكثر فظاعة، تحرك جسدها المرتجف لا إراديًا، تقاوم القيد البارد المغروز في معصمها، لاحظت
وقوف هذا المختل عند طرف الفراش، مائل الرأس، يمعن النظر فيها كمن يقرأ كتاب مفتوح، ثم قال ببطء
"لو عايزاني أفوكلك ايديكي ورجليكي اوعديني الأول أنك هاتسمعي كل كلمة اؤمرك بيها عشان لو حصل عكس كدة هضطر اعاقبك، و عقابي مش هايعجبك خالص"
شهقت وعيناها توسعتا من الرعب، حاولت الحديث لكن الكلمات خانتها، حشرجت أنفاسها في حنجرتها، قبل أن تنجح أخيرًا في التمتمة بشجاعة تلبستها للتو
"أنت، مش طبيعي، و لا بني آدم، أنت حيوان، و يكون في علمك جوزي زمانه قالب الدنيا عليا ولو وصولوا لك هو و أخويا هيخلوك تتحايل عليهم عشان يرحموك من اللي هايعملوه فيك"
ابتسم ابتسامة مائلة، تلك التي لا تعكس سعادة بل تهكم قاتم ثم مال بجسده فجأة نحوها، حتى شعرت بأنفاسه على وجهها
"أنا هعذرك عشان لسه ماتعرفنيش، كل اللي اقدر أقوله لك دلوقتي مفيش قوة علي الأرض تقدر تبعدك عني، و زي ما قولتلك كل ساعات و هانكون بره مصر"
تراجعت بوجهها ما استطاعت، لكن القيد شدها إلى الخلف، فتأوهت بصوت خافت، و بمجرد رؤيتها وسماع آهة الألم خاصتها اغمض عينيه بمتعة عارمة، مما جعلها تشعر بالخوف أكثر لا سيما بعد أن فتح عينيه و رفع يده نحو عنقها ليمسدها، انتفضت و كأن شئ مقزز قد لمسها
"ابعد إيدك عني يا حيوان"
باغتها بقبضته علي نحرها، اتسعت عينيها بهلع، اخبرها محذرًا إياها من بين أسنانه
"غلطة منك مرة تانية و هخليكي انتي اللي تتحايلي عليا عشان ارحمك من العذاب اللي هاتشوفيه، فاهمة يا كاري"
لم تملك سوي أن تطعه مؤقتًا خاصة بعد مداهمة شعور بعدم التوازن و خفقات قلبها التي زادت، بدي عليها الإعياء، وجهها اصبح شاحبًا و شفتيها تحولت من الوردي إلي الأبيض، فك قبضته علي الفور و نهض، أخذت تلتقط أنفاسها و إذا بها تجد علبة دواء القلب يُلقي أمامها، رفعت رأسها، فاخبرها
"عشان تعرفي أنتي مهمة عندي أوي و عارف عنك كل حاجة، حتي مرضك المزمن و كل الأدوية اللي بتاخديها"
سألته بوهن
"اشمعنا أنا؟!"
فطن مقصد سؤالها، جلس أمامها وكوب وجهها بين كفيه ليجيب
"لأن كنت فاكرها راحت خلاص ومش هترجعلي تاني، و أول ما شوفتك حسيت الدنيا بتصالحني و رجعتها ليا، أنتي هي و هي أنتي، و مستعد احارب العالم كله و ما تبعديش عني تاني، ما صدقت روحي رجعتلي، أنا بحبك، بحبك أوي"
لم يعط لها فرصة لفهم كلماته فانقض علي شفتيها بقوة و لم يبالي لمقاومتها الضعيفة أمام عنفوانه أو لصراخاتها المكتومة و تردد صداها في جوفه!
❈-❈-❈
ترك قدح القهوة على الطاولة، وعيناه معلقتان ناحية الدرج، يترقب رؤيتها كما يترقب العطشان قطرة ماء بعد قيظ طويل.
فمنذ أن وطئت قدماه الدار لم يبصر وجهها، بل كان في استقباله حموه، وزوجة أبيه التي لبثت غير بعيد، تنتظر أن يفرغ من قهوته لتبلغه الأمر، وقد ترددت قليلاً قبل أن تنطق، كأنما الكلمات حجر ثقيل على لسانها
"هي نايمة ومش هتصحى دلوقتي، لأنها نامت بعد ما تعبت وأرهقت نفسيًا"
وما إن انتهت من عبارتها، حتى بادرها عابد بنبرة جمعت بين الجد والحزم، وصوته كسيف يشهر في وجه خصم تجرأ على تجاوز الحدود
"ممكن أعرف عملت فيها إيه وصلها للحالة اللي هي فيها؟ وإنها كمان تسيبلك البيت وتمشي؟"
قطب حاجبيه من لهجة والد زوجته، وكان في صدره ما يضيق به الفضاء، لكنه ترفع عن الرد بانفعال؛ فهو ما جاء إلا ليجمع ما تبعثر، ويصل ما انقطع.
حمحم بصوت خفيض ثم أجاب متجنبًا التصعيد
"ممكن أطلع لها وأتكلم معاها الأول"
زفر عابد زفرة كأنها تحمل ثقل أعوام من الكظم والكبح، ثم أطلق ما بجوفه من لهيب كلمات كانت مؤجلة، لكنه لم يعد قادرًا على احتوائها
"بص يا قصي، أنا كنت كل مرة بعديلك، علشان عارف دماغ بنتي، ومدى عنادها اللي بيخلي الحجر ينطق، لكن تخليها توصل للحالة اللي هي فيها دي؟!، لحد هنا وكفاية"
لمعت عينا قصي بوميض الغضب، وتحولت ملامحه من رجل يحاول أن يتحلى بالصبر إلى آخر على وشك أن ينفجر، لكنه تمالك نفسه ووارى ما يعتمل بداخله خلف ابتسامة شاحبة، لم تكن لتخفى على جيهان؛ أدركت على الفور ما لم ينطق به، وكم يُشبه أباه في تلك اللحظات التي يكون فيها الصمت أبلغ من الكلام.
فإذا بها تنهض من مقعدها، وتغمر وجهها بابتسامة رقراقة كالماء، تطفئ النيران التي اندلعت للتو بين الرجلين.
نظرت إليه بعينين فيهما رجاء وهدوء
"تعالى نتكلم شوية بره في الجنينة"
نظر الأخر إلى عابد تارة ثم أعاد نظره إلى جيهان، وكأنه يوازن بين البقاء والانصراف، ثم أومأ موافقًا
"تمام"
في حديقة القصر، جلسا متقابلين حول منضدة تحف بهما الورود في الأرجاء،
بدأت جيهان الحديث بصوت هادئ كنسيم المساء، تخترق كلماتها حاجز الجمود
"ما تزعلش من عابد، في الأول والآخر يبقى والد صبا، وما تستغربش من رد فعله اللي أنا شايفاه طبيعي، لو كان حد غيره، كان ممكن رد فعله هيبقي أقوي و أعنف"
رفع عينيه نحو شرفة الطابق الثاني حيث تقع غرفة زوجته ثم أعاد بصره نحو زوجة والده ليعقب بنبرة ملؤها الثقة
"اطمني، عمري ما زعلت ولا هازعل من حمايا، وهو عارف قد إيه أنا بحب صبا"
نظرت إليه نظرة من يختبر الصدق في ملامح قائله، ثم سألته وقد انسكبت على صوتها مرارة خفية
"واللي بيحب حد يأذيه لدرجة إنه يسبب له ضرر نفسي؟، ويا عالم حصل إيه تاني؟!"
شعر بالاضطراب، فقد ظن أنها علمت من صبا بما دار بينهما، غير أن جيهان بددت ظنونه سريعًا وهي تتابع
"على فكرة، هي ما حكتليش إيه اللي حصل ما بينكم، وأنا ما حاولتش أسألها، لأن دي أسرار ما ينفعش تخرج ما بينكم، بس حابة أوصلك معلومة، الست مننا لما بتعشق بتدي وعطائها من غير حدود، وارد يحصل خلاف وده طبيعي، لأننا مختلفين، بس المفروض نكمل بعض، مش نقف ند لبعض، و لو طرف غلط التاني مفروض يحتويه ويحل المشكلة"
تنهد وقد بان عليه التعب من حوار طال صمته في داخله، ثم اخبرها بصوت مبحوح
"وعمري ما هاكون ليا رد فعل من أول مرة، أنا بديلها فرصة والتانية، وبنبهها وأكتر واحدة حافظة طباعي، بس هي بتتعمد تعصي كلامي، ولما تلاقي مني رد فعل أطلع أنا الظالم والمفتري"
نظرت إليه جيهان نظرة عميقة
"مش يمكن رد الفعل غير عادل؟، أو بيكون انتقامي شوية؟، وبعدين إيه تعصي كلامك دي، الجواز مودة ورحمة والأمور المفروض تبقى شورى بينكم، لاقيت منها غلط احتويها وشوف هي ليه بتعمل كده، مش يمكن بتحاول تلفت انتباهك، أو عايزة تبقى شغلك الشاغل"
تأملها قصي لحظات قبل أن ينطق، وقد تكسرت حروفه على ضفاف صدقه
"أنا يا چيچي ما بحبش أتكلم في أموري الخاصة أو العادية اللي بيني وبين مراتي، بس أنا باعتبرك في مقام والدتي، وعارف إن موقفك حيادي، وإنك بتحاولي تصلحي الأمور، ومش هخبي عليكي أنا حرفيًا تعبت ومش عارف هي عايزة إيه"
توقف ليتنفس ثم تابع
"ما أنكرش كنت وحش معاها في أول جوازنا، كنت بحاول أخليها تحبني، وطريقتي كانت غلط جدًا، وباعترف بده وندمت، غيرت من نفسي عشانها و كنت عايز أتغير فعلاً، و عشان ولادي ومع الوقت حسيت إنها ضمنت حبي ليها، وإنها مهما عملت هعدي وهسامح،
وأكتر صفة حاولت أغيرها فيها وأوقات كنت بتأقلم معاها هي العند، لدرجة إنها بقت تقولها لي صريحة، اللي عندك اعمله، وبتنفذ اللي في دماغها، كان لازم آخد موقف حازم حتى لو قاسي خلتني أطلع أسوأ ما فيّ"
أطرقت برأسها قليلًا، ثم رفعت بصرها إليه لتعقب
"والقسوة بتولد قسوة، وتحول الحب لنفور، أنا قولتلها الحل وهقوله ليك، أنتم محتاجين تقعدوا تتكلموا مع بعض، من غير شد وجذب ولا خناق، كل واحد فيكم يسمع التاني، و الطرف الأقوى يحتوي الطرف الأضعف، ويبقى مصدر أمان وحماية مش مصدر خوف"
كان يصغي إليها بتمعن وعيناه تسبحان في فراغ يسكنه صراع مرير بين كبريائه وندم يتسلل من قلبه، لم يكن بحاجة إلى أن يعبر عن ندمه، فقد فضحته نظراته التي تنضح بالأسى.
قطعت عليه شروده، حين سألته بابتسامة حانية
"أنت معايا؟"
أومأ لها برأسه
"معاكي، ممكن أطلع لها؟"
ابتسمت ولم تجب، لكنها بعينيها منحته الإذن.
❈-❈-❈
دخل الاثنان إلى القصر، وما إن تجاوزا عتبة البهو حتى لمح قصي والد زوجته يهبط من أعلى الدرج.
همّ بالصعود لكن عابد أوقفه بنبرة صارمة
"استناها في مكتبي وهي اللي هتقرر، ترجع معاك ولا تقعد هنا وهتنفذلها اللي طلبته منك"
فتح قصي فمه ليعترض لكن قاطعته جيهان وهي ترفع عينيها إلى أعلى وتنادي
"صبا، بقيتي أحسن يا حبيبتي؟"
رفع قصي عينيه بدوره، فرأى صبا واقفة أعلى الدرج، تحدق فيه بنظرة جمعت بين القوة والغضب، السخط والعتاب، فيما تجمعت في عينيها دموع صامتة تحمل وجعًا دفينًا، كأنها تصرخ دون صوت!
و داخل غرفة مكتب والدها، وقفت في المنتصف، عاقدة ساعديها على صدرها، كأنما تحتمي بنفسها من عاصفة لا مفر منها.
سألته بصوت متهدج يخالطه الغضب والمرارة
"جاي تنفذ تهديدك ليا؟، ولا هتاخدني بالعافية وترجعني القصر عشان تعرف تعاقبني كويس ومحدش يسمع ولا يعرف اللي عملته فيا؟!"
رغم مجهوداتها المضنية في كبح جماح دموعها، إلا أن عبراتها تجمعت عند أطراف أجفانها، تتوسل إليها أن تطلقها، لكنها كانت ترفض، يكفيها ما نالها من ضعف وقهر أمامه.
همّ أن يتقدم نحوها، ومد قدمه خطوة ثم أخرى، فرفعت يدها في إشارة صارمة للتوقف، وحذرته بنبرة حاسمة
"خليك مكانك وما تقربش مني، أنا مكنتش أصلاً ناوية أنزلك، ولا كنت عايزة أكلمك، وقولت لبابا إن الموضوع بقي بينك وبينه، ومش هتراجع عن قرار طلاقي منك"
كانت كلماتها كالسياط تلهب كبرياءه وتستفز أعماقه، كلما نطقت بمطلب الطلاق، كلما تصاعدت مخاوفه وتفاقم قلقه من فقدانها، رغم علمه بتعقيد علاقتهما وتشابك مشكلاتهما.
ومع ذلك لم يكن ليرضى يوماً بانفصالها عنه، ولن يسمح لها بالرحيل طواعية.
لذا تقبل كلماتها وتحملها في صمت العارف بعواقب الأمور.
قال بصوت متهدج، يخفي خلفه مرارة الأسى
"ومين اللي وصلنا للحال اللي بقينا فيه؟"
ابتسمت بسخرية لاذعة، وهزت رأسها بتهكم
"كالعادة، هاطلعني غلطانة وتبرر لنفسك اللي عملته معايا، كلامك الجارح ليا ولا أفعالك اللي كلها قسوة، أنت عارف عملت فيا إيه؟! أنت كسرتني"
كان صدى كلماتها كصفعة على قلبه، أعادت إليه مشهداً شاهده من قبل، أطلق زفرة عميقة خرجت من قاع قلبه المنهك، كأنها محاولة لتخفيف ثقل الندم الجاثم على صدره.
رؤيتها في تلك الحالة ألهبت ضميره، وأيقظت فيه وجعًا عميقًا، تمنى لو عاد به الزمن ليمنع كل ما ارتكبه في حقها، ها هو مهما ادعى القوة، ومهما تظاهر بالقسوة، ينهار أمام ضعفها، ويُهزم أمام دموعها.
قال محاولًا أن يحتوي حجم الألم المتراكم بينهما
"وأنا مش جاي أبرر اللي عملته معاكي، ولعلمك قبل ما أوجعك، أنا جوايا اتوجعت أضعاف اللي حسيتيه، عمري ما كنت أتخيل إننا نرجع لنقطة الصفر، بس أفعالك هي اللي وصلتنا ليها، أيوه أنا بالغت في رد الفعل، وندمان عليه، وندمان بجد ومش هقدر أطلب منك تسامحيني، لأني مش هسامح نفسي، بس كل اللي هطلبه منك بلاش الفراق، اللي بيني وبينك مش سهل دي تكون نهايته، خدي حقك مني زي ما أنتي عايزة، إلا الطلاق"
استمعت إلى كلماته، وشعرت بالعجز يعتصرها، وضعت كفها على فمها لتمنع شهقة كانت على وشك الانطلاق، وخارت قواها فجثت على عقبيها، وأطلقت العنان لدموعها المنهمرة.
لم يتحمل رؤيتها بهذا الانكسار الذي شطر قلبه نصفين، اندفع نحوها وهبط على ركبتيه أمامها، واحتواها بين ذراعيه، يناجيها بنبرة مخنوقة بالألم والتوسل
"بالله عليكي كفاية، أنا مش قادر أستحمل أشوفك في الحالة دي"
ضمها بقوة، و نادرًا ما يصل إلي تلك الحالة حيث انسابت دموعه على خديه، يبكي بحرقة، وما أصعب بكاء الرجال!
قال وهو يربت على ظهرها
"عشان خاطري، اعملي فيا اللي يرضيكي، بس كفاية دموع، حقك عليا يا حبيبتي"
أبعدها قليلاً ليرى وجهها، ونظر في عينيها المبللتين، فرأى فيهما انكسارًا يفتت الحجر، نقيض ما كانت تبدو عليه دومًا من صلابة.
رؤيتها على هذا الحال كانت خناجر تنهش فؤاده، وتلقي به في أتون جحيم الندم.
قال بصوت خفيض
"قولي كل اللي جواكي، خرجي أي حاجة في قلبك هتريحك، أنا سامعك وهعملك كل اللي نفسك فيه"
نظرت إليه من بين دموعها، ونظراتها كالسكاكين تشق نحره بلا رحمة ثم قالت بجمود وقهر
"عايز تريح قلبي، طلقني"
هز رأسه رافضًا بعزم لا يلين
"مش هقدر، أنا آخري ممكن أسيبك يومين هنا، لكن أطلقك ده مستحيل"
ظلت تنظر إليه والدموع لا تتوقف. وكان صمتها هو الهدوء الذي يسبق عاصفة لا ترحم
ثم صرخت بصوت يعلو تدريجيًا
"وأنا ما بقتش قادرة أستحمل، طلقني، بقولك طلقني"
ثم انقلبت صرخاتها إلى عويل، وبدأت تضرب صدره بقبضتيها الضعيفتين.
ضمها من جديد وحاول أن ينهض بها، وهو يردد برجاء
"اهدي، حاضر، حاضر هعملك اللي أنتي عايزاه، بس اهدي عشان خاطري"
لكن فجأة توقفت شهقاتها وخرست صرخاتها مما بعث الرعب في قلبه، ذلك بالتزامن مع دخول عابد و جيهان، بينما قصي كان همه القابعة في حضنه، أدرك أن صمتها لم يكن إلا دلالة على فقدانها الوعي بين ذراعيه!
❈-❈-❈
كان يونس كمن أصابه مس من الجنون، يتآكله القلق مع كل مرة تعاد فيها الرسالة الصوتية ذاتها
"الهاتف الذي تحاول الاتصال به مغلق حالياً..."
دوى الصوت الآلي في أذنيه كجرس إنذار، فاندفع كالمذعور يفتش عن زوجته بين أروقة الفندق، داخل قاعة الحفل، وفي الحمامات، لم يدع زاوية إلا وطاف بها بعينين متحفزتين ويدين ترتجفان.
وها هو الآن واقف داخل غرفة مراقبة الكاميرات، يتابع شاشات العرض مع موظف الأمن، يدقق في كل مشهد كأنه يفتش عن بصيص نجاة.
لم يظهر لها أثر إلا حين غادرت القاعة واتجهت نحو الساحة الخارجية.
تنهد موظف الأمن بأسي
"للأسف، ده آخر تسجيل قبل ما يحصل عطل في السيستم"
انتفض يونس، وصاح بغضب كاسر
"إزاي مفيش تسجيلات؟!، ده أنا أوديكم في ستين داهية"
تقدم مدير أمن الفندق محاولًا تهدئته
"اهدى يا يونس بيه، وبإذن الله هنلاقيها"
رمقه الأخر بنظرة حادة، وقد علا صوته بنبرة تجمع بين القهر والشك
"هنلاقيها فين وأنا وإنتم لفينا كل شبر جوه وحوالين الأوتيل، حتى سألنا كل النزلا، ووريناهم صورتها محدش شافها، وتسجيلات الكاميرات ناقصة، قولي إنت كل ده معناه إيه؟!"
وقبل أن يرد المدير، دلفت إلى الغرفة موظفة بثيابها الرسمية ونظرة قلق مرتسمة على ملامحها، اقتربت بخطى حذرة وهمست للمدير
"فيه واحدة من الجيست عرفت اللي حصل من السكيورتي، وقالت إنها شافت مدام كارين"
ما إن التقط يونس الكلمات حتى اندفع نحو الخارج، كمن لمح بصيص أمل في عتمة اليأس، اقترب من السيدة التي كانت تنتظره وسألها بلهفة لا تخفى
"حضرتك شوفتيها فين؟"
أومأت برأسها ثم أجابت بثقة
"أنا كنت رايحة أجيب حاجة من عربيتي في جراچ الأوتيل، لاقيت واحد شايل المدام اللي شوفت صورتها مع السكيورتي وواضح جدًا إنها كانت فاقدة الوعي"
اتسعت عيناه دهشة، وتجمد فكره على نقطة واحدة سألها بنبرة متوجسة
"حضرتك عارفة شكل الراجل ده كويس؟"
هزت رأسها بالإيجاب
"آه، فاكرة شكله، هو مش طويل أوي، ولا قصير، و.......
قاطعها بتعجل
"معلش، تعالي معايا دقيقة"
أخذها على عجل إلى غرفة المراقبة، وأمر الموظف أن يعرض له تسجيل الحفل، وخصوصًا مشهد تسليم الجوائز.
ركز بصره على الشاشة، ثم أشار بإصبعه
"وقف هنا"
نظرت السيدة إلى الشاشة للحظات، ثم شهقت وقالت
"هو ده، هو ده اللي كان شايل المدام وخدها في العربية"
ألتفت يونس إلى المدير كمن لمح الخيط الأول في خيوط المؤامرة، انطلقا معًا إلى موظفي الاستقبال، فسأل عن الشخص المشتبه به، فأخبرتهم إحدى الموظفات بنبرة ثابتة
"أستاذ مهند عمل تشيك آوت من قبل الحفلة ما تبدأ"
أخرج هاتفه على الفور، وأجرى اتصالًا سريعًا، ثم قال بحزم شديد
"تجيبي لي عنوان وكل معلومة عن اللي اسمه مهند عبد الرحمن حالاً"
❈-❈-❈
الأروقة صامتة إلا من همسات متقطعة، وزفير متثاقل يصدر عن صدور أثقلها القلق.
وبينما عقارب الساعة تزحف ببطء، كانت جيهان تمسك بساعد قصي محاولة تهدئته، كمن يوقف انسياب نهر هائج.
قالت له بصوت خفيض يرتجف بالرجاء
"بلاش عشان خاطري، كلها دقايق والدكتور يخرج يطمنا عليها، وعابد معاها جوه"
زم شفتيه وجز على أسنانه، كأنما يحبس بركانًا داخله يكاد ينفجر، ثم تساءل بصوت يقطر حنقًا
"يعني عاجبك أسلوبه معايا؟!، لاء، ويحلف عليا ما أدخلش أوضة مراتي؟!"
حاولت أن تبرر لعله يهدأ، فأجابت بصوتها الرقيق
"معلش، اعذره رد فعله من خوفه على بنته"
رفع يده في انفعال مكظوم، ثم قال بعينين موشوحتين بالذهول
"وأنـا جيت عشان أصالحها، وإحنا بنتكلم مرة واحدة انهارت واغمي عليها"
ربتت جيهان على كتفه بحنو، وكأنما تطفئ النار بلمسة من ماء
"ما تقلقش، إن شاء الله هاتكون بخير، وارد جدًا الإغماء يكون نتيجة ضغط عصبي، عشان كده قولت لك سيبها يومين ترتاح، ما تحاولش تضغط عليها، وأنا هافضل جمبها مش هاسيبها"
كان صدره يعلو ويهبط كأمواج تتقاذفها عاصفة، فأدركت جيهان أن نيران الغضب تشتعل داخله، رغم محاولته البائسة لإخفائها.
وما هي إلا لحظات حتى فُتح باب الغرفة، وخرج منه عابد يليه الطبيب، الذي شرع يشرح بنبرة مهنية واثقة
"الراحة ثم الراحة يا عابد بيه، زي ما قولت لمدام صبا وماتنساش تاخد الأدوية اللي كتبتها في الروشتة، مع الأكل الصحي، وابعدوها عن أي ضغط نفسي أو عصبي، وده مش بس عشان حالتها الصحية، لكن كمان عشان...
إلا أن عابد قاطعه فجأة، بصوته الأجش ونظرته الحاسمة
"اطمن يا دكتور، بنتي هاتفضل قاعدة عندي في هدوء من غير أي ضغط أو حاجة تنكد عليها"
كان في قوله رسالة مبطنة، انطلقت كسهم موجه إلى قلب قصي، الذي كاد يرد لكنه لم يمهل، إذ سارعت جيهان بالتدخل، قائلة بسرعة
"تمام يا دكتور، أنا هافضل جمبها وأراعيها بنفسي"
لم يحتمل قصي أكثر من ذلك لقد بلغ الصبر منتهاه.د، مضى بخطى سريعة إلى الغرفة، كأن قلبه يسبقه، راغبًا فقط في أن يطمئن على من صارت نبض روحه.
تحرك عابد خلفه، لكن جيهان اعترضته بلطف، ووضعت كفها على صدره، كمن يحجز ريحًا عن اقتلاع باب
"أرجوك... سيبه يطمن عليها"
بينما دلف قصي إلى الداخل بخطى بطيئة مثقلة، استقبله مشهد لم يكن ليتحمله، كانت ممدّدة على الفراش، شاحبة الوجه، ساكنة الجوارح، كأن الحياة تخلت عنها على استحياء.
في ظهر يدها أنبوب طبي يتصل بمحلول معلق، والمحقن يقطر ببطء، تحدق في السقف بعينين زجاجيتين، لا أثر للحياة فيهما، وقد خبت منها شرارة الروح التي طالما ألهبت قلبه.
جلس على طرف الفراش متوجسًا، نظر إليها طويلاً، ولكنها لم تحرك ساكنًا، وكأن وجوده بات شفافًا لا يرى.
شعر بوخز الألم يخترق صدره، فقد كان يعلم بل متيقنًا أنه السبب الأوحد في ما آلت إليه حالها.
همس بصوت متهدج، أقرب إلى الانكسار منه إلى الاعتذار
"آسف... آسف على كل لحظة قسيت عليكي فيها، آسف على كل وجع و ألم سببته ليكي، ما انتي عارفاني في حالة الغضب مابشوفش قدامي، و القسوة بتغمي عينيا و بتخليني أعمل حاجات بندم عليها طول عمري"
مد يده المرتعشة، وأمسك بكفها المتصلب كأنما فارقته الحرارة، فطبع على ظهره قبلة خافتة، امتزجت بالندم والرجاء ثم أردف بصوت خافت مفعم بالحرص
"أنا هاسيبك هنا تاخدي فترة راحة، وكل يوم هاطمن عليكي، هاخد الأولاد عشان المدرسة، عشان امتحانات الفينال قربت، وهابقى أجيبهملك يقعدوا معاكي، بس لو لسه ليا خاطر عندك خدي بالك من نفسك ماتـفكريش في أي حاجة"
توقف برهة، كأن الحروف استعصت على الخروج من بين شفتيه، ثم تابع بصوت متهدج، تنوء كلماته تحت ثقل الألم
"و بالنسبة للطلاق، أجّلي الكلام فيه لحد ما تقومي بالسلامة"
لم يتلقَ منها ردًا، لكن دمعة خافتة هربت من طرف عينها، كشفت عن صراع داخلي عميق لم تستطع إخفاءه، فمدّ إصبعه يمسحها بطرف إبهامه برقة لا تصدر إلا عن عاشق يائس.
اقترب منها وكاد أن يطبع قبلة على وجنتها، لعلها تسعفه ببعض القبول أو العفو لكنها أشاحت بوجهها إلى الجانب الآخر، وبدا على ملامحها امتعاض ورفض قاطع.
وبينما هو غارق في بحر ندمه وقلقه، اهتز هاتفه بمكالمة واردة، فألقى نظرة على الشاشة، إنه شقيقه يونس!
وفي غرفة أخرى خيم عليها التوتر، بدا وكأن النقاش فيها قد اشتد بين اثنين، لا يكاد أحدهما ينهي جملة حتى يبادره الآخر بالرد، فتعالى الصوتان وتداخلت العبارات.
قالت بنبرة رجاء تحمل في طياتها شيئًا من الحزم
"إحنا بنحل ونصالح يا عابد، مش عايزين نهد اللي ما بينهم"
لكنه وقد استبد به الغضب، أجابها بعينين ضاقتا سخطًا وصوت خافت إلا من نصل الحدة
"وأنا كنت مديه الثقة، وسيبته يعمل ما بداله معاها ومطلعش أهل للثقة، عايزاني أرجعها له عشان تموت من القهر هي واللي في بطنها؟!"
تصنمت في مكانها، وقد شلتها مفاجأة كلماته الأخيرة، وتطلعت إليه بقلق ممزوج بالريبة، سألت لتتأكد
"هي صبا حامل؟"
تغير وجهه فجأة، وارتسم عليه طيف من الندم، وكأنه أفلت سرًا لم يكن ينوِي البوح به، أو كأن ابنته قد استأمنته ألا يفصح عنه.
فخفض صوته واخبرها
"أيوه حامل، وياريت الخبر ده ما يعرفوش غيري أنا وإنتي، صبا هي اللي طلبت مني ماقولش لجوزها"
اتسعت عيناها بدهشة صريحة، وسألته باستغراب لا يخلو من الحيرة
"وهي مش عايزاك تقوله ليه؟، هي ناوية ما تتنازلش عن طلب الطلاق؟"
زفر زفرة طويلة، كأن في صدره دخانًا لا يريد أن يتبدد، ثم أجابها بصوت متعب، مزيج من الإذعان والاهتمام
"ما رضتش أضغط عليها وأسألها عن سبب طلبها للطلاق، بس مضطر أسمع كلامها لحد ما تقولي اللي في دماغها، وأيا كان تفكيرها، أنا لازم أؤدبه وهخليه يعرف قيمتها"
نظرت إليه بتردد، وصمتت لحظة وكأنها تزن الكلمات في رأسها قبل أن تنطق بها، ثم صرحت له بالحقيقة على استحياء
"هقولك على حاجةوما تضيقش؟، موقفك جاي متأخر للأسف، لو كنت من بداية جوازهم أخدت معاه واقفة، مكنش عمل معاها كده وكذلك هي كمان، لو كنت فهمتها يعني إيه حياة زوجية وإزاي تتعامل مع مشاكلها ومع جوزها بحكمة، مكنش وصلوا لحيطة سد"
جلس عابد على المقعد القريب، وقد بدا عليه الانكسار، أسند يديه إلى رأسه كمن يحاول احتواء ثقل الخطايا الماضية.
وكأنه يعترف أمام نفسه قبل أن يعترف لها
"عندك حق، أنا فعلًا كنت سلبي، وضيعت حقها أكتر من مرة، لكن المرة دي لازم آخد موقف، ولازم آخد لها حقها، وهخليه يفكر مليون مرة قبل ما يبص لها حتى بصة تزعلها"
رفعت حاجبيها قليلًا وقالت وهي تقرأ في وجهه ملامح تصميم لم تألفه منه من قبل
"تمام، بس هتوافقها على الطلاق؟"
نهض من جلسته، ووقف ثابتًا يحدق أمامه كمن حسم أمرًا جللًا، ثم قال بلهجة قاطعة لا تقبل التراجع
"هوافقها على أي حاجة تكون فيها راحتها حتى لو اتطلقت منه"
❈-❈-❈
في غرفة الفحص حيث يهمس الصمت بثقله على الجدران البيضاء، وقف رحيم بجوار الطبيب الأجنبي المختص بحالة أميرة.
كان الضوء المنبعث من الجهاز اللوحي المعلق على الجدار يُلقي بوهج خافت على وجهيهما، فيما كانت الأشعة المقطعية تعرض تعقيدات لا تُرى إلا لعين خبيرة.
أشار الطبيب بعصا دقيقة إلى بعض النقاط المظلمة على الصورة، ثم التفت إلى رحيم قائلاً بصوت خفيض يشوبه الأسى
"للأسف دكتور رحيم، كما ترى الأضرار التي خلفها الحادث تركت أثراً بالغاً على نسيج المخ لدى الآنسة أميرة، تلك الأضرار تجعل من نجاح الجراحة أمراً شبه مستحيل، بل وقد يؤدي إلى...
توقف عن الكلام، كأنما ثقل الكلمات قد خنقه، اكتفى بنظرة حزينة تنطق بما عجز عنه لسانه.
نظر إليه رحيم طويلاً، ثم قال بصوت متماسك رغم ما توارى خلفه من قلق
"حسناً دكتور، لقد فهمت فما الحل الآن؟"
تنهد الأخر ثم أجابه وقد استعاد نبرة مهنية مشوبة بالإنسانية
"الحل في هذه الحالة هو العلاج النفسي، على المحيطين بها من الأهل والأصدقاء أن يعيدوا سرد ذكرياتها معهم، أن يملؤوا يومها بالدعم العاطفي، والحنان والاستدعاء المستمر لتفاصيل حياتها الماضية هكذا، وبمرور الوقت قد تبدأ ذاكرتها في إعادة بناء ذاتها، وبالطبع لا بد من متابعة طبية دقيقة، فقد تظهر حالتها تطورات إيجابية مع الأيام"
أومأ رحيم برأسه ببطء، وشبه ابتسامة شكر ارتسمت على شفتيه رغم ما يعتصر قلبه من ألم
ـ"شكراً لك دكتور"
ابتسم الطبيب الآخر بحرارة صادقة وقال
"العفو دكتور رحيم، فأنت طبيب ماهر، ولدي يقين بأن مستقبلك سيكون زاهراً في هذا المجال، أتمنى لك كل التوفيق"
❈-❈-❈
غادر رحيم الغرفة بخطى متثاقلة، يحمل في صدره مزيجًا من الثقة والتوتر، وكأنما الكلمات التي سمعها لا تزال تتردد في أذنه بصدى ثقيل.
سار نحو أميرة التي تنتظره بشوق مشوب بالقلق، تمسك بأطراف أمل لا تدري إن كان سيتفتق نورًا أم ينطفئ خيبة.
وما إن وقعت عيناها عليه، حتى نهضت من مقعدها بلهفة، وصوتها يسبق خطاها
"ها، الدكتور قالك إيه؟"
توقف أمامها لحظة، ثم أجاب بصوت هادئ يخفي وراءه جهداً كبيرًا في كبح مشاعره
"للأسف مش هاينفع نعمل العملية، بس هنستمر في المتابعة والعلاج النفسي زي ما قولتلك"
تغيرت ملامح وجهها في لحظة، وكأن الحزن قد صبغ قسماتها بلون شاحب. نظرت إلى الأرض قليلًا، ثم رفعت رأسها وهمست بنبرة مؤمنة
"خير، كله خير بإذن الله"
اقترب منها خطوة، وكأنه يسعى أن يطمئن قلبها بما هو أعمق من الكلمات، وقال بحنو ظاهر
"أميرة، مش عايزك تزعلي ولا تيأسي، كل خطوة ربنا كتبها لينا فيها خير، ومش عايزك تقلقي أبدًا، أنا هافضل جنبك وعمري ما هتخلى عنك، وهبني لك حياة جديدة هاكون معاكي فيها، ولا مليش مكان؟"
نظرت إليه نظرة خجل ممزوجة بامتنان، وابتسامة رقيقة تزين وجهها
"أنا فعلاً مطمنة طول ما أنا معاك، وفي نفس الوقت مش عايزة أكون سبب مشاكلك، خصوصًا مع والدتك"
هز رأسه نافياً، وقد لمعت في عينيه لمحة تحد محبب
"أنا وماما على طول بينا مشاكل من زمان، بس هي كل اللي يهمها سعادتي وراحتي النفسية، ما تشيليش انتي هم أي حاجة، أنا معاكي وفي ضهرك"
تأملته لحظة والسعادة تنضح من عينيها، كأنما ابتسم قلبها قبل وجهها، فقال وهو يربت على كتفها
"يلا بينا نروح نتغدى، لأن أنا واقع من الجوع، وعايز أعمل مكالمة مهمة بس بعد ما ناكل"
أومأت برأسها، وعيناها تضحكان في براءة كعيني طفل رأى أمانه
"يلا بينا"
❈-❈-❈
سكبت شراب الكاكاو بالحليب الساخن الذي تفضله في الكوب الزجاجي، تناولته بهدوء وسارت بخطى وئيدة نحو الشرفة. جلست على المقعد المقابل لحاسوبها المحمول، متربعة في حضن نسمات الهواء الهادئة، تُقلب أناملها صفحاته.
كانت تتصفح الصفحة الرئيسية لموقع التواصل الاجتماعي الشهير، حين وقع بصرها على منشور لم تستطع تجاوزه خاطرة مكتوبة بمشاعر نابضة، مرفقة بصورة له.
كم بدا وسيماً، أنيقاً إلى حد يكاد يُربك النظر، تسلل إلى قلبها شعور مُربك، لا تدري ما يحدث معها، أم هو الندم، كيف لا وقد واجهت بعد زواجها نفور بارد ومعاملة قاسية، وتجاهل يكوي، مَنْ أحبته لم يحبها، بل تعمد أن يُطفئ في قلبها كل شرارة حب، وأن يُفهمها أنها ارتكبت خطيئة الزواج منه.
بحركة مترددة فتحت ملفه الشخصي، وأخذت تتنقل بين صوره، حتى توقفت أمام صورة تجمعهما معاً، وكأنها تراها للمرة الأولى.
كانت نظرته إليها في تلك الصورة تبوح بما لا يقال، تنطق بلغة العشق التي لا تترجم.
في تلك اللحظة تيقنت أن كليهما كان يحفظ الآخر أكثر من نفسه.
كم كانت حمقاء حين تركت من يعشقها من أجل سراب!
أغلقت شاشة الحاسوب، وزفرت في ضيق لم تحاول حجبه، تناولت الكوب وأخذت ترتشف منه ببطء، فإذا بهاتفها يرن، صوته يعلو كمن يوقظ من سبات. نظرت إلى الشاشة، فإذا باسمه يتلألأ أمامها، خفق قلبها بعنف مباغت، وكأنه لم يستأذنها في الحنين.
ترى، أيمكن أن يفكر بها في اللحظة ذاتها التي تفكر فيه؟!
ابتلعت ريقها في تردد، وترددت أن تُجيب، عادت إلى ذاكرتها كلمات زوجها التي حُفرت كالنقش في الحجر، أن تقطع كل صلة بابن خالتها، وألا تراه ولو حتى في مناسبة عائلية.
ابتسمت بسخرية، وخاطبت نفسها
«اللي يسمعه وهو بيهددني، يحسبه بيغير عليّا من كتر الحب، بس هو طبعه كده، حدِّي ومسيطر وخلاص...»
لم تُطل التفكير ولأن زوجها في عمله، ولأن الفضول كان أقوى، قررت أن تُجيب. حاولت أن تلتقط أنفاسها بانتظام، ثم اجابت بصوت منخفض
"رحيم؟"
جاءها صوته بنبرة عادية، خالية من أي مشاعر، على عكس ما توقعت
"إزيك يا دكتور رودينا؟"
عجبت من تلك الرسمية، فردت وقد نالت منها الدهشة
"الحمد لله يا دكتور رحيم"
قال دون أن يُبدل نبرته
"آسف على الإزعاج، بس أنا مش هطول عليكي، عشان معملكيش مشاكل مع الأستاذ ياسين"
رفعت حاجبها بدهشة ممزوجة بمرارة، وأجابت
"اتفضل، اتكلم براحتك مفيش أي إزعاج ولا مشاكل"
قال بهدوء
"أنا عايزك في موضوع مهم يخصني من ناحية شغلك، ورسالة الدكتوراه اللي بتحضريها"
"ممكن أعرف إيه المطلوب؟ وأنا تحت أمرك"
"مش هعرف أشرح في التليفون، لو فاضية النهارده أو بكرة، ممكن نتقابل أنا وانتي والحالة في مطعم أو كافيه، ولما تيجي هشرحلك كل حاجة، يناسبك يوم إيه؟"
لم تفكر كثيراً، وجدت نفسها تجيبه دون تردد
"أنا لسه في إجازة، فممكن جداً النهارده، ابعتلي عنوان المكان، ونتقابل بعد ساعة كده، تمام؟"
"تمام، هابعتلك اللوكيشن وإحنا في انتظارك"
"أوك... باي"
فيما انقطع الخط، بقيت تحدق في الفراغ بعينين غائمتين، وكأنها تنقب في السكون عن إجابة لسؤال زوجها إلي أين ستذهب،
نعم، ستكذب لا مفر.
تناولت هاتفها بنفور ظاهر، ضغطت على اسمه في سجل المكالمات، وانتظرت...
الرنين يتكرر، ولا رد كعادته، يغيب حين تحتاجه، ويظهر فقط ليعاتب يلقي اللوم.
همست بسخرية لاذعة، وقد بدت الكلمات كأنها طعنة في الهواء
"أوك يا ياسين، ما عنك ما رديت، أحسن برضه وعشان ما يبقاش ليك حجة وما تصدق تنكد عليا"
وضعت الهاتف جانبًا، ثم فتحته مجددًا، ولكن هذه المرة لتسجّل رسالة صوتية.
"أنا كنت بتصل عليك عشان أقولك رايحة لمامي، لما تبقى فاضي كلمني"
ضغطت على زر الإرسال، ثم وضعت الهاتف جانبًا كمن ألقى عبئًا كان يجثم على صدره.
تقدمت نحو خزانتها بخطى واثقة،
اختارت ثوب بلون الليل، انساب على جسدها كأنّه خلق لأجلها وحدها، أبرز أنوثتها في رشاقة لا تقاوم.
ثم جلست أمام مرآتها، وكأنها تعقد صلحًا مع انعكاسها.
مر إصبعها برفق فوق بشرتها، يوزع المساحيق برقة متناهية، لا تخفي ملامحها بل تبرِزها، كأنها لوحة فنية تستكمل بألوان دقيقة.
انتهت من رسم عينيها، ثم التقطت أنبوب طلاء الشفاه، ومررته على شفتيها الممتلئتين بحرص مغر، ثم ابتسمت...
تلك الابتسامة لم تكن عفوية، بل امتلأت بدهاءٍ أنثوي تدرك تمامًا ما تفعله.
حدقت في المرآة، تذكرت نظرات رحيم، كيف كان يتفحصها بشغف لا يخفى، كأنه يحاول فك شيفرة جمالها...
كانت تلك النظرات كافية لأن ترضي غرور أنثى اعتادت أن ترى، أن ترغب، أن تلاحظ.
وها هي الآن، تستعد للذهاب، لا إلى والدتها بل إلى لحظة قد تغير كل شيء.
هل تندم؟!، ربما لاحقًا، أما الآن فالعطر الذي نثرته على عنقها، كان أبلغ من كل القرارات.
❈-❈-❈
انطلقت بسيارتها كمن يهرب من عبء ثقيل، أو كمن يسابق نبضه اللاهث في صدره، لم تلتفت إلى القادم في الاتجاه المعاكس، ولا أبصرت ما كان يتهادى أمامها من خطر محدق، كانت تسير مدفوعة بفيض من الانفعال، يغشي على بصرها وبصيرتها، فلم تنتبه أن القدر نفسه قد وقف لها بالمرصاد على قارعة الطريق.
في تلك اللحظة، كان هو يفتح الرسالة الصوتية المرسلة من هاتفها، فدوى صوتها في أذنه كنصل يخترق السكون، وكأن نبرة صوتها وحدها كافية لإشعال نيران الغضب في صدره.
قبض على أسنانه بقسوة حتى صدرت عن فكه فرقعة خافتة، ثم تمتم بنبرة محمّلة بالغيظ
"الهانم بعتالي فويس نوت، وما استنتش حتى أديلها الإذن، أنتي اللي جيبتيه لنفسك يا رودينا، وما تزعليش من اللي هاعمله فيكي"
كأن الشر قد استوى على عرشه بين يديه، أدارت أنامله عجلة القيادة بزاوية حادة، متخذًا مسار معكوس، وانطلقت سيارته كالسهم يشق طريقه في اتجاه سيارة زوجته، وكأن الأرض ضاقت عليه بما رحبت، ولم يبقَ له سوى لحاقها.
وفيما كان يضغط على مكابح البنزين دون هوادة، صدح رنين الهاتف فجأة، قاطعًا عليه أفكاره المسعورة، فامتدت يده إلى الهاتف، ولما لمح اسم شقيقته على الشاشة، تسارعت نبضاته أكثر.
تذكر أن ابنته قد توسلت إليه البارحة أن يأخذها لقضاء العطلة مع بنات عمتها، فأخذها معه في الصباح إلى هناك، غير دار بما يخبئه القدر في جوف اليوم.
أجاب بسرعة
"أيوه يا ملك، ياسمينا بخير؟"
….....
"ماله يونس؟"
…....
"إزاي كارين اختفت؟!"
ثم جاءت الإجابة كصفعة على وجهه
"إيه؟!"
ضغط على المكابح بكل ما أوتي من قوة، فصدر صوت احتكاك العجلات بالأرض، توقفت السيارة فجأة، كأن الكون كله توقف معها.
صاح بعينين تتوهجان من القلق
"اتخطفت إزاي؟! أنا جاي على القصر دلوقتي، وخليكي إنتي مع البنات، ولو في أي حاجة هابلغك، سلام"
أغلق المكالمة بعصبية، وحدق أمامه وكأن الطرق كلها صارت دهاليز لا مخرج منها، شد على المقود بقسوة حتى أبيضت أنامله من شدة التوتر، وتمتم وهو يقلب عينيه بين الغضب والفزع
"هو يوم باين من أوله، لما أخلص من المصيبة اللي إحنا فيها، والله لأوريكي يا رودينا"
❈-❈-❈
انتهى من طعامه للتو، وأخذ نفس عميق وهو يضع الملعقة جانبًا، وقال بصوت ممتلئ بالراحة والاطمئنان
"الحمد لله، كان الواحد جعان"
نظرت إليه أميرة بابتسامة خفيفة، ولم تستطع أن تكبح ضحكتها فقالت له
"واضح جدًا، كنت جعان أوي"
ضحك ثم رد بسرعة
"إنتي اللي ما بتاكليش، الأكل لو مش عاجبك شوفي عايزة تاكلي إيه وهبلغ الويتر يجيبه لك"
ابتسمت بشيء من الحياء
"بالعكس، الأكل حلو أوي، بس أنا لما ببقى متوترة أو ورايا حاجة، ما بقدرش أؤكل"
عادت ملامح وجهه لتأخذ منحى جديًا، فسألها
"قلقانة من مقابلة الدكتور النفسي؟"
أجابت وقد تردد في صوتها خجل بالغ
"مش كده بالظبط، الموضوع وما فيه بتحرج من أي حد ماعرفهوش، خصوصًا لو راجل غريب"
قهقه ضاحكًا، و اخبرها بلطف
"مش اتفقنا قبل كده بلاش جو الخوف والقلق من أي حاجة، وخليكي شجاعة"
ردت عليه وهي تبتسم ابتسامة خفيفة ولكنها محملة بمشاعر مختلطة
"غصب عني يا رحيم"
نظر إليها بعينين يملؤهما التفهم، وقال بهدوء
"فاهم وعارف إنه غصب عنك، عموماً اطمني، هي دكتورة مش دكتور، تبقي بنت خالتي"
"بنت خالتك؟"
سألته بتعجب وقد ارتسمت على وجهها علامات الارتباك.
لاحظ ذلك، ورأى في عينيها مزيجًا من الحرج والخجل، خاصة مع ما يختلج في صدرها من خوف من رد فعل ابنة خالته إذا كانت على شاكلة والدته.
فابتسم ابتسامة هادئة
"على فكرة، لما تتعرف عليكي هاتحبك جدًا، لأن أي حد يعرفك يحبك من أول مرة"
ثم اختتم كلماته بنظراته التي جعلتها تغرق في بحر من الخجل.
نهضت من مقعدها على عجل، فتبعها رحيم، وسألها بصوت خافت
"رايحة فين؟"
أجابت وهي تسير
"رايحة الحمام وراجعة على طول"
لكنها كادت تتعثر في خطواتها، فبادر إلى مساندتها، فاصبحت في لحظة بين ذراعيه.
توقف الزمن في تلك اللحظة، وكأن العالم من حولهما قد تجمد، فشعرت بنبض قلبه يزداد تسارعًا، وكأن فؤادها أيضًا بدأ يضرب بقوة متوافقة مع إيقاعه.
وعلى مسافة قريبة، وصلت إلى المكان المرسل إليها، وبحثت عنه بين الزحام حتى توقفت عن السير فجأة، فوجدت نفسها أمام مشهد غير متوقع، حيث كان رحيم يعانق امرأة قد ولت ظهرها إليها.
عقدت ما بين حاجبيها، وهمست بصوت مكتوم داخل رأسها
"بقي أنت جايبني عشان توريني أنك لاقيت البديل اللي هتنساني بيها يا رحيم؟!"
بينما كان الأخر ما زال أسير اللحظة الماضية، همس إليها
"إنتي كويسة؟"
أجابت أميرة وهي تبتعد بحرج من بين ذراعيه
"آه، حسيت بدوخة شوية، أنا بخير اطمن"
ظهر صوت آخر قادم من خلفهم
"هاي دكتور رحيم"
نظر رحيم إلى صاحبة الصوت دون أن ينبس بكلمة، بينما تمرد لسانه وأبى أن يتحرك.
كانت تلك المرأة أمامه تحمل سحرًا لا يمكن مقاومته، وهكذا تبادلا النظرات، عينيه تحملان مزيجًا من الشوق والعتاب، بينما عينيها كانت تخبره دون كلمات، لن تستطع نسياني أيها الطبيب.
ثم ألتفتت أميرة نحو المرأة الأخرى، وابتسمت ابتسامة هادئة رغم كل ما يعتمل داخلها من مشاعر متناقضة
"أهلاً بيكي يا دكتور"
وفي تلك اللحظة استرجعت رودينا في ذاكرتها مشهد قديم، حيث كانت جالسة مع ابنة زوجها، تعرض عليها صور والدتها التي رحلت، وتخبرها
"دي صورة ماما ياسمين، الله يرحمها"
ثم انتقل شريط الذاكرة إلى مشهد آخر، عندما استيقظت في الليل لتجد زوجها نائمًا، يضم في يديه ألبوم صور، وعندما فتحته، اكتشفت أنه كان ألبوم يجمع صور له مع زوجته السابقة في لحظات مليئة بالذكريات.
تفوهت بصدمة، وكأن صاعقة قد أصابتها
"ياسمين!"
الفصل الخامس عشر
هل تراك تنسى أم تظل أسيرَ؟
هل تغيب عن نبض يضيء المصيرَ؟
إنها الحب الذي في قلبِكَ يسيرَ
هي الأمس والغد، وهي السر الكبيرَ
إنها النبض الذي في روحكَ يطيرَ
لن يُبدلها بديل، مهما كان قصيرَ
هي العمر الذي في عينيكَ مُنيرَ،
هي السر الذي في وجدانكَ يُثيرَ.
قد تخونكَ كلماتي، لكنها السّريرَ،
حملتها لكَ يا طبيبَ، كيف يكون التغييرَ؟
في صمتها حديث، في ضحكتها أسيرَ،
وفي كلّ خطوة منها، يبقى القلب قديرَ.
فهل يُمحي الهوى يومًا؟ هل ينسى؟
أم يخلدُ في الوريد، و يدوم أثرهُ نصيرَ؟
هي الحلم الذي يكتب الزمان أثيرَ،
هي الأمل الذي يزرع فيكَ دهرًا منيرَ.
_عطر الربيع_
"هاي دكتور رحيم"
نظر رحيم إلى صاحبة الصوت دون أن ينبس بكلمة، بينما تمرد لسانه وأبى أن يتحرك.
كانت تلك المرأة أمامه تحمل سحرًا لا يمكن مقاومته، وهكذا تبادلا النظرات، عينيه تحملان مزيجًا من الشوق والعتاب، بينما عينيها كانت تخبره دون كلمات، لن تستطع نسياني أيها الطبيب.
ثم ألتفتت أميرة نحو المرأة الأخرى، وابتسمت ابتسامة هادئة رغم كل ما يعتمل داخلها من مشاعر متناقضة
"أهلاً بيكي يا دكتور"
وفي تلك اللحظة استرجعت رودينا في ذاكرتها مشهد قديم، حيث كانت جالسة مع ابنة زوجها، تعرض عليها صور والدتها التي رحلت، وتخبرها
"دي صورة ماما ياسمين، الله يرحمها"
ثم انتقل شريط الذاكرة إلى مشهد آخر، عندما استيقظت في الليل لتجد زوجها نائمًا، يضم في يديه ألبوم صور، وعندما فتحته، اكتشفت أنه كان ألبوم يجمع صور له مع زوجته السابقة في لحظات مليئة بالذكريات.
تفوهت بصدمة، وكأن صاعقة قد أصابتها
"ياسمين!"
تفوهت بصوت خافت لا يسمعه سواها، لكن نظرتها المتجمدة فسرها رحيم بشئ آخر، ولكنه اختار أن يقطع الصمت الذي كان يغلف المكان.
بادر قائلاً بصوت يقطع حاجز التوتر
"أعرفكم على بعض، دكتور رودينا يا أميرة، وبنت خالتي اللي أنا مربيها، من و هي كانت لسه نونو صغير"
ثم التفت إلى ابن خالته
"آنسة أميرة، الموضوع اللي كنت عايزك عشانه، لما هانقعد دلوقتي هاحكيلك كل حاجة"
كانت أميرة تشعر بتوتر لا ينفك يزداد، كان من الواضح أنها شعرت بعبء النظرات المتفحصة التي رمتها عليها رودينا.
كانت تلك النظرات تحمل في طياتها أسئلة محيرة وقلقًا حقيقيًا، كانت أميرة تدرك أن الأمور ربما تكون أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه، خشيت أن تكون رودينا قد فهمت شيئًا خاطئًا من حديث رحيم، خاصة عندما تذكرت كيف أن خالتها قد أقامت الدنيا ولم تقعدها عندما علمت بأمرها.
ورغم كل ذلك، ظنت خيرًا بها وإلا لما لجأ إليها رحيم في أمر علاجها.
بادرت بالمصافحة، وأرسلت ابتسامة مشرقة، محاولة إخفاء التوتر الذي كان يعتمل في قلبها.
"أزيك يا دكتور"
بينما كانت الأخرى تراقب ما يحدث عن كثب، كان رحيم يترقب رد فعلها، فهناك حرب ضارية بين ضميرها قلبها الذي كان يأبى إلا أن يعترف أو يجعلها تخبر أميرة بحقيقتها،فالنيران تندلع في أعماقها، شيء يتعلق بزوجها، ولكن في نفس الوقت، كان هنالك قلق يتسرب في وجدانها، أسئلة حائرة وبالتحديد ذلك التساؤل الذي كان يطن في رأسها، عندما رأت أن أميرة هي التي يطلق عليها رحيم اسم آنسة، كيف يكون ذلك؟
وفي تلك اللحظة، انتبهت أخيرًا إلى تلك التي كانت تمد يدها للسلام، فبادلتها المصافحة، وأومأت برأسها
"أهلاً"
سحبت رودينا يدها برفق، فشعرت الأخرى بشيء من الحرج، لكن سرعان ما تبعت نظراتها نحو رحيم، فتذكرت ما كانت ستفعله منذ قليل
"هاروح أنا وراجعة على طول"
"خدي بالك من نفسك"
قالها لها رحيم وكانت تلك الجملة لم تمر مرور الكرام على مسامع ابنة خالته، التي منذ أن وطأت قدماها هذا المكان، وأصبحت تتلقي المفاجآت.
ظلت تتابعها حتى اختفت عن عينيها، ثم سرعان ما انتبهت إلى قوله
"اتفضلي اقعدي، نتكلم شوية، عقبال ما تيجي"
سحب المقعد لها بلطف، جلست، وقالت بإمتنان
"Thanks"
جلس أيضًا، مبتسمًا ابتسامة خفيفة، ردً على شكرها
"العفو، تحبي أطلبلك الهوت شوكوليت اللي بتحبيها؟"
حدقت فيه، ونظرت في عينيه بعينين مترقبتين، كأنها تسأله، هل ما زالت تذكر ما أحب؟!
وكأن كلماتها كانت قد سمعتها أذنه، فقال بصوت مسموع، وكأنما يُنشد
"أيوه، لسه فاكر كل حاجة بتحبيها من الأكل والشرب، وزي مثلاً بتحبي تاكلي حلويات عشان تفتح نفسك قبل الأكل، وما بيجلكيش نوم غير لما أونكل مهاب ياخدك في حضنه ويغنيلك أغنيتك المفضلة"
ضحكت بخفة وقالت
"ده لما كنت لسه صغيرة"
ابتسم بخفة، وتابع
"ولحد ما كبرتي وخلصتي الجامعة، فاكر كويس لما طلعنا كامب مع أصحابنا كنتي خايفة، ومش عارفة تنامي قعدت سهران جنبك واضطريت أغنيلك أغنيتك عشان تعرفي تنامي"
همهم، ثم بدأ يدندن بكلمات الأغنية بصوته العذب، فتردد صدى الأنغام في المكان
"عصفور طل من الشباك، وقال لي يا نونو، خبيني عندك، خبيني، دخلك يا نونو، خبيني عندك، خبيني دخلك يا نونو"
ابتسمت ببراءة طفلة صغيرة، وكأن الزمن عاد بها إلى الوراء، وانطلقت تشاركه في الغناء بصوت مليء بالذكريات
"قلتله انت منين؟ قال لي من حدود السما، قلتله جاي منين؟ قال لي من بيت الجيران، قلتله خايف من مين؟ قال لي من القفص هربان، قلتله ريشاتك فين؟ قال لي فرفتها الزمان، عصفور طل من الشباك وقال لي يا نونو، خبيني عندك، خبيني، دخلك يا نونو"
تجمعت الدموع في عينيها، ولكنها لم تكن تعلم ما السبب، هل هو الحنين المفرط وندمها على حب قد خسرته بإرادتها، أم هو التأثير القوي لصفعات القدر التي تلاحقها منذ أن سقطت من السماء، لتهبط على سابع أرض؟
أمسكت حقيبة يدها فاستخرجت منها محارم ورقية، لكن يد رحيم سبقتها، وأعطاها محارم من لديه، سألها بحنان
"انتي كويسة؟"
أومأت إليه برأسها وأخذت المحارم. جففت دموعها بسرعة، ومن ثم رسمت على شفتيها ابتسامة طفيفة، وسألته، وهي تظهر اهتمامًا
"مش هاتقولي مين أميرة؟ وإزاي اتقابلتوا؟"
بدأ رحيم في سرد قصته منذ أن رأى أميرة لأول مرة، مرًّا بكل الظروف الصعبة التي مرت بها، بداية من فقدان الذاكرة، إلى المشكلات التي كانت تعاني منها بسبب أبناء السيدة خيرية، وظن والدته أنها من بائعات الهوى.
أخبرها كيف هربت أميرة من المنزل، وكيف بحث عنها هو لعدة أيام حتى وجدها، ثم عاد بها إلى القاهرة.
كانت الأخرى تستمع بإنصات، ومشاعرها تتبدل، وعينها قد تملؤها الرؤية الواضحة التي لا تخطئ، فجاءتها الحقيقة مكشوفة أمامها كما الشمس في كبد السماء، ياسمين تعرضت لحادث نتج عنه فقدان الذاكرة.
"رودينا؟! رودينا؟!"
لوح بكفه أمام وجهها، فانتبهت إليه على الفور، سألها محاولًا أن يخفف عنها صمتها
"سرحتي في إيه وأنا بكلمك؟"
قالت، وكأنها تسترجع لحظات من التفكير العميق
"معاك، حتى بالأمارة كنت بتقول إنكم رجعتوا القاهرة، بس أنت قعدتها فين؟"
رد عليها، كأنما يكشف لها سرًا خفيًا
"طبعًا، اللي هقوله لك سر ما بينا، يعني لا خالتي ولا عمي يعرفوا"
سألته بدهشة
"وأنا عمري قولت سرك لحد؟"
أجابها وهو يبتسم بخفة
"أبدًا، من زمان وأنا بجي أحكي لك عن كل حاجة كأني بحكي لنفسي، يمكن علشان كنت بعتبرك أنا وإنتي واحد؟!"
لم تجب وأثرت أن تصمت، ظل كليهما يتبادلان النظرات، وفجأة لاحظت قدوم أميرة، حمحمت ونظرت نحوها ثم أخبرت رحيم
"ياسـ...، قصدي أميرة جاية علينا"
"معلشي اتأخرت عليكم"
قالتها أميرة بصوتها الرقيق، الذي حمل بين طياته اعتذار، نظرت إليها رودينا التي كانت تجلس على المقعد المقابل، تتأمل وجهها بتوجس، وعينها مشدوهة، لم يكن من السهل أن تتقبل هذه المفاجأة التي أحيطت بها.
لكن رحيم الذي كان جالس على مقعده في الطرف الآخر من الغرفة، لم يترك الفرصة تمر دون أن يضيف
"تعالي، كنت بحكي عنك لرودينا"
ارتفعت نظرات رودينا نحوها، تترقب بكل حذر ما ستكون عليه المعاملة من هذه اللحظة فصاعدًا، خاصة بعدما علمت بكل شيء عن أميرة.
كانت تلك النظرة تحمل كل الأسئلة التي ظلت تدور في عقلها، دون أن تجد جواب شافي.
ثم أضاف رحيم متابعًا حديثه كأنه لا يرى الموقف بينهما إلا أمر عادي
"قبل ما أنسى يا رودينا، أميرة حاليًا قاعدة في شقة بابا الله يرحمه في مصر الجديدة، ودي هتبقى أنسب مكان للجلسات، وماتنسيش زي ما وصيتك"
كانت الكلمات التي ألقاها كسياط تشق الصمت، وتدخل إلى عقول الجميع مثلما تدخل خيوط الضوء في أزقة المدينة المظلمة، ردت الأخرى
"اطمن، خالتو رجاء ماتعرفش حاجة عن موضوع الشقة، هي فاكرة إن عمو الله يرحمه باعها من زمان"
و بينما كانا كليهما يتحدثا كانت أميرة قد رفعت نظرها إليهما بنظرة مليئة بالتوتر والقلق حيث تشعر بالحرج حيال الأمر الذي ذكره رحيم، لذا قالت
"وجودي هيبقى وضع مؤقت لحد ما هدور على شغل، وهشوف سكن بالإيجار"
لكن وبدون أن يعير رحيم نظرًا لمشاعر ابنة خالته، حدق إلي أميرة بنظرة ذات طابع حازم، ثم رد بصرامة لا تترك مجالًا لأي نقاش
"وأنا مش موافق على اللي أنتي بتقوليه، لأنك يوم ما هتسيبي الشقة هاتيجي تعيشي معايا في الفيلا، وبالنسبة للشغل مش هامنعك، بس هتكوني في مكان أنا برضه هكون معاكي فيه وتبقي تحت عيني"
كان الهدوء الذي عادة ما يميز رحيم قد تبدد، ليحل محله أمره الذي لا يقبل الجدل، بينما رودينا فقد كانت لا تزال جالسة متفاجئة بما تسمعه، ينتابها الشعور بالدهشة من ما يتخلل مسامعها للتو
رفعت أميرة صوتها قليلًا، محاولة أن تبدي اعتراضها على حديث الأخر
"وأنا كل اللي بطلبه منك تديني وقتي عشان استعد نفسيًا، والموضوع مش بالسهل يا رحيم، كفاية مامتك لما تعرف بحاجة زي دي، تخيل هاتعمل معايا أنا بالذات إيه؟"
و لأول مرة قد ألقى بنظرة حادة إليها، لدرجة أن الغضب بدا وكأنه يشتعل في أعماقه، ليجيبها بنبرة غاضبة لكنها ثابتة، مخالفة لهدوءه المعتاد
"قولتلك ملكيش دعوة بحوار أمي، أنا عارف هقنعها إزاي، لكن اللي مش هتنازل عنه هو اللي لسه قايله لك دلوقتي، وبعدين خروجك لوحدك مش أمان ليكي، وإيه اللي يضمن لي إنه الحيوان اللي اسمه محمود وإخواته لسه بيدوروا عليكي؟، ومصر كلها أوضة وصالة، سهل جدًا يوصلوا ليكي، فلما هاتكوني حرمي المصون، محدش يقدر يقربلك"
كان الصوت الغاضب قد بدا صريحًا، وكأنما هو توجيه رسالة قاطعة، أما رودينا فقد كان عقلها يعكف على تحليل كل كلمة قالها، ولم تستطع إلا أن تخرج السؤال الذي ظل يراودها طوال الوقت، مستفهِمة بلهجة تتأرجح بين الاستفهام والدهشة
"هو اللي أنا سمعته ده صح، ولا أنا فهمت غلط؟!"
فألتفت رحيم إليها، وأجابها بجدية قاسية كانت تكاد تفهم من كل حركة من حركاته
"و ده السر التاني اللي كنت ناوي أقوله لك أنا هاتجوز أميرة"
❈-❈-❈
في قصر آل البحيري، انعقد اجتماع عائلي طارئ، محاط بالهمسات والقلق، كان الجميع وجوههم غارقة في التفكير، وأعينهم متوجسة.
على رأسهم كان قصي، الرجل الذي لم يهدأ له بال منذ اللحظة التي علم بها أمر اختطاف شقيقته، كان يتنقل بين المكالمات الهاتفية، محاولًا جاهداً أن يضع الأمور في نصابها.
و علي الآرائك و المقاعد، كان يجلس كل من ياسين، مصعب وملك جالسين قرب بعضهم، بينما جلست چيهان، التي لحقت بقصي بعد أن علمت منملك.
بينما آدم وخديجة ويوسف وعلياء، فقد كانوا جالسين حول طاولة كبيرة، في انتظار أن يُكشف لهم مصير تلك الكارثة التي حلت عليهم.
وقد وصل عابد للتو، فدخل علي عجلة من أمره، وألقى التحية على الجميع، ثم سأل بصوت يحمل توترًا لا يُخفى
"إزاي حصل كده و كان فين؟"
أجاب ياسين وكأن الحزن يثقل لسانه
"الحوار حصل في العالمين، وهناك قالبين الدنيا"
قال آدم وهو يبدو أكثر استقرارًا
"و أنا كلمت مدحت صاحبي و عمل اللازم، ولسه مكلمني من شوية وقال لي اطمئن اللي خطف كارين لسه جوه مصر، وبلغ كل المطارات ببياناته وصورته"
حدق عابد في آدم بعينين مملوءتين بالأسى، ثم نطق بصوت يشوبه بصيص من الأملة
"بإذن الله نوصلها في أقرب وقت، أومال فين يونس؟"
أجاب يوسف بصوت منخفض، مشبع بالقلق
"كان داخل على انهيار عصبي، ولحقته بحقنة مهدئ"
عقب ياسين بحزن دفين، وكأن الألم يعتصر قلبه
"الله يكون في عونه، أنا أكتر واحد حاسس بيه"
علقت خديجة، وهي تحاول أن تشعر الجميع بأن هناك أمل
"بإذن الله ربنا هيطمنا عليها، وعندي حل تاني فعال جدًا، كلنا ننزل بوست تنويه على السوشيال ميديا فيه صورة كارين وصورة اللي خاطفها، زي الفيسبوك مثلًا، ونعرض مكافأة مغرية لأي حد يشوفهم ويبلغنا مكانهم"
علقت علياء بحماسة
"فكرة حلوة جدًا، وأظن أي خبر زي ده بيتحول لتريند، يعني انتشار رهيب، وكده هنحاصر المجرم قبل ما يفكر يخرج بره البلد بأي طريقة غير قانونية، لأن أي حد هايشوفه هيكلمنا علي طو....
وهنا قاطع يوسف النقاش، قائلاً بصوت قاسي
"قصدكم نفضح الدنيا والعالم كله يعرف أخونا اتغفل ومراته اتخطفت منه، واللي خاطفها الله أعلم ناوي يعمل معاها إيه، ياريت تنسوا حلولكم اللي تودي سمعة العيلة في داهية"
رمقته علياء بنظرة استهزاء، بينما حدقت خديجة إليه بتجهم، دون أن تنطق بكلمة، أما والدته، فلم تستطع أن تتجاهل ما قاله، فتوجهت إليه بكلمات تحمل قدرًا من اللوم الشديد
"على فكرة، كلام خديجة وعلياء عين الصح، وبعدين فضيحة وسمعة عيلة إيه يا دكتور يوسف؟!، أنت واعي لكلامك؟"
لم يستطع يوسف الرد على الفور، وقد شعر بالحرج، بعدما أدرك حجم خطأ حديثه اللاذع.
وفي تلك اللحظة، تذكرت چيهان أمرًا كان من الممكن أن يغفل عنها وسط تلك الأحداث الجسيمة، اقتربت من زوجها وسألته بصوت منخفض
"اوعي تكون قولت لصبا عن موضوع كارين؟"
أجاب عابد في سرعة
"ما ينفعش تعرف خالص، والدكتور أصلاً أكد علينا إننا نبعد عنها أي حاجة تسبب ليها ضغط نفسي وعصبي، ياريت بس تنبهي الأستاذ جوزها عشان مش طايق أتكلم معاه"
ردت هي بسرعة و تخبره
"هو اللي أكد عليا ما أجيبلهاش سيرة خالص"
في تلك اللحظة، اقترب قصي من الآخرين بعد أن انتهى من إجراء بعض المكالمات، فسأله مصعب بلهفة
"ها، وصلت لحاجة؟"
أجاب قصي وفي صوته شيء من الغضب، كأنه غير راض عن تطور الأمور
"الرقم اللي كان مسجله الحيوان في الأوتيل، للأسف شكله اتخلص منه قبل ما يمشي، والسايس بتاع الجراچ بلغهم بنمرة العربية، ولما كشفوا عليها طلعت مضروبة، الواطي كان عامل حسابه في كل حاجة عشان محدش يوصله، بس علي مين، وأقسم بالله أول ما اشوفه، لأشرب من دمه الـو...."
ألتفتت چيهان إليه، وعينيها تنبئان عن امتعاض شديد
"أومال احنا بلغنا البوليس ليه؟، هم هيلاقوه بمعرفتهم، والقانون ياخد مجراه"
قبل أن يرد قصي، سبقه ياسين بغضبٍ شديد، يعلو صوته ويشتعل وجهه
"اللي قاله قصي دي أقل حاجة هنعملها مع الكلب اللي خطف كارين، ده واحد خطف مرات أخونا، فاهمة يعني إيه؟!، ده اللي كان بيبص لمراتي، ببقي عايز أخزوق له عينيه، ما بالك اللي اتجرأ ومد إيده عليها وخطفها؟!"
"و يا تري تقصد انهي واحدة فيهم؟"
كانت سؤال ملك ساخر ومليئ باللوم والعتاب، كالسيل الجارف جاء في وقت غير مناسب، لكنها لم تكن لتكترث لذلك. رمقها شقيقها بنظرة نارية خرجت من قاع الجحيم، نظر إليها كما لو أنها لا شيء.
"خليكي في حالك يا ملك أحسن لك!"
رد كان بمثابة تهديد صريح، جعلها تنهض من مكانها وتُلقي نظرة تحد على شقيقها، غير مبالية بنظرة مصعب التحذيرية التي وجهها لها.
استغلت تجمع العائلة في تلك اللحظة، وفاضت بما لا تُحمد عقباه
"أحسن لي إزاي يعني؟ فاكرني رودينا هخاف منك ولا أسكت لك؟!"
"ملك!"
نداء زوجها كان تحذيرياً، ليوقف ما كانت تفعله، لكن جاء الرد من والدتهما تنهر كليهما
"ده وقت خناق أنت و هي؟، مرات أخوكم في مصيبة، و عاملين تشدوا قصاد بعض"
صاح ياسين بغضبٍ مشتعل، وكأن البركان قد انفجر في قلبه
"ما تقوليلها هي الكلام"
أجابت ملك بمرارة، مستمرة في حديثها
"أنا مش بتخانق يا ماما، الأستاذ مطلع عين رودي ومبهدلها كأنها جارية اشتراها، يعمل فيها اللي عايزه"
ثم نظرت نحو ياسين، وأكملت بلهجة صريحة
"بنتك بقت خايفة تقعد معاكم بسبب اللي بتسمعه، وأنت فاكرها نايمة، وخايفة منك أنت بالذات"
رمقته والدته بنظرة ضيقة شديدة، وأشارت إليه بأن ها، ما لبث أن لحق بها، بينما ألقي هو نظرة مليئة بالازدراء على شقيقته، ثم صعد وراءها في صمت ثقيل.
أمسك مصعب بيد زوجته برفق، ودفعها لتجلس جواره، همس إليها من بين أسنانه
"اطلعي هاتي البنات من دادة سميرة ويلا، عشان هاروحكم وهرجع على هنا تاني"
أجابته بحنق متصاعد، نبرة صوتها تظهر تحدياً
"أنا مش ماشية غير لما أطمن على كارين"
أمرها بحسم، وكأن الكلمات ثقيلة كالحديد
"أنا قايم، ولو ما عملتيش اللي قولتلك عليه، هيبقي كلامي الجاي مع أخواتك"
زفرت بنفاذ صبر، ثم ردت على مضض
"ماشي يا مصعب، أنا هاروح مش عشان أنك قولتلي كده، عشان بس الظرف اللي إحنا فيه"
نهضت، وأخبرت الجميع
"معلش بقي، أنا مضطرة استأذن و هاخد البنات وهانروح عشان عندهم امتحانات بكرة، ولسه هاقعد إذاكر معاهم، إن شاء الله هاتواصل معاكم أشوف وصلتوا لإيه"
لم تمر لحظات، حتى قامت علياء هي الأخرى بالاستئذان
"وأنا كمان هستأذن، عندي 3 حالات ولادة، ما ينفعش أؤجل أي حالة فيهم، وهابقي علي تواصل مع معاكم، وإن شاء الله خير ونوصل لكارين في أسرع وقت"
ثم انصرفت، صاعدة إلى الأعلى لتعد نفسها للذهاب إلى عملها، لكنها غفلت عن هاتفها الذي تركته فوق المنضدة الرخامية.
مد يوسف يده ليأخذ الهاتف، غير منتبه إلى ما يحدث حوله، حتى باغته اهتزاز الهاتف بمكالمة واردة، عقد حاجبيه عندما رأى اسم المتصل
"آسر"
ضغط على أسنانه بشدة، حتى كادت تتحطم، وعيناه تشتعل بالغضب.
❈-❈-❈
داخل غرفته التي ما زالت تحتفظ بأثاثها العتيق، محاطة بكل الذكريات التي تشهد على مرور الزمان، كانت الأجواء متوترة وغير مستقرة، كما لو أن شبح الماضي يطوف حول المكان.
كان يحيط به شعور من العجز، حيرته من الأفكار وقلقه من المجهول.
قال بصوت منخفض، حاول أن يبدو هادئ لكنه كان مفعم بالتوتر
"يا ماما بقولك مفيش حاجة، بنتك ملك أوڤر طول عمرها بتحب تدي الموضوع أكبر من حجمه"
رفعت والدته حاجبها بتهكم، وهي تنظر إليه بنظرة تتحدث أكثر من الكلمات
"ده علي أساس إن أنا مش عارفاك وحافظاك أكتر من نفسك؟!"
أشاح نظره بعيد عن عينيها، يتجنب أن يلتقي بنظراتها المتسائلة، فشعرت هي بذلك، فأمسكت بذقنه برفق، لكنها أجبرته على التحديق في عينيها
"بصي لي وأنا بكلمك، كلام أختك صح وأنا مش غبية عشان أصدق أي حاجة بتتقال، بس زي ما قولتلك ملك عندها حق والدليل على كده كل ما أطلب منك تجيب رودي وتيجوا عندنا أنا وعمك عابد، تقعد تتحجج لي بكذا حوار، ولا واحد منهم صدقته. حسيت إن في حاجة أنت مش عايزني أعرفها"
زفر وكأنما كانت الصبر قد فاض منه سريعًا
"عايزاني أقولك إيه يعني؟!، أقولك إن عمري ما حبيت ولا هاحب غير ياسمين الله يرحمها؟!، وجوازي من رودينا نتيجة ضغط الست ملك والأستاذ آدم؟، ولا لما لاقيت بنتي اتعلقت بيها لما حست بتعويض فقدانها لمامتها؟!"
كانت تستمع إليه بعناية، كل كلمة يتفوه بها تحمل ثقل الحقيقة، ردت عليه بحسم وكأن كلماتها لا تعطي مجالًا للرد
"أنت اتجوزتها عشان تنقذك من نفسك، اتجوزتها عشان ترجعك للدنيا اللي كنت رافضها بعد وفاة ياسمين الله يرحمها، ضغط أخواتك وتعلق بنتك كانت مجرد أسباب فرعية مش أكتر، الخلاصة أنت اتجوزت رودينا برغبتك، ليه بقى تبهدل بنت الناس معاك وتحملها ذنبك؟!"
نهض من مكانه واتجه نحو النافذة، كان نظره شارد في الأفق البعيد، يتأمل في السماء وكأنها ستمنحه جواب على أسئلته التي لا تنتهي.
بدأ بالكشف عما في قلبه، بوح بما يحمله من آلام وأحزان
"كل كلمة قولتيها حقيقة، الحقيقة اللي مخلياني عايش طول الوقت في عذاب"
تجمع الدموع في عينيه، ولم يستطع منعها من الانهمار، وتابع وهو يروي لها ما كان يكتمه
"وعدتها عمري ما هاكون غير ليها، سواء وأنا معاها أو من بعدها، عمري ما كنت أتخيل إنه ممكن في يوم من الأيام الموت يجي يخطفها مني"
التفت إليها و يردف كأنه يتحدث مع نفسه، فقد أهداه الألم ابتسامة ساخرة تجري بين دموعه
"هاتصدقيني لو قولتلك إني لحد الآن مش مصدق إنها ماتت، وإنها لسه عايشة؟ قلبها بيدق، روحها معايا طول الوقت، وبقي أفضل وقت عندي هو وقت النوم، اللحظات الوحيدة اللي بشوفها فيها، بحس معاها بكل لمسة، وحضن بتحضنه ليا في الحلم"
وجد والدته تنصت إليه باهتمام، وحزنها ظاهر على وجهها، كأن كل كلمة منه تسقط في قلبها حجر ثقيل.
سألها وهو يعصر قلبه بالألم
"مجنون صح؟"
فتحت ذراعيها دعوة للعناق كما شاركته في البكاء، وفي تلك اللحظة كان يبدو كطفل ضاع منه الأمان، فهرع نحو حضنها حيث يجد راحته وطمأنينته.
دفن وجهه في صدرها، كما كان يفعل عندما كان صغيرًا، يستغيث بكل دفء وجودها.
"أنا تعبان أوي، تعبان أوي يا ماما، أنا لولا بنتي كان زماني انتحرت وروحت لياسمين"
رفعت رأسه برفق، وأحاطت وجهه بين كفيها، وكأن يديها هما الدنيا بأسرها، تخبره بحنانها الغادق
"ما تقولش كده يا حبيبي، استغفر ربنا، إحنا كلنا معاك، وعايزينك وبنحبك، عايز تقهر قلبي عليك يا ياسين؟!، بحبك أنت وأخواتك، بس أنت ليك معزة خاصة، أنا عارفة إنشغلت عنك في أكتر وقت المفروض أبقي فيه جنبك، حقك عليا يا حبيبي، حقك عليا يا روحي"
ثم قبلت جبهته برقة، وأعادت معانقته مرة أخرى
"ربنا ما يحرمني منك، ويريح قلبك يا حبيبي"
❈-❈-❈
كان جالسًا إلى جوارها فوق السرير، يقيس نبضها المتباطئ، وقد ارتسم على وجهه شبح الخوف والذعر.
لم يكن يرغب في فقدانها؛ فقد وجدها بعد عناء طويل، ولن يسمح لها بالضياع من بين يديه مهما كلفه الأمر.
تناول جهازه اللاسلكي وأجرى اتصال عاجل، هاتفًا بنبرة مرتجفة
"إيه يا دكتور؟ فينك؟"
أجابه صوت الطبيب عبر الجهاز بسرعة
"دقيقة وهاكون عندك"
وما إن وصل الطبيب الذي بدا أن علب علاقة قديمة تربطه بمهند، حتى تقدم نحو كارين الغائبة عن الوعي، وباشر بفحصها.
وما إن لمح ملامحها، حتى اتسعت عيناه دهشة، وارتسمت على وجهه علامات الاضطراب، فسأل مهند
"مين دي؟، دي توأم من المدام الله يرحمها"
أجابه مهند بحدة تقطع أي محاولة للفضول
"أنا بقول خليك في شغلك أحسن"
فهم صديقه الرسالة الخفية، وابتلع ريقه بتوتر، اخبره بجدية بالغة
"لازم ننقلها على المستشفى ضروري"
انفجر الآخر قائلاً بانفعال مكبوت
"وأنا جايبك ليه يا دكتور!، قولتلك مش هاينفع اخدها علي اي مستشفي، علق لها محاليل واكتب لها علي علاج، وأنا هاروح أجيبه إنما خروجها ، هيبقى على الطيارة على طول"
تردد صديقه برهة، يزن الخيارات بعقله المضطرب، ثم قال باستسلام
"أمري لله، بس أنا محتاج شوية حاجات، ممكن تلاقيهم في الصيدلية اللي موجودة في القرية اللي بعدنا بمحطة"
هتف الآخر بنفاد صبر
"انجز اكتب اللي عايزه بسرعة وتعالى معايا نجيبه"
أخرج الطبيب ورقة صغيرة، ودوّن عليها أسماء الأدوية، ثم رفع عينيه نحو مهند قائلاً
"مش هاينفع نسيبها إحنا الاتنين، لازم حد يتابعها، لأنك زي ما شرحتلي حالتها في التليفون، إنها مريضة قلب"
زفر الآخر زفرة ثقيلة، ولم يجد أمامه بدًا من ترك صديقه مع كارين، فانصرف على عجل.
وما إن تأكد الطبيب من مغادرة مهند، حتى أخرج من جيبه محرمة، وسكب عليها سائلًا نفاذ الرائحة، ثم قربها من أنف كارين.
شهقت كارين شهقة فزع واستفاقت، تشهق وكأنها تتنفس الحياة لأول مرة. جذبت الغطاء فوق جسدها المرتعش وسألته بخوف
"أنت مين؟"
رفع الطبيب يديه في وضع الاستسلام، وقال مهدئًا
"ما تخافيش، أنا مش زيه بالعكس أنا عايز أنقذك منه، عيلتك قالبين السوشيال ميديا عليكي، ومهما حاولوا مش هايعرفوا يوصلوا لك هنا، أنتي وقعتي ضحية شخص حرفيًا شيطان، وما تسأليش أكتر من كده، كل اللي بطلبه منك معلش حاولي تقومي نمشي بسرعة قبل ما يرجع علي هنا"
ترددت كارين لحظات، وقد علت ملامحها حيرة وخوف، لكنها كانت كالغريق الذي يتعلق بقشة، جمعت ما تبقى لها من قوة، ونهضت بوهن، تتلمس الأثاث من حولها لتستند عليه.
بحثت بعينين مرتجفتين عن حذائها، وما إن وجدته، حتى ارتدته بعجلة، متجاهلة ما يعتصر جسدها من ضعف وإرهاق.
قال الطبيب مُلحًّا بصوت خافت مرتعش
"يلا يا مدام كارين، بسرعة بالله عليكي"
❈-❈-❈
أنار ضوء الهاتف المحمول أرجاء الغرفة مرارًا مع كل رسالة واردة عبر تطبيق "تليجرام"، مما أزعج مضجع ذاك النائم، فأقلقه اضطراب الضوء المتكرر.
فتح عينيه متثاقل، وبحث بنظره عن هاتفه، ثم نهض بجذعه متفقدًا زوجته ليتأكد من وجودها بجواره، غير أن المكان إلى جانبه كان خالي.
قام بتأني وتسلل بخطوات خفيفة إلى خارج الغرفة متوجهًا نحو الصالة، ليطمئن إن كانت لا تزال بالمنزل.
استوقفه صوتها المنبعث من بعيد وهي منهمكة تذاكر لابنها وابنتها، يتخلل حديثها شيء من العجلة والتعب.
أرخى أنفاسه بارتياح، وعاد إلى غرفته مسرعًا، يشتاق إلى معرفة فحوى تلك الرسائل المتلاحقة.
فتح هاتفه فوجد الرسائل تتوالى على النحو التالي
√√ بقالك كام يوم ما بتردش عليا ولا بشوفك في البلكونة... ياريت تطمني عليك.
√√ طه، هو إنت زعلان مني؟
√√ طه أنا محتاجالك أوي... كل ما أنزل الشارع بحس حد ماشي ورايا وبيراقبني... خايفة يكون حد تبع أخويا وممكن يأذيني.
√√ واضح إن مدام شيماء مش مخلياك عارف تمسك تليفونك ولا ترد على الرسايل، ولا حتى عارف تتنفس... بجد ربنا يكون في عونك.
√√ رغم إنك مابتردش عليا، بس حبيت أقولك أنا مسافرة الأسبوع الجاي... عندي تصوير إعلان في الساحل... لو حبيت تيجي معايا قصدي معانا أنا والجروب، بلغني عشان أحجزلك الإقامة، وهاتعيش معانا أحلى أيام عمرك.
√√ ؟؟
√√ طه... بليز طمني عليك.
√√ ده لينك آخر جلسة فوتوسيشن ليا... قولي إيه رأيك في الأوت فيت بتاعي في كل صورة؟
ظل طه يقرأ الرسائل، وقلبه يتأرجح بين التردد والرغبة.
حاول تجاهلها لكنه استسلم لفضوله حين لمح رابط الصور، ففتحه، فإذا بها تتجلى أمامه في هيئة مختلفة؛ شعرها المصبوغ حديثًا بلون البندق الأشقر، وعدساتها اللاصقة الزرقاء كصفاء السماء في نهار ربيعي، وثيابها وإن لم تكن عارية، إلا أنها التصقت بجسدها التصاق الجلد بلحمه، مما أيقظ فيه مشاعر مختلطة من الدهشة والانقباض وشهوة سرعان ألجمها بتردد الاستغفار.
بينما شيماء، فلم تهدأ لحظة، إذ كانت تنهال على ابنها باللوم
"يا سالم يا حبيبي قولتلك تعملها كده، مطلع عيني من الصبح عشان نكتب الواجب، نفسي أفهم إنت بتحل امتحانات الشهر والتقييمات إزاي؟"
ردت ريتاچ وهي تضحك بخبث طفولي
"بيغش من أصحابه"
شهقت والدتهما، وقالت بانفعال
"نعم؟!، إنت بتغش يا ولاه؟!"
ابتلع الصغير ريقه بخوف، ونظر إلى أخته بامتعاض شديد، ثم حول نظره نحو والدته قائلاً
"غشيت في الماث بس، عشان مش فاهم وإنتي مش بتفهميني ولا بتعرفي تذاكري لي أي حاجة"
علقت ريتاج ساخرة
"إنت مش محتاج ماما تذاكرلك، موجودة الدروس أونلاين، ولو عايز شرح أسهل وأسهل، عندك شوقي"
قطبت شيماء حاجبيها في حيرة وسألتها
"ومين شوقي ده كمان يا ست ريتاچ؟"
قهقهت الصغيرة قبل أن تجيب
"إبليكشن الـچي بي تي يا ماما"
اتسع فم شيماء في دهشة عارمة، دون أن تنطق، فأكملت ابنتها موضحة
"تطبيق الذكاء الاصطناعي، بيجاوبك ويشرحلك أي حاجة مش فاهمها، وبيحل معاك الهوم وورك كمان"
زمّت الاخرى شفتيها في حيرة
"إنسان آلي يعني؟!"
تدخل سالم بحماس
"هو فعلاً روبوت، بس على الفون، ثواني كده"
أخرج الصغير هاتفه ونقر على التطبيق، ثم ضغط زر التواصل الصوتي، وقال مبتهجًا
"هاي شوقي، إزيك؟"
وما هي إلا لحظات حتى صدر صوت آلي مفعم بالحيوية
"هاي سولي، أخبارك إيه يا صديقي؟"
صرخت شيماء بفزع وهي تشهق
"بسم الله الرحمن الرحيم"
ضحك الطفلان، وقال سالم مطمئنًا
"ما تخافيش يا ماما، ده إبليكشن، ما بيعضش"
لم تقتنع شيماء تمامًا، فتساءلت بشك
"طيب إزاي بيرد عليك؟ ليكون جاسوس يا ولاه؟!"
سارعت ابنتها إلى الرد بثقة
"جاسوس إزاي يا ماما، بنقولك إبليكشن ومعظم الناس كلها بتستخدمه زي جوجل سيرش كده لأي معلومة"
لمعت عينا شيماء فجأة، وقالت متحمسة
"يعني لو سألته عن أي حاجة يعرفها ويقولهالي؟!"
هز الطفلان رأسيهما مؤكدين، فمدت يدها إلى هاتفها قائلة بحزم
"لما أحمله ونشوف البتاع ده، بيعرف كل حاجة ولا لاء"
ما إن أتمت تحميل التطبيق حتى انهمكت في النقر على خطوات التسجيل، وما هي إلا لحظات حتى شرعت في أولى محادثاتها.
ظهر لها الترحيب الإلكتروني قائلاً
"مرحباً، أنا شات چي بي تي، ماذا يمكنني أن أساعدكِ به؟"
ضحكت ضحكة عفوية صاخبة، وقد أخذها طوفان من الهزل، ثم أجابته ببلاهة لاهية
"احم، احم، أنا ستك وتاج راسك شيماء، وبيقولوا لي يا شوشو، وهاسميك سيد"
رد عليها النظام الآلي بنغمة آلية هادئة
"أهلاً شوشو، اتفقنا!، سأناديكِ شوشو، وأنتِ ناديـني سيد"
اعتدلت من جلستها بجوار صغيريها، واقتربت من الشاشة بخفة وسألت بصوت خافت فيه شيء من الحذر
"ألا قولي يا أبو السيد، العيال بيقولولي أنت عارف كل حاجة، فممكن تقولي طه جوزي لسه بيخوني مع المشلولة اللي اسمها روميساء ولا لأ؟"
أجابها البرنامج ببساطة جافة
"لا أعلم يا شوشو، فهذه معلومات خاصة هل تريدين مساعدة أخرى؟"
قطبت حاجبيها بضيق وقالت بسخرية لاذعة
"لاء يا أخويا متشكرين، قال معلومات خاصة قال، ده أنت طلعت غباء اصطناعي خالص مش ذكاء"
أغلقت التطبيق في حنق ظاهر، وإذا بإشعار ينبثق على شاشتها ينبئها بمنشور جديد لخديجة.
امتدت أصابعها بنزق إلى الشاشة ونقرت لتطالع المحتوى، فما إن قرأت العبارات ورأت صورة كارين وجوارها صورة مهند حتى شهقت شهقة عالية، وقد استبدت بها الصدمة.
❈-❈-❈
سبق الطبيب الخطوات بسرعة حتى خرج إلى الردهة، وما كاد يطأ أرضها حتى فُوجئ بفوهة السلاح مصوبة نحو منتصف جبهته، فجمدته المفاجأة لوهلة، وقبل أن يدرك ما يحدث، جاءه الصوت مشبع بالغضب والاحتقار، ينفجر من وراء السلاح
"كنت شاكك فيك، وشكي طلع في محله، رجعت عشان نسيت مفاتيح العربية وسمعتكم، وده في عرفي خيانة، والخاين عندي ملهوش ديه يا صاحبي"
انتهت كلماته مع ضغطه القاسي على الزناد، فانطلقت الرصاصة كأنها طيف قاصد، لتستقر في قلب جبهته، ويتساقط الطبيب صريعًا على أرض الردهة، كأنما تهاوى زمنه في لحظة قدرية، فاقد أي فرصة للهروب أو النجاة.
بينما كارين، فقد شهقت شهقة هائلة ممزوجة بالرعب، وارتفع صراخها في الأرجاء، كأنها تتنفس العذاب ذاته، في حين أن مهند في هدوء قاتل، سحب سلاحه خلف ظهره، وتقدم إليها بخطوات واثقة، وقام بحملها من خصرها، عائدًا بها إلى الغرفة عنوة، تاركًا لها فقط أن تجابه مصيرها في صمت.
أنزلها على الفراش بقوة جسدية، وعيناه تقدحان شررًا، وقال بصوت عميق يعبر عن جبروته وظلام قلبه الدامس
"وأنتي كنتي عايزة تهربي معاه؟!، أنا مكنتش عايز أوريكي وشي التاني، بس أنتي اجبرتيني أوريه لك، وتعرفي يعني إيه عقاب عندي؟"
ثم بسط يديه القويتين، فربطها بإحكام رغم مقاومتها البائسة.
لكن حينما أمسك بساقيها وأبعدهما عن بعض، توقفت عن الصراخ في لحظة تجمدت فيها ملامح وجهها، وفتحت عينيها على مصراعيهما، فسألت بصوت مكسور، يتردد فيه خوف لا حد له
"هاتعمل إيه؟ إياك و ألا..."
قاطعها بصوت هادر وهو يقترب منها حتى أصبح أنفاسه تصطدم في وجهها، وقال بتحد قاتل يفيض كالسُم
"وألا إيه يا كوكي؟! أنا هقيدلك رجليكي بس، وقلتلك قبل كده إن كلك ملكي، بلاش تستفزيني وتخليني أثبتلك ملكيتي فيكي، وأظن ما استحملتيش أبوسك واغمي عليكي على طول، ما بالك لو كملت؟ هايحصلك إيه؟!"
ابتسم ابتسامة الشيطان وهو يرى الخوف يتساقط من عينيها كقطرات مطر، ثم أضاف بصوت مفعم بالتهديد
"رغم إنك لازم تتعاقبي على اللي كنتي هاتعمليه، لكن مش هقيدلك رجليكي، وهاكتفي بالطوق"
ثم أدار لها ظهره، وأخرج من حقيبته شيئ مظلم، كان طوق من الجلد، وسطه حلقة معدنية متصلة بسلسلة.
وعندما التف إليها وأراها ما في يديه، كان قلبها يكاد يقفز من صدرها، فصرخت به
"أنت مختل، أنت.. أنت بالتأكيد معتوه، المفروض مكانك يبقي في مستشفى المجانين"
مد يده فجأة ليمسك بعنقها، فبصقت في وجهه بكل ما أوتيت من قوة، فانهال عليها بصفعة جعلت وجهها يدور من وقعها، ثم لم يمهلها حتى لتبكي أو تصرخ، جذبها من شعرها بعنف وهو يصرخ في وجهها
"اللي عملتيه دلوقتي اسمه قلة أدب، وأنا بحاول أكون محترم معاكي، فأنتي اللي جيبتيه لنفسك"
أرغمها على ارتداء الطوق حول عنقها، ولكن لم يكتفِ بذلك، بل قام بتمزيق ثوبها حتى عراها تمامًا، وتوسلاتها المتكررة لم تجد نفعًا.
تركها شبه عارية، بينما هي تتلوى في عذابها، تركها بقطعتين من الثياب فقط.
اخبرها بوضوح و تهديد لا يترك مكانًا للشك
"ابقي كرري اللي عملتيه، والمرة الجاية هاتكوني من غير أي حاجة خالص، بس وأنتي في حضني، وهاسيب لخيالك الباقي"
غادر الغرفة وهو يتركها تصرخ، محطمة تبكي بألم، وتردد بين دموعها، تستغيث بالخالق
"يارب"
الفصل السادس عشر
يا من سكن قلبي، واحتل مساحاته كأنك خُلقت فيه ومنه،أما تعي كم أحببتك؟
لقد رأيتك في كل شيء، في ضوء الصباح حين يتسلل إلى غرفتي خفيفًا كهمسك،
وفي صمت الليل حين يثقل صدري باشتياقي إليك، وفي ارتجاف قلبي كلما مر اسمك أمامي عابرًا.
-أحمد الشريف & علا-
عادت تجر أذيال الصدمة، يتلاطم في رأسها صراع عاصف من الأفكار.
لم تستوعب بعد ظهور غريمتها من غياهب النسيان، ولا عودة هذه الأخيرة لتقتحم واقعها، فتُصدم بالنبأ الذي كاد يعصف بعقلها، زواج ابن خالتها بمن كانت لا تزال على متزوجة و لا تعلم، يا لسخرية القدر!
فتحت باب الشقة بخطى واهنة، فاستقبلها ظلام كثيف، يخترقه ومضة ضوء خافتة؛ كانت نقطة نار متوهجة تنبعث من لفافة تبغ تحترق على مهل، كما يحترق صاحبها جالسًا في انتظارها.
ترددت للحظة، ثم امتدت يدها المرتجفة تضغط زر الإضاءة، فإذا به أمامها، قابع فوق المقعد الهزاز، مائل الجسد، وعيناه تنظران إليها نظرة كفيلة بأن تبث الرعب في قلب أشجع الناس.
شهقت بفزع عميق، وأخذت تلتقط أنفاسها المبعثرة.
قال لها ونبرته تنضح بالهدوء القاتل الذي زاد من رعبها
"إيه مالك؟! شوفتي عفريت؟"
كانت عيناه ونبرة صوته وحدهما كافيتين لأن ينهارا أعصابها الواهية، فوق ما أصابها من أهوال ذلك اليوم.
تمتمت وهي تصد عنه بوجهها، تلوذ بالصمت الذي يسبق العاصفة
"ياريت تأجل أي خناق دلوقتي عشان مش قادرة أتكلم وعايزة أنام"
ومرت من أمامه بخطى متثاقلة، لكنه قبض على معصمها فجأة بقسوة، ألقى بما تبقى من لفافة التبغ داخل وعاء كريستالي صغير، ثم نهض عن كرسيه، واقترب منها بنظرات متوحشة، وقال بحدة
"أنا مش قولتلك قبل كده رجلك ماتعتبش باب البيت غير لما تستأذنيني، وتستني أقولك آه ولا لأ؟!، ومفيش خروج غير عند باباكي، وهي ساعة زمن وترجعي على طول؟!"
زفرت بسخط ظاهر، مما أوغر صدره اشتعالًا.
رفع معصمه أمام وجهها، مشيرًا إلى الساعة، واستطرد بغضب
"بقالك فوق التلات ساعات، وفي الفويس تقوليلي رايحة عند مامتك!"
أجابته بجفاف نافد الصبر
"آه، كنت عند ماما التلات ساعات، إيه عملت جريمة يعني؟!"
دفعها بعنف على الكرسي المجاور، ثم صرخ في وجهها
"كدابة، أنا لسه قافل مع باباكي، وقبل ما أسأله عنك لاقيته هو اللي بيسألني عليكي، معني كده إنك مكنتيش هناك، بتكدبي عليا ليه؟!، شايفاني **** ومش راجل قدامك؟!"
استجمعت بقايا كرامتها لترد عليه بحدة قاطعة
"إيه اللي بتقوله ده؟!، لو سمحت ما أسمحلكش تتكلم معايا بالأسلوب الفالجر، ولا تقول ألفاظ بتوع البلطجية والسرسجية اللي في الشارع"
اقترب منها أكثر حتى كادت أنفاسه الخانقة تلامس وجهها، وعيناه تشتعلان بشرر أسود، وقال ساخرًا
"بقيت بلطجي وسرسجي يا دكتورة رودينا عشان بسأل بقالك تلات ساعات برة البيت بتعملي فيهم إيه؟!، و ياتري كنتي بتقابلي مين؟!"
هبت واقفة، دفعت صدره بقوة وصرخت باكية
"إياك دماغك توديك لبعيد، كنت بتمشى وبغير جو، ارتحت؟!، اتخنقت من الحبسة وجو الخناق كل شوية، ومعاملتك اللي زي الزفت معايا، من أول ما اتجوزنا وأنا عايشة في عذاب"
تاهت عيناها على المنضدة الصغيرة القريبة، فوقعتا على طبق فاكهة وإلى جانبه سكين لامع.
اقتربت منه وهي تقول بمرارة تملأ صوتها
"استحملت منك كتير، لحد ما فاض بيا ومابقتش عارفة ألاقيها منك ولا من ماما، بدأت أدخل في مرحلة اكتئاب بسببكم، هقولك على حاجة أنا هريحكم مني خالص"
وفي لحظة جنون، اختطفت السكين، ووجهته نحو نحرها المرتجف قائلة
"هموت نفسي عشان ترتاحوا كلكم"
اتسعت عيناه في ذهول مرعب، ورفع كفيه مستغيثًا، يهتف بكل ما أوتي من رجاء
"سيبي السكينة من إيدك يا مجنونة"
ظلت تردد بهيستيريا، ودموعها تتساقط كأنها سيل جارف لا يعرف السكون
"مش إنت عايز كده؟!، أنا هخلصك مني"
استغل اضطرابها وفقدانها للتركيز، فدفع يدها الممسكة بالسكين دفعة حاسمة، فسقطت من يدها على الأرض، ثم ركل السكين بقدمه بعيدًا عن متناولها.
لم يتردد بل جذبها إليه بين ذراعيه، واحتواها كمن يحتضن زهرة أوشكت أن تذبل، وأخذ يربت على ظهرها في محاولات بائسة لتهدئتها
"اهدي، اهدي بالله عليكي، أنا مش عارف أتلم على أعصابي، آسف على الحالة اللي وصلتك ليها"
بدأ نحيبها يخبو رويدًا رويدًا، كأنما البحر الهائج قد بدأ يستكين، رفعت رأسها عن صدره، وعيناها الغارقتان بالدموع تتطلعان إليه في دهشة، كأنها لا تصدق أذنيها.
تمتمت بصوت منكسر
"إنت ممكن في تسيبني يا ياسين؟"
أشاح بنظره عنها للحظات، كأنما يهرب من سؤالها الذي فاجأه، ثم قال برفق
"تعالي جوه، ادخلي ارتاحي ونبقى نتكلم بعدين لما تبقي كويسة"
لكنها وقد أثقلها الألم واليأس، تمسكت به وهي تهمس بصوت خفيض متهدج
"مش قادرة أمشي..."
وكادت تسقط أرضًا لولا أنه أسرع وأمسك بها، رفعها بين ذراعيه دون تردد، وسار بها نحو الغرفة بخطوات ثابتة.
أنزلها برفق على الفراش وكاد أن يبتعد، لكنها أمسكت بيده، وعيناها الراجيتان تستجديانه بكل ما أوتيت من ضعف
"ماتسيبنيش... أنا خايفة أوي"
توقف وحدق فيها بدهشة مشوبة بالشفقة، وقال وهو يطالع ارتجاف جسدها
"خايفة من إيه؟"
لم تجبه بكلمات، بل كانت نظراتها المرتجفة وجسدها المنكمش يخبران بحاجتها الماسة إلى حنانه ودفء احتوائه.
تردد قليلًا كمن يصارع قرارًا داخله، ثم جلس أمامها، ومد ذراعيه ليعانقها.
التفتت إليه بكل كيانها، وغاصت في حضنه كمن وجد مأمنه بعد طول تيه.
ابتسمت خلف ظهره ابتسامة صغيرة لم يراها، وكأنها تحتفي بتحقق حلم من أحلامها.
استمعت إلى أنفاسه التي تعالت أثر العناق، فاعتزمت ألّ تجعل الأمر عابرًا كسحابة صيف.
مالت برأسها، وطبعت شفتيها برقة على عنقه.
ارتجف جسده تحت لمستها، فقامت بتقبيله لثوان، ثم توقفت تنتظر رد فعله.
التفتت إلى مرآة الزينة المقابلة، فرأت انعكاسه وقد أغمض عينيه، وكأنه قد غاب عن العالم.
رفعت رأسها عن كتفه، وتطلعت إلى ملامحه المستسلمة، ثم ترددت قبل أن تخطو خطوة أخرى؛ لكنها تذكرت كل مرة دفعها فيها عنه حين اقتربت، كل جفوة صدها بها، فاستجمعت شجاعتها، وطبعت قبلة خفيفة علي جانب شفتيه.
ألقت نظرة جديدة على وجهه، وفي تلك اللحظة، فتح عينيه فانقبض قلبها وجلًا، لكن مهلًا، لم يمهلها فرصة للتراجع؛ إذ انقض على شفتيها بقبلة جامحة، سحبتها إلى دوامة من المشاعر العارمة.
دفعها برفق إلى الفراش فاستلقت عليه، ومازال يقبلها بجنون حتى أوشك الهواء أن ينفد من رئتيهما.
ابتعد عنها قليلًا، نهض بجسده ليمنحها فرصة لالتقاط أنفاسها، لكنها نظرت إليه برجاء صامت ألا يتركها.
مد أطراف أنامله يلامس بشرة خدها المتوهجة بحمرة الرغبة، وهبط بأنامله الرقيقة على طول عنقها، وعيناه تتبعان كل حركة لها بنهم كالغارق في بحر الملذات.
توقفت أنامله عند مقدمة ثوبها، ثم رفع بصره إليها فالتقت عيناهما في إشارة صامتة، اعطته الموافق عبر نظراتها بأن يفعل ما يشاء و ما يحلو له.
لحظات معدودات، وكان ثوبها مخلوعًا وملقى على الأرض، ه قميصه ثم بنطاله و كل ما هم من ثيابهما، فقد تحررا من كل عائق.
ذاب الجسدان في محيط من اللذة، حين فصلا وعيهما عن العالم المحيط، واستسلما لذلك الإغراء العذب الذي لا يقاوم.
❈-❈-❈
أسرعت الخطى إلى حيث يرقد طه، الذي تنبه لوقع خطواتها المتسارعة، فسارع إلى إخفاء هاتفه أسفل الوسادة، وتظاهر بالنوم.
إلا أنها لم تُخدع؛ دفعت ذراعه بلطف حازم وهي تهتف
"ألحق يا طه، قوم شوف الكارثة"
انتفض من مكانه مذعورًا، عاقدًا حاجبيه وهو يسأل بفزع
"كارثة إيه بس لا قدر الله؟"
ناولته هاتفها قائلة بإلحاح
"خد موبايلي، اقرأ بنفسك"
أخذ الهاتف، وما إن توغل في قراءة المنشور حتى تغيرت ملامحه، وخيم الحزن والغضب على قسماته، هتف بامتعاض
"إزاي حصل ده؟"
نهض من على السرير، وبتصميم ظاهر قال
"حضري لي طقم هدوم عقبال ما آخد دش، هاروح لهم على القصر"
تعلقت به بنظراتها وسألته برجاء
"أغير هدومي وأجي معاك؟"
أجابها بلهجة آمرة، وقد انعقدت الدهشة والصرامة في صوته
"اقعدي يا شيماء، يعني هتسيبي العيال لوحدهم، اقعدي ذاكري لهم ولا اعملي حاجة مفيدة"
استشاطت غيظًا وهتفت
"بتزعقلي يا طه؟"
لكنه حسم الموقف بحدة لم تقبل الجدال
"مش وقتك يا شيماء، روحي يلا اعملي اللي قولتلك عليه"
استوقفته فجأة، قبل أن يدلف إلى الحمام، وصوتها يحمل مزيج من الجد والسخرية
"بقولك، هو يعني ألف بعد الشر عليا، لو حصلي زي مرات ابن عمك، هتقلب الدنيا عشاني زي ما عمل ليها؟"
توقف ثم وضع يديه على كتفيها ونظر في عينيها، وابتسم ابتسامة ماكرة، ظنت للحظة ستكون بداية لاعتراف رقيق، فإذا به يقول وهو يتصنع البراءة
"يا سلام يا شوشو، ده أنا هافضل أبعت للي خاطفك جواب شكر كل يوم، وهادبح عجول وخرفان وأوزع لحمتهم لله"
اتسعت عيناها صدمة، فسألته وقد بدا على وجهها مزيج من التهديد والحزن
"أنت قد كلامك ده يا طه؟"
حين رأى ملامحها المتغيرة، ارتبك قليلاً وحك فروة رأسه، ثم أسرع بتصحيح الموقف، مجاهدًا رسم ابتسامة اعتذارية على محياه
"إيه يا حبيبتي، مالك قفشتي ليه؟!، كنت بهزر معاكي، أنا مقدرش أعيش من غيرك، أومال مين اللي ينكد عليا قصدي يرسم البسمة على شفايفي، ولا مين يرفعلي الضغط قصدي يرفعلي هرمون السعادة غيرك يا شوشو"
عقدت ساعديها أمام صدرها، ونظرت إليه بعينين نصف غاضبتين، نصف ضاحكتين، وقالت مهددة بنبرة ساخرة
"طيب، قوم يا قلب شوشو خدلك دش ولم نفسك، بدل ما كان هيبقي حموم، هخليه لك غُسل يا نور عيني"
تقهقر بخطواته إلى الوراء، وهو يلوح بيديه قائلاً
"لاء وعلى إيه، الطيب أحسن، و حسبي الله و نعم الوكيل، وربنا على الظالم والمفتري"
وما لبث أن فر هاربًا من أمامها، فتبعته بضحكة خافتة، ثم تمتمت بكلمات حملتها الريح إلى قلبها وحده
"ألف بعد الشر عليك يا حبيب روحي وقلبي، ده أنت اللي مصبرني على الدنيا من بعد اللي جرالي، ومابقاش ليا حد غيرك، يارب، يارب يباركلنا فيه، ويبعد عنه كل شر، ويبعد عنه شياطين الإنس والجن، خصوصاً الشيطانة اللي ساكنة جمبنا"
"آمين"
عقب من بعدها فشهقت بفزع، إذ التفتت خلفها فوجدته واقفًا، أخذت تلتقط أنفاسها المتلاحقة، وقد تصاعدت كأنها تحمل نبض قلبها بين أضلاعها.
قالت بصوت مضطرب
"حرام عليك يا طه، قلبي كان هيوقف من الخضة"
ابتسم في دلال، ثم جذبها من خصرها برفق محب، وقد تلألأت عيناه بوميض عشق دفين، وهمس في أذنها قائلاً
"بعد الشر علي قلبك، قوليلي بقى الكلام الحلو والدعوات اللي خطفت قلبي كلهم ليا؟، معقول بتحبيني أوي كده؟"
حدقت في عينيه، وقد انسكب من نظراتها سيل من العشق لا يعرف للحدود سبيلاً.
مالت نحوه، وهمست بشغف تغلفه رعشة الوله
"كلمة حب دي قليلة على اللي جوايا ليك يا طه، أنا عارفة إني مجنونة ومتهورة أحيانًا، بس كل ده بيبقى بدافع حبي ليك ومن غيرتي عليك"
ضحك بخفة، وربت على خدها بحنو بالغ، ثم أردف
"ده أحلى جنان، وعلى فكرة أنا بتبسط أوي لما بشوف غيرتك عليا، أي نعم بتقلب في الآخر على دماغي، بس بيبقى على قلبي زي العسل"
نظرت إليه بعينين تشعان لهفة، وقالت وهي تغمره بعناق دافئ
"بجد يا سي طه؟"
"جد الجد يا قلب طه"
قربت شفتيها من أذنه وهمست ك بحب يكاد يفيض من روحها
"بحبك أوي يا حبيبي، يا أبو عيالي"
ربت على ظهرها بيد غلفها الحنان ثم مال عليها وهمس بنبرة لا تعرف للحياء طريق "حبيبك وأبو عيالك بيقولك عايزك تحميه"
ضحكت بخفة ودفعته برفق في كتفه "عيالك قاعدين بره، عيب"
ابتعد عنها وألقى بالمنشفة على كتفه، نظر إليها نظرة ماكرة وقال بمزاح يعرف أن عواقبه لن تمر بسلام
"عيب!، خلاص هاروح أخبط على روميساء أشوفها فاضية تحميني ولا لأ، وهي بصراحة ما هاتصدق"
ما إن ألقى كلماته حتى ولى مبتعدًا، فتبعته ركضًا وصاحت بصوت غاضب مازجته نغمة من الدلال
"مين يا عينيا؟! إنت اللي جيبته لنفسك يا حبيبي، مش بقولك شكله هيبقى غُسل مش حموم"
لحقت به ودلفت خلفه إلى الحمام، وأوصدت الباب بإحكام من الداخل.
وسرعان ما صدحت من خلف الباب صرخات طه، تتبعها ضحكات زوجته المنتصرة.
ارتفع صوتها، وهي ترد ضاحكة بانتصار "طلبتها ونُولت يا حبيبي، صوت كمان وكمان، خلي العفاريت تلبسك و أنا اللي هاطلعهملك من جتتك برضه"
وفي الخارج، جلس صغيرهما يتطلع بفضول إلى شقيقته، وهمس متسائلاً
"هو بابا بيصوت ليه في الحمام؟ ماما بتعمل فيه إيه؟"
أجابته شقيقته وهي تهز كتفيها غير مبالية
"بالتأكيد استفزها، وإنت عارف ماما لما حد ينرفزها، ما بتشوفش قدامها"
وضع الصغير يده على مؤخرة رأسه، يتلمس أثر ضربة ما زالت مطبوعة عليه، وقال متنهدًا
"فعلاً عندك حق، دي لسه صوابعها معلمة على قفايا من يومين لحد دلوقتي"
ضحكت شقيقته، ثم مالت عليه تحذره هامسة
"ركز في الأسئلة وجاوبها كلها صح، قبل ما ترجعلك وتعلم صوابعها على قفاك ووشك"
وما كادت تكمل عبارتها، حتى تعالى صراخ والدهما مجددًا من خلف باب الحمام
"كفاية يا شيماء، كفاية يا مفترية"
❈-❈-❈
كان واقفًا تحت تدفق الماء، كمن يحاول غسل خطاياه بماء لا يطهر ولا يغفر.
أسند جبينه المنهك إلى الحائط البارد، يستند كفاه على الحائط، وقد عاد إلى واقعه المرير، ينهشه الندم نهش الذئب لفريسته.
أي ضعف هذا الذي اجتاحه؟!
أي خيانة تلك التي ارتكبها في حق قلبه قبل أن تكون في حق عهوده؟!
كيف سمح لنفسه أن ينسى مليكة فؤاده، أن يغدر بذكراها، ولو كانت قد فارقت دنيا الناس، فهي ما تزال تنبض في عمق روحه حية، عصية على الفناء؟
اختنق؛ اختنق من نفسه، من جسده، من ذلك الضعف الذي سحق كرامته تحت أقدام الرغبة العابرة.
وفي الخارج، كانت ممددة فوق الفراش، يعلو صدرها وينخفض تحت وطأة أنفاس مضطربة، وقد تدثر جسدها حتى كتفيها العاريين، تحاول عبثًا أن تستوعب ما جرى، كأن اللحظات انفلقت عنها فكانت بين تصديق وذهول.
لحظة سعادة خاطفة لامست قلبها، انعكست على شفتيها المرتعشتين، لكنها سرعان ما ذبلت حين تسللت إلى ذاكرتها صورة زوجته الأولى، كطيف ثقيل الظل.
تقلصت ملامحها، واندلعت نظرة تتميز بالخبث والدهاء، وتحد في عينيها، همست في عقلها، كمن يقسم وعدًا لا رجعة فيه
"ياسين من حقي أنا وبس... وزي ما امتلكته النهاردة، بكرة هامتلك قلبه كله"
ببطء ونهم لا يخلو من نصر خفي، نهضت وهي تشد الدثار حول جسدها بانتصار. التقطت المنشفة القطنية، ولفتها على عجل حولها.
خطت نحو الحمام، وقلبها يدق بعنف لا تدري له تفسير.
طرقت الباب طرق خافت، انتظرت... فلم يجبها سوى صوت اندفاع المياه.
ابتسمت ابتسامة متشفية، مدت يدها إلى المقبض، وأدارته بخفة، ولجت إلى الداخل.
كان أمامها غارقًا تحت سيل الماء، ظلت تتأمل جسده، عضت شفتها السفلى بخجل عابر تلاشى حين خلعت منشفتها وأسقطتها عند قدميها، هيهات وخطت بخطوات مترددة نحو الكابينة، تسللت إلى الداخل، وقفت خلفه واقتربت تطوقه من ظهره بذراعيها المرتعشتين.
لم يشعر بها؛ كان لا يزال سجين خياله القديم، يعيش ذكرى عناق ياسمينته التي لا تموت في قلبه.
استدار ببطء، وعيناه مغمضتان كمن يسير في حلم مستحيل، ثم احتواها بين ذراعيه، يقبلها بنهم ظمآن.
دفعها برفق قاس نحو اللوح الزجاجي، ولا تزال شفاهه تطبع على جسدها قبلات تائهة، تبحث عن ماض ضائع.
تأوهت تأوهًا واهيًا،انتبهت إليه مسامعه و ايقظته من غفلته، فجأة انفجرت في روحه جراحه كلها.
توقف عن ما يفعله، فتح عينيه فجأة كمن يفيق من غيبوبة ورأى الحقيقة المرة.
ما بين ذراعيه، لم تكن ياسمينته، لم تكن روحه القديمة... إنها رودينا.
وكأن ما حدث بينهما منذ قليل و ما تم قبلها لا وجود له، جحظت عيناه فجأة، واحمرت أوداجه كمن باغته لهيب، صاح بها صوته الأجش الغاضب، كالرعد الجهوري في وادٍ مقفر
"إيه اللي دخلك عليا وأنا بستحمى؟!"
تخثر الهواء حولها وانكمش جسدها من الذعر في زاوية، ابتلعت ريقها وكأنها تبتلع مرارة العالم بأسره.
تاهت قدماها ولم تجد لها مهربًا إلا أن ألصقت ظهرها بالزجاج البارد خلفها، علّ صقيعه يُطفئ الحريق الذي اشتعل في وجنتيها، اخبرته بتوتر كسير كأنها تذرع الصبر لديه
"أنا لاقيتك اتأخرت، دخلت أطمن عليك، و كمان وحشتني"
رمقها بنظرة حارقة، ثم سرعان ما توترت ملامحه حين أبصرها عارية تمامًا أمامه، فانقبضت أهدابه، وأغلق عينيه بقسوة من يسد طريق الفتنة قسرًا، وأطلق أمره الحاد قاطعًا ما تبقى من خيوط الرحمة
"ثواني وهفتح عيني، ألاقيكي اختفيتي من قدامي"
انغرست كلماته كسهام مسنونة في قلبها، وأدمت كرامتها الغضة.
شيء ما في داخلها انكسر، شيء عميق لا تداويه الأعذار ولا يُرمم بالندم.
كيف غفلت عن حقيقة أنه حين ضمها يومًا، لم يكن يراها بل كان يعانق أطياف ماضيه، يستدعي شبح زوجته الغائبة، وهي المسكينة لا تدري.
أي غفلة تلك التي جعلتها تفتح له قلبها، وتترك له جسدها، وكأنها تفرش عمرها سجادة تحت قدميه، ليعبر فوقها نحو ذاكرته لا نحوها.
بخطوات أثقلتها الخيبة، انسلت من الكابينة، تجر جسدها الذي ارتعد من البرد والقهر.
تناولت منشفة مطوية بعناية فوق الرف، ولفت بها عريها، كأنها تحتمي من سيف الاحتقار المسلول فوق عنقها.
وخلال بضع ثوان، كانت قد خرجت من الحمام، تجر وراءها خيوط انكسارها.
❈-❈-❈
منذ يومين، لا يكُف هاتفها عن الرنين منذ أن تركها لم تكن صبا نائمة كما ادعت، بل كانت تراقب شاشة الهاتف بعينين زجاجيتين، تتجاهل صوته كما يتجاهل القلب نداء مَنْ أوجعه. تعمدت أن لا ترد كما تعمدت أن تبني بينهما جدارًا من صمت لا يهدم.
وكلما ذهب لزيارتها في قصر والدها، كانت الأبواب تغلق في وجهه بلطف مزيف، وحجّة جاهزة من حماه يخبره إنها نائمة بعد أن تناولت المهدأ كما يذكره بوصايا الطبيب أن لا يزعجها أحد خاصة من يؤثر علي حالتها النفسية بالسلب.
لكن قصي قد ضاق صدره بالصبر، علم من أحد رجاله أنها ستذهب إلى الشركة صباحًا.
لم يضيع وقت، سبقها إلى هناك وجلس داخل مكتبها مستندًا إلى مقعدها، يملأه الحنين والغضب والعتاب في آن واحد.
و في بهو الشركة تتحدث مع زوجة والدها
"لسه واصلة حالًا يا چيچي، ما تقلقيش عليا"
"طب خدي بالك من نفسك و ياريت ماتعرضيش لنفسك لأي ضغط نفسي أو ضغط الشغل"
"حاضر اطمني، خدي بالك أنتي من زوزو و مالك لما يرجع من المدرسة خليه يخلص الـ homework بتاعه"
"تمام يا حبيبتي، اسيبك تشوفي شغلك و هابقي اتطمن عليكي كل ساعة، سلام"
"باي"
دلفت إلي المصعد و ضغطت علي رقم الطابق، و ها هي قد وصلت ، تحمل أوراقها وتدون شيئًا في هاتفها، وما إن رفعت عينيها حتى تجمدت خطواتها، وانبعث الغضب في قسمات وجهها كبركان قُدر له الانفجار.
سألته بصوتٍ حاد
"إيه اللي جابك هنا؟"
ابتسم هو بهدوء متعمد وكأن ما يقوله لا يحمل من الخطورة إلا ما يوحي به صوته من برود
"جيت أطمن على حبيبتي اللي ما بتردش على تليفوني، وكل ما أروح أشوفها ألاقيها نايمة وتعبانة"
لم يكن من الصعب عليها أن تفهم ما يرمي إليه، نظراته كانت تصرخ باتهام مبطن، وعيناه تكشفان أنه يعلم يقينًا أنها تتجاهله عن عمد.
ردت بحدة وقد اشتد العبوس على وجهها
"أيوه، أنا ماكنتش عايزة أرد عليك، ولا أشوفك أصلاً، واتفضل اخرج ، عشان عندي شغل كتير ومش فاضية، ولا عندي طاقة أتكلم"
كان يدرك تمامًا أن غضبها ليس عابرًا، وأن الصفح لن يكون قريب المنال، ومع ذلك تجاهل لهجتها، كأنه يراها طفلة تتدلل بحنقها.
نهض من خلف المكتب ووقف أمامها، واضعًا يديه في جيبي بنطاله، ونظر إليها بعين هادئة وقلب ملتهب
"هي ساعة زمن، نروح فيها أي مكان، وأرجعك على هنا تكملي شغلك"
رفعت حاجبها في إصرار صارم، و ردت بقوة
"لاء، عندي meeting مهم، وما ينفعش أتأخر على الناس اللي المفروض يكونوا موجودين دلوقتي"
وقبل أن يعلق أو يضيف، سمعت طرقات خفيفة على باب المكتب، أعقبها دخول المساعدة التي اخبرتها
"مدام صبا، الوفد التركي وصل"
ردت الأخرى بنبرة رسمية
"خمس دقايق، وخليهم يتفضلوا"
أومأت المساعدة برأسها وانصرفت، فالتفتت صبا نحو قصي وقالت بحدة
"عن إذنك"
ظل يُحدق فيها لثوان في صمت، حتى شعرت بالقلق من سكونه غير المعتاد. وفجأة تحرك نحو طاولة الاجتماعات، وسحب أحد الكراسي وجلس عليه كأنه صاحب المكان.
زمت شفتيها، وجزت على أسنانها من الغيظ، سألته بانفعال
"إنت بتعمل إيه عندك؟!"
أجابها بهدوء يُقصد به الاستفزاز
"زي ما إنتي شايفة، هاحضر معاكي الاجتماع"
رمقته بتعجب متصاعد
"وبصفتك إيه إن شاء الله؟"
قالها وهو يرفع رأسه بشموخ مفتعل
"بصفتي أولًا جوزك و حبيبك، وثانيًا وكيل أعمالك"
كاد صبرها ينفد، فاطلقت تعقيبها بحدة غاضبة
"قصي، أنا بجد ماعنديش ذرة واحدة صبر، غير إني مش عايزة أشوفك ولا أسمع صوتك، ارتحت بقى؟!"
لكن طرقات أخرى على الباب قاطعت هذا الاشتباك الحواري الحاد، ودخلت المساعدة من جديد وهي ترحب بأعضاء الوفد التركي.
❈-❈-❈
اعتادت منذ آخر لقاء بينهما أن حياتها أصبحت محدودة بين العمل في المنزل مع الخدم، وبين العناية بابنها.
هي التي اختارت هذا القدر، ولا تهتم إلا أن يعيش ابنها في سلام، حتى وإن كان ذلك على حساب حياتها الشخصية وسعادتها.
لذا كانت تتحاشى لقاء من يشعل فؤادها نارًا، تعلم جيدًا أنها قد ظلمت كليهما، لا سيما هو، بعد محاولاته المتكررة لإثبات عشقه الذي لم يجد إلا الفشل.
بينما هو، فقد أصبح يبتعد عن الأماكن التي كانت تحمل ذكرياتهما، ويتجنب رؤيتها حتى لا ترى ضعفه أمامها كلما تلاقت عينهما.
وكانت الآن تغرق في سبات عميق بعد ليلة طويلة من البكاء، احتراقًا في لوعة لا تنطفئ.
كيف لا وقد سمعت من خادمتين يتحدثان بصوت خافت حول أمر هز قلبها، أمر لم يكن في حسبانها، مهما ساءت الأحوال بينهما.
طرقات على الباب أزعجتها من سباتها، فاستفاقت بصعوبة، تقلبت في فراشها، وأمسكت بهاتفها لتكتشف إنه وقت الظهيرة.
نهضت ببطء وكأن ثقل الأيام يتراكم على جسدها، جمعت خصلات شعرها المبعثرة، ثم ألقت الوشاح على رأسها بعجلة غير مُرتبة.
فتحت الباب لتجد أمامها آخر من تود رؤيته، بالأحرى رؤيتها.
"إنتي لسه نايمة يا علا هانم؟!"
دخلت السيدة شيريهان الغرفة، وعينها تستعرض تفاصيلها المتواضعة كما لو كانت تفحص أثاث غرفة الخدم المتواضع.
لم تجب علا ولكن السيدة شيريهان ابتسمت ابتسامة ساخرة
"هو ده تمامك فعلًا، واللي يليق بيكي كخدامة"
نظرت الأخرى إليها بسخط، ثم قالت بلهجة حادة تشق الصمت
"ماتنسيش حضرتك الخدامة دي تبقى مرات ابنك الكبير، وأم أخوه الصغير"
غليت مشاعر الغيظ في قلب شيريهان، لكنها أظهرت ابتسامة كاذبة، وأجابتها بنبرة هادئة، لكنها مليئة بالغطرسة
"مجرد جواز مؤقت، لكن ابني هيتجوز اللي هاتليق بيه قدام الناس، ده أنا حتى معرفش إذا كنتي عارفة إن خطوبته النهاردة ولا لأ"
تجمدت علا في مكانها، كأنما صُعقت رغم أنها قد سمعت الخبر في الأمس، لكنها تظاهرت باللامبالاة، لا لتفشي ضعفها أمامها.
ابتسمت ابتسامة باهتة، في حين كان الألم يمزق قلبها بأشواك غير مرئية، وأجابتها بصوت مختنق
"ألف مبروك، هو يستاهل كل خير"
استطردت الأخرى بنبرة مليئة بالثقة
"هو فعلاً يستاهل كل خير، لأنه أحمد بيه الشريف، ابن الحسب والنسب، واللي يوم ما يتجوز بجد، تكون واحدة ماسبقش ليها الجواز قبل كده، وتكون كمان بنت ذوات يتشرف بيها"
ردت علا بكلمات هادئة، لكنها مشبعة بالسخرية اللاذعة
"كلام حضرتك مظبوط عشان كده بطلب منك، ياريت تقنعيه يطلقني، وكل واحد يروح لحاله، ويخليه مع بنت الذوات، وأنا وابني نعيش في وسط الناس اللي شبهنا"
ضحكت ضحكة سخرية مريرة، تلك التي لا تدع وراءها إلا صدى قاس يعكس حالة الفراغ الداخلي الذي تجرعت منه مرارة الأيام، ثم قالت وقد امتلأت عيناها بنوع من الازدراء والبرود
"أنا أتمنى يطلقك من كل قلبي، بس للأسف اللي ربطنا بيكي هو حفيدي، واللي بالمناسبة هو مننا، وإحنا الناس المفروض يعيش في وسطهم، يعني أنتي اللي ملكيش مكان هنا"
وبرغم تلك الابتسامة الزائفة التي ارتسمت على شفتي علا، كانت عيناها تغرقان في بحر من القهر والحزن، كأنهما تُخبئان أسرار لزمن بعيد، وكأنهما لا تعرفان كيف يخفيان الألم عن الأنظار، فقد تجلت قوتها في كلماتها عندما ردت على شيريهان بنبرة متزنة، لكنها مشبعة بالعزم والتحدي
"و أنا ابني يا شيريهان هانم عمره ما هيفارقني، زي ما حضرتك مش عايزة ابنك يفارقك وتعيشي حياة انتي اللي بتخططيها و بترسميها"
تجهم وجه شيريهان، وتحركت ملامحها وكأنها تحاول تحطيم رأس تلك العلا التي بالرغم من حالتها المزرية، ما زالت تقف أمامها وترد بكلمات مشبعة بالقوة والكبرياء، كبرياء أنثى لا تنحني تحت أي ظرف من الظروف.
"براڤو عليكي يا علا، كده فهمتي الأمور صح، كويس أوي، ابني مش هايعمل غير اللي بخطط ليه، وهو عليه التنفيذ، ووضعك الحالي هايستمر لحد ما تخلص فترة حضانة حفيدي، ووقت ما تخلص هخلي أحمد يطلقك، فياريت ما تتعشميش في حاجة تانية"
ثم همت بالذهاب، ولكنها توقفت فجأة وكأنها تذكرت شيئ هام، لتلتفت مرة أخرى وتقول، وكأنها تُلقي قنبلة في وجه هذه المسكينة
"و اه صح قبل ما أنسى، بالنسبة للي حصل ما بينكم في الشقة اللي كان واخدكم فيها، ده مجرد رغبة راجل في ست، مش نابع من حب زوج لزوجته، حبيت أنبهك وأخرجك من الوهم، يلا بقى ألبسي اليونيفورم عشان الشغل كتير النهاردة، عايزة حفلة خطوبة ابني الكل يحكي عنها"
ثم ألقت سهامها السامة، التي اخترقت قلب هذه المسكينة، كانت كالسكاكين التي تُدمي، وجعلت روح علا تشعر بثقلها، وكأنها طعنة في فؤادها، لتفقد التوازن وتغرق في بحر من التفكير.
ثم غلقت شيريهان الباب خلفها بقوة، وكأنها رسالة تخبر به الأخرى أن الأبواب أمامك كلها ستكون موصدة مثل باب تلك الغرفة.
❈-❈-❈
ثلاثة رجال أنيقين دخلوا بخطوات واثقة، بادرت صبا إلى استقبالهم بابتسامة رسمية تخفي وراءها قلقًا مكبوتًا.
قالت المساعدة وهي تشير إليهم تباعًا
"مستر كيفانش يلديمير، مدير ونائب عن مجموعة شركات دينيز فاشون، ومساعده مستر قدير، والمسؤول القانوني الأستاذ إحسان أوغلو"
اقترب منها أحدهم ــ كيفانش ــ كان متوسط الطول، يرتدي بدلة أنيقة لكن قميصه مفتوح يكشف جزءًا من صدره، يظهر منها سلسلة ذهبية تتأرجح على رقبته، وقرط ألماس يلمع في أذنه. ملامحه تحمل طابع أنثوي مبالغ فيه، مما جعل حضوره لافت، لكن ليس بالضرورة مُحبب.
قال وهو يبتسم بثقة زائدة
"رأيتكِ على شاشة الهاتف في حفل الافتتاح، لكن لم أعلم أنكِ في الحقيقة... أجمل بكثير، كثيرًا للغاية"
ترددت صبا للحظات قبل أن تمد يدها لمصافحته، كانت تدرك خطورة اللحظة، لكنها قررت أن تتمسك بالبروتوكول، ومضت تصافحه على مضض غير أن ما لم تتوقعه، هو ما فعله ذلك الرجل بعد المصافحة، إذ قرب يدها من شفتيه، وكاد يُقبّل ظهر كفها...
ولم تكن بحاجة إلى أن تلتفت لترى قصي، فقد شعرت بنيران غيرته تندلع خلفها، تُحاصرها من كل الجهات، تدرك تلك النظرات من قبل، وها هي الآن تُحدق فيها من جديد تترصدها، تنتظر فقط لحظة الانفجار....
كان جسد كيفانش يصطدم بالحائط أثر اللكمة التي تلقاها من قبضة هذا الأسد الضاري، صرخت صبا
"قصي، لاء"
لا يبالي لصرخاتها، اقترب من الزائر الغريب و قبض علي تلابيب قميصه و كاد يلكمه مرة أخرى، فامسكت صبا بذراعه تتوسله
"كفاية هايموت في إيدك وهانروح كلنا في داهية"
لم يشعر بنفسه وهو يدفعها بعيدًا كي لا تدخل، غير مدرك لدفعته القوية لها، مما سبب لها السقوط علي الأرض وارتطام مقدمة رأسها في حرف الطاولة، و بالرغم من جرح رأسها الذي تنسدل منه الدماء، كان كل همها ما تحمله في احشائها، وضعت يدها علي بطنها وبدأ يداهمها الألم فتأوهت باستغاثة.
ألتفت الجميع لها، وخاصة قصي الذي تفاجئ بما اقترفه دون وعي منه، دنا منها و حملها.
"حبيبتي ما أخدتش بالي، مكنتش أقصدك أنتي خالص"
ركض بها إلي الخارج، فاخبرته من بين تأوهاتها
"كلم بابا و چيهان بسرعة"
"أنا معاكي ما تخافيش"
وصل إلي سيارته، ادخلها في المقعد الخلفي، وذهب في مقعد القيادة علي الفور لينطلق سريعًا إلي أقرب مشفى.
❈-❈-❈
انتهت من ارتداء الزي، وكأنها قد اتخذت قرارها في سرها، قرارً يضع حد لتلك اللحظات التي تقتحمها على حين غفلة، بينما تتلاطم مشاعرها بين القوة التي تكاد تفتت من الداخل وبين ضعف لا تود الاعتراف به.
لم تعد قادرة على تحمل رؤيته مع أخرى، تلك الغصة التي تجتاحها كلما فكرت في الأمر، وكأنها تتنفس من بين شقوق الألم الذي يعصر قلبها.
خرجت من الغرفة بهدوء، وقد عزمت الأمر.
حينما لفت نظرها أحد العاملين وهو يحمل غلاف من القماش الأسود، فطنت على الفور إلى هوية ما يحمله، فاقتربت منه وسألته بلهجة تحمل ما بين كلماتها بعض من الحدة، لكن الصوت كان يكاد يخفي وراءه مشاعر متباينة
"هي دي بدلة البيه؟"
أجاب العامل، وقد بدا عليه التردد، لكنه أخبرها بحذر
"أحمد بيه قالي أطلعها من أوضته، لأنه بيخلص شوية شغل في الشركة، وهيجي علي ميعاد الحفلة"
ردت عليه وهي تشعر بثقل القرار الذي اتخذته، ولكن في عينيها كان هناك شيء من العزم
"عنك أنت، أنا هطلعها له بنفسي"
صمت العامل لحظة، حين علم أنها زوجة سيده، وكأن تلك الحقيقة جعلت الهواء يثقل من حوله.
بينما هي أخذت البدلة بين يديها، وواصلت صعودها إلى أعلى.
دخلت الغرفة في هدوء غريب، وكأنها لا تريد إحداث أدنى ضجة.
كانت الغرفة مظلمة، يكتنفها السكون، وكأنها تعكس حالة روحها المضطربة. اقتربت من حيث وضعت البدلة، وقامت بفتح سحاب الغلاف بهدوء شديد، حتى يتسنى لها رؤية تلك البدلة لتتأكد إنها من أجل حفل خطوبته علي أخرى بالفعل.
ظلت تنظر إليها بحزن، كما لو كانت تود أن تجد فيها إجابة لأسئلة لا تجد لها جواباً.
أخذت تتجول في الغرفة، خطواتها ثقيلة، وحركاتها بطيئة وكأنها تسير عبر الزمن، حتى توقفت أخيرًا عند الفراش. جلست على حافته، وتمكنت كفها من لمس مكان نومه، ذلك المكان الذي لطالما شاركته فيه.
أمسكت وسادته، وضمتها بين ذراعيها، كأنها تريد أن تستنشق رائحته التي لا تفارق قلبها، وهي تشمها بعمق انسدلت دمعة من عينها، كأنها تتسلل لتسقط على وسادته، وتحمل معها وجعًا لا يفارق قلبها.
تذكرت تلك اللحظة التي شاركته فيها الفراش في المنزل الآخر، كانت أجمل يوم عاشته، شعرت وكأنها تحلق معه بين النجوم، وتتمناها أن تكون اللحظة الأبدية التي لا تهبط إلى أرض الواقع.
لكن فجأة باغتها حديث والدته عن تلك الليلة، وظل يتردد في مسامعها كأنما يلاحقها في كل زاوية من قلبها.
تركت الوسادة، ومسحت عبراتها بأناملها الناعمة، ثم أخرجت ورقة مطوية وضعتها فوق الكمود، ثم أجرت اتصالاً هاتفياً و انتظرت رد الطرف الآخر، و سرعان ما تفوهت بحسم
"أنا موافقة"
كانت تعلم جيدًا أن هذا الاختيار ليس له حل سواه، لم تعد مكترثة لما سيحدث أو للنتائج المترتبة على ما ستفعله، فقد كانت قد اتخذت قرارها الذي لا رجعة فيه.
و في الأعلي داخل غرفة شيريهان، كانت تقف خلف النافذة و تنتظر أمر ما، صدح رنين هاتفها فاجابت علي الفور
"عملتي إيه؟"
اجاب صوت أنثوي
"كله تمام يا شيري زي ما قولتي لي بالظبط، و زي ما توقعتي، لسه مكلماني و قالتلي موافقة"
"تمام، و لو في أي جديد بلغيني علي طول"
"أمرك"
"سلام"
انهت المكالمة في هدوء، و تنظر نحو الخارج خلال زجاج النافذة بزهو و انتصار علي وشك الحدوث!
الفصل السابع عشر
الألم ليس في فقدها فحسب، بل في كل ثانية تمر وأنا لا أعلم إن كانت بخير أم أن الخوف قد غلبها.
هناك مسافة بيننا ليست بالطرق أو المدن، بل مسافة من الصمت والظلال والوجوه المجهولة.
أُقسم أنني لو عرفت الطريق إليها، لسرت حافيًا على حد السكين حتى أصل.
يونس البحيري..
امتزج الصمت القاتم بأزيز أجهزة الطوارئ في ردهة المستشفى، حيث كان قصي واقف كتمثال حائر أمام غرفة الفحص، وقد تلبدت ملامحه بالقلق وانسحبت الظلال على قسماته، لا يعلم ما يدور خلف ذلك الباب المغلق.
وفي الداخل، كانت الطبيبة تجلس على مقعدها في هدوء محترف، تحدق في شاشة صغيرة تعكس نبض حياة في رحم الأم، بينما تحرك جهاز الفحص فوق بطن صبا التي كانت ترتعش كغصن هش في مهب العاصفة.
دموعها تنسال في صمت، لكنها ما لبثت أن انطلقت بصوت مرتجف، تتوسل بشيء من الرجاء
"بالله عليكي، قوليلي البيبي كويس؟، ولا جراله حاجة؟"
رمقتها الطبيبة بعين غلبها الأسى، وقد راعتها حالتها المضطربة، ثم ردت بنبرة هادئة تُغلفها الشفقة
"اهدي يا مدام، العياط وحالة الخوف اللي انتي فيها غلط عليكي وعلى الجنين"
أطلقت الأخرى شهقة حارة، وقد عادت تبكي بحرقة، ثم قالت بصوت ممزوج باليأس والوجع
"بقولك وقعت على ضهري، والوقعة كانت جامدة، وحاسة بوجع شديد عايزاني اهدي إزاي؟!"
أغمضت الطبيبة عينيها لبرهة، وكأنها تستجلب الصبر، ثم ما لبثت أن تنهدت وقد ثبتت نظرها على الشاشة، قبل أن تبتسم ابتسامة صغيرة وتهتف بطمأنينة
"عايزاكي تطمني، الحمد لله البيبي بخير، وعمره عشر أسابيع"
كان وقع تلك الكلمات كالماء البارد على قلب مشتعل، نظرت صبا نحو شاشة السونار، تملأ عينيها الدموع وابتسمت ابتسامة خجولة من بين بكائها، ثم بدأت تردد بتسبيح خافت
"الحمد لله... الحمد لله والشكر ليك يا رب"
رأت الطبيبة كيف ارتسمت السكينة على ملامحها المتعبة، فامتلأ وجهها بسعادة صافية، وسألتها وهي تعدل وضع الجهاز
"تحبي أسمعك نبضه؟"
هزت رأسها بالموافقة، وقد علا وجهها شيء من الأمل البريء، ما لبثت أن استدركت الطبيبة وكأن أمر تذكرته فجأة، وسألتها بنبرة فضول خفيف
"هو الأستاذ اللي واقف بره... يبقى جوزك؟"
تبدل وجهها فجأة، وزفرت بضيق مكتوم، ثم أجابت بامتعاض لم تحاول إخفاءه
"للأسف... جوزي"
رفعت الطبيبة حاجبيها كأنما دهشت من الرد، سألتها بلطف
"أنا ممكن أناديله ييجي يشوف البيبي معاكي ويسمع نبض قلبه"
لكن صبا رمقتها بنظرة صارخة بالرفض، واخبرتها بحدة لا تقبل النقاش
"لاء، وبعدين هو مايعرفش إن أنا حامل"
ثم انخفض صوتها شيئًا فشيئًا حتى كاد يتلاشى
"لو عرف إني حامل... مش هيرضى يطلقني"
تسللت كلماتها الأخيرة إلى أذن الطبيبة كهمسة مشوبة بالخوف، فعقدت حاجبيها، محاولة التقاط الخيوط المتناثرة في الحديث.
حدقت قليلًا في اللاصقة الطبية أعلى جبهة صبا، ثم سألتها بنبرة يغلفها الحذر
"هو اللي عمل فيكي كده؟"
وأشارت بأصابعها نحو الجرح المغطى على جبينها، كأنما تشير إلى جرح أعمق بكثير مما تراه العين.
❈-❈-❈
كانت علا تقف بين يدي الله، تناجيه بقلب مثقل، وروح منكسرة.
سجدت وركعت، ثم رفعت يديها المرتجفتين إلى السماء، تسكب ما بها من حيرة ووجع، وتهمس بدعاء لا يسمعه سواها
"اللهم إني لا أقوى، وإني لا أملك من أمري شيئًا، فامنحني الصبر، واغمرني بالقوة، واصرف عن قلبي ما يؤذيه، وإن كان حب أحمد شرًا لي، فانسني إياه، وابعده عني كما تبعد السماء عن الأرض"
أنهت صلاتها بتسليم خاشع، ورفعت بصرها المرهق فإذا بباب الغرفة يُفتح على مصراعيه، دون طرق أو إذن. اعتدلت في جلستها، وعيناها تتجهان إلى الوافدة.
كانت داليا تقف عند العتبة، تتهادى إلى الداخل بابتسامة مريبة وقالت، بلهجة تقطر استهزاء
"تقبل الله يا... اسمك علا صح؟"
تجمدت الكلمات على لسان الأخرى واستشعرت السخرية تندس بين ثنايا تلك العبارة، فنهضت بتؤدة، وقالت بجمود لا يخلو من التحدي
"لو سمحتي، اتفضلي اطلعي بره... أحسن ما أناديلك أحمد يجي يطلعك بنفسه"
قهقهت داليا بخفة متعمدة، تقدمت ببطء
"أنا هنا ضيفة شيري، وقريب أوي هقولها يا طنط، على اعتبار إنها حماتي"
أخفت الأخرى ما جال بخاطرها، وردت بابتسامة لا تحمل أكثر مما تُبدي
"وجاية لي عشان أقولك ألف مبروك يعني؟!، ألف مبروك يا آنسة داليا"
رمقتها بدهشة ممزوجة بالريبة
"معقول؟، بسهولة كده؟، عادي يعني مستسلمة؟، وجوزك يتجوز عليكي كأنك مش موجودة؟"
ارتسمت على وجه علا ابتسامة مريرة، وقالت بما يُناقض العاصفة التي تضرب صدرها
"ده لو كان جوازنا طبيعي، أظن مدام شيريهان فهمتك سبب الجوازة، عشان ابني يفضل تحت وصايتهم، وقدام عينيهم"
تفرست الأخرى ملامحها وكأنها تحاول قراءة سطور مكتوبة خلف الجفون
"بس عيونك، ووقت الخناقة اللي شفتها بينك وبين أحمد، بيقولوا غير كده خالص، إنتي بتحبيه وهو بيحبك، اللي انتي ماتعرفيهوش هو اللي كلمني وطلب إيدي للجواز، وهنعمل خطوبتنا قريب أوي"
رفعت علا رأسها، ونطقت بكلمات متماسكة كصخرة تضربها أمواج الحقد
"تمام، طالما هو اللي طلب إيدك بنفسه، عايزاني أعملك إيه؟ هو حر، يتجوز، يخطب، يرافق، مش فارق معايا، أنا عايشة هنا عشان ابني"
ضيقت الأخرى عينيها، وبدت كمن لم تستوعب بعد ما تسمع، ثم تقدمت وجذبت كرسيًا جلست عليه، وجذبت آخر ووضعته أمامها
"تعالي هاقولك على حاجة، بس ياريت تفضل سر ما بيني وبينك، اللي خلاني أقولك إني حسيت كلامك صادق، مش كله، بس أكيد إن اللي يهمك ابنك، صح؟"
جلست علا أمامها في صمت يقترن بالتيقظ
"صح، وياريت من غير لف ودوران، قولي عايزة إيه من الآخر"
مالت للأمام، خافضة صوتها كأنها تخشى أن تسمع الجدران حديثها
"بصي، أنا عرفت إنك كذا مرة حاولتي تهربي من شيري وأحمد، وبرضه كانوا بيوصلوا لك، وبيهددوكي بابنك كل مرة، خصوصًا لو فكرت تطلبي الطلاق، و مهما عملتي أحمد استحالة يطلقك"
"ويا ترى أحمد اللي حكى لك؟ ولا شيري هانم؟"
ابتسمت الأخرى بمكر لا تخطئه عين
"تؤ تؤ، عرفت من مصادري الخاصة، نرجع لموضوعنا المهم، أنا هاعقد معاكي اتفاق لمصلحتك ولمصلحتي"
ارتفعت حاجبا علا في دهشة
"اسمعيني كويس، وركزي في كل كلمة، أنا مصلحتي أتجوز أحمد، واللي ما تعرفهوش إننا كنا على علاقة حب قديمة، واللي بيني و بينه أكتر من كده، بحكم إننا كنا قريبين أوي، ومصلحتك إنك تبعدي بابنك في مكان لا توصله شيري ولا حتى هو، فالحل إنكم تسافروا بره مصر، وبأسرع وقت"
تصلبت ملامح علا، واشتعل قلبها بغيرة كادت تنفجر، كيف لتلك الحمقاء أن تُطالبها بترك زوجها لها؟!، لكن صوت غريمتها جذبها من شرودها
"هقولك على سر كمان يخليكي تعرفي أنتي واقعة مين؟!"
تنهدت ثم اسطردت
" كان أحمد بيحب بنت موظفة عندهم اسمها روح، مفيش حد كان يعرف غير شيري، وهددته إنه لو ما بعدش عنها هتطردها وتبهدل عيلتها، لكن المفاجأة، طلع المرحوم ابو ابنك، كان بيحبها هو كمان"
ظلت تحدق للحظات إلي رد فعل تلك المصدومة فتابعت حديثها
"أحمد ما استحملش وسافر وشبه قاطعهم، جت تعمل نفس الحوار مع حازم لكنه رفض و عاند معاها، وقالها أنا مش أحمد عشان تمشي كلامك عليا، وفعلاً اتجوز روح، واستقل عن العيلة تمامًا، لحد ما في يوم كان سايق بدل روح و اتقلبت بيهم العربية، كانوا بيقولوا كان سكران ساعتها، هو جاله شوية خدوش وكدمات، لكن روح ماتت، ومن يومها وهو بيدمر نفسه، بيشرب و بيعمل أي حاجة ينتقم بيها من نفسه"
وقفت تتجول في الغرفة ثم توقفت لتكمل
"المهم، شيري عمرها ما هتسيبلك ابنها، ولا هتخلي أحمد يحبك ويكمل معاكي، لأنك ببساطة مش من مستواهم، ومعلش يعني إزاي أحمد يقبل مراته تشتغل خدامة، وتقعد في أوضة زي دي في ڤيلا طويلة و عريضة،ليها فيها زي مامته؟"
هنا وقفت علا شامخة
"أنا اللي اخترت كده، محدش أجبرني على حاجة"
صمتت برهة، ثم أردفت
"أنتي عايزة توصلي لإيه يا داليا؟"
"ما أنا قولتلك يا لولو، سيبيلي أحمد، وخدي ابنك واهربي، لو وافقتي، أوراقك وأوراق ابنك هتكون جاهزة، ولو حابة أضرب لكم باسبورات بأسماء تانية، عشان محدش يعرف انتم سافرتوا فين ويوصلوا ليكم"
استغرقت علا في التفكير، وأفكارها تتشابك كخيوط العنكبوت، فسألتها داليا
"ها، قولتي إيه؟"
أفاقت من شرودها
"سيبيني أفكر، وهبقى أرد عليكي"
ابتسمت الأخرى بدهاء، وأخرجت هاتفها
"خدي، اتصلي علي رقمك و سجلي رقمي عشان نقدر نتواصل، بس أوعي تنسي كل حاجة بينا وبس، مضطرة أسيبك، عندي تحضيرات كتير للأيام الجاية"
وقبل أن تغادر أوقفتها علا
"أنتي مش خايفة من شيريهان أو أحمد لو عرفوا أنتي ساعدتيني أهرب؟"
أجابت بثقة تثير الريبة
"ما تقلقيش، أنا عاملة حسابي لكل حاجة، المهم فكري وردي عليا بسرعة"
عودة إلى الوقت الحالي...
❈-❈-❈
يقف منتظرًا على أحر من الجمر، يتقلب بين أروقة القلق ولهيب الترقب، يتلصص بعينيه على باب الغرفة المغلق كأنما يود أن ينفذ من خلاله إلى ما وراءه، إلى حيث ترقد زوجته وتُفحص.
تساءل بدهشة مشوبة بشك داخلي، لماذا طلبت الطبيبة منه الانتظار بالخارج؟!، أيُعقل أن يكون مجرد فحص روتيني يتطلب إقصاءه؟!، أليس هو الزوج؟!، أليس من حقه الاطمئنان علي زوجته؟!
لحظات أخرى مرت كأنها الدهر، وساعتها توقفت عقارب الانتظار، فلم يستطع أن يكبح جماح قلقه، ولا أن يقيد صبره المتهالك، فاندفع كالسهم نحو الباب، يقرعه دون تردد، ثم ولج.
وفي الداخل، كانت صبا قد زفرت بضيق ظاهر، كأنما تنفست عن صدر مثقل بالأحمال، ثم رمقت الطبيبة بنظرة ملغومة وقالت بصوت خافت أقرب إلى الرجاء
"ممكن حضرتك تسمعيني نبض قلب البيبي؟
أدركت الطبيبة من نبرة صوتها وفتور عينيها، أن تلك المرأة لا تريد خوض أي حديث الآن، ولا رغبة لها في مزيد من الأسئلة.
فاكتفت بالصمت، وأخذت جهاز "الدوبلر" بيديها وألصقت المسبار برفق على بطنها، فأخذ الجهاز يلتقط ذبذبات الحياة من داخل الرحم، وتحول الصمت إلى لحن عذب، إيقاعه دقات متسارعة، نابضة بالحياة.
استرقت صبا السمع، واهتز قلبها بذلك الصوت، كأنها تسمعه لأول مرة، رغم أنه جنينها الثالث.
لكنه هذه المرة، بدا لها الأمر مختلف، أقرب، أعمق بل أغلى.
وإذا بصوت اندفاع الباب يقتحم لحظة السكون تلك، وظهر قصي وجهه يحمل ألف سؤال، وعيناه تتحدثان بلغة لا يفهمها سواهما.
اتسعت عينا صبا، انتفض جسدها وازدردت ريقها، تخشى رد فعله، تخاف غضبه، تخشى لائمة لا طاقة لها بها.
أما هو، فخطا نحوها خطوات متثاقلة كأن الأرض تعيقه، لكن عينيه لم تفارقا شاشة السونار، وأذنه تتلذذ بسماع نبضات ذاك الكيان الصغير القابع في رحمها.
لم يصدق ما يرى، ولا ما يسمع، قلبه ارتجف، تراقص فرحاً، كأنها البُشرى الأولى لا الثالثة.
شيء ما بداخله تفتق، نور ما أضاء صدره، حب ما انفجر بين الضلوع.
جالت الطبيبة بنظرها بينهما، ثم استقرت على صبا التي كانت قد نهضت بجذعها قليلًا، تترقبه بعينين ملؤهما التوتر، ثم نظرت إليه، فوجدت في عينيه نظرة لم تفهمها
فاشارت له وبنبرة حاولت أن تجعلها حيادية
"تعالى حضرتك نتكلم بره وهافهمك كل حاجة و...
لكنه لوح بكفه لها أن تصمت، كأن الحديث الآن لم يعد يعنيه، أو كأنه لا يريد أن يُقال له شيء.
وفجأة وعلى غير المتوقع، ارتسمت على محياه ابتسامة عريضة، صادقة واسعة، كأنها كسرت جدران الغرفة كلها.
ثم التفت نحو زوجته، وتقدم منها دون تردد، وفي لحظة اختلط فيها الاندهاش بالعاطفة، اندفع نحوها واحتواها بين ذراعيه بقوة.
عانقها كما لو كان يعانق الحياة ذاتها،
اصابها الذهول، بينما الطبيبة فقد وقفت مندهشة للحظة، ثم ما لبثت أن شعرت بالحرج فتمتمت
"طيب... عن إذنكم"
وغادرت تغلق الباب خلفها في هدوء، تاركة خلفه لحظة لا تُنسى...
كان عناقه يشع دفءً يكاد يذيب قساوة الأيام المتراكمة بينهما، عناق تماوجت فيه المشاعر كبحر عاتٍ يفيض بشوق مقموع. تهدجت أنفاسه كأنها أنفاس من نجا بعد طول اختناق، وارتعشت على شفتيه ابتسامة باكية، ترتجف بين فرحة اللقاء وغصة الذكرى، بينما انسدلت من عينه دمعة وحيدة خرساء، تقاوم السقوط حتي انسدلت مرغمة على وجنته، شاهدة على صراع داخلي مرير.
وإذا بها صبا فؤاده وروحه، قد تجمدت لحظة بين ذراعيه، هيهات وإذا بها تدفعه فجأة بعيدًا عنها بعنف أفزع الوجدان، لم تكترث على ما خلفته من صدمة في ملامحه المرتبكة، ولا تبالي بارتباك روحه من رد فعلها القاسي.
فقالت بصوت مشحون بالعزم والانكسار
"ابعد عني ماتلمسنيش، وقبل ما تقول أي كلمة، أو تعاتب وتلوم، أنا هافضل على موقفي، هاتطلقني يعني هاتطلقني، ولو ما طلقتنيش، هارفع عليك قضية"
ابتلعت لُعابها واردفت بكل جرأة غير آبهة لما سيترتب علي قولها الآتي بعزم و إصرار
"هخلعك يا قصي"
لحظات كان فيها الصمت سيد الموقف، وإذا صدرت منها شهقة مذعورة باغتتها حين جذب الدثار من فوقها وألقاه بعيدًا، التقطها بذراعيه بقوة وحسم كأنما يختطفها من قرارها.
صرخت وهي تتشبث بكرامتها
"نزلني يا قصي، نزلني يا إما هصرخ، وألم عليك كل اللي في المستشفى"
فأجابها بصوت هادئ مشوب بالعناد "صرخي براحتك، محدش ليه حاجة عندي... واحد وشايل مراته"
خرج من الغرفة، يخطو كمن لا يهاب عاقبة، يضرب الأرض بثقة المحارب المنتصر.
تبعته الطبيبة بخطى مسرعة ووجه يكسوه الذهول، هتفت محاولة إيقافه
"استني عندك هنا، فين الأمن هنا؟، يا أمن!"
توقف والتفت إليها، يرمقها بنظرة حادة كالسيف
"ارجعي على شغلك يا دكتورة، أحسن لك"
تلبسها الخوف، تجمدت قدماها للحظة، ثم تقهقرت إلى الوراء، وعادت أدراجها إلى عملها دون اعتراض.
بينما صبا كانت تلهث بغضب، وصاحت وهي تضربه بكفها المرتجف على صدره "وكمان بتهدد الدكتورة!، مش كفاية اللي عملته فيا؟!، فتحتلي دماغي وكنت هتسقطني، ولا الراجل اللي كسرتله سنانه وورمتله وشه؟!"
رمقها بنظرة يعتصرها الأسى والغيرة، وقال بلهجة ملؤها التبرير واللوم
"قولتلك مكنتش قاصد أجي جمبك خالص، وبالنسبة للمخنث اللي مسك إيدك وباسها، لو رجع بيا الزمن كنت كسرتله إيده، مش سنانه كمان، وبعدين الغلط مش عليه لوحده، الغلط على اللي سمحت له بكده"
انتفضت كمن لدغها عقرب من بين كلماته، وهتفت باستنكار
"قصدك إيه يعني؟، الراجل ضيف عندي وبيسلم، عايزني أحرجه وأكسفه؟!، إحمد ربنا إنه معملش فيك محضر بالتعدي"
توقف جوار سيارته وأنزلها برفق، يحاول كبح بركانه، ثم فتح الباب الأمامي وقال بصوت خافت فيه ما يُشبه الرجاء
"اركبي يا صبا، ونبقى نكمل كلامنا في بيتنا"
صرخت بانفعال
"بيتنا؟!، أنا هارجع على قصر بابا وهاتطلقني لإما هخلعك"
جزّ على شفته السفلى، وعيناه تشتعلان بتناقض بين الحب والغضب
"اركبي، وهعملك اللي أنتي عايزاه"
رفعت ذقنها بتحد وقالت بعناد مرير
"وأنا مش عايزة أركب معاك، امشي إنت وأنا هاتصل ببابا ييجي ياخدني"
شعر أن صبره يتآكل، وأن غضبه يتربص به على أطراف أعصابه، فتنفس بعمق وأطلق زفيره رويدًا رويدًا، ثم طلب منها بصوت هادئ لا يشبهه
"ممكن ومن فضلك يا حبيبتي تركبي؟"
رمقته بحنق، عقدت ما بين حاجبيها، وصاحت
"ماتقوليش يا حبيبتي"
كاد أن يضحك رغمًا عنه، فبين يديه يرى الآن صورة مصغرة من ابنته، طفلة مدللة في جسد امرأة ثائرة، فما كان منه إلا أن اتخذ القرار بنفسه.
انحنى وحملها برفق، أدخلها إلى المقعد الأمامي.
صرخت متلوحة بذراعيها
"بتعمل إيه؟!، أوعى، نزلني"
ثبت لها حزام الأمان، وأغلق باب السيارة، ثم التف إلى الجهة الأخرى وجلس في مقعد القيادة، أغلق الباب بسرعة وضغط على القفل الرئيسي الذي يغلق جميع الأبواب والنوافذ دفعة واحدة.
قالت من بين أسنانها وهي تنفجر من الغضب
"على فكرة، اللي بتعمله ده اسمه خطف"
نظر إليها وابتسم ابتسامة خبيثة ليشعلل من غيظها، وبدأ يقود السيارة.
اخبرها بنبرة ساخرة
"لما نروح، ابقي بلغي البوليس، قوليلهم جوزي خطفني"
جزت على أسنانها من شدة الغيظ، عقدت ساعديها أمام صدرها وزفرت بحنق بالغ يكاد يشعل الأجواء
"بارد أوي"
ضحك بتهكم، ورد عليها بكلمات لا تخلو من نوايا لا تمت للبراءة بصلة
"بارد؟!، معلش بقى يا حبيبتي، أصلِك كنتي بعيدة عني الأيام اللي فاتت، لما ترجعي لقصرك وأوضتنا وسريرنا، ابقي دفيني"
صرخت به بحنق، ثم تناولت صندوق المحارم الورقية وقذفته في وجهه، أشاح وجهه نحو النافذة الأخرى، وانفجر ضاحكًا بصمت، يخفي ضحكته عن عينيها.
❈-❈-❈
كان يلهث تحت لهيب الشمس، يلتقط المجرفة بيدين متسختين، ويلقي بالرمال في جوف تلك الحفرة وكأنه يدفن معها كل أثر لجريمته.
فمنذ أن أزهق روح صديقه الطبيب، سحبه من ذراعيه بغل مسعور، وجرجره عبر الممرات حتى ألقى به في حوض الاستحمام البارد.
ومن هناك، خطط أن يُبيد كل دليل، أن يُواري الجثة في صمت حتى لا يفتضح أمره، وذلك بعد أن قام بتقطيعها إلي عدة أجزاء.
انتهى من الردم، ومسح العرق عن جبينه بكم قميصه الممزق، ثم قفز إلى سيارته وغادر إلى مكان آخر.
حفر قبراً جديداً، أخرج من صندوق السيارة كيساً بلاستيكياً أسود، ألقاه في جوف الحفرة، ثم طمره بالرمال.
كرر فعلته تلك في خمس مواقع متباعدة، متعمدة الإخفاء، بعيدة عن المنزل الصيفي الذي شهد الجريمة.
حين أنهى مهمته، عاد وهو يعتقد في غروره أن خطته محكمة، وأن أحداً لن يكتشف أمره قبل موعد سفره.
دلف إلى البيت حاملاً أكياساً مكتظة بالطعام، وأغلق الباب بإحكام، قفله بالمفتاح من الداخل، وأوصد عليه المزلاج المزدوج، ثم دس المفتاح في جيب بنطاله.
وضع الأكياس على الرخام البارد في المطبخ، قبل أن يتوجه للاستحمام.
خلع ملابسه الملطخة بتراب الحفر، ارتدى بنطالاً قطنياً فقط وترك صدره العاري يلمع تحت الضوء الخافت.
عاد إلى المطبخ وأعد الطعام لتلك النائمة في الغرفة... النائمة مكرهة، مكبلة اليدين بسلاسل معدنية، وعنقها تطوقه حلقة جلدية مهينة، ترتجف كطائر جريح وتبكي بين الحين والآخر، تهمس بدعاء خافت أن ينقذها الله من هذا المختل القاتل.
كان يطلق صفيراً مرحاً كأنه لم يزهق روحاً، دخل عليها حاملاً صينية الطعام، فما إن سمعت وقع خطواته حتى تظاهرت بالنوم، خوفاً من المواجهة، خاصة بعد ما لاقته منه طوال ليلة الأمس.
وضع الصينية على المنضدة المجاورة للفراش، ثم جلس على طرف السرير، يميل بجسده نحوها، يتأمل ملامحها عن قرب.
فجأة، دوى صوت تنبيه الرسائل على هاتفه، فانتفض سريعاً ليرى المحتوى،
كان من صديق له
«مهند لو لسه معاك كارين العزازي سيبها بسرعة، أهلها قالبين الدنيا، والسوشيال ميديا كلها بتتكلم عن خطفك ليها... أنت عارف أخوها مين... قصي البحيري ده لو عتر فيك هيخليك تقابل وجه كريم... ده غير جوزها نشر فيديو وأنت بتخطفها... لو اتمسكت مش هيرحموك، وأنا مش هقدر أساعدك أكتر من كده يا صاحبي»
اشتدت عضلات فكه، واشتعلت عيناه القاتمتان من الغضب.
أرسل إليه رد حاد
«أنا مش هسيبها... هاخدها ونسافر، ولا قوة في الدنيا تقدر تاخدها مني... وبالنسبة ليك يا صاحبي، متشكر لحد كده، أنا هعرف أتصرف»
ضغط على زر الإرسال، ثم حظر رقم صديقه دون تردد.
التفت إليها، فوجدها تحدق فيه بعينين واهنتين، تستجديه أن يحررها من هذا الأسر المُذل.
اقترب منها، وسحب الكرسي ليجلس بجوارها، ثم أطفأ لفافة تبغ متقدة في المطفأة الزجاجية على الكمود.
ظل يتأملها في صمت، بلا مبالاة ظاهرة بحالها البائس، حتى بدأت تتلوى من الألم. ارتسمت على ملامحها علامات الاختناق، وارتجفت جفونها مع انسدالها، عندها وثب من مقعده، ونزع الشريط اللاصق عن فمها بسرعة، وربّت على خدها، وقلبه يرتجف من الخوف عليها، وهو يتمتم باضطراب
"لاء، لاء، فوقي يا كارين، بصي لي، هتبقي كويسة وهنسافر أنا وإنتي ونعيش مع بعض على طول، لازم تعيشي، مش هاتروحي، مش هاسيبك تروحي مني زيها"
هرع إلى المطبخ وأتى بكوب ماء وزجاجة عطر من فوق طاولة مرآة الزينة، نثر الماء على وجهها، ثم رش شيئاً من العطر على يده، ووضعه أسفل أنفها قائلاً بصوت مرتعش
"كارين، سمعاني؟، سمعاني يا حبيبتي؟"
ظل يربت بخفة على خديها، يهز جسدها المرتجف في محاولة لإيقاظها من الغيبوبة الطارئة، حتى بدأت أنفاسها تتسارع وتستعيد وعيها رويداً.
وحين فتحت عينيها، وجدت نفسها بين ذراعيه، يحدق في وجهها بتمعن.
استقرت نظراتها في عينيه الحادتين، وابتلعت ريقها بصعوبة، لتخرج بصوت واهن متقطع
"قتلت الدكتور... عملت في جثته إيه؟... أنا عايزة يونس... وديني ليه؟"
حدق فيها بتجهم قاتم، يجز على أسنانه في صمت، يكبح طوفان غضبه كي لا ينفلت زمامه فيؤذيها.
تظاهر باللامبالاة تجاه مطلبها، وفك قيودها الحديدية، وحملها بقبضتين ثابتتين نحو الحمام.
وضعها برفق في حوض الاستحمام، وهي ما زالت ترتدي تلك القطع المهينة من الثياب، فعقدت ساعديها حول صدرها في محاولة يائسة لستر ما انكشف منها بسخاء فاضح.
وما إن أدار صنبور الماء، وانهمرت القطرات الباردة على جسدها، حتى شهقت وارتعشت، كمن اصابته صاعقة.
جلس على ركبتيه جوارها، يمد كفه ليمسح خصلات شعرها المبعثرة، وهمس بصوت متموج بين القسوة والحنان
"كان لازم أقتله يا حبيبتي، كان عايز يبعدك عني"
لم يغب عنه ارتجاف جسدها، والخوف الذي يقطر من عينيها، والارتعاشة التي تلهب شفتيها.
تابع قائلاً بنبرة مطمئنة زائفة
"ماتخافيش، أنا جمبك ومعاكي، مش هأذيكي طول ما إنتِ مطيعة وبتسمعي كلامي"
حدقت فيه بحذر شديد، والخوف يتربص في أعماقها، ثم تمتمت بصعوبة بالغة
"عايزة يونس، رجعني لجوزي وولادي ومش هقولهم حاجة، مش هاجيب سيرتك خالص"
كان يمسك بصنبور آخر متصل بخرطوم معدني مرن، وما إن تردّد اسم غريمه على مسامعه مرة أخرى، حتى اشتعلت شرارة الغضب في عينيه.
ألقى بالصنبور على الحائط بعنف، وصاح بصوت وحشي متفجر
"كفاية بقى، كل شوية تكرري اسمه، انسيه لأنك مش هاتشوفيه تاني في حياتك، انسيه هو وعيالك"
ثم انقض على خصلات شعرها، قبض عليها بعنف، فأصابها الهلع وأوشك قلبها أن ينفجر رعباً، وهو يهدر
"مفيش غيري أنا، وهتجيبي ولاد مني أنا، أنا هابقى كل حياتك، كلك على بعضك ملكي، فاهمة؟، ردي عليا؟"
صرخ في آخر جملة، فهزت رأسها سريعاً، تردد بصوت مرتجف موافقة زائفة
"فاهمة... فاهمة"
ترك خصلاتها وجلس على الأرض، مسنداً ظهره إلى حوض الاستحمام.
مال برأسه إلى الوراء، وأخذ يتنفس بعمق، قبل أن يبدأ في سرد ما بدا وكأنه اعتراف يخرج من قلب مشحون بالجنون
"كانت كل حاجة في حياتي، الهوا اللي بتنفسه، حبيت كل حاجة فيها، روحها و هدوئها، طاعتها واستسلامها ليا، كانت بتثق فيا أكتر ما بتثق في نفسها، عمرها ما قالتلي لاء على أي حاجة طلبتها منها، لو قولتلها روحي موتي نفسك، كانت عملتها من غير ما تتردد"
اعتدل في جلسته، وألقى بنظرة ثابتة نحو هذه المسكينة التي كانت تصغي إلى اعترافاته المريبة، بينما عقلها يضج بألف فكرة للهرب.
لاحظت حدّة عينيه وهي تتابع حديثه
"كنت بخاف عليها أوي من نفسي، بخاف عليها من الشيطان اللي جوايا، كنت عارف إنها استحملت عشان بتحبني، بس استسلامها كان بيغذي الوحش اللي جوايا، أوقات كتير ما بحسش بنفسي، ولما بفوق بلاقيها مرمية قدامي، وكل حتة في جسمها بتنزف دم، في كل مرة كانت هاتضيع مني، وبالصدفة بلحقها على آخر لحظة، لحد ما في يوم...
صمت فجأة، وعينيه تشرقان بوميض ذكرى أليمة.
كان القاضي والجلاد في آن واحد، والندم –إن وُجد– لم ينجح يوماً في كبح وحشيته.
❈-❈-❈
مشهد من الماضي...
كان جالسًا في انتظـارها، يلتهم دخان سيجارته بنهمٍ كأنما يحاول أن يطفئ نيران تتأجج في صدره، وساقه تهتز بعصبية لا تخطئها العين، وملامحه تنذر بقدوم عاصفة لا نجاة منها.
وما إن اخترق سمعه صوت المفتاح وهو يلامس قفل الباب، حتى أسقط لفافة التبغ المشتعلة على الطاولة، وكأن الأمر لم يعد يحتمل التأجيل.
قال بنبرة حادة
"كنتي فين؟"
دخلت زوجته وهي تجر قدميها بخطوات مثقلة، وجهها شاحب كصفحة القمر في ليلة شتوية، ملامحها منهكة، والظل تحت عينيها أعمق من بئر نسيان.
أجابت بصوت خافت بالكاد يصل إلي مسامعه
"ممكن لو سمحت نتكلم بعدين، أنا تعبانة أوي، هادخل أرتاح ولما أصحى نتكلم"
لم تلتفت لرده، ومضت نحو غرفة النوم، لكنها لم تكد تخطو إلى الداخل حتى صرخت من فرط الألم؛ إذ جذبها بعنف من شعرها، وصوته يهدر كزئير وحش كاسر
"ما بترديش عليا ليه؟ قافلة تليفونك من الصبح، أستناكي تيجي الشركة ماتجيش، روحتي فين من ورايا؟ كنتي مع مين؟ ها؟"
تعلقت بيده محاولة تخليص خصلاتها التي كادت تُنتزع من رأسها
"إيه اللي بتقوله ده؟، حرام عليك أنت أكتر واحد عارف أخلاقي، وعارف إن عمري ما أبص حتى مجرد نظرة لحد تاني غيرك، وعشان أريحك وأقتل الشك اللي عمرك ما هتتخلص منه، هقولك كنت فين"
أفلتها أخيرًا، ووقف يحدق فيها بترقب، قالت بثقل يقطر آلام
"كنت عند دكتورة النسا، عملت عملية إجهاض"
حدق فيها كأنه لم يفهم، ثم أشار إلى أذنه
"عيدي اللي قولتيه تاني؟"
أجابته بمرارة
"كنت حامل وسقطت، لأني مش عايزة أجيب طفل يكون كل ذنبه في الحياة إن أنا و أنت مامته وباباه، ومن غير ما أخوض في تفاصيل، أنت فاهم كويس قصدي إيه"
حلّ صمت قاتل، يزداد وطأة مع كل ثانية، والخوف يتسرب إلى أعماقها مثل سم بطيء.
هي تعرف جيدًا ما يعنيه هذا الصمت، فقد ذاقت من قبل ويلات جنونه، وتدرك أن ما فعلته في نظره جريمة مضاعفة.
أولًا أخفت عنه خبر حملها، وثانيًا اتخذت قرار الإجهاض دون إذنه.
لكن الذي أمامها الآن لم يعد مجرد رجل قاسٍ، ولا حتى وحش هائج، بل شيئًا أشد ضراوة، وأشر من الشيطان ذاته.
ليتها أنهت حياتها بيديها قبل أن تعترف له، وكأنها ألقت بنفسها في فوهة الجحيم. وما هي إلا لحظات حتى سحبها كالشاة إلى "غرفة الجحيم"، تلك التي اعتادت أن تتركه يمارس فيها ميوله المريضة تحت وهم الحب، دون أن تدري أنها تغذي وحشيته.
لكن هذه المرة لم يكن التعذيب لبلوغ متعة، بل انتقام صرف، عذاب يسحق الجسد والروح معًا، حتى لفظت أنفاسها الأخيرة وجسدها مغطى بالكدمات والسحجات التي شوهت ملامحها تمامًا.
عودة للوقت الحالي...
كانت كارين تهز رأسها برفض لما تسمعه؛ فهي أمام مجرم مختلّ، سادي النزعة، سايكوباتي النزعة الإجرامية.
هل سيكون قدرها أن تموت على يديه، أم تتدخل عناية إلهية تنتشلها من هذا الجحيم؟!
انتبهت لصمته الطويل، ورأت عينيه مغمضتين، كأنه غرق في وحل ذكرياته المظلمة.
ابتلعت ريقها وهي تبحث عن وسيلة للفرار، ولو كان في ذلك مخاطرة بحياتها، إذ قد تتحول إلى الضحية التالية.
حسمت أمرها، ومدّت يدها إلى الصنبور المعدني المرن، ثم هوت به بكل ما تبقى في جسدها من قوة على رأسه، مرة تلو الأخرى، حتى سال الدم من جبينه وسقط على جانبه، وعيناه توشك على الإغلاق.
قفزت من حوض الاستحمام، وجسدها يرتجف من الرعب، تظن أنها قتلته.
لكن لا وقت للتفكير؛ عليها أن تهرب، أغلقت باب الحمام من الخارج، وأسرعت إلى الغرفة التي حجزها فيها.
أخذت تبحث عن ملابس، فعثرت على أكياس ورقية بداخلها أثواب وحقائب يد، يبدو إنها مشتريات سفر أعدّها لها من قبل.
نزعت الطوق المعدني عن عنقها، وارتدت في دقيقة ثوبًا أبيض من الكتان، تزين أطرافه نقوش أوراق سوداء، ثم التقطت إحدى الحقائب.
لملمت خصلات شعرها بعشوائية على هيئة كعكة غير مرتبة، وعيناها تبحثان في أرجاء المكان.
لمحت هاتفه ملقى على الأرض، فالتقطته ووضعته في الحقيبة، وانطلقت مسرعة.
وصلت إلى باب المنزل فوجدته موصدًا، وتذكرت أن المفاتيح بحوزته.
شعور التعب بدأ يتسرب إلى جسدها، لكنها قاومته، وذهبت تتفقد الغرف واحدة تلو الأخرى، وكلها مغلقة.
لم تجد سوى نافذة صغيرة في الغرفة التي كانت أسيرتها.
همست لنفسها وهي تلتقط أنفاسها
"يارب… يارب"
خطر لها مشهد من فيلم شاهدته قديمًا، فعادت تبحث عن سلاحه الناري.
تحركت بخفة، متجنبة إحداث أي صوت، حتى تجاوزت باب الحمام المغلق.
دخلت الغرفة التي كانت بها منذ قليل، وفتشت الأدراج حتى وجدت المسدس.
قبضت عليه وخرجت بحذر، لكن ما إن مرت أمام الحمام حتى شعرت بقلبها يهبط؛ لقد كان يحاول كسر الباب، وصوته يزلزل المكان
"افتحي الباب أحسنلك، هقتلك يا كارين… هقتلك"
ارتجفت يداها، وعيناها تتنقلان بين باب النجاة والرواق المؤدي إلى الجحيم. رفعت المسدس وصوبته نحو القفل، وأغمضت عينيها، ثم أطلقت طلقة اثنتين، ثلاثة، حتى تحطم القفل وانفتح الباب في اللحظة نفسها التي تحرر فيها هو من سجنه.
وبينما اندفع نحوها، أطلقت رصاصة عشوائية أصابت كتفه.
ركضت بجنون، مدفوعة بفيضان الأدرينالين، وهو يلحق بها رغم إصابة رأسه و الرصاصة المستقرة في كتفه.
اختل توازنه، لكنه لم يتوقف بل أسرع نحو سيارته ليلحق بها.
بينما هي، فقد ركضت مسافة طويلة لا تدري إلى أين، حتى وجدت صخرة كبيرة فاختبأت خلفها، تلهث بشدة وقلبها يطرق صدرها طرقًا مروعًا.
كانت تعلم أن قلبها المريض لن يتحمل هذا المجهود، لكنها لم تعبأ سوى بالعودة إلى زوجها.
أخرجت الهاتف، فوجدته مؤمّن بكلمة سر، جربت عدة محاولات عشوائية، ثم خطرت لها فكرة؛ كتبت اسمها فانفتح فورًا.
ضغطت على الأرقام، واتصلت بزوجها… سمعت رنين الهاتف، وانتظرت إجابته.
❈-❈-❈
يمكث في أركان معرضه، محاطًا بجدران الصمت الموحش، ينهش قلبه شعور العجز وقلة الحيلة.
لقد استنفذ كل سبل البحث عن زوجته المختطفة، ولم تُجدِ محاولاته أو محاولات الشرطة التي كلما هاتفهم جاءه صوتهم عبر الأثير بلهجة مكللة بالرجاء لا تيأس، فنحن نبذل قصارى جهدنا حتى نصل إليها.
ومع ذلك، لم يكن اليقين حليفه، ولا الطمأنينة ضيف على قلبه.
في غمرة يأسه، تتقاطر عليه رسائل عبر منصة التواصل الاجتماعي، يزعم أصحابها أنهك وجدوا زوجته، لكن الضابط مدحت صديق شقيقه، يكشف له أن المتصل ليس سوى نصاب وضيع، يتلهف لابتلاع المكافأة المعلنة، وقيمتها عشرة ملايين جنيه.
كانت الطاولة أمامه ساحة فوضى؛ زجاجات خمر فارغة تتناثر فوقها وأسفلها، وطفايات سجائر مثقلة ببقايا محترقة تعبق برائحة احتراق خانقة.
في الخارج، توقفت سيارة ياسين شقيقه، وقد جاء بعد أن دلته والدته على مأوى أخيه ذو القلب الممزق.
أبصره حارس الأمن فابتسم مرحبًا به، ورد الأخر التحية، ثم ولج إلى الداخل متتبع أثر أخيه حتى وصل إلى غرفة المكتب.
هناك كان المشهد يثير الرثاء؛ يونس ممدد على الأريكة الجلدية، غارق في سبات ثقيل، تحيط به بقايا زجاجات الخمر كما تحيط الجثث بخرائب المعارك.
ملامحه كانت ساحة غزو لليأس؛ عينان غائرتان، وجسد بلا روح، كأنما فقد نفسه.
مضى إلى البراد الصغير، التقط منه زجاجة ماء مثلج، وعاد ليقف جوار رأس أخيه.
فتح الزجاجة دفعة واحدة، وسكب محتواها البارد على رأس يونس الذي انتفض كمن لدغته أفعى، ونهض غاضبًا، أطلق سبّة لم يعهدها من فمه من قبل
"أنت يا...، أنت غبي يا لا!"
مسح الماء عن وجهه وشعره، ثم نزع قميصه المبتل وألقاه في وجه شقيقه
"غور من وشي، مش عايز أشوف حد"
نظر إليه ياسين بعين يختلط فيها الضيق بالرأفة؛ يعلم أن ما يراه أمامه ليس إلا صورة رجل يتعذب حتى النخاع، قلبه يضج بالخوف والألم لفقد زوجته.
قال بصوت هادئ لكن ثابت
"وأنا مش حد يا يونس، أنا ياسين أخوك، أخوك اللي من سنتين كان في نفس حالتك، وإنت ما سبتنيش، فضلت جنبي لحد ما عديت الأزمة اللي كنت وما زلت فيها، فاكر قولتلي إيه وقتها؟"
اقترب وجلس إلى جواره، مكملاً
"قولتلي إن الخمرة ولا السجاير ولا إنك تعزل نفسك عن الدنيا، مفيش حاجة من دول هتحل مشاكلك أو تطلعك من اللي إنت فيه"
تلاقت نظراتهما، عيون مثقلة بما يفوق طاقة البشر من الألم والجراح.
رد يونس بمرارة وقهر
"أنا عملت كل اللي ممكن يتعمل، بقالي أيام وليالي ألف عليها، مرة مع مدحت صاحب أخوك والعساكر والمخبرين، ومرة أنا ورجالتنا ورجالة قصي أخوك، مالهاش أثر ولا عارفين نوصل للـ... اللي اسمه مهند، كأنه فص ملح وداب، خبر خطفها بقى تريند على السوشيال ميديا، وكنت فاكر هيفيد، لكن كل من هب ودب بيشتغلني، ويطلعوا شوية عيال ولاد... نصابين طمعانين في المكافأة"
تنهد ياسين وربت على كتف أخيه مواسيًا
"حاسس بيك، مريت بكل دقيقة إنت مريت بيها، بس أنا القدر خدها مني، وبرغم كده قلبي لسه مهداش ولا ارتاح، لكن كارين بإذن الله هنلاقيها وهترجع بالسلامة، وأول ما نوصل للمجرم اللي خطفها، وحياتك ما هنخليه يطلع عليه ضهر تاني"
لم يقوَ يونس على التماسك، فانهار على كتف أخيه يبكي بحرقة
"خايف عليها أوي يا ياسين، خايف يجرالها حاجة وملحقش أنقذها، كارين... لو حصلها حاجة أنا أموت فيها"
ربت الأخر على ظهره بحنو
"ما تخافش كلنا جنبك ومعاك، إن شاء الله هنلاقيها، كارين اللي نعرفها قوية وجدعة، ومهما واجهتها مشكلة هي قدها وقدود، فاكر لما وقفت قدام قصي زمان واتحدتوا عشان تبقى معاك؟"
كان قلب ياسين مثقلاً بحزن عميق، ليس فقط على كارين، بل على حال أخيه الذي يسير على حافة الانهيار.
ومع ذلك جعل كلماته جسراً يمده بالصبر، ليحول دون سقوطه في هوة اليأس.
و في ظل الحالة التي يغرقا داخلها لم ينتبها إلي هاتف يونس الذي يهتز بصمت للمرة الثلاثون، يظهر على شاشته رقم مجهول، وفجأة يقطع الإنذار بفراغ البطارية، ليخبو الضوء وينطفئ الهاتف تلقائيًا.
❈-❈-❈
«ربما يكون الهاتف مغلقاً أو غير متاح....»
تلك الرسالة المسجلة الباردة التي تلقتها كارين من هاتف زوجها، بعدما فرغت بطاريته حتى آخر أنفاسها.
انقبض قلبها كقبضة اليد على الجمر، وانفرجت شفتيها بمناجاة يائسة، وهمست بصوت متقطع
"ده وقته؟، طيب اتصل بمين دلوقتي يا رب ألهمني، مفيش غيره قصي يا رب يرد عليا"
ارتجفت أناملها وهي تنقر على الأرقام، وكادت تضغط على علامة الاتصال، حين اخترق مسامعها آخر صوت تمنت لو ظل غائباً عن الوجود
"لو روحتي لآخر الدنيا هاجيبك برضه"
التفتت كالسهم المذعور، فإذا به مهند يقف على بُعد خطوات، الدماء تسيل على جانب وجهه كمجرى أحمر قانٍ، ولفافة خشنة تحيط بكتفه، قد لطختها بقعة داكنة هي أثر رصاصة غادرة.
مدّ يده نحوها ليقبض عليها، لكنها باغتته بحفنة من الرمال التقطتها من الأرض الجافة، وقذفتها في وجهه بكل ما أوتيت من قوة.
تطايرت الحبات كالسهام الصغيرة، لتغزو عينيه وتغمرهما بالوخز والحرقان، فراح يفركهما في ألم محتدم، ويضغط على جفنيه كأنما يطرد عن بصره شوك.
ومع ذلك لم يتخل عن تهديده، بل زمجر بصوت أجش
"هاتروحي مني فين؟!، إحنا في مكان مفيهوش صريخ ابن يومين"
انتهزت كارين تلك اللحظة، وشرعت تركض، تلتهم الأرض بخطواتها، تبحث بعينين مسعورتين عن أي جدار أو مأوى، أي شق في صخرة، أو ظل شجرة، يمكن أن يحجبها عن أنيابه، بينما هو يظل خلفها نصف أعمى، يتخبط في أثرها، والريح تنثر حولهما الغبار مما يزيد المشهد وحشة واختناق.
صاح بأعلي صوت له بوعيد سيقوم بتنفيذه لا محالة
"أنتي اللي قررتي عقابك بإيدك، ما تلوميش غير نفسك علي اللي هاعمله فيكي"
الفصل الثامن عشر
كنت أظن أن الغياب يطفئ الحب، لكنه اليوم أثبت لي أن الغياب يزيده اشتعالًا.
كنت في حضنه كطفلة أضاعها الطريق ثم وجدته أخيرًا، فبكيت على كتفه دون أن أشرح شيئًا.
هو يفهم هو يعرف، هو الوحيد الذي يسمع بكاء قلبي قبل أن تخرج دموعي.
شعرت أنني أذوب بين ذراعيه، وأنني مهما حاولت أن أبتعد، فإن هذا الحضن سيظل دائمًا وجهتي الأخيرة.
أحمد الشريف & علا
༺༻
عاد الملك يجر خلفه ظلال انتصاره، حاملاً بين ذراعيه ملكة قلبه وروحه، كأنما يضم بين كفيه كل ما تبقّ له من الدنيا.
كانت خطواته تدوي على أرضية الرخام البارد، وصدى أنفاسهما يملأ البهو الفسيح للقصر.
ولما بلغ عتبة الداخل، التفتت نحوه بعينين مشتعلة باللهيب، وقالت وهي تتململ بين ذراعيه
"ممكن تنزلني، مش هاينفع اللي بتعمله كده، أنا أصلاً لسه على موقفي، ومش معنى إن رجعت معاك يبقى سامحتك"
وأشاحت بوجهها إلى الجهة الأخرى في حركة طفولية أثارت ضحكة مكتومة على شفتيه رغم إرادته.
صاحت بغضب وهي تكز على أسنانها
"بتضحك على إيه؟!"
كفّ عن الضحك، وأجابها بنبرة تلونها جدية مصطنعة
"افتكرت حاجة ضحكتني، متاخديش في بالك"
"يا سلام؟!"
ابتسم ابتسامة جانبية
"ابتدينا بقى هرمونات الحمل والجنان هايشتغلوا"
حدقت فيه بحدة
"قصدك أنا مجنونة؟!"
أنزلها برفق أمام الدرج، وقال وهو يرفع حاجبيه
"وأنا مقولتش كده، بالعكس إنتي ست العاقلين كلهم"
وفجأة اخترقت صدى الحوار أنغام صوت مألوف، جاء من طرف البهو
"وأنا بقول القصر منور ليه، حمد الله على السلامة يا حبيبتي، نورتي بيتك"
كانت زينات قد حضرت لتوها، تلمع في عينيها فرحة صافية.
التفتت إليها صبا، ولما رأت تلك الأخرى اللاصق الطبي على جبهتها، اتسعت عيناها دهشة، فغمزتها صبا بعينيها في إشارة إلى أن الحديث مؤجل.
"وحشتيني يا داده"
قالتها وهي تعانقها بعناق يفيض بالشوق، فردت زينات وهي تضغط عليها بذراعيها
"حبيبة قلبي، وانتي كمان وحشاني قوي، ماتسيبيش بيتك تاني، ولو كررتيها أنا اللي هاسيبكم وامشي"
ابتسم قصي وتدخل قائلاً
"واحنا ما نقدرش نستغنى عنك، اطمني صبا مش هاتعملها تاني، وهاتفضل منورة قصرها هي والضيف الجديد اللي جاي في السكة"
لمعت نظرة سريعة بين زينات وصبا، أدركت فيها الأولى أن قصي قد علم بخبر الحمل الذي حاولت صبا إخفاءه. فتظاهرت وكأنها تسمع الأمر لأول مرة، وهتفت بانفعال صادق
"يا نهار ألف مبروك، ربنا يقومك بالسلامة يا بنتي، ويتربى في عزكم أنتي وأبوه"
"حبيبتي يا داده"
سألت زينات وهي تبحث بعينيها
"أومال فين الولاد؟"
كادت صبا تجيب، لكن قصي قاطعها
"هايقعدوا يومين عند عمي"
قالت زينات
"يرجعوا بالسلامة، وحشوني أوي، خلاص اطلعوا ارتاحوا أكون جهزتلكم الغدا علي طول"
قالت صبا وهي تصعد الدرج
"ماتعملوش حسابي، أنا مش جعانة عايزة أرتاح شوية"
أومأ قصي لزينات، وقال بصوت منخفض
"أنا مش جعان، خليهم يطلعوا لها الأكل فوق"
ثم لحق بها وما إن دخلت إلى الغرفة حتى أغلقت الباب وأوصدته من الداخل، زفر بنفاد صبر لكنه أخفى ذلك، وسأل بصوت مموه بالهدوء
"حبيبتي، بتقفلي الباب ليه؟"
أتاه صوتها من الداخل، حاد وجازم
"عايزة أقعد مع نفسي ومحدش يزعجني"
ابتسمت بمكر خلف الباب، فهي تعلم أنه مهما تظاهر بالصبر فلن يصمد طويلاً، غير أن ما حدث خالف ظنها، إذ قال بصوت هادئ على غير عادته
"خدي راحتك يا حبيبتي، وابقي سلمي لي على نفسك وبوسيها لي"
تركها مذهولة، ومضى إلى غرفة أخرى، جلس على طرف الفراش وانطفأت ابتسامته، لتحل محلها غيمة حزن ثقيل.
كانت صورة شقيقته تطارده، تلك التي فشل في الوصول إليها رغم محاولاته المستميتة.
أخرج هاتفه وقام بالاتصال بأحد رجاله المكلفين بمهمة البحث
"وصلتوا لحاجة؟"
جاءه رد من الطرف الآخر
"للأسف يا باشا، معرفناش نوصل لأي حاجة تدلنا على مكان اللي اسمه مهند"
ارتفع صوته بغضب عارم. حتى اهتزت الجدران
"يعني إيه معرفتوش توصلوله لحد دلوقتي؟!، قولتلكم ماتسيبوش شبر واحد غير لما تدوروا عليه، أنا عايزه قبل ما البوليس يوصلوا"
"حاضر يا باشا، اعتبره حصل"
زمجر وعقب بسخرية وتهكم
"بقالي كذا يوم بسمع الجملة دي أنا عايز فعل، مش كلام"
"أمرك يا باشا"
أنهى المكالمة وألقى الهاتف إلى جواره بعصبية، وما لبث أن اهتز مجددًا بمكالمة واردة من رقم مجهول.
وفي مكان آخر، وسط عش مهجور في قلب الصحراء، كانت أنفاسها تتلاحق، دموعها تنحدر كخيوط المطر على وجه أرهقه الرعب، وقلبها يدق بعنف حتى كاد يخرق صدرها.
تمتمت برجاء يائس
"رد يا قصي، رد بالله عليك"
رفع الهاتف إلى أذنه، وما إن سمع صوتها المرتعش حتى انتفض واقفًا
"قصي، أنا كارين ألحقني بسرعة"
قال بلهفة ممزوجة بالذعر
"ماتخافيش يا حبيبتي، إنتي فين؟"
أجابته وسط شهقات البكاء
"مش عارفة، المكان حواليا معظمه صحرا و فيه بحر قريب ، أنا بكلمك من تليفون المجرم اللي خطفني، قدرت أهرب منه، بس هو بيدور عليا، ولو لقاني هيقتلني أنا خايفة أوي"
ضغط على كلماته ليطمئنها
"حبيبتي، اهدي أنا جايلك بسرعة، حاولي تبعتيلي اللوكيشن، واستخبي في مكان آمن لحد ما أوصلك"
"حاضر"
أرسلت موقعها، ثم أضافت بصوت مرتجف
"خد بالك من نفسك ده سفاح، قتل الدكتور قدام عيني، وطلع قتل مراته بعد ما عذبها"
أجابها بحزم
"اطمني أنا جايلك حالاً، إنتي اللي خدي بالك من نفسك لحد ما أوصلك"
فتح الباب ليغادر، فإذا بزوجته واقفة أمامه بوجه متجهم
"مين دي اللي كنت بتكلمها ورايح لها؟!"
لم يكن ينقصه هذا الاتهام الآن، فحدق فيها وقال بما لا يدع مجالًا للشك
"كارين اتخطفت"
تركها ونزل الدرج بخطوات سريعة، أدركت حينها هول ما سمعت، فلحقت به حتى وصل إلى المكتب.
كانت تتنفس بصعوبة، وسألته بصوت متردد
"اللي إنت قولته فوق بجد؟"
فتح درج مكتبه وأخرج سلاحه، وتأكد من امتلاء خزينته، ثم أعاد تركيبه بثبات، بينما تحدق فيه بعينين مذهولتين
"رد عليا"
قال وهو يضع السلاح خلف ظهره
"إنتي شايفة إيه؟!، أيوه مخطوفة بقالها كذا يوم، ومعرفناش نوصلها، هي اللي كلمتني ورايح أجيبها عن إذنك"
تركها وغادر، وفي طريقه أجرى اتصالًا
"مصعب حضر الرجالة حالاً واطلع بيهم، وقابلوني على اللوكيشن اللي هابعتهولك"
❈-❈-❈
ما إن انقطعت المكالمة حتى انتفض واقفاً، كأن تياراً من العزم الجارف قد اجتاح أوصاله، فارتدى ثيابه على عجل، والتقط هاتفه ليهتف برجاله، صوته يقطر بأمر وحزم، حدد لهم وجهة اللقاء وموعد التحرك.
وبينما كان يُعد عدته ويحكم تثبيت سلاحه خلف ظهره، انفرج باب الغرفة لتطل زوجته، ملامحها مشوبة بالقلق، وعيناها تفيض لهفة واستفهام، فسألته بصوت مرتعش
"لاقيته كارين؟"
رمقها بطرف عينه ثم آثر الصمت، يواصل تجهيزاته في صرامة.
تقدمت نحوه بخطوات حذرة، ومدت يدها تمسك بيده، وقالت بصوت متهدج
"مصعب، أنا عارفة إنك زعلان مني من وقت ما كنا في القصر، مكنش قصدي والله أضايقك، أنا بس...
قاطعها بنبرة حاسمة، يغلفها ضيق مكبوت
"مش وقته أي كلام يا ملك، ننقذ بس مرات أخوكي ونرجع بالسلامة، ولسه لينا قعدة مع بعض أنا وأنتي"
تراجعت بضع خطوات إلى الوراء، تتأمل وجهه الذي ازداد صلابة، ثم وقفت قبيل خروجه وقالت برجاء أخير
"ممكن تاخد بالك من نفسك، وأول ما توصلوا ليها تكلمني أطمن عليها"
نظر إليها نظرة مقتضبة، واكتفى بهز رأسه، لكن قبل أن يخطو خارج العتبة، اندفعت نحوه دون تمهيد، تحيطه بذراعيها في عناق حار صامت، ثم انسحبت عنه في هدوء، تمتمت وهي تبتلع دموعها
"لا إله إلا الله"
أجابها سريعاً، وعيناه تحملان مزيجاً من اللوم والود الدفين
"سيدنا محمد رسول الله"
وما إن غادر البيت، حتى سارعت هي تبحث عن هاتفها كمن يبحث عن طوق نجاة.
كان أول اتصالها بشقيقها يونس، لكن يبدو إنه مازال لم ينتبه لهاتفه الذي فرغ من الشحن.
لم تيأس، فاتصلت بشقيقها الآخر، غير أنه لم يرد في المحاولة الأولى، وعلمت في قرارة نفسها أنه ما زال يحمل عليها في صدره ضيقاً بعد المشادة الحادة التي اندلعت بينهما في قصر العائلة.
تنهدت بضيق، ثم التقطت أنفاسها وأرسلت إليه رسالة صوتية عبر تطبيق المحادثة، جاء صوتها حامل مزيج من القلق والرجاء
«ياسين حاول توصل ليونس وقوله قصي ومصعب عرفوا يوصلوا لكارين»
ضغطت زر الإرسال، ثم رفعت كفيها إلى السماء، تبتهل بصوت يتهدج بالدعاء
"يارب ترجعلينا بالسلامة يا كارين"
❈-❈-❈
صمت مدقع يعم المكان من حولها، لا تسمع سوى صوت دقات قلبها، وقوتها التي انهارت، جسدها بدأ بالتراخي وشعور الخوف لا يفارقها، تنظر نحو الباب الخشبي القديم وتتوقع في أي وقت أن يقتحم هذا المجرم المكان من خلاله وتكون نهايتها علي يده.
انتفضت فجأة عندما سمعت صوت سيارة يأتي من بعيد، ألتفت إلي النافذة الخشبية ونظرت بحذر من خلال فتحات التهوية، تنفست الصعداء عندما وجدتها سيارة لمسافرين عبر الطريق.
أتتها فكرة أن تخرج وتطلب منهم النجدة و سوف تخبر شقيقها في الطريق، خرجت من المكان المهجور وأخذت تلوح للسيارة و تستغيث بصوت يخرج بصعوبة.
توقفت السيارة و هبط منها رجلين، ركضت نحوهما، سألها الشيخ و كان رجل في عمر والدها
"إيه اللي جابك هنا يا بنتي؟"
"أنا كنت مخطوفة و....
توقفت عن التحدث وعينيها تتسع بصدمة، رأت آخر ما كانت تتمني رؤياه، فقد كان مهند، هزت رأسها برفض وتراجعت إلي الخلف و نظرت إلي الشيخ الكبير بتوسل
"أرجوكم انقذوني، الراجل ده هو اللي خطفني و عايز يقتلني"
هبط مهند من سيارته، ورسم ابتسامة زائفة علي شفتيه و تحدث بكل ثقة
"حبيبتي مش قولتلك ما تخرجيش من الشاليه عشان المكان مش أمان؟"
كان يتقدم منها فاختبأت خلف الشيخ، اوقفه الرجل الأخر
"استني عندك رايح فين؟"
تظاهر بالسلمية
"عايز مراتي"
"مراتك، و لا اللي أنت خاطفها؟!"
نظر مهند إلي كارين و بكل إحترافية و تمثيل متقن، قال لها
"عاجبك كده؟!"
ثم نظر إلي الشيخ واخبره
"حد يخطف مراته برضه يا شيخنا؟!، هي بس زعلانة مني شوية، و أنا جيت وراها عشان أصالحها و نروح"
صاحت كارين برفض
"ماتصدقهوش يا حاج، اقسم بالله ما جوزي، أنا متجوزة و عندي ولاد، و المجرم ده خاطفني وعايزني أعيش معاه بالعافية، خدوا بالكم ده سفاح و....
وضعت كفيها علي أذنيها بسبب، صوت طلقتان خرجت كلتيهما من فوهة سلاح آخر يحمله مهند، واحدة استقرت في رأس الرجل الذي أمامه فسقط في الحال، و الأخري استقرت في صدر الشيخ الكبير الذي لم يتحمل ووقع علي الأرض ينازع الألم.
نظر مهند إلي تلك المسكينة، تهز رأسها و تشعر بالجنون، لا تصدق هول ما تراه، يقتل بكل دم بارد فماذا سيفعل معها هي؟!
" شوفتي خلتيني اعمل بسببك إيه؟، قولتلك أي حد هيقف في طريقي عشان يبعدك عني مش هتردد ولو ثانية اقتله"
تتراجع إلي الخلف خطوة تلو الأخرى، تردد من بين دموعها برفض تام
"لاء، لاء"
كان يتقدم منها بالتزامن مع كل خطوة تراجع لها
"هاتروحي فين مني المرة دي!"
تعثرت في صخرة صغيرة، فوقعت إلي الوراء، تحركت سريعاً لتنهض، كادت ترفع رأسها وجدت حذائه الأسود أمامها مباشرة، رفعت وجهها فوجدته يبتسم إليها ثم هبط علي عقبيه، حاوط وجهها بين كفيه وقال بهدوء قاتل
"مفيش حاجة هتفرقنا تاني عن بعض غير الموت"
❈-❈-❈
حل المساء وقد تناثرت أضواء الزينة كحبات اللؤلؤ المضيئة، تتدلى في أرجاء الحديقة الخارجية، تبث دفئها وتغمر المكان برونق إحتفالي يليق بالمناسبة.
تتهادى الألوان بين خيوط النور، بينما الخادمات يتحركن بنظام دقيق، يرتبن الطاولات والكراسي في مشهد يوحي ببهجة وشيكة، فالجميع في حالة استعداد قصوى لحفل الخطبة الذي أعلنت السيدة شيريهان عن إقامته.
وفي قلب المطبخ، روائح الشهية تتصاعد من أواني الحلوى، ممزوجة بعبق المشروبات المنعشة، بينما تتناقل الفتيات الصحون والكؤوس بخفة ومرح، يتغامزن ويتهامسن، والضحكات تلمع على وجوههن.
وعلى الطرف البعيد، وقفت علا منعزلة بعض الشيء، تعدّ الكؤوس بهدوء متكلف، لكن أذنها كانت مشدودة إلى أحاديث زميلاتها التي بدا أنها لم تُلقَ مصادفة، بل بترتيب مقصود وربما بتحريض خفي من السيدة شيريهان.
قالت إحداهن، وهي تمد كوب عصير لصديقتها
"روحي يا سها طلعي كوباية العصير دي لداليا هانم"
أخذتها الأخرى وانصرفت، فتناهى إلى مسامع علا صوت إحداهن وهي تقول بنبرة مليئة بالتشويق
"عارفين يا بنات، داليا هانم دي الحب القديم بتاعت أحمد بيه، حصلت مشاكل وبُعدوا عن بعض، ورجعوا دلوقتي على خطوبة، وسمعت شيري هانم وأحمد بيه بيقولوا كتب الكتاب والفرح هيبقوا على آخر الشهر، وهياخدها ويسافروا بلاد بره"
قهقهت أخرى، وعينيها تلمعان بالفضول
"يا بختها، هتتجوز أحمد الشريف وهتسافر وتعيش بره، يا سعدها وهناها ناس ليها الحظ كله، وإحنا هنا مالناش غير المطبخ والخدمة"
ارتسمت على ملامحها ابتسامة ساخرة، وألقت بنظرات جانبية نحو علا التي أدارت ظهرها متظاهرة بعدم الاكتراث، بينما في داخلها تتصارع الكلمات مع المشاعر، كأمواج خفية تضرب شاطئ قلبها.
لم تكد تستغرق في أفكارها حتى سمعت إحداهن تأمر بصوت عال
"بطلي رغي إنتي وهي، وروحوا جهزوا التربيزات بره عقبال ما أطلع القهوة لأحمد بيه"
في تلك اللحظة وضعت علا ما بيدها، وغادرت المطبخ بخفة حذرة حتى لا يشعرن بغيابها.
لحقَت بالخادمة التي تحمل فنجان القهوة، ونادت عليها بصوت خافت
"صفاء، يا صفاء"
توقفت الأخرى، فاقتربت علا وهمست
"هاتي إنتي القهوة هاطلعها له، وروحي كملي اللي أنا كنت بعمله"
ابتسمت صفاء ابتسامة دافئة، ثم التفتت يميناً ويساراً لتتأكد من خلو المكان، واقتربت تهمس لها
"ما تزعليش من البنات، أكيد إنتي فاهمة أوامر شيريهان هانم، بس عايزة أقولك على حاجة وعايزاكي تصدقيني، أو العكس برضه براحتك، أحمد بيه بيحبك أوي، وعمره ما هيجي عليكي، حوار الخطوبة ده أكيد ضغط من شيري هانم عشان تخليكي تكرهيه، خديها مني نصيحة، الراجل لما بيعشق بيبقى نفسه يجيب نجمة من السما ويحطها بين إيدين حبيبته، وإنتي مش حبيبته وبس إنتي مراته، ماتديش فرصة لحد يفرق بينكم"
لمعت عينا علا بشيء من الدهشة والامتنان، فأومأت برأسها، وأجابت باقتضاب
"متشكرة أوي يا صفاء"
ثم تناولت منها الصينية، وصعدت درجات السلم بخطوات متزنة، تحمل معها ثقل المشاعر وكلمات تدور في رأسها كجرس لا يتوقف.
❈-❈-❈
طرقت الباب مرتين فلم يأتها صدى لصوته، فتحت الباب ومضت بخطوات وئيدة إلى الداخل، وأغلقت خلفها الباب.
جالت بنظرها في الأرجاء، تبحث عنه في زوايا المكان، فلم تجده.
عندئذٍ تسلل إلى مسامعها خرير الماء، ففهمت أنه منهمك في اغتسال يعزله عن ضجيج العالم.
وضعت الصينية على الطاولة برفق، وقعت عيناها على بدلته السوداء الملقاة فوق الفراش، فانقبض صدرها بأسى؛ إذ كانت تراهن على لحظة تراجع منه عن انصياعه لرغبة والدته في الارتباط بتلك الداليا و أن ما ذكرته الخادمات صحيحاً، وكانت هي البلهاء في رواية إحدهم.
لكنها ما لبثت أن استحضرت كلماته الأخيرة حين طلب منها أن تمنحه ثقتها، وأن تترك الخوف جانباً ليعيشا معاً حياة لا يهددها أحد، وألا تجعل من والدته حاجزاً بينهما.
يومها رفضت، وكان ردها قاسياً حد السيف، فتوعدها بندمٍ مُر.
واليوم بدا وكأنه يمضي في تنفيذ وعيده، وفي خضم ذلك انبعث في ذهنها صوت داليا وهي تتحدث بثقة، فشعرت أن الفرصة سانحة لتغادره وتعيش مع ابنها بعيداً عن هذا الجرح المفتوح.
انتفضت فجأة حين انفتح باب الحمام، وخرج هو يجفف خصلات شعره المبللة، لا يستر جسده سوى منشفة قطنية تحيط بخصره، فيما يتباهى بقامته العارية.
كاد أن يبتسم لرؤيتها، لكن كبرياءه تظاهر باللامبالاة.
هي وقد اضطربت، حمحمت بحرج وأدارت له ظهرها
"أنا كنت جاية أحطلك القهوة، أي طلبات تانية؟"
كتم ابتسامة كانت على وشك الظهور، وأجاب بجدية مصطنعة
"آه، خرجيلي البدلة من الكيس وطلعيلي الجذمة من العلبة"
لمح انعكاس نظرتها إليه في المرآة وهو يقف أمام طاولة الزينة، فأردف بصوت يحمل أمر لا رجاء
"واقفة عندك متنحة كده ليه؟، اعملي اللي قولتلك عليه"
عضت على أسنانها، وكادت أن تقذف الحذاء في وجهه، لكنها امتنعت ونفذت ما طلبه.
وحين انتهت، سألته بلهجة جادة تخفي خلفها غضب عارم
"أي أوامر تانية؟"
أنهى تجفيف شعره، ثم ترك المجفف واتجه نحوها بخطوات بطيئة جعلتها تتراجع، لكنه اكتفى بالجلوس على الكرسي أمامها، وما زال لا يرتدي سوى تلك المنشفة.
"هتستني لما أشرب القهوة، وبعدها هتساعديني ألبس البدلة والكرافت والجذمة"
زفرت بضيق وأطلقت سخريتها
"وهم الشغالات كانوا بيساعدوك في البدلة والجذمة؟!"
ارتشف رشفة قهوة، وأجاب ببرود
"لأ طبعاً، عشان ماينفعش واحدة فيهم تشوفني بالمنظر اللي قاعد بيه قدامك، لكن انتي مراتي حلالي، و لا إيه"
غمز بعينه، فابتسمت بتهكم وقالت
"طيب كويس إنك فاكر إني لسه مراتك"
رمقها بنظرة ذات مغزى وقال
"وعمري ما نسيت، ولا كنت قليل الأصل"
"تقصد إيه بكلامك؟"
أنهى قهوته، ونهض واقفاً بطوله الفارع أمامها، فارتجف جسدها حين صار قريباً منها حد الالتصاق
"قصدي انتي عارفاه كويس"
"أيوه بإمارة رايح تتجوز عليا حبك القديم!، طالما أنت بتحبها أوي كده، خدعتني ووهمتني بحبك ليه؟!، ما قولتلك إن كان على حق ابني في الورث مش عايزينه، وطلبت منك تطلـ...
وضع يده على فمها مقاطعاً إياها
"هشش، إياكي تنطقيها تاني، وأي حاجة سمعتيها بره أوعي تصدقيها، اسألي قلبك وهو هيدلك على الصح، اسمعيني ولو لمرة واحدة"
أزاح كفه برفق، وأمسك بعضديها
"بصي في عينيا وهتعرفي انتي بالنسبة لي إيه"
أخذ كفها ووضعه على صدره، عند موضع قلبه
"حسي بنبض قلبي واسأليه أول دقة حب حسها مع مين"
أغمضت عينيها، وقد وقعت في سحر كلماته وسطوة العشق، ولامست أنفاسه وجهها، فتمنت أن يقترب أكثر.
"حسيتي بيه؟"
أجابت بهمهمة
"ممم..."
أخبرها بكل صدق نابع من فؤاده العاشق المشتاق
"أنا على عهدي ووعدي معاكي، عمري ما هتخلى عنك، بلاش الخوف من المجهول يسيطر عليكي"
فتحت عينيها رويداً
"وأنا مش عايزة لا جاه ولا مال، عايزة الأمان والثقة، لو الدنيا كلها بقت ضدي، ألاقيك في ضهري، عمري ما هطلب منك تقف ضد والدتك ولا تبقى عدوها عشاني، لكن عايزة أعيش في سلام أنا وابني في حضن الإنسان اللي بحبه وبيحبني"
استند بجبهته فوق جبينها وقال لها بهيام وتيام
"والإنسان ده بيقولك ماتخافيش، هايفضل جمبك وفي ضهرك وسندك وأمانك طول ما فيه نفس، ثقي فيا يا علا، ولو مطلعتش قد الثقة، أوعدك هنفذلك طلبك حتى لو هموت بعدها"
نظرت إليه بحزن
"بعد الشر عليك، ما تقولش كده تاني"
"طالما بتخافي عليا وبتحبيني أوي كده، ليه اخترتي تبعدي عني حتى لو على حساب نفسك؟"
أبعدت يدها عن صدره وولت ظهرها، هاربة من عينيه
"محدش بيحب الإهانة، بس لو ده هيبقى تمن أكون جنب ابني وما أبعدش عنه، مش هقول لأ، حتى لو هاجي على كرامتي"
"كرامتك من كرامتي، ومفيش حد يقدر يبعدك عن ابنك، حتى لو كانت شيريهان ذات نفسها"
عانقها من الخلف، وهمس عند أذنها
"مش هسمحلك تبعدي عني تاني"
قربه كان فتنة تذيبها كما يذوب الجليد تحت شمس الصيف، وللمرة الأولى أذعنت لصوت قلبها.
"أحمد..."
همست باسمه، فشعر بحرارة اسمها على روحه، وأدارها لتواجهه
"انطقي اسمي تاني كده"
نظرت بعينين غارقتين في الهيام
"أحـــمــــد"
"أنتي عارفة بتعملي فيا إيه دلوقتي؟"
ابتسمت، فازدادت جمالاً، ورآها أجمل نساء الأرض
"بعمل فيك إيه يا سي أحـــمـــد؟"
حملها من خصرها
"تعالي، هقولك بالتفاصيل كلها"
وأمطر وجهها قبلات حانية وهي تضحك بدلال
"بس يا أحمد، أحمد، أحمد بس بقه..."
لكن حروفها ذابت داخل فمه، ابتعدت عنه لتلتقط أنفاسها، نزلت ووقفت جوار الفراش.
كانت الغرفة يغمرها ضوء خافت يتماوج على الجدران، كأنه يرقص على أنغام نبضهما.
وقفا متقابلين، تتحدث عيناهما لغة لا تُترجم، لغة يكتبها الشوق وتوقع عليها الذكريات.
اقترب منها ببطء، وكأن كل خطوة تحمل اعترافًا جديدًا بحبه، حتى صار بينهما من القرب ما يكفي ليسمع كل منهما أنفاس الآخر.
مد يده، فلامس وجهها بحنان، كمن يلمس شيئًا يخشى أن ينكسر، ثم طبع قبلة دافئة على جبينها، تبعتها أخرى على وجنتيها، كأنه يرسم بخطاه الصغيرة خارطة عشقه عليها.
لم تتمالك نفسه، خلعت حذائها ووقفت علي أطراف أنامل قدميها واحتضنته بقوة، تلتمس منه الدفء والطمأنينة، فغمرها بذراعيه، وضغطها إلى صدره حتى شعرت أن قلبه يخفق بمحاذاة قلبها.
همس في أذنها
"مشتاقلك أوي يا حبيبتي"
ابتسمت ونظرات عينيها تنضح بشوق وحنين، اقتربت بشفتيها نحو خاصته دون تردد ومنحته قبلة طويلة، لم يكن مجرد لقاء شفتين، بل كان وعد صامت بألا يترك أحدهما الآخر مهما ابتعدت المسافات.
ظلا على هذا الحال، يتبادلان الأحضان والقبلات، وكأنهما يحاولان تعويض ما سرقته الأيام منهما.
هيهات وشعرت به يدفعها برفق علي فراشه الذي ينعم الآن بدفء جسدها الساكن بين ذراعي صاحبه.
الشعور باللذة كان أقل وصف يشعرا به، من همسات بكلمات نقشت علي جدران الأفئدة التي ذابت بنار الحب والعشق.
لمسات متبادلة جعلت كل منهما يريد تخبأة الآخر بين ضلوعه، لاسيما لمساته الحانيه التي جعلتها تحرر مشاعرها نحوه كما حررها من كل عائق بينهما حتي ينعم بملمس بشرتها الناعمة وهي بين أحضانه، يعم السكون حولهما ولا يوجد صوت سوى صوت العشق المتبادل بينهما.
❈-❈-❈
عاد بها إلى المنزل الصيفي مرة أخرى، يجرها جراً كما تُساق الشاة إلى المذبح، بعدما أوثق معصميها معاً بحبل خشن تحت تهديد السلاح.
دفعها بقسوة فوق الأريكة، وصوته ينفث الوعيد والشرر
"لو رجلك طلعت خطوة واحدة بس برة الشاليه، أنا مش هاقتلك، أنا بس هخليكي ما تعرفيش تمشي عليها تاني خالص"
ابتلعت ريقها بخوف، وانخرطت في بكاء متقطع، صرخ بها بصوت أجش
"ماتعيطيش، بقولك ماتعيطيش، اخرسي"
واكبت كلماته الأخيرة صفعة حادة على وجنتها، فتفجر الدم من جانب شفتيها. جلس بجوارها، ينظر إليها بعينين متناقضتين؛ خليط من الشفقة الكاذبة والحزن الملوث بطبيعته المتوحشة
"شوفتي خلتيني أخرج عن شعوري ومديت إيدي عليكي إزاي؟!"
مد يده ليمسك وجهها، فحاولت التراجع، لكنه أحاط ظهرها بذراعه، يقيد حركتها، ودنا بشفتيه منها.
صاحت بكل ما بقي لها من قوة
"ابعد عني، ما تلمسنيش يا حيوان"
كمم فاها بكفه، ثم أخرج طرف لسانه ليلعق خط الدم المنحدر بجوار شفتيها، وكأنما يتلذذ بجرحها.
لم يكتفِ بذلك، بل باغتها بقبلة جامحة، تصاعدت صرخاتها في جوفه، وكلما قاومته ازداد وحشية.
أرغمها على التمدد علي ظهرها وهو يعتليها، يلهث بين شهقة وضحكة شيطانية تعلو كلما زادت مقاومتها
"صرخي، عايزك تصرخي، كل ما هتقاومي وتصرخي أنا بكون في قمة متعتي"
اقترب من أذنها هامساً بصوت غليظ يقطر تهديدً
"فاكرة لما حذرتك وقولتلك، كل غلطة ليها عقاب؟، جه وقت العقاب يا كوكي، أنا عارف كل ذرة فيكي رفضاني ألمسك، وده بالنسبة لي أمتع إحساس في الدنيا"
كانت تحدق في سقف الغرفة بعينين متسعتين حتى كادتا تجحظان، تدعو في سرها أن يصل شقيقها قبل أن يكمل الشيطان جريمته.
وعلى الطريق المؤدي إلى المنزل، كان قصي يقود سيارته وجواره مصعب، فيما تتبعه سيارتان محملتان برجال الحراسة.
عيناه معلقتان على جهاز التعقب الذي يلتقط إشارة الهاتف الذي تواصلت منه كارين.
فقد تعمدت حين عادت مع مهند تحت التهديد، أن تسقط هاتفه على الوضع الصامت وتترك الموقع متصلاً، دافعة بالهاتف بقدمها أسفل المقعد الأمامي، حتى يهتدي شقيقها إليها.
توقف قصي، فاصطفت السيارتان خلفه، وأمر مصعب قائلاً
"انزل وخلي الرجالة تحاوط المكان كله، مش عايزه يلاقي منفذ يهرب منه"
"تمام، هقولهم وهاحصلك"
لكن قصي نظر إليه بتردد، فقد كان قلبه يتوجس من هول ما قد يكون حال كارين، فقال
"خليك مع الرجالة أحسن، أنا كفيل بالحيوان ده، ولو فلت مني أوعوا حد يضربه ضربة موت، أنا عايزه حي عشان هدوقه العذاب كل ثانية"
خلع سترته وربطة عنقه، ألقى بهما على المقعد الخلفي، ورفع أكمام قميصه قبل أن يهبط من السيارة.
❈-❈-❈
في الداخل كان مهند ما يزال ينهش شفتيها بعنف، يضغط على خديها بكفه، وكلما صرخت ابتلع صراخها في فمه.
نهض بجذعه، وأمسك بمقدمة ثوبها ومزقه، و قبل أن يقبل علي فعله القذر، إذا بقبضتين قويتين جذبتاه بعنف من فوقها، وطرحاه أرضاً بقوة.
"يا ابن الـ… يا…"
زمجر قصي بغضب يفيض، وأمطر اللعين بوابل من اللكمات والركلات التي لا ترحم. نهضت كارين تلم شتات ثوبها، يسيطر عليها بكاء هستيري.
خلع قصي الحزام الجلدي لبنطاله، قام بلفه حول عنق مهند وبدأ يسحله على الأرض، ثم صرخ منادياً
"مصعب! يا مصعب!"
أقبل الآخر مسرعاً، وعيناه تقعان على كارين في حالة يُرثى لها، فغض بصره للحظات، يحاول كبح انقباض قلبه.
التقط أوامر قصي على الفور والذي صاح آمراً إياه
"خدها "
خلع مصعب سترة بدلته وألقاها على كتفيها، ثم فك قيد معصميها، فأمسكت بذراعه واهنة.
"اهدي يا كارين، إحنا معاكي"
خف بكاؤها قليلاً، ونهضت بصعوبة، وقبل أن تغادر، لمحت قصي جالساً فوق مهند، يلهب وجهه ضرباً حتى غطته الدماء، فصرفت بصرها حيث تكره رؤية منظر الدم.
صرخ قصي وهو يواصل ضرباته الوحشية لهذا الذي يحاول أن يقاوم بضعف ووهن
"أقسم بالله ما هاسيبك يا ابن الـ…، تخطف واحدة من جوزها وتفتكر إنك هتفلت؟!، أنا هخليك ما تشوفش نور الشمس تاني، وهاتبوس إيدي ورجلي عشان أرحمك"
في الخارج داخل السيارة، لم يتوقف هاتف قصي عن الرنين.
كان المتصل يونس الذي ما إن علم من ياسين بأمر إيجاد زوجته وكيف كان غافلاً عن إتصالها به، حتى ثار جنونه.
تناولت كارين الهاتف، وأجابت بصوت متقطع بين دموعها
"يـ… و… نس…"
"كارين! أنتي كويسة؟! أنتم فين؟! الحيوان ده عمل فيكي حاجة؟!"
لم تستطع الرد، وانفجرت بالبكاء مجدداً. تناول مصعب الهاتف قائلاً
"ألو يا يونس، اطمن هي بخير، وقصي هياخد الواد ويرميه للرجالة ياخدوه على المخزن، مفيش حد يتصل بالبوليس، ونبه على آدم ما يكلمش مدحت صاحبه"
لكن يونس لم يكترث إلا بسؤال واحد
"كارين بخير يا مصعب؟، حصلها حاجة؟"
رمق مصعب كارين بطرف عينه، ثم قال بإنكار وهو ينظر إلى حالتها المزرية
"قولتلك هي بخير، ما تخافش"
"ابعتلي العنوان فوراً"
"إحنا جايين على طول، ما تقلقش"
"مصعب، إديني العنوان أو الطريق اللي هترجعه منه"
أملى عليه وصف و عنوان الطريق، وفي هذه الأثناء خرج قصي من المنزل يجر مهند من ذراعيه، فأسرع الرجال للإمساك به ونقله إلى سيارة أخرى.
انطلقت السيارات الثلاث، يقود مصعب الأولى، بينما جلس قصي في الخلف جوار شقيقته التي أسندت رأسها على صدره. أخذ الأخر يربت على يدها وذراعها بصمت، وقلبه يعتصر ألماً كلما تذكر ما كادت أن تمر به، فهي صغيرته التي رباها بين كفيه و لم يتحمل أن يري قطرة واحدة من دموعها، فماذا يشعر الآن بعد ما رأي ما كانت تمر به علي يد هذا المجرم السادي!
❈-❈-❈
بعد قطع مسافة طويلة، توقفت السيارات فجأة، حين أشار مصعب لقائدي السيارتين اللتين يسيرا خلفه بالوقوف.
رفعت كارين رأسها ببطء، حين لمحت يونس برفقة ياسين يخرجان من إحدى السيارات، همست بخفوت موجهة كلماتها إلى شقيقها
"أوعي تقول له اللي شوفته، بالله عليك"
أومأ لها بعينيه تأكيداً، ثم فتح باب السيارة، ووقف على الفور ليساعدها في النزول.
ما إن لمحت زوجها، حتى لم تجد فرصة للركض أو التراجع، إذ قطع هو المسافة التي كانت تفصل بينهما، فاصبحت بين ذراعيه.
عانقها بقوة غامرة، وقبّل رأسها مراراً على مرأى مهند الذي جلس بين رجلين من الحراسة.
كان المشهد أكثر من أن يتحمله؛ فقد عجز عن استيعاب رجوعها إلى زوجها، وما ينتظره من مصير أسود يثقل روحه حتى تفارق الجسد.
ورغم أنه منهك القوى، عاجز عن رفع ذراعه، استغل انشغال الرجال جميعاً بمشهد اللقاء بين كارين و يونس، و بسرعة خاطفة سحب مسدسه، ووجه فوهة السلاح علي رأسه.
في لحظة مروعة، أطلق رصاصة واحدة وسط فزع الرجال، وترك نظرات عينيه تتلاشى في اتجاهها، كأنها كانت بؤرة آخر رؤيته في هذا العالم.
❈-❈-❈
على وقع موسيقى هادئة، و تبادل الضحكات بين الحضور، وقف في الشرفة المطلة على الحديقة يرافق والدته.
وفي الأسفل الصحفيون الذين لم يكفوا عن التقاط الصور للمدعوين، وكأنهم يرسمون بآلات التصوير خاصتهم لوحات للحظة تزف فيها الأخبار.
نظر إليها بسخرية يخبرها
"مش شايفة إنك تجيبي صحفيين ومصوريين في حفلة خطوبة ده أمر أوڤر شوية يا شيري هانم؟!"
ردت عليه والدته بثقة لا تخلو من قسوة
"بالعكس، وجودهم ضروري وفي صالحنا، خصوصاً بعد الكلام اللي كتر عننا والبلوة اللي أبوك بلانا بيها قبل ما يموت، بس أنت هاتخطب وهاتتجوز داليا بنت الحسب والنسب، والحمدلله مش الكل عارف بجوازك من خدامة أخوك الله يرحمه"
رمقها بحدة وغضب، قال لها بنبرة حادة
"ياريت بعد إذنك، ورايح تتكلمي عن مراتي بأسلوب أحسن من كده، أنا سيبتك تتمادي كتير الأيام اللي فاتت، لاقيت أفعالك مالهاش حدود، فممكن تشيلي علا من دماغك"
ابتسمت ابتسامة هادئة لكنها حاقدة، وردت بثقة
"بكرة هاتندم على أسلوبك وكلامك معايا، واللي واقف ليا الند بالند عشانها، هاتبيعك في أول فرصة تجيلها"
ضحك بسخرية باردة
"وأنا مستني اليوم ده، وهنشوف مين اللي هايندم الأول"
هم بالانصراف، فتوقف قليلاً وسألها
"مش المفروض الخطوبة تبقى عند العروسة؟"
ردت عليه بحسم
"هنا أفضل"
فأعاد السؤال متهكماً
"هنا أفضل ولا قاصدها عشان تقهري قلب علا؟!"
تهربت من الإجابة، وأخبرته مبتعدة
"عن إذنك، نازلة أسلم على المعازيم"
❈-❈-❈
في الطابق الأسفل، كانت علا تجمع ثيابها بعناية داخل حقيبة سفرها، حين طرق الباب بخفة.
توجهت لفتحه، وإذا بـ داليا تقف على عتبة الغرفة، تكاد عيناها تلمعان من الفرحة بمجرد أن لمحت حقيبة السفر.
انفرجت أساريرها على الفور
"كويس إنك حضرتي شنطتك، لأن السواق المفروض ييجي ياخدك بعد نص ساعة.ط، هيستناكم إنتي وابنك قدام البوابة اللي ورا"
أخرجت من حقيبتها المزخرفة بالكريستال بطاقة ائتمانية، ومدّت يدها بها إلى علا
"خدي الفيزا دي خليها معاكي، تقدري تصرفي منها في أي مكان، سواء جوه مصر أو بره، وكل شهر هاحوللك على الحساب فلوس تكفيكم وزيادة"
لم تتردد علا في أخذ البطاقة، وقالت لها بامتنان
"متشكرة أوي يا داليا، مش عارفة من غيرك كنت هاعرف أخرج من السجن ده إزاي"
ردت الأخرى بابتسامة زائفة
"مفيش شكر ما بينا، كل واحد ليه عند التاني مصلحة، مصلحتك خلاص على وشك تتم، وأنا مصلحتي هي أحمد وخلاص، كلها مسألة وقت وهابقى حرمه المصون"
ابتسمت علا، تخفي تحت ابتسامتها النيران المتأججة في صدرها، وقالت لها بمحبة زائفة
"ربنا يهنيكم ويسعدكم"
وما أن طرق الباب مرة أخرى، حتى تعالي صوت الطارق؛ فسمعت صوت أحمد وهو ينادي
"علا، أنتي جوه؟"
همست داليا بهدوء
"أنا هاستخبي في البلكونة، أوعي تحسسيه بأي حاجة"
ردت الأخرى بسرعة
"حاضر، حاضر ما تقلقيش"
أسرعت داليا لتختبئ في شرفة الغرفة، بينما فتحت علا الباب، ونظرت إليه بتوتر وسألته
"أحمد!، إيه اللي جابك هنا؟، مش المفروض هاتطلع إنت وخطيبتك للناس دلوقتي؟!"
ابتسم واخبرها بعشق ينضح من عينيه
"جيت أقولك إن لا داليا ولا ألف غيرها تقدر تاخد مكانك في قلبي، وجيت برضه أقولك وحشاني أوي"
كانت على وشك أن تفتح فمها للرد، فباغتها بقبلة مفاجئة، ودفعها برفق إلى الوراء حتى وجدت الحائط خلفها.
رأت داليا ذلك المشهد من خلف الستار، فجزت على أسنانها بغيظٍ شديد.
ابتعد عنها، والتقط كل منهما أنفاسه المتهالكة، فقال لها
"ياريت ما تخرجيش بره الأوضة، وهخليهم يبعتولك حمزة يقعد معاكي"
دفعت أحمد بقوة في صدره حتى كاد يختل توازنه ويسقط، وقالت بغضب
"اه، قول بقي كده يا ابن شيري هانم، جاي تجر معايا ناعم عشان ما أخرجش بره في الحفلة والناس تشوف مراتك اللي شغالة خدامة ليك وللست الوالدة، ومراتك التانية لما تشرف هنا على طول"
عقد حاجبيه بغضب
"إيه اللي بتقوليه ده؟!، أولاً ما اسمحلكيش تتكلمي معايا بالأسلوب والطريقة دي، ثانياً أنا قولتلك كده عشان محدش يضايقك ولا تضايقي لما تشوفيني واقف مع داليا"
ردت بغضب
"فاكرني هاغير؟!، أنا لا يهمني ولا يهزني، حتى لو مامتك عملتلك حرملك وجابتلك جواري السلطان، مش هتتهز مني شعرة واحدة عشانك"
سألها بغطرسة
"بقي كده يا علا؟"
أجابت بلا تردد
"أه كده، وأكتر من كده كمان، واتفضل اطلع بره وروح لخطيبتك"
كظم غضبه، وقال بصوت منخفض
"أنا كده كده كنت طالع، بس استعدي للجاي، ولو النهاردة الخطوبة، هخليها بعدها بأسبوع أو أسبوعين بالكتير الفرح"
فتحت الباب ودفعته نحو الخارج وهي تقول بحزم
"اطلع بره، مش عايزة أشوف وشك تاني"
أغلقت الباب خلفه، ثم دخلت داليا من الشرفة إلى داخل الغرفة، وعلامات النصر ترتسم على ملامح وجهها
"برافو يا علا، برافو عليكي، كده خلاص كلها دقايق وهتودعي العذاب ده كله، عن إذنك بقي عشان المفروض نخرج أنا وهو للمعازيم، ويلبسني الخاتم"
❈-❈-❈
وقف الجميع في استقبال العروسين، وخرج الاثنان وسط تهليل وتصفيق حار.
كان الصحفيون على وشك التقاط الصور، فأشار لهم أحمد بيده أن يتوقفوا، نظرت داليا إليه وسألته
"فيه إيه يا ميدو؟"
كان يبحث في جيوب سترته كأنه شيء مفقود، فأجاب
"شكلي نسيت الخواتم فوق، هاطلع أجيبهم ونازل بسرعة"
"خلي حد من الشغالين يجيبلك العلبة"
"مش هاينفع يا حبيبتي، أنا شايلهم في الخزنة بتاعتي اللي في الدولاب"
ذهبت شيريهان لتسأل داليا، فأخبرتها بما قاله أحمد.
في الداخل، كانت علا تتسحب ببطئ، تلتفت من حولها بحذر حتى وجدت الخادمة صفاء، فسلمتها الحقيبة
"خدي يا صفاء، وزي ما اتفقنا"
جرت صفاء بحقيبة السفر وابتعدت، بينما كانت علا تسير في الرواق بتوتر وقلق، وإذا بيدٍ قوية تجذبها.
و في الخارج، الجميع في انتظار العريس الذي ذهب ليحضر خواتم الخطبة.
تفوهت داليا بغيظ وحنق شديد
"بقالك ربع ساعة، كل ده بتجيب الخواتم يا أحمد؟!"
همست شيريهان لها وتبتسم للحضور في آن واحد
"وطي صوتك الناس هاتسمعك، زمانه نازل"
توجهت أنظار الجميع نحو أحمد الذي خرج من الباب المزين بأكاليل الورود، يداً بيد مع علا التي ارتدت ثوباً ساحراً خطف أنظار الجميع، أثنى ذراعه فوضعت يدها على ساعده.
تعالت الهمسات بين الحضور، فمنهم الكثير اللذين لا يعلمون بأمر زواجه من علا.
فتحت داليا فمها بصدمة صاعقة فوق رأسها، ولم تقل والدته عنها شيئاً، ربما حالتها أكثر سوءً، فلم تتوقع ما كان يخطط له ابنها.
سار أحمد وعلا نحو منصة جلوس العروسين، وأشار إلى أحد الحضور ليأتي له بمكبر الصوت، فسلمه إياه.
همست علا بقلق، ضاغطة على ساعده
"أنا خايفة أوي يا أحمد"
حدق بها بنظرة ملؤها العشق والأمان، تبث في قلبها شعور الطمأنينة
"ما تخافيش وأنتي معايا"
ضغط زر تشغيل مكبر الصوت، وبدأ يتحدث بصوته الواضح الذي صدح في أرجاء الحديقة
"مساء الخير عليكم جميعاً، أحب أشكر كل واحد لبى دعوة شيريهان هانم الشريف، وأنا كمان بشكرها جداً وبقولها شكراً يا أمي على اهتمامك بيا وإنك السبب في جوازي من علا مراتي وحبيبتي، اللي ما يعرفش إني كنت متجوز، ده بسبب إن بابا الله يرحمه كان لسه متوفي، واضطرينا ما نعملش فرح وقتها، ماما حبت تعوضنا بليلة فرح جميلة، وإن الكل يشاركنا الفرحة، وما أنساش طبعاً أشكر صديقتي العزيزة وصديقة العيلة داليا، هي اللي نظمت الحفلة وبعتتلكم كروت الدعوة"
كانت إحدى المدعوات تنظر في بطاقة الدعوة، فاختطفتها داليا من يدها، فوجدت البطاقة تختلف عن تلك التي أعدتها هي وشيريهان.
بدا أن هناك أموراً خلف الكواليس، وأن المفاجآت لا تزال تتوالى.
أخرج أحمد من جيب سترته علبة يكسوها مخمل أحمر قاتم، و ما إن فتحها ظهر خاتم زواج مطعم بفصوص الألماس، يتوسطه ألماسة أكبرهم حجماً.
أخذ الخاتم برقة، ووضعه في إصبعها البنصر ليدها اليسرى، ثم قبّل ظهر يدها، تلاه تقبيل جبهتها، قبل أن يحتضنها أمام الجميع، فتهافت المصورون لالتقاط تلك اللحظات الساحرة.
ارتفع التهليل والتصفيق حاراً، و صمت الجميع حين تم تشغيل موسيقي كلاسيكية ليتراقصا العروسين عليها معاً.
أمسك احمد بيدها ووضع الأخرى علي جانب خصرها، نظرت إليه و اخبرته بخجل
"ما بعرفش أرقص"
ابتسم ورمقها بنظرة جعلتها أسيرة في عالمه
"سيبيلي نفسك و ما تقلقيش، جاهزة؟"
هزت رأسها بالموافقة، و ما أن بدأ يتحرك وجدت جسدها يتحرك معه بتناغم كالفراشة التي تطير.
ابتسمت وكأنها تتذكر أمراً ما، مالت علي كتفه وهمست بجوار أذنه
"ده أنت طلعت ممثل بارع"
ضحك قائلاً
"مش أكتر منك يا روحي، ولا إيدك وإنتي بتزوقيني وبتطرديني برة الأوضة، على فكرة كنت هاقع بجد"
ردت مبررة بابتسامة ماكرة
"معلشي بقي يا حبيبي، أصلي اندمجت معاك في التمثيل، وقلت أسبك الدور حبتين عشان داليا تصدق وتبلع الطُعم"
"هي بلعته وعمرها ما هتنساه أبداً، وبعدين إيه حكاية الحرملك اللي أمي هاتعمله لي وجواري السلطان اللي هاتجيبهم لي؟!، أنا كنت هضحك وهبوظ كل اللي قعدنا نخطط فيه"
"أهو كلام طلع في وقته، أنا اللي كنت ماسكة نفسي بالعافية"
عاد بكتفيه للوراء ليجعلها تعتدل و تنظر له قائلاً
"بس تصدقي فكرة حلوة، يكون عندي حرملك وحريم السلطان"
لكزته في كتفه
"طيب أتلم بدل ما أخليك تحصل سنبل آغا"
سألها بتعجب
"مين ده؟"
أجابت ضاحكة
"ده واحد على نياته، كل البنات أخواته"
فهم ما تقصده، فأخبرها بفخر
"شكلك نسيتي الكلام المهم اللي حصل عندي في الأوضة، استعدي بقى، عشان هنتكلم كتير الليلة دي، أكتر من كلام السلطان مع حريمه كلهم"
انخرطت في الضحك، فقال لها
"اضحكي، اضحكي"
كانا في عالم آخر، حتى انقطعت تلك اللحظة الرائعة بصياح إحداهن بفزع
"ألحقوا مدام شيريهان أُغمي عليها"
التفت أحمد و تليه علا نحو مصدر الصوت، وجدا السيدة شيريهان قد فقدت الوعي.
الفصل التاسع عشر
ليت الزمان يعود بي عندما طلبت العفو والغفران... فكان فؤادي شبه محترق حينها و الآن بفضلك أضحى رماد.
~علياء البحيري~
كان الصمت قد أسدل ستائره الثقيلة على أرجاء منزل آل الشريف، حتى خُيل للداخل أن الحفل الذي ضج بالموسيقى والضيوف قبل ساعة، لم يكن سوى طيف عابر تلاشى في العدم.
وفي غرفة مترفة تتوشح بالستائر الداكنة، جلس الطبيب إلى جوار السيدة شيريهان يفحصها بعناية وقد ساعدته مديرة الخدم في إعداد ما يلزم.
رفعت شيريهان بصرها إليه بنظرة نفاذة تحمل أكثر مما تحتمل الكلمات من إيحاء، فالتقط الرسالة سريعاً، وألقى بنظرة متفحصة حوله ليجد ابنها واقفاً بلهفة توشك أن تنفجر من صدره، وعلى مقربة منه زوجته وقد انعكس القلق واضحاً على محياها.
قال الطبيب بجديةٍ متزنة
"لو سمحتوا يا جماعة، ممكن تفضلوا برة شوية لحد ما أخلص الكشف، ما عدا مدام صابرين"
تمتلك علا فراسة الأنثى ففهمت المعنى قبل أن ينطق زوجها باعتراضه، فمالت عليه هامسة
"تعالي يا أحمد نستنا برة، الدكتور أكيد ها يطلع يطمنا عليها"
انصاع إليها رغم الغضب المشتعل في أعماقه، وألقى نظرة أخيرة على والدته التي تعمدت أن تُعرض بوجهها عنه، متحاشية النظر إليه، غارقة في صمت يقطر جفاء.
خرج برفقة زوجته إلى الردهة، وهناك استوقفتهما مشهد صاخب؛ إذ كانت الخادمة واقفة عند السلم، تمنع داليا من الصعود، بينما الأخيرة تصرخ بحدة
"إنتي متخلفة؟!، بقولك أنا طالعة أطمن على شيري هانم، إيه؟ ما بتسمعيش؟!"
ردت الخادمة بثبات
"ممنوع يا آنسة داليا، دي أوامر"
هتفت الأخرى باستهجان
"ومين أمر بكده إن شاء الله؟!"
فجاء صوت أحمد كالرعد الهادر، وهو يرميها بنظرة ملتهبة كالسهام
"أنا اللي أمرت، عايزة تدخليلها بصفتك إيه؟!، مش كفاية المسرحية السخيفة اللي فشلتي تكمليها؟!"
ارتجفت داليا وتلعثمت شفتاها عاجزتين عن الرد، غير أن أحمد لم يمنحها فرصة التبرير أو الكذب، فتابع هجومه الكاسح
"أوعي تفتكريني نايم على وداني مش دريان باتفاقك مع شيريهان، واللي كنتي ناوية تعمليه في مراتي وابن أخويا!، أنا يا داليا دبة النملة توصلني قبل ما ترن، اصحي وفوقي، الظاهر نسيتي مين هو أحمد الشريف!"
تجمعت الدموع في عينيها من شدة الخزي، لكنها تماسكت وردت بكبرياء متصنع
"إنت اللي فوق لنفسك وشوف بتكلم مين، جاي تعمل عليا راجل وأنت من زمان و معروف عنك ابن أمك"
انفجر الغضب في عروقه، فوثب إليها كالعاصفة، وقبض بكفه الغليظة على عنقها، صاح من بين أسنانه المطبقة
"أنا راجل غصب عنك يا... ، ولا نسيتي أيام ما كنتي تتمني إني أبصلك بس؟!، جاية دلوقتي ترمي بلاكي علينا وبتتحشري ليه بيني وبين مراتي؟!"
ارتجفت داليا، تتخبط أنفاسها انتابها سعال شديد تحت وطأة قبضته الحديدية، بينما اندفعت علا تصيح برجاء
"أحمد سيبها بالله عليك، هاتموت في إيدك، هاتودي نفسك في داهية"
تلاقت عيناه بعينيها، ورأى الرجاء الموجع فيهما، فأفلت قبضته أخيراً، ثم زمجر بصوت جارف
"يا عزت؟، يا عزت؟"
وما هي إلا لحظات حتى اندفع عزت صاعداً الدرج مسرعاً، وقال باحترام
"أمرك يا أحمد بيه"
أشار أحمد نحو داليا بازدراء، قائلاً
"خد البت دي ، وشوف لها تاكسي يرميها في أي داهية هي تختارها"
"حاضر يا بيه"
تراجع عزت ليقترب منها، فقالت داليا بصوت مخنوق وهي تحاول حبس دموعها
"عايزة شنطة هدومي الأول"
رمقها أحمد بعينين تقدحان شرراً، ثم أمر الخادمة صفاء
"روحي الأوضة اللي كانت قاعدة فيها، لمي حاجتها، وارميهالها على البوابة بره"
أومأت صفاء بإذعان
"حاضر يا أحمد بيه"
التفتت داليا نحوه قبل أن تنصرف، وأطلقت وعيدها بنبرة ملؤها الغيظ
"ما بقاش داليا لو ما خليتكش تندم على اللي عملته معايا يا ابن شيريهان"
قهقه أحمد بسخرية لاذعة
"إيوه أظهري على أصلك، فرجينا بس ياريت بعدين عشان محدش فاضي لك"
رمقته بنظرة ملتهبة، ثم قالت بصوت متهدج
"الأيام جاية كتير"
وقبل أن تهم بالرحيل، استوقفها صوت علا وقد تذكرت شيئاً هاماً
"ثواني يا داليا"
اقتربت علا من زوجها، وهمست في أذنه بما أرادت، فأخرج بطاقة من جيب سترته وسلمها لها.
التفتت علا نحو داليا وقالت بثقة
"اتفضلي، مش محتاجة الكريدت كارد بتاعتك، أنا معايا اللي أغلى من مال الدنيا وكنوزها"
تشبثت بذراع أحمد بحميمية واضحة أمام أعين داليا التي كادت تنفجر من الغيظ.
أخذت داليا البطاقة وكسرتها نصفين، وألقت بها في وجهيهما، ثم هرولت نازلة السلم، يلاحقها عزت كظلها.
تنفس أحمد الصعداء كما لو أن كابوساً ثقيل الظلال قد انزاح عن صدره، غير أن هاجس مرض والدته ظل يتشبث بروحه كغصة عاليقة في حلقه.
لم يكد يلتقط أنفاسه حتى سمع صرير باب غرفتها يُفتح على مهل، فاندفع بلهفة كأنما يسابق الريح، حتى بلغ الطبيب قائلاً باضطراب يفضح وجيب قلبه
"خير يا دكتور، طمني عليها"
رمقه الطبيب بنظرة تحمل في طياتها عتاب وإشفاق معاً، ثم قال بجدية صادقة
"والله يا أستاذ أحمد، مش هاضحك عليك وأقولك الوضع أحسن حاجة، شيريهان هانم ضغطها ارتفع لدرجة خطيرة، والصدمة عملت جلطة بسيطة سببت لها شلل نصفي"
شهقت علا شهقة مدوية، فيما بدا أحمد متسمراً في مكانه، يحاول استيعاب وقع الكلمات التي نزلت على أذنه كالصاعقة، فسأل بعينين يكسوهما قلق ممزوج بإنكار
"شلل؟!، إزاي؟!، ده كان مجرد إغماء من صدمة، وكنا مفوقينها قبل ما حضرتك ما توصل"
أجاب الطبيب بحكمة يغلفها شيء من الحزن
"بتحصل كتير يا أحمد بيه، غالباً اللي جرالها نتيجة صدمة ماقدرتش تتحملها، بس اطمن ده شلل مؤقت، ومع الراحة النفسية والانتظام على العلاج، هتتعافى إن شاء الله، وأنا هاجي أتابعها كل أسبوع"
تظاهر بالنظر في ساعة هاتفه، ثم أردف معتذراً
"معلش بقى مضطر أستأذن، عندي حالات تانية في العيادة"
حمحم ثم انصرف سريعاً، تاركاً أحمد غارق في بحر من الشرود والخواطر الممزقة.
ولم يلبث أن أفاق على لمسة رقيقة من علا وهي تربت على كتفه مواسية
"ما تقلقش يا حبيبي، بإذن الله ماما هاتقوم بالسلامة وهاتبقى أحسن، ادخلها واطمن عليها، أنا كنت عايزة أدخل معاك، بس إنت سمعت الدكتور قال أهم حاجة راحتها النفسية، وانت عارف علاقتي بيها مش أحسن حاجة، وبعد اللي حصل أظن وجودي هنا مش مستحب"
قطب ما بين حاجبيه وأمسك يدها بصلابة تفصح عن رفضه
"إيه الكلام ده يا علا؟!، ده بيتك ومكانك، ولا مخلوق يقدر يخليك تمشي "
تلاقى نظرهما في صمت مشحون بالود، وكأن العيون تُفصح بما تعجز عنه الألسنة؛ كانت عيناها تقولان بصدق دامع، أنت ملاذي ومصدر أماني.
لكن وصلة النظرات انقطعت بصوت فتح الباب وخروج مديرة الخدم تحمل صينية عليها كوب ماء فارغ، فتوقف أحمد عن المضي نحو غرفة والدته، إذ استوقفته الأخرى بصرامة
"آسفة يا أحمد بيه، مش هاينفع تدخل"
اتسعت عيناه دهشة وغضب، فهتف
"نعم؟!"
رمقت علا ثم التفتت إليه قائلة بنبرة حازمة
"شيريهان هانم مش عايزة تشوف حد، خصوصاً حضرتك ومدام علا"
كاد يندفع نحو الغرفة، غير أن يد علا استوقفت اندفاعه، وقالت برجاء خافت
"الدكتور قال الزعل مش في صالحها خالص، وأظن المفروض تكون إنت أكتر واحد فينا خايف عليها"
نظر إليها فهزت رأسها بأسى وقد أشارت بعينيها أن ينصاع لما طُلب منه، كي لا يزيد الأمر سوءاً.
تغالب أحمد مشاعره المتناقضة؛ كان يوقن في أعماقه أن هناك لعبة تُحاك في الخفاء بين والدته والطبيب، غير أن عاطفته نحوها باعتبارها أمه مهما فعلت، كانت الأقوى والأثقل وزناً.
لم يتفوه بحرف، وترك المكان بخطوات سريعة، والنيران تشتعل في مقلتيه كجمرة متقدة.
هرولت علا خلفه حتى أدركته عند مرآب السيارات، حيث جلس خلف مقود سيارته، وقبل أن ينطلق، وقفت عند نافذته المجاورة وقالت بلهفة
"رايح فين؟"
أجاب دون أن ينظر إليها، وهو يكظم جموح غضبه
"لو سمحت يا علا، سيبيني دلوقتي"
"ما ينفعش تسوق وإنت في الحالة دي، وبعدين إحنا بالليل والوقت متأخر، انزل عشان خاطري"
ارتعش قلبه من خوفها عليه، فأطلق زفيراً ثقيل لعله يُطفئ شيئاً من نيرانه، ثم التفت إليها قائلاً بهدوء متكلف
"ما تقلقيش عليا، هلف شوية بالعربية وراجع على طول، إنتي اطلعي اطمني على حمزة وروحي ارتاحي في أوضتنا لحد ما أجيلك"
رأت في عينيه إصرار لا يقبل النقاش، فتمتمت بقلق صادق
"خد بالك من نفسك"
ابتسم ابتسامة شاحبة وأجاب
"حاضر"
تنحت جانباً لتفسح له الطريق، فانطلق مسرعاً بالسيارة، تاركاً خلفه قلبها مفعم بالخشية عليه أكثر من أي وقت مضى.
❈-❈-❈
يغرق في غفوة ثقيلة على أريكة مكتبه الجلدية، بعد أن أنهى متابعة أعماله عبر الهاتف والحاسوب؛ فهو منذ زمن ليس ببعيد يعيش في أجواء متناقضة متقلبة، بين النقيض وضده، بين الصفح والخذلان، وبين الألفة والجفاء.
يعلم يقينًا أنها وإن غفرت له زلاته، فلن تمحو من ذاكرتها ما اقترفه بحقها، وهذا ما يراه في تصرفاتها الغريبة التي تمطره بها في الآونة الأخيرة.
انفتح الباب فجأة، فإذا بها تطل كالقمر في ثوب قصير من حرير أسود، خصلات شعرها منسابة خلف ظهرها كأمواج الليل، وقد أضفى الحمل على محياها مسحة من السحر، إذ تورد خداها كأنهما تفاحتان قُطفتا لتوهما من غصن نضير.
رمقته وهو غارق في نومه، زفرت بغيظ مكتوم، عقدت ساعديها فوق صدرها، ثم خطت نحوه بخطوات متوترة، تهمس الأرض تحت قدميها، ولكزته في كتفه بغيظ شديد، فانتفض مذعورًا كمن بُعث من سباته.
قال بفزع
"إيه في إيه يا دنيا؟!، أنتي كويسة يا حبيبتي؟"
جلست على الكرسي المجاور للأريكة، ورمت حديثها بلا تمهيد ولا مقدمات افتتاحية
"طلقني"
انعقد فمه دهشة، يحاول استيعاب الكلمة التي باغتته كالسهم في صدره، ثم تذكر أن هذا بات شأنها في الأيام الأخيرة.
قال متوسلًا بصوت مشوب بالعجب
"يا حبيبتي، ده أنا لسه ردك علي ذمتي من قريب، مبقالناش حتي شهر، عملتلك إيه يخليكي تقولي كده؟"
ظلت تحدق فيه بصمت للحظات، قبل أن تذرف دموعها فجأة.
فهب نحوها، جثا على ركبتيه أمامها، قبض على يدها بحنان، ومسح دموعها براحة يده الأخرى، وقال برفق يقطر قلق
"مالك بس يا حبيبتي؟، بتعيطي ليه؟!، حد زعلك؟ أنا زعلتك في حاجة؟"
فأجابته من بين دموعها، بصوت واهن كأنها طفلة ضائعة
"مش عارفة إيه اللي بيجرالي يا كنان، مرة أحس بخوف من غير سبب، ومرة تانية أشتاقلك أوي ونفسي ما أسيبكش لحظة، وفجأة أبقي مش طايقاك خالص، ولا طايقة أشوف وشك، ولا حتى أشم ريحتك"
تفطن إلى حالتها النفسية، فلم يجد إلا أن يضمها إلى صدره، يحتضنها برفق ويُربت على ظهرها علّها تهدأ، غير أنها بدل أن تستكين، دفعته عنها بعنف وهرولت إلى الخارج لتدخل الحمام.
لحق بها مسرعًا، فوجدها تُفرغ ما بجوفها في المرحاض.
وحين نهضت واعتدلت، إذا به يمدويده إليها، فتح صنبور الحوض وأمسكها برفق يغسل وجهها بيده.
غير أنها ابتعدت عنه بنفور، وضغطت أنفها بأصابعها قائلة في ضجر ممزوج بالاشمئزاز
"ابعد عني، ريحتك بتقلب معدتي"
تملكته الحيرة، فأخذ يشم قميصه القطني، وقال بتعجب
"أنا قبل ما أنام استحميت، وحاطط مزيل وپيرفيوم كمان"
رمقته في ضيق، وردت بصرامة
"هو البيرفيوم بتاعك اللي قلب معدتي، متحطوش تاني"
في لحظة لم يتردد، نزع قميصه القطني عن جسده، فبان جذعه عاريًا كلوحة محفورة بالرجولة، ثم قذف بالقميص داخل سلة الملابس المتسخة.
التفت إليها قائلًا بابتسامة مشوبة بالرضا
"تمام كده يا حبيبتي؟، لو عايزاني أقلع البنطلون كمان ماعنديش مانع، المهم تبقي مرتاحة"
حينها لم تستطع كبح ابتسامتها، وظلت تحدق فيه بعينين تفيض عشقًا، وقلبها يرقص من السعادة والطمأنينة، فقد أيقنت أنه، في كل موقف يُثبت لها أنه تبدل حقًا، وأن حبه لها بات أصدق وأنقى من ذي قبل.
تحولت ابتسامتها الوديعة إلى نظرات أخرى مشوبة بالشغف، وعيناها تجولان بوله على تضاريس جسده المنحوت؛ من صدره العريض وعضلات بطنه المشدودة، إلى منكبيه الراسخين وذراعيه المفتولتين.
ورغم ما ينوء به من أعباء العمل ومسؤوليات البيت والأسرة، لم يهمل نفسه قط، بل ظل يحافظ علي لياقته الجسدية، كفارس لا يُسلم سيفه للصدأ.
كانت تحدق فيه كأنما تراه لأول مرة، تتأمل تفاصيله بعين مبهورة، ثم خطت إليه بخطوات مترددة، ووضعت كفيها المرتجفتين على عضلات صدره المتينة. كتم ابتسامته وهو يرقبها، فهو يعرف حالتها المضطربة التي تصيبها هذه الأيام.
قالت وهي تبتسم بعذوبة غامرة
"أنت كل مرة بتبقي قمر عن الأول يا كينو؟"
ردد بتعجبٍ حائر
"كينو؟!"
ابتسمت، ومالت برأسها بخجل دافئ، ثم همست
"بدلعك يا حبيبي، ولا مش عاجبك الاسم يا حبيبي؟"
هز رأسه مبتسمًا
"لاء طبعًا عاجبني، بس ياريت يفضل بيني وبينك بس"
لكنها كأنها لم تسمعه، إذ كانت غارقة في أسر دوامة عينيه، تحاصر عنقه بذراعيها، وتبوح في لحظة صفاء ممزوجة بندم طفولي
"أنا إزاي أقولك طلقني؟!، إزاي عايزة أسيب حبيبي القمر المسكر ده وأبعد عنه؟!، أنا حمارة"
ضحك بخفوت يخفي حرصًا على قلبها، ورد
"ما تقوليش على نفسك كده يا حبيبتي، أنا عارف إن هرمونات الحمل المتقلبة عندك هي اللي بتخليكي كل شوية تطلبي الطلب السخيف ده"
اقتربت بشفتيها من عنقه، تنفست قرب جلده، فتسارعت أنفاسه.
همست بصوت مبحوح بالحب والذنب
"شوفت طلع عندي حق لما قولت على نفسي حمارة؟!، إزاي أسيب جوزي حبيبي وأبو ولادي!، أنت ممكن تعملها يا كينو؟!"
ابتلع ريقه وأجاب في حسم لا يقبل الجدال
"لاء يا حبيبتي، عمري ما هعملها حتى لو طلبتيها بجد"
نظرت في عينيه بعينين زائغتين من الهيام، وسألته
"للدرجدي بتحبني؟"
ابتسم وهو يرد بحنو
"إنتي شايفة إيه في عيوني؟"
قالت في انخطاف
"شايفة نفسي جوه عيونك وحاسة بدقات قلبك"
ثم طبعت قبلة على عنقه وتابعت
"وحاسة بكل نفس بتتنفسه"
انجذبت شفتاها إلى شفتيه، وما لبثت أن انتقلت من وضع الفاعل إلى مفعول به في معادلة العاطفة، و إذا به يرفعها بين ذراعيه، فارتفعت قدماها عن الأرض وحملها بخفة وحنو إلى غرفتهما.
ألقاها على الفراش رويدًا رويدًا، حتى استلقت على ظهرها وهي ما تزال متشبثة بعنقه.
وفي تلك اللحظة، دوى رنين الهاتف من غرفة المكتب كجرس يقطع الوصال.
التفت ناحية الصوت
"مين اللي بيتصل في وقت متأخر؟!"
كاد ينهض، لكنها أمسكت به بعناد
"رايح فين؟!"
قال وهو يحاول أن يفلت منها برفق
"هاروح أشوف مين اللي بيتصل، شكله تليفون مهم"
صرخت برجاء متشبث
"لاء مش هتروح، اللي يتصل يتصل، أنت مش هتتحرك من جمبي"
ابتسم محاولًا إقناعها
"يا حبيبتي ثواني بس، يمكن يكون حد من الشركة عندي"
لكنها انتفضت فجأة، ودفعته حتى تمدد على الفراش مكانها، وقالت باصرار
"مش هترد يعني مش هترد، أنا أهم من شغلك وشركتك ومن أي حد"
ثم صعدت فوقه، ثبتت ذراعيه على جانبيه، دنت منه وأطلقت صوت يقطر أنوثة وفتنة، أشعل في جسده نيران العشق المتوهجة
"الولاد قاعدين عند تيتا لبكرة، والناني معاهم، يعني مفيش حد غيرنا هنا، وأنت ملكي أنا، يا سبب كل اللي أنا فيه"
عقد ما بين حاجبيه، يسألها بابتسامة ماكرة
"طيب ده أعتبره إغراء ولا لوم وعتاب؟"
قوست شفتيها وردت بخفوت مثقل بالوجد
"مش عارفة"
فأطلق ضحكة صغيرة وقال بدهاء ظاهر
"بس أنا عارف، وهعرفك دلوقتي"
هيهات وقد انقلب المشهد، فإذا بها تحت قبضته، وهو فوقها يفيض عشقًا، يطلق مشاعره لتتحد مع مشاعرها.
كم يحب هذه الحالة التي تداهمها الآن، إذ تغدو أسيرة هواه، سجينة محراب عشقه، تتلقى منه سيلًا من الكلمات والأفعال التي تذيبهما معًا في بوتقة واحدة، وتبًا لتلك الأفعال التي تجعل منه في حضنها عاشق مجنون، لا يرى في الدنيا سواها.
❈-❈-❈
عادوا جميعاً إلى الديار، وكانت في عينيها نظرة شاردة كأنها تحمل على كاهلها جبال من الأوجاع.
وما إن لامست عجلات السيارة عتبة قصر عائلة البحيري حتى ألتفتت إلى زوجها، بصوت خفيض لكنه نافذ وقالت
"من فضلك خلي السواق يوديني على قصر بابا، أنا محتاجة أبقى لوحدي مش عايزة أشوف حد"
تصلبت ملامحه بالرفض، وكأن قلبه يأبى أن يتركها تواجه وحدتها، رغم وجود الحرس والخادمة المقيمة التي تعكف دوماً على تنظيف أركان القصر.
همّ أن يجادلها لكن قصي قال له بحزم مشوب بالحنان
"اسمع كلامها يا يونس، سيبها تعمل اللي هي عايزاه"
رضخ يونس مرغماً، غير أن روحه لم تطاوعه أن يبتعد.
تركها تصعد إلى القصر العتيق، قصر رسلان العزازي، لكنه أبى أن يغادر.
جلس في البهو الكبير متخفياً عن عينيها، وأوصى الخادمة أن ترعاها بعين اليقظة.
دخلت هي إلى غرفة أبيها الراحل، وما إن وطئت عتبتها حتى امسكت صورته، تضمها إلى صدرها كما يضم الطفل لعبته، وانهمرت دموعها كالسيل المنهمر، تصرخ بألم مكتوم
"واحشني أوي يا بابا، ياريتك كنت لسه عايش، كنت اترميت في حضنك إنت يا حبيبي، أنا تعبانة أوي يا بابا مش قادرة أستحمل اللي حصلي، نفسي أجيلك وارتاح"
لقد أنهكتها التجربة المريرة خطف وتهديد، إذلال وتعذيب نفسي وجسدي، تركتها جريحة الروح، أسيرة لاضطرابٍ يفتك بعقلها الرافض للواقع.
كل ما مر بها يتلاطم في ذاكرتها بين لحظات طفولة بريئة في القصر، وأخرى مغموسة بالوجع والخوف.
وفي الأسفل، خرجت الخادمة تحمل صينية الطعام، فتلقاها يونس بقلق ملح
"هاتيها أنا هاطلع أطمن عليها وأدخلهالها"
صعد درجات السلم بخطى مثقلة، حتى بلغ الرواق المؤدي إلى غرفة والدها، ومن ورائه خيوط البكاء المنبعثة كأنين ناي حزين.
طرق الباب برفق، فجأة صوتها المرتجف، غاضباً ممزوج بالدموع
"مش قولتلك ماتطلعيش ولا تخبطي؟!، مش عايزة أشوف حد إنتي ما بتفهميش؟!"
فتح الباب متردداً، ودخل بخطوات يعلوها الشجن، وصوته يختنق بحرقة
"حتى أنا كمان مش عايزة تشوفيني؟"
أدارت وجهها بعيداً، تتهرب من لقاء العيون، ومنحته ظهرها وهي تقول برجاء متقطع
"أرجوك يا يونس، سيبني لوحدي"
ترك الصينية فوق الطاولة القريبة، واقترب من معشوقته التي غدت كطيف مثقل بالهموم.
وقف خلفها، تتقاذفه مشاعر الذنب، يظن أنها تلومه لعجزه عن إنقاذها طوال أسابيع اختطافها، فقال بصوت متهدج
"مش عايزة تبصي لي ليه؟، أنا كنت زي المجنون دورت عليكي في كل مكان، عملت تنويه وجايزة للي يوصل ليكي أو يجيبلي الحيوان اللي خطفك"
أجابته بنبرة منهكة، حروفها كأنها تنهار
"أنا لا زعلانة منك ولا بلومك، بس أنا فعلًا محتاجة أقعد لوحدي"
تقدم نحوها وكاد أن يمسك بعضديها، فإذا بجسدها ينتفض لا إرادياً، صعق لرد فعلها، وتكسر قلبه حين لمح آثار القيود الغائرة في معصميها.
همس في ألم مكبوت
"مش عايزاني ليه أقرب منك؟، ولا ألمسك؟، هو.... "
أثر الصت، فكان السؤال الموجع يتردد في رأسه، سؤال يخشى حتى التفكير فيه، بينما هي قرأت ما في عينيه، فأجهشت بالبكاء و انهارت على الأرض، ساقاها تأبيان حملها، تبكي وتصرخ كطفلة تُساق إلى المجهول.
انحنى إليها، عانقها رغماً عن ارتجافها، ضمها بكل قوته كمن يتمسك بخشبة نجاة وسط الغرق، وهمس وهو يمسح على رأسها المرتجف
"ما تخافيش أنا جمبك يا كارين، حبيبتي اهدي بالله عليكي، بالله عليكي ماتعيطيش"
جذبها إلى صدره، وقد خانته دموعه هو الآخر.
بكى في صمت، بكاء رجل مكلوم على حال زوجته، وهي قلبه الذي يخفق به في هذه الدنيا الزائلة.
ولقد أيقن في تلك اللحظة أنه لو ملك كل الدنيا وما فيها، لباعها راضياً في سبيل أن يرى ابتسامتها تعود، ولو لمرة واحدة.
❈-❈-❈
أشرقت شمسُ اليوم التالي، وقد انبثق نورها الذهبي من بين ستائر الغرفة لينثر خيوطه على وجهها المتقلب بجوار زوجها الغارق في سباته العميق.
صدح رنين منبه الهاتف، ارتجف السكون واهتز هدوء اللحظة، فمدت يدها بخفة لتغلقه، فتحت درج الكومود الصغير أمامها، وأخرجت منه شريط حبوب منع الحمل.
بقيت تحدق فيه بعينين يملؤهما التردد، بدا الشريط بكامل هيئته، لم تُنتزع منه حبة واحدة، فنهضت فجأة وألقته في سلة المهملات، ثم عادت إلى موضعها بجوار زوجها بعد أن أرسلت نحوه نظرة عابرة امتزج فيها شيء من الحنو وشيء من الاضطراب.
تمددت إلى جواره، فاستدار في نومه ومد ذراعه ليحتويها في عناق دافئ، بينما هي توليه ظهرها، تكاد أن تغمض جفنيها حينما اهتز الهاتف من جديد، فعلمت أنها مكالمة هذه المرة.
التقطته على عجل، وألقت نظرة إلى الشاشة، فإذا باسم المتصلة فجر.
فجر تلك الفتاة التي شاركتها أيام الكلية، والتي تورطت يومًا في علاقة بشاب ثري مدلل اعتاد أن يمد يده إلى كل ما تهواه نفسه، حتى قلوب الفتيات.
أحبته لكنها لم تحتمل البقاء طويلًا بعدما تبين لها طريق الضياع الذي يسلكه؛ إذ كان غارقًا في المخدرات، ثم انساق خلف أستاذ جامعي ماجن نفث في عقله سموم الإلحاد والتجرد من العقائد، فغدا عدو لكل دين وقيمة.
سعت فجر بصدق أن تنتشله من ذلك الجرف السحيق، أن تعيده إلى الهداية والتوبة لكنه أبى واستكبر، وحين سئمت محاولاتها تركته.
هنالك جن جنونه، وأقسم ألا يتركها لقدرها، صار يلاحقها في كل مكان، حتى ضاقت الأرض عليها بما رحبت.
ولما أرادت أن تردعه، أعلنت له أنها ستخطب قريبًا لرجل آخر.
لكنه لم يتحمل وقع الخبر، فالهوس كان قد ملك قلبه وسيطر على عقله، وأصبح من المستحيل أن يتخيلها زوجة لغيره.
وفي لحظة جنون غادرة، عاجلها بطعنة غائرة، قاصدًا إنهاء حياتها.
غير أن عناية الله سبقت، فشاهدت الجريمة خديجة، وسرعان ما جاءت سيارة الإسعاف، وحملت فجر بين أنياب الموت إلى المستشفى، فانتُشلت من حافة الفناء بمعجزة.
حينها لم تقف أسرة الجاني مكتوفة الأيدي، فأرسلوا محاميهم إلى خديجة، يساومونها بالمال لتنكر شهادتها، أو لتتراجع عن قولها.
لكنها رفضت بعزيمة لا تلين، وأصرت أن تقول الحق مهما كان الثمن.
ولما علم آدم بالأمر، واجهها بقلق ظاهر وأمرها أن تبتعد عن تلك المشكلة حتي لا تتأذي.
فأجابته بعناد رزين بالرفض و أنها لم تكتم شهادة الحق.
تأهب قلبه خوفًا عليها، لكنها لم تُعر تهديد الخطر بالًا.
وفي اليوم الذي عزمت فيه على الذهاب للنيابة لتدلي بشهادتها، ترصدها من وُكّل لردعها.
انطلقت رصاصة غادرة نحوها، وفي اللحظة الفارقة انبثق آدم من حيث لا تدري، فدفعها بجسده، واستقر الرصاص في كتفه عوضً عنها.
ومنذ ذلك الحين، انقطعت كل صلات خديجة بصديقتها فجر.
ما زال الهاتف يهتز بالاتصال إلحاحاً، حتى عقدت العزم على الإجابة.
أبعدت ذراع زوجها عن جسدها بحذر، خشية أن يستيقظ من سباته، ثم نهضت بخطوات وئيدة، والتقطت الهاتف بيد مرتجفة، وغادرت الغرفة نحو الشرفة حيث ينساب نسيم الصباح.
وضعت الهاتف على أذنها وقالت بصوت خافت
"ألو يا فجر؟"
غير أن الصوت الذي جاءها من الطرف الآخر لم يكن صوت صديقتها، بل صوت أنثوي متهدج بالأسى
"ألو يا خديجة، أنا مامت فجر، معلش يا حبيبتي، اتصلت بيكي الصبح بدري"
ابتسمت خديجة محاولة إخفاء قلقها
"أهلاً وسهلاً يا طنط، ولا يهمك، أنا كده كده كنت صاحية، فجر عاملة إيه؟"
أجابت الأم بلهجة تحمل مزيجاً من الرضا المرير والخذلان
"الحمد لله على أي حال، صحتها اتحسنت وخرجت من المستشفى من عشر أيام"
ثم سكتت برهة، كأنها تبتلع غصة في حلقها، قبل أن تتابع بآهة ثقيلة
"بس بنتي يا خديجة، بنتي بتضيع مني، وأنا مش عارفة أنقذها من اللي عايزة تعمله في نفسها"
تسارعت أنفاس خديجة وارتسم على وجهها قلق جلي
"حصلها إيه،؟ مش هم خلاص سجنوا باسم بعد ما فرغوا الكاميرات وقدروا يثبتوا إنه الجاني؟"
ردت الأم بمرارة
"ياريت الموضوع كان خلص على كده وبس، أنا عشان مطولش عليكي، ممكن لو ظروفك تسمح تعدي علينا النهارده محتاجاكي ضروري"
ترددت خديجة، وألقت نظرة خاطفة إلى السرير حيث كان آدم يتقلب، وكأنه على وشك الاستيقاظ.
غامت نظرتها بتردد، لكنها سرعان ما سمعت نداء الأخرى
"ألو؟ ألو؟"
"معاكي يا طنط… تمام، هاجي بإذن الله النهارده، هكلم حضرتك أول ما أركب العربية"
"تمام يا حبيبتي، هستناكي"
وبعد تبادل السلامات، أنهت خديجة المكالمة قبل أن يستفيق زوجها.
تسللت إلى الغرفة على أطراف قدميها، لكنها ما لبثت أن تراجعت خطوة حين وجدت الفراش خالي.
وفجأة، دوى صوته من خلفها
"كنتي بتكلمي مين في البلكونة؟"
شهقت بفزع، والتفتت إليه بملامح يعلوها التوتر والخوف.
كانت تخشى أن تفصح عن اسم فجر أمامه؛ يكفي ما مر به بسببها وبسبب باسم الذي كاد أن يفتك بها.
فالتفتت عنه متعمدة، وأعطته ظهرها لتتهرب من عينيه، قائلة بارتباك
"دي… دي واحدة صاحبتي، كنت كلمتها من يومين وقولت لها تبقى تصورلي الملازم والمحاضرات اللي فاتتني، واتفقنا إني هقابلها وأخدها منها"
اقترب منها بهدوء، وعانقها من الخلف قائلاً بصوت دافئ
"ممكن تستنيني لما أرجع من مشوار النيابة، هاجي أخدك وأوصلك بنفسي ونرجع سوا"
التفتت إليه، محاولة إخفاء قلقها بابتسامة متكلفة
"لاء يا حبيبي، روح إنت براحتك، أنا هخلي عم شكري يوصلني ويرجعني، وأصلاً وأنا راجعة هعدي على كارين بعد ما تخلص تحقيق النيابة، صعبانة عليا أوي ربنا يقويها وينسيها اللي حصل معاها"
قبض على كفه بغيظ وهو يزمجر
"كل ما أفتكر اللي حصل لها وكان ممكن المجرم ده يأذيها أو لا قدر الله يقتلها دمي بيتحرق، كان نفسي الكلب ده يبقى عايش وإحنا اللي نخلص عليه بإيدينا"
ربتت على كتفه بلهجة مهدئة
"قدر الله وما شاء فعل، الحمد لله كان ابتلاء وعدى، وهو عشان كان عارف وواثق هتعملوا فيه إيه انتحر، يعني عاش مجرم وقاتل ومات كافر، ربنا يعافينا يارب"
هز رأسه مستسلماً
"تمام يا حبيبتي، هدخل آخد شاور وخليهم يعملولي فنجان قهوة، وإنتي حضريلي طقم على ذوقك أروح بيه المشوار"
ابتسمت بخفة، وأشارت إلى عينيها
"من عيوني الاتنين"
أعطاها قبلة سريعة وقال بحنان
"تسلملي عيونك"
اتجه إلى الحمام، وما إن غاب عن ناظرها حتى تنفست الصعداء، لكن ملامحها انقلبت فجأة إلى حزن وضيق، تذكرت الكذبة التي تفوهت بها منذ قليل، فرفعت يديها هامسة بخشوع
"أستغفر الله العظيم وأتوب إليك، سامحني يا رب، مكنتش عايزة أكذب يا رب سامحني"
❈-❈-❈
في غرفة الزيارات داخل السجن، حيث الجدران الباردة تصطف صامتة كأنها شهود عيان على كل ما يقال ويخفى، جلس المحامي إلى جوار والد باسم، ذلك الوكيل العابس الذي بدت على محياه قسوة السنين وغلظة الطبع، ينتظران خروج باسم، الابن الذي حمل عنهما أثقال الخيبة ومُرّ العاقبة.
وما إن أطل الشاب من وراء الأبواب الحديدية حتى توهج المكان بمزيج من المرارة والانتظار، وكأن اللقاء ساحة صراع لا مجلس مودة.
ما إن جلس باسم أمامهما حتى انطلقت الكلمات من فيه بمرارة حادة
"كويس إنك لسه فاكر ليك ابن تسأل عليه"
فانفجر والده بغضب، وصوته يجلجل كصاعقة في هواء خانق
"شوف الواد وبجاحته!، أنا لولا أمك اللي بتموت من ساعة ما أنت اتسجنت، مكنتش عبرتك، كنت سيبتك مرمي هنا لحد ما تتربى وتتعلم الأدب"
ضحك باسم ضحكة مشوبة بالسخرية، تحمل مزيجاً من الألم والاستخفاف
"طول عمري مش فارق معاك ولا كأني ابنك"
هنا تدخل المحامي مسرعاً، وقد نهض واقفاً كمن يريد إخماد حريق اندلع فجأة، وقال بصوت متزن متوسل
"اهدى يا باشا، ما ينفعش اللي بتعملوه ده خالص، وبعدين إحنا جايين لباسم بيه عشان نفرحه، مش عشان نزعله"
انتبه باسم إلى ما قاله المحامي، فتعلقت عيناه بوجهه القريب، وسأله بشغف ممزوج بالترقب
"قصدك إيه؟"
ألقى المحامي نظرة سريعة على الأب، ثم أعاد عينيه إلى باسم، وقال بنبرة مفعمة بالثقة
"إحنا جايين نطمن عليك، ونقولك ما تقلقش، كلها إجراءات بسيطة وهاتطلع "
انتفض باسم، وصاح بلهفة لم يستطع كبحها
"بجد؟!"
ابتسم المحامي ابتسامة واثقة، وقال في يقين لا يعرف التردد
"وإحنا من إمتى وإحنا بنهزر يا باسم بيه؟"
ازدادت نظرات باسم بحثاً عن الحقيقة، فقال بصوت يحمل ظلال الشك
"طيب… هايحصل إزاي؟، إلا لو فجر سامحتني واتنازلت عن القضية"
أجابه المحامي بابتسامة واثقة أشبه باللغز
"إزاي دي بقى، هاتعرفها في اليوم اللي هاتخرج فيه، المهم كل اللي طالبينه منك إنك ما يكونش ليك دعوة بحد من المساجين، ولا تحتك بأي حد فيهم، مش عايزين أي شغب، لحد ما تطلع لنا بالسلامة"
هز باسم رأسه مطمئناً، وقال بصوت رزين عكس خصاله الهوجاء
"ما تقلقش يا متر، من غير ما توصيني، أنا فعلاً مليش دعوة بحد هنا"
❈-❈-❈
في سراي النيابة، حيث الجدران العالية تتدثر بالرهبة والوقار، جلست كارين تنتظر أمام غرفة وكيل النيابة، وحولها من الوجوه ما يزيد الصدر ثقل وما يبدده عزاء.
جوارها زوجها وإخوته جميعاً ما عدا يوسف، وأمامها من جآوا إليها كالسند في لحظة انكسار، علياء وصبا وملك تتصدرهن السيدة چيهان، التي حملت في نظرتها حكمة السنين وحنان الأم.
خرج المساعد فجأة من باب الغرفة، ونادى بصوت رتيب
"كارين رسلان العزازي"
قبضت كارين على يد چيهان في توتر، فربتت الأخيرة على أصابعها المرتجفة، وهمست إليها كأم تواسي ابنتها
"ما تخافيش وخليكي قوية"
هزت كارين رأسها بعينين زائغتين، غارقتين في بحر من التشتت والرهبة، ثم التفتت نحو قصي، وقد أدرك الأخير من نظرتها أنها ترجوه أن يكون رفيقها في الداخل.
تقدم خطاه نحوها على الفور، تحت عيون يونس الذي أوشك أن يشتعل غيظاً من ذلك التجاهل الموجع.
فمنذ الأمس وهو يلازمها كظلها، يمنحها دفء الطمأنينة بعناق صادق وكلمات عذبة يسقي بها قلبها المكلوم، ومع ذلك لم يقع اختيارها إلا على قصي.
دخلت كارين قاعة التحقيق، وجلست في مواجهة وكيل النيابة.
تبادلا التحية الرسمية، ثم أشار لها بالجلوس، وسألها بصوت حازم يحمل مزيج من الجدية والرأفة
"اتفضلي يا مدام كارين، احكيلنا كل حاجة حصلتلك من أول معرفتك بمهند عبدالرحمن لحد ما انتحر"
رفعت بصرها المرتبك نحو قصي، فالتقت عيناهما كأنهما جسر أمان ممتد، وقد أومأ إليها إيماءة واثقة، كأنما يقول لها دون أن ينطق، اسردي بكل أريحية فأنا إلى جوارك يا صغيرتي.
فأخذت نفس متقطع، ثم بدأت تسرد الحكاية؛ حكاية بدايتها الخداعة حين تسلل مهند إلى حياتها بوجه زائف تحت ستار العمل، بينما كانت هي الغاية والهدف.
روت كيف تكشف قناعه شيئاً فشيئاً، حتى انتهى الأمر باختطافها، وما عانته من أهوال تُفتت القلب كلما عادت لخيالها.
وحينما غلبتها الذكرى، انهمرت دموعها رغماً عنها، وارتعشت يداها، بل ارتجف جسدها بأسره، فتركها وكيل النيابة حتى هدأت، ثم استأنفت السرد مرة أخرى، حتى أفرغت في حضرته ما يثقل صدرها.
وبعد زمن بدت فيه الدقائق أثقل من السنين، خرجت كارين ها قصي.
وما إن ظهرت حتى تقدمت السيدات نحوها، تتصدرهن چيهان التي فتحت ذراعيها، فانهارت كارين بين أحضانها، وبكت بكاء مُر كأنما تذرف ما تبقى من خوف وحزن دفين.
اقترب يونس من قصي، وصوته يلهث بقلق
"قالكم إيه وكيل النيابة؟"
أجابه قصي بهدوء لافت
"كارين حكت له كل حاجة ما تقلقش، هو كان مجرد إجراء روتيني عشان الموضوع يتقفل، خصوصاً بعد ما الـ… موت نفسه"
تردد يونس، وصراعه الداخلي يعصف به، ثم اقترب أكثر وسأل بصوت خافت بالكاد يُسمع
"قصي… أنت لما روحت تنقذها، هو الواد ده عمل فيها حاجة؟"
أدرك شقيقه مرمى السؤال، فابتسم ابتسامة وادعة تُخفي حزن وشجن، وقال بثبات
"بص يا يونس، أنا فاهم وعارف إنك متضايق من تجنبها ليك، وإن دماغك راحت للي أنا فهمته من سؤالك، بس عايزك تطمن هو ما جاش جنبها ولا لحق يعمل حاجة، أنا أنقذتها قبل أي كارثة، هو كان خاطفها عشان يسافر بيها بره ويتجوزها، ده واحد دماغه ضايعة، كان متصور إنها هترضى بالأمر الواقع وتسمع كلامه، بس مراتك طلعت بميت راجل، كفاية إنها حاولت توصلنا، وخلت إنقاذها ممكن قبل ما يحصل لها أي أذى لا قدر الله أو كان عرف يسافر بيها برة مصر، كان الموضوع هيبقي صعب جداً"
تنفس يونس الصعداء، وكأن حمل ثقيل انزاح عن صدره، ثم قال بصوت متهدج يخالطه الحزن
"معلش اعذرني، أنا قلبي واجعني عليها، ومش عارف أتعامل معاها إزاي، مستعد أتحمل منها أي رد فعل بس نفسي أشوفها بتضحك تاني"
ربت قصي على كتف شقيقه بحنو ممزوج بالصلابة
"هترجع… وهترجع أحسن من الأول إن شاء الله، دي مسألة وقت مش أكتر، غير كده هي محتاجة تزور ثيرابيست أو دكتور نفسية يساعدها تتجاوز اللي عاشته"
ثم اجتمعوا جميعاً عند باب السراي استعداداً لمغادرة هذا المكان الموحش، صعدوا إلى سياراتهم، وتفرق كل واحد منهم إلى وجهته.
❈-❈-❈
بلغت خديجة عتبة بيت صديقتها فجر، والنهار يتهادى في أرجاء الحي، كأن أشعته تغسل الأرصفة بمسحة من ذهب خافت.
وما إن قرعت الباب حتى أطلت والدة فجر بوجه يجلله الوقار، فرحبت بها ترحيب دافئ، كأنها تستقبل ابنة ثانية في رحاب دارها.
قادتها إلى الردهة حيث تتناثر مقاعد وثيرة كأنها تعانق الجالسين، وتظللها ستائر خفيفة تنفذ منها خيوط الضوء، فيرسم النهار لوحة شاحبة على الجدران.
ابتسمت الأم قائلة بصوت تحاول أن تجعله مرحاً، وإن خانته نبرة مثقلة بالهم
"تحبي تشربي إيه؟، ولا أقولك ده ميعاد الفطار، أنا هاروح أحضرلك فطار من إيدي هايعجبك أوي"
بادلتها خديجة ابتسامة شاكرة، وأجابت بلهجة ملؤها الامتنان
"تسلمي يا طنط، ما تتعبيش نفسك، أنا فطرت قبل ما أجي لحضرتك، المهم طمنيني على فجر، هي صاحية أدخل لها؟"
تنهدت السيدة وجلست في الكرسي الملاصق لخديجة، وانطبع الحزن على محياها كغيمة سوداء تحجب نور الأمل، ثم قالت بصوت تخلله الأسى
"هي في كل حال ما بتخرجش من أوضتها غير على الحمام بس، بنتي من ساعة ما رجعت من المستشفى وهي منعزلة، مش عايزة تشوف ولا تسمع حد خالص، لدرجة خوفت لتعمل في نفسها حاجة، خصوصاً لما أبو الولد اللي اسمه باسم، ربنا ينتقم منه هو والمحامي بتاعهم كانوا هنا إمبارح"
شهقت خديجة باندهاش عاتب، وألقت بسؤالها وكأنها تكشف الستار عن حقيقة خفية
"طبعاً جايين عشان يخلوا فجر تتنازل عن القضية وعرضوا عليكم فلوسهم؟"
أطرقت الأم بعينين دامعتين وقالت بمرارة
"ياريت... على الأقل كان يبقى أخرتها رفض، واللي عندهم يعملوه، تسجيلات الكاميرا أثبتت عليه الجريمة خلاص"
ازدادت حيرة خديجة، فمالت بجسدها نحو السيدة، تسألها بلهفة
"أومال حصل إيه؟"
سكتت الأم لحظة، وانفرجت ذاكرتها كأنها شريط سينمائي يُعرض أمام عينيها، فإذا بها تعيش من جديد وقائع الأمس القريب
«مشهد من الأمس»
في جو مشحون بالترقب والضبابية، جلست أم فجر على مقعد خشبي قديم يئن تحت وطأة جسدها ووطأة القلق الذي ينهش قلبها، فإذا بصوتها يخرج صارماً كالسيف
"طالما إنكم مش عايزين بنتي تتنازل عن القضية، جايين عايزين إيه؟"
ابتسم والد باسم ابتسامة متكلفة، غلفها التصنع وأثقلها التعالي، وقال بنبرة متزنة من الظاهر، متغطرسة من الباطن
"عايزين القُرب يا أم فجر"
رمقته بنظرة نارية، تسلل منها الاستهجان والاستهزاء، وقالت مستفهمة بحدة
"قُرب من مين إن شاء الله؟"
اعتدل في جلسته، ورفع رأسه كمن يعلن نصراً وشيك، ثم أجاب بثقة متعجرفة
"أنا جاي أطلب إيد الآنسة فجر لابني باسم على سنة الله ورسوله"
شهقت المرأة شهقة كادت تخنق أنفاسها، وضربت بكفها على صدرها في حركة غريزية، ثم نهضت كالعاصفة، وصاحت بصوت ارتجفت منه الجدران
"نعم؟!، إنت عايز بنتي تتجوز ابنك المجنون؟!، اللي عشان سابته وبعدت عنه، راح طعنها بالمطواة وكان عايز يموتها وربنا نجاها بأعجوبة وقامت بالسلامة؟!، أروح أنا أسلمها لإبنك المجرم عشان يخلص عليها المرة دي؟!"
تدخل المحامي الذي كان يجلس إلى جوار والد باسم، محاولاً تهدئة الموقف، فقال بنبرة وادعة
"اهدي يا مدام أم فجر... الباشا عرف كل حاجة من ابنه، وعارف قد إيه هما بيحبوا بعض، واللي حصل ده كان نتيجة غيرته عليها لما عرف إنها هتتخطب لواحد جاركم على ما أعتقد"
رفعت المرأة حاجبيها، والشرر يتطاير من عينيها، ثم ردت بعناد لا يلين
"وأنا بنتي ما كانتش بتخبي عني أي حاجة، وهي بعدت عن باسم لما لقته مدمن وأعوذ بالله بقى كافر"
كأن الكلمة وخزت كرامة والد باسم، فانتفض صارخاً
"مين ده اللي كافر يا وليه إنتي؟!"
لكن المحامي عاجله بنظرة حادة تأمره بالصمت، فإذا بأم فجر توبخه بلسان لاذع
"ولية في عينك، قاعد في بيتنا وبتغلط فيا؟!، أنا ما شوفتش بجاحة أكتر من كده"
حاول المحامي احتواء الموقف مجدداً، قائلاً باعتذار خافت
"حقك عليا أنا يا ست أم فجر... الباشا ما يقصدش، هو برضه في النهاية أب، ومش ها يستحمل كلمة كده ولا كده على ابنه"
أشاحت بيدها في غضب، وقالت بحسم قاطع كالسيف
"وأنا ما غلطتش في المحروس ابنه و لا الحقيقة بتزعل!، على العموم كلامي خلص معاكم، مش عايزين حاجة غير القانون هو اللي يحكم ويجيب حق بنتي، وبالنسبة لموضوع الجواز طلبكم مرفوض يا باشا، وياريت تتفضلوا "
لكن صاعقة مدوية هبطت على الجميع، حين انطلق صوت ناعم لكنه ثابت
"بس أنا موافقة يا ماما"
كان صوت فجر، التي خرجت لتوها من حجرتها، تحمل ملامحها شحوباً وقرار صادم، ألقت كلمتها كالرعد على مسامع والدتها.
❈-❈-❈
عودة إلى الحاضر...
كانت خديجة تجلس إلى جوار والدة صديقتها، تستمع بكل جوارحها إلى هذا السرد الموجع عن زيارة الأمس، وعن الموافقة المفاجئة التي خرجت من فم فجر.
كانت كلمات المرأة كالسكاكين تغرس في وعيها، حتى كادت تفقد القدرة على التصديق.
نهضت خديجة متوجسة، وقد عقد الدهشة حاجبيها، ثم سألت بصوت يتهدج
"هي فين أوضتها؟"
أجابت المرأة بصوت خافت، يختلط فيه التعب بالخذلان
"آخر أوضة في الطُرقة"
ذهبت خديجة بخطى مترددة، يسبقها قلبها المثقل بالهم، وطرقت الباب طرقات خفيفة، فجاءها الرد من الداخل بصوت متعب متهدج، ظنت الطارق والدتها
"عايزة مني إيه يا ماما؟، قولتلك مليش نفس أفطر"
دفعت خديجة الباب ببطء، وما إن انفرج حتى بدا وجه فجر الشاحب أمامها.
رمقتها بعينين متسعتين من الدهشة، كأنها لم تتوقع حضورها، ثم سرعان ما فطنت السبب، فأشاحت بنظرة باردة توحي باللامبالاة.
ابتسمت خديجة ابتسامة متحجرة، وقالت وهي تحاول الاقتراب منها
"حمد الله على سلامتك يا فجر"
مدت ذراعيها لتعانقها، غير أن الأخرى اكتفت بمد كفها في مصافحة فاترة، فارتسم الحرج على ملامح خديجة، وسرت في قلبها غصة خفية.
جلست لحظات تتأمل صديقتها، فإذا بها ترى وجهًا آخر غير الذي عرفته من قبل؛ ملامح مغايرة قاسية، كأن المحنة قد أعادت تشكيل قسماتها، لتطل أمامها فجر أخرى.
قالت الأخيرة بنبرة جامدة
"لو إنتي جاية عشان تطمني عليا، يا أهلاً وسهلاً بيكي، لكن لو ماما اللي كلمتك وحكتلك عن زيارة إمبارح، وإنك جاية عشان تقنعيني أرفض جوازي من باسم، يبقى ما تتعبيش نفسك لأني مهما اقنعتيني برضه موافقة"
لم تُبد خديجة تراجعاً، بل جلست على الكرسي المقابل، ثم قالت بجدية مفعمة بالإخلاص
"أنا وجودي هنا واجب، لما ألاقي الناس اللي بحبهم في مشكلة ما ينفعش أتفرج وأسكت، واجبي إني أوقف جنبهم"
رمقتها فجر باستعلاء يخالطه العناد، وقالت بجفاف قاسٍ
"وأنا مش محتاجة وقفتك، ولا محتاجة أي حاجة من حد، أظن أنا واحدة في سن الرشد وصاحبة قراري، وعارفة مصلحتي كويس"
هزت خديجة رأسها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة، كأنها تُكذب ما تسمع
"بالعكس، اللي أنا شايفاه قدامي دلوقتي مفيهوش لا عقل ولا تفكير، لأنك يا إما لسه بتحبيه وسامحتيه رغم إنه حاول يقتلك، يا إما بتفكري تتجوزيه عشان تنتقمي منه، بس خدي بالك... المنتقم قبل ما يولع في اللي أذاه، هو أول واحد بيتلسع من النار"
صرخت فجر بصوت متهدج ممزوج بالدموع، كأنها تُفرغ جمر سنوات مضت
"وهو أنا لسه ما اتلسعتش من النار؟!، أنا كنت بين الحيا والموت يا خديجة، وبرغم اللي عمله فيا لسه عايزني أبقى بتاعته، يبقى خلاص يستحمل اللي جاي"
نهضت خديجة من مقعدها، واندفعت نحوها تعانقها بحرارة، كأنها تحاول أن تقيها من نفسها
"اهدي... وبلاش عياط، أنا خايفة عليكي، ومامتك بره مقهورة، يعني إنتي مش بتأذي نفسك بس إنتي بتأذيها كمان، فكري يا فجر واعقليها كويس، الجواز مش لعبة ولا حاجة سهلة، وبعدين عيلة باسم مش سهلين، جوزي لما سأل عنهم عرف إنهم مجرمين بتوع تجارة سلاح ومخدرات، ناس قلبها ميت، تفتكري لو لمستي ابنهم بأي أذى هم هايسيبوكي؟!"
ابتعدت فجر عنها فجأة، ومسحت دموعها بكفها المرتجف، ثم استدارت تولي ظهرها بجمود متصنع
"أنا عارفة بعمل إيه كويس، مش محتاجة نصايح من حد، وياريت ما تدخليش في حياتي تاني"
شعرت خديجة بوخز الخيبة يثقل صدرها، وتضاعف الضيق في قلبها من هذه الحمقاء التي تعاند مصيرها.
همت بالمغادرة، وقبل أن تدير مقبض الباب، التفتت وقالت بصوت حاسم، كمن يلقي وصيته الأخيرة
"أنا فعلاً مش هاتدخل في حياتك تاني، بس كلمة أخيرة عشان أبقى عملت اللي عليا قدام ربنا، افتكري اللي مريتي بيه واللي حصلك على إيد باسم، كل ده مش هايجي ذرة في اللي هايحصلك لو اتجوزتيه، إنتي بتدخلي عش الدبابير برجليكي، وساعتها الندم مش هاينفعك أبداً"
تنهدت بمرارة، ثم أردفت بخطوات متسارعة نحو الباب
"مع السلامة يا فجر"
ألقت كلماتها وغادرت، لم تمهل حتى والدة صديقتها لتحدثها، ركضت الأم إلى غرفة ابنتها، وعيناها تقدحان لوم ووجع
"إنتي عملتي إيه في صاحبتك؟ خلاها تمشي ومش شايفة قدامها؟"
صرخت فجر في وجهها بحدة هستيرية، ودموعها تتناثر كالرصاص
"ماعملتش حاجة، وأرجوكي سيبيني في حالي، اطلعي بره، اطلعي بره"
خرجت الأم مطأطئة الرأس، وأغلقت الباب خلفها، أسندت ظهرها إلى الجدار البارد في الردهة، وانفجرت في بكاء مرير، ترتجف شفتاها بالدعاء، وعيناها شاخصتان إلى وجهة السماء
"يا رب، يا رب"
❈-❈-❈
تفرق أفراد عائلة البحيري؛ فمنهم من آوى إلى منزله، ومنهم من انطلق إلى عمله، بينما آثرت كارين العودة إلى شقتها، وقد طلبت من يونس أن يأتيها بولديها، كأنّ
قلبها لم يهدأ إلا حين تراهما أمام عينيها.
بينما آدم، فقد مضى إلى الشركة بخطوات مسرعة، لا يلوي على شيء سوى انهماكه في دوامة الأعمال، ولحقه قصي الذي أوصل زوجته إلى قصرهما، قبل أن يطوي المسافة نحو مقر عمله.
كذلك مصعب، إذ أوصل زوجته إلى البيت ثم اندفع إلى عمله.
وعادت علياء إلى القصر مثقلة بوطأة الإرهاق، فأخبرت مساعدتها أن تلغي مواعيد الفحوصات المقررة لليوم، إذ لم تعد تطيق مواجهة المرضى بوجه مرهق ونفس متعب.
وما إن خطت نحو غرفتها، حتى وقعت عيناها على زوجها جالساً أمام الحاسوب، غارقً في عالمه الإلكتروني، لا يكاد يحس بوجودها.
جلست على كرسي طاولة الزينة، و تخلع حذاءها ببطء، ثم التفتت إليه بحدة وقالت
"و لما أنت مش رايح المستشفى مجتش معانا ليه النيابة؟، كل إخواتك كانوا هناك"
فأجابها ببرود زجاجي لا ينفذ منه دفء
"كان عندي مؤتمر دولي أونلاين، لسه خلصان من ساعة، ومكنش ينفع محضرهوش، وبعدين كارين رجعت بالسلامة خلاص، إيه لازمتها الكل يروح النيابة؟!"
رمقته بسخط، وهزت رأسها في ضيق يقطر استياء، ثم نهضت واقفة أمامه، كأنها حاجز يريد أن يعترض انغماسه في عزلة جليدية.
"أنت مالك بقالك فترة واخد جمب من الكل كأنك عايش لوحدك، ماتخليش شغلك يلهيك عن حياتك وعني أنا وولادك والعيلة يا دكتور"
نهض هو الآخر، واستدار نحوها، وقد تلون صوته بتهكم
"أومال لو مكنتيش دكتورة وبتمري بنفس ظروف شغلي، كنتي عملتي إيه؟"
فأجابت بحدة، تدفع عن نفسها سهامه
"أنا فعلاً ببقى مشغولة كتير، بس في نفس الوقت متابعة الولاد، وأي مشكلة بتحصل في القصر بكون أول واحدة موجودة وبقدم اللي مطلوب مني، لأني فرد من عيلة البحيري يا دكتور يوسف"
ابتسم بسخرية تستفز الصبر، ورد ببرود يوشك أن يطفئ الدم في عروقها
"لو خلصتي كلامك روحي شوفي إنتي بتعملي إيه، وخرجيني من دماغك"
ثم أدار ظهره متجهاً إلى الخارج، لكن صوتها أوقفه عند العتبة، نبراته تحمل إنذار صريح
"خليك على وضعك يا يوسف، بس بعد كده ماتزعلش لما تلاقينا إحنا كمان بنتجاهلك"
ارتسمت على شفتيه ابتسامة هازئة، رفع بها جانب فمه، وكاد أن يخطو بعيداً، فإذا بها تردف من جديد
"وآه، عشان ما انساش، إحنا معزومين على عيد ميلاد ولاد آسر وهاجر"
تبدل وجهه فجأة، وسرى عليه وجوم ثقيل كغيمة داكنة حجبت شمس يوم صاف، فعاد إليها يسألها بنبرة تحمل دهاء ومكر
"يا ترى مين كلمك وعازمك؟، بنت خالتك ولا جوزها الدكتور آسر بنفسه؟"
انعقد حاجباها في استنكار صريح، ورمت سؤاله بنظرة حادة
"قصدك إيه من سؤالك وتلميحاتك السخيفة؟!"
ابتسم ابتسامة خبيثة، ولفظ كلماته ببطء كمن يسكب سُم في كأس صاف
"والله إنتي أدرى باللي بيحصل من ورا ضهري"
فانفجرت بغضب جامح، وقد تجاوز معها كل الخطوط الحمراء، صرخت بمرارة تزلزل الجدران
"خد بالك، أنا عديتلك كتير وكنت بعمل نفسي مش فاهمة، آسر ده في مقام أخويا، غير إنه جوز بنت خالتي، لو خيالك المريض مصورلك حاجة تانية غير كده، يبقى تروح تتعالج أحسن، ولا أقولك احجزلك أوضة في المصحة جنب طليقتك، أهو تونسوا بعض"
كانت كلماتها كالرصاص الطائش تخترق سكون الغرفة، فأججت غضبه حتى غلت الدماء في عروقه كحمم متدفقة، وأظلمت بصيرته حتى لم يعد يرى سوى وجهها المستفز أمامه.
لم يشعر بنفسه إلا وهو يهوى عليها بعنف، يجذبها من شعرها كمن ينتزع غصن من شجرة، ويلوي ذراعها خلف ظهرها بقبضة من حديد، وقال من بين أسنانه المطبقة، وقد تقطر صوته من الغيظ
"أول وآخر مرة تتكلمي بالأسلوب ده تاني معايا، ولا كلامي بقى هم على قلبك، ولا يمكن أنا شخصياً مش عاجبك؟!، ها؟"
ارتجفت وهي تستشعر خصلات شعرها تنتزع من رأسها، وذراعها يكاد يُكسر بين يديه، فصرخت متوسلة بألم يقطع نياط القلب
"عيب يا يوسف اللي بتعمله ده، سيب شعري، ودراعي هايتكسر"
لكنه لم يُعر توسلها أدني إهتمام، ولم يرق قلبه لوجعها، بل ازداد صوته قسوة، كأنه مطرقة تحطم كبرياءها
"فاكراني مغفل وعبيط؟!، أنا فاهم وعارف كل حاجة بتحصل من ورايا، واللي في دماغك مش هايحصل أبداً…
وفجأة، دوى رنين الهاتف الموضوع أعلى طاولة الزينة، فقطع حبل غضبه لحظة.
دفعها دفعاً نحو الطاولة، والشرر يتطاير من عينيه، ثم التقط الهاتف بعينه، فرأى اسم المتصل، فقهقه بسخرية لاذعة
"طبعاً بيتصل عشان يطمن عليكي وصلتي ولا لأ… صاحبي طول عمره قلبه حنين، ردي عليه"
صرخت وهي تتلوى ألماً من قبضته وتهوره
"كفاية جنان بقى، والله هاتندم على اللي قولته واللي بتعمله فيا يا يوسف"
زمجر في وجهها
"وطي صوتك وبطلي رغي، ردي عليه وشغلي الإسبيكر"
ثم ألقى بها على الكرسي، وتركها تتألم وهي تفرك ذراعها الذي لا يزال يؤلمها من شدته.
رمقها بعينين متقدتين وأمرها بصوت لا يقبل العصيان
"اخلصي"
أخذت الهاتف بيد مرتجفة، وضغطت زر الاتصال، ثم شغلت مكبر الصوت، ورفعت عينيها تحدق في يوسف بامتعاض قبل أن ترد بصوت متماسك
"ألو"
جاءها الصوت من الطرف الآخر، مفعماً بالود
"ألو يا لولو، معلش يا حبي بكلمك من موبايل آسر، أصل الفون بتاعي الولاد وقعوه مني في البيسين إمبارح، وآسر خدوا للصيانة"
أجابت بنبرة وديعة تخفي اضطرابها
"حبيبتي ولا يهمك، ربنا يعوضك"
تابعت المتصلة بمرح لا يدرك ما يدور خلف الجدران
"أنا عارفة إنك مشغولة، بس قولت أكلمك وأأكد عليكي ميعاد العيد ميلاد بعد بكرة أوعي تنسي بقى، هنستناكم"
"حاضر يا حبيبتي، إن شاء الله جايين"
"هاسيبك بقى عشان ماعطلكيش، سلام يا لولو"
"سلام"
لمست بعصبية علامة إنهاء المكالمة، وأمسكت الهاتف كأنها تكتم به بركان يتأجج في صدرها.
نهضت واقفة، وملامحها تنضح بالامتعاض والسخط، ثم أطلقت كلماتها في وجه زوجها كقذائف لا رجوع فيها
"من النهاردة أنا هنام جنب الولاد، وأول ما ياخدوا الأجازة هاخد عز الدين وأروح أقعد عند ماما، ولا لسانك يخاطب لساني، ولا عايزة أشوفك قدامي"
وكانت كلماتها هذه أشبه بإعلان حرب باردة، ختمت بها لحظة من القهر، وفتحت أبواب لعاصفة قادمة لم تخمد نارها بعد.
الفصل العشرون
قد أخطئ، وقد أتهور، وربما أبدو ضعيفة في أعينهم، لكنني لم أبتغِ يومًا إلا صون زواجي من الانهيار.
كل ما فعلته مهما أثقلني بالوجع، كان غايته أن أحمي بيتي من الخراب، وأحفظ حلمي من التبعثر.
~ رودينا البحيري ~
جلس رحيم قبالة أمه، وقد انعكس دفء البيت على ملامحهما؛ يلوك طعامه داخل فمه، بينما هيتراقب تفاصيله بعين أم خبيرة، ترتب في ذهنها ما لا يعلمه.
السكينة في يدها والشوكة في اليد الأخرى، سألته بصوت لا يخلو من حزم
"إنت ناوي تاخد أجازة إمتى من شغلك؟"
رفع رأسه، وبلع ما في فمه على عَجل، ثم مال قليلًا وسألها بنبرة قصيرة
"ليه؟"
تأهبت كمن يُزاح عن صدره ستر أخفى خبر جميل، قطعت قطعة اللحم بالشوكة والسكين، واستقامت في جلستها، ثم قالت وهي تُشير إشارة الواثق الذي انتهى إلى رأيه
"عشان أعرف أرتب لك ميعاد مع ناهد المعداوي وبنتها هدير"
ظهر على وجهه التعجب أكثر، واكفهر حاجباه دهشة، فقال هازًا رأسه
"وأنا مالي ومال صاحبتك وبنتها؟"
وضعت الشوكة والسكين برفق محسوب، وحدقت فيه بنظرة أمومية نافذة، رمقته بابتسامة تُخفي استعجالًا وتفضحه في آن
"ودي محتاجة شرح يا دكتور؟، ده أنا قولت هتفهمها وهي طايرة، هرتب لكم ميعاد في النادي، تقعد إنت وهدير تتكلموا مع بعض، وبعدها نروحلهم البيت وتطلب إيدها من باباها ونقرا الفاتحة"
في لحظة واحدة، ترك كل ما في يده، وأمسك المحرمة فمسح فمه من أثر الطعام، ثم نظر لأمه بعينين هادئتين ونبرة تقطر سخرية
"ولما حضرتك قررتي إن أنا خلاص وافقت على هدير، وها روح أقرا الفاتحة مع باباها، لازمتها إيه تاخدي رأيي؟!"
أجابت بثقة مطمئنة، كأنها تلقي حجتها الأخيرة ولا حجة بعدها
"لإنها عروسة ما تترفضش، البنت زي القمر، طول، وعودها فرنساوي، وشعرها أسود زي الحرير، وعيونها عيون غزلان، جمال رباني مش هتلاقي زيه اليومين دول، أحسن من اللي نافخين شفايفهم وخدودهم ووشهم شبه كوتش العربيات، وقال إيه عمليات تجميل، أومال لو العكس كان هيبقى شكلهم عامل إزاي؟!، دول بقوا شبه الأشكيف المخيف"
أطلقت كلماتها فانتزعت من رحيم ضحكة خرجت رغمًا عنه؛ ضحكة قصيرة انطفأت بسرعة، إذ بدا له أن اللحظة مواتية ليُلقي حجراً في ماء يحسبه ساكن.
أسند ظهره إلى الكرسي، وبشيء من الجدية يكسو صوته وهو يخبرها
"بما إن حضرتك فاتحتيني في موضوع الجواز، أنا كنت ناوي أكلمك فعلًا وأقولك أنا هاتجوز، بس مش هدير بنت صاحبتك"
تهللت أساريرها ومالت للأمام بلهفة لا تُخفى، سألته
"مين دي يا حبيبي وأنا أقوم حالًا ألبس وأروح أطلب لك إيدها، دكتورة زيك؟، ولا بنت مين؟، ولا من أنهي عيلة؟"
ابتلع ريقه، وتمهل لحظة ثم قال باقتضاب لا يخلو من الحسم
"هاتجوز أميرة يا ماما"
سمعت الاسم وظلت البسمة ترافق شفتيها، لكنها أرادت أن تعلم المزيد، فسألت وهي تلوح بيدها في فضاء الطاولة
"أميرة مين يا حبيبي؟، أخت واحد من زمايلك الدكاترة؟"
نظر إليها ابنها نظرة تفيض هدوء وسلام داخلي، كمن يضع النقطة الأخيرة في سطر طال كتابته
"أميرة، البنت اللي عرفتها في إسكندرية، وقعدتها في فيلا كفر عبده"
عندها سكن كل شئ من حولهما،
ارتجف قلب والدته حينما انسكبت الكلمات من فمه علي رأسها كالصاعقة الكهربائية، اخترقت أعصابها وأحرقت هدوءها، فانتفض صوتها فجأة، مدوياً يهز جدران البيت ويبلغ القاصي والداني
"قولت إيه يا حبيب أمك؟!، عايز تتجوز مين؟!، يا لهوي عليا، يا ميلة بختك في ابنك يا رجاء، ابنك عايز يتجوز واحدة من الشارع، لا ليها أصل ولا فصل، ليه كده يا بني؟!، عملتلك إيه عشان تعمل فيا كده؟!"
مد يديه نحوها يستعطفها، محاولاً أن يكبح انفعالها
"ماما، ممكن تقعدي ونتفاهم بس، اللي بتعمليه ده ما ينفعش خالص"
لكنها صاحت بحدة، تسقط فوق رأسه حمم من نار
"واللي قولته هو ده اللي ينفع؟!، يا دكتور يا ابن الأكابر، يا اللي سمعة أبوك والعيلة زي الألماظ، تيجي إنت تحط سمعتنا في الوحل، لما تروح تتجوز وتدي اسمك لواحدة من الشارع؟!"
ضاق به الأمر ذرعاً، فنهض بغتة وصاح بنبرة غضب متأجج
"و ده مش أسلوب ولا طريقة نتناقش بيها خالص!"
رمقته بعيون تتطاير شرراً، ثم تابعت باحتقان
"هو أنا لسه قولت حاجة، إنت خلاص دماغك لاسعت، نخلص من حكايتك مع بنت خالتك الملعونة، تطلعلي بمصيبة أكبر، إنت عايز تموتن بس مش عارف تعملها إزاي؟!"
و إذا به يضرب بقبضته على مائدة الطعام بكل ما أوتي من قوة، فارتجت الأواني وساد السكون، صرخ صرخة هزت أركان المنزل
"ماما!"
تجمدت في مكانها، بصرها يشتعل غضب، وصدرها يعلو ويهبط كما لو كان في سباق مع الريح.
تسلل صوته إليها وقد خفت حدته، لكنه ظل مفعم بالصلابة
"أنا مش باخد رأيك، أنا مقرر أصلاً، دي حياتي، وأنا حر هاعيشها إزاي ومع مين"
اتسعت عيناها من الصدمة، وانكسرت نبرته، تعقب بملامح يعتصرها الألم
"طالما إنت واخد القرار ومرتب لكل حاجة، جاي عايز مني إيه؟!"
اقترب منها، فتلطف صوته وهو يزيح عن كاهله ثقل الجدال
"عايز منك تيجي معايا بكرة تطلبي إيدها ليا، وتعامليها أحسن معاملة، لأنها هاتبقي مراتي، وفترة الخطوبة مش هتطول، أسبوع ولا عشرة أيام بالكتير، وبعدها هاتجوزها ونسافر إنجلترا عشان عندي مؤتمر طبي، وممكن نقعد هناك فترة"
قهقهت بتهكم لاذع، وكأنها تسخر من قدرها
"كمان؟!، كتر خيرك يا بني"
تنهد بعمق واقترب منها، أمسك بيدها كما يتمسك الغريق بخشبة نجاة، وقال برجاء يتخلله الحب
"بالله عليكي مش عايز منك غير تكوني راضية عني، وأظن كل همك تشوفيني مبسوط وسعيد، وسعادتي هاتبقي مع أميرة، إنتي لو اتعاملتي معاها هاتحبيها أوي، وهاتعتبريها بنتك اللي ما خلفتيهاش"
تأملته بعينين مغرورقتين بالعاطفة، ثم سألت بصوت مخنوق بدموع لم تنسكب بعد
"إنت حبتها يا رحيم؟"
ظل يحدق في عينيها شارداً، كأنه يستدعي من أعماق قلبه حقيقة لم يبح بها من قبل، ثم نطق ببطء ممزوج باليقين
"أنا حسيتها العوض اللي جالي في وقت كنت فقدت فيه كل أمل، لما بقعد وأكلمها بيجيلي شعور مش عارف أوصفه، كإني عارفها من زمان، بحس براحة وفرحة قلبي ما عشتهاش قبل كده"
هزت رأسها بدهشة مشوبة باللوم
"يبقى حبيتها، ولحقت بالسرعة دي تنسى حبك لبنت خالتك؟!"
قطب جبينه كمن طعنته ذكرى أليمة، وأجاب بصوت متهدج بالمرارة
"ماما، مشاعري القديمة لرودينا كانت صفحة وقفلتها، هي دلوقتي بنت خالتي المتجوزة وعلى ذمة راجل تاني، وأنا مش هوقف حياتي علي ماضي و انتهي"
تسرب الهدوء إلى قسماتها، فمدت يديها لتسحب يديها من قبضته، ثم أحاطت وجهه بكفيها كما اعتادت أن تفعل وهو طفل صغير، قالت برقة تتدفق من قلب أم
"وأنا كل اللي يهمني راحتك وسعادتك يا حبيبي، وعشان خاطرك هاقبل أي حاجة، طالما إنت بخير ومبسوط كمان"
ابتسم رحيم ابتسامة واسعة، تناثرت أنوار الفرح على محياه، وارتجف قلبه كطفل صغير ظفر أخيراً برضا والدته، عانقها بقوة وقال بامتنان يغمر نبرته
"حبيبتي يا أم، ربنا يخليكي ليا ويباركلي فيكي"
ثم انحنى يقبِّل رأسها ويديها، وأردف وهو يتهامس في أذنها بنشوة فرح
"لما أكلمها أفرحها"
وقف جانباً في زاوية معزولة، أخرج هاتفه مسرعاً، وضغط على رقم أميرة، لكن الصمت أجابه.
أعاد الاتصال ثانية، فجاءه الفراغ ذاته، حاول مرة ثالثة، ثم رابعة، حتى بلغت محاولاته عشر مرات متتالية، وكلها باءت بالفشل، كأن هاتفها غاب في صحراء لا صدى فيها ولا رجع.
حينها، تسلل القلق إلى صدره كأفعى لزجة، يعتصر قلبه خوفاً، فحالتها يعلمها جيداً، وصحتها واهنة، فمن المؤكد فقدت الوعي وهي وحيدة بين جدران شقة والده الخالية.
بلهفة متوترة، أجرى اتصال أخر سريعاً بحارس العقار، وما إن جاءه الرد حتى انحبس صوته
"ألو يا دكتور رحيم، أنا كنت لسه هاتصل على حضرتك دلوقتي"
تسارع نبضه، وانفلت صوته برجفة في قلبه
"أميرة حصلها حاجة؟"
أجاب الحارس بنبرة زادت من قلق الأخر
"المدام عندي طلعتلها من بدري تديها الطلبات ما فتحت، اتصلت عليها ما بتردش، قولنا نستنى شوية يمكن تكون مشغولة ولا نايمة، لسه من شوية طلعت خبطت عليها تاني، برضه ما بتفتحش ولا سامعين أي صوت جوا"
صرخ دون تفكير، كأن قلبه اندفع قبل لسانه
"أنا جاي حالاً"
أنهى المكالمة بسرعة، وارتسمت على وجهه ملامح ذعر لم يستطع إخفائها، لم تتركه أمه لحيرته، فبادرت تسأله وقد رأت الاضطراب ينهش قسماته
"كنت بتكلم مين؟ وأميرة حصلها إيه؟"
ابتلع ريقه، وأجاب بصوت متوتر يحاول أن يخفي ما فاض في صدره من عاصفة
"أنا لازم أمشي دلوقتي يا ماما، وهابقى أتصل عليكي أطمنك"
❈-❈-❈
وصل للتو بعد أن انتهي من أعماله، وما إن خطا عتبة القصر حتى ألقى عن كاهله كل ما حمله من أعباء وهموم، كان شوقه يسبق خطواته نحو زوجته التي لطالما عاندته بعذوبة، وتدللت كطفلة صغيرة تعرف كيف تُرهقه ثم تُسكره بحبها.
ارتسمت ابتسامة على شفتيه حين استحضر ملامحها وهي تجادل وتتبرم، فيغدو عنادها وقودً لعاطفة لا تنطفئ.
ارتقى الدرج بخطوات هادئة، وقد بلغه من زينات قبل عودته أن زوجته غارقة في سبات عميق داخل مخدعها، وأنها أوصت بألا يجرؤ أحد على إيقاظها.
وقف أمام الباب برهة، وضع يده على المقبض ليفتح، غير أنه فوجئ بالباب موصداً من الداخل.
ضاق صدره لحظة، ثم ما لبث أن انفرجت أساريره حين خطرت له فكرة أضفت على ملامحه ابتسامة ماكرة.
وفي غرفة أخرى، انبعث من خلف الباب بخار دافئ؛ إذ خرج من الحمام مرتدياً بنطال قطني، تتساقط قطرات الماء من شعره فيجففها بالمنشفة، ثم جلس أمام مرآة الزينة يصفف خصلاته بعناية.
أخرج حاسوبه المحمول من حقيبته، حمله متكئاً على ساعديه، ثم مضى بخطوات ثابتة إلى الشرفة، وجلس على الكرسي، واضع الحاسوب فوق الطاولة وقد تهيأ لوقت من الصفاء.
وفي الغرفة المجاورة، كانت هي تتقلب فوق الفراش بضيق، يعبث الملل بجفونها المثقلة.
فتحت عينيها على كسل، ثم أغمضتهما مجدداً، غير أن هناك لحن نافذ تسلل إلى مسامعها، يشق سكون الغرفة
«مستخسر ضحكة ليا... وحلال فيا القطيعة...
حالف أيمان ما تصفى... قضتها خصام وبيعة...
إيه ما وحشتكش يعني... زعلك نساك حبيبك...
ليه بينا البعد طول... من طبع العند سيبك...»
تكرر المقطع بإلحاح، فدب في أوصالها الضجر، فنهضت متأففة، جذبت معطف منامتها وارتدته، ثم خرجت تبحث عن مصدر الصوت.
تقدمت بخطوات متثاقلة حتى انتهى بها المسير إلى الشرفة، حيث تطل على الحديقة الغناء.
هناك على يسارها، انتبهت إلي الشرفة المجاورة، وإذا به يستند إلى حافة السور، لفافة تبغ تتوهج بين أصابعه، والدخان يتلوى أمام وجهه كالضباب.
التفت إليها، فأسرع بخفض الصوت، ثم عاد بنظره إليها، يبتسم ابتسامة ماكرة ويغمز بعينه، قبل أن يسألها بنبرة خفيفة
"إيه؟"
رمقته بحدة مصطنعة، تُخفي خلفها ابتسامة تختبئ عنوة خلف جدار من التمنع
"ممكن تقفل الأغاني لو سمحت؟، أنا عايزة أنام"
ضحك بخفة وهو يرد، سكب سخرية عذبة في كلماته
"ما تنامي حد ماسكك؟!"
رفعت حاجبها الأيمن، تحدق فيه بجدية يكسوها الدلال، وقالت بنبرة محذرة
"قصي، بلاش استهبال"
ظل يرمقها بعينين ثابتتين وهو يضع سيجارته بين شفتيه، ثم أطلق سحب الدخان في الهواء يتعمد استفزازها.
رفعت حاجبيها بصرامة وقالت بصوت آمر
"وياريت تطفي السجاير، عشان غلط عليا وعلى اللي في بطني"
ارتبك للحظة، ثم أمال رأسه بإقرار هادئ
"في دي عندك حق، و أدي السيجارة"
مد يده ليطفئ السيجار في المنفضة الزجاجية، نظر إليها بعينيه ذات لون ثمار الزيتون، يسألها
"كده تمام؟"
أجابت بجفاف وهي ترفع أنفها بتعالي
"و اطفي الأغاني"
وبنصف ابتسام ردّ بخضوع متلاعب
"عينيا"
وأغلق الموسيقى كما أمرته، فارتسمت على ملامحها نظرة نصر متعجرفة، أدارت ظهرها ودلفت إلى الداخل.
تمددت على السرير تحاول استعادة النوم، غير أن صدى الأغنية عاد يتردد فجأة، لكن هذه المرة بصوت أعلى من سابقه، يخترق الجدران كخنجر.
تنهدت بضيق نافذ الصبر، وقالت غاضبة
"لاء بقي، أنت كده قاصد تحرق دمي"
وثبت من فراشها، واندفعت إلى الغرفة المجاورة، حيث خرجت إلى الشرفة. هناك، كان واقفاً ينتظرها وعلي وجهه ابتسامة نصر باردة، يشي بارتياح المنتصر.
نظرت إليه باشمئزاز مكتوم، ثم استدارت لتغلق الحاسوب المحمول كي توقف تلك الجلبة المزعجة.
وما إن همّت بالعودة أدراجها، حتى باغتها بحركة حاسمة، إذ أغلق باب الشرفة الزجاجي خلفها ووقف أمامه كجدار منيع، يقطع عليها سبل الخروج.
قالت بحدة، تكاد تشتعل من الغيظ
"أوعي من وشي الساعة دي"
لم يتزحزح، وظلت ابتسامته الاستفزازية معلقة على شفتيه، وهي نقيض ما اعتاد أن يظهره من غضب سريع الانفجار لأهون سبب، ردّ بهدوء يقطر سخرية
"تؤ"
أشارت بإصبعها السبابة نحو وجهه، عيناها تقدحان شرراً، وقالت محذرة
"عديني يا قصي، ما تخلنيش أعلي صوتي أكتر من كده"
ضحك بخفّة متعمدة، وسألها متصنعاً الاستفهام
"أعتبره تحذير ولا تهديد؟"
ارتجف جفنها بغضب كامن، وقالت بصرامة قاطعة
"اعتبره أي حاجة... بس ابعد عن وشي وبلاش تستفزني أكتر من كده"
أطرق للحظة، ثم رفع بصره إليها بخبث ظاهر، وقال بهدوء يُحسد عليه
"تمام هعديكي، بشرط"
زفرت بملل غاضب وهي تلوح بيدها كأنها تستعجل الخلاص
"الله يطولك يا روح... شرط إيه؟"
ابتسم ابتسامة خبيثة وقد ازداد بريق التحدي في عينيه، وقال بلهجة ساخرة تفيض بالمشاكسة:
"شخللي عشان تعدي"
رمقته بنظرة تكاد تقتلع روحه، وكأنها على وشك أن تسدد لكمة إلى وجهه، وقالت بغيظ لا يخلو من سخرية:
"إنت بتهزر... صح؟!"
أجابها ببرود متعمد، وكأنه يزيد النار اشتعالاً
"شخللي يعني ادفعي عشان تعدي... بس أنا مش قصدي فلوس"
رفعت كفيها إلى السماء تتوسل الصبر، وقالت بلهجة يشوبها الضجر
"الصبر من عندك يا رب، عايز مني إيه يا قصي؟"
ابتسم ابتسامة ماكرة وهو يطيل النظر إليها
"مش إنتي عايزة تعدي؟!، قولتلك ادفعي... وأنا مش عايز فلوس.... خليكي لماحة وذكية"
ضيقت عينيها حتى كاد الغضب يتفجر من ملامحها، ثم عقدت ساعديها أمام صدرها بحزم وقالت
"مش هايحصل... لأن أصلاً لسه ما نستش اللي فات"
اقترب منها بخطوات بطيئة، وصوته ينضح بالسخرية
"وإنتي ليه فسرتي طلبي كده؟"
ثم مال نحوها قليلاً، وهمس في أذنها
"عشان تعرفي دماغك شمال يا حبيبتي"
انتفضت، ورمقته بحدة محذرة كأنها تطلق رصاصة من عينيها
"اتلم"
ضحك بخفة مستفزة
"إنتي على فكرة اللي معطلة نفسك... أنا كنت هقول كل اللي عايزه واحدة هنا... وواحدة زيها هنا"
وأشار بإصبعه إلى خده الأيمن ثم إلى الأيسر، قبل أن يضيف بابتسامة عابثة
"براحتك... مش هاجبرك على حاجة، وأحسن برضه، على الأقل هاتفضلي مونساني في قعدة البلكونة الجميلة دي"
قالت ساخرة، تحاول كبح غضبها
"إنت فايق ورايق أوي"
أجابها دون أن يرف له جفن، وهو يزداد ثقة بنفسه
"جداً جداً يا حبيبتي"
أطبقت شفتيها معاً بقوة، وحدجته بنظرة تحمل وعيد، ثم تقدمت نحوه بخطوات مترددة، كأنها تسلم نفسها مرغمة لتنفيذ شرطه.
اقتربت منه وطبعت قبلة سريعة على خده الأيمن، وما إن همّت بتكرارها على خده الآخر، حتى قاطعها ببرود متعمد
"مش عاجباني وماحستهاش"
زفرت بضيقٍ بيّن، ثم وضعت قبلة أثقل على خده الأيسر، وكأنها تدفعه دفعاً.
غير أن قربها منه أغراه، فاستغل اللحظة وأحاط خصرها بذراعيه كقيد ناعم.
انتفضت بين يديه، وضربته بكفيها على صدره العاري وهي تقول بغضب مكبوت
"إنت بتعمل إيه؟!، ابعد عني أنا لسه مخصماك ومش طايقاك"
لم يزده تمردها إلا ثبات، فأمال رأسه إليها، وقال بنبرة هادئة مشبعة بسلطته التي تخترق جدار كبريائها
"اهدي بس... هقولك حاجة"
سكنت حركتها على غير إرادة، ثم التقت عيناهما في نظرة طويلة، وكأن عينيه جذبتاها إلى بئر سحر لا خلاص منه.
ابتسم ابتسامة واثقة وهمس في أذنها
"أنا كنت عايزاها منك كده"
ثم هبط بشفتيه إلى خدها، وطبع قبلة جعلت جسدها ينتفض بين ذراعيه، وأردف ببطء مقصود
"وكده"
وانحنى مرة أخرى على خدها الآخر، يترك قبلة ثانية أثقل وقعاً من الأولى
"وكده"
ذهب بأنفاسه المتقدة إلى عنقها، يترك ظله بقبلاته صعوداً وهبوطاً على امتداد رقبتها، حتى بلغ تخوم فكها وجانب شفتيها، ثم توقف لحظة كأنما يخشى أن يذوب في وهج اللحظة، وعاد ينظر في عينيها فوجدهما تفيض بالشوق والحنين، تبرقان كنجمتين أسكرتا روحه، ورآها تمرر لسانها من بين شفتيها كظمآن يتلهف إلى رشفة ماء تنقذه من عطش العمر.
قال لها بنبرة خرجت من دقات قلبه الذائب عشقاً
"لسه زعلانة؟"
أدارت وجهها بعيداً عن ناظريه، كأنها تهرب من قوة سحره، فقال لها برجاء ولطف
"بصي في عينيا و جاوبيني، مهما كانت الإجابة مش هتضايق"
عادت تحدق فيه بنظرات تختلط فيها الشكوى بالحنين، والعتاب بالعشق، والهيام باللوعة؛ عيناه كانتا مرآة لروحها المضطربة.
همست بنبرة متهدجة
"أنا كنت زعلانة، بس دلوقتي خايفة"
سألها بقلق يتسرب من صوته
"خايفة من إيه يا حبيبتي؟"
اخبرته وهي تسدل بصرها نحو الأرض كأنها تبحث عن طمأنينة مفقودة
"خايفة منك، خايفة من قسوتك، أكيد في يوم من الأيام هايحصل بينا خلاف، وساعتها هاترجع زي الأول ويمكن أسوأ"
ثم أردفت بحزن يقطر أسى
"زي ما عملت معايا آخر مرة"
مد يده برفق، أمسك بذقنها ورفع وجهها نحو عينيه، فرأت فيهما ندم يتفجر من أعماقه، وقال بثقة تكسوها الرجاء
"وبحق اللي زرع حبك في قلبي ورزقني منك بأجمل هديتين، والتالتة بإذن الله، عمري ما هعمل فيكي كده تان، عمري ما هقسى عليكي مهما حصل"
سألته بصوت يطلب العهد أكثر مما يطلب الجواب
"وعد؟"
أجاب بكلمة واحدة، لكنها خرجت كقسم مقدس
"وعد"
همس بها من بين شفتيه، قبل أن يلثم خاصتها بقبلة تذيب كل الجليد المتراكم، عانقته بحرارة عاصفة، كأنها تريد أن تستقر بين ضلوعه فلا يفرقها عنه فاصل، وهو بدوره ضمها بعناق يغلفه العشق والتيام، كأنما الدنيا كلها قد اختزلت في تلك اللحظة.
وإذا فجأة وجدت ظهرها مستنداً إلى الباب الزجاجي، كادت أن تضع يدها على المقبض لتفتحه ويدلفا معاً إلى الغرفة، لكنه أسرع بوضع يده على يدها ومنعها. سحبت شفتيها بصعوبة من على شفتيه، تلهث بصوت خافت
"تعالي نروح أوضتنا"
أجابها والعشق والرغبة يتوهجان في عينيه
"خلينا هنا في الهواء الطلق، الجو حلو أوي، والفيو جميل، و أنتي أجمل من كل ده"
ضحكت بخجل غير مصدقة أفكاره الجنونية
"لاء يا قصي ما تهزرش، عايزنا هنا في البالكونة إزاي؟"
أجابها بمكر ودفء
"حبيبتي بالكونات القصر كلها برايفيت وزيادة أمان"
ثم تناول جهاز تحكم صغير، ضغط على زر فانحدرت الستائر تغلق المكان عن العيون، فترك الجهاز جانباً وجذبها بين ذراعيه، غاص في عينيها وهو يعلم أنها تشتاق إليه كما يشتاق هو إليها، تطوق إلى لمساته وهمساته التي يعزف بها على أوتار قلبها.
سألها بنبرة مشتعلة
"إيه، موحشتكيش؟"
اجابت بصوت مبحوح باللوعة
"واحشني دي كلمة قليلة أوي، طب و إنت؟"
ابتسم بخبث محبب واخبرها
"الكلام حلو… بس الفعل مفيش أحسن ولا أحلى منه"
ثم غمرها بذراعيه، يغدق عليها بعناق يفيض بالعاطفة، ويطرز جسدها بقبلاته، حتى غابا معاً في بحر من العسل، لا تفصل بينهما المسافات ولا تعيق وصالهما الحواجز، فالعيون صارت لغة عشق، والشفاه عقدت عهداً لا ينقطع، واتحد الجسدان كما تتحد الروح بالجسد.
❈-❈-❈
وصل رحيم أمام شقة والده القديمة، يداه ترتجفان وهو يفتح قفل الباب بالمفتاح، كأن القلق والخوف ينهشان قلبه نهشاً. دلف إلى الداخل، وأغلق الباب خلفه في عجل، ينادي بصوت متوتر يخالطه رجاء
"أميرة؟، أميرة؟"
لم يأته جواب، جاب المطبخ بخطى متسارعة، طرق باب الحمام وفتحه بعد أن ظل الصمت يخيم بلا رد.
بحث في الغرف، غرفة غرفة حتى بلغ الحجرة التي اعتادت أن تنام فيها.
فتح الباب، وألقى ببصره إلى الأرض في حذر واستحياء، لكن عيناه وقعتا على مشهد صعقه، كوب زجاجي ملقي على الأرض، وذراعها ممدودة في الهواء فوق حافة الفراش، كأنها كانت تهم برفع الكوب إلى شفتيها فسقط منها، جسدها يتلوى برعشة محمومة، وشفتاها تهذيان بكلمات مبعثرة لا تُفهم.
أسرع نحوها، أمسك بذراعها المرتجف، وأعاده إلى الفراش، ليتفاجأ بحرارتها المرتفعة كأنها جمر يشتعل في يده.
جسدها يرتعش بعنف، فتملكه الفزع بلا أدنى التفات لهيئتها، حملها بين ذراعيه، لم يبال بعباءتها القطنية القصيرة التي تصل إلى الركبة، ولا بأكمامها النصفية، ولا بشعرها المنسدل بلا حجاب؛ كل ما شغله في تلك اللحظة هو إنقاذها.
اندفع بها إلى الحمام، فتح صنبور الاستحمام، وبينما ينتظر امتلاء حوض الاستحمام، أسرع إلى الحوض يملأ كفيه ماء بارد يرشه على وجهها، فتزداد رجفتها وتزداد مخاوفه.
هتف بصوت متهدج يتخلله الرجاء
"أميرة، سمعاني؟!، إيه اللي حصلك يا حبيبتي؟!، أغيب يوم عنك أرجع ألاقيكي متبهدلة كده؟!"
ارتفع الماء في حوض الاستحمام، فأغلق الصنبور، ووضعها برفق داخله، كأنه يخشى أن تنكسر بين يديه.
شهقت فجأة، تعلقت بذراعيها حول رقبته كالغريق إذا ما تشبث بلوح نجاة، وبدأت تستعيد وعيها رويداً رويداً.
وحين فتحت عينيها، كان أول ما أبصرته أنها في حضنه، هتفت باسمه بصوت خافت متهالك
"رحيم"
رفع رأسه إليها بلهفة مشوبة بالخوف، وعيناه تجول في ملامحها المرتجفة
"حاسة بإيه؟"
كانت بين اليقظة والإغماء، جفونها تترنح كزهرة ذابلة بين انفتاح وانطباق، تناضل لتستعيد وعيها، ثم تذوب من جديد في غشاوة الوهن.
اقترب منها، أزاح خصلات شعرها الملتصقة بجبينها، فاستجابت كطفلة مذعورة وألقت بنفسهامرة أخرى في حضنه، فتسارع أنفاسه وضمها برفق وهو يهمس في أذنها
"معلشي يا حبيبتي، لازم ننزل الحرارة الأول، وبعد كده ناخد العلاج"
أبعد ذراعيها الضعيفتين عنه، فنهض مسرعاً.
امسك هاتفه وأجرى اتصالاً قصير بحارس العقار، يطلب منه أن يجلب طعام وبعض الأدوية.
وبعد لحظات، عاد نحوها وحملها من حوض الاستحمام وقد التصقت عباءتها القطنية المبللة بجسدها التصاقاً يشي بالحرج، فحاول جاهدًا أن يغض بصره عنها، وراح يبحث بعينيه عن غطاء.
لمح معطف قطني معلق على المشجب خلف باب الحمام، التقطه بسرعة ووضعه عليها في حنو.
ثم عاد بها إلى الغرفة، ووضعها على الفراش برفق قبل أن يسمع صوت الجرس يدوي في أرجاء الشقة، فانطلق يفتح الباب على عجل.
في تلك الأثناء، بدأت الغشاوة تنقشع عن بصرها، فرؤيتها تتضح شيئاً فشيئاً. حاولت أن تنهض باستقامة، غير أن جسدها خذلها فبقيت عاجزة عن الحركة. شعرت برطوبة باردة تتسرب إلى جسدها، رفعت ذراعيها بتثاقل، لتجد أنها ترتدي معطف قطني.
تساءلت في ذهول من ألبسها إياه؟، ولماذا ملابسها مبتلة؟
حاولت الاستناد على الفراش، فوقع بصرها على المرآة المقابلة لترى انعكاسها، عباءتها مبتلة ومتلاصقة بجسدها.
ارتجفت، وهتفت بدهشة ممزوجة بالخجل
"إيه اللي بل هدومي كلها كده؟!، والبورنص ده لبسته إمتى وإزاي؟"
وبينما تكلم نفسها، فُتح باب الغرفة فجأة، وإذا برحيم يدخل وهو يحمل صينية طعام وشنطة صغيرة مطبوع عليها اسم صيدلية وشعارها.
شهقت من هول الموقف، وجذبت الدثار تغطي به جسدها حتى أخفته بالكامل.
تقدم هو ووضع الصينية على الكمود بجوارها قائلاً
"آسف… ما خبطتش قبل ما أدخل، كنت فاكرك نايمة، بس كويس إنك فوقتي الحمدلله"
قالت بصوت منخفض يقطر حرج
"لو سمحت، ناولني الحجاب بتاعي، متعلق على الشماعة"
استدار، والتقط حجابها من المشجب المتفرع خلفه، ومده إليها قائلاً برفق
"اتفضلي"
أخذته على عجل، ثم قالت بخجل واضح
"غمض عينيك"
فعل ما أمرته به، وأطبق جفنيه مبتسماً كطفل مطيع، قبل أن يهمس في رقة مازحة
"على فكرة… شعرك حلو أوي، شبه خيوط الحرير اللي لونها دهبي"
ارتدت حجابها بسرعة وهي في غاية التوتر والخجل، ثم سألته بعينين متوترتين
"وإنت بتبص على شعري ليه؟"
ابتسم في صمت، ثم سألها بهدوء
"أفتح عينيا خلاص؟"
أجابته بلهجة مترددة
"افتحها"
فتح عينيه فتأملها بعمق، رآها وقد ازدادت جمالاً بالحجاب، جمال يفيض وقاراً فوق أنوثتها المتألقة.
جذب كرسي وجلس إلى جوار فراشها، وقال بنبرة عتابٍ ممزوجة بحنان
"كده تخضيني عليكي؟!، أفضل أتصل كتير وما ترديش… خليتيني أسوق زي المجنون وأنا مرعوب ليكون جرالك حاجة، جيت لاقيت حرارتك مولعة، كان لازم أخدك وأحطك في البانيو عشان أنزلك السخونية قبل ما أديلك الحقنة"
أطرقت برأسها تستمع إلى كلماته، بينما خيالها يرسم كيف كانت حالها بين يديه وهي فاقدة الوعي، بملابسها المبللة وشعرها المسدول بلا حجاب.
اجتاحها شعور بالخجل الممزوج بالارتباك،رفعت عينيها فجأة وسألته في دهشة مشوبة بالاعتراض
"حقنة؟!، حقنة إيه؟!"
اعتلت ثغره ابتسامة عملية، واجاب ببرود الطبيب الذي يحدث مريضه
"حقنة مسكنة و خافض للحرارة"
أخرج رحيم الإبرة والأنبول من الكيس، أخذ يعد أدواته بعناية، وصوت أنفاسه متسارع كأن قلبه يخشى أن يرتجف أكثر من يداه.
ملأ وعاء الإبرة بالجرعة المطلوبة حتى أصبح جاهزاً، بينما كانت نظراتها مشوبة بالوجل، يكسوها توجسٌ لم تستطع إخفاءه.
سألته بصوت مرتعش يتأرجح بين الخوف والاستفهام
"بغض النظر عن إن أنا بخاف من الحقن أصلاً، بس هي حقنة الخافض المفروض بتتاخد في العضل؟"
أجابها بعملية هادئة، كأنه يقطع الشك باليقين
"بالظبط"
رفعت حاجبيها بدهشة أشد
"والمفروض إنت اللي هتديهالي؟"
ابتسم باقتضاب وهو يضغط على الحقنة ليُخرج فقاعات الهواء الأخيرة
"آه، ويلا عشان أديهالك"
لكنها فجأة صاحت
"لاء"
نظر إليها في تعجب شديد، وكاد يستفهم عن سبب رفضها، غير أنها لم تجد حلاً سوى أن تشرح له الأمر بتردد متقطع
"قصد مش هاينفع، أنا بعرف آخد الحقنة بنفسي"
عندها أدرك مغزاها أخيراً، فأطرق رأسه في حرج واضح، يمرر أصابعه بين خصلات شعره وهو ينهض
"طيب أنا هاخرج وأستناكي بره، ولما تخلصي نادي عليا"
أومأت له في صمت، فغادر الغرفة وأغلق الباب خلفه، جلست وحدها تستجمع بقايا قوتها، أمسكت بالإبرة المرتعشة بين يديها، وحاولت بصعوبة أن تحقن نفسها.
رغم الألم الذي تسلل إلى جسدها، فإن ذلك بدا أهون عليها من أن تكشف جزءاً من جسدها أمامه، يكفي ما رآه اليوم!
في الخارج، رحيم يتكئ على الجدار، شارداً في ملامحها البريئة بمخيلته متذكراً كيف خطف جمالها الساحر عقله وقلبه معاً في لحظة واحدة.
انتبه إلى صوتها الخافت تناديه، فطرق الباب بخفة ثم ولج إلى الداخل.
رآها وقد ارتدت ثوباً طويلاً بأكمام ساترة، وعدلت وضع حجابها حتى غطى شعرها بالكامل، فبدت في وقار أنيق يزيدها بهاء.
جلس على الكرسي جوار فراشها وسألها بلهجة حانية
"عاملة إيه دلوقتي؟"
أجابت بوهن
"حاسة بدوخة… وعنيا وجعاني… وصداع"
قال وهو يراقبها بعين الطبيب والراعي معاً
"كلها أعراض بسبب حرارتك العالية، والدوخة عشان شكلك ماكلتيش حاجة من امبارح، أنا خليت مرات عم ربيع تعملك شوربة ورز والفرخة دي، لازم تخلصي كل ده"
رمقت الطعام بعين نصف مغلقة، لكن الجوع أخذ يقرع أحشاءها فاعترفت قائلة
"هاكل… بس على شرط، تاكل معايا"
ابتسم، ولم يرد طلبها
"عينيا"
أمسك بالشوكة والسكين، وبدأ يقطع الدجاجة إلى قطع صغيرة، ثم غرز شوكة في قطعة ومدها أمام شفتيها
"مين اللي هاياكل الحتة دي؟"
أشاحت وجهها ضاحكة، وقالت بمر خجول
"إنت بتعمل إيه؟!، إنت شايفني طفلة صغيرة؟"
أجابها بابتسامة دافئة
"آه… شايف أحلى طفلة قدامي، افتحي بوقك يلا وكُلي، عشان بعد ما نخلص أكل، عايز أقولك على خبر حلو"
استسلمت لمشاعره الحانية، ففتحت فمها وتناولت الطعام من يده، قطعة بعد أخرى، ملعقة تليها ملعقة، حتى شعرت بالشبع يتسلل إلى جسدها المتعب.
ارتشفت بعض الماء ثم تناولت الأدوية، وحين وضعت الكوب على الكمود كاد أن ينفلت من يدها المرتعشة، فأمسكه هو بسرعة قبل أن يقع وينكسر.
نظرت إليه بخجل وهمست
"آسفة… إيدي بتترعش غصب عني"
جلس جوارها على طرف الفراش، أمسك بيدها المرتجفة وربت عليها بحنان يفيض دفئً
"بتتأسفي ليه بس؟!، فداكي مليون كباية، معلش هي الرعشة دي مؤقتة، شوية و هتروح"
حاولت أن تنهض وتجلس باستقامة، فلم تستطع، بينما هو أسرع بمساعدتها، لتجد نفسه بين يديه، يحاول أن يجعلها تنعم بالجلوس المريح، لكن هنت الزمن قد تجمد حولهما، وساد لحظة صمت ثقيلة، تتبادل فيها الأعين النظرات الحارة، شعر كليهما بأنفاس الآخر.
نظراته كانت تغمرها بالكثير، تنطق عن مشاعر كانت قد ولدت منذ أول لقاء بينهما، مشاعر دفينة لم يعلن عنها بعد، لكنها كانت حاضرة في كل خفقة قلب، في كل شاردة فكر.
أما هي، فكانت كالتائهة في بحر عينيه السوداوين، ضائعة بين تيارات من العاطفة والغموض، وفي لحظة خاطفة، لم تشعر بها إلا وجدت نفسها كالمسحورة في عالمه، حتى اقتنص شفاها في أول قبلة له، حرك ذراعيه ليحتويها بينهما، وظل يقبلها كما لو كان يتذوق ثمرة من جنة بعيدة، كمن يرتشف عسل الحياة لأول مرة، وكل رشفة تزيده شغفًا، وكل لحظة قرب تجعله يريد المزيد.
لم يشعر بنفسه إلا حين دفعته برفق، ابتعد عنها بصعوبة بينما صدره يرتفع وينخفض في توتر وقلق، وصوته الداخلي يهتف بندم.
نظرت له بلوم وعتاب واضح، وقبل أن ينطق بحرف، صدح رنين الجرس ككائن غريب يقتحم سكون اللحظة.
ذهب ليفتح الباب، رتب ثيابه وأخفى توتره قدر الإمكان، ثم وجدها زوجة حارس العقار، واقفة بابتسامة خجولة
"عايز مني أي خدمة يا دكتور رحيم؟"
ابتسم ابتسامة محتشمة
"لا، قصدي آه، عايز، عايز واحدة تكون أمينة تقعد تراعي أميرة في غيابي، تاخد بالها منها لأنها بتتعب على طول"
"والله يا دكتور، كان نفسي أقعد معاها أنا ومن غير فلوس كمان، بس حضرتك زي ما أنت عارف، السكان هنا كل واحد فيهم يطلب حاجة طول النهار ومش بلاحق عليهم، بس عندي طلبك، ست جدعة وأمينة جداً، وهايعجبك شغلها إن شاء الله، أي نعم رغاية شوية، بس ست زي العسل"
"مش مشكلة، المهم تاخد بالها منها"
"من بكرة هاتكون عندكم يا دكتور"
"تمام، وأنا مستني"
"عن إذن حضرتك"
"اتفضلي"
أغلقت الباب خلفها، وعاد إلى الداخل، جلس في الردهة الفسيحة ذات الجدران الشاهقة، أغمض عينيه، يسرح في ذكريات ما حدث منذ قليل، كيف انجذب إليها دون إرادة، كيف فعل شيئًا لم يكن من حقه حالياً، شعور بالضيق والندم يتسلل إلى أعماقه، وكلما تذكر نظرتها له، رغب في صفع نفسه لعنف تصرفه.
نهض وقرر أن يذهب إليها ليعتذر، لكنه تردد، وفي النهاية قرر أن يفعل شيئًا يخفف الحرج، فأمسك هاتفه وكتب لها رسالة
«آسف... مش عارف إزاي أنا عملت كده... بس كانت فيه حاجة بتشدني ليكي جامد ومقدرتش أقاوم... ياريت تتقبلي اعتذاري... مش هكررها تاني... كلها أيام وهتبقي مراتي حلالي... بحبك أوي ❤🌹»
تقرأ الرسالة، وخديها على وشك الانفجار من حمرة الخجل، تتلمس شفتيها الوردية برقة، وتتذكر ما حدث منذ دقائق، أطفأت إضاءة الغرفة، وارتمت أسفل الدثار، لتقرأ اعتذاره الذي انتهى باعتراف جعل قلبها يرفرف بشدة، ليس أقل تأثراً من شفتيها التي احتضنها بخاصته منذ قليل.
❈-❈-❈
أوقف طه سيارته بجانب الرصيف في المكان المعتاد أمام المبنى السكني الذي يقيم به.
نزل من السيارة، غارقًا في أفكاره، ولم يلحظ شيماء المنتظرة في الشرفة، تراقب حركته بهدوء وابتسامة خفيفة على شفتيها.
دخل العمارة، فرأى روميساء تغادر المصعد، تجر حقيبة سفر ثقيلة، فتقدم حارس العقار بسرعة نحوها
"عنك يا هانم"
مدت يدها بمفتاح سيارتها للحارس وقالت بثقة
"حطهالي في شنطة العربية"
وبمجرد أن خرج الحارس، اقترب طه منها، وأخذ ينظر حوله، ثم سألها بفضول
"مش قولتي إنك هتسافري الأسبوع الجاي؟، رايحة بدري ليه؟"
ابتسمت بروح مرحة وأجابت
"جالي تصوير إعلانات مع شركة تانية في نفس المكان اللي هاعمل فيه تصوير الإعلان التاني"
"ربنا يوفقك"
اقترب منها أكثر، ونظراته ملؤها الإعجاب، بينما هي بنظرات يغري بها، همست
"ممكن تيجي معايا، على فكرة هتتبسط أوي، أنا وتيم التصوير هنخرج ونسهر ونتفسح في أماكن أراهنك عمرك ما شوفتها في حياتك، ويا سلام لو معاك حد بتحبه وبيحبك، قولت إيه؟"
ابتلع ريقه، وكأنه أحمق أبله أمامها، قال بصوت متلعثم
"أقول إيه؟"
أطلقت ضحكة صاخبة دوى صداها في الفناء، ثم سألت بخفة
"بقولك احجزلك الأوضة اللي جمبي ولا هتنزل معايا في أوضتي؟!"
حك ذقنه، وظل يفكر لثوان ثم أجاب مترددًا
"سيبيني أظبط أموري كده في الشغل عندي"
غمزت بعينها، وقالت مازحة
"الشغل برضه ولا البيت يا تيتو؟!"
تضايق من سخريتها، فرد بجدية
"رحلة سعيدة، عن إذنك"
ابتعد، بينما بقيت روميساء تراقبه بابتسامة ماكرة، والفناء يعج بأصوات الحياة اليومية، والهواء يحمل معه رائحة المغامرة القادمة.
كاد أن يتركها ويذهب نحو المصعد، فإذا بروميساء توقفه، بابتسامة مشاغبة تزين وجهها
"مش قصدي أزعلك والله، كنت بهزر معاك، ما أنا فاهمة اللي فيها، المدام شكلها قافشة معاك من وقت ما شافتنا في البلكونة بنكلم بعض، ومش بعيد معيشاك في نكد ليل ونهار، أوف بجد التخيل لوحده يخنق، أومال انت تعمل إيه يا مسكين؟"
تنهد طه، و رد بصوت جاد، يحمل في طياته الحزم
"خلاص يا روميساء، ياريت ما تجبيش سيرة المدام، دي مراتي وأم ولادي وما أستحملش عليها كلمة"
ابتسمت بروح مرحة، وتابعت مازحة
"حاضر يا سيدي، حقك عليا رغم إن المفروض ليا حق عندك، اسألك في الشات إيه رأيك في آخر أوت فيت ليا ماتردش عليا؟"
ابتسم فورًا كأنما لم ينزعج لحظة، فأجابها
"معلش، كنت مشغول شوية، وبعدين انتي محتاجة رأيي في إيه؟، الحلو حلو… لو لبس أيه، جمالك بيتكلم عن نفسه"
غمز لها بعينه، فاطلقت ضحكة رقيعة تخترق أجواء المكان، وملأت قلبه بهجة.
شعر باهتزاز هاتفه في جيبه، أخرجه فوجد المتصل زوجته، شعر بالتوتر وحاول إخفاء شعوره أمام روميساء، لكنها لاحظت وقالت
"مضطرة أسيبك بقي عشان ما أتأخرش، هستناك، باي باي"
لوحت بيدها، وأرسلت له قُبلة في الهواء، فجعلته يعض على شفته السفلى من الإعجاب والرغبة.
ركض نحو المصعد بسرعة، وما أن وصل إلى الطابق الذي تقع فيه شقته، حتى وجد شيماء قد فتحت الباب، ممسكة بهاتفها وعيناها تلمعان بالتعجب
"بقالك ساعة واقف بتعمل إيه تحت في مدخل العمارة؟"
أجابها بسرعة محاولاً التهرب
"كان البواب بيكلمني في شوية حاجات تبع اتحاد الملاك"
ارتفع صوتها بلهجة مزعجة، لكنها تخفيه بابتسامة
"وست روميساء كانت بتبلغك هي كمان يا حبيبي؟!"
اقترب منها بحدة، وصاح بغضب زائف
"جرى إيه يا شيماء!، هانرجع لنفس الموال تاني؟!، مش قولتلك الموضوع قفلنا عليه بضبة ومفتاح، ولا انتي واحشك النكد والخناق؟!"
اقتربت منه بندم صادق
"خلاص حقك عليا… ما تزعلش، أنا بس كنت مستنياك عشان نتغدى مع بعض، العيال رجعوا من برة، اتغدوا من بدري وخلصوا مذاكرتهم وناموا، وأنا فضلت مستنياك"
اتجه نحو الغرفة، وهو يلفت نظرها قائلاً
"اتغدى انتي، أنا مش جعان"
وقفت بجانبه وهي تراقبه وهو يفك أزرار قميصه، وقالت بعتاب
"يعني أنا أفضل جعانة ومستنياك عشان ناكل مع بعض، تقولي اتغدى انتي، ماشي براحتك يا طه"
شعر بالذنب يغمر قلبه، إذ يعلم أن ذنبه ليس مجرد رفض تناول الطعام معها، بل لخيانته المتكررة لها رغم وعده الواهي. تنهد وأمرها
"روحي يا شيماء حضري السفرة عقبال ما آخدلي دش"
ابتسمت بمكر، وقالت بابتسامة فطنة
"أجي أحميك زي المرة اللي فاتت؟"
تذكر فورًا ما فعلته به، اتسعت عيناه، وهز رأسه قائلاً
"لا، شكراً مش عايز، الله يسامحك أنا من وقتها وجسمي ملتهب من الميه المولعة اللي ملتيلي بيها البانيو ووقعتني فيه، المرة دي ناوية تعملي فيا إيه تاني يا شيماء؟!"
تنهدت وهي تبرر فعلتها المقصودة
"يا حبيبي مكنش قصدي، أنا فعلاً شغلت السخن، بس ظبطت الميه وما خدتش بالي إن السخان كان شغال على درجة حرارة عالية"
ارتسم على وجهه مزيج من السخرية والجدية
"انتي مش هترتاحي غير لما تجيبي أجلي يا شيخة"
دفعها بلطف من أمامه ودخل الحمام، وقفل الباب بإحكام، وأغلق القفل من الداخل.
وقفت خلف الباب، وقالت بصوت خفيض لكنه مملوء بالمودة
"بعد الشر عليك يا حبيبي، ده أنا مليش غيرك يا روحي"
بينما كانت روحُها داخل الحمام، يمسك هاتفه بيده الأخرى، وبدأ يكتب رسالة قصيرة لروميساء
«خدي بالك من نفسك، ولما توصلي الفندق طمنيني عليكي»
❈-❈-❈
جلسا على مائدة الغداء، تتخللها أشعة الشمس من زجاج باب الشرفة، فتتلألأ على أطباق الطعام وكأنها تنثر وهجها الذهبي على كل شيء.
كان هو يلتهم لقيمات طعامه بهدوء، بينما شيماء كانت تضع قطعة الطعام في فمه، بعفوية طفولية تثير ضحكه الداخلي.
"مش لقوا كارين ورجعت بالسلامة لولادها"
ابتلع لقيماته و رد قائلاً
"أه، عرفت من آدم النهاردة"
"بيقولوا الواد اللي خاطفها بعيد عنك مجنون… ده قتل الدكتور اللي كان جايبه ليها وقطع جثته حتت، ورمى كل حتة في مكان مختلف، بس الحمد لله قصي راح وأنقذها"
أخذت شيماء نفس عميق من الصمت، لتكمل بعينيها المتلألئتين بالإعجاب "تصدق، قصي طلع جدع جدًا، يمكن أجدع واحد في ولاد عمك كلهم، يا بخت صبا بيه بجد، فيه كل مواصفات الراجل المثالي، يلا ناس ليها قصي وناس ليها طه"
لم تدرِ أنها تتحدث أمام زوجها، فعندما التفتت إليه، وجدت نظراته كالسيف، يغلي من فرط الغضب.
قبض على ذراعها بعنف، وصوته يخرجه من مكامن الصبر
"وهو فيه واحدة ست محترمة تقعد تتغزل في راجل قدام جوزها يا هانم؟!"
ابتلعت ريقها وانقبضت ملامحها بالألم والندم
"والله ما أقصد أعاكسه يا سي طه… أنا قصدي إنه جدع وكده، معقول عينيا تبص لواحد غيرك؟، لا تربيتي ولا أخلاقي يسمحولي بكده"
زاد حدة صوته
"خدي بالك من كلامك، المرة دي هعديهالك بمزاجي، لكن المرة الجاية هيبقى فيه رد فعل مش هيعجبك خالص، اتلمي يا شيماء"
ارتعشت شيماء بفزع، وأومأت برأسها "حاضر… حاضر"
نهضت واقتربت منه، أحاطت ظهره بحنان، وقبلت رأسه وهمست
"حقك عليا يا حبيبي… مش هكررها تاني"
تذكر هو الآن الفرصة المناسبة ليخبرها بما يهمه
"شوفتي نستيني… كنت هقولك حاجة مهمة"
ابتسمت واخبرته
"قول يا حبيبي… سمعاك"
"عندي سفرية تلات أيام، ويمكن أكتر… شغل خارجي، مصلحة يعني، ربنا يرزقنا منها بقرشين حلوين"
"هتسافر فين؟، وإيه السفرية اللي جت فجأة؟"
"ده شغل يا شيماء… ورزق جاي لحد عندي، عايزاني أقول للرزق لأ؟، ده حتى يبقى بطران"
أجابته شيماء بحنان
"تروح وتيجي بالسلامة يا أبو سالم، هاقوم أشيل الأكل وأروح أحضرلك شنطتك، وتعالى معايا عشان تقولي محتاج إيه"
تركته مع نفسه وضميره يئن من ما يفعله من وراءها، وهو يعلم أن قلبه قد يغلي لو لحظة شعر أن عينيها تتغزل في رجل آخر، بينما هو سيذهب ليلهو مع تلك الحسناء، وربما يصل إلى هدفه منها، كما تتحرك غرائز أي رجل نحو امرأة سهلة المنال، محاطًا بشبكة من الرغبات المظلمة والتناقضات الداخلية.
❈-❈-❈
جلس ياسين في غرفة المعيشة، غارق في عالمه المهني، هاتفه في يده وكلماته تتناثر بين الحزم والصرامة وهو يتابع سير العمل مع أحد موظفيه.
قال بنبرة حازمة
"قوله مش هانقبل غير بالسعر اللي إحنا منزلينه، غير كده معندناش وحدات للبيع"
توقف قليلًا، وأعاد التأكيد بلهجة تكاد تشبه الأمر المباشر، عيناه تلمعان بالتركيز
"يا بني افهم بالله عليك، أنا صاحي عندي صداع، اسمع اللي بقولك عليه و اعمله، و أراهنك إنه لو موافقش خمس دقايق هايتصل بيك تاني عشان يشتري، أنا فاهم دماغ الناس دي، اسمع مني وهستني منك تليفون تقولي علي اللي حصل"
ثم أنهى المكالمة بكلمة قصيرة لكن محملة بالإرهاق
"يلا سلام"
ألقي الهاتف فوق الأريكة، وزفر زفرة عميقة تنم عن توتر يومه الطويل.
وفي تلك اللحظة انتبه إلى قدومها، تحمل صينية يعلوها فنجان من القهوة وطبق صغير يحتوي على قطع الشوكولاتة الفاخرة.
ابتسمت له، فارتفع عبق القهوة في الهواء ليصنع جو دافئ.
اخبرته بمرح
"الصداع اللي عندك محتاج كوباية قهوة سادة ومعاها شيكولاتة سويسرية هاتعجبك"
اقترب منها، أمسك يدها وربت عليها بلطف
"تسلم إيدك يا رودينا على القهوة قبل ما أشربها"
أجابته بنبرة دافئة مليئة بالحب
"اطلب أي حاجة وعينيا ليك، بس يارب تفضل حنين معايا على طول وما ترجعش تقلب تاني"
تزحزح من مكانه حتى أصبح ملتصق بجوارها، احاط ظهرها بذراعه، وقال بصوت خافت
"آسف إن اتنرفزت عليكي آخر مرة، وإنتي ملكيش ذنب"
مال برأسه لتقبيل رأسها، فاستسلمت له، وأغمضت عينيها مستمتعة بدفء صدره، غير مصدقة أن بنفسه يحتضنها ويعتذر ويقبل رأسها.
ردت برقة وعذوبة
"أنا عذراك يا حبيبي، الحالة اللي بتمر بيها مش سهلة على أي حد إنه يتحملها"
رفعت رأسها عن صدره، ونظرت في عينيه بهيام
"أنا بحبك وعمري ما بزعل منك، ما أنكرش إني بخاف من قلبتك كتير، بس مستعدة استحملك في كل حالاتك، المهم راحتك وسعادتك عندي بالدنيا"
مدت يدها بفنجان القهوة له، وأمسكت بقطعة من الشوكولاتة
"اتفضل اشرب القهوة قبل ما تبرد، والشوكليت دي كولها وانت بتشربها هتوديلك طعم القهوة في حتة تانية خالص"
ارتشف قليلًا من القهوة، وقضم قطعة الشوكولاتة، واستغرق في الاستمتاع بالمذاق الذي امتزج بين المرارة والحلاوة،
قالت له بابتسامة
"القهوة هتضيعلك الصداع، والشيكولاتة هترفع عندك الدوبامين، هرمون السعادة اللي هيخليك ريلاكس خالص"
مد يده ببقية قطعة الشيكولاتة نحوها، وقال بابتسامة دافئة
"كوليها"
لم تصدق نفسها، فهو يشاركها شيئًا يخصه، فقالت بدهشة وحب
"بالهنا والشفا، فيه في الطبق كتير ولسه واكلة واحدة في المطبخ"
ابتسم لها، وأجابها بخفة ظل
"وإيه يعني أنا بديهالك، اعتبريها عربون محبة"
اقتربت منه بدلال وتسأله بترقب
"حيث كدة بقي، ممكن تأكلهالي بإيدك؟"
فعل النقيض هذه المرة، مد قطعة الشيكولاتة بأطراف أصابعه الإبهام والسبابة والوسطى، فامسكت بمعصمه، وأخذت القطعة وهي تتعمد لحس أطراف أنامله بشفتيها، ونظرت إليه في آن واحد.
لم ينكر ما تفعله، فانتابت جسده قشعريرة خفيفة.
ومع انتهاء هذه اللحظة، اندلعت نيران داخله، شعور بالحرارة لم يعرف مصدره، هل من القهوة والشيكولاتة، أم من تلك المرأة التي أمامه وما تفعله به.
أشار لها بعينيه نحو شفتيها الملطختين بالشيكولاتة، وأخرج صوته بصعوبة
"فيه شوكليت على شفايفك"
عانقت رقبته بذراعيها واقتربت بشفتيها منه
"ممكن تمسحهالي بنفسك"
ابتسم، وأدرك اللعبة التي توقعه بها بطريقة غير مباشرة، وسألها بمكر
"ياسمينا نامت؟"
"و في سابع نومة، مش هاتقوم دلوقتي لإنها مانمتش كويس امبارح"
عقد حاجبيه بجدية، واستفسر
"ما نمتش ليه امبارح؟"
"يا حبيبي ما تقلقش، هي حلمت بكابوس مش حلو، أنا كنت صاحية ودخلت نمت جمبها وقعدت أحكيلها حواديت لحد ما نامت"
ابتسم واخبرها بإمتنان
"مش عارف أشكرك على إيه ولا إيه، بنتي ربنا رزقها بأم تانية حنينة عليها"
لكن فجأة، وكأنه سكب ماء مثلج فوق رأسها، تذكرت أمر زوجته التي تخفيه، فخففت توترها بابتسامة زائفة
"قولتلك مفيش بينا شكر يا حبيبي، وأنا بقي زي ماما لياسمينا، أومال أنا بالنسبة لك إيه؟"
نهض ووقف أمامها، متردد بين شعوره للأخرى وواجباته تجاهها، يحاول أن يتعايش مع الواقع الذي لا مفر منه، فيتعامل معها كزوج حنون يحسن معاشرتها، ويحاول ألا يظلمها مرة أخرى.
لاحظ نظرتها، تنتظر بفارغ الصبر، فجذب يدها وقال
"تعالي جوه الأوضة وهقولك"
و بداخل غرفتهما، دفع الباب بقدمه ليغلقه خلفهما، أخذ يقبلها بنهم فبادلته قبلاته، وأخذت تفك أزرار قميصه.
حملها من خصرها، فلفت ساقيها حول خصره، وذراعها تمسك بكتفه، وأخرى تغرز أنامل يدها بين خصلات شعره، و مازالت تقبله بنهم جامح.
فإذا بالباب يفتح فجأة، وتدخل ابنته، تبكي وترتجف، وتردد بصوت مخنوق
"عايزة ماما، عايزة ماما"
انتفض كليهما في لحظة مليئة بالتوتر، نزلت رودينا واقفة، كادت أن تتعثر وتسقط على الأرض، لكن ياسين اعتدل، وحاول إغلاق أزرار قميصه بعشوائية، ثم جلس على الكرسي، محتضنًا ابنته الباكية بين ذراعيه.
قال لها بصوت دافئ وملؤه الحنان
"مالك يا ياسمينا، بتعيطي ليه يا حبيبتي؟"
أخذت تمسح في دموع عينيها، وعبرت بما يملأ قلبها الصغير
"شوفت ماما في الحلم، قعدت أجري وراها وهي تبعد، لحد ما وصلت ليها، وجيت أحضنها وأقولها واحشاني أوي، قالتلي معرفكيش وسابتني ومشيت"
كانت زوجة أبيها تتابع سرد الصغيرة، ترمقها بنظرة تحمل الغيظ والامتعاض، بينما ياسين عانق ابنته وأخذ يربت على ظهرها، محاولًا أن يخفف عنها شعور الخوف والحزن
"ما تزعليش يا روحي، ده حلم يعني مش حقيقي، ماما في مكان أحلى بكتير، وبتشوفك وبتيجي لي في الحلم أنا كمان، وقالتلي أخدك إنتي و طنط رودينا أوديكم الملاهي، ها مبسوطة؟"
كفت عن البكاء، ونظرت إلى رودينا ثم إلى والدها، متعلقة بذراعيها الصغيرتين حول عنقه، وصوتها يختلط بالدهشة والفرحة
"الملاهي اللي كنت بتاخدني أنا ومامي فيها زمان؟"
ابتسم ياسين بحب
"أه يا حبيبتي، يلا روحي اغسلي وشك وخلي طنط رودينا تساعدك تلبسي طقم جميل وهانروح دلوقتي"
نظر ياسين إلى زوجته، التي سرعان ما ابتسمت، لكن ما تشعر به كان نقيض ما تظهره.
تمنت أن تجذب الصغيرة من خصلاتها لسببين، الأول لقطعها لحظة من أجمل اللحظات التي كانت تحلم بها بعد عناء، والثاني لتكرار سيرة والدتها التي تحاول نسيان وجودها.
فأمر ظهور ياسمين بالنسبة لها و معرفة ياسين إنها علي قيد الحياة، يعني تدمير حياتها معه، أو أن تصبح شيئًا مهملًا، و الاسم زوجته فقط!
❈-❈-❈
داخل فيلا آسر وهاجر، وقد استعدت أركانها لاستقبال الاحتفال بعيد ميلاد ابنهما وابنتهما، فكان المكان يعج بالزينة الملونة، والبالونات المرفوعة على الأعمدة، وأضواء خافتة تتراقص على الجدران البيضاء.
ووقف آسر على سلم صغير، يعلق الزينة بعناية، ثم نادى بصوت يملؤه الحماس
"جوجو، هاتيلي اللزق اللي عندك عشان اللي معايا خلص"
أجابت هاجر، وهي منشغلة بترتيب الحلويات على الطاولة
"تعالي خدوا من على الرخامة، أنا مش فاضية، برص الحلويات ومفيش حد بيساعدني فيكم غير ماما حبيبتي، ربنا يخليها ليا"
ردت والدتها بابتسامة حانية، وكأنها تواسيها على التعب
"روحي شوفي جوزك عايز إيه يا هاجر، وأنا هرصلك باقي الحلويات"
في تلك اللحظة، رن جرس الباب، فابتسمت هاجر متوقعة الضيوف
"أكيد دي لولو ويوسف"
فتحت الباب، فإذا بعلياء تقف ممسكة بحقائب هدايا فاخرة، ارتسمت على وجهها البشاشة والترحيب
"أهلاً وسهلاً، نورتونا"
بادلت هاجر العناق والسلام، قالت علياء
"حبيبتي يا جوجو، منور بيكم"
وألقت نظرة نحو المطبخ المفتوح على البهو، ثم نادت
"إزيك يا خالتو؟"
ردت خالتها وقد علت الابتسامة وجهها
"إزيك يا حبيبة خالتو، عاش من شافك، هو لازم ما نتجمعش غير في المناسبات عشان نشوفك يا ست علياء"
تقدمت علياء وعانقت خالتها بحرارة
"أنا أقدر يا ست الكل، ده أنا كنت معظم الوقت قاعدة عندك يا خالتو لحد ما اتخرجت"
ضحكت واردفت، وذكريات الأيام الطيبة تعود بها
"والله يا خالتو كانت أحلى أيام، الواحد كان باله رايق، لا مسئولية ولا شغل ولا أي حاجة تانية"
في تلك اللحظة، تدخل آسر مازحًا وهو ينزل من على السلم بعد أن أنهى تعليق الزينة
"قصدك إيه بالحاجة التانية يا دكتورة علياء؟"
ابتسمت هاجر وأجابت بدلًا منها
"هايكون قصدها على مين يعني؟، قصدها عليكم يا معشر الرجال، بتدخلوا حياتنا وبتتقلب كلها رأسًا على عقب"
ضحكت علياء بحرارة
"لأ يا جوجو، معندكيش حق، دكتور آسر جدع وابن أصول"
رد آسر بابتسامة
"الله يخليكي يا دكتور"
لكزته هاجر في كتفه بغيظ
"ما هي ما تعرفش حاجة، ولو تعرف بالمقلب اللي عملته فيا الصبح كنت هتقطعلي الخلف، الله يسامحك"
تدخلت والدة هاجر مبتسمة، وكأنها اعتادت على هذه المقالب
"مش جديد عليكم، انتوا على طول تعملوا مقالب، وزي العيال تناقرتوا في بعض"
"لأ يا ماما، المرة دي بجد كنت هاروح فيها، يرضيكي يا لولو جيت أصحي وأدخل الحمام ألاقي البانيو مليان دم، وجيت أتأكد ده إيه بالضبط ألاقي الباشا قايم من البانيو لابس قناع شكله شبه الزومبي قوليلي لو مكاني هاتعملي إيه؟"
نظرت علياء لآسر بعتاب
"لاء يا آسر، أنت غلطان، ممكن لا قدر الله قلبها يوقف من الصدمة، أومال لو مكنتش دكتور وعارف اللي ممكن يحصل، كنت عملت فيها إيه تاني؟"
ابتسم آسر وهو يقترب من زوجته، يضع ذراعه على كتفها بحنان
"جوجو دي حبيبتي، مقدرش أؤذيها، هي بس لما تنكد عليا شوية بعملها ريستارت عشان ترجع فرفوشة"
قالت هاجر بسخرية
"قصدك ارجعلك جثة"
فضحك الجميع، لكن آسر لاحظ وجود علياء وابنها الصغير الذي خرج يلعب في الحديقة مع أبنائه
"أومال فين يوسف ولوچي ماجوش ليه؟"
أجابت علياء بابتسامة خفيفة
"لوچي كان عندها مذاكرة كتير ونامت من الإرهاق، ويوسف معرفش جاي ولا لأ، بس أنا بلغته بالعيد الميلاد"
لحظة من الصمت، ثم تذكر آسر أمرًا أراد إخباره بها منذ فترة
"تعالي يا علياء نتمشى شوية في الجنينة"
بينما هاجر قالت
"روحوا، عقبال ما أخلص التحضيرات وأناديكم لما نخلص أنا وماما"
وفي الحديقة، كانت علياء تسير بجوار آسر، والنسيم العليل يداعب أوراق الأشجار، سألها بلهجة تموج بالسخرية الخافتة
"يوسف عامل إيه؟"
تنهدت ببطء، وكأن سؤال واحد أثقل كاهلها
"بخير… بس مش غريبة بتسألني عليه وأنتم مع بعض ليل ونهار في المستشفى؟"
ابتسم الآخر بسخرية باردة
"تقريباً ما بروحش، غير إن أنا عرضت نسبتي للبيع في المستشفي"
توقفت علياء فجأة، وعقدت ما بين حاجبيها مستغربة
"ليه؟"
"أنا مش عارف أقولك إيه يا علياء، جوزك بقاله فترة مش طبيعي"
"وإيه تاني يا دكتور آسر؟"
كان سؤال يوسف الذي حضر للتو ونظراته المشتعلة لا تبشر بالخير
"ما تكمل كلامك سكت ليه؟، قولها جوزك مش طبيعي، ومجنون، وشكاك وبيتخيل حاجات للأسف هي بتحصل، والدليل واقفة الحبييبة اللي واقفينها في الجنينة"
صاحت علياء بغضب
"إيه اللي بتقوله ده، انت اتجننت؟!"
ثار يوسف، وكاد يهجم عليها فتدخل آسر ليمنعه، حامياً إياها
"لاء يا يوسف، انت في بيتي ولولا كده كان هيبقى ليا معاك تصرف تاني"
رد يوسف بنبرة احتقان واضحة، ونظراته مملوءة بالاشمئزاز
"إيه؟، هتخلص عليا عشان يخلالك الجو أنت والدكتورة؟!"
صاحت علياء برفض، ودموعها تكاد تنهمر
"لاء… مش هاستحمل أسمع أي قرف منك تاني، أقولك أنا هاروح أخد ابني ورايحة اقعد عند ماما"
أوقفها آسر
"اهدي يا علياء… انتي في بيت أخوكي وهو اللي مالوش مكان هنا طالما ما بيحترمش حد"
نظر يوسف إليه بازدراء شديد
"ومين قالك إن جاي لك ولا داخلك بيتك، أنا جاي أخد مراتي"
صاحت علياء برفض وحزم
"وأنا مش هاروح معاك، واللي عندك اعمله"
ركضت إلى الداخل، تمنع دموعها، ممسكة بيد ابنها الصغير
"يلا يا عز يا حبيبي احنا ماشين"
سألها الصغير ببراءة
"يا مامي… لسه العيد الميلاد مبدأش، أمجد وكارما هيزعلوا"
ربتت علياء على رأسه الصغير بحنان، محاولة تهدئته
"معلش يا حبيبي… أنا تعبت وعايزة أروح… وهاجي أجيبك هنا يوم تاني"
أطاع الصغير والدته، وصعد إلى داخل سيارتها، وما أن انطلقت حتى لمح والده يقف بجوار آسر
"إيه ده… بابي جه وواقف مع عمو آسر؟"
تجاهلت والدته الصغير، واجهشت بالبكاء، فسألها
"مالك يا مامي… بتعيطي ليه؟"
نظرت إليه، وربتت على رأسه مرة أخرى
"مفيش حاجة يا حبيبي… مفيش"
بينما يوسف وآسر، فلم يلحظ الأول مغادرة زوجته وابنه، وتفاقمت الأمور بينه وبين الأخر الذي وبخه بصرامة
"عمرك ما هاتتغير… ولو فضلت على وضعك هاتخسر كل اللي حواليك"
سمع صوت ابنته الصغيرة ينادي
"بابي… بابي"
قال لها والدها برقة
"روحي ألعبي يا حبيبتي مع أخوكي وعز الدين"
أخبرته الصغيرة ببراءة
"عز الدين خدته خالتو علياء وركبوا العربية ومشيوا"
انتبه يوسف لهذه الكلمات، ونظر إلى آسر شزراً
"حسابك معايا بعدين"
تركه وانطلق إلى سيارته، فتح هاتفه وتوجه لتطبيق التجسس، يتتبع زوجته أينما ذهبت، بينما يزيد من سرعة سيارته بلا مبالاة، حتى صادف سيارة أخرى قادمة في الاتجاه المعاكس.
صوت التنبيه يصدح من السيارة المقابلة، فانتبه قبل اللحظة الأخيرة، فانحنى فجأة عن الطريق، واصطدمت سيارته بقوة بجذع شجرة ضخمة على الرصيف، فتهدمت مقدمة السيارة وانبعثت سحابة من الدخان والغبار.
❈-❈-❈
وفي الملهى الليلي الخاص بعلية القوم، حيث يلتف أبناؤهم المدللون حول أضواء الأناقة والصخب، كانت لوچي ترقص على أنغام موسيقى صاخبة، ممسكة بكأس تلمع في يديها، ترتشف منه بمرح وتمرد.
وجدت يد تجذبها من وسط هذا الصخب، وابتعدت بها إلى مكان أقل ضوضاء، حيث وقف أمامها قائلاً
"مش كفاية شرب بقي؟، إحنا جايين نغير جو ولا نسكر؟"
أجابت وقد بدأ أثر الخمر يتغلغل في وعيها، وصوتها يموج بالتثمل
"إيه يا عموري، ما تسيبني أعمل اللي نفسي فيه، هاتبقى أنت وبابي وعلياء كلكم عليا؟!"
ابتسم لها عمر وهو يحاول السيطرة على الموقف
"وأنا عايزك تنبسطي، بس من غير ما تأذي نفسك، وهاتي البتاع ده من إيدك"
أجابت بتحدي
"كاس واحد بس يا عمر، عشان خاطري"
ردّ عليها بصرامة، وأشار إلى أن لا مجال للتفاوض
"ولا واحد ولا تاني"
ألقت بالكأس على الأرض فانكسر، فاجهشت بالبكاء، اقترب منها عمر، وعانقها بحنان، يربت على كتفها
"ما تعيطيش عشان خاطري يا لوچي… أنا بحبك وبخاف عليكي"
رفعت رأسها من صدره، وأومأت له بالسلب
"محدش بيحبني خالص"
حاوط عمر وجهها بكفيه، وهو يهمس
"أنا يا حبيبتي… بحبك"
سألته بتحد
"وإيه اللي يثبتلي إنك بتحبني؟"
دنا منها، كاد أن يقبل شفتيها، فقاطعه صوت أنثوي
"هاي؟"
التفت إلي صاحبة الصوت، فأشارت لعمر بيدها،بينما هو أمر لوچي قائلاً
"خليكي هنا وما تتحركيش، جاي علي طول"
قالت الفتاة بصوت خافت
"مش تعرفها عليا يا مازن… أوبس قصدي يا عمر"
مدت يدها نحو الأخرى
"أنا تيكا، وأنتي لوچي البحيري، صح؟"
بادلتها لوچي المصافحة، ونظرت إلى عمر
"عموري بيحكيلي عنك كتير… شايفة الغيرة في عينيكي؟، ما تقلقيش… هو بالنسبة لي البيست فريند مش أكتر من كدة"
دفعها عمر إلى مكان يبعد قليلًا عن لوچي التي تتأمل المشهد بدهشة، وسأل تيكا بغضب يكاد يتسرب من بين أسنانه
"إيه اللي جابك وجاية تعرفيها على نفسك ليه؟"
أجابت بحزم
"جيت عشان أبلغك البوص بيقولك آخر فرصة ليك الليلة دي، وإلا هتخلينا نضطر نعمل حاجة مش هاتعجبك خالص"
توتر عمر، وارتفع صوته
"لو قصدك على الفيديوهات اللي ماسكينها عليا… هاروح أبلغ عنكم، وأقول إنكم خلتوني أتصور غصب عني تحت التهديد… وابقوا وروني هاتعملوا إيه"
سألته تيكا بحدة ووعيد
"أنت قد كلامك؟!"
اجاب عمر بغضب
"عايزين مني إيه؟، ما بتشبعوش عمليات نصب وابتزاز وقذارة؟!، خرجوني من حساباتكم، خلاص مش هاشتغل ليكم تاني… وابقوا دوروا على واحد غيري أهبل تعرفوا تهددوه"
نظرت له تيكا بوعيد مختلط بالتهديد، وقالت بصوت هادئ
"أوك… أنا جيت أبلغك رسالة البوص، ورسالتك ليه هتوصل له، بس بليز ياريت ما تلومش غير نفسك… imiss you too"
عاد عمر إلى لوچي فلم يجدها، فتجهم وجهه، وتوجه إلى حلبة الرقص ليجد شابًا يحاول التحرش بها، فانطلق غضبه العارم، سدد له عدة لكمات وألقي عليه سبات بذيئة.
صاحت لوچي وهي تمسكه
"عمر، بليز خلاص، عمر كفاية"
رمقها بضيق وغضب
"يلا نمشي ، لو قعدنا دقيقة كمان هرتكب جريمة"
توجه إلى السيارة التي ركنها في ساحة الانتظار خارج الملهي، ففتح لها الباب لتجلس، وجلس خلف المقود.
سألته لوچي بعينين ثقيلتين من النوم
"عمر… هي تيكا دي فعلاً انت وهي أصدقاء بس و لا حاجة تانية؟"
تنهد وهو يحاول التركيز على الطريق
"لوچي بالله عليكي… مش قادر أتكلم… أنا هوصلك لحد القصر عندكم وهامشي"
أغمضت عينيها قليلاً، والنوم يداهمها، بينما يقود عمر سيارته في طريق نائي مظلم، قلبه يخفق بخوف، يخشي رد فعل أفراد العصابة على رسالته لهم واستهانته بهم.
وإذا به وهو يقود، يرى شاحنة تخرج من جانب الطريق، تقف بعرض الطريق فجأة، فتوقف أمام هذا المشهد السخيف والخطر.
أمر تلك المغيبة
"أوعي تتحركي ولا تنزلي من العربية، لما أنزل أشوف مين الغبي ده اللي واقف في نص الطريق"
نزل من السيارة، متجهًا نحو الشاحنة التي تعترض طريقه، وإذا بمجموعة من الملثمين يظهرون فجأة، أحدهم قيد ذراعيه خلف ظهره، وآخر يمسك بإبرة مخدرة وإذا به يغرزها في رقبته، بينما تتعرض لوچي لنفس المصير، كأنها دمية بين أيديهم، لتواجه مصيرها المرعب جنبًا إلى جنب مع عمر....