تحميل رواية غرام الذئاب بقلم ولاء رفعت علي pdf
بقلم ولاء رفعت علي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
༺الفصل الأول༻ بقلم ولاء رفعت ~ما بين الحب والفراق~ ما بين الحب و الفراق هناك وعد ووفاء... توالت السنوات بيننا و خوضنا معارك مع الحياة... كدت أفلت يدي من قبضتك فكان ذراعك الذي أحاط جسدي هو طوق النجاة... يا مَنْ سكن عشقك صدري لن تجد وطنا سوي فؤادي... أهلكت حصوني حتي اذاب صهر عذابك قراميدها... رفعت رايتي البيضاء واستسلمت... و ها أنا للتو في حرم سلطانك أقدم لك فروض الطاعة والولاء. استيقظت للتو من النوم وتبحث بجوارها عنه ولم تجده مثل الأمس، فكما أخبرها في اتصال هاتفي لديه رحلة عمل في دولة مجاورة و عل...
الفصل الحادي والثلاثون
رجال تُمزقهم الذكريات، ونساء يدفعن ثمن اختيارات لم تُمنح لهن يومًا.
حب يقاتل ليبقى، وخطيئة تتوسل النسيان، وقلوب ظنت أن الهروب نجاة فاكتشفت أنه بداية السقوط.
..............
ترجل من سيارته ووجهه لا يبشر بخير، دلف إلى الداخل، وصعد الدرج، وبدون استئذان دفع باب غرفة والدته بعنف، وكاد يصيح بغضب جم، فإذا بلسانه يتوقف فجأة، واتسعت عيناه من المشهد الذي رآه أمامه!
"روح؟!"
لم تكن دهشة فحسب، بل صدمة خالصة؛ صدمة من يرى ماضيه حيًّا يقف أمامه، ماضيه الذي ظنه دُفن منذ سنوات.
هي ذاتها… ملامحها، حضورها، ذلك الطيف الذي أحبه يومًا، وتمنى أن تكون زوجته، قبل أن تقف والدته سدً منيعًا في وجه حلمه، رافضة رفض قاطع لا يقبل النقاش.
بعدها ابتعد وسافر، وانقطع عن الجميع لسنوات ثم عاد إليه الخبر كطعنة غادرة، شقيقه حازم تزوجها.
انتشله من دوامة أفكاره صوت والدته، التي كانت قد فوجئت بوجوده، فقالت بنبرة حاولت أن تُخفي توترها
"حمد الله على السلامة"
لم يُجب، لم يلتفت، تركيزه مشدود بالكامل إلى تلك التي تقف أمامه، تُشبهها حد التطابق، كأنها انعكاسها في المرآة.
نظرت تلك النسخة إليه بثبات غريب، ثم سألته بصوت هادئ يخفي نبرة ساخرة
"أنت بقى أحمد الشريف، صح؟"
عقد ما بين حاجبيه في حيرة ظاهرة، فالتقطت رده بابتسامة ساخرة، لم تخل من لذعة متعمدة، التفتت بنظرة سريعة إلى شيري، التي رمقتها بنظرة تحذير صريحة، لكنها لم تُبالِ، وعادت ببصرها إلى أحمد واقتربت منه خطوة، قدمت نفسها بنبرة واضحة قاطعة
"أنا رهف… أخت روح الله يرحمها، أختها التوأم"
قبل أن يستوعب وقع الكلمات، تدخلت والدته على عجل، محاولة إنهاء الموقف
"اتفضلي انتي يا رهف، وأنا هبقى أكلمك"
نظرت إليها رهف نظرة ثابتة وقالت ببرود
"قدام حضرتك يومين مالهمش تالت، عن إذنك"
ثم التفتت إلى أحمد، وقالت بأسلوب ساخر وهي تهم بالمغادرة
"فرصة سعيدة يا أحمد بيه"
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها، ثم استدارت وغادرت.
ظل الأخر يقف في مكانه، يلاحق أثرها بعينيه مأخوذًا وعاجز الفكر، حتى اخترق سمعه صوت والدته وهي تسأله بنبرة متفحصة
"يا ترى… مجيتك اللي على غفلة دي سببها إيه؟"
رمقها بنظرة حادة، وفي اللحظة ذاتها انقدح في ذاكرته سبب مجيئه إلى هذا المكان، كأن الغشاوة انزاحت فجأة عن بصيرته، فعاد الغضب يتوهج في صدره، وتقدم خطوة للأمام وهو يقول بلهجة منفلتة من عقال الصبر
"إنتي مش هتبطلي شغل المؤامرات الوسخ اللي عمالة تعمليه علشان تفرقينا أنا وعلا؟!"
اتسعت عيناها اتساع الصدمة، وبرعت في ارتداء قناع التعجب والإنكار، فرفعت حاجبيها وقالت بتعالي مصطنع
"لو عايزني أتكلم معاك، احترم نفسك الأول واتكلم معايا بأدب، وبعدين أنا مالي بيك إنت واللي كانت خدامة أخوك، مش أعلنتوا خلاص جوازكم، وخدتها وعيشتوا لوحدكم، جاي عايز مني إيه؟"
انفرجت شفتاه عن ابتسامة ساخرة، ابتسامة من يعرف الحقيقة ويستمتع بفضح الزيف، هز رأسه استهزاء قائلاً
"لا بجد… انتي رهيبة، لولا إنك أمي وعارفِك كويس وحافظ ألاعيبك، كنت صدقتك، بس أنا جاي علشان أحذرك وأقولك ابعدي عن طريقنا أحسن لك، والحركة القذرة اللي حصلت النهارده في النادي أنا مش هعديها لك، ولآخر مرة بقولها لك يا شيريهان، أقسم بالله لو قربتي من مراتي تاني، انسِي إنك أمي خالص، وهتلاقي مني رد فعل يخليكي تتشلي بجد، مش تمثيل رخيص اللي إنتي والدكتور الحمار بتاعك متفقين عليه مع بعض!"
حدقت فيه بنظرة يشوبها تحذير ووعيد، قائلة بصوت منخفض لكنه مشحون بالتهديد
"ألزم حدك يا أحمد، وإياك تقف قصادي أنا بالذات، لأنك هتخسرني وقتها"
اقترب ودنا منها حتى صار صوته يهبط بثقل فوق سمعها، بينما كانت تجلس على مقعدها في وضع متعال، كأنها سلطانة تعتقد أن العرش لا يهتز، فقال بثقة صلبة لا تعرف التراجع
"مش هتفرق… لأنك خسرتِني من يوم ما فرقتي ما بيني وبين روح، ودلوقتي جاية تعيدي نفس الحوار، بس بسيناريو تاني فاشل، لكن المرة دي غير أي مرة يا شيريهان هانم… فاتقي شري"
ظل يحدق في عينيها بنظرة مثقلة بالتحذير والتهديد، نظرة من لا يمزح ولا يلوح، فقابلته بابتسامة ساخرة باردة، لا تزال تراهن على نفوذها.
وحين غادر المنزل، وما زالت نار الغضب تتقد في صدره، اقترب منه أحد رجاله بخطوات سريعة بعدما أشار له بأن يقترب، اخبره أحمد بلهجة آمرة لا تحتمل التأجيل
"البنت اللي كانت هنا… عايزك تعرفلي كل حاجة عنها، وتبلغني على طول"
أومأ الأخر باحترام وقال علي الفور
"أمرك يا أحمد باشا، اعتبره حصل"
❈-❈-❈
في مدافن عائلة والد رودينا، وقف رجال العائلة في صف متراص، وخلفهم النساء، يلفهم السواد ويظللهم وجوم ثقيل.
صوت الشيخ يتردد رخيمًا، يتلو آيات من الذكر الحكيم، لا يداوي فاجعة ولا يرمم قلب قد انكسر، لكنها تفرض على الجميع خشوع قسري، يُلجم الدموع ويكبح الصرخات.
تقف السيدة شاهيناز بثبات ظاهري، تخفي عينيها خلف نظارة سوداء كثيفة، تحجب ما وراءها من انكسار أو قسوة. إلى جوارها شقيقتها رجاء صامتة، بينما رودينا تجلس أمام قبر والدها، قريبة منه حد الالتصاق، كأنها تحاول أن تعود إلى رحم الأمان الذي انشق عنها إلى الأبد.
دموعها تنحدر ساخنة من عينيها، تختلط بندم مرير وقهر لا يُحتمل، وشفتيها تتحركان بكلماتٍ مبعثرة، هذيان خافت لا يكاد يُسمع، لكنه كان كافيًا ليشهد على قلب يتفتت.
ولدي بوابة مقابر العائلة، توقفت سيارة رحيم، ترجل منها بخطوات مثقلة، وقبل أن ينضم إلى صف الرجال، لمحته والدته. خرجت إليه على عجل أوقفته، وتشبثت به بنبرة يختلط فيها العتاب بالهلع
"رحيم حبيبي، إنت كنت فين؟، أنا جيتلك على شقة أبوك اللي إنت مخبيها عليا، والبواب قالي إنك مش موجود، كنت فين يا حبيبي وسايب أمك لوحدها ليه؟»
لم يكن يحتمل عتاب، ولا طاقة له على أي حديث، نظر إليها بامتعاض واضح وزفر بضيق مكبوت، قائلاً بحسم
" لو سمحتي يا أمي، مش وقته ولا مكانه نتكلم في أي حاجة"
تركها دون انتظار رد واتجه إلى خالته، ما إن وقعت عيناها عليه حتى ارتمت في حضنه.
احتواها بذراعيه، ربت على ظهرها بمواساة صامتة، ثم انحنى قليلًا وقبّل رأسها في احترام حزين.
لفت انتباهه فجأة مشهد اخترق السكون، ابنة خالته أمام أعين الجميع صاحت بصوت مبحوح، مذهول كأنها تحاول عبثًا أن تستوعب حقيقة الموت
"بابا، اصحى يا بابا، أنا مليش غيرك، ما تسيبنيش يا بابا، سامحني يا حبيبي"
تحرك سريعًا نحوها، اقترب منها وأمسك بذراعها محاولًا جعلها تنهض، وقال لها بصوت خافت، يحمل حرج واضح أمام الحضور
"ما ينفعش اللي انتي بتعمليه ده، قومي"
رفعت وجهها إليه، التقت عيناها بعينيه فعرفته، قامت ببطء ونظرت إليه من بين دموع غزيرة، وقالت بصوت يرتجف بالقهر
"بابا مات يا رحيم، بابا سابني ومات وهو زعلان مني"
انهارت وارتمت في حضنه، وانفجرت في بكاء عنيف، تفرغ ما تبقى من روحها. ربت عليها محاولًا تهدئتها، وسحبها قليلًا إلى جانب بعيد عن الأنظار، يواسيها رغم نفوره الدفين منها
"اهدي يا رودينا… وادعيله بالرحمة"
وهناك والدته تتابع المشهد من بعيد، والغليان يعتمل في صدرها، تمقت ابنة شقيقتها، ولولا حرمة الموت وقدسيّ اللحظة لكانت لقنتها درسًا لا يُمحى على ما فعلته بابنها وبهم جميعًا.
انتبه رحيم فجأة إلى أن بكاء رودينا خفت ثم انقطع، وشعر بجسدها يترنح ويهبط بين يديه.
رفع وجهها بقلق، فوجد ملامحها شاحبة، وعينيها نصف مغمضتين، علي وشك أن. تفقد الوعي.
لم يتردد، فحملها بسرعة واتجه بها إلى سيارته، حاول أن يُفيقها، التقط زجاجة ماء، نثر منها قطرات على وجهها وهو يناديها بقلق
"رودينا، سامعاني؟"
فتحت شفتيها بالكاد، ورددت، كأنها عالقة في دائرة واحدة لا فكاك منها
"بابا مات… بابا زعلان مني"
كررت الجملة مرارًا بصوت واهن، زفر بعمق وقد أدرك أن بقاءها هنا لن يزيد الأمر إلا سوءً.
قرر أن يأخذها بعيدًا إلى شقة خالته، حيث يكون الوضع أهدأ.
استدار إلى مقعد القيادة، أدار المحرك وانطلق بالسيارة تاركًا خلفه المدافن.
❈-❈-❈
جالت الردهة ذهابًا وإيابًا، أفكارها تتشابك وتتعقد بلا رحمة؛ تستعيد ما حدث في النادي وتستحضر كلمات ذلك الشاب الوقح، حين نطق بها أمام زوجها بلهجة خبيثة، زرع بها بذرة شك جارحة، تطعن سمعتها قبل أن تمس قلبها.
كيف انتهى بهما المطاف في قسم الشرطة وأين ذهب زوجها بعد كل ذلك؟، ولماذا تأخر هكذا؟، أسئلة تتناوب على عقلها، تطرق رأسها بإلحاح موجع.
وما إن سمعت صوت المفتاح يدور في قفل باب المنزل، حتى توقفت عن الحركة فجأة، كأن الزمن جُمد في عروقها. اعتدلت في وقفتها، وانتظرت دخوله بترقّبٍ مشوبٍ بالخوف.
دخل وأغلق الباب خلفه، فالتقت عيناه بعينيها على الفور، نظرت إليه بقلق لم تستطع إخفاءه، اقتربت خطوة ثم أخرى، وسألته بصوت خافت متهدج
"كنت فين؟"
لم يُجب وظل يحدق فيها بصمت، كأن الكلمات خانته.
أغمض عينيه للحظة فداهمته ذكرى خاطفة؛ لحظة دخوله غرفة والدته، ورؤيته لتوأم روح.
لا يعرف ما الذي أصابه منذ رآها، اضطراب يجتاحه، توتر مبهم، وإحساس غريب بأن الماضي يطرق بابه دون استئذان.
فتح عينيه أخيرًا وانتبه إلى صوت زوجته وهي تعيد السؤال، وقد اختلط بالمرارة
"إنت ما بتردش عليا ليه؟، معقول صدقت كلام الحيوان صاحب أخوك؟"
ظل الصمت مسيطر، كأنه جدار منيع، نظرت إليه بحزن عميق، وقالت بنبر منكسرة
"خلاص… وصلتلي الإجابة، عن إذنك"
وكادت تبتعد من أمامه، لولا أنه جذبها فجأة من يدها بقوة نحو صدره، ارتطمت به وارتمت بين أحضانه، انفجر بكاؤها دفعة واحدة، كأنها كانت تنتظر هذا السقوط.
عانقها بقوة، وتخلى أخيرًا عن صمته، قائلاً بصوت خشن تغلفه الغيرة
"ما تجيبيش سيرة الحيوان ده تاني، بدل ما أروح أقتله، وماتعيطيش"
رفع وجهها بين يديه، وأخذ يمسح دموعها بإبهاميه في رفق يناقض حدة كلماته، وقال برجاء صادق
"ما تعيطيش عشان خاطري، أنا عمري ما شكيت فيكي لحظة"
سألته من بين شهقاتها، وعيناها معلقتان بملامحه
"يعني إنت مش زعلان؟"
ابتسم لها ابتسامة دافئة وقال ببساطة مطمئنة
"هزعل ليه، وانتي معايا؟"
عانقته بقوة، كأنها تتشبث بالأمان ذاته وهمست
"بعشقك يا أحمد"
ضحك بخفوت و أجاب، يضمها أكثر بين ذراعيه
"ده أنا اللي بعشقك وبموت فيكي يا روح وقلب أحمد"
نظرت إليه وابتسمت، تخبره بدلال صريح
"بس أنا بعشقك أكتر"
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ماكرة، واخبرها بنبرة لعوب
"بما إن لسه بدري على ميعاد خروج حمزة، ما تيجي نثبت لبعض مين فينا بيعشق التاني أكتر؟"
انطلقت ضحكتها، ضحكة مغمورة بالدلال والطمأنينة، فهتف بسعادة صادقة
"أموت أنا"
حملها علي ذراعيه، ومضى بها نحو غرفتهما، حيث أغلق الباب ليدخل بها داخل عالمه الخاص، حيث يتحدث فيه العشق لغة الهمسات، وتفصح فيه النظرات عما تعجز الكلمات عن قوله، وتُختم اللحظة بدفء آسر، يؤكد لكل منهما أن الحب حين يكون صادقًا، كفيل بأن يطفئ كل شك، ويهزم أي عاصفة تندلع من طيات الماضي.
❈-❈-❈
دخلت لتوها غرفة الفحص الخاصة بها، بعد أن ارتدت زيها الطبي بعناية معتادة، استعدادًا لإجراء ولادة لإحدى السيدات الحوامل المتابعات لديها.
المكان يغمره ضوء أبيض هادئ، تفوح فيه رائحة المعقمات، وتخيم عليه هيبة المهنة ومسؤوليتها.
تحركت بخطوات واثقة، لكنها تحمل في أعماقها إرهاق نفسي لا يراه أحد، إرهاق امرأة أثقلها ما هو أبعد من تعب المناوبات الطويلة.
تابعت طرقات خفيفة على الباب، فرفعت يدها تعدل خصلات شعرها، وتجمعها بإحكامٍ في مشبك الشعر، ثم قالت بصوت هادئ
"اتفضل"
انفتح الباب وظهرت خديجة، تطل بوجهها المشرق، وسألتها بمزاح خفيف
"أدخل ولا مشغولة يا دكتور؟"
ارتسمت على شفتي الأخرى ابتسامة صادقة، تشبه انفراجة ضوء في قلب غيمة، وقالت بترحاب واضح
"أهلًا أهلًا، إيه المفاجأة الحلوة دي؟"
اقتربت منها وعانقتها بحفاوة، عناق دافئ يحمل شوق مكتوم فبادلتها خديجة العناق وهي تقول بنبرة عتاب محب
"حبيبتي يا لولو، وحشاني ياللي ما صدقتي سيبتيني، ولا كأننا عشرة سنين عايشين مع بعض في بيت واحد"
جلست على المقعد القريب، فجلست علياء على المقعد المقابل لها، وأسندت ظهرها قليلًا، وقالت بصوت تختلط فيه المرارة بمحاولة التماسك
"أبدًا يا ديجا والله، بالعكس ربنا يعلم بحالتي النفسية، وإنتم شهدتوا وسمعتوا بودانكم اللي حصلي من البني آدم اللي استحملت منه حاجات كتير، وفي الآخر يتهمني بالتهمة البشعة دي، ولا كأن ما بينا حب سنين وجواز"
رمقتها الأخرى بنظرة مثقلة بالحزن والأسف، وقالت بنبرة صادقة
"مش بلومك يا حبيبتي، معاكي كل الحق، للأسف الشيطان دخل ما بينكم من سكة صعبة، والله بدعيلكم على طول ربنا يصلح ما بينكم، على الأقل عشان خاطر الأولاد، سواء لوجي اللي انتي ربيتيها زي بنتك وأكتر، أو عز الدين أكيد هيتأثر بالخلافات اللي بينك وبين باباه"
انسابت نظرات علياء نحو الفراغ، كأنها تهرب من الحقيقة، تكبت دموعها بصعوبة كلما تذكرت اتهامات زوجها الباطلة، وموقفه القاسي معها أمام عائلته، حيث انكسرت كرامتها على مرأى ومسمع الجميع.
حاولت أن تبدد الحزن الذي خيم على الأجواء، فارتسمت على شفتيها ابتسامة واهنة، وقالت بنبرة تحاول أن تكون خفيفة
"إحنا هنقضيها نكد ولا إيه؟، قوليلي تحبي تشربي إيه؟، ولا أقولك إحنا نفطر الأول مع بعض"
لوحت الأخرى بيدها برفض لطيف
"يا بنتي ما تتعبيش نفسك، أنا جيت أطمن عليكي عشان وحشاني، وكمان كنت عايزاكي في موضوع محدش هيفيدني فيه غيرك، لأني محرجة أروح للدكتور اللي بيتابع معاه آدم، ومش هيرضى يقولي أي حاجة"
وأخرجت هاتفها من حقيبة يدها بيد مترددة، فتحته على الصور التي التقطتها خلسة للتقارير الطبية التي كان زوجها يُخفيها في خزنته الخاصة بعيدًا عن أعينها، وبعيدًا عن صدق كان ينبغي ألا يُحجب.
تناولت علياء الهاتف من بين أصابعها، وشرعت تُكبر الصور واحدة تلو الأخرى، تقرأ تقرير إثر الأخر بعين الطبيبة الخبيرة، وبعد لحظات من الصمت المتأمل، رفعت رأسها وقالت بهدوء
"دي تحاليل خصوبة، وواضح إن آدم بيعاني من مشكلة بتخلي فرصة حملك تبقى ضعيفة"
هزت الأخرى رأسها بتفهم وقالت باستسلام
"أنا برضه حسيت بكده، واضح إن مشكلة زمان رجعتله تاني، بس ليه يخبي عليا؟، إحنا مش لسه عارفين بعض جديد!"
اعتدلت علياء في جلستها، تخبرها بصوت عملي هادئ، يحمل طمأنينة
"بصي يا خديجة، الموضوع الحمد لله مش مستحيل، ليه علاج بس هياخد وقت، لأن اللي فهمته إنه كان عنده مشكلة قديمة واتعالج منها، والمفروض كان يستمر على العلاج، بس واضح إنه وقفه وما سألش، فالمشكلة رجعت وبقت أصعب شوية"
تنفست الأخرى بعمق، قائلة برضا وحزن معاً
"وأنا مش زعلانة، وراضية الحمد لله لو ربنا ما أرادش لينا نخلف تاني، أنا كل اللي مزعلني… ليه يخبي عليا؟!"
تنهدت علياء و تُفكر بصوت مسموع
"هو وارد جدًا واحتمال كبير إنه مش عايزك تزعلي لو كنتي نفسك تخلفوا تاني، لحد ما تتعالج عنده المشكلة ويمكن كمان، وده احتمال أكيد إن الموضوع بالنسبة له حساس جدًا، وأنا برجح الاحتمال التاني"
نظرت الأخرى بحيرة ظاهرة، وكأن ذكرى مباغتة ضربت وعيها فجأة، فقالت بلهجة يغلب عليها اللوم الذاتي
"وأنا غبية، طول الفترة اللي فاتت وأنا عمالة أضغط عليه وأقوله عايزين نجيب أخ أو أخت ليوسف، وهو كان يتضايق وأوقات يتخانق معايا"
أجابتها بنبرة حاسمة مشفقة
"الحل يا ديجا إنك تاخدي جوزك وتطلعوا على أي مكان حلو، تقضوا فيه يومين حلوين، وتخرجوا بره جو الضغوط النفسية، حوار السفر والترفيه بيبقى دعم نفسي إيجابي جدًا، سواء ليه أو ليكي"
ارتسمت ملامح التفكير علي وجهها وتستعيد حديث سابق
"هو فعلًا قالي إنه عايزنا نسافر ونغير جو، خصوصًا بعد الفترة الأخيرة"
ابتسمت الأخرى ابتسامة مشجعة
"ومستنيين إيه؟!، روحوا غيروا جو، آدم راجل محترم جدًا وبيحبك أوي، أوعي تسمحي لأي حاجة تعكر صفو علاقتكم"
نهضت من مقعدها، وبشبه ابتسامة ممتنة قالت لها
"شكرًا جدًا يا لولو، وبعتذر إني جيتلك من غير ميعاد، هسيبك بقى، كفاية عطلتك عن الناس اللي مستنياكي بره"
بادلتها الأخرى ابتسامة صادقة، وقالت بنبرة عتاب محبب
"لأ كده هازعل منك بجد، إنتي تيجي في أي وقت"
كادت أن تتحدث غير أن صوت رجولي صاخب اندفع من الخارج، صوت مشحون بالغضب، يجلجل في الردهة
"انتي اتجننتي؟!، هو إيه اللي ممنوع؟!، أنا أدخلها في أي وقت أنا عايزه"
وفي اللحظة التالية، اندفع الباب بقوة عنيفة، فتفاجأت الاثنتان بدخول يوسف. وقف عند العتبة، جسده مشدود، وعيناه ترمقان علياء بتحدي صارخ، لا تخطئه عين.
كان حضوره فجًا مستفزًا، فاشتعل الغضب في صدرها، ولم تتردد في توبيخه بحدة قاطعة، وأمام زوجة أخيه
"إنت مين اللي قالك تدخل هنا؟!، اتفضل… اطلع بره"
شعرت خديجة بحرج خانق، لا منه بل من الموقف برمته، غير أن يوسف لم يتراجع، بل تقدم خطوة إلى الأمام وقال بنبرة وقحة متحدية
"أنا أدخل أي مكان زي ما أنا عايز، ولا نسيتي أنا جوزك يا دكتورة؟!"
رفعت علياء ذقنها، ونطقت ببرود لاذع
"كنت… كنت جوزي، وبقيت طليقي"
ضحك ضحكة قصيرة بسخرية، قائلاً بازدراء
"واضح إنك محتاجة تروحي تكشفي على السمع عندك، لأني سبق وقولتلك أنا رديتك"
خطت الأخرى نحوه بخطوات هجومية، وصاحت بوجهه
"إنت اللي أصم عشان قولتلك وقتها أنا مش قابلة الرجوع"
تدخلت خديجة على عجل، محاولة إخماد النار قبل أن تأتي على ما تبقى من حكمة، وقالت بصوت متوسل
"استهدوا بالله يا جماعة، واستغفروا ربنا، واقعدوا حلوا أموركم بحكمة وعقل، عمر ما الخناق والزعيق حل أمور، بالعكس بيعقدها، وقبل ما تفكروا في نفسكم، فكروا في ولادكم اللي هيدفعوا التمن، أنا همشي وأسيبكم على راحتكم، وإن شاء الله خير"
همت بالمغادرة، لكن علياء أمسكت بيدها بسرعة، وقالت بانفعال
"استني يا خديجة، إحنا لسه قاعدين مع بعض، والكائن ده هو اللي المفروض يمشي"
جز يوسف على أسنانه بحنق مكتوم، واقترب نصف خطوة، محذرًا بنبرة منخفضة لكنها حادة
"اتكلمي بأسلوب أحسن من كده أحسنلك"
صاحت الأخرى وقد التفتت نحو خديجة
"سامعة يا خديجة؟!، ده كمان بيهددني"
نظرت خديجة إليهما بحزن عميق، وقالت محاولة أن تكون صوت العقل الأخير
"بالتأكيد ما يقصدش، والدكتور جايلك لحد عندك، يعني غرضه خير، اسمعيله وهو يسمعلك، وبالتأكيد هتوصلوا لحل، يلا عن إذنكم"
ثم غادرت سريعًا، وأغلقت الباب خلفها، تاركة المكان يغرق في صمت ثقيل، هدوء ما قبل العاصفة، حيث وقفت علياء ويوسف يتبادلان نظرات حادة، كأنها خارجة من قاع الجحيم، نظرات لا تحمل سوى تاريخ محترق، وغضب لم يجد بعد طريقه إلى الخلاص.
❈-❈-❈
تخلت عن صمتها أخيرًا، وقد ضاق صدرها بما اختزن من نار وأسئلة، وسألته بنبرة جافة، كأنها تُسقط آخر أوراق المجاملة
"جاي ليه؟"
اقترب منها خطوة واحدة، فارتدت إلى الخلف خطوة مماثلة، ورفعت سبابتها في وجهه، تشهرها بتحذير صارم، قائلة بحدة
"خليك مكانك، وانجز قول اللي....
لم تُمهلها اللحظة أن تُكمل، جذبها من خصرها فجأة، وانقض على شفتيها بقبلة مباغتة بهجوم دون إنذار، قاومته بكل ما أوتيت من قوة، دفعت صدره، حاولت الإفلات، لكنه لم يترك خصرها، بل أمسك يديها، وضمهما خلف ظهرها، مستمرًا في تقبيلها بإصرار محموم، حتى ترك شفتيها أخيرًا ليلتقط أنفاسه، وهمس بصوت يفيض شوق جارف
" ارجعي بقى… وكفاية بُعاد"
رمقته بغضب مشتعل، وتمكنت من تحرير رسغيها من قبضته، ثم دفعته بقوة في صدره، وابتعدت عنه كأنها تفر من حريق
"عشم إبليس في الجنة، مش راجعة يا يوسف، وهقولك لو خيروني ما بين جهنم ولا الجنة معاك، هختار جهنم ولا يجمعني مكان معاك تاني، شوفت بقى إنت وصلتني لإيه؟!"
لم يتراجع، بل جذبها من ذراعها وقال بتحدي سافر
"كدابة، عيونك بتقول عكس كلامك، إحنا حصل ما بينا زمان أسوأ من كده، ومع ذلك فضلتي تحبيني سنين، وما عرفتيش تبقي لغيري، لحد ما جمعنا القدر من تاني"
صرخت في وجهه بندم لاذع، كأنها تحاكم ذاتها قبل أن تحاكمه
"كنت غبية ومتخلفة، عيشت في وهم وصدقته، طلعِت عمية، ومع الوقت عرفت الحقيقة، وهي إن أكبر غلطة في حياتي يوم ما وافقت على جوازنا، بس ملحوقة والواحد ما بيتعلمش ببلاش"
أمسك بكلا معصميها، وضم يديها إلى صدره، واقترب بشفتيه من أذنها، وقال بإصرار فولاذي، لا يعرف التراجع
"ولا صدقت أي كلمة من اللي قولتيهم، لأنك لسه بتحبيني، ومش عارفة ولا قادرة تكرهيني، كفاية سامع نبض قلبك، اللي ما دقش ولا هيدق لغيري أنا"
نظر في عينيها بابتسامة انتصار، واثقًا أنه يملك مفاتيحها كلها، لكنها فاجأته بابتسامة عارمة باردة، وألقت على مسامعه قنبلة لم يتوقعها
"أنا رفعت عليك قضية طلاق يا دكتور"
اجفلته الصدمة، كأن الكلمات صفعت روحه، ترك معصميها وتراجع إلى الخلف، غير مصدق، فأردفت بثبات قاس
"وقبل ما أرفعها، المحامي أكدلي إنها ما بتاخدش وقت، وما تقلقش ابنك هتشوفه في أي وقت"
ابتعدت من أمامه، وجلست خلف مكتبها، وما زالت الابتسامة تعلو محياها، ثم أشارت بيدها نحو الباب في إيماءة رسمية جارحة
"شرفت يا دكتور"
حدق بها بنظرة نارية قاتلة، ثم استدار وغادر قبل أن يُطلق شيطان غضبه، وما إن أغلق الباب خلفه، حتى انهارت الابتسامة، وتحولت ملامحها إلى وجومٍ ثقيل، تجمعت الدموع في عينيها، وانفلتت دمعة واحدة على خدها، فمسحتها سريعًا بقوة لا تمحو الألم، بل تُخفيه، وتُبقيه حي في الأعماق.
❈-❈-❈
دخل من باب الشقة مسندًا إياها بيد ثابتة، يقود خطواتها المتعثرة حتى غرفتها، ساعدها لتستلقي على سريرها، عدل الوسادة تحت رأسها بحركة مقتضبة، ثم همّ بالانسحاب وهو يقول بصوت خافت يخلو من العاطفة
"نامي وريحي، هتصحي تبقي أحسن"
امتدت يدها في اللحظة الأخيرة، تشبثت بكفه كأنها تتعلق بطوق نجاة أخير، وسألته بنظرة مثقلة بالحزن والانكسار
"إنت رايح فين؟"
أجابها دون تردد
"مضطر أمشي، ولازم أرجع المدافن أقف مع خالتي ونحضر للعزا"
رفعت عينيها إليه برجاء صريح، وتوسل موجوع
"ما تسيبنيش لوحدي عشان خاطري، أنا ما بقاش ليا حد"
سحب يده من بين أصابعها ببطء متعمد، ومن غير أن ينظر إليها قال ببرود قاس
"ربنا يخلي لك خالتي"
ابتلعت غصتها، وقالت بصوت مبحوح
"ماما مش بتكلمني، دي بتعتبرني عدوتها، وقالتلي عمرها ما هتسامحني"
تنفس بعمق، وكأن صدره يضيق بما لا يُقال، ثم قال بحدة دفينة
"أنا مش عايز أفتح في مواضيع ولا أتكلم، لأن لو اتكلمت، كلامي هيوجعك أوي وهيكسر قلبك، فخليني ساكت أحسن"
نهضت بوهن شديد، جسدها يخذلها وروحها تتقدم وحدها، مدت يدها محاولة الإمساك به، وهمست
"رحيم أنا....
رفع يده قبل أن تلمسه، ونظر إليها بحزم قاطع، لا يحمل أي مجال للتراجع، يخبرها بصوت حاسم
" خلاص يا رودينا، خلص الكلام، كل اللي ما بينا انتهى من زمان، رغم إني ما كنتش عايز أفتح في كلام، بس عايزك تعرفي حاجة واحدة، لما روحتي واتجوزتي ياسين البحيري، احترمت رغبتك، وكان ليكي مكانتك باعتبارك بنت خالتي، لكن اللي عملتيه فيا وفي الكل قطع كل الخيوط اللي كانت بتربطني بيكي"
توقف لحظة، ثم أردف ببرود جارح
"ومش زعلان منك… بالعكس أنا مشفق عليكي، لأن اللي زيك هيفضل عايش منبوذ من الكل، زي ما الناس بتعتزل الأذى والشر بالظبط"
حدقت فيه بصدمة كأن الكلمات سُكبت نارً في عروقها، ابتسم بسخرية باردة وألقى كلماته الأخيرة كحكم نهائي
"نصيحة مني… راجعي نفسك، وياريت تغيري منها، ده علشانك انتي"
تنفس بعمق، وقال وهو يستدير نحو الباب
"البقاء لله"
و غادر تاركًا إياها وحيدة، غارقة في صدمة عاتية وانهيار نفسي كامل، بينما الغرفة تضيق عليها، والسرير الذي آواها قبل دقائق يتحول إلى شاهد صامت على سقوط لا قاع له.
❈-❈-❈
كان الغضب يتدفق في عروقه كالحمم، حتى لم يعد صدره يتسع لزفراته المتلاحقة.
ألقى ملف ورقي فوق مكتبه إلقاء من لفظ صبره، فارتطم الخشب بالورق ارتطام قرار حاسم، زفر بقسوة وقال بصوت أجش تتكسر عند حوافه الحروف
"إزاي حصل كل ده، وما بلغتنيش في التليفون ليه؟!"
رفع الآخر رأسه، وقد بدت على ملامحه مسحة إنهاك ممزوجة بحدة، فرد بانفعال لا يخلو من سخرية جارحة
"أنت هاتستهبل يا ياسين؟!، إنت بقالك تقريبًا أسبوع لا بتعتب الشركة، ولا حتى بترد على تليفون مننا، حاولت على قد ما أقدر أِلِم الليلة من غير ما أزعج سيادتك، كلنا عارفين المشاكل اللي إنت فيها، واللي بسببها اتلغت عقود كتير من كذا عميل، بس المشكلة مش فيهم، المشكلة في اتفاقياتنا مع شركات المعمار اللي مضينا معاهم عقود استلام الوحدات، دول نعمل معاهم إيه؟"
زفر الأخر مرة أخرى، وكأن الهواء نفسه صار عدو يخاصمه، وقال وهو يلوح بيده في ضيق فاض عن احتماله
"ومال العملاء ومالهم بمشاكلي الشخصية؟!، هم هيناسبوني وأنا مش عارف؟!"
اقترب زميله خطوة، محاولاً أن يسكب المنطق في كأس مثقوب، وقال بنبرة تشرح أكثر مما تُعاتب
"جرى إيه يا ياسين؟!، أومال لو ما كنتش مدير تسويق وعارف إن سمعة أصحاب الشركات رأس مالهم و أهم من الشغل نفسه؟!، حبيبي إنت ليك فيديوهات تريند وإنت ماسك مراتك بتديها علقة، غير مدام حضرتك اللي طلعت عايشة وبتتجوز…"
ابتلع كلماته فجأة، حين رمقه ياسين بنظرة قاتلة، نظرة لو كانت سكين لأسالت دمائه، وقال بحدة لا تقبل جدال
"عماد!، كلمة كمان وهاتخسرني، غير إني هزعلك"
خفض الأخر بصره، وبدت نبرة صوته أكثر انكسار وهو يقول معتذرًا
"آسف، مش قصدي بس ده مش كلامي، ده كلام داير على الفيس بوك، وريلزات مصر والوطن العربي، والعالم كله شافها، عايز بقى العملاء يثقوا في شركتك إزاي؟ ويحطوا إيديهم في إيدك إزاي؟!"
جز على شفته بغيظ مُر، واستدعى ذاكرته ما حاول نسيانه، فتمتم بصوت خافت مشحون باللعنات
"كله بسببك يا رودينا يا بنت الـ…"
ثم استدار فجأة، وكأن فكرة برقت في رأسه، وقال بنبرة حاسمة لا تعرف التردد
"أنا هاخليهم يتراجعوا عن إلغاء العقود، ويمضوا عقود جديدة… وهدي لهم فوقها خصومات كمان"
اتسعت عينا زميله دهشة، وسأله غير مصدق
"وهاتعملها إزاي دي؟!"
ابتسم ابتسامة غامضة، وقال وهو يشير بيده نحو الباب
"هاتعرف دلوقتي، بس كل اللي عايزه منك، ستاند وتطلع تقعد بره المكتب، ما تخليش حد لا يخبط ولا يدخل عليا لحد ما أخلص"
وبعد قليل…
ألقى نظرة سريعة على مظهره المهندم، عدل ياقة قميصه، وسوى خصلات شعره.
ضغط زر تشغيل البث المباشر على حسابه الشخصي، فبدأت إشعارات البث تتقاطر على هواتف متابعيه وأصدقائه.
أطل بوجه ثابت، وصوت متماسك رغم ما يغلي خلفه
"مساء الخير، أزيكم، اللي ما يعرفنيش، أنا ياسين البحيري، اللي طلع في تريند فرح الدكتور، واللي كل البيدچات والصحافة الصفرا نشرت مقاطع عنه، وحطت فوقها عناوين ما تطلعش غير من شوية عالم زبالة، واعذروني من أسلوبي، بس أي واحد فيكم لو اتكتب في أهل بيته حرف من اللي اتكتب في حق أهل بيتي، كان هيقول كلام زي الزفت أكتر مني، عشان كده كان لازم أطلع أحكي الحكاية الصح، وطالع كمان أحذر أي صفحة من صفحات صحافة بير السلم، لو حد نشر كلمة تانية عني، أو عن أي حد من عيلة البحيري، ما يزعلش على اللي هايحصل معاه، وكله بالقانون"
❈-❈-❈
وعلى الجهة الأخرى، في قصر العائلة، تجلس ياسمين إلى جوار ابنتها الصغيرة. كانت الطفلة منهمكة في الرسم والتلوين، تنثر الألوان على الورق ببراءة تشبه ضحكتها، فيما كانت الأم شاردة الذهن، غارقة في بحر من الذكريات القريبة، تستعيد المواقف التي جمعتها بزوجها مؤخرًا، وكيف كان حبه يلتف حولها كعباءة أمان دافئة.
لاحظت الصغيرة شرود والدتها، فتوقفت عن التلوين، وضعت القلم جانبًا، ورفعت عينيها إليها قائلة بلهجة تجمع بين العتاب والدلال
"يعني أنا عمالة أكلمك يا مامي من بدري، وإنتي سرحانة وعمالة تضحكي للهوا، ولا بتفكري في بابي؟!"
رمقتها والدتها بنظرة امتزج فيها الامتعاض بمحاولة إخفاء التوتر، وقالت بنبرة متصنعة الجدية
"بنت!، إنتي مالك؟، سرحانة ولا بفكر في بابي خليكي في اللي بتعمليه"
لم تتراجع الصغيرة، بل تقدمت خطوة في حديثها، وقد بدا في عينيها وعي يفوق عمرها، وقالت بثقة طفولية صادقة
"مامي، أنا ما بقتش صغيرة وبفهم كل حاجة بتحصل حواليا، بابي بيحبك أوي، وأنا وهو نفسنا نرجع نعيش إحنا التلاتة في بيت واحد زي زمان، نتجمع على السفرة وإنتي تعملي لنا الأكل اللي بنحبه، وبابي في يوم إجازته كان بيشغلنا فيلم كارتون على الكمبيوتر، وانتي تعملي لنا عصير وفشار وبيتزا ونقعد نسهر، بجد يا مامي، نفسي نرجع نعيش سوا في بيتنا بليز"
انسابت الكلمات إلى قلب ياسمين كسهام مغطاة بالحنين، شعرت بغصة حادة، لكنها خبأت حزنها خلف ابتسامة واهنة، وهزت رأسها موافقة وهي تقول
"حاضر يا حبيبتي، هانرجع زي الأول، بس ما تقوليش لحد دلوقتي، عايزة أعملها مفاجأة لبابي"
تلألأت الفرحة في عيني الصغيرة كنجمتين في سماء صافية، وصاحت بلهفة لا تخطئها الأذن
"بجد يا مامي؟!"
أومأت لها والدتها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة تخفي خلفها توتر عميق، كلما فكرت في القادم، وفي كيفية عودتها إليه زوجة له شرعًا، كما عادت إليه بالقانون؛ فهي لا تزال بحاجة إلى بعض الوقت لترتيب ما تبقى من الفوضى داخلها.
اندفعت الطفلة إلى حضنها، عانقتها بقوة، وقالت بصوت مفعم بالحب
"بحبك أوي يا مامي"
"وأنا بموت فيكي يا قلب مامي"
وفجأة اندفع الباب على مصراعيه، ودلفت ملك وهي تمسك بهاتفها المحمول، وقد ارتسمت على ملامحها دهشة
"ياسمين، ألحقي… ياسين طالع لايڤ"
ومدت الهاتف إليها، فما إن وقع بصر الطفلة على الشاشة حتى هتفت بفرح تلقائي
"بابي!"
وبالعودة إلى ياسين، كان لا يزال مسترسلًا في الحديث، صوته يحمل صدق الألم وحرارة الاعتراف، يحكي لكل من يشاهدون البث ما مر به منذ اللحظة التي علم فيها بموت زوجته، وعن العامين اللذين مرا عليه كدهر مثقل بالقسوة، أيام الفقد والاشتياق، حتى اتخذ قرار زواجه من امرأةٍ أخرى، وذكرها قولاً كالآتي،
—شخصية لا داعي لذكر اسمها؛ لأني بعتبرها غلطة، وندمان عليها–
وسرد كيف كان ضحية خداعها، وكيف اكتشف الحقيقة بنفسه عند حضوره زفاف الطبيب، حين علم هناك أن زوجته ما زالت حية تُرزق، لكنها فاقدة للذاكرة، وتعيش بهوية شخصية أخرى، وأن ما تروجه الصفحات الكاذبة عن كونها تجمع بين زوجين ليس سوى كذب وافتراء، وفي النهاية الأمور قد عادت إلى نصابها الصحيح.
ثم قال بصوت متهدج، لكنه ثابت
"يعني أنا مريت بأحداث مش أي حد يستحملها أو يستوعبها، لو أي حد ضعيف النفس كان انهار، وممكن كان انتحر، لكن حبي لزوجتي أم بنتي، كان مصدر قوتي، كان جوايا إيمان عجيب إن القدر هايجمعني بيها تاني، سواء في الدنيا أو الآخرة، عمرها ما فارقتني لحظة، ويوم ما اكتشفت إنها لسه عايشة، كأني اتولدت من جديد، مش مصدق نفسي، و من وقتها ما بفارقهاش، لدرجة إني عايز أقفل اللايف وآخد بعضي، وأروح أطمن عليها"
استمعت ياسمين، وشاهدت كلماته تتدفق على الملأ، وقلبها يخفق بقوة كطائر حر أطلق فجأة من قفصه.
ألهذه الدرجة يعشقها؟!
إلى هذا الحد يقول حبه صراحة، بلا خوف و لا خجل، أمام العالم كله؟!
❈-❈-❈
في مكان آخر، داخل غرفة مظلمة خف ضوءها النافذ عبر زجاج الشرفة الملطخ بالغبار، جلست رودينا على حافة الكرسي، تتابع البث المباشر بعينين تندلع من النيران، ويدين ترتجف.
امسكت كتاب ضخم كمجلد عتيق، فتحت صفحاته بتردد، داخله محفور بعناية، ويحوي علي كيس صغير يلمع بمسحوق أبيض.
مدت يدها إليه، وعيناها تتأرجحان بين اليأس والخوف، تتردد في رأسها كلمات رحيم وصداه المزلزل لما سمعته على لسان ياسين في البث، فقدان والدها، ووقوع العواقب الوخيمة، التي تتساقط فوقها كحمم بركان غاضب، لا تملك لها من حيلة سوى الفرار أو الاستسلام إلي الموت البطئ.
همست لنفسها بصوت مبحوح
"أنا بقيت غلطة، والكل ندمان عليها؟!"
أخذت القليل من المسحوق، وضعته على ظهر يدها، ورفعت أنفها إليه، مستنشقة جرعة من عالم زائف، يطردها من واقعها إلى سراب وهمي هربت إليه، لكنها لم تدر أن الحقيقة ستلاحقها رغمًا عنها.
وفجأة، صدح رنين جرس المنزل، مخترقًا صمت الغرفة الملبّد بالهلع والوهم، فنهضت الخادمة متثاقلة الخطى وذهبت لفتح الباب.
خارج المنزل، وقف رجل يحمل دفتر وقلم، ينظر بجدية، ويسأل
"ده بيت مدام رودينا مهاب؟"
أومأت الخادمة بتوتر
"أيوه… أقولها مين؟"
رد الرجل بصوت متزن
"أنا جاي من المحكمة ومعايا ورقة لازم تستلمها بنفسها وتمضي إنها استلمتها"
عاودت الخادمة السير بخطى متثاقلة إلى الغرفة، وطرقت الباب، انتفضت رودينا بعد أن مدت جسدها على الكرسي، لا تدري إن الواقع يصر على سحبها من عالمها الوهمي.
"يا ست رودي… فيه واحد عايز حضرتك بره، بيقول إنه جاي من المحكمة"
رفعت رأسها ببطء، ونطقت بصوت متثاقل
"قوليله جاية"
وفي الخارج، ذهبت إلي الرجل، و كل خطوة منها كأنها صدى لنقطة تسقط في قلبها، تتابعها الخادمة بحزن وعيون تفيض بالقلق.
"أنا رودينا مهاب… مين حضرتك؟"
"أنا جاي أسلم لحضرتك الورقة دي… اتفضلي امضي هنا"
مدت يدها لتأخذ الوثيقة، وعيناها تنضح بالتوتر وهي تحاول فهم محتواها، وما إن التقت أنظارها بخطوط العنوان الرئيسي للورقة، حتى تجمد الدم في عروقها حين اكتشفت محتوى الورقة، لقد استسلمت وثيقة طلاقها!
الفصل الثاني والثلاثون
عدت إليكِ مثقلًا بالخذلان، أحمل جسدًا أنهكه السهر، وروح أتعبها الهروب من الحقيقة.
ظننت أن الحضن يطفئ الذنب، وأن النوم بين ذراعيكِ كفيل بأن يُسكت ضجيج الماضي.
غفوتُ مطمئنًا، كأنني لم أترك في قلبكِ ندبة،
وكأن الخطايا تُمحى بالتعب، لا بالاعتراف.
كنان صفوت العمري
..............
عبر بوابة قصره بسيارته، فانكشفت أمام ناظريه الحديقة الغناء، حيث لمحت عيناه صغيريه غارقين في شجار طفولي محتدم.
ابنته تتشبث بلعبة شقيقها، بينما يجذبها الأخر منها عنوة، وقد علا صوته بنبرة حادة متعالية
"سيبي السكوتر بتاعي مش هاتعرفي تلعبي عليه، وهاتكسريه زي ما كسرتي بتاعك"
رمقته بعينين تقدحان غضبًا، وردت متحدية وقد احتقن صوتها بالغيظ
"كداب!، إنت اللي كسرتلي السكوتر بتاعي، وهقول لبابي لما يرجع، أوعي من وشي!"
ودفعته في صدره دفعة صغيرة، لكنها كانت كافية ليختل توازنه، فيتعثر ويسقط أرضًا.
نهض بسرعة مشتعلة، واندفع نحوها وصفعها على وجهها وهو يصيح
"يا غبية!"
دوى الصوت في أرجاء الحديقة، وفي اللحظة ذاتها صدح صوت رجولي صارم، كالسوط، قادم من خلفهما
"مالك؟!"
كان والدُهما قد ترجل لتوه من سيارته، فهرعت الصغيرة إلى البكاء، قابضة على خدها، والدموع تنهمر غزيرة
"والله لأقول لبابي إنك ضربتني بالقلم"
وانطلقت تجري نحوه، لكن خطواتها الصغيرة خانتها، فتعثرت وسقطت على وجهها.
انتفض قلبه فزعًا، وأسرع بخطاه نحوها، انحنى والتقطها بين ذراعيه، فوجدها تنتحب بحرقة.
"مش تاخدي بالك يا زوزو وانتي بتجري يا حبيبتي؟"
وقعت عيناه على ركبتها، وقد شُجت بجرح صغير نازف، فرفعت وجهها إليه من بين دموعها وقالت بصوت متهدج
"لوكا يا بابي مش عايز يديني ألعب بالإسكوتر بتاعه، وكسرلي بتاعي، وضربني بالقلم"
ضمها إليه وربت عليها بحنان أبوي دافئ، بينما ذراعيها معلقتان بعنقه
"ما تعيطيش يا حبيبتي، تعالي الأول نغسل رجلك ونطهر الجرح"
ورمق ابنه بنظرة حادة أجفلته، كاد الصغير أن يتكلم
"هي يا بابي اللي…
لكن والده قاطعه بصرامة لا تقبل الجدال
" اطلع على أوضتك، وما تخرجش منها"
احتج الصغير بعناد مكبوت
"يا بابي والله هي اللي زقتني الأول"
"أنا قولت إيه؟!"
جز صغيره على أسنانه بغيظ، ثم أذعن للأمر، فركض إلى الداخل وصعد الدرج بخطوات غاضبة.
و في طريقه صادفته زينات التي لمحت حالته فسألته بقلق
"مالك يا لوكا؟"
لكنه لم يجب، ومضى صاعدًا، في تلك الأثناء انتبهت إلى قصي وهو يدخل حاملاً ابنته بين ذراعيه، فشهقت حين رأت ركبتها تسيل دمًا، وبكاءها لا ينقطع. قال لها بسرعة آمرة
"هاتي شنطة الإسعافات يا داده، على ما أغسلها رجلها بسرعة"
"حاضر"
أسرعت لتنفيذ طلبه، بينما دخل هو الحمام، فتح الصنبور، واغترف الماء بيده، وأخذ يغسل ساق صغيرته.
تأوهت، واشتد بكاؤها
"آه… بتوجعني يا بابي"
"معلش يا قلب بابي، لازم نغسلها عشان ما تتلوثش"
أمسك بمنشفة قطنية، وجفف ساقها برفق بالغ، متحريًا موضع الإصابة بعناية وحذر. ثم خرج بها، وجلس على الأريكة، وأسندها على ساقيه، بدأ بتطهير الجرح وضمده بإتقان.
"بس خلاص… كده مش هتوجعك"
همّ بالوقوف، لكنها أمسكت به فجأة، وسألته بقلق صادق
"إنت طالع تضرب لوكا؟، أنا خلاص سامحته"
توقف ونظر في عينيها، فرأى خوفها على شقيقها، فقال بنبرة هادئة مطمئنة مبتسمًا
"أنا ما بضربش حد فيكم يا زوزو، أنا طالع هاتكلم معاه واتطمن على مامي"
خفضت صوتها واخبرته
"مامي نايمة تعبانة، ومش عايزة تفطر ولا تتغدى معانا، واللي بيدخلها الأوضة تزعقله"
تسلل القلق إلى قلبه مع كلمات صغيرته، فصعد الدرج بخطوات مثقلة، وهو يدرك أن زوجته بدأت تعاني أعراض الوحم، وأن الإعياء صار رفيقها في أغلب الأوقات، فخشي عليها كما لم يخشَ من قبل.
❈-❈-❈
و بمجرد أن دخل الغرفة لم يجدها على الفراش، فانتبه إلى صوت تأوهها الخافت آت من الحمام، فاندفع نحوه سريعًا، فوجدها جالسة أمام المرحاض، تفرغ ما في جوفها، ثم تنهض بوهن، ضعيفة ومرهقة.
سندها بين ذراعيه، محاوطًا خصرها بحنان غادق
"على مهلك يا حبيبتي"
فتح صنبور الحوض، وبدأ يغسل وجهها، فرفعت عينيها إليه، يبدو علي ملامحها الإعياء فسألها
"لسه تعبانة؟ أكلم الدكتور؟"
هزت رأسها رافضة، وأجابته بصوت يغلبه الوهن
"دايخة شوية، بس لما هنام هابقي أحسن"
حملها علي ذراعيه برفق وخرج بها، ووضعها على الفراش مطمئن
"طيب… تعالي ارتاحي على السرير، وأنا هاقول لزينات تخليهم يحضروا لك الأكل، لازم تاكلي عشان ما تتعبيش أكتر"
تنهدت وقالت بصوت خافت
"مش قادرة آكل ولا أشرب… بطني بتوجعني وبيحصلي زي ما شوفت من شوية"
أمسك يدها بحنان واخبرها
"مش أنتي أيام حملك في مالك وزوزو، كنتي بتاخدي برشام يقلل الغثيان ده معاكي؟"
ابتسمت ببطء، وقد ظهرت ملامح الذكرى على وجهها
"تصدق أنا كنت ناسيه البرشام ده خالص"
ابتسم هو قائلاً
"أنا لسه فاكر وعمري ما بنسي أي حاجة تخصك يا حبيبتي، أنا هاكلم الصيدلية وهخليهم يبعتوا لك كذا علبة"
وبينما يرسل الطلب عبر تطبيق الصيدلية، قالت هي بامتنان
"ربنا يخليك ليا يا حبيبي"
احتضنها بحنان، وربت على ظهرها برفق، فجأة طرق الباب، فسمع صوت زينات
"الغدا جاهز يا صبا"
أذن لها قصي بصوت واضح
"اتفضلي يا داده"
دلفت الأخرى، فاخبرته زوجته وهي متعبة
"يا قصي، مش قادرة بجد أؤكل أنا ما صدقت معدتي ارتاحت"
أمسك يدها بحنان، وأخبرها بحزم رقيق
"ما ينفعش يا حبيبتي، لازم تاكلي، عشان صحتك، وعشان تقدري تقومي وتقعدي مع ولادك، أنا جيت لاقيتهم بيضربوا بعض"
شهقت وعقبت بقلق
"تاني!، أنا تعبت مش عارفة أعمل معاهم إيه، زوزو بتستفز أخوها، ومالك بقاله فترة حاطتها في دماغه، كل ما تعمل معاه حاجة ما يسيبهاش غير لما ياخد حقه منها"
رد هو بعينين حادتين، لكن صوته هادئ
"ما أنا واخد بالي، وحذرته كذا مرة، وحظه إنه أنا جيت شايفه وهو بيلطشها بالقلم"
شهقت صبا فتدخلت زينة، تاركة صينية الطعام على الطاولة، وطمأنتها
"هم أطفال يا بنتي، وارد يتخانقوا، وفي الآخر بيتصالحوا، و اسم الله عليهم روحهم في بعض"
رد قصي بصرام
"العيال بتتربى وتتعلم يا داده، خصوصًا مالك المفروض بقي في سن فاهم بيعمل إيه، أنا محذره كذا مرة قبل كده، خلي بالك من أختك، ولو غلطت فيه، يجي يقولي وأنا هحاسبها، ومحدش يمد إيده على التاني، اللي يغلط لازم يتربي، أنا قولتله يطلع أوضته وما يخرجش منها، ولسه هروحله وأتكلم معاه"
رفعت زوجته صوتها برجاء، محاولة تهدئته
"بالله عليك… بلاش تقسي عليه وإنت بتتكلم معاه… فهمه براحة"
ابتسم لها بثقة وطمأنها
"صبا… أنا عارف هاعمل إيه مع ابني، أنا بربي راجل، جو الدلع بتاعك ده هيخليه لا مؤاخذة مش راجل، يلا قومي عشان تاكلي"
تنهدت و رمقته بامتعاض قائلة بعناد
"قولتلك، مش هاكل"
رفع حاجبه وظل يحدق بها لثوان، ثم التفت إلى زينات
"اتفضلي أنتي يا داده، روحي شوفي الولاد"
ابتسمت وهمّت بالمغادرة
"بالهنا والشفا على قلبكم"
وغادرت الغرفة، بينما هو خلع سترته برفق رشيق، وألقاها جانبًا، ثم فك أزرار أكمامه واحد تلو الآخر، رافعًا كليهما إلى الأعلى، قائلاً ويبتسم بلمحة من التحدي
"واضح إن العيال مش بس هم اللي عايزين يتشد عليهم"
اقترب منها، فالتفتت إليه بعينين شعت فيهما الغضب والامتعاض، قالت بنبرة متقطعة بين الحزم والانكسار
"قصي، أنا مش فايقه بجد لهزارك، أنا متضايقة و مش طايقة نفسي، سيبني في حالي"
ابتسم وهو يرد بهدوء يحمل طيف العاطفة والحنان في صوته
"ما أنا هاسيبك في حالك، بس بعد ما تاكلي"
حملها بين ذراعيه، ومضى بها نحو الأريكة، فجلس ووضعها على ساقيه، وبدأ يُطعمها بعناية واهتمام بالغ، كلما رفعت يدها وقالت
"كفاية… مش قادرة"
كان يضع في فمها ملعقة من الأرز والخضار، يليها قطعة لحم، قائلاً بنبرة صارمة
"لازم الأطباق دي تخلص وتتغذي كويس،
فابتسمت بتمرد طفولي
" علي فكرة، أنت رخم"
ابتسم بزهو وفخر
"قولي حاجة جديدة يا روحي"
تراجعت ببطء، محدقة في الملعقة التي أمام شفاها، ترفض المزيد من الطعام، حدقت زوجها بابتسامة ماكرة
"أنا شبعت الحمدلله، نيجي للتحلية"
وفجأة، قامت وقبلته بلا مقدمات، فاخفض يده الممسكة بالملعقة، وجعلها تسقط برفق على الصينية، ابتسمت له بعينين تلمعان بالحيوية والدهشة.
نهض وهو يحملها علي ذراعيه، ولم يفصل قبلتهما، فهبطا معًا إلى الفراش بهدوء ورقة، وفصل قبلته بعد أن استقر بها.
بدأ بفك أزرار قميصه وهو يرمقها بابتسامة ماكرة، ثم خلع القميص وألقاه جانبًا ليقترب منها من جديد.
قبل أن تنطلق بينهما رحلة رومانسية خفية، قال بدهاء يملؤه اللعب والمكر
"بعد ما نخلص التحلية، هانتغدي مع بعض، مفيش مهرب من الأكل، ده أمر إجباري مش اختياري"
و غمز لها بعينه ثم أبحر معها في عالم آخر، يلقنها فيه قواعد العشق، حيث لا صوت يعلو سوى نبض القلوب.
❈-❈-❈
داخل سيارة فارهة تابعة لعائلة باسم، كان الصمت يخيم علي الأجواء، مختلط بنفس الترقب والقلق، حتى قطعه صوت الأم الحازم، وهي تحاول استعادة زمام الأمور
"يا بنتي، راجعي نفسك، إحنا لسه فيها، أنا مستعدة آخدك ونسيب شقتنا ونروح نشوف أي مكان نقعد فيه، لا باسم ولا الجن الأزرق يقدر يوصل له"
ألقت ابنتها نظرة خاطفة نحو السائق الذي يراقبهما من خلال المرآة، وهمست بخفوت مشحون بالتحدي
"وطي صوتك يا ماما، وبعدين أنا أخدت قراري خلاص، وكلها أيام على فرحي"
صاحت والدتها بنبرة يغلبها القلق والتحذير
"أنا نفسي أعرف أنتي بتفكري في إيه، ولا بتخططي لإيه يا فجر، بس لو ناوية على شر عشان تنتقمي منه قبل ما تعمليها، هاتكوني بتدمري نفسك"
باغت التجهم وجه الابنة، وسرعان ما امتلأت عيناها بالدموع، ومنعتهاما من الانزلاق
"وهو أنا لسه مادمرتش؟!، بس فيه فرق لما أكون متدمرة وعدوي عايش حياته، وبين العكس، أنا هادفعه التمن غالي أوي"
نظرت الأخرى إليها بسخرية، تشعر بالقلق والخوف
"يا خوفي لتدفعي انتي التمن"
أشاحت وجهها عن والدتها، مستترة وراء صمت يخفي آلاف الأهات، وصرخات قلب قد تحطم وأصبح أنقاض متكسرة.
لم تمضِ سوى دقائق حتى توقفت السيارة أمام منزل عائلة باسم، واستقبلهما بهدوء وأناقة.
نزل السائق وفتح لهما أبواب السيارة برقي، لترتفع خطوات فجر نحو المنزل العصري الفاخر، حيث اقترب باسم منها بترحاب:
"نورتي بيتك يا حبيبتي"
أمسك يدها وكاد يقبلها، لكنها جذبت يدها برفق وامتعاض، محدقة فيه بنظرة حازمة، بينما اخفى غضبه خلف ابتسامة هادئة
"يا أهلاً وسهلاً"
ومد يده نحو والدة فجر، فصافحته على مضض، دلف الجميع إلى الداخل، حيث كانت في استقبالهما والدة باسم، بابتسامة دافئة
"أهلاً وسهلاً، نورتوا الفيلا"
ردت والدة فجر بأدب
"أهلاً بحضرتك"
تبادلتا المصافحة، وقالت الأخرى بمزح مداعبة
"و مين كان يصدق، بعد ما كنا خصوم في المحكمة، بقينا نسايب"
لم تعقب والدة الأخرى على حديثها، فكفى نظراتها التي استوعبها باسم ووالدته، فحمحم مبتسمًا وقال
"ما تيجوا نقعد في الجاردن بره، الجو حلو أوي"
أجابت والدته
"إحنا الكبار هانقعد في الصالون، وخد أنت عروستك واقعدوا في الجاردن"
و نظرت إلى والدة فجر قائلة لها برفق
"اتفضلي حضرتك"
ذهبت معها الأخرى، بينما أخذ باسم فجر بيده وتقدما نحو حديقة المنزل، حيث الهواء العليل والهدوء يحيطان بهما، كأنهما في عالم وردي بعيد عن كل التعقيدات والصراعات.
❈-❈-❈
وقفت تتأمل المكان من حولها، وكل زاوية وكل ركن كان يصرخ بالفخامة والرقي، مشهد يشي بالثراء والرفاهية التي تعيشها تلك العائلة.
تنفست ببطء، محاولة استيعاب كل التفاصيل، انتبهت إلى باسم الذي وقف بجوارها مبتسمًا، صوته يغمر المكان دفء، يسألها
"إيه رأيك في بيتنا؟، علي فكرة، هايبقى بيتك أنتي كمان"
التفتت إليه باستفهام، وعينيها تعكس الدهشة والحيرة
"هو إحنا هانعيش هنا؟"
ابتسم بخفة وكأن كل شيء يسير وفق ما يشتهي قلبه
"المفروض، بس لو عايزة أخلي بابا يشتريلنا شقة برة، مش مشكلة، سهل جدًا، وشوفي عايزاها تكون فين، و أنا تحت أمرك"
اقترب منها حتى أصبح على مقربة شديدة، واردف يمسك خصلة حائرة من شعرها، ليعيدها خلف أذنها برقة واهتمام
"المهم تكوني مرتاحة، والأهم هانكون مع بعض"
ابتلعت ريقها وابتعدت مولية ظهرها إليه، محاولة أن تسيطر على توتر قلبها
"مش هايفرق المكان، أنا زي ما اتفقت معاك، جوازنا هايبقى على ورق، بس ياريت يكون الحوار ده ما بيني وبينك"
ابتسم بسخرية خفيفة، وردد وهو يمسح بخفة على ذقنه
"آه… على ورق… وماله"
التفتت إليه، ورفعت حاجبها بتحد لا يخفي تحفظها
"لو مش عاجبك… إحنا لسه فيها، كل واحد فينا يروح لحاله"
ضحك وصوت ضحكته يملأ المكان بهجة وحيوية، قال وهو يقترب منها بخفة
"ومين قال مش عاجبني يا فيجو يا حبيبتي؟، ده عاجبني أوي، أنا أصلاً مش مصدق نفسي إن كلها أيام وتبقى مراتي"
قابلت رده بابتسامة تتخللها السخرية، عيناها تلمعان بتلك المزحة العابرة، لكنها أيضًا تختزن مشاعر مختلطة من الدهشة والحيرة، والحرارة التي تتسلل إلى قلبها من حضوره القريب.
❈-❈-❈
منذ أن دخل غرفته وألتزم بالمكوث داخلها كما أمره والده، أمسك اللوح الألكتروني وأخذ يلهو بالألعاب الألكترونية، ليشتت غضبه.
انفتح الباب بهدوء، دخل والده وأغلق الباب خلفه دون أن يصدر صوتًا.
تقدم بضع خطوات، ثم جلس على المقعد المقابل للسرير، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه، ونظر إلى ابنه نظرة ثابتة، لا غضب فيها ولا لين.
وعندما لاحظ الصغير وجود والده ترك اللوح علي الفور واعتدل جالساً ويبلع ريقه بتوتر، يعلم مجئ والده من أجل معاقبته، لذا همّ بالدفاع عن حاله، لكن والده سبقه بصوت منخفض صارم
"مالك، عايزك تسمعني كويس لأني لأخر مرة هحذرك"
رفع الصغير عينيه بتردد، فالتقتا بعيني أبيه، فخفض رأسه سريعًا.
"أنا ما دخلتش هنا علشان أزعق، ولا أضربك"
توقف لحظة، ثم أكمل حديثه
"دخلت علشان أفهمك غلطك وتتحاسب عليه"
تململ الصغير وقال بصوت خافت
"هي اللي زقتني الأول يا بابي، و كانت عايزة تاخد السكوتر بتاعي"
أومأ والده برأسه، كأنه يتوقع الإجابة "حتى و لو ده حصل، هل ده يديك الحق ترفع إيدك على أختك وتضربها؟"
صمت الصغير، وهز ساقه بتوتر جلي لوالده الذي أمره بحده
"رد عليا"
هز رأسه نفيًا
"لاء"
"طيب"
اعتدل قصي في جلسته، وصار صوته أعمق
"إنت عندك تسع سنين، يعني فاهم كويس الفرق بين القوة والظلم، و قبل كده مفهمك اللي يضرب بنت أضعف منه مش قوي ولا يبقي راجل"
ارتعشت شفتا الصغير
"أنا ما كنتش قاصد أضربها بالقلم أو أوجعها"
"بس ضربتها ووجعتها"
قاطعه والده بهدوء و أردف
"والقلم اللي نزل على وشها، زعلني أنا قبل ما يزعلها هي"
نهض وسار حتي وقف أمام والده، رفع عينيه بقلق يسأله
"حضرتك زعلان مني؟"
تنهد والده بعمق واخبره
"زعلان من اللي عملته، مش منك
بس اسمعني كويس"
وضع يده علي كتف صغيره و بيده الأخرى يلوح بها له مزامنة مع كلماته "أختك خط أحمر، مرة تانية إيدك تفكر تتمد عليها، افتكر إنك بتزعلني أنا مش هي"
اتسعت عينا الصغير، وبدأت الدموع تتجمع في عينيه
"أنا آسف يا بابي… مش هكررها تاني"
"الأسف لوحده ما يكفيش، أختك تطلع
و تعتذر لها قدامي، ده غير أنك هتفضل ممنوع من السكوتر أسبوع حتي التابلت بتاعك محروم منه"
شهق الصغير معترضًا
"أسبوع!"
رد والده بحسم وصرامة
"ده عقاب، علشان تفتكر إن الغلط له تمن"
ثم أضاف بنبرة أخف
"وآخر مرة أشوفك بتمد إيدك علي أختك، و لو كررتها المرة الجاية الحساب هيبقى أكبر، ومش هيعجبك"
انحنى الصغير وانهارت دموعه
"حاضر… مش هعمل كده تاني"
ربت علي كتفه و بيده الأخري رفع وجه صغيره
"هو أنا بكلمك عشان تعيط؟!، أنا بتكلم مع راجل، انشف كده أنت المفروض بعدي هنا في القصر، ماشي يا صاحبي؟"
و غمز له بعينه مبتسماً حتي يجعل ابنه يتوقف عن البكاء، وهز رأسه بايماءه
"ماشي"
"ماشي يا إيه؟"
ابتسم الصغير
"ماشي يا صاحبي"
فتح والده ذراعيه له فارتمي بينهما، يعانقه والده بحنان بعدما لقنه درس تربوي يبدو في ظاهره حاد وقاسي لكنه نابع من قلب أب حنون.
❈-❈-❈
لدى والدة باسم، جلست الأم في مواجهة امرأة تُخفي خلف هدوئها الرسمي عاصفة من الهواجس.
ملامحها هادئة، لكن العيون تفضح ما لا يقال، قطعت هذا الصمت بصوت يحمل نبرة من التحفظ والحذر
"أنا عزمتكم النهاردة عشان كنت عايزه أقعد معاكي ونتكلم شوية لوحدنا، بس ياريت الكلام ده يكون بيني وبينك، يعني لا باسم ولا فجر يعرفوا باللي هقوله"
حدقتها الأخرى بترقب واع، فقد أدركت جيدًا فحوى ما سيقال، وكأنهما رغم الاختلاف الذي بينهما، لكن تقفان على أرضية واحدة.
تنهدت والدة فجر بعمق، ثم قالت بثبات
"ما تقلقيش يا مدام.... "
ابتسمت الأخرى ابتسامة رسمية، تخبرها بالاسم
"مدام سلمى"
أومأت الأخرى وأعادت العبارة بنبرة أكثر اتزان
"ما تقلقيش يا مدام سلمى، اتفضلي… سمعاكي"
حمحمت الأخرى كمن يهيئ الكلمات قبل أن يطلقها، ثم قالت بوضوح لا يخلو من ألم دفين
"أنا مش موافقة على جواز باسم من فجر، وقبل ما تفهميني غلط، عايزه أفهمك سبب رفضي، مش عشان فرق المستوى طبعًا، لأن إحنا كنا في يوم من الأيام زيكم، وبابا باسم كافح وربنا كرمه من وسع، نيجي لسبب عدم موافقتي، وهو إني مش عايزه أظلم بنات الناس مع ابني، ابني صعب، ولما بيحط في دماغه حاجة بيعملها مهما كلفه الأمر، وللأسف باباه بينفذ له كل طلباته، حتى موضوع جوازه، باباه فاكره إنه شبطان في لعبة، ومسألة وقت، ولما هيزهق منها هيرميها، وأنا عندي بنت، وخايفة يترد لها اللي بيعملوه أبوها وأخوها"
اتسعت عينا الأخرى دهشة مما سمعت، ثم عقبت بصوت صريح يختلط فيه الخوف بالمرارة
"والله يا مدام سلمى، مخبيش عليكي، أنا زيك بالظبط، مش موافقة خالص، وبنتي هي اللي مصممة، ما تزعليش مني، أنا مش عايزه بنتي تتجوز واحد كان هيقتلها لمجرد إنها بعدت عنه أنا كنت عارفة بقصة حبهم، ومكنتش راضية على الوضع، إحنا أهلنا ربونا إن الحب والمشاعر تخرج للزوج اللي يكون حلالك، غير كده تبقى قلة أدب، بس أجيال اليومين دول بالنسبة لهم الأصول وتعاليم الدين أفكار رجعية ودقة قديمة"
تنهدت بعمق، كأنها تُفرغ ما تبقى في صدرها من قلق دفين، ثم أكملت
"نرجع لموضوعنا، أنا مش لاقيه حل أرجع بنتي عن قرارها، وخايفة أقف قصادها أخسرها، أو ابنكم يأذيها تاني، وأنا ست بطولي، مالناش حد غير ربنا"
مالت سلمى قليلًا إلى الأمام، ونبرتها هذه المرة تحمل يقين بارد لا يقبل التردد
"أنا عندي الحل… بس تنفذي اللي هقولك عليه بالحرف الواحد"
"قولي وأنا معاكي في أي حاجة تكون في مصلحة ولادنا"
❈-❈-❈
عادت من السوق تثقل ذراعيها أكياس ممتلئة، تتدلى من قبضتيها كما تتدلى أعباء الأيام من روح أرهقها تحمل هذا الوضع المزري.
ما إن وطأت عتبة الشقة حتى باغتها الظلام، ظنت إنه انقطاع مفاجئ للتيار الكهربائي.
تقدمت خطوتين، ثم نادت بقلق
"سالم؟… ريتاج؟… أنتم يا عيال روحتوا فين؟"
لم يأتِها رد، وفي اللحظة ذاتها انسكب النور فجأة، فامتلأ المكان بالضوء، وأُغلق الباب خلفها بإحكام.
شهقت بفزع خاطف، لكن شهقتها انطفأت حين وقعت عيناها على من أغلق الباب، فها هو زوجها!
وقبل أن تنطق بكلمة، انتبهت إلى ما أعده لها من أجواء شاعرية مصطنعة؛ مائدة يتراقص فوقها وهج الشموع الذهبية، وورود متناثرة كأنها محاولة متأخرة لرتق قلب مكسور، وأطباق طعام شهية تفوح بروائحها، وعلبة مغلفة بالمخمل الأحمر، توحي بأنها هدية محملة بالاعتذار.
في عينيه ارتسم ندم ثقيل، جلس على إحدى ركبتيه أمامها، وأمسك يدها قائلًا بصوت خرج من أعماقه
"والله العظيم ندمان ندم عمري، وطالب السماح وفرصة أخيرة، وأوعدك وعد راجل حر عمري ما هكررها تاني، أنا ماليش غيرك، وعمري ما هلاقي واحدة زيك، بنت حلال وبنت أصول، شايلاني وشايلة بيتي وولادي في عينيها، وأنا كنت غبي يوم ما فكرت أبص لغيرك، والشيطان عمال يدورلي على حجج ومبررات كانت حلولها سهلة وبسيطة، لكن أنا زي أي واحد استسهل الحرام وأنا معايا جوهرة"
انحنى وقبّل يدها، ثم وقف وهو يقول
"أنا آسف يا شيماء، حقك عليّا، كفاية بقى بعاد وخصام، خلينا نفتح صفحة من أول وجديد، أنا بحبك أوي، ومش قادر أستحمل بعدك عني أكتر من كده"
بينما هي تقف أمامه صامتة، لكن عينيها كانتا تصرخان بما عجز اللسان عن قوله؛ تحكيان عن وجع ثقيل عاشته الأيام الماضية، وعن خيانة نزفت قلبها وأحدثت فيه شروخ وجراح لا تلتئم.
"بحبك أوي يا شيماء"
تفوه بالكلمات من فؤاده واقترب منها، قبّل رأسها، ثم مال نحو شفتيها، بينما عيناها لا ترى إلا المشاهد التي حفرت ذاكرتها في الغردقة، يوم رأته برفقة روميساء.
دفعته قبل أن تمس شفتيه خاصتها، وانفجرت ثورة الوجع والحزن المختزنة بداخلها صراخات في وجهه
"أنت فاكرها بالساهل كده يا ابن الشيخ سالم؟!، أنت عارف عملت فيّا إيه؟!، أنت كسرتني، خيانتك ليا عملت جوايا شرخ كبير عمال ينزف من ساعتها لحد دلوقتي، أنا وجودي معاك هنا مش علشانك، ولا علشان مش قادرة أبعد عنك، أنا سبب وجودي عشان خاطر الولاد، مالهمش ذنب أعيشهم مشتتين ما بينا لو انفصلت عنك، مضطرة أجي على نفسي وأستحمل أشوفك كل يوم في وشي عشانهم، ولو عندك ذرة عشم إني أسامحك وأرجع، يبقى أنت غلطان، أقولك عشان ترتاح، وأنا اللي بقولهالك بنفسي، روح اتجوز يا طه، روح اتجوز أحسنلك، لأنك هتفضل بالنسبة لي أبو عيالي وبس"
ألقت كلماتها كأنها حجارة، وتركته خلفها، وأسرعت بخطوات متعثرة نحو غرفة صغارها قبل أن يرى دموعها، دوى صوت صفق باب المنزل، فاهتزت جدران الشقة ونوافذها، وارتفع صدرها يعلو ويهبط بعنف، هنا فقط انهارت، وجلست على الأرض وأجهشت في بكاء مرير، بكاء امرأة انكسر قلبها ولم يبقَ لها سوى الصبر.
❈-❈-❈
صعدت درجات الشركة بخطوات واثقة، تحمل حقائب صغيرة تتراقص داخلها روائح الطعام الدافئ، وتختبئ بينها علب الحلوى .
لم تكن زيارتها عابرة؛ كانت نية مبيتة للفرح ومفاجأة مصنوعة على مهل، جاءت لتعيد ترتيب قلب أرهقته الدوامات.
تقدمت نحو مكتب زوجها، استقبلتها السكرتيرة بنظرة متفاجئة، فابتسمت ابتسامة وديعة، وسألتها بثقة هادئة
"آدم جوا؟"
لم تمضِ لحظات حتى فتحت الباب، وظهر آدم متيبسًا في مكانه بعد أن تفاجئ بها، تلاقت عيناها بعينيه، فانبثقت الدهشة على ملامحه، تلتها ابتسامة واسعة.
"خديجة!، إيه المفاجأة الحلوة دي"
دخلت بخفة، ووضعت الحقائب فوق الطاولة، وقالت بنبرة مشبعة بالدفء "قولت اعملك مفاجأة واجيلك نتغدى سوا، أكل وحلويات بيتي هايعجبوك أوي"
اقترب منها، جذبها من كفها برفق، وحدّق فيها طويلًا
" أحلي مفاجأة علي قلبي، و علي فكرة أنتي كنتي علي بالي، أصلك وحشاني أوي"
جلست أمامه، وأسندت كفيها إلى الطاولة، ثم تنفست بعمق، وقالت فجأة بنبرة صادقة خالية من التكلف
"و أنت كمان واحشني، و قبل ما انسي عايزه أقولك أنا شلت من دماغي خالص موضوع البيبي التاني زي ما قولتلك قبل كده"
تجمد للحظة، قبل أن يجلس قبالتها مصغيًا بكل جوارحه.
فاكملت حديثها
"و كمان قررت أخلي كل اهتمامي بيك إنت، و بيوسف ابننا، بس اهتمامي هايبقي بيك أكتر، هدلعك وهشبعك حب و اهتمام لحد ما تقول كفاية"
ابتسم فتابعت وقد تلألأت عينيها وهي تخبره
"وفيه قرار تالت، كان نفسي آخده من زمان، بس كنت خايفة إنك ترفض، أو تتريق عليا، علشان مؤهلي الدراسي أقل ومش هابقي مناسبة"
قطب حاجبيه
"قرار إيه ده؟"
قامت ووضعت يديها علي كتفيه، مالت نحوه قليلًا، وهمست كمن يبوح بسر "عايزة أبقى سكرتيرتك الخاصة،
نعيش جو روايات المراهقين، و مكتبي يبقي هنا جوه مكتبك"
انفجر ضاحكًا، ضحكة صافية خرجت من صدره وقال
"إحنا كده مش هنشوف أكل عيشنا خالص!"
رمقته بمكر محبب، فسألته
"ليه كده يا حبيبي؟"
توجه إلى الباب، وأوصده من الداخل ثم عاد إليها بخطوات بطيئة، وصوته انخفض، واكتسى نبرة تنضح بالجرأة "أصل ساعتها هابقى المدير السافل،
اللي ما بيصدق ينفرد بالسكرتيرة بتاعته ويتحرش بيها"
اقترب أكثر، وقال وهو يبتسم
"بس الحمد لله…تحرشي بيكي هايبقي حلال، حلال، حلال"
ضحكت بدلال صريح
"بعد الضحكة دي، لازم أتحرش وأتحمرش، وعلى رأي أغنية كنت سامعها أيام 2012"
رفعت حاجبيها بدهشة
"2012؟!، إنت قديم أوي يا دومي"
ضحك واخبرها و يحرك كتفيه
"ما أنا ما بقيتش أسمع أغاني من ساعتها يا حبيبتي، ومن يوم ما اتجوزنا بطلت اسمع خالص، الحمد لله توبت إلى الله علي ايديكي"
قهقهت وقالت بمزاح مشبع بالحب
"بارك الله فيك يا حبيبي، وينعِم عليك كمان وكمان"
احاط خصرها بين يديه
"المهم، الأغنية كانت بتقول، هاتي بوسة يا بت، هاتي حتة يا بت"
ثم همس جوار أذنها
"ما تجيبي بوسة بقى"
كادت تضحك، لكنه باغتها وقبّلها قبلة دافئة، وعناق طويل تمازجت فيه الأنفاس، وتوهجت المشاعر، كأن القلوب تستعيد إيقاعها الأول كحلاوة البدايات.
❈-❈-❈
هيأت ابنائها بعناية ، عدلت ملابسهم، رغم ثقل بطنها المنتفخ بالحمل، وقالت للمربية المساعدة بصوت حازم
"خدي بالك منهم، ولو قصي ما سمعش الكلام، اتصلي بيا فورًا وقوليلي"
أومأت المربية برأسها باحترام
"تمام يا مدام دنيا، ما تقلقيش"
غادرت المربية ومعها الصغار، وتلاشى ضجيجهم تدريجيًا في الممر، بينما أغلقت دنيا الباب خلفهم، واستندت إليه لحظة قصيرة كأنها تلتقط أنفاسها.
استدارت لتتجه نحو غرفتها، لكنها توقفت فجأة على رنين الجرس،
زفرت بضيق خافت، وقالت وهي تتحرك ببطء فرضه ثقل الحمل لديها
"شكلهم نسيوا حاجة، لازم يتعبوني يعني"
سارت على مهل، فتحت الباب، فتجمد الهواء من حولها عندما رأته يقف أمامها، ملامحه التي غابت أيامًا عنها، وبنظرة تختلط فيها الغربة بالاعتياد.
آخر عهدهما كان شجار حاد في شركته، غادر بعدها، ومنذ ذلك اليوم سكن الصمت بينهما كجدار عازل.
نظرت إليه بعتاب ولوم، وارتسمت على شفتيها سخرية موجوعة
"حمد الله على السلامة يا كنان بيه"
حدق في وجهها طويلًا، لا ينكر أن الشوق اجتاحه كريح مباغتة، وأن ذراعيه اشتاقتا لاحتوائها، غير أن ما تراكم في صدره من مرارة في الأيام الأخيرة كان أثقل من أن يتجاهله؛ فهو في نهاية المطاف رجل له طاقة، وصبره مهما طال له حدود.
رد باقتضاب بارد
"الله يسلمك"
ثم تجاوزها دون كلمة أخرى، واتجه مباشرة إلى غرفة نومهما، فتح الخزانة، أخرج بدلة جديدة وبعض الثياب، بدأ يجمعها في صمت صلد.
دخلت خلفه، وقفت عند الباب، وعيناها تراقبان حركاته بقلق متصاعد، ثم قالت بصوت مرتجف
"إنت واخد هدوم وراجع على الشركة تاني؟، خلاص قررت تعيش في الشركة وتسيبني أنا وولادك لوحدنا؟، وكل اللي بتعمله تحولي فلوس على الكريدت وخلاص؟، طب وأنا إيه في حياتك؟!"
لم يجب و ظل منهمكًا فيما يفعل، كأن الكلمات لم تصل إليه.
اشتعل الغضب في صدرها، اقتربت منه بخطوات متوترة، التقطت الثياب التي رصها على السرير، وقذفتها أرضًا وهي تصيح
"رد علي كلمني!"
لم يحتمل حدة صوتها، فاندفع يضرب ضلفة الخزانة بقبضته، فاهتز المكان، وصاح بانفجار مكبوت
"مش ده اللي إنتِ عايزاه؟!، وأنا بريحك مني"
نظرت إليه بعينين تنضح بالحزن، وقالت بصوت مكسور
"ومين قالك إن أنا عايزة كده؟، شايف السرير بتاعنا!"
التفت بعينيه نحو الفراش، فوجده مرتبًا كما تركه منذ أيام، فأردفت بصوت خافت لكنه نافذ من قلبها إلي فؤاده
"سريرنا زي ما هو من وقت ما قررت تبات بره وتسيبني، ما بعرفش أنام عليه وإنت مش موجود، بضطر أنام في حضن الولاد وبرضه النوم بيهرب مني"
صمتت للحظات، ثم تنهدت بألم عميق "البيت من غيرك وحش أوي، حياتي كلها من غيرك مالهاش أي قيمة، ارجع بيتك ولولادك، ارجعلي أنا، عارفة إنك زعلان، معلش اعذرني، اللي مريت بيه مكنش سهل عليا، إنت خلتني أعيش سنين بتعذب، أيوه أنت اتغيرت كتير للأحسن، بس جوايا صراع، بمر بحالة نفسية وحشة، محتاجة لك جنبي، بالله عليك ما تبعدش عننا تاني"
انهارت وأجهشت بالبكاء، فذاب ما تبقى من صلابته، اندفع نحوها وجذبها بين ذراعيه، احتضنها بقوة واشتياق، اختار أن يكون رده فعلًا أبلغ من الحديث.
ظل معانقًا لها دقائق طويلة حتى هدأت شهقاتها، أجلسها برفق على طرف الفراش، وجثى أمامها، أسند رأسه على فخذيها كطفل صغير، قائلاً بصوت مبحوح
"أنا اللي محتاجلك أكتر ما إنتي محتاجة لي، كنت بتعذب في بعدك، وعايز أجري عليكي وأترمي في حضنك، أنا غلطت في حقك وعارف إنك مش هتسامحي بسهولة، حتى لو سامحتي الندوب اللي جواكي هتفضل تفكرك باللي عملته،
عشان كده لجأت للبعد، كنت فاكره الحل الأنسب، مكنتش أعرف إن البعد عامل زي الموت البطيء،بيعذب أكتر ما بيريح"
رفعت يديها، ومررت أصابعها في شعره، وقالت بصوت متهدج
"وليه تعمل فينا كده والحل بسيط…
ترجع لبيتك وولادك وليا أنا"
أمسك كفيها، قبّلهما واحدًا تلو الآخر، وضع إحداهما على خده، وأغمض عينيه: "أنا نفسي أنام، بقالي أيام ما دوقتش طعم النوم، خديني في حضنك ونيميني"
نهض وخلع حذاءه، وساعدته على خلع سترة بدلته، فكت أزرار قميصه وخلعته عنه، كادت تجلب له قميصاً قطني، لكنه
تمدد على السرير، قالت له بقلق واهتمام "خد البس حاجة بدل ما تبرد"
أمسك يدها، وجذبها لتنام بجواره، واستقر في حضنها كرضيع أنهكه البكاء، وهمس بنبرة يغلبها النعاس
"في حضنك، عمري ما حسيت ببرد"
غلبه النوم في الحال، كأنه كان يحتاج ذراعيها فقط ليغوص في سبات عميق.
ظلت تتأمله طويلًا، حتى انتبهت إلى اهتزاز هاتفه في جيب بنطاله.
سحبته برفق، نظرت إلى الشاشة، فوجدت رسالة واردة على بريده الإلكتروني.
ترددت، ثم أمسكت يده دون أن يشعر، وضعت إصبعه على البصمة، فانفتح الهاتف.
ترددت لحظة قبل أن تفتح، لكن اسم المُرسل لفت انتباهها؛ مكتوب بحروف تشبه الإنجليزية، لغة لا تفقهها،
غير أن الرسالة كانت مرفقة بصورة.
صورة ما إن وقعت عيناها عليها، حتى خفق قلبها بعنف، كأن شيئًا مظلمًا استيقظ فجأة في أعماقها.
❈-❈-❈
داخل السيارة، تقود على مهل، يداها ثابتتان على المقود، وعيناها تراقبان الطريق بعناية، قطعت الجالسة جوارها الصمت، وسألت بنبرة يغلبها الفضول و القلق
"ما تقولي يا ملك… إحنا رايحين على فين؟"
أبطأت الأخرى السرعة ثم التفتت إليها بابتسامة خبيثة تخفي شئ ما
"يا بنتي ما قولتلك… عايزاكي معايا نشتري حاجة، ومحتاجة رأيك فيها
ولا انتي قلقانة وخايفة؟"
تنهدت ياسمين ونظرت من النافذة، قائلة بصوتٍ متردد
"مش خايفة بس قلقانة، أنا ما قولتش لياسين، وكمان مش بيرد عليا،
قولت أكيد مشغول في الشركة، خايفة يزعل إني خرجت من غير ما أستأذن"
رمقتها الأخرى بدهشة صادقة، وكأنها لا تصدق ما سمعت
"أنا مش مصدقة وداني!، معقولة ياسمين اللي بتقول كده؟!، الله يرحم أيام ما كنتي تيجي تشتكيلي من أخويا، وتقولي إنه خانقك، وكل خطوة ليكي لازم بإذن،
لا لا… إحنا اتغيرنا خالص، بس تغيير حلو ولذيذ بصراحة"
عقدت حاجبيها وسألت باستفهام
"إيه ده؟ هو أنا كنت وحشة؟"
ضحكت ملك وهزت رأسها
"لا خالص، مين قال كده؟، يا بنتي اللي تعيش مع ياسين أخويا يبقى ليها الجنة، وتدخلها من غير حساب كمان"
قهقهت زوجة أخيها وقالت
"واضح إنك بتعزّي أخوكي جدًا"
تنهدت الأخرى، وتحول صوتها إلى نبرة أكثر جدية
"بصي خلينا نتكلم جد، أنا بحب كل إخواتي من أول قصي لحد ياسين، بس ياسين أقربهم لقلبي، صحيح وإحنا صغيرين كنا بنقطع في شعر بعض، بس بعد ما كل واحد فينا اتجوز وبقى له بيت وحياة، بقينا أقرب، هو حنين قوي فوق ما تتخيلي، ومن غير مجاملة، أنا مابقولش كده علشان أخلي صورته حلوة في عينيكي، بس هو فعلًا أب وزوج وأخ حنين جداً"
ثم لحظة وأضافت بلهجة حذره
"بس حطي قصاد الحنية دي، كمية غباوة وغشومية لما بيتعصب، أنا كملك بترعب منه، بخاف من ردود أفعاله، ومن غيرته
غيرته عدت ليفل الوحش"
التفتت ياسمين إليها باهتمام، فواصلت الأخرى
"تعرفي… السنة اللي فاتت بنتك كانت عندي، لقيت عينيها وارمة، شكلها كانت معيطة جامد، سألتها ما رضيتش تقول، بس بناتي عرفوا منها إن البيه جوزك نفخها تهزيق، كل ده ليه عشان راح النادي يجيبها، لقاها بتلعب مع ولد، وكانت هتقع وهي بتجري، الولد خاف عليها ولحقها ومسكها من وسطها، حظها الأسود أبوها شافها في اللحظة دي، وما شافش المشهد من أوله"
ابتلعت ملك ريقها وأكملت بانفعال
"أول حاجة اتخانق مع الولد، وكان هيضربه، وأهله اتدخلوا و الخناقة كبرت، والبوليس جه، واتلغت عضوية ياسين من النادي ولا همه كل ده، المصيبة بقى لما خد البنت وروح، طلع كله على دماغها،
سمعها كلام، لما سمعته من مليكة، قلبي وجعني، البنت انهارت، ولما جيت أعاتبه، قلب وشه عليا وقال لي، لو سمحتِ يا ملك، سيبيني أربي بنتي زي ما أنا عايز"
هزت رأسها بأسى
"قولت له دي بنت، ما ينفعش معاها لا شدة ولا تسيب، كون حازم وحنين في نفس الوقت، بس أقول لمين، الكلام ده يفهمه واحد عنده عقل، مش واحد دماغه دماغ تور بينطح من غير ما يفكر"
أنهت حديثها، فلاحظت أن ياسمين شاردة، تنظر أمامها بلا تركيز لوّحت بيدها أمام وجهها
"سرحانة في إيه؟"
التفتت إليها وقالت بحزن
"في كلامك…زوأنا بسمعك قلبي اتقطع على البنت، غيابي أذاها جامد، أنا عارفة إن تصرف أخوكي بدافع الخوف، بس مش للدرجة دي أنا هنبهه عليه"
انتفضت الأخرى وصاحت محذرة
"لاء، مش وقته تنبيه خالص، ولا تقوليله إني قولتلك حاجة، ده أنا ما بصدق ينسي موضوع رودينا، ده كده ممكن يطلع لايف تاني ويقول اتبريت من ملك أختي، ومش عايز أعرفها، ومش بعيد نطلع إحنا الاتنين في برنامج المسامح كريم"
انفجرت ياسمين ضاحكة من قلبها، فضحكت ملك معها
"أيوه كده، عايزين الضحكة الحلوة دي،
عايزاكي تدخلي عليه والابتسامة من ودن للودن"
نظرت إليها باستفهام
"هو مين؟"
توترت الأخرى فجأة وقالت
"قصدي يعني، خليكي مبتسمة،
إيه ده إحنا وصلنا!"
نظرت ياسمين من نافذة السيارة، فوجدت المكان هادئًا، فسألت بدهشة "فين المول اللي قولتيلي عليه؟،
ده إحنا على الكورنيش"
ابتسمت ملك
"انزلي بس… وهقولك"
ترجلتا معًا، وما إن رفعت ياسمين رأسها حتى تفاجأت بياسين يقف في انتظارهما أمام نادي خاص بالمراكب واليخوت.
قالت الأخرى بخفة
"أظن كده أديت مهمتي بنجاح وسلمتك مراتك، أخلع أنا بقى، ألحق أرجع على القصر، زمان مصعب هيعدي ياخدني أنا والبنات"
ابتسم شقيقها وقال
"خلي بالك من نفسك، وسلميلي على مصعب"
"أوك، رحلة سعيدة يا عصافير الحب"
انسحبت ملك، بينما بقيت ياسمين في مكانها، المفاجأة تعقد لسانها، أمسك ياسين يدها وقال مبتسمًا
"مالك مصدومة ليه؟، قولت أعملك مفاجأة نفك بيها من الجو الكئيب،
وبما إننا في حكم المخطوبين زي ما انتي طلبتي، قولت يا واد يا ياسين خدها واطلع بيها رحلة مركب، أهو كده حققت مقولة، المية والخضرة والوجه الحسن،
وأنا معايا وجه ملاك"
ابتسمت بخجل، فقال ضاحكًا
"يا لهوي على جمال خدودك لما بتتكسفي…آه منهم، لولا إننا في مكان عام، كنت كلتهم، خليها لما نروح"
نظرت إليه بتحذير
"ياسين!"
ضحك واخبرها بجرأة مازحًا
"ياسين إيه بس، بقولك إيه… إنتي آخرك معايا في الخطوبة خروجة النهارده، وبكرة ندخل في مرحلة الجواز"
لكزته في كتفه
"هسيبك وأمشي"
"تمشي تروحي فين!، أنا زي خيالك يا روح ياسين"
ثم نظر إلى جسدها وقال بمكر
"بس مش خيالك بالظبط، إنتِي عندك تلال وهضاب، وأنا سهول مستوية"
"ياسين!، اتلم يا وقح"
قهقه وحدقها بوعيد مستمرًا في مزاحه
"أنا هوريكي الوقح ده هيعمل فيكي إيه لما نروح"
اصطحبها إلى مركب فاخرة تشق مياه النيل، والمشهد من حولهما آسر كلوحة حية.
شغل لها الأغاني وغنى معها، كلمات الحب تنساب على لسانه كما لو خُلقت لها وحدها.
تناولا الطعام وسط ضحك وموسيقى رومانسية، والتقطا صورًا كثيرة توثق تلك اللحظات.
كانت تقف في مقدمة المركب، وهو خلفها يحتضنها من ظهرها، يستغل غياب العيون، فيخطف من خدها قبلة بين الحين والآخر.
وكان كلما تشبثت خوفًا بحافة المركب، أحاط خصرها أكثر، وضمها إليه.
كانت مشاعرها كفراشة تحلق في السماء، وكل لحظة يثبت لها كم يعشقها، وكم يسعى لإسعادها.
وتذكرت طلب ابنتها بأن يعودوا أسرة واحدة كما كانوا، فقررت أن تمنحه الضوء الأخضر.
انتهت الرحلة مع غروب الشمس، واستقلت سيارته معه، أمسك يدها وهو يقود، يقبّلها بين حين وآخر، ويتغزل فيها بنظراته التي تزيدها خجلًا.
اخبرته بتردد
"ياسين"
"روحه وقلبه وكل ما ليه"
ابتلعت ريقها ثم قالت
"أنا موافقة"
سألها بلهفة وعدم فهم مصطنع
"موافقة على إيه؟"
اجابت بخجل
"موافقة نعيش أنا وإنت وياسمينا في بيت واحد، وأكون... وأكون زوجتك"
أوقف السيارة فجأة، ونظر إليها غير مصدق
"يعني تبقي مراتي ونعيش في بيت واحد؟"
هزت رأسها بنعم، فاكمل
"وفي أوضة واحدة؟"
هزت رأسها مرة أخرى بنعم، فسألها بجرأته المعتادة دون خجل
"وعلى سرير واحد؟"
زمت شفتيها
"ما تبقاش ياسين غير لما كلامك يحدف شمال، خلاص أنا سحبت كلامي"
"نعم؟!، سحب إيه، أنا مش مصدق نفسي… أخيرًا رضيتي عليّا"
"طب يلا بينا، علشان ما نتأخرش على البنت"
"تؤمري يا جميل"
غمز بعينه وانطلق بالسيارة، ثم اضطر لتغيير الطريق بسبب زحام المرور.
وفي الطريق الهادئ، لمح رجل وسيدة بطنها منتفخ، يبدو عليها ألم الولادة، يقفان على جانب الطريق.
خفف السرعة، فسألته ياسمين بقلق "حبيبي، إنت هديت ليه؟"
"شكل الراجل مش لاقي عربية، ومراته بتولد"
"ياسين، أوعى توقف، قلبي مش مرتاح"
لكن الرجل اندفع نحو السيارة، وتحدث من النافذة
"معلش يا باشا، مراتي على آخرها، ومش لاقيين إسعاف ولا عربية، ممكن تاخدونا في سكتكم؟"
تردد ياسين لحظة، وفجأة تحولت ملامح هذا الرجل الغريب يكشر عن أنيابه، فتح باب السيارة بعنف، وجذب ياسين رغما عنه.
"ياسين!"
صرخت بها ياسمين بخوف وذعر و امسكت بيده، فصاح به
"اوعي تنزلي"
وبدأ عراكه مع الرجل مردداً
"آه يا ولاد الـ…"
ولم يكن يدرك أو ينتبه إلي اثنين آخرين ينضما إلي زميلهم، فقام ثلاثتهم بالهجوم عليه، و السيدة التي تتظاهر بالحمل تحاول إنزال ياسمين من السيارة، بينما الأخرى همها ياسين عندما رأت الرجال الثلاثة يتكالبون عليه بالضرب.
فظهرت سيارة قادمة تصدر صوتاً علمه علي الفور افراد العصابة، صاحت المرأة
"يلا انت وهو البوليس جاي"
توقفوا عن ضرب ياسين الذي صاح باصرار
"والله ما هاسيبكم غير لما يجوا يقبضو عليكم يا ولاد الـ......
لم يستطع اكمال جملته واطلق صرخة ألم، حيث قام احدهم باخراج مديته من جيبه وقام بطعنه!
الفصل الثالث والثلاثون
أقف الآن وحيدًا أمام نفسي، عاريًا من كل عذر، كم كنت غبيًا أظن أن إهمالها ذنبي، وراحتي في خيانة قلبي.
لقد خانتني الدنيا أمور كثيرة، لكني أنا خنتها أولًا، خنت زوجتي، خنت بيتي، وخنت نفسي.
آهٍ من الندم الذي يلتهم الروح، كل لحظة أتذكر فيها نظرتها الصامتة، شعرت أنني ارتكبت جريمة بلا دماء، سقطت في الاختبار لأن قلبي كان أضعف من أن يصون ما أحب.
وكل ما أملكه الآن، هو التوبة والاعتراف، والصبر على استعادة قلبها، لعل الله يمنحني فرصة لأصلح، قبل أن تُصبح الخيانة قدرً لا يُغفر.
طه البحيري
ــــــــــــــــ
في مستشفي البحيري...
على أحد الأسرة المعدنية، تمدد ياسين وجرحه في كتفه يزرف الدماء، رغم إنه مضمد ضماد مؤقت ريثما يتفحصه شقيقه.
جلست ياسمين إلى جواره، تمسك يده بكلتا يديها، دموعها تنهمر بلا انقطاع، تتكسر على وجنتيها وتغرق كلماتها وهي تقول، بصوت مبحوح يخرج من بين شهقاتها
"فضلت أقولك بلاش توقف يا ياسين… بلاش توقف… عاجبك اللي حصلك؟"
التفت إليها بعينين مشتعلتين بالألم والغضب معًا، وشدّ على فكيه حتى برزت عروقه، وردّ من بين أسنانه، كأن كل حرف يُنتزع من صدره
"ما قولتلك خلاص… وبطلي عياط بقى"
سكن صوتها، واكتفت بالنظر إليه بامتعاض تختلط فيه المرارة بالحب، وفي تلك اللحظة دُفع باب الغرفة بعجلة، ودخل يوسف يلهث بخوف ولهفة، وقد سبق جسده قلبه إلى الداخل.
ورغم ما كان بينه وبين شقيقه من خلافات لم تندمل، فإن رابطة الدم حضرت الآن أقوى من كل شيء.
"إيه اللي حصل يا ياسين؟"
سألها يوسف بقلق صريح، فتحت ياسمين فمها لتجيبه، وكأنها كانت تنتظر السؤال لتفرغ ما في صدرها
"كنا راجعين في طريق ضلمة و…"
لكن ياسين قاطعها بحنق حاد كالسوط
"مش وقته حكايات"
في التو دخلت الممرضة، تدفع أمامها طاولة معدنية تعلوها أدوات الجراحة والخيط الطبي، يصدر عنها رنين خافت يبعث على الرهبة.
تنفس يوسف بعمق وهو يحدق في شقيقه، وأدرك من نظراته المتحفظة أنه ما زال لا يطيقه منذ خلافهما الأخير. حول نظره إلى ياسمين واخبرها بنبرة حاول أن يجعلها مطمئنة
"معلش يا ياسمين، اتفضلي بره… عشان مش هتستحملي المنظر"
لكنها تشبثت بيد زوجها أكثر، كأنها تحاول أن تقتسم عنه الألم، وقالت بعزم وإصرار
"أنا مش هسيبه"
ثم نظرت إلى ياسين بعينين متوسلتين، فبادلها نظرة سريعة ثم نظر إلى شقيقه كإشارة صامتة أن يتركها، زفر الأخر مستسلمًا
"تمام"
اقترب من أخيه وبدأ يفتح أزرار قميصه ، يزيحه بحذر عن كتفه المصاب، وما إن انكشف الجرح حتى تأوه ياسين تأوه خشن، بينما شهقت ياسمين وقد اتسعت عيناها لهول المشهد، حين رأت اللحم المشقوق والدم النازف.
انحنى يوسف يتفحص الجرح بعين الطبيب الخبيرة
"الحمد لله، الجرح مش في مكان خطير، بس للأسف هياخد غرز من جوه وبره، فأنا هديك حقنة بنج في منطقة الجرح، لأنه مش مستاهل تاخد بنج كلي"
قال شقيقه وصوته مثقل بالألم ونفاذ الصبر
"أي حاجة يا يوسف… بس انجز بالله عليك"
أومأ الأخر ثم التفت إلى الممرضة التي قدمت له القطن والمطهر.
وما إن لامس المطهر الجرح حتى تأوه ياسين مجددًا وشد بقوة على يد زوجته، حتى شعرت كأن أناملها تتحطم في قبضته.
ومع ذلك لم يكن ألمها الجسدي شيئًا يُذكر أمام وجع قلبها وهي ترى زوجها يتلوى من الوجع.
ناولت الممرضة يوسف إبرة المخدر، فقال لشقيقه بنبرة هادئة، يحاول أن يخفف عنه
"معلش، استحمل… ثواني ومش هتحس بحاجة"
ثم نظر إلى زوجة أخيه، وقد قرأ في شحوب وجهها وانطفاء لونها ما هو آت لا محالة.
حاولت ياسمين أن تغمض عينيها، لكن خوفها علي زوجها كان أقوى من إرادتها، فأبقتها مفتوحتين رغماً عنها.
وما إن غرز يوسف الإبرة في موضع الجرح ليخدره، لم تشعر ياسمين بنفسها… ترنحجسدها وفقدت وعيها دفعة واحدة، وسقطت في غياهب الإغماء.
❈-❈-❈
جلست في عزلتها القاسية، بعد أن أُسدلت ستائر العزاء وانفض الجمع، وبقي الحزن وحيدًا جليسها.
فبدت الغرفة ككهف موحش يحتضن وجعها، لا يواسيه سوى همسات القرآن التي كانت تتلوها بصوت مرتجف، يختلط فيه الخشوع بالانكسار.
راحت تتلو آيات الذكر الحكيم، فيما عيناها الغارقتان في الدموع تفضحان ما تعجز الشفاه عن البوح به؛ حزن ثقيل على رحيل زوجها، وفقد لا يُجبر وفراغ يتسع في صدرها كهاوية بلا قرار.
توقفت عن التلاوة فجأة، وكأن أنفاسها خانتها، ورفعت بصرها ببطء نحو الصورة المعلقة على الحائط المقابل.
هناك كان وجهه يبتسم في إطار صامت، يقف جوارها ويمسكان معًا ابنتهما حين كانت صغيرة، ضحكتها المجمدة في الصورة تُوجع القلب، وذكريات الماضي تنقض عليها بضراوة.
لم تنطق بكلمة، لكن عينيها وارتعاشة شفتيها وانهمار دموعها، كانوا ينطقون بالكثير، بالكثير الذي لا تحتمله الكلمات.
وفي ذروة تلك اللحظات الموجعة، جاء طرق خافت على باب الغرفة، تبعته نبرة مترددة من خلف الباب
"شاهيناز هانم، حضرتك صاحية؟"
أغمضت عينيها للحظة، ثم همست بصوت متهدج
"صدق الله العظيم"
سكتت برهة واستجمعت ما تبقى من ثباتها، قائلة بصوت أوضح
"ادخلي"
انفتح الباب ببطء، ودلفت الخادمة بخطوات مترددة، وملامحها مشدودة بتوتر واضح، كأن الكلمات تثقل لسانها. وقفت أمام شاهيناز تتردد، ثم قالت باعتذار يسبق الكلام
"آسفة يا هانم… بس لازم أبلغ حضرتك"
رفعت الأخرى رأسها ببطء، ونظرت إليها بعينين مثقلتين بالسؤال
"فيه إيه؟"
تلعثمت الخادمة، ونظرت إلي أسفل ثم عادت تنظر إليها، قبل أن تقول أخيرًا وقد غلبها التوتر
"أنا كنت بنضف أوضة مكتب مهاب بيه الله يرحمه، لاقيت درج المكتب المقفول… القفل بتاعه مكسور، والصندوق اللي فيه المسدس بتاعه مفتوح، والمسـدس نفسه مش موجود"
توقفت لحظة تلتقط أنفاسها، ثم أضافت مسرعة
"جيت أجري أقولك، لاقيت الست رودينا خارجة بتجري… لأنها كانت قبلها بتسألني عن مفاتيح الدرج"
ما إن أنهت كلماتها، حتى انتفضت شاهيناز من مجلسها كمن لُسع بصدمة كهربائية.
امتدت يدها إلى هاتفها وهي ترتجف بشكل واضح، وضغطت على رقم ابنتها مرارًا، لكن الهاتف كان مغلق.
زفرت بأنفاس متلاحقة، وتسلل القلق إلى صدرها فبادرت بالاتصال بابن شقيقتها، بينما كانت خطواتها المسرعة تقودها نحو غرفة ابنتها.
ما إن فتحت الباب، حتى اصطدمت عيناها بالفوضى تعم كل ركن؛ ملابس مبعثرة، أدراج مفتوحة، وبينما كانت نظراتها تجوب المكان بقلق متصاعد، انتبهت إلى ورقة ملقاة بإهمال على الأرض.
انحنت، التقطتها بيد مرتجفة، وراحت تقرأ سطورها، حتى شحب وجهها فجأة، كانت قسيمة الطلاق.
في تلك اللحظة، انكشف لها كل شيء،
أدركت أن ابنتها قد فقدت صوابها، وأن نار الغضب التي أشعلها ياسين البحيري في قلبها قد دفعتها إلى الجنون، وأنها قررت دون عقل أن تنتقم منه، مهما كان الثمن.
سقطت على أقرب مقعد، وقلبها وهي تهمس في داخلها
"يا رب… استر"
❈-❈-❈
توارى الطبيب في غرفته منذ عودته من الخارج، كأنما احتمى بالجدران من عالم يضج بما لا يحتمله قلبه.
جلس في الشرفة بجسد منهك وملامح شاحبة، يتكئ على مقعد بارد، فيما عيناه معلقتان بشاشة هاتفه، حيث كان يتابع تسجيل البث المباشر لياسين البحيري، ذاك البث الذي اجتاح وسائل التواصل الاجتماعي انتشار النار في الهشيم،
وفي الخلفية يصدح صوت القيصر كاظم الساهر وأغنية «لو لم نكن نفترق»، تنساب كلماتها كأنين خافت في فؤاده، تتسلل إلى أعماقه، وتنبش وجع دفين وجرح لم يندمل...
«لو أننا لم نفترق .. لبقيت بين يديكِ طفلا عابثـًا
و تركت عمري .. في لهيبك يحترق
لا تسألي العين الحزينة .. كيف أدمتها المقل
لا تسألي الطير الشريد .. لأي أسباب رحـل
رغم الرحيل .. ورغم ما فعلت بنا الأيام
قلبي لم يزل .. يحيا وحيـدًا بالأمل
أنا يا حبيبة كل أيامـي .. قتيـلـك فـي الهــوى
كنا نعانق في الظلام دموعنـا
والقلب منكسر من العبـراتِ
هذي النهاية لم تكن أبدًا لنـا
هذي النهاية قمة المأساة
ما كنت أعرف و الرحيل يشدنـا
إني أودع مهجتـي و حيـاتي»
كلمات: فاروق جويدة
أمسك بيده جواز سفره، كأنه طوق نجاة أخير، أو صك هروب من كل ما يثقله، بينما انحدرت الدموع على خديه في صمت يؤلم الفؤاد.
بدأ دخان سيجارته يتلوى في الهواء، يرسم دوائر باهتة ثم يتلاشى، وهو يعلم في قرارة نفسه أنه ليس بمدخن، لكنه لا يلجأ إلى التدخين إلا في أحلك لحظاته، حين يضيق به الألم، فيتشبث بأي شيء يشتت حزنه، ولو كان ضرر إضافيًّا، فمهما بلغ أذاه، فلن يوازي الضرر الذي نُكِب به قلبه.
في تلك اللحظة، دخلت والدته الغرفة، فوقعت عيناها عليه في حالته تلك.
انتبه لوجودها، فأغلق البث على الفور، وأطفأ شاشة الهاتف، ثم نهض مسرعًا، وولى ظهره إليها، فمسح دموعه بكفه على عجل كأنه يخشى أن تفضحه أمام والدته التي قالت بصوت يحمل سخرية مُرة تخفي قلقها حياله
"حمدالله على السلامة… أخيرًا افتكرت ليك أم وبيت؟!"
التفت إليها ببطء، ورمقها بنظرة ممتعضة، ثم ألقى كلماته ببرود قاس
"أحسنلك تتعودي تعيشي من غيري"
وقبل أن تثور عليه وترد، وقعت عيناها على جواز السفر في يده، اتسعت حدقتاها وشهقت، وضربت بكفها على صدرها في فزع
"يا نهار أزرق!، أنت هتسافر وتسيبني؟!"
تقدم نحو مكتبه، فتح درج من أدراجه، وألقى بالجواز داخله بإهمال متعمد، اخبرها بصوت حاول أن يجعله ثابت
"قايلك من فترة أنا مسافر إنجلترا، بس كنت هسافر مؤتمر وراجع، إنما المرة دي هطول… هاقعد فترة كبيرة، وهابقى أنزل في الإجازات"
هزت رأسها بأسى، وارتجف صوتها
"وأهون عليك يا ابني تسيبني لوحدي؟!، ده أنا مليش غيرك من بعد أبوك الله يرحمه"
تنفس بعمق، ثم قال محاولًا التخفيف
"معاكي الخدم هنا، وهاطمن عليكي كل يوم… يا إما تيجي معايا"
رفعت رأسها في إباء، وأجابت بحزم يشوبه حنين جارح
"طبعًا لاء، عمري ما هاسيب الفيلا… دي اللي عيشت نص عمري فيها مع أبوك، وشوفت فيها أجمل سنين حياتي، أنا روحي هنا"
حدق أمامه في صمت كثيف، وعيناه غارقتان في شرود موحش، فيما كان الحزن الدفين يعشش في أعماقه كطائر جريح لا يقوى على الطيران ولا يملك الرحيل.
ظل على حاله لحظات، إلى أن انتبه أخيرًا لاهتزاز هاتفه بين يديه، كأن الواقع يلح عليه أن يفيق.
ألقى نظرة سريعة على الشاشة، فإذا بالمتصل خالته.
سارع بإغلاق الأغنية، ثم لمس علامة الإجابة.
لم تمهله خالته فرصة للترحيب، إذ اندفع صوتها صارخًا، تتشابك فيه الفزع والعجلة
"ألحق رودينا يا رحيم، بسرعة قبل ما تأذي حد، الحيوان طليقها بدل ما يجي يعزيها، باعتلها ورقة طلاقها، راحت خدت مسدس أبوها من ورانا وشكلها بالتأكيد رايحة له تنتقم منه"
انتفض من مكانه كمن صُبّ عليه ماء بارد، واتسعت عيناه في هلع.
وأول ما قفز إلى خاطره كشرارة خاطفة، أن ياسمين قد تكون في دائرة الخطر.
مد يده بسرعة، تناول سترة بدلته، وارتداها وهو يقول بنبرة حاول أن يكسوها بالثبات
"ما تقلقيش، هلحقها إن شاء الله… وربنا يستر"
أنهى المكالمة على عجل، وما كاد يلتفت حتى وجد والدته ترمقه بنظرة متسائلة
"مين اللي كان بيكلمك؟"
أجابها باقتضاب وهو يلتقط مفاتيح سيارته، وقد بدا الاستعجال واضح في حركاته
"أختك"
عقدت حاجبيها، وقالت بنبرة لا تخلو من الضيق والحنق
"عايزة منك إيه؟!، مش عملت معاهم الواجب خلاص؟!، ولا الموكوسة بنتها هببت إيه تاني؟!، منها لله مش بييجي من وراها غير المصايب، حتى أبوها مسلمش منها… الراجل ما استحملش عمايلها، فاخدها من قاصرها واتكل على الله"
حدق رحيم في والدته بسأم دون أن يعلق على كلماتها، فقد ضاق صدره عن الجدال، وضاق الوقت عن التبرير.
استدار عنها مسرعًا، واندفع إلي الخارج، لا يشغله سوى اللحاق بابنة خالته، قبل أن ترتكب مصيبة أخرى لا تُحمد عقباها.
❈-❈-❈
وصل إلى الشركة رغم أن ساعات العمل كانت قد انقضت، والهدوء قد بسط سلطانه على المكان، فخالها خالية من الموظفين والمديرين، لا يسكنها سوى الصمت وأصداء الخطوات.
غير أنه ما إن دلف إلى الداخل حتى لمح نور خافت يتسلل من أسفل باب أحد المكاتب، فاقترب ليجد مصعب ما يزال جالس في مكتبه، منكبًّا أمام شاشة الحاسوب.
طرق الباب طرقًا خفيف، فرفع مصعب رأسه وانتبه إليه على الفور، ارتسمت على شفتيه ابتسامة ترحيب ممزوجة بالدهشة
"طه!، اتفضل، إيه اللي جابك الشركة مش إنت واخد إجازة النهارده؟"
تقدم بخطوات متثاقلة، وجلس أمام المكتب، ثم أطلق زفرة طويلة خرجت كأنها تحمل ثقل صدره كله، قبل أن يسأله بصوت خافت مثقل
"هو أنا ينفع أبات هنا في الشركة؟"
رمقه مصعب بنظرة متفحصة، راقب فيها ملامحه المرهقة، ونبرته المنكسرة، ثم سأله مباشرة
"إنت متخانق مع مراتك؟"
ارتسمت على وجه الأخر ابتسامة ساخرة من حاله، و سأله وهو يهز رأسه بخفة
"هو أنا باين عليّا قوي كده؟"
ضحك الأخر ضحكة قصيرة، ثم اخبره بنبرة هادئة
"أنا واخد بالي من فترة كبيرة، بس الأمور الشخصية ما بحبش أتدخل فيها، إنما لو محتاج أي مساعدة أنا زي أخوك"
هز طه رأسه موافقًا، وارتسمت على شفتيه شبه ابتسامة باهتة
"عارف يا مصعب من غير ما تقول، بس الموضوع صعب قوي، حتى مساعدتك مش هاتنفع، مش بعيد لما أقولك اللي حصل إنت كمان تقلب عليا"
اتسعت عينا الأخر بدهشة وفضول، و بنبرة تحمل بعض المزاح لتخفيف الجو
"ياه للدرجة دي؟!، ده شكله حوار تقيل اديني دقيقتين، هاتصل أخليهم يعملولنا اتنين قهوة، وتقعد تحكيلي"
وبعد قليل…
كان يمسك فنجان القهوة بيد مرتجفة، وفي اليد الأخرى سيجار مشتعل، تتصاعد من طرفه خيوط دخان واهنة، كأنها أنفاس روحه المنهكة.
حدق في الفراغ بعينين غارقتين في الحزن والندم، ثم قال بصوت خفيض مثقل، تتخلله غصة لا تخفى
"الموضوع بدأ من فترة كبيرة فعلًا، هي انشغلت في البيت والولاد، وبقيت أنا آخر اهتماماتها، أنا ما أنكرش إنها ست بيت شاطرة، وأحسن أم تخاف وتراعي ولادها… بس أنا فين من كل ده؟!"
تنهد، وأدار الفنجان بين أصابعه، قبل أن يتابع
"نبهتها مرة واتنين، عزلنا من شقة أبويا الله يرحمه وسيبنا الحارة، وروحنا شقة أوسع، في منطقة راقية، قولت نكسر الروتين ونغيّر المكان، نجدد من حياتنا، لكن اكتشفت إن كل ده ولا حاجة، والوضع زي ما هو، يمكن بقى أسوأ… خصوصًا لما اتحطيت قدام أصعب اختبار، وللأسف زي الغبي سقطت فيه"
ارتشف مصعب قليلًا من قهوته، ثم سأله وهو يحدق فيه بنظرة متفحصة، كأنه يتأكد مما يسمع
"خونتها؟!"
أنزل قدح القهوة وألقى ببقايا سيجاره على الطاولة، حدق إلى الأرض بندم فاضح.
بدأ يسرد عليه كيف كانت بدايته مع جارته روميساء، وكيف تدرج الأمر خطوة بعد أخرى، حتى انتهى بهما المطاف في الغردقة، حيث كاد ينزلق إلى مستنقع الرذيلة معها لولا مقتلها على يد شقيقها، قبل أن يقع المحظور.
نهض مصعب من خلف مكتبه، واتجه ليجلس على الكرسي المقابل لذلك البائس.
تنفس بعمق أولًا، ثم قال بنبرة هادئة لكنها صارمة
"أنا مش هلومك ولا هعاتبك، كفاية عليك اللي إنت فيه، بس إنت فعلًا غبي ومتسرع، مش معنى إن مراتك مهملة فيك زي ما بتقول، إنك تجري ورا الحرام وتاخده حجة، لو كل الرجالة عملت زيك الدنيا كانت خربت، ما أنكرش إن كلنا بنتعرض لفتن كل يوم، بس الراجل اللي بيحب أهل بيته وبيخاف عليهم، ما يهموش ولا ألف روميساء، يعني الأولى كان لازم تدي لمراتك فرصة والتانية، والتالتة، وكنت تقول لها بصراحة، عفيني عن إني أبص للحرام، ومش عيب تقولها كل حاجة بصراحة، دي مراتك"
رفع الأخر رأسه قليلًا، وقال بصوت مبحوح
"قولتلها… قولتلها بدل المرة اتنين وتلاتة، أنا عارف تفكيرها على قدّها وحاولت، هقولك ومش هخبي عليك، أنا ضعفت أول مرة أتعامل مع واحدة من نوع روميساء، انبهرت بالجمال المزيف، وبالحياة اللي كانت بتشدني ليها، للأسف الفترة دي ما كنتش بشوف مراتي غير أم ولادي وبس، أو يمكن شيطاني اللي كان مصورلي كده، يزينلي الحرام ويوحش في عينيا الحلال علشان أبعد عنه وأخرب بيتي بإيدي"
"أديك جيبت الخلاصة… وشكلك ندمان"
رمقه الأخر بنظرة تنضح بالحزن وتفيض ألمً واخبره
"ندمان ندم عمري كله يا مصعب، طلبت منها السماح واتأسفت لها، لو كانت قالتلي موت نفسك وأنا هسامحك كنت عملتها، بس هي مش قابلة لا أسف ولا اعتذار، ورمتهالي في وشي، تخيل بتقولي روح اتجوز، لأن أنا عايشة معاك ومعتبراك أبو عيالي وبس"
كتم الأخر ضحكته بصعوبة، فحمحم وقال
"قالتهالك من ورا قلبها، اسمع مني إنت بس، الستات رغم اختلاف طباعهم بس تقريبًا كلهم مشتركين في كذا حاجة، منها إنهم لما يقولوا كلام زي اللي قالته مراتك، بيبقوا قاصدين العكس، هي طبيعي مش هتسامحك من أول اعتذار، لأن اللي عملته مش سهل، دي يا راجل راحت وراك، يعني أكيد شافتك وإنت بتعطف وبتلطف مع المرحومة في اللانش، والأدهى لما قفشتك وإنت داخل الأوضة، ولولا إن المرحومة اتقتلت، مش بعيد كانت قفشتكم في وضع مخل"
تنفس طه بعمق و ردد
"والحمد لله إنه ما حصلش"
رد الآخر ساخراً
"بس كان هيحصل، وكان عندك النية، أومال كنت رايح أوضة الست تهبب إيه معاها؟، كنت ناوي تلعبوا كوتشينة ولا تصور معاها لايف على التيك توك؟!، ده إنت تحمد ربنا إن وجود مراتك أنقذك من تهمة القتل"
اعتدل في جلسته، ثم أردف بجدية بالغة
"بص يا طه، إنت عارف مكانتك عندي إيه، إنت أخويا واللي بينا مش صلة قرابة وشغل وبس، أنا هانصحك نصيحة لوجه الله، والكلام ده ليا قبل ما يكون ليك، محدش فينا معصوم من الغلط، وكلنا بنتحط في اختبارات؛ يا بننجح يا بنسقط، فبقولك خليك ورا مراتك لحد ما تسامحك، استحمل ردود أفعالها لحد ما تلين، هي لو كرهتك أو اعتبرتك أبو العيال وبس، ما كانتش قعدت معاك لحظة واحدة تحت سقف واحد، وده لو دل يدل إنها بنت أصول وجدعة، وبتحبك قوي ربنا يباركلك فيها، دي تحطها في عينك، إنت كمان بتحبها ومالكوش غير بعض، والموضوع كله حله في إيدك إنت، وزي ما جرحت قلبها داويه، هتاخد وقت، مش مشكلة استحمل، ما اللي إنت هببته مش سهل برضه، بس هي تستاهل ألف محاولة منك، وربنا يهدي سركم ويبعد عنكم الشيطان"
هز طه رأسه، وردد بعزم وإصرار لا يخلو من وجع
"هداويه… ومش هاسيبها غير لما تسامحني"
❈-❈-❈
اقترب يوسف بسيارته من بوابة القصر، خفف السرعة شيئ فشيئ، في المقعد الخلفي شقيقه يجلس متكئًا بحذر، يشي وضعه بما مر به من ألم، لكنه مال برأسه نحو زوجته، وهمس بصوت دافئ
"بقيتي أحسن دلوقتي؟"
رمقته بعينين غارقتين في حزن رقيق، وقالت بصوت صادق لا يعرف المراوغة
"أنا اللي المفروض أسألك كده… أنا بخير طول ما إنت بخير"
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، ممزوجة بشيء من المزاح
"أنا كل ما أفتكر لما يوسف قالك اخرجي بره علشان مش هتستحملي تشوفيه وهو بيخيط لي الجرح، وإنتي تقوليله لأ مش هاسيبه… وأول ما حطلي حقنة البنج وقعتي من طولك، هموت وأضحك بس مش قادر"
وكزته بخفة في ذراعه، ونظرت إليه بحنق مصطنع تخفي به توترها
"يعني أنا غلطانة؟!، أنا ما كنتش عايزة أسيبك وإنت في الحالة دي، واستحملت إيدك وهي بتعصر في صوابعي اللي اتكسروا "
نظر إليها بنظرات تخطف القلب قبل العقل، نظرات تحمل امتنان وعشق دفين، امسك يدها وقبل أنامل يدها ثم سألها بصوت خفيض
"يعني انتي كنتي خايفة عليا للدرجة دي؟"
هزت رأسها دون تفكير، وقالت بصدق عفوي
"أنا قلبي كان هيقف لما شوفتهم طعنوك"
أمسك يدها برفق، وضغط عليها بحنان ممتلئ بالعشق
"بعد الشر عليكي… أنا لو كنت أعرف إني هصعب عليكي كده، وهشوف في عينيكي الخوف عليا، كنت خليتهم يغزوني من زمان"
اتسعت عيناها في فزع محب
"بعد الشر عليك، ما تقولش كده، وبعدين ما أنا قايلة لك قبل اللي حصل… أنا موافقة نرجع نعيش مع بعض، أنا وإنت وبنتنا"
اتسعت ابتسامته أكثر، وكأن الكلمات أعادت إليه بعض من عافيته، وقال بمكر واضح
"ايوه أنا فاكر، حتى بامارة لما قولتلك هنعيش مع بعض في شقة واحدة، وأوضة واحدة، وعلى سرير واحد"
غمز لها بعينه، ثم أردف بنبرة مازحة
"بس أنا مش عايز الإجابة نظري… عايزها عملي علشان أتأكد"
اشتد وهج الخجل على خديها، وانخفض صوتها إلى همسة مرتبكة
"يا قليل الأدب"
ضحك بخفة
"أمك اسمها رجب"
صاحت بامتعاض ودهشة
"نعم؟!"
لوح بيده بلا مبالاة
"ما تاخديش في بالك… دي قافية كنا بنقولها زمان أيام العبط الطفولي، المهم انتي تطلعي تاخدي ياسمينا وتنزلي على طول، وإياكي تقولي لماما حاجة، الست شافت كتير الأيام اللي فاتت"
ترددت لحظة ثم سألته
"طيب لو سألتني عنك؟"
أجابها بثبات
"قوليلها بشتري حاجات، وهعدي عليكم آخدكم من قدام البوابة، وأنا هكلمها في التليفون علشان ما تحسش بحاجة"
وفي تلك اللحظة، تدخل يوسف وهو يوقف السيارة تمامًا، وقال بنبرة عملية
"إحنا وصلنا"
رمقه ياسين بنظرة جادة يغلفها التحفظ
"شكرًا يا دكتور يوسف… تعبتك معايا"
أدرك شقيقه ما يختبئ بين طيات كلماته من مسافة متحفظة وحدود مرسومة بعناية، فقابل حديثه باقتضاب محسوب قائلاً
"حمد الله على السلامة، قبل ما أنسى ناوي تعمل إيه مع العصابة اللي عملوا فيك كده؟، المفروض نعمل فيهم محضر"
أجاب الأخر وبدا وكأنه يفرغ آخر ما تبقى من توتره
"قبل ما نجيلك كان في دورية شرطة قبضت عليهم، طلعوا عصابة من اللي بيثبتوا الناس علي الطرق اللي ما بيبقاش فيها حركة كتير و مستغلين عدم وجود كاميرات، الظابط خد أقوالي أنا وياسمين، وبلغتهم إني رايح المستشفى عندك، واحتمال يعدي عليك حد من القسم ياخد منك تقرير بحالتي"
أومأ يوسف برأسه
"تمام."
التفت ياسين إلى زوجته، وحدق فيها بنظرة تحمل وصايا غير منطوقة
"انزلي… وأنا هكلم عم شكري يوصلنا"
تدخل شقيقه على الفور
"وتكلم عم شكري ليه؟ ما أنا هوصلكم"
ارتسمت على شفتي الأخر ابتسامة خفيفة لكنها لم تبلغ عينيه، وقال بنبرة حاسمة
"كتر خيرك معانا لحد كده"
ترجلت ياسمين من السيارة، ولحق بها زوجها، لكن يوسف استوقفه بصوت خافت
"ياسين؟"
التفت إليه الآخر، وهز رأسه باستفهام، فتردد يوسف لحظة ثم اخبره
"آسف… على أي كلمة صدرت مني وزعلتك إنت وياسمين"
حدق فيه شقيقه برهة، ثم نظر إلى زوجته تارة وعاد بنظره إلى شقيقه تارة أخرى،ثم أجاب بهدوء علي نقيض ما يشعر به
"اعتذارك أولى بيه دكتورة علياء، إنت معاك كنز وضيعته، حاول ترجعه"
أنهى كلماته دون زيادة، وأمسك بيد زوجته بثبات وعزم، وسار كلاهما نحو بوابة القصر.
وهناك على بُعد خطوات قليلة، خلف شجرة وارفة بجذع عريض، وقفت مترصدة لهما، تتخفى في ظلها كما يتخفى الشر في العتمة.
رأت طليقها يسير جوار زوجته، يده متشابكة في يدها، ونظراته معلقة بها بعشق لا تخطئه العين.
التقط بصرها إصابته سريعًا؛ إذ كان يرتدي حامل يرفع ذراعه الواقعة في الجهة المصابة، غير أن ذلك لم يشفع له في ميزان قلبها، ولم يوقظ فيها ذرة شفقة.
ففي ناظريها، كان هو السبب في موت جنينها، وفي موت والدها، وختم جرائمه في حقها بإرساله ورقة طلاقها في أحلك لحظاتها بدلًا من أن يمد لها يد المواساة أو يشاركها الفقد.
ولم تكن قد اعترفت بعد لا لنفسها ولا لغيرها أنها كانت المخطئة منذ البداية؛ أخطأت في حق ذاتها أولًا، ثم في حق الجميع.
ظلت تراقبهما عن كثب، وعيناها تنضحان بحقد أسود وغل دفين، كأن الكراهية صارت وقودها الوحيد.
أدخلت يدها في حقيبة يدها، وثبتت أصابعها على ما بداخلها في وضع استعداد، تقدمت خطوة وكادت تتحرك نحوهما لتنفذ انتقامها، و إذا بيد قوية باغتتها، قبضت على عضدها فانتفضت بفزع.
التفتت مذعورة، فإذا به ابن خالتها، يحدق فيها بغضب متأجج، وملامحه مشدودة بعزم لا يقبل المساومة.
دفعها بقوة خفيفة لكنها آمرة نحو شارع جانبي، حيث كانت سيارته مصطفة، وقال بنبرة قاطعة لا تحتمل جدال
"امشي قدامي"
اتسعت عيناها بدهشة ممزوجة بالرعب، وصاحت بتوتر
"إنت؟!، إنت عرفت إزاي؟!"
❈-❈-❈
وصل بها إلى سيارته كما يساق الأسير إلى قدره المحتوم؛ فتح الباب بعنف ودفعها إلى المقعد الأمامي دفعة غليظة، ثم صفق الباب بقوة جعلت جسدها يهتز في مكانه.
استدار هو إلى مقعد القيادة، جلس مشدود الأعصاب، وانطلق بالسيارة كالسهم المنفلت، يطوي الطريق بلا وعي، حتى توقف فجأة عند مكان نائي.
التفت إليها بحدة وعيناه تقدحان شرر، قبض على حقيبتها المتشبثة بها كالغريق بخشبة النجاة، وصوته أجش قاس
"هاتي الشنطة"
جذبتها بقوة إلى صدرها في فزع، ورفضت بعناد يائس
"مش هديهالك… أوعى سيبها!"
لكن الغلبة كانت له؛ انتزعها منها بقوة فجة، وهو يصيح بغضب أفقده رشده
"سيبي"
فتح السحاب بغلظة، فإذا بالسلاح الناري يطل عليه بوضوح جلى من كل إنكار، أجزاؤه مشدودة جاهز للإطلاق، اتسعت عيناه، ورمقها بنظرة نارية كادت تحرق ملامحها
"إنتي كنتي ناوية تقتليه؟!"
بادلته النظرة بكل ما يعتمل في صدرها من ضغينة سوداء وكراهية متأججة تجاه طليقها وزوجته.
رفعت إصبعيها أمامه، كأنها تعد موت لا أشخاص، وقالت بصوت مشبع بالحقد
"الاتنين… كنت هقتلهم، عشان وهو بيموت يحس بالموت مرتين؛ مرة وهو بيطلع في الروح، ومرة وهو شايف مراته بتموت قصاد عينيه"
جز على أسنانه من فرط الغضب، حتى كادت فكيه يتصدعان.
لم يشعر بنفسه، لكن مجرد تخيله لمقتل ياسمين اعتصر قلبه عصرً موجع، فكيف لو كان الأمر واقعًا لا خيال عابر!
لحظات ثقيلة من الصمت المشحون، ثم هوى بكفه على وجهها صفعة مدوية، دوّى صداها في فضاء السيارة كطلق ناري مفاجئ.
تلقتها دون أن يرف لها جفن، وسألته بسخرية جارحة
"بتضربني عشانها طبعًا… ولولا هي كانت جنبه، كنت سيبتني أقتله، عشان ترجع تبقى ليك تاني"
"اخرسي!"
صاح بها، وهو يدفع حقيبتها بغضب خلفه، فسقط منها كتاب على أرض السيارة.
نظرت إليه بتوتر وخوف فاضح، ومدت يدها سريعًا إلى الخلف لتلتقطه، لكن يده كانت أسرع؛ سبقها وأمسك بالكتاب.
فتح غلافه بقلق متصاعد، ليجده مفرغ من الداخل، وفي جوفه كيس من المسحوق الأبيض اللعين.
أمسك به ورفعه أمام ناظريه، وعيناه تحدقان فيها بصدمة.
"رجعتي تشمي تاني!"
في لحظة خاطفة انقلبت ملامحها رأسًا على عقب؛ تهاوى الغضب وتبخر الحقد، ليحل محلهما خوف مرتجف، وتوسل مكسور، بل إنكار يائس.
راحت تهز رأسها بالنفي، كأنها تحاول أن تطرد الحقيقة عن نفسها.
قال لها وصوته مثقل بذكريات موجعة، وقد انبعث من صدره كأنفاس محروقة
"ده أنا لسه فاكر كل لحظة إنتي مريتي بيها في المصحة… ده إنتي خلتيني وقتها أكدب على أهلك وأمي، وأقول لهم إنك سافرتي، وقعدت أعمل حوارات عشان يصدقوا لحد ما تتعافي، وبعدها سافرتي على كندا، كان بينك وبين الموت خطوة… رجعتي للموت تاني؟!"
مد يده إلى النافذة جواره، فتحها على اتساعها، وأفرغ محتوى الكيس إلى الخارج غير عابئ بمحاولتها اليائسة لمنعه.
صرخت وهي تهوي نحوه
"لاء يا رحيم… بالله عليك لاء"
لكنها لم تستطع التظاهر بالقوة أكثر من ذلك؛ انهار سد التماسك، وأجهشت في البكاء، تخبره من بين دموع متلاحقة وصوت مخنوق
"وفرقت إيه؟!، أنا عايشة ميتة أصلًا، الإنسان اللي كنت فاكرة إني بحبه راح، ابني اللي ما شافش الدنيا راح، واتحرمت إني أكون أم تاني، بابا مات وهو غضبان عليّا، وماما مش طايقة تشوفني وبقت تكرهني، حتى إنت، إنت بقيت بتكرهني وخسرتك بسبب غبائي، اللي في إيدك ده هو الحاجة الوحيدة اللي هتخليني أنسى اللي أنا فيه، حتى لو كان التمن موتي"
وانخرطت في البكاء مجددًا، كطفلة ضائعة في مهب الطرق، فقدت الأمل في الرجوع، وتعلقت بالحزن كأنه وطنها الأخير.
وبرغم نفوره منها، ومن أفعالها التي فاقت في الشر والكراهية كل تصور، إلا أن قلبه خفق شفقة عليها، خفقة باغتته دون إذن. جذبها إلى صدره، واحتواها بين ذراعيه، يربت على ظهرها برفق متعب، حتى هدأت أنفاسها، وتسربت إلى روحها طمأنينة واهنة.
انسحبت من بين ذراعيه، وعيناها تنضحان ببصيص أمل خجول، قالت له بصوت منكسر
"سامحني يا رحيم… أنا آسفة"
تلقى كلماتها بطيف ابتسامة عابرة لم تبلغ عينيه ثم رد بجمود قاطع
"إنتي تروحي وتجهزي شنطة هدومك، وتجهزي نفسك، عشان هترجعي على كندا، يا كده يا هقول لخالتي إن بنتك كانت مدمنة زمان ورجعت للشم تاني، ومش بس كده، المرة دي هسلمك للمصحة بإيدي، وهخليكي تقضي باقي عمرك فيها؛ لأنك إنتي شر على نفسك وعلى اللي حواليكي، ها؟، اختارتي إيه؟"
غرت فاها بصدمة، ولم تصدق تحوله المفاجئ؛ كانت تظنه ما يزال رحيم، ذاك الرجل ذو القلب الطيب الساذج القديم، الذي كان يصدق دموعها الزائفة في الماضي.
هزت رأسها بالموافقة، وقد أدركت أخيرًا أن زمن اللعب على الأوتار المنكسرة قد انتهى.
❈-❈-❈
في اليوم التالي...
جلس قصي خلف مكتبه بهيبته المعتادة، يلقي أوامره على مساعدته بصوت متين وحاسم
"وبعد ما تخلصي اللي قولتلك عليه، تتصلي على كابتن أيمن، وتأكدي معاه ميعاد السفر"
دونت كل ما قاله على اللوح الإلكتروني بعناية وانتباه، ثم التفتت إليه وسألته بحذر محترم
"تمام يا قصي بيه… في أي أوامر تانية؟"
أجابها بتردد
"عايزك تتصلي على كنان العمري، وتبلغيه إني عايزه ضروري"
في تلك اللحظة، ارتجت أجواء الغرفة بصوت طرق على الباب، فانبرى الاثنان إلى الالتفات.
عند عتبة الباب وقف الطارق، فإذا به كنان نفسه، همس قصي بدهشة تنضح بالفرح
"كنان!"
دخل ونظراته تنضح باشتياق صديق إلى صديقه، وابتسامة خفيفة تتخللها مشاعر الفرح بعد طول غياب
"قولت كفاية بعاد لحد كده، وخليني أجي أبدأ بالسلام"
تحرك الأخر من خلف مكتبه، وأشار لمساعدته قائلاً
"اتفضلي أنتي دلوقتي"
فتح ذراعيه بترحاب عارم، فاندفع نحوه وتبادل الاثنان عناقً قويًا، عناق أخوة لم تُفلح المسافات في أن تفرقتهما، ولا الخلافات في إضعاف ما بينهما، كأنهما يربطان ما فرقه الدهر بالحب والوفاء.
ربت قصي على ظهره، وملامحه تموج بالحنين
"واحشني يا صاحبي"
رد الأخر وتجمعت الدموع في عينيه، تشبه لآلئ الشوق على بحر ساكن
"مش أكتر مني يا كينج"
انسحب الاثنان من العناق برفق، ثم أشار قصي إلى مقاعد الجلد الفاخرة بجانب المكتب
"تعالي نقعد هنا"
جلسا والجو حولهما يملؤه دفء الصداقة القديمة، ومع كل نظرة متبادلة، كان الماضي يذوب شيئ فشيئ، ويترك في قلبيهما فسحة من الأمان والطمأنينة.
أكمل قصي حديثه، وقد انفرج صوته عن مزيج من العتاب والحنين، كأن الكلمات خرجت من بين شقوق الذاكرة المثقلة
"لو كنت أعرف إن بمجرد ما أنطق اسمك ألاقيك قدامي، كنت نطقته من زمان… رغم إني كل ما أفتكر اللي حصل وأنا عندك، مابقتش طايقك"
ابتسم الآخر بحرج صادق، وانحنى رأسه قليلًا، كمن يعترف بخطيئته دون مواربة، ثم قال بأسف
"آسف يا باشا… أنا فعلًا وقتها كنت غلطان، وغلط لسه بدفع تمنه لحد دلوقتي، بس الحمد لله في أمل إن الدنيا تستقر، يكفي إني اتعافيت من تعلقي بسيلينا… وبالمناسبة أنا طلقتها"
ارتسمت علىشفتي الأخر ابتسامة رضا، وقال بسعادة خالصة
"لو اللي بتقوله حصل فعلًا، يبقى إنت كده كنان الجدع ابن الأصول اللي أنا أعرفه، المهم عامل إيه مع أم ولادك؟"
أجابه بأريحية واضحة، وقد أشرق وجهه براحة لم يعرفها منذ زمن
«الحمد لله، بقينا أحسن، واكتشفت إني بحبها، ويمكن اللي حصل من فترة خلاني أعرف قيمتها، وبالمناسبة هي حامل"
غمر الفرح قلبه، فتهللت ملامحه، وقال بسرور صادق
"ألف ألف مبروك، ربنا يقومهالك بالسلامة هي والمولود"
ابتسم كنان وأضاف بنبرة مازحة
"الله يبارك فيك… عقبالكم انتم كمان تعملوها مرة تالتة"
قهقه قصي ضاحكًا، اخبره وهو يهز رأسه
"ما أنا كنت لسه هقولك… في أخ أو أخت جاي في السكة لمالك وزوزو"
اتسعت ابتسامته وردد داعياً
"ما شاء الله، ربنا يقوم مدام صبا بالسلامة هي والنونو، ويباركلك فيهم"
تنحنح الأخر قليلًا، وعاد إلى نبرة الجد
"يارب، كنت هاتواصل معاك بخصوص الشغل"
رد بلا تردد، وبولاء قديم
"عينيا ليك يا باشا، أنا وشركتي تحت أمرك، ولو محتاج رجالة حراسة غير اللي عندي اجيبلك"
عقد حاجبيه قليلًا، وقال بنبرة حاسمة
"ده مش وضع مؤقت، إنت هترجع لشغلك معايا، أصلًا ما بأمنش على بيتي ومراتي والولاد غيرك، خصوصًا إننا مسافرين اليومين الجايين إيطاليا، محتاج طقم حراسة، وإنت عارف الوضع هناك من وقت ما سيبت شغلي مع المافيا، عمري ما هآمن لحراسة من هناك، إنت ورجالتك هتسافروا إيطاليا، بس هتسبقونا الأول، تأمنوا الفيلا كويس، مداخل ومخارج، وتعملوا اختبارات لكاميرات المراقبة والإنذار"
مال كنان للأمام و بثقة اخبره
"طيب، ما أنا هسافر، وهناك هأمنلك رجالة يشتغلوا تحت إيدي، ناس كفاءة جدًا وأعرفهم من زمان"
رمقه بنظرة حادة، وقال بدهاء لا يخلو من تحذير
"ما تبقاش غشيم، هتجيب رجالتك اللي معاك بقالهم سنين، لشوية رجالة ممكن يبيعونا لو لقوا اللي يدفع أكتر؟!، عايزك تفوق يا كنان، أنا لولا وعدت المدام والولاد بالسفر، ما كنتش اتحركت، أسبوع بالكتير وراجعين، وما تقلقش رجالتك ملزومين مني قبض وأكل وشرب وكل حاجة، غير السكن، مش أول مرة نسافر"
أومأ الأخر موافقًا واخبره بحزم
"تمام يا باشا، اعتبر كله حصل، مستنيين حضرتك والجماعة والأولاد، قولي بس السفر إمتى عشان أبلغ الرجالة يجهزوا"
أجابه مباشرة
"إنت والرجالة هتسافروا بعد بكره"
اتسعت عينا الأخر بدهشة
"بعد بكره؟!"
ابتسم قصي ابتسامة واثقة
"زي ما سمعت، بعدها بيومين إن شاء الله نكون عندكم، ولو حابب تجيب المدام والولاد ياريت، الفيلا واسعة، وبيتك أخوك هو بيتك"
ابتسم الأخر وقال بتقدير
"تسلم يا كينج، خليها وقت تاني، عشان أعرف أركز في شغلي"
أخرج محفظته الجلدية من جيب سترته الداخلي، وسحب بطاقة ائتمانية، ومدها إليه
"يبقى اتفقنا، خد الكريدت دي، و طلع باسبورات مستعجلة للرجالة، ولو حاجة وقفت قدامك إديني تليفون"
نهض كنان وأعاد البطاقة إليه بهدوء، وقال بثقة وبعزة نفس
"عيب يا باشا، أنا الحمد لله ربنا كارمني من وسع، وكفيل برجالتي، ولولاك ما كانش بقى ليا شركة أمن وحراسة، يعني كله من خيرك"
وقف الأخر وربت على كتف كنان بقوة الأخوة، وقال بابتسامة دافئة
"ما تقولش كده، إنت أخويا يا كنان، بس برضه حسابك وحساب رجالتك عندي… وخلي الواجب ده لوقت تاني يا صاحبي"
❈-❈-❈
«مشهد من الماضي»
تهدجت أنفاسه وهو ينصت إليها، فأصبح منتبهاً معها بكامل حواسه.
"قالي عايزك تقفي جمبي زي ما وقفت جمبك، و كان طلبه إن أحضر معاه عشا عمل أو بالمعني الأصح سهرة مع رجال أعمال بينه و بينهم صفقات و شغل، وعايز يعرفني عليهم، لاء و كمان اشترالي مخصوص اللبس اللي غصبني ألبسه و أنا رايحة معاه، فستان ما تلبسهوش غير واحدة لا مؤاخذة شمال، قولتله لاء مستحيل ألبسه و إزاي تقبل علي مراتك تلبس القرف ده و كمان هتخليني أقابل رجالة و في سهرة عمل و أنت عارف يعني إيه سهرة واللي بيحصل فيها، هنا كشفلي عن وشه الحقيقي"
ارتجف فمها وهي تسترجع الألم
"مسكني من شعري و لوى دراعي ورا ضهري لدرجة كان هايكسره، وهددني إن لو مانفذتش كل اللي بيأمرني بيه هايفضحني في الشركة و عند أهلي، و مش هايكمل تسديد الفلوس بتاع الرهان، فعرفت إنه دفع نص الفلوس و النص التاني بيسدده علي دفعات، والعقد اللي جابهولي دي صورة مش الأصل، وعمل كده عشان يفضل ضامن وجودي معاه، و أنفذ أي حاجة يقولي عليها من غير ما اعترض، للأسف طاوعته ونفذت كل اللي قالي عليه بالحرف الواحد، روحت معاه سهراته اللي مكنتش ليها علاقة بشغل الشركة، وعرفت إن بينه و بين اللي بيقابلهم شغل في الباطن، و وجودي معاه مجرد عروسة لعبة بيتباهي بيها قدامهم ويخلص بيها صفقاته، و مفيش مانع ده يرقص معايا و ده يشربله كاسين برضه معايا".....
أفاق من شروده على صدى ما استقر في ذاكرته من حديث سابق، وهو يقود سيارته على غير هدى، كأن الطريق يمتد أمامه بلا ملامح.
كان قلبه يئن وجعًا، يتقاسمه بين حاله وحالها؛ وجع الخديعة حين اكتشف أنها أخفت عنه ماضيها، وتركته يراها نقية كما تخيلها، لم تشُب صورتها في عينيه شائبة، ولم يخطر بباله أن خلف ابتسامتها تاريخ مطمور بالأخطاء والآلام.
ومع مرارة الغضب، تسلل إليه شعور آخر أكثر قسوة؛ شفقة موجعة عليها، كيف أوقعت نفسها في تلك الهاوية السحيقة، وكيف سمحت لتلك المصائب أن تتراكم فوق روحها حتى صارت أسيرة لها.
ثم باغته خاطر مرعب، كصفعة على الوعي، ماذا لو أقدم ذلك المختل، رامي، على فضحها؟ ماذا لو نشر الفيديو على وسائل التواصل، وعراها أمام العالم بلا رحمة ولا شفقة؟!
انتفض من أفكاره حين ضغط على المكابح فجأة، وقد أدرك أنه وصل إلى العنوان الذي أعطته له منار، حيث يقطن رامي.
توقف الزمن لوهلة، وساد صمت ثقيل،
قبل أن يغادر سيارته، مد يده إلى الدرج الأمامي، فتحه ببطء، وأخرج سلاحه الناري.
راقبه بعين ثابتة، وتأكد أن الخزنة ممتلئة، فالأمر لم يعد يحتمل التهاون؛ ذلك الرامي لا يجدي معه سوى لغة التهديد والترهيب، لغة الحديد والنار.
ترجل أدهم من سيارته على مهل، أعاد قراءة العنوان مرة أخرى من شاشة هاتفه، رفع رأسه، واستوقف أحد الشباب المارين، اخبره بنبرة هادئة تخفي ما وراءها
"لو سمحت، عايز منك خدمة"
رمقه الشاب بنظرة مشوبة بالريبة والخوف، وتسرع في الرد كمن يبرئ ذمته قبل أن يُدان
"والله ما عملت حاجة يا باشا، ده الولا بيكا هو اللي ماسك الدولاب بتاع المعلم عاشور"
في اللحظة ذاتها، أدرك أدهم أن الشاب حسبه ضابط مباحث، فارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة أراد بها طمأنته، وربت على كتفه في ود مصطنع
"متخافش، أنا مش مباحث ولا ظابط، أنا جاي أسأل عن واحد صاحبي هنا اسمه رامي، كان مسجون ولسه خارج من السجن، ماتعرفش ساكن فين؟"
حك الشاب ذقنه بتوتر، وألقى على أدهم نظرة فاحصة من أسفل إلى أعلى، ثم قال بمكر متستر خلف المزاح
"آه… رامي، تمام يا بيه، هاعمل نفسي مصدقك، بس الهيبة فضاحة برضه، بس يا خسارة، أنا معرفش مين رامي أصلاً"
فطن إلى كذبه سريعًا، وسأله بسخرية باردة
"متأكد؟"
هز الشاب رأسه بثقة زائفة، وأجاب وهو يخطو مبتعدًا
"آه يا بيه متأكد، ممكن تروح القهوة اللي هناك على الناصية تسأل عنه، يمكن حد يعرفه عن إذنك"
وأسرع في خطواته، بينما وقف أدهم يتابعه بعين ناقدة لا تخطئ المراوغة. وفي اللحظة ذاتها، أخرج الشاب هاتفه وسجل رسالة صوتية بصوت خافت متعجل
«ألحق يا عم رامي، كوت من عندك، عشان واحد شكله ظابط بيسأل عليك»
وفي الأعلى، داخل شقة خانقة تفوح منها رائحة الدخان والرذيلة، كان رامي ينفث دخان سيجارته بكسلٍ، ويتحدث في مكالمة فيديو مع إحدى بائعات الهوى، تضحك بدلال سافر، وهو يقول لها بلهجة ماجنة
"مش ناوية تيجي بقى؟، إحنا هنقضيها من ورا الكاميرا ولا إيه؟"
قهقهت الفتاة وأجابته بتثاقل مصطنع
"لأ يا عينيا، ماليش في جو الشقق، آخري معاك فيديو كول، وخالتي وخالتك واتفرقوا الخالات"
انتبه إلى الرسالة الصوتية الواردة من اسم «جودة»، فتمتم بقلق خافت
"ده الولا جودة… استر يا رب"
ثم قال للفتاة بنفاذ صبر وازدراء
"بشوقك يا مزة، انتي اللي خسرانة، غوري في داهية… قال هانقضيها فيديو كول قال"
وأغلق المكالمة على الفور ليستمع إلى الرسالة الصوتية، وما إن وصل صداها إلى أذنيه حتى انتفض من مكانه كملسوع، واتجه نحو النافذة المطلة على ناصية الشارع، وعيناه تجوبان المكان في فزع مترقب، حتى التقط رؤية أدهم واقفًا عند المقهى.
زمجر بغضب مسعور، وسب بألفاظ لاذعة
"يا بت الـ… يا منار!، بعتيني للبقف، يبقى انتي اللي جبتيه لنفسك، وخلي البيه يبقى يلحقك"
❈-❈-❈
وبالعودة إلى أدهم الذي توصل إلى رقم المبنى السكني تحديدًا من أحد الرجال الجالسين على المقهى، صعد السلم بخطوات سريعة مشحونة، حتى بلغ الشقة المقصودة.
ضغط الجرس بعنف، وطرق الباب بقوة مرة بعد أخرى دون أن يأتيه رد، فصاح بغضب انفجر من صدره
"افتح يا رامي، أنا عارف إنك جوه يا و…، افتح لأكسر الباب فوق دماغك يا… يا ابن الـ…."
فُتح باب الشقة المقابلة، وخرج رجل كبير، رمقه بضيق وقال مستنكرًا
"بتخبط على مين يا ابني؟، اللي بتنده عليه ده بقاله ليلتين ما بيجيش، داهية تاخده وما يعودش تاني، ده كان جار سوء و…"
تنفس بعمق وهدأ قليلًا، ثم أخرج من محفظته بطاقة مدونًا عليها اسمه وأرقام هاتفه، وناولها للرجل قائلًا
"طيب يا حاج، لما يرجع ممكن تتصل عليّا، وليك ورقة زي دي كمان"
وأخرج ورقة من فئة مئتي جنيه، دسها في يد الرجل، ابتسم الأخير ابتسامة عريضة
"عيوني يا بيه"
غادر المكان على الفور، وعاد إلى سيارته وجلس خلف المقود ينتظر، بعينين لا تفارقان مدخل المبنى، لعله يراه يعود إلى وكره، فيسقط أخيرًا في الشَّرك الذي نصب له.
فتح رامي باب منزله على مهل حذر، بعد أن اطمأن حين لمح أدهم جالسًا في سيارته من خلال فتحات الخشب الضيقة بالنافذة، يراقب المكان في ترقب.
أطبق الباب خلفه، ثم اتجه بخطوات واثقة نحو باب الشقة المقابلة، وطرق عليه طرقات خفيفة.
لم يلبث أن فُتح الباب، وظهر الرجل وهو يبتسم ابتسامة عريضة، تختلط فيها الخبث بالرضا، قائلاً بلهجة ساخرة
"إيه رأيك؟، عرفت أثبتلك الراجل في دقيقة إزاي، يلا على إيدك ميتينايه"
لكزه رامي في ذراعه بضيق متصنع، وهو يتمتم بانفعال ممزوج بالسباب
"ما تهدى عليا يا عم المنشار، ما أنا لسه مديلك من يومين ومتفق معاك، غير اللي لسه لهفه من الراجل، وبعدين تعال هنا… أنا داهية تاخدني و…!"
وقبل أن يُتم جملته، باغت الرجل بصفعة خفيفة على جانب عنقه، ويردف بلهجة لا تخلو من التبجح
"إيدك تقيلة، ما إنت اللي قايلي ثبته وخليه يمشي قفاه يقمر عيش، فكان لازم أقوله كلمتين كده في الهوا عشان يقتنع، وأديك شوفت اقتنع ولا ما اقتنعش!"
ارتسمت على شفتي الأخر ابتسامة ساخرة، وقال وهو يهز رأسه
"داهية تاخدك وتاخده في ساعة واحدة"
ثم استدار عائدًا إلى شقته، وأغلق الباب خلفه بإحكام.
وما إن استند بظهره إلى الباب حتى أخرج هاتفه، وحدق في شاشته بترقب متلهف، يتأكد من أن الفيديو قد تم إرساله.
لحظات ثم ظهر إشعار المشاهدة، وتلاه رد فوري من الطرف الآخر
«إنت مين يا ابن الـ…؟!، وجبت الفيديو ده منين؟»
اتسعت ابتسامته حتى غدت أقرب إلى ابتسامة نصر ملوث، فقال بهدوء ساخر
"كفايتك كده… أحلى بلوك، وبالشفا عليك إنت وأختك"
ثم أغلق الهاتف وأسند رأسه إلى الحائط، وأخذ يضحك.
❈-❈-❈
ولدى منزل عائلة منار، كانت تغط في نوم ثقيل، بعد أرق طويل لازمها أيام متتابعة، حتى أنهك جسدها واستنزف روحها، فاستسلمت أخيرًا لسبات عميق، لعل النوم يكون مهرب مؤقتًا من واقع موجع أثقل كاهلها.
غير أن الراحة كما يبدو لم تُكتب لها.
انفتح باب المنزل فجأة، على نحو فج وعنيف، دلف شقيقها وهو يصيح بصوت أجش متفجر
"هي فين؟!"
خرجت والدته من المطبخ مذعورة، وقد ارتسم الفزع على ملامحها، وسألته وهي تضع يدها على صدرها
"في إيه يا ابني؟ مالك داخل بزعابيبك كده؟!"
استدار إليها بعينين تقدحان شررًا، وصاح بانفعال أعمى
"إنتوا لسه شوفتوا زعابيب، بنتك الفاجرة كانت بتستغفلنا من زمان، وطلعت مقضياها مع أصحاب الشركات اللي بتشتغل فيها"
شهقت والدته وارتدت خطوة إلى الخلف، صرخت فيه بحدة ممزوجة بالذهول
"إيه اللي إنت بتقوله ده؟!، اتلم واتكلم عن أختك الكبيرة عدل"
قهقه بضحكة ساخره، خالية من أي تعقل، ثم زمجر بجنون
"أنا ماليش أخت و… و… زيها، والله لأقتلها وأخلص من عارها، أنا كنت ساكتلها عن لبسها اللي زي لبس الرقصات ومكياجها اللي شبه البنات الشمال، كنت بعدي عشان خاطرك، إنما لحد العرض والشرف لاء، مفيش سكوت، اتفضلي شوفي وساخة بنتك"
ودس الهاتف في يدها بعنف، لتشاهد المقطع المصور.
في تلك اللحظة تجمدت الأم في مكانها، شُلت حواسها، واتسعت عيناها بصدمة قاتلة، وهي ترى محتوى الفيديو، تمنت لو أن الأرض تنشق تحت قدميها وتبتلعها.
وفي غمرة ذهولها، كان هو قد توجه إلى المطبخ أولًا دون أن تنتبه إليه، التقط السكين، ثم اندفع نحو غرفة شقيقته بخطوات سريعة يملؤها الغضب والجنون.
اقتحم الغرفة دون تردد، فوجدها ما تزال غارقة في نومها، ملامحها ساكنة بريئة، كأنها لا تعلم أن العاصفة قد بلغت ذروتها.
قبض على خصلات شعرها بقسوة أيقظتها فزعًا، وهز رأسها صارخًا بوحشية
"قومي يا و…، حافظة الشهادة ولا أقولهالك؟!"
فتحت عينيها على اتساعهما، يتدفق الرعب في نظراتها، لتجده أمامها يشهر السكين أمام عينيها، يلمع نصله تحت الضوء الخافت، فأدركت أن الكابوس الذي هربت منه بالنوم، قد جاءها في الواقع بضراوة.
الفصل الرابع والثلاثون
اندفعت والدتها إلى الداخل وقد اشتعلت في صدرها نار ما رأته قبل لحظات مقطع الفيديو الذي أرسل، تتقدمها الصدمة ويعقبها الفزع، فإذا بالمشهد يصفع بصيرتها صفعًا، ابنها يقف كوحش مسعور، عيناه تقدحان شرر وصوته يعوي في أرجاء الغرفة، قابضًا على سكين يقرب نصلها البارد من نحر شقيقته، تجمدت الدماء في عروقها لوهلة، ثم انتفضت غريزة الأمومة في أعماقها، فلم تفكر ولم تتردد.
ركضت نحوه بكل ما أوتيت من قوة، قبضت على ثيابه وجذبته بعنف بعيدًا عن ابنتها، وهي تصرخ وقد خرج صوتها مبحوح ممزق من قاع قلبها
"هاتموت أختك يا ابن الـ....!"
التفت إليها بعينين يقطر منهما الغضب والجنون، وصاح بصوت أجش ضاري
"وعايزاني أشوف وساختها وأسيبها عايشـ..."
لم تُتح له الفرصة ليتم جملته، إذ انطلق من صدره تأوه غليظ، وارتطم جسده بالحائط ارتطام عنيف، بعدما انتهزت منار انشغاله بالصياح في وجه والدتها، فدفعته بكل ما ادخرته من خوف وغضب وبقايا قوة، دفعة يائسة تحمل روح النجاة.
لم تنتظر لترى عاقبة فعلها، بل اندفعت كالسهم المنفلت، التقطت هاتفها من فوق طاولة الزينة بيد مرتعشة، واندلعت خارج المنزل، تاركةً خلفها صدى الصراخ، ورجفة الرعب.
وما إن اندفعت خارج المبنى حتى باغتها الإدراك صفعة أخرى؛ ثوب قطني منزلي خفيف، وجسد مرتجف، وقدمان حافيتان تلامسان برودة الإسفلت بلا ساتر ولا رحمة.
كانت في هيئة أقرب إلى الهاربة من محرقة، لا إلى فتاة خرجت لتوها من بيتها.
استوقف مظهرها أحد الجيران وهو على وشك دخول المبنى، تطلع إليها بدهشة وارتياب، لكن ذهوله تلاشى حين شق الفضاء صياح هائج آت من الداخل، صياح شقيقها وهو يهبط الدرج كالإعصار، يتوعد لها بالموت دون رحمة
"وربنا ما هسيبك، هقتلك، لو روحتي فين هقتلك"
اندفعت تركض وقد استبد بها الفزع، تتعثر بأنفاسها وتهوي دقات قلبها كطبول حرب داخل صدرها.
همت بعبور الطريق دون وعي، ولم تنتبه إلى سيارة قادمة بسرعة جنونية، حتى شق أذنها صوت تنبيه حاد أجفلها بشدة.
توقفت فجأة، شهقت كمن عاد لتوه من الموت، وأخذ صدرها يعلو ويهبط بعنف، تلتقط أنفاسها المبعثرة بصعوبة.
رفعت عينيها المرتعشتين نحو سائق السيارة الذي ترجل منها على الفور… ومن غيره يكون؟!، كأن القدر اعتاد أن يضعه في درب نجاتها كلما ضاقت بها السبل.
تمتمت باسمه بملامح ضائعة، وعينين تنضحان برجاء صامت يسبق الكلمات
"أدهم! "
حدق بها فرآها بتلك الهيئة المزرية، بثوبها المنزلي الرقيق وقدميها الحافيتين ووجهها الشاحب، فخلع سترة بدلته دون تردد، وألقى بها فوق كتفيها يستر ارتجافها قبل أن يستر جسدها.
كاد يسألها عما يحدث، لكن السؤال مات في حلقه حين رأى تفسيره شقيقها الذي يركض نحوهما بعينين تقدحان شرًّا، وصوت يزمجر بالتهديد.
انتفضت منار بفزع حين بلغها صراخه
"هتهربي مني تروحي فين؟!"
وقبل أن تمتد يده إليها، كانت يد أدهم أسرع، قبض على منار ودفعها برفق حاسم نحو سيارته، آمرًا إياها بصوت لا يقبل جدلًا
"ادخلي العربية واقفلي عليكي"
ثم استدار كالإعصار، وقبض على تلابيب شقيقها، وانهالت قبضتاه عليه بلا هوادة، يزيح السكين من يده وهو يكيل له اللكمات
"بتتشطر عليها يا دكر؟!"
تتابعت اللكمات والركلات كالمطر الغاضب، فيما الآخر يتخبط عاجزًا، لا يملك دفاع ولا رد، إذ كانت الغلبة كاملة لأدهم بطوله الفارع وجسده الرياضي المشدود كوتر قوس.
شق المشهد صراخ أنثوي مذعور
"ابني!"
كانت والدة منار قد وصلت تلهث، وفي اللحظة نفسها هبطت منار من السيارة، تمسك بذراع أدهم بحذر وتوسل، دموعها على وشك الانهمار
"عشان خاطري سيبه"
توقف أخيرًا، واستدار إليها وهو يلتقط أنفاسه بصدر يعلو ويهبط بعنف
"أسيبه إيه؟، ده كان عايز يموتك!"
أسرعت تخبره، والكلمات تتزاحم على شفتيها
"رامي بعتله الفيديو… وهو مش فاهم حاجة"
ألقى نظرة على الجسد الممدد أرضًا، ووجهه الذي يذرف الدم من فمه وأنفه، ثم قال بحدة ساخرة
"ولو فاهم غلط مش من حقه يأذيكي، جاي يعمل عليكي دكر؟! كان فين من زمان؟!"
هبط على عقبيه أمام شقيقها، وحدق به قائلًا بوعيد قاتم
"لولا أختك وأمك، مكنتش هحلك من إيدي"
بصق عليه في ازدراء، ثم نهض.
في تلك الأثناء، جثت والدة منار جوار ابنها تطمئن عليه، غير عابئة بابنتها التي نجت لتوها من الموت، ولا بالمارة الذين تجمعوا، ولا بالجيران الذين ازدحموا على الشرفات يراقبون المشهد، وقد تحول المكان إلى فضيحة مكشوفة تتناقلها العيون قبل الألسنة.
انتبه أدهم إلى ذلك الجمع، فرمقهم بنظرة غاضبة، وصاح بهم
"بتبصوا على إيه؟ ما كل واحد يشوف اللي وراه"
ثم أمسك منار من يدها، وفتح باب السيارة
"ادخلي"
دلفت بتردد، أو لعله هروب من عيون الناس ومن ثقل الفضيحة.
ركب الأخر مقعد القيادة، وأدار المحرك، فانطلقت السيارة تشق الطريق.
نظرت إليه خلسة، فوجدته في ذروة غضبه، عروق يده وعنقه بارزة، خافت أن تنطق بحرف واحد فيصب غضبه عليها، لكنها انتفضت حين باغتها بسؤاله المفاجئ، وعيناه مثبتتان على الطريق
"عايزة تقولي إيه؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة، وسألته بصوت خافت
"إحنا رايحين فين؟"
رمقها لثوان طويلة، دون أن يجيبها بحرف واحد.
❈-❈-❈
ترص أطباق الطعام على المائدة بعناية، حيث الفطور الشهي، ثم مسحت يديها بمحرمة ورقية واتجهت إلى غرفة زوجها، وقد غلب على ظنها أنه استيقظ.
فتحت الباب على مهل، فإذا به ما يزال غارقًا في سبات عميق منذ ليلة الأمس، مستسلمًا لتأثير مسكنات الألم التي تناولها كي يخفف وطأة جرح كتفه.
دلفت إلى الداخل، وتقدمت نحو النافذة، ثم سحبت الستائر، فانسكب الضوء دفعة واحدة، وغمرت الإضاءة أرجاء الغرفة حتى أضحت مشرقة.
لاحظت حركة جفونه المضطربة من شدة الضوء، فابتسمت في رفق واقتربت منه وجلست جواره على طرف الفراش، تتأمل ملامحه وقلبها يخفق بخفوت حنون.
مدت يدها بتردد، ووضعتها على كتفه الأخرى غير المصابة، وانحنت نحوه هامسة بصوت مشبع بالود
"قوم يا ياسين، الفطار جاهز"
أمسك يدها وسحبها برفق، ثم وضع كفها فوق صدره، فتح عينيه ببطء لتقع عيناه على عينيها مباشرة، فابتسم ابتسامة دافئة
"صباح الخير يا روح قلبي"
بادلته الابتسام، وقالت بنبرة لطيفة
"إحنا بقينا بعد الضهر، قوم يلا ادخل الحمام اتوضا وصلي وتعالى عشان تفطر وتاخد العلاج"
استقام بجسده ببطء، وما يزال ممسكًا بيدها، فشبك أصابعه بأصابعها، ثم رفع يدها إلى شفتيه وقبّلها
"تسلم إيدك يا حبيبي الحنين… أهو أنا كده رجعت ليا حياتي، واتردت فيا روحي من جديد، بحبك"
ابتسمت بخجل ظاهر، فترك يدها وأمسك بطرف ذقنها رافعًا وجهها نحوه كي تنظر في عينيه، وسألها بلهفة صادقة
"بتحبيني؟، ولا لسه بالنسبة لك غريب؟"
تسارعت دقات قلبها حتى كادت تسمع صداها في أذنيها.
سؤاله أعاد إلى ذاكرتها سؤال رحيم القديم، لكن الفارق كان شاسعًا؛ فهي لم تشعر يومًا بصدق تلك الكلمة تجاه الطبيب، رغم إعجابها بشخصيته، وتقديرها لمواقفه النبيلة معها.
بينما ياسين، فقربه منها كان شيئًا آخر تمامًا… إحساسًا يتسلل إلى قلبها كلما نظرت في عينيه، وكلما سمعت صوته أو لمست يده.
شعور مألوف لجسدها، كأن خلاياها تتذكر كل شيء، رغم ضياع الذاكرة.
"سرحتي في إيه؟"
سألها، فانتبهت من شرودها وقالت
"مفيش… إنت كنت بتقول إيه؟"
"بقول إني بحبك… وانتي؟"
ابتلعت ريقها، وهمت بالرد بتؤدة
"وأنا…
قاطع كلماتها اهتزاز هاتفه، فألقى نظرة سريعة على الشاشة، ليجد اسم شقيقه يوسف، فقالت له
"رد عليه، عشان اتصل الصبح بدري يطمن عليك، وبيقول هييجي بالليل عشان يغير لك على الجرح"
تبدلت ملامحه فجأة، وانتقل من دفء الحب إلى ضيق ظاهر، وقال بنبرة حاسمة
"كتر خيره لحد كده، مش عايز منه حاجة، هابقى أروح مستشفى قريبة مننا أغير على الجرح، أنا ممكن أسامحه على أي حاجة قالها في حقي، لكن ييجي عندك واستوب، لأ، خط أحمر، ومهما اتأسف مش هنسى كلامه عليكي"
اقتربت منه أكثر وقالت بلطف محاولة تهدئته
"خلاص بقى يا ياسين هو اعتذر لك، وواضح عليه امبارح إنه ندمان على كل الكلام اللي قاله، مهما كان ده أخوك وراعي ظروفه مع مراته، وحوار الطلاق مأثر عليه، أقولك على حاجة، أنا مسامحاه على أي كلمة قالهالي، وربنا يسهله ويهديه لمراته وولاده"
كان يصغي إلى كلماتها وقلبه يفيض إعجابً بصفاء روحها وسعة صدرها، تتراقص في عينيه دهشة مبهورة بنقاء نادر في ذلك الزمان.
التقت عيناها بعينيه على حين غفلة، فشعرت بحرارة نظرته، وأسرعت تخفض بصرها خجلًا، كأن الورد قد سرى في وجنتيها حياء.
رفع يدها التي ما تزال مستقرة في كفه، وطبع عليها قبلة أخرى ممتلئة بالشغف، ثم قال بصوت دافئ
"انتي ملاك أوي يا ياسمين"
جال بنظراته فوق ملامحها الرقيقة، وتوقف عند خصلات شعرها المنسدلة على جانب وجهها، تحجب عنه نصف جمالها، فرفع يده الأخرى وأزاحها برفق بالغ، مقتربًا من خدها وهو يقول برجاء
"تسمحيلي؟"
رفعت عينيها إليه، وقد شعرت بأنفاسه الدافئة تلامس بشرتها، وأدركت مراده قبل أن ينطق به، فأومأت بخجل زادها فتنة، فابتسم بسعادة عارمة
"يا لهوي على كسوفك اللي بيجنني… وبيخليني عايز…
وعض على شفته السفلى في محاولة للسيطرة على اندفاعه.
سألته بمكر مصطنع، وعيناها تلمعان بخبث بريء
"عايز إيه؟"
رمقها بنظرة غارقة في العشق، وأجاب بصوت متهدج بالهيام
"مخليني عايز أعمل كده"
وانحنى ليقبل خدها بتؤدة، قبلة طويلة جعلت جسدها يقشعر بين يديه، ثم أردف
"وكده"
وطبع قبلة أخرى بجوار شفتيها، يختبر مدى تقبلها، يختبر المسافة التي تسمح له أن يقطعها نحوها، وهي التي لم تألف بعد فكرة زواجهما، ولم تعتد بعد قربه بهذا الشكل.
لكنه فوجئ بعينيها تُغمضان في استسلام خجول، وبأنفاسها تتسارع، فارتفعت أنفاسه هو الآخر، واقترب أكثر حتى التقط شفتيها بشفتيه، قبلة غامرة حملت شوق مكبوت وحنين دفين.
ترك يدها ليطوقها بذراعيه، وتسللت أنامله إلى خصلات شعرها خلف رأسها، يعمق قبلته، فبادلته إياها على استحياء ممزوج بالاشتياق، ومدت ذراعيها تحيط بجذعه، تعانقه بعناق دافئ حنون.
ابتعد قليلًا، وحدق في شفتيها متأملًا أثر قبلاته عليهما، فرآها تائهة في بحور عشقه، فاشتعلت رغبته في المزيد.
مد يده إلى تلابيب ثوبها، وفك الأزرار العلوية ببطء متعمد، ثم هبط بشفتيه على عنقها، يزرع القبلات نزولًا نحو كتفها، بالتزامن مع إزاحة الثوب وما تحته، حتى انكشف كتفها عاريًا.
أمطره بوابل من القبلات، وكلما لامست شفتيه بشرتها انتفضت بين يديه، تهمس باسمه بصوت مرتعش
"ياسين"
توقف عن حركته ورفع رأسه، وسألها بهمس عاشق يتقد شوقًا
"نعم يا روح وقلب ياسين؟"
عضت على شفتيها بحرج واضح، ففطن إلى سبب ارتباكها، حين وقعت عيناه على الندبة التي تزين كتفها، أثر الجرح القديم من الحادث الذي تعرضت له.
أمسك بطرف ذقنها، ورفع وجهها إليه حتى تنظر في عينيه، وقال بثقة وصدق
"مكسوفة ليه؟، ما قولتلك قبل كده مفيش بينا كسوف ولا حرج، أنا بعشق كل حتة فيكي، حتى الندبة دي شكلها حلو ومغري كمان"
وضعت خصلاتها خلف أذنها، وقالت بصوت خافت
"أنا عارفة إنك بتجبر بخاطري، بس هي شكلها مش حلو خالص"
ابتسم بثقة، وهز رأسه بنفي
"أنا عمري ما كنت منافق، بالعكس أكتر واحد صريح، وبقولك الندبة دي شكلها very s*e*xy"
نظرت إليه بدهشة خجولة
"بجد؟"
اقترب أكثر، وقال بنبرة مشاكسة
"بجد… حتى أثبتلك"
فجعلها تستدير ببطء لتجلس وظهرها إليه، أزاح خصلات شعرها المنسدلة، وجمعها برفق ووضعها على كتفها الآخر، فانكشف كتفها العاري أكثر، يلمع تحت ضوء الغرفة كقطعة عاج مصقولة.
أمسك بعضديها بحنو بالغ، كأنما يخشى أن يؤلمها حتى بلمسة هواء، ثم انحنى وهبط بشفتيه على الندبة، يطبع عليها قبلة تلو أخرى، قبلات تحمل وعد العشق وصدق الاحتواء.
ومن بين كل قبلة وأخرى، ومن عمق أنفاسه المتلاحقة، همس لها بصوت مثقل بالشوق
"وحشاني أوي… واحشني ملمس جلدك… وحشاني ريحتك اللي زي اسمك… كلك فيكي وحشاني يا ياسمينتي"
استدارت نحوه ببطء، وحدقت في عينيه لحظة صامتة، نظرة ممتلئة بما تعجز عنه الكلمات، ثم أغمضت عينيها في استسلام واضح، ففهم دعوتها الصامتة، وأدرك أنها تطلب منه قبلة أخرى تأسرها في عالمه.
لبى نداءها دون تردد، فالتقط شفتيها بشفتيه، قبلة دافئة عميقة، وفي الوقت ذاته كانت يداه تنسحبان بهدوء فوق كتفيها، تزيحان الثوب عنهما شيئًا فشيئًا.
لكن فجأة، شق سكون اللحظة صراخ صغيرتهما القادم من الغرفة المجاورة.
"ياسمينا!"
ابتعدت عنه على الفور، وانتفضت بفزع فهنا غلبها شعور الأمومة، وعدلت من مظهرها سريعًا، رفعت كتفي الثوب إلى موضعهما، وأغلقت أزراره على عجل.
قالت وهي تلتقط أنفاسها
"هاروح أشوفها"
❈-❈-❈
وغادرت الغرفة مسرعة، كأنما يطاردها نداء الأمومة قبل أن يبلغ مسامعها، لتدلف إلى غرفة ابنتها بخطوات متلاحقة.
لحق بها ياسين حتى عتبة الباب، ثم توقف هناك، يراقب المشهد في صمت مثقل بالقلق والترقب.
بينما هي فما إن وقعت عيناها على صغيرتها حتى انخلع قلبها وجعًا؛ وجدتها منزوية في أقصى زاوية من السرير، تضم ركبتيها إلى صدرها وتبكي بكاء مكبوت.
اندفعت نحوها، وجلست على حافة السرير بحنان ولهفة
"مالك يا حبيبتي؟"
جاءها صوت الصغيرة متقطع من بين شهقاتها
"أنا آسفة… مش هعمل كده تاني"
انعقد حاجبا ياسمين دهشة، ولم تفهم شيئًا مما تقصده ابنتها، فسألتها بلطف
"بتتأسفي على إيه؟"
أشارت الطفلة بعينيها المرتعشتين نحو منتصف الفراش، فتتبعت الأم نظرتها، لتجد الملاءة مبتلة.
في لحظةٍ واحدة أدركت ما حدث، وشعرت بوخزة مؤلمة في قلبها، ليس بسبب الأمر ذاته، بل بسبب الخوف الذي ملأ قلب صغيرتها.
فتحت ذراعيها على مصراعيهما، وقالت بصوت دافئ يحتضن الكلمات قبل أن يحتضن الطفلة
"طب خايفة وبتعيطي ليه؟، وإيه يعني يا قلب ماما؟ تعالي متخافيش"
توقفت الصغيرة عن البكاء شيئًا فشيئًا، وتسربت الطمأنينة إلى ملامحها، فاقتربت من والدتها وارتمت بين ذراعيها، ضمتها الأخري إلى صدرها وعانقتها عناق غامر، كأنها تحاول أن تذيب خوفها داخل قلبها.
"مش عايزاكي تخافي من حاجة أبدًا، وبعدين إيه يعني اللي حصل، ده غصب عنك، أنا هاخدك وندخل الحمام، نقلع الهدوم وناخد شاور حلو بمية دافية، ونلبس أحلى فستان، ونطلع نفطر مع بابا إيه رأيك؟"
رفعت الصغيرة وجهها الباسم، وقد لمع بريق أمل في عينيها، وأومأت موافقة.
ابتسمت والدتها، وربتت على خدها بحنان
"زي القمر… ربنا يحفظك يا قلب ماما"
ثم عانقتها مرة أخرى، وسألتها برفق
"انتي كنتي بتصرخي عشان كده؟"
هزت الطفلة رأسها نفيًا، وقالت بصوت يحمل بقايا خوف
"حلمت بكابوس وحش أوي"
ربتت ياسمين على ظهرها لتطمئنها
"خير اللهم اجعله خير، ما تخافيش يا حبيبتي، ده مجرد حلم وحش وراح لوحده، ما تفكريش فيه"
ابتعدت الصغيرة قليلًا عن حضن والدتها، وقالت ببراءة موجوعة
"أنا كل يوم بحلم بيه يا مامي… بحلم برودي ماسكة تعبان وبتجري ورايا بيه عايزاه يقرصني، وبييجي عمو معرفش هو مين، بيشيلني وينقذني منها"
شعرت بوخزة حادة في قلبها، أدركت أن ابنتها قد عانت أكثر مما كانت تظن، وأن تلك المرأة تركت في نفس الطفلة ندبة نفسية غائرة.
وفي تلك اللحظة، انتبهت إلى وجود ياسين عند عتبة الباب، كان واقفًا صامت، وعلى وجهه حزن ثقيل، وفي عينيه نظرة ندم موجعة؛ ندم رجل أدرك متأخرًا أن إهماله وثقته في امرأة غير جديرة بالثقة كانا سببً في الكارثة التي تتكشف أمامه الآن.
ربتت زوجته على ظهر ابنتها في إيقاع حنون، ثم انحنت وقبلت خدها الصغير قبلة مطمئنة، وقالت بصوت دافئ يفيض بالأمان
"مفيش حاجة من دي هاتحصلك طول ما أنا وبابا معاكي، ما تخافيش، خليكي قوية… ويلا تعالي عشان أحميكي"
ترددت الصغيرة لحظة، ثم نظرت إلى والدتها بحرج واضح وقالت
"لأ… أنا هاروح أخد شاور لوحدي، يا مامي أنا كبرت، و أنتي قولتيلي زمان عيب حد يشوفك أو تغيري قدام أي حد، حتى لو بابي ومامي"
ابتسمت والدتها ابتسامة رضا وفخر، وربتت على شعرها برفق
" برافو عليكي يا روحي، طب روحي وأنا هحضرلك هدومك عقبال ما تخلصي"
ارتسمت على وجه الصغيرة ابتسامة حماسية
"أوك مامي"
ثم اتجهت إلى الحمام بخطوات سريعة.
في تلك اللحظة دلف ياسين إلى الغرفة، فنظرت إليه ياسمين وسألته
"طبعاً سمعت كل حاجة… وشوفت حالة البنت"
أومأ برأسه وقال بنبرة جادة
"لازم ناخدها ونوديها لدكتور أو ثيرابيست عشان تتجاوز الصدمات النفسية اللي حصلتلها"
هزت رأسها نافية، واخبرته بثقة هادئة
"علاج بنتنا مش محتاج دكتور، علاجها إننا نحتويها، وناخدها في حضننا ونطبطب عليها، ونعوضها عن كل المشاعر اللي كانت مفتقداها لما أنا مكنتش موجودة، وانت كنت مشغول عنها"
خفض رأسه قليلًا، وقال بصوت مثقل بالندم
"أنا السبب… وندمان ندم عمري"
اقتربت منه وربتت على كتفه بلطف
"كل ده نصيب ومكتوب، خلينا في دلوقتي، انت قرب منها زي ما قولتلك قبل كده، خلي علاقتكم اتنين أصحاب، وبلاش الشدة معاها، أنا عرفت باللي بتعمله معاها كل ما تلاقيها بتلعب مع أي ولد"
رفع حاجبه وسألها
"اممم… ملك قالتلك صح؟"
تنهدت وقالت بحزم
"إحنا مش في مين قال دلوقتي، أنا أهم حاجة عندي البنت، بلاش تشد عليها وتخنقها، دي لسه طفلة"
قطّب جبينه واخبرها بامتعاض
"الأطفال ما بقوش زي زمان، أنا شايف الولد اللي كانت بتلعب معاه ماسكها من وسطها"
نظرت إليه بثبات قالت
"ما تاخدها على جنب وتفهم منها الأول، جايز انت فاهم غلط، واللي حصل غير اللي انت شايفه"
زفر بضيق
"بقولك إيه، حبي لبنتي شيء، وتربيتي ليها شيء تاني، هي ما بقتش صغيرة وفاهمة كل حاجة، لازم تعرف من صغرها ما ينفعش تصاحب أي ولد ولا تكلمهم أصلًا، مش محتاج أفهمك"
"لأ، أنا فاهمة كويس ودي مهمتي، هعرفها الصح من الغلط، وفي نفس الوقت هديها مساحة أمان إنها ما تخبيش عني حاجة، وأكون أمها وصحبتها، أنا عايزاها تطلع شخصيتها قوية، مش ضعيفة"
تنهد وقال باستسلام
"ماشي، هاسيبلِك مهمة تربيتها، بس لو عملت أي حاجة غلط في يوم من الأيام، انتي المسؤولة قدامي"
أومأت برأسها
"تمام"
وظلت تحدق في عينيه لثوان، فتبدلت ملامحه من الجدية إلى تلك النظرات الدافئة التي اعتادت أن تراها حين يكونان بمفردهما، وقال بنبرة ذات مغزى:
"تعالي عقبال ما البنت تخلص، نكمل كلامنا اللي لسه ما خلصنهوش جوه"
لكزته في ذراعه بخفة، ودفعته نحو الخارج
"لأ، إنت تروح تتوضا وتصلي، ويلا عشان تفطر وتاخد العلاج"
خرج وهو يلتفت إليها مبتسمًا
"واضح إني مش هربي ياسمينا بس… ماشي، ماشي، هاتروحي مني فين؟ لينا لقاء آخر يا بطل"
وغمز بعينه، فأغلقت الباب في وجهه وهي تبتسم، تسلل الدفء إلى قلبها من حديثه ومشاكساته.
❈-❈-❈
فتح لها باب الشقة وأشار بيده إلى الداخل قائلاً بنبرة مقتضبة
"اتفضلي"
دلفت بتردد واضح، كمن يخطو فوق أرضٍ مجهولة الملامح، بينما تبعها هو وأغلق الباب خلفهما بإحكام.
ضغط زر الإضاءة، فانسكب النور على أرجاء المكان، كاشفًا عن شقة فاخرة، أثاثها راق، وتفاصيلها تنطق بالبذخ والترف، وكأن كل زاوية فيها تشهد على حياة مغايرة تمامًا لتلك التي اعتادتها.
م من جوارها، وهي ما تزال واقفة عند المدخل، وقال بنبرة آمرة
"واقفة عندك ليه؟، اتفضلي"
دلفت خطوتين، تتلفت حولها بدهشة وحذر، فباغتها بقوله
"هاتفضلي هنا لفترة مؤقتة، وانسي إنك ترجعي شقتكم"
اتسعت عيناها بصدمة عنيفة، قبل أن ينفجر صوته موبخًا إياها
"مصدومة ليه؟!، عايزة تروحي لأخوكي عشان يخلص عليكي؟!، ولا عشان يرجعلك الو… رامي ينطلك ويقعد يساومك يبعت الفيديو لمين؟!، هو خلاص فضحك عند أهلك، غير اللي بعتهولي، المرة الجاية هايطلعك تريند، ومصر كلها هاتعرف علاقتك بيه، بس بطريقة قذرة أوي"
لم تستطع الرد، وكأن الكلمات تحجرت في حلقها، فانفجرت بالبكاء، تحاول التحدث من بين شهقاتها
"يعني أقاطع أهلي؟!، أنا غلطانة ومش هانكر، واستاهل كل كلمة قالها أخويا ليا، أنا مش ذنبي إني بنت لأب مستهتر وكل همه نفسه ويضيعنا معاه… بس أنا كنت مضطرة أتجوز الحيوان ده عشان بابا"
رد عليها بغضب محتدم
"ومكنش ده الحل الوحيد اللي عملتيه، وفي نفس الوقت مش هقدر ألومك؛ لأنك كنتي صغيرة وقتها، بس العيب مش عليكي… العيب على أبوكي، وعلى الو… اللي استغل ظروفك واتجوزك عرفي، وصورك وإنتي معاه عشان يستغلك بعدين"
مسحت دموعها بيدها وقالت بانكسار
"واللي حصل، حصل خلاص، أنا دلوقتي كل همّي ماما، ماما ما تستاهلش مني أي حاجة وحشة، خايفة عليها من الصدمة يحصلها حاجة، مش هاينفع أسيبها، لازم أكون جنبها"
نظر إليها بحزم لا يقبل النقاش
"إنتي انسي تروحي بيتكم، أنا هابقى أطمنك عليها وهاخد بالي منها"
رمقته باستفهام حائر
"تطمني عليها!، قصدك إيه؟"
ظل ينظر إليها لثوان ثقيلة قبل أن يقول
"اعملي حسابك… كام يوم وهتسافري معايا"
شهقت بدهشة
"هسافر؟!"
"آه، هتسافري معايا على إيطاليا، وهخلصلك دلوقتي حوار الباسبور، بس قبل السفر عندي مشوار هاخلصه، وبعدها هاكتب عليكي ونسافر"
اتسعت عيناها غير مصدقة، وسرعان ما ارتسمت على محياها ابتسامة أمل خجولة، امتزج فيها الفرح بالذهول، فسألته بتردد
"إنت… إنت هتتجوزني؟"
حدق بها بوجه متجهم، أطلق زفرة ثقيلة، ثم قال ببرود قاس
"ما تفرحيش أوي، جوازنا مجرد حماية ليكي… مش أكتر من كده"
تلاشت ابتسامتها، وعادت ملامحها إلى الصدمة والوجوم، وسألته بصوت مرتجف
"ولو قولت أنا مش موافقة؟"
اقترب منها بخطى بطيئة، أخذت تتراجع إلي الوراء بتوتر ظاهر، ونبض قلبها يتسارع وعيناها ملعقتان به في ذعر صامت، إلى أن اصطدم ظهرها بالحائط، فارتدت شهقة مكتومة من صدرها دون إرادة.
توقف أمامها، قريبًا إلى حد خانق، فرفعت رأسها إليه، لتُفاجأ بملامح لم تألفها من قبل؛ ملامح قاسية، جامدة، تكسوها قسوة باردة، ونظرة مظلمة لا تعرف الرحمة طريقًا إليها.
وفي نبرة أجفلت روحها قبل جسدها، اخبرها
"ما هو إنتي لو موافقتيش، هايبقى مش قدامك غير طريقين مالهمش تالت… آخدك وأرجعك لأهلك ولأخوكي، وإنتي عارفة الباقي كويس، يا إما ترجعي عشيقة لرامي عشان ما يفضحكيش، بس ساعتها هيسهل بيكي شغله، ويقدمك لكل واحد شوية… ولا كأنك سلعة للي يدفعله أكتر، ها… هتختاري إيه؟"
كانت كلماته تنهمر عليها كسياط من نار، كل لفظ يهوي على روحها فتخلف فيها ندبة جديدة، وكل جملة تغلق باب آخر من أبواب النجاة.
❈-❈-❈
نهضت من جوار زوجها في هدوء ما بعد الظهيرة، بعدما قضيا معًا ليلة رومانسية مشبعة بالدفء والأنس، ليلة انسكبت فيها العاطفة كما ينسكب العطر في الأجواء، فتترك أثرها العالق في الروح قبل الجسد. كانت ما تزال تحت تأثير ذلك السكون اللذيذ، حين اخترق أذنيها صوت طرق خفيف على الباب.
ألقت نظرة سريعة على هيئتها، فوجدت أنها لا ترتدي سوى غلالة من الحرير والدانتيل، تنسدل على جسدها بنعومة، كاشفة عن معظم مفاتنه.
انتفضت في مكانها، وبحثت بعينيها على عجل عن مأزرها، حتى وقعت عليه ملقى على الأرض.
دنت منه، التقطته وارتدته بسرعة وهي تشد أطرافه حول خصرها.
"مين؟"
جاءها الصوت من الخارج، صوت صغيرها الذي تعرف نبرته كما تعرف نبض قلبها
"أنا يوسف يا مامي"
التفتت نحو السرير، فرأت زوجها عاري الجذع، والدثار لا يغطي سوى نصف جسده، غارقًا في نوم عميق.
سارت بخطوات حذرة، فتحت باب الغرفة قليلًا، وظهرت أمام صغيرهازالذي رفع رأسه إليها، بينما كانت عيناه تتسللان بفضول إلى الداخل.
"بابي فين؟"
ابتسمت ابتسامة هادئة
"بابا نايم"
مال برأسه قليلًا، وقال بمكر طفولي
"عايز أقوله حاجة مهمة"
"لما يصحى ابقى تعالِي قوله"
قطب ما بين حاجبيه باستغراب
"وانتي مش عايزة تدخليني ليه؟"
أجابته بفطنة
"عشان بابي نايم، ومش عايزين نعمله أي إزعاج"
سألها بدهاء أشبه بالتحقيق
"وهو نايم لحد دلوقتي ليه؟، ومارحش الشغل؟"
تنهدت ثم قالت بنبرة ممزوجة بالحنان والمزاح
"ولد! بطل أسئلة يا لمض، روح ألعب في الجاردن تحت، على ما أغير هدومي وجيالك"
ظل صغيرها يتفحص ملامحها بتمعن، ولاحظ آثار الكحل حول عينيها، وحمرة ملطخة على شفتيها، فحدق بها قائلًا ببراءة
"مامي… انتي ليه بوقك عامل كده؟، وعينيكي فيها أسود بايظ مخليكي شبه الـ witch…" الساحرة الشريرة" "
اتسعت عيناها وقالت محذرة
"ولد!، اتلم يا يوسف بدل ما…"
قاطعها سريعًا وهو يضحك
"سوري يا مامي، بهزر معاكي!"
ثم اقترب منها وطبع قبلة سريعة على خدها
"هستناكي تحت في الجاردن"
وركض مبتعدًا وهو يضحك بمرح،
أغلقت الباب خلفه وارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة، هزّت رأسها بخفة، وقد تسرب إلى قلبها ذلك الشعور اللطيف بالفخر والدهشة من ذكاء صغيرها وخفة ظله.
انتبهت إلى تململ زوجها، إذ بدأ يتقلب فوق الفراش، فتح عينيه ببطء وتثاءب تثاؤب طويل، قبل أن يبتسم لها ابتسامة وادعة وهو يقول بصوت مبحوح
"صباح الخير"
رمقته بنظرة ساخرة، وقد شبكت ذراعيها أمام صدرها، وقالت بلهجة لا تخلو من التذمر
"صباح إيه بس؟، إحنا داخلين على العصر يا باشمهندس، وإديني أول يوم شغل راح عليا بسببك!"
اعتدل في جلسته، ثم مد ذراعه مشيرًا إليها أن تقترب.
ترددت لحظة، قبل أن تستجيب، فجلست فوق فخذيه، ليضم خصرها بذراعيه، ويقرب جسدها من جسده حتى تلاصقا، واخبرها بمكر
"مين قالك إن أول يوم شغل ليكي ضاع؟ مش انتي السكرتيرة الخاصة بتاعتي؟"
"المفروض"
ابتسم ابتسامة ذات مغزى، واقترب بوجهه منها أكثر
"ومن واجب السكرتيرة تدلع مديرها… ومديرك بيقولك عايز من دلع امبارح على طول"
رفعت يديها وأمسكت بخديه بين أناملها، وقالت وهي تحاول التماسك
"مش هاينفع يا حضرة المدير، إنت فضلت مخلينا سهرانين لحد الفجر، والنتيجة صحينا متأخر، وكان نفسي أصحى بدري علشان ألحق أروح أول يوم شغل في ميعادي مظبوط"
رفع حاجبه مبتسمًا، واخبرها بمرح و جدية
"هو انتى صدقتي بجد حوار إني هاشغلك معايا؟"
رمقته بحدة ممزوجة بالدهشة
"يعني كنت بتضحك عليا؟!"
"يا حبيبتي، أنا بيدخلي يوميًا رجالة كتير، سواء موظفين في الشركة أو نواب شركات تانية بينا وبينهم شغل ورجال أعمال، وأنا بصراحة مش هاسمح مراتي تتعامل مع رجالة ولا حد يبصلك، وطالما الحمد لله ربنا كارمنا وفاتحها علينا، مالوش لازمة التعب، أنا عايزك معززة مكرّمة، وأي حاجة إنتِ عايزاها هاتيها، ومعاكي الكريدت، اصرفي منها براحتك"
استوعبت مغزى حديثه، فابتسمت بحنو، وأحاطت عنقه بذراعيها، وسألته بدلال
"بتغير عليا أوي كده؟"
"آه، بغير عليكي ومش عايز غير راحتك"
اقتربت بوجهها من وجهه، وقالت بعشق صافي
"وراحتي من راحتك يا حبيبي، أنا مش عايزة أي حاجة من الدنيا غير راحتك وسعادتك"
اتسعت ابتسامته بمكر، وقال وهو يغمز لها
"طيب ما تيجي نكمل لعبة امبارح؟، بصراحة عاجبني جو السكرتيرة والمدير"
لكزته في كتفه بخفة
"كفاية بقى يا حضرة المدير، كده مش هنخرج خالص النهارده من الأوضة، وبعدين ابنك عايز يقولك حاجة، ولو ما قومتش تاخد شاور ونزلتله، هيطلع يخبط علينا ومش هنخلص من أسئلته الفضولية"
هز رأسه متنهدًا
"مش عارف إيه الواد ده طالع لمين؟"
رفعت حاجبها باستنكار
"قصدك مين يعني؟"
ضحك وقال:
"طالع زي مرات خاله شيماء"
"لو سمعتك إنت حر، وكويس فكرتني بيها، عايزة أكلمها أطمن عليها، على ما إنت تاخد شاور، هأخلص كلامي معاها وهادخل بعدك"
مدت يدها نحو وحدة الأدراج جوار السرير لتلتقط هاتفها، لكنه باغتها، أمسك يدها، ثم نهض فجأة وحملها بين ذراعيه.
"فوكك من شيماء دلوقتي… وتعالي ناخد شاور"
❈-❈-❈
جلست صبا في قصرها، وعيناها تتجولان على شاشة الحاسوب حيث تابعت بدقة التقارير التي أرسلتها مساعدتها، كل وثيقة وكل رقم يخفق قلبها حماسًا، فيما أصدر الهاتف إشعار جديد.
رفعت الجهاز لترى من المرسل، وإذا برسالة من شركة أزياء شهيرة في قلب فلورنسا الإيطالية.
ارتجف قلبها، وأخذت تتنفس بصعوبة من فرط الدهشة والحماس، وعيناها تلمعان، وفمها لا يكاد يصدق الخبر.
وضعت الحاسوب جانبًا، أمسكت بهاتفها وبدأت تقرأ محتوى الرسالة، وكل كلمة تتسلل إلى قلبها فتجعله يرقص طربًا، والشوق إلى الرحلة المقبلة يملأ صدرها.
في تلك اللحظة، سمعت صوت باب الغرفة يُفتح، فاستدارت بفزع لتجد زوجها قد وصل لتوه من الخارج، فصرخت بفرح وتهليل
"قيصو، ألحق يا قيصو"
ارتبك هو من حماسها الغريب، اقترب منها بخطوات سريعة وسألها بقلق
"إيه يا صبا؟، مالك يا حبيبتي؟"
احتضنت عنقه، ووجهها يفيض إشراقًا، وقبلته على خديه وهي تقول بفرح لا يُقاوم
"يا وش السعد عليا، حبيبتك جالها أكبر عرض وأهم صفقة، ومع أكتر شركة البراند المفضل عندي، بص بعتوا لي دعوة أسافر الأسبوع الجاي ليهم"
ابتسم زوجها وهو يقرأ الرسالة على الهاتف، ويداه تحاوطان وجهها برقة
"ألف مبروك يا روحي"
ثم اقتنص قبلة خاطفة من شفتيها،
ردت بابتسامة عريضة، عيونها تلمع:
"الله يبارك فيك يا قلبي، ما تيجي نعجل السفر ونخلي داده زينات تحضر معايا شنط السفر ونطلع بكرة على الطيارة الخاصة؟"
هز رأسه بهدوء وبتأني يخبرها
"مش هاينفع دلوقتي، لازم أظبط أموري الأول، خلاص السفر الأسبوع الجاي مضمون"
عبست وزمت شفتيها بعناد
"مش هاينفع ليه؟!، احنا هنسافر على طيارتنا الخاصة، مش مقيدين بحجز، بقولك يا حبيبي دي صفقة العمر، اسم البراند بتاعي لما يقترن باسمهم هاينقل شركتي لمستوى تاني خالص"
ربت على كتفها بحنان
"عارف يا روحي، بس عايزك تصبري كام يوم، فيه مناسبة عائلية قريب، هنحضرها، وبعدها نسافر علي إيطاليا"
رفعت حاجبيها بتعجب
"مناسبة عائلية!، يوسف وعلياء اتصالحوا؟"
هز رأسه بالنفي، فسألته بفضول
"أومال إيه هي المناسبة؟"
ابتسم وهو يختفي بهدوء إلي غرفة الثياب
"ده مفاجأة هتعرفيها يومها لما نروح القصر"
توجهت هي خلفه، لتجده يخلع سترة البدلة ويفك ربطة عنقه، وكاد أن يبدأ بفك أزرار قميصه، أسرعت هي بدلًا منه، تفك الأزرار بتؤدة ودلال
"قيصو يا حبيب قلبي، مش هتقوللي إيه هي المفاجأة؟"
رمقته بنظرة مليئة بالإغراء، حتى انتهت من فك جميع الأزرار وخلعت له القميص، فانحنى مبتسمًا بمكر وأمسك كتفيها، اقترب من أذنها بشفتيه يهمس بنبرة تبعث قشعريرة في جسدها
"لو عايزة تعرفي المفاجأة، اجتهدي شوية"
عاد معتدلًا أمامها، وغمز لها بعينه، فتدركت مغزى مطلبه، وابتسمت بخفة وعيون تلمع، جلست على مقعد جلدي عينيها تتأمله، كل حركة له تحمل ثقلاً من الإغراء والرجولة، والجاذبية التي لا تقاوم.
همست بدلال يغوي الزاهد
"تعالي، قرب"
اقترب، فنهضت وجعلته يجلس علي المقعد وجلست هي على فخذيه، احاط بذراعيه خصرها برفق، والدفء يغمر جسديهما معًا، همست باغراء ودلال سافر
"تعرف أنا نفسي في إيه دلوقتي؟"
رمقها بعينين تفيضان عشقًا، وابتسم بتلذذ
"و أنا كمان نفسي في اللي نفسك فيه"
لامست وجنتاه وجنتيها، عانقها بحنان نحو صدره، فشعرت بدقات قلبه تتسارع، ونبضه ينساب إلى قلبها، فأغمضت عينيها واستسلمت للدفء الذي يغمرها.
مدت يدها إلى صدره، تمرر أصابعها فوق الجلد حتى شعرت بالقوة والأمان، ثم أمالت رأسها لتهمس
"مش أنا صبا قلبك وروحك؟"
"انتي كل حاجة ليا"
امتزجت أنفاسهما، ثم لمست شفتيه بشفتيها في قبلة قصيرة أولًا، لكنها تحولت سريعًا إلى قبلة أطول، أكثر حرارة، كل منها يغذي الآخر بالشغف والحنان، والقلبين ينبضان سويا في انسجام غريب.
تراجعت قليلاً، وعيونها تلمع بالشوق والجرأة، قالت بصوت منخفض مرتعش
"كل مرة بتلمسني… قلبي يطير من مكانه"
مرر أصابعه بين خصلات شعرها، يضغطها برفق على صدره، كأن كل جزء منها صار امتدادًا له. قالت هي متلعثمة
"أنا عايزاك دلوقتي"
استسلم لسحرها، وكل منهما يشعر أن العالم كله يتوقف حينما يكونان معًا، في حضن واحد، وقلب واحد، ونظرة واحدة تكفي لتعبر عن كل ما يختزنانه من شغف وعشق وحرارة لا تنتهي.
وعلى الجهة الأخرى، في أروقة إيطاليا البعيدة، كانت شاشة الحاسوب أمام الشاب مضاءة بألوانها الباردة، تسطع عليها الرسالة الواردة لصبا.
ارتفع صوت أنثوي ناعم، مفعم بالسيطرة والثقة، من خلفه، مخاطبًا الشاب بصوت حاد الوقع
"هل ابتلعت الطُعم؟"
رفع الشاب رأسه، وأجاب بصوت منخفض، دقيق، يعكس الانضباط والجدية
"أجل سيدتي… فبمجرد أن فتحت الرسالة والرابط المرفق بها، أصبح هاتفها وكل محتواه تحت سيطرتنا، وكل إجراء أو تحرك تقوم به سيكون على مرأى ومسمع منا، هل هناك أمر آخر، سيدتي؟"
ابتسمت المرأة ابتسامة امتزجت بالانتشاء
"لا، فدورك قد انتهى هنا، وسأتولى أنا أمر القادم"
الفصل الخامس والثلاثون
أنا لم أطلب المستحيل، كل ما أردته رجلًا صادق يشبه كلماته، ويحترم قلب أحبه بصدق.
سأمضي وأترك لك صورتي القديمة، تلك التي كانت تُحبك بلا حذر، بينما أنا الآن، فامرأة تعلمت أن لا تمنح قلبها لمن لا يعرف قيمته.
دنيا & كنان
انتهيا من تناول طعام الغداء، وعاصفة لم تهدأ داخل صدرها؛ كانت تحمل الصحون بين يديها، وقد ارتسم على محياها ضيق مكتوم، وامتعاض يتسلل إلى ملامحها، فتفضح عينيها ما تحاول جاهدة إخفاءه.
نهض زوجها عن مقعده في اللحظة ذاتها، ولاحظ وإن لم يُعلق ذلك العبوس العابر الذي مر على وجهها، فلحق بها حتى المطبخ، وخطواته هادئة ونبرته مشبعة بابتسامة أراد لها أن تكون مطمئنة فقال لها
"دنيا حبيبتي، بعد ما تخلصي اللي في إيدك، اعملي فنجان قهوة وتعالي… عايزك نتكلم مع بعض شوية"
أومأت له إيماءة مقتضبة، وذلك هرباً من الأسئلة التي تضج في داخلها، وحاولت بكل ما أوتيت من قوة ألا تُسقط عنها ستار الهدوء الذي ترتديه قسراً، فأجابت
"حاضر"
وما إن غادر المطبخ حتى اندفعت الذكرى إلى عقلها كطعنة مباغتة… صورة تلك المرأة التي رأتها على هاتفه، و ما سواها تلك الشقراء زوجته الروسية السابقة، التي كانت سبب سنوات طويلة من الجفاء والبرود والانكسار بينها و بين زوجها.
لم تفهم حرفاً واحد من اللغة التي كُتبت بها الرسالة، لكنها لم تتردد؛ التقطت للشاشة صورة، وأرسلتها إلى هاتفها الشخصي، ثم مسحتها من هاتف زوجها بحذر شديد، تخشى أن يكشفها.
غير أنها تركت رسالة البريد الإلكتروني كما هي، حتى لا يشك لحظة أنها وقعت عيناها عليها.
فتحت تطبيق الذكاء الاصطناعي الشهير، وأدخلت الصورة، وانتظرت ثوان بدت لها ثم ظهرت الترجمة أمامها، لتقرأ
«هاي كنان… كيف حالك يا صاح؟، أردت أن أخبرك بشيء هام لأنك كنت كلفتني بمهمة البحث عن زوجتك الروسية منذ سنوات… هي هنا في إيطاليا… تقضي كل ليلة لدي في الملهى… أليست هذه سيلينا؟»
وكانت هناك صورة مرفقة لتلك الشقراء نفسها.
في تلك اللحظة غلت القهوة وفارت من الركوة، كأنها تحاكي فوران صدرها فانتفضت، وأمسكت بالفنجان، سكبت القهوة فيه بيد مرتعشة، أخذته وسارت بخطوات متثاقلة نحو الشرفة.
وجدته يجلس هناك، ينتظرها مبتسماً، والنسيم يداعب ستائر المكان، بينما الهدوء يخيم على كل شيء… إلا قلبها.
وضعت الفنجان أمامه على الطاولة الصغيرة، فمد يده وأمسك به، وارتشف رشفة قصيرة، قال بنبرة راضية
"تسلم إيديكي"
أومأت له بصمت وأجابت بصوت منخفض، مقتضب كأنه يخرج من قاع بئر
"شكراً"
لاحظ وجوم ملامحها، ذلك السكون الثقيل الذي خيم على وجهها كالغيمة الملبدة، فانعقد حاجباه بقلق، وتسربت الريبة إلى نبرته وهو يسألها
"مالك يا دنيا؟، فيه حاجة يا حبيبتي؟"
فتصنعت ابتسامة واهنة، ابتسامة أشبه بقناع هش يتداعى تحت وطأة ما يشتعل في صدرها من نيران تأكل قلبها التهاماً، وتحرق روحها ببطء، ثم قالت محاولة صرف الدفة بعيداً عن نفسها
"مفيش… المهم، كنت عايزني في إيه؟"
أنهى رشف قهوته على مهل، يرتب كلماته في رأسه قبل أن ينطق بها، ثم ترك القدح جانباً، ومد يديه نحو يديها، فقبض عليهما بلمسة حانية، تحمل من الرقة بقدر ما تحمل من ثقل الخبر.
"أنا مسافر في خلال يومين، ومش عارف هقعد قد إيه، فعايزك تاخدي بالك من نفسك ومن الولاد"
ارتجف قلبها عند سماع كلماته، وخفق خفقاً مضطرب؛ داهمها خاطر مفزع… هل رأى الرسالة؟، هل حقاً يسافر من أجل طليقته؟
خرج سؤالها من فمها قبل أن تتمكن من كبحه
"هتسافر فين؟"
تنهد بعمق، ثم أجاب بهدوء
"إيطاليا"
انسحبت يداها من بين كفيه فجأة، كأن لسعة نار أصابتها، واتسعت عيناها دهشة ووجع، رددت كلمته بذهول
"إيطاليا! ليه؟"
تملكته الحيرة من رد فعلها المفاجئ، لكنه حاول تبديد مخاوفها قائلاً
"مسافر طبعاً في شغل، وما تقلقيش هكون على تواصل معاكي، بس أهم حاجة خدي بالك من نفسك ومن الولاد"
ظلت تحدق فيه طويلاً، نظرة مثقلة بالأسئلة والشكوك، بينما كانت النيران تستعر في أعماقها بلا رحمة؛ لم تجرؤ على إخباره أنها رأت الرسالة، ولم تملك شجاعة مواجهة الحقيقة، وهو يخبرها الآن بكل أريحية عن سفره، كأن شيئاً لم يكن.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وقالت ببرود ظاهري يناقض العاصفة المشتعلة داخلها
"تروح وترجعلنا بالسلامة… بس خد بالك من نفسك"
حاولت أن تواري ارتجافة صوتها، فنهضت سريعاً، وأمسكت بقدح القهوة الفارغ، ووضعته أعلى الصينية
"لما أروح أغسل الفنجان وأجيبلك الحلو"
أمسك يدها قبل أن تخطو خطوة واحدة مبتعدة، كأنما يخشى أن تنفلت منه إلى مسافة لا تطالها يد ولا يصل إليها صوت، وجذبها إليه برفق، وقد ارتسمت على ملامحه التعجب والقلق، سألها بصوت خفيض تنضح كلماته بالاهتمام
"مالك يا حبيبتي؟، من امبارح وانتي فيكي حاجة غريبة، في حد مضايقك؟، ولا أنا عملت حاجة مضايقاكي؟"
تجلت على شفتيها ابتسامة زائفة، باهتة وأخفت خلفها ما يعتمل في صدرها من اضطراب، ثم قالت كاذبة بنبرة حاولت أن تبدو طبيعية
"مفيش حاجة مضايقاني، إنت عارف الحمل وهرموناته، اليومين دول مزاجي مش مظبوط… إنت بس ركز في سفريتك، هاروح أجيبلك الحلو، وبعدها هاروح أحضرلك شنطة السفر… إنت ناوي تقعد قد إيه هناك؟"
تعلق بتبريرها محاولاً أن يقنع نفسه بصدقها، ثم أجاب عن سؤالها الأخير
"مش عارف… على حسب الإجازة اللي هيقعدها قصي هو ومراته وولاده هناك"
انعقد حاجباها، وتقلصت ملامحها بدهشة لم تستطع إخفائها، فسألته
"قصي!؟ إنتوا اتصالحتم؟"
"روحت سلمت عليه واعتذرتله، ورجعني الشغل معاه لأنه ما بيثقش و لا بيرتاح لأي حراسة غيرى أنا ورجالتي"
هزت رأسها ببطء، ثم قالت بابتسامة مصطنعة
"تمام… كويس… تروحوا وتيجوا بالسلامة"
ترك يدها، ورد عليها بابتسامة دافئة
"الله يسلمك يا حبيبتي"
همت بالذهاب، لكنها توقفت فجأة، فهناك سؤال داهم عقلها، فالتفتت إليه وسألته
"هو ينفع نيجي معاك أنا والولاد؟"
حك ذقنه بحرج ثم أمسك كتفيها برفق واخبرها
"أنا يا حبيبتي مسافر في مهمة تأمين وحراسة، يعني هابقى أغلب الوقت مشغول عنك إنتي والأولاد… قصي بيه عرض عليا، قولتله مش هينفع، مش هاعرف أركز في شغلي وفي نفس الوقت معاكم… أنا كده كده في نيتي إن شاء الله آخدك إنتي والولاد نقضي أسبوع في الشاليه لما أرجع من السفر"
أومأت برأسها، بينما كانت النيران تستعر في أعماقها، فأخفتها خلف طيف ابتسامة.
وبعد أن تركت ما في يدها داخل المطبخ، أسرعت نحو غرفة النوم، بخطوات متلاحقة تحمل أثقال قلبها، وأغلقت الباب خلفها بإحكام، وحينها فقط انهارت قواها، فلم تعد قادرة على التماسك.
أطلقت لدموعها العنان، فانهمرت كالسيل، وراحت تهمس من بين شهقاتها بلوعة وألم
"طبعاً مش عايز ياخدنا عشان يخلي له الجو مع الهانم بعد ما عرف طريقها… كل الفيلم اللي بيعمله عليا عشان مسافرلها، يعني كان بيكدب عليا كل الفترة اللي فاتت، وأنا زي المغفلة صدقته"
وضعت يدها على موضع قلبها، كأنها تحاول تهدئة وجعه المتفجر، وقالت بصوت مكسور
"ليه كده يا كنان؟!، حرام عليك اللي عملته وبتعمله فيا… الله يسامحك"
وأخذت تردد الجملة الأخيرة مراراً، بقهر ينهش روحها، ووجع لا يجد طريق إلى الخلاص.
❈-❈-❈
وهنا يجلس غارقًا في مرسمه غرق الناسك في محرابه، يتهادى صوت أم كلثوم من المذياع، متسللة كنسيم قديم يحمل رائحة الذكريات، تنسكب بصوتها العتيق، وتعيد ترتيب فوضى قلبه على إيقاع الشجن.
الفرشاة بين أنامله تلون لوحته التي ظل يرسمها منذ ليالي سابقة.
اهتز هاتفه فوق الطاولة المجاورة بتنبيه
رسالة واردة، رسالة صوتية من شقيقه ياسين.
توقف عن الرسم، ترك الفرشاة ببطء، ومسح يده في منشفة ملطخة بألوان متداخلة، التقط الهاتف ليستمع إلي الرسالة
«يونس، مش هأكد عليك تاني… اطبع الدعوات زي ما قولتلك، بالله عليك ما تنساش، و وزعها و ابعتلي منها أوزعه علي معارفي واصحابي»
ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية، وسجل رده بنبرة واثقة
«ما تقلقش يا ياسو، ظبطلك كل حاجة، وعاملك شغل فاخر من الآخر، هتدعيلي عليه»
أرسل الرسالة، وقبل أن يعيد الهاتف إلى موضعه، التقطت أذناه صوت انفتاح الباب خلفه، رفع رأسه ببطء.
فوجد زوجته تقف عند العتبة، في أبهي حُلة و زينة، ترتدي مأزر حريري قصير ينساب فوق جسدها باغراء، يتهادى مع أدنى حركة، ويكشف أكثر مما يخفي، فيما شعرها ينسدل على كتفيها.
عيناها ملعقتان به بتردد ورجفة خفية ترتعش في وقفتها، جاءت لتخبره شيئًا… لكنها لا تعرف من أين تبدأ.
سألها بصوت دافئ
"فيه حاجة يا حبيبتي؟"
اقتربت بخطوات مترددة حتى وقفت أمامه تمامًا، تتأمل ملامحه طويلًا، تتفحص وجهه ثم قالت بصوت خفيض
"أنا حاسه إني اتعافيت الحمدلله"
كأن الكلمات ما إن خرجت من شفتيها حتى انفتح في صدره بريق أمل، وتفتح قلبه على اتساعه، ارتسمت على شفتيه ابتسامة مشبعة بفرح صاف لا تشوبه شائبة.
"ألف مبروك يا حبيبتي… ده أحلى خبر سمعته"
خفضت بصرها لحظة، ترتب شجاعتها في أعماقها، ثم رفعت عينيها إليه من جديد لتخبره
"الثيرابيست كانت بتقولي إن من ضمن العلاج إني لازم أواجه خوفي واتحداه… يعني بعد اللي حصل كنت بخاف أي حد يقرب مني… فأنا عايزة أتأكد الإحساس ده لسه موجود ولا لأ"
فهمها قبل أن تُكمل حرف آخر، فهمها بقلبه قبل عقله.
ترك ما في يده واقترب منها، لف ذراعيه حول خصرها برفق بالغ، شعر بأنفاسها تعلو، وبصدرها يهبط ويصعد.
عانقها بهدوء ومال برأسه قليلاً وهمس قرب أذنها بصوت مشبع بالشوق
"واحشتيني أوي يا حبيبتي"
ثم أبعدها مسافة بسيطة، كأنه يريد أن يراها كاملة، وتأمل وجهها طويلًا.
كانت شاردة… حائرة… جميلة للغاية،
رفع إبهامه ولمس طرف شفتيها السفلى بخفة.
"عايزه تعرفي أنتي خفيتي و لا لاء؟ "
أومأت برأسها ببطء، وابتلعت ريقها،
تنهد مبتسمًا وقبل جبهتها ثم قال لها
"آه منك إنتي ومن شوقي ليكي… كنت هاتجنن عشان آخدك في حضني.،، تعرفي؟، لو هاكتفي بالحضن ده وبس، معنديش أي مشكلة، أهم حاجة تكوني بخير ومبسوطة"
ابتسمت بعينين لامعتين، امتلأتا بدفء يشبه الدموع، ردت بمشاعر نابعة من فؤادها
"طول ما إنت جنبي ومعايا أنا بخير ومبسوطة… خليني جوه حضنك وحبني يا يونس"
جذبها إليه حتى التصقت به كأنها تبحث عن موطنها الحقيقي.
"ده أنا هاحبك وأغرقك حب لحد ما تزهقي… بلا رسم، بلا ألوان، ويركن الواد ياسين على جنب… خليني مع كوكي حبيبة قلبي اللي وحشاني و كل ما فيها واحشني"
وبين ذراعيه لأول مرة، شعرت بعد مرور أصعب الفترات عليها أن الخوف صار كالسراب.
فجأة وجدته يحملها من خصرها علي
شهقت وتشبثت بعنقه
"بتعمل إيه؟ نزلني"
لم يجبها بل اقترب بها من طاولة تعلوها لوحات ملفوفة ومتراصة، وضعها فوقها برفق بالغ، واخبرها بمكر تختبئ خلفه رغبة تندلع من قلب عاشق متيم
"هحبك بطريقتي"
وانحنى ليقبل شفتيها قبلة طويلة، هادئة وعميقة، ممتلئة بالشوق أكثر مما هي ممتلئة بالرغبة.
قبلة تشبه وعد لا ينقض، تشبه امتنان صامت، أو اعتذار متأخر عن كل ألم مُر وكل وجع لم يستطع حمايتها منه.
ابتعد قليلًا، ظل يتأملها كما يتأمل لوحة نادرة لا تتكرر، بعينين يلمع فيهما الانبهار والعشق معًا.
وهنا روح الفنان داخله قد استيقظت فجأة من سباتها الطويل.
رفع يده ببطء، ومرر أصابعه فوق وجنتها في تؤدة، ثم جبينها فعنقها.
بينما كارين مغمضة العينين، مستسلمة لإحساس تعشقه، قربها منه و لمساته الحانية، إحساس لا يحمل خوف بل طمأنينة ودفء.
رفعت كفيها ووضعتهما فوق كتفيه، وهمست بصوت يرتجف بخفة
"أنا مش خايفة"
توقف عن لمسها، ونظر في عينيها،
ابتسم بعاطفة جارفة، ابتسامة رجل مشتاق كشوق المغترب لموطنه.
ألتقم شفتيها في قبلة حميمية، و يده تتسلل إلي رباط مأزرها، يفك عقدته ببطئ، ليزيح المأزر ذاته عن كتفيها، فاكتشف أنها لم ترتدي سواه، تعالت أنفاسه وكأنه يراها لأول مرة، يحدق بها بتأمل ليس بهدف رغبة أو شهوة بل نظرة عاشق فنان، يحب تأمل كل ما يسحره و يجذبه، وهذه ليست بأي شئ، فهي زوجته التي يعشق كل ما بها من تفاصيل مادية و معنوية.
نظرت في عينيه ويديها تمتد إلي طرف قميصه ترفعه لأعلي، فرفع ذراعيه ليسهل عليها مهمة خلعه، وضع جبهته علي جبهتها، يشعر بأنفاسها التي تخالط أنفاسه، عانقها بهدوء ومال به علي الطاولة، حيث يسند ظهرها بكفيه حتي جعلها تمددت، دنا بشفتيه أعلي رأسها وقبلها، قبلة ها أخرى من أعلي جبهتها هبوطاً علي كل إنش بوجهها، وعنقها الذي بمجرد أن لمسه انتفضت وحاوطت جذعه بذراعيها، انخرطت معه في تبادل الحب والمشاعر، لذة لا يشعر بها سوى العشاق.
❈-❈-❈
في مطار القاهرة وقف منتصب القامة، متشح بالصمت، صمت رجل يقف على عتبة حياة جديدة، كأنما يتهيأ لا لرحلة عمل، بل لانفصال بطيء عن فصل كامل من عمره قد مضى، عن نسخة قديمة من ذاته.
ملامحه جامدة في ظاهرها، غير أن عينيه كانتا تضجان بحكايات انهكت فؤاده، بداية من تشبثه بأحبال آمال واهية حتي سقوطه في وادي من الخيبات، تركت آثار ستظل محفورة في ذاكرة قلبه وعقله.
إلى جواره وقفت أمه، تأملته طويلًا، تحفظ تفاصيله للمرة الأخيرة، لأنها تعلم تلك الرحلة ستكون طويلة كما اخبرها، قالت بصوت حاولت أن تجعله ثابت، ترجوه للمرة الأخيرة
"فكر تاني يا رحيم وبلاش هروب، والله ببلدك اولى بيك يا حبيبي، علي الاقل هاتكون وسط ناسك وأهلك"
التفت إليها ببطء وفي عينيه اتقدت نار هادئة؛ نار رجل حسم أمره منذ زمن، فاخبرها بهدوء
"يا أمي… أنا مش بهرب، ولا سايب بلدي عشان اللي حصل معايا، بس ده أنسب وقت للسفر، أنا محتاج أكرس حياتي لشغلي و مستقبلي، هو ده اللي هاينفعني و هايخليني اتعافي من اللي فات"
تنفست بعمق، كأنها تحاول ابتلاع غصة ثم هزت رأسها ببطء، وقالت بصوت تغلفه الحسرة
"بس هنا كمان تقدر تتحقق كل ده… و أنا جنبك"
ارتسمت على شفتيه ابتسامة شاحبة، ابتسامة تولد من رحم الوجع
"الفرصة اللي جاتلي هناك مش سهلة، ولو سيبتها هافضل طول عمري ندمان، عشان خاطري يا ماما بلاش تضغطي عليا، لو بتحبيني سيبيني اعمل اللي أنا عايزه و مرتاح فيه"
ساد بينهما الصمت، لكنه محمل بالكلمات التي لم تجد طريقها إلى الشفاه، وبالدموع التي آثرت أن تظل محتجزة خلف الجفون، خوفًا من لحظة انهيار لا يريدها أي منهما.
قطعت هذا الصمت، مدت يدها المرتعشة، ثم أمسكت يده بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يفلت منها قبل الأوان، وقالت بصوت تحاول عبثًا أن تجعله ثابت
"طب أوعى تقطع اتصالك بيا… كل يوم كلمني، حتى لو دقيقتين، طمني عليك علي طول يا ضنايا"
ضغط على يدها برفق، كأنه يسكب فيها طمأنينة تعجز الكلمات عن حملها، وقال بحنان صادق ينبع من أعماقه
"وعد يا أمي، وأنا كمان هاطمن عليكي على طول… مش هاغيب عنك"
في تلك اللحظة، دوى صوت الميكروفون في أرجاء الصالة
"السادة ركاب الطائرة المتجهة إلى لندن، يُرجى التوجه الآن إلى بوابة الصعود"
ارتجف قلبه، وتلاقت عينيه بأعين والدته في نظرة واحدة ممتلئة بالوداع.
فتح ذراعيه دون كلمة، فاندفعت إلى صدره، ارتمت في حضنه، احتضنها بقوة، يحاول أن يختزن في ذاكرته رائحتها، دفء عناقها، نبرة صوتها، وأمانها الأبدي، قبل أن تسرقهم منه المسافة.
قالت بصوت متهدج وهي غارقة في حضن
"هتوحشني يا رحيم"
ابتلع ريقه بصعوبة، وشعر بعقدة حادة تخنق حلقه، ثم أجاب بصوت مبحوح
"وانتي كمان هتوحشيني أوي… أوي"
تشبثت به لحظة إضافية، كأنها تحاول سرقة ثوان من الزمن لا تعوض، ثوان قد تكون آخر ما تملكه منه قبل الغياب.
ثم انسحب ببطء من حضنها، أدار وجهه بعيدًا في الحال، كاتمًا دموعه، قاب على قلبه بقبضة من حديد، وسار بخطوات ثابتة في ظاهرها، مهزوزة في باطنها، صلبة في شكلها، منكسرة في حقيقتها.
لم يلتفت، لم يسمح لنفسه بنظرة أخيرة.
يعلم أن نظرة واحدة قد تهدم جدار قراره، وقد تعيده طفلًا صغير متعلق بثوب أمه، لا رجل ماضيًا إلى مصيره.
❈-❈-❈
ترجل من سيارته أمام شركة عائلته بخطوات واثقة، تحمل في ظاهرها صلابة رجل أعمال عاد إلى ميدانه، وفي باطنها قرارات مؤجلة بسبب غرقه في مؤامرات والدته ضد زوجته.
اليوم قرر أن يعود، أن يسترد زمام الأمور بيده، يباشر الأعمال بنفسه، ما إن دلف من البوابة الرئيسية حتى تسابقت إليه الوجوه، وارتفعت الأصوات مرحبة، مفعمة بالترحاب والاحترام
"حمدالله على السلامة يا أحمد بيه، حضرتك نورت الشركة"
تكررت العبارة على ألسنة كل من صادفه في طريقه، حتى بلغ المصعد، ثم صعد إلى الطابق الخاص بمكتبه، حيث وجد مساعدته في انتظاره، تقف باعتدال واحترام.
"حمدالله على سلامتك يا أحمد بيه، الشركة نورت بعودة حضرتك"
دلف إلى غرفته الواسعة، وتقدم حتى وقف خلف مكتبه، ذلك المكتب الذي طالما شهد قراراته الحاسمة وتقلبات مزاجه، فابتسم إليها ابتسامة مقتضبة قائلاً
"الله يسلمك"
ثم أدار نظره في أرجاء المكان، يتفحص كل زاوية وأردف بنبرة تجمع بين المزاح والدهشة
"واضح بقالي كتير ماجتش"
ابتسمت المساعدة ابتسامة عملية، وأجابته
"أيوه يا فندم، بس ما تقلقش، حضرتك الشغل ماشي زي الساعة، البركة في مدام شيري متابعة كل حاجة، ومستر طارق مدير قسم الماركتينج كان بيباشر كل حاجة بنفسه، وبيبعت لمدام شيري كل التقارير"
همس بصوت خافت، وقد تسللت السخرية إلى نبرته
"أخيرًا شيري هانم لاقت حاجة مفيدة تعملها"
رفعت المساعدة حاجبيها قليلًا، وسألته باستفهام
"بتقول حاجة حضرتك؟"
انتبه لسؤالها، فهز رأسه نافيًا وقال بسرعة
"ما تاخديش في بالك… حضرتيلي الملفات اللي قولتلك عليها في التليفون عشان أراجعها؟"
أجابت بثقة
"الملفات جاهزة يا فندم، بس قبل المراجعة، مستر طارق جهز لاجتماع مع الموظفين الجدد"
عقد ما بين حاجبيه، وسألها باستغراب
"إنتوا عينتوا ناس جديدة إزاي من غير ما تبلغوني؟"
وارتفعت نبرة صوته حدة دون أن يشعر، فتبدلت ملامحها إلى شيء من الحرج، وسارعت توضح
"مستر طارق كان محتاج أربع موظفين جداد في قسم الماركتينج عنده، كلم حضرتك ومكنتش بترد عليه، فبلغ مدام شيري ونزل إعلان، واتقدم لينا حوالي عشرين بنت وشاب، الـ HR عمل معاهم إنترڤيو، وقبل أربعة منهم هم اللي هاينفعوا"
رفعت ملف ورقي كانت تحمله بيدها، وقالت وهي تقدمه إليه
"وده الفايل اللي فيه السيفيه الخاص بكل واحد فيهم، وده فايل تاني جابه واحد الصبح وقالي أسلمه لحضرتك ضروري"
مد يده والتقط الملف منها بلهفة لم يستطع إخفاءها، وكأنه يدرك مسبقًا ما الذي ينتظره في داخله، ثم قال بنبرة حاسمة
"اتفضلي إنتي دلوقتي، وبعد شوية ابعتيلي الموظفين الجداد واحد واحد… عايز أقعد معاهم الأول قبل الميتينج"
أومأت باحترام
"تمام يا فندم، عن إذنك"
ثم استدارت وغادرت الغرفة، وأغلقت الباب خلفها بهدوء، بينما هو يفتح الملف ببطء…لتقابله في الصفحة الأولى صورة رهف.
صورة تكاد تكون طبق الأصل من توأمها روح، وفي تلك اللحظة، شعر وكأن الزمن عاد به إلي الوراء.
فلاش باك...
على متن مركب يشق ممياهالنيل في هدوء مهيب، وقف جوارها، كتف بمحاذاة كتف، يتبادلان الضحكات والأحاديث العابرة، كلمات بسيطة تحمل في جوفها دفء وطمأنينة.
استدار ببطء، وأخذ يحدق في وجهها،
توردت وجنتاها، وتسرب الخجل إلى ملامحها، فسألته بصوت خافت
"هاتفضل باصص لي كده كتير؟"
ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، مفعمة بالصدق، وأجابها
"بحب أتأمل في ملامحك أوي… إنتي جميلة أوي يا روح"
أسقطت بصرها نحو الأرض بخجل، فمد يده وأمسك بطرف ذقنها برفق، رافعًا وجهها إليه.
تراقصت خصلات غُرتها مع نسمات الهواء،
قال بنبرة دافئة
"أنا مش بعاكس ولا بجامل… إنتي جميلة فعلًا، شايفك أحلى بنت في العالم"
ازداد خجلها، وراوغته بنظرات شاردة، ثم قالت محاولة التخفيف
"بس فيه أحلى مني على فكرة… أختي، بس هي سافرت مع بابا تركيا بعد ما انفصل عن ماما وإحنا صغيرين، عاشت هي معاه هناك وأنا فضلت هنا في مصر مع ماما، عمرهم ما نزلوا إجازة ولا مرة، وآخر حاجة بتواصل معاها فيديو كول"
لم تخف عنه الغصة التي نضحت من نظرات عينيها، ولا ذلك الشوق المكسور الذي تسلل إلى نبرتها، فمال قليلًا نحوها وقال بحنان صادق
"لما نتجوز إن شاء الله، هاخدك ونسافر لها، تقابليها وتقعدي معاها براحتك"
اتسعت عيناها بفرح طفولي، فتلك أمنية بعيدة اقتربت فجأة من التحقق
"بجد يا أحمد؟"
ابتسم بثقة وأجابها
"وأنا عمري قولتلك أو وعدتك بحاجة وكنت بهزر؟"
هزت رأسها نفيًا
"لأ"
فأكمل بنبرة حاسمة مليئة بالوعد
"هخليكي أول حاجة تسافري لأختك وتشوفيها وتشوفي باباكي، وبعدها نلف في كل حتة في العالم"
تهللت أساريرها، وتفجر الفرح من ملامحها، وصاحت دون وعي
"بحبك أوي أوي يا أحمد"
وباندفاع عفوي، ألقت بنفسها بين ذراعيه تعانقه، ثم ما لبثت أن أدركت ما فعلته، فابتعدت سريعًا وقد اشتعل وجهها خجلًا.
ضحك بخفة على رد فعلها، بينما ظلت هي تبتسم بتوتر وقلبها يخفق بسعادة.
❈-❈-❈
في ساحة مركز التأهيل، وقفت تنتظر صغيرها، وعينها لا تفارق المعلمة التي تمسك يده.
ما أن لمحها ركض نحوها، حتى ارتجف قلبها بالسرور، صاح بلهفة طفولية
"ماما!"
فتحت ذراعيها على مصراعيهما، وألقت بنفسها نحوه، فارتطم صغيرها في حضنها، وضمته بحنان غامر
"حبيب قلب ماما يا حموزي"
ابتسم الصغير ببراءة، وعينيه تتلألأ بالفضول، سألها مباشرة
"حبيبتي ماما… فين بابا أحمد؟"
رمقت والدته عينيه بدهشة، على ترديده كلمة "بابا" لعمه، وشعرت بدفء غريب يتسلل إلى قلبها، فابتسمت وأخبرته بهدوء
"بابا أحمد راح الشركة عشان يشوف شغله"
ارتفع حاجباه، ولم يستسغ الفكرة، فصرخ بعناد
"حمزة عايز يشوف بابا أحمد"
تمسكت الأم بالصبر، وهدأت قلبه بعاطفة رقيقة
"إحنا هانروح ونستناه في البيت لحد ما يخلص شغل ويرجع"
هز رأسه بعناد،
"لأ، حمزة عايز يروحله الشغل"
ابتسمت محاولة الموازنة بين حماسه وواقع الأمور، فاخبرته
"طب يا حموزي… أنا معرفش عنوان الشركة، ولو اتصلنا عليه، بالتأكيد هنلاقيه مشغول"
ترك حضن والدته بثقة طفولية، ونطق بعزم كآلة مبرمجة، مفاجئًا إياها بذاكرته القوية
"القاهرة، مدينة نصر، شارع… شركة الشريف"
ارتسمت الابتسامة على وجهها، وقد انبهرت بذكاء صغيرها وموهبة الحفظ الخارقة لديه، قالت بدهشة وحنان
"ما شاء الله يا حبيبي… مين اللي قالك العنوان ده؟"
رفع كتفيه بفخر بسيط، وأجاب بجدية
"بابا أحمد، قالي عنوان الشركة، عنوان الشقة، عنوان الفيلا… أنا حافظ كل العناوين"
ربتت على رأسه بحنان، وضمته إلى صدرها مجددًا، وقبلت جبهته بلطف، وكأنها تمنحه دفء العالم كله
"يلا بينا ناخد تاكسي ونروح نعمله مفاجأة… ماشي؟"
ابتسم الصغير، وعيناه تلمعان بالفرح، وأومأ بحماسة
"ماشي"
❈-❈-❈
بالعودة إلى أحمد، الذي عاد من ذكرياته، دوى طرق على باب مكتبه.
"اتفضل"
دخلت المساعدة، صوته يحمل نبرة الرسمية المعتادة
"الموظفين الأربعة قاعدين بره في انتظار مقابلة حضرتك"
أومأ لها وأمرها
"دخلي أي حد فيهم"
أمسك بقلمه، وضغط على مكبسه عدة مرات بتركيز، حتى دخلت أول موظفة، فما أن رآها أمامه، توقف عن ضغطه فجأة، كأن الزمن تجمد.
ارتسمت على وجهه علامات الاستفهام، وسؤال يلح في رأسه، كيف؟ ومتى حدث ذلك؟
ظل يحدق بها كما فعل من قبل عندما رآها في الفيلا لدى والدته؛ كانت بالفعل توأم حبيبته السابقة روح، إلا أن نظرات عينيها لم تكن بنفس البراءة التي امتلكتها روح، وملامح وجهها، رغم التطابق الظاهر، حملت فارق دقيق في التعبير.
تقدمت بخطوات وئيدة نحو المقعد المقابل لمكتبه، فيما ظل هو ثابت في موضعه.
بينما رمقته هي بنظرة فاحصة، لا تخلو من دهشة مكتومة، كأنها هي الأخرى فوجئت بوجهه، لكنها سرعان ما أخفت ارتباكها خلف قناع الثبات.
تنحنح أخيرًا محاولًا جمع شتات صوته
"اتفضلي… اقعدي"
جلست بهدوء، وضمت حقيبتها الصغيرة إلى حجرها، وقالت بنبرة عملية
"أنا رهف محمد رؤوف، متقدمة لوظيفة ماركتينج سبيشاليست"
ضغط على أسنانه قبل أن يسألها
"إنتي… كنتي عايشة بره مصر مش كده؟"
رفعت إحدى حاجبيها وأجابت
"أيوه… كنت في تركيا مع بابا، ونزلت من فترة"
سألها بجدية
"إيه اللي جابك يا رهف؟"
ادركت مغزى السؤال، فتصنعت الغباء وقالت
"مش الشركة محتاجة موظفين في الماركتينج؟، وأنا جيت قدمت وقالولي اتقبلتي"
ضيق عينيه، يقرأ ملامحها بدقة
"جاوبي على سؤالي من غير ما تلفي وتدوري في الكلام، أنا عارف إنك توأم روح الله يرحمها… هي كانت عايشة مع والدتها، وأنتي روحتي مع باباكي وعيشتوا في تركيا، أنتي بقي نازلة من تركيا مخصوص ليه؟، وياريت تقولي الصراحة وتجيبي من الآخر"
تحولت ملامحها فجأة إلى الحزن، وتجمعت دموعها في عينيها، لتخبره بحقيقة مرة
"بابا الله يرحمه مات واتحجز على كل أملاكه بسبب قرض كبير كان واخده عشان يطور في المصنع بتاعه، ولما تعب وعرف إنه خلاص بيموت قالي انزلي على مصر في شقة مامتك وأختك، رجعت لاقيت صاحب البيت استولى على الشقة من الباطن بعد وفاة ماما و روح الله يرحمهم، أنا ماليش حد هنا، معرفش أهل ماما ولا أهل بابا… فافتكرت أهل زوج روح و هي كانت قايلالي على عنوان الفيلا، قابلت مدام شيريهان الله يبارك لها، ساعدتني ألاقي أوضة وصالة إيجار ووفرتلي الشغل"
انتهت من كلماتها، وتراقب رد فعله من طرف عينها. فسألها بحدة
"بس كده؟"
"هو حضرتك مش مصدقني ليه؟"
نهض من خلف المكتب وجلس أمامها، يرمقها بعينين ثاقبتين
"لأنك مش عارفة تمثلي بضمير"
اتسعت عيناها بدهشة من فطنته وذكائه، وإذا به ينتفض، يضرب سطح المكتب فاهتز كل ما عليه، صاح بها
"هاتي من الآخر يا رهف… أمي دفعتلك كام لليلة دي كلها؟"
لم يتبق لها سوى آخر سلاح لديها لكسب شفقته، وقفت وأجهشت بالبكاء
"أنا بجد… مش فاهمة حضرتك بتتكلم معايا كده ليه؟"
وكما توقعت، بدا على ملامحه اللين، فأمسك بعلبة المحارم الورقية ومدها لها
"خلاص… اهدي"
امسكت بيده وهي تأخذ المحارم، محدقة به من بين دموعها، تلك العيون الباكية ذكرته بمشهد طواه الزمان في خانة النسيان.
فلاش باك…
وقف أمامها أحمد، قلبه يخفق بعنف، قبل أن يفصح عن أعمق أمانيه، بينما هي تقف أمامه، تتطلع إليه بعينين متسائلتين
"خير يا أحمد، إيه الأمر الضروري اللي كنت عايزني فيه؟"
ارتسمت السعادة على محياه، أخرج من جيب سترته علبة صغيرة مغلفة بالمخمل الأزرق، ففتحها ببطء، لتظهر خاتم ذو تصميم راق، يلمع بوهج خافت، سألها بلهفة مختلطة بالخوف
"تتجوزيني يا روح؟"
حُبس الكلام في حلقها، وعمت الدهشة قلبه، إذ رأى وجوم يعتلي وجهها، ولم تصدر أي علامة فرح كما توقع.
"ساكته ليه؟"
منعت دموعها عن الانهمار، لكن قلبها يصر على التعبير، فألح عليها
"اتكلمي… في إيه؟"
تنفست بعمق، وأجابت بعد صراع داخلي واضح
"مش هاينفع… مش هاينفع نتجوز"
أغلق العلبة بإحكام، وأعادها إلى جيبه، وسألها بحدة
"مش هاينفع نتجوز ليه؟، مخبية عني إيه؟"
ظلت صامتة، مما أشعل غضبه، فقبض على بعضديها وهزها بعنف
"ما تنطقي!"
فأجابته ببرود قاتل
"أسباب خاصة… مش هقدر أقولها"
ارتفع صوته قائلاً
"أسباب إيه؟!، أنتي مش لاقية حاجة تقوليها؟!"
ترددت مجددًا
"مش هقدر أقول…"
همت بالمغادرة، فقبض على ساعدها بقوة
"أنتي رايحة فين؟! مش هاتمشي غير لما تتكلمي"
تلك اللحظة، ألقت عليه كلمات حاسمة، تجرحه أكثر
"مش معني إن قولتلك بحبك يبقى نتجوز"
توتر وتلعثم
"يعني إيه؟!، كنتي عايزانا نعيش مع بعض من غير جواز؟!، اللي فهمته ده صح ولا أنا فهمت غلط؟"
استجمعت قواها، وأظهرت له قوة مصطنعة، لتكذب عليه ببرود
"اللي فهمته صح، وفيها إيه لما نعيش من غير جواز أو مسئولية؟"
حدق بها بازدراء، غير مصدق ما تسمعه
"أكيد بتكدبي… أو عاملة فيا مقلب"
ردت بنبرة مختلطة بين الصراحة والدفاع عن نفسها
"وهكدب ليه؟، المفروض أنت تفرح بحاجة زي كده"
صرخ بها، صوته يعلو بغضب ممزوج بالخذلان
"أفرح؟!، ليه شايفاني مش راجل عشان أقبل وضع قذر زي ده؟!"
"هو ده اللي عندي… آسفة"
رمقها من أسفل إلى أعلى، وقال باشمئزاز
"أنا اللي آسف… آسف لنفسي إن حبيت واحدة زيك"
ثم صمت قليلاً، وأضاف بوعيد حارق
"بس أوعدك… زي ما عيشتك أجمل أيام حياتك، هخليكي تعيشي الباقي كله سواد"
وبعد هذا اللقاء الذي انتهى بكسر قلبه ابتعد عن الجميع، وسافر بعيدًا، وفي أول عودة له، أخبره شقيقه حازم أنه سيتزوج، ووالديهما غير موافقين على تلك الزيجة، لكنه قرر الاستقلال بحياته بعيدًا عن تسلط والديه، وخصوصًا والدته.
دعاه حازم إلى حفل صغير، وكانت المفاجأة الكبرى أن العروس كانت هي…
تمعن أحمد النظر فيها، تلاقت العيون، وخفق قلبها بشدة، تجمعت الدموع في عينيها التي تنضح بالأسف، الاعتذار، والتوسل بأن يسامحها، لكنه لم يستطع مواجهة المشهد، فغادر المكان مرة أخرى، عاقدًا العزم ألا يعود، يحمل في قلبه جرحًا لن يلتئم إلا بالزمن، ليعلم بعد ذلك أن والدته قد هددتها بأمن أفراد أسرتها إذا لم تبتعد عنه، و يشاء القدر أن يقع شقيقه الذي كان لا يعلم كل ما سبق أن يقع هو أيضاً في حبها، وعرض الزواج عليها ففوافقت و هذا بعد أن علمت حازم استقل عن حياة عائلته وخاصة ابتعد عن تسلط والدته، بينما سبب رضوخها لتهديد السيدة شيريهان في ابتعادها عنه لأن كانت عائلته حينذاك في المنزلة الأولى لديه لاسيما والدته.
عودة إلى الوقت الحالي…
ما زالت رهف تمسك يده، فإذا بالباب يندفع على مصرعيه، ويطل ابن شقيقه بلهفة، مرددًا
"بابا أحمد"
وخلفه دخلت علا لتطلع على ما يحدث....
ما زالت رهف تمسك يده، فإذا بالباب يندفع على مصرعيه، ويطل ابن شقيقه بلهفة، مرددًا
"بابا أحمد"
وخلفه دخلت علا لتطلع على ما يحدث
، حينها سحب أحمد يده فورًا وقال بتوتر
"طيب يا آنسة رهف، اتفضلي أنتي دلوقتي، والإدارة هايتواصلوا معاكي"
ثم التفت إلى الصغير، واحتضنه بابتسامة دافئة
"حبيبي، نورت الشركة أنت وماما"
رمقت رهف علا من طرف عينيها، فوجدتها تقف صامتة، تراقب المشهد بهدوء، فمسحت دموعها الزائفة سريعًا وابتسمت.
"يعني أنا كده خلاص هاشتغل في الشركة وحضرتك موافق؟"
أومأ برأسه
"أه"
"ميرسي يا أحمد بيه… مش عارفة أشكر حضرتك إزاي، روح أختي الله يرحمها كانت دايمًا بتحكيلي عنك، وعن شهامتك وقد إيه أنت جدع"
نظر إلى علا، فوجدها ما زالت على حالها، فاقترب منها مبتسمًا
"أهلاً وسهلاً يا حبيبتي… تعالي لما أعرفك بآنسة رهف"
وأمسك يد علا، وأضاف
"الآنسة رهف تبقى…"
قاطعته زوجته قائلة
"تبقى أخت روح، مرات أخوك حازم الله يرحمه"
نظرت إلى رهف بابتسامة باهتة
"أهلاً يا رهف"
تبادلت علا النظرات معها، وتظاهرت بتجاهلها، فاخبر أحمد رهف وهو يضم زوجته تحت ذراعه
"علا تبقى مراتي"
ابتسمت الأخرى إلى علا، ومدت يدها لتحيتها
"أهلاً مدام علا"
لكن الاخرى تجاهلت يدها الممتدة، ووجهت حديثها إلى أحمد
"تصور يا حبيبي، مكنتش عارفة عنوان الشركة، واللي قالي عليه حمزة… قولنا نيجي نعملك مفاجأة، بس شكلك مشغول"
ابتسم بحرج وقال
"أحلى مفاجأة"
ثم نظر إلى رهف
"اتفضلي يا آنسة رهف، وزي ما قولتلك…"
جزت على أسنانها، أخفت شدة غيظها، وقالت بمكر ودلال
"تمام يا مستر أحمد، عن إذنك… باي"
نهضت وغادرت، فصفقت علا الباب خلفها، ووقفت تقلدها بصوت مضحك
"تمام يا مستر أحمد، عن إذنك… باي"
نظرت رهف بامتعاض، وقالت
"بت باردة"
انتبهت علا لضحكات أحمد، فالتفتت إليه رافعة إحدى حاجبيها
"بتضحك على إيه؟، وإيه اللي جاب البت دي هنا؟"
اقترب منها، أمسك يدها بحنان
"تعالي نقعد بس الأول، وهاقولك كل حاجة"
جلسا معًا على الأريكة الجلدية، فانسابت كلماتها بسخرية غيرة
"ها، اتفضل قول… سمعاك، المرة دي مامتك قلبت في الدفاتر القديمة واكتشفت إن لحبيبتك القديمة أخت توأم، وجابتهالك الشركة عشان تشوفها وتحن للماضي!"
توقف لحظة يتأمل حدة كلماتها، ثم قال بنبرة يغلبها التفكير
"تصدقي ممكن جدًا… ما شاء الله بقيتي حافظة أمي أكتر مني"
ابتسمت ابتسامة جانبية هازئة
"من عاشر القوم يا حبيبي، ومامتك مش هيهدى لها بال غير لما تبعدك عني… فياريت البت دي تمشيها أحسنلك"
تنفس بعمق، محاولًا تهدئة نبرته
"اهدي يا علا، مفيش حاجة هتحصل من اللي في دماغك، وبعدين أنا سألت عنها، طلعت ظروفها مش قد كده، ولجأت لأمي عشان تشتغل"
اتسعت عيناها بدهشة تهكمية
"وأنت صدقت؟"
"لو مش مصدقاني، هناك الملف على المكتب، واحد من رجالتي جابلي فيه كل حاجة عنها، غير إنها أصلًا اتعينت فعلاً، بس كنت هاعمل معاها مقابلة هي وباقي الموظفين اللي اتوافق عليهم عشان أمضي على عقودهم ويبدأوا الشغل"
"يعني أنت وافقت خلاص إنها تشتغل هنا؟"
"وفيها إيه؟ هي هتشتغل في قسم التسويق، يعني أخري هشوفها في الاجتماعات وبس"
"طب ما تشوفلها شغل في مكان تاني أحسن"
نظر إليها بتفحص هادئ
"مش معقول يا علا… إنتي غيرانة منها؟"
نهضت فجأة، وكأن شرارة اشتعلت في صدرها
"هي مين دي اللي غيرانة منها؟، دي مجرد شكل، لكن سبحان الله مفيهاش ريحة القبول، بس مستغربة موقفك، لأن الأمر واضح زي الشمس قصاد عينك… البت دي جايباها مامتك كمحاولة من محاولاتها اللي ما بتخلصش"
زفر بضيق دفين
"وأنا عارف من غير ما توضحيلي، بس المفروض تكوني فاهمة وعارفة اللي في دماغي"
"فاهمة وعارفة… أنت هتمشي خطة مامتك وتحسسها إن الموضوع دخل عليك، لحد ما تجيب آخرها، طالما الموضوع مفيهوش أذى ليا ولا لابني، صح؟"
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه إعجابًا بذكائها
"ما انتي ما شاء الله ذكية وفاهمة كل حاجة أهو… ليه بقى عايزاني أمشي البنت من الشركة؟"
أشاحت بوجهها بعيدًا
"مشيها وخلاص"
نهض، وألقى نظرة سريعة على الصغير، فوجده غارقًا في لعبه على اللوح الإلكتروني، فاتجه نحو زوجته وأدارها برفق لتواجهه
"يعني كان عندي حق لما قولتلك غيرانة"
"مش غيرانة… أنا…"
قاطعها بنبرة آمرة ناعمة
"بصي لي"
رفعت عينيها إليه، فحدق بها وسألها
"بتثقي فيا؟"
"واثقة فيك طبعًا، بس معنديش ثقة في اللي حواليك، عشان خاطري ريحني ومشي البت دي "
"عينيا… بس مش دلوقتي، هخليها هنا فترة مؤقتة، وما تقلقيش عليا، مفيش واحدة قدرت تخطفني غيرك، إنتي اللي خدتي قلبي من أول مرة شوفتك"
داعب شفتيها بإبهامه، ثم مال وهمس بالقرب من أذنها حتى لا يسمعه الصغير
"إنتي وحشاني"
ابتسمت بخجل
"وأنت كمان وحشني… عشان كده جيتلك أنا وحمزة"
ابتسم بمكر محبب
"بس أنا اشتياقي ليكي مش إني عايز أشوفك وبس"
رمقته بابتسامة تحذيرية
"بس بقى… حمزة معانا"
"ما تيجي نمشي ونروح نتغدى، وبعدها نكمل كلامنا في شقتنا"
"طب وشغلك؟"
"في داهية أي حاجة، المهم إنتي… اتفقنا؟"
"اتفقنا"
"يبقى يلا بينا"
اتجه نحو مكتبه والتقط متعلقاته
"يلا يا حمزة، هات إيدك يا بطل"
أمسك الصغير يد عمه، بينما اثنى ذراعه الآخر لتتشبث زوجته بساعده.
"وإنتي يلا حطي إيدك"
فعلت ما أمرها به، وسارت إلى جواره، كأنها تسير في حمى أمان لا يخترقه شيء.
غادر الثلاثة المكان يسيرون جنبًا إلى جنب، متجاورين في هيئة أسرة متماسكة، تكسو وجوههم السعادة.
مروا أمام الموظفين جميعًا، تتبعهم نظرات الفضول والإعجاب والدهشة، غير أن عين واحدة كانت ترصدهم من زاوية بعيدة، تلك التي وقفت في الظل مختبأه، رفعت هاتفها بيد ثابتة ظاهريًا، وضبطت الكاميرا، ثم التقطت لهم صورة.
أرسلتها فورًا إلى السيدة شيريهان، وأرفقتها برسالة نصية مقتضبة تخبرها بما جرى.
لم تمض ثوان حتى فُتحت الرسالة،
وقعت عينا شيريهان على الصورة، فتبدلت ملامحها في لحظة؛ تصلبت عضلات وجهها، وانقبض فكها، وصرت على أسنانها بحنق مكبوت، قبل أن تنطق بصوت مشحون بالوعيد والسم
"لما نشوف مين اللي كلمته هاتمشي في الآخر… يا أنا يا الخدامة"
لم تُهدر الوقت، قامت بالاتصال بداليا وانتظرت حتى جاءها الصوت من الطرف الآخر.
"ألو… مدام شيري"
قالت ببرود يخفي تحته عاصفة
"الظاهر خطة توأم روح مش هاتجيب نتيجة، كده مقدمناش غير اللي انتي قولتي عليه، وياريت تنفذي في أقرب وقت… بس تديني خبر قبلها، وزي ما اتفقنا، ابني وحفيدي بعيد عن أي حاجة هاتحصل"
جاءها الرد سريعًا بقة خالية من التردد
"اطمني يا شيري، أحمد وحفيدك في عينيا"
تنفست الأخرى بعمق، وكأنها تستعيد شيئًا من سيطرتها، ثم قالت بحزم قاطع
"تمام… خدي بالك، وهاستني منك تليفون سلام"
❈-❈-❈
وصلت الطائرة الخاصة من القاهرة إلى أرض مدينة روما الإيطالية، هبط كنان في المقدمة، وتبعه رجاله خلفه بخطوات منظمةوهادئة على أرض المهبط.
أخرج هاتفه، واتصل بصديقه الإيطالي
"ألو… مارك، اشتقت لك يا صديقي"
سمع صوت مارك بين موسيقي عالية تصدح من الملهى
"وأخيرًا كنان… لقد ظننت أنك قد نسيتني يا رجل، عندما لم أجد رداً منك على رسالتي"
لم يسمع الأخر الكلمات الأخيرة بصعوبة، إذ غطت الموسيقى الصاخبة على الصوت، فأعاد التكرار بعزم
"مارك… ماذا تقول؟، لا أسمعك جيدًا"
بحث مارك عن مكان هادئ قليلًا، حيث يخف ضجيج الأصوات
"معك كنان، هل تسمعني الآن؟"
رد الأخر واخبره
"أنا الآن في المهبط الخاص بالطائرات، قد وصلت للتو أنا ورجالي"
سأل صديقه بدهشة وسعادة
"هل أنت في روما الآن؟"
"أجل"
"أنتم على مقربة من الملهى، سأرسل لكم سيارات خاصة تأتي بكم إلى هنا"
ابتسم كنان، وأجاب بثقة وحزم
"أنا قادم، لكن رجالي يحتاجون إلى الراحة، فلديهم عدة مهام غدًا"
رد الأخر بلا تردد، صوته يفيض بالاهتمام والصداقة
"حسناً يا صديقي، سأرسل لك سيارة لتقلك إليّ"
لبى الأخر دعوة صديقه الإيطالي إلى الملهى الليلي الخاص به، ذلك المكان الملئ بالأضواء الملونة والموسيقي الصاخبه.
جلسا متقابلين يتبادلان أطراف الحديث، أحاديث حول عمل كل منهما، بينما كان كِنان منصت، توقف صديقه عن الحديث ثم مال نحوه وسأله بالإيطالية معاتباً إياه
"لماذا لم ترد على الرسالة التي بعثتها إليك منذ أيام؟"
انعقد حاجبا الأخر بتعجب، وارتسمت الدهشة على ملامحه، قبل أن يجيبه بصوت خافت
"عن أي رسالة تتحدث؟"
تأمله الآخر لحظة، فاخبره
"لقد أرسلت إليك عبر بريدك الإلكتروني صورة لزوجتك الروسية؛ فهي تتردد منذ أيام على هذا الملهى، برفقة لوكاس ألبيرتو مدلل عائلة دي ستيفانو"
تفاقم العجب في صدر كنان، وانساب القلق إلى داخله، يفكر كيف لم ير الرسالة؟، فإذاً من الذي قام بفتحها غيره؟!، وأدرك للتو ربما تكون زوجته قد رآتها، اتسعت عينيه وانتبه إلي نداء الأخر
"كنان؟"
نظر إليه وأخفى اضطرابه خلف ابتسامة شاحبة، أجاب بهدوء بدا مصطنع
"معك، بالمناسبة لم تعد زوجتي، لقد انفصلت عنها"
همّ أن يردف قولًا، غير أن بصره انجذب قسرًا إلى ساحة الرقص، فها هي هناك،
ترقص في الوسط، متلاصقة مع هذا المدعو لوكاس، تتراقص بجرأة عارية من الحياء، تتلوى بجسدها كأفعى بارعة في فن الإغواء علي إيقاع الموسيقي، وتهبط الأضواء علي ملامحها.
بينما هو أفلت الكأس من بين يده، تركها على الطاولة دون وعي، ونهض واقفًا يحدق بها في ذهول وصدمة، كأن الزمن قد توقف الآن.
و ما أن انتبهت إليه توقفت فجأة عن الرقص، التقت نظراتهما معاً، تسلل الخوف إلى ملامحها، شحب وجهها، واضطرب جسدها، وعندما هم بالتحرك نحوها بخطوة واحدة، لم تنتظر، استدارت على عجل واندفعت هاربة خارج الساحة، تشق طريقها بين الجموع قبل أن يدركها أو يلحق بها.
دلفت إلى حمام النساء بخطوات مترددة، فما إن تجاوزت العتبة حتى أبصرت رجلًا وامرأة يخرجان من أحد الأبواب المغلقة، وعلى وجهيهما ارتسم توتر فاضح، رمقتهما بارتياب وتنحت جانباً.
أغلقت الباب خلفهما بيد مرتعشة، بينما صدرها يعلو ويهبط في اضطراب، ثم اتجهت نحو المرآة، تحدق في انعكاس وجهها الشاحب، تردد داخل رأسها، أحقًا رأته؟ أم أن الوهم قد تلاعب ببصرها؟!
تمتمت بصوت متهدج يتهادى بين الهذيان والهلع
"إنه هو، بل هو بالفعل… يا إلهي، ماذا أفعل؟ هذا ليس وقته على الإطلاق"
رددت الكلمات بجنون ، أخذت تلتقط أنفاسها رويدًا رويدًا حتى استكانت قليلًا، وقالت بحزم
"يجب أن أغادر الآن دون أن يراني"
خرجت بحذر شديد، تلتفت من حولها بخوف وكأنها تهرب من شبح، تعبر ممر يفضي إلى آخر، حتى بلغت رواق طويل يقود إلى باب الخروج، غير أن بالفعل الشبح الذي تخشاه، خرج أمامها بغتة كالعفريت المنبثق من العدم.
انتفضت بفزع هادر
"كنان؟!"
أجابها بالإنجليزية، وعلى ثغره ابتسامة ساخرة
"أجل أنا، لم أنتِ خائفة إلي هذا الحد؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة، وتراجعت خطوة إلى الخلف وقد ارتجفت أطرافها
"أنا غير خائفة، ولكنني تعجبت لرؤيتك هنا… متى أتيت؟"
رمقها بازدراءٍ بارد
"هذا ليس من شأنك، كل ما أريده منك إجابة عن سؤال واحد، لماذا تركتني واختفيتِ منذ سنوات؟"
وبالطبع لم تُفصح عن الحقيقة خشية من ردة فعله؛ فحسبها ما تلقته على يديه من اعتداء عنيف قبل أن تهرب منه، لذا آثرت الاحتماء بتلك الحيل التي لا تكل ولا تمل من الالتجاء إليها.
فأجابته بحزن عميق، وعيناها تنضحان بشعور الظلم الموجع الزائف
"كنت خائفة… خائفة منك، كدت تقتلني عندما اعتديت عليَّ عنوة، هل تعلم أنني بسببك تلقيت علاج مكثف لأشهر حتى تماثلت للشفاء؟، عانيت من الكوابيس لسنوات، وكنت أراك في أحلامي وأنت تعذبني، فهل علمت الآن لِمَ هربت؟!"
وسرعان ما تجمعت الدموع في عينيها، ثم أطلقت لها العنان، فانهمرت على خديها ورسمت علي ملامحها مشاعر القهر والخذلان.
وقف يراقب ما تفعل بعينين ثابتتين، وقد انكشفت له حقيقتها؛ فلم يعد ذلك الأحمق الذي يبتلع أكاذيبها كما كان في السابق، ولم يعد ذلك الساذج الذي يُساق خلف دموعها الزائفة كعبد مسلوب الإرادة.
ومع ذلك، كان ثمة شعور دفين يكابده بصمت مرير؛ نزعة جامحة تدعوه إلى أن يجذبها بين ذراعيه ويطبق عليها بعناق قاس، غير أنه قهر تلك النزوة قبل أن تولد، حيث اعد الاستسلام لها خيانة فادحة لزوجته التي أحبها، تلك التي امتلكت فؤاده واستوطنت أعماقه بلا منازع.
لكن كيف لإنسان أن يقاوم كتلة الإغراء الماثلة أمامه، وهي التي كانت يومًا ما زوجته!، كيف له أن يطفئ شرارة الذاكرة وهي تتقد في صدره كجمر لا يخبو؟!، فاستنجد بالغضب واتخذه سلاحًا ليقتل به أي انجذاب قد يفضحه ويجعله خائن.
مد يده فجذب خصلاتها التي انسابت بين أنامله كخيوط حرير ذهبية، فصاح من بين أسنانه بصوت محتقن
"كاذبة لعينة، سأخبرك بسبب هروبك الحقيقي؛ لأنك لم تستطعِ بلوغ هدفك الأساسي، هوسك وجنونك بقصي جعلاكِ مجرد عاهرة تتنقلين بين الرجال، وأنا كنت كالأحمق والأبله مثلهم يومًا ما"
أمسكت بذراعه تحاول إبعاد يده عن شعرها، وقد اشتعل الغضب في عينيها بالمثل، وقالت له بحدة لاذعة
"اترك شعري يا أحمق، لم أعد تلك المرأة القديمة، كانت مجرد مرحلة قذرة ولت من حياتي، وها أنا الآن حرة نفسي، لم أكن يومًا ملكًا لأي لعين من أمثالك، تبًا لك"
ثم بصقت في وجهه بكراهية صريحة،
أطبق شفتيه في محاولةٍ واهية لكبح جماح غضبه الضاري، ومسح لعابها عن خده ببطء متعمد، بينما عيناه تقذفان ألسنة من لهب.
لكنها لم تكتفِ بذلك، بل دفعت به عمدًا إلى حافة الانفجار حين قالت بسخرية حادة، لا يحتملها أي رجل مهما بلغت قوة صبره
"أتدري؟، لم أرك يومًا رجلًا، بل كنت وما زلت مجرد تابع لسيدك، تنفذ الأوامر كجارية تسعى لإرضاء سيدها"
وختمت كلماتها بابتسامة تشف وانتصار، ظنت أنه سيتركها ويرحل، غير أنها فوجئت بصفعة مدوية هوت على خدها، فصرخت من فرط الألم وارتطم جسدها بالحائط.
لم يمهلها فرصة لالتقاط أنفاسها، إذ عاجل خدها الآخر بصفعة مماثلة، جعلتها تترنح ثم سقطت أمام قدميه على الأرض.
دنا منها، فهبط على عقبيه، قبض على خصلاتها مجددًا ورفع رأسها عنوة لينظر إلى وجهها.
رأى الدم يسيل من جانبي شفتيها، فقال بسخرية قاتلة
"نعم، أنا بالفعل لم أكن رجلًا عندما تزوجتكِ، وقبلت بعاهرة رخيصة مثلك، ظننت بكِ الخير حينها، لكنكِ أشبه بمرحاض مخصص للرجال، يقضون فيه حاجتهم ،أتعلمين أيضًا؟، لقد طلقتكِ"
أخرج محفظته الجلدية، واستخرج منها ورقة مطوية، فتحها ثم ألقاها في وجهها بازدراء.
"هذه قسيمة طلاقكِ، أعلم أنها لا تعني لكِ شيئًا، فأنتِ تفعلين ما يحلو لكِ سواء كنتِ متزوجة أم لا، لكنني لا يليق بي أن أترككِ على ذمتي؛ فأنتِ عار على أي رجل"
ثم بصق عليها بازدراء بالغ، واستدار ليرحل من هذا المكان قبل أن يستولي وحش غضبه عليه بالكامل.
❈-❈-❈
بعد مرور أيام…
استفاقت من نومها على فراغ بارد إلى جوارها، فمدت يدها تتحسس الوسادة المجاورة، فلم تجد دفء الجسد الذي اعتادت أن تطمئن به صباحاً.
انتفض قلبها في صدرها بخفقة قلقة، ونهضت على عَجل، تجوب أرجاء الغرفة بعينين ما زالتا مثقلتين بالنعاس والريبة معًا.
نادته بصوت خافت أول الأمر، ثم علا شيئًا فشيئًا
"ياسين… ياسين؟!"
لم يجبها أحد، خرجت من الغرفة بخطوات مترددة، واتجهت نحو غرفة ابنتها، فتحت الباب فلم تجد الصغيرة، ولا وجدت أثرًا لزوجها.
ازدادت دقات قلبها تسارعًا، وأمسكت هاتفها بيد ترتجف قليلًا، واتصلت به.
رن الهاتف طويلًا دون رد، أعادت المحاولة مرة ثانية وثالثة، فكان الصمت هو السيد.
تسلل القلق إلى صدرها وكادت تستسلم له، حين دوى جرس الباب فجأة، فانتفضت في مكانها.
التقطت حجابها على عجل، واتجهت نحو الباب، ونظرت من خلال فتحة الباب الزجاجية، فرأت ملك وخديجة تقفان في الخارج.
تنفست بارتياح نسبي، وفتحت الباب.
ابتسمت ملك وقالت بمشاكسة
"صباح الخير يا عروسة، لسه نايمة ولا إيه؟"
بادرتها خديجة بتوبيخ خفيف وهي تلكزها في جنبها
"يا بنتي الناس تدخل تقول السلام عليكم"
لوحت ملك بيدها بلا مبالاة، وقالت بسرعة
"مش وقت سلام ولا كلام، ادخلي يا ياسمين غيري هدومك بسرعة وتعالي يلا معانا"
حدقت الأخرى فيهما بتعجب واضح
"ألبس وأروح معاكم فين؟، أخوكي مش هنا ومش بيرد عليّا، وما ينفعش أخرج من غير ما أقوله… وبعدين أنا مش لاقية ياسمينا"
تبادلت ملك وخديجة نظرة خاطفة، ارتسمت على شفتي ملك بعدها ابتسامة مكتومة، ثم قالت
"ياسمينا زمانها بتلعب مع بناتي في القصر، ماتقلقيش، وبعدين ياسين عارف أصلًا إننا عندك، وهو اللي قالنا هاتوها وتعالوا على القصر"
عقدت ما بين حاجبيها في ريبة
"طيب ليه ما قاليش؟، هو فيه حاجة؟"
كادت ملك أن تنطق بكل ما تعرفه، فانفلت منها
"ده فيه حاجات و…"
لكن خديجة سارعت بوكزها بمرفقها في عضدها بقوة نسبية، فتأوهت
"آه دراعي، براحة شوية يا ديجا، حرام عليكي، وجعتيني أوي"
مالت الأخرى نحوها وهمست بصوتٍ منخفض لا يصل إلى مسامع ياسمين
"عشان تبطلي رغي، ياسين موصينا إنها مفاجأة، وانتي هتبوظي كل حاجة، اسكتي بقى"
ثم التفتت إلى ياسمين، ورسمت على وجهها ابتسامة هادئة وقالت
"روحي يا ياسمين غيري هدومك، وإحنا مستنيينك هنا"
خرجت بعد أن أبدلت ثيابها، وذهبت مع ملك وخديجة، فركب الثلاثة السيارة التي يقودها عم شكري السائق، وانطلقت بهم السيارة عبر بوابة القصر الواسعة، حيث سقطت عيناها على منظر نابض بالحياة؛ فتيات وشباب يكدون على ترتيب الطاولات والمقاعد بعناية ودقة، كل شيء معد بعناية فائقة لإبهار الحضور.
لم تتمالك نفسها فسألت بفضول
"هو النهارده بتحتفلوا بحاجه؟"
كادت ملك تنطق بالشرح، لكن خديجة سبقتها قائلة بابتسامة غامضة
"هاتعرفي كل حاجة، يلا ننزل"
ولم تمضِ لحظات حتى نزل الثلاثة من السيارة، فإذا بالخادمات يستقبلنهم بالتحية والترحاب، لا سيما ياسمين، إذ تقدمت نحوها أحدهن قائلة بفرح وتهنئة
"ألف مبروك يا مدام ياسمين"
حدقت الأخرى فيهما بتعجب، وصوتها يملؤه الحيرة
"ألف مبروك على إيه؟، حد يفهمني… هو إيه اللي بيحصل؟"
مسكت ملك وخديجة يد ياسمين، وقادتاها بخطوات ثابتة إلى غرفة واسعة خصصت لها هذا اليوم لتجهز نفسها.
ومجرد دخولها الغرفة، وجدت حماتها تستقبلها بابتسامة دافئة وترحاب صادق
"أهلاً وسهلاً يا عروسة"
تلعثمت ياسمين وقالت
"عروسة؟"
ابتسمت كارين وأكدت بفرح
"أه، عروسة… وأحلى عروسة كمان"
كانت كارين تخلع الحافظة عن ثوب الزفاف الأبيض الذي يخطف الأنظار من فرط جمال تصميمه العصري الأنيق، بمساعدة فتاتين شابتين، بينما تحيط بهن الألوان الزاهية والزهور الرقيقة.
ابتسمت جيهان وقالت بدلال
"أظن كده فهمتي قصدنا، وده نص المفاجأة"
غرت ياسمين شفتيها، وارتسمت على وجهها علامات الدهشة والسعادة، فقد أدركت أنهم يعدون لحفل زفافها على زوجها.
ومن فرط الفرح، ذرفت الدموع على خديها، فابتسمت كارين وقالت مازحة
"إحنا لحقنا؟!، النهاردة مفيش دموع خالص، يونس بقاله يومين ما بيجيش البيت، ده فرحنا معملش فيه كده"
ضحكت ملك وقالت بمزاح
"بدأنا غيرة السلايف بقي"
ثم عادت كارين لتؤكد بسعادة
"بالعكس، أنا فرحانة ليهم أوي، كأنه يوم فرحي، وكلنا هانفرح أوي لما الحفل يبدأ، تعالوا نسيب العروسة مع البنات عشان يجهزوها لعريسها"
وأشارت السيدة جيهان لياسمين بابتسامة
"أنا في الجناح اللي جنبك لو عايزة حاجة"
ابتسمت الأخرى بامتنان وقالت
"شكراً يا ماما جيهان، تسلمي"
❈-❈-❈
دلفت إلى غرفتها مرتدية ثوب الحمام القطني، خطواتها مترددة فوجدته واقفًا أمام المرآة، يشذب ذقنه بماكينة الحلاقة الكهربائية، لا يرتدي سوى بنطال قطني منزلي.
رفع عينيه إليها عبر انعكاسها في المرآة، فاضطربت نظراتها وتراجعت خطوة إلى الخلف، وكادت تستدير خارجة لتترك له الغرفة، لكنه استوقفها بصوت خفيض يحمل رجاء
"شيماء لو سمحتِ، ممكن تيجي تظبطيلي تحت دقني بالماكينة زي ما كنتي بتعملهالي علي طول؟"
علمت في قرارة نفسها أنه يتذرع بأي سبب ليفتح معها باب الحديث، هروبًا من صمتها الذي تعاقبه به، فتنهدت بعمق، ثم تقدمت نحوه وأخذت منه الماكينة، وشرعت تُشذب شعر ذقنه من الأسفل بحركات بطيئة دقيقة.
وفجأة، أمسك يدها برفق متناقض مع اضطرابه، وانتزع منها الماكينة، أغلقها ووضعها فوق طاولة الزينة، وعيناه لا تبرحان عينيها لحظة.
تنفست ببطء وقالت بهدوء متحفظ
"ممكن تسيب إيدي، ولما تخلص ياريت تخرج عشان عايزة ألبس"
لم يكترث لطلبها، بل جذبها دفعة واحدة إلى صدره العاري، واحتواها بين ذراعيه في عناق قوي صامت، كأنه يستجير بحضنها من نفسه.
ثم قال بصوت متهدج
"عشان خاطري كفاية خصام… أنا بحبك ومش قادر على بعدك عني حتى لو عايشين تحت سقف واحد، أنا ماليش غيرك، ندمان ندم عمري كله، وبعترف بذنبي وعايزك تسامحيني أو تديني فرصة أخيرة"
كانت تسمع كلماته وهي بين ذراعيه، لا بأذنيها فحسب، بل بكل خلية في جسدها، ورغم مقاومتها، تسللت عباراته إلى قلبها كالمطر فوق أرض عطشى.
شعر برجفة جسدها، فاسترسل بحزن
"مفيش في عمري قد اللي عيشته عشان يروح وإنتِ بعيدة عني"
رفع رأسها من على صدره، وحدق في وجهها، فوجد الدموع تنساب بصمت، فمسحها بإبهامه وقال برجاء
"بالله عليكي ماتعيطيش… لو قربي منك صعب قوي عليكي خلاص هابعد، وهنفذلك اللي انتي عايزاه، بس عايزك تعرفي إني هافضل أحبك مهما تاخدي أي قرار، وعايزك تاخدي بالك من نفسك ومن الولاد، دول حتة مني ومنك… حتى ريتاج عمري ما حسيت إنها بنت عبدالله، دي بنتي أنا، وكان نفسي أفضل عايش لحد ما أشوفها عروسة"
تسلل الخوف إلى قلبها من نبرة وصيته، فرفعت عينيها إليه بقلق وسألته
"إنت بتقول كده ليه؟، إنت هاتسيبنا وتمشي؟"
ابتسم ابتسامة واهنة وقال
"عمري ما هعملها حتى لو طلبتي مني كده… بس أنا بوصيكي، الواحد مش ضامن عمره"
هزت رأسها باعتراض، وصوتها مختنق بالدموع
"طيب ما تقولش كده تاني… ربنا يبارك في عمرك وتجوز ولادنا وأحفادهم كمان، أنا مش قادرة أسامحك، بس بتمنالك كل خير… لأن أنا كمان بحبك، بس زعلانة منك أوي"
وانفجرت باكية، فضمها إلى صدره وربت على ظهرها بحنان صادق، مرددًا بندم
"حقك عليا… حقك عليا يا حبيبتي"
دخل المشهد إلى أفق مشحون بالتوتر، حيث ارتفع وجهها متأملًا عينيه، مسح لها دموعها التي لم تهدأ بعد، وحدق في شفتيها كما لو كان يقرأ فيها أسرار قلبها.
أغلقت عينيها على وقع خفقانها المتسارع، وتركته يقترب منها، فبدأ يقبلها
لكنها كانت مترددة، تسمح له بما يشاء، رغم الغصة المترسخة في صدرها، وفي الوقت ذاته تشتاق إليه كما يشتاق هو إليها.
ثم نزل ببطء إلى عنقها، فشعرت بالدفء المعتاد، لكنه سرعان ما لاحظ برودتها وعدم استجابتها، لم تبادله القبلات ولم تململ بين يديه كما اعتادت، ففهم أن قلبها لم يوافق، وأن ما يفعله معها لا يلقى قبولها الحقيقي.
ألَم هذا الشعور كبرياءه، فأخذه على محمل الجدية والكرامة، وابتعد عنها ببطء، يلتقط أنفاسه المتقطعة، ثم قال لها بنبرة صارمة لا تعرف المزاح
"أنا خلصت الحلاقة… خدي راحتك"
توجه بعدها إلى خزانته، التقط بعناية ما أعده من ثياب أنيقة سيرتديها في حفل الزفاف، وخرج من الغرفة تاركًا إياها في حالة يرثى لها، جالسة على كرسي الزينة، تبكي بصمت عميق، مع قلب مثقل بالألم، وعينين ممتلئتين بالندم والحنين.
❈-❈-❈
انحنت أمام المرآة، عيناها تتلألأ بالدهشة والإعجاب بما آل إليه مظهرها، ثوب الزفاف المحتشم والأنيق يجمع بين الرقي والبساطة، وحجابها الأبيض يزيدها إشراقة ونقاء، فيما القليل من مستحضرات التجميل أضفى على ملامحها بريقًا طبيعيًا وسحر فاتن يختصر جمالها الفريد.
قالت إحدى فتيات التزيين مبهورة، وقد ابتسمت بفخر
"زي القمر… اللهم بارك"
طرقت جيهان الباب برقة، فأجابتها ياسمين
"اتفضلي"
دخلت وقد أعدت نفسها بثوب أنيق يليق بوقار ملكة، وما إن وقفت أمام العروس حتى أومأت برأسها وأصغت بإعجاب
"واو… اللهم بارك يا حبيبتي، زي القمر وأحلى كمان"
ابتسمت بخجل وابتسامة امتنان
"شكراً يا ماما… أنتي اللي أجمل، ما شاء الله عليكي"
مدت حماتها يدها، وأومأت نحو الباب بسعادة
"طب يلا… عشان أسلمك لعريسك اللي مستنيكي تحت، وأنتم يا بنات يلا تعالوا شاركونا فرحتنا"
انتاب ياسمين التوتر قليلاً وهي تنظر حولها، حيث وصل إليها أصوات الضيوف التي تتعالى مع كل خطوة تهبط بها على درجات السلم ، فيما همساتهم تتخلل أصوات الطبول والمزامير التي ارتجت لها أرجاء المكان، تعلن بدء الاحتفال على أنغام أغنية من الفلكلور المصري القديم، معلنة قدوم العروس.
خرجت من باب القصر الرئيسي إلى الحديقة، فذهلت من منظر الأهل والضيوف، كل منهم يرتدي الجلباب الفلاحي التقليدي، والعباءات المفتوحة أعلاها للرجال والسيدات عباءات أيضاً، أجواء الريف الأصيل، حاملة عبق الماضي وحلاوة التقاليد في آن واحد.
تقدم ياسين نحوها، وهو يعلو جلبابه الفلاحي عباءة أنيقة وأعلي رأسه عمامة بيضاء يتوسطها طاقية من الصوف، يزيده هذا المزيج من الجلال والهيبة، يحمل في يده باقة من الزهور البيضاء، مدها إليها لتمسك بها، و امسك يدها الأخرى فقبلها أمام الحاضرين كافة، مال نحو أذنها قائلاً
"إحنا كده خلصنا من فترة الخطوبة زي ما اتفقنا، و كده وصلنا لمرحلة الفرح، وحبيت أعمله لك مفاجأة، الليلة ليلتك يا عروسة"
ابتسمت ياسمين بخجل خافت، فانفجر ياسين ضاحكًا على خجلها، همس لها مرة أخرى
"بطلي كسوف، بدل ما أشيلك ونطلع فوق نكمل الفرح أنا وإنتي"
وضع يده على ساعدها وسار بها في الممر، يتقدمها إخوة ياسين وزوجاتهم، يهللون ويصفقون، بينما يشارك الحضور جميعًا بهجة الاحتفال، والحديقة تغص بالألوان والفرح.
اقترب منهما رجل يحمل حزام متصل بسروج حصان مزين بألوان زاهية، همست بقلق وخوف
"أوعي تقولي إننا هانركب الحصان… أنا بخاف منه"
ابتسم لها ليطمئنها
"اسمحيلي هانركب أنا وإنتي، متخافيش طول ما أنا معاكي"
تشبثت بذراعه خائفة، قالت بتوسل
"بالله عليك يا ياسين… لأ، بلاش"
نظر إليها بحزم وحنان في آن واحد
"طول ما أنا جنبك، مش عايزك تخافي من حاجة أبداً"
وصعد على الحصان، مد يده إليها، فأمسكت بذراعه، فجذبها ليجلسها أمامه، وأعطاها حزامين لتتمسك بهما بإحكام، وقال
"امسكي بالحزام كويس"
أمسكت بالحزامين، بينما هو ممسك بالحزام الأكبر بثبات، وصدح صوت الرجال بالأغنية
"بسم الله الرحمن الرحيم وهنبدأ الليلة.. آه.. آه
دة عريسنا الزين كحيل العين وعروسته حلوة وجميلة
حنقول يا ليل، ونقول ياعين.. حصوة في عينك ياللى ياللى ما تصلى.. ما تصلى على النبي صلي.. صلي.. علي النبي صلي
واللي ما يصلي أبوه أرملي.. صلي
اتدحرج واجري يا رمان وتعالى على حجري يا رمان... اسمع موالي يا رمان وابكي على حالي يا رمان... ولا اضحك حتى يا رمان يالا اشمعنا انت يا رمان"
ارتجف قلبها طربًا من هيبة ما يحدث، وهي تشعر بنبض الفرح ينساب في عروقها، والحصان يتراقص برشاقة كأنه يشاركهما بهجة اللحظة، فيما كان ياسين، كالصقر الحارس، يجلس شامخًا وراءها، يحميها ويحطيها بين ذراعيه كما يحمي الصقر أنثاه.
وبمجرد أن خبت أصوات الطبول والمزامير، نزل عن الحصان وحملها بين ذراعيه من خصرها برفق، وكأنها أثمن ما في حياته، بينما صدحت الموسيقى المبهجة من مكبرات الصوت، معلنة بدء رقصة الفرح الحقيقية.
وقف في منتصف الحديقة، أمسك بيدها وأخذها إليه، همس لها قائلاً
"ارقصي من غير ما تهزي أي حاجة فيكي… بدل ما أشعلقك"
رمقته بعينين تجمعان الحنق والخجل معًا، وقالت
"أنا أصلاً ما بعرفش أرقص… ومكسوفة أوي"
ضحك ببهجة
"أحسن برضه… هارقص أنا و أنتي صقفي"
رفع ذراعيه ورقص بخفة ورشاقة على إيقاع الموسيقى، وتقدم منه أشقاؤه يونس ويوسف، كذلك انضم آدم إليهم، فتنحت ياسمين جانبًا مع السيدات، بينما انطلقت كارين ممسكة يدها، تقول لها
"ارقصي يلا… هو مش واخد باله، الفرح فرحك يا عروسة"
نظرت ياسمين إلى ياسين، فرغم انشغاله في الرقص مع إخوته، لم تغادر عينيه عنها، رمقها بنظرة تجمع بين التحذير والملاعبة، فقالت لها
"عجبك كده… ده عينه عليا زي الصقر"
ردت كارين مبتسمة
"ده بيهزر معاكي"
وفي تلك اللحظة، انتبهت إلى قدوم شخصين، فقالت بلهفة واندفاع
"قصي وصبا وصلوا"
تقدم شقيقهم الأكبر مع زوجته، مرتديًا الجلباب الرجالي الفلاحي الذي يعلوه عباءة وعمامة ملفوفة بشكل أنيق.
ضحك ياسين وهو يرمق أخاه قائلاً
"يخربيت عقلك يا يونس، خليت قصي كمان يلبس العباية!"
رد الأخر مبتسمًا وبفخر
"يا بني، أنا خليت حوار اللبس شرط أساسي في الدعوات، وأكدت على إخواتك، مالها الجلابية ده حتى مخلية قصي شبه رفيع بيه العزايزي في الضوء الشارد"
صافح قصي شقيقه بحرارة وعانقه
"ألف مبروك يا عريس"
أجابه ياسينض بابتسامة
"الله يبارك فيك يا كبيرنا، عقبالك أنت وصبا تعملوها زينا"
ضحك وأضاف بمزاح
"يا حبيبي إحنا ليالينا كلها أفراح، مش محتاجين ما شاء الله"
فصاح يونس بمرح
"أيوه بقي يا كينج، يا رافع راس عيلة البحيري"
ثم التفت إلى ياسين وقال وهو يبتسم بنبرة ساخرة
"أنا عارف أنت مش محتاج نصايح، بس خد كورسات عند أخوك الكبير واتعلم منه"
ضحك قصي وقال مازحًا
"أهو أنا مش خايف غير من قرك أنت بالذات يا يونس"
تبادل الأشقاء الضحك، وعاد الجميع إلى الرقص معًا، عدا قصي الذي تنحى جانبًا عن الميدان، جلس مع مصعب وطه حول منضدة.
بينما السيدات والفتيات التفوا حول العروس، التي كانت تمسك بيد صغيرتها، يرقصان معًا في مشهد يفيض دفء وجمال، صورة من سحر البهجة العائلية المتكاملة.
وفجأة، ارتفعت أصوات مكبرات الصوت معلنة بداية أغنية شهيرة لعمرو دياب
"رمش خطاف والسحر أصناف وأنا قلبي يتخاف عليه يا بابا... ورد يتشال ولونه قتال شغلني وأزال ما فات يا بابا
رسمة العين ده ربنا يعين كل اللي والعين منهم يا بابا... ماس على ياقوت هموت عليها موت من رقة الصوت آهين يا بابا....."
"ألحقي يا ياسمين، جوزك ويونس بيعملوا إيه"
قالتها ملك، فألتفتت الأخرى نحو ما أشارت الأولى، فإذا ياسين و يونس يرقصان بطريقة مضحكة، متمايلين على إيقاع الأغنية، فانخرطت في الضحك رغماً عنها، وتمايلت ابتسامتها بين الدهشة والمرح.
نظر يونس إلى ياسين وقال بمزاح
"إيه رأيك في تنظيم الفرح؟"
رد ياسين وهو يضحك
"بصراحة دماغك جامدة، بس تسلم إيدك، نردهالك في فرح جوليانا و رسلان"
ابتسم الآخر وأضاف بدهشة مازحة
"خد بالك لسه محضرلك مفاجأة جامدة، جيبتلك صاروخ أوكراني بينور في الضلمة"
لم تمضِ لحظات حتى أدرك ياسين ما يقصده شقيقه، فإذا موسيقى رقص شرقي تعلو المكان، وظهرت امرأة ترتدي رداء أسود حريري، وغطاء يخفي ملامح وجهها، واقفة في منتصف الساحة أمام الحضور.
همست صبا لكارين
"أوعي يكون جوزك عمل اللي في بالي"
ضحكت الأخرى وقالت
"مع يونس توقعوا كل حاجة"
بينما خديجة وشيماء، فكانتا جالستين معاً، فقالت الأولى باندهاش
"لا حول ولاقوة إلا بالله، إزاي يجيبوا حاجة زي دي"
لكن شيماء كانت في واد آخر، ترمق طه بين الفينة والأخرى، فهو لم يشارك أبناء عمه الرقص، اكتفى بالجلوس مع مصعب وقصي، متأملاً المشهد ببرود شبه ساخر.
صدحت الموسيقي أكثر فخلعت المرأة ذات الرداء الأسود عباءتها، لتعلو صيحات التهليل، وخصوصاً تهليل الرجال، حيث بدت بثياب رقص تكشف معظم جسدها.
شهقت خديجة
"استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم"
قالت ملك مازحة ومتوعدة
"كل واحدة فينا تروح تغمي عين جوزها"
وعقبت كارين بابتسامة ساخرة
"يخربيت جنانك يا يونس، أنا متوقعتش إنه هايجيب الرقاصة دي والله لوريك"
فتقدمت كل امرأة نحو زوجها، وضعت كفها على عينيه، فيما كان ياسين يرمق ياسمين يتحدث إليها بتعابير وجهه بأنه لا ذنب له، وأشار إليها نحو شقيقه يونس أنه من أتي بالراقصة.
وفجأة تقدمت الراقصة بثقة نحوه، تتمايل و ترقص بجرأة، فاندفعت ياسمين إليه، تجذبه من يده وتهمس في أذنه بغضب وغيرة
"لو خليتها تقرب منك تاني، هقلب الفرح ده كله على دماغك أنت وأخوك، زي ما جابها قوله يمشيها"
ابتسم ياسين لما رأى غيرتها، وهمس لها بمودة
"أنت تؤمر يا جميل"
تحركت الراقصة نحو طاولة قصي ومصعب وطه، فشهقت ملك بدهشة
"يا نهار أزرق"
نظرت إلى شيماء وأشارت لها بعينيها، وتعاونت نساء عائلة البحيري ليتكالبن على الراقصة، قاموا بدفعها نحو داخل القصر أمام الجميع، فعمت الضحكات بين الرجال.
عقب مصعب وهو يضحك، وأخذه قصي على محمل المزاح
"اه يا مجانين، حد يطرد النعمة"
مال نحوه الآخر وقال مازحاً
"أختي لو سمعتك هتخليك تبات على السلم"
قام طه من مقعده، يحمل كأس عصير، واقترب بهدوء من زوجته، فوضع الكأس أمامها على الطاولة، فقالت له
"ما تروح تقعد مع ولاد عمك وهيص معاهم"
رمقها بعينين ثاقبتين، صمت لبرهة قبل أن يقول بنبرة صادقة واثقة
"عشان مش شايف غيرك"
اضطربت من كلماته وابتلعت ريقها مترددة، ثم سألته بسخرية
"أنت بتثبتني عشان أرضي عنك؟"
رفع جانب فمه بسأم، وكأن الحقيقة التي قالها تملأ قلبه بالصدق والوقار، فأجابها بهدوء
"أظن أنتي أدري واحدة بيا لما بقول الحقيقة أو بجامل"
ارتسمت على وجهها ابتسامة قصيرة، ممزوجة بتحفظ، فقالت بحزم
"ما أنا لو اديتلك فرصة مش هسامحك بسهولة، طريقك طويل وهتزهق مني"
اقترب منها أكثر، ولم يتراجع عن وقوفه بجانبها، فمال بوجهه نحوها وقال بنبرة دافئة، تحمل الحزم والمودة في آن واحد
"انتي تستاهلي أمشيلك أميال لحد ما تسامحيني، بس عايز أقولك حاجة، خديها نصيحة مني… الدنيا مش مستهلة، وماتعرفيش القدر مخبي لنا إيه، النهاردة أنا معاكي يا عالم بكرة هاكون فين؟"
حاولت شيماء فهم ما وراء كلماته، لكن داهم قلبها القلق، فارتعشت شفتاها وهي تسأله بتوتر
"أنت تقصد إيه بكلامك؟"
ربت برفق على يدها، ونظر إليها بعينين هادئتين، ثم ابتسم بخفة وأخبرها
"ما تاخديش في بالك… روحي شوفي أختي وسلايفها زمانهم خلصوا على الرقاصة"
وفي الداخل، كان الصخب يعلو كالزوبعة، حين ركض يونس مسرعًا، يحاول إنقاذ الراقصة قبل أن يفتكن بها، صاح بصوت جهوري يجلجل في أرجاء البهو
"إنتو بتهببوا إيه؟! سيبوها… ده أنا ماضي عليها تعهد"
التفتت إليه كارين بعينين متسعتين وملامح متحفزة، وصاحت باستنكار
"ماضي إيه يا حبيبي؟!"
حك يونس مؤخرة رأسه في توتر ثم قال محاولًا التبرير
"أقصد… ماضي إنها زي ما جاتلنا ترجع من غير أي إصابات"
وبحركةٍ مفاجئة، نزعت الراقصة ذراعيها من بين أيديهن، وصرخت بانفعال هستيري باللهجة المصرية التي تتقنها
"أوعي إنتي وهي، أنا هوديكم في داهية… هاروح للسفارة بتاعي وأقدم فيكم بلاغ"
ضحك يونس محاولًا تلطيف الأجواء التي أوشكت على الاشتعال
"ليه كده يا ديانا؟! هم ما يقصدوش حاجة… كانوا بيهزروا معاكي"
فأشارت إليه بعصبية نحو ملك، ثم أشارت إلى فخذها العاري، وهي تصيح
"الست دي عضت أنا هنا… حتي بص"
حدق يونس في أثر أسنان شقيقته، فوكزته كارين في ذراعه فتأوه وقال لشقيقته
"ليه كده يا ملك؟! معلشي يا ديانا… مكنتش تقصد"
فصرخت ملك بحدة ونبرة لا تقبل جدالًا
"لا أقصد! ويلا يا بت روحي البسي هدومك وامشي ، بدل ما أخلي العضة الجاية في رقبتك واطلع روحك"
وأضافت صبا بلهجة تحذيرية
"خلي بالك دي ما بتهزرش… اسمعي الكلام"
وتدخلت خديجة وهي تلوح بيدها قائلة
"اسمعي كلامهم… ربنا يهديكي ويتوب عليكي"
رمقتهن بنظرة متحدية، ورفعت ذقنها بكبرياء زائف، ثم قالت بإصرار
"إنتوا فاكريني خايفة منكم؟!، طب إيه رأيكم هاروح أكمل فقرة بتاعي أنا، وهارقص مع كل جوز واحدة فيكم، وأولهم يونس حبيبي العسل"
شهقت كارين كأن صاعقة هوت فوق رأسها، ثم صاحت بانفعال
"لااا!، حبيبك العسل!، لا إنتي زودتيها أوي… بنات البت دي لازم تتربي، يلا بينا عليها"
وفي لحظة خاطفة، تكالبن عليها كعاصفة هوجاء وأمسكن بها من كل جانب، وانهلن عليها بالضرب، بينما ارتفع الصراخ.
اندفع يونس بينهن محاولًا تخليصها من قبضتهن، وهو يصرخ بذعر
"أوعوا! سيبوها… هتموتوها يا مجانين"
لكن ملك باغتته بحركة سريعة، وانحنت لتعض يده بقوة، فتأوه بألم وهو يقفز في مكانه صارخًا
"آآآه… يا شيخة حرام عليكي"
❈-❈-❈
دلفت علياء من البوابة برفقة صغيرها عز الدين ولوجي، وهم يمسكون بأيدي بعضهم البعض، ووجههم يتلألأ بالفرحة والبهجة.
توجه الثلاثة أولًا نحو جيهان وعابد، وتبادلوا التحية والمصافحة، وعانقتها جيهان بحرارة قائلة
"كنت هزعل منك لو ماجتيش"
ابتسمت علياء وردت بلطف
"أنا جاية عشان خاطرك وخاطر ياسين، جالي بنفسه في العيادة وادالي الدعوة، أنتم أهل ولادي، وأهلي برضه بعيد عن أي خلاف بيني وبين ابنك"
انتبه يوسف إلى علياء وطفليه، فاندفع مسرعًا نحوهما، فاضطربت لوجي ووقف جوار جدتها، بينما تجاهلت علياء تحركه، ونظرت إلى جيهان وقالت
"عن إذنك يا جيجي، هاروح أبارك لياسمين وياسين"
ولدى العروسين... وقف ياسين إلى جانب زوجته والنور الذهبي لغروب الشمس يلامس ملامحه الوسيمة، وقال لها بابتسامة
"أنا محضرلك مفاجأة… يارب تعجبك"
رمقته بعينين ممتلئتين بالمزاح الساخر، وهي تضحك بخفة
"محضرلي إيه غير الرقاصة؟!"
ابتسم ابتسامة هادئة، تحمل طمأنينة وثقة، وقال وهو يغمز لها
"هاتشوفي وتسمعي بنفسك دلوقتي"
أشار إلى مسؤول تشغيل الأغاني، الذي كان يقف عند لوحة التحكم، فقام الأخير بتشغيل موسيقى رومانسية هادئة، تعانق أجواء المساء وتملأ المكان بسحرها.
اقترب ياسين من أحد الرجال الذي كان يحمل ميكروفون صغير، قابل للثبيت في الثياب، فأخذه وركبه بحافة تلابيب جلبابه، ثم التفت إلى ياسمين وملأ صوته المكان بعبق المشاعر، صوت عذب نقي، يختلف كل الاختلاف عن نبرة صوته عندما يثور أو يغضب.
اقترب أكثر، أمسك بيد زوجته برفق، رفعها إلى أعلى كتفه، وأحاط خصرها بين ذراعيه، وبدأ يغني....
"كنت بمشي في الدنيا لوحدي
والليل كان أطول من صبري
قلبي تعباان من الغيبة
وبيسألني... فين عمري؟
كنت بنام وأصحى على صورتك
أحضنك في خيالي وأسيبك
ولا يوم قدرت أنسى اسمك
ولا قلبي عرف يحب غيرك
ولما رجعتي حضنك ناداني
قال لي تعالى ليا اتولد من تاني
ده يوم ميلادي مش يوم عادي
ده يوم ما رجعتلي حياتي
أنا بحبك حب مالوش آخر
ولا يوم في قلبي هيقل أو يخون
وأوعدك أعيش العمر كله
عشانك إنتي وبس أكون
تعبت قوي وأنا بستنى
خطوة منك تطمني
كنت بخاف أفضل مستني
والعمر يسبقني ويعدي
رجوعك كان طبطبة سما
على قلب عاش مكسور كتير
رجوعك قالي لسه في أمل
ولسه في حب كبير
ولما رجعتي حضنك ناداني
قال لي تعالى ليا اتولد من تاني
ده يوم ميلادي مش يوم عادي
ده يوم ما رجعتلي حياتي
أنا بحبك حب مالوش آخر
ولا يوم في قلبي هيقل أو يخون
وأوعدك أعيش العمر كله
عشانك إنتي وبس أكون
إنتي مراتي وحبيبتي
وأجمل اختيار في حياتي
لو يخيروني بين الدنيا
أختارك إنتي واختار ذاتي
وأوعدك مهما العمر يطول
أفضل على حبك ثابت
ده قلبي اتكتب باسمك
واللي جاي كله ليكي ثابت
أنا بحبك... وهفضل أحبك
طول ما في قلبي نفس يدق
إنتي البداية والنهاية
وكل عمري ليكي وبس"
وضع جبهته فوق جبهتها وردد
"إنتي البداية والنهاية وكل عمري ليكي وبس... بحبك"
خلع العباءة التي كان يرتديها فوق جلبابه، فغطى بها رأسه ورأس ياسمين عن أعين الحاضرين، ففهم الجميع في تلك اللحظة أنه يقبلها بسرية، لا يريد لأحد أن يشاهد المشهد الحميمي بينهما.
صفق أشقاؤه بحرارة، ودمعت عينا والدته دموع فرحة، ربت على كتفها عابد مبتسمًا، وهمس بجوار أذنها بنبرة حانية
"طول عمري كنت بقول ياسين أكتر واحد طالع رومانسي ليكي"
ابتسمت هي بامتنان وبسعادة من بين دموع الفرح
"حبيب قلبي، ربنا يهنيه ويسعده هو وأخواته"
وبالعودة إلي ياسين بعدما انتهي من تقبيل زوجته ازاح العباءة وحملها من خصرها وأخذ يدور بها في مشهد رومانسي حالم تحت ارتفاع تصفيق الحضور وعائلته.
الفصل السادس والثلاثون
أوقف سيارته أمام مرفأ اليخوت الراقي، حيث كانت أمواج البحر ترقص رقصة هادئة تحت ضياء القمر الفضي المتلألئ، وأنوار اليخوت تلمع كنجوم سقطت على سطح الماء.
سألته زوجته وهي تنظر حولها بتعجب بالغ يملأ عينيها الذهبيتين
"إيه ده؟"
أجابها والسعادة تفيض من عينيه، وقد خفق فؤاده بحماس متوقد يرقص في صدره
"ما هي أول ليلة لينا بعد غياب و بعاد لازم تبقي مميزة، وقصي ربنا يبارك له حب يوجب معانا فأدالي مفاتيح اليخت بتاعه نقضي فيه الليلة دي وبكره نطلع علي جنة الأرض"
ثم أمسك يدها برومانسية رقيقة تفوح منها رقة الحب، وعيناه لا تفارقان عينيها بلذة وتيام عميقين، أردف قائلاً
"اوعدك هخليكي هاتشوفي أحلي ليلة هاتعشيها في حياتك"
قام بتقبيل يدها تقبيل حاني جعل قلبها يذوب عشقاً
"بحبك"
شعر برجفة خفيفة في يدها الناعمة، والخجل ينضح من خديها المتوهجين إحمرارًا، نظرت إلى أسفل وأخبرته بصوت يشي بخجلها المفرط
"بس بقي يا ياسين، بالله عليك أنا بتكسف من كلامك و بصاتك"
ضحك قائلاً
"بس إيه في يوم زي ده، أنا لسه معملتش حاجة، و مش عايز خالص كلمة بتكسف، ياريت تلغيها من قاموسك معايا، فاهمة يا روح قلبي"
وأمسك طرف ذقنها برفق يفيض بالحنان، فأومأت له بالطاعة وابتسامة الخجل على محياها تتجلى كالقمر في ليلة صافية، عض على شفته السفلى
"اه منك ياللي مجنناني، يلا عشان ننزل و لا أقولك استني"
ترك يدها برفق، وفتح باب السيارة ثم دار ليفتح لها الباب المجاور، ومد يده إليها
"انزلي علي مهلك"
"استني هلم الفستان عشان اعرف انزل"
ساعدها في إلمام طرف ثوب الزفاف الواسع لتتمكن من الهبوط بيسر، وما إن وطأت قدماها الأرض حتى حملها من خصرها حملة خفيفة كأنها ريشة، فصاحت بتفاجؤ يملأ صوتها الرقيق
"بتعمل إيه يا مجنون، نزلني هانقع أنا وأنت"
"مش أنتي بتثقي فيا، ما تقلقيش أنا الحمدلله اشيل اتقل منك اضعاف و لا اتهز"
"هاتطلع بيا اليخت إزاي، هنتقلب انا وانت في الميه، وبعدين أنا خايفة"
"اللي معاه ربنا يفوت في الحديد"
ضحكت وقالت
"طب نزلني وشيلني جوه اليخت"
"خلاص صدر الأمر، يلا امسكي جامد"
وقف عند حافة الميناء واستعد للقفز وهو يحملها على كتفه، صاح بعزم يفيض بالثقة
"واحد، اتنين، تلاته، هوب"
نجح في القفز وهو مازال يحملها، لكن طرف ثوبها المتدلي وقف عائقاً أسفل حذائه فتعثر به ووقع إلى الداخل، فصاحت بألم وكذلك هو، لكن خوفه الأكبر كان عليها، اعتدل سريعاً ولا يبالي لوجعه، أخذ يتفحصها بقلق يغمر عينيه
"أنتي كويسه؟"
أمسكت بكتفها تمسده وأجابت
"الحمدلله كويسه، أنت اللي اخدت الوقعه كلها وأنا فوقك"
ابتسم بحنان يفيض من أعماق قلبه وأخبرها
"مش مشكلة يا حبيبتي، أنا فداكي المهم تكوني بخير"
أخذ كلاهما يتبادلان النظر في صمت يحمل ألف معنى، وإذا بها تضحك فضحك هو متأثراً بضحكاتها المتدفقة، فأخبرته من بينها
"قعدت تقولي ماتخافيش، اللي معاه ربنا يفوت في الحديد، ادينا ادإلجنا أنا و أنت زي شوال البطاطس، ده أنت مسخره"
نهضت ومازالت تضحك، فحاول النهوض وسألها بمزاح
"بتتريئي عليا؟!"
تسير للوراء بظهرها وتمسك بثوبها
"مش قصدي، بس أنت أحلي حاجة فيك أنك بوء، تقعد تقول أنا و أنا وفي الأخر يطلع كلام علي الفاضي"
رفع حاجبيه وبوعيد مازح
"ده اللي هو أنا؟"
أومأت له وأجابت بدلال
"اه أنت"
أخبرها ويقترب منها
"طيب إيه رأيك لما أوريكي أنا رجل أفعال مش كلام"
خلع سترته، ويفك في ربطة العنق ويسير نحوها ببطء يشبه خطى النمر، تتراجع هي وتسأله
"ياسو أنت هاتعمل إيه، استني بس، تعالي نغير هدومنا الأول و ناكل"
"من عيوني يا قلب ياسو، هانعمل كل ده ماتقلقيش، بس و إحنا مع بعض"
ألقى ربطة عنقه على كرسي جواره، فركضت هي للداخل تبحث عن مخبأ وصوت ضحكاتها يعلو، كطفلة صغيرة تلهو وتركض، بينما هو يلحق بها حتى توقف كلاهما أمام غرفة النوم وبابها مغلق، أخذت تلتقط أنفاسها وكذلك هو، وعيناه تلتهمان ملامحها المتوردة ونبض فؤاد كل منهما يدوي صداه في مسامعهما كطبول الحب الخافقة، ابتلع ريقه وهو يدنو بشفتيه من خاصتها، حاوط خصرها بيديه القويتين، وهي لم تشعر بحالها، رفعت يديها تلقائياً لتحاوط عنقه، وتغمض عينيها وتستقبل شفتيه لتشعر بلذة قبلته.
استمر التبادل الحميمي للقبلة بينهما في لهيب متصاعد، يلتهم شفتيها بنهم جامح لا يُشبع، يبعث الرجفات في أوصالها، لسانه يغوص في أعماق فمها الدافئ الوردي، يرقص مع لسانها في رقصة عاصفة من العسل والنار المشتعلة، يستخرج منها أنفاسها متقطعة حارة تشهد على ذوبان الخجل في بحر الرغبة.
كانت أجسادهما ملتصقة التصاقاً كاملاً، صدره يضغط عليها ليشعر بدفء عناقها، يداه تحيطان بخصرها بقوة رقيقة كأنه يخشى أن تذوب وتختفي، بينما نبض قلبهما يدوي كطبول الحرب في معركة العشق.
دون أن يفارق شفتيها ولو لنفس واحد، مد يده اليمنى إلى مقبض الباب الخشبي اللامع، فأمسكه بأصابع مشتعلة ودار به بسرعة، ثم دفع الباب بكتفه القوي ليفتح على مصراعيه.
دفعها بلطف حازم عاشق إلى داخل الغرفة، وهو مازال يقبلها بنهم يفوق الوصف، خطواتهما متعثرة متشابكة كأوراق الورد في عاصفة الشوق، حتى أغلق الباب خلفهما بقدمه دون أن يلتفت، فانغلق العالم الخارجي إلى الأبد، وبقيا في خصوصية مطلقة ينبض فيها الهواء بالرغبة والأسرار.
كانت غرفة النوم على متن اليخت تحمل سحر فاخر هادئ، مضاءة بأضواء ذهبية خافتة تنسكب كالشهد الذائب على السرير الواسع المفروش بأغطية حريرية بيضاء ناعمة كالسحاب، تفوح منها رائحة الياسمين والورد الطازج، بينما النوافذ الكبيرة تطل على البحر الهادئ تحت قمر متلألئ يرقص على الأمواج.
سحب شفتيه عنها للحظة وجيزة كالبرق، يخبرها بصوت أجش مبحوح يفيض بالعشق الجامح
"يا روح قلبي… عمري ما هخليكي تبعدي عن تاني، مش هيفرقنا غير الموت"
ثم عاد يغمرها بقبلة أشد عمقاً ونهماً، وهو يدفعها بلطف نحو السرير حتى وقعت على ظهرها على الفراش الناعم، وتبعها فوراً بجسده القوي يغطي جسدها الرقيق بكل حنان وقوة.
أخذت أصابعه تفك وشاحها الأبيض بمهارة صبورة، حتي تمكن من فك إبر التثبيت منه وانزلقت خصلاتها الحريرية علي ظهرها في مشهد أسر أنفاسه، امسك ببعض خصلاتها واقترب بأنفه يستنشق عطر شعرها الذي يعشقه، أخذ نفساً عميقاً واصدر صوت يدل علي حالة الهيام المسيطرة عليه الآن.
بينما هي تراقب ما يفعله، وبالرغم من خجلها لكن أفعاله البسيطة تلك سلبت عقلها قبل فؤادها، فلتتركه يفعل ما يحلو له معها ويحلق بها في سماء عشقه كيفما يشاء.
و إذا بها تشعر بأنامله خلف ظهرها، يجذب سحاب ثوبها لأسفل، و كلما يهبط لأسفل يتعمد لمس بشرتها فيشعر برجفة جسدها تحت سطوته، نهض ووقف أمامها، امسك يديها وجعلها تقف أمامه، حاوط وجهها الملائكي بين كفيه، و أخذ يتأملها بعشق و رغبة، فسألها بأنفاس متهدجة
"بتحبيني يا ياسمين؟"
حدقته بعينيها الساحرتين واخبرته بدلال
"ما أنا قولتهالك قبل كده"
دنا بشفتيه نحو عنقها
"عايز اسمعها تاني وأنتي في حضني"
اغمضت عينيها وتشعر بأنفاسه علي طول عنقها لاسيما لدي عرق رقبتها النابض، قالت له بنبرة من أعماق قلبها التي تدوى نبضاته وتصل لمسامعه
"بحبك"
هبط علي عنقها بقبلة جعلتها شهقت وتشبثت بعضديه، فأمرها مرة أخرى
"قوليهالي تاني"
عضت علي شفتها السفلي ثم تفوهت بها
"بحبك، بحبك يا ياسين"
قبل عنقها مرة أخرى لكن بنهم، وأنامله تزيح ثوبها عن كتفيها الناعمتين، فأنزلق الثوب عنهما كموجة تتراجع عن الشاطئ، بينما شفتاه ما تزال تغطي عنقها و أعلي صدرها بقبلات حارة متتالية.
ارتجفت هي تحت لمساته وقبلاته، خداها يحترقان كالجمر، وهمست بصوت مرتجف مليء بالخجل المفرط
"ياسين… استني بس… أنا... أنا مكسوفة أوي"
توقف عن تقبيلها وضحك ضحكة خفيفة حانية ثم همس في أذنها وهو ينزلق بيده على منحنيات جسدها البض المياس
"مش قولتلك بلاش كسوف وأنتي معايا يا روحي، أنتي ملكي دلوقتي… وأنا ملكك، أنا كنت مأجل اللحظة دي و مستنيها بفارغ الصبر، خليني أوريكي إزاي بحبك وكنتي وحشاني قد إيه… وهوريكي أنا بتاع أفعال مش بوء"
و غمز بعينه فابتسمت بخجل، و تركته يكمل ما يفعله، قام بفك أزرار قميصه ليتحرر منه ويجذبها بين ذراعيه، كل لمسة منه تروي قصة حب وعشق لا يوجد مثلها سوى في القصص والروايات، وكل نظرة منه لها تذيب آخر قطرة من الخجل في بحر الثقة.
اندمجت أرواحهما في رقصة هادئة عاصفة، يغرقان في بحر من العواطف الجياشة، حيث تتلاقى الأنفاس وتتوحد القلوب في نبض واحد يتسارع كأمواج البحر خارج النوافذ.
كانت اللذة تأتي كالفجر الذي يبزغ بعد ليل طويل، تملأ كل خلية فيهما بنور الحب النقي، حتى بلغت ذروتها في انفجار من السلام والاكتمال، تصرخ وتئن باسمه وينضح صوتها بفرط اللذة والسعادة التي تشعر بها معه و بين ذراعيه.
استمرت رحلتهما معاً حتي سقط فوقها بعد ذلك، يحتضنها بقوة رقيقة كأنه يخشى أن يفقدها، يقبل جبينها المبلل بعرق الحب، وهما يلهثان معاً في هدوء ما بعد العاصفة العاطفية.
مرر أصابعه بلطف في خصلات شعرها، وهمس بابتسامة مشرقة تفيض بالرضا
"قوليلي يا حبيبتي، مبسوطة وأنتي معايا؟"
ابتسمت بخجل متعب والسعادة تنضح من عينيها، ودفنت وجهها في صدره الدافئ كالطفلة التي وجدت مأواها أخيراً
"مبسوطة أوي أوي… ياسين"
حدقت في عينيه بعشق واخبرته
"أنا بحبك أوي"
ابتسم ابتسامة تملأ الغرفة نور، وقبلها قبلة طويلة هادئة كأنها ختم على عهد أبدي، وهما يغرقان في حضن بعضهما تحت الدثار الحريري، يستمعان إلى صوت الأمواج يغني ليلتهما، وقد أصبحت الغرفة شاهدة على بداية حياة جديدة لهما تكتبها أيدي الحب بأجمل حروف الرومانسية الأبدية.
❈-❈-❈
جلست على الكرسي، وقد انهمر دمعها كالسيل الجارف، وهي تحدق في فستان الزفاف المرمي على السرير كأنه جثة بيضاء مُلقاة.
كلما استحضرت في ذاكرتها تلك الإهانات المتتالية التي انهالت عليها من فمه، وكلما تيقنت أن زواجهما سيكون مجرد عقد على ورقة صفراء لا روح فيه، وأن كل هذا الخراب إنما يعود إلى ماضيها الذي أخفته عنه.
انتفضت فجأة كأن صاعقة أصابتها حين طرق الباب بعنف، مسحت دموعها بسرعة يائسة، وترددت في النهوض لتفتح،
ولكن بعد الطرقة الثانية، اندفع الباب فجأة وانفتح على مصراعيه.
فلما رآها جالسة في مكانها، وقد بدا عليها أثر البكاء الشديد، تألم قلبه ألماً عميق لها، غير أن العقل كان هو المتسلط عليه، فغضب بشدة وسألها بنبرة ساخرة قاسية
"ملبستيش ليه يا عروسة؟، و لا كنتي مستنية كتب كتابك نعمله في الهيلتون"
رفعت وجهها إليه، ونظرت إليه بنظرة حزن دفين، لأنها تدرك تماماً سخريته وما يقصده بها، فسألته بقلب مُلتاع من حالها ومن معاملته الجافة القاسية لها
"أنت ليه بتعمل كده معايا يا أدهم؟"
تحوّل تجهم ملامحه إلى إبتسامة ساخرة حادة، وقال لها
"هو أنا عملتلك حاجة؟!، ده أنا بعمل معاكي اللي مفيش واحد يقدر يعمله بعد ما يسمع و يشوف اللي خبتيه عليا، ده انتي المفروض تبوسي ايدك وش وضهر و تحمدي ربنا"
ألقي كلماته عليها كأنها سياط تتهاوى من أعماق الجحيم، تهبط على قلبها فتقسمه نصفين.
ولم يكن ذلك حالها وحدها، بل حاله هو أيضاً؛ إلا أنه قبل أن يستسلم للضعف ويعتذر عما أطلقه لسانه، ابتلع ريقه وأمرها بحدة لا تقاوم
"قومي يلا وألبسي الفستان، باباكي و المأذون زمانهم علي وصول"
نهضت فجأة وسألته بتعجب
"بابا!"
"ايوه باباكي، روحتله و طلبت ايدك منه علي سنة الله و رسوله، دخلت البيت من بابه، أصلي ماليش في شغل الشمال، مشيت زي الأصول ما بتقول، و لا كنتي عايزاني اتجوزك عرفي؟"
كان لا يزال يجلدها بكلماته التي تؤول جميعها إلي معايرتها بعلاقتها السابقة مع المدعو رامي.
تجمعت عبراتها، ولم تستطع كبحها أكثر من ذلك، فانفجرت من عينيها، وكادت تتفوه برفض ما يجري، لكنه سبقها باقترابه منها، واحاط وجهها بكفيه، يمسح دموعها بإبهاميه، ظنت أنه سيعتذر عن إهاناته المتكررة والمتعمدة لها، لكن هيهات!
التفت خلفه وأمسك بثوب الزفاف ليضعه بين يديها قائلاً لها بتهكم مرير
"يلا يا عروسة خليكي عاقلة واسمعي الكلام، خلينا نخلص من كتب الكتاب بسرعة، ورانا طيارة بعد ساعتين"
رمقته بعينين محمرتين من البكاء، وأنف محتقن، فكان مظهرها يجعله يلعن نفسه ألف مرة، وكاد مرة أخرى أن يضعف أمامها ويجذبها بين ذراعيه، لكنه بدلاً من ذلك ولّى ظهره لها وغادر الغرفة تاركاً إياها وحيدة في لجة من الحزن والألم لا قرار لها.
❈-❈-❈
تم عقد القران في صمت ثقيل، خال من أي مظاهر الفرح أو البهجة التي يُفترض أن تُغمر مثل هذه المناسبات.
أتم المأذون المراسم بدعوته المعتادة، التي ترددت في الغرفة كصدى باهت لا حرارة فيه.
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما على خير إن شاء الله"
نهض والدها يصافح أدهم بتهنئة صادقة وسعادة ظاهرة، فقال له
"ألف مبروك يا أدهم بيه"
ربت الأخير على يده بلطف مصطنع، وأجابه
"مفيش داعي يا عمي للرسميات، أنا بقيت جوز بنتك، يعني بقينا أهل ولا إنت شايف إيه؟"
"يا خبر!، ده شرف كبير ليا، كفاية وقفتك معايا وسددتلي كل ديوني، مش عارف أشكرك إزاي وربنا يقويني ويعيني وأقدر أردلك كل اللي دفعته"
اتسعت عيناها حين اخترقت كلمات والدها سمعها بوضوح، وازداد قهرها إلى أقصى حد حين رد أدهم على أبيها وهو يعلم علم اليقين أنها تستمع إلى كل كلمة تُقال بينهما قائلاً
"ما تقولش كده يا عمي، مفيش بينا الكلام ده"
"وَلَو يا أدهم يا ابني، أنا الحمد لله بقيت بشتغل وبكسب من عرق جبيني، وأنا هسددهم لك بإذن الله"
"مفيش داعي، اعتبرهم مهر منار"
لم تتحمل أن تسمع أكثر من ذلك، نهضت فجأة وقامت، فالتفت إليها والدها واقترب منها مبتسماً
"ألف مبروك يا بنتي"
وفي اللحظة ذاتها، تلاقت عيناها بعيني أدهم الذي يقف خلف والدها، تظاهر لها بابتسامة ساخرة قاسية.
تراجعت خطوة رافضة عناق والدها، ولم تُجب على تهنئته، بل رمقته بنظرة حادة تنضح بالغضب والألم والكثير الكثير.
ثم أمسكت بثوبها بعنف وعادت إلى الغرفة، صفقت الباب خلفها بقوة اهتزت لها الجدران.
وما هي إلا دقائق معدودة حتى ودع أدهم والدها والمأذون والشاهدين، وأغلق باب الشقة خلفهم.
زفر زفرة عميقة كأنه يريد أن يتخلص من تأنيب ضميره، ومن لوم فؤاده على ما يفعله بمعشوقته التي أصبحت للتو زوجته.
كم تمنى أن تكون الأجواء غير ذلك، فمنذ رآها وأحبها من أول وهلة، حلم بهذا اليوم؛ أن يكون يوم زفافهما وسط أهله وعائلتها، داخل قاعة فاخرة والجميع يهنئونهما.
لكن كيف ذلك؟، لقد قلب ما حدث موازين كل شيء، اقتنص فرحته، وعزم على أن يُذيقها كل لحظة قهر عاشها في الأيام السابقة.
وقعت عيناه على الباب الموصد، فذهب إليه وطرقه
"كله مشي، افتحي"
لم يجد رد منها، فعاد غضبه يتأجج من جديد، فصاح بحدة
"افتحي الباب بدل ما أكسره، بلاش تختبري صبري!"
انفتح الباب، فوجدها قد خلعت ثوب الزفاف، وارتدت من جديد ثوبها القطني الخفيف الذي جاءت به معه من منزلها، حين فرت من سكين شقيقها الذي أراد قتلها.
رمقها أدهم من أسفل إلى أعلى، وكم أخذ مظهرها ذاك قلبه، بل اختطف عقله! يا لها من جميلة ومثيرة حتى في حالتها المزرية تلك.
ودَّ أن يعانقها وينهال على شفتيها بوابل من القبلات، لكن كيف يفعل ذلك والمقاطع التي شاهدها لها وهي مع رامي تضرب ذاكرته بقوة، وتجعل دماءه تغلي في عروقه، فبدلاً من أن يرغب في معانقتها، يفعل بها ما لا يُحمد عقباها.
"قلعتي الفستان ليه؟، وإيه القرف اللي إنتي لابساه ده؟!"
رمقته بكبرياء محطم، وقالت
"مش التمثيلية اللي حضرتك عايزها خلصت خلاص؟!، فاملهوش لازمة بقى الفستان"
أغمض عينيه في محاولة يائسة للتحكم في جموح غضبه، اللذي إذا أطلقه عليها فسوف تكرهه وتكره اليوم الذي التقت به صدفة.
ابتعد وذهب إلى غرفة أخرى، ثم عاد إليها في ثوان حاملاً حقائب قد اشترى ما بداخلها، مد يده بها إليها وأمرها بلا تهاون
"ألبسي طقم منهم وجهزي نفسك، والباقي رصيه في الشنطة"
وعكس ما توقع، أمسكت من يده الحقائب، لكن ما هي إلا ثوان حتى خاب أمله؛ إذ ألقت الحقائب في وجهه، وبنظرة تنضح بالسخط والكبرياء اخبرته
"مش عايزة إحسان منك يا أدهم بيه، كفاية مهري اللي سددت بيه ديون بابا، وما تقلقش أنا اللي هسددهم لك"
أجفلها بنظرة من الجحيم جعلتها تتراجع خطوة إلى الوراء، وفي استعداد للفرار من أمامه.
كادت تتحرك خطوة أخرى فقبض على عضدها بقسوة وعنف، هدر بها من بين أسنانه حتى لا يفتك بها
"إنتي اسمعيني كويس، لو كنتي فاكراني أدهم بيه ابن الناس المتربي، تبقي غلطانة، أنا ممكن أعمل فيكي اللي أنا عايزه ومحدش يقدر يكلمني، فلمي نفسك واحترميها بدل ما أكرهك في اليوم اللي شوفتيني فيه، نفذي اللي بقولك عليه وبلاش شغل الكبرياء والكرامة اللي بتعمليه عليا ده، كان أولى تعمليه مع غيري، على الأقل هو اشتراكي وباعك بالرخيص وأنا اشتريتك بالغالي، واللي دفعته لأبوكي ده مهرك يا عروسة"
واقترب منها للغاية فانتفضت وخشيت أن يفعل بها شيئاً، فهمس لها بالقرب من أذنها
"وما تقلقيش مش هاخد المقابل، لأن زي ما قولتلك جوازنا هايفضل على الورق"
اعتدل في وقفته ليرمقها بنظرة تحذيرية يرفقها بأمره، ويربت بحدة على خدها
"يلا خليكي شاطرة كده اسمعي الكلام، واعملي اللي بقولك عليه، لأن ما بحبش أكرر كلامي، قدامك ساعة زمن ألاقيكي جاهزة، فاهمة يا مراتي؟"
ألقى سؤاله الذي تعمد أن يذكرها من خلاله أنها أصبحت زوجته، فما كان منها رد سوى الدموع التي انهمرت مصاحبة شهقات متتابعة.
نفضت ذراعها من قبضته، وتركها تنفذ أمره، وقلبه يصرخ به ويلومه على كل كلمة وفعل يقترفه بها.
❈-❈-❈
استيقظت من نومها لتجد نفسها بين أحضانه ، فجلست تتأمل ملامحه الرائعة بإعجاب عميق، وتستحضر في ذاكرتها كل ما صنعه معها في ليلة البارحة بكل حميمية وشوق.
ابتسمت بخجل يخالطه سرور، وقلبها يخفق كالطائر المحلق من الفرح، فهي بدورها تحبه وتعشقه عشقًا تفيض به الروح، وكانت ممتلئة غبطة وانشراحًا وهي تبادله الحب على يديه، وفي كنفه لا يزال ينتظرها تعلم أسرار كثيرة، أولها أن الخجل يذوب تمامًا ما دامت في حضنه وبين يديه.
مدت يدها برفق لتبعد ذراعه عنها، ثم انسلت من جانبه في هدوء، ولفت الغطاء حول جسدها العاري لتغطي ما لا ينبغي أن يُرى، فانطلقت مسرعة نحو الحمام.
مضت دقائق قليلة، ثم بدأ ياسين بالتقلب في الفراش وبدأ يستيقظ، لا سيما حين مد ذراعه ليعانقها فوجد الفراغ الشاغر.
نهض فجأة بفزع، وتلفت يمينًا وشمالًا في قلق، كاد يناديها بصوت عال، لكنه سمع صوت خرير الماء المتدفق من الحمام، فأدرك أنها تستحم.
ابتسم ابتسامة ماكرة مليئة بالخبث والرغبةِ المشتعلة.
بينما هي داخل الحمام، أغمضت عينيها في استرخاء عميق، والمياه تنهمر فوق جسدها كالمطر المنعش، فاستمتعت بدفئها الذي يلامس بشرتها كالنار الدافئة التي تحيي كل خلية.
مدت يدها لتمسك بعبوة سائل الاستحمام، لكن يده سبقت يدها فجأة، فأجفلت مذعورة، وشهقت بفزع، ثم أدركت أنه يقف خلفها مباشرة.
كيف دخل ويقف معها هكذا دون أن تشعر به أبدًا؟
التفتت إليه وبخته بخجل وغضب متظاهر
"انت دخلت هنا ازاي؟!، اطلع بره يا ياسين"
نظر إليها بنظرة مكر مُدعي البراءة الزائفة تمامًا التي تناقض حتماً نواياه المنحرفة، فاخبرها بجرأته المعهودة
"اطلع بره ليه، و مين هايحميكي غيري يا روح قلب ياسين"
وأنهى كلماته بغمزة وقحة مثيرة، كادت تفتح فمها لتجيب، فأسكتها بقبلة حارة وعناق قوي تحت شلال الماء، وبعد مقاومة قصيرة منها حتى تتنفس، أطلق شفتيها أخيرًا من قبلته الآسرة، وقال لها بنبرة ساحرة جعلت قلبها وجسدها يستسلما له دون تردد
"أنا اللي كنت بحميكي بعد كل مرة، و لو مش فاكرة سيبيني افكرك"
وجدت نفسها تهز رأسها موافقة، وخداها يشتعلان خجلاً، فرفع العبوة بعد أن فتح غطاءها قائلًا
"مش قولنا بلاش كسوف و انتي معايا، انا هخليكي تبطليه دلوقتي"
وبدأ يفرغ السائل رويدًا رويدًا على كتفيها وفي يده، ثم أعاد العبوة إلى مكانها، وبدأ يوزع السائل على جسدها بلمسات ساحرة مثيرة، تشعل في كل خلية نارًا من الشوق والمتعة.
استمر في توزيع رغوة السائل بلطف يشبه لمسة النسيم، أصابعه تنزلق ببطء محسوب، لا تتعجل ولا تتسرع، كأنما يرسم على بشرتها لوحة من الحنان والعناية.
كانت الرغوة تتزحلق على منحنيات جسدها كاللؤلؤ المنساب، ومع كل حركة من يديه كانت ترتجف رفقًا، ليس خوف بل من فرط الإحساس الذي يغمرها.
مد يده الأخرى ليجمع خصلات شعرها المبلل بعيدًا عن ظهرها، ثم انحنى قليلاً ليقبل قمة كتفها قبلة هادئة طويلة، قبلة لا تطلب شيئًا، بل تعطي فقط.
شعرت بأنفاسه الساخنة تلامس رقبتها المبللة، فأغمضت عينيها مرة أخرى وأسندت جبهتها علي صدره.
همس لها بنبرة تدب الحرارة حتي جميع اطرافها، يغازلها بما يراها الآن
"أنتي زي البدر المنور في عتمة الليل، حياتي كانت من غيرك عتمة ولما رجعتي نورتيها من تاني يا ياسمينتي"
همست بصوت خافت يكاد يختفي وسط خرير الماء
"ياسين"
ابتلعت ريقها ولعقت شفتيها فاردفت
"أنا بعشقك"
شهقت حينما جذبها مجدداً ليلتقم شفتيها بين خاصته، يغمرها بوابل من القبلات النابعة من عشقه المولع بها.
و بعد ان ترك شفتيها لتتنفس، واصل توزيع سائل الاستحمام على جسدها ببطء متعمد، تارة يمرر كفيه على كتفيها الناعمتين، وتارة ينزلق بهما إلى أسفل ظهرها في حركة دائرية رقيقة، مما جعل أنفاسها تتسارع تدريجيًا، وجسدها يستجيب لكل لمسة كأنها لحن يعزفه هو وحده.
رفع عينيه إليها فجأة، فالتقت نظراتهما في صمت مشحون بالكلامِ الذي لا يقال. ابتسامة خفيفة انبلجت علي ثغره لكنها تحمل وعد صريح.
وضع يديه تحت أردافها برفق حازم، ثم رفعها بسهولة كأن وزنها لا يذكر، حتى صارت ساقاها تتدليان في الهواء للحظة، فشهقت بخوف و اخبرته بنبرة مرتجفة
"ياسين نزلني بالله عليك، أنا خايفة"
"خايفة و أنا معاكي؟!، امسكي فيا كويس ولفي رجلك جامد حواليا و ماتخافيش"
همس لها بصوت خفيض مشوب بالأمر والرغبة معاً.
خجلت لثانية لكن الشوق و ما تشعر به الآن كان أقوى، التفت ساقاها حول خصره بتلقائية، كأن جسدها فعل ذلك من قبل، فمازالت خلاياه تتذكر كل فعل و لمسة مع مالك فؤادها نقيض ذاكرة عقلها التي تبني ذكريات من جديد.
التصق جسدهما تحت الماء المنهمر الدافئ، رغوة سائل الاستحمام تنزلق بينهما كحرير سائل.
بينما هو أمسك أحد فخذيها بقوة ليطمئنها ويثبتها، و يده الأخرى تسلقت ظهرها حتى استقرت في أعلى عنقها، يجذب رأسها و وجهها نحوه.
قبلها قبلة عميقة، طويلة، كأنه يسترد منها روحه التي أودعها فيها منذ الليلةِ الماضية.
شفتاها ترتعشان تحت شفتيه، وأنفاسها تختلط بأنفاسه مع خرير الماء، ابتعد قليلاً لينظر في عينيها، فوجد فيهما مزيجاً من الخجل والاستسلامِ واللهفة.
"بحبك أوي، و بعشقك، ده أنا مجنونك ومتيم بيكي"
قالها بنبرة صادقة، وهو يمسح بإبهامه على خدها الملتهب.
"وأنا كمان... بعشقك أوي أوي"
ردت بهمس متقطع، وهي تخفي وجهها في عنقه للحظة، ثم رفعت نظرها إليه مجددا وقالت بجرأة خجولة
"أنا مابقتش خايفة، ممكن تخلينا كده، ما تسيبنيش"
ضحك ضحكة ساحرة ألقي بها في بحور عشقه العميقة، ثم أجابها و شفتيه جوار أذنها
"أنا مش ناوي أسيبك ولا ثانية... مش هسيبك خالص النهاردة"
عاد يقبلها من جديد، يعانقها و يتحرك بتمهل يشعل النار في كل خلية منهما. كانت المياه تغطي أصوات أنفاسهما المتسارعة.
أطبقت أصابعها على كتفيه بقوة، تارة تخدشه بخفة من فرط اللذة المتأججة في كل خلية بجسدها، وتارة تمسك به كأنها تخشى أن يبتعد.
توقف لثوان، يُعطيها فرصة لتلتقط أنفاسها، قام بتقبيل جبينها وعينيها المغمضتين.
"أنتي كويسة؟"
سألها بهمس قلق وحنون، أومأت برأسها بسرعة، وفتحت عينيها لتنظر إليه بعيون لامعة
"آه"
ابتلعت ريقها وهمست في أذنه بشئ ما، فابتسم بسعادة و انهال علي شفتيها بعشق و متعة تسرى في كل انحاء جسده، بينما يداه تمسكان بأردافها بقوة تكاد تترك أثراً.
و تحت الماء المتساقط كزخات المطر، صارا كائن واحد، كل منهما يذوب في الآخر، يتبادلان الحب والشهوة والأمان في لحظة خارج الزمن.
وكلما اقتربا من قمة المتعة كانا يتمسكان ببعضهما أكثر، كأن الفراق ولو لثانية واحدة أمر لا يطاق.
ظل الماء ينهمر كشاهد صامت على حب لا يعرف الخجل ولا الحدود بين قلبين يغرقا عشقًا.
❈-❈-❈
ها هو الآن قد استقر في لندن، وتقلد مكانته في أشهر مستشفياتها الخاصة المعنية بعلاج أمراض المخ والأعصاب. انخرط في عمله بانكباب شديد، يشتت به ذهنه عن التفكير في التي لن ينساها حتى الآن، وكأن الزمن نفسه يتآمر عليه. وكانت تأتيه أحيانًا تخيلات تعذبه، فيُخيل إليه إذا زوجها لم يظهر، وتتجلى له الحقيقة بأبهى صورها، فيتساءل في نفسه، ماذا لو أكمل حياته معها؟!، فهو على يقين تام أنه كان سينعم بالفردوس بجانبها، إذ يتجسد فيها العشق والجمال تجسدًا لا مثيل له؛ يراها حورية من حور الجنة، وكم تمنى أن تكون زوجته وامرأته هو، قبل أن يكشف له القدر الحقيقة المُرة التي أرهقته، وما زال يتعافى من هذا الإرهاق الذي دمر فؤاده وجعله كالأطلال البالية، تتآكلها الرياح وتُلقي بها السنون.
و الآن قابعًا داخل غرفة الفحص الخاصة به، يتابع حالة رجل يبدو أنه يعاني آثار جلطة دماغية تركت له انحرافًا واضح في الجانب الأيمن من وجهه،بعد أن دوَّن ملاحظاته بدقة بالغة، رفع رأسه إليه وقال بصوت هادئ مطمئن، يفيض بالرحمة والثقة
"لا تقلق سيد إيدين، فإذا داومت على تمارين العلاج الطبيعي مع المواظبة الدقيقة على تناول الأدوية، فسوف تشفى شفاء تام في أقرب وقت ممكن، إن شاء الله"
أجابه الرجل بقليل من الصعوبة في النطق
"أتمنى ذلك يا طبيب، فأنا قد كرهت نظرات الشفقة في أعين جيراني وزوجتي وأولادي، وعندما أرى نفسي في المرآة أشعر أنني مسخ مشوه، لا أطيق رؤيتي ذلك؛ لذا فضلت أن أنعزل في غرفتي بمفردي، بعيدًا عن أعين الناس وألسنتهم"
عقد رحيم ما بين حاجبيه في تأثر عميق، ثم عقب قائلًا بأسلوب ينم عن رقة إنسانية بالغة
"أنت إنسان مرهف المشاعر سيد إيدين، ويبدو أنك تظن ما ليس في الواقع، إن نظراتهم إليك ليست إلا حزن صادق وتمنيًا لك بالشفاء العاجل، فلا تيأسْ من رحمة الله، وتذكر أن..."
توقف فجأة عندما سمع صوت صياح حاد في الخارج، صوت أنثوي يدل على غضب مستعر، وهي تتشاجر مع إحدى الممرضات
"كيف يسافر ولم يخبرني؟!، فهو الطبيب الوحيد الذي يتابع حالة جدتي منذ أن مرضت، ما هذا الهراء؟!"
أخبرتها الأخرى بأسف شديد وتواضع
"أعتذر منكِ بصدق، فأنا لا أعلم شيئًا، ولم يترك لنا أي خبر، هل تريدين أي مساعدة أخرى؟"
انفعلت الفتاة أكثر، واشتعل غضبها كالنار في الهشيم، فسألتها بسخرية حادة وهي تشير نحو جدتها المسنة
"مساعدة؟!، جدتي قد تدهورت حالتها وتزداد سوءًا يومًا بعد يوم، فماذا ستفعلين لها أنتِ؟!"
خرج رحيم مسرعًا، فوجد الممرضة تقف في صمت وأسف أمام تلك الفتاة الغاضبة التي تكاد تشتعل من شدة الانفعال، ألقى نظرة سريعة نحو السيدة المسنة التي تجلس وتنظر بخوف كالطفلة المذعورة، فاقترب من الفتاة بهدوء ينم عن حكمة ووقار، قال لها بصوت هادئ واثق
"من فضلك، ممنوع الصراخ والضوضاء هنا، فهذه مستشفى، يمكننا أن نناقش الأمر بهدوء، فالصراخ لن يجدي نفعًا، بل يزيد الأمر تعقيد"
رمقته بنظرة مليئة بالغضب، وسألته بتهكم لاذع
"ومن أنتَ أيها المتطفّل؟"
جز على أسنانه في صبر، ثم أجاب بأسلوب مهذب نقيض تمامًا لما فعلت
"أنا الطبيب رحيم عبد الرحمن"
انتبهت هنا إلى اسمه، فدارت عيناها نحوه بفضول مفاجئ، وسألته بلهجة مصرية خفيفة
"أنت عربي؟"
فأجابها باعتزاز وفخر يملآن صوته
"مصري"
فانقلبت حالتها رأسًا على عقب؛ ذهب الغضب كأنه لم يكن، وحلت محله ابتسامة عريضة بلهاء، مدت يدها نحوه بحرارة
"وأنا كمان مصرية زي بابا الله يرحمه، وإنجليزية في نفس الوقت زي ماما الله يرحمها"
مد يده بمصافحة سريعة مهذبة، ثم سألها بلطف
"أهلاً وسهلاً، وبابا كان منين في مصر؟"
شردت لثوان، كأنها تعود بالذاكرة إلى أيام بعيدة، ثم أضاءت عيناها عندما تذكرت جيدًا، فأجابت
"المعادي"
رد بابتسامة عريضة، وقال بحماس عفوي
"أحسن ناس، أنا عايزك ما تقلقيش على جدتك خالص، دكتور رينيه على حد علمي سافر بسبب ظروف عائلية، وأنا هنا مكانه مؤقتًا، بجانب الحالات اللي معايا، ومن النهاردة هتابع حالة جدتك، وإن شاء الله نتطمن عليها"
زفرت الفتاة زفرة أريحية عميقة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة مطمئنة، فقالت
"شكرًا يا دكتور، وبعتذر لو انفعلت عليك، أصل نناه مليش حد غيرها، هي اللي ربتني من بعد بابا وماما، واكتشفت من تلات سنين إنها مريضة زهايمر، وللأسف كل ما الوقت يعدي حالتها بتسوء، رغم إن دكتور رينيه كان بيطمني كل مرة، أنا من غير نناه أموت، كفاية إنها بتنساني كل شوية واقعد أفكرها أنا مين، وبقول مش مشكلة، المهم تبقى كويسة"
شعر رحيم بحزن، فاقترب منها خطوة أخرى واخبرها بنبرة تفيض بالتعاطف
"وأنا بقولك اطمني، أنا هخليهم دلوقتي يعيدوا الأشعة ويعملولها الفحوصات اللازمة عشان أشوف حالتها وصلت لأي مرحلة، بس عايزك تكوني مؤمنة وعارفة إن للأسف الزهايمر مرض بيأثر على الذاكرة مع الوقت، ومفيش علاج شافي يرجعها زي الأول، لكن نقدر نساعدها تعيش أحسن، فيه أدوية بتبطئ الحالة شوية، والأهم بقى هو اهتمامك بيها، كلامك، صبرك، تنظيم يومها، وجودك جنبها؛ ده أكبر دعم ليها حتى لو بتنسى، إحساسها بحبك بيفضل"
ابتسمت ابتسامة صافية، وشعرت بالطمأنينة تسري في أوصالها من حديثه الذي أثلج صدرها، فأومأت له برأسها وقالت
"أنا كل اهتمامي ليها، وعمري ما يأست، وعندي أمل إن تحصل معجزة وترجع بصحتها زي زمان، رغم الواقع والتقارير الطبية كلها بتقول إنها حالة ميئوس منها، بس كلامك دلوقتي لأول مرة بيطمني وبيرجعلي الأمل من جديد، شكرًا جدًا يا دكتور"
ردّ عليها بهدوء وثقة
"مفيش داعي للشكر، ده واجبي؛ غير إن جزء كبير من علاج أمراض المخ والأعصاب بيعتمد على العامل النفسي للمريض، فبنحاول على قد ما نقدر نعمل اللي علينا، والشفاء والتعافي بأمر الله سبحانه وتعالى"
"ونعم بالله، طيب ممكن أعرف حضرتك هتبدأ تتابع نناه من إمتى؟"
"من دلوقتي، أنا هابعت أجيب الملف الخاص بحالتها، ممكن تسبيها معانا وتنزلي تستريحي في الكافيتريا، كل اللي طالبه منك رقم أتواصل مع حضرتك عليه"
مدت يدها نحوه، فرمقها باستفهامٍ خفيف، فقالت بسرعة
"هات الفون أسجلك رقمي"
أخرج هاتفه من جيب معطفه الطبي، فاختطفته من يده بخفةٍ مرحة، تعجب للحظة مما فعلته دون استئذان، لكنه انتظر بهدوء.
نقرت على الأرقام بسرعة، ثم قامت بالاتصال على هاتفها؛ فصدح رنينه في جيبها، ثم أنهت المحاولة وأعادته إليه، فسألها
"هسجّله باسم مين؟"
نظرت إليه بعينين تلمعان بالود، وأجابت بابتسامة رقيقة
"اسمي چومانة كرم"
❈-❈-❈
بالعودة إلى أرض الكنانة، وصل قصي للتو برفقة عائلته الصغيرة إلى مهبط الطائرات الخاص، استعدادًا للانطلاق صوب إيطاليا.
وما إن هبطت صبا من السيارة حتى وجدتِ الطائرة في انتظارهما، فاندفع صغيراها يركضان بمرح طفولي عفوي يفيض حيوية وبراءة، وبرفقتهما المربية زينات.
مد يده إلى زوجته ليسرا معاً، ذهبا نحو باب الطائرة للصعود إلى داخلها.
وما إن وضعت قدمها الدرجة الأولى من السلم حتى توقفت فجأة، إذ داهمتها الذاكرة بأسوأِ ما فيها ما حدث في أول زواجها، فتجمدت على السلم فالزمن أعاد لها تلك اللحظات من جديد.
فلاش باك...
انتبهت فجأة إلى تلك الموسيقى الآتية من الخارج، نغمات خافتة تتسلل كالدخان المتعرج، فخرجت على الفور تتجه نحو مصدر الصوت.
وجدته جالسًا على الأريكة الجلدية الفاخرة، بيده كأس من النبيذ المعتق يتلألأ في ضوء الإضاءة الخافتة، وبيده الأخرى سيجارته التي لم تفارقه قط،
ارتشف من كأسه حتى رفع عينيه إليها، فلاحظ تلك الحمرة اللامعة على شفتيها ،
ارتسمت ابتسامة على ثغره، لكنها لم تمس عينيه، عقدت حاجبيها بضيق وقالت "أنت بتضحك على إيه؟، شايف أراجوز واقف قدامك؟! "
نهض تاركًا الكأس والسيجارة فوق الطاولة، واقترب منها بخطوات هادئة محسوبة، فأمسك بيدها ووضع يده الأخرى على جانب خصرها، ثم همس بجانب أذنها
"بالعكس، أنا شايف قدامي أجمل بنت شافتها عينيا..."
قالها وأطلق تنهيدة عميقة، فلامست أنفاسه الساخنة بشرة عنقها ووجنتها، شعرت بالتوتر يعصرها، وأرادت أن تبتعد، لكنه شد من قبضتيه حتى لا تفلت منه. حدقت في عينيه، فأدركت أنه بدأ يثمل، والخمر يسيطر على حواسه تدريجيًا.
"ليه كل ما أقرب منك بتبعدي؟! ... ليه مش عايزة تحسي بقلبي اللي بيعشق كل حاجة فيكي؟! ... تعرفي نفسي إيه؟ تخديني في حضنك وأفضل نايم جواه... عارفة ليه؟"
نظر في عينيها بعشق جامح لا يدرك مشاعره التي يتفوه بها، ثم أردف
"عشان بحبك..."
وقبَّل جبهتها بلطف
"وبعشقك..."
ثم طبع قبلة على وجنتها
"وبموت فيكي..."
كادت تبتعد خشية أن يلتقم شفتيها، ففاجأها بعناق قوي، وسألها
"إشمعنا هو يا صبا؟! ... يفرق إيه عني؟! ... ها؟ جاوبيني!"
ابتعد برأسه قليلاً، واقترب بشفتيه من وجنتها مرة أخرى، وقال بنبرة مليئة بالحب والشجن والهيام النابع من أعماقه "ساكتة ليه؟ ها؟"
نظرت إليه في عينيه، فتجمعت عبراتها، وطبقت شفتيها بقوة حتى تمنع انسدال الدموع.
وضع يده على وجنتها، يتلمسها بحب وشغف
"ساكتة ليه؟ ...، ريحي قلبي اللي بيموت كل يوم وهو شايف صورته جوا عينيكي..."
(يقصد آدم)
"أنا... أنا بعشقك أوي يا صبا..."
حاوط وجهها بكفيه، وأنهال على شفتيها ليروي ذلك الظمأ وجفاف قلبه، الذي يتوق إلى أمطار حبها لتبعث فيه الحياة من جديد بدلاً من السواد المسيطر عليه بالانتقام.
دفعته بقوة في صدره واخبرته دون تردد
"عشان بحبه ومش قادرة أنساه!"
صاحت بها وهي ترمقه بغضب لم تدرك أن جملتها تلك أيقظت بداخله شياطين الشر التي تملكت منه للتو، وقد يحدث ما سيجعلها تندم لاحقاً.
تحولت نظرات العشق في عينيه إلى نظرات تتخللها ابتسامة تلتمع من بين أسنانه كوميض، ابتعدت بخوف واتجهت تركض نحو الرواق، بينما هو يخلع سترته ويلقيها أرضًا، يسرع خلفها بخطوات تسبق دقات عقرب الثواني.
دلفت إلى الحجرة وتتعالى دقات قلبها من الخوف، ترتعد أوصالها من الرعب. كادت توصد الباب، لتسبقها قدمه التي وضعها حاجزًا يمنع إغلاقه، فدفعه بقوة حتى ترتمي على الأرض.
"بتحبيه؟!، ومش قادرة تنسيه؟!... أنا هخليكي تنسيه يا صبا... هخليكي تنسيه خاالص"
صاح بها وهو يجذبها من خصلات شعرها، فصرخت بألم
"آآه فوء يا قصي أنت سكران..."
تحاول أن تفلت منه وتحرر شعرها من قبضته، فصاح بها مخبراً إياها
"أنا فايق... وفايق أوي كمان لكل كلمة قولتيها... بس عايزك تفتكري كويس أنا ياما حذرتك"
"أرجوك بلاش يا قصي... أنا آسفة... مش هجيب سيرته تاني خالص..."
قالتها بنبرة توسل وهي تبكي، جذبها أكثر إلى أعلى، ثم ألقى بها على السرير الذي تتسلط عليه أضواء من السقف كأنها
، التقط المعطف الذي كانت ترتديه، وسحب الحبل الذي يتوسطه، فاعتلاها وأمسك بيديها وضمهما معًا خلف ظهرها.
"أنا آسفة يا قصي... حقك عليَّ... مش هجيب سيرته تاني..."
تكررت تلك الكلمات وهي تصرخ بها، وهو لم يبالِ لها، إذ غيب الخمر عقله تمامًا. انتهى من تقييد يديها، ثم أمسك رأسها من الخلف ليقربه من وجهه، وهو يحدق في عينيها قائلًا
"عايزك قبل ما تنطقي اسمه تفتكري اللحظة دي كويس"
ألقاها، ثم مد يديه إلى تلابيب ثوبها وقام بنزعه وتمزيقه!
وإذ بصوته يجفلها فجأة، ينتشلها من ظلام ذكرياتها المتكدس، فعاد بها إلي الوقت الحالي
"صبا، أنتي كويسة؟"
رمقته بشبه ابتسامة، وأومأت برأسها
"أنا بخير... هو احنا مسافرين على الطيارة دي ليه؟"
وتحاشت النظر إليه، لكنه كعادته من نظرة واحدة خلف نظارته الشمسية أدرك وعلم جيدا بما يعتمل في خاطرها.
وضع يده على ظهرها، وربّت بحنان يعرفه قلبها جيدًا، فاخبرها
"الطيارة اللي كنا المفروض نسافر عليها للأسف محتاجة صيانة، مكنش قدامي غير دي... وأنتي عارفاني مش بآمن ركوب طيارات خاصة مش تبعي، خصوصًا وأنتي والولاد معايا"
رمقته بعينين تحملان حزن حاولت إخفاءه، لكنها فشلت فشلًا ذريعًا.
"أنا ما بحبش الطيارة دي"
تنهد بعمق، ثم قال بهدوء مطمئن
"أنا فاهم عدم حبك ليها، بس ده كان ماضي وراح... تعالي نجدد فيها ذكريات حلوة، وشوفي المرة دي احنا مش لوحدنا، بقى معانا مالك وزينب وأخوهم اللي جاي في السكة"
وضع يده برفق على بطنها، و احتضنها في آن واحد، فأراحت رأسها أسفل ذقنه، مستسلمة لدفء حضنه.
ثم صعدا معًا إلى داخل الطائرة، دلفت ودارت بعينيها تتفحص المكان، فلاحظت تغييرات بسيطة لكنها ملحوظة.
شعرت بيده على كتفيها حين همس لها
"أنا عملت شوية تجديدات هاتعجبك"
فالتفتت خلفها لتطمئن على صغيريها، وجدتهما يجلسان مع زينات في مرح عفوي، يضحكان ويلعبان.
أمسك بيد زوجته وقال لها
"تعالي هوريكي حاجة"
وسارا معًا في الرواق الضيق، وعيناها تتابعان تفاصيل كل شيء حتى توقفتا أمام غرفة النوم.
كادت تأبى الدخول، لكنه سحبها برفق حازمٍ إلى الداخل، وأغلق الباب خلفهما.
"إيه رأيك؟"
لاحظت التغييرات الكثيرة في غرفة الاستراحة؛ الألوان أصبحت أكثر دفء، الأثاث أنيقًا بطريقة مختلفة، والإضاءة ألطف، كأن المكان قد نفض عنه غبار السنين القديمة.
احتضنها من الخلف وقال بهمس عميق
"ما تيجي نحذف أي ذكرى وحشة حصلت هنا"
لم يمهلها الرد، فبدأ يقبِّل عنقها بلطف متصاعد، استدارت لتصبح أمامه، وقالت محاولة التماسك
"و ده وقته؟!، ولادك كمان صاحيين بره، يعني في أي وقت هييجوا يخبطوا"
"ما تقلقيش، معاهم داده زينات اللي بالتأكيد هتفهم سبب غيابنا، فهتاخد بالها منهم"
"أنت ما بتضيعش أي فرصة خالص!"
عانقها بحميمية أعمق، وأجاب بثقة وفخر يملآن صوته
"يعني بذمتك عايزاني أشوف القمر اللي خاطف قلبي معاه وإحنا طايرين فوق السحاب وما أستغلش الفرصة وأعبر له قد إيه هو واحشني!"
كلماته مع نظرة عينيه اللامعة وابتسامته الساحرة، أشعلا في صدرها نيران الحب من جديد، تذكرت مرة أخرى صغيريها، فترددت وقالت
"قيصو حبيبي، تعالي نأجل أي حاجة لما نوصل إيطاليا بالسلامة"
تجهمت ملامحه لثوان، ثم تحولت إلى ابتسامة ماكرة، وقال بإصرار وحسم
"وأنا طالبة معايا هنا"
وقبل أن تفترق شفتاها للاعتراض، التقطها في قبلة مثيرة عميقة، وعانقها عناقًا جعلها كالهلام بين ذراعيه، مستسلمة لقوة الحب والشوق الذي لا يُقاوم.
انحلت بين ذراعيه كقطعة ثلج تحت دفء لهيب طال انتظاره، فاستسلمت للقبلة، شفتاه تلتقمان شفتيها برفق يتحول تدريجيًا إلى جوع مكبوت، أنفاسهما تختلط في رقصة صامتة، وأصابعه تغوص في خصلات شعرها المنساب كالحرير، يجذبها نحوه أكثر فأكثر، كأنه يخشى أن تذوب في الهواء إن تركها لحظة واحدة.
رفع رأسه ببطء، فترك شفتيها تلهثان، محمرتين، مبللتين بعشقه، نظر إليها بعينين غارقتين في بحر من الحنان والرغبة المشتعلة، وضعت يدها علي صدره فارتجفت، تشعر بدقات قلبه المتسارعة كأنها طبول حرب ، قبَّل راحة يدها بلطف يُذيب القلب، ثم رفعها إلى شفتيه مرة أخرى، يقبِّل كل إصبع على حدة.
يعلم أنها في حالة من التوتر، فترك يدها و فتح لها ذراعيه قائلًا
"تعالي... خليني أحضنك، مش عايز حاجة دلوقتي غير إني أحس بالدفا ونفسك على رقبتي، وصوت قلبك اللي بيردد اسمي جواكي"
سحبها برفق يشبه الرجاء إلى حضنه، جلس فجعلها تجلس وجهها مقابل وجهه، فأحاطها بذراعيه كأنه يُشكل درعًا من لحمه وعظمه حولها.
أسندت جبهتها على جبهته، وأغلقت عينيها، تشعر بدموع ساخنة تتسلل من تحت جفنيها، فها هي هرمونات الحمل في أوج نشاطها و تقلباتها المزاجية.
رفع يده بلطف، مسح الدمعة التي انزلقت على خدها بإبهامه، ثم قبَّل المكان الذي كانت فيه، كأنه يمحوها بفمه.
"عشان خاطري بلاش عياط، أنا مقدر حالتك النفسية، بس مش عايز اشوف دموعك"
انحنى وقبَّل عنقها ببطء شديد، قبلة طويلة تترك أثرًا من الحرارة، ثم انتقل إلى أسفل أذنها، يهمس بين القبلات
"بحب ريحتك... بحب صوت ضحكتك لما بتكوني مسترخية... بحب كل حاجة فيكي"
ارتعشت في حضنه، وأحاطت عنقه بذراعيها، تضمه بقوة كأنها تخشى أن يختفي، دفنت وجهها في كتفه.
ابتسم من ما تفعله، قبَّل قمة رأسها مرات متتالية، ثم رفع وجهها بأطراف أصابعه لينظر في عينيها.
وضع كفه على بطنها بحنان لا يوصف، يداعبه بأطراف أصابعه ، ثم عانقها حتى التصق جسداهما تمامًا، واستلقيا معًا على السرير.
دثرها بجسده جزئيًا، ليس برغبة عابرة، بل حماية وحب يفيضان من كل خليةٍ فيه.
"نامي في حضني... و نبقي نصحى في إيطاليا"
أغلقت عينيها، وابتسمت ابتسامة صغيرة مطمئنة، وهي تشعر بأنفاسه المنتظمة على جبينها، ويده تُربت على ظهرها بحركة هادئة، ظل كليهما علي هذا الوضع حتي شعر بأنفاسها التي انتظمت فعلم أنها استسلمت للنوم وغفت بين أحضانه.
❈-❈-❈
جلس أمام المدفأة المتأججة، يمسك ألبوم صور قديم، مليئًا بلحظات قديمة، تجمعه هو وسيلينا وشقيقه في أواخر العشرينيات من عمرهما.
كانت الصور تروي قصة صامتة، فهناك منها ينظر إلي شقرائه بعينين تفيضان عشق خالص، وهي دائمًا ما تتجه نحو شقيقه، الذي كان يتباهى بأنها هي من تركض خلفه.
ابتسم بسخرية مريرة، ابتسامة تخفي جرحًا لا يندمل، ثم رفع يده الأخرى التي تحمل كأس الفودكا، فجرعها دفعة واحدة، عسى أن يُخفف الخمر من لهيب الألم الذي يعصر قلبه.
لكن كيف يُخفف الخمر ما لا دواء له؟، فألم الحب المُستغل، حين يُحب المرء شخصًا بقوة ويكون ذلك الشخص يعلم بحبه فيستغله بوقاحة لا تُطاق، ذلك الألم يظل ينخر في الصدر كالصدأ في الحديد.
فجأة قطع الصمت صوت تكسر زجاج كأس الخمر في قبضته؛ كان قد شد عليه حتى تحطم، وسال الدم الممزوج بالفودكا على أصابعه، لكنه لم يشعر بألم الجرح، فجرح القلب أعمق وأشد.
دخل أحد رجاله، وقف بثبات عسكري، وقال بصوت منخفض محترم
"سيدي، لقد علمنا أين هي الآن"
أجابه فلاد بتهكم بارد، وهو لا يزال جالسًا أمام اللهب المتمايل
"لم تأتِ بجديد، أريد معرفة جميع تحركاتها دون أن يلفت أحدكم انتباهها"
"أمرك، سيد فلاد"
أشار له بيده أن يغادر، ثم نهض ببطء متأن، كأنه يُعد نفسه لفعل طال تأجيله يومين كاملين.
غادر دفء المدفأة، وسار بخطوات ثقيلة لها ايقاع يُرعب أعداءه، خطوات تُنبئ بقادمٍ لا رحمة فيه.
نزل إلى القبو البارد، ذلك السجن الذي يقبع فيه الخائن الذي اقتحم قلعته برجاله و ساعد سيلينا علي الفرار، فكان مقيد الأطراف، معصوب العينين، يرتعد من البرد والخوف.
وحين سمع صوت الخطوات تقترب، ارتعش هذا المكبل وأرهف السمع، حتى وقف فلاد أمامه ورفع يده، نزع العصابة عن عينيه بعنف، فنظر الرجل إليه برعب يفوق الوصف.
تفوه فلاد بصوت هادئ يحمل غضب مستعر
"هل اعتقدت أن ما فعلته من مخطط أحمق واتفاقك مع عاهرتي الشقراء، سيمر كمرور الكرام بهذه السهولة؟!"
اقترب أكثر، حتى لامست أنفاسه أذن الرجل، وأردف بهمس يقطر سم
"أنا أعلم بكل شيء قبل أن يحدث، تركتك تنفذ وتفعل ما تشاء أنت وهي، كنتما تظنَّان أنني أحمق؟! ها؟، بل الأحمق هو من يتعامل مع الآخرين على أنهم أغبياء، من الممكن أن أقتلك الآن، لكن لا... فالحمقى أمثالك لا يستحقون شرف الموت، بل سأجعل الموت أمنيتك الوحيدة... والآن"
أخرج سلاحه من خلف بنطاله، شد أجزاءه ببرود، بينما صاح الرجل المقيد برفض هستيري، حيث اعتقد إنه سيقتله
"لا... لا... لا..."
فأسكته رصاصات انطلقت من فوهة السلاح، استقرت في قدميه، صرخ الرجل من الألم الذي مزق أعصابه، فأخبره فلاد ببرود جليدي
"سأتركك هكذا حتى تتعفن ساقاك وتزهق روحك على مهل"
بصق عليه باحتقار، ثم تركه يئن في الظلام، وصعد إلى الأعلى.
نادى على أحد رجاله الذي حضر في الحال، فألقى عليه الأمر الصارم
"أبلغ الرجال أن لدينا رحلة سفر الآن"
سأله الرجل بحذر
"إلى أين سنسافر يا زعيم؟"
أجاب زعيمه باقتضاب، وعيناه تنضح بكل ما هو آت من إعصار لا يهدأ، وعد بالانتقام الذي طال انتظاره، ووعد بأن يسترد ما سُرق منه، مهما كلفه الأمر
"إلى إيطاليا"
الفصل السابع والثلاثون
وصلت الطائرة للتو وهبطت على الأراضي الإيطالية، انفتح بابها ببطء، فظهر قصي ممسكًا بيد ابنته الصغيرة بكل رقة وحنان، بينما كانت صبا تمسك بيد ابنها، ليجدوا كنان ورجاله في انتظارهم بوقار وترحاب.
"حمدالله علي السلامة يا باشا"
فتح ذراعيه على اتساعهما ليعانق صديقه، وربت كلاهما على ظهر الآخر بروح مليئة بالسعادة والحبور.
"الله يسلمك يا كنان"
وفجأة صدح رنين هاتفه، فرفع يده قائلاً
"هرد علي التليفون، اركبوا العربية عقبال ما اخلص"
فتقدمت الصغيرة نحوه بخطى خفيفة ومدت يدها الصغيرة.
"أزيك يا أونكل كنان، أنت كنت فين كل ده؟"
هبط على عقبيه حتى استوى على مستوى عينيها، وأمسك يدها الصغيرة يقبّلها مبتسمًا من خلف نظارته الشمسية.
"حبيبة قلب أونكل، أنا موجود بس كنت مشغول شوية"
ثم اعتدل واقفًا، فنظر إلى صبا نظرة سريعة دون تحديق مباشر، إنه يعلم تمامًا مدى غيرة صديقه، واكتفى بابتسامة ترحيبية رقيقة.
"حمدالله علي السلامة يا مدام صبا"
أجابته مبتسمة بدورها ومدت يدها بتلقائية، فشعر بالحرج واضطر أن يصافحها لكن بدون أن يحتوي يدها.
"الله يسلمك، فينك من زمان، حتي مابقتش تجيب الولاد و مامتهم وتيجوا عندنا"
جذب يده سريعًا ونظر نحو قصي، فوجده وإن كان منشغلاً في المكالمة الهاتفية، يراقب ما يحدث بعينين حادتين. فأومأ كنان لزوجة صديقه باقتضاب وشبه ابتسامة قائلاً
"مشاغل الحياة، والشركة واخده كل وقتي"
"ربنا معاك ويوفقك"
وقبل أن يجيب كنان، تدخل قصي بإطلاق زفرة مسموعة للجميع، تحمل ضجرًا يتخلله بعض الغضب، وتعابير وجهه خير دليل على ذلك.
حدقت إليه زوجته بنظرة جانبية انتبهت لها، فقال
"يلا علي العربية"
كان السائق في انتظارهم، ففتح باب السيارة ذات الدفع الرباعي السوداء الفخمة، ووقف كنان جوار الباب ينتظر صعودهم أولاً.
صعد الصغيران أولاً، يليهما السيدة زينات، ثم صبا التي كادت تصعد، وإذا بها في لحظة تتعثر قدمها.
وبدون أن تنظر إلى من يقف جوارها، استندت تلقائيًا لتتجنب الوقوع، فاليد التي تشبثت بها ارتجف صاحبها بحرج شديد.
وقبل أن تنتبه، أمسكها زوجها من خصرها ليدفعها بلطف إلى داخل السيارة وصعد خلفها.
ابتلع كنان ريقه وحمحم قائلاً
"علي مهلكم"
ثم فتح باب السيارة الأمامي وصعد ليركب جوار السائق، بينما في الخلف، فكانت المقاعد المتقابلة تتسع لعدة أشخاص.
انشغل الصغيران بالحديث مع زينات وهما يراقبان الطائرات المحلقة في السماء بإعجاب، بينما رمقت صبا قصي وهمست له من بين أسنانها
"علي فكرة، أنا مكنتش واخدة بالي سندت علي ايده عشان تقوم رفعني من وسطي وتدخلني زي العيلة الصغيرة، و كنت هاتكفي علي وشي"
رمقها زوجها من خلف نظارته الشمسية بنظرة صاحبها الصمت الثقيل الذي لازمه منذ أن استيقظت قبل هبوط الطائرة.
تجاهل نظرتها تمامًا وأمسك بهاتفه ليجري اتصالاً، وكأنها تتحدث مع ذاتها.
زفرت بضجر ونظرت أمامها، فتلاقت عيناها بعيني مربيتها التي رمقتها بإيماءة أدركت منها الأخرى أن تهدأ ولا تتحدث مع زوجها الآن.
فأخرجت هاتفها لتشغل نفسها به، وما إن فتحت شبكة الإنترنت حتى تلقت رسالة من الشركة الأجنبية على البريد الإلكتروني، وفحواها كالآتي
«مرحباً مدام صبا... أننا نذكرك بموعد المقابلة للتعاقد والذي سيكون بعد الغد، نرجو الرد خلال 24 ساعة».
مسحت جبينها عندما تذكرت أمر الشركة والتعاقد، ثم قامت بإرسال رسالة صوتية لمساعدتها الخاصة
«سالي، ابعتيلي Design Files و CAD Patterns ضروري»
انتهت من الإرسال وعادت بظهرها إلى الوراء وهي تنظر إلى شوارع إيطاليا الجميلة، فكان السائق متجهًا إلى ميناء على ضفاف نهر البو، حيث ينتظرهم اليخت، حيث صعدوا جميعًا، والوجهة المنزل الصخري الفخم على جزيرة في نهر البو شمال إيطاليا.
❈-❈-❈
وفي مصر أرض الكنانة، يفتح باب منزله كما يفعل كل يوم بعد انتهاء عمله، فوجد ابنه وابنة زوجته في انتظاره وكأنهما كانا يحسبان دقائق عودته.
ألقى التحية أولاً
"السلام عليكم"
ردد الصغار التحية بصوت واحد، وركض كلاهما نحوه فعانقهما بلهفة أبوية دافئة وقال بحنان يفيض بالمحبة
"حبايبي"
وربت يداه على ظهريهما بحنان غادق يسكب فيهما الطمأنينة، انحنت ريتاچ على أذنه تخبره بهمس لا يسمعه سواه
"هاقولك علي حاجة يا بابا طه، ماما من الصبح قاعدة في الأوضة لوحدها، وفاتحة الموبايل علي صورتك وعماله تكلمك وتعيط وبعدها تضحك زي المجنونة"
شرد للحظة في حديث الصغيرة، ثم انتبه إلى ما قالته عن والدتها، فرمقها بعتاب لطيف
"عيب يا ريتاچ نقول كده علي ماما، و عيب برضه نتصنت علي حد حتي لو لوحده، أنا علمتك كده؟"
هزت رأسها بنفي ونظرت إلى أسفل بأسف وندم واضحين
"أنا آسفة يا بابا مش هاعمل كده تاني"
ربت عليها بحنان وقبل رأسها وقال
"حبيبتي ربنا يكملك بعقلك"
وفي الداخل، ما زالت زوجته تمكث في الغرفة حتى غلبها النوم وهاتفها في يدها. دلف بخطوات حذرة وبدون صوت، اقترب منها برفق، ثم سحب الهاتف من يدها بهدوء وقام بفتحه ليجد ما قالته الصغيرة صحيح تمامًا.
اعتلت السعادة محياه، واطمأن قلبه حين تأكد أنها ما تزال تحبه، ولكن كرامتها وكبرياؤها هما اللذان يتعاملان معه بحدة ونفور بسبب ما اقترفه في حقها، لذا عزم على محاولة ليست بالأخيرة، وعلى ثقة تامة بأنه سينجح كما يريد.
أعاد إليها الهاتف في يدها برفق، ثم ذهب ليفتح الخزانة وأخذ ثياب له متعمدًا إصدار صوت لينبهها بأنه قد عاد من عمله. وبالفعل قد انتبهت من نومها إلى أنه في الغرفة، فتحت عينيها نصف فتحة ثم أغمضتهما بسرعة عندما سمعت رنين هاتفه، وتصنعت النوم.
سمعته وهو يجيب على الاتصال بصوت خافت، لكن حاسة السمع القوية لديها التقطت كل حرف بعناية
"ألو؟ "
........
"أيوه أنا طه سالم البحيري"
..........
"اه عندي واتس، ممكن حضرتك تبعتيهم وأنا هاجي بكره أخدهم... تمام... سلام"
أنهى المكالمة وتنهد، ثم نظر نحو تلك النائمة وهو على يقين أنها مستيقظة وتسمعه.
ترك هاتفه على طاولة الزينة وذهب ليستحم كعادته، بينما هي نهضت سريعاً وذهبت أولاً لتتأكد أنه يستحم، حتى سمعت صوت المياه الجاري فاطمأنت، عادت مسرعة إلى الغرفة، والشك يأكل قلبها أكلاً، فحدسها يهمس لها بأن ثمة أمراً يخفيه، أمراً لا يبشر بخير على الإطلاق.
فتحت هاتفه بيدين مرتجفتين لتجد رسائل صادرة على برنامج الدردشة من رقم مسجل باسم
«مركز السلام للأشعة والأورام»!!
رجفة عنيفة أصابت جميع خلايا جسدها بمجرد قراءة اسم المرسل، ووجدت صورة أشعة للمخ لم تفقه منها شيئاً، وصورة أخيرة مرفقة بتقرير طبي باللغة الإنجليزية.
دقات قلبها خفقت كقرع الطبول، فما كان منها إلا أن أرسلت لنفسها كل الصور والتقرير على الفور، ثم أمسكت بهاتفها وفتحت تطبيق الذكاء الاصطناعي مساعدها الافتراضي، واستدرجت كل الصور إليه وأعطته أمر الترجمة والشرح التفصيلي.
مرت لحظات كمرور الدهر حتى أعطاها الترجمة والشرح المبني على كم هائل من المعلومات الطبية المخزنة لديه
«تقرير أشعة بالرنين المغناطيسي على المخ... أظهر الفحص وجود كتلة ورمية غير منتظمة في الفص الجبهي الأيسر من المخ، يبلغ حجمها التقريبي نحو (5 سم)، مع انتشار وذمة شديدة بالأنسجة المحيطة وتأثير ضاغط واضح على البطين الجانبي وانحراف بسيط في الخط المتوسط للدماغ... الخصائص الإشعاعية للكتلة تشير إلى ورم دماغي خبيث عالي الدرجة وفي مرحلة متقدمة.
الصورة الإشعاعية تتوافق مع ورم خبيث متقدم بالمخ مع تأثير كتلي ملحوظ...
يوصى بالتقييم العاجل من قبل فريق جراحة المخ والأعصاب لتحديد مدى إمكانية التدخل العلاجي»
قرأت التقرير عدة مرات، ودعت ربها مراراً أن تكون مجرد مزحة أو مقلب، لكن شعار المركز، وبيانات زوجها الشخصية، واسم فني الأشعة المدون أسفل التقرير، كل هذا كان حقيقياً لا جدال فيه.
رعشة أخرى أصابت أوصالها، وشعور بالاختناق داهم صدرها الذي كان يعلو ويهبط بعنف شديد.
هل ما قرأته صحيح؟!، كيف ومتى حدث ذلك؟، ولماذا لم يخبرها به؟، تذكرت آخر حديث بينهما، وكم الندم الذي يعيش به، واعتذاراته المتكررة لها لعلها تغفر له وتسامحه.
مشهد سابق...
انتبهت إلى ما أعده لها من أجواء شاعرية مصطنعة؛ مائدة يتراقص فوقها وهج الشموع الذهبية، وورود متناثرة كأنها محاولة متأخرة لرتق قلب مكسور، وأطباق طعام شهية تفوح بروائحها، وعلبة مغلفة بالمخمل الأحمر، توحي بأنها هدية محملة بالاعتذار.
في عينيه ارتسم ندم ثقيل، جلس على إحدى ركبتيه أمامها، وأمسك يدها قائلًا بصوت خرج من أعماقه
"والله العظيم ندمان ندم عمري، وطالب السماح وفرصة أخيرة، وأوعدك وعد راجل حر عمري ما هكررها تاني، أنا ماليش غيرك، وعمري ما هلاقي واحدة زيك، بنت حلال وبنت أصول، شايلاني وشايلة بيتي وولادي في عينيها، وأنا كنت غبي يوم ما فكرت أبص لغيرك، والشيطان عمال يدورلي على حجج ومبررات كانت حلولها سهلة وبسيطة، لكن أنا زي أي واحد استسهل الحرام وأنا معايا جوهرة"
انحنى وقبّل يدها، ثم وقف وهو يقول
"أنا آسف يا شيماء، حقك عليّا، كفاية بقى بعاد وخصام، خلينا نفتح صفحة من أول وجديد، أنا بحبك أوي، ومش قادر أستحمل بعدك عني أكتر من كده"
بينما هي تقف أمامه صامتة، لكن عينيها كانتا تصرخان بما عجز اللسان عن قوله؛ تحكيان عن وجع ثقيل عاشته الأيام الماضية، وعن خيانة نزفت قلبها وأحدثت فيه شروخ وجراح لا تلتئم.
"بحبك أوي يا شيماء"
تفوه بالكلمات من فؤاده واقترب منها، قبّل رأسها، ثم مال نحو شفتيها، بينما عيناها لا ترى إلا المشاهد التي حفرت ذاكرتها في الغردقة، يوم رأته برفقة روميساء.
دفعته قبل أن تمس شفتيه خاصتها، وانفجرت ثورة الوجع والحزن المختزنة بداخلها صراخات في وجهه
"أنت فاكرها بالساهل كده يا ابن الشيخ سالم؟!، أنت عارف عملت فيّا إيه؟!، أنت كسرتني، خيانتك ليا عملت جوايا شرخ كبير عمال ينزف من ساعتها لحد دلوقتي، أنا وجودي معاك هنا مش علشانك، ولا علشان مش قادرة أبعد عنك، أنا سبب وجودي عشان خاطر الولاد، مالهمش ذنب أعيشهم مشتتين ما بينا لو انفصلت عنك، مضطرة أجي على نفسي وأستحمل أشوفك كل يوم في وشي عشانهم، ولو عندك ذرة عشم إني أسامحك وأرجع، يبقى أنت غلطان، أقولك عشان ترتاح، وأنا اللي بقولهالك بنفسي، روح اتجوز يا طه، روح اتجوز أحسنلك، لأنك هتفضل بالنسبة لي أبو عيالي وبس"
ألقت كلماتها كأنها حجارة، وتركته خلفها، وأسرعت بخطوات متعثرة نحو غرفة صغارها قبل أن يرى دموعها، دوى صوت صفق باب المنزل، فاهتزت جدران الشقة ونوافذها، وارتفع صدرها يعلو ويهبط بعنف، هنا فقط انهارت، وجلست على الأرض وأجهشت في بكاء مرير، بكاء امرأة انكسر قلبها ولم يبقَ لها سوى الصبر.
عودة إلي الوقت الحالي...
❈-❈-❈
وها هم الآن قد وصلوا جميعًا إلى المنزل الصخري المكون من طابقين، يرتفع شامخًا كحصن منيع يحتضن أسرارًا وذكريات منذ عشر سنوات.
ينتشر الحراس في كل الأرجاء، يقفون كالأعمدة الراسخة، يراقبون كل زاوية بيقظةونشاط.
يركض الصغيران بمرح طفولي عفوي، يسبقان والديهما ومربيتهما إلى الداخل،
استقبلتهم مديرة الخدم و التي تدعى ماتيلدا بسرور غامر وترحاب حار يفيض بالود والإخلاص، قائلة بابتسامة مشرقة
"أهلاً وسهلاً بك سيدي و بالسيدة صبا"
أومأ لها قصي بابتسامة
"أهلاً بكِ ماتيلدا"
ورددت صبا نفس ما قاله زوجها، لكنها تقدمت الجميع وصعدت إلى الأعلى، وهي تتذكر تفاصيل ذاك المنزل قطعة قطعة، وكيف كان حالها عندما أتى بها إليه أول مرة.
حاولت أن تكون غير مبالية للماضي، وأن عليها الاستمتاع بالعطلة، وقبل كل ذلك ترى سبب غضب زوجها الكامن، وعليها أن تتلاشى توابع هذا الغضب حتى لا تفسد عطلتهم التي يعد لها منذ زمن.
جلست على طرف الفراش، تخلع حذاءها بهدوء، وتمدد ساقيها بتأوه خافت، فتتدفق في جسدها موجة من الراحة اللحظية.
دلف قصي وهو يخلع سترته ببطء، ثم ذهب إلى غرفة الثياب، نهضت دون أن إصدار صوت، ولحقت به في خطوات خافتة كالنسيم.
يخلع قميصه، فشعر بها وهي تعانقه من ظهره وتسأله بدلال رقيق
"حبيب قلبي وروحي ماله زعلان ليه؟"
أزاح ذراعيها عنه وزفر بضيق شديد، فالتفت إليها وفاجأها بملامح يكسوها التجهم، هيهات وهدر بها قائلًا
"من امتي و انتي بتمدي إيدك بتسلمي علي راجل غريب؟!، و عماله ترغي و تدي و تاخدي معاه في الكلام ليه؟"
اتسعت عيناها وتفاجأت من حديثه، فقالت بصوت يرتجف من الدهشة
"أنت أكيد بتهزر يا بتهزر صح؟"
رمقها بغضب وبنبرة أجفلتها، فهدر بها مرة أخرى
"أنا ما بهزرش في المواضيع دي وأنتي عارفة كده كويس، و مش معني إن بحاول أغير من نفسي للأحسن يبقي تخليت عن نخوتي يا هانم!"
رددت ما قاله بتعجب ودهشة بالغة
"نخوتك!!، لاء بقي دي تلاكيك، أولاً مديت إيدي من غير قصد والسلام كان مجرد ثواني، و كان كلامي معاه مجرد سؤال و بطمن علي مراته وولاده، و خد بالك من كلامك عشان ماتندمش عليه زي قبل كده"
اقترب منها حتى شعر بأنفاسها الدافئة، ليخبرها بتحذير صارم
"و انتي كمان خدي بالك من تصرفاتك، عشان رحلتنا هنا تعدي علي خير"
رمقته بضيق وصدمة عميقة، كيف له أن يتحدث معها بذلك الأسلوب الجاف القاسي!، انتفخت أوداجها فأخرجت زفرة بنفاد صبر، وهَمت بتركه مغادرة الغرفة بالكامل.
هيهات وجدت يدها تنجذب فجأة بقوة، حيث جذبها من ساعدها ليجعلها تقبع بين ذراعيه، جعل رأسها تتوسد صدره، فسمعت نبضات قلبه الهادرة كالطبول الثائرة، يغمض عينيه ويسند ذقنه أعلى رأسها، وأنفاسه ثائرة مضطربة.
مرت لحظات ثم هدأ، بينما هي ظلت ساكنة كالتمثال حتي رفعت رأسها ببطء ونظرت إليه في محاولة لقراءة ما يدور في رأسه.
بعد أن هدأت ثورة الغضب قليلاً، عكس نبرتها الثائرة منذ قليل، سألته بهدوء وصوت حاني يعانق القلب بدفء، وذلك بعد أن حاوطت وجهه بين كفيها الناعمتين، كأنها تمسك بأثمن ما في الدنيا
"قول اللي جواك وفضفض لي، مالك يا حبيبي؟"
رمقها بصمت عميق، حتى مرت دقيقة وربما أكثر، فتنهد تنهدًا طويلًا وأخبرها
"معلش يا صبا، ممكن تسيبيني مع لوحدي شوية"
رمقته بحزن وبعتاب رقيق
"من غير ما تقولي أنا عارفة إيه اللي مضايقك، مش حوار سلمت علي كنان، أنت متضايق من وقت ما ركبنا الطيارة و دخلنا نريح في الأوضة اللي كانت بتجمعنا فيها ذكري ما بحبش افتكرها، أنت كنت عايز نسيب ذكري حلوة عكس اللي فاتت، وشكلك اتضايقت لما لاقتني رفضت، صح؟"
مازال يحدق في عينيها بكثير من المشاعر المتضاربة، حتى حان وقت التحدث، فتنهد مرة أخرى وأخبرها
"نفسي الزمن يرجع بينا و مكنتش عملت أي حاجة من اللي حصل و سابت فيكي ندوب لحد دلوقتي، برغم السنين لسه مش قادرة تنسيها"
تجلت على محياها شبه ابتسامة حزينة، وهي تبتلع غصة علقت في حلقها للتو، فقالت له
"أنا عقلي اللي مش قادر ينساها، لكن قلبي هو اللي نسي، أنا بحبك يا قصي، بحبك لدرجة إن مقدرش اتصور حياتي من غيرك، طب اقولك علي حاجة رغم إن المفروض احتفظ بالكلام ده لنفسي عشان سيادتك ماتستغلش الحوار لصالحك"
ابتسم وليته ما ابتسم، فنواجذه سلبت عقلها، بينما هو سألها ويعلم ما ستخبره به
"قولي"
"كنت كل مرة لما بنتخانق ويحصل بينا مشكلة كبيرة وبقولك ننفصل، طبعا بكدب عليك لأن عارفة وواثقة أنك مش هاتعملها مهما حصل، ما أنكرش ببقي زعلانه منك و مابقاش طايقاك لدرجة ببقي نفسي أخنقك بس في نفس الوقت ما بقدرش أعيش بعيد عنك، أنت روحي وقلبي وعقلي زي ما أنا روحك وقلبك"
وما إن انتهت من كلماتها حتى وقفت على أطراف قدميها، لتباغته بقبلة قوية حارة، تبث له من خلالها مشاعرها نحوه وصدق حديثها.
ما لبثت قبلتُها سوى ثوان معدودة، وكأنها أضرمت نيران العشق داخله، فحملها على ذراعيه بقوة وعذوبة، ولم يفصل قبلتهما، حيث رد على كل ما أخبرته به بالفعل وليس بالقول، يغمرها بحنانه ودفء فؤاده الذي يعشقها حتى المنتهى.
❈-❈-❈
انهمرت عيناها بدموع غزيرة، وارتفع صوت بكائها حتى وصل إليه، مما جعله ينهي استحمامه على الفور ويرتدي ثيابه على عجلة من أمره، ثم هرع إليها فوجدها تبكي بحرقة شديدة.
انتفض من هيئتها وحالتها هذه، ورأى هاتفها في يدها، فسحبه ليجد السبب، فلعن نفسه إذ لم يتوقع رد فعلها الذي أحرق قلبه.
وجد الصغيرين خلفه بعد أن لحقا به، فسألت ريتاچ بخوف وفزع
"في إيه يا ماما، مالك يا حبيبتي؟"
واقترب سالم يجلس جوارها يربت عليها
"بتعيطي ليه يا ماما؟، إيه اللي حصل؟"
أخبرهما والدهما وهو يحاول ضبط أعصابه فهو المتسبب لها بحزن ضريع مرة أخرى
"سالم، ريتاچ، معلشي سيبوني أنا و ماما لوحدنا شوية"
أذعن الصغيران لأمره وذهبا وأعينهما على والدتهما وحالتها التي يرثى لها، أغلق الباب خلفهما، وجلس على عقبيه أمامها، مسح دموعها
"بتعيطي ليه!، مفيش حاجة تستاهل دموعك، حقك عليا أنا آسف"
وقام بتقبيل جبهتها ثم عانقها وربت عليها
"اهدي يا حبيبتي، اهدي بالله عليكي، ربنا ياخدني أنا السبب عشان خليتك في الحالة دي لتاني مرة"
أبعدت رأسها ورمقته من بين دموعها تنهره بعتاب عاشقة لمعشوقها
"ألف بعد الشر عليك، ما تدعيش علي نفسك"
حاولت أن تكف عن البكاء وتلتقط أنفاسها وأخبرته بعتاب وملامة بنبرة متهدجة
"ليه خبيت عليا؟، ليه مقولتليش إن عندك......
لم تتحمل ذكر ما رأته في التقرير الطبي، فغرقت مجدداً في نوبة بكاء، وتلك المرة هي من عانقته وتتوسل إليه بقلب ملتاع باكية
" قولي اللي شوفته ده كله كدب، قولي ده مقلب عشان تصعب عليا وأسامحك، غير كده مش هقدر استحمل، إحنا، إحنا مالناش حد غيرك"
أخذ يمسد ظهرها بطمأنينة وحنان عميقين، يحاول أن يهدئ من روعها، وقال بصوت هادئ يتخلله الدفء
"كفاية عياط بالله عليكي، ماتخافيش عليا، المفروض نكون مؤمنين بقضاء الله، طب هقولك حاجة، دموعك وخوفك عليا عندي بالدنيا كلها ولو جرالي حاجة، هابقي متطمن لأنك لسه بتحبيني"
أبعدته مرة أخرى وصرخت به بصوت مكسور
"ما تقولش كده، أنت هاتعيش و هاتخف و هانرجع زي زمان و أحسن، هانكبر ولادنا و نجوزهم و نشوف أحفادهم، و إحنا مع بعض"
التقطت أنفاسها بصعوبة وأردفت
"أنا عمري ما بطلت أحبك، و زعلي منك كان علي قد حبي ليك لما شوفت خيانتك ليا، لسه الموضوع مأثر فيا و زي الشرخ في قلبي، بس مستعده اسامحك، بس أهم حاجه تكون بخير، و هاتتعالج و تخف، و أنا جنبك، مش هابعد عنك، أنا، أنا بحبك و مش هقدر أعيش من غيرك"
جذبت رأسه إلى حضنها الدافئ، غمرته بعناق قوي شديد، عناق يبث كمًّا هائلاً من المشاعر التي تخطت حدود العشق، عناق يُعيد فيه القلب المنكسر أنفاسه بعد طول يأس وعذاب واشتياق.
❈-❈-❈
انتهت فتاة التزيين من وضع لمساتها الأخيرة على وجه تلك الشاردة في أمرها الذي هي مقبلة عليه، وقد غمرتها موجة من الصراع الداخلي العنيف.
صوت يهمس لها في أعماقها بالتراجع والانكفاء، وآخر يواجهه بحدة يخبرها إن عليها أن تكمل الطريق حتى تنتقم لنفسها انتقامًا يليق بما عانته مع هذا السايكوباتي المهوس بها.
وفي خضم هذا الصراع النفسي، انفتح الباب فجأة، فانتفضت في مكانها وألتفتت نحوه بسرعة.
وما إن وقع بصره عليها حتى توقف في مكانه مبهورًا، يبتلع ريقه بصعوبة وهو يراها في أوج جمالها، تلك التي طالما حلم بها منذ أن أحبها.
لم يصدق عينيه؛ إذا بدت أمامه في قمة جمال يخطف الأنفاس، يفوق كل ما تخيله، كأنها ملكة نزلت من عليائها لتتوج في حضرته.
حمحم في صوته، ثم نظر إلى فتاة التزيين وسألها
"خلصتي شغلك؟"
أومأت له الأخرى بلطف قائلة
"فاضل التاج والطرحة بس يا باسم بيه"
ثم أمسكت بالوشاح والتاج، و ثبتت كليهما على رأسها برفق، فاكتملت هيئة عروسته التي أصبحت الآن تشبه الملكات في بهائها وجلالها.
فقال لفتاة التزيين
"لو خلصتي تقدري تتفضلي دلوقتي"
امتثلت الفتاة لأمره، وما إن غادرت الغرفة حتى أغلق الباب خلفها بهدوء.
بينما فجر، فقد ولت ظهرها إليه، تشعر بتوتر قوي يسري في أوصالها، وتخشى أن ينظر في عينيها فيكشف ما يدور في أعماقها من عواصف.
رفعت وجهها فرأته عبر المرآة يقترب منها، حتى توقف خلفها مباشرة.
همس لها من جانب وجهها، وهو يحدق بها عبر انعكاس المرآة
"شكلك حلو أوي، أجمل واحدة شافتها عينيا"
وكاد يقبل عنقها، فألتفتت سريعًا لتصبح أمامه وجهًا لوجه، وترد بتهدج واضح
"شـ... شكراً"
ابتسم بمكر وأخبرها بهمس، وأنفاسه الحارة تلمس بشرتها فتجعلها تتوهج من الخجل
"مش عايز أشوفك مكسوفة خالص النهاردة، كلها ساعات الفرح و هانبقي لوحدنا، أنا و انتي وبس، مقفول علينا الباب، وهانعيش أنا وأنتي أجمل لحظات عمرنا"
جذبها من خصرها بلطف، وأردف بأنفاسه على خدها
"هاتبقي ملكي، و أنا ملكك يا فجر"
ابتلعت ريقها بصعوبة، ودفعته بخفة في صدره، مبتعده عنه بضع خطوات قائلة
"الظاهر أنت نسيت إتفاقنا"
ظهرت على وجهه ابتسامة لم تستطع أن تستشف منها هل هو يسخر من حديثها أم ماذا يقصد بالضبط
"مش ناسي إتفاقنا، بس عايزك أنتي اللي ماتنسيش أنك متجوزة مين، تمام يا ڤيجو؟"
وبالتزامن مع سؤاله، تقدم بخطوتين فأصبح أمامها مباشرة، وكاد يقترب من شفتيها بعنفوان عاشق متملك، لكن طرق مفاجئ على الباب أضاع عليه تلك اللحظة، فأطلق سبة بذيئة جعلت الأخرى تنتفض بفزع من جرأة لسانه.
وشكرت ربها في سرها، لأن من طرق الباب قد أنقذها من تقبل أمر لم تستطع أن تحتمله في تلك اللحظة.
تحرك نحو الباب بضجر، ففتحه وكاد يوبخ الطارق، ليجد والدة عروسه ويليها والدته التي ما إن وقع بصرها على ابنها حتى شهقت شهقة قوية وقالت باستنكار
"أنت إزاي تدخل تشوف عروستك قبل الزفة؟!"
حمحم بتعجب ثم أجاب والدته بابتسامة هادئة
"أنا كنت جاي اتطمن عليها"
وألقى نظرة خاطفة على فجر وغمز لها غمزة ماكرة، ثم أردف قائلاً
"عن أذنكم"
غادر الغرفة علي الفور، وعندما تأكدت والدته أنه قد ابتعد بالفعل وأغلق الباب خلفه، اقتربت من فجر في حضور والدتها، واخبرتها بصوت جدي ومقلق
"فجر، اسمعيني كويس، دي فرصتك أنك تهربي، ابني واخدك تحدي عشان أنتي قولتيله لاء في الأول، و بمجرد ما هايشبع منك هايرميكي، و باباه بيوافقه علي أي حاجة هو عايزها"
نظرت الأخرى في حيرة شديدة وارتباك، رمقت والدتها أولاً بتردد، فأومأت لها والدتها برأسها إيماءة خفيفة تدل على أن حديث والدة باسم صحيح تماماً، وعليها أن تذعن للنصيحة حتى لا تصبح شيئاً يمتلكه هذا المدلل المتعجرف.
فأردفت والدة باسم قائلة
"فرصتك الأخيرة دلوقتي، اسمعي كلامي، و أنا هاروح أؤمر الجارد اللي واقفين بره بأي حاجة واشغلهم عشان تعرفي تخرجي مع والدتك علي باب الطوارئ، هتنزلوا تلاقوا عربية مستنياكم هتوصلكم علي مكان باسم لو لف العالم حتة حتة مش هايعرف يوصل ليكم"
ابتلعت ريقها بتردد واضح، وتتذكر ما كان سيفعله معها منذ قليل و كيف قرأت في عينيه نواياه نحوها، و يبدو إنه سيضرب باتفاقها معه عرض الحائط، ابتلعت ريقها بتؤدة وسألتها بقلق
"و لو ابنك عرف و قدر يوصل لينا؟"
اقتربت منها الأخرى أكثر، وأخبرتها بلهجة مطمئنة
"ما تقلقيش أنا عاملة حساب لكل حاجة، يعلم ربنا أنا بعتبرك زي بنتي وعمري ما هرضالك اللي ما أقبلوش عليها"
ربتت بحنان على كتفها، وانتظرت رد فجر التي أومأت لها برأسها موافقة، وإن كان في عينيها ما يزال يعكس أعاصير الخوف والحيرة.
و بالفعل، خرجت والدة باسم من الغرفة لتعطي الأوامر للحراس، لتُشغل إياهم عن الوقوف في الرواق حتى تمكنت فجر ووالدتها من مغادرة الغرفة بسرعة.
انطلقتا بخطوات سريعة حذرة، تسللتا إلى الخارج عبر باب الطوارئ، وهبطت كلتيهما درجات السلم المتعددة بقلبين خافقين، حتى وصلتا إلى المخرج المؤدي إلى شارع خلفي ضيق.
و أمام المخرج حيث الشارع، وجدتا سيارة سوداء في انتظارهما، محركها علي استعداد للإنطلاق.
فتحت والدتها الباب الخلفي بسرعة وأمرتها بتوتر
"يلا يا فجر مش وقت تفكير"
دلفت ابنتها داخل السيارة في صمت، واتبعتها هي حيث جلست جوارها فورًا وأغلقت الباب بقوة، ثم نظرت إلى السائق وأمرته بحزم
"اطلع بسرعة يا سطا"
انطلق السائق بالسيارة في الشارع الخلفي، متخذًا طرق متفرعة ومظلمة، بينما كانت فجر تراقب الطريق عبر النافذة الزجاجية المغلقة، وقلبها يخفق بقوة شديدة كأنه ينبهها إلى ما هو آت لا محالة.
شعرت بيد والدتها تربت علي يدها
"اطمني يا بنتي، اللي عملتيه عين العقل، و الست هانم ربنا يباركلها هي أدري بابنها المجنون اللي كنتي هاترمي نفسك معاه، مش عارفه إيه اللي كان في دماغك لما وافقتي عليه"
لم تبالِ لحديث والدتها، فعيناها منعكستين عليهما أضواء عواميد الإنارة المتتالية على جانبي الطريق، تتلألأ كالنجوم الهاربة.
مهلاً... هل ما انتبهت إليه صحيح؟!
تأملت الطريق جيدًا لعل حدسها يكون مخطئ، لكن المفاجأة كانت أكبر مما توقعت، اتسعت عيناها من شدة الصدمة حين أدركت أن السائق قد اتخذ طريق مختصر آخر، عائد بهما مباشرة إلى بوابة الفندق الرئيسية.
وهناك، في انتظارها يقف رجال الحراسة بكامل هيئتهم المخيفة، وفي المقدمة ينتظرهما باسم بابتسامة عريضة ماكرة أوقعت فؤادها من سابع سماء إلى سابع أرض، هابطة به في أعماق الجحيم!
ابتلعت غصة بطعم العلقم وهي تراه يفتح باب السيارة بهدوء قاتل، مد يده إليها مشيرًا لها أن تمسك به قائلًا بصوت هادئ مليء بالانتصار
"يلا يا حبيبتي، المعازيم مستنينا جوه"
❈-❈-❈
في إضاءة شبه خافتة خلف مكتبه، يمكث أسير ذكرياته وأسير تلك الصور التي كلما اشتاق إلى من سلبت فؤاده تطلع إليها لساعات.
لا يهمه الحقيقة، ولا يهمه أنها الآن تستمتع هي وزوجها بقضاء أيام شهر العسل في مكان بعيد، ولا يهمه أي شيء سوى تلك اللحظات المعدودة التي عاشها معها، والتي لا تزال تحيا في قلبه حية نابضة.
قاطع خلوته دخول الممرضة المفاجئ، وقد علت ملامحها الفزع الشديد، تخبره بأنفاس متهدجة باللغة الإنجليزية
"دكتور رحيم... السيدة العجوز... نبضها توقف"
انتفض من مكانه انتفاضة عنيفة، وأسرع نحو غرفة الرعاية المركزة حيث كانت الجدة المسنة المصابة بالزهايمر، قد أصبحت بشرتها شاحبة كالأموات.
كان الطبيب المساعد يحاول إنعاش قلبها بجهاز الصدمة الكهربائية بكل ما أوتي من جهد.
تدخل رحيم على الفور، وأمر بصوت حازم
"ارفعوا الشحنة أكثر"
فتوالت المحاولات تلو الأخرى، حتى انقطع الأمل تمامًا، ولم يبقَ سوى صوت الصفير الحاد لجهاز مؤشر النبض يعلن ببرودة قاسية وفاة هذه المسنة.
رفع رأسه بأسف عميق، وأعلن ساعة الوفاة وتاريخها بصوت يخرج بصعوبة من حلقه، يحبس دموعه بصعوبة بالغة. وإن كان قد مر بهذا الموقف مرات عديدة من قبل، إلا أن تلك اللحظات ظلت عصيبة على فؤاده، ولم تكن بالأمر السهل أبدًا.
في تلك الأثناء، انتبه عبر زجاج نافذة الغرفة المطلة على الرواق إلى حفيدة المتوفاة، كانت قادمة تحمل حقائب مليئة باحتياجات جدتها.
وما إن رأت الممرضة تُدثر جسد جدتها بالكامل حتى هرعت إلى الداخل صارخة
"نناه، لاء يا نناه، أوعي تسيبيني"
وتارة تصيح بالإنجليزية وقد انهمرت دموعها
"لا تتركيني، ارجوكي، لا ترحلي، ليس لي أحد غيرك جدتي"
تزيح الدثار عن وجه جدتها وتهز جسدها بهياج، فأمسك رحيم يديها بلطف حازم، وقال لها بصوت مليء بالمواساة، مانع دموعه أن تنهمر
"وحدي الله، ربنا رحمها من بهدلة المرض، ادعيلها"
نظرت إليه بعينين باكيتين تتوسلان إياه بصوت مكسور
"عشان خاطري يا دكتور سيبوني اقعد معاها اودعها"
أومأ لها برأسه موافقًا، ثم أخبر كل من في الغرفة
"اتفضلوا جميعاً إلي الخارج، واتركوها لتودع جدتها"
امسكت چومانة يد جدتها، وأخذت تقبلها بلهفة ووداع مؤلم، تبكي بشدة يعتصر لها القلب.
تركها رحيم قبل أن يبكي هو أيضًا، وخرج إلى غرفة مكتبه يشعر باختناق يصل إلى الحلقوم.
فما أقسى الوداع والفراق، لا سيما وداع الأحباب ومَنْ تتعلق بهم قلوبنا، إن كان هذا الحبيب ميتًا أو مازال حيًا!
❈-❈-❈
ولنعود إلى إيطاليا من جديد، داخل مطعم فاخر راق، يجلس برفقة زوجته وصغيريه حول طاولة عامرة بأصناف الطعام الشهية التي يحبونها، وقد أضفت الأنوار الذهبية الخافتة على المكان جوًا من الدفء والفخامة.
وعلى طاولة موازية، هناك كنان ورجاله يشاركونهم تناول العشاء بهدوء.
سأل صغيريه مبتسمًا
"مبسوطين يا ولاد؟"
فأجاب كلاهما بسعادة طفولية صافية
"مبسوطين يا بابي"
وأضافت ابنته بصوتها المدلل
"وهابقي مبسوطة أكتر لو جبتيلي نافورة الشوكيلت اللي قولتلك عليها"
رمقتها والدتها بنظرة تحذيرية حازمة
"زوزو، ما ينفعش تاكلي شوكليت أو أي حلويات بالليل، و لا ناسية اللي حصل لضرسك قبل كده؟"
زمت ابنتها شفتيها الصغيرتين بحزن، فضحك والدها وربت على رأسها بحنان عميق، ثم دنا من أذنها وقال لها بهمس
"أنا وصيتهم يجبولك أحلي وأغلي نافورة شوكليت يا قلب بابي، بس عايز أشوف أحلي ضحكة علي شفايفك وأوعي تكشري تاني"
ابتسمت صغيرته على الفور ابتسامة مشرقة، وعانقته بقوة وهي تقول
"ربنا يخليك ليا يا قيصو يا حبيبي"
"بقي كده؟!"
صاحت بها صبا بسخرية ودهشة، ثم أردفت
"خليك وافقها علي الغلط و لما ضروسها توجعها و تقعد تصرخ ابقي اتصرف أنت معاها"
رد عليها بهدوء زادها حنقًا
"زوزو لما تخلص أكل الشوكليت هاتروح علي طول تغسل سنانها"
لم تعلق حتي لا تخوض معه في جدال وهي تعلم إنه سيلبي طلب ابنته في النهاية، وبعد قليل انتهت من تناول عشائها، فمسحت يديها وفمها بالمحرمة الورقية قائلة
"أنا قايمه هاروح التويليت قبل ما مرارتي تتفقع"
نهضت ابنتها، ونهض ابنها أيضًا في اللحظة ذاتها وقالا
"و إحنا كمان عايزين نروح التويليت"
أمسكت بهما كل واحد في يد وذهبوا،
بينما قصي انتبه إلي رنين تنبيه رسالة واردة علي هاتفه، ففتحها ليجد رسالة من أدهم عبر تطبيق الدردشة
«حمدالله علي سلامتكم يا كينج نورتوا إيطاليا»
ابتسم و رد بالكتابة
«أنت عرفت منين؟»
فتلقي الإجابة علي الفور من أدهم
«حبايبي في المطار قالولي، ولا أنت فاكر أنك الوحيد اللي ليك حبايب في كل مكان»
«ماشي يا عم أدهم، الله يسلمك»
«أنا كمان في إيطاليا أنا ومراتي»
«مراتك؟!، عملتها من ورايا من غير ما حتي تعزمني علي فرحك، أخص عليك»
«بقولك إيه إحنا مش هانقضيها رسايل، إحنا لازم نتقابل، تجيب المدام والولاد و تنورونا أنا و منار»
كاد يرد على الرسالة، إذ أجفله صوت أنثوي رقيق يتميز بالدلال الطبيعي، رحبت به بالإيطالية بأسلوب أنيق
"مرحباً بك مجدداً في إيطاليا أيها الفرعون الوسيم"
رفع عينيه إلى الأمام، فإذا أمامه سيدة شابة ذات جمال روماني فاتن، يخطف الأبصار، حدق في ملامحها مليًّا حتى تذكرها، سألها للتأكد وقد امتلأ صوته بدهشة خفية
"بولينا؟"
جلست على المقعد المقابل له بهدوء أنيق، وابتسامة عذبة تتراقص على شفتيها، ونظرات اشتياق تنضح من عينيها ذواتِ اللون البندقي، كلون شعرها المنسدل كالحرير على كتفيها.
أجابت بصوت رقيق يحمل دفء الذكريات
"لم أصدق نفسي، برغم مرور أكثر من عشر سنوات، ما زلت تتذكرني"
اتسعت ابتسامته واخبرها
"ومَن الذي يعرفك ويستطيع بعدها أن ينساكِ!"
أسندت مرفقيها على الطاولة، وأسندت ذقنها على يديها المتشابكتين، ثم نظرت إليه بنظرة ماكرة مرحة، فسألته بدهاء
"أهذا غزل أم إطراء؟"
وقبل أن يجيبها، سبقته زوجته التي عادت للتو دون أن يلاحظ قدومها، فسألته بسخرية واضحة
"مين دي يا قصي؟"
حدق زوجته بنظرة تحذيرية حازمة، ثم نظر إلى بولينا واخبرها بالإنجليزية حتى تفهم صبا
"إنها صبا زوجتي"
واقتربت الصغيرة التي لا تقل غيرة عن والدتها، ولا تقل عنها حب لوالدها، فتعلقت بذراعه بقوة، وأخبرت بولينا بزهو وفخر طفولي واضح
"وأنا أكون ابنته"
كتم قصي ضحكته، وربت بلطف على رأس صغيرته المشاكسة، بينما رمقته زوجته باستفهام شديد، فحمحم بصوته الأجش وقال لها
"حبيبتي، أعرفك ببولينا ألبريتو، صديقة قديمة"
مدت بولينا يدها الناعمة لمصافحة صبا، قائلة بابتسامة مهذبة
"مرحباً سنيورة صبا"
بادلتها الأخرى المصافحة على مضض، وعيناها تنضحان بشرر لا يخفى، رمقت الأولى قصي وأخبرته بالإيطالية
"يبدو زوجتك لا تطيق وجودي، فلديها حق، من لديها زوج مثلك ورأت أخرى تقترب منه، فعليها تحرق الأخضر واليابس"
حك ذقنه بتوتر، ودعا الله في سره ألا تفهم صبا ما تتفوه به بولينا، وفي هذه اللحظة أخرجت بولينا من حقيبتها بطاقة ورقية أنيقة تحمل أرقام هواتفها وروابط حساباتها، ثم مدت يدها بها إليه قائلة
"اتصل بي ضروري، فأريد أن أخبرك بأمر هام للغاية، لا تنسَ"
ونهضت تومئ لصبا بابتسامة رقيقة قائلة بالإنجليزية
"تشرفت بمعرفتك، سينيورة البحيري"
قابلتها الأخرى بابتسامة صفراء باردة، وردت بتهكم واضح
"وأنا أيضاً، بامبولينا... أقصد بولينا"
قالت بولينا وهي تتجه نحو الباب، مخاطبة قصي بلغتها الإيطالية، وتلوح له بأناملها
"أنتظرك قصي، إلى اللقاء"
ثم ذهبت، بينما جلست زوجته على المقعد، تزفر بغضب واضح، يتصاعد من صدرها كالدخان، قال لها بعتاب ممزوج بميل إلى الضحك، وهو يكتم ابتسامته أمام غيرتها التي جعلت تعابير وجهها تبدو طريفة ومضحكة في آنٍ واحد
"مش ظريف اللي عملتيه معاها علي فكرة"
"ياسلام!"
ارتفع صوتها بصياح حاد جعل من حولهم يلتفتون إليهم بدهشة، فأجفلها بنظرة تحذيرية حازمة، فخفضت صوتها على مضض وتابعت بسخط مكتوم
"وهي كانت قاعدة بتهبب إيه معاك، و عايزه إيه منك؟!"
"أنا وهي نعرف بعض من زمان، أيام شغلي مع عيلتها، باباها زعيم عائلة دي ستيفانو من ضمن أكبر عائلات المافيا في إيطاليا، لما كان بيحصل اتفاقات سرية من ورايا خصوصاً لما بدأت أصفي أعمالي معاهم، هي كانت بتبلغني بكل حاجة، وليها أخ رخم رخامة اسمه لوكاس، يطيق العمى ولا يطيقني"
"أنت عمرك ما حكيتلي عن أي حاجة من اللي قولتها، تخيل متجوزين بقالنا عشر سنين وأكتر وعمرك ما جيبتيلي سيرة عنهم ولا عنها"
وكأنها تذكرت شيئاً يعكر صفوها، فأردفت بحدة
"أول مرة أسمع عنها، يعني ياربي أخلص من سيلينا تطلعلي بولينا"
لم يقدر أن يتماسك أكثر، فأطلق عنان ضحكاته الجهورية، فألقت عليه محرمة ورقية في وجهه بغيظ وحنق
"اضحك، اضحك، شاطر بس تنكد عليا الصبح"
انتبه إلى صغيرته التي أغمضت عينيها وغفت على ذراعه بهدوء، وكذلك إلى ابنه الذي قال بصوت ناعس
"بابي ممكن نروح، عايز أنام"
فقالت والدتهما بضجر واضح
"وأنا كمان اتخانقت من المكان وعايزة أمشي"
أشار قصي إلى كنان ورجاله ليستعدوا للذهاب.
❈-❈-❈
وفي المرآب استعدت السيارات للانطلاق، فقالت صبا بصوت حازم لا يقبل الجدال
"قول لكنان ياخد الولاد ويروحهم هو ورجالته، ونروح أنا وأنت لوحدنا"
رمقها باستفهام فسألها
"ليه فيه حاجة؟"
حدقت في عينيه بنظرة ذكية قد أدركها تمامًا، فكبت ابتسامته لأنه يعلم جيدًا الحالة التي تكون عليها!
أذعن لها، فذهب كنان ورجاله وأخذوا الصغيرين في سيارة أخرى وانطلقوا.
جلس قصي في مقعد القيادة، فالتفت إلى زوجته الجالسة جواره وسألها بمكر وخبث متقن
"أديني عملتلك اللي أنتي عايزاه، ممكن أعرف إيه سبب طلبك؟"
رفعت حاجبها ورمقته بهدوء ماكر، اقتربت منه وضغطت على زر إغلاق جميع نوافذ السيارة ذات الزجاج المعتم، حيث يصعب رؤيتهما من خارجها تمامًا. وإذا بها تقفز من مقعدها فجأة وتجلس على فخذيه، وجهها مقابل وجهه مباشرة، صدرها يلتصق بصدره، وفخذاها يحيطان بخصره بقوة تملكت بها.
علت الدهشة ملامحه لحظة، ثم فرمقها بمكر وبراءة زائفة يسألها
"هاتعملي إيه يا مجنونة؟"
ضغطت على زر مجاور لمقعده، فبدأ الكرسي يتراجع للوراء بزاوية مائلة إلى الخلف حتى صار شبه مستلق.
قبضت على تلابيب سترته بأناملها الحارة وخلعتها عنه بسرعة نهمة، ثم بدأت تفك أزرار قميصه واحدًا تلو الآخر، كاشفة عن صدره العريض المشدود.
قائلة بنبرة تحمل تحدي مثير وصوتها ينضخ بالرغبة
"يعني تفتكر يا حبيبي أنا ممكن هاعمل فيك إيه؟"
ثم دنت بشفتيها نحو أذنه حتى شعر بأنفاسها الحارة الرطبة تدغدغ جلده، وهمست بنبرة أنثوية ناعمة أوقدت نيران العشق الجامح في جسده كله
"ولا أنت كنت فاكر هعدي حوار بولينا ولا نظراتها ليك، ولا كلامها معاك بالإيطالي وهي فاكراني مش عارفة إيطالي!"
ابتلع ريقه بصعوبة، وابتسامة عذبة مليئة بالشهوة تزين محياه، فقال لها بصوت مبحوح
"فأنتي بقي عايزة تنتقمي مني بس بطريقتك"
وغمز بعينه لها غمزة نارية، فابتسمت بزهو امرأة واثقة من سلاحها، وأخبرته وهي تعض شفتها السفلى
"تلميذتك يا كينج"
انتهت من فك أزرار قميصه الأخيرة بأصابع لمساتها تشعل به النيران، ثم أخذت يداها تنزلقان على صدره العاري، تخدشان بشرته بأظافرها بلطف مؤلم يبعث الرعشة في جسده.
أمسك يديها بقوة وأخبرها بأنفاسه الحارة المتسارعة التي تلامس شفتيها
"طيب تعالي نروح وهناك في أوضتنا انتقمي مني براحتك"
حاوطت وجهه بكفيها الناعمتين، ورمقته لثوان طويلة بعينين مليئتين بالرغبة المتأججة، ثم أخبرته بإغواء صريح و دلال ذو جرأة لم يعهدها سوى معها هي فقط
"وأنا طلبت معايا هنا في العربية يا قيصو"
لم تمهله أن يرد، فانقضت على شفتيه بقبلة عنفوانية حارة، وأناملها تنغرز في خصلات شعره لتعزز من قوة قبلتها.
تركها تفعل ما يحلو لها، وكم راق له ذلك! بادلها كل ما تفعله بعنفوان عاشق متيم، ولم يبالِ كلاهما لاهتزاز السيارة بهما!
❈-❈-❈
خرجت من الحمام بخطوات هادئة، يحيط جسدها منشفة كبيرة بيضاء وقد التفت حولها.
خصلات شعرها المبتلة تنساب على كتفيها في خطوط لامعة، بينما تتساقط من أطرافها قطرات الماء كحبات لؤلؤ صغيرة ترتطم بجلدها.
وما إن همت بالتوغل داخل الجناح حتى بلغ سمعها صوت مألوف يأتي من الخارج،
توقفت فجأة إنه صوت لوكاس، يتحدث إلى أحد رجاله بنبرة منخفضة، لكنها حادة كحد السيف، وبحذر شديد تسحبت إلى جوار الحائط، متوارية خلف زاوية لا يمكن أن تُرى منها، ثم حبست أنفاسها وأرهفت السمع.
كان الرجل الواقف أمام لوكاس ضخم الجسد، عريض الكتفين، وقد قال لرئيسه بلهجة جادة
"لقد رأيناه مع عائلته في المطعم الذي تملكه السنيورة بولينا شقيقتك"
جز الأخر على أسنانه في ضيق وغضب، ثم ارتسمت على ملامحه قسوة قاتمة، قائلاً ببرود مشوب بالغضب
"إذن، لا بد أن شقيقتي قد تحدثت معه، وربما حذرته أيضًا، تلك الحمقاء ستفسد كل ما أخطط له.
تردد الرجل قليلًا قبل أن يقول
" لا أعلم سيدي، غير أنها رأته بالفعل وجلست معه لدقائق معدودة، ثم غادرت عندما عادت زوجته وأولادهما من الحمام"
صمت لحظة، فأمره بنبرة قاطعة لا تقبل الجدال
"واصل مراقبته، إياك أنت والرجال أن تغفلوا عنه لحظة واحدة، وإن حدث تقصير منكم، فسألقي بكم جميعًا في الجحيم، هل فهمت؟"
أومأ الرجل برأسه سريعًا
"أمرك سيدي"
بينما كانت الشقراء ما تزال خلف الجدار، تسترق السمع، غير أن ذهنها كان قد شرد بعيدًا في متاهة من الأفكار.
سؤال واحد ظل يطرق رأسها بإلحاح موجع، ماذا ينوي هذا الأحمق أن يفعل بالرجل الذي يهواه قلبها حد الهوس؟
وفجأة جاءها صوته من خلفها كالصاعقة
"لما تقفين هنا سيلينا؟"
ارتجفت والتفتت نحوه حيث أفزعها حضوره المفاجئ، شعرت بقشعريرة خوف تسري في جسدها.
ابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن تقول بثبات حاولت اصطناعه
"كنت... كنت أبحث عنك، فأنا انتهيت من الاستحمام، وحين خرجت لم أجدك"
وقبل أن يتحرك أو يبتعد، بادرت بسؤاله سريعًا
"عمَّ كنتما تتحدثان؟"
اتجه إلى الأريكة الجلدية الضخمة وجلس عليها في ثقل واضح، ثم أطلق زفرة ضجر طويلة وأجاب ببرود جاف
"هذا ليس من شأنك"
مد يده إلى لفافة التبغ التي كان قد أعدها مسبقًا، لكن يدها سبقته إلى القداحة. أشعلتها برفق وقدمت له اللهب، فاشتعلت اللفافة بين شفتيه.
و جلست على حافة الطاولة أمامه، تحدق في عينيه مباشرة، سألته بنبرة تنضح بالقلق الذي تخفيه عنه حتي لا تكشف أمامه عن نواياها الحقيقية.
"ما الذي تنوي فعله بقصي البحيري؟"
أخرج سحابة كثيفة من دخان سيجاره المشتعل، وأجاب بلا تردد
"سأقتله"
اتسعت عيناها فجأة، وبدت الصدمة واضحة على ملامحها، حاولت أن تبتلع دهشتها، لكنها لم تستطع إخفاء اضطرابها وهي تسأله بصوت مرتجف
"ماذا قُلت؟"
رمقها بنظرة باردة مخبرًا إياها
"أليس هذا هو السبب الذي جعلكِ تأتين إلى هنا؟، ثم إنني أرغب في الانتقام منه منذ سنوات، فهو السبب في القبض على كثير من أفراد عائلتنا، وعلى رأسهم والدي... الذي لم يتحمل السجن، ومات مقهورًا"
فجأة اندفعت الكلمات من فمها دون تفكير
"تبًا لك يا أحمق"
وقفت في مواجهته مباشرة، فرفع رأسه إليها بنظرة غاضبة كأن شرارة توشك أن تشتعل وتحرقها حية.
أدركت ذلك على الفور، فخفضت حدة صوتها قليلًا بنبرة أكثر هدوء
"القتل أو الموت راحة له... وهذا ليس انتقامًا، الإنتقام الحقيقي أن تحرمه من أعز الناس إليه وأقربهم إلى قلبه"
أطلق زفرة أخرى من دخان سيجاره، و نهض فاقترب منها حتى صار أمامها مباشرة، حدق إليها عن كثب بعينين متفحصتين وسألها
"أتقصدين قتل عائلته؟"
لمعت ابتسامة شيطانية على شفتيها بتؤده وثقة، فاخبرته بزهو ودهاء
"ليس بالضبط"
رفعت يديها لتحيط وجهه بين كفيها، و أردفت
"نتخلص من زوجته العاهرة التي يعشقها كالأحمق"