بعد أن تقفز مروة أمام سكة القطار وهي تمسك ببودي، يغشى على بسمة وترى في نومها ثرية والدة نادر جالسة وسط حديقة جميلة، وبودي يجلس معها ويمسك يدها. قالت بسمة: تعالي بودي، عليك أن تعود معي. قال بودي: لا، أنا سأبقى هنا مع جدتي. قالت ثرية: لا تخافي عليه، أنا سأعتني به وأنتِ اعتني بأخوته. قالت بسمة: ليس لدي أبناء غيره. قالت ثرية: لا حبيبتي، أنا أخذت خاتمي وتبقى معك ثلاثة. انظري في يدك.
تنظر بسمة فتجد ثلاثة خواتم ذهبية في يدها. بينما تنظر نحو بودي فتجده يمسك بيد جدته ويبتعد ويبتعد حتى يختفي وسط الضباب الذي ملأ المكان، بينما تنادي بسمة بأعلى صوتها: بودي، ارجع إلى أمك أرجوك، حبيبي ابقَ معي ولا تغادر، أرجوك لا تذهب. ثم تستيقظ لتجد نفسها في المستشفى والكانولة في يدها، ونادر يجلس بجانب السرير وهو منهار من البكاء. وعندما يرى بسمة تستفيق يمسح عينيه بسرعة. قال نادر: الحمد لله على سلامتك حبيبتي.
قالت بسمة: هيا اذهب لتحضر بودي من الخاطفين. ينهار نادر بالبكاء مرة أخرى. قالت بسمة: إذاً ما حدث كان صحيحاً ولم يكن حلماً! لقد قامت زوجتك بقتل ابني الوحيد. قال نادر: هو في الجنة الآن حبيبتي. تصرخ بسمة في وجهه: أنت وزوجتك السبب في كل ما حدث. لولا أنك أجبرتني على الذهاب معك لبيتك ما حدث شيء لابني. يا ليتني ما رأيتك ذلك اليوم في المول، بل يا ليتني ما عرفتك من الأساس. أنت دائماً سبب شقائي وحزني.
قال نادر: اهدئي بسمة، لقد وضع لك الأطباء دعامة ثانية منذ قليل، وأنا لا أريد أن أخسرك، أرجوك اهدئي. قالت بسمة وهي شاردة: لقد كان يسأل عنك كل يوم وأردت أن يتعرف عليك حتى أراه سعيداً، ولكن زوجتك المجرمة قتلته. يجلس نادر بجوارها على السرير: لقد نالت جزاءها. قالت بسمة: ولكنها حرمتني من ابني. ثم تضربه بسمة على صدره بكلتا يديها وبكل قوتها: ابتعد عني، أنا لا أريد رؤيتك. أنا أكرهك من كل قلبي ولا أريد رؤيتك. يمسك
نادر يديها ويضمها لصدره: أنا أعرف مقدار ألمك وغضبك، ولكني أتألم مثلك تماماً، فقد فقدت ابني أيضاً. على الأقل أنتِ عشتِ معه لسبع سنوات كاملة وشبعتِ منه، ولكني لم أعش معه سوى شهرين ولم أشفَ ظمئي منه. أنتِ لا تعرفين كيف فرحت به حين علمت أنه ابني، فلقد جاءني بعد أن فقدت الأمل في أن أكون أباً. أنا أحترق مثلك، ولكن ليس بيدي حيلة سوى الدموع. يا ليتني مت بدلاً منه أو مت قبل أن أراك ذلك اليوم في المول، على الأقل كنتِ ستعيشين مع ابني في سعادة الآن.
قالت بسمة بحزن: أتعرف يا نادر، كلما دخلت حياتي أخسر شيئاً عزيزاً على قلبي. في المرة الأولى خسرت قلبي، ثم خسرت عفتي، ثم خسرتك أنت. ولكن في غيابك استعدت ثقتي بنفسي وأصبحت قوية، وكان بودي هو بقعة الضوء التي تدفعني للعيش. وعندما كنت على وشك التعافي من جراح الماضي وبدأت أنساك، عدت لحياتي مرة أخرى وجعلتني أخسره. لم يكن بودي مجرد ابني وحسب، بل كل ماضي وحاضري ومستقبلي.
قال نادر: قدرنا أن نلتقي سواء في المرة الأولى أو الثانية. فلولا ذلك ما خُلق بودي، فهو نتاج حبنا. وبعد أن تتعافي سوف نعلن زواجنا للعالم كله وننجب أطفالاً آخرين، وسوف يرانا بودي ويفرح لأننا معاً ومع إخوته، فنحن نكمل بعضنا ولن نستطيع العيش بدون بعضنا. وبعد موت مروة لن يستطيع أحد أن يفرقنا. تدفعه بسمة بعيداً: لن نكون معاً أبداً. لقد كنت معك من أجل ابني، ولكن الآن لا شيء سيجمعني بك سوى الذكريات الأليمة.
قال نادر: بل هناك شيء أقوى يجمعنا. ثم يضع يده على قلبها: هذا ما يجمعنا، أم نسيتِ حبنا؟ قالت: نعم، في اللحظة التي مات فيها ابني لم يعد لدي قلب لأحب به أحداً، وأنصحك أن تبتعد عن طريقي حتى لا أدمرك كما دمرتني. هيا اخرج من غرفتي ومن حياتي كلها، فأنا لا أريد رؤيتك. ارحمني يا الله، يا الله، يا الله! قال نادر: سأتركك الآن حتى تهدئي وتفكري بروية، وسأتمشى قليلاً في حديقة المستشفى.
ترتمي بسمة على السرير وتنهار من البكاء. بينما يغلق نادر الباب ويغادر الغرفة وهو يمسح دموعه. بعد مرور شهرين، في منزل بسمة، تجلس في غرفة ابنها وتحتضن لعبه وملابسه وهي تبكي. يتصل نادر بها من رقم غريب،
وعندما ترد: أرجوكِ بسمة، لا تغلقي الاتصال ككل مرة ودعيني أكمل كلامي. أنا سأغادر البلاد كما طلبت مني وسأعود لأوروبا، ولقد أعدت أسهمنا في الشركة بعد أن أعادت الشرطة المال لي، وتنازلت لك عن الأسهم كلها، ولكن عليك أن تكملي حياتك حتى لو كان ذلك من دوني. ومن الآن لن تري وجهي مرة أخرى ولن تسمعي صوتي، ولكن أرجوكِ أن تسامحيني، وحتى أعرف أنك سامحتني تعالي لتودعيني قبل ذهابي للمطار لأراكِ لآخر مرة. ولا تقلقي، سألقي عليك يمين الطلاق قبل أن أرحل حتى تعيشي حياتك مع الشخص الذي تختارينه. ولكن لا تتأخري لو سمحتِ، فرحلتي بعد ثلاث ساعات، وأنا سأنتظرك في منزلي لأودعك قبل ذهابي للمطار.
لا تنطق بسمة بكلمة وتغلق الاتصال، ثم تقول لنفسها: سيرحل ويتركني، طبعاً سيهرب ككل مرة، فهو لم يتعود على مواجهة أخطائه. لن أذهب إليه، يكفي ما فعله معي. هل أنتِ واثقة أنك تريدين ذلك؟ سيغادر ولن يمكنك رؤيته مرة أخرى. ولكني أريد أن أراه قبل أن يسافر. لا لا لن أذهب إليه. ثم تجلس وتظل تنظر للساعة وهي تمر حتى تمضي ساعتان ونصف، فتقول لنفسها: لقد تبقى نصف ساعة فقط. علي أن أذهب، فعليه أن يطلقني قبل رحيله.
ثم تلبس بسرعة وتنطلق بسيارتها نحو منزل نادر. وعندما تطرق الباب يخرج الخادم: أريد نادراً. قال الخادم: لقد غادر للمطار منذ قليل. تجري بسمة نحو سيارتها وتقود بسرعة نحو المطار. وعندما تصل تجري نحو شباك التذاكر: لو سمحتِ، متى الرحلة الفلانية؟ قالت الموظفة: لقد غادرت الطائرة المطار بالفعل منذ دقائق. تشعر بسمة بحزن شديد وتمشي وهي لا تعرف إلى أين وماذا ستفعل؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!