توجه بسمة حديثها لنادر وتقول له: لقد دبرت هذا اللقاء بصعوبة بالغة والمستثمر سيعتبر عدم حضورك إهانة وقد يلغي العقد. قال نادر: أعرف أنه عقد مهم ولكن ليس أهم من حياتي الزوجية. قالت: يبدو أنك تريد أن تخسر ما تبقى من شركتك من أجل عيد زواجك الغير مستقر. قال: ومن قال لك إنه غير مستقر؟ قالت بسمة: لقد لاحظت ذلك من خلال مكالماتك مع زوجتك، فواضح أن التفاهم والحب غير موجودان. آسفة على تطفلي ولكن هذا ما استنتجته. قال نادر:
آسف مدام بسمة، ولكن حياتي الشخصية ليست مجالا للنقاش على الإطلاق. قالت: أعتذر منك، أنا فقط أوضح أهمية الصفقة. فأنت تستطيع إقناع زوجتك بالخروج غداً مثلاً، وخصوصاً أنه يوافق ذكرى زواجكم الحقيقي، بينما المستثمر فلن ينتظر حتى الغد. وهكذا ستضيع منك فرصة ذهبية لأنه يملك نسبة كبيرة في شركة الفلانية المشهورة. قال نادر: هل شركة الفلانية نفسها التي تغرق سوق منتجات الألبان والعصائر الطبيعية والمنتجات الغذائية؟ قالت:
نعم هي نفسها، وأنا أعتبرها خسارة كبيرة لو فشلت الصفقة. قال: متى سيكون موعد العشاء وأين حتى أرتب أوضاعي بالشكل المناسب، وأتمنى أن تنتهي المقابلة قبل موعد عشائي مع زوجتي. قالت بسمة: العشاء الساعة التاسعة في منزلي. قال نادر لنفسه: أنه نفس الموعد الذي حجزت فيه طاولة العشاء مع مروة، ما هذا الحظ السيء. حسناً، سأؤخر الموعد مع مروة وأتمنى ألا تحدث مشكلة كبيرة بسبب ذلك. قالت بسمة:
هيه، ماذا قررت حتى أبلغ المستثمر بقرارك قبل وصوله، فالرجل لديه ارتباطات ووقته ثمين. قال: حسناً مدام بسمة، سأقنع زوجتي بالأمر وآتي. أرسلي لي العنوان عبر البريد الإلكتروني وسأكون هناك في الموعد. قالت بسمة: لقد أرسلته لك بالفعل، ستجده في رسائل هاتفك. وأتمنى أن تأتي في موعدك، فشركتك أصبحت على المحك. نادر: حسناً، سأبذل جهدي. بعد أن ينهي نادر المكالمة يعود للغرفة فيجد مروة قد لبست فستان السهرة ووضعت الحقيبة في يدها.
لقد أصبحت جاهزة حبيبي، هيا بنا. توجه نحوها: آسف مروة، أنا مضطر لتأجيل العشاء هذه الليلة، فهناك عميل مهم جداً سأقابله وهو مندوب شركة الفلانية التي تريد أن تساهم بنصيب كبير في أسهم شركتنا. فأنت تعرفين أن الشركة وضعها سيء للغاية وهذا العميل يعتبر فرصة للخروج من الأزمة، لذا أنا أعتذر منك بشدة. قالت مروة بعصبية:
وضع الشركة ليس أسوأ من وضع حياتنا مؤخراً. لقد ألححت عليك بألا نعود إلى هنا، ولكنك صممت على العودة وها هي النتيجة. الشركة تنهار ومعها كل مدخراتنا وحياتنا الزوجية أيضاً تمضي من سيء إلى أسوأ. قال نادر بعصبية: وهل أنا السبب في انهيار حياتنا الزوجية؟ أنتِ من تختلقين المشاكل منذ حضورنا لتثبتي لي أنك كنت محقة في عدم العودة إلى هنا. قالت مروة:
نعم، لقد كنت محقة والدليل ما يحدث الآن. فالمفترض أن نحتفل بذكرى عقد قراننا، ولكنك بدلاً من ذلك ستتركني وتذهب لمقابلة عميل تافه. هذا يذكرني بليلة زواجنا الحزينة حين تركتني وذهبت لتنام عند أمك بحجة أنها ليلتك الأخيرة معها. قال نادر بعصبية:
أولاً، أنتِ أخبرتني أن لديك مانع شرعي. وثانياً، كانت الليلة الأخيرة مع أمي بالفعل، فلم أرها بعدها أبداً. ألا يكفي أنكِ لعبتِ برأسي حتى تخليت عنها وحرمتني من رؤيتها لسبع سنوات حتى ماتت وحيدة. ثم يكمل كلامه بحزن:
والله أعلم كيف ماتت أو من دفنها. أنا لا أعرف حتى مكان قبرها، ولا أعرف أين كان عقلي عندما فعلت ذلك بها. ولا أدري لماذا نفذت كلامك وأوهمتها أنني ميت وأنا لا أزال على قيد الحياة، طبعاً حتى أتنصل من مسؤوليتها وأتفرغ لك. وبالرغم من ذلك قضيت معك النهار الأخير كله، مع أنه كان من المفترض أن أقضيه مع أمي لأودعها قبل سفرنا. وعندما سألتني المسكينة أين كنت، كذبت وقلت بأنني كنت أنهي أوراق السفر من الجامعة طوال الصباح، وأنني بقيت باقي اليوم مع أصدقائي لأودعهم، بينما كنت أحتفل معك. وكان يمكن أن نؤجل ذلك لبعد السفر.
تلقت مروة بحقيبتها على السرير وتصرخ فيه: هذا يكفي، لقد صدعت رأسي بالحديث عن أمك كأنك الوحيد من لديه أم على هذا الكوكب. كان نادر يعرف أن الانفعال لن يجدي نفعاً معها وأنها ستقلب حياته لجحيم. إذا ذهب، غير لهجته الحادة للهجة حانية، واقترب منها وضّمها، ثم همس لها بهدوء: حسناً حبيبتي، لن أتسبب لك في صداع أبداً. لأني مضطر للذهاب لعشاء العمل، فهذا مستقبل الشركة، أم تريدين أن نخسرها؟ ثم وضع أطراف أصابعه على عقد الألماس
الذي تلبسه ويكمل حديثه: وساعتها لن تستطيعي شراء هذه المجوهرات والثياب الغالية أو العيش في نفس المستوى الذي نعيش فيه الآن. وربما نخسر الشركة ونعود فقراء كما كنا. ثم قبلها في خدها عدة مرات: هيا أقبلي حياتي، وأعدك غداً سنذهب لأي مكان ترغبين فيه وسنظل حتى تملّي من الجلوس معي. فما رأيك؟ تنفست مروة الصعداء: حسناً، فأنا لن أخسر المال الذي جمعناه لسنوات من أجل ليلة واحدة. سأنتظر للغد وأمري لله، وأتمنى ألا تجد عذراً جديداً.
قال نادر: لا تقلقي، سأعوضك بهدية قيمة وفسحة رائعة. ثم قبلها وخرج وهو ينفخ الهواء قائلاً: لقد نجوت. ثم غادر نحو المنزل الذي سيلتقي فيه مع بسمة والمستثمر. وعندما وصل للعنوان الذي أرسلته له بسمة، وجد المنزل في منطقة هادئة ويبدو عليه الفخامة. وعندما دخل من البوابة بسيارته حتى ركنها في المكان الذي دلّه عليه الحارسين. نظر لواجهة المبنى فهي من الزجاج يظهر بوضوح خلف الألواح الزجاجية المضيئة. يتعجب نادر جداً ويقول:
فهذا منزل خالة أمي المرحومة. ويقول لنفسه: لقد جئت هذا المنزل كثيراً مع أمي عندما كنت صغيراً، وأتذكر تلك الواجهة الزجاجية جيداً، فقد أخبرني الخال أنها عاكسة للداخل والخارج بحسب الرغبة. ولكن يبدو أن بسمة قامت بشرائه عندما عُرض للبيع بعد وفاة خالة أمي. فعلاً صدفة غريبة، أو هناك شيء آخر أريد أن أعرفه الآن منها. ثم مر نادر خلال الحديقة المحيطة بالمنزل ووقف أمام الباب الذي فتح تلقائياً بمجرد وقوفه وحتى قبل أن يطرقه.
وحين دخل رأى بسمة واقفة لأستقباله وقد لبست ثوباً جذاباً على غير العادة، فدائماً يراها باليونيفورم. وما استغربه أكثر أنها لم تكن محجبة كما اعتاد رؤيتها، فقد أسدلت شعرها الطويل على ظهرها مع أنه كان دائماً يراها وقد جمعت شعرها على شكل ذيل حصان ووضعت فوقه طرحة تظهر مقدمة رأسها فقط. تقدم نادر نحوها ومد يده ليسلم عليها. فمدت يدها وصافحته ورفعت رأسها لتنظر إليه، فالتقت عيناها الزرقاء الواسعة بعينيه.
وقف نادر لبضع ثوان دون أن ينطق بكلمة، فهو منبهر بطلتها الجذابة وكأنه في فيلم رومانسي جميل. تسحب بسمة يدها من يده وتشير لأريكة في غرفة الاستقبال: تفضل سيد نادر، لماذا أنت واقف هكذا؟ قال نادر: اعذريني، ولكني استغربت مظهرك قليلاً، فدائماً كنت أراك باليونيفورم والحجاب ولم أتخيل أن أراك هكذا. وهذا غريب، فالمحجبات لا يخلعن الحجاب أو يلبسن هكذا أمام شخص غريب. ثم يجلس على الأريكة وتجلس بسمة بالقرب منه. وتقول له:
أنا أعرف أنني لست ملتزمة بالشكل الكافي، فأحياناً أضطر لأن أظهر بشكل أنيق مع العملاء. ثم تقول لنفسها:
لقد فعلت ذلك لأجلك أنت، فلم أفعله لأحد طوال حياتي. هذا لأجعلك تندم على تركي عندما تعرف الحقيقة. والآن سوف تقارن بين زوجتك وبيني طوال جلوسك معي. وحين تأتي المدام بعد قليل وتجدني في حضنك، ستقلب حياتك جحيماً يا حبيبي. فقد اتفقت مع الرجل الذي سيمثل دور المستثمر ألا يأتي إلا بعد أن تحضر زوجتك وترانا معاً لأقلب الدفة مرة أخرى لصالحي، فلا تستطيع المغادرة خلفها وتشتعل النار أكثر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!