يغادر مروان بينما تجلس بسمة وتتحدث مع نادر عن خطة الشركة لرفع مستواها، وهي تنظر لمروة خلسة لترى تأثير المنوم الذي بدا واضحًا عليها. ثم تقول لمروة: أتمنى أن تكوني قد عرفت الحقيقة يا مدام مروة. تبتسم مروة ابتسامة مصطنعة ثم تقول لنادر: علينا الانصراف الآن، فأنا أشعر بالنعاس. ثم تقف فتكاد تسقط على الأرض، ولكن نادر يمسك بها. ما بك حبيبتي؟ قالت مروة: لا أدري، أشعر بنعاس شديد ودوار، ولا أستطيع أن أصلب طولي أو أفتح عيوني.
قالت بسمة: ما رأيك يا مدام مروة؟ يوجد غرفة للضيوف، يمكنكم النوم فيها حتى الصباح ما دمتِ متعبة هكذا. قالت مروة وهي تفتح عيونها بصعوبة: لا، سوف نغادر الآن. قال نادر: وسيارتك كيف سنأخذها؟ قالت مروة: سنذهب في سيارتي ونترك سيارتك هنا للغد. ماذا يحدث لي؟ أنا لا أستطيع أن أصلب طولي. حسنًا، لا مانع عندي أن نبقى هنا الليلة. لو سمحت يا نادر، خذني للغرفة حالًا. قال نادر: حسنًا سأحملك. أين هي الغرفة يا مدام بسمة؟ قالت بسمة
بضيق لأنها تراه يحمل مروة: تفضل معي. تخرج من قاعة المؤتمرات ثم تشير له على الغرفة: هذه هي. يدخل نادر للغرفة حاملًا مروة ويضعها على السرير وهي شبه نائمة، وبمجرد أن يضعها تغرق في النوم فيخلع لها حذاءها ويغطيها، بينما بسمة تراقبه وهي تشعر بالغيرة. وعندما ينتهي ينظر في أنحاء الغرفة فيجد بعض مقتنياته القديمة وصورة كبيرة لأمه معلقة على الجدار فيتجه نحوها ويلمسها بحزن. آسف يا أمي، سامحيني. قالت بسمة: لقد كانت تظن أنك...
قال نادر: تعالي نتحدث في الخارج حتى لا تستيقظ مروة. ثم يخرجان للحديقة ويتمشيان معًا ثم يجلسان على طاولة صغيرة. قالت بسمة: آسفة على تطفلي، ولكن ما دمت على قيد الحياة، فلماذا لم تتصل على الأقل حتى تطمئن على أمك؟ لقد ماتت المسكينة من حزنها عليك. قال نادر لنفسه: لو قلت لها الحقيقة ستحتقرني، لذا يجب أن أكذب عليها كذبة مقنعة. ثم ينظر لبسمة قائلًا:
لم أركب تلك الطائرة المنكوبة، فلقد تنازلت عن تذكرتي لشخص آخر كان يريد الذهاب إلى هناك بأي شكل، فلديه عمل طارئ وقايضني على الذهاب لكندا مدة أسبوع مقابل المال وتذكرة طيران للعودة إلى هناك. وقلت في بالي فرصة لأرى كندا ثم أعود بعد أن أتفسح قليلًا، ولكن للأسف بعد وصولي لمطار في بلد آخر حدث معي حادث مروري بعد ركوبي في سيارة الأجرة التي خرجت بها من المطار، وبعدها فقدت الذاكرة لسنوات، ولكنني كنت أعمل في تلك الفترة وكسبت
الكثير من المال. وعندما استعدت ذاكرتي عدت إلى هنا مباشرة، وأول شيء فعلته ذهبت لحينا وسألت عن أمي فأخبروني أنها قد فارقت الحياة، ووجدت شقتنا مغلقة منذ سنوات ولا أحد يعرف مكانك، وبعدها أسست شركتي هذه منذ عام، وأنسَتْني زحمة الحياة حتى نفسي حتى وجدتك.
قالت بسمة: أنا لم أصدق أنك فعلت هذا عن عمد، وقلت لنفسي أنه لا يمكنك أن تفعل ذلك بأمك. قال نادر: هل تعرفين مكان قبر أمي؟ قالت بسمة: بالطبع، هو في المدينة الأخرى وهذا هو العنوان. ثم تعطيه ورقة به. نادر ينظر في عينيها: ولكن أنتِ كيف تغيرتِ لهذا الحد؟ عيناكِ هي الشيء الوحيد المتبقي من بسمة القديمة، فكل شيء فيكِ مختلف الآن. وجهكِ، شعركِ، قوامكِ، لقد خسرتِ أكثر من نصف وزنكِ تقريبًا. قالت بسمة:
والدتكِ هي السبب في كل هذا التغير، فلقد كانت تلح عليّ أن أهتم بنفسي وأصلح أسناني، ومع إلحاحها المستمر نفذت طلبها وذهبت لطبيبة تخسيس وطبيب تجميل ليصلح لي أسناني ثم أصبحت كما ترين. قال نادر: لقد كنتِ جميلة في الماضي، ولكنكِ صرتِ أجمل بكثير، فلقد تغير شكلكِ تمامًا وأصبحتِ مثل ملكات الجمال. كل شيء فيكِ رقيق وجذاب. قالت بسمة: شكرًا لك على المجاملة. قال: أنا لا أجامل، أنا فعلًا أقول الحقيقة. أتعرفين؟
لقد عشت في كندا لسنوات ولم أنظر لأي فتاة أبدًا، ولكن منذ قابلتكِ تغير الأمر، ولا تفهميني خطأ، ولكن هناك شيء ما يجذبني إليكِ، وأشعر أن هناك رابط بيننا، ومنذ رأيتكِ بدأ قلبي يدق من جديد. ثم يمسك يدها. قالت بسمة: ألا تخشى أن تراك زوجتك وأنت تمسك يدي؟ قال: هي تغط في نوم عميق، ونومها ثقيل في العادة، فما بالك وقد وضعتِ لها المنوم في العصير. قالت بسمة بارتباك: ما الذي تقوله؟ أنت تمزح صحيح؟ قال نادر:
لا، لست أمزح. لقد رأيتك تضعين شيئًا في كوبها، وعندما شعرتِ بالنعاس تأكدت ظنوني، ولعلكِ أردتِ قضاء بعض الوقت معي على انفراد كما أرغب أنا، أليس كذلك؟ قالت بسمة بتوتر: حسنًا، تأخر الوقت وعلينا أن ننام الآن. تصبح على خير. ثم تقف وتهم الانصراف، ولكنه يقف بسرعة ويجذبها من يدها ويضمها ثم يحاول أن يقبلها. قالت بسمة لنفسها:
لا تفعلي ذلك مرة أخرى، أنتِ لم تتعافي بعد مما حدث في المرة الماضية، وها أنتِ الآن معلقة، لا تعرفين إن كنتِ متزوجة منه أم زواجكِ باطل. لا تستسلمي له فتصبحين دمية سهلة يتسلى بها في وقت فراغه ثم يرميها. وبينما يقترب منها نادر ليقبلها، وقبل أن يلمس وجهها تدفعه بكلتا يديها بعيدًا عنها وتجري مسرعة نحو المنزل، بينما يتبعها هو بسرعة ويحاول أن يمسك بها مرة أخرى من ذراعها.
انتظري يا بسمة، أنا أفتقدك وأريد أن نكون معًا، وهناك كلام كثير أود أن أقوله لك. قالت بسمة: ولكنني لم أعد أريدك، لقد شفيت من حبك للأبد. قال نادر: أنت تكذبين، إن كنتِ نسيتِ ما حدث بيننا، فلماذا بحثتِ عني وحضرتِ لمكتبي تعرضين عليّ العمل معي؟ قالت بسمة: كنت أظنك عميلًا عاديًا ولم أتوقع أنه أنت. قال: أرى الشوق في عينيكِ، فلماذا تكذبين؟ قالت: أنت من تكذب على نفسك وتوهمها بأشياء غير صحيحة. قال نادر:
لماذا قبلتني قبل حضور مروة؟ ولماذا يداك ترتعشان؟ قالت بسمة: أرتعش من البرد، لذا عليّ أن أعود لغرفتي. ثم تشد ذراعها وتفلته من يد نادر وتجري نحو غرفتها بسرعة وتغلق الباب وتتكئ عليه بظهرها وتأخذ في البكاء. ماذا أفعل الآن؟ هل أخبره أنه تزوجني وهو مخمور وأنني أنجبت منه ولدًا؟ وهل سيصدق كلامي ويعترف بابنه؟ وهل سيصلح أخطاء الماضي بعد كل هذه السنوات ويتزوجني زواجًا شرعيًا موثقًا؟
أنا لا أعرف ماذا أقول أو أفعل، ولكني كنت أود أن أضمه وأقبله وأقول له أنني أحبه وأنني اشتقت إليه كثيرًا، ولكني خفت أن أخسر كرامتي كما خسرت عفتي وأجمل سنوات حياتي في الماضي. ثم تجري نحو السرير وترتمي عليه وتبكي بحرقة. في الجانب الآخر يعود نادر للغرفة التي تنام فيها مروة، ويتمدد بجانبها وهو يقول لنفسه: ماذا تريد يا نادر؟ ألا يكفي ما فعلته بالفتاة سابقًا؟ أتريد أن تكرر أخطاء الماضي مرة أخرى؟
لو كل الأخطاء مثل بسمة أود أن أكررها ألف مرة. هل تحبها؟ نعم، أنا مغرم بها لحد الجنون، ولكن ماذا بعد؟ ماذا لو عرفت الحقيقة وأنني تركتها هي وأمي عن عمد، وأنني تلاعبت بمشاعرها حتى تتعلق بي وتبقى مع أمي بعد سفري ولا تتركها بمفردها؟ ساعتها لن تطيق النظر في وجهي. يا ترى هل ستسامحني عندما تعلم أن كل ما قلته لها كذب وأنني لم أفقد الذاكرة أبدًا؟
ماذا لو عرفت الحقيقة بشكل ما، وأنني تعمدت البعد ولم أتصل بأمي حتى لا تطلب مني الرجوع إلى هنا وبذلك أتنصل من مسؤوليتي نحوها؟ يا ترى لو عرفت بسمة هذا كله ستظل تحبني أم ستحتقرني ولا تنظر في وجهي مرة أخرى؟ يا الله كم أشتاق إليها ولحضنها الدافئ، أنا لم أشعر بالسعادة وهذا الشوق وألم الحب إلا معها. ثم يغمض عينيه ويستعيد كل اللحظات الجميلة التي قضاها معها هذه الليلة. ثم يقول لنفسه: ما بك تتصرف كالمراهقين؟
هيا نم، فغدًا سيكون يومًا حافلًا بالعمل. في اليوم التالي يخرج نادر ليذهب للحمام فيصطدم بطفل صغير. قال الطفل: هذا أنت! كيف عرفت مكان منزلي؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!