لم تكن الحروب تبدأ دائمًا بقرع الطبول أو اصطدام السيوف بل أحيانًا بكذبةٍ واحدة أو قرارٍ متسرع أو سرٍ أخفاه القدر طويلًا. وبينما كانت مملكة السحر تستعد لمواجهة عدوٍ ظنته يعرفه كانت خيوط النبوءة تُنسج في صمت لتقود الجميع نحو حقيقةٍ لم يتخيلها أحد… حقيقةٍ قد تغير مصير الممالك وتوقظ قوةً ظلت نائمةً لسنوات لا لتبدأ الحرب فحسب… بل لتحدد من سيبقى حيًا حتى نهايتها.
وداخل أسوار المملكة كانت هناك نيران تشتعل بحرب لم يكن يتوقعها أحد. حين علم البلاط الملكي بخطف الأميرة استنفروا من هذا الفعل وطالبوا بشن حرب لإعادة الملكة القادمة إلى قصرها. ليس فقط إنتماءًا للقصر والمملكة وإنما بقلوب أباء قد فقدوا ابناءهم ليشتروا الأمان داخل منازلهم. ليضمنوا سلامتهم وسلامة أولادهم الأخرين. ولم يعد هناك من يستطيع التحمل أكثر.
أعلن فالين التعبئة للجيوش والاستعداد لاقتحام مملكة مورجاث. استعان فالين بوزير السحرة كي يعد الشباب اللذين يملكون قوة سحرية فريدة تساعدهم على الحرب.
بعد وقت دخل الوزير درافان ووقف بالبلاط الملكي وسط الوزراء وانحنى أمام الملك وقال: مولاي.
فالين: إحنا بنستعد للحرب يا درافان وعايز أقوى السحرة في المملكة. المرة دي مورجاث مش هيقدر علينا عشان هنظم صفوفنا وندعم المواهب القوية التي تقدر تساندنا في الحرب. حضرلي أكفأ السحرة عشان نبدأ ندربهم على القتال مع الجيش.
تدخل كاسيان قبل أن يتحدث درافان وقال: أنا أضمن موهبة ندرة جلالتك وكمان متدرب على القتال. رايث متحكم بالماء وعنده قدرات قوية وندرة وكمان هو المساعد بتاعي وبنتدرب سوا كل يوم.
فالين: يحضر لتدريب الجيش وباقي السحرة ولو أثبت كفاءة يقود الحرب.
درافان: رايث هو أخو الطفل المنبوذ. صح يا ساحر كاسيان؟
كاسيان: أيوة هو.
درافان: خايف يكون شايل ضغينة من الملك جواه بسبب نفي أخوه.
كاسيان: لو جواه ضغينة عمري ما كنت هخليه مساعد ليا. هو ممتاز وعنده ولاء للمملكة والملك فالين.
فالين: خليني أشوفه الأول يا كاسيان.
كاسيان: أمرك يا مولاي.
درافان: فيه موهبتين كمان. لوكاس متحكم بالصخر والتراب وزيف متحكم بالرياح.
فالين: ممتاز. بكرة يبدأوا تدريب.
كاسيان بقلق: أخشى إن مورجاث يكون أذى الأميرة أريانا يا مولاي. أفضل نطلع للحرب فورًا.
فالين: إنت قلت إن عدد الحراس برا أسوار المملكة كبير. وده معناه إن مورجاث بيخطط للحرب علينا وده طبعًا باين من خطفه للأميرة. سواء عايشة أو ميتة هنقوم بالحرب عليهم ونأمل إن إحنا نرجع بالملكة القادمة للمملكة.
زادور: لو تسمحلي يا مولاي باستخدام تعاويذ السحر الأسود.
زفر فالين وقال: إنت عارف رأيي بشأن استخدام السحر الأسود يا زادور. هو مش هيأذي الوحوش وبس لكن هيأذينا إحنا كمان وأنا سلامة الشعب عندي أهم.
زادور: مولاي سموك دايمًا متحامل على السحر الأسود. أنا قبلت بدفن مواهبي تنفيذًا لأوامر سموك لكن كاسيان موهوب. النهاردة قدر يقف قدام الوحوش بأبسط التعاويذ لو سمحتله باستخدام قوته كاملة هيقدر يقف قدام مورجاث ونقضي عليه.
فالين: أنا مقدر موهبتك وموهبة كاسيان يا وزير. لكن آخر مرة راح مننا أطفال كتير بسبب السحر الأسود اللي دخل الماية واضطرينا نمنع شرب المياه والناس كانت هتموت. لولا ميرفال كان زمانا ميتين من العطش. مورجاث هيموت هيموت لكن مش على حسابنا إحنا. كفاية إننا آخر البشر على الأرض.
تنهد زادور وقال: أمر مولاي.
فالين: اتمنى تتفهم قراراي يا وزير. إنت من أقرب وأوفى من في البلاط وأنا بثق فيك ثقة عمياء. يكفي إن ابنك هيكون زوج الملكة وده دليل على ثقتي فيكم. لكن مصلحة الناس عندي أهم.
كاسيان: وأنا ممتثل لأوامرك يا مولاي ومعالي الوزير كمان. إحنا بس شايفين إن ده فيه خلاص للشعب لكن سموك أمرت وإحنا علينا التنفيذ.
فالين: أذهب وأحضر رايث هنا في البلاط.
انحنى كاسيان وغادر القاعة متجهًا نحو مكتبه. حين دخل وجد رايث يقف متوترًا وقال: وصلت للأميرة يا سيدي؟
زفر كاسيان وقال: لأ. والملك فالين أمر بشن الحرب على مملكة مورجاث.
فتح رايث عينيه بصدمة وقال: بس دي عملية إنتحار جماعي.
كاسيان: وللأسف مجبرين نعمل ده. الوحوش منتشرة خارج الأسوار بشكل غير مسبوق. وده معناه إن فيه تحركات تجاه المملكة عشان كده لازم نفاجأهم بالحرب. إنت عارف أن أفضل الدفاع هو الهجوم ومباغتة العدو.
رايث: إسمحلي بالحرب يا سيدي.
كاسيان: الملك طالبك بالاسم ومستنيك في القاعة الرئيسية.
رايث بدهشة: أنا! وجلالة الملك عرفني منين؟
كاسيان: أنا اللي رشحتك. مفيش أكفأ منك في التحكم بالماية. ودلوقتي تعالى معايا نروح للملك.
أومأ له رايث وتبعه بخطوات مثقلة إلى القاعة. الوقوف أمام الملك به رهبة في قلوب الشعب وأخذ يرتب حديثه ويراجع خطوات التحية قبل أن يدخل ويقف أمامه. ثم دخل القاعة وعرف الملك به فانحنى أمامه وحينها قال الملك: سمعت عن مواهبك النادرة يا رايث.
رايث: بعض من قدرات شعبنا العريق يا مولاي.
فالين: طيب حابب أشوف نبذة عنها.
ظل مطأطئ الرأس أمامه وفجأة لاحظ فالين والوزراء أن كوب الماء الذي بجواره يتحرك. وصعد الماء إلى فوق وخرج من الكوب ثم تبلور أمامه وتحرك حتى وقف أمام عين الملك.
فقال أحد الوزراء: ودي موهبة تستغل في الحرب يا مولاي؟
فجأة تحولت البلورة إلى سيف وتحركت سريعًا نحو الوزير ووقفت أمام عينيه ليفتحهما مشدوهًا. فابتسم فالين وعاد النظر إليه وتفاجأ بأنه فعل كل هذا دون أن يرفع رأسه عن الأرض. إنه موهبة قوية ونادرة حقًا. لذا قال: أكيد موهبة تستغل في الحرب. شيء جميل إن المملكة فيها شباب بقدرات سحرية زي رايث. مع إني كنت اتمنى إن أخوه نيراس كان يحصل على موهبة هو كمان.
رفع رايث عينيه ونظر إلى الملك ثم قال: قدره يا مولاي ولا يمكن تغيير القدر.
نظر فالين إلى عينيه ولاحظ أنها لا تحمل أي ضغينة. فهو بالفعل تخطى هذا الأمر. نظر إلى كرسي الأميرة أريانا بحزن. فهو كان يستعين بها في الحكم على معدن الأشخاص من حوله. وبقلب أب مفطور على فراق بنته الوحيدة التي لا يعلم إن كانت على قيد الحياة أم لا أغمض عينيه بحزن ثم طلب منهم أن يرحلوا جميعًا وينفذوا أوامره. عاد بنظره إلى مقعد الأميرة وتنهد بثقل.
ليتكِ تعودي… تُرى هل أنتي بخير؟
نعم بخير تحت جناح ذلك المنبوذ، تجلس على حافة الجبل وكوردن مستلقي بجوارها تحت نظرات نيراس الذي يتابعها متعجبًا من الحالة التي تصيبه كلما اقترب منها. يتأمل براءتها.. نظراتها لكل شيء حولها فهي ترى العالم لأول مرة. وأكثر ما حدقت به هي النجوم تنظر إليهم وكأنها تتحدث معهم. مع شخص كانت تحدثه دون أن تراه والآن تغمرها السعادة لرؤيته لأول مرة.
بعد وقت، لاحظ نيراس أن أريانا تضع يدها فوق معدتها وتشد عليها بقوة كي تتوقف عن طلبها للطعام. فتذكر أنها لم تأكل شيء منذ الظهيرة. فنزل من الجبل ليلًا بالرغم من خطورة الأمر ولكنه لم يقوي على تركها دون طعام. نزل دون أن تشعر ولكن بعد أن اتبعد عنها وعاد الظلام إلى عينيها التفتت في ذعر وأخذت تنادي: أنت هنا؟! رحت فين؟ إنت كويس… أنا مش شايفة حاجة.
استيقظ كوردن على صوتها المرتفع فبحث عن نيراس ولم يجده. أخذ يركض بالأجواء يبحث عنه بفزع وكأنه فقد عزيز عليه. ثم اقترب منها حتى تهدأ فهي تصرخ بذعر والخوف جعلها ترتعش. أمسكت بكوردن وكأنه طوق النجاة وهو يحدق بالفراغ بعينين حزينتين عله يعود أو يراه مرة أخرى. وبعد وقت عاد نيراس وحينها رأت أريانا هذا الضوء الذهبي يكسر الظلام مرة أخرى. ارتسمت ابتسامة على وجهها حتى عادت ملامحه للظهور وانقشع الظلام. وقف كوردن فور أن رأه أما هي فركضت نحوه وصاحت به: كنت فين؟! ليه سبتني ومشيت!
نظر لها بدهشة وقال: أنا متأخرتش. جيت بأسرع وقت.
أريانا: وليه تمشي من غير ما تقولي أصلًا؟ وسايبني لوحدي ليه؟
نيراس: كوردن كان معاكي. وإنتي هنا في أمان. أنا عايش هنا بقالي سنين عمر ما حد طلع الجبل ولا شاف الكهف ده. عشان كده نزلت وأنا مطمن عليكي. ليه كل الغضب ده يا مولاتي.
قالت ببكاء: عشان مش بشوف حاجة وإنت بعيد عني. الضلمة بترجع تاني مجرد ما بتمشي. لو سمحت ماتبعدش أنا ما صدقت إني أشوف من جديد. إنت رجعت النور لحياتي من تاني ودي حاجة كنت بحلم بيها أنا وأمي. كنت دايمًا بدور على السبب اللي خلاني كده لكن من ساعة ما شفتك مابقتيش بدور. بالعكس نسيت كل ده ولما برجع الضلمة برجع أقول لنفسي ليه أنا مش شايفة.
نظر لها نيراس بحزن. دموعها ألمته وليس بألم عادي ولكن روحه التي بكت بدلًا عنها. دموع قلبه هي التي انسابت بين ثناياه لتصرخ لا تبكي… لا تبكي.
انحنى أمامها وقال: أنا بعتذر يا مولاتي. بس لاحظت إنك جعانة وإنك ماكلتيش حاجة من بدري فا نزلت أصطاد من النهر اللي ورا الجبل. ماحبتش أقولك عشان ماتعترضيش إني نازل في الوقت ده عشان سلامتك أهم مني.
تنهدت أريانا وزالت دموعها وقالت: أرفع راسك. بطل تنتحني قدامي أنا مش الملكة بتاعتك.
وقف أمامها وقال: بس إنتي الملكة اللي جاية وأنا مجرد واحد من راعياكي.
أريانا: ولو من المملكة بتعمل إيه براها؟ وليه عايش هنا لوحدك لسنين؟
نيراس: واضح إن سموك مش عرفاني. أظن ده مبرر إنك تطلبي مني مابعدش عنك لأنك لو تعرفيني مش هتطلبي مني كده.
عقدت أريانا حاجبيها وقالت: ليه هو أنت مين؟
نيراس: أنا…. المنبوذ… نيراس بن فالريك.
أريانا: أخو رايث؟!
نيراس: مين رايث؟!
أريانا: اه صح… ده اتولد بعد إنت ما اتطردت. رايث يبقى مساعد خطيبي كاسيان وهو أخوك الصغير.
نظر نيراس إلى الفراغ… قلبه يصرخ “مخطوبة” ثم حدث نفسه متهكمًا: ” وحتى لو مش مخطوبة إنت عندك أمل تبصلك أصلًا! دي أكيد هتهرب دلوقتي.”
عاد بنظره إليها وحدق بها متعجبًا ثم قال: مش هتطلبي تبعدي عني؟
أريانا: ليه! اه… عشان يعني قوتي بتروح؟
نيراس: أيوة. بدليل إنك بتفقدي قدرتك ونظرك بيرجع تاني وأنا جنبك.
أريانا: مش مهتمة بصراحة. أصل معلش هي إيه قدرتي! أشوف معادن الناس وجوهرهم؟ في المقابل فقدت نظري وده شيء صعب التعايش معاه. مع أن الملك والملكة دايمًا في خلاف على الموضوع وميرفال دايمًا اللي بيحله. لكن أنا بعد فترة لقيت إن نظري مهم جدًا. يعني مثلًا.. وماتقولش عليا تافهة وكده؛ نفسي أشوف شكلي في المرايا وأنا لابسة فستان جديد. أو أعرف بقيت حلوة ولا لأ زي ما بسمع. أو أشوف شكل ماما وبابا وخطيبي اللي معرفش شكله خالص. بجد كان فيه حاجات كتير مفتقداها ومش عارفة الناس بتوصفني فعلًا صح ولا بتجاملني عشان بنت الملك.
نيراس باندفاع: بس إنتي فعلًا حلوة أوي.
نظرت له أريانا بدهشة فنظر إلى أسفل مسرعًا بخجل وقال: عفوًا سموك. بس دي الحقيقة وماتعودتش أكدب.
أريانا: ولو قدام جلالة الملك… هتكدب ولا تقول الحقيقة؟
نيراس: لو قدامه هقول الحقيقة طبعًا ومن غير خوف.
أريانا: إيه أول حاجة هتقولها لو شفته؟
نظر إليها نيراس وقال بحزن: مش هقول… هطلب منه أشوف أمي. بقالي سنين بتمنى أشوفها ولو مرة واحدة واطمنها عليا. أقولها إني عايش في أمان وكويس وأطلب منها ماتخافش عليا أبدًا ولا تعيش زعلانة وحزينة.
تنهدت أريانا وقالت: وليه مارجعتش وقولتلهم إنك تملك قوة سحرية؟! ومش أي قوة إنت بتتحكم في النار.
نيراس: عشان أول مرة أشوف القدرة دي أول ما شفتك. قبل كده عمري ما عرفت أعمل كده أبدًا.
أريانا بتعجب: معقول بتمتص قدرات سحرية من الناس وتخرجها إنت؟!
نيراس: ليه بتقولي كده؟!
أريانا: عشان زي ما قلت نظري بيرجع وده معناه إنك بتسحب مني قدرتي السحرية وبعدها كونت كورة اللهيب دي. يبقى خدت قوتي وحولتها لقوة تانية.
صمت نيراس قليلًا ثم قال: لو دي فعلًا قدرتي السحرية ليه ميرفال ماشفهاش يوم الاحتفال؟!
شردت قليلًا وقالت: صح… غريبة! بس حلها عند ميرفال. أنا ممكن أخدك ليه وهو يقولك السبب وساعتها لو فعلًا دي قوتك هترجع المملكة.
نيراس: ياريت. بس سموك هتعملي كده عشاني؟!
أريانا: وعشاني… ماتنساش إن نظري بيرجع وإنت معايا ولو رجعت المملكة أعتقد مش هسيبك تمشي بعيد عني. وساعتها هقدر أبعد عنك عشان استخدم قوتي في الوقت اللي عايزاه وأقربك لما أحب أشوف زيكم كلكم.
نيراس: سموك طماعة شوية.
أريانا: وإنت صراحتك هتوديك في داهية. بس عجباني. أول مرة حد ينتقدني.
نيراس: عفوًا بس دي الحقيقة. سموك هتساعديني بس عشان مصلحتك.
أريانا: ومصلحتك. ولا ناسي إنك مش هتبقى منبوذ ولا مطرود بعد كده!
نيراس: صح.
أريانا: يبقى المصلحة متبادلة. أظن دلوقتي نستنى النهار يطلع ونروح لميرفال. بس أنا ماعرفش الطريق. كل اللي أعرفه إنه عند التل الكبير.
رفع نيراس السمكة بيده وقال: عارفه. نروح بكرة بس قبل ما تنامي لازم تاكلي.
أومأت له أريانا وهي تبتسم. أعجبت بجرائته وقوة شخصيته. والآن عرفت السبب الذي تركها لأجله ولكن لم تتحدث معه بهذا الأمر. فهي قررت أن تضعه تحت الاختبار حتى تقرر إذا كان يصلح بأن يكون بجوار الملكة طوال الوقت أم لا. وهذا لأنها لم ترى هالة مثل هالته من قبل. وحين عرضت أن تأخذه إلى ميرفال كان رغبةً منها كي تعرف رأيه به قبل قرار تعينه معاون الأميرة.
من يصدق أن ينقلب الحال مع نيراس بهذا التغيير الجذري! ولكن هل سيتوقف التغيير عند هذه النقطة فقط أم أن هناك الكثير من المفاجأة التي لم يعرفها بعد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!