تجمدت الأجواء، كأن الحياة توقفت للحظة لا تتجاوز طرفة عين، ثم انفجر الصمت. "ماتلمسنيش" شق صوت آدم سكون الحارة كطلقة طائشة، حاملًا ذعرًا واضحًا في نبرته، وكأن الجميع شهد جريمة تتشكل أمامهم. ارتجف للخلف كمن يهرب من قيوده الأخيرة، أنفاسه متقطعة، وجسده يرتجف، أصابعه انكمشت حتى غرزت أظافره في جلده. عيناه اتسعت كمن واجه كابوسًا مفاجئًا، ووميض ذكرى كرهها وتمرد عليها تلاحقه. كره اللمس، وخذلوه. "لسه عبيط زي ما أنت يا أدم"
كان صوت سعد، جارهم المقيم بنفس الحي معهم، ممتزجًا بالسخرية. زحف فوق طبقات الفزع المتحلق حول آدم، نبرة وقحة تقطر تمتعًا بالهلع المنتشر في أوصال غريمه. التوى فمه بابتسامة جارحة، يمد يده مجددًا كأنه يهوى رؤية الصدمة في عيني آدم. تدخل نوح يدافع عن شقيقه سائلًا: "إيه ده، مالك يا كريزما في إيه" ثم أشار نوح بأصابعه على جانب رأسه بحركات متتابعة كمن فقد السيطرة يسترسل: "هي فرطت منك ياسعد ولا إيه" هكذا علق نوح على حديثه،
فسخر سعد منه بقول: "فرطت من مين يلا، مني أنا، أنت اتجننت يا ابن الفران" مد كفه يغرز أصابعه في كتف نوح مستمرًا في سخريته: "ابلع ريقك يابا وروح اغسل إيدك من العجين الأول وابقى تعالى كلمني" أشاح نوح كفه غاضبًا، هاتفًا بنبرة أشد حدة: "هو إيه ده يا عم، أوعى إيدك ياسعد لا كسرهالك" تجاهل تحذيره وكرر سعد حركته، وهذه المرة كانت أعنف، جعلت نوح يفقد توازنه يتراجع للخلف خطوات رغمًا عنه. أقترب سعد خطوات متحديًا إياه:
"تصدق يا خويا أنا خفت لا تكسرلي إيدي وتعملي عاهة مستديمة ما بين صوابعي" ثم رفع كف يده الممسك بلفافة تبغه يطالعها بسخرية وهو يكمل: "ومعرفش أكمل بقيت سيجارتي" التفت نوح خلفه ليجد الذعر داخل عيني شقيقه. حاول التماسك من أجله. فكرر بصوت أكثر حدة غامزًا: "يسطا، أنت جاي تقول يا شر اشتر ولا إيه، مشي معايا الدنيا" غمز له بطرف عينه يكمل: "الدنيا لوحدها خنقة يسطا الله يكرمك" أشار بيده على شقيقه حتى يرفق بحالته: "أكيد أنت شايف"
نطقت إحدى السيدات الواقفة بالشرفة: "ماتسيبه بقى ياسعد، الواد آدم هيموت من الرعب" رفع سعد نظره يطالعها باحتقار: "بس أنتِ يا أم حسونة ولا تحبي حسونة يبقى مكانه" انتهز نوح الفرصة وأسرع باتجاه شقيقه. مد له كف يده في محاولة منه للنهوض به وهو يقول: "آدم، قوم بسرعة اطلع فوق، نادي أخواتك واوعى تنزل من فوق أنت فاهم"
رفع آدم عيناه نحوه دون استجابة منه. لمح نوح هيئته المضطربة، شعر بخافقه يخفق باضطراب. لمح أنامله التي ترتجف يخرج أصوات كهمهمات من بين شفتيه المرتجفة بالصلاة على نبينا أشرف الخلق. ضجر نوح بصوت خانق يحثه بقول: "مش وقته يا آدم الصلاة على النبي دلوقتي، أنا عارف أنت بتمر بأيه بس ساعدني مافيش وقــ" وقبل أن يكمل نوح جملته قام سعد بجذبه ناحيته بقوة ملقيًا به على الأرضية:
"تصدق يسطا أنت كده ماطلعتش تمام بتستنجد باخواتك بدل ما تقف قصادي راجل لراجل.. ولا أنت مش راجل" نفض نوح يديه يستعد للوقوف قائلًا: "أهوه ده الكلام اللي هخليني اخبأ منك" قالها نوح بضجر ولم يعد به بعدها أي هدوء وكأن جنون أصابه أدى إلى انفعاله الشديد ولم يشعر بنفسه إلا وهو يسدد لكمة قوية إلى وجه سعد جعلته يقع أرضًا من قوتها قائلًا: "اللي ييجي على أخويا هزعله"
شقيقه خلفه وأمامه سعد يمسح دماؤه بكف يده بعدما بصق دماءه من شفاه. أشار نوح بيده في حركة قامت باستفزازه كأنه يقول له أنا بانتظارك. وعلى دون غرة تلقى نوح لكمة على وجه، تراكمت الأجساد حول نوح، تتلاحق الركلات واللكلمات عليه من كل صوب بينما هو يتلوى على الأرض محاولًا حماية وجهه بكفيه، يلهث بين الضربات، ويركض بعينيه باحثًا عن خلاص. فخرجت سبة نابية من بين شفتيه: "بتتكاتروا عليا ياولاد الـ .... عشان بطولي"
تقدم بشر نحو الزحام بخطى متباطئة، يحاول أن يتسلل بنظره بين الأجساد المتحلقة ليرى من ذاك الذي ينهال عليه بالضرب، لكن الحشد الكثيف كان حاجزًا منيعًا. ابتسم بسمته البلهاء يقضم قطعة من الخيارة بيده: "اللـه عـــركه" وفي فجوة ضيقة بين الأرجل المتزاحمة، لمح نوح وجهًا مألوفًا كانت ملامحه واضحة. تلك الابتسامة البلهاء، وتلك اليد التي ترفع خياره نحو فمه بلا مبالاة: "بــِشــــر"
نطقها نوح بصوت متهالك بالكاد خرجت من بين شفتيه يمد يده نحوه كمن يتشبث بطوق نجاة وسط غرق محتوم. مال بشر بـجسده قليلًا، مد عنقه، أرهق عينيه بحثًا عن ملامح مألوفة، وفي يده بقيت قطعة الخيار، يقضمها دون اكتراث. وحين عجز بشر عن الرؤية، التفت إلى شقيقه الصغير الواقف بجواره وسأله بنبرة ساذجة، لا تخلو من ابتسامة بلهاء، وهو ينهي آخر قضمة: "ولا ياهيما مين اللي بيتفرم تحت رجلين سعد وشلته"
سمع إبراهيم صوت مضغ طعام يتحطم من بين أسنانه وأيده بصوته الذي يتضح أن فمه محشو بالطعام، فأجابه دون أن يلتفت إليه، عيناه لا تزال معلقة بالمشهد: "وأنا إيه اللي عرفني يا بشر، أنا لسه جاي حالاً من الدرس وعالابيض خالص، بس الواد ياعيني، إيه، مفروم على الأخر" وصل نوح إلى أقصى درجات العجز، بين ألم جسده، وسخافة صديقه صرخ بأعلى صوته رغم ضعفه: "أنا نوح يا حــمــار" وصله نداءه أخيرًا، أقترب بشر منه وهو يزمجر بصوت قلق:
"ده الولا نــــوح، نهار أبوكم فُحلقي" أشار بيده كالسهم بصوت متحشرج بعض الشيء: "ولا ياهيما، اجري على بيت الحج نصار، نزل موسى واخواته" هرول إبراهيم يفعل كما أمر به، وشق بشر الزحام يهرول إليه دون تفكير يلكم من يراه أمامه بهيئته الضخمة. انحنى نحو نوح في لحظة، مد ذراعه الضخمة، ورفعه عن الأرضية، وأوقفه على قدميه بجانبه في حركة واحدة. أشار بشر برأسه إلى نوح قائلًا كلماتهما المعتادة حين يخوضون أي شجار: "عركة يازميلي"
مسح نوح بظهر يده الدماء المتناثرة على وجهه لاهثًا: "عركة ياصديقي" التقط نوح أنفاسه ثم التف للخلف صارخًا: "بتتكاتروا عليا يا شوية خنازير عشان لوحدي، عليا الطلاق ياسعد ما هتبات فيها النهارده" "حين يُهدى القلب طوعًا، تُصبح الحرية زيفًا، ويغدو الأسر شعورًا لا قيدًا، فـالإنسان يتنفس ما دام قلبه له، وما دام القلب خارج الجسد، صار نفسه موقوفًا على نبض من يحب" "مالك بس ياشيماء لاوية بوزك ليه على الصبح" ابتسامة صفراء
صدرت منها إليه وقالت: "ما أنت شايف بعينك يعني يالقمان، أمك مش مديني وش ولا أنا ولا أمي من ساعة ما جينا" وقف أمامها يبرر بنبرة متوترة: "هي الولية لحقت تديكي وشها ولا حتى قفاها يابنتي" أشار بعينيه لوالدتها بالجلوس قائلًا: "ما تقعدي ياحجة واقفه ليه" جلست والدتها على مقربة منهم تصتنت بهدوء لما يحدث. شد لقمان على أزراره يكمل:
"ايه يا شيماء، ايه يا شيماء داخلة بزعابيبك ليه، ده أنت يادوبك لسه داخلة، أمي جت سلمت عليكي ودخلت عشان تغرف الغدا" ناولته كيس الفاكهه بغيظ: "بلا داخلة بزعابيبي، بلا داخلة بلهيبي، وأنا ياخويا لو كنت داخلة بزعابيبي كنت كلفت نفسي وجيبتلكم تلاته كيلو موز مرة واحدة" وضع لقمان الكيس بجانبه على الأريكة بضيق: "موز مرة واحدة، كتير علينا كده ياشيماء"
أثارت شيماء حنق نعيمة حين جاءت متأخرة كعادتها. أخرجت قدراً نحاسيًا، ثم طفقت تلقي به كومة أوراق الأكاسيا لنقعها وتركت ماء على الموقد لتسخينه. "البت اللي معندهاش ريحة الدم، جايه قبل الغدا بخمس دقايق تاكل وتمشي"
تمتمت نعيمة بتذمر لا تزيح بصرها تقلب بين أدراج المؤونة بحثًا عن بعض الأعشاب لتحضير الشراب المفضل لدى موسى، وهو خليط من أعشاب متناثرة جمعها من بقاع الأرض، ولونها عند الغليان، أشبه بغروب الشمس. لا أحد يعرف مكونات هذا الشاي إلا هو، ولا يشربه إلا حين تختلط الوحدة بالحنين. وعلى الرغم من كره نعيمة لخلطة الأعشاب هذه إلا أنها تحضر منه القليل حين تشعر بالانزعاج الشديد. شعرت وداد بتوترها. اقتربت منها ببطء شديد سائلة:
"مالك يانعيمة ياختي، طلعتي بره كنتي كويسة دخلتي زي القطر وعينك بطق شرار، وودانك شوية وتنفس دخان حصل إيه بره خلى زرابينك تطلع علينا كده مرة واحدة" أجابت ولا تزال يداها تفتش هنا وهناك لربما وضعته في ركن ما ونسيت: "مش شايفة ياختي، مش شايفة الموكوسة بنت الموكوسين بتيجي على أخر لحظة إزاي يا وداد كل مرة مابتجيش غير على الغدا" أغلقت درج المؤونة بحدة: "راح فين ياربي ده كمان أنا كنت بحطه هنا"
كانت هذه همستها لنفسها. ثم اقتربت منها وقد تجاوزت سمر الواقفة أمامها تشير بأصابعها للخارج: "البت حتى مابتتحطش إيدها يا وداد معايا في حاجة بنت سماح، وأنا اللي بقول خلفتي كلها صبيان بكره تيجي اللي تعوضني بحنية البنات اللي اتحرمت منها يا وداد" تحدثت السيدة وداد بنبرة متحيرة وعيناها تزوع أرضًا: "ما تقفي يانعيمة خايلتيني.. رايحة جايه.. رايحة جايه في المطبخ لما دوخت، بدوري على إيه" التوى ثغرها في زهد:
"يعني مش معنى ده اللي هلاقيه، هو بقى في حاجة بتتلاقى في البيت ده، عشان ألاقي شوية الشاي" "طيب اهدي، اهدي وكل حاجة وليها حل، بلاش تاكلي في نفسك كده" كان طلب السيدة وداد طلبًا وترجيًا أكثر من كونه استفهامًا للوضع. "ماتقوليش اهدي يا وداد و جاموسة هانم اللي بره دي عاملة فيها هانم وهي ماتسواش تلاته أبيض، بس العيب مش عليها العيب على ابني، ابني أنا اللي مش مسيطر، خليها كده وخداه على حجرها ياريتني كنت خلفت دكر بط أولى"
هتفت بصوت مرتفع ليبلغ حديثها مسامعها، بينما اعترضت سمر على فعلها هذا حتى لا تفتعل مشكلة هما في غنى عنها: "وطي صوتك يا طنط نعيمة بالله عليكي لا تسمعنا تبقى مصيبة" تجاهلت حديثها كليًا تلتقط إحدى الصحون المزخرفة على الرف: "وإيه يعني ماتسمعنا شيماء فلتر، ولا هتدخل تديني قلمين"
فلتت ضحكة من سمر رغمًا عنها على تسميتها لها بهذا الاسم. ثم سمعت شيماء صوت ضحكات فتاة بداخل المطبخ واستغربت حقًا حين رأت سمر تخرج من المطبخ حامِلة بين كفيها أطباق المحشي تضعهم على الأرضية. طالعت لقمان تخبره بتهكم: "وايه اللي جاب ست سمر هنا كمان، انتوا عازمينها ولا إيه" تنهد دون إجابة فعادت تكرر: "ساكت ليه.. ماترد" وقبل أن يجيب هتفت قائلة:
"أنا لو كنت أعرف إن سمر وأمها جايين أنا مكنتش جيت، وأنت عارف ده كويس أنا طول عمري مابطيقش البت دي" صرحت بما لديها بنبرة صادقة وقد لمع الحزن بعينين لقمان سائلًا: "ليه بس يابنت الناس هي عملتلك إيه" كررت شيماء خلفه باستنكار:
"عملتلي إيه، معملتليش حاجة ياسي لقمان، وبعدين من غير ما تعملي أنا لسه هستنى لما تعملي، كفاية إنها طول عمرها من واحنا لسه صغيرين تقعد تتمحلس لامك وتيجي تروق معاها الشقة وتقعد معاها وهاتك يارغي هي ووداد أمها" أشارت بكف يدها ناحية المطبخ واستمرت: "واهيه، زي ما أنت شايف لسه فيها العادة الزفت دي، رايحة تساعد أمك وبتحط معاها الأكل عشان تكسب رضاها، يمكن ترضى عنها وتجوزها عيل من عيالها ولا حاجة" سألها بحزم
وفي نبرته شيء من الانزعاج: "وم تعمليش زيها ليه" كانت ستنطق ولكن بتر حديثها بقول: "وقبل ما تتكلمي بكلامك اللي أنا حافظه، أنا ماقولتلكيش اخدميها بس على الأقل في عزومة زي دي ماتعمليش نفسك ضيفة ياشيماء ادخليها المطبخ اعرضي عليها مساعدتك، دي أقل حاجة يعني"
"قول كده بقى عايزني اشتغلكم خدامة اسمع بقى يالقمان، أنا من الأول قيلالك أنا مش هحط إيدي في أي حاجة في البيت عندكم أنا أه وافقت أتجوز في بيت عيلة بس شرطي الوحيد إني مش هدخل بيت أمك غير في المناسبات وبس.. وأنت عارف كده كويس تيجي دلوقتي تغير كلامك معايا" مرر أصابعه بين خصلات شعره بعصبية، وكأنه يحاول ترتيب الفوضى بداخله. تنهد بعمق في محاولة منه لتهدئة نفسه. خرجت كلماته بصوت منخفض، يكاد يكون همسًا، كأنه يقولها
لنفسه أكثر من قولها لها: "ياميمه، ياميمه عشان خاطري بلاش كل ما تيجي زيارة عند أهلي نتخانق كده" هبت والدة شيماء واقفة تبت ر حديثه: "أنت بتقول الكلام ده لبنتي ما تروح شوف نعيمة ومقابلتها لينا" أرجع بصره نحو والدتها بحزم: "أقعُدي أنتِ ياحَجه، أقعدي أبوس دماغك" جلست والدتها، وأخذ يلامس كتف خطيبته برفق، وكأنما كان يريد أن يخفف ثقل الأجواء بينهما. ثم همس بكلمات خافتة، وكأنها تأتي من أعماق نفسه التي تعبت من التوتر هاتفًا:
"أنا مابحبش أشوف غير ضحكتك يابت، بلاش بوز البومة اللي مصدراه من ساعة ما دخلتي عشان مش لايق على وشك المقطقط ده" اجتاح نبرتها دفء خفي، كأن لطفًا مفاجئًا قد تسلل إلى حروفها، وابتسمت ابتسامة هادئة، ثم رفعت يدها برقة، تعيد له ضربته على كتفه بحنان خفيف، تخبره وعيونه لا تفارقها: "لا ياشيخ، ما هو أنت كده كل ما تلاقي نفسك اتزنقت تاخدني في دوكة بقى وتقلب عليا الطرابيزه، ترمي كلمتين حنية يخلوا قلبي يرفرفلك تاني"
ألقى نظرة سريعة على ملابسها، ورد بجدية بما هو بعيدًا عن حديثها: "بس إيه الچيبه اللي أنتِ لبساها دي" تلتبستها الحيرة، تفحصت تنورتها بعينيها دون أن تفهم مقصده: "مالها.. مش فاهمه" أشار إليها بعينيه يقترب منها خطوة، وقال بصوت نصف هامس: "لا أنتِ هتبطلي استعباط، وفاهمه ياشيماء" نظرت مجددًا إلى التنورة تحاول أن تستكشف ما يقصده، وأجابت: "طب وربنا ما فاهمه، ماتنطق يالقمان بقى، لا مالها الچيبه بجد، عشان مش فاهمه يعني"
تغيرت ملامحه فجأة، ودار بعينيه في المكان قبل أن يقترب من أذنها، وهمس لها بابتسامة واسعة: "اكلت من جسمك حته" فلتت ضحكة منها، تضربه بخفة على صدره وهي تقول بنبرة مبطنة بالفرح: "خضتني اقسم بالله.. صدقتك وربي بقى.. ماتشتغلنيش تاني يالقمان" أكد على حديثه غامزًا: "لا بس جامدة عليكي" غزت الحمرة وجهها وتحركت بخفة نحو المطبخ من تلقاء نفسها هاتفة: "طيب اسكت بقى يالقمان" طالعها لقمان يتبع خطاها بنظراته المهتمة قائلًا:
"أيه يابت القمر ده، يُخْرَب بيتك" بان تأثير كلماته عليها حين لانت تقاسيمها، فأقترب أنس بنفاد صبر: "بعد إذن جوزين الكناريا اللي شوية وهيعششوا في صالة بيتنا، ماشوفتوش الولا نوح، بقاله ساعة لاطعني في الأوضة وقالي استناه" التفتت إليه شيماء قبل أن تدخل المطبخ، وأجابته بلا مبالاة: "لـــؤه... وقفت والدة شيماء سائلة وهي تراها تبتعد عن ناظريها: "رايحة فين ياشيماء" رفع أنس صوته يوقفها:
"أقعدي أنتِ ياحجه، أنتِ إيه اللي وقفك، أنا مش بتكلم" عادت تجلس في مقعدها ثم رفع أنس حاجبيه بتعجب، ورد مستنكرًا يطالب لقمان بالإجابة: "يعني إيه لؤه دي يالقمان، رد عليا مش فاهم أنا.. إيه لؤه دي يسطا" تلقى منه الصمت، عيونه معلقة بها وهي تمشي بخفة نحو الداخل، كأن الهواء نفسه أصبح ألين من خطاها. سألها لقمان بهدوء، مبطن بالدهشة: "رايحة فين يا بِت... التفتت له، وقد ارتسمت على ملامحها الرضا، وقالت:
"رايحة أساعد أمك في المطبخ" فسألها بتعجب: "غريبه.. وده عشان إيه" أجابته بدلال: "عشان خاطر ابنها" ختمت حديثها تغمز له بعينيها بينما هو ابتسم، كأن الجملة ربتت على قلبه، قائلًا: "حبيبي والله" أتبعها بنظراته حتى أصبحت بداخل المطبخ كأن الضوء انسحب معها. عاد صوت أنس فجأة، يوقظه من شروده: "ايه يا عم.. ايه.. ركّز مع أمي هنا، الله يحرقك ويحرقها في ساعة واحدة، انجز، فين الولا نوح.." فهبت والدة شيماء بانزعاج قائلة:
"بتقول على مين الله يحرقها يا أنس ماتحترم نفسك" اختطف أنس نظرة نحو والدتها ثم نحو لقمان قائلًا: "وقفتي تاني برضوا، أنا مش قيلالك اقعدي ياحجه" ثم طالع لقمان بقول: "ماتقعد حماتك يالقمان" تبدلت ملامح لقمان، كأن شيئًا انطفأ في عينيه، وقال بصوت منزعج: "ايه يسطا... ايه يسطا بتزعق ليه، وربنا ما شُفتُه يا عم"
سحب أنس نفسًا عميقًا، وتركه خلفه إلى غرفته يخلع ملابسه البيتية، يراقب الباب بين الحين والآخر ينتظر شقيقه الذي لم يأتي بعد. وقف أمام خزانته بحيرة يقلب بين قمصانه القديمة هامسًا بداخله: "ألبس إيه أنا دلوقتي، ألبس إيه... وقعت عيناه على قميص من الجينز ثم قام بسحبه وارتداه على عجلة. اقترب من المرآة، يعدل ياقة القميص ويفرد كميه، قبل أن يتأمل وجهه قائلًا: "المرة دي بقى يا ست سمر… مقابلتنا لازم تبقى مميزة"
ثم أردف بابتسامة جانبية يضع القليل من عطره المميز: "هتشوفي أنس تاني خــالــص، مش زي المرة اللي فاتت" أشار إلى نفسه وقد تملكه الغرور: "أنا.. أنا تسيبني مرة واحدة كده وتعمليلي بلوكات من كل حتة … مكانش العشم ياسمر، بُكرة تندمي إنك سبتيني" بدأ بتمشيط خصلات شعره الجانبية، وتحرك ناحية الخزانة يبحث عن بنطال يلائم قميصه. "عــيــالي" انتفض أنس سريعًا بسبب ذلك الصراخ والذي لم يكن سوى صراخ والدته. شعر بقبضة تقبض على قلبه بقوة،
همس لنفسه: "ده صوت نعيمة" تسمر مكانه يحاول التقاط ما يقولونه بالخارج. "حرام والله، ده آدم ده أغلب من الغلب، منك لله ياسعد كل ما تشوف الواد لازم ترازي فيه" علم بما حدث، شعر بنبضاته المتسارعة تكاد تصم أذنه، هرول ناحية المطبخ وقبل أن يصل له وجد موسى يهرول ناحية لقمان قائلًا: "الولا هيما تحت البيت، وبيقول إن سعد وقلاضيشه فارمين آدم ونوح على أول حي الكويت" استوقفه أنس بذعر فسأل: "فين بالظبط"
أتجه موسى مهرولًا مغادرًا المكان وهو يسمعه يقول بنبرة عالية: "عند كشري شطه جنب المقله، انجز يا عم" صرخت نعيمة صرخة مدوية وهي تقول: "أنتوا لسه هتتسايروا، أجروا آدم معاه تحت، الحقوا أخواتكم" وتابعت بقولها معاتبة: "منك لله ياسعد، معرفش فيه إيه بينك وبين الواد"
هرول أنس خلف أشقائه، ينزل الدرج يغلق أزرار قميصه بعدما حاول بث الطمأنينة بداخل والدته. ركض في اتجاه التجمع دون أن يلقي بالًا لما يكسو نصفه السفلي… أو بالأحرى، لما لا يكسوه. لم يدرك في لحظته الطائشة أنه نسي ارتداء البنطال، وهَرع إلى قلب الحارة بشورت منزلي قصير، لا يصلح إلا للنوم… أو للنكبة.
تركضوا داخل الحارة والنفَس يتقطع في صدورهم، لم ينتبه أيٌ منهم لوقع أقدامه على الأرض، كانت أعينهم تفتش عن وجوه أشقائهم، عن طرف واحد يطمئنهم وسط الضجيج. كان هيما شقيق بشر الأصغر يسبقهم بخطوات قليلة، يشير بيده إلى نهاية الزقاق: "أهم، هناك أهم ياموسى"
وهناك، كانت الفوضى تتكثف، حشد من الناس اصطف على جانبي الطريق، وبعضهم اعتلى السلالم، وآخرون تكدسوا في النوافذ، تتشابك العيون على مشهدٍ محتدم، الأنفاس مكتومة، والهمسات متقطعة. كان نوح في المنتصف، ذراعه تندفع بقوة نحو أحد رجال سعد، يلكمه ثم يتلقى ضربة في المقابل، يتراجع قليلاً ثم يعاود الهجوم، يُدفع فيسقط، ينهض في لحظة وكأنه لم يقع قط. بجانبه، كان بشر يتصدى لآخرين، وملامحه مشدودة، شفته السفلى تنزف، لكنه لا يشعر.
لم ينتظر موسى دفع نفسه إلى الداخل، جسده يشق الطريق، كتفه يصطدم بالأجساد دون أن يلتفت، وعيناه تمسكان بـسعد مباشرةً. ومن خلفه كان لقمان يتحرك بثبات. لم ينطق، لكنه لمح موسى يومئ له، فهم الرسالة دون شرح، اتجه يسارًا ليمنع رجلين من الوصول إلى أنس. في الركن الأيمن من الزقاق، انزوى آدم، جالسًا على الأرض، ذراعيه ملتفتين حول جسده، ظهره محني، وعيناه نصف مغلقتين كأنه يتحاشى كل شيء.
رآه أنس وسط الزحام، اتسعت عيناه، واندفع نحوه دون تردد. كان يلهث، وعلى ملامحه مزيج من الخوف والذنب. ركع أمامه ومد يده ليتحسس كتفه، وجسده يلتف حوله كدرع. في وسط الضجيج، انقض موسى على سعد ودفعه بجسده دفعة واحدة جعلته يتراجع خطوة للخلف، قالها دون رفع صوته: "لو جيت على إخواتي تاني… هتزعل يا سعد" توقف الشجار وضحك سعد ساخرًا: "في الأوقات اللي زي دي بحب أزعل" ثم انقض عليه بلكمة سريعة في الفك، ارتد موسى قليلاً لكنه لم يسقط.
مسح الدماء التي انسدلت من شفاهه السفلية بظهر يده: "أنا إزاي يلا ماشوفتش قبل كده إنك بالوسا**دي" ثم ردها بأخرى، كل شيء بعد ذلك بدأ يتداخل. أصوات، اصطدام أجساد، صرخات تنفلت من هنا وهناك، ولقمان يشد أحد رجال سعد من قميصه ويلكمه في الصدر، بينما أنس ما يزال جالسًا أمام آدم يحميه بعينيه وظهره. "عُقده في مَعِدة"
السيدة نعيمه منعتها من ابتلاع ريقها وشعرت بأن كل شيء الآن يثير غثيانها، فأثرت الصمت، حتى وإن لم تظهر ما تضمر فالجميع يرى رجفة يدها وخنصرها، اهتزاز مقلتيها وفرك كفيها أحدى علامات التوتر. تدور في أرجاء الغرفة الرئيسية بخطى قلقة، كأن المساحة تضيق عليها كلما تحركت يداها تعانقان بعضهما لحظة، ثم تنفران في ارتباك، نظراتها تائهة، لا تستقر على موضع، تمر على الباب والنوافذ والجدران.. كما لو أنها تبحث عن مهرب من فكرة تزداد ثقلًا كل لحظة.
لم تخف عن السيدة وداد تنهيدة نعيمة الثقيلة والتي لا تكون صادرة إلا عن شك يليه خوف. كانت تجلس على طرف المقعد، تراقبها بصمت ثقيل، ثم نطقت في محاولة يائسة لبعث السكينة: "اهدي بس يا نعيمة... ماتقلقيش، خير إن شاء الله ياختي" عقدت السيدة نعيمة حاجبيها وسحبت المقعد الذي احتك مع الأرضية الخشبية لتجلس وأمرت تلك الجالسة بجانبها بصوت يشوبه الخوف: "ما تتصلي يا بت ياسمر على طه أخوكي، شوفيه فين...
خليه يروح يشوف إيه اللي بيحصل على أول الشارع ويطمنّا" أومأت سمر مسايرة حديثها وابتسامة دافئة تزين ثغرها، لتنسحب نحو المطبخ بغير راحة وقد شعرت بقلق طفيف: "حاضر يا طنط... التليفون في المطبخ، هاروح اجيبه" لم تنتظر وتحركت السيدة نعيمة ناحية الشرفة، لعلها تلمح أي شيء. دفعت الباب الزجاجي وخرجت، كما لو أن الهواء داخل البيت لم يعد يكفيها.
لحقتها السيدة وداد بهدوء، وقفت بجوارها، تتأمل الشارع الصامت، والقلق يتصاعد كضباب خفيف من صدريهما. شفتا نعيمة كانتا تتحركان دون صوت، ثم قالت، والدمعة محتقنة في صوتها: "مش قادرة يا وداد... مش قادرة أقعد هنا ثانية واحدة" نَبست شيماء بعد صمت، تتبعها والدتها، بصيغة ساخرة مواريًا نبرتها المتوترة، التي لا تليق بثقل اللحظة:
"أنا مش فاهمه يا طنط أنتِ قلقانه اوي كده ليه، هما يعني بيرضعوا في صوابعهم عشان تقلقي عليهم كده.. دول رجاله" كانت نبرتها مليئة بالسخرية، لتقرصها والدتها على حين غرة، وكانت على وشك فعل المثل للمرة الثانية لذا ابتعدت شيماء صارخة: "إيه يا أمي بتقرصيني كده ليه، هو أنا قولت إيه غلط" وعند هذه الكلمة ابتسمت السيدة نعيمة بمكر وهتفت بحاجب مرفوع متكتفة تطالع مقلتيها بغيظ:
"مش أنتِ اللي هتعرفيني إن عيالي رجاله ياشيماء، ولا ياختي.. دست إبهامها داخل فمها بسخرية تسترسل: هما لا بيرضعوا في صوابعهم ولا عيال صغيرة.. دول رجالة الحج نصار يعني من ضهر راجل... أشارت بكف يدها على فؤادها بغيظ: بس اعمل إيه، قلبي حنين، مش قاسي مابتحملش عليهم الهوا، مش زي ناس" ألقت السيدة وداد نظرة على كلاً منهما لتجدهم يتبادلون النظرات الخرساء فيما بينهم قررت حينها كسر الصمت وخرج صوتها صارمًا يخترق لحظة التوتر:
"بت يا سمر أخوكي رد عليكي ولا لسه" ثم هتفت تشير بعينيها لـشيماء: "نقطينا بسكاتك ياشيماء مش ناقصه هي، أنتِ شايفه حالتها حالة دلوقتي" ظهرت سمر عند مدخل الشرفة، الهاتف في يدها، والقلق مطبوع على ملامحها: "لا يا ماما... طه بيكنسل، مش عارفة بيكنسل ليه" في لحظة، اندفعت نعيمة نحو الداخل، اتجهت مباشرةً إلى الأريكة، تلتقط حجابها الأسود، تلفه على رأسها بحركة معتادة، وهتفت دون نية للتراجع، وهي تمسك بمقبض الباب:
"وأنا ياختي هستنى سي طه بيه لما مايكنسلش ويرد أنا نازلة أشوف عيالي" "استني بس يا نعيمة" تبعها صوت وداد، لكنه ارتطم بالهواء... إذ لم تلتفت. لمحت أنامل السيدة نجاح تقترب منها، تمسك بذراعها قرأت ما بداخل عينيها كأنها تنطق دون حديث بأنها لن تستطيع المكوث هنا وتنتظر عودتهما أما بخبر سيء أم جيد. تقدمت منها السيدة نجاح أكثر تبتسم ابتسامة دمثة قائلة: "نزولك تحت وسط الرجاله هيقل منك، مش هيزيدك ياخايبه"
فتحت نعيمه فاهه لتعترض، ضغطت السيدة نجاح على ذراعها تكمل بلطف: "ومش هيقل منك أنتِ بس لاء.. هيقل منك ومن الرجاله اللي معاكي" تحركت السيدة نجاح ناحية الأريكة تجلس بحذر واضعة كف يدها أسفل ظهرها بألم: "آه ياضهري، ضهري مفلوق نصين من ناحية العصوصه يابت يانعيمة بقاله يومين مش قادره.. عدلت
من جلستها تجلس بأراحيه: لما عيالك الرجـــــاله تطلع وهما سالمين وعرفوا يجيبوا حق أخوهم، اوبقي وديني الاستباليه يابت عشان ضهري قافش عليا قفشة وحشة" تباطئت قليلاً حين خرج من بين شفتيها كلمة "الرجاله" وكأنها تذكرها من هم أولاد نصار. تنهدت السيدة نعيمة تنهيدة حارقة تدل على فهمها لحديثها.
ضربت السيدة نجاح بكف يدها على الأريكة إلى جوارها، ضربة خفيفة، تشير إليها دون حديث أن تأتي.. كان الهواء ساكنًا، لكن يدها أحدثت رجفة صغيرة في قلب السيدة نعيمة ترددت بين قدميها وثقل الجسد، شيء كان يشدها للخلف. عينها على الأريكة، والعين الأخرى ناحية الباب. "تعالي، تعالي بس يانعيمة… والله ما تقلقي .. شويه كده وهتلاقيهم جايين" هتفت بها نجاح بصوت خافت، لكنه نطق كالوعد، حديث بدا وكأنه خرج من صدر لا يكذب.
جلست.. جلست بجوارها كأنها تستسلم، لا من الضعف، بل من رغبة مرهقة في التصديق. "بجد يا ياما" سؤالها لم يكن بحثًا عن إجابة، بل عن طمأنينة تُثبت نفسها داخل الملامح المرتعشة. أشارت السيدة نجاح إلى نفسها ببطء، كأنها تُقسم: "هو أنا قُلتلك حاجة قبل كده وطلعت غلط ياموكوسه" هزت رأسها بالنفي فتابعت السيدة نجاح تميل برأسها ناحيه نعيمه هامسه:
"الست اللي بجد ماتحشرش نفسها بين الرجاله وتقف تزعق وتهلل وسطهم طالما رجالتها واقفه، وانتِ عارفه زي ما أنا عارفه إنهم مش قليلين" ارتخت شفتا نعيمة في شيء يشبه الابتسامة وكأن الخوف خجل منها فاختبأ لحظة. لمعة صغيرة في العين مزيج من الخوف والراحة، ظهر واختفى في طرفة. ثم أشارت السيدة نجاح برأسها نحو سمر: "روحي يا سمر… روحي النهارده الجمعه ولعي شوية بخور، بخري البيت… خلّي الشيطان يبعد عننا" أزاحت ببصرها ناحية شيماء:
"روحي ساعديها ياشيماء" لوت شيماء فمها دون رد، فأعادت طلبها بحدة: "ما تروحي تساعديها يابت واقفه كده ليه" تحركت ناحية المطبخ بضجر: "رايحه اهوه" كانت هذه همستها بينما سمعت نعيمة صوت أقدام تطرق درجات الطابق السفلي. لم تدرك السيدة نعيمة كيف انتفض جسدها بمجرد أن بلغها أصواتهم. شعرت بقلبها ينهض واقفًا قبلها. ابتسمت السيدة نجاح قائلة: "اهم جم ياستي، أجري افتحلهم بقى"
هرولت تفتح الباب دون شعور منها ليقابلها وجه نوح بابتسامة منكسرة ووجه شاحب بالرغم من أن ابتسامة نوح لا يكسرها شيء. أرغمت نفسها على نسج خيال ابتسامة من داخل كل شيء مدمر بها واقتربت منه: "إيه يانوح، حصل إيه ياواد طمني، الولا سعد معلم على وشك كده إزاي.. ياولا انطق، طيب أخوك بخير، فين اخواتك" اشتدت يدها على مقبض الباب تنتظر أجابته. تجاوزها يحاول كتم بسمته: "ياستي ماتقلقيش طالعين مع الحج ورايا"
نَبس بجملته بعدما تجاوزها، بينما سمعت صوت ينادي بهمسا عليها خلف الباب: "نَـعيـمه" اقتربت بحذر لتتفاجأ بـ أنس يمط قميصه الجينز للأسفل ليخبيء ما يستطيع من شورت قصيراً يرتديه أسفل جسده بكفيه. عيناه تتلفتان في كل اتجاه، يعلم تمامًا من في المنزل. أشار إلى فخذه برجاء نابع من عينيه قبل لسانه: "اما.. استري عليا ياشيخه، ادخلي بسرعه هاتيلي بنطلون.. انا بلبوص ياما" شهقت من دون صوت لما رأت من حال ابنها، طالعها
بندم وهو يشير لنفسه: "ايه يانعناعه هتفضلي راشقة عينك في فخدتي كده كتير، مش ناويه تبدي أي ردة فعل للي شايفاه طيب" أشارت نعيمه لفخذه مع ضحكات لم تستطع كبحها: "ايه ياواد اللي معري فخدتك كده" أجاب على سؤالها بحديث آخر: "مش وقته دلوقتي يانعناعه هبقى أقولك بعدين" انحنى يقبل كف يدها وهو يترجاها: "بس ابوس ايدك.. ابوس ايدك وطي صوتك ماتفضحنيش، ادخلي بسرعه هاتيلي أي حاجة البسها" ابتسمت نعيمه تنزع حجابها تلقيه بوجه
تضم ذراعيها إلى صدرها: "خد استر نفسك ياموكوس" كانت ملامحه عابسة يشير لنفسه: "ايه ده؟ "لو مش عاجبك هاتها يامفضوح أنا مش فضيالك فين أخوك" ابتسم بسمة مليئة بالضجر وهو يقوم بلفها على فخذيه بحنق يرد عليها بضيق: "طالع ورايا" أشار أنس لفخذه: "طيب كنتِ هاتي طرحة طويلة شوية، عجبك كده، الشعب يشوف عورتي، اودي وشي من الشعب اللي جوه أنا فين دلوقتي"
ضحكت السيدة نعيمه على منظر ابنها فهي تعلم بمن يقصد بالشعب. أنهى حديثه وتركته وتحركت ناحية الخارج تنتظر صعود ادم بفارغ الصبر، بينما هو دخل إلى المنزل كلص ينظر يمينًا ويسارًا حتى يتبين إذا كان يتحرك سريعًا لاقرب غرفة منه يتلفت حوله بريبة يحمد الله في قلبه ان لا أحد بالداخل والجميع ينتظر بالشرفة، وبسرعة كبيرة اتجه إلى غرفته وقبل أن يصل إليها لمح شيماء تخرج من الشرفة ولم يجد سوى المطبخ ليحتمي اليه، ولم يكد يخطو بقدمه للداخل حتى شعر بطبق من الشوربة الساخنة يسقط عليه.
لم يشعر بالحرارة من كثرة شعوره بالخجل، تلاقت عيونه بـ سمر، واشتد الحرج. لا يعرف أين يخبئ نفسه، فابتلع ريقه كأن حنجرته قد ضاقت، وارتسمت على شفتيه ابتسامة بائسة، لا تخفي شيئًا من ارتباكه، بل تعلنه بصراحة. مد يده إلى طرف القميص مرة أخرى، يشده كأنما يتّقي به نظراتها، ثم تمتم بنبرة مبحوحة: "اوعي تبصي تحت ياسمر.. أنا بلبوص" شهقت في مكانها، مذهولة من المشهد، لكن طرف فمها ارتجف، وكأن ضحكة صغيرة كانت تحاول أن تتسلل...
ثم أدارت وجهها سريعًا، تُخفي احمرار خديها تاركة المطبخ، بينما هو ظل واقفًا هناك، كمن داهمه القدر بقميص طويل... وشورت قصير. "في الَأزمَات، لاَ نُعد الوَقت… ولَا يَشغِلنا مِروره بَل فَقط نَرجو نِهايتُه، يَنتظر " أدم " بِمُنتصف المَنزل كأن الأرض تحت قدميه غريبة عنه...
كأن الزمن متوقف، لا يتقدّم ولا يعود. عيناه معلّقتان بباب غرفة والده المغلق، شفاهه تتحرك همسًا بالصلاة على النبي، لا يكاد يسمعها أحد، كأنها رجاء يوشك أن يُقال ولا يُقال. أصابعه تتحرك بلا وعي، تفرك بعضها، كأن فيها شيئًا يحاول أن يخرج، توتره كان يفضح كل شيء، حتى الهَواء حَوله صَار أثقل، يضغط على صدره.
كانت السيدة نعيمة تقف بجانبه، تنظر إليه بعينين خائفتين، تحاول أن تفهم، تحاول أن تُطمئن لكنه لا يجيب، كأنه غارق في بحرٍ داخلي، أمواجه تتلاطم بلا صوت، لا يسمعها أحد سواه. "أموت وأفهم ماله ابن الخرداتي بيك، كل ما يشوفك يترازل عليك، إيه اللي خلاه يقلب عليك كده، ده انتوا مكنتوش بتاكلوا غير من طبق واحد" كالعاده، لم تتلقى رد، وفضل الصمت كان الحزن أثقل من أن يقال. ظلت عيناه معلقتين بذلك الباب.
حاولت السيدة نعيمة أن تجلسه على الأريكة، تلامس ذراعه بخفه لكنه انتفض كمن لسع. تراجع خطوة جسده كله يرتجف فأزالت يدها فورًا: "ماتخافش يا آدم، حقك عليا يابني، مش هلمسك تاني ماتخافش" تجاوزها دون رد يتجه ناحية غرفته يغلق بابه بإحكام، ثم انتقل إلى الفراش يحتضن وسادته بقوة والرعشة تعتلي كامل جسده.
كانت الغرفة مضاءة على نحو خافت، يجلس الحج نصار أسفل النافذة، تتدلى مسبحته منه تنزلق حباتها ببطء من بين أصابعه، يمرر عينيه على أولاده الواقفين أمامه ثم ينظر إلى مسبحته من جديد يستغفر. قلب موسى نظره إلى لقمان الواقف جواره وبادله لقمان نفس النظرة ينتظرون حديث والدهم. رفع الحج نصار عينيه إليهما أخيرًا، وجهه هادئ، لكن السكون فيه لم يكن طمأنينة، بل ما يسبق العاصفة.
"مين فيكم بقى الشبح اللي بـ100 راجل، وبدأ الخناقة مع سعد وعيلته" تقدم موسى يمد يده خارج النافذة، تناول القلة، ورفعها إلى فمه كل رشفة بدت كأنها تزيح حملًا عن صدره، لكن بلعته الثقيلة فضحته. تفاحة آدم في عنقه تحركت بحدة، ثم مسح فمه بظهر كفه وأعاد القلة إلى مكانها قال بهدوء: "إنت تعرف عنّا كده يا حج، أحنا غلابه ياحج" نظر إليه الحج نصار طويلًا، بعين من لا تنطلي عليه الإجابات الملتوية مرّ بعينيه على القلة وهو يقول:
"لا.. لا سمح الله أنا أعرف عنكم أبو كده وام كده كمان" أنفلتت ضحكة من لقمان أثارت غضبه: "بتضحك على خيبتك يالقمان، لما تبقوا رجالة كبار... المفروض تبقوا عارفين الصح من الغلط. جوز البهايم اللي بره دول ما بيعرفوش يفرّقوا. إنما إنتوا.. إنتوا تنزلوا الحارة وتضربوا وتتخانقوا، وتسيبوا الواد سايح في دمه كده وتكسرولوا دراعه بالمنظر ده" جلس لقمان بجواره محاولًا التبرير، وكأنه يبحث عن ثغرة في الحرج: "يا حج...
الواد ده بقاله فترة حاطط آدم في دماغه، كل ما يشوفه، يترازل عليه، كل مرة بنتكلم معاه بالأدب... بتر موسى حديثه: "ادب.. ادب إيه يالقمان ماتصلي على اللي هيشفع فيك يسطا هو اللي زي ده ينفع معاه الادب" تحرك ناحية الأمام خطوة يستردف: "وحياة ديني أنا لو كنت أعرف إنه بيضايق آدم بالشكل ده كنت بيّته في حجر أمه من أول مرة" "وأنت عايز تعمل إيه أكتر من إنه راح يجبس دراعه في المستشفى ياموسى" هتف بها الحاج نصار فأجابه دون تردد:
"ادشدشله دماغ امه قسماً بالله ما ياخد في ايدي غلوه" وقف الحاج نصار، ببطء، خطواته ثقيلة لكنها واثقة، اقترب من موسى، بعينين تشبهان الصمت. ابتلع لقمان ريقه يطالع شقيقه بنظرة لوم على ما قاله. رفع الحاج نصار ذراعه وبدا عليه الغضب ولكنه ربت على كتف موسى تعتلي ابتسامة صغيرة، لكنها كانت مزيجًا من القسوة والرضا وقال بصوت يكاد يخفي الإعجاب خلف الجد: "جدع يا لا تربيتي"
أطفأ آدم الأنارة ودثره نفسه جيدًا داخل الفراش. يشعر بالنوم، يشعر بالتعب لكن لا بوادر للنوم. حاول مرارًا وتكرارًا، كلما أغمض عينيه، زحف إليه الماضي كظل ثقيل. حاول أن يطرده، أن ينسى. لكن ذاكرته أبت، وسحبته إلى ذلك اليوم، اليوم الذي بدأ به كل شيء.
كان آدم وسعد يلعبان في الشارع الترابي، تحت شمس مائلة إلى الغروب. كان البلي موزعًا بدقة أمام سعد، بينما ركز نظره بعين واحدة مغلقة، والأخرى محدقة كالسهم، يستعد لإطلاق الضربة الحاسمة. آدم يقف إلى جواره، يراقب باهتمام طفولي، يشجع صديقه بصوت حماسي: "يلا يا سعد، تقدر تجيبها، مش بعيدة... عايزين ناخد منهم البلي كله."
وفي اللحظة التي كاد فيها سعد أن يقذف بالبلية بأطراف أصابعه، تقدمت خطوات ثقيلة. جاء والد سعد، عابرًا فوق البلي بلا مبالاة، فتناثرت الكرات الصغيرة هنا وهناك، وتبعثرت لحظة النصر قبل أن تولد. تقدم سعد منه، بعين ممتلئة بالعتاب: "مش تخلي بالك يا بُويا؟ كده هدّيت البلي بتاعنا، بعد ما كنت هكسب عيال الشارع كلهم." جلس الأب على المقعد الخشبي أمام المخزن، بثوبه الصعيدي، مستندًا إلى عصاه الخشبية. ابتسم في فتور، وضع كفه على خده،
وقال بصوت هادئ: "بس كده يا سعد؟ حقك عليّا." أدخل يده في جيب ثوبه، وأخرج بعض النقود، ناولها لابنه: "خد، روح هات لوليتا ليك ولآدم." ثم التفت نحو آدم، وبعينٍ ضيقة لا تخلو من نظرةٍ خفية، تطلع إلى جسده الصغير بنظرات غامضة، لا تُريح القلب. تقدم بخطوات ثقيلة، ومدّ يده على ظهر آدم، ثم قال بصوتٍ مغطّى باللين: "إيه رأيك يا آدم؟ بتحب اللوليتا؟ أومأ آدم برأسه مبتسمًا، بحماس طفل لا يفهم ما خلف الكلمات.
ثم التفت الأب من جديد إلى سعد، وقال: "اجري يا سعد، روح هات لوليتا ليك ولآدم، بس هاتها من أوّل الشارع... عشان تبقى متلّجة، ما تبقاش ميّه." ضحك سعد وقال: "تعالى معايا يا آدم." لكن الأب بادره سريعًا، بصوت آمر: "ييجي معاك فين، يا وَلَا؟ يعني محتاج حد يحرسك؟ روح بسرعة وتعالى." أومأ سعد بالموافقة، وهو يشير إلى آدم: "ماشي... بس خليك هنا، يا آدم، أوعى تتحرك عشان نكمل لعب."
مضى سعد مهرولًا، واختفى عند آخر الشارع. حينها، اقترب والد سعد من آدم، وأجلسه على ساقه، وقال: "بقولك إيه يا آدم... ما تدخل تجيبلي حاجة، الصفيحة اللي جوه في آخر المخزن، على إيدك الشمال... تعرفها؟ ابتسم آدم بهدوء، ونزل عن رجله، واتجه نحو المخزن. وما إن دخل، حتى التفت الأب يمينًا ويسارًا... الشارع خالٍ، لا أحد يمر. لحس شفتيه بلسانه، ثم توارى داخل المخزن خلف آدم، خالعًا عباءته الثقيلة. مدّ يده نحو الباب، وأغلقه خلفه...
في صمتٍ مريب، وابتسامةٍ تجرّ خلفها ظلالًا لا تُفصح. ولم يكن آدم يعلم أن الباب الذي أُغلق خلفه لن يُفتح أبدًا على نفس البراءة. كان ذلك اليوم... أول كسرة في روحه، وأقسى ما خبأه العمر في طيّاته. لم يُغلق على جسدٍ صغير... بل على طفولةٍ انتهت قبل أوانها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!