الفصل 4 | من 8 فصل

رواية و لأنه موسى الفصل الرابع 4 - بقلم ماهي احمد

المشاهدات
21
كلمة
7,180
وقت القراءة
36 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

تأرجح القدح للحظات كأنه يتردد بين السقوط والثبات نحو الأرضية، فانفجرت أجزاؤه كحبات المطر الهوجاء. لم يستمع أحد لتهشم تلك العضلة التي باتت تضخ الدم بداخله بانفعالية. اتكأ "طه" بجسده الهلامي على طرف طاولة الإفطار، يحدق في الفراغ بمحجريه الداميين. أتت "وداد" من الداخل بخطوات سريعة كأنها تحاول اللحاق بشيء لا يُرى. تجمدت في مكانها للحظات، عيناها

تمسحان المشهد أمامها: القدح المهشم، السائل المتسرب على الأرض، ووليدها الجالس في منتصف الفوضى، وجهه شاحب ونظراته معلقة بشيء بعيد لا تراه. اقتربت منه بخطوات حذرة، والحيِرة مرسومة على ملامحها: "مالك يا طه؟ وشك أصفر ليه كده؟ لم يرد، كان ذهنه غارقاً في صدى آخر حديث دار بينه وبين "عمر". صوته لا يزال يتردد بداخله، مرتجفاً، هشاً: "نعيمة لو فعلاً شكت فيا، فـ أنا مش هقدر أروح لها تاني... كل اللي عملناه راح يا طه."

نادت عليه مرة أخرى، هذه المرة بصوت أكثر قلقاً: "طه، رد عليا، إيه اللي كسر الكوبايات كده؟ انتفض كأنه انتشل من أعماق أفكاره. لم يلتفت إليها مباشرة، فقط أدرك صوت الأذان يعلو من بعيد، فتمتم بشرود: "إيه... لا، أبداً يا أمي مافيش حاجة، أنا هاروح أصلي الجمعة." نهض سريعاً واتجه نحو الباب، ووالدته تسير خلفه، تحاول اللحاق بخطواته المرتَبكة، تحاول انتزاع إجابة منه: "فهمني مالك طيب، لونك مخطوف كده ليه؟

قابل سؤالها بالصمت. دخل الحمام وأغلق الباب خلفه. شهقت "وداد" ليلجم لسانها حالما أطبق ابنها الباب في وجهها. استند "طه" للحظة على الحائط، ثم رفع رأسه لينظر في المرآة. حدق في انعكاسه بعينين مضطربتين، بالكاد تعرف عليهما. مرت لحظة، ثم همس لنفسه بصوت خافت، متردد: "طيب... والعمل؟ رفع يده إلى وجهه، أخذ نفساً عميقاً، يغمض عينيه، ثم فتحهما مجدداً وكأنه يطمئن نفسه: "اهدى يا طه... فكر... كل حاجة وليها حل." ***

يسير "طه" بخطوات هادئة نحو المسجد. يغمر الحارة أجواء يوم الجمعة، بأصوات الأذان، والبيوت تتسلل منها رائحة البخور. الأطفال يلعبون في زوايا الحارة، يركضون بين الرجال المتجهين للصلاة، والباعة ينادون على بضائعهم بصوت منخفض احتراماً ليوم الجمعة، وكأن الحارة كلها تتنفس الجمعة في كل زاوية منها.

تردد صدى خطوات "طه" الخفيفة داخل المسجد، وهو ينزع حذاءه عند العتبة، ثم مضى بخطوات هادئة حتى استقر في زاوية بعيدة، مسنداً ظهره إلى الحائط البارد. ألقى نظرة على حلقات المصلين المتناثرة في أنحاء المكان، قبل أن يلفت انتباهه ذلك الجمع الصغير، حيث جلس الحاج "رحيم" في وسط دائرته المعتادة، يحيط به رجال في مثل سنه، وجوههم غارقة في تجاعيد الزمن وحكاياته. تناهى إلى سمعه صوت أحدهم، يتحدث بلهجة يثقلها الحنين:

"فين أيامك يا حج نصار، من وقت اللي حصل والدنيا ما بقالهاش طعم من غيره." تنهد "رحيم"، وتحرك في جلسته كأنما ضاقت به الأرض: "بقالى فترة ما زرتهوش، ولما جيت أروح… الست نعيمة مارضيتش." قلب رجل آخر بأصبعه حبات سبحته قبل أن يعلق بصوت متحشرج: "رمضان السنة دي هييجي ومش هيبقى معانا زي كل سنة." انعقد حاجبَا "رحيم"، وبدت على وجهه ملامح العزم وهو يقول بحزم:

"بس إحنا هنخليه ما بينا… هو اللي كان مجمعنا، ولازم نزوره المرة دي حتى من غير ما نعيمة تعرف." نظر إليه أحد الجالسين باستغراب، قبل أن يسأله ببطء كأنه لا يصدق ما سمع: "وده ييجي إزاي بقى؟ أخفض "رحيم" عينيه، وهز رأسه بشرود، كأن الفكرة تدور بداخله بلا سبيل للخروج: "مش عارف.. بس أكيد لازم نتصرف ونروحله."

كان "طه" يتابعهم بصمت، يشعر بثقل كلمتهم وهي تتسلل إليه دون استئذان. وكاد أن يتدخل، لكن قطع حيرته صوت الإمام وهو يبدأ بإلقاء السلام. تفرق الجمع، وانسحب الجميع إلى أماكنهم، بينما ظل "طه" مسنداً رأسه، شارداً عن كل شيء حوله.

لم يسمع أولى كلمات الخطبة، ولا حتى وقع صوت الإمام، فقد كان عقله يجول في أزمنة بعيدة، في أروقة الذكريات التي لاحت عليه كلما وجد نفسه في مثل هذا الموقف. لم يكن جسده هنا تماماً، ولم تكن روحه تصغي لما يقال، بل انسلبت بعيداً، إلى ذلك الفجر البعيد، حيث كانت الرطوبة تملأ الهواء، وأصوات المؤذنين تتداخل في نسيج الصمت الذي يسبق انبلاج الصباح.

رأى نفسه يلهث من أثر اللعب، يضحك مع أبناء "نصار"، تشعل أعينهم الحماس حين قضوا الليل فوق سطوح المنزل، يتقاذفون الكرة تحت سماء مرصعة بالنجوم. وما إن انتهت المباراة الصامتة فوق ذلك السطح العالي، حتى تعاهدوا أن ينهوا ليلهم بصلاة الفجر، كما اعتادوا أن يفعلوا.

وما إن دلفوا إلى المسجد حتى انتظموا خلف "الحج نصار"، ذاك الرجل الذي كان بنيانه يشي بالعمر، لكن صوته ظل يحمل رهبة الأيام وثقلها. وقف بهم كما كان يفعل دائماً، بصوته العميق المطمئن، فكبر للصلاة، وانسابت الآيات من بين شفتيه كأنها تنبع من نهر قديم. أغمض عينيه لبُرهة، كأنه يستحضر رائحة السجاد العتيق، وبرودة الماء حين غسل وجهه قبل الصلاة، وتلك السكينة التي تسللت إليه آنذاك، سكينة لم يعد يذوق مثلها اليوم.

وما أن سلم الحج "نصار" على الجانبين حتى نطق "موسى" بقول: "حرمَا ياحج نصار." التفت خلفه ليجد أبناءه الخمسة. ابتسم ابتسامة رضا إليهم وهو يراهم قائلاً: "جمعاً إن شاء الله." رمق "طه" الجالس بينهم بطرف عينيه، ثم ابتسم، والشوق لأيامه القديمة متغلغل في ملامحه. لم ينتظر طويلاً مرحباً: "واحشني ياطه، فينكم وفين أيامكم؟ حي الكويت نورت برجوعكم." رد له السلام بنفس الشوق والحنين: "حي الكويت منورة دايمًا بناسها وأهلها ياحج."

سأله "نصار" بفضول: "هاه، وناويين تقعدوا على طول؟ ولا لسه القاهرة ماسكة فيكم؟ هز "طه" رأسه بابتسامة خفيفة، كأنما يسترجع سنوات الغربة في لحظة واحدة، ثم قال بهدوء: "لا يا حج، خلاص… إحنا اللي بعدنا، والبعد وجع، بس الرجوع هو الصح. الجامعة كانت السبب، أمي مرضيتش تسيبني لوحدي، وفضلنا هناك… لكن دلوقتي، مفيش حاجة تستاهل نبعد تاني." حرك "نصار" مسبحته بين أصابعه، وعيناه تلمعان بالرضا:

"عليك نور يا "طه"، خير ما فعلت يابني. وداد بتقول إنك ناوي تفتح محل أبوك القديم وتعمله صيدلية؟ أومأ "طه" بالإيجاب، وكأن القرار استقر في قلبه أخيراً: "فعلاً يا حج، أمي قدرت تدبر مبلغ، وهنحاول نجهزه من جديد." بمجرد أن نهض "نصار"، تبعه الجميع تلقائياً، كأنها عادة راسخة بينهم. ثم وضع يده على كتف "طه" وربت عليه بحنو:

"لو احتجت أي حاجة، أنا موجود ومش محتاج أقولك إن أنا في مقام أبوك… مع إن "علام"، الله يرحمه، مفيش حد يعوّضه." ارتسمت على شفتي "طه" ابتسامة امتنان صادقة: "طبعًا ياحج، أنا ماليش غيركم، ربنا العالم." تحرك "نصار"، وأولاده من خلفه، لكنه فجأة التفت كأنه تذكر شيئاً، ثم قال بحزم دافئ: "آه، على فكرة، قول لأمك وأختك… الغدا عندنا النهارده، ومش عايز أسمع أعذار." رفع "طه" يده معترضاً بلطف: "لا يا حج، مالوش لزوم، ليه التعب ده؟

اعترض "نصار" بمزاح فكاهي، وهو يلوح بيده: "هو أنا بقولك عشان تقول الكلمتين دول؟ أنا بس ببلغك باللي هيحصل." ابتسم الجميع، فتمتم "موسى" بمكر: "خلاص بقى، الحج طالما قال كلمة، ما ينفعش نراجعه فيها." جاء صوت "بشر"، متصنعاً الجدية وهو يضع يده على صدره: "طب وأنا ياحج، المحشي من إيد الحاجة "نعيمة" وحشني، ولا لازم أقدم طلب رسمي؟ لوح "نصار" بيده مازحاً: "وهو أنت محتاج عزومة يابشر؟ ده أنت ناقص يضيفوك على بطاقة التموين."

ضحك الجميع، فتمتم "بشر" بآخر كلماته أثناء تحركه للأمام، وقد وجد يد "الحج نصار" تربت على كتفيه بحنو يخبره وقال بابتسامة دافئة: "يا عبيط، هو أنت زعلت بجد؟ حد يزعل من هزار أبوه؟ مش أنا برضوا زي أبوك؟ أومأ "بشر" بالإيجاب، يحاول أن يخفي ابتسامة صغيرة، لكنه فشل وهو يشيح بوجهه قائلاً بمزاح: "آه طبعًا… بس يعني الواحد برده ليه كرامته." ضحك "نصار" بخفة، وجذبه إليه في نصف عناق أبوي قائلاً:

"كرامتك محفوظة يا بني، أنت مش ضيف عشان تستنى عزومة، ده بيتك، وإنت في مقام ولادي، وإلا هزعل منك بجد." نظر "بشر" إليه للحظة، ثم ابتسم أخيراً، كأن كلماته أزالت أي أثر للحظة العتاب، وقال بمشاغبة: "طب خلاص، بس أنا بقولك من دلوقتي، هاخد حتة لحمة كبيرة، ومش عايز حد يبصلي فيها." ضحك الحاضرون برضا، وهز "نصار" رأسه بمكر قائلاً: "على ضمانتي يا واد، بس خلي بالك، أمك "نعيمة" مش هتسيبك في حالك." ***

وعلى الرغم من بساطة الحج "نصار" إلا أنه له هيبة يعبر بها أزقة الحارة بخطوات واثقة، تسبقها سمعته الطيبة وهيبته التي لا تخطئها عين. يمر أهل الحارة عليه يومياً لإلقاء التحية أو لشراء الخبز، لكنه ليس مجرد صاحب فرن بالنسبة لهم، بل هو رمز للأصالة وجسر بين الحاضر والماضي. من حديثه، من وقفته، ومن طريقة تعامله، يتعلم الصغار قيمة التمسك بالجذور، فيما يراه الكبار شاهداً على أيام خلت.

سرت الحارة حياة نابضة، امتلأت بالمارة الذين يتنقلون بين دكاكينها الضيقة، وأصوات الباعة تتداخل مع ضحكات الأطفال وصوت المخبز الذي لم يهدأ منذ الفجر. عند ركن مخصص له أمام الفرن، جلس الحج نصار بجلبابه الواسع، ومسبحته التي لم تفارق يده، يحيط به أهل الحارة، منهم من يشكو همّه، ومنهم من يطلب نصيحته، بينما كان أبناؤه في الداخل، منشغلين بالعجين والخبز.

عند مدخل الفرن، جلس "آدم" على كرسيه الخشبي المهترئ، يقلب بين أصابعه بطاقات الحساب، محاولاً ضبط ثمن الخبز للزبائن، لكنه كان شارد الذهن، تنزلق نظراته بين الوجوه بتوتر، ويداه تتردد في التقاط النقود. ضرب إحدى الزبائن كفه في الهواء من كثرة الزحام، وأكثرهم كان من النساء، فهتف بضيق: "مافيش واحدة فيكم بتعرف تخبز وتعجن؟ جايين تزاحموا الرجالة؟ فأتى صوت "موسى" من الداخل قائلاً:

"وستا نانسي عجرم اللي عندك في البيت مابتعرفش تعجن وتخبز ليه؟ ولا عندها حفلة في دبي؟ ضحك الجميع، بينما تفوهت سيدة وهي تزاحم الرجل في محاولة للتقدم: "ونبي يا ابني، خليني أمشي، سايبة العيال لوحدهم في البيت، لسه ما فطروش."

تصاعدت أنفاس "آدم"، جف حلقه، وارتجفت يده حين حاول جمع الأموال، فتساقطت بعض العملات على الطاولة قبل أن يتمكن من تداركها. شعر بيد قوية تربت على كتفه، فانتفض في مكانه. التفت سريعاً ليجد "موسى" خلفه، يمد يده نحو السيدة قائلاً بهدوء وهو يلتقط الورقة من يدها: "هاتي يا أمي، أنا هخلّصك بسرعة." ناولته الورقة بحركة ممتنة، داعية له بصلاح الحال، بينما انحنى "موسى" قليلاً، يلتقط العملات التي سقطت، ثم مدها "لآدم" قائلاً بصوت

خفيض لا يسمعه أحد سواهما: "ماتقلقش، أنت مسيطر." ابتلع "آدم" ريقه بصعوبة، يتمتم بارتباك وهو يحاول استعادة تركيزه: "واحدة واحدة... كله هيمشي." بينما داخل الفرن، كان الهواء مشبعاً برائحة الخبز الطازج، ممتزجاً بحرارة خانقة تجعل الجو دافئاً في منتصف شهر يناير. تراقصت ألسنة النار في جوف الفرن، تلتهب كلما انفتحت بابه المعدني الضخم، لينبعث منه وهج أصفر يلقي بظلاله على الجدران الحجرية العتيقة.

كان "لقمان" يقف أمام الصاج الساخن، يحرك الأرغفة بخفة ومهارة، تتبدل أصابعه بين الممسك بالخبز والممسك بالمكشطة المعدنية، يدير الرغيف قبل أن يلتهمه اللهب. نفخ في الهواء في ضجر: "نوح تعالى قلب مكاني، حرارة الفرن هنا عالية وأنت عارف فرحي كمان شهرين." نفخ "نوح" العرق عن جبهته دون أن يلمسها: "على الأقل الحرارة هنا هتدفيك، بس الجواز هيولع فيك."

امتعض "لقمان" من رده. بينما "أنس"، فقد كان يخرج الأرغفة بسرعة خاطفة، يلقي بها فوق بعضها البعض. وعلى الرغم من تمرسه، لم يخلُ الأمر من لدغات خفيفة تحرق أطراف أصابعه، فينتفض بين الحين والآخر نافخاً يده وهو يتمتم بالسباب قائلاً: "أنا مش فاهم، أقسم بالله ما فاهم، ما كل الناس بتعمل فرن آلي، مش معنى أبوك اللي مش عايز يجدد وعامله بلدي ويرحمنا من اللي احنا فيه ده."

أنهى "موسى" وضع العجين على الطاولة، والتفت إليه ينفض يديه من بقايا الدقيق، قائلاً بنبرة ساخرة: "جرى إيه يا ولاد نصار؟ كبرتوا خلاص على شغلة الفرن، والخبيز بقى بيحرق إيديكم؟ إيش حال ما كنت تشتغل في المطافي ياسي أنس؟ ترك "لقمان" مكانه، يدلك يديه ببعضهما ليزيل العجين الملتصق، ثم غرس كفه في الحوض، يعجن العجين بحماس وهو يرد مبتسماً:

"الحكاية مش كده ياموسى، إحنا عمرنا ما نكبر على أبونا أبداً، بس الحوار كله إن خلاص كل واحد منا شق طريقه. أنا بقيت مدرس وكابتن بالليل، وأنت بتسافر تشتغل، ما بقيتش فاضي، وأنس راجل مطافي، ونوح راجل عاطل قد الدنيا." استقام "نوح" فجأة، نافضاً يديه عن ثوبه، رافعاً رأسه بفخر: "ماسماهاش راجل عاطل، اسمها رجل بلا قيود، مستثمر في الفراغ، رائد أعمال في البطالة." رفع "أنس" حاجبه بسخرية:

"آه يا فخر صناعة البطالة، المهم إنك عاطل برضه." رفع "نوح" يده بإشارة استهانة، يرد بلا مبالاة وهو يميل على الطاولة: "مش مهم المسميات، المهم الراحة النفسية." لوح "أنس" بيده وهو يلتفت نحو "موسى" قائلاً: "سيبك منه ياموسى وخليك معايا، إحنا بس عايزين أبونا يفهم إننا كبرنا وشغلة الفرن ليها صبيانها، أو ممكن نكبر الفرنة ونخليها زي الأفران بتاعت اليومين دول." رد "لقمان"، متسائلاً، يسند يده على الطاولة: "وده إزاي ده؟

اعتدل "أنس" في وقفته، نفض الدقيق عن كمه، وقال بحماس: "بصوا يا جدعان، إحنا في عصر السرعة، إحنا لازم نفكر بره الصندوق. إحنا نبعت العيش دليفري، مشروع الدليفري ده مشروع العصر." طالع "موسى" يده على ذقنه، ثم أومأ بمبالغة قائلاً بجدية مصطنعة: "تصدق صح، وكمان ممكن نوفر على الناس أكتر، نديهم الدقيق ويعجنوا في بيتهم أوفر." رفع "نوح" حاجبيه بدهشة مستفزة: "واللي يطلب عيش سخن نبعتله واحد مولع؟

وضع "لقمان" يده الملطخة بالعجين على كتفي "أنس" قائلاً: "والله فكرة، واهو لو العيش برد في الطريق نحط جواه كتالوج كيف تسخن رغيف بنفسك." انفلتت ضحكة منه، بينما تراجع "أنس" إلى الخلف، مقطباً حاجبيه في إحباط، ثم رفع يده معترضاً: "ده اللي انتوا فالحين فيه، اتريقوا، اتريقوا." نفض "موسى" يده من الدقيق يطالع أنس بنظرة جانبية، محاولاً كبت ابتسامة كانت تتسلل إلى شفتيه وقال بنبرة مبطنة بالسخرية: "تمام، بس قولي هنبعته إزاي؟

مع سواق ولا هنشحنه في البريد السريع؟ رفع "أنس" حاجبه يتحدث بسخرية: "لا هنحطه في مظروف ونبعت معاه جواب شكر للزبون ياخفيف." ثم نظر إليهما بعينين يملؤهما الجد، هاتفاً بصوت يحمل يقينًا لا يقبل الجدل: "انتوا عالة على صناعة المخبوزات ورب الكعبة." كتم "لقمان" ضحكته، يمسح يديه بالمئزر، ونظر إليه بنظرة ساخرة، يخبره وهو يهز رأسه بتعجب: "أنا مش عارف الحج نصار خلف الكائن ده إزاي."

رفع "أنس" حاجبه بثقة مفرطة، مسح بعض الدقيق عن كمه، ورد دون تردد: "موهبة ربّانية." ألقى "موسى" نظرة طويلة على شقيقه، وكأنه يحاول استيعاب منطقه، ثم قال وهو يهز رأسه بيأس: "آه، ربّانية... بس محتاجة إعادة نظر. ده لو اتساب يعمل مشروع، هيطلعلنا بعيش قابل للنفخ، تحطه في جيبك يوصل لبيتك لوحده." استدار "نوح" إليه ببطء، وكأنه لم يصدق ما سمع، ثم سأله بذهول: "إنت إزاي مخك وصّلك لكده؟ ابتسم "أنس" ابتسامة واثقة، فرد دون أن يرمش:

"استثمار للأفكار الغريبة... السوق محتاج إبداع." ضحك "موسى" ثم أشار نحوه بمغزى: "ده لو السوق قدّم أفكارك، هيحتاج معاش مبكر." عاد الجميع إلى العمل، لكن الضحكات لم تغادر الوجوه. ففي أعماق هذا المكان، بين الجدران المشبعة برائحة الخبز والذكريات، كان هناك شيء آخر يولد... شيء يتجاوز الطحين والماء، شيء أشبه بالدفء المنبعث من قلب العائلة نفسها. ***

هما الآن بغرفة الطبخ، ذاك العالم الصغير الذي يحمل في زواياه أسرار البيوت وهموم النساء، حيث تمتزج رائحة البهارات بمرارة الحكايات، ويعبق الجو برائحة التوابل بالبخار المتصاعد من القدور. جلست "وداد" و"نعيمة" على الأرضية، محاطتين بورق الكرنب الأخضر وخلطة المحشي التي تفوح برائحة الشبت والكزبرة. كانت أيديهما تتحرك بخفة ومهارة، تتابعان حديث طويل لا ينتهي. سألت "وداد" وهي تضع إصبعًا جديدًا في القدر بجوار إخوته:

"وبعدين يا نعيمة، حصل إيه تاني ياختي؟ رفعت "نعيمة" خصلة من شعرها التي انسدلت على وجهها، وزفرت بضيق: "ولا قابلين، زي ما حكيتلك كده من ساعتها ولقمان ماسك في البت اللي اسمها شيماء دي، هي وأمها سماح. تكونش عملاله عمل من ساعة ما عرفها وهو ما داقش طعم الراحة، حبيب قلب أمه." توقفت "وداد" لحظة، كأنها تبحث عن شيء، فسألتها "نعيمة": "بتدوري على إيه يا وداد؟ أدخلت "وداد" إصبعها في خلطة الأرز، تتذوق القليل منه قائلة:

"ياختي الملح كان هنا... الخلطة محتاجة شوية ملح." مدت "نعيمة" كف يدها جوارها، تعطيه لها قائلة بابتسامة خفيفة: "خدي، كان مستخبي ورايا." تناولته "وداد" وهي تستنكر الأمر: "بس قوليلي هي عملت إيه مخلياكي مش طايقاها كده هي ولا أمها؟ ضربت "نعيمة" كفاً بكف، تخبرها بغيظ: "بـــوريـــه، بـــوريـــه منها ومن أمها، قولي ما عملتش إيه، بيستغلوا الواد يا وداد، بيستغلوه أسوأ استغلال، الواد يا حبة عين أمه جاب الديب فريزر." مدت "نعيمة"

يدها تشير ناحية القدر: "خدي، حطي صباع المحشي ده في القعر." واصلت الحديث، بينما تعبر ملامحها عن استياء مكتوم: "راح لقمان يا حبة عيني، كان عايز يعينه عندي هنا في الشقة، عشان شقته فوق كانت بتتوضب، خاف لا يقع عليه حاجة، وهو جايبه بالشيء الفلاني، إنتِ عارفة ياختي الأجهزة الكهربائية غالية إزاي دلوقتي." اكتفت "وداد" بإمالة رأسها قليلاً، قبل أن ترد بسخرية:

"عارفة يا نعيمة عارفة، منه لله اللي في بالي، من ساعة ما مسكها والأسعار بقت نار." تنهدت "نعيمة"، ومدت يدها إلى طبق الأرز، تلتقط منه حفنة، وقالت وهي تبسط ورقة جديدة بإتقان: "شوفتي.. أديكي قولتي، تقوم اللي تنشك في قلبها تقوله، وإيه اللي يحط الديب فريزر في شقة أمك؟ هاتوه عندي، وأنا هشيله عندنا." ضربت "نعيمة" كفها على ركبتها، قبل أن تعلق في انفعال: "الواد محطش خوانه، يا عيني."

لم ترد "وداد"، بل أزاحت خصلة شعر أخرى عن وجه "نعيمة" قائلة: "زيحي شعرك لا يقع في الرز، هــا كملي، وبعدين... عاد الغضب إلى ملامح "نعيمة" وهي تتابع الحديث، صوتها كان مشحوناً بالقهر: "يرضيكي يا حبيبتي، الواد يروح عندهم يلاقي أمها فارشا الديب فريزر في شقتها، مشغلاه، وحاطة فيه الأكل بتاعها؟

ولما يسألها مش ده الديب فريزر بتاعنا، ترد بكل برود وتقوله اه ياحبيبي اصل تلاجة ماما باظت ولما زعلت قولتلها انك موافق تاخد الديب فريزر بدل التلاجة اللي باظت وتعتبره هدية عيد الأم." أغمضت "وداد" عينيها للحظة، تحاول كبح انفعالها، قبل أن ترد بحدة: "لا ياختي، ما يرضيش حد أبدًا، وبعدين لقمان عمل إيه؟ تحركت "وداد" إلى الحوض، تنظف الدجاج، تطلق زفرة طويلة تعكس قلة حيلتها:

"زعل في الأول شوية يا عين أمه، بس بعدها سكت ما تكلمش، بنت المقشفة شيماء ادلعت عليه شوية، وشوية تقوله إنه بخيل، واستخسر حتة ديب فريزر في أمها، ورجع يحوش تاني عشان يجيب الديب فريزر.. قيسي بقى على كده كل حاجة في الجهاز." أشارت "وداد" بعينيها إلى القدر الذي بدأ البخار يتصاعد منه: "المية غليت، اتكلمي ببوقك، مش بأيديكي، اسقطي الفراخ، ما كانتش عزومة منيلة دي اللي عزومتنا لها." اتسعت عيناها فجأة، كأنها تذكرت شيئاً:

"آه، طب وربنا نسيت، بنت سماح المقشفة خلتني تايهة، مش عارفة أنا بعمل إيه." كانت "وداد" قد بدأت في تعديل الرصة بداخل القدر، لكنها التفتت إلى "نعيمة" فجأة وقالت بحزم: "بس ما تزعليش مني يا نعيمة... لقمان غلطان إزاي يسكت على كده." تناولت "نعيمة" السكين، وبدأت بتقطيع البصل، وعيناها لمعتا بالدموع، بسبب لسعته قبل أن تهمس بصوت مختنق:

"بيحـــبـها، بيحبها الموكوس، ياكش هو طيب حبتين، مش زي أخواته. عارفه، ده لو كان نوح ولا أنس، كنت قولت"أهي حلة ولاقت غطاها"، شبه بعض، أما لقمان... لقمان ده البكري، واخد طيبتي كلها، حبيب قلبي." فتحت "وداد" دلفة المطبخ السفلى، تخرج زجاجة الزيت، وسكبت قليلاً منه على خلطة المحشي، ثم سألت دون أن ترفع رأسها: "طب وبعدين، ما جبتوش الديب فريزر لحد دلوقتي؟ أجابتها بما هو بعيداً عن سؤالها: "بتحطي زيت ليه على الخلطة يا وداد؟

فركت وداد بعض حبات الأرز بين أصابعها، قبل أن ترد بنبرة هادئة: "حسيت الرز ناشف شوية وأنا بلفه في ورق المحشي، مالك يا نعيمة؟ ما تبقيش كده، قولت أحط شوية زيت يفلفله." أومأت نعيمة برأسها، لكن عقلها كان مشغولاً بأمر آخر، فتذكرت سريعاً تُكمل بصوت ينضح بالغيظ:

"الولية أم مقصوفة الرقبة شيماء من بجاحتها، اتصلت عليا وبقت تتمنظر عليا بالديب فريزر بتاع ابني وتقولي، أنا جبت كذا وكذا وكذا لرمضان، محسساني إن إحنا معفنين وما بنجيبش حاجة في بيوتنا. ما إحنا بنجيب في بيوتنا يا وداد، وما بنتكلمش، بنت محدثة النعمة وتقولي أنا جايبة ٨٣ فرخة وعشرين ألف جناح، وفرشت نفسها عليا وأنا كان نفسي ألمها، بس أنا عارفاها، بوق وزياطة، وهي مش لاقية تاكل هي وبنتها."

سقط إصبع المحشي من يد "وداد" في القدر دون أن تشعر، وقالت بغضب مكتوم: "ياختشي، إيه البجاحة دي، أما بجحة صحيح يعني؟ يبقى الجهاز جهاز ابننا وتتفشخر علينا بيه؟ ده أنا لو منك كنت جيبتها من شعرها." ارتفع حاجبَا "نعيمة" وهي ترى "وداد" تشتعل غضباً، فحاولت تهدئتها: "اهدي، اهدي يا وداد مش كده، إنتِ عيانة، يجيلك الضغط." لم تهدأ، بل جذبت غطاء رأسها، تضعه عليها قائلة: "اهدى إيه، تعالي نروح نجيب الولية دي من شعرها."

ضحكت "نعيمة" بمرارة، ثم جذبت الحجاب من يدها، تضعه أسفلها وهي جالسة، تخبرها بأسى: "ياختي، ياريت بس أعمل إيه، خايفة على ابني لا أقهر قلبه، وهو ما يقدرش يعيش من غير بنت سماح فلتر المقشفة." وبينما "وداد" تهم بالرد قطع حديثهما صوت خطوات "لقمان" يدخل المطبخ ووجه يشع بالفرح: "أَمـــاه، اعملي حسابك، أنا أخدت إذن الحج، وعزمت شيماء وطنط سماح عندنا النهارده عشان يتغدوا معانا."

قبضت "نعيمة" على أسنانها في محاولة لكبح غضبها، التقط إشارتها فوراً واقترب منها يجلس القرفصاء بجانبها، أمسك يدها، يقبلها بحب، ثم قال بنبرة راجية: "عشان خاطري، يا أمي، شيماء ومامتها جايين النهارده، مش عايزك تعامليها وحش. شيماء طيبة وبكرة إنتِ كمان تحبيها بعد ما نتجوز، بس لو بتحبيني، عامليها حلو."

رأت الرجاء بعينيه، لم تستطع الرفض، فقط نظرت إلى عينيه الممتلئتين بالفرح، قبل أن تهز رأسها بالموافقة. وحين استدار ليخرج، همست لوِداد: "بالسم الهاري، هي وأمها." سمع "لقمان" همساتها، فوقف بجوار الباب سائلاً: "بتقولي حاجة يا أمي؟ توترت للحظة قبل أن تبتسم مسرعة بقول: "بقول بالهنا والشفا على قلبها." ***

كان المنزل يعج بالحركة والضجيج عقب صلاة الجمعة، الجميع اجتمعوا في الصالة، يتبادلون الأحاديث بينما كانت أطباق الطعام تُجهز على الأرضية. بينما "أنس" ظل جالساً في غرفته، متحصناً بين جدرانها، يرفض الخروج رغم أن الجميع كانوا بانتظاره. كان عقله مثقلاً بالأفكار، وقلبه يضرب بقوة في صدره، وكأن فكرة مواجهة "سمر" تثير بداخله مشاعر متضاربة.

بينما "أنس" غارق في أفكاره، انفتح باب الغرفة فجأة، ودخل نوح بخطوات ثابتة، تتجلى في ملامحه روح الأخ الأكبر الذي لا يقبل العزلة غير المبررة. ألقى نظرة على "أنس"، ثم سأله بنبرة تحمل شيئاً من الاستنكار: "إيه يابني، مش هتتغدا معانا ولا إيه؟ رفع "أنس" رأسه، وعيناه تحملان قلقاً غير معتاد، قبل أن يجيب بصوت متردد: "أوري وشي لسمر إزاي دلوقتي أنا؟ جلس "نوح" على السرير بجواره، مسنداً ظهره بارتياح، أجابه وهو يرسم

على وجهه ابتسامة ساخرة: "وهي شافتك فين يعني؟ ما عادي، كلنا بنلبي نداء الطبيعة، مش أنت بس." لم يرَ "أنس" الأمر بهذه البساطة، فأطرق رأسه في ضيق: "يا سلام! إيه السهولة دي؟ لم يكن "نوح" من النوع الذي يسمح لأخيه بالغرق في دوامة القلق بلا داعٍ، فوقف واتجه نحو الخزانة، يفتش بين ملابسه بحثاً عن شيء يليق بالموقف: "البس حاجة شيك، وذوق واقف قدامها عادي، ولا تحط في دماغك."

لكن الملابس لم تكن على مستوى التوقعات، فزفر "نوح" بضيق، وقال وهو يقلب القطع بين يديه: "إيه الهدوم الزفت دي؟ ما عندكش غيرهم؟ أشار "أنس" برأسه نافياً، وقال بلهجة اعتراف صريحة: "لأ، هما دول بس، ما أنت عارف أخوك." أمل "نوح" الموقف لثوانٍ، قبل أن تلمع في ذهنه فكرة، فرفع يده مشيراً "لأنس" بالصبر:

"طيب استنى، أنا شوفت موسى امبارح داخل بشنطة أكيد متروسة هدوم، هدخل أشقطلك منها طقم جامد، تكون إنت غسلت وشك كده وانجز عشان الحج صاحب البيت ما يقلش منا كلنا، انتَ عارف إنه بيحب نتجمع على الغدا يوم الجمعة." أومأ "أنس" برأسه موافقاً، لكن شيئاً من الترقب بدأ يتسلل إلى نفسه، ربما لأن فكرة استعارة شيء من موسى لم تكن تخلو من المخاطرة.

حين دخل "نوح" غرفة "موسى"، كان المشهد أمامه مغرياً لأي شخص يعشق الأناقة. الحقيبة الجلدية كانت مفتوحة، بداخلها ملابس فاخرة من علامات تجارية عالمية، لا تزال بطاقاتها التجارية معلقة بها، وكأنها لم تُرتدَ من قبل. ابتسم بسعادة وهو يخرج منها سترة جلدية أنيقة، ارتداها فوق بنطاله، ثم وضع بضع قطرات من العطر على عنقه، ليكمل إطلالته الجديدة.

لكن ما جذب انتباهه أكثر كان تلك الخوذة السوداء اللامعة الموضوعة على الطاولة، وبجوارها مفاتيح الدراجة النارية الخاصة بموسى. لم يكن بحاجة إلى التفكير طويلاً، ما إن وقعت عيناه على المفاتيح حتى تسارعت نبضاته، وكأن قلبه قد قرر أن يحتفل بهذه الفرصة غير المتوقعة. ابتسم بخبث، التقط الخوذة والمفاتيح، ثم خرج من الغرفة بخفة، متسللاً دون أن يشعر به أحد.

استند "نوح" إلى دراجته النارية، وضع الخوذة على رأسه واستعد للانطلاق، لكنه فجأة، وقبل أن يدير المفتاح في المحرك، وقعت عيناه على مشهد أثار فضوله. على الجانب الآخر من الشارع، كانت هناك فتاة تقف بمظهر لا يتناسب مع أجواء الحي الشعبي. ملابسها أنيقة، تحمل طابعاً راقياً، لكن نظراتها القلقة كانت تخون ثقتها الظاهرة. كانت عيناها تدوران في المكان وكأنها تبحث عن شيء مفقود، أو شخص تنتظره بفارغ الصبر.

الشباب في الحارة لم يكونوا بطيئي الفهم، كانوا يراقبونها بنظرات تطفل وريبة، يحاولون التحدث إليها، لكنها تجاهلتهم تماماً، وكأنهم غير موجودين. ومع ذلك، لم تكن تلك اللامبالاة كافية لإبعادهم، بل زادتهم فضولاً. لم يكن "نوح" ممن يتجاهلون مثل هذه الأمور، فنادى على "آدم"، الذي كان في طريقه إلى المنزل، بصوت جاد: "آدم، آدم، خد، عايزك." لكن "آدم" كان في عجلة من أمره، فأجابه بغير اكتراث وهو يرفع كتفيه اعتراضاً:

"لأ، أنا هطلع عشان الحج عايزني." "نوح" لم يكن من النوع الذي يستسلم بسهولة، فاقترب منه قليلاً وقال بإصرار: "استنى بس، هقولك حاجة." مد يده وكأنه على وشك الإمساك به، لكن "آدم" تراجع فوراً، وكأن لمسه كان أمراً غير مقبول بالنسبة له، ثم قال بحده: "ما تلمسنيش، ما بحبش حد يلمسني." رفع "نوح" يديه في الهواء مستسلماً، لكنه أضاف بلهجة ماكرة: "مش هلمسك، بس بشرط." ثم أشار برأسه نحو الفتاة الواقفة بعيداً، وسأل بفضول لا يخفيه:

"تقولي البنت دي بتدور على إيه، وإيه أصلها وفصلها؟ قبل أن يجد "آدم" فرصة للاعتراض، اقترب "نوح" منه، عاقداً ذراعيه على صدره بابتسامة جانبية، وقال بنبرة ساخرة لكنها تحمل تهديداً واضحاً: "لو معرفتنيش دنيتها، مش هسيبك إلا وانت في حضني." لم يكن أمام "آدم" سوى القبول. وقف يحدق بالفتاة قليلاً، مراقباً كل تفصيلة صغيرة في حركاتها، نظراتها، حتى وقفتها المترددة، ثم بدأ يتحدث بصوت منخفض لكنه واثق، وكأنه يقرأ أفكارها المكتومة:

"هقولك." وقبل أن يتفوه بشيء وجد من يضع يدهُ على كتفيه دون الأكتراث إلى حالته فظلت صرخته تدوي في الأجواء تصم كل من يقترب منه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...