تحميل رواية وكفي بها فتنة بقلم مريم غريب pdf
بقلم مريم غريب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كان منزل آل"عمران" في وسط هذه الضاحية الراقية .. عالي البناء ، واسع الجنبات ، معروف للغرباء و الجيران في الجوار بفخامته و أهله أصحاب السلطان و النعمة و الثراء و بخاصة كبير العائلة ... "أدهم صلاح عمران" ذلك الشاب الذي لم يتجاوز بعد الثلاثين من عمره لقد نشأ في عائلة ملتزمة دينيا ، و عرف بمنزلته العظيمة بين الجميع و ما له من مكانة كبيرة في المجتمع أيضا حيث تخرج منذ عامين من جامعة القاهرة حاملا شهادة الطب ، لكنه بجانبها طلب العلوم الشرعية الإسلامية و ذلك تلبية لوصية والده الذي كان من كبار العلماء ال...
رواية وكفي بها فتنة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم مريم غريب
وكفى بها فتنه ›
~¤ دوافع ! ¤~
إلتفت "أدهم" إلي مصدر الصوت و قال بلهجته الغاضبة :
-تعالي يا أستاذ سيف
تعالي شوف إللي بيجرالنا في بيتنا
دلوقتي بقي يتهجم علينا ناس من الشارع و في عز الضهر
ممكن يدخلوا بيتي و بيتك أو أي بيت في العمارة كلها
و ده كله بسبب ميـــن ؟ عم حسن إللي المفروض مسؤول عن البوابة إللي بتدخلنا البلاوي دي
نظر "سيف" إلي "حسن" و قال مؤنبا :
-معقول يا عم حسن الكلام ده ؟
حسن بصوت واهن النبرات :
-و الله يا سيف بيه ما حصل
محدش غير أهل بيت بيدخل من البوابة
و المعبود ما بفوت حد غريب .. كان كمن موشك علي البكاء من شدة الآسي
ليزمجر أدهم :
-يعني أنا كداب يا عم حسن ؟
و بنت خالي بتمثل و هي إللي قطعت هدومها و رمت نفسها في الأساسنير صح ؟
حسن : حاشا لله يا دكتور
بس و حياة عيالي ماسمعت صوت الأنسة سلاف حتي
و الله ما آ ..
-خلآاص ! .. قاطعه "أدهم" بصرامة و أردف :
-واضح إنك كبرت علي الشغلانة يا عم حسن
عشان كده أنا بشكرك لحد كده من إنهاردة إنت معفي من حراسة البيت
أنا هجيب بواب جديد يستلم منك الليلة و ماتنساش تبقي تفوت عليا فوق عشان تاخد بقيت حسابك
حسن بصدمة :
-بتقول إيه يا أدهم بيه ؟
أنا أمشي من هنا ؟ إزآاي ؟؟؟
ده أنا موجود من أيام والدك فضيلة الشيخ صلاح الله يرحمه
ده أنت كبرت علي إيدي يابني أنا إللي كنت باوديك مدرستك كل يوم . مش هقدر أفوت البيت ده ممكن أموت فيها
زم "أدهم" شفتاه و بدا متوترا للحظات ، لكنه عاد و قال بحزم :
-إحنا مش بنتكلم في العواطف دلوقتي يا عم حسن
أنا قراري بيصب في مصلحة الكل و مش عيب و لا غلط إني أخاف علي أهل بيتي
حسن و قد إلتمعت عيناه بالدموع :
-بس يابني أنا ماقصرتش
و الله ما قصرت و عندي إستعداد أفدي أصغر واحد هنا بروحي
أدهم بصوت جازم :
-أنا آسف يا عم حسن
الموضوع منتهي بالنسبة لي
و مش هرجع عن قراري أبدا !
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كانت تشعر برأسها مصدوعا ... مشطورا لنصفين
لكنها إستطاعت أن تفتاح عيناها بعد فترة قصيرة ، باعدت جفاناها المتثاقلان ببطء ... نظرت للسقف مستغربة في بادئ الأمر
لكنها ما لبثت أن تذكرت كل شئ .. تدفقت الذكريات الأخيرة بعقلها ، كأنها حية ... هبت من مكانها صارخة بقوة ..
-سـلاف ! إسم الله عليكي يابنتي .. قالتها "أمينة" بهلع و أكملت و هي تضم "سلاف" بين ذراعيها مهدئة :
-بــس . بـس يا حبيبتي
إهدي إهدي يما . مافيش حاجة
إنتي كويسة . ماتخافيش يا سلاف إنتي بخير و إحنا معاكي
إهتاجت أنفاسها و هي تتشبث بأحضان عمتها بشدة ، بينما راحت "أمينة" تمسد علي ظهرها و شعرها بعاطفة أمومية حانية ..
أما الباقون كانوا واقفين أمام السرير ، الغرفة تكتظ بهم
حضر جميع أفراد العائلة الآن .. "لبنة عمران" و شقيقتها "راجية" و أبنائهم
حتي السيدة "حليمة" آتت في هذه اللحظة عندما وصلتها صرخة "سلاف" الحادة ، لم تقتنع بما قالته لها "عائشة" أن والدتها تتعارك مع "أدهم" كعادتهما
طلبت منها أن تنقلها لغرفة "سلاف" فورا و أصرت بقوة ، فأذعنت "عائشة" مغلوبة علي أمرها ..
-إيه ! في إيه ؟ مالها سلاف يا أمينة ؟ قوليلي فيهــــا إيـــــــه ؟؟؟ .. هكذا راحت "حليمة" تتصايح بذعر و هي تمد جسدها فوق الكرسي المتحرك الذي تدفع به "عائشة"
أمينة : ماتخافيش يا ماما سلاف كويسة
وصلت "حليمة" بجوار "سلاف" من الجهة الأخري ، و أمسكت يدها بكلتا يداها بتلهف ، ثم قالت :
-سلاف . مالك يا حبيبتي ؟
فيكي إيه يا غالية يابنت الغالي ؟؟؟!!!
صفي صدر "سلاف" الآن و شعرت بالآمان من جديد ..
جاهدت لترسم إبتسامة هادئة علي ثغرها ، و أجابت جدتها بصوت متقطع :
-نناه !
أنا كويسة . ماتقلقيش عليا
عتد ذلك وصلا كلا من "أدهم" و "سيف" و دخلا معا إلي الغرفة ..
وقف "سيف" بجانب زوجته و علي وجهه تعبير حذر ، أما "أدهم" فذهب و وقف بمحاذاة أمه و قال ناظرا بالأرض :
-أنا بعت أجيب بواب جديد يا أمي
إن شاء الله إللي حصل ده مش هيتكرر تاني
إحنا آسفين يا سلاف إنك إتعرضتي للموقف ده بس أوعدك إن حقك هيرجع
إنتي فاكرة شكل الشخص إللي إتعرضلك ؟ تعرفيه ؟؟؟
إرتعدت "سلاف" و إرتجف الهواء فوق شفتاها لإحياء الذكري مرة أخري بعقلها ... توجهت نظراتها لا شعوريا صوب "سيف" ..
أخذت ترمقه بخوف شديد ، و لما طال صمتها ترصدتها أعين الجميع فأزاحت عيناها عن "سيف" المتوتر و قالت بإرتباك :
-آ . أنا .. أنا مش فاكرة
ماشفتوش كويس . طفا نور الأساسنسير و آ . كان
كان كاتم صوتي !
شهقت "حليمة" فزعة من رواية حفيدتها
و زفر "سيف" مرتاحا
بينما شد "أدهم" علي قبضتاه بغضب ، و غمغم طاحنا أسنانه بعنف :
-كل ده حصل و إحنا مش دريانين ؟
كل ده حصل و إحنا في نفس المكان و جمبك ؟؟؟
و هنا تدخلت "راجية" بفظاظة متعمدة :
-و إنت بتلوم نفسك ليه يا حبيبي ؟
محدش فينا غلطان . لا مؤاخذة يعني يا حجة حليمة بنت إبنك هي السبب في إللي حصلها
مشيها و طريقة لبسها هما إللي لفتوا نظر الرايح و الجاي ليها
أكيد حد من الشارع أو واحد من المنطقة شافها و قطرها لحد هنا و حاول يعمل إللي عمله ده
حليمة بحدة :
-و إنتي دخلك إيه أصلا يا راجية ؟
حد كان طلب رأيك ؟
مالكيش دعوة ببنت إبني و يا ريت كل واحد هنا يخليه في حاله تلبس ماتلبسش محدش له دخل فيها
إتشطري علي بنتك الأول و بعدين إبقي تعالي عدلي علي بنت إبني
كادت "راجية" إن تنفتح فيها ، ليدركها "سيف" مسرعا و هو يهمس بأذنها :
-ماما . من فضلك إمسكي أعصابك
إحنا مش عايزين نتخانق عشاني و عشان إيمان
أرجوكي !
نظرت لها "راجية" شزرا و قالت :
-ماشي يا حجة حليمة
كلامك علي راسي . أنا فعلا ماليش حاجة في بنت إبنك
إن شاالله تبقي سيرتنا علي كل لسان و نتفضح بسببها بردو مش هفتح بؤي
و أنهت "راجية" كلمتها الحارة بأن إستدارت و إنطلقت مغادرة الشقة كلها تتبعها "مايا" ، بينما صاحت "حليمة" من موضعها :
-بنت إبني دي يا راجية جزمتها برقبة بنتك و بحذرك تجيبي سيرتها علي لسانك تاني . ســآااامعة !!!
كانت "سلاف" تبكي كل هذه المدة فيما كان الجميع يحاول تهدئة "حليمة" إنتبهت لبكائها فقالت بإنزعاج :
-ماتعيطيش يابت
ما عاش إللي يضايقك أو ينزل دمعة واحدة من دموعك
قومي . قومي يلا لمي هدومك هنمشي من هنا أنا و إنتي
مالناش قعاد في البيت ده بعد إنهاردة
أمينة بإستنكار :
-تمشي إيه بس يا ماما
إستهدي بالله مافيش مشي من هنا
ماحصلش حاجة الحمدلله و الموقف ده مش هيتكرر تاني
حليمة بإصرار :
-أنا قلت هنمشي يعني هنمشي
إحنا مالناش حاجة في البيت ده و أنا مش هسمح لمخلوق يهين بنت نور الدين شريف البارودي
كرامتها من كرامة أبوها و جدها الله يرحمهم و طالما محدش هنا بيحترمها يبقي بناقص المكان
هي ليها بيت بردو تقعد فيه براحتها منغير ما حد يفتح يؤه معاها بكلمة
أمينة بضيق شديد :
-يا أمي أبوس إيدك كفاية
أنا أعصابي تعبت من الصبح
و أساسا محدش هنا يقدر يفتح بؤه لا معاكي و لا مع سلاف
لبنة : يا ماما حليمة أختي راجية ماتقصدش
هي إسلوبها كده إنتي أول مرة تعرفيها ؟!
حليمة بغلظة :
-كله إلا بنت إبني يا لبنة
محدش يدوسلها علي طرف أبدا طول ما أنا عايشة
لبنة بإبتسامة متسامحة :
-طبعا يا ماما حليمة . إحنا كلنا أهلها أصلا و هي بنتنا
و لتاني مرة بقولك ماتخديش علي خاطرك من راجية
هي و الله ماتقصدش
نظرت لها "حليمة" و تنهدت تنهدة طويلة ، ثم ربتت علي يد "سلاف" و هي تقول لتبث فيها القوة و الثقة :
-ماتخافيش يا سلاف
إوعي تخافي أبدا
أنا جمبك
أومأت "سلاف" رأسها بخفة و هي تبتسم لها بهدوء ، لتلتقي عيناه بعيني "سيف" فجأة و كأنه إجتذبها مغناطيسيا
رأته ييتسم يخبث و يغمز لها بعينه ..
أشاحت بنظرها عنه بسرعة لاهثة بذعر ، لتقول "أمينة" في هذه اللحظة و هي تمسح علي شعرها بلطف :
-أنا هقوم أحضرلك لقمة يا حبيبتي
وشك أصفر خالص من الخضة . و لا يهمك يا قلبي هتبقي زي الحصان دلوقتي !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في الأيام التالية ...
كانت "سلاف" طريحة فراشها .. لم تكن مريضة ، و لكنها فقدت كل رغبة في الحياة
لابد أنها تخوض حالة إكتئاب و هي تعرف ذلك ، و لكنها لم تحاول أن تتقذ نفسها ... لقد مات أبيها ، و تيتمت ، و جاءت إلي هنا لتجد أناس لا يحبونها ، و شخص قذر حاول أن يستغلها أبشع إستغلال .. بالطبع كان "سيف" هو الدافع الأكبر الذي جعلها ترفض الخروج من غرفتها
و كانت جدتها السيدة "حليمة" تزداد قلقا عليها مع مرور كل يوم ، و كلما نظرت إليها و هي تذوي كالزهرة التي حبس عنها الماء كاد قلبها ينفجر
حتي قررت أن ترسل إلي "أدهم" ..
دلف "أدهم" إلي غرفة جدته و البسمة تعلو ثغره ، دعته "حليمة" و هي ترد له الإبتسامة :
-تعالي
إدخل يا حبيبي
و إقفل الباب وراك
إنصاع "أدهم" لآوامر جدته و أغلق باب الغرفة من خلفه ، ثم مشي ناحيتها و جلس في كرسي محاذي لسريرها ..
-نعم يا تيتة ! .. قالها "أدهم" بتساؤل هادئا ، و تابع :
-عائشة قالتلي إنك عايزاني . خير يا حبيبتي ؟
حليمة بإبتسامة :
-قولي الأول . رجعت حسن البواب زي ما قولتلك ؟
تنهد "أدهم"بسأم و قال :
-أيوه ياستي رجعته عشان خاطرك بس
لكن بردو جبت حد يساعده
إبتسمت "حليمة" بإستحسان ثم قالت مداعبة :
-طيب تعالالي بقي يا حضرة الدكتور العازب إنت
إنت ياض مش ناوي تتجوز بقي ؟!
أدهم و هو يضحك :
-إيه يا لولو يا حبيبتي الكلام الكبير ده ؟
جواز مرة واحدة ؟ عايزة تجوزيني بدري أوي كده ؟!
حليمة بإستنكار :
-بدري !
بدري من عمرك يا حبيبي
ده إنت لسا قاطع الـ30 يا أدهم
إيه ناوي تتجوز لما تطلع علي المعاش ؟ مانفسكش كده في حتة عيل يشيل إسمك و تورثه إللي ورثهولك أبوك ؟؟؟
أدهم بإبتسامة :
-طبعا نفسي يا تيتة
بس الحاجات دي نصيب . و وقت ما ربنا يأذن أكيد هيحصل
حليمة : و نعم بالله . بس ربنا قالك إسعي مش تفضل واقف مكانك مستتي النصيب
النصيب عمره ما هاجيلك و إنت واقف مكانك
أدهم بتشكك :
-هو إنتي ليه بقيتي مهتمة أوي كده بالموضوع ده ؟
إوعي تكوني جايبالي عروسة !
ضحكت "حليمة" بصخب ، ثم قالت بجدية :
-يا حبيبي أنا كل إللي بتمناه من الدنيا إني إطمن عليك إنت و عائشة و سلاف قبل ما أموت . هما مش بيقولوا أعز من الولد ولد الولد ؟
أدهم و هو ينحني علي يدها ليقبلها :
-بعد الشر عليكي يا حبيبتي
ربنا يديكي الصحة يا رب و تفضلي مليا حياتنا
ده أنا مقدرش أعيش منغيرك يا لولو ربنا يخليكي ليا
حليمة بحنان :
-و يخليك ليا يا غالي .. ثم قالت بتردد :
-طيب حيث كده أنا كنت عايزة منك طلب كبير شوية
بس أنا بردو متأكدة إنك هتفرح لما تسمعه إن شاء الله !
أدهم بإهتمام :
-طلب إيه آمريني يا حبيبتي ؟!
حليمة : إنت مش يهمك سعادتي يا أدهم ؟
أدهم : طبعا يا تيتة
حليمة : مش تهمك راحتي و رضايا في أخر أيامي ؟
أدهم بشئ من القلق :
-إنتي غالية عندي أوي و إنتي عارفة كده كويس
حليمة بترقب :
-يعني إنت ممكن تعمل أي حاجة عشاني ؟؟؟
أدهم بدون تفكير :
-أي حاجة يا تيتة حضرتك تؤمريني بس
إشتد سرور "حليمة" فقد أحست بإقترابها من غرضها و قالت بأمل :
-متأكد يا أدهم ؟
أي حاجة ؟؟؟
أدهم بثقة :
-طبعا . أنا مستعد أعمل أي حاجة ترضيكي و تفرحك يا تيتة
إبتسمت "حليمة" إبتسامة عريضة و جمعت كل قوتها قائلة :
-طيب ... أنا عايزاك تتجوز سلاف .... !!!
رواية وكفي بها فتنة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم مريم غريب
وكفى بها فتنه ›
الفصل ( 12 )
~¤ نقيضين ! ¤~
نظر "أدهم" إلي جدته نظرة طويلة ... و ساد الصمت لدقيقة كاملة
ثم أخيرا قال و الدهشة تطغي علي ملامحه و نبرة صوته :
-بتقولي إيه يا تيتة ؟
عايزاني أتجوز مين ؟؟؟
حليمة بإبتسامة عريضة :
-عايزاك تتجوز سلاف يا أدهم
أنا فكرت و لاقيت إنك أنسب واحد ليها . و إنت أولي بيها بردو من الغريب البنت مالهاش غيرنا
أدهم بتوتر :
-آ أيوه يا تيتة بس ... و صمت حائرا
حليمة و قد تلاشت إبتسامتها :
-بس إيه يا أدهم ؟!
رمقها "أدهم" بنظرة محبطة و قال :
-للآسف يا تيتة كان نفسي أحققلك رغبتك
بس هي مش مناسبة ليا خالص !
حليمة بغضب مفاجئ :
-مش مناسبة ليك ؟
ليــه إن شاء الله ؟ ناقصة إيد و لا رجل ؟
و لا تكونش دماغك مالت لبنت عمتك الست مايا هانم ؟؟؟
أدهم عاقدا حاجبيه بإستنكار :
-مايا إيه دلوقتي بس يا تيتة !
أنا عمري ما فكرت فيها
حليمة بقسوة :
-إومال بترفض بنت خالك ليه ؟
مش عجباك ؟ دي زي القمر و كل إللي في البيت هيموتوا عليها
أدهم بإنزعاج :
مالوش لازمة الكلام ده يا تيتة
أنا ماقولتش إنها مش عجباني . بس في أسباب كتير تمنعني أفكر في الموضوع ده
-و إيه هي الأسباب دي بقي يا دكتور أدهم ؟ .. سألته "حليمة" بسخرية
نظر لها "أدهم" و قال بجدية :
-أولا يا تيتة هي صغيرة جدا بالنسبة لي . عندها 19 سنة
و أنا زي ما قولتي حضرتك من شوية لسا قاطع الـ30
أنا كبير عليها يا تيتة . و ثانيا هي تفكيرها و دماغها مش زيي . مش هنتفق مع بعض أبدا
حليمة و قد لانت نبرتها من جديد :
-يا حبيبي الحاجات دي كلها مقدور عليها . إنت مش كبير أوي عليها زي ما إنت فاكر . يا عبيط دي إللي هتعيش معاك
و بعدين لو علي أفكارها إللي مش عجباك بكره لما تبقي مراتك تقدر تغيرها زي ما تحب
صمت "أدهم" يفكر للحظات ، ثم قال و هو يتكلف الهدوء :
-طيب إنتي سألتيها ؟ خدتي رأيها ؟؟؟
تنفست "حليمة" بعمق و قد إزدادت سرورا و أحست بأن الهدف دنا أكثر من قبل ، ثم قالت :
-لسا يا حبيبي
بس إطمن أنا هعرف أقنعها كويس أوي .. و أكملت مستوضحة :
-المهم إنك موافق !
نظر لها "أدهم" و قال بإستسلام :
-خدي رأيها بس يا تيتة
قرارها هو إللي هيحدد المسألة دي
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
آتي صباح يوم جديد ...
و أصرت "حليمة" علي "سلاف" بأن تخرج من غرفتها و تحضر إلي غرفة الطعام لتتناول معهم الفطور ، بينما كانت "أمينة" و "عائشة" تعملان بالمطبخ
قالت "عائشة" بفكاهتها المعتادة :
-بس بجد يا ماما أول مرة أعرف إن تيتة عندها الدماغ التقيلة دي . طلعت أروبة و قدرت تقنع إبنك سيدنا الشيخ أدهم بالجواز . لأ و من مين ؟؟؟
من سلآاف .. و ضحكت
أمينة بإبتسامة :
-و الله يابت يا شوشو جدتك سبقتني
أنا كنت فعلا ناوية أكلم أدهم بخصوص الموضوع ده
ماكنش عندي شك إنه هيرفض . ما أصله باين عليه إنه معجب بيها كل ما يشوفها يتوتر و يرتبك و ده ماحصلوش مع أي بنت قبل كده
عائشة بسخرية :
-يا ماما إنتي بتتكلمي كده عادي كأن الجوازة واقفة علي موافقة الباشا إبنك
مش لما ناخد رأي صاحبة الشأن الأول تبقي تحللي أسباب رفض و قبول سي أدهم !
طيب إفرضي هي رفضت ؟
أمينة بإستنكار :
-و هترفض ليه ؟
هي هتلاقي أحسن منه ؟!
عائشة : بصراحة لأ
بس هو بردو إسلوبه ناشف أووي و البت شافت منه كتير
ممكن ماتوافقش !
أمينة : لأ يا حبيبتي إن شاء الله هتوافق
تفائلي و بلاش تشاؤم خلينا نفرح بأخوكي و نفك عقدته بقي
عائشة و هي تضحك :
-آااه و يا زين ما إختارناله إللي هتفك عقدته
دي هتلففه حوالين نفسه
أمينة ضاحكة بدورها :
-ربنا يستر ! .. و خرجتا معا ببقية الطعام
كانت "سلاف" جالسة كالعادة بجوار جدتها و "أدهم" علي رأس المائدة كما هو الحال دائما ...
ساد بينهم حديث متقطع ، و لكن لم يغب عن "سلاف" مظهر "أدهم" المتوتر هذا الصباح .. و لاحظت شيئا أخر أيضا
إنه ينظر لها !
نعم و يفعل ذلك الآن ... كانت نظراته لأول مرة جريئة متفحصة ، و لكن يغلفها التوتر كما ذكرت
تعجبت "سلاف" من أمره و تساءلت ما به ؟ هل يعاني الحمى ؟ .. لكنه بدا بخير !!
-السيمون فيميه يا ست سلاف ! .. قالتها "أمينة" و هي تضع الطبق الخاص الشهي أمام إبنة أخيها ، و أردفت بحنان :
-كلي بقي يا قلبي بالهنا و الشفا
سلاف بإبتسامة :
-تسلم إيدك يا عمتو
شكرا
و هنا قام "أدهم" من مكانه قائلا :
-طيب . عن إذنكوا بقي هنزل أنا دلوقتي
نظرت له "حليمة" و قالت بلطف :
-بدري كده يا حبيبي ؟
طيب كمل فطارك
أدهم و هو يتحاشي النظر إلي "سلاف" الآن :
-معلش يا تيتة عندي أول محاضرة و مش عايز أتأخر
يلا السلام عليكم
الجميع : و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته
و غادر "أدهم" مسرعا
ليزيد إستغراب "سلاف" و لكنها سرعان ما تخطت الأمر و باشرت تناول طعامها ..
و بعد إنتهاء الفطور ، طلبت "حليمة" الإنتقال و الجلوس في الصالون لتفاتح "سلاف" في موضوعا ما
جلست "سلاف" علي الآريكة ، تجاورها كلا من "عائشة" و "أمينة" من الجهتين ، أما "حليمة" فجلست أمامها علي مقعدها المتحرك ..
-خير يا نناه ؟! .. قالتها "سلاف" بتساؤل ممزوج بشئ من القلق
إبتسمت "حليمة" إبتسامة غضنت حواف عيناها و قالت :
-سلاف يا حبيبتي
إنتي دلوقتي ما شاء الله عليكي كبرتي و بقيتي عروسة
و حلوه كمان و كل إللي بيشوفك بيتهبل عليكي
هو أه الجمال نعمة و هبة من ربنا . بس أحيانا بيجيب مشاكل كتير لصاحبه و أنا فكرت و قررت إني لازم أحميكي من أي حد ممكن يفكر يطمع فيكي
سلاف بعدم فهم :
-نناه !
أنا مش فاهمة حاجة
حضرتك تقصدي إيه ؟!
حليمة بنظرة عطف :
-أقصد يا حبيبتي إني عايزة أطمن عليكي
إنتي أمانة أبوكي علقها في رقبتي
لازم أوصلك لبر الأمان قبل ما أموت .. و إمتلأت عيناها بالدموع
سلاف بحزن :
-بعد الشر عنك يا نناه
بليز ماتقوليش كده تاني أنا ماليش غيرك دلوقتي
حليمة بإبتسامة ممزوجة بدموعها :
-لأ يا حبيبتي إزاي ليكي طبعا
ليكي عيلة كاملة و إن شاء الله هيبقالك راجل يفضل وراكي و في ضهرك طول العمر
سلاف بإستغراب :
-راجل !
راجل مين ؟!
حليمة بسرور شديد :
-ما هو ده الموضوع إللي أنا عايزاكي فيه يا حبيبتي
إيه رأيك في أدهم ؟
سلاف : أدهم ؟
مش فاهمة يعني إيه ؟!!
حليمة بصراحة مطلقة :
-أدهم عايز يتجوزك يا سلاف
إيه رأيك في الموضوع ده ؟
سلاف بصدمة :
-أدهـم . عايز
يـ يتجوزني أنا ! .. و أشارت بإصبعها إلي نفسها
إنطلق صوت "أمينة" في هذه اللحظة :
-ده هيبقي يوم الهنا و الله يا حبيبتي
هنبقي عيلة بجد و حياتك هتستقر معانا خالص .. كان صوتها يفيض أمل و حماسة
نظرت لها "سلاف" و قالت بإرتباك :
-بس يا عمتو ماينفعش !
تجهمت "أمينة" :
-ماينفعش ؟ ليه ماينفعش ؟
أدهم مش عاجبك ؟ شايفاه فيه حاجة غلط
أخلاقه وحشة من وجهة نظرك ؟؟؟
سلاف برفق : لأ خالص يا عمتو أدهم كويس جدا و أخلاقه حلوه . بس المشكلة فيا أنا
أمينة بإستغراب :
-مش فاهمة يابنتي !
ay
سلاف بنبرتها الهادئة :
-أنا مانفعلوش
هو مؤمن بقواعد معينة مش ممكن يتنازل عنها
و في الوقت أنا متعودة علي حاجات مش من السهل إني أتخلي عنها فجأة عشان أي حد
عائشة : و هو لما يقولك مثلا إلبسي حجاب يا سلاف يبقي ده في حاجة ضد مصلحتك ؟ إنتي شايفة إن إلتزامه ده يعيبه ؟!
سلاف : لأ طبعا مايعبوش أبدا . بس أنا بردو مش هقبل إنه يتحكم فيا
بصرف النظر عن إني قررت أتحجب أصلا بس ده مش معناه إني هسمحله يتحكم فيا
صرخت "أمينة" بفرحة :
-بجد يا سلاف هتتحجبي ؟
دي خطوة كويسة جدا جدا يا حبيبتي و أدهم هيفرح أووي
مبارك عليكي يا قلبي
حليمة بصوت جازم :
-يا أمينة سلاف قررت تتحجب عشان نفسها مش عشان أدهم و حتي لو إرتبطوا و كانت هي لسا ماقررتش تتحجب ماكنش هيبقي من حقه يجبرها إنما من حقه ينصحها و يقنعها .. ثم نظرت إلي "سلاف" و أكملت بلطف :
-و الحجاب يا سلاف فريضة زي الصلاة بالظبط
ربنا أمرك بيه . ينفع تعصي أمر ربنا ؟
سلاف : لأ طبعا يا نناه . عشان كده قررت أتحجب لما درست الموضوع طول الأيام إللي فاتت
فعلا إقتنعت
أمينة بإبتسامة :
-ده كده أدهم هيفرح أكتر
و مش هيصدق نفسه كمان لما يعرف كل ده
نظرت لها "سلاف" و قالت بضيق :
-أرجوكي يا عمتو أمينة
أدهم ماينفعنيش . إزاي هتجوزه بس و أنا ماعرفوش
ده أنا عمري ما إتكلمت معاه علي إنفراد ماعرفش أي حاجة عنه !
أمينة ببساطة :
-بس كده أخليه يقعد معاكي و إتكلمي معاه براحتك
سلاف بجدية :
-يا عمتو أفهميني دي قصة مستحيلة أنا و هو مختلفين عن بعض
زي الشرق و الغرب و الشمال و الجنوب
و هو أصلا مش Gentle Man خالص
عقدت "أمينة" حاجبيها بإستغراب و سألت إبنتها :
-يعني إيه يا عائشة إللي قالته بنت خالك ده ؟!
عائشة بإسلوبها العفوي :
-بتقولك مش Gentle Man يا ماما يعني مش راجل
شهقت "أمينة" حانقة و صاحت :
-مين ده إللي مش رآااجل ؟
ده سيد الرجالة يا حبيبتي . إيه يا سلاف ده أنا بحبك
هتزعليني منك ليه ؟؟؟
سلاف ببراءة :
-و الله ماقصدش كده .. ثم نظرت إلي "عائشة" و قالت بغضب :
-إيه إللي قولتيه ده يا عائشة ؟
عائشة و هي تضحك :
-يا ماما هي ماتقصدش إنه مش راجل
هي قصدها تقول إنه مش ذوق يعني و غشيم في تعاملاته مع الجنس الأخر
-خلآااص إسكتوا كلكوا و إسمعوني ! .. قالتها "حليمة" بصوت آمر ، و أردفت بصرامة :
-إسمعي يا سلاف
إنتي هتقعدي مع أدهم زي ما قولتي و هتتكلمي معاه
و تأكدي إن محدش فينا هيغصبك علي حاجة
إحنا في الأخر كل إللي هيمنا مصلحتك و صدقيني و رحمة أبوكي الغالي لو كان أدهم حد مش كويس أو لو كان عندي شك إنه ممكن يعاملك معاملة وحشة أنا ماكنتش سمحت لحد يفاتحك في الموضوع ده أبدا
لكن عشان أنا واثقة إنه راجل بجد و هيتقي ربنا فيكي أنا بتمني فعلا إنكوا تكونوا لبعض . دي أمنيتي الوحيدة يابنتي
مش هطمن عليكي إلا مع أدهم
صمتت "سلاف" مترددة ،لتسألها "حليمة" :
-ها !
قولتي إيه ؟
موافقة تقعدي تتكلمي معاه ؟
بعد كده كلنا هنحترم قرارك مهما كان
فكرت "سلاف" لثوانٍ ، ثم قالت بصوتها الرقيق :
-خلاص يا نناه
هقعد معاه و هحاول أفهمه . جايز تكون معظم إنطباعتي عنه غلط .... !!!!
رواية وكفي بها فتنة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم مريم غريب
› وكفى بها فتنه ›
الفصل ( 13 )
~¤ ذنب ! ¤~
مضــي النهار بكثرة أشغاله سريعا ... و عاد "أدهم" إلي المنزل
أبلغته والدته بطلب "سلاف" الجلوس معه علي إنفراد لتتحدث إليه أولا قبل أن تقرر شيئا .. شعر "أدهم" بالحيرة و الإرتباك في آن
و ما أزاد إرتباكه أكثر إدراكه بأن الأمر أصبح علي قدر من الجدية ، أصبحت سلاف" تعلم الآن رغبته في الزواج منها
و لكن هل يا تري تلك الرغبة متبادلة ؟
و لما لا ؟ .. لو لم تكن لا تريده لما كانت طلبت الجلوس معه
و يمكن أيضا أن تكون لها رغبة أخري !
خياله أصبح خصب هذه الأيام ...
عند دقات السابعة و النصف مساءً .. كان "أدهم" واقفا في الصالون مع أمه و أخته ، كان متأنقا و يرتدي بذلة فخمة سوداء ، أسفلها قميص رمادي و ربطة عنق كحلية
و كان شعره الطويل ممشط إلي الوراء و لحيته الكثيفة مرتبة و تضفي عليه مزيدا من الوقار مع عيناه العسليتان اللتين تطلقان شرارات بسيطة الآن
بدت عليه العصبية و هو يقول مغمغما :
-يعني كان لازم حكاية الخروج برا البيت دي يا أمي ؟
ماكنش ينفع الحوار ده يتم هنا ؟؟؟
زجرته "أمينة" بغضب قائلة :
-إسكـت بقي
طريقتك دي ماتنفعش دلوقتي خالص علي فكرة
خلي إسلوبك يبقي أحسن من كده شوية علي الأقل إنهاردة
بالطريقة دي البنت هتقفل منك من أول كلمة
تعالي علي نفسك مرة يا أخي و إتعامل بذوق
سلاف دي مش زي أي بنت عادية دي حساسة جدا و أظن إنك عارف كده كويس . و بعدين إنت مش إشترط إن عائشة تروح معاكوا ؟ أهي هتروح إهدا بقي
زفر "أدهم" بضيق و هو يشيح بوجهه عن أمه ... لتقع عيناه عليها فجأة ، ثم يدخل في حالة من الذهول و عدم التصديق
إنتهت "سلاف" من تجهيز نفسها و ها هي الآن ماثلة أمامه في أبهي صورها .. كانت ترتدي فستانا إستعارته من "عائشة" جاء من اللون الذهبي من نصفه العلوي ، أما النصف السفلي فجاء مزيج بين اللون الذهبي والفضي والوردي اللامع
وما زاد من أناقة الفستان كان الخيوط الذهبية التي التفت حول الخصر والظهر
وأضافت "سلاف" رونقاً لإطلالتها من خلال هذا الوشاح السكري الناعم الذي وضعته علي شعرها ( الحچاب)
مع وضع مكياچ من درجات اللون الذهبي و الوردي ، فخطفت الأنظار بجمالها وأناقتها اللافتتين ..
-مساء الخير ! .. قالتها "سلاف" بصوتها الرقيق و هي توزع نظراتها برزانة علي وجوه عائلتها
ما زال "أدهم" ينظر إليها بصدمة من دون حركة أو كلمة ..
كبتت "عائشة" ضحكتها ، بينما إبتسمت "أمينة" و هي تميل صوبه و تقول :
-بارك لسلاف يا أدهم
بنت خالك قررت أنها تتحجب بعد ما درست الموضوع كويس طول الأيام إللي فاتت و إقتنعت بيه
و هنا أجفل "أدهم" مطرقا و هو يقول بشئ من التوتر :
-بارك الله فيكي يا سلاف
مبروك علي الحجاب و طبعا أحسن حاجة إنك لبستيه علي إقتناع
سلاف بإبتسامتها الجذابة :
-أنا حسيت إن إللي حصلي ده من كام إسبوع إنه ماكنش صدفة . حسيت إنه كان رسالة من ربنا . رسالة بتقول خلاص آن الآوان عشان أخد الخطوة خصوصا إني كنت بفكر فيها بقالي مدة حتي قبل مرض بابا
لاحظ "أدهم" أنها ترمي إليه من وراء حديثها بأنها لم تقبل علي هذه الخطوة من أجله ، نجحت "سلاف" في توصيل تلك المعلومة له مما ضاعف قلقه و توتره من قرارها النهائي ..
حمحم "أدهم" منظفا حنجرته و قال بصوت آجش :
-طيب أنا هنزل أدور العربية
و إنزلي يا عائشة مع سلاف علي مهلكوا
أنا مستنيكوا تحت ! .. و إنصرف مسرعا
لتلتفت "سلاف"إلي عمتها و تودعها بعناق و قبلة علي الخد ... تمنت لها "أمينة" ليلة سعيدة و دعت بأن يمرر الله هذه الجلسة علي خير ..
.............
نزلت كلا من "عائشة" و "سلاف" إلي الأسفل
و جدتا "أدهم" قد أخرج سيارته من الجراچ و يقف بها أمام بوابة البناية في إنتظارهما ..
إندفعت "عائشة" بسرعة نحو السيارة و إستقلت في الخلف قبل أن تسبقها "سلاف" و تفعل ، بينما إضطرت "سلاف" للجلوس بجوار "أدهم" و هي تعرف في قرارة نفسها أنه حانق من تصرفات أخته
إنطلق "أدهم" بالسيارة و بالطبع كان يميل مبتعدا عن "سلاف" رغم أن المسافة بينهما كافية جدا ، كانت تصرفاته غريبة لمن يراه ، و لكن "سلاف" إعتادته و فهمت أطواره فلن يجدي الأستغراب الآن
كان مشيحا بوجهه عنها
كما لو أنه يشم رائحة كريهة ، و لكنها لم تكن سوي رائحة عطرها المفضل ( Be Seduced ) من ڤيكتوريا سيكريت ..
كان يضم كفه علي المقود بقبضة محكمة ، و كانت العروق نافرة تحت جلد يده الأسمر .. لم يرخ قبضته أبدا و لم يخفف من وضعيته المتصلبة و خيل إليه أن الطريق سيكون طويلا رغم أنه قطع نصف المسافة تقريبا
لكن الدقائق كانت تمر بطيئة بالنسبة إليه ..
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
كانت "مايا" واقفة في الشرفة و قد رأت المشهد من بدايته ...
لتشتعل النار فيها و يجتاحها غضب ساحق و هي تستدير و تهرع إلي والدتها صائحة :
-شــووفتي يا ماما ؟
شوفتي كمية النفــاق و القرف إللي في البيت ده ؟؟؟
عشان أقولك إن مافيش حد هنا بيحبنا بس إنتي عمرك ماصدقتي
كانت "راجية" جالسة أمام التلفاز ، تشاهد أحد برامج العناية بالجمال بتركيز شديد .. لكنها توقفت الآن علي إثر صوت إبنتها و كلماتها
أطفأت التلفاز و إلتفتت إليها متسائلة :
-مالك يابت في إيه ؟ متشعننة و صوتك عالي كده ليه ؟!
مايا بنبرة و نظرات يملأها الحقد :
-سي أدهم
لأ . الشيخ أدهم عارفةلسا شايفاه نازل مع مـيــــن ؟
دلوقتي حالا شوفته واخد الست سندريلا بنت خاله في عربيته لأ و مش كده و بس
ده كمان مقعدها جمبه . جمبه يا ماما إللي عاملنا فيها متدين و عفيف مالوش تعامل مع البنات
إلتمع الغضب في عيني "راجية" و تصلبت شفتاها
لكنها سرعان ما تمالكت نفسها و قالت تهدئ إبنتها :
-طيب إهدي شوية
ماتعصبيش نفسك كده .. كان صوتها صارما ، ثم سألتها بإهتمام :
-هما كانوا لوحدهم ؟!
مايا مزمجرة :
-لأ . شوشو هانم معاهم
أومأت "راجية" رأسها و هي تقول بهدوء غامض :
-طيب هدي أعصابك
خلينا نشوف أخرتهم إيه الأول قبل ما نعمل أي حاجة
عقدت "مايا" حاجبيها قائلة :
-نعمل حاجة !
حاجة زي إيه يعني ؟
شردت "راجية" بنظرها و قالت بنفس الغموض :
-ده شغلي أنا
أنا إللي بخطط يا مايا . و مافيش أي حاجة بعوزها إلا باخدها .. ثم نظرت لها ثانيةً و أكملت بثقة :
-متخافيش
أوعدك أدهم هيكون ليكي . مش هسمح لأمينة تنفذ إللي في دماغها . ورث العيلة و فلوس أخويا من حقنا و مش هتروح لحد غيرنا !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
وصل "أدهم" أمام المطعم الفاخر الذي حجز به ..
نزلوا جميعا من السيارة ، و ترك "أدهم" المفتاح للسائس ليقوم بركنها .. ثم جعل "عائشة" و "سلاف" تتقدماه أولا إلي الداخل
كان المطعم في الدور الأخير من هذه البناية شاهقة الإرتفاع ، و كان واسع جدا سقفه عالي ، دائري الحواف ، و الإضاءة هادئة ، و النوافذ العريضة جميعها من الزجاج الشفاف بحيث يستطيع الزائر مشاهدة النيل و معالم القاهرة بوضوح شديد ..
إنه شئ يبعث الرهبة و الخوف في الأنفس ... و لكنه ممتع أيضا
جلست "سلاف" إلي الطاولة المستطيلة قبالة "أدهم" مباشرةً ، و جلست "عائشة" بينهما .. و بعد أن حضر النادل لأخذ طلباتهم
قالت "عائشة" بمرح :
-بس تعرفوا أكل المطاعم ده له هيبة بردو
تحس إنك قاعد في مكانك و كل الرايح و الجاي بيخدم عليك
بجد شكرا يا دومي علي العزومة الجميلة دي
رد عليها "أدهم" بإيماءة خرساء ، و واصل تحديقه الفارغ في مفرش الطاولة الناصع ... حتي آتي الطعام
تناولت "عائشة" حصتها بشهية ، و كذلك فعلت "سلاف" .. أما "أدهم" فإكتفي بالعبث في طبقه متظاهرا بتناول طعامه ، فكان الحديث الذي ينتظره طاغ علي كل شعور حسي من الممكن أن ينتابه حاليا
و بعد إنتهاءهم من الطعام ، طلب "أدهم" المشروبات
عصير طازج لأخته و "سلاف" و القهوة المضبوطة له ..
-طيب عن إذنكوا أنا بقي ! .. قالتها "عائشة" و هي تأخذ كأسها و تقوم عن الطاولة
نظر لها "أدهم" و تساءل بدهشة :
-رايحة فين ؟
عائشة بإبتسامة خبيثة :
-هاروح أقف في الهواء الطلق شوية يا دومي
المنظر هنا تحفة أووي
أدهم بتردد :
-خليكي قاعدة معانا !
نظرت "عائشة" إلي "سلاف" لتجدها متجهمة بالطبع ..
رمقت أخيها بنظرة تحذيرية و قالت بحدة :
-لأ أنا هاسيبكو لوحدكو . مش عايزة أبقي عازول يا أخي منظري هيبقي وحش . يلا Good luck .. و مضت نحو الشرفة الكبيرة المفتوحة
ساد الصمت لبرهة من الزمن و كلا منهما مطرقا برأسه ..
حتي رفع "أدهم" وجهه أخـيـــــرا
و أفلح في الكلام بعد جهد فقال :
-أخبار دراستك إيه يا سلاف ؟
نظرت له "سلاف" و أجابت بفتور :
-مش بذاكر
بقالي فترة مش بذاكر
أدهم و هو يزدرد ريقه بتوتر و قد أربكه النظر إلي عينيها الجميلتان :
-ليه كده ؟
ده حتي إمتحانات الترم التاني قربت
إنتي مش عايزة تنجحي و لا إيه ؟!
سلاف بإبتسامة باهتة :
-ربنا يسهل . إدعيلي
أدهم بخفوت :
-ربنا يوفقك !
و إنتظرت "سلاف" أن يقول شيئا أخر ... لكن الثواني مرت و هو صامت ، فإندفعت قائلة بضيق :
-هو إحنا جايين هنا عشان نسمع سكات بعض ؟
علي فكرة لو مضايق و حابب نمشي أنا ماعنديش مشكلة
يلا بينا .. ثم أمسكت بحقيبتها و جاءت لتقوم
-إستني ! .. إستوقفها "أدهم" بسرعة ، و أكمل برجاء :
-من فضلك أقعدي
إحنا لسا ماتكلمناش
ثبتت "سلاف" في مكانها و قالت بغضب :
-ماتكلمناش ؟
يعني هنقول إيه ؟ خليك فاكر إن إنت إللي طلبت تتجوزني
مش أنا إللي رميت نفسي عليك
أدهم بنبرة معابثة :
-أنا ماقولتش حاجة . آ ..
-إنت عايز تتجوزني ليه ؟؟؟ .. قاطعته "سلاف" بسؤالها المباشر ، ليرد "أدهم" بشئ من الإرتباك :
-عشان .. عشان أنا شوفتك مناسبة بالنسبة ليا
سلاف بصرامة :
-كداب
نظر لها مدهوشا ، فأعادت السؤال مرة أخري :
-عايز تتجوزني ليه يا أدهم ؟
لو إدتني إجابة واضحة و مقنعة هكمل القعدة دي معاك
لكن لو كدبت هقوم و أسيبك
راحا يتبادلان النظرات دون حديث ... ثم قال "أدهم" معترفا :
-أنا حسيت إني بتشد ليكي غصب عني
طول عمري بغض بصري و مش ببص لأي بنت . بس معاكي إنتي ماكنتش بعرف أصمد كتير و كنت ببصلك
إنتي الذنب الوحيد في حياتي لحد دلوقتي . و مش هيبطل إلا لو أتجوزتك .. أو بعدت عنك ... كان يتحدث بثبات و جدية
سلاف بدهشة :
-أنا ذنب ؟!
يعني عشان كده بس عايز تتجوزني ؟
عشان تعرف تبصلي براحتك و تبطل تستغفر كل ما تشوفني ؟؟؟
أدهم بصراحة :
-أنا ماتعودتش أعمل حاجة حرام
و لو ماكانتش الظروف إتجمعت و خلتني قاعد بطلب منك الجواز دلوقتي أنا كنت هاسيب الشقة و أطلع أقعد لوحدي في شقة من الشقق الفاضية في البيت
سلاف : كل ده عشان تبعد عني ؟!
أدهم : ده مش عيب
لو فكرتي شوية هتلاقي إني مش غلطان
أنا بعاملك بإحترام و مش بتعدي حدودي معاكي
إنتي كبنت كويسة و محترمة لازم تكوني ملكية خاصة مش عامة . ماينفعش أي حد يبصلك أو يكلمك أو يلمسك
لازم تكوني أغلي من كده
نظرت له بصمت للحظات .. ثم سألته بصوت شبه هامس :
-بس دي مش أسباب تخليني أوافق أتجوزك
أدهم و قد حزر ما تفكر فيه :
-و مين قالك إني ماعنديش أسباب تانية ؟
سلاف بصدمة :
-طيب إتكلم . قولي أسبابك !
و لأول مرة يبتسم لها "أدهم" إبتسامة ودية أظهرت أسنانه الناصعة ..
قال و هو يضحك بخفة :
-مش كل حاجة لارم تتقال في أول مرة
و أنا ماينفعش أتكلم معاكي براحتي دلوقتي . مش من حقي
لازم تكوني مراتي الأول عشان أقدر أتكلم بحرية أكتر .. ثم أردف بجدية :
-و عايز أقولك إن شاء الله لو وافقتي و حصل نصيب مش هنتخطب . لأ هنكتب الكتاب علطول و بعدين ممكن نستني علي الفرح المدة إللي إنتي عايزاها . المهم يكون إرتباطنا حلال خصوصا إننا عايشين مع بعض تحت سقف واحد
حدقت "سلاف" فيه عاجزة عن الرد ... دام الصمت طويلا هذه المرة و هو لا يزال متصلا بعيناها
خبت إبتسامته تدريجيا و قد عاد شعور القلق يعتريه ..
سألها بتردد :
-ها !
قولتي إيه ؟
موافقة نتجوز ؟؟؟ ......... !!!!
رواية وكفي بها فتنة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم مريم غريب
وكفى بها فتنه ›
الفصل ( 14 )
~¤ القرار ! ¤~
عند عودتهم إلي البيت ...
قالت "سلاف" لعمتها أنها متعبة جدا و في حاجة ماسة إلي النوم ، و أن يمكنهم التحدث غدا في الصباح
كانت "أمينة" مهتمة أكثر بسماع ما جري من "عائشة" و هكذا تركت "أدهم" و "سلاف" يذهب كلا منهما إلي غرفته دون إعتراض ..
أغلقت "سلاف" الباب عندما صارت في غرفتها .. بدلت ملابسها سريعا ، كانت منهكة جسمانيا و عقليا فإستلقت علي سريرها فورا
تنفست بعمق و هي تستعيد أحداث المقابلة التي جرت بينها و بينه ..
علي الأقل فهمت لماذا كان يعاملها تلك المعاملة السيئة ، أراد أن يعصم نفسه من الفتنة .. كان يصدها بهذه الطريقة القاسية لكي يضع حدا بينهما لا يمكن تجاوزه
و لكن كما فهمت أيضا أن السحر إنقلب علي الساحر و هو لم يصمد أمامها طويلا مثلما قال لها
حتي أخر لحظة لم يعطها إجابة شافية علي سؤالها .. لماذا يريد الزواج منها ؟؟؟
إنه أجاب بالطبع ، و لكنها شعرت بأن كان من الضروري أن يقول المزيد ... كان يجب أن يقول شيئا خاصا ، إجابته ناقصة و هو يشترط الزواج قبل أن يفصح عن أي شئ أخر
علي كل هي أيضا لم تريحه و سيقضي الليلة كلها مستيقظا في مضجعه .. قالت أن بإمكانه سماع قرارها النهائي غدا
زفرت "سلاف" بتعب و غطت رأسها باللحاف المنفوخ ، و لم يستغرق الأمر إلا ثوان قليلة جدا .. ثم إستغرقت في النوم ...
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في غرفة "حليمة" ... تفرغ "عائشة" من سرد التفاصيل علي أمها و جدتها
ثم تختم كلامها بفكاهتها المعتادة :
-أهم حاجة إن الخبر هيطلع من دماغ عمتي راجية إن شاء الله . أراهنكوا مش هتستحمل و هاتجلها ذابحة .. و ضحكت
أمينة بتوبيخ :
-يابت بطلي قلة أدب و كلميني بجد شوية
عائشة بدهشة :
-ما أنا قولتلك كل حاجة يا ماما !
أمينة : لأ ماقولتيش أهم حاجة يا فالحة
عائشة : طيب يا نونو إيه هي أهم حاجة بالنسبة لك في الحوار ده كله ؟!
أمينة بجدية :
-قوليلي ردود أفعالهم كانت عاملة إزاي ؟
يعني بنظرتك كده . كنتي شايفة سلاف فرحانة ؟؟؟
عائشة بتفكير :
-هي سلاف حساسة أه و مشاعرها بتبان
بس إنهاردة كانت تقيلة أوي . كان صعب أي حد يقراها
أمينة بإنفعال :
-يعني إيه ؟؟؟ أنا وديتك معاهم علي الفاضي ؟ مش عارفة أخد منك معلومة مفيدة !!
عائشة بضيق :
-الله ! إنتي مش قولتيلي إبقي قومي و سيبيهم يقعدوا لوحدهم . ده إللي أنا عملته
-خلاص يا أمينة .. قالتها "حليمة" بصرامة ، و أكملت :
-خبر إنهاردة بفلوس بكره يبقي ببلاش
الصبح هنعرف رأي البنت و نرتاح كلنا
إطمني إن شاء الله خير
تنهدت "أمينة" بحرارة و قالت :
-يآاا رب يا ماما
أنا نفسي أفرح بأدهم أوي و مش مصدقة إن في واحدة عجبته أخيرا و ماقالش لأ المرة دي
حليمة بإبتسامة :
-ما قالش لأ يا أمينة عشان معجب بيها
و مين عارف !
جايز يكون حبها
أمينة بسعادة :
-يا رب يتمم الموضوع علي خير
لو حصل و الله مش هبقي عايزة حاجة تاني من الدنيا
هكون إطمنت عليه
عائشة بتكشيرة حزينة :
-بقي كده يا ماما ؟
يعني سي أدهم هو كل إللي يهمك في حياتك ؟!
نظرت لها "أمينة" و قالت مداعبة :
-إنتي حاجة تانية يا شوشو
يا عبيطة ده أنا عايزة أزيحه عشان أروقلك يا جميل
هو أنا ممكن يهنالي بال إلا لو شوفتك في بيتك مبسوطة مدلعة !
عائشة و هي تضحك :
-مآااشي . ثبتيني إنتي كده
عموما ربنا يخليكي لينا إحنا الإتنين إنتي و تيتة حليمة
و لا لأ . نناه علي رأي سلاف
ضحكت "حليمة" بدورها و قالت :
-آه منك يا جنية إنتي
إن شاء الله المرة الجاية نجتمع عشان نطرقك من هنا إنتي كمان قولي يا رب
عائشة بإبتسامة معابثة :
-يا رب يا ننـآاااه
يا رب !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
أشرق صباح جديد علي منزل "آل عمران" ...
إستيقظت "سلاف" باكرا و هي تشعر بنشاط كبير .. أدت روتينها الصباحي و إرتدت ثيابها المؤلفة من چينز أزرق و قميص أصفر
وضعت علي رأسها حچابا صغيرا من اللون الأبيض و إنتعلت حذاءً بنفس لون الحچاب ، ثم خرجت من غرفتها
لتجد الجميع قد إستيقظ ..
ذهبت إلي المطبخ لتساعد "أمينة" و "عائشة" في إعداد الفطور ، فقد لاحظت أنها لا تساهم و لو بجزء من جهدها في هذا البيت الذي تعيش فيه منذ جاءت إلي هنا ، و أدركت أن ذلك ليس صائبا .. عليها أن تقدم مساعدة و لو بسيطة علي الأقل
بدا القلق علي "أمينة" عند رؤيتها ، لكنها تصرفت بطبيعية و رحبت بها في المطبخ متحاشية الحديث في أي شئ ..
.........
كان "أدهم" جالسا علي المائدة هو و جدته عندما أتت "عائشة" حاملة طبقي الجبن و الزبدة
جاءت "سلاف" و رائها حاملة العصير الطازج مع سلة من قطع الخبز ..
-صباح الخير ! .. قالتها "سلاف" بصوتها الرقيق و هي تضع ما بيديها علي المائدة
ليتصلب "أدهم" في مقعده فجأة ..
حدق إليها ، فإلتقت عيناه بعينيها و كان علي وجهه تعبير حذر قلق ... أدار رأسه سريعا ، و تمتم :
-صباح النور !
حليمة بإبتسامة جذلة :
-صباح النور يا روحي
تعالي يا قطتي . تعالي أقعدي جمبي
إبتسمت "سلاف" و مضت لتجلس بجوار جدتها ..
جاءت "أمينة" أخيرا ، و بدأ الجميع في تناول الطعام ...
أخذ "أدهم" قدحين من القهوة ، كان يشرب بنهم لا يخلو من التوتر و تقريبا لم يأكل سوي نصف شطيرة
إبتسمت "سلاف" إبتسامة لا مبرر لها ، و إلتقطت قطعة خبز ، ثم قضمت طرفها و هي تدرس تعابير وجهه ..
و تساءلت ... متي يصبح الوضع مناسبا حتي تبدأ كلامها ؟
هب "أدهم" من مكانه فجأة قائلا :
-طيب عن إذنكوا أنا !
إستقطب أنظار الجميع في هذه اللحظة ، و قالت "أمينة" بلطف :
-يا حبيبي طيب كمل فطارك
إنت تقريبا شربت قهوة بس !
أدهم مطرقا برأسه :
-شبعان يا أمي الحمدلله
السلام عليكم
-أدهم لحظة من فضلك ! .. إستوقفته "سلاف" بسرعة
تجمد "أدهم" فورا :
-عايزة حاجة يا سلاف ؟ .. سألها بصوت مرتبك
سلاف برقة :
-لو سمحت أقعد شوية
كنت عايزة أتكلم معاك في حاجة قدام نناه و عمتو و عائشة
يعني لو عندك وقت !
زم "أدهم" شفتاه و رفع يده اليسري لينظر في ساعته ..
أدهم : طيب . ممكن أستني شوية كمان .. ثم جلس من جديد مكملا بصوت أجش :
-إتفضلي يا سلاف إتكلمي
أنا سامعك !
لمعت عيناه العسليتان بإتجاهها من خلال أهدابه ..
قالت "سلاف" وسط الترقب المحدق بها :
-إنت إمبارح لما خرجنا طلبت تتجوزني و شرحتلي موقفك و رغبتك . و أنا كمان قولتلك إني هبلغك بقراري النهائي إنهارده
بدا التوتر علي وجه "أدهم" ... لكن ملامحه بقت ساكنة كما هي ، مع بعض الجهد
تابعت "سلاف" بإبتسامتها الجذابة :
-أنا بس عندي سؤال أخير حابة أسألهولك قدام الكل هنا قبل ما أقول قراري
أدهم بثبات :
-أسألي إللي إنتي عايزاه
سلاف ... بعد صمت قصير :
-دلوقتي أنا لو وافقت أتجوزك . أضمن إزاي إنك مش هتفرض سيطرتك عليا بعد الجواز ؟ و لا هتقيد حريتي ؟
بمعني تقولي إعملي ده و ماتعمليش ده
أنا لازم يبقي ليا رأي و رأيي يـُحترم كمان
ضغط "أدهم" علي شفتيه ... ضاقت عيناه ، نظر إليها نظرة طويلة كمن يحاول إتخاذ قرار
ثم قال بجدية تامة :
-طبعا إنتي ليكي رأي و رأيك يـُحترم زي ما قولتي
بس عايزك تكوني متأكدة إني عمري ما هفرض عليكي حاجة ضد مصلحتك
بالعكس . لو حصل نصيب أنا هعاملك بما يرضي الله
إستحالة أظلمك طبعا أنا متعلم أصول و قواعد ديني و عمري ما خرجت عنه لا في صغير و لا كبير من حياتي
كل ده أنا شخصيا بضمنهولك .. و أردف محذرا بصرامة :
-بس أهم حاجة لازم تبقي عارفها كويس
إن عقد الجواز إللي هيربطنا مش هيتفك أبدا
لو قبلتي تتجوزيني مش هينفع ترجعي و لا خطوة لورا
عشان كده لو محتاجة وقت تاني تفكري أنا ماعنديش مانع
هستناكي
نظرت له "سلاف" بتركيز شديد ، و دام الصمت المطبق طويلا هذه المرة ..
لتقول "سلاف" فجأة و بنبرة واثقة :
-لأ يا أدهم
أنا مش محتاجة وقت زيادة عشان أفكر
أنا خلاص قررت
تردد "أدهم" لحظة ، ثم قال بصوت قوي :
-و أنا جاهز أسمع قرارك
إستنشقت "سلاف" نفسا عميقا ، و إبتسمت بخفة قائلة :
-أنا موافقة
موافقة أتجوزك يا أدهم ........ !!!!!
رواية وكفي بها فتنة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم مريم غريب
وكفى بها فتنه ›
الفصل ( 15 )
~¤ لحظة تاريخية ¤~
في الأيام التالية ... راح منزل آل"عمران" يكتظ بالناس حتي بلغ حدا غير مريح
فمنذ لحظة إعلان "سلاف" موافقتها علي الزواج من "أدهم" لم تضيع السيدة "حليمة" وقتا و قامت بدعوة بقية أفراد العائلة القاطنين بالقري و البلدان البعيدة قليلا
و لم تتوقف عند هذا الحد ، أصرت في نفس اليوم أن يتم إعلام كل من بالمنزل بهذه الأخبار السعيدة .. لكن للآسف تلك الأخبار كانت سيئة جدا للبعض
أما الباقون فغمرتهم الفرحة و قدموا التهاني الحارة و الأمنيات الطيبة للعروسين ، و خاصة "إيمان" التي شعرت كما لو أن حجرا ثقيلا و ألقته عن ظهرها
فبمجرد أن يرتبط شقيقها بـ"سلاف" لن يعود الشك يخامرها من جديد بشأن زوجها ، علي الأقل ضمنت عدم ميل "سلاف" إلي زوجها منذ البداية و هذا كاف جدا ..
و خلال هذه المدة كان "أدهم" يحاذر مقابلة "سلاف" إلا فقط حين يكون هناك أمرا ضروريا يستحق البحث ، كتجهيزات حفل عقد القران و شراء مجوهرات العروس التي فضلت "سلاف" أن تختارها من إحدي الكتالوجات و يقوم "أدهم" بشرائها ثم يقدمها لها يوم الزواج ليلبسها القطع بنفسه كما ينبغي لأي رجل أن يفعل مع خطيبته
لكنه ما زال يرفض لمسها لأنها لم تصبح زوجته بعد ، لذا قررت تأجيل الأمر و هي تشعر بإحباط شديد ..
غير ذلك إستمر التوافد علي المنزل قرابة إسبوع كامل ، كل يوم يأتي شخص أو أسرة كاملة
منهم من فضل النزول بفندق ، و منهم من كان له بيتا في الجوار ، و منهم من نزل ضيفا عند "حليمة"
فقام "أدهم" بتجهيز شقتان ليمضوا فيهما ضيوف جدته مدة بقائهم حتي اليوم الكبير الذي بات وشيك جدا ...
.............
قبل ليلة واحدة من اليوم الموعود ..
كانت "سلاف" واقفة في الشرفة ، تختبئ خلف الستار و تسترق النظر إلي "أدهم" الذي بدا منهمكا مع العمال و مصمم الديكور المسؤول عن تزيين حديقة المنزل
كان حاجباها معكوفان بإنزعاج و هي تتأمل تلك الفسحة التي خصصها للسيدات بعيدا عن الأنظار ، بينما إتخذ الوجهة الخارجية للرجال و أقام حاجب خشبي في المنتصف
إنه يصر علي الإبتعاد عنها حتي في هذا اليوم ، يفضل الجلوس مع الرجال بينما من الواجب عليه أن يبقي معها !!
لقد تجاوز الأمر قدرتها علي التحمل ..
زفرت "سلاف" بقوة معبرة عن ضيقها ، ثم إلتفتت لتذهب إلي غرفتها
لتجد بابها يدق بعد قليل ، ثم تدخل عمتها حاملة علبة بيضاء مسطحة ..
أمينة بإبتسامة عريضة :
-مساء الخير يا ست البنات
فستانك وصل و مدام ليليان قالت إنه بقي تمام خالص و زي ما إنتي عايزة . ضيقت الأكمام و زودت الدانتيل
يلا بقي خدي جربيه عشان لو في حاجة نبعته تاني تصلحه .. ثم ألقت بالعلبة فوق السرير و إنتظرت ردها
تلاشت إبتسامة "أمينة" عندما لاحظت وجوم "سلاف" و سألتها بقلق :
-مالك يا سلاف ؟
مسهمة كده ليه ؟ في حاجة حصلت ؟؟؟
نظرت لها "سلاف" و أجابت بفتور :
-مافيش حاجة حصلت يا عمتو
أنا كويسة !
أمينة بعدم تصديق :
-لأ . إنتي مش كويسة خالص .. و جلست بجوارها مكملة بلطف :
-قوليلي إيه إللي مضايقك يا حبيبتي
و ماتكدبيش عليا عشان عمتك مش غبية و شايفة حالتك كويس
سلاف برقتها المعهودة :
-أنا آسفة يا عمتو مش قصدي أكدب عليكي
بس فعلا هي ممكن تكون حاجة تافهة بالنسبة لي
أمينة و هي تربت علي خدها برفق :
-و أنا يا حبيبتي تهمني كل حاجة شغلاكي
إحكيلي . يمكن ترتاحي
ترددت "سلاف" لحظة و خفضت عيناها ..
ثم قالت بإرتباك :
-أدهم يا عمتو
حاسة إنه مش مبسوط من إللي بيحصل !
أمينة بدهشة كبيرة :
-مش مبسوط ؟!
ده أنا عمري ما شوفته في حالة الفرحة و الحماس دي غير اليومين دول
إيه إللي خلاكي تقولي كده يا سلاف ؟؟؟
سلاف بحزن :
-أنا مش فهماه
كل ما بفتكر إني فهمته بطلع غلطانة
أنا متلخبطة أوي و خايفة أكون إتسرعت .. و إختنق صوتها فجأة
خفق قلب "أمينة" و هي تقول بخوف :
-يعني إيه خايفة تكوني إتسرعتي ؟
ده كتب الكتاب بكره يا سلاف
قوليلي طيب إيه إللي حصل ؟ أدهم عملك إيه بالظبط ؟؟؟
نظرت لها "سلاف" و قالت و هي تشعر بتلك الغصة مريرة :
-ما المصيبة إنه مش بيعملي حاجة يا عمتو
قبل ما يطلب يتجوزني كنت بشوفه و أحيانا بكلمه
و لما وافقت علي الجواز لاقيته بيبعد أكتر . ده أنا بقالي إسبوعين مش بشوفه خالص بحس أنه بيهرب مني !
زفرت "أمينة" براحة و قالت :
-يا شيخة وقعتي قلبي
إفتكرته عمل كارثة .. ثم قالت بجدية :
-إسمعي يا سلاف
أنا هحكيلك حكاية . بس الأول عايزاكي تعرفي و تتأكدي إن أدهم فعلا بيحبك بجد . سبق و رفض بنات كتير كنت بقوله عليهم لدرجة إني يئست إنه ممكن يتجوز في يوم من الأيام . لكن لما جيتي إنتي غيرتي فيه كتير لحد ما وصلتيه إنه خلاص هيتجوزك بكره
رمقتها "سلاف" بعدم إقتناع ، فضحكت "أمينة" بخفة و تابعت :
-من 13 سنة
أدهم كان عمره 18 سنة . كان لسا ولد و زي كتير من الشباب المسلمين . بيصوم و يصلي و خلاص . لسا ماكانش دخل في مرحلة الإلتزام
باباه الله يرحمه كان عايش وقتها . بس كان مشغول عنه بالدعوة و الدراسة و السفر برا . في الفترة دي أدهم إتعرف علي بنت أكبر منه بـ3 سنين
كان جمالها متوسط بس حبها . رغم إنه كان عارف إنها مش مناسبة و إننا مش هنوافق عليها . قرب منها أكتر و إتعلق بيها
و البنت عشان كانت متحررة زيادة عن اللزوم كانت سامحة بتجاوزات كتير بينهم . بس أدهم كان عاقل بردو و مافكرش يغلط معاها و لا حتي يلمس إيدها ده بردو تربية صلاح عمران . لحد ما رجع صلاح
عرف كل ده فمسكه بقي و إتفرغله سنة كاملة لحد ما قدر ينسي البنت دي . رجع يهتم بدراسته و في نفس الوقت باباه علمه حصيلة عمره كله في دراسة الدين و القيم و المبادئ
و ماسبهوش إلا بعد ما حوله للراجل الملتزم إللي معقدك ده ... و ضحكت "أمينة" من جديد
بينما إحتاجت "سلاف" لبعض الوقت حتي تستوعب ما حكته عمتها ..
-أدهم كان بيحب ؟! .. قالتها "سلاف" بتعجب من يستغرب أمرا و ليس كمن يطرح سؤال
أمينة بإبتسامة :
-ممكن نقول إنه كان فاكر كده وقتها
بس هو دلوقتي نسي الموضوع ده تماما و بيتكسف من نفسه كل ما بيفتكر .. ثم مسحت علي شعرها و قالت بحنان :
-هو دلوقتي مش بيحب حد غيرك
خليكي واثقة من ده
و إتأكدي بردو إنك هتشوفي واحد تاني لما الحواجز إللي بينكوا تتشال . هتقدري تتعرفي عليه أكتر و تكتشفي مشاعره بنفسك .. يلا إضحكي بقي
ماتكشريش كده ده إنتي عروسة
قسرت "سلاف" نفسها علي الإبتسام فإبتسمت إبتسامة خفيفة ... لتلج "عائشة" في اللحظة التالية صائحة :
-إلحقي يا ماما تعالي شوفي مين جه !
أمينة : مين يابنتي إللي جه ؟؟؟ .. كان صوتها متوجسا
فهذه عادتها عندما يدق الفرح بابهم ، تخشي أن يقع أي مكروه لهم في أي لحظة ...
عائشة بإبتسامة شيطانية :
-عمتي راجية لسا واصلة هي و مايا و مالك
قابلتهم و أنا نازلة من عند عمتو لبنة
أمينة و قد تجهم وجهها علي ذكر "راجية" :
-كويس إنها وصلت بالسلامة
علي الأقل هتحضر كتب كتاب إبن أخوها
أكيد رجعت غصب عنها
عائشة بمرحها المعتاد :
-يا مامتي ماتزعليش
مانتي عارفة هي مشيت ليه ؟
لازم نعذرها سلاف علمت علي بنتها و قهرتها بردو .. و غمزت "سلاف" بعينها
سلاف ببراءة :
-أنا عملت إيه لمايا ؟!
عائشة و هي تضحك :
-ماتخديش في بالك يا حبيبتي
دي أمور عائلية بسيطة هتتحل مع الوقت .. ثم قالت و عيناها تلمعان بالحماسة :
-المهم إنك هتكوني زي القمر بكره إن شاء الله
و أخـيــــرا عندنا فــرح !
إبتسمت "سلاف" بخجل ، و هدلت "أمينة" بتوق زائد :
-بإذن الله هتبقي أحلي عروسة
رينا يحرسك يا حبيبتي .. و ضمتها في حضنها بسعادة بالغة
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
حل الصباح المنتظر ...
و كانت غرفة "سلاف" مزدحمة بالفتيات ، بينما كانت هي في أقصي مراحل توترها و خوفها
لقد بدأت أصوات الناس المتجمعين في الأسفل تصل إليها ، أشعرتها أن كل شئ صار حقيقيا ليس حلما كما رأت في نومها خلال الأيام الماضية ..
في هذا الوقت إنتهت خبيرة التجميل من وجه "سلاف" مما يعني أنه حان وقت إرتداء الفستان
طلبت "سلاف" بإسلوبها اللطيف أن يخرج الجميع عدا "عائشة" و "حلا" لتساعداها
بقت خبيرة التجميل إجباري لأن إطلالة "سلاف" المناسبة أمر علي مسؤوليتها هي ..
ألبستها الخبيرة الفستان بحذر و حرص شديد حتي لا تصيب تجميل وجهها ، بينما كانت كلا من "عائشة" و "حلا" تمسكان بطرفي الفستان
و ها هو الآن ينساب حولها كشلال ذهبي ..
نظرت لها "عائشة" و قالت بإعجاب :
-واااااو يا سوفا !
زي القمر . ما شاء الله يا حبيبتي
حلا بإبتسامة :
-مبروك يا سلاف
ربنا يسعدك يا حبيبتي
عائشة بتعجل :
-كده مش ناقصك غير الحجاب
يلا بقي بسرعة خلينا نخلص عشان الناس إللي تحت من الصبح دول
ربطت لها خبيرة التجميل الحجاب الصغير بوضعية لطيفة و رقيقة للغاية ، في حين كانت "عائشة" منحنية علي قدمها لتلبسها هذا الحذاء ذي الكعب العالي
و أخــــــــــيرا ... "سلاف" صارت جاهزة
كانت ركبتاها ترتجفان و هي تسير بين "عائشة" و "حلا" ..
و فجأة صاحت بصوت متوتر :
-هي نناه حليمة تحت ؟
عائشة مبتسمة بتهكم :
-أيوه يا حبيبتي طبعا دي تحت من الصبح
أومال مين إللي لامم الكل من بدري كده ؟!
سلاف بهمس :
-نزلت إزاي ؟
عائشة : أدهم و عمر و مالك نزلوها مع بعض .. ثم حثتها بضيق :
-مدي بقي يا سلاف إحنا بقينا الضهر و المأذون مستعجل
سلاف : حاضر ! .. و إستنشقت نفسا عميق و زادت قبضتها المرتجفة علي يد "عائشة"
بدأت تهبط الدرج المزين بالشرائط البيضاء ... كان توترها يزداد كلما زادت همهمات الحشد و أصبحت واضحة في أذنيها
داعبت أنفها روائح الزهور المنتشرة علي إمتداد السلم فأحست بقليل من الإسترخاء ، لكن ما أن إقتربت من البوابة و ملأ عيناها مشهد الجموع الغفيرة في الخارج حتي شعرت بدوار مفاجئ ..
لكنها تماسكت و تابعت سيرها إلي الأمام ... إزداد إحمرار وجهها و هي تري كل تلك الوجوه مصوبة نظرها نحوها
إستقبلتها عمتها بعناق حار ، و إنحنت "سلاف" مقبلة يد جدتها التي إبتسمت إليها دامعة العينين
و فورا إنتشر خبر خضور "سلاف" حتي وصل إلي "أدهم" ليجلس الجميع هادئا في إنتظار بدء العقد
كانت "سلاف" جالسة بجوار "حليمة" عندما دوي صوت خشن عبر مكبرات الصوت ... إنه صوت المأذون بالتأكيد
راحت "سلاف" تستمع إلي الخطبة القصيرة التي ألقاها المأذون مطرقة الرأس غير قادرة علي مواجهة أحد في هذه اللحظة بالذات
و فجأة راح قلبها يخفق بسرعة جنونية عندما سمعت طلب المأذون بإحضارها إلي ذلك المكان المحايد لتدلي بموافقتها علي الزواج ..
و ما هي إلا ثوان و جاءت "أمينة" لتصطحبها إلي هناك
قامت "سلاف" مع عمتها بدون جهد ... ذهب خلفهما صف طويل من الفتيات ليحضرن تلك اللحظات
لمحت "سلاف" نظرات السيدة "راجية" و إبنتها .. كان هذا كفيلا بهدم تماسكها ، لكنها تجلدت بإصرار عجيب ..
و رأته في هذه اللحظة .. حبست أنفاسها قليلا عندما إتصلت عينيها بعيناه ، لأول مرة تراه يبتسم لها إبتسامة مدوخة
كان ينظر لها بثقة الآن ، فبعد دقائق قليلة ستكون له إلي الأبد ... ستكون محللة له
أمسكت "سلاف" بفستانها الكبير و تقدمت صوبه ، جلست أمامه علي الكرسي المجلل بالستان و خبأت يداها تحت الطاولة
لم تنكر موجات السعادة البسيطة التي شعرت بها و هي تري و تسمع عقد قرانها يكتب أمام عيناها ، و خصوصا هو الذي كان ينطق كل كلمة بوضوح و ثقة كبيرة كأنه يريد تسجيل صوته بعقلها لتتذكر هذا جيدا
نظر لها المأذون و قال مبتسما :
-إتفضلي يا عروسة إمضي
أخذت "عائشة" الدفتر و وضعته أمام "سلاف" فأمسكت هي بالقلم و مضت بإسمها ، ثم غمست إصبعها في الحبر الأزرق و دمغت به علي القسيمة
و هنا أعلن المأذون بصوت مجلجل :
-ألف مبروك يا جماعة و يا ريت كلنا مع بعض كده نقول في صوت واحد لأخوكم أدهم و زوجته ( بارك الله لكما و بارك عليكما و چمع بينكما في خير ) ... رددها الجميع في صوت واحد ثلاث مرات
و فجأة إنفجر الحشد مصفقا و صدحت الزغاريد من كل مكان .. بينما جاءت "عائشة" حاملة علبة المجوهرات و قدمتها إلي أخيها و هي تقول بشقاوة :
-إمسك يا دومي
لبس سوفا الدهب يا حبيبي و أنا هقف أصور اللحظة التاريخية و إنت بتمسك إيدها .. و غمزته بعينها و هي تضحك
فتح "أدهم" علبة المجورات و إلتقط المحبس الذهبي ، ثم نظر إلي "سلاف" و قال بصوته الهادئ :
-مبروك يا سلاف !
سلاف و هي تتحاشي النظر في عينيه :
-الله يبارك فيك
أدهم بلطف :
-ممكن تديني إيدك عشان ألبسك الدبلة ؟
حمحمت "سلاف" بتوتر و مدت يدها صوبه ... إحتواها برفق شديد ، لتشعر "سلاف" بلمسته كما لو أن تيارا كهربيا مر في أوصالها
كم هي دافئة يده ، و كبيرة أيضا مقارنة بيدها الصغيرة ..
وضع "أدهم" المحبس و الخاتم بإصبعيها ، و ربط السوار حول معصمها ، و جاء ليضع العقد حول رقبتها ، فتصايحت "عائشة" بمرح و هي تقف في الجهة الأخري مع السيدات :
-اللــــــه . أيـــووووه بقـآااااا دووومي
الكل يملي عينه من المنظر ده لقد هرمنا يا جمــآااااعة
إنفجر الجميع ضاحكا لدعابة "عائشة" و تخضبت وجنتي "سلاف" بالدم ، بينما قام "أدهم" ليقبل أمه التي جاءت بجدته لتهنئته هو و زوجته
إنهمكت "سلاف" في إستقبال التهاني من الجميع ، و كانت "إيمان" في أخر الصف رأتها تتجه نجو أخيها أولا ، بينما تجمدت هي عندما تعلقت أنظارها بذاك الحقير
مشي "سيف" ناحيتها و علي ثغره تلك الإبتسامة الخبيثة ..
مد يده ليصافحها و هو يقول :
-ألف مبروك يا سلاف !
نظرت له بشئ من الخوف و قد داهمتها الذكري المقيتة معه ، بينما إعترض "أدهم" طريقه و أطبق بكفه علي يده الممدوة قائلا بصوت أجش :
-الله يبارك فيك بالنيابة عنها يا سيف
معلش سلاف مش بتسلم علي رجالة
سيف بسخرية :
-مش بتسلم علي رجالة ؟
و ده من إمتي يا أدهم ؟!
أدهم مضخما نبرة صوته :
-من إنهاردة
من دلوقتي حالا يا سيف
تدخلت "إيمان" مداعبة :
-خلاص يا سيدي عرفنا إنها إنضمت للعصبة المتشددة و إنت يا سيف يعني مش عارف أدهم ؟ عيب عليك يا أخي ده إنت قديم يعني .. و ضحكت مكملة :
-ألف مبروك يا حبيبي ربنا يهنيكوا
إبتسم "سيف" بإلتواء و هو يلقي نظرة أخيرة علي "سلاف" ثم يرحل مع زوجته ..
لا شعوريا تسللت يدها إلي يده و شبكت أصابعها في أصابعه .. نظر لها "أدهم" و قال بإبتسامة يتخللها بعض العبوس :
-أظن كفاية واقفة في الأرض المحايدة دي
هنا في رجالة بردو و بيبصوا علينا
نظرت له بإستغراب ..
ليتابع برقة :
-روحي أقعدي الناحية التانية
و كمان شوية في مفاجأة عشانك ... !!!
رواية وكفي بها فتنة الفصل السادس عشر 16 - بقلم مريم غريب
وكفي بها فتنة ›
الفصل ( 16 )
~¤ إعترافات ! ¤~
إستمر الحفل و بالطبع جرت المحافظة علي جميع العادات و التقاليد المعروفة لمنزل آل"عمران" ...
الرجال في جهة و السيدات في جهة أخري ، هكذا كان الإحتفال الإسلامي الذي خطط له "أدهم" .. بسيطا مبهجا لا تتخالطه المنكرات أو المحرمات
صارت الأمور أبطأ الآن عندما غربت الشمس خلف الأشجار
و أضأت الحديقة غلالة من الأنوار الساطعة المشعشة ..
شعرت "سلاف" بقليل من الإسترخاء عندما إعتادت علي الأجواء شيئا فشئ ... كانت تجلس الآن ضمن حلقة ضمت العائلة و الأقارب
لقد تعرفت عليهم جميعا خلال هذا الوقت ، كانوا لطفاء معها و أظهروا المحبة لها مما جعلها تنسي تهنئة "راجية" و إبنتها المقتضبة و نظراتهما المفعمة بالحقد و الكراهية ..
كان هاتف "سلاف" في يدها كما أوصاها "أدهم" و أخيرا إنتهت حالة الترقب التي كانت تلفها و رأت الشاشة الصغيرة تضئ و تطفئ معلنة عن وصول رسالة جديدة
فتحت "سلاف" الرسالة و قرأت مضمونها ... ( بصي للسما دلوقتي و شوفي المفاجأة ) ..
و فورا رفعت أنظارها إلي السماء و رفرفرت عيناها علي الصفحة الليلية الصافية التي كانت بلون الخزامي
ذلك اللون الذي يموج السماء عند المغيب ...
لم تري شيئا في البداية .. ثم ، بعد لحظات قليلة
بدأت تطير المقذوفات النارية ، و بدأت تتناثر ألوان تشبه حفنة مرفرفة من الزهور المشتعلة ... إمتلأت السماء كلها بهذا العرض المبهر
و كانت "سلاف" تراقب كل هذا مسحورة ، و من مسافة بعيدة من نصف وعيها كانت تسمع همهمات الذهول تتصاعد عبر الحشد من حولها
إلي أن رأت إسمها يتوسط الهالات الجمرية .. إسمها مزخرف بآشعة الليزر يتألق وسط بركة النار المستعرة في الأعالي
إقشعر بدن "سلاف" من هذه الهدية غير المتوقعة إطلاقا ، لقد أدهشها تماما هي تقر بذلك ..
-آاااااااه يا بختك يا سوفآاا دردحتي أخويا ياختي و خلتيه رومانسي .. قالت "عائشة" ذلك و هي تقف بجانب "سلاف" و تشاهد العرض بحماسة
حلا مداعبة هي الأخري :
-أيوه بقي علي الحب يا سوسو
مش قولتلك المستخبي هيبان ؟
إبتسمت "سلاف" تلقائيا و راحت تتابع مع الجميع هذا الحدث المبهج ... إستمر لعدة دقائق حتي إنطفأت الشرارة الأخيرة و إختفي إسمها لتعود السماء صافية كما كانت ..
-إيه رأيك ؟ عجبتك المفاجأة ؟؟؟ .. قالها صوت موسيقي هادئ
بالطبع هو ، هذا الصوت لا يخطئه السمع أبدا ..
إلتفتت "سلاف" و إستقرت عيناها علي وجهه ... كان يقف علي بعد قدمين منها ، و كانت نظرات الجميع مصوبه نحوه
كانت عيناه مفتوحتان تنظران إليها ، و لكن كان تعبير الحذر يجلل وجهه و هو يترقب إجابتها
و أخيرا أفلحت "سلاف" في الرد :
-شكرا
كانت حلوة أوي ! .. كان صوتها المرتجف غريب في أذنيها
أدهم : أنا مبسوط إنها عجبتك .. و إنثنت أطراف شفاهه عندما إبتسم قليلا
لم تدرك "سلاف" أنها كفت عن التنفس إلا عندما بدأ رأسها يدور ..
و عندما راحت تتنفس من جديد ، سمعت صوت جدتها يقول :
-عشت و شوفتك عريس يا أدهم
و الحب باين في عنيك . ربنا يهنيك يا حبيبي .. كانت نبرتها تزخر بالسعادة العميفة
نظر لها "أدهم" و قال بإبتسامة :
-ربنا يخليكي لينا يا تيتة و يباركلنا في عمرك .. ثم نظر إلي "سلاف" و أكمل :
-دلوقتي في مفاجأة تانية عشانك
بس مش هنا . ممكن تتفضلي معايا ؟!
عائشة بخبث :
-هتاخدها علي فين يا دومي ؟ مايصحش يا حبيبي تسيب الضيوف يقولوا علينا إيه ؟ .. و غمزته بعينها
تدخلت "حليمة" بحدة :
-عايز تاخدها فين يا أدهم ؟
إنت صحيح كتبت الكتاب بس لسا بدري علي الجواز إنت ناسي الإتفاق ؟؟؟
أدهم بنبرة متسامحة :
-لأ يا تيتة مش ناسي
ماتقلقيش حضرتك أنا هاخدها مشوار بس و هنرجع بسرعة
و أظن إنه ده من حقي دلوقتي و لا إيه ؟!
حليمة بعد تفكير :
-طيب .. بس ماتتأخروش عشان تسلموا علي الضيوف قبل ما يمشوا
أدهم : حاضر مش هنتأخر
يلا يا سلاف ! .. و مد لها يده
نظرت "سلاف" إلي كفه الكبير .. ثم نظرت إلي عيناه
كانتا لطيفتين باسمتين ، نظرت إلي كفه من جديد و أودعت يدها فيه بدون تردد
نظرت إليه و إبتسمت بخجل ، ليرد علي إبتسامتها بإبتسامة ودية
شعرت "سلاف" بنظرات الجميع منغرسة في ظهرها و هي تمشي معه بإتجاه البوابة الرئيسية ..
و عندما وصلا إلي الخارج ، فتح لها "أدهم" باب سيارته السوداء التي كانت تنتظر أمام البيت مباشرةً
ركبت "سلاف" بجوار كرسي السائق ، و إستقل "أدهم" بدوره ..
تمتم بصوت مستثار :
-أخيرا بقينا لوحدنا
الوقت إنهاردة كان بطئ أوي
كان بيعاند معايا
سلاف بإرتباك :
-هو إحنا رايحين فين ؟
أدهم بغموض محبب :
-رايحين مشوار صغير
من يوم ما وافقتي علي جوازنا و أنا مستني عشان أخدك و نروح سوا
نظرت له "سلاف" و قالت بهدوء :
-شوقتني
يا تري فين المشوار ده ؟!
أدهم و هو يضحك بخفة :
-لأ إنتي كده بتغشي و بتستدرجيني
إصبري شوية و هتعرفي
.....
و بعد نصف ساعة ... كان "أدهم" يوقف سيارته أمام بناية عالية الإرتفاع ، متينة البناء
و لكنها قديمة الطراز ..
سلاف و هي تعاين المكان بنظرات فاحصة :
-إنت عندك بيت هنا يعني ؟!
أدهم بإبتسامة :
-دقايق قليلة جدا و هتشوفي بنفسك . إنزلي يلا
نزلا معا و أقفل "أدهم" السيارة ، ثم أخذ "سلاف" و صعد إلي الطابق الأخير ... حيث ذلك السطح المبلط بالجرانيت الملون
كانت هناك حجرة هرمية الشكل ، مصنوعة من الحجر ، مقامة في الجهة الغربية من السطح
سار "أدهم" بـ"سلاف" صوب ذاك الباب المقوس المغلق .. أخرج سلسلة مفاتيحه و إلتقط واحدا مميزا بين أقرانه
وضعه في القفل ثم أداره فإنفتح الباب بسهولة ..
لتري "سلاف" غرفة أقل ما يقال عنها أنها قطعة وقعت من كتب الأساطير و الحكايات ... كانت الإضاءة خافتة ، و الأرض مفروش ببساط حريري بلون النبيذ
و الجدران كلها مغطاة بألواح الخشب اللامع ، نصفها إحتلته بعض الرفوف التي حملت الكثير و الكثير من الكتب ..
كان هناك أيضا موقد تتراقص فيه آلسنة النار البسيطة ، و بجانبه وضع كرسي هزاز أثري يرجع تاريخ صنعه إلي القرن الماضي
و بأقصي الغرفة كان ينتصب مكتب ضخم ، وضعت فوقه بعض التحف و رزم الأوراق و حاسوب عتيق ..
-الأوضة دي كانت المكتب السري بتاع أبويا الله يرحمه ! .. قالها "أدهم" من فوق كتف "سلاف"
أفاقت "سلاف" من تأملاتها و إستدارت إليه ..
أدهم متابعا بصوت معتدل :
-أنا بحب المكان ده أوي
برتاح نفسيا لما باجي هنا .. ثم قال و قد كسي التوتر وجهه فجأة :
-و دايما لما بعوز أصارح نفسي أو أخد قرارات مهمة في حياتي بلجأ للمكان ده
ممكن تقولي إنه بيساعدني ذهنيا بطريقة ما يعني !
سلاف بتساؤل :
-و إنت دلوقتي جاي عشان تصارح نفسك أو تاخد قرار ؟
طيب جبتني ليه معاك ؟!
حمحم "أدهم" بتوتر أكبر و قال :
-أنا جايبك هنا عشان عايز إتكلم معاكي بصراحة يا سلاف
عايز أوضح كام نقطة بينا عشان نكون علي وفاق مع بعض من البداية .. و عشان تبقي فاهمة إنتي حياتك الجاية شكلها هيبقي إيه
عبست "سلاف" بحيرة قائلة :
-طيب إنت مش شايف إن فات الآوان علي حاجة زي دي ؟
إحنا خلاص إتجوزنا و قبلنا بعض منغير شروط
أدهم و قد ظهرت المعاناة علي وجهه بشكل فاجأها :
-أنا مش جايبك هنا عشان أشترط عليكي حاجة
إحنا متفقين علي الأساسيات قبل ما نتجوز و أنا مش عايز أكتر من إللي إتفقنا عليه
سلاف بإستغراب :
-طيب قولي إنت عايز إيه بالظبط ؟؟؟
تنهد "أدهم" بثقل و قال :
-تعالي نقعد طيب . تحبي تشربي إيه ؟
في تلاجة هنا فيها كل حاجة
سلاف بصوتها الرقيق :
-عايزة ماية بس
أدهم : طيب روحي أقعدي هناك و أنا جايلك علطول .. و أشار إلي آريكة صغيرة إلتصقت بجدار الغرفة الحجري
سبقته "سلاف" إليها ، و لحق بها بعد لحظات ..
أعطاها زجاجة مياه و وضع أمامها كأس عصير مصنوع من البلاستيك الشفاف ... إرتشفت "سلاف" القليل من الماء ، و راحت ترمقه بنظرات مرتقبة
و لكن الصمت إمتد بينهما لدقائق و هي لا تدري ماذا تفعل !
ليرفع "أدهم" وجهه أخيرا و ينظر لها بتركيز .. ثم يقول :
-سلاف في الأول عايز أسألك سؤال
بس أرجوكي تجاوبيني بصراحة
سلاف بجدية :
-أوعدك هجاوب بصراحة
-إنتي عمرك ما هتندمي إنك إتجوزتيني ؟! .. تساءل بصوت محايد ، لكن عينيه كانتا تنتظران ردها بصبر نافذ
تفاجأت "سلاف" للمرة الثانية و قالت :
-أندم !
لأ طبعا .. إلا إذا آ ..
-إلا إذا إيه ؟! .. قاطعها و قد صار وجهه أكثر بياضا و غدت عيناه غاضبتين فجأة
سلاف و هي تهز كتفاها بخفة :
-إلا إذا وصلتني إنت للمرحلة دي !
عقد "أدهم" حاجباه بعدم فهم و سألها :
-إزاي مش فاهم ؟؟؟
سلاف : طول ما هتكون كويس و متفهم معايا مافيش مشاكل هتقابلنا . لكن لو حسستني إني ماليش لازمة في حياتك غير إني مراتك و بس و إني ماليش رأي أو مش من حقي أتكلم وقتها طبيعي الحياة بينا هتكون مستحيلة
ظلت عيناها معلقتان بعيناه ... راحت تراقب ذلك الجنون و هو يعود و يتلاشي بلا هوادة
بينما عاد للتساؤل من جديد :
-طيب فرق السن !
سلاف بدهشة حقيقية :
-ماله فرق السن ؟ إنت شايفني صغيرة أوي عليك ؟!
ضحك "أدهم" بمرارة و قال ساخرا :
-لأ يا سلاف أبدا
شايف العكس . أنا إللي كبير عليكي
رفعت "سلاف" حاجبها و سألته :
-ليه إنت عندك كام سنة ؟
أدهم بشئ من التردد:
-31 سنة !
تأملت "سلاف" الرقم و ردت :
-طيب . أنا مش شايفة إنك كبير أوي يعني
أدهم عابسا بضيق :
-بس أنا شايف كده . أنا أناني يا سلاف
مافكرتش غير في نفسي لما طلبت أتجوزك . إنتي لسا بنت صغيرة و كنتي تستاهلي شاب قريب من سنك
أنا كبير عليـ آ ..
-أدهم ! .. قاطعته "سلاف" واضعة كفها علي فمه ، و أردفت بجدية تامة :
-إسمعني كويس
إنت مش كبير أوي و أنا مش صغيرة أوي
أنا لو ماكنتش شايفة إنك مناسب ليا ماكنتش وافقت عليك
إنت أجبرتني إتجوزك ؟
هز "أدهم" رأسه سلبا ، فإبتسمت "سلاف" و يدها التي كانت علي فمه إنخفضت إلي صدره و قالت :
-أنا إتجوزتك بإرادتي
إنت ماغصبتنيش . و لو إن كان من حقي أنا إللي اقلق و أسألك الأسئلة دي كلها
أدهم بإستغراب :
-ليه ؟!
شدت "سلاف" علي شفتاها و أجابته بخفوت :
-بصراحة كنت خايفة أحسن تكون إنت المغصوب عليا !
أدهم بإستنكار :
-أنا مغصوب عليكي ؟؟؟
ده أنا ماكنتش أحلم إني أتجوزك أصلا يا سلاف !
أومال أنا ليه كنت بهرب منك دايما ؟
ماكنتش أتخيل إن يجي اليوم ده أبدا . لولا تيتة حليمة
حدقت "سلاف" فيه و علقت علي جملته بتساؤل :
-نناه حليمة !
و نناه حليمة علاقتها إيه بجوازنا ؟؟؟
إزدرد "أدهم" ريقه بتوتر و أجابها متلعثما :
-آ مـ مالهاش
أنا قصدي إنها ساعدتني أوصلك طلبي و مهدتلي السكة إللي أقدر أفاتحك بيها في الموضوع
هي مش كلمتك بردو ؟
إبتسمت "سلاف" برقة و أومأت رأسها ..
أدهم و هو يرد لها الإبتسامة :
-طيب . أخر سؤال بقي
و بعدين هنمشي عشان مانتأخرش زي ما وعدنا تيتة حليمة
سلاف موافقة :
-إسأل !
أدهم .. بعد صمت قصير :
-مش هسألك إنتي بتحبيني و لا لأ عشان أنا عارف إن لسا شوية علي الموضوع ده . بس هسألك
يا تري في قابلية إنك تحبيني يا سلاف ؟؟؟
توهجت وجنتاها خجلا ... فحثها بنظرة ملحة ، لتقول "سلاف" بعد جهد كبير :
-أنا already مشاعري إتحركت ناحيتك من فترة يا أدهم
و ده إللي كان قالقني إنك ممكن ماتكونش بتبادلني نفس المشاعر . كنت خايفة تكون قررت تتجوزني عشان بنت خالك و يتيمة و بس !
إبتسم "أدهم" غير مصدقا ، و مد يده إلي وجهها ممسدا خدها برقة ... ثم قال بصوت شبه هامس :
-أنا بحبك يا سلاف
قررت أتجوزك عشان حبيتك
و إنحني نحوها ببطء ممسكا كتفيها بكلتا يداه ... كان يغالب نفسه حيال أمرا ما ، رأت هذا في وجهه
ثم أخيرا إتخذ قراره و لمع التوق بعينيه ... قربها منه بحرص شديد ..
سارت يداه ببطء علي إمتداد ظهرها ، فشعرت بيداها تتخدران علي صدره .. و فجأة حني رأسه و مس شفتاها بشفتيه لأول مرة
باعد بينهما بحذر ، ثم تعمقت القبلة .. و إستمرت لعدة ثوان ... قبل أن تبعده "سلاف" بيداها المرتجفتان ..
-آ أنا آسف ! .. قالها "أدهم" بإضطراب شديد و هو يرتد إلي الخلف مبتعدا عنها
إنتظرت "سلاف" حتي إستعادت وعيها كاملا ، و ردت بإبتسامة خفيفة :
-ماحصلش حاجة
أنا كويسة ! .. كانت تنظر له بدهشة ممزوجة بالسعادة
إبتسم "أدهم" بشئ من الخجل ، ثم قال و هو يقوم و يقف علي قدميه بحركة رشيقة :
-طيب يلا بينا . إتأخرنا أوي
بس لسا في كلام كتير بينا
هنكمله مرة تانية
وافقته "سلاف" بنبرة مرتاحة :
-طبعا
هنكمله يا أدهم ..... !!!
رواية وكفي بها فتنة الفصل السابع عشر 17 - بقلم مريم غريب
وكفي بها فتنة ›
الفصل ( 17 )
~¤ شيطانة ! ¤~
في وقت متأخر من الصباح ...
تستيقظ "سلاف" أخيرا بعد أربعة عشر ساعة قضتهم في نوم متواصل
بقت مستلقية في مكانها ، تشعر بالثمالة و الكسل .. فقد كانت مرهقة ، متعبة علي نحو لم تعرفه من قبل
و بين النوم و اليقظة حاول حلما ما أن ينفذ إلي وعيها ليسحبها إلي جولة سبات أخري ... لكن هاتفهها دق في هذه اللحظة و قطع تواصلها مع لا وعيها تماما ..
مدت "سلاف" يدها ، و بحثت قليلا بالقرب منها حتي عثرت علي الهاتف .. أمسكت به و ردت دون أن تعرف من المتصل :
-ألوو ! .. خرجت نبرتها خافتة ناعمة للغاية
-صباح الخير يا سلاف .. جائها صوته جادا هادئا ، فجلب معه طوفانا من ذكريات اليوم الماضي
عجيب ! هذا لم يكن حلما إذن ..
سلاف : أدهم ! .. و إنتصبت جالسة بسرعة أصابتها بالدوار
أدهم : أيوه أنا
إنتي لسا نايمة و لا إيه ؟ محدش صحاكي لحد دلوقتي ؟!
سلاف و هي تفرك عينها و تتثاءب قليلا :
-لأ محدش صحاني
هي الساعة كام دلوقتي ؟
أدهم : الساعة داخلة علي 1 الضهر
يعني بالظبط دلوقتي الساعة 1 إلا ربع
سلاف بصدمة :
-يا خبر !
أنا نمت كل ده ؟؟؟
دي عمرها ما حصلتلي !!
أدهم بلطف :
-معلش شكلك كنتي مرهقة
سلاف بغير رضا :
-لأ أنا أصلا صاحية كسلانة بعد النوم ده كله .. ثم قالت بسخرية :
-و إنت تقولي صباح الخير !
أدهم ضاحكا بخفة :
-خلاص ماتزعليش نفسك
النوم ده كله طبيعي علي فكرة . اليوم إمبارح كان طويل و حافل
سلاف و هي تشعر بالإحمرار يغمر و جهها و عنقها :
-عندك حق
كان طويل و مليان أوي .. و تعثر صوتها قليلا عندما تذكرت كيف كان ختام الليلة الماضية
أدهم بنبرة متكلفة :
-طيب إنتي هتعملي إيه دلوقتي ؟
الوقت بقي متأخر عشان تروحي جامعتك !
وافقته سلاف : أيوه صح
دلوقتي مش هروح طبعا
أدهم بإهتمام :
-طيب هتعملي إيه طول النهار ؟؟؟
هزت "سلاف" كتفاها و أجابته :
-مش هعمل حاجة
هطلع بقي أقعد مع عمتو أو نناه حليمة
أو أرغي مع شوشو شوية . يعني الحاجات المعتادة دي .. ثم سألته :
-إنت بقي فينك دلوقتي ؟
أدهم : أنا خلصت محاضراتي في الجامعة و طالع دلوقتي علي المسجد عشان بعد صلاة الضهر علطول عندي الخطبة إللي بقولها كل شهر في نفس الميعاد
سلاف بإستفهام :
-و الخطبة دي هي هي إللي بتقولها كل مرة ؟!
أدهم : لأ طبعا يا سلاف كل مرة بختار موضوع شكل و مش بكرر إللي سبق و قولته في المناسبات الثابتة إللي زي دي
سلاف : إممممم . طيب
هترجع أمتي ؟
أدهم بمكر :
-إيه وحشتك بالسرعة دي ؟!
سلاف بخجل شديد :
-لأ مش كده طبعا . ده مجرد سؤال عادي
أدهم و هو يضحك :
-مـآاشي أنا مش هزعل منك بردو .. ثم قال بجدية :
-إن شاء الله هرجع علي المغرب كده
مش عايزه حاجة أجبهالك معايا ؟
سلاف برقتها المعهودة :
-لأ شكرا
يلا إقفل بقي عشان تعرف تسوق و الردار مايخدكش مخالفة . باي يا أدهم
أدهم مستوقفا بصرامة :
-قولي لا إله إلا الله
سلاف بإبتسامة :
-لا إله إلا الله
أدهم و قد لانت نبرته من جديد :
-محمد رسول الله .. و أقفلت معه و البسمة لا تزال تزين ثغرها
إستنشقت نفسا عميقا و مطت جسدها ، ثم إنزلقت بنشاط من السرير لتبدأ يومها أخيرا ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في شقة "راجية عمران" ... "مايا" تجلس في غرفتها صامتة مكتئبة
كحالها منذ تم إعلان الخبر الذي لم يفاجئ الجميع ، لكنه صدمها هي و جعل ثقتها بنفسها تقل و تتراجع لأبعد الحدود ..
تدخل "راجية" في هذا الوقت ، و تصيح عندما لم تري تغييرا في حالة إبنتها :
-لآاا
كده كتير أوي . زودتيها يا مايا
نظرت "مايا" لأمها و ردت بفتور :
-في إيه يا ماما ؟
داخلة عليا ناشفة كده ليه ؟
راجية بغضب :
-لحد إمتي يابت إنتي هتفضلي قعدالي كده ؟؟؟
مايا بتعجب ممزوج بالإستهزاء :
-عايزاني أعمل إيه يعني ؟
أقف ؟!
راجية بحنق :
-و كمان بتهزري ؟ إنتي شكلك عايزة تتظبطي و أنا فوقتلك خلاص
إنفعلت "مايا" فجأة :
-إنتي عايزة مني إيه يا ماما ؟
ماتسبيني في حالي . أنا عملتلك إيه ؟
مش وراكي غيري ؟
إبعدي عني بقي ماتتعبيش أعصابي أكتر من كده
راجية بعصبية :
-ما القاعدة الهباب دي هي إللي تاعبالك أعصابك ياختي
بدل ما إنتي مرزوعة في أوضتك ليل نهار بتغني ظلموه قومي شوفي حالك و عيشي زي بقيت الناس
و لا عايزة تشمتي أمينة و بنت أخوها فينا ؟؟؟
مايا بسخرية :
-ما هما إللي كسبوا في الأخر و شمتوا من بدري
لسا هيشمتوا تاني ؟
راجية بصرامة :
-لأ يا حبيبتي مافيش الكلام
دول لسا علي البر كتبوا الكتاب أه بس ممكن جدا الموضوع يبوظ في أي لحظة
مايا و هي تضحك بإستخفاف :
-ماما إنتي متأكدة إنك كنتي حاضرة حفلة إمبارح ؟
إنتي ماشوفتيش شكله كان عامل إزاي ؟
ده كان طاير بيها . ده ما صدق إنه إتجوزها أصلا تقومي تقوليلي علي البر و الموضوع يبوظ !!
راجية بتصميم :
-أيوه يا مايا
و حياتك عندي لأبوظلك الجوازة دي
مابقاش أمك لو ماعملتهاش
و وعد مني في ظرف سنة إنتي إللي هتبقي مرات أدهم و البت المفعوصة دي هطيرهالك من هنا خالص
مايا بجدية و قد إستحوذ عليها الفضول :
-إزاي يا ماما ؟
ناوية علي إيه ؟؟؟
راجية بإبتسامة شيطانية :
-تعالي و أنا أقولك !
.........
و بعد مرور إسبوع ...
تصل "سلاف" مع "حلا" إلي المنزل بعد إنتهاء اليوم الدراسي .. تصادف رؤية "مايا" و هي تخرج من المصعد
في البداية لم تعييرها "سلاف" إهتماما لأنها كلما قابلتها تتجاهل وجودها و تعاملها بتعال ، لكن "مايا" فاجأتها اليوم و صاحت منادية :
-حلا !
سلاف !
تجمدتا الفتاتان و نظرتا كلا منهما إلي الأخري بعدم تصديق ، بينما مشت "مايا" صوبهما و هي تقول بإبتسامة ودية :
-إيه يا بنات إزيكوا ؟
طالعين كده منغير ماتسلموا عليا ؟
ماشفتونيش و لا إيه ؟!
خيم الصمت للحظات مشحونة بنظرات الدهشة و الترقب ... لتضحك "مايا" متظاهرة بالمرح و تقول :
-الله !
مالكوا في إيه ؟ بتبصولي كده ليه شكلي فيه حاجة غلط ؟!
سلاف بإبتسامة مترددة :
-لأ أبدا يا مايا
إنتي زي القمر يا حبيبتي
حلا بنظرة شك :
-بس مش متعودين يعني علي وشك المفرفش ده
طول عمرك بومة
لكزتها "سلاف" في كتفها و قالت مؤنبة :
-حلا !
مايصحش كده
مايا بتسامح مصطنع :
-سيبيها يا سوفا
أنا متعودة علي كده مع بنت خالتي طول عمرنا ناقر و نقير
حلا بدهشة كبيرة :
-و كمان سوفا !!
لأ ده في تطوارات حصلت بقي
مايا : لا تطوارات و لا حاجة عادي
حلا بعدم إقتناع :
-طيب . بس إنتي رايحة علي فين دلوقتي كده ؟
مايا بإبتسامة معابثة :
-رايحة أجيب هدوم يا لولو
أصل بصراحة دولابي كله بقي قديم في قديم
و في حاجات كتير أوي طالعة موضة السنة دي هموت و أشتريها
ضحكت "حلا" قائلة :
-لأ بعد الشر عليكي يا حبيبتي
مايا مقترحة بحذر :
-تحبوا تيجوا معايا ؟
إيه رأيك يا سلاف ؟
مافيش حاجة ناقصاكي حبة تشتريها ؟؟؟
سلاف بصوتها الرقيق :
-و الله أنا من يوم ما إتحجبت و أنا يعتبر ماعنديش هدوم
كل هدومي ماتنفعش للحجاب و قاعدة بستلف من هدوم عائشة
مايا و قد تشجعت أكثر من ذي قبل :
-أوك كده تمام أوي
يبقي لازم تيجي معايا عشان تجيبي كل إللي ناقصك
سلاف بتفكير :
-فكرة مش بطالة يا مايا
دي فرصة فعلا .. ثم نظرت إلي "حلا" و قالت :
-حلا تعالي معانا
أنا مش بعرف أروح في حتة منغيرك
حلا بتردد :
-مش عارفة يا سلاف !
أنا لسا ماقولتش لماما
حثتها "سلاف" :
-أنا و مايا لو قولنالها هتوافق
ها قولتي إيه ؟؟؟
حلا و هي تهز كتفاها بخفة :
-لو قولتولها و وافقت خلاص هاجي معاكوا
مايا بثقة :
-لو علي خالتي لبنة ماتشلوش هم
أنا هعرف أقنعها كويس
سلاف بإبتسامتها الجميلة :
-أوك
هنمشي إمتي طيب ؟
دلوقتي ؟!
مايا بنبرة خبث خفية :
-لأ يا حبيبتي
إنتي إطلعي إرتاحي من مشوار الجامعة و كمان ساعة كده و هتلاقيني نازلالك أنا و حلا
أومأت "سلاف" رأسها و هي تبتسم لها بمحبة خالصة ، بينما ردت "مايا" علي إبتسامتها بإبتسامة مزيفة
تحمل ورائها كل معاني الحقد و الكراهية ...
......
و عندما صعدت "سلاف" للأعلي ..
وجدت "عائشة" تجلس في الشرفة ، تتصفح هاتفهها بملل شديد
جلست قبالتها مبتسمة ، فنظرت لها "عائشة" بإستنكار حاد ..
سلاف بحزن :
-كده يا شوشو ؟
هتفضلي كل ما تشوفيني زعلانة و مش بتكلميني ؟!
نظرت "عائشة" للجهة الأخري و قالت بجمود :
-أيوه عشان إنتي مش كويسة و بتخبي عني كل أسرارك
سلاف بدهشة :
-أنا يا عائشة ؟؟!!
عائشة : أه إنتي يا سلاف
سلاف : كل ده عشان ماقولتلكيش أدهم أخدني فين يوم كتب الكتاب ؟
نظرت لها "عائشة" و أومأت رأسها دون كلام ..
سلاف بضيق :
-ما هو قالي ماتقوليش لحد يا شوشو
السر ده مايخصنيش لوحدي و أنا لو قولتلك هيزعل مني
لأ هبقي صغيرة في عنيه كمان
لوت "عائشة" فمها بإمتعاض و قالت :
-طيب خلاص
أنا مش عايزة أعرف حاجة
إنتي كنتي عايزة إيه ؟
سلاف بإبتسامة :
-كنت جاية أقولك إنك معزومة علي خروجة إنهاردة
عائشة بإستغراب :
-خروجة !
مع مين ؟؟
سلاف : معايا أنا و حلا و مايا
عائشة بذهول :
-إنتي و مايا مع بعض ؟
و إيه إللي لم الشامي علي المغربي يا سلاف ؟!
ضحكت "سلاف" و قالت :
-مافيش أصلها كانت نازلة تشتري هدوم و لما عرفت إني بستلف منك إقترحت إني أنزل معاها و أشتري لنفسي أنا كمان
عائشة بعتاب :
-و هو أنا كنت إشتكيتلك يا سلاف ؟
تقوليلها ليه حاجة زي دي ؟ ما إن شاالله تاخدي دولابي كله
إحنا مش أخوات ؟!
سلاف بلطف :
-طبعا يا شوشو
بس إنتي عارفة إني بحب الـShopping
و خصوصا دلوقتي و أنا محجبة هتبقي تجربة جديدة و ممتعة نفسي أجربها
-خلاص براحتك .. قالتها "عائشة" بإستسلام
سلاف : طيب هتيجي معانا صح ؟
عائشة :لأ مش هينفع يا سلاف أنا ورايا شغل البيت كله إنهاردة و ماما مش موجودة كمان مقدرش أسيب تيتة حليمة لوحدها
سلاف بإحباط :
-كده يا شوشو !
عائشة : غصب عني يا سوفا
حطي نفسك مكاني
سلاف : صح إنتي معاكي حق
إن شاء الله نخرج مع بعض قريب . أهي الإمتحانات قربت و هفضالك خالص هزهقك خروجات و هخلي أدهم يوديكي كل الأماكن إللي نفسك تروحيها
عائشة بإبتسامة :
-إن شاء الله يا حبيبتي
و صحيح ماتنسيش تكلمي أدهم قبل ما تنزلي
سلاف بإستغراب :
-أكلم أدهم قبل ما أنزل ليه ؟!
عائشة بجدية :
-لازم تستأذنيه إنك هتنزلي و تعرفيه هتروحي فين و مع مين
نظرت لها "سلاف" بغرابة ..
لكنها قالت بعدم إهتمام :
-إن شاء الله
يلا بقي هقوم أغير الهدوم دي علي ما تنزل مايا و حلا ...... !!!!
رواية وكفي بها فتنة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم مريم غريب
وكفي بها فتنة ›
الفصل 18
~¤ عنف ! ¤~
مضي زمن طويل منذ أن ذهبت "سلاف" في نزهة مع صديقاتها أخر مرة ...
و لكنها كانت سعيدة الآن و هي تدخل ذلك السوق التجاري الكبير برفقة كلا من "حلا" و "مايا" رغم أنها لا زالت لا تصدق التغير الذي أصاب غريمتها هذه
مع ذلك شعرت بالحماسة تغمرها و تمدها بالنشاط لتتابع بقية النهار علي قدر واسع من الرحابة ..
كانت مجموعة الملابس لطيفة فعلا في هذا المتجر كما قالت "مايا" و وجدت "سلاف" عدة أشياء لتجربها ، بينما توجهت "حلا" إلي قسم الأحذية لتختار شئ يناسبها
و أخيرا ها هي الفرصة التي خططت لها .. سنحت لها بسهولة كبيرة
كانت حقيبة "سلاف" التي أودعتها معها أمانة ريثما تنتهي من قياس الملابس هي الهدف الحفيقي و المنشود من هذه المسرحية كلها
دست "مايا" يدها في حقيبة "سلاف" و عيناها لا تكفان عن المراقبة ... لم تخرج الهاتف ، لكنها نفذت غايتها بسرعة خفية ، ثم عادت إلي مظهرها الطبيعي و كأن شيئا لم يكن ..
-إيه رأيكوا ؟! .. قالتها "سلاف" بتساؤل و هي تدور حول نفسها مستعرضة فستانا بدا و كأنه صنع لأجلها
حلا بإعجاب :
-جميل أوي يا سلاف
يجنن عليكي يا حبيبتي
سلاف بإبتسامة خجلة :
-ميرسي يا لولو
طيب و إنتي إيه رأيك يا مايا ؟
مايا بإبتسامتها المتكلفة :
-رأيي من رأي حلا طبعا
الفستان بقي أحلي لما لبستيه
سلاف بإمتنان :
-يا حبيبتي شكرا
إنتي الحلوة و الله يا مايا
نظرت "حلا" لإبنة خالتها بعدم راحة و تساءلت :
-طيب و إنتي مش هتختاري حاجة و لا إيه يا مايا ؟!
مايا بلهجة معابثة :
-إحنا في محل محجبات يا حلا
إنتي شايفاني محجبة ؟
لما سوفا تخلص تبقوا تيجوا تلفوا معايا لحد ما أشتري أنا كمان
و دق هاتفهها في هذه اللحظة ..
مايا و هي تلقي نظرة سربعة علي الرقم :
-طيب يا بنوتات
أنا هطلع برا شوية عشان أرد علي المكالمة دي .. و خرجت
ثم ردت بصوت محبور للغاية :
-مامتي !
راجية : إيه يابنتي طمنيني
عملتي إيه ؟؟؟
مايا : خلاص يا ماما
كله بقي تمام
راجية و قد بدا التفاخر في نبرتها :
-جدعة يا مايا
صحيح بنت أمك . بس مش هاوصيكي بقي
أخريها علي أد ما تقدري
عايزاكي ترجعيها البيت متأخر فاهمة ؟
مايا بإبتسامة شريرة :
-فاهمة يا ماما !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
كان النهار قد ولـَّي ... عندما عاد "أدهم" إلي المنزل
و كعادة كل يوم يتحرق شوقا لرؤيتها ..
قابل "عائشة" في الردهة فألقي السلام عليها و هو يقبل جبينها :
-إزيك يا شوشو !
أخبارك إيه إنهاردة يا حبيبتي ؟
عائشة بإبتسامة :
-كويسة يا دومي
حمدلله علي سلامتك
تحب أحضرلك الغدا دلوقتي ؟!
أدهم و هو يتلفت حوله باحثا عنها :
-لأ أنا إتغديت من بدري
هو البيت ماله ساكت كده ليه ؟؟؟
عائشة : أصل مافيش حد هنا غيري أنا و تيتة
و ماما لسا مارجعتش من برا
نظر لها "أدهم" و تساءل بإهتمام :
-مافيش حد هنا غيرك ؟
أومال سلاف فين ؟؟؟
عائشة بصوت عادي :
-لسا مارجعتش هي كمان
أدهم بدهشة ممزوجة بالقلق :
-إزاي مارجعتش من جامعتها لحد دلوقتي ؟
ده إحنا بقينا المغرب !!!
عائشة بإستنكار :
-جامعة إيه يا أدهم ؟
هو في جامعة بتقعد لدلوقتي ؟!
أدهم و قد إجتاحه التوتر الشديد :
-أيوه مافيش جامعة بتقعد لدلوقتي
طيب إيه إللي آخرها ؟؟!!
عائشة بإستغراب :
-الله !
هو إنت ماتعرفش هي فين ؟
هي مش قالتلك ؟؟
أدهم : قالتلي إيه ؟
ما قالتش حاجة !
نظرت له "عائشة" و تمتمت بصدمة :
-ماتصلتش بيك ؟؟؟
أدهم بإنفعال :
-لأ ماتصلتش
في إيه ؟ إنتي مخبية عني إيه ؟
إنتي تعرفي هي فين ؟؟؟
رمقته "عائشة" بنظرات حائرة و غمغمت لنفسها : " الله يسامحك يا سلاف . إيه إللي هببتيه ده بس ؟ أومال لو ماكنتش موصياكي ! "
-ما تتكلمي يا عائشة سلاف فين ؟؟؟ .. قالها "أدهم" صائحا بنفاذ صبر
لتنظر له "عائشة" بتردد ... لا تعرف بماذا تجيبه !
..........
أمضت "مايا" الشطر الأكبر من ذلك اليوم في صالون التجميل و شراء الأغراض التافهة التي لا تسمن و لا تغني من جوع ...
لم تكن تريد شيئا كان هدفها مختلف تماما و بلوغ نجاحها بات وشيكا
كانت تجلس الآن و تجرب زوجا من الأحذية عندما تأففت "حلا" قائلة بضيق :
-و بعدين يا مايا ؟
بقالنا ساعة في محل الجزم ده
إنجزي بقي الدنيا ضلمت برا عايزين نروح
مايا ببرود و هي تلوي كاحلها متفحصة الحذاء بإعجاب :
-إيه يا حلا مالك ؟
زهقانة كده ليه ؟
لسا بدري يا حبيبتي و بعدين في حد يستعجل الخروج عشان يروح البيت ؟!
حلا بنفاذ صبر :
-أه أنا ياستي
خلصي بقي أنا فصلت خلاص
عايزة أروح أرتاح
مايا بهدوئها المستفز :
-طيب إستني أجرب الشوز الأخيرة دي و بعدين نمشي
إحتدمت "حلا" غيظا لتنظر لها "سلاف" بتعاطف و تهمس بلطف :
-معلش
إصبري عليها شوية كمان
...........
أعاد الإتصال بها للمرة العشرون حتي الآن ... و لكن الجواب نفسه في كل مرة
( لم يتم الرد علي المكالمة ) ..
كاد يفقد صوابه و هو يقطع الصالة ذهابا و إيابا بلا هوادة كاتما إنفعالاته العنيفة في نفسه ... كانت أمه هنا الآن
وصلت منذ قليل لتفاجأ بهذه الأنباء الخطيرة ، و أخيرا تدخلت عندما إستوعبت الموقف جيدا ..
أمينة بتعجب :
-الله !
طيب مش عائشة قالت إنها مع مايا و حلا ؟
ما حد منكوا يتصل بيهم طالما مش بترد هي علي موبايلها
عائشة بتوجس :
-يا ماما هي حاجة زي دي هتفوتني يعني ؟
و حلا كمان موبايلها مقفول هي و مايا
إبتلعت "أمينة" صيحة هلع أخري في حنجرتها حتي لا تزيد من سوء الأمر عند "أدهم" ..
صار الصبر ثقيلا جدا الآن ... مع دقات التاسعة مساءً ، خرج "أدهم" عن صمته صائحا بإنفعال :
-لأ كده مش طبيعي
أكيد في حاجة . التأخير ده مش طبيعي
أنا لازم أتصرف لازم أعمل حاجة
أمينة بحيرة ممزوجة بالوهن :
-يعني هتعمل إيه بس يابني
إصبر . إصبر شوية كمان يمكن نلاقيها داخلة علينا دلوقتي
أدهم بعصبية :
-أصبر أكتر من كده ؟؟؟
عايزاني أستني لنص الليل يعني عشان أتحرك ؟؟؟؟ ... و ما كاد يلقي ردا
حتي سمع مفتاحا يدور بقفل باب الشقة ، و شاهد ملامح أمه تسترخي و سمعها تزفر بإرتياح قائلة :
-الحمدلله
أهي جت !
ثم سمع صوتها هي :
-مساء الخير يا جماعة ! .. و إلتفت إليها بسرعة
كانت تقف بالقرب منه الآن ... تبتسم تلك الإبتسامة الرقيقة خاصتها ، لوهلة كاد ينسي نفسه و كل شئ أمام هذا الملاك الذي أصبح من نصيبه
لكنه وضع حجرا علي قلبه
بدا و كأنه يصارع مشاعره ، كلما حاولت عضلات وجهه الإسترخاء عاد ليقبضها بقوة ..
-كنتي فين ؟؟؟ .. هل خرجت تلك الزمجرة من حنجرة "أدهم" ؟؟ أين نبرته اللطيفة الخافتة ؟؟؟!!!
كان هذا سؤال "سلاف" لنفسها و هي تجفل من لهجته غير الإعتيادية ..
-كنت مع مايا و حلا بنشتري حاجات ! .. أجابته بصوت هادئ
أدهم بحدة و هو يقترب منها :
-و مابترديش علي موبايلك ليه ؟
إنتي عارفة أنا كلمتك كام مرة ؟؟؟
و فورا أخرجت "سلاف" هاتفهها و تفاجئت عندما ثبت لها صحة كلامه ... نظرت له و قالت ببراءة :
-Sorry يا أدهم . الموبايل كان Silent ماسمعتوش
ينفجر "أدهم" غاضبا فجأة :
-و إزآاي أصلا تخرجي منغير ما تقوليلـــي ؟
إنتي فاكرة إنك لسا حرة في تصرفاتك زي الأول ؟
لازم تعرفي كويس إن الخروج بحساب و الدخول بحساب
إنتي مش مسؤولة عن نفسك دلوقتي
و في حدود مش هسمحلك تتعديها سـآامعة ؟؟؟
كانت تنظر له بصدمة و الدموع متحجرة بعيناها ... بينما أسرعت "أمينة" نحو إبنها و أمسكت بذراعه قائلة بحزم :
-أدهــم !
إهدا شوية و وطي صوتك
عشان جدتك
سلاف بجمود :
-سيبيه يا عمتو . سيبيه يقول كل إللي هو عايزه .. ثم أكملت و هي تتظاهر بالثبات :
-كلام يا أدهم إنت ممكن تقول إللي إنت عايزه
لكن صيغة الأمر إللي بتتكلم بيها دي أنا ماقبلهاش
أنا فعلا حرة و إنت مش من حقك تتحكم فيا ماتنساش إن ده كان إتفاقنا
أدهم بحدة شديدة :
-أنا من حقي أتحكم فيكي و آمرك كمان
و أقولك علي حاجة مافيش خروج من البيت بعد إنهاردة إلا و رجلي علي رجلك
خلاص إنسي إنك تخرجي لوحدك تاني يا سلاف
سلاف بتحد :
-طيب يا أدهم عند بقي أنا هخرج إيه رأيك !
هطلع أبات الليلة دي عند عمتك لبنة وريني هتحبسني إزاي ؟! .. و إستدارت متجهة صوب باب الشقة
لكن شيئا أمسك بكنزتها و سحبها بعنف إلي الخلف ..
-إنتي كده بتخرجيني عن شعوري .. جأر "أدهم" بغضب شديد و قد كان يمسك بكنزتها ملء يده
-أدهـــم ! .. هتفت به "أمينة" للمرة الثانية و لكن بصرامة أكبر
لم تدرك "سلاف" من الخوف الذي شعرت به أن دموعها بدأت تسيل ... بينما إهتز تصميم "أدهم" عندما رآها تنكمش محاولة الفكاك منه و لمح إلتماع خطوط الدموع علي خديها
إرتد إلي الخلف مبتعدا عنها بسرعة و كأنها تحمل وباءً خطير ، لتفر هي من أمامه للحال هاربة إلي غرفتها ، و يستمع هو إلي تصاعد وتيرة بكائها بقلب مفطور ..
ماذا فعل لها ؟ .. منذ متي يتخذ العنف سبيلا ؟ ماذا جري له ؟؟؟؟؟ ... !!!!
رواية وكفي بها فتنة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم مريم غريب
وكفي بها فتنة ›
الفصل ( 19 )
~¤ إختباء ! ¤~
بعد هذا الحادث ... بدأت "سلاف" تتجنب رؤية "أدهم" تماما
مضي إسبوعا و هي أكثر يقظة ، لم تذهب إلي جامعتها حتي لا تسنح له فرصة تنفيذ قراره بأنه غير مسموح لها الخروج من المنزل إلا و هو معها
و كذلك كانت ترفض الإجتماع علي مائدة الطعام مع العائلة متحججة بمشاريعها الدراسية الكثيرة
كانت تحفظ مواعيد بقائه في المنزل و مواعيد خروجه ، و بدا لها أن طريقة العقاب هذه تؤت ثمارها معه .. حيث لم يكف "أدهم" عن السؤال عنها و لا عن إرسال أمه و شقيقته إليها حتي تحاولا تهدئة الوضع بينهما و إرجاع المعاملة إلي سابق عهدها
كان يفعل هذا بطريقة غير مباشرة طبعا تجعله غير ظاهر في الصورة أمامها ، و لكنها كانت تكشف كل حيله و لم تتزحزح عن موقفها الصارم تجاهه
كانت غاضبة منه جدا و أرادت أن تعاقبه أشد عقاب ، و لعل التجاهل الذي إنتهجته هو أكثر عقاب يناسبه كما تري ...
........
إعتدلت السيدة "حليمة" في جلستها بمشقة ... لتسرع "سلاف" إلي مساعدتها بعد أن أعادت زجاجة الدواء إلي مكانها
إبتسمت الجدة و شكرتها بإمتنان :
-تسلميلي يا بنت الغالي
سلاف و هي ترد لها الإبتسامة :
-بالشفا يا نناه .. و ربتت علي ذراعها النحيل بلطف
حليمة : طمنيني عليكي بقي
عاملة إيه اليومين دول ؟
سلاف بنبرة محايدة :
-كويسة الحمدلله
حليمة و هي تنظر إلي عيناها بشك :
-متأكدة يعني إنك كويسة ؟!
سلاف و قد تلاشت إبتسامتها :
-مش فاهمة قصدك يا نناه ! .. كان التوتر يذبذب صوتها
حليمة بنظرات حائرة :
-حاسة إن فيكي حاجة مش مظبوطة
مش بس فيكي إنتي
في الكل هنا .. إنتوا مخبيين عني حاجة يا سلاف ؟؟؟
سلاف مغالبة توترها :
-أبدا يا حبيبتي
كلنا تمام لكن جايز عشان المشغوليات كترت اليومين دول إنتي شايفة الوضع مكركب شوية
حليمة بتفكير :
-ممكن . جايز يابنتي .. ثم قالت بجدية تطل من خلف إبتسامتها البشوشة :
-صحيح قوليلي حدتي معاد الفرح مع أدهم و لا لسا ؟
سلاف بإبتسامة باهتة :
-لسا يا نناه
حليمة : و لسا ليه بس يا حبيبتي ؟
إحنا مش إتفقنا بعد سنة ؟
عشان تلحقوا توضبوا بيتكوا و كمان نكون جهزنا نفسنا
سلاف بعدم ثقة :
-بصراحة مش عارفة إذا هقدر أكون جاهزة للجواز بعد سنة و لا لأ
حليمة بإستغراب :
-قصدك إيه يعني ؟
إيه إللي مش هيخليكي جاهزة ؟؟؟
تنهدت "سلاف" و قالت بآسي :
-دي خطوة كبيرة أوي يا نناه
و أنا خايفة لو مشيتها مقدرش أرجع تاني
نظرت لها "حليمة" بصدمة و قالت :
-ترجعي إيه يا سلاف ؟
هي لعبة ؟ إنتي خلاص إتجوزتي الموضوع واقف علي التنفيذ بس
ماينفعش تفكري كده . و بعدين محدش جبرك إنتي وافقتي بإرادتك
سلاف بضيق شديد :
-أنا عارفة كل ده
بس أنا خايفة
حليمة بنفاذ صبر :
-خايفة من إيه بس يابنتي ؟؟؟
نظرت لها "سلاف" و قالت بحزن :
-خايفة أعيش مقهورة و ماليش رأي
خايفة إتكسر و أبقي مغلوبة علي أمري . أبقي زي نماذج كتير سمعت عنها
مجرد ست علي الهامش دورها تكون زوجة و أم بس
أي رغبات تانية ليها ممكن تتقتل بسهولة و ماتقدرش تعترض
حليمة بحنان :
-يا سلاف مخاوفك دي كلها مجرد سراب إنتي متخيلاه
أدهم مستحيل يقهرك أو يظلمك
ده حافظ كتاب ربنا و متدين . متدين بجد يعني بيتقي ربنا و مش بيخالف آوامره . صدقيني أنا إللي مربياه
ماشوفتش حد في أخلاقه و لا في دينه
أبوه كمان ماكنش زيه . أدهم طيب أوي و حنين أوووي
صدقيني و الله و ما بكدب عليكي
زمت "سلاف" شفتاها و قالت بإستسلام :
-أنا خلاص إرتبط بيه و عارفة إني مش هينفع أتراجع
أتمتي يكون زي ما بتقولي يا نناه
أتمني تكون نظرتي لسا مش واضحة عنه
وضعت "حليمة" كفها علي كف "سلاف" و قالت بإبتسامة تطمئنها :
-هتشوفي بنفسك
أنا متأكدة إنكوا هتتفهموا مع بعض و إنتي هتحبيه زي ما هو بيحبك أوي !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في وسط نهار الجمعة ..
كان "أدهم" في غرفته ، يقرأ منذ الصباح ليشغل نفسه و تفكيره الذي يسير في إتجاه واحد
إتجاهها هي ... كان شوقه إليها عنيفا ، و لكنها لا تزال تقيم فترة الخصام بينهما ، لم يذوب الجفاء بعد و لا يعلم متي يرق قلبها !
-يا سلاف . إدخلي شوفي الأكل ونبي
عشر دقايق و إطفي عليه
-حاضر يا عمتو
تسمر "أدهم" بمكانه و هو يستمع إلي هذه المحادثة القصيرة ، و فورا رمي الكتاب من يده صوب سريره ، ثم إنطلق نحو باب الغرفة ..
أمسك بالمقبض و أداره مواربا الباب بحذر شديد ... حرك عينيه يمنة و يسرة عدة مرات ، و لما تأكد من خلو المكان خرج و مشي بخطوات خفيفة حتي المطبخ
إرتجف قلبه عندما رأها ، و إزداد التوق أكثر بكثير الآن ..
كانت "سلاف" تقف أمام الموقد ... كانت ممسكة بغطاء القِدر و تقلب قطعة المعكرونة اللزجة التي إلتصقت بالقعر
كان تركيزها منصبا علي هذا العمل ، فلم تدرك مجيئ "أدهم" و لا إقترابه إلا عندما شعرت بيده الكبيرة تحط علي ظهرها ..
شهقت "سلاف" من المفاجأة :
-إنت ؟ .. و صوبت إليه نظراتها المحتقنة ، و أكملت بغضب و هي تزيح يده بكوعها بحركة عصبية :
-عايز إيه ؟ ماتحطش إيدك عليا
ماتفكرش تلمسني أصلا سامع ؟
رفع "أدهم" كفاه مظهرا تفهمه لموقفها و قال بهدوء :
-إهدي يا سلاف . أنا جاي أتكلم معاكي بس
بقالي إسبوع مش عارف أشوفك
سلاف بعدائية :
-و أنا مش عايزة أشوفك
أدهم بحزن :
-كده يا سلاف ؟ ينفع يعني الكلام ده
أنا جاي أصالحك !
زفرت "سلاف" بضيق و قالت :
-الكلام ماينفعش هنا أساسا
إمشي دلوقتي يا أدهم أنا مش فاضية .. و إلتفتت إلي القِدر الموضوعة علي النار ثانيةً
أدهم و قد أشرق وجهه لعبارتها الموحية بأمل الصلح :
-طيب ما إنتي بتهربي مني
مش بشوفك يا سلاف
سلاف بصوتها الرقيق :
-قولتلك مش وقته
أنا مشغولة دلوقتي سيبني أركز علي الأكل عشان عمتو قالتلي عشر دقايق و إطفي عليه
لو شغلتني هيتحرق
أدهم و هو يمسك بيدها ليضعها علي جبينه :
-و الله أنا إللي بتحرق يا سوفا
حتي شوفي كده !
سلاف بتأفف :
-إففف بقي بقولك مش فاضية .. و سحبت يدها منه بقوة ، فإصطدمت بالقِدر الملتهب و أصابت كفها ..
-آاااااه ! .. صاحت "سلاف" و راحت تقفز في مكانها من شدة الألم ، و قالت بغضب شديد :
-إيه الغباء ده يا أدهم ؟
عجبك كده ؟ أهي إيدي إللي إتحرقت بسببك
أدهم بإرتباك :
-آ أنا آسف ماكنتش أقصد
سامحيني يا سلاف !
قذفته بنظرة حانقة و قالت :
-إطلع برا لو سمحت و ماتجيش هنا تاني ماتدخلش المطبخ أبدا
أدهم و هو يتلفت حوله بتوتر :
-بالله عليكي وطي صوتك لو حد سمعك يقولوا بعمل فيكي إيه !!
سلاف بضيق شديد :
-طيب إتفضل سيبني دلوقتي .. و تأوهت بألم من جديد
شعر بالآسي من أجلها ، فمد يده بحذر قائلا :
-طيب وريني إيدك الأول
هاشوفها بس و هخرج
عبست"سلاف" و لوت فمها بتبرم ..
أدهم برجاء :
-من فضلك يا سلاف عشان لو الحرق جامد أعالجهولك !
زمت شفتاها بنفاذ صبر و أعطته يدها علي مضض ... ليحتويها "أدهم" بين يديه برقة و حرص شديدين ، و كأنها شئ قابل للكسر يجب أن يتعامل معها بعناية بالغة
مرر أصابعه علي كفها بخفة سحرية ، لتهتز أنفاسها و تشعر بالخجل تحت وطأة لمساته البطيئة .. بينما نظر لها و قال بإبتسامة :
-لأ الحمدلله
الإصابة حميدة . شوية ماية باردة بس و هتبقي تمام .. ثم حني رأسه مقبلا باطن كفها بعمق ، و غمغم :
-أنا آسف !
و جاءت "أمينة" في هذه اللحظة تماما ..
-في إيه ؟ إيه إللي بيحصل هنا بالظبط ؟؟؟
إنتفض "أدهم" تاركا يد "سلاف" بسرعة ، ثم نظر إلي أمه و قال مغالبا إرتباكه :
-آ مافيش حاجة يا ماما
دي سلاف لسعت إيدها بس
نظرت "أمينة" لإبنة أخيها و صاحت بهلع :
-إنتي كويسة يا حبيبتي ؟ إيدك إتحرقت جامد ؟؟!! .. و مشت صوبها بسرعة
طمئنها أدهم :
-ماتقلقيش يا ماما دي حاجة بسيطة و مش هتعلم كمان .. ثم أطرق رأسه و قال :
-عن إذنكوا ! .. و فر إلي غرفته مسرعا
بينما ظلت "أمينة" مع "سلاف" .. تفحصت يدها و إطمأنت بنفسها ، ثم راحت تساعدها في تحضير أطباق الغداء ...
.........
و طوال اليوم كان "أدهم" يتحين الفرصة لينفرد بـ"سلاف" من جديد ..
و لكن وجود أمه و أخته أحبط كل الفرص ... و هكذا حتي جاء الليل ، حان موعد النوم و "أدهم" لا يزال يدور بغرفته علي غير هدي
و شئيا فشئ خفتت الأصوات و خبت تماما ... أخيرا عم السكون الأجواء ..
تسلل "أدهم" بهدوء شديد إلي غرفة "سلاف" .. دق بابها بخفة ، لتفتح بعد لحظات ..
-أدهم ! .. غمغمت "سلاف" بضيق ، و تابعت :
-عايز إيه تاني ؟!
أدهم بخفوت :
-دخليني بس الأول قبل ما حد يشوفنا .. و دفعها برفق إلي الداخل ثم أغلق الباب ورائه
تراجعت "سلاف" محدقة فيه و قالت بحدة :
-إنت كده هتعملنا مشاكل
ماينفعش إللي بتعمله ده
أدهم بإنفعال :
-يعني أعمل إيه ؟؟؟
مش عارف أتكلم معاكي و إنتي بتقصدي تتجاهليني
مش طريقة دي أنا زهقت
-سـلاف ! .. هتفت "أمينة" من الخارج و خطواتها تقترب من الغرفة
سلاف بذعر :
-يا خبر
عمتو جاية . أعمل إيه أوديك فين ؟؟؟
أدهم بتوجس :
-مش عارف !
تلفتت "سلاف" حولها ثم نظرت له و قالت :
-تعالي . روح بسرعة إستخبي ورا الستارة دي
إنطلق "أدهم" ليختبئ حيث أرشدته ، و ذهبت هي لتفتح الباب
كانت عمتها تقف علي أعتاب الغرفة الآن ..
سلاف بإبتسامة متوترة :
-عمتو !
خير في حاجة ؟؟؟
أمينة : لأ يا حبيبتي سلامتك مافيش حاجة
أنا جيت أسألك بس عندك حاجة للغسيل ؟
سلاف : لأ يا عمتو ماعنديش
أمينة : طيب يا قلبي
تصبحي علي خير .. و مشت
سلاف و هي تزفر بإرتياح :
-و إنتي من أهله !
أغلقت الباب و إستدارت إليه ، فرأته ينظر نحوها مبتسما ..
-أهم حاجة إنك ماكدبتيش . بس أدائك كان هايل يا سلاف
إبتسمت "سلاف" رغما عنها و مضت صوبه قائلة :
-إنت إللي بقيت مجنون
أنا لما عرفتك ماكنتش كده !
أدهم هامسا و هو يمسك بيديها :
-إنتي إللي جننتيني . إنتي يا سلاف العادة السيئة الوحيدة إللي في حياتي .. و شد ذراعيها حول ظهره و إحتضنها إلي صدره بقوة
ظلت "سلاف" هادئة قدر إستطاعتها ... لكنها أخذت تستنشق رائحته الطيبة مغمضة العينين ، ثم غمغمت في صدره :
-إنت لغز
و أنا مش قادرة أفهمك !
أبعدها "أدهم" قليلا لينظر إلي عينيها ، و قال بعد صمت :
-ده إنتي إللي خطر عليا
إنتي إللي هاتوديني النار
سلاف و هي تضحك برقة :
-ليه بتقول كده بس ؟
ما أنا مراتك إنت نسيت ؟!
أدهم بإبتسامة :
-صح . إنتي صح .. و أكمل بجدية :
-لسا زعلانة مني ؟
أنا و الله ماكنتش أقصد أزعلك . بس أنا كنت قلقان عليكي و إنفعلت غصب عني
سلاف بتسامح :
-و أنا كمان ماكنتش أقصد أضايقك . بس إنت أحرجتني و كمان زعقت فيا جامد
أدهم : إممم يعني إحنا الإتنين غلطنا و إعترفنا ؟
طيب الحمدلله . أنا سامحتك سامحيني بقي إنتي كمان عشان الثواب يكمل و النفوس تصفي كفاية خصام لحد كده
سلاف ضاحكة : خلاص سامحتك
أدهم و قد عاد لجديته المعهودة :
-أنا مش حابب سوء التفاهم ده يتكرر تاني يا سلاف
مش عايز الخلافات تبقي سهلة بينا
من ناحيتي أوعدك من هنا و رايح هتحكم في إنفعالاتي
و إنتي كمان لازم توعديني إنك تسمعي كلامي لأني عمري ما هوجهك لحاجة تضرك . و كمان لازم تشركيني في حياتك أنا بقيت جوزك يعني مافيش بينا تحفظات و لا أسرار . لازم نعرف عن بعض الصغيرة قبل الكبيرة
سلاف بنظرة شك :
-يعني إنت عندك إستعداد تقولي أسرارك لو سألتك علي أي حاجة هتجاوبني كده عادي ؟؟؟
أدهم بثقة كبيرة :
-طبعا هقولك . إحنا بقينا واحد يا سلاف مش إتنين
و إن شاء الله إحنا مع بعض لأخر العمر
كل حاجة بينا هتكون مشتركة
سلاف بإبتسامة راضية :
-أوك
إذا كانت دي رغبتك الحقيقية أنا مستعدة أنفذها معاك يا أدهم . أوعدك عمري ما هخبي عنك حاجة بعد كده و أي حاجة هتحصلي هاجي و أقولك عليها
أدخل "أدهم" أصابعه في شعرها و قال بإبتسامته المدوخة :
-الله ينور عليكي
ماتتصوريش ريحتيني إزاي بالكلمتين دول !
لم يكن أمامها وقت لتستوعب ما حدث بعد ذلك ... لكنها شعرت بأن الأمر دام طويلا ، و لم تسمع خلال تلك اللحظات إلا صوت نبضات قلبها المتسارعة و الإيقاع المتكسر لإنفاسها و إنفاسه عندما راح يقبلها للمرة الثانية
و لكن بنهم أكبر الآن ..
و أخيرا إزاحت رأسها بعيدا عنه ، فإنتقلت شفتاه إلي خدها و أصبح بإبمكانها أن تتنفس جيدا ..
-إنت لازم تمشي دلوقتي ! .. قالتها "سلاف" و اللهاث الخفيف يتسرب من بين شفاهها
أدهم و هو يلثم وجنتها سريعا :
-عندك حق
لازم أمشي دلوقتي حالا .. و إبتعد عنها بجهد مكملا :
-تصبحي علي خير يا سلاف !
سلاف و قد شعرت بالحمرة تغمر وجهها :
-و إنت من أهله
و ظلت عيناها معلقتان بعينيه حتي خرج ... فرفعت يديها و بدأت في تهوية وجهها لتبرده قليلا ..
بينما توجه "أدهم" إلي المطبخ ليحضر الماء البارد ، فالنيران أضرمت في صدره هو الأخر و لعل المياه تطفئها
و لسوء الحظ إصطدم بأخته و هو يمر بالرواق ..
أدهم ! .. صاحت "عائشة" بإستغراب ، و تابعت :
-صاحي ليه لحد دلوقتي ؟ في حاجة ؟؟؟
أدهم متظاهرا بالثبات :
-لأ مافيش حاجة إنتي إللي صاحية ليه لحد دلوقتي ؟
عائشة : ماما نامت و سابتلي شوية حاجات أوضبها قبل ما أنام أنا كمان .. ثم سألته بنظرة ذات مغزي :
-أومال إنت كنت فين يا دومي ؟؟؟
أدهم بشئ من التوتر :
-كنت بجيب ماية يا عائشة
الماية إللي عندي خلصت .. و رفع قنينة المياه لتراها
أومأت "عائشة" رأسها و قالت بإبتسامة خبيثة :
-طيب يا حبيبي بس متنساش تبقي تمسح الروچ ده كويس بعد كده
مايصحش حد يشوف المنظر ده يا دكتور !
و هنا بُهت "أدهم" و أنكس رأسه فورا و هو يتمني لو تنشق الأرض و تبتلعه ..
كتمت "عائشة" ضحكتها و مضت من أمامه و هي تقول :
-تصبح علي خير يا دومي
تمتم "أدهم" لنفسه شاعرا بالخجل الشديد :
-إيه الحظ ده بس يا ربي !
يعني ماما الصبح و عائشة بالليل ؟؟؟
أستغفر الله العظيم .. و ذهب إلي غرفته ...... !!!
العشرين من هنا
رواية وكفي بها فتنة الفصل العشرون 20 - بقلم مريم غريب
وكفي بها فتنة ›
الفصل ( 20 )
~¤ هلاك ! ¤~
صباح يوم جديد ... و كالعادة حالة النشاط تلف منزل آل"عمران"
كان يوم عطلة "أدهم" فقضي الشطر الأول من النهار يعمل في غرفته ، ثم خرج بعد أداء فريضة الظهر ليري "سلاف"
كانت تجلس في الصالة مع "أمينة" و "عائشة" عندما ظهر "أدهم" أمامها ..
-إيه يا أدهم عايز حاجة يا حبيبي ؟ .. قالتها "أمينة" بتساؤل و هي تتطلع إلي إبنها
أدهم بصوته الهادئ :
-شكرا يا أمي
أنا جاي أخد سلاف بس
أمينة : تاخدها فين يابني ؟؟؟
أدهم : عاوز أكلمها في موضوع
هاخدها و ننزل نقعد شوية في الجنينة
أمينة بدهشة :
-الله !
هو مش إنتوا متخاصمين بردو و لا أنا غلطانة ؟!
-لأ يا ماما ما هما إتصالحوا خلاص .. قالتها "عائشة" بمكر و أكملت و هي تنظر إلي أخيها :
-دومي صالح سوفا إمبارح
مش كده يا دومي ؟ .. و غمزته
أدهم بحدة :
-و بعدين يا عائشة ؟
خليكي في حالك من فضلك
عائشة و هي تضحك :
-يا عم ما أنا في حالي أهوو
شوفتني فتحت بؤي !
رمقها "أدهم" بنظرة تحذيرية ، ثم نظر إلي "سلاف" و قال :
-يلا يا سلاف
روحي إلبسي حجابك و تعالي . أنا مستنيكي هنا
أطاعته "سلاف" بدون تردد ، ثم عادت إليه بسرعة و هي ترتدي حچابها الذي من المفترض أن يقلل من جاذبيتها
إلا أنه أزادها فتنة بتحديد تفاصيل وجهها الكامل الملائكي ... لكن رغم ذلك رأت "سلاف" نظرات الرضا في عيني "أدهم" الباسمتين ..
نزلت معه إلي الأسفل ، ليأخذها إلي رقعة بعيدة عن الأنظار تحف بها زهور الياسمين الناضجة
جلسا متقابلين إلي طاولة بيضاوية الشكل ، لتبدأ "سلاف" الكلام :
-خير يا تري ؟
مش ملاحظ إن مواضيعنا بقت كتير أوي
عايز تقول إيه تاني يا أدهم ؟ إحنا مش متفقين علي كل حاجة ؟!
أدهم بإبتسامة :
-طيب إهدي شوية بس
أنا بحب أقعد و أتكلم معاكي
دي حاجة بضايقك ؟
سلاف و هي ترد له الإبتسامة :
-لأ مش بضايقني
إتكلم يا أدهم
أدهم صامت و ينظر لها قليلا ... ثم قال بجدية :
-إنتي بتصلي يا سلاف ؟
سلاف و قد تلاشت إبتسامتها :
-آ طبعا . أحيانا يعني ! .. كان الإرتباك يغلف صوتها
أدهم بعتاب :
-يعني إيه أحيانا يا سلاف ؟
ده إنتي مسلمة يعني أكيد عارفة إن الصلاة أحد أركان الإسلام إللي لو سألتي طفل صغير هيعدهملك علي صوابعه
و بعدين إنتي أتحجبتي يعني المفروض ربنا هداكي
ليه متهاونة كده ؟؟؟
سلاف بضيق :
-يا أدهم إنت جايبني هنا عشان تكلمني عن الصلاة
أدهم : طبعا . الصلاة فريضة يا سلاف و منغيرها المسلم مايبقاش مسلم و ربنا بيعاقب إللي تاركها في الدنيا و الآخرة .. ثم قال بحنان :
-و أنا بحبك . و مش عايز أي ضرر أو أذي يمسك
بالعكس عايزك دايما في أحسن حال . و عايزك معايا علطول عايز إمشي معاكي المشوار و إيدي في إيدك مانتفرقش أبدا
لا في الحياة و لا في إللي بعدها . يعني ماتفتكريش إن بكلامي ده أنا كده عايز أسيطر عليكي أو أتحكم فيكي زي ما بتقولي
لأ و الله . غرضي بجد إني أحافظ عليكي و أساعدك تكوني أفضل دايما
نظرت له "سلاف" و إبتسمت قائلة :
-ماشي يا أدهم
قول كل إللي إنت عايزه أنا سمعاك
أدهم : مش مسألة أقول إللي أنا عايزه
ما أنا هقولك كل حاجة طبعا أهم حاجة تقتنعي عشان تنفذي بنفس راضية و ربنا يتقبل منك
كررت "سلاف" بإبتسامة هادئة :
-قول يا أدهم . أنا سمعاك
تنهد "أدهم" و هو يرمقها بحب ، ثم تحفذ في جلسته متخذا وضعيته الجادة و بدأ معها من حيث توقفا ..
راح يشرح لها كافة الأساسيات و الواجبات و المبغضات ، زودها بكمية معلومات هائلة و مفيدة في آن ... لمدة ساعة كاملة و هو يحاورها و يجاوب علي أسئلتها
إلي أن طرحت سؤالا و قد غمرها الإهتمام بعد ما سمعته منه :
-يعني التاتو حرام ؟
ده أنا كنت عايزة أعمله في حواجبي يوم الفرح
أدهم بصوت جازم :
-حرآام يا سلاف
الحديث واضح . الواشمة و المستوشمة يعني إللي بتوشم و إللي بتعملها الوشم ملعونين . و عارفة يعني إيه لعنة يا سلاف ؟ يعني طرد من رحــــــــــــمـة ربنا
تخيلي إنسان مطرود من رحمة ربنا سبحانه و تعالي إللي هو من صفاته الرحمة أصلا . هيكون مصيره إيه غير النار ؟
عمتي راجية لما جت تعمله أنا نصحتها و قولتلها الكلام ده بس للأسف ماسمعتش مني
سلاف بإحباط :
-يعني مش هينفع !
إبتسم "أدهم" و أجابها بصبر :
-بصي يا حبيبتي . هقولك حاجة
ربنا مش بيحلل و لا بيحرم حاجة إلا لو كانت فيها نفع أو ضرر للإنسان . يعني الوشم أو التاتو زي ما قولتي من الناحية الطبية له آثار جانبية في المستقبل
بيعمل تشوهات في الجلد و تشققات
و بعدين إنتي ما شاء الله جميلة و ربنا كرمك بخلقة بهية جدا . إحمدي ربنا يا سلاف و ماتبقيش طماعة
ضحكت "سلاف" و قالت :
-أوك مش هطمع يا أدهم
أنا بس كنت عايزة أبقي حلوة يوم فرحنا و مختلفة
أدهم : إنتي حلوة يا حبيبتي بدون شك طبعا
و كل مخلوقات ربنا حلوة . كل بنت ربنا رزقها بقدر خاص من الجمال و عايز أقولك نقطة ممكن تكون غايبة عنك
كل الإبتكارات الخلقية و عمليات التجميل إللي بتحصل في العصر ده تحدي لإرادة ربنا مش بس حرام لإنها بتهدر المال
و بعدين في حلول وسط تخلينا مانغضبش ربنا لإن ربنا عارف إن البنت مفطورة علي حب الزينة و التبرج و ما شابه يعني
سلاف : بس علي حسب كلامك إنتوا كل حاجة مباحة ليكوا علي عكسنا !
أدهم : بالعكس . إحنا زيكوا و يمكن أكتر
يعني ربنا محرم علي الراجل لبس الدهب و الحرير لكن محلله ليكم إنتوا و باقي الحاجات التانية إللي بتتحرم عليكوا بتتحرم علينا . يعني مثلا مش هنبص نلاقي راجل جاي شايل حواحبه و عامل تاتو . مش هنلاقيه ماشي لابس ضيق و لا حاطط مكياچ و مش معني إن ربنا وجه التحريمات دي للنساء إنها مباحة للرجالة لأ . " النساء شقائق الرجال " يا سلاف مافيش فرق غير في أمور معينة و بردو كلها وراها حكمة و غرض . و إحنا في الأخر و بعيدا عن التفهات الإنسانية إللي إخترعناها دي لازم نتعلم إن الدنيا مجرد فترة قصيرة جدا جدا و إمتحان صعب أووي طول ما في قابلية للكره و الحقد و الفتن
سلاف : قصدك إننا هنبقي ملايكة يعني في الجنة ؟
أدهم بإبتسامة :
-هيبقي فينا من صفاتهم مع بعض من رغباتنا البشرية
زي الشعور بالسعادة و المتعة و الحب
جلسا صامتين يحدق كلا منهما في عيني الأخر محاولا النفاذ إلي أفكاره ...
كسرت "سلاف" الصمت :
-عارف ؟
أكتر مرة إستمتعت بالكلام معاك إنهاردة . عرفت حاجات كتير أوووي
أدهم بدهشة مصطنعة :
-يعني إقتنعتي ؟؟؟
سلاف و هي تضحك :
-أيوه
أدهم ناظرا إلي السماء :
-الـــحمدلله . أحمدك يآااا رب أخــــــيرا .. ثم نظر لها و قال بمرح :
-أستاهل إيه أنا بقي بعد المحاضرة دي ؟
سلاف بإستغراب :
-عايز إيه ؟!
أدهم : أظن أنا تعبت في الشرح و ماتفتكريش إنه شرح مجاني عشان مراتي يعني لأ يا حبيبتي
سلاف بإبتسامتها الرقيقة :
-يعني عايز إيـــه ؟؟؟
تلفت "أدهم" حوله ، ثم مال صوبها عبر الطاولة و تمتم :
-هاتي بوسة
سلاف شاهقة بصدمة :
-إيه إللي بتقوله ده ؟؟؟
شوف إنت كنت بتكلمني في إيه من شوية و دلوقتي بتقولي إيه !
حرام عليك
أدهم بإبتسامة خبيثة :
-حرام ليه بس يا حبيبتي ؟
مش حرام خالص إنتي مراتي . يلا بقي كان زمنا خلصنا .. و مال صوبها أكثر
سلاف و هي تلتصق بظهر الكرسي :
-أدهم عيب كده إحنا تقريبا في الشارع
بطل !
أدهم بتفكير :
-ممم فعلا عندك حق . طيب تعالي في بير السلم محدش هايشوفنا
جحظت عيناها بصدمة أكبر و قالت :
-لأ أنت ملبوس و الله
مش طبيعي . مش طبيعي .. و قامت فجأة لتفر منه بسرعة
هتف "أدهم" و هو يركض خلفها :
-سلاف . إستني بس
هقولك . إستنـ آ ..
إصطدم برؤية "حسن" البواب ، ليتجمد بمكانه محاولا إستعادة هيئته الصارمة ..
إستغرق الأمر لحظات حتي عادت إليه شخصيته الجدية ... مشي من أمام البواب و هو يقول بصوته العميق :
-السلام عليكم
إزيك يا عم حسن ؟
حسن بإبتسامة ودية :
-و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته
أنا الحمدلله بخير يا دكتور أدهم
أدهم : مش عايز حاجة ؟
حسن : تشكر يا بيه ربنا يخليك لينا
رد "أدهم" بإيماءة مقتضبة ، ثم سار في أعقاب "سلاف" و هو يغمغم مغتاظا :
-ماشي يا سلاف
يا مضيعة الهيبة . مآااشي !
................
الساعة الرابعة فجرا ...
تستيقظ "سلاف" قلقة علي صوت حركة في الرواق .. تنظر في ساعة هاتفهها و تبتسم
بالتأكيد هو ، فمن سواه يفيق في تلك الساعة المبكرة كل يوم ..
تقوم "سلاف" من فراشها بتكاسل و تتجه إلي الخارج ، تفتح باب غرفتها و تمشي نحو غرفة "أدهم"
لتجده منحنيا لينتعل حذاؤه بعد أن إرتدي ثيابا كاملة .. نظرت له بإستغراب و صاحت :
-أدهم ! .. كان صوتها متحشرجا من النوم
رفع "أدهم" وجهه و قابل نظراتها ..
أدهم بقلق :
-في حاجة يا سلاف ؟ إيه إللي صحاكي ؟؟؟
سلاف بإبتسامة :
-مش أنا وعدتك إني هصلي ؟
الفجر قرب يأذن
رد لها "أدهم" الإبتسامة و قال :
-بارك الله فيكي يا حبيبتي
أنا كمان هنزل أصلي في المسجد إنهاردة
سلاف : إشمعنا إنهاردة ؟
ما إنت كل يوم بتصلي هنا !
أدهم : أنا هنزل الشغل إنهاردة متأخر شوية علي الساعة 10 كده . أنا متعود في الأيام إللي زي دي بدل ما أصلي في البيت أنزل أصلي في المسجد
سلاف و قد لمعت عيناها بإثارة مفاجئة :
-طيب خدني معاك !
أدهم بإستنكار :
-أخدك معايا فين ؟
هو أنا رايح أتفسح يا سلاف ؟!
سلاف برجاء :
-عشان خاطري يا أدهم عشان خاطري
نفسي أصلي الفجر في الجامع بلييييز
أدهم بصرامة :
-قلت لأ مش هينفع
سلاف و هي تقترب منه :
-لــيه ؟
هو مش في مكان للسيدات ؟؟؟
أدهم و هو يحاذر لمسها :
-أيوه في بس مش هينفع بردو
سلاف بغيظ :
-لـــــــــــيه ؟ ليه مش هينفع ؟؟؟
أدهم : الوقت بدري أوي يا سلاف
مش أمان عشان أمشيكي معايا في الشارع
سلاف : الجامع مش بعيد و بعدين أكيد الشوارع هتبقي مليانة ناس كلهم رايحين يصلوا يعني الأمان موجود .. و قبل أن يعترض من جديد
مدت يديها و طوقت عنقه قائلة بدلال :
-عشان خاطري بقي . عشان خاطري يا دومي خدني معاك !
أدهم بتوتر و هو يبعد يديها عنه :
-حسبي كده بس الله يكرمك أنا متوضي
سلاف و هي تزود جرعة الدلال أكثر :
-طيب بليييز وافق
ده أول طلب أطلبه منك . عشان خاطري بقي بلييييييز !
-خلآااص ! .. قاطعها "أدهم" و هو يصم أذنيه عن صوتها المغر
نظرت له بترقب ، ليقول علي مضض :
-إتفضلي روحي إلبسي هدومك بسرعة
بسرعـــة عشان ألحق الإقامة
سلاف و هي تقفز و تصفق بمرح :
-هـييييييه . حبيبي يا دومي ربنا يخليك ليا
ثواني و رجعالك .. و إنطلقت إلي غرفتها
أدهم و هو يحدق في إثرها الفارغ بمعاناة :
-لا حول و لا قوة إلا بالله
سامحني يا رب المفروض إن " وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ " و دي الهلاك بعينه
اللهم لا أسألك رد القضاء و لكني أسألك اللطف فـيَّ ..... !!!!