تحميل رواية اعلنت الحرب على قلبي بقلم اسماعيل موسى pdf
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
دا دكتور المادة الجديد؟ اسكتي، بيقولوا عليه صعب جداً، رغم إنه مش باين عليه. دا صغير أوي يا ندى، شوفي شكله عسول إزاي؟ الهدوء بعد إذنكم. وضع دكتور جاسم حقيبته على طاولة المكتب وبص للمدرج المتكدس بالطلاب. أعرفكم بنفسي، أنا دكتور جاسم، اللي هكون مدرس المادة بتاعتكم. مش بحب حد يقاطعني وأنا بشرح. من فضلكم ممنوع استعمال التليفون، وممنوع تتكلموا مع اللي جنبك. دلوقتي ممكن نبدأ؟ ولا فيه حد عنده اعتراض؟ عندك كام سنة يا دكتور؟ انت درست في جامعة إيه؟ ارتفعت همسات بعض الطلاب. رفع جاسم إيده. انتوا عرفتوا قدر ك...
رواية اعلنت الحرب على قلبي الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسى
دا دكتور المادة الجديد؟
اسكتي، بيقولوا عليه صعب جداً، رغم إنه مش باين عليه. دا صغير أوي يا ندى، شوفي شكله عسول إزاي؟
الهدوء بعد إذنكم.
وضع دكتور جاسم حقيبته على طاولة المكتب وبص للمدرج المتكدس بالطلاب.
أعرفكم بنفسي، أنا دكتور جاسم، اللي هكون مدرس المادة بتاعتكم. مش بحب حد يقاطعني وأنا بشرح. من فضلكم ممنوع استعمال التليفون، وممنوع تتكلموا مع اللي جنبك. دلوقتي ممكن نبدأ؟ ولا فيه حد عنده اعتراض؟
عندك كام سنة يا دكتور؟
انت درست في جامعة إيه؟
ارتفعت همسات بعض الطلاب. رفع جاسم إيده.
انتوا عرفتوا قدر كافي من المعلومات عني، ومش عايز أسمع صوت أي طالب تاني.
مسك دكتور جاسم القلم وبدأ يكتب على السبورة عنوان المحاضرة وبعض النقط المختصرة للمحاضرة.
مش قلت لك دا صعب أوي يا ندى؟
الآنسة اللي بتتكلم ورا، بعد إذنك مش عايز أسمع صوتك تاني.
إلى أن انتهت المحاضرة.
صرخ دكتور جاسم بصوت مسموع من غير ما يلف أو يشوف مين اللي بيتكلم، وواصل كتابة عناصر المحاضرة.
بعد نص ساعة من الشرح، همست نيرة.
أنا مش فاهمة أي حاجة يا ندى.
اقفي!
زعق دكتور جاسم من مكانه وشاور على ندى.
تُقصدي أنا يا دكتور؟
أيوة أنتِ، أمال خالتي؟ بتتكلمي ليه من غير إذن؟
رفعت ندى إيدها.
بس أنا متكلمتش والله يا دكتور.
اخترق دكتور جاسم الصفوف تجاه ندى. كانت فتاة بجسد شبه نحيل، لكن نقابها يخفي ملامحها.
دي المرة التالتة اللي تتكلمي فيها من غير إذن. لو سمحتي اطلعي بره، انتِ مطرودة من المحاضرة، ولو الأمر تكرر مرة تانية رجلك مش هتدخل المدرج ده مرة تانية.
فكرت ندى أن تدافع عن نفسها، لكنها أدركت أن دفاعها عن نفسها سيضر نيرة، صديقتها الوحيدة في الجامعة.
جمعت مذكراتها ودفاترها، حشرتهم في حقيبة ظهرها وغادرت المدرج.
بعد المحاضرة.
أنا آسفة يا ندى، كل اللي حصل ده بسببى.
كان ممكن تقولي إني أنا السبب، ليه تتحملي عقاب مالكيش ذنب فيه؟
هو انتِ معتقده إني ممكن أخسرك عشان مادة؟ تبقي عبيطة.
أنا عارفة إنك لا يمكن تقاومي فضولك ولا تبطلي كلام.
يلا خلينا نلحق الباص عشان نعرف نروح.
وصلت البيت الكبير بعد المغرب، ولاحظت إن فيه استعدادات غير معهودة.
سلمت على جدها وباست إيده.
جدو، أهلاً دكتورتنا النجيبة.
أهلاً يا جدو، دكتورة إيه بس، دا أنا يدوبك هعرف أنجح!
لكن قولي يا جدو، هو إحنا هنستقبل المحافظ ولا إيه؟
إيه كمية الأكل دي والنضافة والتحضيرات؟
لا محافظ ولا مدير أمن، إحنا فعلاً هنستقبل شخص مهم.
مين يا جدو؟
لا خليها مفاجأة، اتفضلي غيري هدومك عشان تستقبلي معانا الضيوف.
بعد ساعة، من شرفة غرفتها، شافت ندى عربية فخمة وقفت قدام باب الدار ونزلت منها مرات عمها اللي عايشة بعيد عنهم.
آه، تأففت ندى. مش بتحب مرات عمها أبداً، ست متكبرة وطول عمرها بتكره جدها وبتكره العيلة كلها. فكرت ندى متى كانت آخر مرة شافت فيها مرات عمها؟ من زمن طويل جداً، من لحظة دفن عمها في مقابر العيلة.
خلصت ندى لبس ونزلت السلم مضطرة تنفذ تعليمات جدها.
صحن الدار كان زحمة وأصوات كتير. في وسط السلم، شافتُه. دكتور جاسم كان قاعد جنب مرات عمها.
رواية اعلنت الحرب على قلبي الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسى
بعد لحظة، سحبت ندا نفسًا عميقًا. لقد تمنت عبثًا أن يكون ما تراه عيناها مجرد شبيه، لكن بعض الأمنيات لا تتحقق أبدًا.
كان هو، يجلس بخيلاء طاوس يتحدث كأن العالم كله يدور حوله. لم تستغرق ندا سوى لحظة تفكير لتعود لغرفتها مرة أخرى. وقفت أمام المرآة. سيتعرف عليها! تعتبر ندا أن هذه لعنة، وفوق كل ذلك ستضطر للكلام معه، وهذا ما لا تحتمله أمعاؤها الغليظة.
ارتفع صوت جدها، إنه يسمعه يصرخ باسمه. لم تكن لديها وقت يسعفها للهرب، اختارت المجازفة.
لطالما تعودت ندا التلاعب بحظوظها. نزعت النقاب، تأملت وجهها. "سأجلس مع بنات عمي، سأختفي مثل ناموسة مزعجة."
نزلت ندا درجات السلم تتسحب كهره تنتوي صيد جرز ماكر.
وعندما وصلت صحن الدار الكبير، عرجت فورًا نحو غرفة الحريم تحمل صينية مزينة عليها أكواب فارغة. لم يلحظها أحد. لا جديد في الأمر، فقد قضت معظم حياتها غير مرئية، غارقة في مشكلاتها بمفردها دون مساعدة أي شخص.
الآن، جلست ندا بين قريباتها وشعرت بالراحة. أخفت نفسها بحرص وألقت نظرة على صحن الدار. كانت زوجة عمها تتشدق بإنجازاتها في المصنع الذي تركه المرحوم عمها. تتغنى بابنها جاسم الذي درس في الخارج في جامعة أكسفورد، جامعة عريقة لا يدخلها سوى النجباء.
"ابني أصغر دكتور في الجامعة."
منعت ندا نفسها من التجسس على حديث زوجة عمها الممل. كان الجد يستمع بفارغ صبر. تعرف أن جدها يكره شاهنده لأنها سرقت ولده منه، سحبته للقاهرة وجعلته يقاطع أهله. لكنه مضطر لاستقبالها بعد طول غياب من أجل حفيده الدكتور، والذي بدأ هو الآخر يعد الدقائق للرحيل.
أخيرًا، أضطر جدها لإنهاء المهزلة.
"يا بنات، تعالوا سلموا على ابن عمكم ومرأة عمكم."
أدركت ندا الورطة. لا يمكنها أن تمتنع، ثم إنها مجرد واحدة من البنات. خرج البنات في صف طويل، انحشرت ندا في المنتصف. سلمت مثل البقية. بعد أن انتهوا، رجعوا على غرفتهم.
كانت ندا تبتسم بانتصار. لم يتعرف عليها. ثم إنه أمر غير مهم، ربما بالغت في حذرها.
لكن صوت جدها أعاد إليها الرعب.
"فين ندا؟ أنا ليه مش شايفها؟"
"ندا جدك بينادي عليكِ؟"
"سامعة،" همست ندا بقلق. "حد يقوله إني سلمت عليهم."
"وليه متقوليش انتي؟"
"أنا هنا يا جدي، تأمر بحاجة؟"
"تعالي يا بنتي سلمي على ابن عمك!"
"سلمت يا جدي، لكن انت مخدتش بالك،" همست ندا دون أن تغادر غرفتها.
"خلاص مش مهم،" قالت شاهنده بقرف. "مش هتفرق يعني."
بعدها قال جاسم: "أنا سلمت عليهم كلهم يا جدي. ملوش لزوم نتأخر. يلا بينا يا أمي خلينا نلحق الطريق قبل الضلمة."
حست ندا بارتياح، لكن بعد ما فكرت شعرت بغضب غير مفهوم. "يعني إيه مش مهم؟ هي مراة عمي مش معتبرانا بشر ولا إيه؟ ولا إحنا منشرفش؟"
"وإنتي مضايقة ليه يا ندا؟ إنتي مكنتيش عايزة تخرجي أصلا،" سألته بنت عمها.
"يمكن جدي عايز يختار له عروسة منا،" همست بسنت بضحكة مكتومة.
غادرت السيارة بسرعة. من شرفتها، تأكدت ندا أن دي سواقة شخص بيهرب، مش كان جاي لزيارة.
وهي قاعدة في المدرج، كانت ندا متوترة. حذرت ندا نيرة صديقتها أن تفتح فمها حتى من أجل التنفس. أمرتها أن تجعل نفسها في حالة سبات كلامي لحين انتهاء المحاضرة.
بدأ دكتور جاسم المحاضرة بمراجعة خفيفة. وعلى عكس توقع الطلبة، كان بيسأل ويطلب إجابات، وما كانش فيه حد عارف يجاوب.
كانت ندا تعرف بعض الإجابات، لكنها احتفظت بها لنفسها.
بدأ دكتور جاسم منزعجًا، وانطلق يختار عشوائيًا من الطلبة.
"إنت؟ إنتي؟ إنت ياللي هناك؟"
وضعت ندا يدها فوق صدرها. "يارب ميختارنيش، يارب ميختارنيش!"
ولأن إلى بتخاف منه هو دائمًا إلى بيحصل، جاسم شاور عليها. بس ندا ضربت نيرة في جنبها أجبرتها تقف. نيرة مكنتش عارفة الإجابة، اتلخبطت ووقفت مبلمة.
نزل جاسم من على البنش وقرب منهم. بص لندا. افتكر أنه طردها الحصة اللي فاتت، قال بقرف:
"وطبعًا إنتي مش عارفة حاجة؟"
كانت ندا تعرف الإجابة. أخذت نفسًا عميقًا.
رواية اعلنت الحرب على قلبي الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسى
تعرف ندا الإجابة، يمكنها أن تجيبه، لكنها وجدت في نفسها رغبة عميقة للبقاء مستلقية على العشب، سامحة للشمس أن تتسلّقها دون أن تتحرك. لن تتحدث مع هذا الوغد مطلقًا.
"طبعًا، زي ما توقعت، إنتي كمان مش عارفة الإجابة؟" رفع جاسم يده بانتصار. "طول عمري نظرتي في الناس بتطلع صح. من أيام ما كنت في جامعة أكسفورد العريقة، بمجرد نظرة واحدة بقدر أفرق بين الطالب النجيب والطالب الفاشل المتكاسل."
على عكس البقية، ترك دكتور جاسم ندا واقفة. بص على المجرد واختار فتاة جميلة أنيقة. "إنتي من فضلك جاوبي على السؤال."
وقفت البنت وجاوبت على السؤال.
"برافو!" صرخ جاسم. "امنحوا زميلتكم تصفيقًا حادًا. لازم الطالب المجتهد ينال الثناء، زي ما لازم الطالب الغبي ينال عقابه. وها هو قدامكم أهو،" وشاور على ندا. "دا مصير الطالب اللي مش بيذاكر."
منعت ندا دموعها تنزل. عليها أن تتحمل تبعات قرارها عندما اختارت الصمت. تعرف أن الصمت في بعض المواقف يعد انتصارًا. ورغم أن معظم المدرج يبص عليها بنظرة دونية، إلا أنها أحست بالقوة، أحست أنها حرة.
رجع دكتور جاسم على البنش وبدأ المحاضرة.
"ندا، من آخر الصف، لو سمحت ممكن أقعُد؟"
استدار جاسم بغضب. "لأ، إنتي هتفضلي واقفة لآخر المحاضرة. هتكوني مثال لأي طالب يحضر محاضرتي من غير ما يذاكر."
"اشمعنى أنا؟" صرخت ندا وهي حاسة بالظلم. "كان فيه طلبة كتير مقدرتش تجاوب وقعدوا."
رفع جاسم يده، وشاور أن تصمت. "إنتي هتقفي لأني عايز كده. واحدة غيرك انطردت المحاضرة الماضية. كان عليها أن تكون ممتنة لأني سمحت لها بالحضور. كان عليكي إنك تذاكري."
يكره جاسم تلك النوعية من الفتيات. سمع عنهم وقرأ في الكتب، فتيات متزمتات يخفين وجوههن تحت قماش مصطنع.
لكن ندا ما كانتش مستعدة للصمت. كانت وصلت مرحلة عدم التوقف.
"فيه طلبة كتير غيري فشلوا في الإجابة. مش شايف حضرتك إن عقابك ليا متعمد؟ أعتقد في الجامعة العريقة اللي حضرتك درست فيها لا يمكن أن يسمحوا بتلك الأعمال الانتقائية التي تقيد الحريات وتحجر على الآراء!"
ابتسم جاسم. كان يمكنه أن يناقشها، لكنه يعرف أنه لا فائدة من مناقشة فتاة متزمتة. "هو دا قراري يا آنسة ومش هغيره. لو مش عاجبك اتفضلي اخرجى بره."
جمعت ندا دفاترها، حملت حقيبة ظهرها وخرجت دون أن تلقي ولا نظرة على المدرج.
وللحظة فكر جاسم، هل رأيت تلك الفتاة من قبل؟ أنا سمعت الصوت دا قبل كده فين؟
بره المدرج كانت ندا الشاعرة بالظلم تغلي مثل القدر. إنسان حقير، وقح، ظالم، متكبر، ديكتاتوري. قعدت بره المدرج على درابزين الكلية.
راجعت بسرعة الأسئلة اللي جاسم طرحها خلال المحاضرة ولقيت نفسها تعرفها كلها. يمكن دي الحاجة الوحيدة اللي خلتها تشعر بالسعادة. يكفي أن يكون شخص واحد في العالم يعرف الحقيقة، حتى لو كنت أنت نفسك.
لما نيرة خرجت من المدرج، ندا أخذت المحاضرة منها عشان تنقلها في البيت.
نيرة: "هو الدكتور دا مستقصدك ليه يا ندا؟"
ندا: "وأنا أش عرفني، يمكن شكلي مش عاجبه."
نيرة: "الصراحة بعد ما خرجتي هو شن هجوم على البنات اللي زيك."
ندا: "اللي زي إزاي يعني؟"
نيرة: (بضحك) "اللي بيلبسوا زيك وعايشين زي حياتك. بيقول إنه بيشعر بالشفقة تجاهكم لأنكم ممسوحين العقل متبرمجين."
أبدت ندا عدم اهتمامها، لكن في داخلها كان بيعتمر قرار لا رجعة فيه: أن تكون أقوى طالبة في مادة دكتور جاسم.
تعمدت ندا عدم حضور المحاضرة اللي بعدها، ما كانتش مستعدة لمزيد من الإهانات. وكمان رفضت تحضر محاضرة آخر الأسبوع. نيرة قالت إن دكتور جاسم كان بيبص على الطلبة في المدرج كأنه بيبحث عنك، وقال المحاضرة القادمة امتحان شهري وأي طالب مش هيحضر هيسقط في امتحان الترم.
بعد أسبوع، وصل دكتور جاسم. وقف على البنش بص على المدرج.
"الكل حاضر؟"
رفع الطلبة كلهم إيديهم.
"النهاردة فيه اختبار شهري." وطلب من واحد من الطلبة يمرر ورقة الأسئلة على الطلبة. "الامتحان مدته نص ساعة، لكن أنا هديكم ساعة إلا ربع."
بعدها قعد على الكرسي ورفع إيده بغطرسة. "تقدروا تبدأوا."
بعد ساعة، كان ورق الإجابة قدام دكتور جاسم. جاسم وقف.
"أنا أعتقد إن فيه مجموعة من الطلبة هتكون إجاباتهم كويسة."
وشاور على عدد من الطلبة داخل القاعة. "المحاضرة القادمة هعلن النتائج."
بعد تلت أيام، كانت ندا قاعدة جنب نيرة، حريصة إنها ما تعملش أي حركة تخلي جاسم يتصيدها أو يطردها.
أخرج جاسم ورقة صغيرة، رفعها في قدام عينين الطلبة.
"دي أسماء الطلبة اللي حصلوا على أفضل العلامات."
ومسك الميكروفون. "الطالب..."
رواية اعلنت الحرب على قلبي الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسى
أعلن دكتور جاسم أسماء الطلبة الذين اجتازوا الامتحان دون خطأ واحد، والأخرين ذوي الدرجات المرتفعة.
ندا لم تكن واحدة منهم.
شعرت بطعم المرارة في حلقها كطفل جائع لحليب والدته.
إنها بعض الأوقات التي شعرت فيها ندا باليأس فعلاً.
حاولت أن تقنع نفسها أنه أمر غير مهم، لكن داخلها كانت تعتمر نار ضخمة، مثل مستودع أنابيب انفجر دفعة واحدة.
"كنت واحدة منهم، لقد تعمد عدم ذكر اسمي، لكن كيف لها أن تتأكد؟"
المشكلة أن بعض القرارات الخاطئة لا نعرف بها إلا متأخر بعد أن نكون تورطنا بالكامل.
جلست ندا المحاضرة كلها دون أن تنبس بكلمة، دون أن تتحرك.
نعم، كانت تراقب جاسم من بعيد.
أرادت شيئاً لنفسها، شيئاً يبرد ذلك الحريق داخلها، ربما نظرة أو ابتسامة ساخرة تثبت لها أنها على حق، وأن ذلك الوغد تعمد ذلك.
لكن جاسم بدا طبيعياً جداً وغير واضح أنه منخرط في مؤامرة تخصها، بل بدا غير مهتم على الإطلاق بوجودها من عدمه.
ربما هولت ندا الأمر، ربما أنها مجرد طالبة فاشلة وكل ما تشعر به وتفكر فيه لا قيمة له، ربما ضخمت من حجم آمالها حتى حلقت بعيداً عنها.
لكن الأمر بدأ من هنا، عندما بدأ جاسم يجيب عن الأسئلة الخاصة بالامتحان.
كانت معظم إجاباتها متطابقة، إلا إذا كانت فقدت الذاكرة في حادث سير.
شعرت ببعض الراحة حينها.
"لقد تفوقت على الجميع، حتى جاسم نفسه، شعرت أن حربها قد بدأت، وعندما تبدأ الحرب لا سبيل سوى الانتصار."
فكرت أن تطلب مراجعة ورقة الإجابة الخاصة بها أمام الجميع لتكشف زيف جاسم.
عوضاً عن ذلك، اكتفت بابتسامة وركنت إلى الصمت.
الطلبة الذين حظوا بدرجات مرتفعة، الدرجات النهائية سيتم مكافأتهم عن طريق جاسم شخصياً.
كانت لحظة مناسبة أن تحمد ندا الله أنها لم تكن واحدة منهم، أنها لن تضطر أن تسمع كلامه وتشاركه بعض الدقائق الثقيلة.
انتهت المحاضرة واستعدت ندا للخروج، وهي تفكر، "ألم يلاحظ التشابه في الأسماء؟ لم ينتابه أي شك أنني قريبة له مثلاً؟ وإذا حدث، ألم يكن ذلك كافياً بالنسبة له ليتخلى عن كبريائه؟"
إما أن تحدث الأشياء لسبب ما، وإما أن تحدث دون سبب على الإطلاق.
إما تكون حياة المرء خيط في سجادة رائعة، وإما تكون حياة الإنسانية عقدة متشابكة ميؤوس منها.
بشراهة التهمت ساقي ندا الطريق، حتى إن نيرة كانت تكافح للحاق بها.
"لم أكن أعرف أنك عدّاءة، توقفي عن الركض، لقد آلمتني قدماي."
لكن ندا لم تتوقف إلا خارج حرم الجامعة، كأنها كانت تهرب من ذنب أو مكان محرم.
في الأيام اللاحقة حاولت ندا أن تتناسى الأمر، حاولت أن تهرب من أفكارها، لكن الأفكار مثل الطفل المشاغب الذي يتلصق بوالدته في كل مكان داخل الشقة.
"المحاضرة النهاردة ملغية يا ندا."
همست نيرة بسعادة وهي تشير تجاه أتوبيس نقل متوقف أمام المدرج.
"قرر جاسم مكافأة الطلبة المميزين على طريقته، واصطحابهم إلى الحديقة الوطنية."
"أليس أمر جيد أن نتخلص من خلقته يوم أو أكثر؟"
كانت نيرة تتحدث مع ندا الشاردة.
كان هذا مكانها، كان من حقها أن تكون في طليعة الطلاب المميزين، لكن شخصاً ما قرر حرمانها من ذلك الحق.
همست ندا بصعوبة، "طبعاً أمر جيد، ده اليوم الوحيد اللي هكون فيه مطمئنة إنه لن يتم طردي من محاضرة."
"عارفة!؟"
كادت ندا أن تعترف لنيرة بالحقيقة لكنها توقفت في آخر لحظة.
"من لا يرغب بك، لا ترغب به، من يدير لك ظهره، امنحه تعظيم سلام، إننا لا نخسر في طريق كرامتنا إلا مجموعة من الحثالة الغير مأسوف عليهم."
في لحظة وجدته أمامها، لا تعرف ندا كيف حدث ذلك.
كان جاسم يحدق بها بنظرة لعينه كأنه لمح جرذ مجاري أو ضفدع حديقة.
انحرفت ندا بعيداً عنه.
كان جاسم يحصر عدد الطلبة ويطالبهم بركوب الباص.
كان هناك شيء في داخلها يطالبها بعدم الهرب، جزء اختار المواجهة، أن تقف بثبات ليعرف ذلك الأحمق أنها تعلم الحقيقة، تعرف كذبه وزيفه.
لكن هذا الجزء كان جباناً رغم ذلك.
"إيه يا آنسة؟ عايزة تطلعي معانا ولا إيه؟"
تفاجأت ندا بصوت جاسم واكتشفت أنها كانت واقفة بالفعل.
استدارت ندا، "متشكرة يا دكتور مش بحب آخد حاجة مش من حقي، إن شاء الله المرة الجاية أجاوب كويس وأكون واحدة منهم."
"لا المرة القادمة ولا غيرها."
كان جاسم يعرف ذلك، لن يسمح لتلك الفتاة مهما حدث أن تكون مميزة في مادته، لقد أصدر قراره ولا تراجع عنه.
"معتقدش."
همس جاسم بعد صمت.
"للأسف مستواكِ متدني جداً، أنتِ لازم تبذلي مجهود أكبر عشان تثيري انتباهي."
"وأثير انتباهك ليه يا دكتور؟ هي مجرد مادة دراسية ولا علاقة شخصية؟ أنا هبذل كل مجهودي عشان أنجح من أجل نفسي وليس من أجل أي شيء آخر."
أطلق سائق الباص البوق وصرخ، "يلا يا دكتور هنتأخر."
ركب جاسم الباص وقعد في مقعده.
لقد تحدته واحدة من طالباته، يعرف أنه سقط عندما حول الأمر لشأن شخصي.
يعرف أنه لم يظلمها، راجع ورقة إجابتها أكثر من مرة.
وهناك في أعماق روحه جزء منه كان يشعر بالهزيمة.
"اسمعوا، أنا مضطر زيكم إني أحضر خطوبة جاسم ابن عمكم. إنتوا عارفين إني مش بحب شاهندة ولا هي كمان، بس ده ابن عمكم الوحيد ولازم نأدي الواجب."
"أنا مش رايحة يا جدي، ورايا مذاكرة وحاجات كتير."
"يا بنتي إنتِ لازم تخرجي، مش هتفضلي طول عمرك حابسة نفسك في غرفتك وكتبك، إحنا مش هنتأخر، هنأدي الواجب ونرجع بسرعة."
أصرت ندا على قرارها وتابعت السيارة تبتعد عن البيت الكبير.
"وجودي من عدمه مش هيفرق، أنا بكرة شاهندة، وكمان معنديش رغبة أشوف جاسم ده أو خطيبته."
لكن الفضول مرض لا يمكن الفكاك منه.
فتحت ندا أكثر من كتاب ومذكرة ورغم ذلك كان عقلها هناك.
كانت موجودة بين المدعوين تتابع بدقة كل ما يحدث.
"هي حلوة ولا مش حلوة شكلها إيه؟ ويا ترى أجمل مني؟"
عندما عادت السيارة أدركت ندا أنها لم تقرأ ولا كلمة.
نزلت بسرعة تحت اختلطت ببنات أعمامها اللاتي كن يتكلمن عن الحفلة.
انتقلت بينهم بخفة علها تسمع تعليقاً أو تلميحاً عن شكل خطيبة جاسم.
منعتها كرامتها أن تسأل عن ذلك صراحة.
لكن الكل كان مبهوراً بالحفل، والناس التي حضرت، بجاسم وأناقته.
وأخيراً عندما فرغ صبرها، همست بسنت، "تصدقي إنك شبه العروسة؟ يعني لو قلعتي النقاب ولبستي فستان الفرح محدش يقدر يفرق ما بينكم؟"
رواية اعلنت الحرب على قلبي الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسى
في الماضي كان هناك حشرة تعيسة تعيش في مجرى الصرف الصحي. كانت حشرة متوهجة رغم عالمها المتوحش الذي لا يعرف الرحمة، كانت لديها حلم.
ما شأني أنا إن كانت تشبهني أو لا تشبهني؟ اعترضت ندا، وقصدت غرفتها الكائنة بالطابق العلوي المطلة على الحقول. ربما كان أمر غير مهم، لكنه بدأ يشغل عقلها. علينا أن نعرف أن كل الأمور التعيسة تبدأ بفكرة.
"انت شايف البنت اللي هناك دي؟"
"آه شايفها، مالها يا معلم؟"
"انطردت من المحاضرة مرتين!"
"ودا معناته إيه يا معلم؟"
"معناه إنها مشاغبة، معناه إن ممكن يجي منها، ومعناه إنها لا تبدو مثلما تبدو."
"بس دي لابسة واسع ومنقبة ومش بتقف مع أي حد؟"
"دا لأنها لسه ملقتش الشخص المناسب."
ابتسم صابر. "حلوتك يا معلم، يعني هنخرج معاها؟"
"قصدك هخرج معاها، أنا حطيتها في دماغي خلاص." ثم مسح نوح الشارع بعينيه. "بس هنتظر الوقت المناسب. أول ما تبعد البنت اللي معاها عنها هتكلم معاها وأشوف ميتها إيه."
"بس أنا عايز أشرب قهوة يا نوح، دماغي مش لاقيه."
"روح انت يا صابر، أنا هستنى هنا، مفيش حاجة بتيجي بالساهل، لازم الإنسان يتفانى في عمله عشان يكلل بالنجاح."
انحشر نوح بين الطلبة داخل المدرج. مكنتش محاضرته، لكنه كان عايز يكون في نفس المكان اللي موجودة فيه ندا. حط ندا بين عينيه وجعل يراقبها. معجبوش الدكتور اللي واقف على البنش، لكنه كان مضطر يستحمله لآخر المحاضرة. لو كان الأمر بأيده كان ساب المحاضرة من زمان.
كان جاسم يشرح الدرس، وكل شوية يوجه سؤال لشخص يعرفه من الطلبة، كان بيناديه بالاسم. كان واضح إن الدكتور جاسم له فريق بين الطلبة، مجموعة مقربة، وندا مكنتش بينهم.
لكن وسط الكلام ودون سابق إنذار، جاسم وقف ندا، شاور وقال: "انتي؟ جاوبي على السؤال ده."
ندا قعدت ساكتة دقيقة، مترددة، لكن بعد كدا جاوبت السؤال.
جاسم صمت دقيقة، بعد كدا قال: "برافو عليكي، اتفضلي اقعدي."
انتهت المحاضرة، ندا ونيرة خرجوا من المدرج. كانت آخر محاضرة، وفي طريقهم إلى البيت، بعد ما ركبوا المترو، استقلوا سيارة أجرة عامة. بعدها نزلت نيرة قبل ما تواصل ندا طريقها نحو موقف الأقاليم، مشوارها بعيد جداً والجو حر.
همس نوح اللي كان واقف يستند على عمود وفي فمه سيجارة.
لأول مرة تقف ندا أمام المرآة بتلك الطريقة. يعني إيه "تشبهني"؟ شعرها طويل زي؟ عينيها واسعة زي عينيه؟ فيه شامة على رقبتها؟ بعض المقارنات لا تزيد المواقف إلا سخافة. هو لو شافني على الطبيعة هيلاقي فعلاً شبه بيني وبين خطيبته؟
ابتسمت ندا، رغم إدراكها غرابة ما تفعله، إلا إنها جميلة. إذا كانت خطيبة جاسم اللي تشبهها زي القمر، يبقى أنا جميلة كمان.
ما الذي يدفع العقل للتفكير في شخص ما؟ شخص يعتبره غير مهم على الإطلاق، ولا يطيقه، ولا يتصوره معه في مكان واحد؟ مكنش لازم أجوب على السؤال، كان لازم أفضل صامتة. ندا كان أقل رد على أفعال جاسم ضدي. نادى صوت داخلها، لم أكن مستعدة لإهانة أكبر. يجد الإنسان المبررات لأفعاله مهما كانت حقيرة قذرة.
هجاوب على الأسئلة عشان أثبت لجاسم إني مش غبية أو فاشلة كسولة، لكن ده مش هيغير نظرتي فيه إنه إنسان مغرور، نرجسي، وقح، ظالم. فتحت محاضرة جاسم، درستها بدقة أكبر من المعتادة، ودون أن تشعر كانت ندا تمنح مادة جاسم أضعاف الوقت الذي خصصته للمواد الدراسية الأخرى.
يبدأ كل شيء صغير، صغير جداً، ثم يتضخم مع الوقت حتى لا تسعه قلوبنا وأرواحنا.
فتحت ندا صفحتها على الفيسبوك. الناس اللي زي جاسم بتنشر أفراحها وأحزانها على صفحات التواصل الاجتماعي. إنهم لا يعرفون كيف يحتفظون بأفراحهم ومآسيهم لأنفسهم. بحثت باسم جاسم، ولم يكن هناك نتيجة. صورة جاسم لم تكن بين النتائج.
بعد نصف ساعة اكتشفت ندا إنها بتبحث باللغة العربية. وشخص زي جاسم أكيد هيكتب اسمه بالإنجليزي. كتبت ندا الاسم مرة ثانية. انفتحت صفحة جاسم. بعدها فتحت فمها ببلاهة. بطريق أو دب باندا غبي. إن الأشباه الأربعين غير موجودين في الحقيقة، بس اللي ندا شايفاه شيء خارق وغير اعتيادي.
"وجدت نفسي بهيئة أخرى. أنا شايفه إنك منطلقة زي السهم في مادة دكتور جاسم." همست نيرة ببرم. "دا مفيش سؤال بيعدي عليكي."
"قولي ما شاء الله يا نيرة!"
"العين مش بترحم."
"نيرة، لا، قوليلي بجد، انتي إزاي بتعملي كده؟ أنا شاكة إن الأسئلة بتتسرّب ليكي. يكنش دكتور جاسم قريبك؟"
كانت مصادفة دون أدنى شك، لكن ندا حست إن فيه خنجر استقر في صدرها ومزق شرايينها. "قريبي إزاي يعني؟ وليه؟ انتي إزاي بتقولي كده؟"
"يا ستي والله كنت بهزر. أنا لو أعرف إن جاسم قريبك هقطع علاقتي بيكي."
"يا آنسة لحظة لو سمحتي؟"
وقفت ندا، كان صوت جاسم اللي خارج من المدرج شايل شنطته.
"ممكن كلمة لو سمحتي؟"
"آه طبعاً يا دكتور،" ردت نيرة أمام صمت ندا الغير مبرر.
"أنا أقصد الآنسة،" وشاور على ندا. "مش أنتي؟"
"آه حاضر،" انسحبت نيرة وأخذت جنب.
"أنا شايف إنك بتجاوبي على الأسئلة بطريقة ممتازة ومندهش إزاي مكنتيش من بين الطلبة الأوائل في امتحان الشهر؟"
تلعثمت ندا. "أنا ببذل كل جهدي دايماً والله، وبرضى باللي ربنا كاتبه لي."
"واصلي على مثابرتك واجتهادك وأنا واثق إنك هتكوني من ضمن صفوة الطلبة وممكن تجيبي العلامات النهائية."
"شكراً يا دكتور، ربنا يبارك في حضرتك، بعد إذنك لازم أمشي عشان ألحق الباص."
"شايف يا معلم؟ كانت واقفة مع دكتور المادة بتاعتها."
وضع نوح إصبعه على أنفه. "دي حاجة ممتازة يا صابر، وبتفتح لي طريق أكبر."
"قصدك إيه؟"
ودون أن يرد، مشى وراء ندا بسرعة.
رواية اعلنت الحرب على قلبي الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسى
نوح كان ماشي وراها من بعيد، بيراقب خطواتها السريعة وسط زحمة الجامعة. النقاب ساتر كل حاجة، لكنه في نظره ما كانش بيحجب خياله، بالعكس... كان بيزود ناره.
كل حركة منها كانت كافية تشعل أفكاره الشيطانية. انحناءة بسيطة وهي بتعدل شنطتها على كتفها، أو التفاتة سريعة كأنها بتتأكد إن محدش بيتبعها.
هو حس إنها فريسة صعبة، والفريسة الصعبة بالنسبة له كانت أحلى. نوع غامض لم يعتاد عليه، لقد مل الأنواع السهله، أدرك في لحظة أن حياته تحتاج إلى تغيير.
ابتسامة باهتة ظهرت على وشه، وهو بيمسح بنظره الجريء عليها من فوق لتحت، كأنه بيجرّدها بعينه، مخلي النقاب مجرد حجاب رقيق ما بيخفيش عنه اللي بيتخيله.
وفي دماغه، الأفكار كلها بقت وصايا شيطان.
كان يعرف أنها مجرد محاولة فاشلة، رغم ذلك أسرع في خطواته.
"يا آنسة، يا آنسة؟"
سمعت ندا النداء مثل نيرة، لكنها همست: "ما تقفيش يا نيرة."
"يمكن عايز حاجة؟" خاطبتها نيرة بشك.
"همست ندا: "واحد ما يعرفناش هيكون عايز إيه يعني؟ امشي من فضلك أنا مش ناقصاه."
"طلق نوح ابتسامة، كما توقع، لن تجيب تلك الفتاة ندائه حتى في الجحيم. أبطأ نوح خطواته، لا فائدة من الركض الآن، إذا أردت أن تحكم قيد إنسان عليك أن تفعلها بهدوء."
أخرج هاتفه وأجرى اتصال قصير، ثم أشعل سيجاره وواصل سيره.
"ما فيش حد ماشي ورانا، بتجري ليه؟"
استدارت ندا لتطمئن، قبل أن تبتسم لنيرة وتهمس: "الحمد لله، قلبي كان هيوقف مني، مش بحب الأشكال دي لأنها وقحة وقليلة أدب."
بعد المترو، استقلا الباص. نزلت نيرة في محطتها وودعت ندا.
"مع السلامة يا قمر."
بعد ثلاث محطات نزلت ندا من الباص، كان يفصلها أمتار قليلة للوصول إلى محطة الأقاليم.
"عبوده، هو القمر بيطلع بالنهار ولا إيه يا جدعان؟" همس شاب مريب عندما مرت ندا، لكن الشاب لم يكن بمفرده، كان معه شابان آخران.
أحكمت ندا قبضتها على حقيبتها، مستعدة للدفاع عن نفسها.
حدث كما تخيلت، اقترب منها واحد منهم.
"انت مش سمعانا بنتكلم ولا إيه يا بت؟"
واصلت ندا سيرها، لكن الشاب قطع طريقها وأجبرها على الوقوف.
"حشمت مندور لما يتكلم تقفي انتباه يا حلوة."
أطلقت ندا كل غضبها: "ابعد عني، أنا مالي إن كنت بتتكلم ولا لأ؟"
"باين عليها متعرفش، يعني حشمت مندور يا رجالة."
انطلق أحد الشبان مدافعاً عن صديقه: "حشمت مندور يعني فتوة الموقف والمطارح إلى حواليه."
كان يخرج من فمه رائحة حشيش وخمرة.
"مسحت ندا المكان، تشوف مين ممكن يساعدها."
"اقفي يا بت لجيب وشك نصين!"
رفعت ندا حقيبتها، كانت حركة غبية لأنها لم تستخدمها.
جذب حشمت مندور الحقيبة من ندا وطوحها على الأرض.
"لو كان على الشقاوة مفيش أكتر منها."
"انت عايز إيه يا أستاذ انت؟ أنا ماشية في حالي عملتلك إيه؟"
"إنك تمشي في طريقك مش كفاية الأيام دي، يا حلوة، إحنا عايزينك في كلمتين وهنسيبك."
"كلمتين إيه حضرتك، اتفضل قول."
"مش هنا يا حلوة، تعالي معانا."
صرخت ندا: "ابعد عني."
صرختها أثارت انتباه المارة، لكن لم يتدخل أحد. حتى الباعة عندما لمحوا حشمت مندور امتنعوا عن التدخل.
"هتيجي بالذوق ولا بالعافية؟ الاختيار ليكي، أنا دايماً راجل حقاني وأعرف ربي."
صرخت ندا: "انت تعرف ربنا انت؟"
"استغفر الله العظيم يارب،" غمغم حشمت مندور بسخط.
"وهو انتي فاكراني كافر ولا إيه؟"
ثم أخرج مطوة قرن غزال: "الظاهر مش هتلحقي تتهني بوجهك الجميل."
اقترب أحد المسافرين، شاب أسمر بلحية كان يحمل حقيبته فوق كتفه.
"فيه إيه يا جدعان؟"
"الحقني يا أستاذ أبوس إيدك، دول بيهاجموا عليا."
رفع حشمت مندور المطوة: "وانت مالك يا غندور؟ دي بنت عمي انحرفت وأنا برجعها إلى الطريق المستقيم. ولا انت من اللي بيحبوا إن تشيع الفحشاء بين المسلمين؟"
"استغفر الله العظيم،" غمغم الشاب بأستياء، بينما صرخت ندا: "ما تصدقوش، والله العظيم دا كله كذب."
لوح حشمت مندور بالمطوة: "يلا يا أستاذ شوف نفسك رايح فين ورينا عرض كتفاك، دي أمور عائلية مينفعش تتدخل فيها."
ربما لم يصدق الشاب، لكن مفيش أي شخص دعمه.
صرخت ندا في الشاب: "اطلب الشرطة."
الشاب الذي أدار ظهره كان يعرف أن الشرطة إذا حضرت لن تعاقب أي شخص سواه.
"ميصحش كده يا حشمت،" صرخ رجل مسن يجلس على فرش جوارب.
"خليك في حالك انت يا عم شاكر أحسن لك،" هدده حشمت مندور: "متدخلش في شغلي."
"يلا يا بت،" تحرك حشمت مندور وجر ندا خلفه. تعرف ندا أنها إذا ابتعدت سيكون مصيرها أسوأ.
بكل عزمها قضمت يد حشمت مندور وركضت، ركضت تاركة حقيبتها وكتبها وكل شيء.
عبرت الفناء والشارع وقطعت شارع جانبي، وحشمت مندور يصرخ خلفها: "يا بت الكل__ب قطعتي نفسي."
"اركبى بسرعة."
انفتح باب سيارة ملاكي توقفت جوار ندا. رغم أنها لا تعرفه، رغم أنه شاب أيضاً، قفزت ندا داخل السيارة. انطلق الشاب يقود خلال الشوارع بكل سرعته.
ثم انعرج في طريق جانبي قبل أن يأخذ الطريق السريع مبتعداً عن الزحمة.
كانت ندا صامتة، لم تفتح فمها، لم تسأله إلى أين.
نزلت دموعها التي أغرقت وجهها.
"ممكن تقوليلى بيتك فين يا آنسة؟"
"بيتي؟" تنهدت ندا بسرعة: "بيتي في المكان الفلاني."
صمت الشاب، "دا مكان بعيد،" ثم ابتسم: "متخافيش محدش هيقدر يلمسك، أنا هوصلك بيتك بسلام."
رواية اعلنت الحرب على قلبي الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسى
لأول مرة تفشل منه مهمة، رغم ذلك يشعر بعدم الاستياء.
"قيامك بالأعمال الحقيرة لا يعني أن تتشرف بها"، ابتسم حشمت مندور.
"وصمة عار في سجلك الإجرامي، عليك أن تمحيها وبسرعة."
"فين الفلوس ياض؟" صرخ حشمت مندور في هاتفه الصغير والحقير.
"فين البنت؟"
قهقه حشمت مندور.
"الله دا الكتكوت كبر وبيرد كلمة بكلمة."
جاء من الناحية الأخرى صوت رفيع لكنه غاشم.
"أمال أنت فاكرني إيه؟ البنت أنا عملت معاها اللازم وسبتها تمشي."
صمت من الجهة الأخرى.
"لكنه أصحابك بيقولوا إن البنت هربت."
همس حشمت.
"أصحابي مين؟ أنا مليش صحاب."
واصل الصوت ببرود.
"أصحابك اللي قاعدين معايا اللي أخدوا الفلوس مني."
"ولاد الـ..." بصرخ حشمت بغضب.
"بقا آخدكم معايا طلعتوا تتواصلوا مع العميل من ورايا؟"
وقبل أن يواصل كلامه، انغلق الخط.
وسمع حشمت كلمة واحدة: "متتصلش بالرقم ده تاني."
شعر حشمت مندور بالغضب.
من عاداته أن يجمع معلومات عن العميل، لكن دي كانت طلعة مستعجلة ومكنش فيه وقت.
لو يعرف اسم الواد أو مكان سكنه كان عرف ياخد حقه تالت ومتلت.
لكن لازال لديه الشابين المزيفين.
سيعثر عليهم.
وحينها سيعرفون عقاب من يعبث مع حشمت مندور.
***
"نَدى لو سمحت وقف العربية هنا، أنا هكمل من هنا وحدي."
أوقف الشاب السيارة.
"لازم تتصرفي مع اللي حصل ده يا آنسة، بلغي أخوكي أو والدك، لأن العيال دي مش بتكسر غير لما تشوف العين الحمرا."
شكرته نَدى ونزلت من السيارة.
أخذت تاكسي وهي مش قادرة تتلم على أعصابها.
"أبلغ أخويا أو والدي؟"
"ما يعرفش إني يتيمة، ولو قولت لجدّي هيمنعني أروح الجامعة."
نزلت نَدى وكلمت الطريق على رجليها.
كانت حاسة الضياع.
حياتها انقلبت فجأة.
راجعت ذاكرتها.
"إيه اللي عملته يخلي مجموعة من الصيع يمشوا ورايا؟"
لكنها فشلت في إيجاد سبب.
أقنعت نفسها إنها مجرد نزوة لشبان غير محترمين ومش هتتكرر تاني.
على كل حال ليس لديها من تستند على كتفه.
والبوح ليس بحلو.
وصلت المنزل وصعدت غرفتها.
لم تتحدث مع أي شخص.
جلست شارده لبعض الوقت قبل أن تنزل إلى المطبخ وتسحب سكينة كبيرة.
وضعتها في حقيبتها.
ثم طافت في الغرفة على غير هدى حتى وجدت عينها صندوق قديم يعود إلى والدها.
صندوق مهمل لم تفتحه من قبل.
فتحت الصندوق بصعوبة.
وجدت بداخله أغراض قديمة لا فائدة منها سوى تأجيج المشاعر.
وعندما لامست يدها قاع الصندوق، ارتعش جسدها.
صفعها المعدن البارد.
شعرت بالخوف وهي تمسك بالمسدس.
رغم ذلك، دسّته في حقيبتها.
***
جاسم.
رغم رحيلها، هناك شيء بداخله يخبره أنه سمع هذا الصوت من قبل.
لكن أين؟
لم تسعفه ذاكرته مطلقاً.
"مستواها كويس، لو واصلت على نفس الطريق هيكون ليها مستقبل باهر."
كان يحدّث في مشيته.
هاجس فضولي بداخله يدفعه للوصول إلى استراحة الأساتذة بسرعة.
وضع حقيبته على الطاولة ثم فتح درج المكتب.
أخرج معه ورق الإجابة.
ثم أشعل سيجارة وجلس في الصالة.
أمامه ورقة إجابتها.
كان يعرف أنه هناك شيء خاطئ بالنسبة لها.
لهفته لم تجعله يلاحظ الاسم.
لم يكن مهتم باسمها على الإطلاق.
وجد خطها جميل ومنسق.
بحث عن الإجابات.
ولأنه كان يدرك أنه لا يمكن أن يخطئ، حدثه.
عثر على ما يبحث عنه.
تحرص الطالبة على سرد مقدمة دقيقة وطويلة قبل أن تكتب الإجابة.
ربما كان هذا ما لم يلاحظه وجود النقط المهمة في السطر قبل الأخير.
ابتسم جاسم.
"هذه الفتاة ربما تستحق اعتذار."
ثم صمت في تفكير.
"أو ربما عليه أن ينتظر. بعد أسبوعين هناك تقييم آخر."
"إذا لم تكن ضربة حظ، فإنها تستحق احترامه واعتذاره."
***
الشاب.
كان وجوده في هذا الوقت والمكان غير مبرر.
لم يكن طريقه من الأثاث.
كان يقصد مكان آخر.
ومع شروده لدقائق، وجد نفسه في الطريق الفرعي خلف موقف عبود.
وهناك رآها.
كانت تركض.
أدرك أن هناك شيء خاطئ.
ورغم تعهده عدم الوقوع في مشاكل هذه الفترة.
لكنه لم يكن مستعداً للامتناع عن مساعدة فتاة وحيدة تركض أمام المارة.
اقترب منها بحذر وهو يُمني النفس أن تستجيب لمساعدته ولا تجبره على النزول من السيارة وخوض مشاجرة قد تكشف هويته.
مشاجرة مع حشاشين مدمنين مؤكد سيحدث مذبحة.
لكن حظه ابتسم له.
لم تكن تلك الفتاة بهذه السذاجة.
قفزت داخل السيارة من سكات.
لتمنحه شعور المنقذ.
ذلك الشعور الذي كان غريب عنه.
فقد كان معروفاً عنه أنه المدمر السيكوباتي كما يدعوه صديقه.
الذي كان في طريقه لتأديبه.
***
كانت نَدى على أعصابها خلال طريقها إلى الجامعة.
استقلت سيارة أجرة بسرعة إلى الجامعة وهي تشعر أن كل العيون تراقبها.
تخيلت أنه في أي لحظة سيخرج شخص يركض خلفها.
لكن سيارة الأجرة ابتعدت بسلام لبعيد عن الموقف.
تنهدت نَدى بارتياح.
كان عليها أن تشتري حقيبة جديدة ودفتر ومذكرات.
لكن ذلك لم يكن يقلقها.
ما كان يقلقها حقًا حشمت مندور والمطوة القرن غزال التي صوبت إلى وجهها.
داخل المدرج كانت نَدى تنتظر آخر محاضرة في اليوم.
محاضرة دكتور جاسم.
كان جاسم على بنش المدرج.
يلتف حوله مجموعة من الطلبة والطالبات.
كان يرد على بعض أسئلتهم.
ثم فجأة وسط كل ذلك، رفع رأسه.
استدارت تبحث عيونه عنها.
رواية اعلنت الحرب على قلبي الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسى
رفع جاسم رأسه من بين الوجوه المتكدسة، عيناه تجولان ببطء كأنها تبحث عن شيء محدد.
وفي اللحظة اللي وقعت فيها عينيه على ندى، اتسعت نظرته لجزء من الثانية، قبل ان يسيطر على تعابيره ويعود للبس قناع البرود اللي دايمًا بيظهر به قدام الطلبة.
ندى شعرت إن قلبها اتشد فجأة، كأن نظراته اخترقت الحجاب والنقاب ووصلت لعمقها.
ما كانتش فاهمة ليه هو بالذات بيحرك جواها خوف ممزوج بالفضول.
بدأ جاسم يشرح، صوته عميق وواضح، بيكتب على السبورة بخط منظم.
لكن في كل مرة يلتفت ناحية القاعة، عيناه بترجع تلمح مكانها.
هي مش عارفة هل ده حقيقي ولا أوهامها زودت الموضوع.
حاولت تركز في الشرح، بس عقلها كان في مكان تاني.
صورة حشمت مندور والمسدس اللي في شنطتها، خوفها من الشوارع، كل ده اختلط مع نظرة أستاذها اللي مش عارفة تفسرها.
بعد انتهاء المحاضرة، الطلبة تزاحموا حواليه كالعادة، يسألوه ويستشيروه.
ندى كانت خلاص هتقوم تمشي، لكن فجأة سمعته بينادي:
"انتي... استني لحظة."
تجمدت في مكانها.
اتلفتت لقيته بيشاور عليها وسط الزحام.
الطلبة سابوا مساحة صغيرة وهو بيقرب منها، ملامحه ثابتة لكن صوته فيه نبرة مغايرة:
"اسمك ندى، صح؟"
"أ... أيوه."
ابتسم ابتسامة صغيرة مش بتبان كتير منه وقال:
"خطك مميز... لفت انتباهي."
اللي قاله بسيط جدًا، لكن وقع الكلمات عليها كان تقيل، وكأن في حاجة أعمق من مجرد ملاحظة عابرة.
شعرت ندا بالحرج، اعتذرت وغادرت القاعه.
خرجت من المدرج بخطوات سريعة.
نيره غابت النهرده لكن فيه حاجه مش قادره تفهمها.
قلبها بيدق، وهي مش عارفة هل لازم تفرح بكلامه ولا تخاف من اهتمامه.
لكن في اللحظة دي، كان في شخص تاني بيتابعها من بعيد.
نوح.
واقف عند باب الكلية، ساند على سور قصير، وسيجارة منسية بين صوابعه.
عيناه ما فارقتش تحركاتها.
"حلوة اللعبة دي... بتفكريني إني أرجع أعيش بجد."
جملة دارت في عقله، ومعاها فكرة بدأت تتشكل: ندى مش مجرد بنت ماشية في شوارع القاهرة... دي بقت مشروع متعة، وفريسة تستحق يجهز لها خطة.
ابتسم نوح ابتسامة مائلة وهو بيطفي السيجارة في السور، وقرر يمشي وراها... مش النهارده وبس، لكن الأيام الجاية كلها.
لم يكن يتخيل ان السير على الأقدام قد يمنحه تلك المتعه الصافيه.
فى كل مره يكتشف ان الأعمال القذره تستهويه وترفع الادريانيل فى اعماقه.
لحد الان مش عارف ليه ندا بالذات، رغم ان عنده بنات كتير بيمشى معاهم.
كانت ندا أكثر حرص، تلك المره حرصت ان تمشى بين الناس أو خلف عائله او أمامها.
تركها نوح تهرب منه، لماذا يلحق بها اذا كان لا يستطيع أن يتحدث معها او يلمسها.
اطلق ابتسامه كبيره عندما لمح فتاه تشق الطريق نحو ندا.
وخلال لحظات كانت تمشى بمحازاتها، ثم رأها تتحدث مع ندا فتوقف عن السير وهو يلمح اخر شيء منها يغادر مرمى بصره.
لم تتخيل ندا انه من الممكن أن تجد فتاه مثلها، مثل هوايتها وطريقة حياتها.
ندا ليست من الفتيات الأتي يقبلن على صداقة احداهن بسرعه، فقد كانت تعشق الوحده.
لكن نسرين اثبتت انها صديقه مميزه.
كانت رفقتها سهلت عليها الأمور بعد الأسابيع العصبيه.
فطريق نسرين وندا واحد حتى الوصول إلى الموقف.
لقد وجدت فيها ندا مسانده وأمان عوضا عن المشى بمفردها.
شخص يمكنه ان تتحدث معه وتهاتفه فى اى وقت بعد أن عانى هاتفها من آلصمت لسنين طويله.
مع الايام أصبحت علاقة ندا ونسرين قويه جدا.
فى كل يوم يبدأ نهارها بأنتظار نسرين والذهاب إلى الجامعه معآ رفقة نيره.
كانت نسرين جالسه على رصيف الجامعه عندما خرجت ندا من المدرج.
من أول نظره أدركت ندا ان نسرين تعانى من شيء ما، لكن عندما سألتها، قالت نسرين انا بخير.
لكن خلال الطريق لم تكن نسرين بخير ابدا، كانت تشعر بصدااع وأكثر من مره كادت ان تفقد وعيها.
عرضت عليها ندا ايصالها لمنزلها، لكن نسرين رفضت.
ندا لم تكن من البنات إلى ممكن تتخلى عن حد يخصها بسهوله.
عشان كده ركبت معاها التاكسى توصلها بيتها.
توقفت سيارة الاجره آمام بنايه قديمه، شقتنا فى الدور الرابع تقدرى تمشى انتى يا ندا انا هكمل وحدى.
لا هوصلك شقتك وبعدين اروح.
فتحت نسرين باب الشقه.
كانت شقه هاديه وشاسعه، طيب ان هروح يا نسرين همست ندا من على باب الشقه.
معقول تيجى لحد هنا وتروحى من غير ما تشربى حاجه.
لاحظت ندا ان نسرين عادت إليها حيويتها ورحل عنها ما كانت تعانية من تعب.
بعد أن جلست ندا فى الصاله، اختفت نسرين لحظه ثم عادت تجلس معها.
لم تحمل معها اى مشروب او زجاجة حاجه ساقعه.
ولما ندا رفعت ايدها بأستغراب نسرين قالت اخويا هيجيب العصير.
اعتذرت ندا، انا لازم امشى.
تمشى تروحى فين يا ندا؟
رفعت ندا رأسها انت؟ انت!؟ إيه إلى جابك هنا؟
رواية اعلنت الحرب على قلبي الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسى
مهمتك خلصت.
"تقدرى تمشى انتى يا سمر؟" سألت ندا نسرين بنظرة حقيرة، لكن آخر ما يهمها الآن.
"كنتى بتضحكى عليا؟ كل ده كان تمثيل؟"
لم ترد سمر، اكتفت بالوقوف بلا مبالاة، بينما رفع نوح صوته.
"تمثيل بس كلفني كتير قوي. محفظتي فضيت، مش كده يا سمورة؟ ولا إيه؟ فين بقيت حسابي؟"
بدا أن سمر فتاة عملية لا تضيع الوقت. الظرف على الترابيزة.
تحركت سمر، فتحت الظرف وأحصت النقود.
"آسفة يا ندا، ده كان مجرد شغل." وغادرت، ومضت نحو باب الشقة.
ركضت ندا نحو الباب، لكن نوح أوقفها.
"مفيش داعي للعنف."
أغلقت سمر الباب، وندا تتابعها.
"انت عايز إيه مني؟"
ابتسم نوح.
"اللي بيحتاجه كل راجل من ست."
"انت فاكرني إيه؟ أنا هطربقها فوق دماغ اللي خلفوك. الحقوني، الحقوني!" صرخت ندا، ثم شعرت بالندم.
صفعها نوح حتى أجبرها على الصمت، ووضع كمامة فوق فمها.
"قلت مفيش داعي للعنف، بس لو كنتي بتحبيه أنا بارع فيه."
"اللي بيحصل ده غلط. أنا عملتلك إيه؟ أنا معرفكش وعمري ما آذيتك."
"بصي، الخطاب الديني مش هينفع معايا." وأخرج نوح سيجارة.
"أنا استنيت اليوم ده كتير، ومن حقي أستمتع." ثم أشعل سيجارته.
صرخت ندا مرة ثانية وحاولت الوصول لباب الشقة، لكن نوح أوقفها.
"مفيش داعي للعنف."
"بس لو كنتي بتحبيه أنا بارع فيه."
"اللي بيحصل ده غلط. أنا عملتلك إيه؟ أنا معرفكش وعمري ما آذيتك."
"بصي، الخطاب الديني مش هينفع معايا." وأخرج نوح سيجارة.
"أنا استنيت اليوم ده كتير، ومن حقي أستمتع." ثم أشعل سيجارته.
صرخت ندا مرة ثانية وحاولت الوصول لباب الشقة، لكن نوح قبض عليها في آخر لحظة. جرها من ذراعها وقعدها على الأريكة وشد نقابها قلعه.
ثم وقف لحظة مبهور.
"مش حرام عليكي تخبي الجمال ده؟"
"ابعد عني!" فهم نوح صرختها.
أطلق دفعة من الدخان باستمتاع.
"هو أنا لسه قربت؟ بقولك إيه، خليكي مطيعة وخلينا نخلص؟"
حاولت ندا أن تتمالك أعصابها، عرفت أن تهورها لا فائدة منه. لو أمكنها فقط أن تصل لحقيبتها سترحب فورًا بخمس وعشرين سنة سجن.
شاورت على بقها.
"يعني مش قادرة أرد."
بحذر، حرر نوح فمها، نزع الكمامة لكن بتروٍ مريب.
"مش حرام، أرجوك سبيني أروح."
"هتروحي، وهوصلك بنفسي لبيتك. ده كله بيتوقف على موقفك وتفكيرك."
"إيه مش عاجبك؟"
تنهدت ندا بعمق.
"مش موضوع مش عاجبني، الموضوع كله على بعضه مخيف. أنت إيه؟ بنت تحلم بيك؟"
"لكن انتي لا؟" أكمل نوح كلامها. "أنا مش عايز أي بنت، عايزك انتي." وقرب منها.
أدركت ندا أن أمامها فرصة واحدة ولا مجال للخطأ.
"طيب، مش نشرب حاجة؟" أرادت ندا إبعاده لدقيقة عن مكانه.
"هو ده الكلام." ابتسم نوح ومج من سيجارته.
ثم أخرج حبلاً واقترب من ندا.
"إكس كيوز مي، بس الحرص واجب." ثم قيد يدي ندا في بعضهما.
عندما دخل نوح المطبخ، تحركت ندا تجاه حقيبتها. رفعتها بفمها وحاولت إخراج المسدس. فتحت السستة وغمست فمها داخل الحقيبة. حتى لو أخرجت المسدس لن تستطيع إمساكه.
قبل أن يعود نوح، تركت الحقيبة وتحركت تجاه الباب، لكن الباب كان مغلقاً ولم تنجح في فتحه. جلست في مكانها فور ظهور نوح، الذي أحضر كأسين وزجاجة نبيذ. ملأ الكأسين وحل قيود ندا.
"في صحتك!"
رفعت ندا الكأس لكن لم تشرب.
"الله، ده حلو أوي."
"مش قلتلك هيحلي الكلام؟ اشربي تاني."
بكل عزمها، أحكمت ندا قبضتها على الكأس وضربت به وجه نوح.
انغرس الزجاج في وجه نوح وفار منه الدم، لكنه لم يكفِ لفقده الوعي. لحظات مكنت ندا من الوصول لحقيبته.
لكن نوح، الذي سرى الحشيش في دمه، لم يتأثر بالوجع. مشى مترنحاً تجاه ندا، التي كانت توليها ظهرها.
أخرجت ندا المسدس، لكن نوح قبض عليها من الخلف. احتضنها بقوة وهمس بأنفاس عطنة.
"هو انتي فاكرة إني معرفش حاجة عن المسدس؟ سمر قالتلي كل حاجة عنك."
كافحت ندا، قاومت نوح والمسدس في يدها، ثم أطلقت رصاصة على قدم نوح، لكن الرصاصة أخطأت الهدف.
كان عليها أن تتحمل غضب نوح وعقابه. ضربها نوح في رأسها، ركلها في معدتها حتى أوقعت المسدس. ثم جرها مدماة وألقى بها على السرير.
"مش نوح متولي اللي يتاخد خوانة."
لعق نقطة دم تسللت نحو فمه بطريقة مقززة، ثم نزع قميصه.
أدركت ندا أنها النهاية. حين حاولت أن ترفع قدمها لم تستطع. كانت قدمها مصابة وجسدها متأثر بالضرب المبرح. لمس نوح شعرها الناعم، لصق جسده بجسدها، ثم دوى صوت ارتطام وباب يتكسر.
نهض نوح بسرعة بحث عن مسدسه الذي كان يخفيه تحت السرير.
"ارفع إيدك ياض. سمع نوح الصرخة الآمرة. فاكرك تقدر تهرب من حشمت مندور؟"
وجد نوح مسدس تسع بوصة مصوباً على جمجمته.
"محدش قلك قبل كده إن اللعب مع الكبار غلط؟"
"هديك فلوسك، هديك كل حاجة، بس ابعد المسدس ده عني."
ابتسم حشمت مندور بانشراح.
"هو انت فاكرني جاي عشان الفلوس؟"
فهمت ندا القصة. ربما لا يمكنها الوصول إلى مسدسها، لكن مسدس نوح؟ ممكن.
تسللت يدها تحت الوسادة حتى لامست المعدن البارد.
"تعالى هنا ياض؟" صرخ حشمت مندور. جذب نوح من عنقه وركله بركبته في فك أسنانه.
"خد يا ابن آكلة."
"بقيت أنا تقول لي باي باي؟" ثم صفعه على وجهه حتى أدماه. تمدد جسد نوح على الأرض وحشمت مندور يضربه بقدمه.
"أنا باخد حقي ناشف." شعر حشمت مندور بارتياح. غمرته سعادة ضخمة.
تحول وجهه تجاه ندا يطلب منها الرحيل. إنها لا تعني له أي شيء. يعرف أنها مجرد فتاة أخرى سحقتها الحياة ووقعت في طريق نوح. لكن الحظ لم يسعفه، وجد ندا تصوب مسدساً إلى جسده. وقبل أن يفتح فمه، أطلقت عليه الرصاص وهربت.
سحبت ندا حقيبتها بسرعة وغادرت الشقة دون أن تنظر خلفها.
رواية اعلنت الحرب على قلبي الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسى
كان جسدها كله يرتعش كأنما علقت في محول كهرباء.
وكلما حاولت أن تتمالك نفسها انهارت أكثر.
قبل أن تصل الطريق توقفت ندا لحظة، إحساس مشؤوم أن تعرف أنك قاتل.
عدلت ملابسها وأحكمت نقابها وخطت في الشارع.
شعرت أن العالم كله ينظر نحوها، يشيرون: انظروا، إنها قاتلة.
لكن بعد لحظات جرفها التيار البشري.
الحقيقة في شوارع القاهرة لا يعبأ بك أحد إن كنت قاتل أو شريف.
كانت لديها فكرة واحدة: "هعمل إيه دلوقتي؟"
تركت دموعها تهطل، إحساس الخيانة صعب جدا.
"كنت لا أثق بأي شخص والآن من وثقت به حطمني."
قصدت الموقف ومن هناك استقلت سيارة نحو بيتها.
عندما وصلت كانت منتهية.
حاولت أن تخفي توترها، ألقت السلام على جدها وصعدت غرفتها.
أرادت أن تخبره بكل شيء لكنها كانت تعرف أن مصيرها سيكون التجميد في المنزل.
أعمامها كانوا يرفضون خروجها لجامعة بعيدة، رفضوا أن تسكن في غرف السكن الجامعي ووافقوا على مضض أن تذهب وتعود كل يوم، فكيف إذا عرفوا أنها قتلت شخصًا؟
بعد أن نظفت نفسها، داهمها ذلك الشعور الغاضب.
حينما ترغب في ركل أحدهم في معدته دون سبب، أو تضرب قبضتك في الجدار حتى يتحطم أو تتهشم يدك.
لقد تحولت حياتها الهادئة فجأة لبركة وحل.
أعادت شريط الأحداث في ذهنها، لحظة بلحظة، حتى وصلت اللحظة قبل إطلاق الرصاص.
عندما استدار حشمت مندور، كان يرغب في قول شيء ما، إنها تعرف ذلك، لكنها لم تمنحه الفرصة وليست نادمة على ما فعلته.
"وذلك الشاب ألم يكن يستحق القتل أيضًا؟ ألم يكن دخول حشمت مندور إنقاذًا لجسدك وروحك؟ ألا يغفر له ذلك ما فعله معك في الطريق العام؟"
احتضنت ندا رأسها التي على وشك الانفجار.
"ما حدث قد حدث والزمن لن يعود أدراجه."
عندما استيقظ حشمت مندور كان يعرف أنه تعرض لطلقة رصاص اخترقت جانبه.
رأى الدم تخثر حوله وأدرك أنه نزف حتى ارتوى البلاط.
وضع حشمت مندور يده على الجرح وأطلق لعنة.
"لم يجد نوح، هرب مثل الكلب."
غمغم حشمت مندور وحاول أن ينهض، كان الظلام يحيط بالصالة وهو يترنح.
"لو كانت الرصاصة ستقتلني لكنت ميتًا الآن."
وصل الباب المهشم بصعوبة وكانت درجات السلم في نزوله كل درجة بمثابة خنجر.
أخرج سيجارة وضعها في فمه وطلب من أحد المارة أن يشعلها له.
أن حياته الإجرامية تمر بنكبات جحيمية.
تذكر ندا، الرعب في عينيها وإطلاقها الرصاص عليه دون أي تردد.
سحب سحبة طويلة من الدخان ومشى حذو الرصيف وهو يضغط على جرحه.
قبل نهاية الشارع توقفت سيارة أجرة كان صاحبها يعرفه.
"حشمت مندور؟ ازيك يا معلم."
جلس حشمت مندور في المقعد الخلفي وطلب من صديقه أن ينقله إلى مسكنه.
"في الآخر ليس سيئًا أن تكون مجرمًا مشهورًا."
في الطريق توقف أمام صيدلية، ابتاع منه صديقه الدواء الذي طلبه حشمت مندور.
وعندما وصل مسكنه ودع صديقه دون أن يدعوه إلى الدخول.
وضع سكينًا على النار حتى احمرت.
نزع ملابسه أمام المرآة وهو يتمنى أن لا تكون الرصاصة عميقة.
قضم فوطة وسخة حتى يسكت صراخه ثم خرس الجانب المدبب في الجرح.
بصق من الألم وشتم ندا وكل حريم الأرض.
أخيرًا وصل إلى الرصاصة وأخرجها.
سال الدم مما اضطر حشمت مندور لوضع قماشة عليه ثم صب الكحل كميات كبيرة على الجرح.
اشتمل الجرح بالألم.
لكنه يعرف أن لا فائدة من التباطؤ أو الصراخ.
راح يقطب الجرح بالسلك الطبي، ومع كل غرزة يصرخ مثل الطفل.
عندما انتهى نظف الجرح مرة أخرى بالكحل، ثم بلع أقراص مضاد حيوي ومسكن، ومضغ قرص منوم قبل أن يصل إلى السرير.
كان يظن أن الموت بعيد عنه وها هو يمر إلى جواره على غير موعد.
على السرير استسلم حشمت مندور للنوم.
غابت ندا عن الجامعة لأكثر من أسبوعين.
تعللت بالمرض لكنها كانت تنتظر الشرطة أن تطرق باب بيتها.
وكلما مر الوقت شعرت بالطمأنينة.
"حشمت مندور لم يمت، وإن كان مات فإنه غير مهم للدرجة التي تدفع الشرطة للبحث عن قاتلته."
لكنها استسلمت مع بداية الأسبوع الثالث وقصدت الجامعة.
مشت بحذر.
كانت تبحث عن وجه نوح الذي لم يظهر.
عاتبها دكتور جاسم لغيابها، لم تلحق بالامتحان الشهري.
تعللت بأنها كانت مريضة وسامحها دكتور جاسم.
جلست في المدرج شارده، لم تشعر كيف مضى الوقت.
لم تعرف أنه دكتور جاسم أشار إليها أكثر من مرة دون أن تشعر.
لم تعرف أن دكتور جاسم اعتذر لها عن التقييم الماضي.
وعندما انتهت المحاضرة تحركت لتغادر المدرج.
"آنسة ندا ممكن كلمة؟"
كان سماع اسمها من صوته شيء جميل حتى أنها ترددت للحظة قبل أن تستدير.
"أنا عارف أنه أمر شخصي يا آنسة لكن أنا حاسس إنك مش كويسة!"
"آنسة ندا، أنا مش قصدي أتدخل في حياتك لكن لو كنت أقدر أساعدك يا ريت تقولي."
وجدت ندا الاهتمام الذي كان تفتقده للحظة قبل أن تعود إليها خطيئتها.
"أنا كويسة يا دكتور الحمد لله."
"لأ مش كويسة، أنا مدرك دا تمامًا."
تفاجأت ندا، كيف له أن يشعر بها وهو الذي لم يتحدث إليها بكثرة ولا يعرفها حق المعرفة؟
ووجد الضعف داخلها طريقه.
"كيف تتحملين كل ذلك بمفردك يا فتاة؟"
"أنتِ لا تتحدثين لشخص غريب، جاسم قبل أن يكون دكتور يدرسك فهو ابن عمك."
عليها أن تثق بإنسان آخر؟ أم تشق طريقها في الحياة كما اعتادت بمفردها؟
لكنها تحتاج شخصًا آخر، واحد تشاركه كل الغم الذي غطى حياتها مثل سحب الشتاء الكئيبة.
"مش عايزة أتعبك معايا يا دكتور جاسم."
سمع جاسم كلامها وطلب منها أن تلحق به نحو مكتبه.
لم ترغب في الكلام في البداية، ودت أن تهرب.
لكن عندما بدأت في الكلام لم تنجح في إيقاف نفسها.
أنهى جاسم سيجارته كان يستمع بتركيز.
"أنا مش عارف إزاي لحد كده ولسه مبلغتيش الشرطة؟"
"شرطة لأ!! مش هينفع."
فكر جاسم للحظة، وجد سؤاله في منتهى الغباء.
"والطالب دا موجود عندنا في الجامعة؟"
ردت ندا بسرعة: "أيوه عندنا، أنا شفته في المدرج مرة ومرة تانية مشي ورايا لحد البوابة."
"طيب ممكن تتعرفي عليه؟"
همست ندا: "أقدر أتعرف عليه أكيد، وشه لسه مصاب."
"بصي يا ستي دا رقم تليفوني تقدري تتصلي بيا في أي وقت ولو لمحتي الطالب دا في الجامعة اتصلي بيا فورًا."
"ماتمشيش لوحدك، وأنا لي صديق ضابط شرطة هكلمه عن المجرم اللي اعترض طريقك ده وإن شاء الله هيقبض عليه."
"شكرًا يا دكتور جاسم، لو سمحت أنا لازم أمشي دلوقتي قبل الليل."
استقلت تاكسي من أمام الجامعة إلى الموقف كما نصحها جاسم.
وخلال الطريق لم تستطع أن تمنع نفسها من التفكير.
"أيفعل دكتور جاسم ما كل الطلبة مثلما فعل معها؟"
"ليه اختارت دكتور جاسم دون عن الجميع أن تخبره بمشكلتها؟"
حاولت أن تقنع نفسها أن ما تشعر به ليس اهتمام، مجرد ظروف فرضتها الحياة.
لكن داخل عقلها كان صوته لا يزال يدوي: "اتصلي بيا في أي وقت."