تحميل رواية اعلنت الحرب على قلبي بقلم اسماعيل موسى pdf
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
دا دكتور المادة الجديد؟ اسكتي، بيقولوا عليه صعب جداً، رغم إنه مش باين عليه. دا صغير أوي يا ندى، شوفي شكله عسول إزاي؟ الهدوء بعد إذنكم. وضع دكتور جاسم حقيبته على طاولة المكتب وبص للمدرج المتكدس بالطلاب. أعرفكم بنفسي، أنا دكتور جاسم، اللي هكون مدرس المادة بتاعتكم. مش بحب حد يقاطعني وأنا بشرح. من فضلكم ممنوع استعمال التليفون، وممنوع تتكلموا مع اللي جنبك. دلوقتي ممكن نبدأ؟ ولا فيه حد عنده اعتراض؟ عندك كام سنة يا دكتور؟ انت درست في جامعة إيه؟ ارتفعت همسات بعض الطلاب. رفع جاسم إيده. انتوا عرفتوا قدر ك...
رواية اعلنت الحرب على قلبي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم اسماعيل موسى
لم يكن الليل ساكنًا بما يكفي لسلوان؛ كان يثقل صدرها كلما أغمضت عينيها، فتجد وجه حشمت مندور يتسلل بين جفونها كطيفٍ عنيدٍ لا يرحل. جلست على طرف الفراش في الغرفة الضيقة، يدها تعبث بجدائل شعرها المتناثرة، فيما تراقب دخان سجائره الذي ما زال يعلق في الجدران، كأنه أثر لوجوده المستمر حتى وهو صامت.
شيء غامض يسكنه. هو ليس مجرد مجرم مطارد، ولا بطلٍ خارجٍ من روايات المقاومة الشعبية، لكنه خليط مربك من الاثنين معًا. سلوان، التي اعتادت أن تقرأ الوجوه سريعًا، وجدت نفسها لأول مرة عاجزة عن فك شفراته. عيناه تحملان قسوة قاتل، لكنها في اللحظة ذاتها تعكسان هشاشةً لا تليق برجل مثله.
سألت نفسها: أهو مجرد تكتيك؟ قناع يضعه ليمرر خططه؟ أم أن في داخله ندبة ما تحاول أن تنزف وحدها؟
حين أخبر ندى أن نوح أراد التخلص منها، شعرت سلوان برجفةٍ خفية، ليست لندى وحدها، بل لها أيضًا. كلمات حشمت لم تكن اعترافًا عابرًا؛ كان يلقي بالحقيقة كمن يرمي حجارة ثقيلة في بئرٍ ساكنة، يترك الموج يتسع وحده.
ازدادت حيرتها: كيف لرجل يحمل بندقيته كأنها امتداد لذراعه، يصنع قنبلة بيدٍ ثابتة، ثم يقول ببرود إن القتل ليس غايته، وإنقاذ الفتاة يكفيه؟ لماذا إذن يزرع في كل خطوة يخطوها أثر الدماء؟
رفعت رأسها نحو السقف، تحاول طرد هذه الأفكار، لكن صوته، طريقته في التحديق، حتى صمته، ظل يطاردها. لم تكن تثق به، ومع ذلك لم تستطع أن تمنع قلبها من أن ينصت إليه. كان في داخله شيء يشبهها؛ هي التي جاءت من أرضٍ مثقلة بالخذلان، وهو الذي يسير في مدينة لا تمنحه سوى المزيد من المطاردة.
بينهما خيط رفيع لم يعترف به أحد، لكن سلوان شعرت به يتوتر ويشدّها نحوه رغمًا عنها.
مدّت يدها تحت الوسادة تتحسس مسدسها الصغير، تتأكد أنه لا يزال هناك. لا لتهدأ فقط، بل لتذكر نفسها بأن هذا الرجل، مهما بدا غامضًا أو هشًا أحيانًا، يظل حشمت مندور: الرجل الذي يطارده الجميع، والذي قد يقلب حياتها في لحظة رأسًا على عقب.
ومع ذلك، حين أغمضت عينيها أخيرًا، لم ترَ سوى ظله يرافقها… وظلت تتساءل في سرها: هل هو خطر يجب أن تفر منه؟ أم قدر كُتب عليها أن تلتحق به؟
***
خطت ندى إلى جوار حشمت بخطوات مترددة، وجهها ما زال شاحبًا من الصدمة، بينما عيناه تتفحصان الطريق كعادته، كأن كل شجرة وكل ظل يحمل تهديدًا محتملًا. لم ينطق بكلمة طوال الطريق، فقط يداه المتشابكتان خلف ظهره، والسيجارة المطفأة بين أصابعه، كأنه يؤجل لحظة اشتعالها إلى حين.
حين وصل إلى بيت الجد، توقف أمام البوابة الخشبية المتهالكة، نظر إلى ندى.
"هنا حان وقت الرحيل."
لكن الجد لم يترك الأمر يمر هكذا. كان واقفًا عند العتبة، عينيه المتقدتين تتفحصان هذا الرجل الغريب الذي أعاد إليه حفيدته. دعاه إلى الدخول، بإشارة يد تجمع بين الامتنان والحذر.
جلس حشمت، يده فوق ركبته، جسده مستقيم، لكن عينيه لا تعرفان الثبات؛ تتنقلان بين الأرض والنافذة والباب، كأن الهروب فكرة تتصارع مع البقاء داخله.
قال بصوت منخفض، حاسم:
"أنا مش راجل كويس يا حاج… أنا مجرم، والشرطة بتدور عليا في كل مكان. بس… الأمانة لازم ترجع لأهلها."
الجد شد قبضته، اقترب خطوة، وكاد أن يجيبه بشيء، لكن حشمت سبقه:
"ما تجملش ولا تفتح ضيافة… أنا ما باخدش من حد. جيت أسيبها… وأمشي."
نهض واقفًا قبل أن يلتقط أحد أنفاسه، لم يمد يده لمصافحة، فقط انحنى برأسه قليلًا، إيماءة صامتة، ثم دار على عقبيه خارجًا.
على حافة الطريق، وقف يتأمل الحقول الممتدة أمامه. أخضر متشعب يذوب في الأفق، يذكّره أن الدنيا أوسع من كل مطاردة، وأضيق من أن يجد فيها مأمنًا. أخرج سيجارته من جيبه، أشعلها، سحب نفسًا عميقًا كأنما يريد أن يحفظ رائحة الأرض معه، ثم ترك الدخان يتلاشى في الهواء.
***
سلوان
لم يكن الليل رحيمًا بتلك الرحلة الأخيرة. السماء ملبدة بالغيوم، والنجوم مطموسة كأنها تخشى أن تشهد ما يحدث. سار حشمت مندور بجوار سلوان، خطواته ثابتة رغم وعورة الأرض، بينما هى تلفح وجهها بالكوفية الفلسطينية التى أخفت ملامحها، عينيها تتابع كل حركة فى الظلام.
طريقهما لم يكن مستقيمًا، بل متعرجًا كالمصير نفسه. كانا يمران عبر طرق زراعية ضيقة، يتوقفان فجأة عند صوت كلب ينبح فى البعيد، أو عند مرور شاحنة تحمل عمالًا عائدين من الغيطان. كلما اقترب ضوء سيارة، كان حشمت يجرّ سلوان إلى حفرة أو خلف جدار طينى مهدم، يكمم الهواء بأنفاسه، يده مشدودة على سلاحه، وعينيه تتفحصان الاتجاهات حتى يمر الخطر.
فى بعض اللحظات، كان السكون يسيطر، لكن داخله لم يعرف هدوءًا. كانت سلوان تتحرك بخفة، تعرف متى تصمت ومتى تهمس. همست مرة واحدة فقط، حين توقفا عند مفترق طرق ترابى:
"قربنا. بعد الكيلو ده هيكون فى نقطة مراقبة، وراها الشريط… ومن بعده، بلادى."
هز رأسه دون كلمة، تابع السير. العرق يتصبب رغم برودة الليل، كل عصب فى جسده متأهب. حين وصلوا إلى تخوم الصحراء، حيث لا زرع ولا بشر، اتسعت الرؤية، وبدا الشريط الحدودى فى البعيد، ممتدًا كندبة سوداء فى خاصرة الأرض.
اقتربا ببطء، كأن كل خطوة قد تثير طلقة. عند تل رملى صغير، أشار لها بالجلوس، هو ألقى نظرة أخيرة بعينيه المرهقتين، ثم همس:
"هنا نهايتى… وهنا بدايتك."
نظرت إليه طويلًا، كأنها تحاول أن تحفظ ملامحه تحت القمر الخافت، ثم شدّت كوفيتها أكثر حول وجهها. قالت بصوت خافت، فيه رجفة مكبوتة:
"شكرًا لك."
أدار وجهه عنها، أخرج سيجارة أخرى، أشعلها ببطء، كأنه يهرب من الاعتراف الذى لم يرد أن يقال. تركها تنهض، تتسلق التل، وتواصل طريقها نحو الشريط. ظل يراقب ظلها وهى تتوارى، حتى صارت مجرد نقطة سوداء تتلاشى فى البعيد.
سحب نفسًا عميقًا من سيجارته، ثم بصق على الرمل… كأنه لا ينتمى إلا إلى الظلام.
جلس حشمت مندور على صخرة وحيدة فى البريّة، الصمت يطبق على المكان إلا من صفير الريح وهسهسة الرمال المتناثرة. كانت السيجارة بين أصابعه تحترق ببطء، رمادها يتساقط دون أن يلتفت. عيناه مثبتتان فى العدم، لكن داخله لم يعرف فراغًا، بل ازدحامًا خانقًا من الأفكار.
اسمها يتردد فى رأسه: سلوان.
لم تكن مجرد رفيقة طريق، ولا مجرد شبح عابر عبر أرض مصر، بل صارت ثِقلاً يضغط على صدره. تذكر نظرتها الأخيرة، حين رفعت عينيها نحوه عند التل، كأنها كانت تقول كل ما لم يُقال. شيء ما فى تلك النظرة اخترق حصونه، مزّق الجدار الذى ظل يبنيه حول قلبه لسنوات.
لكنه ليس رجلًا يعرف الارتباط. هو يعرف الخيانة، الدم، البارود، والمطاردة. يعرف أن كل من يقترب منه ينتهى إما قتيلًا أو هاربًا. لذلك جلس طويلًا، يعضّ على شفته السفلى، يتأرجح بين صورتها وبين صور ضحاياه القدامى.
الليل طال، والقمر تسلّق نصف السماء وهو ما يزال ثابتًا فى مكانه. فكر: لماذا تلازمنى صورتها؟ لماذا لا تتركنى كغيرها؟
حاول أن يقنع نفسه بأنها عابرة، بأن كل ما جمعهما محض صدفة ومهمة انتهت، لكنه كان يعلم فى قرارة نفسه أن الصدفة لا تُحفر فى الروح بهذا الشكل.
ألقى بعقب السيجارة بعيدًا، ضرب الرمل بقدمه، ثم مد يده إلى بندقيته. لمس الحديد البارد كأنه يلتمس اليقين الوحيد المتبقى له. رفعها قليلًا، تفحصها بعينيه، ثم نهض واقفًا.
لم يكن له مكان فى البيوت ولا بين الناس. كل ما تبقى له هو الأرض الممتدة تحت قدميه، والممرات المظلمة التى لا يدخلها أحد. تحرك بخطوات بطيئة، يجر ظلّه خلفه، حتى وصل إلى فوهة نفق حدودى قديم، محاط بالصخور ومهمل لا يعرفه كثيرون.
وقف للحظة، استمع إلى صدى الريح وهى تتسرب عبر فتحة النفق، كأنها نداء من عالم سفلى لا يجرؤ أحد على دخوله. ثم شد قبضته على البندقية، أخذ نفسًا عميقًا، واختفى داخل العتمة… تاركًا وراءه السماء، والنجوم، وكل ما يربطه بسلوان.
كان حشمت مندور يسير بخطوات متثاقلة، البندقية تتدلى من كتفه، والعرق يلتصق بجبهته رغم برودة الليل. كل خطوة داخل هذه الأرض الغريبة كانت كأنها ضربة مطرقة على صدره. لا يعرفها، لا يعرف شوارعها ولا لهجة أهلها، لكن قلبه الملعون كان يقوده كأنه يعرف الطريق أكثر من عقله.
"ليه أنا هنا؟ ليه ما رجعتش الورى وخلاص؟"
سؤال ظل يضرب رأسه مع كل خطوة، لكن لم يجد له جوابًا. يعرف أنه مطارد، يعرف أن كل لحظة بقاءه خطر، لكن داخله كان يهمس: سلوان….
لم تكن مجرد اسم. كانت بوصلته المربكة، نقطة ضعفه التى لم يعترف بها حتى لنفسه.
النفق خلفه ابتلع ماضيه، والبلد الجديدة أمامه تمد لسانها كأنها تتحداه: "حين وصل إلى ما يسميه أهل التهريب "النقطة العمياء" — مساحة خالية بلا حراسة، بلا علامات، فراغ ممتد بين أطراف الجبال — وقف حشمت ساكنًا. نظر حوله، لا شىء سوى الريح والغبار. كان الفراغ واسعًا حتى شعر أن خطواته السابقة لم تعنِ شيئًا، وأنه وحيد كذرة رمل وسط بحر لا ينتهى.
أشعل سيجارة، سحب نفسًا عميقًا، ترك الدخان يتسرب من فمه وهو يحدّق فى المدى. داخله كان يعصف كبركان مكتوم:
"أنا رايح فين؟ وإيه اللى هستناه هناك؟"
وفجأة… اهتزت الأرض تحته.
دوّى انفجار ضخم من ناحية اليسار، ارتجّت الصخور، تطاير الغبار كسحابة كثيفة حجبت القمر. صوته اخترق صدره مثل صاعقة، فألقى عقب السيجارة وحدّق فى مصدر الصوت.
ومن قلب الدخان، رأى ظلالًا تتحرك بسرعة. عشرات الرجال، ملثمون، يتدافعون حاملين أسلحة طويلة، أصوات رصاص متقطع تتداخل مع صرخات مبهمة. بدا المشهد كأنه خرج من كابوس لم ينته بعد.
ركض بعضهم نحوه، وجوههم مختفية تحت الأقنعة السوداء. أحدهم صرخ بصوت حاد وهو يشير بيده:
"إجرى يا زلمه! المكان هيتقلب نار… امشي دلوقتي!"
تجمّد حشمت لثوانٍ، البندقية ما زالت على كتفه، والصدمة تعصف به. لم يفهم من هؤلاء ولا ما الذى يحدث، لكنه أدرك شيئًا واحدًا: أن ما رآه ليس انفجارًا عابرًا… بل حربًا صغيرة انفجرت أمامه، وحياته على المحك لو بقي واقفًا.
ظلّ حشمت مندور واقفًا وسط الغبار، عيناه تراقبان الفوضى التى انفجرت فجأة أمامه. الرجال الملثمون يركضون، الانفجار ما زال صداه يدوى، والدخان يتصاعد كثيفًا كستار يحجب الحقيقة. قبضته اشتدت على البندقية، لكن قلبه كان يقول: اهرب… اختفى… دى مش حربك.
شدّ نفسًا طويلًا من سيجارته، أحس بدخانها يخنق صدره أكثر مما يحرره. قال لنفسه:
"مش وقت بطولات يا حشمت… النجاة دلوقتي هى الشطارة."
أدار جسده نصف دورة، مستعدًا للانسحاب نحو الصخور والاختفاء فى دهاليز الأرض كما اعتاد. لكن عينه، تلك العين التى لا تخطئ، التقطت مشهدًا جعل دمه يغلى.
بين الظلال والدخان… ظهر ذى مموّه يتحرك بخطوات عسكرية، مدجج بالسلاح، وعلى كتفه يلمع شارة واضحة: نجمة سداسية.
توقف الزمن فى تلك اللحظة. السيجارة بين أصابعه ارتجفت، تفتت طرفها المحترق وسقط رمادها على التراب. لم يعد يسمع الصرخات ولا وقع الأقدام، كل ما رآه كان تلك العلامة، كأنها خُطّت على قلبه مباشرة.
اشتعل الغضب داخله، لم يكن غضبًا عاديًا، بل بركانًا انفجر بعد صمت طويل. ضغط بأسنانه، همس كمن يحلف قسمًا:
"على جثتي…"
أسقط السيجارة على الأرض وسحقها بحذائه، ثم رفع البندقية بثبات قاتل. لم يعد هناك مجال للتراجع، لم يعد هناك هرب.
الريح حملت أولى رصاصاته، دوّت الطلقات كأنها تعلن ولادة معركة جديدة. العسكر المموّهون ارتبكوا للحظة، قبل أن يلتفتوا جميعًا إلى ذلك الرجل الوحيد الذى أطلق النار دون خوف، كذئب قرر أن ينقضّ على قطيع كامل.
رصاصة أولى أصابت صدر جندى فوقع متدحرجًا، الثانية شقت خوذة آخر وأسقطته صامتًا. صرخات ارتفعت، السلاح الآلي ردّ بوابل كثيف، الشرر يطير من الصخور، لكن حشمت مندور كان قد بدأ حربه الخاصة، حربًا لم يختر زمانها ولا مكانها… لكنه اختار ألّا يهرب.
"وِش بتسوى يا زلمة؟"
جاء صوت رفيع من بين الصخور لوجه ملثم يحمل أربجية.
"انت بتبوّظ كل حاجة."
رمقة حشمت مندور بغضب والشرر يتطاير من عينه.
"انت معايا ولا معاهم؟"
تردد الصوت لحظة فى صمت.
"انت مصري؟"
"مصري ولا أجنبي هتفرق إيه؟" همس حشمت مندور وهو يطلق دفعة من الرصاص تعوق تقدم القوات.
"احنا ناصبين كمين. تعالى معايا خلى القوات تتقدم."
صرخ حشمت مندور:
"اسمع يا جدع انت مش عاجبني، أنا كده كده ميت. اديني الأربجيه اللي معاك ده."
ومع آخر كلماته انطلقت دانة دبابة إلى موقعهم.
قفز حشمت مندور فى آخر لحظة وتدحرج على الأرض والصوت صم أذنيه.
رواية اعلنت الحرب على قلبي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم اسماعيل موسى
كانت عودة ندى إلى بيت أسرتها أشبه بالرجوع إلى مكان تعرفه جيدًا، ومع ذلك بدا غريبًا عنها. القرية غارقة في سكون المساء، والحقول تمتد خضراء حتى الأفق، كأنها تذكّرها بما فقدته أكثر مما تمنحها طمأنينة.
استقبلها الجد عند العتبة، شيخٌ مهيب، تقوس ظهره من السنين، لكن عينيه ما زالتا تحملان قسوة الأرض وصلابتها. فتح ذراعيه لها، ضمها إلى صدره، وتردد صوته الجهوري:
"الحمد لله على السلامة يا بنتي."
أعمامها اجتمعوا حولها، أصواتهم متداخلة بين الأسئلة والدهشة والترحيب، الأطفال الصغار يركضون بين الأرجل، والنساء يتهيأن لإعداد وليمة على عجل كعادة القرى في استقبال الغائبين.
لكن ندى، وسط كل هذا الضجيج، شعرت بفراغ قاسٍ ينهش قلبها. ابتسمت مجاملة، أجابت عن الأسئلة بكلمات مقتضبة، لكن عينيها ظلتا تبحثان عن شيء مفقود. كانت تعرف أن بيتها ليس خاليًا، وأن الدم يحيطها من كل اتجاه: جدها، أعمامها، أبناء العم. ومع ذلك… بدا لها أنها يتيمة.
اليُتم لم يكن بسبب موت أبويها فحسب، بل بسبب ذلك الشعور بأن الروابط الحقيقية انقطعت منذ زمن. جدها قاسٍ في هيبته، أعمامها منشغلون بأعمالهم وصراعاتهم الصغيرة، والبيت الكبير الذي ارتفعت ضحكاته في الماضي صار الآن باردًا، يردّد الصدى أكثر مما يردّد الحكايات.
في تلك الليلة، جلست ندى وحدها قرب نافذة الغرفة التي خصصت لها. كانت تسمع أصوات الاحتفال في الفناء، رنين الأكواب، ضحكات الصغار، حوار الكبار عن الزراعة والرزق. ومع ذلك، بدا لها كل شيء بعيدًا، كأنها تشاهده من خلف زجاج سميك.
وضعت رأسها على كفها، ومرت صورة حشمت مندور أمام عينيها. الرجل الذي أوصلها إلى هنا، المجرم الذي اعترف بنفسه أنه مطارد، لكنه لم يتردد أن يضعها في قلب بيتها ثم يرحل. المفارقة كانت تمزقها: مجرم مجهول منحها شعور الأمان أكثر من أسرتها الكاملة.
رفعت عينيها إلى السماء الداكنة، والنجوم المتناثرة، وهمست لنفسها:
"الصدفه وحدها هي التي اوقعتها في طريق حشمت مندور."
حشمت مندور… وابتسمت ندى بسخرية. الذي أنقذها. لم تفهم ندى أبدًا الدوافع التي دفعت حشمت مندور للتدخل لأنقاذها، كل ما تعرفه أنها مدينة بحياتها لهذا المجرم، وحين يأتي وقت دفع الثمن لن تتأخر.
في غرفتها، حين هدأ صخب الدار قليلًا وتوقفت الأقدام عن الصعود والهبوط، جلست ندى عند طرف سريرها، عيناها معلّقتان بالجدار لكنها لم ترَ شيئًا. كل ما كان يلحّ عليها هو تلك النظرات.
نظرات جاسم، التي لحقت بها منذ لحظة دخولها البيت. لم تكن نظرات عادية: لم تحمل صراحة العتاب ولا وضوح الترحيب، إنما شيء رمادي بينهما، غامض، يثقل صدرها.
أعادت المشهد عشرات المرات داخل عقلها، تحاول أن تضع له تفسيرًا. أكان يراقبها كابنة عم ضائعة ثم عادت؟ أم كذنب عالق لا يعرف كيف يغفره؟ أم كمسؤولية يريد أن يتنصل منها؟
الذاكرة خانتها حين حاولت أن تستدعي تفاصيل دقيقة من عينيه. مرة تراهما صارمتين كعيون الجد، ومرة لينتين على نحو لم تعرفه من قبل. تارة يبدوان وكأنهما يحملان أسئلة لا يريد أن ينطق بها، وتارة يبدوان كأنهما إعلان صامت بأنه كان هناك، يبحث عنها، ولم يجدها.
رفعت يديها إلى وجهها، تمسح دمعة سالت بلا وعي. ما الذي أراد جاسم أن يقوله؟ ولماذا شعرت وكأن نظراته كانت تحمل شيئًا أعمق من مجرد قلق عابر؟
تكوّر قلبها في صدرها. الخوف لم يكن من المجرمين ولا من الحقول المظلمة التي جُرّت منها، بل من هذا الغموض الذي يربطها فجأة بجاسم. غموض يطاردها حتى في وحدتها، وكأن نظراته لم تترك لها مخرجًا.
***
شاهندة
في بيتها، جلست شاهندة أمام المرآة، تمشط شعرها بحركة عصبية، حين جاءتها المكالمة القصيرة. الصوت في الطرف الآخر كان يخبرها ببرود أن ندى قد عادت إلى بيت العائلة بخير وسلام.
توقفت يدها في الهواء، وسقط المشط من أصابعها على الأرض. لوهلة لم تصدق ما سمعت. عادت؟!
شعرت كأن الغرفة ضاقت عليها فجأة، الهواء يثقل صدرها، والأرض تدور من تحتها. كانت قد أعدّت نفسها لتعيش مطمئنة أن تلك الصفحة طويت إلى الأبد، فإذا بالخبر يعيد كل مخاوفها القديمة ويشعل الغضب في عروقها.
نهضت شاهندة بخطوات متوترة، تدور داخل الغرفة الصغيرة كما لو كانت تبحث عن منفذ لهروب مستحيل. كلماتها خرجت بصوت مرتفع، رغم أنها كانت وحدها:
"البنت دي شيطانه طلعتلي من غير مقدمات."
في تلك اللحظة أحست أن كل ما بنته من آمال وخطط ينهار دفعة واحدة. صورة جاسم مرت بخيالها، وتخيلته يلتفت إلى ندى بعينيه كما فعل قديمًا، ذلك الوميض الذي لم تفهمه يومًا صار يطاردها كظل. قبضت على صدرها، والغيرة ممزوجة بالغيظ جعلتها عاجزة عن الجلوس أو حتى التفكير بهدوء.
الغرفة التي كانت دائمًا مرتّبة بدت كأنها تضيق بجسدها، وبداخلها اشتعلت نار لم تجد لها سبيلًا للخروج سوى كلمات مقطوعة، أنفاس حادة ثم اتصلت بنوح وحملته مسؤولية ما حدث واتهمته بالفشل ثم تركته وهي تعرف أن نوح لن يصمت.
***
وسط الأجواء المثقلة بظلال الغضب والقلق بعد عودة ندى، جلس جاسم قرب جدّه في الصالة، حيث كان الشيخ الكبير متكئًا على أريكته، عيناه الغائرتان تراقبان الصمت أكثر مما تراقبان الناس.
اقترب جاسم، انحنى قليلًا وهمس بصوت خافت، كأنه يخشى أن يسمعه أحد من خارج الجدران:
"جدو… عايز أتكلم مع حضرتك في حاجة."
رفع الجد حاجبيه، لم يعلّق بكلمة، اكتفى بنظرة ثابتة تدعو جاسم للاسترسال. عندها جمع جاسم أنفاسه المتقطعة وقال بتردد، لكنه كان حاسمًا في جوهر كلامه:
"أنا… عايز أطلب إيد ندى."
ساد صمت ثقيل. لم يكن من النوع العابر، بل صمت يزن كل كلمة ويختبر صدقها. جاسم شعر أن قلبه يطرق صدره بعنف، وكأن جدّه يسمع دقاته.
أخيرًا قال الشيخ بصوت منخفض لكنه نافذ:
"خلّي الموضوع سر بيني وبينك دلوقتي. ما يخرجش برّه لحد."
أومأ جاسم برأسه، لم يجد ما يقوله، بينما تملكه مزيج غريب من الراحة والخوف في آن واحد.
ثم التفت الجد إليه فجأة، كأنه يقلب المعادلة بسؤال واحد اخترق صمتهما:
"أمك… تعرف برغبتك دي؟"
جاسم تجمّد مكانه. لم يتوقع السؤال، وكأنه سهم خرج من حيث لا يدري. أطرق رأسه، فكر للحظة طويلة، ثم رفع عينيه ببطء وقال بصوت خافت:
"… لا."
عندها عاد الجد إلى صمته، وكأن الصالة بأكملها دخلت في اختبار جديد، لا يعلمه سوى الشيخ وجاسم.
ارتسمت على ملامح الجد قسوة لم يرها جاسم منذ زمن، كانت نظراته عميقة كأنها تفتش في أعماقه وتفكك دواخله، ثم عاد وأسند ظهره إلى الأريكة ببطء، كأن الثقل الذي يحمله أكبر من كتفيه.
دخل في صمته الطويل، بينما جاسم ينتظر كلمة، أي كلمة تريحه أو تهزمه. لكن الجد لم يتعجل، بل ترك الصمت يختبر حفيده. كان في داخله صراع مرير: من جهة يرى إصرار جاسم وملامح الصدق التي لم يخطئها طوال عمره، ومن جهة أخرى يعرف أن خطوة كهذه كفيلة بتفجير كل ما تبقى من هدوء هش داخل العائلة، وخاصة مع شاهندة.
تسللت فكرة قاتلة إلى ذهنه: "لو علمت شاهندة، لن تترك الأمر يمر. ستعتبر أن ندى سرقت ابنها منها." ثم أغمض عينيه، شعر أن قلبه يئن، يتذكر سنوات طويلة من السعي إلى الحفاظ على ترابط هذه العائلة، وكيف أن كلمة واحدة غير محسوبة كفيلة ببعثرة كل شيء.
أخيرًا قال بصوت متثاقل، جاف، وكأنه يزن كل حرف:
"جاسم… اللي بتفكر فيه مش سهل. مش ندى بس اللي هتتأثر… العيلة كلها هتتهز."
ارتجف قلب جاسم عند سماع الجملة، لكنه تشبّث بالصمت، لم يتراجع. كان الجد يراقبه، يبحث عن أي علامة ضعف، فلم يجد سوى إصرار لم يره فيه من قبل.
تنهد الجد ببطء، ثم أضاف بنبرة فيها مزيج من المرارة والإقرار:
"هتتحمل اللي ممكن يحصل لو الكلام دا طلع للنور؟"
ظل جاسم محدقًا فيه بعينين مشتعلة، ثم هز رأسه، بصوت ثابت:
"أتحمل."
حينها شعر الجد أن الصراع في داخله لم يُحسم، لكنه ترك بابه مفتوحًا. لم يقل نعم، ولم يقل لا. فقط ترك الصمت يعود ليحكم المشهد من جديد، صمت أثقل على قلب جاسم من أي رفض صريح.
***
جلس الجد في الصالة بعد أن انفضّت الضوضاء، وساد البيت سكون ثقيل لا يقطعه سوى أنفاس متقطعة وأصوات أواني بعيدة في المطبخ. نادى بهدوء:
"ندى… تعالي اقعدي جنبي يا بنتي."
اقتربت بخطوات مترددة، وجلست إلى جواره، متحفزة كعادتها حين يستدعيها بصوت منخفض يحمل ما يشبه الغموض. حدق فيها الجد طويلًا، عيناه تخترقان ملامحها، يقرأ توترها كما لو كان كتابًا مفتوحًا.
قال بصوت بدا عاديًا، لكن تحته الكثير من القصد:
"يا ندى… في عريس متقدملك."
انتفضت بداخلها، وشعرت كأن قلبها يسقط بين ضلوعها. لم تنتظر حتى تسمع اسمه، بل هزت رأسها سريعًا وقالت بحدة مكتومة:
"لأ… مش موافقة."
ابتسم الجد، ابتسامة صغيرة مشوبة بدهشة ساخرة، ثم انحنى قليلًا نحوها وهمس:
"بترفضي قبل ما تعرفي مين هو؟"
ترددت نظراتها المرتبكة، وابتلعت ريقها بصعوبة. لم تجد ردًا، فقط صمت ثقيل احتبس في حلقها. عندها اقترب الجد أكثر، خفض صوته كأنه يكشف سرًا، وهمس بجملة واحدة غيرت ملامحها:
"اللي متقدملك… دكتور جاسم، ابن عمك."
تسمّرت ندى في مكانها، كأن الأرض انسحبت من تحت قدميها. اختنقت أنفاسها، ارتجف قلبها، ولم تستطع أن تجيب أو حتى تلتقط الكلمات لتعيدها إلى عقلها. ارتباك عارم اجتاحها، لم تعد قادرة على الجلوس أكثر.
فجأة نهضت واقفة، بعينين غارقتين في الدهشة والخوف، ثم همست بكلمة مقتضبة لا تُسمع، واستدارت مسرعة نحو السلم. خطواتها كانت هروبًا أكثر منها حركة عادية، حتى وصلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، تسند ظهرها إليه، محاصرة بكل ما أثاره هذا الخبر.
***
حشمت
تراجع حشمت مندور خطوة بخطوة، عيونه مثبتة على خطوط النيران الممتدة أمامه. الرصاص يتطاير حوله كالشرر، يضرب الجدران المنهارة ويثير غبارًا خانقًا. لم يكن انسحابًا هروبًا، بل حركة محسوبة، كل خطوة محسوبة بالثواني، وكل التفافة جسدها ذاكرته الطويلة في المواجهات.
بينما يلتصق بظل جدار نصف مهدم، دوى انفجار مدوٍّ أطلقته دبابة في الطرف الآخر من الحارة، فاهتزت الأرض تحته كأنها تنشق. ارتفعت سحابة كثيفة من الركام، وانهارت شرفة قديمة، تساقطت حجارتها على مقربة من رأسه. أدار جسده بسرعة، متراجعًا إلى زقاق جانبي، يسحب معه بندقيته، يلتقط أنفاسه المتقطعة.
لكن ما قطع تفكيره لم يكن الرصاص، بل الصرخات التي بدأت تشق السماء المظلمة. أصوات نساء يصرخن من داخل البيوت، وأطفال يختبئون تحت الأثاث، أصوات رقيقة مذعورة تذيب أقسى القلوب. كان يسمع ارتطام الأبواب الخشبية بقبضات الجنود، بكاء متقطع يعلو مع هدير المحركات الثقيلة.
ارتجف داخله شيء لم يعتده؛ ليس خوفًا، بل غضبًا ناريًّا يتصاعد مع كل صرخة تمر بأذنه. ضغط على أسنانه بقوة، همس بين نفسه بغل مكتوم:
"يا ولاد الخنازير أنتم بتقتلو بدم بارد؟"
زفر دخانًا متخيلًا من صدره، كأنه يبتلع الغضب بالنيران، ثم انحنى يتسلل عبر الممرات الضيقة، يختفي حينًا ويظهر حينًا آخر، متخذًا من الانهيارات ملاذات مؤقتة، ومن الظلام رداءً يحميه. كان يعرف أن بقاءه في مرمى الرصاص المباشر انتحار، لكنه في الوقت نفسه لم يرد أن يوليهم ظهره بالكامل.
كلما توغل داخل الحارات العميقة، ظل الصدى يلاحقه: صوت الأطفال وهم يصرخون، والنساء يلهجن بالاستغاثة. كان كأن هذه الأصوات تدق على جمجمته، تخلط بين ماضيه وحاضره، بين ما فرّ منه طوال حياته، وبين ما يجبره اليوم على المواجهة.
تسمّر حشمت مندور في مكانه، نصف جسده خلف جدار محطم، عيناه متسعتان لا تفوتان مشهدًا واحدًا مما يحدث أمامه. كان الطفل لم يتجاوز العاشرة، يختبئ وراء ساق أبيه، والاثنان واقفان وسط الركام كأنهما بلا مفر. جندي مموه يقترب بخطوات ثابتة، سبابته مشدودة على زناد بندقيته. الأب رفع يده عاليًا، يصرخ بكلمات غير مفهومة وسط الضوضاء، يحاول أن يحمي صغيره بجسده النحيل.
لكن الرصاصة خرجت ببرود قاتل، اخترقت صدر الأب وأسقطته أرضًا. صرخة الطفل شقت الليل قبل أن يسقط هو الآخر، رصاصة أخرى مزقت جسده الصغير. اتسعت عينا حشمت، تجمد للحظة، قلبه ينقبض كأنه خُنق بيد من حديد. لم يكن هناك وقت حتى للبكاء، فالتعاقب كان أكثر وحشية مما تخيل.
سرب الدبابات واصل تقدمه، جنازيره الحديدية تدوس على الجثتين، تسحق العظام كما تسحق الحصى. لم يلتفت الجنود وراءها، كأن ما داسوه ليس إلا حجارة على الطريق. الغبار ارتفع كسحابة خانقة، امتزجت رائحة الدم بالبارود، وامتد صدى الحديد يطحن اللحم في أذن حشمت كصفير جهنمي لا ينتهي.
وفجأة، اخترق كل ذلك صوت مختلف… صوت امرأة. خرجت من بين البيوت المهدمة، شعرها منكوش وثوبها الممزق يتطاير مع الريح، عيناها جمرتان من الفزع. ركضت بكل ما تملك من قوة نحو الجثتين، لا يردعها الرصاص ولا هدير المحركات. وحين ارتمت فوق جسد زوجها ثم ضمت طفلها الصغير الملطخ بالدماء، خرجت منها صرخة مدوية، صرخة هزت قلب حشمت كما لم يهتز من قبل:
"شهداء…! شهداء…!"
كانت الكلمة تشق الليل وتخترق الدخان، تُقال بإصرار يائس، بنغمة امرأة رأت الموت بعينيها لكنها ترفض أن تعطيه الانتصار.
في تلك اللحظة، شعر حشمت مندور أن الأرض كلها تهتز تحته، ليس من الدبابات، بل من الغضب الذي اشتعل في صدره. أصابعه تحركت لا إراديًا نحو زناد بندقيته، أنفاسه تحولت إلى لهاث قصير، والعرق البارد ينزلق من جبينه. لم يعد يسمع شيئًا سوى تلك الكلمة تتردد داخله… "شهداء".
اندفع الجنود نحو المرأة، كانوا يتحركون كقطيع مدجج بالسلاح لا يرى في الطريق سوى عوائق يجب إزالتها. صرختها ما زالت تتردد في الأجواء حين أمسك أحدهم بسلاحه وعدّل من وضعه، بلا تردد ولا حتى التفاتة شفقة. أطلق النار كما لو أنه يطرد غرابًا أزعجه أو يركل حجرًا أعاق خطواته.
ارتج جسدها للحظة، ثم سقطت فوق زوجها وطفلها، ذراعاها ما زالتا ممدودتين تحتضنهما، وعيناها المفتوحتان تحدّقان في الفراغ. لم يتوقف الجندي عند المشهد، مرّ بجوارها بخطوة عسكرية باردة، كأن شيئًا لم يحدث، كأنها لم تكن أكثر من غبار يعترض سير المعركة.
من خلف الركام، كان حشمت مندور يراقب، وعروقه تكاد تنفجر من فرط ما يجتاحه. قبضته على بندقيته تزداد قوة حتى أوجعته، أنفاسه قصيرة، حارقة، ووجهه يتصلب كالصخر. لم يعد يسمع سوى هدير الدم في رأسه، ولم يعد يرى إلا المشهد متكررًا أمام عينيه: رجل يسقط… طفل يتبعه… امرأة تُقتل بدم بارد كأنها لا تساوي شيئًا.
تزلزل داخله شيء لم يعرف له اسمًا، مزيج من الغضب والعار والنقمة، شعور أن الصمت بات خيانة، وأن بقاءه مختبئًا لم يعد إلا هروبًا جبانًا. كتم أنفاسه لحظة، ثم رفع رأسه قليلًا نحو السماء الرمادية وكأنه يبحث عن أي معنى، لكن كل ما ارتد إليه كان الفراغ.
في صدره اشتعلت نار لم يعد يسيطر عليها، نار صاخبة تدفعه دفعًا، وتصيح في داخله: "كفى…! كفى…!"
شدّ حشمت مندور على بندقيته، وعيونه مسمّرة على الجندي الذي أطلق النار على المرأة كأنه قد حفر صورته في قلبه. لم يعد يرى غيره، لم يعد يسمع غير دوي الرصاص الذي سبق وأن أنهى حياتها. كان داخله قرار صارم لا عودة عنه: ذلك الجندي يجب أن يسقط، ولو كان ثمنها حياته.
انطلق من خلف الركام فجأة، جسده كالسهم، يركض في الطريق المفتوح حيث الموت يتربّص من كل زاوية. خطاه سريعة لكن متعرجة، يغيّر اتجاهه كل لحظة، يميل بجسده يمينًا ويسارًا، ينزلق أرضًا ثم ينهض، كي يتفادى وابل الرصاص الذي انطلق نحوه كالمطر الأسود.
رصاص العدو ينهال عليه، يصفّر فوق رأسه ويضرب الأرض حول قدميه، والدبابات من بعيد تقذف القذائف العمياء، فتهتز الأرض تحت قدميه وتتناثر الحجارة والتراب كالأمواج المتكسّرة. لكن عيناه لم تفقدا الهدف، ثابتة على الجندي الذي بدأ يلتفت بدهشة، كأن وحشًا خرج له من قلب الجحيم.
ركض حشمت أقرب وأقرب، كل عضلة في جسده تصرخ، وكل نفس يخرج من صدره حارقًا، لكنه لم يتوقف. لم يفكر في النجاة، لم يفكر في الغد، كان كل ما في ذهنه أن يقتص، أن يزرع الرعب في قلب من قتل بدم بارد، ولو كان ذلك آخر ما يفعله.
ارتجّت الأرض فجأة تحت هدير الدبابات، وفجّر الصمت الرهيب انفجارٌ مدوٍّ اخترق صفوف العدو. لهبٌ هائل ارتفع من أسفل أول دبابة في السرب، وارتفع عمود دخان أسود غطّى السماء. ارتجّت بقية الدبابات وتوقفت لوهلة، ثم دوّى صراخ الجنود داخل عرباتهم:
"كمين! كمين!"
ومن خلف الركام والأزقة الضيقة، انطلقت القذائف المضادة للدروع. قذائف الـRPG راحت تنهال من كل جهة، تطرق أجساد الحديد وتفجّرها كعلب صدئة. النار تشتعل، واللهيب يلتهم، والدخان يحجب الرؤية، والجنود يركضون مذعورين، يبحثون عن ساتر في وسط جحيمٍ لا يعرفون من أين يأتي.
وسط تلك الفوضى، كان حشمت مندور يتحرك كالطيف، يتسلل بين النيران والدخان، كأنه منبتّ عن قوانين الموت. لم يكن في قلبه إلا اسم واحد، صورة واحدة، ذلك الجندي الذي أسقط المرأة كأنها لا شيء.
رآه أمامه، واقفًا في ذهول، يحاول أن يوجه سلاحه، لكن قبل أن يتمكن، اندفع حشمت نحوه. أطلق رصاصة أولى أصابت صدره، ثم انقض عليه ليُجهز عليه بلا رحمة بيديه العاريتين.
الدم نضح على يديه، لكن الغضب لم يخمد. التفت إلى الجنديين الآخرين الذين أطلقوا النار على الطفل ووالده. كانا يحاولان الاحتماء خلف دبابة محترقة، لكن حشمت لم يمنحهما فرصة. رشق الرصاص بلا تردد، فأصاب الأول في عنقه فسقط يتخبط في دمه، أما الثاني حاول الردّ، لكن حشمت تقدم بخطوات ثابتة وأطلق عليه رصاصة أنهت حياته.
كان الدخان يلف المشهد كله، وأصوات الانفجارات تتعالى، لكن قلب حشمت مندور لم يعرف الخوف تلك اللحظة. شعر أن النار من حوله امتداد لناره الداخلية، وأن الدماء التي سالت أمامه لم تكن إلا قصاصًا مؤجلًا جاء موعده الآن.
كان الرصاص المنطلق من الأزقة يحاول أن يوفر له الحماية.
خلال انسحابه السريع تلقى حشمت مندور رصاصة في كتفه لكنه واصل الانطلاق حتى اختفى خلف جدار وقبل أن يبتلع أنفاسه دكت قذيفة دبابة المنزل بأكمله فوق رأسه. تدحرج حشمت مندور مبتعدًا عن الهدم وارتفع الغبار ليحجب كل شيء. زحف حشمت مندور بين الأنقاض المتراكمة يغطيه التراب لم يكن يشعر بقدمه ولا كتفه. اتكأ على جدار مهدم وضع البندقية فوق قدميه وأخرج سيجاره أشعلها بصعوبة.
كان يعرف أن لا مكان للهرب وأن موته الوشيك لن يستغرق سوى لحظات، رأى الطائرات المسيرة تحلق في السماء. نفخ حشمت مندور دخان سيجارته، أحصى الرصاصات المتبقية.
إذًا كانت قذيفة دبابة أو رصاصة جندي. الموت واحد. تنهد بصعوبة وزفر الدخان ولمست يده الدماء التي سالت منه، ثم أطلق ابتسامة ساخرة.
"أخذت منهم ستة آمال. بيقولوا الحرب معاهم صعبة، ليه؟"
سمع صوت قائد الكتيبة يبرطم بصوت صارخ كان على مقربة منه، ثم انطلقت قذيفة أخرى من بين الركام أوقفت السرب عن الحركة.
"تعالى من هنا يا زلمه…"
كان صوت ضعيف هامس بين الركام يلوح لحشمت مندور.
حاول حشمت مندور أن يتحرك لكن قدمه عاندته مما اضطره للزحف خمس خطوات أخرى وأخرى ثم جذبته يد قوية تحت الأنقاض.
رواية اعلنت الحرب على قلبي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم اسماعيل موسى
جلس حشمت مندور على الكرسي المعدني في منتصف الغرفة الضيقة، يديه مكبلتان أمامه، وإضاءة باهتة تتسرب من مصباح معلق يهتز مع كل حركة.
الصمت كان يطبق على المكان حتى اخترقه صوت رجل يجلس قبالته، صوته عميق، يخرج ببطء لكنه يجرح مثل السكين:
– من أنت؟
رفع حشمت رأسه ببطء، مسح الدم المتجمد عن جبينه بابتسامة ساخرة:
– حشمت.
ارتسمت ابتسامة باهتة على فم الرجل، ثم قال بسخرية:
– ماذا تفعل هنا؟
ثبت حشمت نظره لحظة، مجرد عابر سبيل.
– رجل عابر؟! يظهر وسط المعركة، يركض خلف الجنود، يعرف كيف يتفادى الرصاص كأنه عاش عمره في ساحات التدريب؟ لا أحد يبتلع هذه الحكاية يا حشمت.
أمال حشمت رأسه قليلاً، كأنه يزن كلماته:
– ربما لم تعتادوا رؤية رجل لا يخاف الموت… هذا كل ما في الأمر.
اقترب المحقق من الطاولة، صوته صار أكثر جدية:
– دعك من الشعارات الرنانة، تعلم أنك بين أناس لا يهابون الموت… لماذا جئت إلى هنا؟ من أتى بك إلى غزة؟
انعكس الشرود في عيني حشمت لحظة، لكنه أخفاه بابتسامة باردة:
– جئت لأسباب تخصني… أسباب لا تعنيكم.
ضرب الرجل الطاولة بيده بقوة، فارتج المصباح المعلق، لكنه سرعان ما استعاد هدوءه:
– إذن تخفي شيئًا… وهذا ما نريد أن نعرفه.
ضغط حشمت جسده للخلف حتى صرخ الجرح في كتفه، لكنه لم يُظهر سوى السخرية:
– أنتم تبحثون عن أسرار غير موجودة. لو أردت خداعكم ما جلست أمامكم الآن. أنا لا أعرف إلا طريقًا واحدًا… أواجهه.
اقترب الرجل أكثر، صوته منخفض، لكنه محمَّل بالتهديد المبطن:
– صدقني يا حشمت… لو كذبت سنعرف، ولو صدقت سنعرف أيضًا. المسألة ليست في كلماتك، بل في قدرتك على التحمل.
ابتسم حشمت ابتسامة نصفية، وعيناه تلمعان ببرود:
– الثبات… هو الشيء الوحيد الذي لم يفلح أحد في نزعه مني. لا جنود، ولا دبابات، ولا حتى أنتم.
ساد صمت ثقيل في الغرفة، حتى بدت الجدران وكأنها تضيق على الاثنين.
نهض المحقق أخيرًا، ووقف عند الباب قبل أن يقول ببطء:
– سيستمر التحقيق غدًا. نرى كم سيحتمل لسانك… قبل أن يفضح هويتك.
تركه ومضى.
ابتسم حشمت ابتسامة ساخرة وهو يحدّق في الفراغ، يهمس لنفسه:
– هم يبحثون عن جاسوس… وأنا لم آت إلا من أجل وجه واحد. لكن القدر ساقني إلى حفرة الذئاب.
وُضعت غمامة سوداء على عيني حشمت مندور، فابتلع المكان نوره القليل، ولم يبقَ أمامه سوى العتمة الملاصقة لجفونه.
سُحب إلى غرفة أخرى، خطوات خشنة تتردد في الصمت، ثم أُجلس بقوة على الكرسي المعدني نفسه، يديه مكبلتان كما كان.
لم يطل الانتظار؛ صوت جديد اخترق السكون. كان الصوت أعنف، أكثر قسوة، وكأن كل كلمة تخرج منه بوزن المطرقة:
– ما اسمك الحقيقي؟
ابتسم حشمت، رغم أنه لم يرَ من يحدثه، وقال ببرود:
– قلتها مئة مرة… اسمي حشمت مندور.
ضرب الصوت الجدار خلفه بقبضة معدنية، فاهتزت الغرفة وصدى العنف ارتطم في أذن حشمت:
– لا تساومني بالأسماء. نحن لا نهتم بما تدعيه. نحن نريد أن نعرف: من أرسلك؟
حرك حشمت كتفيه المكبلين ببطء، كأنما يمدد عضلاته تحت قيد الألم، ثم قال بابتسامة ساخرة لم يرها أحد:
– أرسلتني قدماي… وما أبعدتهما عن الموت جئت أسعى إليه.
ضحك الصوت القاسي، ضحكة قصيرة أشبه بالازدراء:
– تريد أن تموت هنا إذن؟ الموت عندنا رخيص، لكنه ليس هدية توزع بلا مقابل.
صمت حشمت لحظة، ثم قال:
– لستم أنتم من يقرر موتي… ولا حياتي.
اقترب الصوت حتى صار الأنفاس حادة، ساخنة تلسع أذن حشمت من تحت الغمامة:
– إذن اسمعني جيدًا… كل من جلس على هذا الكرسي، تكلم في النهاية. لا يهمني قوتك ولا كبرياؤك. يهمني شيء واحد فقط: لماذا أنت هنا؟
أخذ حشمت نفسًا عميقًا، كأنما يستجمع داخله شيئًا ما، ثم قال ببطء:
– أنا هنا… لأنني أردت أن أكون هنا ولي أسبابي الخاصة التي لا تعنيكم.
سكت لحظة، ثم أضاف بصوت منخفض كأنه يحدّث نفسه أكثر مما يجيب:
– ولأن هناك وجهًا واحدًا لا يغيب عني… حتى وسط كل هذا الدخان والدم.
ساد الصمت. لم يعلّق المحقق، لكنه ظل واقفًا خلف الغمامة، يراقب أنفاس الرجل الذي أمامه.
ثم قال ببرود:
– إذن سنستمر. يوم بعد يوم… حتى نعرف، أو حتى تنهار.
رد حشمت بابتسامة لم ترَ، لكن صداها خرج من صوته:
– جربوا… أنا لا أنهار.
– هل يمكنك أن تمنحني سيجارة وأخبرك بمعلومة مهمة؟
تردد الرجل لحظة ثم أشعل سيجارة ووضعها في فم حشمت مندور.
انتظر.
تنهد حشمت وهو يبتلع الدخان كجائع لم يذق الطعام منذ زمن.
قال الرجل بغضب:
– سنحصل على ما نريده، نفعل ذلك دومًا.
– أقول لك شيئًا؟
رفع حشمت مندور يده.
– امنحني بندقية أو أربجيه وألقِ بي في وسط أبناء الخنازير واتركني لحظة، حينها يحصل كل منا على مبتغاه.
أطلق الرجل ابتسامة ساخرة ثم ترك حشمت وغادر الغرفة.
وُضع حشمت مندور في الغرفة الضيقة ذات الجدران العارية، دون تحقيق، دون أسئلة، دون حتى صوت خطوات في الممر. في البداية ظنها استراحة، هدنة قصيرة قبل جولة أخرى من الاستجواب. لكنه سرعان ما أدرك أن الصمت نفسه صار التحقيق الأشد قسوة.
مرت ساعات طويلة لم يسمع فيها سوى أنفاسه، وصرير قيوده حين يحاول تغيير جلسته. لم يطرق أحد الباب، لم يدخل طعام ولا ماء إلا في أوقات غير منتظمة، حتى بدأ يفقد الإحساس بالزمن.
جلس على طرف السرير المعدني، يحدق في المصباح الوحيد الذي لم يُشعل منذ أن تركوه. العتمة كانت تزداد لزوجة، كأنها مادة تلتصق بجلده وعقله معًا.
في اليوم الثالث ـ أو ربما الخامس، لم يعد يعرف ـ بدأ يسمع أصواتًا لا وجود لها: وقع أقدام تقترب ثم تختفي فجأة، همسًا خلف الجدار، صرير مفتاح لم يدخل القفل.
كان ينهض في كل مرة، يصرخ:
– أنا هنا… سامعكم… مش هتقدروا تلعبوا بيا!
لكن لا إجابة. فقط الصمت يعود أثقل مما كان.
بدأ عقله يشتعل بالأسئلة:
هل رحلوا فعلًا؟
هل تركوه ليموت وحده هنا؟
أم أنهم يراقبونه من ثقب صغير، يتسلّون بارتباكه؟
كان يضحك فجأة، ضحكة قصيرة مجنونة، ثم يدفن وجهه بين كفيه.
ومع ذلك، كل ليلة كانت أصعب من سابقتها. الجوع لا يقتله، العطش لا يهزمه، لكن الفراغ… الفراغ الذي يتسع حوله كهوّة كان يبتلعه ببطء.
بدأ يتذكر وجوهًا غائبة. سلوان وهي تبتسم على الحدود. ندى ودموعها حين انهارت. أعداؤه، حتى الذين قتلهم… كلهم عادوا يجلسون معه في الغرفة، يتهامسون ويسخرون من وحدته.
مدد جسده على السرير، يحدّث نفسه بصوت خافت:
– يمكن يكون ده الاختبار… مش الرصاص، مش التحقيق… الاختبار الحقيقي إنهم يسيبوك مع نفسك… ساعتها يا تقتل نفسك… يا تثبت إنك أقوى من صمت الدنيا.
ثم أطلق زفرة طويلة، وأدار رأسه نحو الباب المغلق، كأنما يتحدى من خلفه ولو لم يكن هناك أحد:
– ما تخافوش… لسه بدري أوي قبل ما تكسّروني.
ندى
دخلت ندى غرفتها بعد المواجهة القاسية مع شاهندة، صدرها يعلو ويهبط بسرعة، وعيناها تلمعان بدموع لم تسقط بعد. جلست على طرف السرير، كأن جسدها ثقيل لا يقوى على الحركة، لكن عقلها كان مشتعلاً. كلمات شاهندة ترن في رأسها: "أنتِ مجرد فتاه تافهة… ولن تكوني يومًا ذات قيمة."
ارتجفت أناملها وهي تضغط على الغطاء، لكنها لم تبكِ. لأول مرة منذ زمن، شعرت أن دموعها لن تُغير شيئًا. ما عاد البكاء يكسر الحواجز التي تقيمها شاهندة والعالم ضدها. كان عليها أن تفعل شيئًا آخر… شيئًا يمنحها قيمة حقيقية، قيمة لا يمكن لأحد أن ينكرها.
همست لنفسها بصوت متقطع:
"أنا مش هبقى ظلّ… مش هعيش في الهامش. لازم أكون حدّ… لازم أكون قيمة."
كأن صوتها الداخلي يعلو، يتحول من ارتعاش إلى يقين. تخيلت نفسها واقفة في قاعة الجامعة، تلقي محاضرة، الطلاب ينصتون إليها، أسماؤها تُكتب في الأوراق، ويُقال: "الدكتورة ندى"… حينها فقط، شعرت أن وجودها لن يُمحى، وأنها تستطيع أن تفرض نفسها حتى على شاهندة.
رفعت رأسها نحو المرآة، وجدت فتاةً شاحبة لكنها أكثر ثباتًا مما كانت يوم دخلت هذا البيت. تحدثت إلى انعكاسها بصلابة لم تعرفها من قبل:
"أنا مش هتجوز جاسم… ولا أي حد تاني."
وفي صباح اليوم التالي، حين جلست أمام جدها، لم تكن ابنة مترددة تبحث عن مأوى، بل امرأة تتشكل.
نظر إليها الجد مطولًا قبل أن يسألها بصوته الوقور:
– ندى… قلتي إيه في موضوع جاسم ابن عمك؟
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها، لكنها كانت ابتسامة مُرَّة، ممتزجة بحزن وقرار نهائي:
– جدي…. أنا مش هتجوز جاسم… ولا غيره دلوقتي. أنا عايزة أكمل دراستي.… وأبني قيمة لذاتي.
سكت الجد طويلًا، عيناه تتأملانها كأنه يراها لأول مرة. لم تكن الطفلة المتمردة، ولا اليتيمة المكسورة، بل امرأة شابة تعرف ما تريد.
ابتسم بخفة، وفي عينيه ظل قلق دفين:
– أنا هكون جنبك. أي كان القرار اللي اخترتيه يا بنت ولدي.
حينها فقط، سمحت ندى لدمعة وحيدة أن تنزلق على وجنتها.
في ذلك المساء، دخل جاسم بيت جده بخطوات مترددة، لكنه بدا مصممًا على المواجهة. كان الجد جالسًا في المجلس، والهدوء يغلف المكان.
لم يمض وقت طويل حتى ظهرت ندى من داخل الغرفة، ترتدي ثوبًا بسيطًا، وملامحها مرهقة لكنها ثابتة.
بعد أن أخبره الجد برفض ندى للزواج، تبادل جاسم معها نظرة سريعة، ثم اقترب خطوة:
– ندى… لازم أسمع منك كلمة واحدة. ليه رفضتِ؟
ظلت واقفة مكانها، يداها متشابكتان أمامها، ونظرتها مباشرة نحوه، بلا هروب ولا ارتباك. صمتها كان أثقل من أي كلمات.
اقترب أكثر، صوته يحمل رجاءً ممزوجًا بغضب مكتوم:
– هل هو قرارك… ولا في حد ضغط عليك؟
تنفست بعمق، ثم قالت ببرود واضح:
– يا جاسم… القرار قراري. ومش هشرح، ولا هبرر. أنا اخترت طريقي، وأنت مش جزء منه.
انقبض وجهه، كأن الكلمات أصابته في عمق قلبه. حاول أن يستعيد هدوءه:
– ندى… أنا مش غريب عنك. أنا ابن عمك. كان ممكن نبدأ من جديد.
هزت رأسها ببطء، ونبرتها قاطعة:
– بلاش تحاول. الموضوع منتهي.
عمّ الصمت المكان، حتى الجد الذي كان يتابع المشهد بصمته الحكيم، لم يتدخل. بدا وكأنه يترك الموقف يأخذ مداه الطبيعي.
جاسم أدار وجهه نحو جده، ثم عاد بنظره إلى ندى، وكأن عينيه تبحثان عن شرخ صغير في صلابتها، لكنه لم يجد شيئًا. هي لم تبكِ، لم تتوسل، ولم تحاول التخفيف من قسوة ردها.
تنفس جاسم بحدة، ثم قال بصوت متهدج:
– تمام… لو دي رغبتك، أنا مش هقف قصادها. لكن كنت أتمنى تسمحيلي أفهم.
استدارت ندى مبتعدة، خطواتها ثابتة، وكأنها تُغلق الباب وراءه بلا عودة.
بقي جاسم واقفًا في منتصف المجلس، ينظر إلى الفراغ، والجد يراقبه بصمت، كأنه يعرف أن هذه لحظة فاصلة لن تُمحى من قلب حفيده بسهولة.
حشمت مندور
بعد السابع من أكتوبر تغيَّرت السماء. لم تعد السماء مجرد قماشٍ أزرقٍ يمرُّ عبره طيورٌ وبخور، بل أصبحت شاشةً ضبَّت عليها أضواء متقطِّعة، تومض، تختفي، ثم تعود، وكأن المدينة تُراقَب بعين لا تُغفل.
الصوت الأول كان صدمة. صفّارات، ثم هدير طائرات، ثم انفجارٌ يقطع الهواء كأنه قاطع زجاج. المبانى التي عرفتها سلوان وجيرانها طأطأت رقابها وانهارت، ركامٌ جديدٌ يكتب أسماءً لا أحد يسأل عن صحتها. الشوارع التي كانت تعبق بخُبزٍ وزعيتر ومقاطع أطفال تضحك، خلَّفَت وراءها غياباً ممتداً: واجهات محلات محرّقة، مقاهٍ فارغة، عربات صغيرة مُقلوبة.
الكهرباء انقطعت كأنها شجرة قُطعت من أصلها؛ أعمدةٌ سودت، مولداتٌ تهتزّ بلا توقف عند المستشفيات، أصواتها مثل نحيبٍ ميكانيكي. الماء بدأ يُصبح سلعةً مكتوبة على كفِّ اليد: صهاريج تجوب الأزقة، طوابير طويلة من النساء والرّجال الذين يحملون عبواتهم، ووجوهٌ بلا وعود. المطارق اختفت، لكن آثارها بقت: غرفٌ ضيقةٌ تحولت إلى مشافٍ ميدانية، وأطفالٌ ينامون على أغطيةٍ داخل مدارسٍ وكنائسٍ تحوَّلت ملاجئ.
المواصلات توقفت حين توقفت الطرق؛ طريق واحدٍ يفتح، وطريق آخر يُغلق. الخرائط القديمة لم تعد تنفع. السكان تعلموا لغةً جديدة: أين الممرّات الآمنة؟ متى يهدأ القصف؟ أي نافذةٍ من المنزل يمكن استخدامها كدرعٍ مؤقَّت؟ أحيانًا كان الجواب مجرد وهم.
المستشفيات امتلأت؛ لم تعد غرفة الطوارئ قادرة على امتصاص سوى جزءٍ صغيرٍ من الألم. الأطباء والممرضات صارت لهم وجوهٌ مُرهقة تذكّرك بأنهم بشر. أصوات الطلبات تتصاعد: سرنجة، غرز، كمّادات، شيء لإيقاف النزيف. الناس يقفون في ممرات طويلة يحملون أرقام هواتف لم تُجب منذ ساعتين، ثم يُسقطون رؤوسهم على الأكياس كما لو أن النوم أقرب من الكلام.
الهواتف النقالة لم تعد وسيلةً للرفاهية، بل موصلٌ إلى حقيقةٍ لا تحتمل: رسائلُ أقاربٍ لم تعد تتلقاها، مكالماتٌ تنقطع على منتصف عبارة، صورٌ تُرسَل وتبقى معلقةً في منتصفها. الإنترنت متقطع، وموجات الأخبار الخارجية تصل متأخرةً، مشوهةً، محمّلةً بتقاريرٍ لا تسعف الجرح.
في الأزقة، ولدت أنماطٌ جديدة من الحياة. رجالٌ لم تعهَدهم الأحياء من قبل يحمون الزوايا، نساءٌ يُنَظِّمْن صفوف الماء والطعام، شبابٌ يحفرون بأيديهم للوصول إلى من قد يكون تحت الركام. بين هذا وذاك، هناك صمتٌ غليظ يسبق كل انفجار؛ الصمتُ كقانونٍ يفرض الاستعداد.
وبين هذا الخراب، كان هناك قلُّمٌ واحدٌ من الجحيم: حشمت مندور. لا مجاز هنا، بل فعلٌ مباشر. كان محبوسًا في مكانٍ أقرب ما يكون إلى خطّ التصادم — مبنى نصفه قائم، والجدران تنوء من الصدمات المتتابعة، والنوافذ محجوبة بأكوام من التراب والزجاج.
الضوء في غرفته محدود، إن وُجد. يسمع كل شيء. يسمع اهتزاز الأرض قبل انفجارها. يسمع رائحة الوقود والمعدن والحطب المحترق تختلط برائحة العرق القديم. يسمع أصوات الأطفال تُغَنّي، ثم تختصر تلك الأغاني في أنينٍ. يسمع أيضًا صمت الجيران المفصولين عنه بجدرانٍ تشقَّت: "هل هو حي؟" تَهمَسُ له امرأةٌ من دورٍ قريب، أو ينبح جروٌ تائهاً، أو قادمٌ يصرخ "احذر!"، ثم يختفي الصوت.
حشمت يستعمل الوقت كما لو كان سلاحًا صغيرًا. في البداية، كان يقيس الزمن بعمر انفجارٍ وبعده. بعدئذٍ بدأ يقيسه بالسقوط: كم مرة يهبط سقف مبنى بجوارك؟ كم مرة ينكسر زجاج؟ كم رجلًا يبكي بلا صوت؟ ومع الوقت صار يقيسه بوجودٍ هشّ: كم مرة يستجيب الصوت لنداء: "هل هناك أحد؟"
في زواياه: كتابٌ مهدودٌ نصفه محروق، علبة سجائرٍ شبه خاوية، بندقية مخبّأة تحت الكرسي، وخريطة مرسومة على ورقةٍ مبتلة. كل الأشياء تلك تتكلم عنه قبل أن يتكلّم هو. يقرأ فيها تاريخَ شخصٍ لم يعد يملك اسمًا واضحًا في ذاكرته، وتروي له أن العالم قد يتلاشى، لكن ذاكرةُ الإنسان تبقى محفورةً على الجدران.
حشمت لا ينام بسهولة. لكن عندما يغفو، تكون أحلامه مكتوبةٌ بصوت صاخب: طائرات تحطّم أيقونات المدينة، ألسنةُ نورٍ تجرح الأقمار الصناعية، أطفالٌ يركضون يحملون كتبهم بدل لعبهم. يصحو وهو يشعر برائحةٍ غريبة تتشبث بالحلق: ذلك مزيج من ترابٍ قديم وزيتٍ محترق.
خارج المبنى، الرصاص لم يخف؛ الاقتحام ينساب من جهة، الانسحابات من جهةٍ أخرى. جنودٌ يمرّون كظلالٍ على أطراف الشوارع، يدورون كمن يبحث عن هدفٍ أخترعته الحرب. أعمدةٌ جديدة من الدخان ترتفع من محطّة وقودٍ، والنار تبتلع واجهة سوبر ماركت؛ كان الناس يعتمدون على ذلك السوبر ماركت لغدهم، والآن صار هو لوحة سوداء لا تُقرأ.
كل شيءٌ خارج وداخل يتآكل: القواعد اليومية. الناس يطرقون أبوابًا بحثًا عن دفء، عن مياه، عن ملعقة طعام لا تكذب على جوع. الأشجار في الشوارع تشبه أشباحًا: قاماتٌ موجوعة، أغصانها تتكسر مع أنين خفيف.
الملاجيء تفيض. المدارس التي كانت تُعلِّم أحرفًا الآن تُعلِّم الصبر. المساجد التي كانت تُنشد تقرأ الفاتحة بصوتٍ متقطعٍ طويل. الناس يتهيأون للصمود أو للمغادرة؛ بعضهم لا يجدون من يرحب بهم خارج المدينة. في زقاقٍ مظلم، امرأةٌ تلصق لاصقًا على بابها: "مأوى للأطفال". كانت عبارةٌ بسيطة، لكنها صارت توقيعًا على نوع من الإنسانية التي ترفض أن تُمحى.
لا توجد إجاباتٌ سهلة. هناك فقط فعل البقاء: أن تدفن قطعة خبز بعناية لتأكلها لاحقًا، أن تجمع مياه الأمطار في برميل لتسقي أطفالاً، أن تنسخ أسماء المحتاجين على ورقةٍ وتتركها على سلم مبنىٍ منكسر ليعرف الآخرون أين يذهبون.
وهكذا يمضي اليوم ويأتي اليوم التالي. الحفر يُكَبر، القوافل تتناقص، والمدينة تنجب أجيالًا جديدةً من الصمت.
— في أقرب نقطةٍ لخطّ الاقتحام، لكنه ليس نسخةً مكررةً من رجلٍ وحيد. هو شاهدٌ على انكسار الأشياء، على صلابة الشعوب، وعلى خيطٍ رفيعٍ بين الخوف والعزم.
وهكذا تبقى غزة: مدينةٌ تُعاد كتابتها كل ساعةٍ بحروفٍ من رمادٍ وغبار، ومعها أناسٌ صغيرةٌ وكبار، تُجاهد لتبقى أسماؤهم حيةً على شفاه التاريخ.
بعد غارة قصفت المبنى العسكري خرج حشمت مندور من محبسه، كانت أول مرة يرى فيها النور بعد مدة لا يعلمها من الزمن. كان الغبار يغطى جسده كله ويحرق عينيه. كان يسمع صراخًا لا يعرف له مكان.
وفي الخارج شعر كأن العالم كله تهدم. جثث مرمية في الشارع، بقايا أطراف بشرية، دماء تغطي الأسفلت والجدران. احتل أكثر من ربع ساعة حتى يستعيد وعيه. إنها حرب، حرب يا حشمت يا مندور.
ركض حشمت مندور نحو الصراخ كان هناك منزل متهدم وطفلة تصرخ: "أمي هنا تحت الأنقاض." تحفر بيديها العاريتين وسط الصخور. وهناك في البعيد القريب أجساد مصابة تصرخ من الألم وتطلب المساعدة. للحظة شعر حشمت مندور ببشاعة العالم وحقارته.
بعد القصف تحركت المسيرات والدبابات خلفها مئات الجند يحملون الأسلحة ويقتلون كل ما تراه أعينهم. نساء، رجال، أطفال حتى القطط والكلاب.
يسير السرب الضخم في نظام واضح ولا يترك شيء خلفه حي.
قبض حشمت مندور على الطفلة حملها رغمًا عنها وهي تركل وتصرخ. ركض في الشوارع المهدمة، ركض بكل جهده وسرعته. أخيرًا وجد بعض الناس وسيارة تحاول الهرب. ألقى بالطفلة داخلها قبل أن تتحرك.
كانت هناك امرأة تكافح من أجل الهرب تحمل طفلة رضيعة فوق كتفها وأخريتين كل واحدة منهم في ذراعها. كانت كمن خرج من قبره للتو والدموع تغرق عينيها. تركت زوجها المصاب خلفها وهربت بأطفالها قبل أن يلحق بها الجنود.
ركض حشمت مندور نحو المرأة حمل الأطفال وسار معها ولا شيء في داخله سوى الانتقام.
رواية اعلنت الحرب على قلبي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم اسماعيل موسى
تحرك حشمت مندور ليس كمن يهرب، بل كمن يمرّ من بين بقايا قصّة انتهت قبل قليل. كل خطوةٍ له كانت تُخرِج صوتًا من فم المدينة: خشخشةُ زجاجٍ، انزلاقُ حجارةٍ، أنينٌ لا يعرف أيّ لغة يتكلم بها. الغبار كان يلتصق ببشرته كأنما يريد أن يمحوها حتى من ذاكرته، والهواء محمّلٌ برائحة الدم والحطب المحترق والملابس الممزقة — رائحةٌ تجعل الفم جافًا وتقلّب الصدر كدرقٍّ خائف.
في الطريق، وجوهٌ متجمّدةٌ منتصفَ الهلع: امرأةٌ تُشدّ نصفها خارجًا من تحت لوحٍ، قدماها تنزفان كغصنٍ قُطع للتو، عيونها تبحث عن شيء لم يعد موجودًا. رجلٌ شاب يقفز من حجرٍ إلى حجرٍ حاملًا طفلة على ذراعٍ واحدة، الحمّى قد شلت حركتها، عيناهما تربطان بعضهما ببعض كرمزٍ صغيرٍ للحياة الأخيرة. طفلٌ يجلس على رصيفٍ وهو يلمس وجهًا مغطّى بترابٍ أحمر ويضحك بلا صوتٍ — الضحك الذي لا يسمع إلا في غرف الجنائز.
حشمت لا يرى أسماءً، يرى كائناتٍ تنهارُ أمامه. يسمع أنينًا يعلو من نوافذٍ مُحترقة، يسمع طرقاتٍ على خشبٍ، ونبراتٍ تقول: "لم يعد هناك ماء" بصوتٍ اختنق. في كل زاوية، يقرأ اللافتة الوحيدة الباقية: "هربوا"، أو "اغلق الباب". الأطفال صاروا يعطون المدينة وجهاً آخر — وجوهٌ مختصرة على هيئة صرخةٍ طويلة.
الدم كان بطله، لكنه لم يكن مجرد سائلٍ؛ كان ذاكرةً على الأسفلت. بقعٌ حمراء متفرقة تُخبرك أن الحياة توقّفت هنا قبل لحظاتٍ، وأن الهمّ صار خبرًا ثقيلًا على كلّ صدرٍ يمرّ. قطعٌ من ملابسٍ ملوّثة، أحذيةٌ مفصولةٌ عن أرجلٍ، ألعابٌ صغيرة ملقاةً وسط البربرية: كأنّ الأطفال تركوا عالمهم لوهلة ثم لم يعودوا.
حين التفت إلى اليمين رأى رجلاً يجثو على ركبتيه، يفتح صدره كما لو أنه يودّ أن يفهم أي جزءٍ منه لا يزال يعمل. صوت الرجل متقطع — "أمي… يا الله…"، ثم سقط بوجهه في التراب. المرأة التي كانت بجانبه صمتت وألقت نظرةً كأنها تُحصي عدد النفوس التي فاضت، ثم أخذت تغطّي وجهها بيديها كما تُغطي جرحًا لا يداوي.
حشمت سار وسط هدوءٍ كهذا، والهواء يضخم كل شيء: النفس، الخرزةُ الدخانية، الإحساس بأن الزمن مفتوحٌ على هيئة قرعٍ لا يتوقف. لم يكن هناك استراتيجيات كثيرة: فقط رغبةٍ عنيفةٌ واحدة — أن ينقلها هي (المرأة) وأولادها بعيدًا عن شِبهِ مقبرة هذه الشوارع.
لم تكن خطواته نظيفة. مرّةً تكلّم إلى طفلٍ ملقىٍ على جانب الطريق فتلوّن وجهه بصدمةٍ تحمل أكثر من أسفٍ؛ لم يستطع الطفل أن يفرّ. لم يكن للأطفال أسماء، فلم يَبقَ إلا أسئلةٌ حادة في حلق حشمت: كيف سيُعلّمون الأطفال أن يفتتحوا حياةً بعد هذا؟ كيف ستترسّخ الذاكرة على جدرانهم؟ كيف ستعود الأصوات إلى بيوتهم بعد أن صارت كلُّ الأصوات مسموعةً كجنازاتٍ متتالية؟
كان هناك مشهدٌ — واحدٌ — ربط قلبه بما بقي: أمٌ تحاول إيقاظ زوجها الملقى على رصيفٍ بجوارها؛ هي تضرب كتفه بقبضتها، ثم تُسلّم للحزن، تغمض عينيه بعنف، تُقبّل جبينه بقبلةٍ جاءت من بعد، وكأنها تُنهي مؤامرة زوايا الحياة. حشمت تقدّم، أمسك بكتفها، رفع جفنها، لكن ما رآه في عينيها: استسلامٌ لم يصبح يُرى سوى على وجوه الأموات. تلك النظرة— كانت قصاصًا في قلبه، شيءٌ أشدّ من كل رصاصٍ أصابه.
حين حمل طفلاً كان قد تفوّه اسمًا واحدًا فقط — لا يفهمه، لكنّه يشعر به: "ماما". الصراخ الخافت تحوّل إلى صمتٍ مجمد. حشمت وضع الطفل على كتفه كشاهدٍ صغيرٍ على ما حدث، وحاول أن يخفي الهلع خلف جسمٍ ميّت حقيقةً: جسده تحرّك كما لو أن قواعده شُحنت بمجموعةٍ أخرى من الأوامر— أوامر قديمة بقاءٍ بحت.
القنابل لا تُسمع هنا كأحمالٍ بعيدة؛ كانت تأتي قريبة، تَقصّ في صدر الطرقات فجواتٍ يخرج منها الناس كالمنفيين. نافذةٌ تقطع، سقفٌ يسقط، سقطةٌ تكمّلها صرخة. ولأنهم لا يملكون إلا أجسادهم، صار اللاعبون الأوائل هم الذين يُرَتّبون النجاة بالشكل الأكثر بدائية: سحبٌ بيدين، دفعٌ بكتف، وعدٌ همسي: "امشوا، لا تتوقفوا".
المرأة التي معه — كانت تتلوى بين انهياراتٍ قصيرةٍ ثم تنهض كطائرٍ اصطاده رياحٌ باردة. حشمت استعمل كل جزءٍ من قوته، لم يكن وقتًا للتفكير بالنعيم بعد الآن. مرّةً أو مرتين، اضطر إلى الوقوف لحظةً ليلتقط أنفاسه، ولكن لا أحدًا يمنحه الهواء بهدوء؛ الهدوء هنا كان فخًا. عند كل وقفة، رُسمت لهُ مشاهدٌ جديدة: رجالٌ بملابسٍ متسخة يفتحون أبوابًا لم يكن أحد يعلم بوجودها، قلبٌ يرتفع ثم يسقط، امرأةٌ تحمل رضيعًا لا حراك له.
في لحظةٍ اشتدت فيها الهمهمة — صياح، طلقات، رضّ أرضي — سمع نحيب شخصٍ عالقٍ تحت سقفٍ نصفه — صوتٌ يُخنق، ثم يتوقف. حشمت توقّف وحدّق؛ كان بوسع أي إنسانٍ أن يغمض عينيه ويقول إنّها بلا معنى؛ لكن في كل مرةٍ كان يكتشف معنىً أعمق: أن يختار أن يتداخل مع الهلع جمعه، أن يمنح بعضًا من جسده لغيره حتى لو كان الثمن هو فقدانه هو نفسه.
حولهم، الشوارع صارت متاهةً من الملجأ المؤقت: مقبرة سياراتٍ ملتهبة، أبواب منحنية، نعوشٌ مُرتجلة. الناس الذين ابتلعهم الاحتراق — لم يعودوا سوى ظلٍ يُذكر على جانبين: أسماء تتعلّق بشريطٍ مسجّل يُعاد تشغيله من ذاكرة الجهل. وبالرغم من ذلك، لم يتوقّف أحدٌ عن الحركة، بل إنّ الحركة صارت طقسًا ضدّ الموت: أن تبقى في الطريق أعظم من أن تتراجع.
حين وصلوا إلى ما بقي من شارعٍ رئيسي، رأى حشمت مشهدًا لم يُنسَه: مجموعةٌ من الرجال يجتمعون حول سيارةٍ صغيرةٍ انتُشلت كأنها بقايا جثةٍ، يحثّون على حمل جرحى داخلها رغم أنها لا تكفي. امرأةٌ ترفع ذراعيها تحاول أن تطلب ماءً، فتعطيها امرأةٌ أخرى قطعةً صغيرة من قماشٍ ليمسح الدم بها. كلّهم على شكلهم، على انحناء أعناقهم، على صياحهم الصغير، كانوا جميعًا — فجأة — حاملين كتابًا مكتوبًا بيدٍ واحدة: "لن نستسلم".
حشمت، رغم أنه لم يكن من هؤلاء الناس، شعر باندفاعٍ غريبٍ ينشأ فيه: رغبةٌ في أن يُحدث فرقًا صغيرًا جدًا. حمل الطفل الأكبر الذي يكاد يختنق، وقفز فوق حافةٍ، ضمّه تحت سترته، ثم جرّ المرأة إلى جانبٍ آمنٍ قليلًا. في كل لحظةٍ كان يتنمّر عليها الموت كحارسٍ يمزق لحم الهدوء، لكن حشمت أحكم قبضته على ما بقي من قوتهِ.
وفي طريقه إلى نقطةٍ أخرى، مرّ بمشهدٍ — طفلٌ عالقٌ في ركامٍ، يداه تلتقطان هواءً متقطعًا. حشمت اقترب بسرعة، أدرك أن الوقت أقصر من أن يعطيه أي شكلٍ من الأحلام؛ نزع لوحًا ثقيلاً بجهدٍ شبه كلي، سحب الطفل، وضعه على كتفيه ثم ركض. لم يكن يعرف إنقاذًا، كان يعرف فقط أن يُبقي القلب ينبض. والأصوات حوله صارت مخيفةً أكثر: أصواتُ جنودٍ تأتي من بعيد، صفّاراتُ إنذارٍ مقطوعة، وأنين من لا يزال تحت الأنقاض.
هكذا ساروا — حشمت، المرأة، أولادها، والطفل الذابل — خلال مدينةٍ برداءٍ من دمٍ وأبخرة؛ وكل خطوةٍ كانت شهادة على ما صار ممكنًا في زمنٍ لا يعرف سوى فعل الهروب. لم يكن هناك مكانٌ يختبئون فيه فعليًا؛ كان كل ما يفعلونه يضيف صفحةً واحدة إلى دفترِ يومهم الوحشي: "نجونا اليوم… سنحاول أن ننجو غدًا."
جسدُ حشمت تذكّر كلّ الخدوش كأنما تحولت إلى حكاياتٍ صغيرة: ألمٌ في كتفه، شرخٌ في فخذه، لكن قلبه لم يتوقف عن الضرب بوحشةٍ أقل. لأنه كان يحمل الآن عيونًا تراقبه، آذانًا تنتظر أمره، وأنفاسًا صغيرة تُعلّمه معنىً آخر: أن يقدم نفسه كجسرٍ قصيرٍ للنجاة بين موتٍ آنيٍ وموتٍ طويل.
وعندما تلاشى الأفق وراءهم — أيّة نقطة أملٍ حمراءٍ بعيدة — لم يكن أحدٌ يُصدّق أن المدينة كانت ذات يوم تسرد أسماءً وتبيع خبزًا. فقط ظلّت الصرخات، والأسماء المُنمّطة على شفة طفلٍ، ويدان ارتعشتا على صدر امرأةٍ تحاول أن تسرّع من قدمها كما لو أنّ الحياة قد تفرّ منها إن توقفت لثانيةٍ واحدة.
في نهاية المطاف، لم يكن إنقاذ حشمت للمرأة مجرد فعل إنساني؛ كان مراهنةً على نفسه، توجّهًا بائسًا يجعل من رأسه هدفًا أكبر، من جسده جسرًا يحاول أن يوصِل مخلوقاتٍ صغيرة إلى ضفةٍ أقلّ فناءً. وفي اللحظة التي نظر فيها إلى السماء المحترقة، أدرك أن غزة — أو ما بقي منها — لم تعد مدينةً فحسب، بل كانت مختبرًا عميقًا للإنسانية: من يبقى، ومن يرحل، ومن يرفض أن يُمحَى.
وصل حشمت مندور والمرأة وأطفالها إلى ساحةٍ واسعة، لم تكن في الحقيقة ساحة بل قطعة أرضٍ حُوّلت على عجل إلى نقطة إجلاء. الهواء محمّل بدخان أسود كثيف، كأن السماء تتعمد أن تطمس ملامح البشر حتى لا يتذكروا أنفسهم. الأضواء الصفراء الباهتة للمولدات المحمولة كانت ترسم ظلالًا متقطعة على الوجوه؛ وجوه رجالٍ مصفّرين من التعب، نساءٍ يحتضنّ صغارهن ويتهامسن بالدعاء، وأجسادٍ هامدة مُصطفّة بجانب بعضها كأنها تنتظر إذنًا أخيرًا بالرحيل.
على الأرض، صفوف من الجرحى يتمددون فوق بطاطين رقيقة، صرخاتهم تقطع ضجيج المكان، بينما المسعفون يركضون من جسدٍ إلى آخر، يحملون أدوية بدائية، يُضغطون على نزيفٍ هنا، يثبتون ضمادةً هناك، يصرخون في بعضهم:
ـ "هات الشاش بسرعة!"
ـ "الضغط بيهبط… أمسكه كويس!"
أطفال يبكون وهم يبحثون عن أمهاتهم وسط الجموع، ورجال يرفعون أصواتهم بالدعاء:
ـ "اللهم احفظنا!"
ـ "لن نرحل… سنبقى مهما فعلوا!"
في الجانب الآخر، أصوات تناقضهم، رجال يصرخون بنبرة يائسة:
ـ "النزوح هو النجاة… من يبقى هنا يموت!"
الصوتان يتداخلان، دعوات الصمود ونداءات الهرب، كأن غزة نفسها تنقسم نصفين: نصف يريد أن يقف حتى النهاية، ونصف يريد أن يعيش حتى لو بخطوةٍ بعيدة.
حشمت مندور، وملابسه لا تزال تحمل غبار الركام، وقف وسط الزحام متماسكًا بقدر ما يستطيع. ساعد المرأة وأطفالها على الجلوس في زاويةٍ قريبة من أحد المسعفين. كان يراقب المكان بعينيه الحادتين، عينان صارتا معتادتين على قراءة الفوضى كما يقرأ المرء كتابًا مفتوحًا: هنا موتٌ مؤجل، هناك حياةٌ تُنتزع من أنياب الحديد.
وفجأة، وسط كل هذا الجنون، لمحها. لم تكن الصورة واضحة أول الأمر، مجرد ظلٍ يتحرك بسرعة، يحمل ضماداتٍ وحقن، يركض بين الجرحى. اقترب قليلًا، والصدمة غرزت مسمارًا في صدره. كانت هي. سلوان.
لكنها لم تكن كما رآها أول مرة. لم يكن شعرها منسدلًا على كتفيها مثلما ظل محفورًا في ذاكرته؛ هذه المرة كانت محجبة، رأسها مغطى بطرحةٍ قاتمة، عيناها هما ما فضحاها. نفس البريق المتمرد، نفس اللمعة التي رآها ذات ليلة جعلته يعبر نصف العالم. لم يحتج إلى اسمٍ يُقال، ولا إلى صوتٍ ينادي. عرفها، كما يُعرف الوجه الوحيد في حشدٍ لا ينتهي.
سلوان كانت تركض بين الجرحى بخفةٍ لا تشبه الدمار حولها. يداها تلطختا بالدم، ملابسها مليئة بالغبار، لكن كل حركةٍ منها كانت تعطي إحساسًا بأنها أقوى من الخراب نفسه. تُطمئن امرأةً ممددة، تضع ضمادةً على رأس طفلٍ، تصرخ في وجه رجلٍ يساعدها:
ـ "اثبت إيدك! هو بينزف يا أخي!"
حشمت وقف متخشبًا، كأن المكان كله سقط من حوله، ولم يبقَ سوى وجهها. لم يسمع صرخات الأطباء ولا أنين الجرحى للحظة، بل سمع فقط صوت قلبه وهو يضرب صدره بوحشية. أراد أن يقترب، أن ينطق باسمها، لكن لسانه انعقد، وخطواته تثاقلت. كان جزء منه يخشى أن تراه فلا تتعرف عليه، وجزء آخر يخشى أن تعترف به فتنكره.
المرأة التي أنقذها مع أولادها أمسكت بكمه وهمست:
ـ "الله يبارك لك… تعبت معانا كتير."
لكنه لم يرد. كان عقله كله قد انحصر في نقطةٍ واحدة وسط الزحام، في سلوان التي عادت له بشكلٍ لم يتخيله. لم يعد يرى المدينة مدينة موت فقط، صار يرى فيها سببًا جديدًا كي يظل واقفًا، رغم الدم، رغم الصرخات، رغم الجثث المرصوصة.
سلوان… هنا.
صدحت أصوات من قلب الحشد، أصواتٌ لم تكن صادرةً عن رجلٍ واحدٍ بل عن مجموعٍ من الرجال والنساء الذين ربطوا وسطهم رايةً بالية ولم يفقدوا الإيمان. ظهروا فجأة على منصةٍ مرتجلةٍ بين الأكوام: شبابٌ بملامحٍ متعبة، ربات بيووت تمدّ أياديهن بالمعونة، شيوخٌ تكوّنت بين عيونهم خطوط المآسي. رفع أحدهم ميكروفونًا خاملاً، ثم انفجر صوته في الميدان:
ـ اصمدوا! اخوتنا… الحق لن يطول. العدو يظن أنه يشترى الأرض بالنار، لكن الأرض لن تُباع! نحن هنا، نحرس، ونردع، ولن يسمحوا لنا أن نُمحى!
هتفت النسوة، وارتفع صوت الترديد، وكانت كلماتهم تتصاعد كشرارةٍ ضد الظلام: «لن نستسلم»، «هذه أرضنا»، «سيعلمون أننا لا نرحل». بين هذه الهتافات وقفت وجوهٌ تغمرها الحزن، لكنها لم تخنِ بصيص الأمل؛ كانوا يصرخون كمن يرفض أن يُسجل اسمه كخسارة فقط.
وسط هذا الزخم من الكلمات المفعمة بالقوة، تضخّم صوتٌ آخر — ليس لخطابٍ منظَّم، بل لصوتٍ واعٍ مختطفٍ بالغضب. اندفع حشمت مندور من بين الركام، جسده لا يزال يحمل أثر الدخان والتراب، عيونه ملتهبة كما لو أن نارًا تكمن داخله. اقتحم الساحة، صرير حذائه على الحصى طرزانًا، ثم وقف مواجهًا منصة المُتحدثين، قائلاً بصوتٍ جهورٍ كأنه يصرخ في وجه قدرٍ مشيّ:
ـ اصمتوا عن الكلام الفارغ! النزوح نحو الجنوب الآن هو الأمان الوحيد! من يظلّ هنا لا ينتظر غير أن يتحول إلى جثة هامدة!
تحوّل صدى كلامه فورًا إلى موجةٍ من الاندهاش والغضب. بعضهم صمتوا، آخرون ردّوا بالسباب، واندفعت مجموعة من عناصر المقاومة تحيطون به من كل جانب كدائرةٍ تقفل. بوجوهٍ صلبةٍ، وضع أحدهم يده على حديد سلاحه، وسخرية السمعة كانت في نبرة صوته:
ـ ومن أنت لتقرر مصائرنا أيها الرجل؟ من أنت حتى تقول لنا أن نصمت عن الصمود؟ ماذا تعرف أكثر منا؟
نظر حشمت في وجوههم الواحدة تلو الأخرى، رأى في أعينهم ثقةً بلا برهان وخوفًا مدفونًا، فأجابهم بحدة لا تخلو من المرارة:
ـ رأيت ما يكفي من الدماء في طريقي. رأيت العدو لا يرحم: يقتل الجرحى، يقتل المرضى، يطلق النار على الأطفال. رأيتهم يتركون أهلًا تحت الركام بلا ماء، بلا دواء. أنا جئت من أقرب نقطة التقاءٍ مع الخصم. أقول لكم: من يبقى سيكون فقط جزءًا من أرقامٍ تُحصى لاحقًا!
عاد صدى كلامه يضرب صدر الساحة. بعض من حوله ارتعش لجرأته؛ آخرون رأوا فيه تهديدًا لكلامٍ بنوا عليه أملهم. حاول أحد القادة أن يهمّ بذمّ هتافه، فتقدّم بخطوةٍ كمن يريد أن يعيد المياه إلى مجراها:
ـ كلامك يفتت الأمل يا رجل. نحن نُحارب من أجل أن تبقى الناس هنا، لننقذ ما نستطيع… الهروب الآن؟ أي هروب هذا؟ سنترك بيوتنا؟ سنترك دماء من أحببناهم؟!
اشتدّ النقاش، أصواتٌ ترتفع وتتنافر. ثم، في ذروة اللحظة، ارتفعت من بين الضجيج صرخةٌ حادّة — صوت المرأة التي جاءت مع حشمت إلى نقطة الإخلاء. اندفعت نحو الحشد، ودمعها يقطر على خدّها، لكن كلماتها كانت صريحةً، لا تختبئ خلف شعارات:
ـ لا تجلدوه قبل أن تسمعوا! الرجل يقول الحقيقة! هو لم يكذب. رأينا بأم أعيننا ما يقوله… العيون التي شاهدتنا على الطريق لن تكذب!
تلك الصرخة كانت كقنبلةٍ ثانية؛ أزاحت بعضًا من الزوبعة، أجّجت قسمًا من البشر داخل الساحة الذين قدّموا منذ ساعات أنفسهم على محكّ النجاة. الجدل هدأ للحظةٍ بينما ينظر الجميع إلى المرأة، ثم التفتت العيون صوب ظلٍ يتحرَّك بين الجموع — ظِلٌّ رأته عين حشمت قبلُ كثيرًا: سلوان.
كانت قد ظهرت فجأة، تخرج من بين المجدّدين، وجهها مغطىٌ بطرحةٍ متسخة لكنه كان فيها ما يوحّدها مع الناس: العجلة، والضمادات، وفتيلةٌ من حزنٍ لا تفارقها. عندما تقدّمت، لم ترفع صوتها بالنداء؛ اكتفت بالنظر إلى حشمت لثوانٍ، ثم خاطبت قيادي المقاومة بصوتٍ هادئ لكنه ثابت:
ـ اهدئوا. هذا الرجل… أعرفه. لا تحتاجون أن تضعوه في السجن هنا. لو رأيتموه يتعامل مع الصغار، لو رأيتموه يجرّ المصابين بين الدمار بنفسه، لما تساءلتم عنه. دعوه؛ سنأخذه بعيدًا عن طرقنا لأن لنا خططنا، ولا نريد أن تلتصقوا به… لكن إن كان يملك نية الخيانة فلن نهرب منها.
كانت كلمتها تُطفئ بعضًا من الحرارة؛ في حنكتها الاطمئنان المباغت لاح له في بعض الوجوه. قياديٌ آخر تقدم، عيناه لا تخفيان الشك، لكن في صوته برودة القرار:
ـ إن سمعنا منه سببًا عقلانيًا لنأخذه للمركز ونقرّره. وإن ثبت غير ذلك… فالشارع ليس ملاذًا لمن يثير فتنة. نتحرى الحذر، لا نفعل ما نندم عليه.
صمتٌ حاسِم خيَّم لبرهة؛ الناس تستعيد أنفاسها كما لو أن الهواء نفسه أعاد ترتيب أوصاله. المرأة التي دافعت عن حشمت تجمّدت، وسلوان نظرت إلى حشمت لمحةً قصيرةً، كلماتها تختصر كل شيء:
ـ خذه بعيدًا. ليس لأننا نثق به كليا، بل لأننا نعرف أن هنا سيقتل نفسه ويقتل الآخرين إن أُجبر على الصراع معنا الآن. أُخذه، ثم ندقق.
لم يرفض حشمت، ولم يبتسم. كان يعرف أن النجاة لا تُنتزع إلا بصفقاتٍ صغيرة، وبقليل من الحيلة والدهاء. ترك الحشد، مع بعض الرجال الذين طلبت منهم سلوان أن يرافقوه. انحنى رأسه بينما الناس تنقسم حوله: مؤيّدون خائفون، ومعارضون حاقدون، ومتفرجون تائهون. في قلبه، لم يكن يبحث عن تأييدٍ بقدر ما كان يطلب أن يتوقف القصف عن ابتلاع المزيد. خرج من الساحة ومعه سلوان والمرأة، وخلفه – بين صفوف الحضور – ظلّت الكلمات معلقة: «هل الصمود واجب أم موت مُؤجل؟»
تسللت سلوان من بين الوجوه المتوترة، نظراتها ثابتة كأنها تعرف طريقها وسط الزحام. حين اقتربت من حشمت مندور، لم تترك له فرصة للرفض أو الاعتراض، أمسكت بذراعه وقالت بسرعة باللهجة المصرية:
ــ تعالى معايا… هنا مش أمان، ولازم نتحرك دلوقتي.
لم يعلّق، فقط رمقه بنظرة طويلة، تلك النظرة التي تزن المواقف وتعرف جيدًا أن لا أحد يغامر بإمساك ذراعه إلا لو كان صادقًا. ترك نفسه ينقاد، وإن بدا فى عينيه ذلك البريق العنيد الذى لا يخمد.
سارا معًا عبر طرق جانبية، الشوارع خالية إلا من الركام، أضواء بعيدة ترسم ظلالًا متكسرة على الجدران المحطمة. كلما مرّا بجثةٍ مسجّاة أو صرخة جريح، كان قلب حشمت يشتعل أكثر، لكنه ظل صامتًا، يتابع خطوات سلوان كأنه يثق بها رغم كل حذره.
حين وصلا إلى بيتٍ صغير فى طرف الجنوب، منزوع الأبواب والنوافذ، دخلت سلوان أولًا، ثم أشارت له بالجلوس. وضعت حقيبتها على الأرض، وأخذت نفسًا عميقًا، كأنها أخيرًا تترك ثقلًا من على كتفيها.
التفتت نحوه، وعيناها تلمعان بتوتر لم تنجح فى إخفائه:
ــ إنت دايمًا كده يا حشمت… عنيد، بترفض تبقى تابع لحد، حتى لو كان ثمن ده حياتك.
أشعل سيجارة ببطء، نفث دخانها، ثم قال بهدوء:
ــ يمكن علشان تعوّدت أشوف الدنيا من غير سند… الواحد بيتعلم يواجه لوحده.
اقتربت منه بخطوة، صوته جعل قلبها يرتجف رغم قوتها. سألته بصوت خافت، لكن يحمل كل الحيرة:
ــ طب ليه جيت هنا؟ ليه اخترت غزة وسط الجحيم ده؟
توقف لحظة، رمقها، وكأن الكلمات تتثاقل على لسانه:
ــ جيت… علشان أدور على حاجة تخليني أصدق إني لسه عايش. يمكن كنت بدور على وشّ… أو معنى.
أطرقت سلوان برأسها، وابتسمت ابتسامة صغيرة مرتعشة:
ــ طول عمرك غامض… بس الغموض ده هو اللي بيشدك للجحيم، مش بيبعدك عنه.
اقتربت أكثر، جلست إلى جواره، كأنها تستسلم للحظة رغم معرفتها أن الغد قد يمحوها. قالت بصوت يحمل دفء وإصرار معًا:
ــ خلاص، مش هسيبك تمشى لوحدك تاني انا هوصلك لبر الأمان ذى ما عملت معايا، الحرب دى مش حربك وانا هرجعك بلدك.
همس حشمت مندور، انتى غلطانه يا سلوان.
الحرب مش حربكم لوحدكم دى حربنا كلنا ،يمكن انا مجتش هنا عشان احارب ولا اكون بطل او شهيد لكن خلاص مينفعش أرجع تانى، انا هعيش واموت هنا.
ارتفع حاجب سلوان دوان إرادتها وهمست ونا مش هسيبك لوحدك.
ظل ينظر إليها طويلًا، وفي عينيه شرود وحزن عميق، لكن مع ابتسامة خافتة كأنها أول اعتراف غير منطوق: أنه وجد أخيرًا من يجرؤ أن تمشي بجواره فى قلب الجحيم.
***
منذ أن اتخذت ندى قرارها بالانسحاب من فكرة الزواج، عادت إلى مقاعد الجامعة بوعي مختلف. كانت قاعات المحاضرات بالنسبة لها ساحة إثبات وليست مجرد جدران جامدة. جلست دائمًا في المقاعد الأمامية، تكتب ملاحظاتها بتركيز لا يلين، وتتابع الشرح وكأنها تخزن كل كلمة في أعماقها لتعود إليها في لحظة الحسم.
كانت تراه أحيانًا، جاسم، يمر من أمامها أو يجلس بعيدًا في القاعة، يتحدث مع زملاء آخرين أو ينشغل بأوراقه. وكأنه لم يعرفها يومًا، وكأن ما جرى بينهما لم يكن سوى خيال عابر. لم يحاول الاقتراب، لم ينظر في عينيها، حتى لم يتبادل معها التحية. هذا التجاهل كان موجعًا في البداية، لكنه مع الوقت صار وقودًا يدفعها إلى الأمام. كانت تردد في داخلها: "أنا لا أحتاج أن يراني… سأجعل العالم كله يراني."
حين جاءت امتحانات نصف العام، كان الليل صديقها الأوفى. جلست بين كتبها وأوراقها، عيناها متورمتان من السهر، لكن عقلها حاضر كالحد السيف. كتبت حتى شعرت أن القلم صار جزءًا من يدها. وعندما أعلنت النتائج، صعد اسمها إلى لوحة الشرف في المركز الثاني على الدفعة. لحظة رأته فيها شعرت بشيء يتفتح بداخلها، كأنها تنتزع اعترافًا لم تحتج أن يأتي من أحد.
لكنها لم تكتفِ. واصلت السير بنفس الإصرار، كأن المركز الثاني كان مجرد محطة، لا نهاية. عادت إلى محاضراتها بحماس أكبر، شاركت في المناقشات، تجرأت على طرح الأسئلة التي كان الآخرون يترددون في طرحها. بدأت وجوه الأساتذة تلتفت نحوها، وأسماء زملائها تهمس بأنها واحدة من المتفوقات الذين يُنتظر لهم مستقبل مختلف.
حتى إذا حلّ الترم الثاني، كان داخلها قد اشتد صلابة. لم تعد تقيس ذاتها بردود الأفعال، بل بما تحققه بيديها. في كل امتحان كانت تجلس بثقة، تكتب كما لو أنها تحاور الورق وتنتصر عليه. وعندما أُعلنت نتائج نهاية العام، جاء اسمها مرة أخرى في المركز الثاني على الدفعة.
لم يكن ذلك مجرد تفوق عابر، بل إعلان واضح: أن ندى التي أرادت شاهندة أن تحصرها في دور "الفتاة الصغيرة" قد قررت أن تكون أكبر من كل الأحكام.
في اللحظة التي سارت فيها ندى في ممر الكلية، وهي ترى زميلاتها يبتسمن بفخر لنجاحها، لمحت جاسم من بعيد. كان يتحدث مع بعض الطلاب وكأنها لم تكن هناك. ابتسمت بهدوء، لأول مرة دون مرارة. لم تعد تحتاج نظرته، لأنها أخيرًا وجدت قيمتها في نفسها لا في عينيه.
لم يطل الوقت كثيرًا بعد قرار ندى برفض الزواج من جاسم حتى تغيّرت ملامح البيت الكبير. شاهندة لم تعد تخفي ضيقها، لكنها وجدت عزاءها في ترتيبات زواج ابنها جاسم من لارا ابنة رجل الأعمال رفعت الشماخ. كان زواجًا يُعقد في قاعة فخمة بأحد فنادق القاهرة، تحضره الوجوه المتأنقة والأسماء اللامعة، وكأنه صفقة أكثر من كونه رباطًا.
جاسم في تلك الليلة بدا مشغولًا بالتصوير والتحية أكثر من انشغاله بالعروس. ابتسامته محسوبة، خطواته مرسومة، وصوته يخرج من صدره آليًا: "أهلاً… شرفتونا". لم يكن في عينيه شيء يُشبه ذلك الشاب الذي كان يقف يومًا ما على أعتاب بيت جده، يبحث عن ردٍّ من ندى. بدا كأنها صفحة أُغلقت بالقوة، أو بالأحرى أُحرقت.
ندى لم تحضر. اكتفت بمتابعة الخبر من بعيد، عبر أحاديث الجيران ولمحات الصور المنتشرة على الشاشات. لم يهتزّ قلبها كما توقّعت شاهندة، بل وجدت نفسها أكثر إصرارًا على ما بدأت فيه: أن تبني حياتها وحدها، بلا سند سوى إصرارها وعقلها.
مرّت السنوات سريعًا كأنها سباق طويل، كل عام يضعها أمام تحدٍ جديد. العام الثاني في الجامعة، ثم الثالث، حتى وصلت إلى العام الرابع والأخير.
كانت محاضراتها أكثر كثافة، والليالي أطول مع الكتب والمراجع. زملاؤها انشغلوا بالخطوبة والرحلات، أما هي فكانت تعرف أن لحظة إثباتها اقتربت.
لم تعد تلتفت إلى جاسم. كانت تراه أحيانًا في زيارات عابرة لبيت الجد، لكنه بدا كأنه لا يراها أصلًا. نظراته تمرّ عليها كما تمرّ على قطعة أثاث قديم اعتاد وجوده. لم يؤلمها الأمر بقدر ما حرّرها. لم تعد تنتظر منه شيئًا، لا كلمة، لا عتاب، ولا حتى اهتمام زائف.
في آخر عام، اجتازت امتحانات منتصف العام بثبات، ثم انغمست أكثر فأكثر في التحضير للامتحانات النهائية. كانت تكتب ملاحظاتها بخط دقيق، تراجعها صباحًا ومساءً، كأنها تخوض معركة شخصية، معركة لإثبات ذاتها أمام نفسها أولًا، ثم أمام العالم كله.
وجاءت الأيام الحاسمة. الامتحان الأخير. تلك اللحظة التي تختصر أربع سنوات من التعب، وسنوات أطول من التحديات منذ طفولتها. جلست ندى في القاعة الواسعة، أوراق الامتحان بين يديها، قلبها يضرب بإيقاع مختلف. لم يكن خوفًا، بل مزيجًا من الحماس والإصرار.
رفعت رأسها لحظة، تنظر إلى الوجوه حولها، ثم عادت إلى ورقتها. كتبت… كتبت وكأن كل حرف يثبت أنها لم تكن يومًا "فتاة بلا قيمة". وعندما وضعت القلم أخيرًا، شعرت لأول مرة أنها حررت نفسها من سجن طويل، وأن الطريق أمامها صار مفتوحًا على احتمالات جديدة.
خرجت من القاعة، الهواء يلفح وجهها ببرودة غريبة. ابتسمت لنفسها، ورفعت عينيها نحو السماء:
– "خلصت… خلاص."
كانت تعرف أن النتيجة لم تعد مجرّد درجات، بل شهادة على أنها استطاعت الصمود، وأكملت الطريق حتى النهاية.
وفي بيت الجد، حين جلست في المساء، شعرت أن الصمت هذه المرة مختلف. لم يكن صمت الانكسار، بل صمت انتظار ما سيكون.
رواية اعلنت الحرب على قلبي الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم اسماعيل موسى
جلس حشمت مندور على الكرسي المعدني في منتصف الغرفة الضيقة، يديه مكبلتان أمامه، وإضاءة باهتة تتسرب من مصباح معلق يهتز مع كل حركة. الصمت كان يطبق على المكان حتى اخترقه صوت رجل يجلس قبالته، صوته عميق، يخرج ببطء لكنه يجرح مثل السكين:
– من أنت؟
رفع حشمت رأسه ببطء، مسح الدم المتجمد عن جبينه بابتسامة ساخرة.
– ماذا تفعل هنا؟
ثبت حشمت نظره لحظه.
– رجل عابر؟! يظهر وسط المعركة، يركض خلف الجنود، يعرف كيف يتفادى الرصاص كأنه عاش عمره في ساحات التدريب؟ لا أحد يبتلع هذه الحكاية يا حشمت.
أمال حشمت رأسه قليلاً، كأنه يزن كلماته:
– ربما لم تعتادوا رؤية رجل لا يخاف الموت… هذا كل ما في الأمر.
اقترب المحقق من الطاولة، صوته صار أكثر جدية:
– دعك من الشعارات الرنانه، تعلم أنك بين أناس لا يهابون الموت… لماذا جئت إلى هنا؟ من أتى بك إلى غزة؟
انعكس الشرود في عيني حشمت لحظة، لكنه أخفاه بابتسامة باردة:
– جئت لأسباب تخصني… أسباب لا تعنيكم.
ضرب الرجل الطاولة بيده بقوة، فارتج المصباح المعلق، لكنه سرعان ما استعاد هدوءه:
– إذن تخفي شيئًا… وهذا ما نريد أن نعرفه.
ضغط حشمت جسده للخلف حتى صرخ الجرح في كتفه، لكنه لم يُظهر سوى السخرية:
– أنتم تبحثون عن أسرار غير موجودة. لو أردت خداعكم ما جلست أمامكم الآن. أنا لا أعرف إلا طريقًا واحدًا… أواجهه.
اقترب الرجل أكثر، صوته منخفض، لكنه محمَّل بالتهديد المبطن:
– صدقني يا حشمت… لو كذبت سنعرف، ولو صدقت سنعرف أيضًا. المسألة ليست في كلماتك، بل في قدرتك على التحمل.
ابتسم حشمت ابتسامة نصفية، وعيناه تلمعان ببرود:
– الثبات… هو الشيء الوحيد الذي لم يفلح أحد في نزعه مني. لا جنود، ولا دبابات، ولا حتى أنتم.
ساد صمت ثقيل في الغرفة، حتى بدت الجدران وكأنها تضيق على الاثنين. نهض المحقق أخيرًا، ووقف عند الباب قبل أن يقول ببطء:
– سيستمر التحقيق غدًا. نرى كم سيحتمل لسانك… قبل أن يفضح هويتك.
تركه ومضى. ابتسم حشمت ابتسامة ساخرة وهو يحدّق في الفراغ، يهمس لنفسه:
– هم يبحثون عن جاسوس… وأنا لم آت إلا من أجل وجه واحد. لكن القدر ساقني إلى حفرة الذئاب.
وُضعت غمامة سوداء على عيني حشمت مندور، فابتلع المكان نوره القليل، ولم يبقَ أمامه سوى العتمة الملاصقة لجفونه. سُحب إلى غرفة أخرى، خطوات خشنة تتردد في الصمت، ثم أُجلس بقوة على الكرسي المعدني نفسه، يديه مكبلتان كما كان.
لم يطل الانتظار؛ صوت جديد اخترق السكون. كان الصوت أعنف، أكثر قسوة، وكأن كل كلمة تخرج منه بوزن المطرقة:
– ما اسمك الحقيقي؟
ابتسم حشمت، رغم أنه لم يرَ من يحدثه، وقال ببرود:
– قلتها مئة مرة… اسمي حشمت مندور.
ضرب الصوت الجدار خلفه بقبضة معدنية، فاهتزت الغرفة وصدى العنف ارتطم في أذن حشمت:
– لا تساومني بالأسماء. نحن لا نهتم بما تدعيه. نحن نريد أن نعرف: من أرسلك؟
حرك حشمت كتفيه المكبلين ببطء، كأنما يمدد عضلاته تحت قيد الألم، ثم قال بابتسامة ساخرة لم يرها أحد:
– أرسلتني قدماي… وما أبعدتهما عن الموت جئت أسعى إليه.
ضحك الصوت القاسي، ضحكة قصيرة أشبه بالازدراء:
– تريد أن تموت هنا إذن؟ الموت عندنا رخيص، لكنه ليس هدية توزّع بلا مقابل.
صمت حشمت لحظة، ثم قال:
– لستم أنتم من يقرر موتي… ولا حياتي.
اقترب الصوت حتى صار الأنفاس حادة، ساخنة تلسع أذن حشمت من تحت الغمامة:
– إذن اسمعني جيدًا… كل من جلس على هذا الكرسي، تكلم في النهاية. لا يهمني قوتك ولا كبرياؤك. يهمني شيء واحد فقط: لماذا أنت هنا؟
أخذ حشمت نفسًا عميقًا، كأنما يستجمع داخله شيئًا ما، ثم قال ببطء:
– أنا هنا… لأنني أردت أن أكون هنا ولي أسبابي الخاصة التي لا تعنيكم.
سكت لحظة، ثم أضاف بصوت منخفض كأنه يحدّث نفسه أكثر مما يجيب:
– ولأن هناك وجهًا واحدًا لا يغيب عني… حتى وسط كل هذا الدخان والدم.
ساد الصمت. لم يعلّق المحقق، لكنه ظل واقفًا خلف الغمامة، يراقب أنفاس الرجل الذي أمامه. ثم قال ببرود:
– إذن سنستمر. يوم بعد يوم… حتى نعرف، أو حتى تنهار.
رد حشمت بابتسامة لم تُرَ، لكن صداها خرج من صوته:
– جربوا… أنا لا أنهار.
– هل يمكنك أن تمنحني سيجارة وأخبرك بمعلومة مهمة؟
تردد الرجل لحظة ثم أشعل سيجارة ووضعها في فم حشمت مندور.
تنهد حشمت وهو يبتلع الدخان كجائع لم يذق الطعام منذ زمن.
– تحصلوا على شيء مني إلا إذا قررت أنا أن أمنحه.
قال الرجل بغضب:
– سنحصل على ما نريده، نفعل ذلك دوماً.
– أقول لك شيئاً؟
ورفع حشمت مندور يده، امنحني بندقية أو أربيجيه وألقِ بي في وسط أبناء الخنازير واتركني لحظة، حينها يحصل كل منا على مبتغاه.
أطلق الرجل ابتسامة ساخرة ثم ترك حشمت وغادر الغرفة.
وُضع حشمت مندور في الغرفة الضيقة ذات الجدران العارية، دون تحقيق، دون أسئلة، دون حتى صوت خطوات في الممر. في البداية ظنها استراحة، هدنة قصيرة قبل جولة أخرى من الاستجواب. لكنه سرعان ما أدرك أن الصمت نفسه صار التحقيق الأشد قسوة.
مرت ساعات طويلة لم يسمع فيها سوى أنفاسه، وصرير قيوده حين يحاول تغيير جلسته. لم يطرق أحد الباب، لم يدخل طعام ولا ماء إلا في أوقات غير منتظمة، حتى بدأ يفقد الإحساس بالزمن.
جلس على طرف السرير المعدني، يحدق في المصباح الوحيد الذي لم يُشعل منذ أن تركوه. العتمة كانت تزداد لزوجة، كأنها مادة تلتصق بجلده وعقله معًا.
في اليوم الثالث ـ أو ربما الخامس، لم يعد يعرف ـ بدأ يسمع أصواتًا لا وجود لها: وقع أقدام تقترب ثم تختفي فجأة، همس خلف الجدار، صرير مفتاح لم يدخل القفل. كان ينهض في كل مرة، يصرخ:
– أنا هنا… سامعكم… مش هتقدروا تلعبوا بيا!
لكن لا إجابة. فقط الصمت يعود أثقل مما كان.
بدأ عقله يشتعل بالأسئلة:
هل رحلوا فعلًا؟
هل تركوه ليموت وحده هنا؟
أم أنهم يراقبونه من ثقب صغير، يتسلّون بارتباكه؟
كان يضحك فجأة، ضحكة قصيرة مجنونة، ثم يدفن وجهه بين كفيه.
ومع ذلك، كل ليلة كانت أصعب من سابقتها. الجوع لا يقتله، العطش لا يهزمه، لكن الفراغ… الفراغ الذي يتسع حوله كهوة كان يبتلعه ببطء.
بدأ يتذكر وجوهًا غائبة. سلوان وهي تبتسم على الحدود. ندى ودموعها حين انهارت. أعداؤه، حتى الذين قتلهم… كلهم عادوا يجلسون معه في الغرفة، يتهامسون ويسخرون من وحدته.
مدد جسده على السرير، يحدّث نفسه بصوت خافت:
– يمكن يكون ده الاختبار… مش الرصاص، مش التحقيق… الاختبار الحقيقي إنهم يسيبوك مع نفسك… ساعتها يا تقتل نفسك… يا تثبت إنك أقوى من صمت الدنيا.
ثم أطلق زفرة طويلة، وأدار رأسه نحو الباب المغلق، كأنما يتحدى من خلفه ولو لم يكن هناك أحد:
– ما تخافوش… لسه بدري أوي قبل ما تكسّروني.
***
دخلت ندى غرفتها بعد المواجهة القاسية مع شاهندة، صدرها يعلو ويهبط بسرعة، وعيناها تلمعان بدموع لم تسقط بعد. جلست على طرف السرير، كأن جسدها ثقيل لا يقوى على الحركة، لكن عقلها كان مشتعلاً. كلمات شاهندة ترن في رأسها: "أنتِ مجرد فتاه تافهه… ولن تكوني يومًا ذات قيمة".
ارتجفت أناملها وهي تضغط على الغطاء، لكنها لم تبكِ. لأول مرة منذ زمن، شعرت أن دموعها لن تُغير شيئًا. ما عاد البكاء يكسر الحواجز التي تقيمها شاهندة والعالم ضدها. كان عليها أن تفعل شيئًا آخر… شيئًا يمنحها قيمة حقيقية، قيمة لا يمكن لأحد أن ينكرها.
همست لنفسها بصوت متقطع:
"أنا مش هبقى ظلّ… مش هعيش في الهامش. لازم أكون حدّ… لازم أكون قيمة."
كأن صوتها الداخلي يعلو، يتحول من ارتعاش إلى يقين. تخيّلت نفسها واقفة في قاعة الجامعة، تلقي محاضرة، الطلاب ينصتون إليها، أسماؤها تُكتب في الأوراق، ويُقال: "الدكتورة ندى"… حينها فقط، شعرت أن وجودها لن يُمحى، وأنها تستطيع أن تفرض نفسها حتى على شاهندة.
رفعت رأسها نحو المرآة، وجدت فتاةً شاحبة لكنها أكثر ثباتًا مما كانت يوم دخلت هذا البيت. تحدثت إلى انعكاسها بصلابة لم تعرفها من قبل:
"أنا مش هتجوز جاسم… ولا أي حد تاني."
وفي صباح اليوم التالي، حين جلست أمام جدها، لم تكن ابنة مترددة تبحث عن مأوى، بل امرأة تتشكل. نظر إليها الجد مطولًا قبل أن يسألها بصوته الوقور:
"ندى… قلتي إيه في موضوع جاسم ابن عمك؟"
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها، لكنها كانت ابتسامة مُرة، ممتزجة بحزن وقرار نهائي:
"جدي…. أنا مش هتجوز جاسم… ولا غيره دلوقتي. أنا عايزة أكمل دراستي.… وأبني قيمة لذاتي."
سكت الجد طويلًا، عيناه تتأملانها كأنه يراها لأول مرة. لم تكن الطفلة المتمردة، ولا اليتيمة المكسورة، بل امرأة شابة تعرف ما تريد.
ابتسم بخفة، وفي عينيه ظل قلق دفين:
"أنا هكون جنبك. أي كان القرار اللي اخترتيه يا بنت ولدي."
حينها فقط، سمحت ندى لدمعة وحيدة أن تنزلق على وجنتها.
في ذلك المساء، دخل جاسم بيت جده بخطوات مترددة، لكنه بدا مصممًا على المواجهة. كان الجد جالسًا في المجلس، والهدوء يغلف المكان. لم يمض وقت طويل حتى ظهرت ندى من داخل الغرفة، ترتدي ثوبًا بسيطًا، وملامحها مرهقة لكنها ثابتة.
تبادل جاسم معها نظرة سريعة، ثم اقترب خطوة:
"ندى… لازم أسمع منك كلمة واحدة. ليه رفضتِ؟"
ظلت واقفة مكانها، يداها متشابكتان أمامها، ونظرتها مباشرة نحوه، بلا هروب ولا ارتباك. صمتها كان أثقل من أي كلمات.
اقترب أكثر، صوته يحمل رجاءً ممزوجًا بغضب مكتوم:
"هل هو قرارك… ولا في حد ضغط عليك؟"
تنفست بعمق، ثم قالت ببرود واضح:
"يا جاسم… القرار قراري. ومش هشرح، ولا هبرر. أنا اخترت طريقي، وأنت مش جزء منه."
انقبض وجهه، كأن الكلمات أصابته في عمق قلبه. حاول أن يستعيد هدوءه:
"ندى… أنا مش غريب عنك. أنا ابن عمك. كان ممكن نبدأ من جديد."
هزت رأسها ببطء، ونبرتها قاطعة:
"بلاش تحاول. الموضوع منتهي."
عمّ الصمت المكان، حتى الجد الذي كان يتابع المشهد بصمته الحكيم، لم يتدخل. بدا وكأنه يترك الموقف يأخذ مداه الطبيعي.
جاسم أدار وجهه نحو جده، ثم عاد بنظره إلى ندى، وكأن عينيه تبحثان عن شرخ صغير في صلابتها، لكنه لم يجد شيئًا. هي لم تبكِ، لم تتوسل، ولم تحاول التخفيف من قسوة ردها.
تنفس جاسم بحدة، ثم قال بصوت متهدج:
"تمام… لو دي رغبتك، أنا مش هقف قصادها. لكن كنت أتمنى تسمحيلي أفهم."
استدارت ندى مبتعدة، خطواتها ثابتة، وكأنها تُغلق الباب وراءه بلا عودة.
بقي جاسم واقفًا في منتصف المجلس، ينظر إلى الفراغ، والجد يراقبه بصمت، كأنه يعرف أن هذه لحظة فاصلة لن تُمحى من قلب حفيده بسهولة.
***
بعد السابع من أكتوبر تغيَّرت السماء. لم تعد السماء مجرد قماشٍ أزرقٍ يمرُّ عبره طيورٌ وبخور، بل أصبحت شاشةً ضبَّت عليها أضواء متقطِّعة، تومض، تختفي، ثم تعود، وكأن المدينة تُراقَب بعين لا تُغفل.
الصوت الأول كان صدمة. صفّارات، ثم هدير طائرات، ثم انفجارٌ يقطع الهواء كأنه قاطع زجاج. المبانى التي عرفتها سلوان وجيرانها طأطأت رقابها وانهارت، ركامٌ جديدٌ يكتب أسماءً لا أحد يسأل عن صحتها. الشوارع التي كانت تعبق بخُبزٍ وزعيتر ومقاطع أطفال تضحك، خلَّفَت وراءها غياباً ممتداً: واجهات محلات محرّقة، مقاعٍ فارغة، عربات صغيرة مُقلوبة.
الكهرباء انقطعت كأنها شجرة قُطعت من أصلها؛ أعمدةٌ سودت، مولداتٌ تهتزّ بلا توقف عند المستشفيات، أصواتها مثل نحيبٍ ميكانيكي. الماء بدأ يُصبح سلعةً مكتوبة على كفِّ اليد: صهاريج تجوب الأزقة، طوابير طويلة من النساء والرّجال الذين يحملون عبواتهم، ووجوهٌ بلا وعود. المطارق اختفت، لكن آثارها بقت: غرفٌ ضيقةٌ تحولت إلى مشافٍ ميدانية، وأطفالٌ ينامون على أغطيةٍ داخل مدارسٍ وكنائسٍ تحوَّلت ملاجئ.
المواصلات توقفت حين توقفت الطرق؛ طريق واحدٍ يفتح، وطريق آخر يُغلق. الخرائط القديمة لم تعد تنفع. السكان تعلموا لغةً جديدة: أين الممرّات الآمنة؟ متى يهدأ القصف؟ أي نافذةٍ من المنزل يمكن استخدامها كدرعٍ مؤقَّت؟ أحيانًا كان الجواب مجرد وهم.
المستشفيات امتلأت؛ لم تعد غرفة الطوارئ قادرة على امتصاص سوى جزءٍ صغيرٍ من الألم. الأطباء والممرضات صارت لهم وجوهٌ مُرهقة تذكّرك بأنهم بشر. أصوات الطلبات تتصاعد: سرنجة، غرز، كمّادات، شيء لإيقاف النزيف. الناس يقفون في ممرات طويلة يحملون أرقام هواتف لم تُجب منذ ساعتين، ثم يُسقطون رؤوسهم على الأكياس كما لو أن النوم أقرب من الكلام.
الهواتف النقالة لم تعد وسيلةً للرفاهية، بل موصلٌ إلى حقيقةٍ لا تحتمل: رسائلُ أقاربٍ لم تعد تتلقاها، مكالماتٌ تنقطع على منتصف عبارة، صورٌ تُرسَل وتبقى معلقةً في منتصفها. الإنترنت متقطع، وموجات الأخبار الخارجية تصل متأخرةً، مشوهةً، محمّلةً بتقاريرٍ لا تسعف الجرح.
في الأزقة، ولدت أنماطٌ جديدة من الحياة. رجالٌ لم تعهَدهم الأحياء من قبل يحمون الزوايا، نساءٌ يُنَظِّمْن صفوف الماء والطعام، شبابٌ يحفرون بأيديهم للوصول إلى من قد يكون تحت الركام. بين هذا وذاك، هناك صمتٌ غليظ يسبق كل انفجار؛ الصمتُ كقانونٍ يفرض الاستعداد.
وبين هذا الخراب، كان هناك قلُّمٌ واحدٌ من الجحيم: حشمت مندور. لا مجاز هنا، بل فعلٌ مباشر. كان محبوسًا في مكانٍ أقرب ما يكون إلى خطّ التصادم — مبنى نصفه قائم، والجدران تنوء من الصدمات المتتابعة، والنوافذ محجوبة بأكوام من التراب والزجاج.
الضوء في غرفته محدود، إن وُجد. يسمع كل شيء. يسمع اهتزاز الأرض قبل انفجارها. يسمع رائحة الوقود والمعدن والحطب المحترق تختلط برائحة العرق القديم. يسمع أصوات الأطفال تُغَنّي، ثم تختصر تلك الأغاني في أنينٍ. يسمع أيضًا صمت الجيران المفصولين عنه بجدرانٍ تشقَّت: "هل هو حي؟" تَهمَسُ له امرأةٌ من دورٍ قريب، أو ينبح جروٌ تائهاً، أو قادمٌ يصرخ "احذر!"، ثم يختفي الصوت.
حشمت يستعمل الوقت كما لو كان سلاحًا صغيرًا. في البداية، كان يقيس الزمن بعمر انفجارٍ وبعده. بعدئذٍ بدأ يقيسه بالسقوط: كم مرة يهبط سقف مبنى بجوارك؟ كم مرة ينكسر زجاج؟ كم رجلًا يبكي بلا صوت؟ ومع الوقت صار يقيسه بوجودٍ هشّ: كم مرة يستجيب الصوت لنداء: "هل هناك أحد؟"
في زواياه: كتابٌ مهدودٌ نصفه محروق، علبة سجائرٍ شبه خاوية، بندقية مخبّأة تحت الكرسي، وخريطة مرسومة على ورقةٍ مبتلة. كل الأشياء تلك تتكلم عنه قبل أن يتكلّم هو. يقرأ فيها تاريخَ شخصٍ لم يعد يملك اسمًا واضحًا في ذاكرته، وتروي له أن العالم قد يتلاشى، لكن ذاكرةُ الإنسان تبقى محفورةً على الجدران.
حشمت لا ينام بسهولة. لكن عندما يغفو، تكون أحلامه مكتوبةٌ بصوت صاخب: طائرات تحطّم أيقونات المدينة، ألسنةُ نورٍ تجرح الأقمار الصناعية، أطفالٌ يركضون يحملون كتبهم بدل لعبهم. يصحو وهو يشعر برائحةٍ غريبة تتشبث بالحلق: ذلك مزيج من ترابٍ قديم وزيتٍ محترق.
خارج المبنى، الرصاص لم يخف؛ الاقتحام ينساب من جهة، الانسحابات من جهةٍ أخرى. جنودٌ يمرّون كظلالٍ على أطراف الشوارع، يدورون كمن يبحث عن هدفٍ أخترعته الحرب. أعمدةٌ جديدة من الدخان ترتفع من محطّة وقودٍ، والنار تبتلع واجهة سوبر ماركت؛ كان الناس يعتمدون على ذلك السوبر ماركت لغدهم، والآن صار هو لوحة سوداء لا تُقرأ.
كل شيءٌ خارج وداخل يتآكل: القواعد اليومية. الناس يطرقون أبوابًا بحثًا عن دفء، عن مياه، عن ملعقة طعام لا تكذب على جوع. الأشجار في الشوارع تشبه أشباحًا: قاماتٌ موجوعة، أغصانها تتكسر مع أنين خفيف.
الملاجيء تفيض. المدارس التي كانت تُعلِّم أحرفًا الآن تُعلِّم الصبر. المساجد التي كانت تُنشد تقرأ الفاتحة بصوتٍ متقطعٍ طويل. الناس يتهيأون للصمود أو للمغادرة؛ بعضهم لا يجدون من يرحب بهم خارج المدينة. في زقاقٍ مظلم، امرأةٌ تلصق لاصقًا على بابها: "مأوى للأطفال". كانت عبارةٌ بسيطة، لكنها صارت توقيعًا على نوع من الإنسانية التي ترفض أن تُمحى.
لا توجد إجاباتٌ سهلة. هناك فقط فعل البقاء: أن تدفن قطعة خبز بعناية لتأكلها لاحقًا، أن تجمع مياه الأمطار في برميل لتسقي أطفالاً، أن تنسخ أسماء المحتاجين على ورقةٍ وتتركها على سلم مبنىٍ منكسر ليعرف الآخرون أين يذهبون.
وهكذا يمضي اليوم ويأتي اليوم التالي. الحفر يُكَبر، القوافل تتناقص، والمدينة تنجب أجيالًا جديدةً من الصمت.
– في أقرب نقطةٍ لخطّ الاقتحام، لكنه ليس نسخةً مكررةً من رجلٍ وحيد. هو شاهدٌ على انكسار الأشياء، على صلابة الشعوب، وعلى خيطٍ رفيعٍ بين الخوف والعزم.
وهكذا تبقى غزة: مدينةٌ تُعاد كتابتها كل ساعةٍ بحروفٍ من رمادٍ وغبار، ومعها أناسٌ صغيرةٌ وكبار، تُجاهد لتبقى أسماؤهم حيةً على شفاه التاريخ.
بعد غارة قصفت المبنى العسكري خرج حشمت مندور من محبسه، كانت أول مرة يرى فيها النور بعد مدة لا يعلمها من الزمن. كان الغبار يغطى جسده كله ويحرق عينيه. كان يسمع صراخًا لا يعرف له مكان. وفى الخارج شعر كأن العالم كله تهدم.
جثث مرمية في الشارع، بقايا أطراف بشرية، دماء تغطي الأسفلت والجدران. احتاج أكثر من ربع ساعة حتى يستعيد وعيه. إنها حرب، حرب يا حشمت يا مندور.
ركض حشمت مندور نحو الصراخ. كان هناك منزل متهدم وطفلة تصرخ: "أمي هنا تحت الأنقاض". تحفر بيديها العاريتين وسط الصخور. وهناك في البعيد القريب أجساد مصابة تصرخ من الألم وتطلب المساعدة. للحظة شعر حشمت مندور ببشاعة العالم وحقارته.
بعد القصف تحركت المسيرات والدبابات، خلفها مئات الجنود يحملون الأسلحة ويقتلون كل ما تراه أعينهم. نساء، رجال، أطفال حتى القطط والكلاب.
يسير السرب الضخم في نظام واضح ولا يترك شيء خلفه حي. قبض حشمت مندور على الطفلة حملها رغمًا عنها وهي تركل وتصرخ. ركض في الشوارع المهدمة، ركض بكل جهده وسرعته. أخيرًا وجد بعض الناس وسيارة تحاول الهرب. ألقى بالطفلة داخلها قبل أن تتحرك.
كانت هناك امرأة تكافح من أجل الهرب تحمل طفلة رضيعة فوق كتفها وأخريتين كل واحدة منهم في ذراعها. كانت كمن خرج من قبره للتو والدموع تغرق عينيها. تركت زوجها المصاب خلفها وهربت بأطفالها قبل أن يلحق بها الجنود. ركض حشمت مندور نحو المرأة حمل الأطفال وسار معها ولا شيء في داخله سوى الانتقام.
رواية اعلنت الحرب على قلبي الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم اسماعيل موسى
تحرك حشمت مندور ليس كمن يهرب، بل كمن يمرّ من بين بقايا قصّة انتهت قبل قليل. كل خطوةٍ له كانت تُخرِج صوتًا من فم المدينة: خشخشةُ زجاجٍ، انزلاقُ حجارةٍ، أنينٌ لا يعرف أيّ لغة يتكلم بها. الغبار كان يلتصق ببشرته كأنما يريد أن يمحوها حتى من ذاكرته، والهواء محمّلٌ برائحة الدم والحطب المحترق والملابس الممزقة — رائحةٌ تجعل الفم جافًا وتقلّب الصدر كدرقٍّ خائف.
في الطريق، وجوهٌ متجمّدةٌ منتصفَ الهلع: امرأةٌ تُشدّ نصفها خارجًا من تحت لوحٍ، قدماها تنزفان كغصنٍ قُطع للتو، عيونها تبحث عن شيء لم يعد موجودًا. رجلٌ شاب يقفز من حجرٍ إلى حجرٍ حاملًا طفلة على ذراعٍ واحدة، الحمّى قد شلت حركتها، عيناهما تربطان بعضهما ببعض كرمزٍ صغيرٍ للحياة الأخيرة. طفلٌ يجلس على رصيفٍ وهو يلمس وجهًا مغطّى بترابٍ أحمر ويضحك بلا صوتٍ — الضحك الذي لا يسمع إلا في غرف الجنائز.
حشمت لا يرى أسماءً، يرى كائناتٍ تنهارُ أمامه. يسمع أنينًا يعلو من نوافذٍ مُحترقة، يسمع طرقاتٍ على خشبٍ، ونبراتٍ تقول: "لم يعد هناك ماء" بصوتٍ اختنق. في كل زاوية، يقرأ اللافتة الوحيدة الباقية: "هربوا"، أو "اغلق الباب". الأطفال صاروا يعطون المدينة وجهاً آخر — وجوهٌ مختصرة على هيئة صرخةٍ طويلة.
الدم كان بطله، لكنه لم يكن مجرد سائلٍ؛ كان ذاكرةً على الأسفلت. بقعٌ حمراء متفرقة تُخبرك أن الحياة توقّفت هنا قبل لحظاتٍ، وأن الهمّ صار خبرًا ثقيلًا على كلّ صدرٍ يمرّ. قطعٌ من ملابسٍ ملوّثة، أحذيةٌ مفصولةٌ عن أرجلٍ، ألعابٌ صغيرة ملقاةً وسط البربرية: كأنّ الأطفال تركوا عالمهم لوهلة ثم لم يعودوا.
حين التفت إلى اليمين رأى رجلاً يجثو على ركبتيه، يفتح صدره كما لو أنه يودّ أن يفهم أي جزءٍ منه لا يزال يعمل. صوت الرجل متقطع— "أمي… يا الله…"، ثم سقط بوجهه في التراب. المرأة التي كانت بجانبه صمتت وألقت نظرةً كأنها تُحصي عدد النفوس التي فاضت، ثم أخذت تغطّي وجهها بيديها كما تُغطي جرحًا لا يداوي.
حشمت سار وسط هدوءٍ كهذا، والهواء يضخم كل شيء: النفس، الخرزةُ الدخانية، الإحساس بأن الزمن مفتوحٌ على هيئة قرعٍ لا يتوقف. لم يكن هناك استراتيجيات كثيرة: فقط رغبةٍ عنيفةٌ واحدة — أن ينقلها هي (المرأة) وأولادها بعيدًا عن شِبهِ مقبرة هذه الشوارع.
لم تكن خطواته نظيفة. مرّةً تكلّم إلى طفلٍ ملقىٍ على جانب الطريق فتلوّن وجهه بصدمةٍ تحمل أكثر من أسفٍ؛ لم يستطع الطفل أن يفرّ. لم يكن للأطفال أسماء، فلم يَبقَ إلا أسئلةٌ حادة في حلق حشمت: كيف سيُعلّمون الأطفال أن يفتتحوا حياةً بعد هذا؟ كيف ستترسّخ الذاكرة على جدرانهم؟ كيف ستعود الأصوات إلى بيوتهم بعد أن صارت كلُّ الأصوات مسموعةً كجنازاتٍ متتالية؟
كان هناك مشهدٌ — واحدٌ — ربط قلبه بما بقي: أمٌ تحاول إيقاظ زوجها الملقى على رصيفٍ بجوارها؛ هي تضرب كتفه بقبضتها، ثم تُسلّم للحزن، تغمض عينيه بعنف، تُقبّل جبينه بقبلةٍ جاءت من بعد، وكأنها تُنهي مؤامرة زوايا الحياة. حشمت تقدّم، أمسك بكتفها، رفع جفنها، لكن ما رآه في عينيها: استسلامٌ لم يصبح يُرى سوى على وجوه الأموات. تلك النظرة— كانت قصاصًا في قلبه، شيءٌ أشدّ من كل رصاصٍ أصابه.
حين حمل طفلاً كان قد تفوّه اسمًا واحدًا فقط — لا يفهمه، لكنّه يشعر به: "ماما". الصراخ الخافت تحوّل إلى صمتٍ مجمد. حشمت وضع الطفل على كتفه كشاهدٍ صغيرٍ على ما حدث، وحاول أن يخفي الهلع خلف جسمٍ ميّت حقيقةً: جسده تحرّك كما لو قواعده شُحنت بمجموعةٍ أخرى من الأوامر— أوامر قديمة بقاءٍ بحت.
القنابل لا تُسمع هنا كأحمالٍ بعيدة؛ كانت تأتي قريبة، تَقصّ في صدر الطرقات فجواتٍ يخرج منها الناس كالمنفيين. نافذةٌ تقطع، سقفٌ يسقط، سقطةٌ تكمّلها صرخة. ولأنهم لا يملكون إلا أجسادهم، صار اللاعبون الأوائل هم الذين يُرَتّبون النجاة بالشكل الأكثر بدائية: سحبٌ بيدين، دفعٌ بكتف، وعدٌ همسي: "امشوا، لا تتوقفوا".
المرأة التي معه — كانت تتلوى بين انهياراتٍ قصيرةٍ ثم تنهض كطائرٍ اصطاده رياحٌ باردة. حشمت استعمل كل جزءٍ من قوته، لم يكن وقتًا للتفكير بالنعيم بعد الآن. مرّةً أو مرتين، اضطر إلى الوقوف لحظةً ليلتقط أنفاسه، ولكن لا أحدًا يمنحه الهواء بهدوء؛ الهدوء هنا كان فخًا. عند كل وقفة، رُسمت لهُ مشاهدٌ جديدة: رجالٌ بملابسٍ متسخة يفتحون أبوابًا لم يكن أحد يعلم بوجودها، قلبٌ يرتفع ثم يسقط، امرأةٌ تحمل رضيعًا لا حراك له.
في لحظةٍ اشتدت فيها الهمهمة — صياح، طلقات، رضّ أرضي — سمع نحيب شخصٍ عالقٍ تحت سقفٍ نصفه — صوتٌ يُخنق، ثم يتوقف. حشمت توقّف وحدّق؛ كان بوسع أي إنسانٍ أن يغمض عينيه ويقول إنّها بلا معنى؛ لكن في كل مرةٍ كان يكتشف معنىً أعمق: أن يختار أن يتداخل مع الهلع جمعه، أن يمنح بعضًا من جسده لغيره حتى لو كان الثمن هو فقدانه هو نفسه.
حولهم، الشوارع صارت متاهةً من الملجأ المؤقت: مقبرة سياراتٍ ملتهبة، أبواب منحنية، نعوشٌ مُرتجلة. الناس الذين ابتلعهم الاحتراق — لم يعودوا سوى ظلٍ يُذكر على جانبين: أسماء تتعلّق بشريطٍ مسجّل يُعاد تشغيله من ذاكرة الجهل. وبالرغم من ذلك، لم يتوقّف أحدٌ عن الحركة، بل إنّ الحركة صارت طقسًا ضدّ الموت: أن تبقى في الطريق أعظم من أن تتراجع.
حين وصلوا إلى ما بقي من شارعٍ رئيسي، رأى حشمت مشهدًا لم يُنسَه: مجموعةٌ من الرجال يجتمعون حول سيارةٍ صغيرةٍ انتُشلت كأنها بقايا جثةٍ، يحثّون على حمل جرحى داخلها رغم أنها لا تكفي. امرأةٌ ترفع ذراعيها تحاول أن تطلب ماءً، فتعطيها امرأةٌ أخرى قطعةً صغيرة من قماشٍ ليمسح الدم بها. كلّهم على شكلهم، على انحناء أعناقهم، على صياحهم الصغير، كانوا جميعًا — فجأة — حاملين كتابًا مكتوبًا بيدٍ واحدة: "لن نستسلم".
حشمت، رغم أنه لم يكن من هؤلاء الناس، شعر باندفاعٍ غريبٍ ينشأ فيه: رغبةٌ في أن يُحدث فرقًا صغيرًا جدًا. حمل الطفل الأكبر الذي يكاد يختنق، وقفز فوق حافةٍ، ضمّه تحت سترته، ثم جرّ المرأة إلى جانبٍ آمنٍ قليلًا. في كل لحظةٍ كان يتنمّر عليها الموت كحارسٍ يمزق لحم الهدوء، لكن حشمت أحكم قبضته على ما بقي من قوتهِ.
وفي طريقه إلى نقطةٍ أخرى، مرّ بمشهدٍ — طفلٌ عالقٌ في ركامٍ، يداه تلتقطان هواءً متقطعًا. حشمت اقترب بسرعة، أدرك أن الوقت أقصر من أن يعطيه أي شكلٍ من الأحلام؛ نزع لوحًا ثقيلاً بجهدٍ شبه كلي، سحب الطفل، وضعه على كتفيه ثم ركض. لم يكن يعرف إنقاذًا، كان يعرف فقط أن يُبقي القلب ينبض. والأصوات حوله صارت مخيفةً أكثر: أصواتُ جنودٍ تأتي من بعيد، صفّاراتُ إنذارٍ مقطوعة، وأنين من لا يزال تحت الأنقاض.
هكذا ساروا — حشمت، المرأة، أولادها، والطفل الذابل — خلال مدينةٍ برداءٍ من دمٍ وأبخرة؛ وكل خطوةٍ كانت شهادة على ما صار ممكنًا في زمنٍ لا يعرف سوى فعل الهروب. لم يكن هناك مكانٌ يختبئون فيه فعليًا؛ كان كل ما يفعلونه يضيف صفحةً واحدة إلى دفترِ يومهم الوحشي: "نجونا اليوم… سنحاول أن ننجو غدًا."
جسدُ حشمت تذكّر كلّ الخدوش كأنما تحولت إلى حكاياتٍ صغيرة: ألمٌ في كتفه، شرخٌ في فخذه، لكن قلبه لم يتوقف عن الضرب بوحشةٍ أقل. لأنه كان يحمل الآن عيونًا تراقبه، آذانًا تنتظر أمره، وأنفاسًا صغيرة تُعلّمه معنىً آخر: أن يقدم نفسه كجسرٍ قصيرٍ للنجاة بين موتٍ آنيٍ وموتٍ طويل.
وعندما تلاشى الأفق وراءهم — أيّة نقطة أملٍ حمراءٍ بعيدة — لم يكن أحدٌ يُصدّق أن المدينة كانت ذات يوم تسرد أسماءً وتبيع خبزًا. فقط ظلّت الصرخات، والأسماء المُنمّطة على شفة طفلٍ، ويدان ارتعشتا على صدر امرأةٍ تحاول أن تسرّع من قدمها كما لو أنّ الحياة قد تفرّ منها إن توقفت لثانيةٍ واحدة.
في نهاية المطاف، لم يكن إنقاذ حشمت للمرأة مجرد فعل إنساني؛ كان مراهنةً على نفسه، توجّهًا بائسًا يجعل من رأسه هدفًا أكبر، من جسده جسرًا يحاول أن يوصِل مخلوقاتٍ صغيرة إلى ضفةٍ أقلّ فناءً. وفي اللحظة التي نظر فيها إلى السماء المحترقة، أدرك أن غزة — أو ما بقي منها — لم تعد مدينةً فحسب، بل كانت مختبرًا عميقًا للإنسانية: من يبقى، ومن يرحل، ومن يرفض أن يُمحَى.
وصل حشمت مندور والمرأة وأطفالها إلى ساحةٍ واسعة، لم تكن في الحقيقة ساحة بل قطعة أرضٍ حُوّلت على عجل إلى نقطة إجلاء. الهواء محمّل بدخان أسود كثيف، كأن السماء تتعمد أن تطمس ملامح البشر حتى لا يتذكروا أنفسهم. الأضواء الصفراء الباهتة للمولدات المحمولة كانت ترسم ظلالًا متقطعة على الوجوه؛ وجوه رجالٍ مصفّرين من التعب، نساءٍ يحتضنّ صغارهن ويتهامسن بالدعاء، وأجسادٍ هامدة مُصطفّة بجانب بعضها كأنها تنتظر إذنًا أخيرًا بالرحيل.
على الأرض، صفوف من الجرحى يتمددون فوق بطاطين رقيقة، صرخاتهم تقطع ضجيج المكان، بينما المسعفون يركضون من جسدٍ إلى آخر، يحملون أدوية بدائية، يُضغطون على نزيفٍ هنا، يثبتون ضمادةً هناك، يصرخون في بعضهم:
ـ "هات الشاش بسرعة!"
ـ "الضغط بيهبط… أمسكه كويس!"
أطفال يبكون وهم يبحثون عن أمهاتهم وسط الجموع، ورجال يرفعون أصواتهم بالدعاء:
ـ "اللهم احفظنا!"
ـ "لن نرحل… سنبقى مهما فعلوا!"
في الجانب الآخر، أصوات تناقضهم، رجال يصرخون بنبرة يائسة:
ـ "النزوح هو النجاة… من يبقى هنا يموت!"
الصوتان يتداخلان، دعوات الصمود ونداءات الهرب، كأن غزة نفسها تنقسم نصفين: نصف يريد أن يقف حتى النهاية، ونصف يريد أن يعيش حتى لو بخطوةٍ بعيدة.
حشمت مندور، وملابسه لا تزال تحمل غبار الركام، وقف وسط الزحام متماسكًا بقدر ما يستطيع. ساعد المرأة وأطفالها على الجلوس في زاويةٍ قريبة من أحد المسعفين. كان يراقب المكان بعينيه الحادتين، عينان صارتا معتادتين على قراءة الفوضى كما يقرأ المرء كتابًا مفتوحًا: هنا موتٌ مؤجل، هناك حياةٌ تُنتزع من أنياب الحديد.
وفجأة، وسط كل هذا الجنون، لمحها. لم تكن الصورة واضحة أول الأمر، مجرد ظلٍ يتحرك بسرعة، يحمل ضماداتٍ وحقن، يركض بين الجرحى. اقترب قليلًا، والصدمة غرزت مسمارًا في صدره. كانت هي. سلوان.
لكنها لم تكن كما رآها أول مرة. لم يكن شعرها منسدلًا على كتفيها مثلما ظل محفورًا في ذاكرته؛ هذه المرة كانت محجبة، رأسها مغطى بطرحةٍ قاتمة، عيناها هما ما فضحاها. نفس البريق المتمرد، نفس اللمعة التي رآها ذات ليلة جعلته يعبر نصف العالم. لم يحتج إلى اسمٍ يُقال، ولا إلى صوتٍ ينادي. عرفها، كما يُعرف الوجه الوحيد في حشدٍ لا ينتهي.
سلوان كانت تركض بين الجرحى بخفةٍ لا تشبه الدمار حولها. يداها تلطختا بالدم، ملابسها مليئة بالغبار، لكن كل حركةٍ منها كانت تعطي إحساسًا بأنها أقوى من الخراب نفسه. تُطمئن امرأةً ممددة، تضع ضمادةً على رأس طفلٍ، تصرخ في وجه رجلٍ يساعدها:
ـ "اثبت إيدك! هو بينزف يا أخي!"
حشمت وقف متخشبًا، كأن المكان كله سقط من حوله، ولم يبقَ سوى وجهها. لم يسمع صرخات الأطباء ولا أنين الجرحى للحظة، بل سمع فقط صوت قلبه وهو يضرب صدره بوحشية. أراد أن يقترب، أن ينطق باسمها، لكن لسانه انعقد، وخطواته تثاقلت. كان جزء منه يخشى أن تراه فلا تتعرف عليه، وجزء آخر يخشى أن تعترف به فتنكره.
المرأة التي أنقذها مع أولادها أمسكت بكمه وهمست:
ـ "الله يبارك لك… تعبت معانا كتير."
لكنه لم يرد. كان عقله كله قد انحصر في نقطةٍ واحدة وسط الزحام، في سلوان التي عادت له بشكلٍ لم يتخيله. لم يعد يرى المدينة مدينة موت فقط، صار يرى فيها سببًا جديدًا كي يظل واقفًا، رغم الدم، رغم الصرخات، رغم الجثث المرصوصة.
سلوان… هنا.
صدحت أصوات من قلب الحشد، أصواتٌ لم تكن صادرةً عن رجلٍ واحدٍ بل عن مجموعٍ من الرجال والنساء الذين ربطوا وسطهم رايةً بالية ولم يفقدوا الإيمان. ظهروا فجأة على منصةٍ مرتجلةٍ بين الأكوام: شبابٌ بملامحٍ متعبة، ربات بيووت تمدّ أياديهن بالمعونة، شيوخٌ تكوّنت بين عيونهم خطوط المآسي. رفع أحدهم ميكروفونًا خاملاً، ثم انفجر صوته في الميدان:
ـ اصمدوا! اخوتنا… الحق لن يطول. العدو يظن أنه يشترى الأرض بالنار، لكن الأرض لن تُباع! نحن هنا، نحرس، ونردع، ولن يسمحوا لنا أن نُمحى!
هتفت النسوة، وارتفع صوت الترديد، وكانت كلماتهم تتصاعد كشرارةٍ ضد الظلام: «لن نستسلم»، «هذه أرضنا»، «سيعلمون أننا لا نرحل». بين هذه الهتافات وقفت وجوهٌ تغمرها الحزن، لكنها لم تخنِ بصيص الأمل؛ كانوا يصرخون كمن يرفض أن يُسجل اسمه كخسارة فقط.
وسط هذا الزخم من الكلمات المفعمة بالقوة، تضخّم صوتٌ آخر — ليس لخطابٍ منظَّم، بل لصوتٍ واعٍ مختطفٍ بالغضب. اندفع حشمت مندور من بين الركام، جسده لا يزال يحمل أثر الدخان والتراب، عيونه ملتهبة كما لو أن نارًا تكمن داخله. اقتحم الساحة، صرير حذائه على الحصى طرزانًا، ثم وقف مواجهًا منصة المُتحدثين، قائلاً بصوتٍ جهورٍ كأنه يصرخ في وجه قدرٍ مشيّ:
ـ اصمتوا عن الكلام الفارغ! النزوح نحو الجنوب الآن هو الأمان الوحيد! من يظلّ هنا لا ينتظر غير أن يتحول إلى جثة هامدة!
تحوّل صدى كلامه فورًا إلى موجةٍ من الاندهاش والغضب. بعضهم صمتوا، آخرون ردّوا بالسباب، واندفعت مجموعة من عناصر المقاومة تحيطون به من كل جانب كدائرةٍ تقفل. بوجوهٍ صلبةٍ، وضع أحدهم يده على حديد سلاحه، وسخرية السمعة كانت في نبرة صوته:
ـ ومن أنت لتقرر مصائرنا أيها الرجل؟ من أنت حتى تقول لنا أن نصمت عن الصمود؟ ماذا تعرف أكثر منا؟
نظر حشمت في وجوههم الواحدة تلو الأخرى، رأى في أعينهم ثقةً بلا برهان وخوفًا مدفونًا، فأجابهم بحدة لا تخلو من المرارة:
ـ رأيت ما يكفي من الدماء في طريقي. رأيت العدو لا يرحم: يقتل الجرحى، يقتل المرضى، يطلق النار على الأطفال. رأيتهم يتركون أهلًا تحت الركام بلا ماء، بلا دواء. أنا جئت من أقرب نقطة التقاءٍ مع الخصم. أقول لكم: من يبقى سيكون فقط جزءًا من أرقامٍ تُحصى لاحقًا!
عاد صدى كلامه يضرب صدر الساحة. بعض من حوله ارتعش لجرأته؛ آخرون رأوا فيه تهديدًا لكلامٍ بنوا عليه أملهم. حاول أحد القادة أن يهمّ بذمّ هتافه، فتقدّم بخطوة كمن يريد أن يعيد المياه إلى مجراها:
ـ كلامك يفتت الأمل يا رجل. نحن نُحارب من أجل أن تبقى الناس هنا، لننقذ ما نستطيع… الهروب الآن؟ أي هروب هذا؟ سنترك بيوتنا؟ سنترك دماء من أحببناهم؟!
اشتدّ النقاش، أصواتٌ ترتفع وتتنافر. ثم، في ذروة اللحظة، ارتفعت من بين الضجيج صرخةٌ حادّة — صوت المرأة التي جاءت مع حشمت إلى نقطة الإخلاء. اندفعت نحو الحشد، ودمعها يقطر على خدّها، لكن كلماتها كانت صريحةً، لا تختبئ خلف شعارات:
ـ لا تجلدوه قبل أن تسمعوا! الرجل يقول الحقيقة! هو لم يكذب. رأينا بأم أعيننا ما يقوله… العيون التي شاهدتنا على الطريق لن تكذب!
تلك الصرخة كانت كقنبلةٍ ثانية؛ أزاحت بعضًا من الزوبعة، أجّجت قسمًا من البشر داخل الساحة الذين قدّموا منذ ساعات أنفسهم على محكّ النجاة. الجدل هدأ للحظةٍ بينما ينظر الجميع إلى المرأة، ثم التفتت العيون صوب ظلٍ يتحرَّك بين الجموع — ظِلٌّ رأته عين حشمت قبلُ كثيرًا: سلوان.
كانت قد ظهرت فجأة، تخرج من بين المجدّدين، وجهها مغطىٌ بطرحةٍ متسخة لكنه كان فيها ما يوحّدها مع الناس: العجلة، والضمادات، وفتيلةٌ من حزنٍ لا تفارقها. عندما تقدّمت، لم ترفع صوتها بالنداء؛ اكتفت بالنظر إلى حشمت لثوانٍ، ثم خاطبت قيادي المقاومة بصوتٍ هادئ لكنه ثابت:
ـ اهدئوا. هذا الرجل… أعرفه. لا تحتاجون أن تضعوه في السجن هنا. لو رأيتموه يتعامل مع الصغار، لو رأيتموه يجرّ المصابين بين الدمار بنفسه، لما تساءلتم عنه. دعوه؛ سنأخذه بعيدًا عن طرقنا لأن لنا خططنا، ولا نريد أن تلتصقوا به… لكن إن كان يملك نية الخيانة فلن نهرب منها.
كانت كلمتها تُطفئ بعضًا من الحرارة؛ في حنكتها الاطمئنان المباغت لاح له في بعض الوجوه. قياديٌ آخر تقدم، عيناه لا تخفيان الشك، لكن في صوته برودة القرار:
ـ إن سمعنا منه سببًا عقلانيًا لنأخذه للمركز ونقرّره. وإن ثبت غير ذلك… فالشارع ليس ملاذًا لمن يثير فتنة. نتحرى الحذر، لا نفعل ما نندم عليه.
صمتٌ حاسِم خيَّم لبرهة؛ الناس تستعيد أنفاسها كما لو أن الهواء نفسه أعاد ترتيب أوصاله. المرأة التي دافعت عن حشمت تجمّدت، وسلوان نظرت إلى حشمت لمحةً قصيرةً، كلماتها تختصر كل شيء:
ـ خذه بعيدًا. ليس لأننا نثق به كليا، بل لأننا نعرف أن هنا سيقتل نفسه ويقتل الآخرين إن أُجبر على الصراع معنا الآن. أُخذه، ثم ندقق.
لم يرفض حشمت، ولم يبتسم. كان يعرف أن النجاة لا تُنتزع إلا بصفقاتٍ صغيرة، وبقليل من الحيلة والدهاء. ترك الحشد، مع بعض الرجال الذين طلبت منهم سلوان أن يرافقوه. انحنى رأسه بينما الناس تنقسم حوله: مؤيّدون خائفون، ومعارضون حاقدون، ومتفرجون تائهون. في قلبه، لم يكن يبحث عن تأييدٍ بقدر ما كان يطلب أن يتوقف القصف عن ابتلاع المزيد. خرج من الساحة ومعه سلوان والمرأة، وخلفه – بين صفوف الحضور – ظلّت الكلمات معلقة: «هل الصمود واجب أم موت مُؤجل؟»
تسللت سلوان من بين الوجوه المتوترة، نظراتها ثابتة كأنها تعرف طريقها وسط الزحام. حين اقتربت من حشمت مندور، لم تترك له فرصة للرفض أو الاعتراض، أمسكت بذراعه وقالت بسرعة باللهجة المصرية:
ــ تعالى معايا… هنا مش أمان، ولازم نتحرك دلوقتي.
لم يعلّق، فقط رمقها بنظرة طويلة، تلك النظرة التي تزن المواقف وتعرف جيدًا أن لا أحد يغامر بإمساك ذراعه إلا لو كان صادقًا. ترك نفسه ينقاد، وإن بدا فى عينيه ذلك البريق العنيد الذى لا يخمد.
سارا معًا عبر طرق جانبية، الشوارع خالية إلا من الركام، أضواء بعيدة ترسم ظلالًا متكسرة على الجدران المحطمة. كلما مرّا بجثةٍ مسجّاة أو صرخة جريح، كان قلب حشمت يشتعل أكثر، لكنه ظل صامتًا، يتابع خطوات سلوان كأنه يثق بها رغم كل حذره.
حين وصلا إلى بيتٍ صغير فى طرف الجنوب، منزوع الأبواب والنوافذ، دخلت سلوان أولًا، ثم أشارت له بالجلوس. وضعت حقيبتها على الأرض، وأخذت نفسًا عميقًا، كأنها أخيرًا تترك ثقلًا من على كتفيها.
التفتت نحوه، وعيناها تلمعان بتوتر لم تنجح فى إخفائه:
ــ إنت دايمًا كده يا حشمت… عنيد، بترفض تبقى تابع لحد، حتى لو كان ثمن ده حياتك.
أشعل سيجارة ببطء، نفث دخانها، ثم قال بهدوء:
ــ يمكن علشان تعوّدت أشوف الدنيا من غير سند… الواحد بيتعلم يواجه لوحده.
اقتربت منه بخطوة، صوته جعل قلبها يرتجف رغم قوتها. سألته بصوت خافت، لكن يحمل كل الحيرة:
ــ طب ليه جيت هنا؟ ليه اخترت غزة وسط الجحيم ده؟
توقف لحظة، رمقها، وكأن الكلمات تتثاقل على لسانه:
ــ جيت… علشان أدور على حاجة تخليني أصدق إني لسه عايش. يمكن كنت بدور على وشّ… أو معنى.
أطرقت سلوان برأسها، وابتسمت ابتسامة صغيرة مرتعشة:
ــ طول عمرك غامض… بس الغموض ده هو اللي بيشدك للجحيم، مش بيبعدك عنه.
اقتربت أكثر، جلست إلى جواره، كأنها تستسلم للحظة رغم معرفتها أن الغد قد يمحوها. قالت بصوت يحمل دفء وإصرار معًا:
ــ خلاص، مش هسيبك تمشى لوحدك تاني انا هوصلك لبر الأمان ذى ما عملت معايا، الحرب دى مش حربك وانا هرجعك بلدك.
همس حشمت مندور، انتي غلطانه يا سلوان.
الحرب مش حربكم لوحدكم دى حربنا كلنا ،يمكن انا مجتش هنا عشان احارب ولا اكون بطل او شهيد لكن خلاص مينفعش أرجع تانى، انا هعيش واموت هنا.
ارتفع حاجب سلوان دون إرادتها وهمست ونا مش هسيبك لوحدك.
ظل ينظر إليها طويلًا، وفي عينيه شرود وحزن عميق، لكن مع ابتسامة خافتة كأنها أول اعتراف غير منطوق: أنه وجد أخيرًا من يجرؤ أن تمشي بجواره فى قلب الجحيم.
منذ أن اتخذت ندى قرارها بالانسحاب من فكرة الزواج، عادت إلى مقاعد الجامعة بوعي مختلف. كانت قاعات المحاضرات بالنسبة لها ساحة إثبات وليست مجرد جدران جامدة. جلست دائمًا في المقاعد الأمامية، تكتب ملاحظاتها بتركيز لا يلين، وتتابع الشرح وكأنها تخزن كل كلمة في أعماقها لتعود إليها في لحظة الحسم.
كانت تراه أحيانًا، جاسم، يمر من أمامها أو يجلس بعيدًا في القاعة، يتحدث مع زملاء آخرين أو ينشغل بأوراقه. وكأنه لم يعرفها يومًا، وكأن ما جرى بينهما لم يكن سوى خيال عابر. لم يحاول الاقتراب، لم ينظر في عينيها، حتى لم يتبادل معها التحية. هذا التجاهل كان موجعًا في البداية، لكنه مع الوقت صار وقودًا يدفعها إلى الأمام. كانت تردد في داخلها: "أنا لا أحتاج أن يراني… سأجعل العالم كله يراني."
حين جاءت امتحانات نصف العام، كان الليل صديقها الأوفى. جلست بين كتبها وأوراقها، عيناها متورمتان من السهر، لكن عقلها حاضر كالحد السيف. كتبت حتى شعرت أن القلم صار جزءًا من يدها. وعندما أعلنت النتائج، صعد اسمها إلى لوحة الشرف في المركز الثاني على الدفعة. لحظة رأته فيها شعرت بشيء يتفتح بداخلها، كأنها تنتزع اعترافًا لم تحتج أن يأتي من أحد.
لكنها لم تكتفِ. واصلت السير بنفس الإصرار، كأن المركز الثاني كان مجرد محطة، لا نهاية. عادت إلى محاضراتها بحماس أكبر، شاركت في المناقشات، تجرأت على طرح الأسئلة التي كان الآخرون يترددون في طرحها. بدأت وجوه الأساتذة تلتفت نحوها، وأسماء زملائها تهمس بأنها واحدة من المتفوقات الذين يُنتظر لهم مستقبل مختلف.
حتى إذا حلّ الترم الثاني، كان داخلها قد اشتد صلابة. لم تعد تقيس ذاتها بردود الأفعال، بل بما تحققه بيديها. في كل امتحان كانت تجلس بثقة، تكتب كما لو أنها تحاور الورق وتنتصر عليه. وعندما أُعلنت نتائج نهاية العام، جاء اسمها مرة أخرى في المركز الثاني على الدفعة.
لم يكن ذلك مجرد تفوق عابر، بل إعلان واضح: أن ندى التي أرادت شاهندة أن تحصرها في دور "الفتاة الصغيرة" قد قررت أن تكون أكبر من كل الأحكام.
في اللحظة التي سارت فيها ندى في ممر الكلية، وهي ترى زميلاتها يبتسمن بفخر لنجاحها، لمحت جاسم من بعيد. كان يتحدث مع بعض الطلاب وكأنها لم تكن هناك. ابتسمت بهدوء، لأول مرة دون مرارة. لم تعد تحتاج نظرته، لأنها أخيرًا وجدت قيمتها في نفسها لا في عينيه.
لم يطل الوقت كثيرًا بعد قرار ندى برفض الزواج من جاسم حتى تغيّرت ملامح البيت الكبير. شاهندة لم تعد تخفي ضيقها، لكنها وجدت عزاءها في ترتيبات زواج ابنها جاسم من لارا ابنة رجل الأعمال رفعت الشماخ. كان زواجًا يُعقد في قاعة فخمة بأحد فنادق القاهرة، تحضره الوجوه المتأنقة والأسماء اللامعة، وكأنه صفقة أكثر من كونه رباطًا.
جاسم في تلك الليلة بدا مشغولًا بالتصوير والتحية أكثر من انشغاله بالعروس. ابتسامته محسوبة، خطواته مرسومة، وصوته يخرج من صدره آليًا: "أهلاً… شرفتونا". لم يكن في عينيه شيء يُشبه ذلك الشاب الذي كان يقف يومًا ما على أعتاب بيت جده، يبحث عن ردٍّ من ندى. بدا كأنها صفحة أُغلقت بالقوة، أو بالأحرى أُحرقت.
ندى لم تحضر. اكتفت بمتابعة الخبر من بعيد، عبر أحاديث الجيران ولمحات الصور المنتشرة على الشاشات. لم يهتزّ قلبها كما توقّعت شاهندة، بل وجدت نفسها أكثر إصرارًا على ما بدأت فيه: أن تبني حياتها وحدها، بلا سند سوى إصرارها وعقلها.
مرّت السنوات سريعًا كأنها سباق طويل، كل عام يضعها أمام تحدٍ جديد. العام الثاني في الجامعة، ثم الثالث، حتى وصلت إلى العام الرابع والأخير.
كانت محاضراتها أكثر كثافة، والليالي أطول مع الكتب والمراجع. زملاؤها انشغلوا بالخطوبة والرحلات، أما هي فكانت تعرف أن لحظة إثباتها اقتربت.
لم تعد تلتفت إلى جاسم. كانت تراه أحيانًا في زيارات عابرة لبيت الجد، لكنه بدا كأنه لا يراها أصلًا. نظراته تمرّ عليها كما تمرّ على قطعة أثاث قديم اعتاد وجوده. لم يؤلمها الأمر بقدر ما حرّرها. لم تعد تنتظر منه شيئًا، لا كلمة، لا عتاب، ولا حتى اهتمام زائف.
في آخر عام، اجتازت امتحانات منتصف العام بثبات، ثم انغمست أكثر فأكثر في التحضير للامتحانات النهائية. كانت تكتب ملاحظاتها بخط دقيق، تراجعها صباحًا ومساءً، كأنها تخوض معركة شخصية، معركة لإثبات ذاتها أمام نفسها أولًا، ثم أمام العالم كله.
وجاءت الأيام الحاسمة. الامتحان الأخير. تلك اللحظة التي تختصر أربع سنوات من التعب، وسنوات أطول من التحديات منذ طفولتها. جلست ندى في القاعة الواسعة، أوراق الامتحان بين يديها، قلبها يضرب بإيقاع مختلف. لم يكن خوفًا، بل مزيجًا من الحماس والإصرار.
رفعت رأسها لحظة، تنظر إلى الوجوه حولها، ثم عادت إلى ورقتها. كتبت… كتبت وكأن كل حرف يثبت أنها لم تكن يومًا "فتاة بلا قيمة". وعندما وضعت القلم أخيرًا، شعرت لأول مرة أنها حررت نفسها من سجن طويل، وأن الطريق أمامها صار مفتوحًا على احتمالات جديدة.
خرجت من القاعة، الهواء يلفح وجهها ببرودة غريبة. ابتسمت لنفسها، ورفعت عينيها نحو السماء:
– "خلصت… خلاص."
كانت تعرف أن النتيجة لم تعد مجرّد درجات، بل شهادة على أنها استطاعت الصمود، وأكملت الطريق حتى النهاية.
وفي بيت الجد، حين جلست في المساء، شعرت أن الصمت هذه المرة مختلف. لم يكن صمت الانكسار، بل صمت انتظار ما سيكون.
رواية اعلنت الحرب على قلبي الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم اسماعيل موسى
ندى
النتائج نزلت في صبيحة يوم قائظ من يونيو.
الطلاب يتدافعون أمام لوحة الإعلانات الكبيرة، أصوات مختلطة بين ضحكات عالية وصيحات فزع وبكاء مكتوم.
ندى وقفت في الخلف، لا تقترب. قلبها يخبط كأنه سيقفز من صدرها.
أحد الزملاء لمحها وقال بلهجة مرحة:
- "مبروك يا ندى… الأول مكرر!"
تجمدت في مكانها، لم تصدق. دفعت بنفسها وسط الزحام لترى بعينيها. وهناك، أمام سطر مكتوب بخط واضح:
الأول مكرر: ندى رفعت منصور
الكلمات ارتجفت أمام عينيها. شعور غامر بالفخر اندفع في صدرها، عيناها امتلأتا بالدموع. أربع سنوات من السهر والكتب والألم تجمعت في لحظة واحدة. ابتسمت بلا وعي، ويدها ترتعش وهي تلمس الورقة كأنها تريد أن تتأكد أنها ليست خدعة.
لكن الفرحة لم تعش طويلًا.
لم تمضِ أيام قليلة حتى وصلها الخبر البارد، كصفعة على وجهها:
"الجامعة اختارت ابنة الدكتور فؤاد معيدة… المنصب مشغول خلاص."
توقفت الدنيا. شعرت أن الأرض انسحبت من تحت قدميها. كانت تعرف أن "الأول" يعني الحق في التعيين، كانت تنتظر اللحظة منذ بداية رحلتها. لكنها لم تتخيل أن المجاملة والمحسوبية ستأكل حلمها أمام عينيها.
ذهبت إلى مكتب العميد، حاولت أن تسأل، أن تفهم.
لكن الرد جاء بنفس البرود:
- "بنت الدكتور فؤاد تحصلت على درجات أفضل."
سمعت كلامًا كثيرًا لكن ما فهمته أنها لن تصبح معيدة في الجامعة.
خرجت من المكتب تجرّ أذيال الخيبة. خطواتها ثقيلة، كل نفس يصدر منها كأنه يحمل حجرًا.
في البيت، لم تقدر أن تشرح لأحد. دخلت غرفتها وأغلقت الباب. لم تبكِ بصوت عالٍ، لكنها جلست على طرف السرير، تنظر إلى الفراغ. الدموع تنحدر في صمت، تتساقط على كفيها المرتعشتين.
الليل صار أطول، والنهار بلا معنى.
انكمشت داخل نفسها، عزفت عن الحديث، عن الطعام، عن كل شيء. لم تعد تخرج من غرفتها إلا للضرورة.
الكتب التي كانت صديقتها صارت كومة ثقيلة على المكتب. الأوراق المليئة بالملاحظات بدت لها بلا قيمة.
كانت تسمع أصوات العائلة من بعيد، كأنها تعيش في عالم آخر.
كلما حاولت أن تنهض، تذكرت لوحة النتائج… تذكرت كلمة "الأول مكرر" التي تحولت إلى لعنة، وإلى جرح مفتوح.
ولأول مرة، أحسّت ندى أن العلم الذي أحبته خانها.
أن كل سهرها لم يكن كافيًا أمام نفوذ رجل واحد، وأن الطريق الذي حلمت به أُغلق في وجهها بيد باردة، بلا تفسير ولا رحمة.
جلست عند النافذة في إحدى الليالي، تنظر إلى الشارع المظلم، وقالت لنفسها بصوت هامس:
- "يمكن أنا فعلًا كنت غلطانة… يمكن الحلم ده مش ليا."
ثم أغلقت الستارة، وعادت إلى عزلتها الثقيلة، كأنها اختارت أن تختفي من الدنيا، على أمل أن يخف الألم.
لم تكن ضربة واحدة ما كسرت ندى، بل كان تراكم الضربات. لحظة إعلان النتيجة، حين سمعت اسمها يُذكر "الأول مكرر"، ثم رأتها تزاح إلى الخلف لصالح ابنة الدكتور الجامعي، كان الأمر يشبه انطفاء ضوءٍ داخليّ ظلّ مشتعلًا فيها سنوات طويلة.
مرت الأيام الأولى كأنها ضباب. كانت تجلس أمام كتبها محاولةً استعادة حماسها، لكن الكلمات تتحول إلى خطوط سوداء متشابكة، لا تحفظ منها شيئًا. كل صفحة تُفتح تُغلق بعدها بخيبة، حتى باتت الكتب نفسها تثير في قلبها شعورًا بالاختناق.
كانت تنام كثيرًا، ساعات طويلة بالنهار، ثم تستيقظ ليلًا بصداع يفتك برأسها، تتقلب في فراشها عاجزة عن النوم. أحيانًا تُغمض عينيها، لكنها لا تجد سوى صور شاهندة وهي تبتسم بتشفٍّ، أو صوت والدة جاسم يذكرها بأنها "بلا قيمة". فتفتح عينيها من جديد، كأن النوم صار عدوًا آخر يطاردها.
لم تعد الأطعمة تُغريها. تجلس على المائدة تنظر إلى الطبق أمامها، تقلب الطعام بالشوكة دون أن تأكل. وإن أكلت، فلقيمات قليلة، كأنها تؤدي واجبًا. ثيابها بدأت تتسع عليها، لكن ذلك لم يلفت انتباهها. حتى المرآة لم تعد تهمها، بالكاد تنظر إليها.
العزلة كانت ملاذها الوحيد. تغلق باب غرفتها معظم اليوم، لا تسمع إلا صوت أنفاسها الثقيلة. أصدقاؤها حاولوا زيارتها، طرقوا الباب، اتصلوا، لكنها إما تجاهلت أو اعتذرت ببرود. لم يكن لديها طاقة للكلمات ولا للابتسامات المزيفة. حتى جدها، الذي كان دومًا عمودها الصلب، صار حضوره عبئًا، يخشى أن يراها هكذا، هشة متكسرة.
الدموع لم تأتِ بانفجار، بل كهمسات متكررة. لحظة وهي تقرأ خبرًا عن نجاح زميلة قديمة؛ لحظة أخرى وهي تسمع ضحكات بنات في الشارع. تبكي قليلًا، ثم تمسح وجهها بسرعة، وكأنها تخشى أن يراها أحد. لكنها تعرف: هذه الدموع ليست تفريغًا، بل تأكيدًا أن الحزن أصبح جزءًا من يومها.
عقلها لم يرحمها. كل ليلة كان يدور في الدائرة نفسها:
"أنا لست كافية… حتى حين تعبت وأحرزت المركز الأول، لم أكن الأولى. حتى حين كنت الأجدر، لم أُمنح ما أستحق. ماذا بقي إذن؟ هل كان كل ما فعلته بلا معنى؟"
لم يكن السؤال عن المستقبل، بل عن القيمة. عن معنى وجودها أصلًا. في لحظات طويلة كانت تتمنى فقط أن يتوقف عقلها عن التفكير، أن يتركها تنام بلا صور ولا أصوات. لكن عقلها كان كالمطرقة، يعيد الطرق مرارًا، حتى تنهك وتستسلم للصمت.
الجسد بدوره صار ثقيلًا. مجرد النهوض من الفراش بدا مهمة شاقة، غسيل وجهها عبء، فتح نافذة لغرفتها تحدٍّ يفوق قدرتها. لم تعد تعرف إن كان هذا كسلًا أو مرضًا، لكنها شعرت أن كل خطوة تسحب من روحها شيئًا.
في أعماقها، كانت تعرف: هذه ليست مجرد أزمة عابرة. هذا انهيار. انهيار صامت، لا يراه أحد، لكنه يبتلعها يومًا بعد يوم.
وفي المساء، حين جلس الجميع على العشاء وضحكوا، تسللت بهدوء إلى غرفتها. أغلقت الباب، جلست على الأرض وأسندت ظهرها إلى الجدار، وسمحت لدموعها أن تنهمر بلا مقاومة. لأول مرة لم تُخفِها، لم تمسحها، فقط تركتها تسيل، علّها تغسل شيئًا من الألم. لكنها حين توقفت، أدركت أنها لم تُغسل شيئًا، بل تركت الملح عالقًا في قلبها.
كان الاكتئاب قد تمدد فيها بالكامل، ليس كضيفٍ عابر، بل كساكن دائم.
لم تعد جدران الغرفة تتحملها. في ذلك الصباح الرمادي، وجدت قدميها تحملانها وحدهما، تنزل الدرج بخطوات بطيئة، ثم تعبر فناء البيت نحو الحقول الممتدة. الهواء كان رطبًا، والسماء ملبدة بالغيوم الثقيلة، لكنها لم تكترث. كانت تبحث عن فراغٍ أوسع من أفكارها، عن مكان يبتلعها دون أن يسألها لماذا.
وصلت إلى شاطئ النهر، وجلست على العشب المبلل. الماء أمامها يمضي في هدوء لا مبالٍ، يلمع بلون فضي تحت السماء الملبدة. أحنت رأسها إلى الأمام، كأنها تستمع إلى وشوشات الماء، لكن الحقيقة أنها كانت تحاول إسكات الأصوات في داخلها.
حين بدأ المطر، لم تتحرك. قطرات خفيفة أول الأمر، ثم انهمرت كخيوط متشابكة، تسقط على شعرها وكتفيها ووجهها. كانت تشعر ببرودة تخترق ملابسها، تتسرب إلى عظامها، لكن شيئًا فيها أبى أن يتحرك. كأنها أرادت أن يذيبها المطر، أن يغسل كل ما علق بروحها.
ارتعش جسدها مع اشتداد البرد، ورعشة أخرى أشد تسللت من الداخل. غامت رؤيتها للحظة، ثم تداخلت الصور. رأت وجهًا تعرفه جيدًا—ملامح قاسية، عينان لا تعرفان الخوف. حشمت مندور، واقفًا على الضفة المقابلة، سيجارة مشتعلة بين أصابعه، ينظر إليها بصمت. لم يبدُ عدوًا ولا صديقًا، فقط كان حضورًا طاغيًا يربكها. بجواره ظهرت سلوان، شعرها يتطاير مبللًا بالمطر، تحمل في نظرتها شيئًا من القوة والخذلان معًا. المشهد كله بدا كحلم يقظ، لكنها لم ترد أن تصدق أنه وهم.
مدّت يدها بخفة، كأنها تلمس الهواء بينهما، وحين لمست الفراغ أدركت أن الصور لم تكن إلا ارتباك عقل مرهق. عندها جاء صوت آخر، حقيقي هذه المرة—مواء قطة صغيرة. التفتت لترى هرّة نحيلة، واقفة تحت المطر، تحدق فيها بعينيها الواسعتين. شيء في ذلك المشهد أيقظها من غيبوبتها. نهضت بتثاقل، جسدها يرتجف، الملابس ملتصقة بها كجلد آخر، لكنها تحركت.
خطت عائدة نحو البيت، وكل خطوة كانت تشبه قرارًا صغيرًا بالعودة من الحافة. لم يكن بداخلها يقين كامل، ولا قوة مكتملة، لكن كان هناك إحساس غامض: أن شيئًا ما تغيّر. كأن المطر لم يغرقها فقط، بل أعاد تشكيلها من جديد.
وحين أغلقت باب غرفتها خلفها، جلست على حافة السرير، تمسح شعرها المبلل بأنامل مرتعشة، وفكرت: ربما لا أستطيع أن أغيّر العالم، ولا أن أحصل على ما سُلب مني… لكنني أستطيع أن أنهض، ولو مرة أخرى.
كان ذلك بداية خافتة، لا تُرى بالعين، لكنها شعرت بها في قلبها: أول بذرة لمحاولة النهوض من جديد.
حشمت مندور
كان رجوعهم إلى الأرض المحترقة قرارًا ثنائيًا، من أحد الأنفاق تسلح حشمت مندور وسلوان بأسلحة خفيفة
وعبوات متفجرة وقاذفات آر بي جي، تبضع حشمت مندور بكميات هائلة من التبغ حتى إن سلوان قالت:
"أشعر أنك ستأكل دخان لا طعام."
"في أوقات الحرب يا عزيزتي لا يبحث الرجال عن الطعام بل الكيف وإنني حين أحمل علبة سجائر يمكنني قتال كتيبة بمفردي."
"لن أمنحك شيئًا من طعامي."
هكذا توعدت سلوان حشمت مندور قبل وصولهم أطراف قرية داخل حقل قمح محترق.
"اسمع يا حشمت لا نحتاج تهور أو شجاعة فارغة سنوجه ضربات تعطل العدو وتساعد الناس على الهرب من الجحيم."
وعندما مشيا بين المباني المهدمة أدركا أن حملًا ثقيلًا ينتظرهما، كان مظهر الجرحى والأطفال الثكلى والأمهات لا يمكن احتماله.
"لا يمكننا أن نتركهم هكذا علينا مساعدتهم."
صمت حشمت مندور:
"اسمعي يا سلوان لقد كنت هناك وأعرف بعد وقت قصير ما سوف يحدث.
ستتقدم كتيبة أو كتيبتان مع الدبابات ويقتلوا كل البشر.
علينا أن نلتزم بالخطة صدقيني رأيت بعيني ما يفعلون بالجرحى والأطفال إنهم هنا لا يحتاجون مساعدتنا
بل الوقت، علينا أن نمنحهم الوقت."
وخلال كل ذلك كانت صرخات الهاربين ترتفع إنهم قادمون من الخلف مثل الوحوش الجائعة.
كان الكل يهرب نحو الجنوب إلا شخصين ملثمين يركضان بين فراغات المنازل المهدمة كشبحين غير مرئيين.
عندما وصلا طلائع العدو كان هناك سرب كامل من الجنود يسيرون محتمين بالدبابات والمدرعات، إلى جوارهم على اليمين كانت هناك أسرة محتجزة تحت الأنقاض تطلب النجدة.
لكن الوقت كان قد فات كان وصول حشمت مندور إليهم مستحيلًا مما اضطره إلى الكمون في موقعه يده على قاذف الآر بي جي سمع الجنود صرخات الأطفال والرجال تحت الأنقاض للحظة توقعت سلوان أن يتم إنقاذهم لكن حشمت مندور كان أسرع بديهة، أشعل سيجارة في صمت وعينيه تكاد تنزف دم لا دموع.
أطلق أحد الجنود ضحكة وهو ينظر إلى العائلة من علو، كان فوقهم والأطفال يصرخون من تحتهم.
وجه إشارة إلى قائد الكتيبة الذي منحه الإذن.
بعدها، تحرك جنديان يحملان قاذفات لهب، تصلبت ملامح سلوان وكادت تقفز من مكانها.
قبض حشمت مندور على يد سلوان ووضع يده فوق فمها منعها من الصراخ ثم احتضنها ووضع يده فوق عينيها.
أطلق الجنديان قاذفات اللهب وارتفعت صرخات الأطفال والأسرة التي تحترق وسط ضحكات الجنود، ارتفع دخان ممزوج برائحة اللحم وحشمت مندور يغمغم:
"يا أولاد الكل_ب."
كان يعرف أن قبل الهجوم عليك أن تحدد طريق الهرب.
واختار بعض النقاط التي لم تلحظها سلوان.
عندما انتصف السرب همس حشمت مندور:
"الآن."
انهمرت العبوات الناسفة بينما صوب حشمت مندور قاذف "الأر بي جي" على مدرعتين، رغم أنه كان يريد قتل قائد السرب لكن الأشكال الحديدية حمته.
تحركت مقدمات الدبابات واستدارت نحوهم وخلال لحظات.
وخلال ركضهم تحول المبنى بأكمله لتراب.
ركض حشمت مندور بكل سرعته جاذبًا سلوان خلفه، وفى اللحظة الأخيرة سقطا داخل فوهة نفق قبل أن تلتقطهم كاميرات المسيرات، ودون تلكؤ واصلا الركض داخل النفق.
صرخت سلوان:
"توقف يا حشمت!"
كانت غير قادرة على تمالك نفسها بعد ما رأته.
همس حشمت مندور:
"موتك لن يغير أي شيء، أتريدين الحقيقة؟"
"سيموت الناس، ستقتل أكثر من أسرة ولن نستطيع إيقاف كل ذلك."
"علينا أن نواصل الركض، أن نخرج في نقطة أخرى ونوجه ضربة أخرى، عليهم أن يعرفوا أن في كل نقطة هناك موت ينتظرهم."
رواية اعلنت الحرب على قلبي الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم اسماعيل موسى
في صباحٍ هادئ داخل أروقة كلية العلوم، كانت ندى تسير بخطواتٍ ثابتة، تحمل بين يديها ملفًا سميكًا مُغلفًا بعناية. لم يكن مجرد أوراق رسمية؛ بل كان ثمرة ليالٍ طويلة من البحث والقراءة، وساعات من الانغماس في حياة وأفكار عالمةٍ سبقتها بسنوات، لكنها شعرت أنها أقرب إليها من أي وقت مضى: الدكتورة سميرة موسى.
توقفت ندى أمام مكتب الدراسات العليا، تناولت نفسًا عميقًا، ثم سلّمت الملف إلى الموظف الجالس خلف المكتب. على الغلاف، كان العنوان مكتوبًا بخط واضح ودقيق:
"النظريات غير المكتملة في أبحاث الدكتورة سميرة موسى: مقاربة معاصرة في الفيزياء النووية السلمية"
كان العنوان يبدو ثقيلًا، لكنه عكس تمامًا ما أرادته ندى. فهي لم ترد فقط أن تُعيد قراءة أفكارٍ مضت، بل أن تفتح نافذة جديدة على ما لم يُستكمل يومًا. حاولت أن تُثبت أن العلم الذي توقّف عند حدود الغموض والرحيل المفاجئ لصاحبته، يمكن أن يجد من يحمل الشعلة من جديد.
في تلك اللحظة، اجتاحها شعور مزدوج: فخرٌ لأنها تضع أول خطوة فعلية في مسار حلمها، وارتباكٌ خفي لأنها تعلم أن الطريق لن يكون سهلًا. فالموضوع ليس تقليديًا، وقد يثير الجدل بين الأساتذة والممتحنين. لكنها آمنت أن الجرأة في الاختيار هي أول برهان على الجدارة.
غادرت المكتب بخطواتٍ بطيئة، تسمع في رأسها صدى الجملة التي كتبتها في مقدمة بحثها:
"العلم لا يموت برحيل أصحابه، بل يظل معلّقًا في الهواء ينتظر من يمد إليه يده."
تمتمت السكرتيرة باسمها، فدخلت ندى قاعة لجنة الدراسات العليا بخطواتٍ مترددة، يسبقها صوت ارتجاف أوراقها بين يديها. جلست أمام الأساتذة، تحاول أن تُخفي ارتباكها، فيما العيون تُحدّق إليها كمن يزن ثقلًا لا يُرى.
أخذ رئيس اللجنة الملف، تصفحه سريعًا، ثم رفع حاجبيه قليلًا عند قراءة العنوان:
"النظريات غير المكتملة في أبحاث الدكتورة سميرة موسى: مقاربة معاصرة في الفيزياء النووية السلمية."
ابتسم ابتسامة باهتة، وقال بصوتٍ رصين:
– "موضوع جريء يا ندى… لكنكِ تدركين أنه صعب، وربما يتجاوز قدراتك في هذه المرحلة."
تبادلت اللجنة نظرات صامتة، كأنهم يتفقون ضمنيًا على الحكم قبل أن يكتمل النقاش. أحدهم علّق ببرود:
– "محاولات كثيرة سبقتك لفهم ما تركته الدكتورة سميرة، ولم تصل لنتائج تذكر."
هزّت ندى رأسها بهدوء، لم تجادل، فقط تمسكت بالصمت، وكأنها تقول: "سأثبت لكم عمليًا."
بعد دقائق من التداول الجانبي بينهم، وُضع الملف أمامها من جديد، وأعلن رئيس اللجنة القرار الرسمي:
– "اللجنة توافق على تسجيل موضوعك، لكن… لا نعدك بنتائج مختلفة عما سبق. المسألة شاقة، وغالبًا ستتعثّرين كما تعثّر غيرك."
خرجت ندى من القاعة والهواء بارد في صدرها. قبولٌ جاء محملًا بتوقع الفشل، لكنه بالنسبة لها لم يكن هزيمة، بل بداية معركة. في عينيها، كان التحدي أكبر من رضا اللجنة أو سخطها.
منذ اليوم الأول ندى لم تكتفِ بالكتب والمقالات، بل راحت تبحث في كل تفاصيل حياة الدكتورة سميرة موسى، وكأنها تسعى لإحياء ماضٍ انطفأ قبل أن يكتمل. قرأت عن نشأتها في إحدى قرى مصر البسيطة، وكيف تسلحت بالعلم ضد مجتمع لم يكن يرى في المرأة أكثر من زوجة وأم. وجدت في طفولتها المبكرة انعكاسًا لطفولتها هي، وكأنهما عبرتا النهر ذاته لكن في زمنين مختلفين.
تتبعت خطاها في الجامعة، قرأت عن إصرارها أن تكون الأولى في دفعتها رغم المنافسة القاسية، وكيف كانت تدرس ساعات طويلة بينما زملاؤها يستسلمون للتعب. وجدت ندى نفسها تبكي بصمت وهي تقرأ عن رحلة سميرة إلى بريطانيا، وكيف وقفت هناك امرأة مصرية شابة في مواجهة عقول غربية متعالية، ولم تهتز.
كل قصة صغيرة، كل مقطع مكتوب عن سميرة، كانت ندى تحفظه وكأنه وحي. علقت صورتها على جدار غرفتها، وصارت تخاطبها في وحدتها:
– "علّميْني كيف قاومتِ… دلّيني كيف صبرتِ…"
تغلغلت حياة سميرة موسى في تفاصيل يوم ندى. صارت تقرأ حتى في المواصلات، حتى وهي تتناول طعامها. تشبعت بفكرها إلى الحد الذي بدأت ترى فيه العالم بعيونها: كيف كانت تفكر في العدالة العلمية، كيف ربطت بين الفيزياء النووية والطب لعلاج السرطان، وكيف حلمت بفتح معاهد للعلم للجميع.
ومع مرور الأيام، لم تعد ندى تدرس فقط، بل تعيش حياة أخرى موازية. أحيانًا تستيقظ في منتصف الليل على إحساس قوي أنها تسمع صوت سميرة يناديها، يدعوها لإكمال الطريق. وأحيانًا كانت تشعر أن خطواتها تقودها في المعمل بنفس الإصرار الذي مشت به سميرة بين المختبرات قبل عقود.
هكذا، ذاب الحاجز بين الباحثة والمُلهمة، حتى غدت ندى نسخة حديثة من سميرة، لكنها أكثر جوعًا للمعرفة، وأكثر تعطشًا لإثبات أن الطريق الذي قُطع على غيرها لن يُقطع عليها هي.
مع مرور الوقت، لم يعد شغف ندى بسميرة موسى مجرد دراسة أو مشروع أكاديمي، بل صار أسلوب حياة يطبع كل تفاصيلها. كانت تجلس مع زميلاتها في الكلية، لكن ذهنها يرحل بعيدًا إلى قاعات المحاضرات القديمة حيث كانت سميرة تلقي كلماتها الأولى، فتبدو غائبة، مترددة في الانخراط في الأحاديث العادية عن الملابس أو الزيجات المقبلة. البعض بدأ يتهامس أنها أصبحت "منعزلة"، لكن ندى لم تعبأ.
حتى في بيتها، تغيّرت. جدها الذي كان يراها طفلة مدللة بالأمس، صار يلمح في عينيها بريقًا من الصرامة والإصرار لم يألفه من قبل. وحين كان يحاول التخفيف عنها بحديث عابر عن "الزواج" أو "المستقبل المضمون"، كانت ترد بجملة مقتضبة، ثم تعود إلى دفاترها وكأن لا شيء في الكون يستحق وقتها سوى تلك الأوراق.
أما جاسم، الذي تزوج بالفعل ومضى في حياته، فقد صار وجوده بالنسبة لها مجرد ظل بعيد. لم تعد تلتفت لمروره أمامها في الكلية أو لملاحظة تجاهله المتعمد. كانت عيناها تعلقتا بأفق أكبر، بما هو أبعد من علاقات شخصية أو خيبات قديمة.
كل من اقترب منها لاحظ شيئًا آخر: صوتها حين تتحدث عن الفيزياء صار مختلفًا. فيه نبرة يقين، وكأنها لم تعد طالبة تبحث عن مكان، بل عالمة صغيرة في طور التكوين. كانت تتحدث عن المعادلات كما لو أنها تحكي عن قصة حب، وعن تجارب سميرة موسى كما لو أنها تستعيد ذكريات شخصية.
شيئًا فشيئًا، انعكس هذا التشبع على شخصيتها اليومية. صارت أكثر هدوءًا، لكن هدوءًا من النوع الذي يسبق العاصفة، هدوءًا يشي بعقل لا يتوقف عن التفكير. حتى في طريقة سيرها، بدت أكثر ثباتًا، كأنها لا تمشي على الأرض بل تخطو فوق طريق مُحدد لها مسبقًا، طريق تعلم يقينًا أنه قد يقودها إلى المجد… أو إلى المصير ذاته الذي انتهت إليه سميرة موسى.
كانت ندى قد وصلت إلى مرحلة لم يعد فيها الليل والنهار سوى علامات زمنية لا معنى لها، مجرد انتقال بين سكون العتمة وضوء باهت يتسلل من النافذة. الغرفة الصغيرة التي حولتها إلى معمل بدائي غدت عالمها الكامل: أكوام من الأوراق الصفراء، كتب مفتوحة على نصف صفحة، أقلام نفدت أحبارها، وجهاز حاسوب يئن تحت ضغط المعادلات التي تغذيه بها بلا رحمة.
بين يديها كانت بعض النظريات الغامضة، ما تبقى من أوراق دكتورة سميرة موسى، نظريات غير مكتملة تحمل فراغات واسعة كأنها ألغاز تنتظر عقلًا جديدًا ليملأها. في البداية، ظنت ندى أن الأمر لن يتجاوز قراءة عابرة وتحليل أكاديمي عادي، لكنها كلما تقدمت خطوة داخل تلك النصوص شعرت أنها تنجذب إلى متاهة لا مخرج منها.
أيامٌ تحولت إلى أسابيع، والأسابيع امتدت إلى شهور، وندى تغيب عن الجميع. لم تعد تزور صديقاتها، ولم تعد تستجيب لمحاولات جدها لفتح حوار معها. كانت تجلس إلى مكتبها حتى تتورم أصابعها من الكتابة، وتتهدل عيناها من السهر، ومع ذلك تواصل. كانت تسمع في رأسها صوتًا داخليًا يقول: "لو توقفتِ الآن، لن تقتربي أبدًا من فهمها…"
الغريب أن ندى لم تعد تخاف الوحدة، بل صارت الوحدة جزءًا منها. صوت عقارب الساعة صار موسيقاها، وضغط قلمها على الورق إيقاعها. وحين كانت ترفع رأسها لتتأمل معادلة استعصت عليها، كانت تشعر بروح سميرة موسى تحوم في الغرفة، تراقبها، تختبرها: هل ستستسلم كما فعل كثيرون من قبل، أم ستستكمل ما بدأته هي؟
لياليها كانت أشبه بالهذيان. أحيانًا كانت تفيق لتجد نفسها قد غفت فوق دفتر مفتوح، ويدها لا تزال تمسك بالقلم. وأحيانًا أخرى، كانت تنظر إلى الأرقام أمامها كأنها كائنات حية تتحرك، تقاومها، تتصارع في ذهنها. ومع كل معادلة تحلها أو فراغ تملؤه، كان يداهمها شعور مزدوج: نشوة الانتصار، وخوف عميق من الطريق الذي تقودها إليه هذه الاكتشافات.
ندى لم تعد فتاة تبحث عن لقب أكاديمي، بل تحولت إلى امرأة مشغوفة، مسكونة بحلم أكبر من جسدها وأكبر من سنواتها. حلم ينهكها ويغذيها في الوقت نفسه.
الغرفة المزدحمة بالأوراق صارت تضيق أكثر فأكثر على ندى، كلما تقدمت خطوة جديدة في محاولتها لاستكمال ما تركته سميرة موسى من نظريات غير مكتملة. لم تعد تكتفي بالمراجع المحلية، بل غاصت في الدوريات الأجنبية: مجلات الفيزياء التطبيقية، الدوريات الأمريكية والألمانية القديمة، وأرشيف المقالات التي تتناول تطور الفيزياء النووية في منتصف القرن العشرين.
كانت تقرأ لساعات بلا توقف، ثم تضع الملاحظات على هوامش الأوراق: مقارنات بين ما كتبته سميرة موسى وما طرحه علماء مثل بور وهايزنبرغ وفيرمي. كانت الدهشة تسيطر عليها حين تجد أن بعض الفراغات في معادلات موسى تبدو وكأنها مفتوحة عمدًا، تنتظر عقلًا آخر ليغلقها.
من بين النقاط التي شغلت ندى:
1. **معادلة التوازن الحراري داخل التفاعلات النووية الصغيرة:** سميرة موسى كانت قد كتبت ملاحظات عن إمكانية التحكم في معدل الانشطار عبر إدخال متغير يوازن بين الطاقة المنطلقة والطاقة الممتصة داخل قلب التفاعل. لكن أوراقها توقفت عند صياغة أولية: Q = f(σ, N, E) ندى حاولت إدخال معامل جديد يمثل الطيف الزمني للنيوترونات، صياغة لم يجرؤ عليها أحد في ذلك الوقت.
2. **التحكم في الموجات الإشعاعية الناتجة عن الانشطار:** أشارت موسى في أحد هوامشها إلى احتمال وجود علاقة هندسية بين اتجاهات الإشعاع وشكل الهندسة البلورية للمادة المستخدمة. لم تستكمل الفرضية، لكن ندى رأت في ذلك خيطًا لبحث كامل. بدأت تجري محاكاة حاسوبية بسيطة، تضع بلورات افتراضية وتلاحظ التغير في زاوية انبعاث أشعة جاما.
3. **فكرة "الانشطار السلمي":** وهي ما اشتهرت به موسى، حين كانت تؤكد أن الطاقة النووية يمكن أن تُسخّر للسلام لا للحرب. لكن ندى، وهي تعيد قراءة النصوص، رأت أن هذه الفكرة لم تكن مثالية تمامًا، بل كانت تحمل بذور تقنية يمكن تطويرها. فإذا أمكن التحكم في معدل الانشطار عبر مصفوفات دقيقة من المواد الماصة للنيوترونات، يمكن أن يصبح التفاعل أداة آمنة في بعض الاستخدامات… أو كارثة محسوبة في استخدامات أخرى.
ندى كانت تعي أن ما تفعله يتجاوز مجرد بحث أكاديمي. كانت تكتب في دفاترها الهوامش: "إنها معادلات لقياس الزمن والدم في آن واحد… هل هذا ما أرادته سميرة؟"
ومع ذلك، استمرت. لم يعد يعنيها النوم ولا الطعام. صار عقلها مختبرًا دائم الغليان، والجملة التي لا تفارق ذهنها:
"إن لم أكمل هذا العمل، سأظل ظلًا في دفاتر الآخرين. أريد أن أترك بصمتي، أن أصوغ قانونًا يُنسب لي… كما يُنسب لها."
كل لحظه ودقيقه كانت تمثل لهم تحدى بعد أن وضعت صورهم الملثمة واسمائهم المستعاره على قوائم اهم المطلوبين من قبل مخابرات العدو بعد أن تسببت هجماتهم المتفرفه فى قتل ما يزيد عن عشرة جنود واصابة ما لا يقل عن خمسين جندى بأصابات بالغه ،حيث أن شهرتهم بين جنود العدو تسببت فى نسب هجمات لم يقوما بها فعليا بل ألصقت بهم مما جعل تحركهم دون رصد أصعب.
كان القطاع الشمالى قد تحول لمدينة أشباح بعد قصف المبانى والانفاق والطرق والحقول ،لم يترك حتى كلب ينبح.
كانت المدرعات المجنزره تسير على جثث ميته وهياكل عظميه تركت بالشهور دون دفن تسحق كل ما يعترضها وتطلق القاذفات حتى لو نعق غراب فوق شجره او بيت مهدم، لم يترك اى شيء للصدفه، وكانت الدبابات والجند تبتعد عن الطرق المفخخه التى نصبتها المقاومه كأنها تعرفها قبل تحركها ،كان امر محير فى البدايه لكان سرعان ما اكتشف ان هناك عيون للعدو بين عناصر المقاومه وبين الشعب نفسه.
لكن حشمت مندور وسلوان كان تكتيهم مختلف، لا ينصبون فحاخ بل يتتبعون سرب من الجنود ربما لأيام حتى تسنح الفرصه وبعدها يغمروهم بالرصاص وقاذفات الاربجيه ثم الهرب بأقصى سرعه.
كان حشمت مندور يدخن سيجاره بعد أن نحف جسده للنصف بينما سلوان تصيح له انظر هناك بعض الجنود يسيرون بلا حمايه.
كان عددهم عشره وغمرت السعاده وجه سلوان الأصفر من الجوع والهرب.
أنهض حشمت مندور جسده ونظر من الشرفه ،لا مسيرات لا مدرعات لا دبابات فقط أسلحة السائر.
سرب يسير بلا حمايه ،ابتلع حشمت مندور دفعه من الدخان.
هدف سهل غير معتاد.
توقف حشمت مندور للحظه يعاين الاجواء منذ بداية الحرب لم يشهد هدف سائر بمثل تلك السهوله.
أخرج منظاره وعاين الآفق لا اثر لأى دعم قريب مما آثار ريبته أكثر.
سلوان المتحمسة استعدت للهجوم.
سلوان ؟ همس حشمت مندور بضعف ،انه فخ.
العدو الغادر لا يسلم نفسه بسهوله.
استدارت سلوان بغضب ،لم أعتد عليك انك جبان تخشى المواجهه ؟
اتثقين بى ؟
كان صوتها مفعم بالحب والحنان.
جلست سلوان طبعا اثق بك.
إذآ سنترك هذا السرب يمر بسلام ،لا تقلقى سنلتقيهم مرات أخرى.
مضطره جلست سلوان ،خائفه من فكرة هروب هدف سهل من أمام عينيها.
أشعل حشمت مندور سيجاره وأخرى والجنود يتحركون بارتياحيه ،كانو مجموعه من المرتزقه من اختلاف وجوههم واجسادهم.
بعد أن عبرهم الجنود قالت سلوان بغضب ،اضعنا هدف سهل جدا بغبائك يا حشمت.
راحت سلوان تزرف الغرفه بقلق ذهاب واياب وهى تنفس غضب وقبل ان تتم جملتها انطلق الرصاص.
رصاص كثيف نحو الجنود وظهر عناصر المقاومه المسلحين.
سقط جندى وأخر وارتفع الغبار والدخان وصرخت سلوان الله اكبر الله اكبر.
وما هى الا لحظات حتى وصل صاروخ حول الشارع بأكمله لحفره كبيره وبعد دقائق ظهرت المدرعات وقوات الدعم.
نسف كل مبنى قائم خرج منه عناصر المقاومه وتبعثرت جثثهم على الأرض.
الهرب، كل ما فكر به حشمت مندور الهرب بينما سلوان المرعوبه همست لما نهرب ؟
لنبقى مكاننا.
لقد سمعو صياحك يا سلوان أدرك ذلك جيدا الان الدبابات تستعد لقصف المبنى الذى نحتمى به بعد أن قضو على عناصر الهجوم المباشر.
من غرفه لغرفه ومن جدار لجدار ركض حشمت مندور وسلوان ثم وصل صاروخ سحق المبنى الذى كانو يحتمون به.
طار حشمت مندور وسلوان فى الهواء، لم يتمكنو من الهرب تماما، القى بهم الانفجار فى خلفية المبانى المهدمه من حسن حظهم.
حاول حشمت مندور ان ينهض لكنه لم يتمكن فزحف نحو سلوان الممددة على الأرض كان صوت الضجيج يزن فى أذنه كأنه فقدها وصياح جند العدو قريب جدا منهم يقتلون الجرحى او ما تبقى من المقاومه.
هرب يا حشمت ،انجو بنفسك همست سلوان فور ان إستعادة وعيها انا مصابه.
رواية اعلنت الحرب على قلبي الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم اسماعيل موسى
كانت الغرفة التي تسكنها ندى أقرب إلى كهف منسيّ، تختبئ فيه من ضجيج العالم. الستائر مسدلة منذ شهور، الضوء ينساب بالكاد من بين ثقوب صغيرة تشبه مسام الزمن، والهواء ثقيل برائحة الأوراق القديمة والحبر اليابس. فوق الطاولة الخشبية المتهالكة تراكمت دفاتر سميرة موسى، بعضها أصفرّت أطرافه، وبعضها الآخر ما زال محتفظًا بلمعانٍ يشبه عناد صاحبة الدفاتر نفسها.
جلست ندى أمامها، كتفها منحنيتان، وعيناها تسبحان بين السطور كمن يبحث عن خيط رفيع يقوده عبر متاهة مظلمة. كانت تعرف أن سميرة توقفت هنا، في منتصف جملة رياضية مبتورة، كما لو أن الزمن قاطعها فجأة. وفي هامش جانبي كتبت العالمة بخطٍ صغير متردد: «هناك معاملٌ زمنيّ لم أستطع أن أستقرّ عليه».
ارتجف قلب ندى عند قراءة تلك الجملة للمرة المئة. شعرت أن سميرة، من وراء عقود، تركت هذا السطر لها هي تحديدًا، كأنها رسالة شخصية عبر الزمن.
بدأت ندى رحلتها من هناك. أعادت كتابة كل معادلة بخط يدها، بخطوط مستقيمة أكثر صرامة، وبدأت تحوّل الرموز الكلاسيكية إلى لغة حديثة، أكثر قربًا من أدوات العصر. لم يكن الأمر مجرد نسخ؛ كان أشبه بترجمة، أو كأنها تُعيد عزف قطعة موسيقية قديمة على آلة جديدة.
وبينما الليل يبتلع المدينة، كانت أصوات السيارات في الخارج تتلاشى لتصير همهمة بعيدة، يرافقها صرير قلمها الرصاص على الورق. تتوقف أحيانًا، تسند جبينها بكفها، ثم تعود فتكتب معادلة جديدة، تضع سهمًا، ثم كلمة «لماذا؟».
في إحدى الليالي، غاصت في معادلة طيفية كتبتها سميرة بخطٍ متعجّل:
$\mathcal{L}\psi = \lambda \psi,\qquad \psi \in \mathcal{H}$
رفعت رأسها، وتساءلت بصوت مسموع:
«لكن هل الطيف هنا متقطع أم ممتد؟»
أخذت نفسًا عميقًا، ثم أضافت في دفترها بخطها: «مع وجود فجوة طيفية، يمكن تقسيم الحلول إلى قطاعات قابلة للتحليل.»
شعرت للحظة أن روح سميرة تبتسم لها من مكانٍ بعيد.
تتابعت الليالي. غاصت ندى في صياغة أخرى:
$G(z) = (\mathcal{L}-z I)^{-1}$
وراحت تتتبع خصائصه التحليلية كما لو كانت تمشي في ممر طويل مضاء بمصابيح متقطعة. في كل مرة تصل إلى حدٍّ معتم، تكتب: «ربما هنا كانت تتوقف سميرة… لكنني سأكمل.»
حين وصلت إلى فكرة الزمن والذاكرة، شعرت أن قلبها يقفز. أعادت صياغة ما كان ناقصًا في دفتر العالمة:
$\frac{\partial}{\partial t}\Phi(t) = \mathcal{L}\Phi(t) + \int_{0}^{t} K(t-s)\,\mathcal{M}\,\Phi(s)\,ds$
كتبت ذلك ببطء، يدها ترتجف، ثم تمتمت:
«ها هو العامل الزمني… هذا ما كنتِ تبحثين عنه يا سميرة.»
مرت الأيام، ثم الشهور، ثم العام الأول. لم تعد تخرج إلا نادرًا، ولم تعد تردّ على الهاتف. أصدقاؤها ظنوا أنها هربت من العالم، لكن الحقيقة أنها كانت تعيش في عالم آخر، عالم داخل دفاتر ممتلئة برموز وأسرار.
وفي الليلة التي أكملت فيها معادلة التوازن التي توقفت عندها سميرة، وجدت نفسها أمام صياغة جديدة:
$Q(t) = \int_0^\infty \rho(E)\,f(E)\,e^{-\alpha(E) t}\,dE$
نظرت إلى الورقة طويلاً، حتى أن عينيها احمرّتا. ثم كتبت بخطٍ واضح في الهامش: «إذا كانت $\alpha$ متزايدة، فإن السلوك ينهار نحو حد مستقر.»
وضعت القلم، وأغلقت عينيها. لأول مرة منذ شهور شعرت أن صدرها يتنفس بعمق.
وفي صباح اليوم التالي، جلست أمام الصفحة الأخيرة من دفتر سميرة، وكتبت بخطٍ هادئ: «أُغلقت الحلقة.»
خرجت إلى الشرفة بعد أن وضعت كل الأوراق في صندوق خشبي صغير. كانت السماء رمادية، والريح الباردة تضرب وجهها برفق. شعرت أنها لم تكمل فقط معادلات عالمة رحلت منذ زمن، بل أغلقت معها فجوة في نسيج الذاكرة الإنسانية.
تمتمت بصوت خافت، وكأنها تخاطب الغياب:
«لكِ… ومن بعدكِ. العلم لا يملك منّا سوى ما نتركه للآخرين.»
ثم جلست، ساكنة، تحدق في الأفق، بينما دفاتر سميرة وندى تستريح أخيرًا، متجاورة، كأنهما نصّان من كتاب واحد.
دخلت ندى القاعة الصغيرة بخطى لا تتردّد، ومعها الحقيبة الجلدية التي تضمّ دفاترها ونسخة الطباعة النهائية من الرسالة. كان قلبها يقرع في صدرها وكأنّه يعلن انتصارًا مُسبقًا؛ بعد عام ونصف من العزل، بعد ليالٍ لم تنطفئ فيها المصابيح سوى لتعود، كانت تحمل في يدها شيئًا تعتبره ثمرة حياة كاملة — إتمام لمعادلاتٍ لم تُنجَز من قبل وكسر لثغرة تركتها علمية رحلت بغير وداع.
جلست أمام مكتب اللجنة، ونظراتها تتجوّل على الوجوه: عميد الكلية بملامح صارمة انهكتها سنون التدبير، الأستاذ المشرف الذي كان يحتفظ بابتسامةٍ متحفظة، وزملاء لم تُعرّفهم سوى أسماء على قائمة. رفعت ندى ملفها أمامهم، حملته وكأنها تقدّم فنجانًا من الحقيقة.
قالت بكلام هادىء يحمل ثقةٍ صمّاء: «أنا متأكدة أنكم عندما تقرأون هذه الصفحات ستعرفون أن ما كنت تبحثون عنه في دفاتر سميرة موسى قد عُدل وُبيّن وأُحكم من منطقٍ رياضي صارم. لم ينجز ذلك أحد قبلها ولم يُكملّه أحد بعدُ — أنا لم آتِ لأعيد صياغة كلمات، بل لأسدّ ثغرة تاريخية.»
توقّفت، سمعت همسًا خفيفًا من أحد الأساتذة: «تجرؤين يا آنسة؟» ابتسمت ندى ابتسامةٍ متعبة ثم أسدلت جملة تكميلية: «التجرؤ هنا أداة بحث، ومَن لا يجرؤ لا يكتب التاريخ.»
مدّت يدها لتسلّم الملف. توقّف العميد عن النظر إلى أوراقه لبرهة، ثم أمسك الملف، فتح غلافه نظرة سريعة كمن يريد أن يشعر بثقل الورق لكنه لا يرغب أن يقرأ الآن. مرت لحظاتٍ صمتٍ قصيرة كأنها شدّت الحبال حول صدر ندى. ثم قال العميد بصوتٍ هادئٍ لكنه نهائي: «ندى… أنا أقدّر ما بذلته، وأعرف أن هذا العمل مهما كان قد حمل من جرم فكري فهو ثمين. لكن لدينا نظام، وتواريخ نهائية لا تُعدّل بعد انتهائها. مع الأسف، تقدّمتِ بعد الموعد النهائي المتفق عليه. لا أستطيع إعتماد شيء بهذا التخطيط الإداري. آسف.»
كانت الكلمات بسيطة ولكنّها قوية كحجرٍ يصطدم بزجاج. ارتعشت يد ندى التي كانت على طرف الحقيبة؛ فانسكبت منها ورقة سالت على الأرض. لم يكن العميد ينظر إليها بل إلى النظام، وكان في نبرة حديثه أسفٌ مكتمل بالامتناع: «أعيد الملف لكِ الآن. حظ أوفر في مرّة قادمة.»
الشعور الذي اجتاحها لم يكن صدمة مفاجئة فحسب، بل خسارة مزدوجة: رفضٌ لصيغة رسالتها، ورفضٌ لاعتبارٍ مؤسسٍ لا ينظر إلى ما هو أبعد من صفحة توقيت. ارتفعت حرارة وجهها، صوت داخلي صارخ يريد أن يجيب ويبثّ فيهم تمام ما في القلب من حجج، ولكنها تذكّرت كل الليالي التي أمضتها وحيدة، وحفظت هذا الصمت كخيار أخلاقيٍ صغير؛ لأن الجدال الآن سيعيدها خطوات إلى الخلف، وسيحوّل إنجازها إلى لحظة درامية فورًا تُخبِرها بأنها لم تضبط الساعات جيدًا.
نهضت ببطء، التقطت الملف من يده، وشكرت العميد بصوتٍ رقيق أقل ما فيه صرامة العتب: «شكرًا على وقتكم، سأعود» — لكنها لم تكن متأكدة إن كانت ستعود إلى هنا بصيغةِ نفس الطلب أو بصيغةٍ أخرى.
خارج القاعة، وقفت قليلًا تحت شرفة الجدران الجامعية؛ الهواء كان قاتمًا برائحة الكتب القديمة والمطر الآتي من بعيد. شعرت أن الجبل الذي بنته في داخلها لديها الآن ثغرة جديدة؛ ليست في المعادلات، بل في معادلة الزمان. وعمق الجرح لم يكن في ضياع الاعتراف، بل في أن العالم البيروقراطي قد رفض، بلا قراءة، شيئًا اعتبرته ندى مِحيصًا حقيقيًا للعِلْم.
لم تنهَر عند الباب، لكن عينيها لم تخفِ الدمع. مدّت يدها لتمسح ورقة طويت من الملف، ثم نظرت نحو السماء لبرهة قصيرة، كما لو أنها تهمس لذاتٍ قديمة: «ما زال أمامي وقت لأعيد ترتيب الساعات.»
كان العميد قد وضع على الطاولة خلفه الملف المفتوح، يحدّق في صفحاته لحظة قبل أن يُسدل غطاء ملف آخر — ربما في ساعةٍ من بعد، سيسأل نفسه إن كان النظام وحده كافٍ ليحكم على قيمة صفحاتٍ كتبت بليالٍ من الأسى والعمل. لكنه لم يقل شيئًا، وندى لم تنتظر أن يطيل بالأسئلة. حملت ملفها، وسارت بعيدًا في طرق الكلية، وعيناها كانت تحملان معادلاتٍ لم تُقتل بعد؛ إنما فقط أجلت قراءة العالم لها، لكنها تعهّدت لنفسها أن لا تؤجل العلم.
توجه جاسم نحوها بخطى مترددة حين خرجت من أسوار الكلية، وجهه يحمل مزيجاً من الإصرار والارتباك. كانت الشمس قد امتدّت خلف غيم رقيق، وظلال الطلاب تمتد على الأرض كأشباح صغيرة، لكن ندى كانت تمشي وكأن العالم اختزل إلى حقيبة جلدية ومجموعات من الأوراق بين يديها.
اقترب منها وهمس بصوت يكاد يختنق قبل أن يصل إلى ثغرتها: — ندى، إسمحي لي… لو احتجتي أي مساعدة في الموضوع… أنا هنا.
التفتت ببطء، نظراتها ثابتة لا تترجى ولا توسّع صدرها. بدا عليه أنه ينتظر شيئاً من صلابةٍ أو ضعفٍ من طرفها، لكنه عرف سريعًا أن تلك الصلابة ليست استعلاء بل دفاع: — لا، شكراً يا دكتور جاسم. أنا لا أحتاج إلى مساعدة.
لم يكن في كلماتها برودٌ قاسٍ، كانت مجرد حدود واضحة أرادت أن ترسمها. الرد كان كافياً. تراجع جاسم خطوتين، حاول أن يرد بهدوء: — لو غيّرتِ رأيكِ… حتى مجرد كلام.
هزّت رأسها بلا تبرير، وواصلت طريقها. شعر جاسم وكأن شيئاً ما انغلق بينهما، كأن نفَساً قد سُحب من المسافة التي تربط القرابة بالصراحة. وقف ينظر لها حتى اندثرت بين المارة، ثم عاد إلى خطواته بعينين ثقيلتين.
ندى خرجت من بوابة الكلية وهي تحمل الإحباط فوق كتفها كحقيبة ثانية. لم تكن تصريحات العميد وحدها ما يثقلها الآن؛ كانت الإحباطة من أن العلم يُقاس أحياناً بساعة إدارية، وبأن العالم الذي تُحاول أن تُجمله بقوانين ومعادلات يردّ عليها لاحقاً بلا قراءة. سارت في الشارع، كل خطوة تمدّ هماً في جسدها، كل خطوة كانت تردد في قلبها الجملة التي لا تريد نطقها بصوتٍ أعلى: "لا أحد يسمع."
لم تكن قد قطعت أكثر من عشر خطوات عندما رن هاتفها. رقم مجهول. توقفت لثانية، ثم التقطت، صوت هادئ من الطرف الآخر، خالٍ من تعجب ومحمّل بنبرة عملية: — مرحباً، هل هذه الآنسة ندى؟ أنا اطلعت على نسخة موجزة من رسالتك. اسمي د. سامي، أعمل في جامعة خاصة. عملك… مثير للاهتمام. هل يمكنك الحضور غداً لمقابلة سريعة؟
تجمّدت، قلبها ارتفع بضربة حادة، ثم حاولت أن تخفي الاستجابة المبكرة التي رافقتها رغبة خافتة في الأمل: — من أنتم بالتحديد؟ كيف حصلتم على نسختي؟
تلك الدقائق الهادئة كانت وكأنها حساباتٍ صغيرة داخل عقلها. الصوت أجاب هادئًا: — جئت عن طريق أحد الباحثين الذين تعرفونهم بالصدفة. لا تقلقي بشأن التفاصيل الآن. اطلبي مهلة أسبوعاً للتفكير، وسأقرأ رسالتك بعناية قبل أن أعطيك قراراً نهائياً.
لم يغلق الحديث بعد. كان في نبرة المتحدث احترام لعملها ووضوح في العرض، لا وعوداً طائلة ولا مبالغات. قبلت ندى الموعد بصوتٍ خافت: — سأحضر. ولكن أعطني أسبوعاً للرد.
أنهى المكالمة ووضعت الهاتف في حقيبتها. وقفت لحظة طويلة تواجه الشارع، والهواء البارد يلامس وجهها. كانت الفرصة — ولو عبر نافذة جامعة خاصة — أشبه بنفَس دخل من نافذة صغيرة بعد حبس طويل. لم تكن تثق بسهولته، لكنها شعرت أن هناك جسراً يمكنها أن تمشي فوقه الآن، خطوة واحدة لكل أسبوع. أخذت نفسًا عميقًا، وواصلت السير، هذه المرة بخطى أقلّ توتراً قليلاً، ومع حقيبةٍ تبدو أخف قليلاً تحت شمس متعبة.
جلس الأستاذ في مكتبه المطلة على باحة الجامعة، يفرغ فنجان قهوته ببطء وكأن كل صفاتهم العادية تتراص لتستقبل وثيقة ليست كغيرها. دخلت ندى، خطواتها مترددة قليلاً لكن عينيها صلبة، تحمل بين يديها ملفّاً رقيقاً بدا أثقل مما هو من ورق — وحمله أثقل، انتظارٌ وصورة لإنجازٍ راكمته ليالٍ من العزلة. كان المكتب مغطى بأوراق ومراجع، لكن عندما وضع الملف على المكتب تبددت كل الفوضى وكأن الورق نفسه فرض نظامه.
قرأ الأستاذ بعض الصفحات بعينين تتوسعان ببطء، يهمس بين أسطرها بتعابير نادرة: "ممتاز… هذا توجّه جريء… هذا انسجام فكري حقيقي." كان انبهاره هادئاً لكن واضحاً، كمن يكتشف عملاً نادراً بين أكوام عادية. نهض من وراء مكتبه وإن ستار الصرامة لا يزال على محياه، بدا الرجل صغيراً أمام شرف ما يقرأه: عيناه تشع بالتقدير، صوته يلين عندما يدعوها لأن تجلس.
تحدثا طويلاً؛ الأسئلة كانت دقيقة، وإجاباتها ملساء مرتبة، لا ترف ولا رهبة، فقط احترامٌ لعملٍ يكمل عملاً آخر. حرص الأستاذ على أن يشرح لها، بلغة لا تتعالى ولا تتواضع، ما الذي يجعل هذه الورقة جديرة بأن تُعرض خارج جدران الكلية؛ كيف يمكن أن تُطرَح في محافل علمية، كيف أنّ صِغَر الفكرة تقِف كحلقة ربط بين أجيالٍ من الباحثين. وعدها بصوتٍ بدا كتعهّدٍ مهني:— سأعرض رسالتك على زملائي في المؤتمر خلال يومين. أعطني ٤٨ ساعة فقط؛ سأضع الأمر في جدول الجلسات. لديكِ ما يثير الاهتمام حقاً، وينبغي أن يسمع عنه الآخرون.
غادرت ندى ذلك اليوم بشعورٍ مركب: فرح يكاد يترك أثره على شفتيها، وخوفٌ حذر من أن تكون التوقعات أكبر من قدراتها، لكن الفخر كان صادقاً. احتفظت بوعده في قلبها، ونامت تلك الليلة على فكرةٍ بسيطة: أن عملها لن يضيع.
مرّت يومان كما تمرّ الأيام الثقيلة: بهدوئها الوهمي، بأوراقٍ هنا وهناك، بمقاطعٍ قصيرة من رسائل إلكترونية. في الصباح الذي اتفقت فيه مع الأستاذ على موعد تسليم مبسّط، خرجت ندى باكراً من بيتها، ارتدت معطفها الخفيف، مشدودة بخيوط من الهدوء. الشارع كان مزدحماً كعادته، رائحة البن القادمة من مقهى زاوية، ضوضاء السيارات، ودواسات الدراجات. كل ما حولها كان عادياً لدرجة الألم.
لم يتجاوز المشهد الهدوء الفضفاض للحياة الراقصة في الصباح قبل أن تنقلب لفتة — لم تكن هناك صرخات، ولا سيارات مسرعة، فقط حركةٌ خاطفة، كأن عقلاً وحيداً قرر أن يطيح بقرارٍ آخر. شعرت بظل يميلٌ نحوها من جهة الجدار؛ قبل أن تلملم دهشتها، رجلان اقتربا من الخلف. كان التحرك سريعاً، ببرودةٍ مدرّبة: يد تسدّ فمها بلطفٍ خشن، قطعة قماش تقترب من أنفها. لم تملك إلا لحظاتٍ قليلة لتلتقط إشارةٍ واحدة: وجهٌ لم تره من قبل، نظرةٌ لا تعرف لها سبباً، ثم سحبٌ خفيف وكأن الأرض انزلقت تحت قدميها.
تأرجحت لثوانٍ، صوت العالم يتلاشى كحائطٍ ينهار. عجزت عن الصراخ، غرقت في دوامةٍ سريعة، وبدأت ترى ألواناً باهتة قبل أن تتبدد الرؤية. وقعها على الرصيف لم يكن قوياً، بل كان هادئاً كإغلاق كتابٍ لم تُكمل قراءته. حملوها برفقٍ غريبٍ، كأنما يقتلون شيئاً ثميناً بهدوء. تُركت حقيبتها على الأرض، أوراقها تتناثر، والنظرات حولها تراكضت في أماكنها، لا تصدق ولا تجرؤ على الاقتراب.
نُقلت في هدوءٍ نظاميّ مخيف إلى سيارة مظللة اختفت بين زحام الصباح، والشارع عاد بعد دقائق ليعمل كلوحةٍ بلا شائبة: الناس يمضون، أحدهم ينحني لالتقاط ورقةٍ طارت، شابٌ يردّ هاتفه، لا أحدُ يدرك أن حياةً أغلقت فجأةً مثل صفحةٍ قلبتها ريح. كانت آخر صورة لندى قبل أن تختفي: حقيبتها تُلقى جانباً، أوراقها متناثرة وكأن العالم رفض أن يتوقف، وصوت خطوات بعيدة يرتد بين الجدران.
وهكذا — من وعدٍ علميّ هادئ في مكتبٍ جامعي، إلى اختفاءٍ سريع في قلب المدينة. لم تترك وراءها سوى ملفٍّ مفتوح على طاولة، وعدٍ على ورقة، وساعةٍ توقفت عند توقيتٍ لا يرحم.
فتحت ندى عينيها ببطء، كان أول ما شعرت به ثِقَل رأسها وكأن أحدهم ضغط على جمجمتها من الداخل. الهواء من حولها خانق، رائحة صدأ قديم مختلطة برائحة مواد تنظيف حادة. حاولت أن ترفع رأسها، فشعرت ببرودة معدن أسفلها، سطح طاولة ربما، أو سرير ميداني. الأضواء فوقها متقطعة، مصابيح نيون باهتة تومض بلا انتظام، تُلقي بالظلال على جدران ضيقة مطلية بلون رمادي متآكل.
تحركت قليلاً، استندت بكفيها، وبدأت تستعيد إدراكها. الأصوات من حولها لم تكن مألوفة؛ خطوات سريعة، همسات تتدفق كجدول، لكن الكلمات لم تكن عربية. كانت لغة حادة، سريعة، لم تلتقط منها سوى القليل: حروف متقطعة، نطق غريب، لكنها تعرفه — العبرية.
حاولت أن تتماسك. مدت بصرها من خلال زجاج صغير في الجدار الصدئ، فانكشفت أمامها صورة صادمة: شوارع ضيقة مرصوفة بإسفلت داكن، أبنية إسمنتية خالية من الألوان، لافتات مضاءة بأحرف عبرية، أضواء النيون تعكس نفسها على الواجهات الزجاجية. ازدحم المكان بجنود بملابس عسكرية مموهة، وأجهزة اتصال تُصدر أصواتاً متقطعة. لحظة تركيز واحدة كانت كافية لتصعقها الحقيقة: لقد أُلقيت في قلب مدينة لا تُشبه القاهرة، ولا أي مدينة مصرية… لقد كانت في إيلات.
ارتجف قلبها. المكان الذي وجدت نفسها فيه بدا كأنه مركز عمليات قديم — غرفة واسعة تحيط بها شاشات مراقبة قديمة الطراز، أجهزة لاسلكية ثقيلة موضوعة على طاولات معدنية، خرائط معلقة على الجدران تحدد حدوداً وخطوطاً عسكرية. بعض الأجهزة بدا وكأنه من حقبة الثمانينات، لكنها ما زالت تعمل، كأنهم أعادوا إحياءها خصيصاً لهذا الغرض.
اقترب منها رجل بزي مدني، شعره أشقر وعيناه زرقاوان، يتحدث العبرية بحدة بينما يشير لآخرين حوله. لم تفهم كل ما قاله، لكن كلمة واحدة تسللت إلى ذهنها بوضوح: "מחקר" — بحث.
عندها فقط أدركت: لم تكن مجرد مختطفة، بل كانت مادة بحث، عقلها، أوراقها، معادلاتها هي الهدف. حاولت أن تتحرك، لكنها اكتشفت أن معصميها مقيدان بقيود معدنية رفيعة إلى حواف السرير المعدني. شعرت بدم بارد ينساب في عروقها.
رفعت رأسها، تحدق في العيون الغريبة التي تراقبها من وراء الزجاج العاكس. قالت بصوتٍ خافتٍ لكنه ثابت:
— "أنتم لن تفهموا ما كتبته، حتى لو سرقتموه."
صدى صوتها ارتدّ في الغرفة الضيقة، وأحسّت للحظة أن معركتها لم تعد ورقية أو أكاديمية، بل تحولت إلى صراع وجودي: عقلها في مواجهة آلة كاملة.
حشمتلن اتركك قدرنا واحد يا سلوان، مسح حشمت مندور المكان بالكاد يستطيع الوقوف على قدميه، أصوات الجنود تقتربوسلوان غير قادره على الحركه، أدرك حشمت مندور ان هروبهم مستحيل، اتكاء بظهره على جدار مهدم واشعل سيجاره الان يمكننى ان ابصق على اجسادهم وجه لوجهانا لست خائف من الموت يا سلوان انا خائف من فكرة فقدكاقترب الجنود ولمح حشمت مندور وجوههم اللعينه ،اهلآ يا اولاد القح....... غمغم حشمت مندور وهو يتوقع نهايته فى اى لحظه ثم انطلقت قذيفة اربجية سحقت مدرعه عسكريهانصت حشمت مندور وهو يسمع نغم الرصاص ينهمر من كل جهه، كانت بقايا المقاومه التى نجت من التفجير الأولتحمس حشمت مندور ونهض من مكانه يعرف ان دقائق معدوه تحدد مصيره ومصير سلوان وضع يدها فوق كتفه وسار فى خط متعرج ،لن نموت اليوم يا سلوان للأسف من بعيد اتت المساعده رجال ملثمين ركضو نحوهم حمل حشمت مندور وسلوان لداخل سياره فى الناحيه الأخرى وحملت معهم اجساد مصابه مجروحه ثم انطلقت السياره بهم بعيد عن منطقة المواجهه، تم علاج ندى وحشمت مندور فى فى احد مقار المقاومه العسكريه تلقو الاسعافات الاوليه وسمح لهم بالمغادرة لأن المشفى المتحرك يتلقى كل دقيقه اعداد لا حصر لها من المصابين.بعد اسبوع قضاه حشمت مندور وسلوان فى الاستشفاء طلب حشمت مندور من سلوان الزواج منهاوتم عقد قرانهم على يد مأذون شرعى ،لم يكن هناك شهر عسل كالمعتاد ولا ليلة زفاف، كانت سلوان وافقت على خطة حشمت مندور ،الانتقال إلى أرض العدو ،التسلل إلى داخل أرض اخرائيل بطريقة او بأخرىتحولت الليله التى يحلم بها كل شابين إلى اهم ليله فى حياتهم، سلوان كانت متقنه تماما للغة العدو كأنها وأحده منهمومن سخافة الظروف كان شكل حشمت مندور وهيئته الجسمانيه تشبه واحد من الاوغاد فبرغم طبيعته الاجراميه الا ان مظهره الذى لا يد له فيه كان وسيم وملامحه تميل إلى الافرنجين وصلو إلى منزل شخص من عرب 48 المقيم فى ايلات وهناك مكثو لأكثر من أسبوع قبل أن يبدأو تحركهم لتفجير بعض منشأت العدو التى من بينها أحدا المنشأت البحثية النوويه
رواية اعلنت الحرب على قلبي الفصل الثلاثون 30 - بقلم اسماعيل موسى
تحولت الليلة التي يحلم بها كل شابين إلى أهم ليلة في حياتهم.
سلوان كانت متقنة تمامًا للغة العدو، كأنها واحدة منهم.
ومن سخافة الظروف، كان شكل حشمت مندور وهيئته الجسمانية تشبه واحدًا من الأوغاد. فبرغم طبيعته الإجرامية، إلا أن مظهره الذي لا يد له فيه كان وسيمًا وملامحه تميل إلى الأفرنجيين.
وصلوا إلى منزل شخص من عرب 48 المقيم في إيلات. وهناك مكثوا لأكثر من أسبوع قبل أن يبدأوا تحركهم لتفجير بعض منشآت العدو، ومن بينها أحد المنشآت البحثية النووية.