تحميل رواية اعلنت الحرب على قلبي بقلم اسماعيل موسى pdf
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
دا دكتور المادة الجديد؟ اسكتي، بيقولوا عليه صعب جداً، رغم إنه مش باين عليه. دا صغير أوي يا ندى، شوفي شكله عسول إزاي؟ الهدوء بعد إذنكم. وضع دكتور جاسم حقيبته على طاولة المكتب وبص للمدرج المتكدس بالطلاب. أعرفكم بنفسي، أنا دكتور جاسم، اللي هكون مدرس المادة بتاعتكم. مش بحب حد يقاطعني وأنا بشرح. من فضلكم ممنوع استعمال التليفون، وممنوع تتكلموا مع اللي جنبك. دلوقتي ممكن نبدأ؟ ولا فيه حد عنده اعتراض؟ عندك كام سنة يا دكتور؟ انت درست في جامعة إيه؟ ارتفعت همسات بعض الطلاب. رفع جاسم إيده. انتوا عرفتوا قدر ك...
رواية اعلنت الحرب على قلبي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسماعيل موسى
همس حشمت مندور وهو يتحرك بصعوبة من على السرير:
"بقا الواحد لو عنده مرة كان اتبهدل البهدله دى كلها؟"
لدى حشمت مندور قناعة بأن ما من امرأة ستقبل به في حياتها، وهو لا يعني أي امرأة بل المرأة التي يختارها هو. يعرف جيدًا أنها لن تقبل به.
صنع كوب شاي وأشعل سيجاره وهو يعاين جرحه. كان الجرح ناشفًا ولا أثر لالتهاب أو قيح.
"تسلم إيدك يا حشمت. لو فيه عدل في البلد دي كنت هتبقى جراح مشهور."
كان يعرف أنه لا بد أن ينزل الشارع، فشخص مثله يأكل رزقه من عمل يده. ثم إن سمعته تعتمد على الوجود والظهور في أوكار المجرمين. لو حد عرف أنه مصاب أو انضرب بالرصاص هيتجرأوا عليه. يفتخر حشمت مندور أنه مجرم عتيد، رغم ذلك فإنه لم يقتل شخصًا من قلب. لكن سمعته تسبقه والقصص التي انتشرت عنه جعلته أسطورة في الأعمال الخفيفة.
تحامل حشمت مندور على نفسه وجلس في المقهى يدخن شيشة. أتت ناس وذهبت ناس وهو جالس لا يبرح مكانه.
ثم قبل انتصاف الليل عاد إلى شقته. كان الجرح يؤلمه لكن عقله في مكان بعيد.
"البت ضربتني بالرصاص كأني مجرم وهربت. دي حتى ما كلفتش نفسها تعرف إني ميت ولا حي. دي أخلاق دي؟ ده إلى بيقتل قطة بيدفنها."
ربما من الممكن أن يغفر حشمت مندور أن تضربه امرأة بالرصاص، لكن أن تتركه وترحل هذا يستوجب عقابًا تحدده مزاجيته.
اختفى نوح، لم يظهر في الجامعة، لزم شقته، لقد شهد جريمة قتل والأمر ما يسلمش. حشمت مندور له صحاب هياخدوا بتاره ومحدش يعرف إيه اللي حصل.
ظل هذا الأمر يؤرقه حتى وصلته دفعة من أموال الخليج. والده الذي يعمل في الخارج أرسل له دفعة من النقود.
كان نوح يعرف أن احتجازه لنفسه في شقته ليس حلًا. لذلك خرج من مخبئه، تواصل مع أحد المجرمين، قابله في مقهى وجرى الاتفاق. نوح سيدفع النقود والمجرم سيوفر له الحماية، من حشمت مندور ومن غيره. مكنه ذلك من التحرك بحرية والظهور مرة أخرى في المقاهي السياحية ومطاعم القاهرة.
لم يظهر في الجامعة وحتى بعد مرور شهر لم تلمحه ندا داخل حرم الجامعة أو في طرقاتها. لكنه في الخفاء كان يحضر محاضرته في كليته بانتظام وبدأت حياته تعود إلى طبيعتها.
بين ندا وجاسم كان يدور كلام غالبًا بعد انتهاء المحاضرة حول المادة التي يدرسها جاسم بعد أن رحلت مخاوفها. حتى تلك اللحظة لم تعترف ندا لجاسم أنها قريبة. وجاسم لم يلاحظ ذلك.
كانت درجاتها في التقييمات الشهرية التي ابتكرها دكتور جاسم ممتازة وكان جاسم يمنحها المزيد من العناية. كان ضميره يؤنبه عن ما بدر منه في أول لقاء في الجامعة. لقد أدرك أنها ليست طالبة فوضوية فاشلة، بل طالبة مجتهدة متحدية. كان ذلك ما يحاول أن يخبر به نفسه.
لكن الحقيقة أن جاسم كان يرتاح للحديث معها. كان في صوتها شيء مميز يجعله يشعر أنه يعرفها. كان صوتها بطريقة أو بأخرى يشبه صوت خطيبته.
وكانت خطيبته قبضت عليه أكثر من مرة شاردًا وهو يجلس معها رغم أنه يحدق في وجهها مفكرًا، لو نزعت النقاب لكن هي التي تتحدث إليه.
وكاد أكثر من مرة أن يخبر ندا أن صوتها يشبه صوت خطيبته لكنه وجد الأمر غير لائق.
ذلك التشابه المربك كان يدفع جاسم للضحك دون سبب أحيانًا. كان يهمس بذهول: "يا إلهي، أمر لا يصدق."
وكان وحده الذي يعرف السر. فلا خطيبته تعرف ولا ندا طالبته تعرف. ربما كان ذلك عزاءه الوحيد أنه يحتفظ بكل هذا التشابه لنفسه. كان أمرًا مضحكًا أنه عندما يشتاق لسماع صوت خطيبته يوقف ندا ويتحدث معها عن محاضرته.
لكنه لم يكن يعرف أن ندا تعرف شكل خطيبته، تعرف أنها تشبهها جدًا. أحدهم احتفظ بسر الصوت لنفسه والآخر احتفظ بسر الشكل لنفسه. وبين هذا وذاك كان كل واحد منهم يتخيل نفسه في موقف ما أو حديث ما مع الآخر بصورته الحقيقية.
ووصل الأمر بندا الاعتراف أنها تفكر في جاسم أكثر من اللازم. تعدى الأمر موضوع دكتور وطالبة. أن الأحاديث والمواقف التي تخلقها داخل غرفتها المغلقة لا تمت للدراسة بأي شيء. صحيح أنها لم تتصل بجاسم بعد كل ما حدث وأن العلاقة لم تتعد حتى الآن طالبة ودكتور جامعي.
"ندا؟ ندا؟" شاهندة هنا.
فتحت ندا باب غرفتها. شاهندة زوجة عمها ووالدة جاسم.
"وحدها؟ هي المرة الحرباية دي بتروح مكان من غير ابنها جاسم؟"
كان باب غرفة ندا مواربًا. لم ترتدي ملابسها بعد.
"هما جايين هنا يعملوا إيه؟" همست بسنت.
"جاية تطالب بورثها من الأرض وجدك متعصب جدًا."
"متعصب ليه؟ ها هو كان عارف إنه كل ده هيحصل؟"
"أصلها بتقول هتاخد الورث وتبيعه. جاسم ابنها مش مهتم بالأرض."
قالت ندا وهي تكاد تغلق الباب: "طيب ما تبيعه ولا تتنيل، إحنا مالنا؟"
"كأنه ضرب بمطرقة." صرخت بسنت. "دي عايزة تبيعه لعيلة أبو فياض."
"أبو فياض؟" أدركت ندا حجم المشكلة. عيلة أبو فياض أعداء لجدها.
"طيب ما يشتريه عمك أبوكي؟"
"أصلها طالبة مبلغ ضخم أكتر من تمن الأرض مرتين تلاتة. وبتقول أبو فياض مستعد يشتري وجدك تحت هايج وعمال يصرخ."
"وجاسم؟" سألت ندا بلا مبالاة.
همست بسنت: "جاسم قاعد ولا على باله، تحسيه كده سلبي وابن أمه."
بدلت ندى ملابسها. لم يهمه أمر الأرض فهي مجرد فتاة. أرادت أن ترى جاسم كيف يتصرف. لكن ذلك كان يعني أن تمر في الرواق أمامهم. بعد أن ارتدت ندا نقابها، نزعته. شيء داخلها دفعها أن تنزل من غرفتها دون نقاب.
رواية اعلنت الحرب على قلبي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسماعيل موسى
إيه اللي أنتِ بتعمليه ده يا ندى؟ كان سؤال في الوقت الضايع، عندما تصبح قدميكِ في الوحل وتعاتبين نفسك لنزولكِ في المطر.
أن تفعل ذلك لأنها تريد ذلك أمر مختلف، حتى لو حاولت أن تقنع نفسها بغير الحقيقة.
فالحقيقة تصرخ داخلها: من أجل جاسم، ليس من أجل إغرائه.
تستطيع أن تقسم بصدق أن هذه ليست نيتها.
لكن الشيء الذي شغلها في الأسابيع الماضية وحتى هذه اللحظة، إذا كنت أشبه خطيبته فربما عليه أن يعرف.
ولماذا يعرف؟
ما الفائدة؟
ألا يعد ذلك حماقة؟
إن الشعور الذي تملّك ندى فاق كل ذلك وتغلب عليه، إنها في بيتها وليست في الشارع، كان المبرر حاضرًا ووافق غاية مبيتة.
وربما أمنية أو شيء أكثر من ذلك لا تعرف ندى ماهيته حتى الآن.
المنزل صاخب، الوضع متأزم، مرت ندى من خلف الجالسين.
وذهبت لغرفة النساء تتابع النقاش المحتدم.
كان الجد يصرخ: مستحيل! وشاهندة ترد ببرود: إن من حقها أن تفعل ما تريد بإرث زوجها.
لا يستطيع شخص أن يجبرها غير ذلك.
أبو فياض عرض سعر مرتفع، فرصة ذهبية، وشاهندة فعلت الأصول.
أنا عملت اللي عليّ وهديكم فرصة أسبوع، بعدها ما حدش يقدر يلومني.
كانت هناك أصوات تتطالب بالتروي والهدوء: إحنا عيلة واحدة وميصحش كده.
جاسم كان ساكت مش بيتكلم، كان واضح إنه بيحاول يمنع نفسه من الكلام.
وكانت نظرات الجد تلتهمه، أخيرًا قبل مغادرة شاهندة.
اقترب جاسم من جده وهمس في أذنه ببعض الكلمات.
من مكانه استطاع أن يرى ندى، كانت ضربة صاعقة، توقف جاسم عن الكلام، نهض وأطلق بصره كأنما عاد من رحلة طويلة ليتأكد، نظر جاسم أكثر من مرة.
هو خطيبتي إيه اللي جابها هنا؟
ثم استيقظ على صوت جده وعادت إليه ذاكرته.
عرف أنها واحدة من بنات أعمامه، وأن خطيبته في منزلها في القاهرة ربما تمارس الجيم أو في محل تجميل تصقل أظافرها.
كل ذلك دفعه أن يتبع والدته إلى السيارة في شرود.
وعندما استدار قبل أن يركب السيارة، رأى ندى في شرفتها.
قبل أن تغلقها.
...........
التأم جرح حشمت مندور، أخبرته عيونه بالاتفاق الذي جرى بين نوح وواحد من منافسيه.
كان مجرمًا عتيدًا، لكن حشمت مندور لا يمكنه أن ينسى أن ذلك المجرم تعدى على حقه.
لا يجوز لمجرم أن يبرم اتفاقًا مع عميل كانت له اتفاق مع مجرم آخر.
وإذا فعل ذلك فإنه ببساطة يستهين به ولا يعيره أدنى اهتمام.
لا يعمل له حساب، وحشمت مندور لا يمكنه أن يدع ذلك الأمر يمر دون عقاب.
لأنه ببساطة إذا فعل سيفقد احترامه في وسط المجرمين والكل سيستهين به.
إذًا كان سامبو يرى أن حشمت مندور ضعيف للدرجة التي تدفعه لإبرام اتفاق مع واحد من عملائه ويعرض عليه حمايته.
فذلك بمثابة إعلان حرب، وحشمت مندور لا يهرب من الحرب حتى لو كانت نهايته فيها.
لمس حشمت مندور جرحه واطمأن من شفائه، ثم وضع مسدسًا في حزام بنطاله وآخر في جيب البنطال.
وغرس أكثر من سكين في جيب صدريته الداخلية.
وعندما انتصف الليل نزل من شقته قاصدًا وكر سامبو.
نبح كلب ومرت عربة كارو وهربت من أمامه قطة.
وقبل أن يصل وكر سامبو باغته دخان الحشيش وسمع ضحكات أتباعه.
رفع سامبو النطح بصره، لمح الظل الذي تحرك خلف الجدار.
بعد لحظات ظهر حشمت مندور في فمه سيجارة يشد منها ويده الأخرى في جيب بنطاله.
عرفه سامبو النطح من أول نظرة: أنت مش مرحب بيك هنا يا مندور. ووضع سامبو يده على ساطور كان على الأرض جواره.
إيه اللي جابك هنا في مطرحي؟
مش عارف إنك كده أصدرت على نفسك حكم بالإعدام؟
أطلق حشمت مندور دفعة من الدخان الأزرق: ما أنا جاي أنفذ الحكم يا سامبو. وابتسم حشمت مندور بسخرية.
عايزها تتم زي الرجالة ولا العيال يا سامبو؟
والله وقدرت تقولها يا حشمت، إيه اللي يمنعني أقطعك أنا ورجالتي دلوقتي؟
بص حشمت مندور في عينين سامبو بتحدي: اللي أعرفه إنك مش جبان، لكن ولو كده يا مراحب بالموت.
يعرف حشمت مندور أن سامبو يفوقه قوة وعافية.
وأنه ربما ينتصر عليه في نزال فردي، لكن ما يقلقه العيال اللي حواليه.
قلت إيه يا سامبو؟
راجل لراجل؟ ولا أضرب وأجري؟
وقف سامبو النطح بزهو يحيط به رجاله: ولو إنك متستحقش موتة شريفة على إيد مجرم محنك زيي، لكن وماله راجل لراجل يا واد.
رفع حشمت مندور صوته: يبقى دول ملهمش لازمة.
ثم أخرج المسدسين بسرعة رعاة البقر وأطلق رصاصة بسرعة ودقة على رجال سامبو، كانت طلقات موجهة تدرب عليها حشمت مندور أكثر من مرة أصابت سيقان وأذرع رجال سامبو وارتفع صراخ وعويل أتباعه.
الخيانة دايمًا في طبعك يا مندور. صرخ سامبو بغضب.
عندما اطمأن حشمت مندور أن رجال النطح لا يشكلون خطرًا.
ألقى المسدسين على الأرض: دول مبقاش ليهم لازمة يا نطح.
الصراحة قتل الرصاص مش بيعدل مزاجي، لازم ألف إيديه حوالين رقبتك أو أكسر عنقك الحلوف ده.
صرخ النطح: سيبك من الكلام يا واد. ثم اندفع تجاه حشمت مندور.
يكره حشمت مندور أي مجرم يقلل من احترامه، والنطح خاطبه أكثر من مرة: يا واد.
في يده الساطور قبض سامبو على جسد حشمت مندور.
عصره بقوة ونطحه في صدره بدماغه أكثر من مرة.
حاول حشمت مندور أن يتملص منه لكن سامبو أحكم قبضته.
ده أنا هاكسر عضمك يا واد، محدش بيلعب مع النطح ويمشي على رجليه مرة تانية.
تحمل حشمت الضغط وعينه على الساطور كلما حاول النطح استخدام ساطوره صده حشمت مندور.
قد يتحمل حشمت مندور يد سامبو لكن إذا لمسه الساطور.
يبقى عليه السلام.
رزع سامبو حشمت مندور في الجدار أكثر من مرة حتى شعر حشمت أن عظم ظهره تكسر.
سامبو أطول من حشمت مندور مما مكنه من رفعه من على الأرض، مادت الدنيا بحشمت مندور طوح رأسه لأبعد نقطة.
ثم بكل قوته قضم إذن سامبو ولم يتركها حتى قطع جزءًا منها.
اضطر سامبو أن يخفف قبضته وهو يلعن حشمت مندور: يا ابن الكلب!
أنا أبويا مش كلب يا نطح. وركل حشمت مندور سامبو بين ساقيه بكل قوته المختزنة.
اضطرب سامبو شعر أن النار اشتعلت في خصيتيه.
الركلة الثانية طوحت الساطور بعيدًا عن يد النطح ثم أتبعها بركبة في فك سامبو أسقطته أرضًا.
مش بحب اللي يقلل مني يا نطح وأنت قللت مني قوي.
أخرج حشمت مندور واحدة من سكاكينه ووضع النطح بين قدميه: اللي ميخافش من حشمت مندور ميستحقش يعيش.
قطع حشمت مندور قطعة من إذن سامبو الثانية.
ثم غرس السكين في ذراعه: مش بحب اللي يقلل مني يا نطح. كان حشمت مندور رفع يده إلى أقصى حد قبل أن يهوي بها على وجه سامبو: تيجي عليه تستحمل اللي يجرى لك دوم دوم.
أدمى حشمت مندور وجه سامبو حتى إنه لم يتمكن من التعرف عليه وهو يشعل سيجارة.
بتدي الأمان لعميل خانني يا نطح؟ فاكرني زي الكفراوي؟
كان رجال سامبو تسحبوا بعيدًا عن المكان، كل واحد منهم يجر الآخر.
نفخ حشمت مندور دخان سيجارته: مش عارف أعمل فيك إيه؟
لو قتلتك هابقى قاتل وأنا مش بحب الدم يلطخ أيدي.
ولو سبتك هتبحث عن انتقامك ومش هتسيب اللي جرى لك ده يعدي، قول لي أعمل إيه فيك يا سامبو؟
صرخ سامبو بكل ما تبقى له من قوة: اقتلني يا مندور.
اقتلني لأني مش هاسيبك تعيش ولا تتنفس.
أطفأ حشمت مندور سيجارته في خد سامبو.
أنا علمت عليك يا نطح وهاسيبك تعيش، لكن أقسم بربي.
يا سامبو المرة الجاية اللي هتجمعنا ببعض لأقتلك بضمير مرتاح.
صوب حشمت مندور على وجه سامبو نظرة مشتعلة: أنا هاقوم أمشي لأني عايز أقتلك وخايف ماقدرش أمنع نفسي.
رواية اعلنت الحرب على قلبي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اسماعيل موسى
١٣
من وقت رائها وهى تشغل حيذ كبير من تفكيره، ليس شعور حب بالطبع لكنه شعور غرابة
ان شعور الغرابه أصعب من الحب ،ان الأندهاش فى حدا ذاته لحظى لكنه إذآ استمر فأنه يحدث دمار.
مالك متغير كده يا حبيبى؟ بقالك كام يوم مش عجبنى !!
بعض الفتيات يسرفن فى الخيال ان والدتك نفسها قد لا تلاحظ تغيرك الا بعد أيام طويله ثم تأتى امرأه لا تعرفك بعد وتقول ببساطه انت متغير ؟ هذة هى الاوقات التى لا يحاسبك فيها القانون إذآ استخدمت مسدسك.
عاد جاسم من شروده، لقد ارتحل إلى مكان بعيد ورجع منه بتمتمات مقتضبه ، يعرف ان قول الحقيقه لامرأه ينزع منك راحتك ،مهاترات انت فى غنى عنها
لا متغير ولا حاجه، ضغط الشغل والمحاضرات
رفعت روان رأسها، دا انت حتى ملمستش العصير بتاعك ؟
انت عمرك ما كنت كده
وبعدين مين الموزه إلى انت بتبص عليها فى تليفونك كل شويه ،انت بتلعب بديلك من ورايا ؟
أغلق جاسم هاتفه وارسل نظره استقرت فى عيون روان هو فيها موزه فى حياتى غيرك؟
انا بس مصدع شويه، هغسل وشى بشوية ميه وارجع
ترك جاسم هاتفه على الطاوله ، امسكت روان الهاتف
لا توجد كلمة سر للهاتف مجرد ضغط على الزر وانفتحت الصوره.
للحظه اعتقدت روان انها صورتها، لكن الاجواء بعيده عن اى مكان تعرفه.
انها صورة لفتاه فى شرفه تهم بإغلاق بالنافذه ،ركزت روان فى الصوره كان شيء غريب لكنها تعرف انها ليست هى
ارسلت روان الصوره إلى هاتفها وعندما عاد جاسم طلبت مغادرة الكافيه لأرتباطها بموعد هام.
مالك يا ريرى شكلك مش عجبنى؟
سيينى فى حالى يا نوح وحياة امك انا مش ناقصاك
هو الدكتور مزعلك ؟
قوليلى بس وانا اعاقبهولك بطريقتي.
نوح ؟ قولتلك مش ناقصاك ولا ناقصه هزارك، من فضلك انا عايزه اقعد لوحدى
يعرف نوح كل ركن فى بيت عمه، طيب انا هروح المطبخ اشوف اى حاجه أكلها، لكنه عندما مر خلف ظهر روان لمح الصوره المفتوحه ،صورة ندى
تسمر نوح فى مكانه،ارتج عقله بالأفكار لأكثر من دقيقه
ايه إلى جاب الصوره دى عندك يا روان؟ كان نوح يتحدث بجديه الان
وانت مالك يانوح مش شغلك
لا بجد قوليلى الصوره دى وصلت عندك ازاى؟
استشعرت روان اهتمام نوح الغير مبرر ،استدارت نحوه إلى يشوف كده يقول انك تعرفها؟
ايوه اعرفها، رد نوح بتناحه
تعرفها إزاى ؟
دى طالبه فى الجامعه بتاعتى، بيدرسها دكتور جاسم
شفتها مره بالصدفه واقفه مع جاسم.
تسارعت شكوك روان مثل قطار اسبانى يعبر المحطات دون توقف
طالبه عند جاسم ؟
ايوه شفتها واقفه معاه قولتلك
جلس نوح مره اخرى ،بدا ان الحديث عن ندى يجذبه
هى البنت تشبهك الصراحه ،همس نوح بلا اهتمام وكان للتو أدرك ذلك.
الصوره بقا وصلتك ازاى ؟
استسلمت روان، اخدتها من تليفون جاسم
فكرك جاسم محتفظ بالصوره لأنها تشبهك ولا حاجه تانيه؟
انطلق غضب روان، تعرف انها اميره ولا يجوز مساوتها بالرعاع ،قلتلك بطل هزارك السخيف ده ،جاسم بيحبنى
عارف انه بيحبك، انتى متعصبه ليه ؟ على العموم لو الأمور اتعقدت ادينى فكره بس وانا اخلصك منها
ثارت روان مره تانيه مجرد المقارنه بأخرى تزعجها ،انت فاكر لو جاسم بص لوحده تانيه غيرى انا ممكن اتمسك بيه ؟
انت متعرفيش كويس!
لكن نوح يعرفها جيدا ،يعرف ان روان لا تقبل الخساره
انا بقول لو مش اكتر متطلعيش غضبك عليه
وبعدين كلمى جاسم وحلو مشاكلكم بينكم عادى يعنى
مفيش مشكله صرخت روان انت إلى عايز تعملها مشكله
ثبت نوح عينينه الخبيثه على روان ،لما خطيبك يحتفظ بصورة واحدة غيرك على تليفونه متبقاش مشكله ؟
لو انتى شايفه كده يبقى انا معرفكيش كويس.
نهضت روان فى غضب، تركت المكان وذهبت إلى غرفتها.
ابتسم نوح فى تشفى ،ان الحظ يطرق بابه مره اخرى
كل الطرق تؤدى إلى نوح ولا شييء اخر.
كانت ندى تناقش دكتور جاسم فى احد نقاط المحاضره التى التبست عليها
منذ ايام وهى تشعر انه ليس على ما يرام، لكنها تعرف أن عقلها فى الأيام الاخيره صور لها الكثير من الأشياء المزعجه
اختفت ابتسامة جاسم المميزه ،رحلت بعض حيويته وخفتت حماسته ، ان يتحدث ويرد ويجيب لكن عقله مشغول
اعتذرت ندى لدكتور جاسم عن تضيع وقته انها تفعل ذلك دوما، مرحب بك فى اى وقت هكذا يجيب جاسم فى الغالب مع ابتسامه تصحبها طوال الطريق.
عندما يهتم انسان بانسان اخر يلاحظ تلك التفاصيل الصغيرة
هذا الأمر اذا بداء معك لابد أن تعرف انه ليس شيء تافه
ان الشعور الذى يدفعك لكل ذلك لا يمكن التحكم بة وإذا سمحت به سيسحبك لطرق ما كنت تتخيل ان تمشى فيها يوم ما.
لقد فكرت ندى ان تهاتف دكتور جاسم أكثر من مره متعلله بملاحظه او مسأله نقاشيه لكنها تتراجع فى اخر لحظه
كانت غافله عن ذلك الشعور الغريب الذى يدفعه للقيام بتلك الأفعال التى كانت تستهجنها فى الماضى ،كان هناك شيء يشتكل داخل ندى ببطيء، شيء لا يأتى من خلفه سوى الآلم.
شعر نوح بورطه بعد أن غادر منزل عمه ،اعترف لروان انه رأى ندى ويعرفها، الحماسه التى احلت به جعلته يغفل ان ندى منقبه ولا تذهب إلى الجامعه دون نقاب ولا يمكن لأى شخص رؤية وجهها.
صاغ أكثر من سيناريو فى عقله للخروج من هذا المأزق
رأيتها خارجه من الحمام كانت تغسل وجهها
لمحت وجهها صدفه عندما اوقفها آمن بوابة الجامعه للتأكد من هويتها، يعرف ان روان ستأتى للجماعه وعندما تصل لابد أن يكون مستعد.
لكن نوح لم يعتد ان يكون رد فعل، حتى عندما عرف ما حدث لسامبو النطح لم يجلس ساكنا بل ابرم اتفاق مع مجرم اخر للقضاء على حشمت مندور، تلك المره كانت الأوامر واضحه ،اقتل الكل_ب وفى المقابل هناك مبلغ من المال ينتظرك.
بعد ساعات كما توقع نوح وصله اتصال روان، تسأله عن المدعوة ندى، اسمها بالكامل، دراستها عمرها ،عائلتها
ولأنه احب الأمر وعدها ان كل المعلومات ستكون تحت يدها قبل غروب الشمس.
اتصل نوح بأحد أصدقائه فى شؤن عاملين الكليه وعرف اسم ندى الرباعي
بعد ذلك أجرى بحث مكثف عن كل المعلومات التى تخصها وقبل نهاية اليوم عرف انها ابنة عم جاسم.
رواية اعلنت الحرب على قلبي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اسماعيل موسى
عملت إيه يا نوح؟
الساعة كانت تشير للسابعة ليلاً عندما وصل نوح اتصال روان، مما يوحي أنها تعطي الموضوع أهمية أكثر مما تبدي.
"إيه الوغد، مهما أنكرت هناك أشياء تفضحك، حينها يبدو مظهرك في منتهى السخافة."
صمت نوح. كان يحب الميلودراما، تركها حتى استوت. ربما دقيقة أو أكثر، لأن قدرة الاحتمال تختلف من شخص لآخر.
"الأفضل إنك تكبري دماغك يا ريري، الموضوع ده مش هيجي من وراه غير الوش."
نجح نوح في استثارة حماسة روان أكثر وأكثر.
"انطق يا نوح."
"بلاش يا روان؟" تحولت نبرة نوح للصرامة الآن، كأنه يخاف على مصلحتها.
"لا تملك روان الصبر مثلها مثل العديد من الفتيات الحمقاوات."
"نوح؟ لو متكلمتش حالاً هقطع علاقتي بيك!"
حصل نوح على مسكن فعال لضميره الميت.
"أصلًا، بصي."
صمت نوح وضحك في سره.
"فيه لبس في الموضوع، الأفضل تعرفي الحقيقة من جاسم. مش عايز أكون الشيطان اللي بيدمر العلاقة وأتّهم بما ليس فيّ."
"انطق يا زفت!"
"ندي مش مجرد طالبة عند جاسم، ندي بنت عم جاسم، قريبة. وجاسم زارهم أكتر من مرة. أعتقد إنه التقط الصورة دي في واحدة من زياراته وقرر يحتفظ بيها ليه، معرفش."
"بنت عمه؟ يعني جاسم كذب عليّ؟ والبنت دي مش مجرد بنت عادية؟ ده أنا هطربق الدنيا فوق دماغها."
"اهدّي بس يا روان؟ الأمور متتحلش كده. أكيد جاسم عنده مبرر قوي لإخفائه معلومات مهمة عنك."
"كنت قاصد تفرسني صح؟" صرخت روان بغيظ.
"لو تطاوعيني يا روان هحلك المشكلة دي من غير خسائر."
"عايزني أعمل إيه يعني يا نوح؟"
"متعمليش حاجة، ولا كأنك عرفتي حاجة. اصبري. كان يوم وشوفي جاسم هيقولك الحقيقة ولا لأ. لازم يكون معاكي حجة قوية عند المواجهة."
"طيب وفرضاً يعني جاسم مقالش حاجة يا فيلسوف عصرك؟"
"لو كان بيحبك هيقولك. مفيش واحد بيحب واحدة يخبّي عليها أسرار خطيرة كده. ولو مقالش حاجة يبقى إحنا اتأكدنا إن فيه حاجة غلط."
"خلص يا نوح قول بتفكر في إيه؟"
ابتسم نوح. تدحرجت الكرة حتى وصلت ملعبه.
"أنا أقدر أخلصك من البنت دي لو إنتي متمسكة بجاسم للدرجة دي."
ثم أبعد نوح الهاتف عن أذنه وسحب من سيجارة الحشيش المركونة بجواره.
ترك روان تهذي، كان يعرف انفعالها وغضبها. بطريقة ما كان يفهم طريقة تفكيرها.
"يغور في داهية؟ مش ممكن أتمسك بواحد بيعرف واحدة ست تانية عليه. أنا أكبر من كده. أنا روان الشماخ. أنا... أنا... أنا."
كان يحفظ نوح الأسطوانة المشروخة، فتركها حتى تهدأ.
حتى لو أرادت روان ترك جاسم، لن يحدث ذلك إلا بالطريقة التي تفضلها. لن تسمح بأي حال أن تنتصر عليها واحدة لمّامة. روان تترك ولا تُترك.
بعد أن هدأت ثورة روان، أمسك نوح الهاتف مرة أخرى.
"إنتي بنت عمي ومش ممكن اسمح لأي حاجة تكسرك. حتى لو قررتي تسيبى جاسم، هجيب البنت دي خاضعة ذليلة تحت رجليكي. مش هخليها تنفع جاسم ولا غيره."
"بجد هتعمل كده يا نوح؟"
"طبعاً يا روان، إنتي ياما وقفتي جنبي وحان الوقت اللي أرد فيه جميلك."
لمحت روان لجاسم أكتر من مرة في لقاءاتهم التالية. سألته عن الصورة، عن علاقته. ولم تتلقى سوى ثورة من غضب جاسم لشكها في حبه واختراع مشكلات طفولية لتدمر علاقتهم الناجحة.
ومع كل إنكار من جاسم، يزداد شك روان وتتأكد أن جاسم يخونها. دفاع جاسم المستميت عن نفسه، غضبه، تهديداته. كل ذلك دمر ما تبقى في قلب روان تجاه جاسم.
لكن كبرياؤها منعها من مواجهته. إذا اختار واحدة غيرها، بنت عمه أو أي بنت تانية، فليذهب إلى الجحيم. كبرياؤها ذاته الذي سيحول كل شيء لكتلة لهب.
وبدل ما تغضب روان، سكنت فجأة. عادت روان القديمة. اعتذرت لجاسم، أن شكها نابع من حبها. هذا شيء مفروض يزيد إعجابه بها وليس حنقه وغضبه.
عادت المياه إلى مجاريها. تلك النزهة. رسمت روان على وجهها تلك الابتسامة وتركتها حتى عادت إلى البيت.
"بقا حشمت مندور قضى على النطح؟" تسأل سيد شنكل وهو يمضغ قطعة أفيون.
"أيوه يا معلم." همس واحد من اتباعه. "مسح بكرامته الأرض."
"بيقولوا إن سامبو حالياً بيقضي فترة النخص البدري."
رفع سيد شنكل حاجبه، وشد من الشيشة. "فترة النخص؟ دي حاجة ميتسكتش عليها. أنا لازم أشوف النطح."
"صرخ فانتو، عيل مسلوع لا يتوقف عن بلع الترامادول."
"بلعت نجيبة يا معلم؟"
رفع شنكل يده بصرامة. "لازم نتبع الأصول يا كلب. أنا بنفسي هزوره بس أخلص على الحتة اللي جوه دي."
ضحك مروان غيث، دراع شنكل الثالثة. "أنا بقول كده برضه. ساعة الحظ متتعوضش."
ابتلع شنكل قرص سولفيترا وفتح باب غرفة داخلية واختفى في الأحضان الحمراء.
"حشمت مندور مش سهل." همس مروان غيث بعد اختفاء شنكل.
"معلم." رفع فانتو نظره مستنكراً. "حشمت مين يا غيث؟ ده حتة عيل وشغال فرداني."
"لكنه غشيم." همس مروان غيث بشرود. "والغشيم يتخاف منه. وبعدين شغله لوحده ده في حد ذاته دماغ."
"اديني بس تلت رجالة وأنا أجيبهولك متكتف يا مروان."
خاطب فانتو بعيون حمراء مثل الدم. "أنا مقدرش اشتغل من ورا ضهر المعلم سيد شنكل. لكن لو ليك شوق في حاجة اعملها وأنا هغطي عليك."
ابتسم فانتو. "يا سلام على دماغك يا معلم مروان، طول عمرك بتتبع الأصول."
"عملية نضيفة زي قطنة الست وداد."
لا يعرف مروان غيث وداد ولا حفيظة، لكنه ابتسم لفانتو.
سحب فانتو تلت عيال شمامين من الحارة وقصد شقة حشمت مندور.
من يوم الحادثة وحشمت مندور لم يترك شقته. شعر بتأنيب ضمير لازلالة سامبو "النطح". ليس خوفاً من انتقامه، بل لأنه تمادى في غضبه.
كان جالساً في الصالة يتابع التلفاز، مسدسه المحشو أمامه على الطاولة. يغني مع عزيزة جلال "هو الحب لعبة".
عندما سمع خطوات تصعد السلم.
لدى حشمت مندور مبدأ ونظرية. عندما تكون جالساً بمفردك في المنزل ولا تنتظر أحداً، أطلق الرصاص على كل شخص يطرق باب شقتك حتى لو كانت قطة.
سحب حشمت مندور نفساً من سيجارته وعندما انفتح الباب.
أظلمت الشقة، انطفأت كل المصابيح. التصميم الجديد الذي اعتمده حشمت مندور.
أطلق حشمت مندور عدة رصاصات. سقط شخص على السلم، تدحرج من حيث أتى. الثاني تلقى ضربة من مؤخرة رأسه فقد الوعي. أما الثالث، ادخره حشمت مندور من أجل الحفلة بعد أن هرب الرابع.
وضع حشمت مندور فانتو بين ساقيه.
"إنت مين ياض؟ وإيه اللي جابك هنا؟"
ثم لكمه في فك أسنانه السوداء.
"أنا..."
لم ينجح فانتو في النطق لأن اللكمة الثانية دحرجته على الأرض مثل كرة شارع.
وضع حشمت مندور السكين على رقبة فانتو.
"إلى يدخل شقتي ملوش دية."
لكنه سمع خطوات أخرى تقترب من باب الشقة مما دفعه للتدحرج والاحتماء بالكنبة.
رواية اعلنت الحرب على قلبي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اسماعيل موسى
لم يكن جاسم شخصًا غبيًا، ربما علاقاته محدودة، لكنه يفهم أن هناك شيئًا خاطئًا في روان. راجع نفسه وبعد تفكير ضيق لم يجد سوى صورة ندى التي لمحتها روان على هاتفه. ولأنه لا يريد مشاكل فاضية من غير سبب، كلم روان وفتح معها الكلام. كان كلامه صادقًا، التقط الصورة لأن الشبه الكبير بين روان وبنت عمه كبير جدًا، لا يوجد أي شيء آخر أكثر من ذلك.
صمتت روان، ثم قالت: "بتقول بنت عمك؟ يعني أنت مش عارف اسمها؟"
رد جاسم بثقة: "لا، معرفش اسمها، أول مرة أشوفها."
صمت من الجهة الأخرى مع ابتسامة ساخرة هبت على شفتي روان.
"متعرفش اسم بنت عمك؟"
للمرة الثانية رد جاسم: "لا، معرفش، وأول مرة أشوفها."
"جاسم، كفاية كذب بقى. لو فيه حاجة جواك يا ريت تقولها من غير لف ودوران."
صرخ جاسم: "أنا مش كداب يا روان ومعنديش حاجة أخبيها."
"يا راجل؟ يعني متعرفش إن بنت عمك اسمها ندى، وإنها بتدرس تحت إيدك في الجامعة وعلى طول بتقف معاها؟"
انصدم جاسم، تيبس لسانه، لم يصدق ما تسمعه أذناه.
"بقولك أول مرة أشوفها يا روان، ومعرفش إنها بتتنيل تدرس في نفس الكلية بتاعتي، والله ما أعرفها وأول مرة أشوفها."
"بنتك عمك طالبة عندك في الكلية يا دكتور جاسم، لما تعرف نفسك عايز إيه تبقى كلمني."
انقطع الاتصال وتركت روان جاسم مصدومًا يحاول استدراك أفكاره الهاربة.
"هند؟ وبنت عمي؟"
ثم تذكر أنه في الدفعة هناك خمس بنات بنفس الاسم، لكن الوحيدة التي وقفت معه الفتاة المنقبة. ثم فجأة اتكأ على المقعد.
"إزاي مخدتش بالك يا جاسم؟" همس عندما تذكر اسم ندى الثلاثي الذي قرأه في ورقة الإجابة.
"هي ليه عملت كده؟"
وبلا تفكير أخذ عربيته وانطلق تجاه منزل جده.
***
"مش عيب تستخبى زي النسوان يا حشمت يا مندور؟"
عرف حشمت الصوت ولم يشعر إلا بالتعاسة. إنه صوت مروان غيث، يد سيد شنكل القوية التي يضرب بها أعدائه.
"عيب يا مروان إنك تهاجم شقتي مستخبي ورا شوية عيال؟"
انطلقت رصاصة اخترقت خشب الأريكة، لكن حشمت مندور لم يتحرك من مكانه.
صرخ حشمت مندور: "امشي يا مروان أحسن ما تحصل مذبحة."
أطلق مروان غيث ضحكة طويلة: "فاكر مروان غيث بيدخل أي مكان ويطلع فاضي؟ خلصوا عليه يا رجالة، ولا أقلكم، عايزه حي، عايز أبص في عينه قبل ما أحط علامتي عليه."
سحب حشمت مندور بندقية آلية روسية الصنع معمرة.
"اللي عايز يموت يحط رجله جوة الشقة."
ثم دون سابق إنذار أطلق حشمت مندور خزنة رصاص كاملة على باب الشقة وسحب فانتا درع بشري يحمي به نفسه.
"يا ابن الـ..." صرخ مروان غيث.
أعاد حشمت مندور حشو بندقيته وأطلق دفعة أخرى من الرصاص أجبر مروان غيث على التراجع، ثم هب انطلق الرصاص من كل جهة.
لم يتوقف ضرب الرصاص حتى تحرك حشمت مندور وارتقى الطاولة. ساعده الظلام والصخب، ثم فتح بابًا ضيقًا في سقف شقته، باب سري قام بصنعه بنفسه. عندما أصبح على سطح العمارة تسلق جدار العمارة المجاورة ثم نزل على السلم وخلال دقيقة كان في الشارع. كان بإمكانه الهرب، لكن حشمت مندور لا يغفر الخيانة.
أسقط حارس مروان غيث الذي تركه لحراسة باب العمارة ثم صعد السلم وفي يده البندقية.
كان مروان غيث داخل الشقة يصرخ في رجاله: "شوفولي الكلب دا فين يا أولاد الـ..."
"أنا مش كلب يااض." لم ينتبه مروان غيث إلا وحشمت مندور يثبت البندقية على أنفه. "امشي ياض قدامي وخلي العيال دي ترمي السلاح!"
تخلى رجال مروان غيث عن السلاح.
وأشعل حشمت مندور الأضواء: "جايب ستة وعامل نفسك راجل يا مروان؟"
"انت ياض!" وصرخ حشمت في واحد من رجال شنكل: "اتفاهم!"
بعد أن قيد رجال مروان، أفقد حشمت مندور الرجل الأخير وعيه.
"قلت كام مرة كلب يا مروان غيث؟"
"أنا أبويا مش كلب ياض!" وشج دماغه بمؤخرة البندقية.
"اللي يتحامى في رجالتة ميبقاش راجل، انت عيل هلفوت زي غيرك." وجر مروان غيث على السلم.
وضع يده في جيب مروان غيث وأخرج هاتفه ثم أمره أن يهاتف سيده، المعلم سيد شنكل.
"لو فيه إيه يا مروان؟ مش عارف إني في عملية صعبة؟"
"تعالى خد رجالتك يا شنكل، عارف العنوان ولا أكتبهولك؟"
"مين معايا؟" صرخ شنكل وهو يشد سرواله القطني.
"يعني مش عارف رجالتك باعتهم فين يا شنكل؟"
ربط المعلم سيد شنكل الأحداث بسرعة.
"وحشمت مندور؟"
"أيوه حشمت مندور يا سيد، اللي هتكون نهايتك على إيدي."
"رجالتك مربوطين عندي في الشقة، مرضتش أخلص عليهم."
"أما الأمور الكبير ده أنا هحتفظ بيه شوية."
"مروان؟" سأل شنكل بصدمة.
"متكترش في الكلام يا شنكل، مش معقول معلم كبير زيك رجالتة هتطلع عمليات من ورا ضهره."
صمت سيد شنكل طويلاً حتى ظن حشمت مندور أن الاتصال انقطع، ثم همس: "خليك عندك، أنا جاي في الطريق."
سحب حشمت مندور مروان غيث بعيدًا عن العمارة. كان يعرف أنه لا يستطيع مواجهة سيد شنكل وسط رجاله. ثم وقف في مكان بعيد يراقب الطريق حتى ظهر سيد شنكل.
وصل في سيارة نص نقل محملة بالرجال المسلحين وصعد العماره ثم سمع طلقات الرصاص. بعدها خرج سيد شنكل ورجاله يحملون القتلى. تخلص سيد شنكل من كل الرجال اللي كانوا مع مروان غيث، اللي خرجوا من ورا ضهره.
وقف سيد شنكل دقيقة يبص على الشارع حتى ظن حشمت مندور أنه يراه، ثم ركب السيارة وانطلق بعيدًا عن العمارة.
أخذ حشمت مندور مروان غيث رهينة إلى أحد الأوكار المهجورة ثم قيده وأشعل سيجاره.
"شنكل قتل كل اللي كانوا معاك يا مروان، ولو كان لقيك هناك كان هيقتلك، يعني أنت ميت ميت، ولا إيه رأيك؟"
غمغم مروان من تحت الكمامة: "هقتلك يا حشمت، هقطع جسمك."
لكمه حشمت في أنفه كسرها، ثم أعاد ركلة في فكه وصدره حتى أفقده الوعي وهو يهمس: "مش ناقصين وش بقى..."
***
توقفت سيارة جاسم أمام بيت العائلة، ولأول مرة لا تكون والدته معه. سلم على جده وعلى أحد أعمامه الذي كان يرمقه باستخفاف.
"اقعد يا جاسم يا والدي."
جلس جاسم إلى جوار جده بارتباك. ربت جده على ساقه.
"المهلة اللي والدتك اديتهالنا لسه مخلصتش يا دكتور، لكن إحنا هنشتري الأرض، مش هنسيبها للأغراب."
"الحقيقة يا جدي أنا مش جاي عشان الأرض، موضوع الأرض ده هيخلص هيخلص، أنا عارف إن والدتي متعنتة شوية، لكن أنا هخليها تغير قرارها."
"امال جاي عشان إيه يا ابني؟"
رفع جاسم رأسه، كان يعرف أن كل كلمة محسوبة. "جاي عشان بنت عمي محمود الله يرحمه... ندى."
وقبل أن يسمح للأفكار أن تتحرك، أردف: "ندى طالبة عندي في الكلية، أنا بدرسها. هي نسيت المذكرة بتاعتها وكمان أنا عايز أوجهلها نصيحة قبل الامتحان النهائي، مش غش طبعًا لا سمح الله، أنا عمري ما كنت كده، لكن مجرد نصائح بالنقاط الهامة اللي في المنهج."
"وماله يا ابني، عمر الضفر ما يخرج من اللحم. يا بت ندى، نادي على بنت عمك ندى."
وقع الخبر على رأس ندى مثل بلطة. "جاسم هنا وعايزني؟ يبقى عرف كل حاجة."
ارتدت ندى ملابسها كاملة ونزلت سلمت على جدها وعمها.
جدها قال: "إحنا هنقعد جنبكم هنا، الصراحة المناهج والدروس منعرفش فيها."
أول ما جلست ندى وقبل أن يتحدث جاسم، وفي يده المذكرة، همست: "خفت أقولك الحقيقة، معرفش ليه خفت، بس هو دا اللي حصل."
لم يرفع جاسم رأسه، ثبت عينيه على الأرض. "إنتي عارفة إنك طلعتيني خاين وعبيط في نظر خطيبتي؟"
"تعرف ندى إن لا علاقة بها بخطيبة جاسم من قريب أو بعيد."
"مش فاهمه، أنا مالي بخطيبتك؟"
صمت جاسم. "مش عارف إزاي عرفت إنك بنت عمي، وإني بقف معاكي في الجامعة، ثم بخجل: وكمان صورتك اللي شافتها على تليفوني، كل دا خلى الموضوع معقرب."
"أي صورة؟ أنا التقطت ليكِ صورة وإنتي واقفة في الشرفة." وقبل أن تنفعل ندى، واصل جاسم كلامه: "إنتي كنتِ عايزاني أعرف إنك شبه خطيبتي صح؟"
رواية اعلنت الحرب على قلبي الفصل السادس عشر 16 - بقلم اسماعيل موسى
اتسعت عيني ندى بدهشة:
ـ صوّرتني؟! إزاي ولية؟
ـ جاسم!!
ـ كنت مصدوم من الشبه، لدرجة حسيت إني لازم أبص تاني عشان أتأكد.
ـ والنتيجة؟ اتأكدت؟
جاسم
ـ آه… اتأكدت إنك شبهها… شبه خطيبتي… لدرجة مستحيلة.
سكت جاسم لحظة كأنما يزن كلماته.
وبعدين قال بصوت أوطى:
ـ كنتِ عايزاني أعرف؟
شهقت ندى كأنها تمنع سبه او صفه سيئة ستلتصق بها.
ـ حقيقة إيه؟ أنا ما كانش في بالي كل ده.
وبسرعة أردفت:
ـ وبعدين أنا مالي بخطيبتك؟
شرد جاسم فى أفكاره.
رمق الحقول المترامية على مدى البصر وهمس:
ـ كل اللي حصل خلاني أبان في نظرها كداب وخاين.
ندى ضغطت شفايفها وهي تحاول تسيطر على ارتباكها:
ـ يمكن لأنك مشيت غلط من الأول… صورتني من غير إذني.
جاسم
ـ طب وانتي؟ ليه ما قلتيش إنك بنت عمي من الأول؟ ليه خليتيني أقف معاك وأتعامل معاكي كأنك غريبة؟
ندى
ـ يمكن… يمكن خوفت.
جاسم بص لها بحدة:
ـ خوفتي من إيه بالضبط؟
ـ خوفت من كل حاجة منك ومن عيلتى ومن المجرمين ومن العالم كله.
تحركت ندى مسافة بسيطة جدا، يداها مشدودتان في حجرها، تحاول أن تبدو ثابتة، هادئة، كأنها مجرد طالبة تستمع لكلام أستاذها، لكن داخلها كان العكس تمامًا.
كل كلمة ينطق بها جاسم كأنها تُسحب من قلبها مباشرة، كانت تحاول جاهدة أن تتحكم في عينيها، ألا تفضح ارتجافها كلما التقت نظرته.
أرادت أن تبقى صورتها أمامه واضحة: الفتاة الرزينة، المتماسكة، البعيدة عن أي شبهة.
لكن الحقيقة لم تكن كذلك، هي من تركت مذكرتها عمدًا، هي من وقفت في الشرفة يومها أكثر من اللازم، تسمح لنفسها بلحظة خاطفة تتأكد فيها من أن عينيه تراها، لم تكن مجرد صدفة بريئة.
في عقلها جلبة وصراع:
"ليه عملت كده؟ عشان أجذبه؟ عشان يربطني بيه من غير ما ياخد باله؟"
كانت تعلم أن ما فعلته اندفاع لا يشبهها، لكنها لم تستطع منعه، شيء بداخلها كان يريد أن يكسر المسافة بينهما، أن يذكره بوجودها، حتى لو عبر صورة خاطفة في هاتفه.
ورغم كل هذا، كان وجهها الآن جامدًا تُظهر لجدها وعمها أنها مجرد ابنة مطيعة تستمع وترد باختصار، تُخفي عن جاسم ارتباكها خلف نبرة جافة، كأنها لا تبالي.
لكن قلبها كان يلهث في صدرها، يتمنى أن يطول الحوار أكثر، أن يقترب أكثر… وفي الوقت نفسه، يخشى أن يكتشف جاسم نواياها الحقيقية، أن يقرأها كما هي، بلا أقنعة.
فوضعت حاجزًا جديدًا، حوّلت ارتباكها إلى كلمات باردة، وأخفت رغبتها في أن تقول: "كنت عايزاك تعرفني…"
تنفست ندى ببطء ثم قالت لجاسم بصوت هادئ:
"أنا عارفة إنك زعلان إني ماقولتش من الأول إني بنت عمك… بس كان لي سبب، إنت عارف موضوع البلطجية اللي ضايقوني في الأول، أنا خفت لو جدو عرف الحقيقة… كان هيمنعني أروح الجامعة خالص، وأنا ماقدرتش أستحمل فكرة إني أتقفل في البيت ومكملش تعليمي."
نظرت بعيد عنه لحظة، ثم أضافت بسرعة قبل أن يقاطعها:
"عشان كده سكت، مش عشان ألف وأدور أو أخبي عنك، بس كنت بدور على طريقة أعدي بيها من غير ما أتعاقب على ذنب ماعملتوش."
ثم رفعت ندى عينيها بتوتر:
"أنا ماكنتش أعرف إني شبه خطيبتك… ولا كان قصدي أعمل أي مشكلة بينكم. كل اللي عملته كان عشان أحمى نفسي وأكمل طريقي… مش عشان أخرب حياتك."
سكتت لحظة ثم أضافت بصوت منخفض:
"ولو اللي حصل سبّبلك أي مشكلة معاها… أو خلاك تبان قدامها إنك مخبي حاجة… أنا بعتذر. ماكانش قصدي أبداً أوصل الأمور لكده."
ظل جاسم ينظر لندى وهو صامت، كأنه يحاول يقرأ ما وراء كلماتها، ما وراء نقابها، حاول أن يتأمل عيونها الآن في تلك اللحظة بالذات.
كان واضح عليه التردد، بين غضبه من الموقف وبين إحساسه إن ندى صادقة.
أخيراً قال لها:
"أنا مشكلتي مش معاكِ يا ندى… مشكلتي إن اللي حصل خلى روان تشوفني كداب في نظرها. أنا عمري ما كنت أحب أبقى في الموقف ده."
ثم مال بجسده قليلاً للأمام وأضاف:
"لكن صدقيني… أنا مصدق إنك مكنش قصدك. واعتذارك… أنا قبلته."
بعد لحظة صمت ثقيلة، وضعت ندى يدها على المذكرة، ثم رفعت نظرها نحو جاسم وقالت بهدوء متكلف:
"لو تسمحلي يا دكتور جاسم… أطلع أوضتي، عندي شوية مذاكرة لازم أراجعها قبل الامتحان."
وقفت ببطء، حاولت تثبيت خطواتها عشان ما تبانش متوترة، ثم استأذنت من جدها وعمها بابتسامة خفيفة قبل أن تتجه إلى السلم وتصعد لغرفتها.
أغلقت ندى باب غرفتها خلفها ببطء، ثم أسندت ظهرها إليه كأنها تبحث عن جدار يصدّ عنها زحمة الأفكار.
لم تعد تملك ذلك الثبات الذي حاولت أن تظهره أمام جاسم منذ لحظات.
الآن فقط انفلتت أنفاسها سريعة، متلاحقة، كأنها تجري مطاردة داخل صدرها.
جلست على طرف السرير، أصابعها تعرك طرف المنديل بين يديها بلا وعي.
كيف حدث أن انجرفت إلى هذا المأزق؟
كانت تظن أن حذرها كافٍ، أن النقاب والجدار الذي تبنيه حول نفسها سيمنع أي نظرة، أي شبهة، أي اهتمام.
لكن كل شيء انهار في لحظة… صورة واحدة التقطها جاسم، كلمة أفلتت من روان، والآن الحقيقة تطاردها حتى داخل جدران بيتها.
كان قلبها يتمرد عليها.
كلما حاول عقلها أن يذكّرها بالسبب الحقيقي لصمتها، بالخوف من البلطجية، وبخشيتها من أن يُغلق جدها باب الجامعة في وجهها لو عرف… يتدخل قلبها ليصرخ: "لكنكِ لم تصمتي فقط خوفًا… بل لأنكِ لم تريدي أن تبتعدي عنه."
تغطت وجهها بكفيها.
هي لم تعترف بهذا حتى لنفسها من قبل.
لكنها اليوم، وهي تتذكر نظرة جاسم وهو يقول لها: "طلعتيني خاين وعبيط في نظر خطيبتي"، شعرت بطعنة في صدرها، طعنة لم يكن لها مبرر لو كانت مشاعرها حيادية كما تدّعي.
تركت المنديل من يدها وسارت بضع خطوات في الغرفة الضيقة.
كانت تشعر أنها عالقة بين عالمين: عالم يطالبها بالثبات، بالإنكار، بالتمسك بالصورة التي رسمتها لنفسها كفتاة ملتزمة لا تلتفت لأحد… وعالم آخر يجرها جراً إلى هاوية الاعتراف، إلى الاعتراف بما لا يجب أن يُقال.
ثم جلست أخيرًا عند النافذة، نظرت إلى الخارج، إلى الشارع المظلم الممتد تحتها، وكأنها تنتظر إشارة من هناك تبرر لها صمتها أو تدينها أكثر.
وبين ارتباكها، أدركت شيئًا مؤلمًا:
أنها، رغم كل محاولاتها في الاختباء، باتت ساحة حرب حقيقية… لكن الحرب هذه المرة ليست مع البلطجية ولا مع جاسم ولا حتى مع روان.
الحرب في داخلها هي الأصعب.
الطريق لبيته كان قصيرًا، لكنه في عينيه امتد بلا نهاية.
خطواته ثقيلة، تتباطأ ثم تسرع، كأن جسده لا يعرف إيقاعًا ثابتًا… مثل قلبه تمامًا.
كان يشعر بارتباك غريب: غضب يشتعل في صدره، وشفقة تتسلل من بين شقوق كبريائه، وشيء آخر لم يجرؤ أن يسميه.
ندى كانت مختلفة… أو ربما هو من صار هشًا أكثر مما يجب.
تذكر كلماتها، اعتذارها، نبرتها المترددة، ذلك الحاجز الذي حاولت أن تبنيه بينهما.
كلما أعاد المشهد في ذهنه، تضاربت مشاعره:
"هل كانت صادقة فعلًا؟ هل كانت تحاول تحمي نفسها، ولا أنا اللي كنت أقرأ بعيني ما أريد؟"
ازدحم رأسه بالأسئلة، وصار الحوار الذي دار بينهما يتكرر داخله بأصوات متعددة: مرة بصوتها، ومرة بصوته، ومرة بصوت آخر لا يعرفه، لكنه يضعه دائمًا في خانة الحقيقة.
أحيانًا كان يشعر أنه مخدوع، وأنها لعبت بعقله دون قصد أو بقصد.
وأحيانًا أخرى كان يلوم نفسه:
"ليه اتسرعت في الحكم؟ ليه خليت روان تحكم على الموقف قبل ما أشرح؟"
بين كل فكرة وأخرى، كان يلتقط أنفاسه بصعوبة.
الغضب من خطيبته، الارتباك من ندى، الحيرة من نفسه… كل ذلك جعله يحس أنه غريب حتى عن جسده.
حين وصل باب بيته، وقف لحظة، كأنه يخشى أن يفتحه.
فالباب لم يعد مجرد مدخل، بل صار حاجزًا بين عالمين:
خارجٌ مليء بالأسئلة والاحتمالات، وداخلٌ ينتظره بالوجوه المعتادة، بالكلام المكرر، بالسلام الزائف.
كان عليه ان يخبرها الحقيقه، لا أن يترك نفسه هكذا مذبوح بشكها المريض.
حدد معها موعد وخلال ساعه كان يجلس معها وجه لوجه.
جلس جاسم أمام روان، وجهه جامد، لا يحاول تبرير ولا يفتعل دفاع.
كانت نظراتها مشحونة، تنتظر منه أن يبدأ، كأنها على أهبة الانفجار.
قال بصوت هادئ، بارد بشكل مستفز:
"ما كدبتش عليك يا روان… اللي حصل، إني ماكنتش عارف. اكتشفت الحقيقة دلوقتي بس. كل اللي بيني وبين ندى ماكانش زي ما انتي فاهمة."
صمت لحظة، ترك كلماته تتساقط في الهواء كأحجار ثقيلة، ثم أضاف:
"أنا قلتلك دلوقتي علشان تبقي عارفة إني ما أخدتش في يوم موقف ضدك بكذبة."
في داخله كان الغليان أشبه ببركان مكبوت.
جزء منه أراد أن يصرخ في وجهها: "إنتي ظلمتيني قبل ما أشرح."
وجزء آخر تراجع، اختار أن يدفن كل شيء تحت قناع اللامبالاة.
هو لا يكذب… لكنه أيضًا لا يحاول إنقاذ الموقف.
الحقيقة خرجت، مجردة، جافة، بلا محاولة للتجميل.
كأنها ورقة كشف حساب أُلقيت أمامها، لا يهم إن نظرت فيها أو مزقتها.
روان ظلت تحدق فيه، عينيها تمتلئان بتساؤلات لم تجد لها جوابًا في كلماته.
أما هو، فقد أراح ظهره للخلف، متكئًا بهدوء، كأنه يراقب مشهدًا لا يخصه.
في داخله كان يعرف: الاعتراف لم يكن من أجلها… كان من أجل نفسه.
لكنه لم يكترث لنتيجته، لم يمد يده ليعيد ما تكسر، بل اكتفى بأن ينطق، ثم يترك الصمت يملأ ما تبقى من المكان.
اندفعت روان من مكانها فجأة، كأنها لم تعد قادرة على احتمال ثقل كلماته.
وجهها احمرّ، وصوتها خرج حادًا، متقطع الأنفاس:
"إزاي عايزني أصدق الكلام ده يا جاسم؟!
إزاي؟!"
كانت كل كلمة تصرخ بها تحمل خلفها خيبة عمر، صراع بين كبرياءها وجرحها المفتوح.
اقتربت منه خطوة، عينيها تلمعان بدموع مكبوتة، لكنها رفضت أن تسقط.
"تيجي دلوقتي… وبكل بساطة تقول ماكذبتش!
تتوقع إني أبلع ده؟ أصدق إن كل اللي شفته وسكتت عنه كان مجرد صدفة؟!"
ارتفع صوتها أكثر، وارتجف جسدها، كأنها تُلقي في وجهه كل الشكوك التي ظلت تخنقها لأيام.
"أنا اتكسرت يا جاسم… اتكسرت وأنا بستناك تشرح! وانت واقف قدامي دلوقتي، بارد، كأنك مش فارق معاك!"
في الداخل، كان قلبها يتخبط بعنف، خليط بين غيرة وحب مريض وغضب لا يُحتمل.
لكن ما خرج على لسانها كان أعنف:
"إزاي أصدقك… وأنت بنفسك مش مهتم أقنعني؟!"
رفعت يدها إلى صدرها، كأنها تحاول أن تكبح الانفجار الأخير، لكنها لم تستطع.
صرخت من جديد، هذه المرة بصوت أعلى:
"إزاي عايزني أصدقك وأنا مش شايفة قدامي غير خيانة؟!"
ثم استدارت نصف استدارة، تلهث، تتشبث بكبريائها حتى لا تنهار دموعها أمامه.
الغريب انه ترك ترحل دون أن يحاول ان يدافع عن نفسه او يبرر موقفه.
تابعها تغادر وداخله شعور بالراحة، احساس فوضوي غير مبالي، تركها ترحل كأنما كان يريد ذلك منذ البدايه.
رواية اعلنت الحرب على قلبي الفصل السابع عشر 17 - بقلم اسماعيل موسى
كان الليل ثقيلاً فوق سماء القاهرة كالعادة. الشوارع اللعينة تتساقط فيها القاذورات من كل جهة. الأمواج البشرية تتدفق بلا انقطاع. إذا أمكنك العيش داخل أحياء القاهرة، يمكنك العيش في أي مكان في العالم. بوق قطار المترو يصرخ على مسافة قريبة.
يتذكر سيد شنكل أول مرة شاهد فيها برنامج "الصدمة" في رمضان. حينها قرر أن يساعد كل ضعيف ويدافع عن كل محتاج ويعطي الصدقات للفقراء والمساكين حتى يظهر وجهه في التلفاز ويتلقى المديح من الناس. لكن الكاميرات لم تلتقطه على مدار شهور، واعزى ذلك لسكنه في حي عفن قذر لا يدخله المذيعون والمذيعات.
دخان الشيشة يتصاعد من مقهى صغير في طرف الحارة. سيد شنكل جالس على الكرسي الخشبي العريض. عيونه نصف مغمضة، لكن شره يفيض من بين جفنيه.
لم يكن يطيق فكرة أن يخرج رجل مثل حشمت مندور من بين يديه سالمًا. أن يجرؤه أحد على التحدي أمام رجاله. كان الأمر بالنسبة له أكثر من مجرد ثأر، كان امتحانًا لهيبته. وهيبة سيد شنكل، في عالمه، هي الهواء الذي يتنفسه. لو خسرها، خسر كل شيء.
مد يده الثقيلة والتقط الهاتف. صوته خرج أجشًا، بطيئًا لكنه محمّل ببركان غضب مكتوم.
"هاتولي الكلب ده… مش عايز أسمع اسمه تاني. عايزه جثة… جثة بس."
تبادل رجاله النظرات، يعرفون أن سيد لا يمزح. حين يتحول صوته إلى همس، يكون الغضب قد وصل إلى أقصاه. ومع ذلك، في عيون بعضهم كان هناك ارتجاف… لأن حشمت ليس صيدًا سهلاً. الرجل يلعب منفردًا، لكنه يفكر كجيش كامل، يختفي ويظهر في اللحظة التي لا يتوقعها أحد.
أشعل سيد شنكل سيجارته، سحب منها نفسًا عميقًا، وأطلق الدخان ببطء.
"اللي هيرجعلي من غير دم على إيديه… مش هيرجع تاني."
كانت الكلمات كالسكاكين تقطع الهواء. لم يكن تهديدًا، كان وعدًا.
تحرك الرجال في مجموعات، ينتشرون في الأزقة والحواري، يسألون، يضغطون، يضربون أي شخص يشتبهون أنه يعرف شيئًا. كل خطوة لهم كانت تثير الذعر بين الناس، وكأنهم يبحثون عن شبح لا عن إنسان.
أما سيد، فبقي جالسًا مكانه، يراقب الظلام حوله، وفي صدره صراع خفيّ. يعرف أن حشمت ليس مجرد "عيل صايع" كما يقول البعض. يعرف أنه غشيم، والغشيم يخيف أكثر من المتمرّس… لأنه لا يتوقعه أحد، ولأن الغشيم أحيانًا يضرب بلا حساب. لكن مع ذلك، كبرياء سيد شنكل لم يسمح له بالتراجع. والكبير لا يهاب الأقزام.
***
كان الليل يزحف ببطء، يثقل صدر حشمت مندور كأنه يختبر صبره. الوكر المهجور الذي احتمى به لم يكن أكثر من بيت قديم متآكل، جدرانه مشققة، ورائحة العفن تملأ أركانه. لكن بالنسبة له كان حصنًا، مكانًا يختبئ فيه من أنياب العالم لحين.
جلس في الركن، ظهره ملتصق بالحائط البارد، عيناه تدوران في الظلمة كوحش مترقب. لم يكن خائفًا، أو هكذا أقنع نفسه، إنما كان الغضب هو ما يشحن أوصاله. يعرف أن رجال سيد شنكل سيأتون، يعرف أنهم لن يرحموه، لكنه لم يكن من النوع الذي يمد رقبته للذبح.
على الأرض بجانبه، قطعة حديد صدئة كان قد التقطها من الركام، عصا غليظة قطعها من خشب الباب المخلوع، وسكين صغيرة يحتفظ بها في جيبه منذ سنوات. لم تكن أسلحة كاملة، لكنها كافية لرجل مثله… رجل لا يهاب أن تتلطخ يداه بالدم.
أغمض عينيه لحظة، يسمع أصوات المدينة من بعيد: ضحكات متقطعة، صفارة ميكروباص، كلب يعوي. كل ذلك بدا وكأنه يتلاشى أمام صدى واحد يتردد في رأسه:
"يا حشمت… يا إما تموت واقف، يا إما تعيش جبان."
لم يكن أمامه خيار ثالث. التراجع الآن معناه الفناء، والاستسلام لسيد شنكل يعني النهاية. أما القتال، فحتى لو انتهى بموته، سيظل موتًا يليق باسم حشمت مندور… الاسم الذي لا ينحني.
شد قبضته على السكين، مرر إبهامه على نصله البارد، وشعر بتيار كهرباء يسري في عروقه. كل شيء داخله استعد: جسده المتحفز، ذهنه الذي يحسب الاحتمالات، وعينيه اللتين لم تعودا تغفلان عن أي حركة في الخارج. كانت اللحظة قادمة… ومع كل دقيقة تمر، كان يسمع وقع خطوات غير مرئية تقترب أكثر فأكثر.
رجال سيد شنكل في طريقهم، وهو في انتظارهم… لا كفريسة، بل كذئب محاصر، يهيئ أنيابه لأول عضة.
***
لم يكد الليل يكتمل حتى تسللت الأخبار إلى رجاله… أحد العيون رآه يدخل الوكر المهجور في أطراف الحي الصناعي. المكان معزول، جدرانه عارية، بلا سكان ولا شهود. الخبر وصل سريعًا، وأحدهم التقط أنفاسه واتصل مباشرة بسيد شنكل.
جلس سيد في مجلسه المظلم، الدخان يلف الغرفة، يستمع في صمت.
الصوت من الطرف الآخر يلهث:
"يا معلم… لقيناه. مندور متحصّن جوه الوكر… لو تدينا إشارة، نخلص عليه دلوقتي."
ساد الصمت. صمت ثقيل كأن الزمن توقف داخله. الرجال من حوله يترقبون، يعرفون أن كلمة واحدة منه كفيلة أن تفتح أبواب جحيم على رأس حشمت.
مرت ثوانٍ طويلة… عيناه تتجولان على الطاولة أمامه، إصبعه يدق بخفة، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة، ابتسامة لا تُطمئن.
همس بصوت متباطئ، كأنه يختار كلماته بدقة قاتلة:
"مرروا المعلومة… لسامبو النطح."
تبادل الرجال النظرات في صمت، ثم أومأوا برؤوسهم. كان سيد شنكل يدرك تمامًا أن بين حشمت مندور وسامبو النطح ثأرًا قديمًا لم يُطفأ. سامبو ظل لشهور يجرح كبرياءه كلما تذكر الهزيمة التي ألحقها به حشمت، جرح لم يندمل، وعار ظل يلاحقه في عيون الرجال. والآن… الفرصة جاءت على طبق من نار.
لم يكن سيد ساذجًا، لم يكن من النوع الذي يمنح رجاله حرية مطلقة بلا حساب. هو أراد أن يمنح سامبو قشة يتعلّق بها، شيئًا يحفظ ما تبقى من كبريائه، اختبارًا أخيرًا ربما يعيده إلى دائرة القوة… أو يدفنه نهائيًا.
جلس في مجلسه، عينيه نصف مغمضتين، والرجال من حوله ينتظرون كلماته كما ينتظر الجنود رصاصة البداية.
قال ببرود شديد:
"سامبو هو اللي هيتحرك… هو اللي هياخد أول ضربة."
تبادل الرجال النظرات. يعرفون أن هذا ليس تكريمًا، بل اختبار قاسٍ.
أضاف بصوت أشبه بالهمس:
"لكن تفضلوا أنتم على مقربة… ترقبوا كل نفس، كل خطوة. لو فشل… تتدخلوا فورًا. أنا ما عنديش رفاهية الهزار مع مندور."
ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتيه، ابتسامة لا تحمل إلا معنى واحدًا: أنه حتى وهو يعطي رجاله حرية الحركة، يظل هو الوحيد الذي يتحكم في مصائرهم. صمت المجلس من جديد، لكن في أعماق كل رجل كان السؤال يطنّ: هل ستكون هذه ليلة موت حشمت… أم ليلة سقوط سامبو؟
***
الظلام كان كثيف حوالين الوكر، المبنى المهجور واقف زي شاهد قبر وسط الأطلال. الرياح بتتزاحم في النوافذ المكسورة وتصدر صفيرًا مخيفًا، وكأنها بتعلن أن المكان على وشك يشهد نهاية حد.
سامبو النطح كان أول الواصلين. خطواته تقيلة، صدره بيعلو ويهبط بغضب قديم متجذر. قبضته على السلاح الناري مشدودة لدرجة إن عروقه برزت من تحت الجلد. وقف أمام باب الوكر، تلمّس الخشب البالي، عيناه تضيق كأنه شايف ماضيه كله بيتجمع قدامه في صورة واحدة: لحظة إهانته على يد حشمت مندور.
همس بين أسنانه، كأنه بيتكلم مع نفسه:
"الليلة… يا مندور، مفيش هروب."
دفع الباب بقوة، اقتحم الداخل بخطوات متحفزة. الظلام كان خانق، بس عينيه اتعودوا عليه بسرعة. الوكر شبه خالي، إلا من رائحة الرطوبة والدخان الباقي من سيجارة قديمة.
وفجأة… سمع الصوت. صوت طقطقة معدنية خفيفة، بعدها مباشرةً انطلقت رصاصة. انحنى سامبو بغريزة حيوانية، رد بإطلاق دفعة عشوائية في الفراغ. الشرر تطاير من الحوائط المعدنية الصدئة، وصدى الطلقات ارتطم بالحيطان الموحشة.
ضحكة ساخرة خرجت من زاوية مظلمة:
"لسه نفس العجل يا سامبو… عمرك ما اتعلمت."
جسد سامبو ارتعش. صوته انفجر في الوكر:
"اطلع يا جبان… وريني وشك!"
لكن حشمت مندور ما طلعش… هو اللي حرّك الأرض نفسها تحت رجليه. فجأةً، لوح معدني وقع من السقف، أفقد سامبو توازنه. وفي نفس اللحظة، اندفعت رصاصة مستقيمة، اخترقت صدره. وقع على الأرض، سلاحه اتزحلق بعيد. تعلّقت عينيه بسقف الوكر، وصوت مندور بيتردد كأنه آخر ما هيسمعه في حياته:
"قلتلك… لو شفتك مره تانيه هتكون نهايتك."
تنفس سامبو للمرة الأخيرة، صدره اهتز، ثم استسلم للظلام.
لكن ما كانش فيه وقت للراحة. صوت محركات، خطوات ثقيلة، صرخات رجال سيد شنكل ملأت المكان. اقتحموا الوكر بالعشرات، مدججين بالسلاح، أعينهم متحفزة، قلوبهم مستعدة لسفك الدم. كانوا واثقين إنهم سينهوا حشمت للأبد.
لكن حشمت مندور ما استناش المعركة. كان مجهز كل شيء. الأفخاخ محطوطة بدقة: أسلاك خفية مربوطة بعبوات بدائية، ألغام بدائية تحت ألواح خشب، زجاج مكسور متعمد يلمع في العتمة ليضللهم.
أول ما دخلوا، دوى الانفجار الأول. رجلين وقعوا في ثواني، أجسادهم اتناثرت. الصراخ شق المكان، لكن الرصاص ما توقفش. حاولوا يردوا، لكن الطلقات اللي جاية من زوايا مظلمة خلتهم يطلقوا على بعضهم بالغلط. الهواء بقى مليان دخان وبارود، صرخة هنا، أنين هناك.
حشمت كان بيتنقل بخفة وسط الفوضى، يطلق ويختفي، كأنه شبح في معركة من نار. أحد الرجال صرخ:
"دا عامل لنا مصيدة!"
لكن ما كانش فيه فرصة للتراجع. كل متر بيتقدموا فيه بيسقط واحد منهم. الأرض بقت ساحة موت، ورجال شنكل واحد ورا التاني وقعوا بين الدم والدخان.
في النهاية… لما هدأ الرصاص، كان المشهد واضح: الوكر مليان جثث، الصمت عاد يسيطر. وحشمت مندور خرج من الظل، ملابسه متسخة بالتراب والبارود، عينيه بيلمعوا بغضب صامت. وقف وسط الخراب، نفث دخان سيجارة جديدة، وهمس لنفسه:
"أنا ما بخسرش… أنا بس بعلّم."
***
الخبر وقع على سيد شنكل زي حجر في بئر عميق. رجاله وقعوا واحد ورا التاني، وسامبو النطح نفسه اتصفّى على يد حشمت مندور. لكن ملامحه ما اتغيرتش، كان قاعد في صدر القهوة، ماسك الشيشة، يزفر الدخان ببطء وكأن الدنيا كلها ماشية على إيقاع أنفاسه.
الرجال حوالينه مترقبين، منتظرين انفجار غضبه… لكن سيد شنكل ما بينفجرش، سيد شنكل بيتكلم. وبينما الصمت مسيطر، تقدم واحد من صبيانه ـ صَيّان الشيشة، لسانه طويل وعيونه زنانة، يحكي له عن الخناقة اللي اندلعت من شهور بين نوح ابن الحرام وحشمت مندور حوالين بنت.
رمش شنكل ببطء، ثم ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفايفه، ابتسامة اللي شايف مفتاح جديد في جدار مقفول.
"بنت، ها؟"
مد إيده، قلب حجر الفحم على جمر الشيشة، شرر صغير طار في الهوا وهو يواصل كلامه بنبرة فيها مزيج من السخرية والتهديد:
"اللي ما يتعالجش بالنار… يتعالج بالدم."
رجاله اتبادلوا النظرات، منتظرين الكلمة الجاية.
أطرق سيد شنكل لحظة، ثم رفع راسه بعينيه الواسعتين اللي دايمًا بتخفي وراها أكثر مما تبدي:
"هاتولي البت دي. على طول. دلوقتي."
وكأن القهوة كلها حبست أنفاسها مع الكلمة. أحدهم تردد، سأل:
"عايزنا نجيبها إزاى يا معلم؟"
ابتسم شنكل ابتسامة باردة، رمى نظره عليهم كلهم، وقال ببطء:
"مش مهم إزاى… المهم تيجي."
***
روان
الغضب كان عامل زي موجة حر بتغلي جوا دماغ روان. من ساعة ما واجهت جاسم وما قدرتش تصدّق ولا كلمة قالها، كانت النار بتاكل في جواها. ما استنتش ولا لحظة زيادة… دخلت بيتها بخطوات متوترة، عينيها مليانة دموع مش بسبب الحزن، لكن بسبب الغيظ، بسبب الكبرياء المجروح.
رمت شنطتها على الكنبة وصرخت من غير مقدمات:
"بابا! أنا مش عايزة أكمل مع جاسم… فسخلي الخطوبة حالًا!"
كان أبوها قاعد على الكرسي الوثير، الجورنال في إيده، لكن أول ما شاف بنته الصغيرة اللي عمرها ما طلبت حاجة واترددت فيها، حط الورق على الطاولة، رفع عينيه وركز فيها.
"إيه اللي حصل يا روان؟"
صوتها اتكسر، لكن عينيها فضلت جامدة، مليانة عناد:
"مفيش بينا كيميا يا بابا، ولا فيه حاجة تربطني بيه. أنا مش حاسة بيه، ولا بشوف نفسي معاه. مش هو اللي ينفعني… مش هو اللي يليق بيا."
الكلمات خرجت زي السكاكين، مش مجرد اعتراض، لكن حكم بالإعدام على العلاقة كلها.
أبوها اتنهد، حاول يخبّي ارتباكه، لكنه كان فاهم إن روان مش من النوع اللي ممكن يتراجع. هي اتعودت من صغرها إنها تقول الكلمة وتتثبت عليها زي جبل.
"طيب يا حبيبتي…" قالها بهدوء أبوي، مفيهوش أي مقاومة.
ابتسم ابتسامة صغيرة، كأنه بيطبطب عليها بالكلمة:
"إنتِ اللي تقرري حياتك، ولو مش مرتاحة معاه يبقى خلاص. هنفسخ الخطوبة."
نزل الكلام على روان زي ماء بارد على نار مشتعلة. ارتاحت… أو بالأصح، كبرياءها ارتاح. هي عارفة إنها مش بتحب جاسم، يمكن عمرها ما حبته أصلًا، لكن الأكيد إنها ما كانتش مستعدة تخسر قدام واحدة زي ندى.
الأب، اللي شايف في بنته الدلوعة أمله وضعفه … كل اللي كان يهمه في اللحظة دي إنها تبصله بعيون راضية، وتفضل شايفة إنه الملجأ الوحيد اللي بيحميها من كل خيبة.
***
البيت كان ساكن لدرجة غريبة، لكن السكون ده اتكسر أول ما دخل الشماخ بخطوات تقيلة، ووشه ما بين التعب والجدية. وقف قدام شاهندة، وقال بنبرة قاطعة، ما تحتملش لف ولا دوران:
"روان طلبت تفسخ الخطوبة… وأنا وافقت."
الكلمات نزلت زي حجر في بير ساكن. لحظة صمت اتجمد فيها كل حاجة حوالين شاهندة. بعدين انفجر الصوت اللي كان متخبي جواها:
"إيه؟! إزاي؟!"
قامت واقفة، الكرسي اتزق لورا بعنف. عينيها بقت دوامة من الغضب والخذلان. مسكت صدرها كأنها بتحاول تلاقي نفس مش راضي يطلع.
"إزاي توافق يا شماخ؟"
"ابنك زعل البنت."
"وأنا معنديش أغلى من بنتي يا شاهندة."
"وده كان شرطنا من الأول."
"كان لازم تدينى خبر يا شماخ، كان ممكن أصلح."
"اصلح ولا أصلح كل حاجة انتهت يا شاهندة."
"ادينى فرصة يا شماخ، مينفعش كده. احنا مش بس نسايب، احنا شركاء."
"هو أنا مقلتلكيش؟ أنا لغيت العقود إلى وقعتها معاكى."
"لقيت شراكة افضل."
ثم اندفع الشماخ نحو الباب تاركًا شاهندة في حالة من الذهول.
رواية اعلنت الحرب على قلبي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اسماعيل موسى
عندما وصل جاسم المنزل، انفجرت شاهندة في وجهه، وكأن كل ما كتمته طويلاً وجد طريقه أخيرًا للخروج:
"أأنت تدرك ماذا فعلت؟ لقد أفسدت كل شيء… كل ما بنيته، كل ما رسمته من خطط لمستقبل هذه العائلة! كنت أضع آمالي كبيرة على هذه الزيجة!!"
كانت كلماتها تخرج متلاحقة، مشحونة بالغضب والخذلان، ووجهها يرتجف من شدة الانفعال. تابعت بنبرة أكثر حدّة:
"لقد ضيّعت عليّ سنوات من الجهد، أفنيتها في أن أرتب الطريق أمامك، في أن أرفعك فوق ما أنت فيه… وفي لحظة واحدة كسرت كل شيء!"
وقف جاسم أمامها، ملامحه جامدة لا تعكس سوى برود متعمد. تركها تفرغ ما في صدرها، ثم رد بهدوء قاتل:
"لم أطلب منك يومًا أن ترسمي لي مستقبلاً، ولا أن تضعيني في خططك. حياتي لي، ومساري لي، وأنا قادر أن أعتمد على نفسي دون أن أكون أسير أحلامك."
كانت كلماته أشبه بصفعة هادئة، لكنها محكمة. لم يرفع صوته، ولم يحاول الدفاع أو التبرير، بل اكتفى بتلك العبارة التي أغلقت الباب أمام كل محاولاتها للهيمنة.
سقط الصمت بعده ثقيلاً، بينما وقفت شاهندة مذهولة، عاجزة عن الرد للحظة، إذ لم تتوقع منه هذه الصلابة…
كانت تتوقع أن بكلمتين مثل الماضي ستجعل جاسم يركض خلف روان ويعيد المياه إلى مجاريها.
تراجعت شاهندة خطوة إلى الخلف، كأن كلمات جاسم دفعتها دون أن يلمسها.
لم تكن تتوقع أن ترى في عينيه هذه اللامبالاة القاسية. كانت قد اعتادت عليه أن يكون مطيعًا مثل الكلب، كسائر الأمهات، أن يسير وفق الخيوط التي تحيكها حوله، لكن فجأة بدا أمامها مختلفًا… متحررًا، عصيًّا على السيطرة.
اجتاحها خليط من الغضب والخذلان. فكّرت: كيف تجرأ؟ كيف يواجهني بهذه البرودة؟ متى وصل إلى هذه المرحلة من السفه وقلة اللياقة؟ ألم يدرك أنني أفنيت حياتي لأصنع له مكانًا؟!
شعرت بالفراغ يزحف إلى قلبها، فراغ امرأة أدركت أن سلطتها التي طالما تغنّت بها بدأت تتهاوى فوق رأسها مثل أرملة اكتشفت خيانة زوجها بعد وفاته.
أما جاسم، فكان يقف ثابتًا، كمن أنهى معركة داخلية طويلة قبل أن يدخل هذه المواجهة. في داخله كان اضطراب خافت يهمس: هل أغلظت عليها القول؟ هل كان عليّ أن ألين؟ لكنه سرعان ما سحق ذلك الصوت، مؤكّدًا لنفسه أن لحظة الانفصال عن قيودها كان لابد أن تأتي.
شعر بحرية لم يعرفها من قبل، حرية مؤلمة لكنها صادقة.
بينما كانت شاهندة تكافح كي تستعيد أنفاسها، تردّد في ذهنها سؤال ملحّ: هل فقدته إلى الأبد؟ هل صار عصيًّا على العودة؟ كان جزء منها يصرخ في أعماقها أن تتمسك به، أن تعيد إحكام قبضتها عليه، لكن جزءًا آخر ـ أضعف، وأشد إنسانية ـ كان يهمس بخوف: لقد كبر… ولن يعود الطفل الذي أعرفه.
مدّت يدها نحو الكرسي القريب وجلست، وقد خارت قواها فجأة. كان الغضب يشتعل في عينيها، لكن تحت سطحه بدأت ملامح الانكسار تتسلل، رغمًا عنها.
أما جاسم، فقد التفت عنها بهدوء، كأنه أغلق الباب النفسي بينهما. كان يعلم أن هذه المواجهة ليست الأخيرة، وأن عاصفة شاهندة ستعود أقوى، لكن في تلك اللحظة شعر أنه خطا أول خطوة في طريق استقلاله.
---
وقف جاسم ببطء، مقعده يصرّ على الأرض كأن الصوت إعلان رحيله. لم ينظر إلى أمه مباشرة، كان يخشى أن يضعف، أن يرى دمعتها فتستعيد سلطتها القديمة عليه. اكتفى بأن يلتقط معطفه عن الكرسي، ويقول بنبرة حاسمة أقرب للهمس:
"أنا خارج يا أمي…"
كأن الكلمات خنجرت صدر شاهندة. مدت يدها فجأة، محاولة أن توقفه، لكن أصابعها تجمدت في الهواء ولم تلمسه. أدركت أن المسافة بينهما لم تعد تُقاس بخطوات، بل بأعوام من تراكم الخوف والصراع.
فتح الباب، وخرج بخطوات هادئة واثقة، ليترك وراءه صمتًا أثقل من الرصاص.
جلست شاهندة في مكانها، ظهرها متكئ على الكرسي، لكن كل عصب في جسدها كان يرتعش.
انحنت للأمام، وضغطت على صدرها كأنها تخشى أن ينفجر قلبها. تدفقت صور السنوات في عقلها: ليالي السهر، الحسابات الدقيقة، الخطط التي وضعتها لبنائه حجرًا فوق حجر. وها هو الآن يهدم كل شيء بكلمتين وبظهرٍ استدار عنها بلا تردد.
تمتمت بصوت واهن:
"ليه يا جاسم؟…"
لكن الغرفة لم تجب. فقط ظلت تشهد ارتجاف جسدها، وصوت أنفاسها المتقطعة، والفراغ الذي تركه رحيله.
كانت شاهندة ما تزال جالسة في مكانها، جسدها مشدود ودموعها تتساقط ببطء، حين اهتز الهاتف الموضوع على الطاولة أمامها. نظرت إليه بآلية متعبة، كأنها لا تملك القدرة حتى على مد يدها، لكن الإصرار الخفي على معرفة الخبر جعل أصابعها تتحرك في النهاية.
شاشة الهاتف أضاءت باسم روان.
بلمسة مرتعشة فتحت الرسالة.
كلمات قصيرة، قاطعة، بلا مقدمات:
"دكتورة شاهندة… ابنك اختار بنت عمه عليا. واللوم مش عليه، اللوم عليكي. إنتِ اللي ورطتيني في علاقة من البداية كانت فاشلة."
بقيت الكلمات معلقة أمام عينيها، كأنها لا تريد أن تُمحى.
شعرت شاهندة بأن الأرض تميد من تحتها.
أطبقت أصابعها على الهاتف بقوة، كأنها تريد أن تسحقه. حدقت طويلًا في الشاشة.
أسندت رأسها إلى ظهر الكرسي، أغمضت عينيها بقوة، لكن الرسالة ظلت منقوشة داخل جفونها.
بنت عمه؟
عاينت شاهندة الرسالة مرة أخرى بدت لها مشفرة تحاول فك شفراتها.
بنت عمه مين؟
تحول الكتمان داخلها لغضب، لموج محيط يضرب شاطئ رملي. إنها عائلة زوجها اللعينة التي تفسد حياتها دومًا.
لكنها لن تقف مكتوفة الأيدي، ستطربق الدنيا كلها فوق رأس الجد وكل أبنائه.
---
حشمت مندور
لم يكن بوسع حشمت مندور أن يبقى أكثر في الوكر المهجور. جدرانه الباردة، ورائحة العفن التي تتسرب مع الليل، جعلته يشعر أن المكان صار قبرًا ينتظر إغلاقه عليه. لم يثق بالهدوء الذي خيّم بعد معركة رجال شنكل، فغادر مع أول ضوء للفجر، حقيبة صغيرة على ظهره وبندقيته ملفوفة داخل بطانية قديمة، تاركًا مروان غيث لتتعامل معه حيوانات البرية.
حين وصل إلى القاهرة، أحس بارتباك غريب. المدينة التي عرفها من قبل صاخبة ومزدحمة، بدت له اليوم أكثر ضيقًا من أي وقت مضى. الميكروباصات تتزاحم على جانب الطريق، والوجوه متعبة، عابسة، تمضغ يومها كما لو كان عبئًا. اندس بين الركاب، جلس في الزاوية، يحاول أن يبدو واحدًا منهم.
إلى جواره جلست فتاة شابة، تحمل حقيبة ظهر بالية وكتابًا مفتوحًا. كان في عينيها بريق مختلف، غريب عن ضجيج الشارع. بشرتها القمحية ولهجتها حين ردّت على سائق الميكروباص كشفت عن أصلها. همس لنفسه: فلسطينية.
ظل صامتًا، لكن عينيه لم تكف عن مراقبتها. هي لم تلتفت إليه في البداية، منشغلة بسطور كتابها. لكنه، على غير عادته، شعر بالضيق من حضورها. شيئًا في هدوئها أزعجه. كأنها تفضحه وهو يحاول أن يذوب وسط الناس.
حين مال جسده قليلًا ليفتح النافذة، اصطدم كتفه بكتفها. رفعت رأسها فجأة وقالت بنبرة صارمة:
"ممكن تاخد بالك وأنت بتتحرك؟"
لم يكن معتادًا أن يرفع أحدهم صوته عليه بهذه البساطة. نظر إليها بحدة، ابتسامة ساخرة على شفتَيه:
"هو أنا خبطتك برصاصة؟ دا كتف في كتف."
تغيرت ملامحها، وضمت كتابها إلى صدرها كمن يستعد للرد:
"في بلادنا بنقول الاحترام بيبان من التفاصيل الصغيرة. لو مش قادر تحترم المسافة، على الأقل ما تتريقش."
اشتعلت الكلمات في صدره. لأول مرة منذ زمن طويل يجد نفسه في جدال لا يسيطر عليه. رد بسرعة، كأنها أخرجت من داخله شيئًا دفينًا:
"احترام؟ أنا شوفت العالم كله بيتداس، احترام إيه اللي بتتكلمي عنه؟"
ابتسمت بمرارة، عينيها تتقدان بثبات غريب:
"يمكن علشان شوفتوا العالم بيتداس… بقتوا شايفين إن مفيش فرق. لكن أنا، حتى في الغربة، مش هقبل حد يقلل منى. لا بالكتف ولا بالكلمة."
ساد صمت قصير. الركاب تبادلوا النظرات، لكن لم يتدخل أحد. كان النزاع بينهما أعمق من مجرد احتكاك عابر.
حشمت أدرك أنه لأول مرة منذ سنين يجد من يواجهه بهذه الصلابة، دون خوف. لم يقل شيئًا. اكتفى بأن أدار وجهه إلى النافذة، يبتسم لنفسه ابتسامة باهتة، كأن الخلاف معها ترك داخله أثرًا لم يتوقعه.
حين توقّف الميكروباص في وسط البلد، نزل الركاب في عجالة. الفتاة الفلسطينية سبقت الجميع، تسير بخطوات سريعة، حقيبتها تتأرجح على ظهرها، ورأسها مرفوعة بثقة.
أما حشمت مندور، فقد ظل يتتبعها من بعيد. لم يفكر في الأمر بوعي، لكنه وجد نفسه منجذبًا إلى ظلها، كأن بينه وبينها خيطًا لا يريد أن ينقطع. كان يقول لنفسه: مش مهم… أول ما تختفي من عيني خلاص. بس لحد ما تختفي.
المدينة بدت أكثر قسوة في ذلك الوقت. شوارع مزدحمة، صياح الباعة، دراجات نارية تتفادى المارة. هي تمشي بخط مستقيم وسط الزحام، كأنها تعرف طريقها جيدًا، بينما هو يراقبها بنصف ابتسامة مستنكرة: بتتصرف كأن الدنيا ملكها…
لم يكد يمضي دقائق حتى انبثق ثلاثة رجال من زقاق ضيق. وجوههم غليظة، نظراتهم مشبوهة. اعترضوا طريقها بجرأة فجة. أحدهم قال:
"إيه يا قمر، مستعجلة ليه؟ تعالى نتكلم شوية."
شدّت الفتاة حقيبتها إلى صدرها، عينيها تضيقان بالتحفّز:
"ابعدوا عني."
ضحك الثاني بخبث ومد يده ليعترض طريقها. لم يتردد حشمت لحظة. وجد نفسه يندفع للأمام كمن يقفز داخل معركة قديمة ينتظرها. قبضته ارتطمت بوجه الرجل الأول فسقط إلى الخلف، ثم التفت بسرعة يركل الآخر في بطنه. الثالث حاول أن يهاجمه بسكين صغيرة، لكن حشمت انتزع يده بحركة عنيفة وطرحه أرضًا، يصرخ.
الفتاة تجمّدت للحظة، مذهولة. الناس في الشارع توقفوا يتابعون المشهد. حشمت وقف يتنفس بحدة، يرمق البلطجية الممددين على الأرض كأنهم مجرد صدى من ماضيه، ثم التفت إليها بنصف ابتسامة متعبة:
"مفروض تقولي شكراً."
لكنها لم تفعل. شدّت حقيبتها أكثر، ونظرت إليه ببرود لم يتوقعه:
"ما طلبتش منك تنقذني."
جمدت ملامحه. استنكر بعصبية:
"يعني إيه؟ دول كانوا هياخدوكى في ثانية! ده أنا لو ما كنتش موجود…"
قاطعت كلماته بنبرة حاسمة:
"الفضل اللي ما طلبتوش… ما بقبلوش. أنا عارفة أحمي نفسي."
ثم خطت مبتعدة، كأنها تمحو وجوده من المشهد. حشمت ظل واقفًا في مكانه، يطالع ظهرها الذي يبتعد. شعور متناقض يملأ صدره: الغضب لأنها لم تعترف بفضله، والدهشة لأنها لم ترتجف لحظة أمامه. همس لنفسه بمرارة ساخرة:
"بنت غريبة… تشوف الموت وما تتهزش…"
ومع ذلك، لم يستطع أن يمنع عينيه من ملاحقتها، حتى اختفت وسط زحام القاهرة.
لم يكن من عادة حشمت مندور أن يطيل النظر في خطى أحد، لكن تلك الفتاة كسرت عادته بلا إذن. من لحظة أن غادرت الموقف وهو يتبعها بعينيه، ثم برجليه. لم يكن يعرف لماذا، غير أن الفضول تسلل إليه كدخان لا يراه الناس، يملأ صدره ببطء حتى صار أثقل من أن يُحتمل.
الفتاة لم تكن تسير كفتاة عادية تتسكع في القاهرة. كانت تتحرك كأنها تعرف شوارع المدينة أكثر من أهلها، تدخل زقاقًا ثم تخرج من آخر، تلتقي برجل عجوز يبيع الجرائد، تهمس له بكلمات قصيرة لا تكاد تسمع، ثم تمضي. في مكان آخر توقفت عند امرأة بسيطة تبيع الخضار على الرصيف، انحنت قليلًا، تبادلا حديثًا مقتضبًا، ثم انصرفت كأن شيئًا لم يكن.
كل حركة لها كانت تحيطها بهالة غامضة، وفي كل مرة يزداد فضول حشمت.
هي بتعمل إيه؟ بتبلغ مين؟ وليه كل ده في السر؟
أسئلة تتوالى داخله دون إجابة. لكنه لم يتوقف.
حتى وصلت أخيرًا إلى بناية قديمة في حي شعبي، صعدت درجات السلم الخشبية بخفة، واختفت خلف باب خشبى باهت اللون. وقف حشمت تحت العمارة، مترددًا لحظة. جزء منه كان يقول: مالكش دعوة. وجزء آخر، أقوى وأعمق، يهمس بإصرار: لازم تعرف.
لم يهدأ له بال حتى صعد. طرق الباب مرة، لم يجبه أحد. الثانية كذلك. الثالثة لم ينتظر بعدها، أخرج أداة صغيرة من جيبه وفتح القفل بحركة سريعة، كما اعتاد في أيامه القديمة. دفع الباب ببطء، ودخل.
الشقة ضيقة، جدرانها متآكلة، لكن آثار حياة واضحة فيها: حقيبة مفتوحة على الكرسي، بعض الأوراق المبعثرة، منشورات صغيرة تحمل شعارات لم يخطئ عيناه في قراءتها. توقف عند كلمة واحدة ارتجّت في صدره: المقاومة.
ابتسم نصف ابتسامة وهو يزفر دخان سيجارته الأولى في المكان. جلس على المقعد المهترئ، وضع بندقيته على فخذيه كمن يستعد لمعركة قديمة، ثم أرخى جسده للخلف.
كان يعرف الآن.
الفتاة ليست مجرد متسكعة في شوارع القاهرة، بل عنصر في المقاومة الفلسطينية.
أغمض عينيه في ثقة، كأن كل هذا الفضول وجد جوابه. دقائق قليلة، وانسحب في نوم ثقيل وسط دخان سيجارته المتصاعد، منتظرًا عودتها.
وحين دارت مفاتيح الباب في المساء، ووقفت هي مذهولة على عتبة شقتها، كان هو ما زال جالسًا هناك، كأنه صاحب البيت، يتنفس ببطء، بندقيته على ركبتيه، وسيجارته نصف مشتعلة بجانبه.
"ادخلي من غير ما تعملي صوت وإلا هفرغ البندقية في صدرك."
ترك ابتسامته الساخرة تسبقه وهي تجلس على المقعد بلا خوف.
"مقتة الفتاة بغضب، إنت إيه حكايتك يا جدع إنت؟ هو إنت مجرم؟"
أطلق حشمت مندور ضحكة، اكتشف أنه مفضوح دون أن يتحدث.
"ما إنتِ بتعرفي تتكلمي زينا أهو، كان إيه لازمة البرطمة الفارغة؟"
"أنا مش خايفة منك، عندنا الموت موجود في كل لحظة وأنا مش هكون استثناء."
ابتسم حشمت مندور، "وأيه اللي خلاكي تعتقدي إني هقتلك؟"
صرخت الفتاة بغضب، "أمال واحد زيك هيكون عايز إيه؟"
نهض حشمت مندور، سحب نفس من سيجارته، بدأ يفكر أكثر من الأزم. ثم انحنى تجاه الفتاة ووضع عينه في عينه.
تعجبه لماضيها وتمردها، "أنا عايز..."
---
ندى
كانت ندى جالسة في غرفتها، منكبة على كتبها كما اعتادت، تحاول أن تغرق نفسها في تفاصيل الدروس، تلاحق السطور بعينيها كأنها تحارب النسيان. كل كلمة كانت أشبه بخيط يربط عقلها بواقعها، وكل مسألة تحلها كانت محاولة لإثبات أن لها مكانًا في هذا البيت غير مجرد عبء أو ظل.
لم تكن تشعر بشيء حولها، حتى جاءها الصوت.
صرخة حادة، ممزقة، اخترقت جدران الطابق الأرضي وصعدت كالسوط:
شاهندة.
توقفت يدها عن الكتابة، وارتجف قلبها مع الكلمات التي تبعت الصرخة: اتهامات مريرة، كلمات مُحمّلة بالسم، تتهم الجد بمحاولة سرقة ابنه منها، تدّعي أن ندى ليست سوى "ألعوبانة" تلعب بعقل جاسم وتخطفه منها.
الدم صعد إلى وجهها، وحرقة غيظ تفجرت في صدرها. جلست للحظة مشدوهة، ثم نهضت بعزم لم تستطع كبحه. خطواتها على الدرج كانت سريعة، غاضبة، كأنها نزلت تحمل كل القهر الذي ظلّ مكتومًا في صدرها منذ أعوام.
حين دخلت الصالة، كان المشهد مشتعلًا:
شاهندة في مواجهة جدها، صراخها يعلو، اتهاماتها تتوالى بلا توقف. الجد صامت، ملامحه متماسكة لكنها متصلبة، عينيه ضيقتين، وندى تشعر أن كل كلمة تصيبها مباشرة.
لم تحتمل.
صوتها خرج متوترًا، مرتجفًا لكن حادًا:
"كفاية يا خالتي، أنا مش ألعوبانة ولا باخد حاجة مش ليا…"
لكن كلماتها لم تهدئ شيئًا. بل زادت النار اشتعالًا. شاهندة وجهت غضبها مباشرة لها، كالسكين. ندى حاولت الدفاع عن نفسها، حاولت أن تقول إنها لم تقصد يومًا أن تسرق شيئًا من أحد، لكن كل جملة كانت تضيع وسط العاصفة.
في وسط هذا الصخب، الجد رفع صوته للمرة الأولى:
"اسكتي يا ندى!"
تجمدت، لكنها لم تسكت.
الحزن تحول لقهر، والقهر لانفجار صغير في صدرها، جعلها تعاند صوته وتستكمل دفاعها.
وهناك فقط، فقد الجد صبره.
يده ارتفعت، وصفعة واحدة سقطت كالرعد على وجهها. اللحظة انقسمت نصفين: قبل الضربة وبعدها. كل شيء سكن، حتى شاهندة صمتت، مذهولة للحظة من المشهد.
ندى وضعت يدها على خدها، عينيها تتسعان بالصدمة. لم يكن الألم في وجهها فقط، بل في قلبها. إحساس قاهر، خليط من الذل والغيظ والخذلان، جعلها عاجزة عن الكلام.
في تلك اللحظة، كانت تعرف أنها لم تُترك لتخوض معركة عادلة. كانت وحيدة، حتى الجد الذي حسبت أنه حاميها اختار أن يسكتها بالقوة.
شعرت أنها تختنق، أنفاسها تهرب منها، خرجت تجاه الحقول تتخلص من غضبها وثورتها. دموعها منهمرة بلا توقف.
خطت داخل الحقول تركض هاربة من كل شيء حتى نفسها.
لم تعرف إلى أين وصلت ولا أين هي حتى سمعت صوتًا:
"اثبتي مكانك وإياكي تنطقي كلمة واحدة؟"
كانت هناك سكين مغروسة في جانبها الأيمن ومسدس في يد شخص آخر يلوح به كلعبة.
"امشي يا بت من سكات."
مشت ندى تحت تهديد السلاح حتى وصلت الطريق الترابي. هناك كانت سيارة تنتظرها. دفعت داخلها بقوة وانطلقت السيارة بعيدًا عن القرية.
رواية اعلنت الحرب على قلبي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اسماعيل موسى
داخل السيارة، لم يكن الليل أرحم من الأرض التي تركتها وراءها. المصابيح المعطلة تلتمع كأنها عيون تراقبها، والهواء البارد يصفع وجهها من زجاج مكسور في الخلف. جلست ندى في المقعد الأوسط، يدان غليظتان تضغطان على كتفيها كقيدٍ لا ينفك، ورائحة عرقٍ خانقة تختلط بدخان السجائر تملأ المكان. لم تسمح لنفسها بصرخة واحدة، كان الخوف يلتهم صدرها، لكنها تماسكت بالصمت، كأنها تُخفي عنهم أي ذرة ضعف.
الرجل الجالس بجوارها على اليمين مال عليها هامسًا، صوته أجشّ وبارد:
"متقلقيش يا عروسة… الرحلة لسه طويلة."
لم تجبه، لم تحرك رأسها حتى، فقط أطبقت جفنيها وكأنها تحاول أن تخلق لنفسها عالمًا آخر لا يشاركها فيه هؤلاء الغرباء.
قائد السيارة، عريض الكتفين، يضرب المقود بإيقاع غريب وكأنه يعزف لحنًا خاصًا به وسط الصمت المشدود. التفت للحظة وهو يبتسم ابتسامة مشوهة:
"المعلم مستنيها… قال محدش يلمسها."
انقبض قلبها عند سماع كلمة "المعلم"، لم تفهم من يقصدون ولا لماذا هي تحديدًا. كل ما تعرفه أنها أُقلِعت من عالمها فجأة، من حقول القرية، من بكاءها وعجزها، إلى هذا القفص المعدني المتحرك الذي يزداد انغلاقًا عليها كلما ابتعد.
أحدهم أخرج زجاجة بلاستيكية صغيرة، مدّها إليها:
"اشربي… هتحتاجي."
أدارت وجهها بحدة، رفضت، فقهقه بصوت منخفض، أعاد الزجاجة إلى حقيبته وهو يتمتم:
"عندها كرامة… خلينا نشوف الكرامة دي هتفضل لحد فين."
السيارة اخترقت ظلام الطريق الترابي، ثم انحرفت إلى شارع جانبي مهجور، بلا لافتات، بلا ضوء سوى ما يلقيه القمر من شظايا بيضاء فوق الإسفلت. لم يكن الزمن عندها يقاس بالدقائق، بل بالنبضات التي تتسارع حد الاختناق، والبرد الذي يتسلل أكثر كلما ابتعدت عن المكان الذي تعرفه.
داخل صدرها، تصاعدت أسئلة كثيرة كالرصاص: لماذا؟ من هؤلاء؟ وما الذي ينتظرها عند النهاية؟ لكنها، رغم ارتجاف يديها وبرود أطرافها، كانت تداري قلقها خلف صمتٍ جامد، تعلم أن أي كلمة قد تنكسر بها أمامهم، ولن تمنحهم تلك المتعة أبدًا.
كانت السيارة تمضي، وكانت هي تعرف شيئًا واحدًا فقط: أن حياتها القديمة، بما فيها من جد وصراخ وحقول ودموع، قد انغلقت فجأة، وأن القادم، أيًّا كان، لن يكون مجرد حادث عابر.
حين توقفت السيارة، لم يكن الصمت أقل رعبًا من الطريق الطويل. باب حديدي ضخم انفتح ببطء، صريره أشبه بأنين جدار قديم قاوم الزمن كثيرًا. دفعها الرجل الجالس بجانبها للخارج بعنف، تعثرت قدماها على الأرض الإسمنتية الرطبة، وبرودة المكان تسللت فورًا إلى عظامها.
سارت بينهم بخطوات مُجبرة، لم يتركوا لها فرصة لتلتفت أو تلتقط أنفاسها. الممر الضيق الذي عبروا منه، جدرانه مطلية بالرمادي، بلا نوافذ، بلا ملامح، كأنها تدخل بطن وحش معدني لا خلاص منه.
أمام غرفة مغلقة بثلاثة أقفال، توقّفوا. أخرج أحد الرجال مفتاحًا طويلًا وأدار الأقفال واحدًا تلو الآخر، كل صوت دوران كان بمثابة إعلان عن فصل جديد من المجهول. الباب انفتح، ودُفعت ندى للداخل بقسوة، ثم أُغلق خلفها على الفور، لتبقى وحدها وسط عتمة محكمة.
الغرفة كانت صغيرة، جدرانها سميكة كأنها بنيت لتكتم الأنفاس لا لتحميها، نافذة وحيدة مغطاة بقضبان حديدية سميكة لا يدخل منها سوى خيط ضوء باهت، أقرب إلى وهمٍ بصرى من كونه ضوءًا. على الأرض فرشة رثة وكرسي خشبي مائل، كل شيء فيها يشي بأنها ليست مأوى، بل محبس مقصود.
صوت خطوات ثقيلة اقترب من الباب، ثم صوته… صوت لم تحتج أن ترا صاحبه لتعرف أنه المعلم الذى يتحدثون عنه. رخيم، بطيء، يحمل نبرة استهزاء دفينة:
"وصلت الضيفة."
لم يدخل، لم يمنحها حتى رؤيته. اكتفى بالوقوف خلف الباب، صوته يتردد بين الجدران وكأنه يأتي من كل مكان:
"هترتاحي هنا شوية… لحد ما نقرر هنستفيد منك إزاي."
ثم تبع صوته صمت طويل، كأن المكان ابتلع كل ما حولها. شعرت ندى أن أنفاسها تصطدم بالجدران وتعود إليها مثقلة، وأن عقلها يصرخ أكثر مما يستطيع جسدها التعبير. جلست على الكرسي المائل، يداها ترتجفان، قلبها يضرب كمن يريد الفرار من صدرها، لكن عينيها ظلتا جافتين، كأن البكاء في هذا المكان جريمة لن تسمح لنفسها بارتكابها.
***
رن الهاتف على الطاولة المتهالكة أمام حشمت مندور، كان جالسًا في عتمة الغرفة، سيجارته تحترق ببطء في يده، دخانها يتصاعد كسحابة كثيفة تشبه أفكاره المشوشة. نظر للشاشة، الرقم مخفي. أجاب بصوت خشن، متحفز:
"مين؟"
جاءه الصوت على الطرف الآخر، واضحًا، ثقيلًا، يحمل ثقة رجل يعرف تمامًا كيف يلعب بالوقت والأعصاب:
"أنا سيد شنكل."
صمت حشمت للحظة، ابتسم ابتسامة ساخرة وهو يزفر الدخان من صدره:
"أخيرًا طلعت بنفسك يا معلم… مالكش عادة تكلم بنفسك غير لو في مصيبة."
ضحكة قصيرة انطلقت من سيد شنكل، لكنها لم تحمل أي دفء، فقط قسوة ساخرة:
"مصيبة فعلاً… بس مش عليّ، عليك إنت."
تجهم وجه حشمت، قبض على السيجارة كأنها عنق أحدهم:
"قول خلّص."
ارتفع صوت شنكل، بطيئًا، كمن يستمتع بتقطيع الكلمات:
"عندي حاجة تخصك… وهحتفظ بيها لحد ما تيجي بنفسك."
تجمدت ملامح حشمت، عقله راح يدور سريعًا… أي شيء "يخصه"؟ لا أهل، لا أحباب، لا أوراق ولا أموال… حياته كلها مجرد شظايا متناثرة لا تصلح أن تُهدد. ضحك بسخرية مريرة:
"تخصني إزاي؟ أنا معنديش في الدنيا دي حاجة تستاهل إنك تساومني بيها."
ساد صمت قصير على الطرف الآخر، ثم نبرة شنكل اتغيرت، صار كلامه أكثر حدة، أكثر إصرارًا:
"عندي البت اللى بتحبها … مسكتها ،محبوسه عندى."
انقبض قلب حشمت رغمًا عنه، ارتبك للحظة، ثم صرخ غاضبًا:
"أي بت؟!"
ضحكة أخرى باردة، ثم كلمات حاسمة:
"اسمها… ندى."
صمت حشمت مندور طويلآ، داعب عقب السيجاره التى بين اصابعه، سحب نفس طويل من سيجارته ثم ابتسم بسخريه.
"الدنيا دى صغيره اوى اوى، يحب حشمت مندور الألعاب النفسيه يجد فيها متعه تعدل مزاجه."
داعبه ذناد بندقيته الآليه وهو يتذكر تلك الفتاه التى كانت سبب فى كل مشاكله ثم همس بصوت واهن كمن يداعب برعوم زهره:
"انت مسكتنى من ايدى إلى بتوجعنى يا معلم سيد."
وكتم ضحكه كادت تخرج منه:
"عايز ايه يا معلم سيد؟"
"عايزك تيجى عندى هنا يا حشمت ذى الكل_ب زليل خاضع. تتعاقب عن كل إلى عملته مع المعلم شنكل. لازم تعرف انى انا الكبير يا حشمت وانك محصلتش حتتة عيل من صبيانى."
ثم أغلق الخط.
"كنت بتكلم مين؟"
سألته الفتاه التى كانت تراقبه بحذر.
أشاح حشمت مندور وجهه للناحيه الأخرى:
"تعملى ايه لو كان شخص بيحاول يلوى دراعك بحاجه يعتقد انها تهمك، رغم أنها لا تهمك ولا حاجه ولا تمثل لك اى قيمه؟"
صمتت الفتاه تفكر.
"انا مش فاهمه حاجه، لو هى مش تهمك هيبتذك بيها ليه؟"
أطلق حشمت مندور ابتسامه ساخره.
"ما هو ميعرفش انها بلا قيمه."
همست الفتاه.
"خلاص طالما مش تهمك هتورط نفسك ليه؟"
أطلق حشمت مندور نظره عميقه مبهمه كأنة يفكر فى فضاء بعيد عن الذى تعرفه.
"فيه قصص لازم تخلص قبل ما نبداء قصه تانيه."
ثم ابتلع كوب شاى وراح يقص على الفتاه الفلسطينيه حكاية ندى معه.
"وناوى تعمل ايه؟"
كسرت سلوان آلصمت الذى احاط بهم.
"اكيد هتسيبها؟"
دون أن ينظر إليها حشمت مندور همس.
"ربما هذة الفتاه غير مهمه، ربما هى سبب معاناتى منذ شهور وربما انا اكثر شخص يتمنى الأنتقام منها. لكنها تورطت بسببى ،وحشمت مندور مش ممكن يسيب شخص تانى يدفع تمن اعماله الحمقاء القذره."
"كويس انك عارف ان أعمالك قذره يا سيد حشمت مندور."
خاطبتة سلوان بنبره ساخره.
نهض حشمت مندور تنهد بعمق.
"الظاهر انك اخدتى إفراج يا انسه سلوان."
ثم قصد باب الشقه.
"لو كنا التقينا فى ظروف غير كده قصتنا كانت هتبقى مختلفه."
"رايح فين؟"
سألته سلوان رغم سعادتها بالتخلص منه.
"رايح انقذ البنت واخلص على سيد شنكل او يخلص عليه."
اندفعت سلوان نحو حقيبتها ،أخرجت مسدس عيار ٣٨مل وضعته فى حزام بنطالها ومسدس اخر دسته فى جيب بنطالها.
رفع حشمت مندور حاجبه.
"انتى معاكى كل الاسلحه دى وساكته من الصبح؟ لو ناويه تقتلينى معملتيش ليه كده من البدايه؟"
ابتسمت سلوان بمكر.
"كنت بستمتع بسخافتك قبل ما اخلص عليك، لكن للأسف انكتبلك عمر جديد."
خرجا من باب الشقه يسير بينهم فضول مبهم ،ما بين رغبه فى الهرب ورغبه فى القرب أكبر.
"إحنا مش هنركب مواصلات عامه ،الكماين مترشقه فى كل مكان وانا مش عايز مشاكل مع الشرطه؟"
لم ترد سلوان، صمتت طويلآ قبل أن تهمس.
"خد الطريق إلى يعجبك المهم نوصل."
لم تعجب حشمت مندور نبرة سلوان المتشككه وجد نفسه يريد أن يكسب ثقتها ان يظهر مهاراته آمام سلوان.
بعد مسيره امتدت أكثر من نصف كيلو أوقف حشمت مندور عربة كارو يجرها حمارين تحدث مع الرجل المسن الذى يقود العربه قبل أن يشير لسلوان ان تركب.
ترددت سلوان لحظه ،قبل أن تندفع قافزه فوق العربه الكارو.
جلس حشمت مندور جوار سلوان ودون سابق إنذار خلبط شعرها وبعثره ولطخه ببقايا تبن كانت على الارضيه الخشبيه قبل أن يرفع نصف شال ممزق متروك فى مؤخرة العربه ويضعه فوق عنق سلوان.
انفعلت سلوان قبضت على يد حشمت مندور بعنف وكانت على وشك توجيه ضربه عنيفه لصدره.
"ايه إلى بتعمله دا يا شخص انت؟"
أوقف حشمت مندور يد سلوان قبل أن تصل هدفها.
مال عنقه تجاه سلوان وهمس فى اذنها.
"يعنى معقول واحده ذى القمر زيك تركب عربية كارو من غير ما تثير الشكوك بشعر مكوى وخدود ذى الورد؟ انا بعمل الصالح، لازم نظهر ذى المشردين."
تنهدت سلوان بضيق.
"انت اول واحد فى حياتى يلمس شعرى يا حشمت، فى بلدى شعرى بيكون متغطى بتحجيبه. اما هنا فأنا مجبره اعمل كده."
ابتسم حشمت مندور بدا مسرور على غير العاده، كأنه غير ذاهب لمعركه قد تودى بحياته بعد قليل. فى وسط انشكاحه تلقى ضربه فى عظم جانبه الأيمن وسمع همس سلوان.
"متعملش كده تانى."
تركا العربه قبل عدت شوارع من وكر سيد شنكل كان الليل قد زحف على شوارع القاهره منذ مده.
"انتى مش مضطره تعملى كده على فكره، انتى غريبه وفى بلد غير بلدك ولو حصلنا حاجه هتتبهدلى."
"لو روحت لوحدك هتموت يا حشمت، لاازم يكون فيه شخص يحمى ضهرك، ثم مصر بلدى كمان وانا متعوده على كده."
همس حشمت مندور.
"بتعرفى تضربى نار ولا جايبه المسدسات معاكى زينه؟"
"بعد شويه هتعرف."
ردت سلوان بصرامه وهى تداعب معدن مسدسها.
***
كان البيت الكبير يغلي كمرجل يغلي فوق نارٍ لا تهدأ. صرخة واحدة أطلقتها الخادمة بأن ندى لم تعد إلى غرفتها منذ الغروب، كانت كافية لتتحول الجدران إلى جدرانٍ مرتجفة، تتناوب أصداؤها بين حجرات الطابق العلوي وأروقة الساحة الواسعة. اندفع الأبناء والأحفاد، خرج الرجال أولاً يحملون فوانيسهم، تتقدمهم خطوات الجد الثقيلة، ووجوههم تحمل ذعراً لم يعرفوه من قبل. النساء انخرطن في البكاء والنحيب، بينما كتمت النساء خوفهن في صدورهن، يبحثن في الزوايا، في غرف التخزين، حتى خلف الأبواب المغلقة.
في الخارج، كان الليل يزداد وحشة كلما توغلوا فيه. الحقول اتسعت أمامهم كصحراء من العشب، والهواء الرطب يلسع وجوههم. نادوا اسمها مراراً، أصواتهم تتهشم على صمت الليل، فترد عليهم الكلاب بنباح متقطع من بعيد. بعضهم جرى في الطرق الترابية، آخرون تسللوا بين سنابل الذرة، يشقون الممرات الضيقة بأقدامٍ متسارعة، كأن الأرض نفسها تخفيها عنهم عمداً.
عاد بعض الرجال لاهثين، يتبادلون النظرات المذعورة، وكل منهم يسأل الآخر: هل وجدت شيئاً؟ هل لمحها أحد؟ لكن الجواب لم يتغير: لا أثر لها.
عند منتصف الليل، حين بدت العائلة على وشك الانهيار من التعب واليأس، ظهر جاسم. وصل على عجل، لم يحتج إلى سؤال أو شرح، كانت نظراتهم تكفي. انضم إليهم بصمتٍ قاطع، لم يلتفت إلى شيء سوى اتجاه الحقول. حمل فانوسه، وغاص في العتمة بجوار أبناء عمومته، كأن دماء القرابة هي البوصلة الوحيدة التي تقوده.
عادوا مثقلين بالخيبة، خطواتهم متباطئة كأن الأرض نفسها تثقل أرجلهم لتمنعهم من الرجوع بلا فائدة. دخل الرجال أولاً، وجوههم مغطاة بالتراب والعرق، أنفاسهم متقطعة، والفوانيس في أيديهم صارت ألسنة نارٍ صغيرة توشك أن تنطفئ. النساء انتظرن على الأبواب، أعينهن تسأل قبل ألسنتهن: هل وجدت؟ لكن الصمت الطويل كان أبلغ من أي جواب. انطلق البكاء في زوايا البيت، صارت الجدران شاهدة على هزيمة العائلة الأولى أمام المجهول.
جلس جاسم وسط هذا الخراب الصاخب من البكاء والارتباك، لم يغادر كما كان يفعل عادة بعد كل أزمة. بقي معهم، يتأمل وجوههم واحداً واحداً، يقرأ في العيون الوجلة ما يشبه انعكاساً غريباً لقلقه الخاص. لكن حين هدأ الصخب قليلاً، وحين انشغل كل فرد بنفسه، انسحب جاسم إلى صمته الداخلي. جلس في ركنٍ قصي من الصالة، يضع رأسه بين كفيه، يحاول أن يلتقط خيطاً واحداً من بين كل تلك الفوضى.
وفجأة، قفزت صورة قديمة إلى ذهنه… ندى، في ذلك النهار الذي لم يمح من ذاكرته، حين تورطت دون قصد مع المجرم حشمت مندور. تذكر تفاصيله كأنها بالأمس: الخوف في عينيها، ارتباكها، وكيف تحولت الحكاية الصغيرة وقتها إلى ظلّ طويل لم يفارقه أبداً. كان يظن أنه طوى الصفحة، لكن الآن، مع اختفائها الغامض، بدا الأمر وكأن الماضي يعود ليطرق بابه بعنف.
أحس جاسم أن بداية الخيط ربما تكمن هناك، في تلك الحادثة التى لم تخبر بها ندى سواه. نهض ببطء، كأن قراراً ما بدأ يتشكل داخله. لم يقل شيئاً للعائلة، لكنه في قرارة نفسه أيقن أن بحثه الحقيقي سيبدأ من تلك النقطة… من عند اسم حشمت مندور.
***
عندما ظهر اسم نوح على هاتفها كادت ان لا ترد، كانت تعرفه وتعرف انه ابن عم روان وكانت تعرف أيضآ انه شاب غير سوى رغم ذلك اجابت على الأتصال.
وقفت فى جانب منعزل تستمع لنوح بصمت لأكثر من خمسة دقائق قبل أن تطلق ابتسامه ساخره حجبها ظلام الليل وتهمس.
"لو حصل يا نوح هعملك كل إلى انت عايزه."
رواية اعلنت الحرب على قلبي الفصل العشرون 20 - بقلم اسماعيل موسى
لم يكن حشمت مندور يعرف النوم، جلس الساعات الطوال في عتمة الخرابة المقابلة لوكر سيد شنكل، يتأمل الحركة حوله بعين الصقر الذي لا يخطئ.
الرجال يدخلون ويخرجون، وجوه غليظة، أصوات مكتومة، والبوابة الكبيرة التي لا تنفتح إلا لمن يعرف الإشارة.
دوّن بعقله كل حركة: الحارس الأعرج الذي لا يترك سيجارته، الكلب المربوط إلى العمود، وتلك السيارة السوداء التي لا تتوقف سوى دقائق ثم تغادر.
حين تيقن أن اقتحام المكان على غفلة ضرب من الجنون، انتقل إلى الخطة الأخرى.
الخرابة التي اتخذها مأوى مؤقتًا كانت مليئة ببقايا زجاج، صفائح صدئة، وأكياس مسحوق مجهول.
كل شيء هناك يصلح أن يتحول إلى سلاح، ألقى نظره على سلوان التي غفت لبضع دقائق ثم جلس في الركن الأعماق بعيد عنها.
أخرج حقيبة صغيرة كان يحملها معه دائمًا، بداخلها بقايا أسلاك، بطارية قديمة، وعلبة معدنية.
نظر حوله، التقط عبوة زجاجية مهملة، غسلها بماء صدئ كان يتجمع في برميل، ثم بدأ يملؤها بمزيج من مسحوق أسود كان قد جمعه من بقايا المفرقعات الشعبية التي تباع في الأسواق.
أضاف إليه مادة حارقة جلبها من محل كيماويات متهالك في شارع جانبي، يعرف كيف يسأل دون أن يثير شكوك البائع.
فتح سكينه الصغيرة، فرغ بعض أعواد الكبريت، جمع رؤوسها في كيس بلاستيكي وسحقها بعناية حتى صارت مسحوقًا ناعمًا.
خلطها مع البودرة السوداء داخل العبوة، ثم ثبت غطاءً محكمًا صنعه من قطعة قماش سميكة مسقية بالزيت كي تمنع التسرب.
أخرج بعد ذلك ساعة يد قديمة، فكّ غطاءها الخلفي، ركب سلكًا دقيقًا على آلية العقرب، وصل السلك بالبطارية، ثم ألصقه بشريط عازل إلى لمبة صغيرة انتزعها من لعبة أطفال صدئة عثر عليها في القمامة.
كان يعرف أن الضوء لن يضيء، بل الشرارة التي ستنطلق حين يكتمل الدائرة تكفي لإشعال الخليط.
جلس يراقب ما صنعه، سيجارة بين شفتيه، يزفر دخانًا كثيفًا، وعيناه نصف مغمضتين.
أيَقظها بخفة، لمسة قاسية على كتفها جعلتها تفتح عينيها على عتمة الخرابة ورائحة البارود التي ملأت الجو.
كان صوته حادًا، متماسكًا كأنه لم يعرف طعم النوم أصلًا:
ــ اصحى يا سلوان…
جلست مرتبكة، مسحت وجهها بكفها وهي تلتقط أنفاسها.
نظرت إلى ملامحه، فوجدت عينيه تلمعان بصلابة غريبة، كأنهما عينا ذئب يتحين القفز.
قالت بخفوت، وهي تلتفت ناحية الضوء البعيد المنبعث من الخارج:
ــ كم واحد جوه؟
أشعل سيجارته سريعًا، نفث الدخان دون أن ينظر إليها:
ــ حوالى عشرين راجل.
توقفت لحظة، ثم أضاف:
ــ أنا مش ناوي أذبحهم زي ما كنت بقول… كل اللي يهمني أخرج البنت. لو وقفوا في وشي، ساعتها… يبقى لكل حادث حديث.
تأملته طويلاً، كأنها لا تصدق أن الرجل الذي طالما تكلم عن الدم والانتقام يمكن أن يتراجع.
همست:
ــ يعني مش هتقتل سيد شنكل؟
ابتسم ابتسامة ساخرة، ورمى عقب السيجارة:
ــ مش الليلة دي… الليلة دي لها هدف تاني.
تقدمت خطوة، لهجتها تحمل قلقًا أكثر من الفضول:
ــ طيب… إزاي هتقتحم المكان؟ الحراسة مش بسيطة.
لم يجبها مباشرة. فقط مد يده إلى جانبه، التقط العبوة المعدنية الصغيرة التي صنعها بنفسه، ورفعها أمام عينيها.
كانت ثقيلة، يلمع على سطحها أثر الزيت الأسود.
هزها في الهواء بخفة وقال:
ــ بالانفجار ده.
شهقت، ارتدت للوراء خطوة:
ــ انفجار؟!
اقترب منها، صوته ثابت، كأنه يشرح خطة معتادة:
ــ هدّي الدنيا كلها بهدّة واحدة. أول ما يحصل الانفجار، كلهم يجروا ناحية الصوت. أنا ساعتها أتسلق من ورا، أدخل جوه… وألاقي البنت.
ظل يراقب وجهها المتوتر، ابتسامة صغيرة شقت ثغره وهو يضيف:
ــ بسيطة مش كده؟
جلست سلوان على الأرض، وضمت ركبتيها إلى صدرها. كان قلبها يخفق بعنف، ليس خوفًا فقط من الانفجار، بل من برود هذا الرجل الذي يتحدث عن إشعال الخراب كما لو أنه يخطط لفتح باب غرفة.
أما هو، فجلس قبالتها، وضع القنبلة بجواره وبندقيته على ركبتيه.
عيناه معلقتان بالظلام الخارجي، وكأنهما تلتقطان كل حركة، كل ظل، كل صوت بعيد.
ثم قال في هدوء قاتل:
ــ استعدي.
لم تكن سماء تلك الليلة صافية، بل محمّلة بثقل غامض كأنها تنتظر الشرارة.
جلس حشمت مندور في الظل، وضع العبوة بجوار الجدار الخلفي للوكر، مدّ فتيلًا بدائيًا من القماش المغموس في الزيت، وأشعل بعود ثقاب.
لحظة اشتعال الفتيل، رمق سلوان بنظرة أخيرة، همس:
ــ لما تسمعي الصوت … متتحركيش من مكانك.
ابتعد بخطوات محسوبة، كمن يرقص فوق حافة الموت.
ثوانٍ بدت دهورًا، قبل أن يشق الصمت انفجار مدوٍّ، هزّ الأرض تحت أقدامهم، تبعثر معه الغبار، وتشققت النوافذ الأمامية للوكر.
ارتفع صراخ الرجال من الداخل، هرولة متخبطة، وأصوات رصاص أُطلق في الهواء بلا هدف.
في تلك الفوضى، كان حشمت مندور قد التصق بالجدار الخلفي، جسده منحنى، يتحرك بسرعة ذئب يعرف طريقه بين الأشواك.
تسلق بعزم، قبضتا يديه تتشبثان بالبروزات الصخرية، والعرق يتصبب على جبينه.
لم يلتفت إلى الدخان الكثيف أو الوجوه المذعورة التي ركضت نحو مكان الانفجار.
داخل الوكر، كان الممر الضيق ممتدًا كأمعاء ثعبان، رائحته خانقة من عرق الرجال والرطوبة.
خطواته لا تُسمع، عيناه تلتقطان أدق حركة.
قلبه صار أكثر ثباتًا من عقله، وكأن شيئًا داخله يوجهه مباشرة.
حتى وصل إلى الباب الحديدي الصغير، المُغلق بقفل صدئ.
وضع أذنه على المعدن، التقط أنفاسًا متقطعة، ثم صوت ارتجافة ضعيفة.
ابتسم ابتسامة لا يعرف هل هي سخرية أم ارتياح:
ــ لقيتك.
أخرج أداة معدنية من جيبه، بدأ يعبث بالقفل بخفة يد محترف، والطرقات البعيدة لرجال سيد شنكل ما زالت تصرخ وتلهث في الخارج.
لم يستغرق الأمر طويلًا، حتى استسلم القفل بصرخة معدنية وفتح الباب ببطء.
في الداخل، كانت ندى جالسة في زاوية الغرفة، يديها مقيدتان، ووجهها متورم من أثر الخوف والسهر.
عيناها التقتا به للحظة، ارتبكت أكثر، لم تفهم من القادم.
هو فقط انحنى نحوها، وصوته خافت كأن الليل كله يستمع:
ــ قومي…
ــ ابعد عني انت ايه إلى جابك هنا يا مجرم؟
همس حشمت مندور:
ــ مش وقت دلع بنات وحياة أمك متحسسنيش إنك في رحلة في دريم لاند، العيال اللي بره دي مش بريئة وفي أي لحظة هيستبيحوا جسمك، إنتي فاكرة سيد شنكل معجب بصوتك هيسجلك أغنية؟
دوى الانفجار ما زال يتردد بين جدران الوكر، والغبار لم يهدأ بعد حين اندفع سيد شنكل من غرفته، وجهه محتقن، عينيه جمرتان تشتعلان.
وجد رجاله متجمعين عند الممر، يتبادلون نظرات مرتبكة، أحدهم تمتم وهو يمسح العرق عن جبينه:
ــ يمكن أنبوبة غاز انفجرت جوه المطبخ يا معلم…
لم ينتظر أن يكمل، صرخ بصوت دوّى كالسوط:
ــ أنبوبة إيه يا حمير! دا شغل حشمت مندور…
ارتج المكان على وقع صرخاته، وارتد الرجال خطوات للخلف، كأنهم أول مرة يرونه غاضبًا بهذا الشكل.
تقدّم بخطوات ثقيلة، قبضته ترتجف من الغيظ، نظر في عيونهم واحدًا واحدًا وصاح:
ــ واقفين تبصوا لبعض كده ليه؟!
ــ اطّوقوا المنطقة حالًا… مفيش ولا دبانة تخرج من هنا من غير ما أعرف!
أشار بيده بعنف، كمن يطيح بجدار وهمي أمامه:
ــ عايز كل الشوارع الجانبية، الأسطح، المزارع حوالين الوكر تبقى مليانة عيون. أي حد يحاول ينسل… اضربوا في ساعتها.
أحدهم حاول الاعتراض، صوته خافت:
ــ بس يا معلم، الانفجار كان بعيد عن…
قاطعه كلامه بصفعة دوّت، طرحته أرضًا، ثم صرخ من جديد:
ــ أنا قلتلكم دا شغل حشمت! هيفرّ من إيدينا لو فضلتوا تفكروا بالغباء ده!
ساد الصمت للحظة، والرجال يتفرقون في جميع الاتجاهات، يحملون أسلحتهم، أصوات أقدامهم تصطك بالأرض الترابية، فيما ظل سيد شنكل واقفًا وسط الممر، أنفاسه لاهثة، عيناه معلقتان بالظلام وكأنه يرى فيه خيال الرجل الذي لا يترك له ليلاً ينام.
داخل الممر الضيق، كان الغبار لم يختفِ بعد من أثر الانفجار.
حشمت مندور اندفع كظلّ أسود، جسده ملتصق بالجدار، عيناه تلمعان باليقظة يجر ندى خلفه.
دوّت أصوات خطوات ثقيلة تتسارع نحوه، وصوت صفير معدني حين شُحنت البنادق.
لم يتردد. رفع ذراعه، أطلق رصاصة واحدة صمّت الأذن، ارتطمت بمصباح معلق في السقف فانفجر الزجاج وتناثر الضوء.
غرق الممر في عتمة مفاجئة.
صرخ أحد الرجال:
ــ هناك! هناك!
اندفعوا إلى الأمام، لكنهم لم يروا سوى ظل قبل أن يهجم عليهم كعاصفة.
قبض حشمت على عنق أول رجل، ضرب رأسه بالجدار بقوة جعلت جسده ينهار أرضًا بلا صوت.
مد يده الأخرى بسرعة، خطف المسدس من يد ثانٍ وأطلق رصاصة في قدمه قبل أن يصرعه بلكمة في وجهه.
صرخ ثالث:
ــ نار! نار!
أُطلقت زخات رصاص عشوائية، الطلقات ترتد على الجدران المعدنية، الشرر يتطاير.
حشمت انبطح أرضًا حاميًا ندى بجسده، زحف كأفعى تحت الدخان، ثم انقض فجأة على أقربهم، جذب سترته وألقاه أمام رصاص رفاقه، فارتج جسده بالطلقات وسقط صارخًا.
ركض حشمت في الممر وهو يلهث، الطلقات تلاحقه من الخلف.
رصاصة مزقت طرف سترته، وأخرى خدشت ذراعه وهو يدفع ندى أمامه لكنه لم يتوقف.
عيناه على الباب الخلفي، الباب الوحيد الذي يتنفس منه الهواء البارد من الخارج.
صرخ في ندى:
ــ الباب!
عندما وصل، دفع الباب بركلة قوية فانفتح على وسعه، الليل كان بانتظاره.
سمح لندى أن تسبقه قبل أن يطلق دفعة من الرصاص تعطل مطارديه.
اندفع خارجًا، جسده يتدحرج على التراب قبل أن يستعيد توازنه ويقفز بين الظلال.
خلفه، ارتفع صوت سيد شنكل من عمق الوكر، مجنونًا بالغيظ:
ــ ما تسيبوهوش! اجرو وراه!
رجال شنكل خرجوا بالعشرات، أضواء الكشافات تتراقص على الجدران، أصواتهم تتعالى، الكلاب تُطلق من سلاسلها.
الزقاق الضيق كان كأنه فخّ، جدرانه العالية تحبس الصوت وتضاعفه، وصدى خطوات رجال سيد شنكل يقترب كقافلة موت.
حشمت مندور يجرّ ندى من يدها، نصف جسدها يكاد ينهار من التعب، بينما أنفاسه نفسها تتقطع وهو يحاول أن يدفعها للأمام.
فجأة، صفّر الرصاص من خلفهما، الشرر يلمع على الطوب المتهالك.
كادت رصاصة أن تخترق كتف ندى، لولا أن يد حشمت شدتها أرضًا قبل اللحظة الأخيرة.
وهنا… جاء صوت الطلقات من الأمام، لكن هذه المرة ليس ضدهم.
سلوان ظهرت من الظلال، مسدسيها يتكلمان بلا رحمة.
رشت الرصاص بخفة قاتلة، كأنها تؤدي رقصة حرب.
أول رجل سقط مصابًا في ساقه، والثاني ارتد للخلف وهو يصرخ، أما الثالث فاختبأ وراء برميل صدئ قبل أن تنغرز رصاصة سلوان في كتفه وتشل حركته.
صرخت بصوت حاد يخترق الفوضى:
ــ امشوا! الطريق مفتوح!
اندفع حشمت مندور وندى نحوها، بينما هي تغطيهما، تتحرك بخفة، تطلق النار بيد وتبدل المخزن باليد الأخرى كأنها وُلدت مع الحديد.
رجال شنكل تراجعوا للحظة، مرتبكين أمام دقتها وسرعتها.
خرج الثلاثة إلى شارع جانبي أوسع، الأنفاس متلاحقة والعرق يقطر من جباههم.
لم يتوقف حشمت، نظر حوله بجنون، حتى لمح أضواء سيارة أجرة تتهادى على الطريق.
ركض كالسهم، اعترض السيارة باندفاعه، ضرب غطاءها بقبضته، صاح بالسائق بعينين مجنونة:
ــ انزل بسرعة!
ارتبك السائق، تراجع خطوتين وهو يرفع يديه، ترك الأبواب مفتوحة.
قفز حشمت خلف المقود، أدار المفتاح بعنف، التفت إلى سلوان:
ــ اركبي.
رفعت سلوان حاجبها، مسدسها لا يزال يلمع في يدها.
نظرت إليه سلوان لوهلة، ثم شدّت ندى من ذراعها وألقتها داخل السيارة، قبل أن تقفز هي بجوارها، بينما المحرك يصرخ وينطلق بهم في قلب الليل.
تحرك جاسم بخطوات ثابتة داخل الأزقة الخلفية، يعرف أن رائحة الدم والخيانة دائمًا تختبئ هنا.
منذ ساعات وهو يتنقل بين أوكار المجرمين، يتقصى الأخبار عن ذلك الاسم الذي صار يطارده كظلٍّ ثقيل: حشمت مندور.
بعضهم تهرّب بالكذب، وبعضهم أغلق الأبواب في وجهه، لكن المال له سحره الخاص.
مدّ كومة من النقود لرجل بملامح شاحبة، وحينها انفرجت شفتا الرجل بمعلومة حاسمة:
ــ "مفيش غير سيد شنكل… هو الوحيد اللي يقدر يجيبلك حشمت مندور لو عاوز."
غرزت الكلمات في صدر جاسم كإبرة.
لم يتردد، تحرك مباشرة نحو وكر شنكل، لكن القدر كان قد سبقه بخطوة.
فمع وصوله إلى مدخل الحارة المظلمة، دوّى الانفجار البعيد، ثم أصوات طلقات نارية متلاحقة.
تسارعت خطواته، عيناه تراقبان الفوضى وهي تتسرب من كل زاوية.
وفي اللحظة التي خرج فيها إلى الشارع الرئيسي… لمح السيارة وهي تنطلق بسرعة جنونية.
خلف الزجاج الأمامي، رأى بوضوح وجوههم:
حشمت مندور ممسك بالمقود بعينين متقدتين، إلى جواره الفتاة التي لا يعرفها، وخلفهما ندى، شاحبة لكنها حيّة.
شدّ جاسم قبضته حتى كاد يحطم الهواء.
اندفع يجري بكل ما يملك من قوة، صرخ بالسائقين المتوقفين، لوّح بيده محاولًا أن يستوقف أي عربة.
لكن السيارة كانت قد ابتعدت بالفعل، ضوء مصابيحها يبتلعها الظلام شيئًا فشيئًا.
وقف جاسم في منتصف الطريق، أنفاسه تتلاحق، والعرق يتصبب من جبينه.
جلس جاسم في مقهى شعبي ضيق، الطاولات المعدنية متآكلة، والدخان يملأ الجو كستار باهت.
فنجان القهوة أمامه برد منذ زمن، لكن عيناه كانتا معلقتين بالصحيفة التي بين يديه.
على الصفحة الأخيرة، صورة واضحة لرجل يعرفه جيدًا… حشمت مندور.
أسفل الصورة عنوان بالخط العريض:
"ابحث مع الشرطة… المتهم بتفجير مبنى سكني هارب من العدالة"
تأمل جاسم الملامح القاسية في الصورة.
لم تكن مجرد صورة لرجل مجرم، بل مفتاح اللغز الذي يحاول فكّه منذ أيام.
قلب الصفحة بهدوء، ثم أخرج هاتفه المحمول القديم من جيبه واتصل برقمٍ محفور في ذاكرته.
ــ "الو، يا باشا… أنا جاسم. قلتلك قبل كده، أنا مش بدور على مندور عشان الشرطة، أنا عايز بنت عمي… ندى."
جاءه صوت الضابط مترددًا، كمن يخشى أن يُسمع حديثه:
ــ "بص يا جاسم، الموضوع مش بسيط… شنكل دخل على الخط، والراجل قدر يستميل ناس تقيلة جوه المديرية. كل حاجة دلوقتي مربوطة بحشمت، والاتهامات بتتكبّ عليه كأنه هو الشيطان الأعظم."
ضغط جاسم بأسنانه، تخللت نبرة صوته حدّة واضحة:
ــ "أنا يهمني البنت، مش لعب السلطة."
صمت الضابط لحظة، ثم قال هامسًا:
ــ "خليك حذر يا جاسم.
الدنيا مقلوبة على حشمت مندور والشرطة هتجيبه حتى لو كان في القمر ولو بنت عمك معاه هنلاقيهالك لكن فيه حاجة محيراني في الموضوع، انت قلت حشمت مندور خطف بنت عمك لكن المعلومات اللي وصلتني إن حشمت مندور أنقذ بنت عمك من بيت سيد شنكل."
أغلق جاسم الخط، أسند ظهره إلى الكرسي الحديدي البارد، ورشف أخيرًا من فنجان قهوته.
كان الطعم مرًّا، تمامًا كالخطة التي تتشكل في ذهنه.
رفع عينيه نحو الجريدة مرة أخرى.
صورة حشمت لم تعد مجرد صورة مجرم مطارد… بل صارت خيطًا متشابكًا بين ندى وبينه.
تنهد جاسم وقال بصوت خافت:
ــ هو إنت إيه حكايتك يا حشمت يا مندور؟
قاد حشمت مندور السيارة بخطٍ متعرج في شوارع جانبية لا يعرفها إلا هو، كأنه يسلك متاهة يعرفها عن ظهر قلب.
كان الليل قد أحكم قبضته على القاهرة، والأنوار المتفرقة من أعمدة الإنارة تكشف ملامح ندى المرتبكة في المقعد الخلفي.
يدها ما زالت ترتجف، وعيناها زائغتان بين الزجاج الأمامي والنافذة.
بعد رحلة طويلة، انعطف إلى بوابة حديدية ضخمة صدئة، طرق ثلاث مرات بنغمة محددة، فانفتح الباب ببطء كاشفًا عن منزل محصن وسط خرابة قديمة.
أسوار عالية، شبابيك مسدودة، وكأن المكان ليس للسكن بل للحصار.
توقفت السيارة، ونزلت سلوان أولاً.
مدت يدها لتفتح باب ندى، بابتسامة صغيرة أرادت بها أن تهدئ خوفها:
ــ تعالي…
دخلوا معًا إلى الداخل. المكان رغم حصانته لم يكن مريحًا: جدران عارية، أثاث متواضع، بندقيتان مسنودتان على الحائط، ورائحة دخان سجائر تملأ المكان.
جلست ندى على كرسي خشبي وهي ما تزال في حالة صدمة، بينما جلست سلوان قبالتها، تراقب ملامحها عن قرب.
ــ سلوان، بهدوء: "أنا اسمي سلوان… فلسطينية. الظروف جمعتنا سوا. متخافيش، مش إحنا اللي خطفناك."
أومأت ندى بصمت كانت ترى سلوان لأول مرة لكنها تعرف أن فتاة طيبة رغم ذلك ظلت ملامحها متحفزة.
نظرتها كانت تبحث عن تفسير، عن سبب، عن ضمانة.
تركهم حشمت مندور يثرثرون وخرج إلى الطريق مما سمح لندى أن تعرف القصة كاملة من سلوان.
هنا ظهر حشمت مندور، يمسح يديه من بقايا الزيت بعد أن راجع بندقيته.
جلس على حافة الطاولة، نظر مطولًا إلى ندى قبل أن يقول بصوت منخفض:
ــ "إسمعي كويس يا استاذه… مش قصدي أجرك في اللي بيحصل، لكن لازم تعرفي الحقيقة. وجودك في وسط كل ده مش صدفة."
رفعت ندى عينيها نحوه بفضول، فاقترب قليلًا وأكمل بحدة محسوبة:
ــ "اللي طلب خطفك وقتلك مش شنكل لوحده… في حد تاني دفعله عشان يخلص عليك."
صمت لحظة، كأنه يختبر صبرها.
ــ "نوح… . دفع مبلغ ضخم لسيد شنكل عشان يصفّيك."
شهقت ندى، وضغطت يدها على صدرها.
أشعل حشمت سيجارته، نفث دخانها ببطء، ثم قال ببرود:
ــ "المعلومة دي بيني وبينك… إنتي هترجعي بيت جدك… وأنا هسلمك بنفسي. لكن قبل ما ترجعي، احفظي الكلام ده جواكي، لحد ما ييجي وقته."
أما سلوان، فظلّت تراقب الموقف بصمت ومع كل لحظة تحاول أن تبعد ذلك الشعور المهتم بحشمت مندور.