كنت أنتظر تلك اللحظة التي ينتهي فيها الخلاف بـ جملة "علاقتنا وبقاؤنا مع بعض أهم من أي خلاف بينا" بينما كنت تجاهد أنت لتثبت أنني الطرف المذنب، كنت أعاتبك بـ قلبي ولم أنتظر منك إلا اللين، وكنت تعاتبني بـ عقلك ولم تنتظر مني إلا الهزيمة أمامك. قبل ساعتين من اختطاف الطفل اقتربت من فراش صغيرها، حملته بين ذراعيها. "حبيب مامي زعلان ليه؟ انت جعان.." وضع الطفل أصابعه بفمه وبكى بصوته الطفولي.
ضمته إلى صدرها وبدأت تتمتم له بعذوبة صوتها، ثم جلست تطعمه. غفى بعد رضاعته، وضعته بمهده وظلت تشدو له بصوتها الناعم. وصل وتوقف لدى الباب يستمع لصوتها المبهج لروحه. شعرت بوجوده، ولكنها ظلت كما هي. خطى إلى أن وصل إليها وجلس بجوارها ينظر لطفله، لأول مرة يدخل غرفته، بعد شهر من ولادته. وضع كفه على خصلاته الناعمة التي تشبه والدته كثيرا. "حبيب بابي مزعل مامي ليه" ثم انحنى يطبع قبلة على جبينه.
رفعت نظرها مذهولة من وجوده، ارتجف جسدها عندما اقترب وحاوطها بذراعيه. "وحشتيني مولاتي." رفعت يديها تمررها على وجهه وهي تناظره بأعين مشوشة بدموعها المتحجرة وهمست بصوتا مختلطا بالبكاء. "راكان... امسك كفيها وطبع قبلة مطولة عليه، ثم عانقها بنظراته. "روح راكان مولاته... " قالها ثم جذبها يعتصرها بأحضانه. "آسف حبيبي.. ليلى أنا اتذكرت كل حاجة." خرجت من أحضانه وعبراتها انسابت بغزارة تبتسم من بين دموعها هامسة.
"الحمد لله.. الحمد لله." كررتها عدة مرات، ثم توقفت فجأة تطالعه بتساؤل. "امتى اتذكرت امتى؟ احتضن كفيها بين راحتيه، ورفع بصره إليها. "يوم ولادتك." جحظت عيناها تسحب كفها من بين راحتيه، ثم سألته بعدم فهم. "قصدك شهر؟ فاكر عذابي من شهر ورغم كدا سبتني أتألم وأتعذب.. شهر ياراكان، هونت عليك وانت شايفني بموت من بعدك وانت واقف كدا." تراجعت بجسدها بعيدا عنه، وكلامها شق صدرها، حتى شعرت بعدم قدرتها على الحركة.
اتجه إليها وحاوطها بأحضانه. "حبيبي اهدي." رفعت نظرها وهمست. "اهدى.. بتقولي اهدي؟ " ارتفعت دقاتها كلما تذكرت يوم ولادتها. "أنا كنت بموت ومكنتش محتاجة غير حضنك." رفعت كفيه تضعها على وجنتيها وأردفت بصوت مبحوح بالبكاء. "كنت محتاجة دي تربط على قلبي، كنت محتاجة همسة منك تقولي أنا جنبك حبيبتي، بس انت عملت ايه."
نهضت كعصفور مكسور الجناح، ظلت للحظات تطالعه بأنين قلبها ثم توقفت تدور حول نفسها كالمجنونة وهي تشعر بفوهة بركانية بصدرها ستنفجر وتحرقها كاملة. نهض وتوقف أمامها لحظة وهي ترمقه بغضب وخذلان بنفس الوقت، حتى توقفت جميع حواسه حتى عجز لسانه عن صياغة الحروف. حاوطها بذراعيه ونظراته إليها نظرات متألمة على حالتها. أشارت بكفيها له بالبعد.
"لا ياحضرة المستشار مفكرني هسامحك زي كل مرة، المرة دي وجعتني اوي. لا تعلم أي جرم ارتكبته ليحرقها بتلك الطريقة." دنت تنظر إلى عيناه مباشرة. "أنا كنت بين الحياة والموت وانت هنا، قافل على نفسك ومحاولتش حتى تيجي لي وتطمن عليا، محاولتش تضحك عليا حتى لو بكلمة وتقولي ليلى اتمسكي عشان ابننا." تراجعت إلى فراش ابنها. "دا اتولد وملقاش أبوه جنبه يحضنه ولا يسميه، دا ذنبه ايه؟
قولي ياحضرة المستشار ازاي جالك قلب ترتاح وانا بموت هنا." وصلت إليه وبدأت تلكمه بصدره. "قولي ياحضرة المستشار بأي حق جاي تقولي الولد دا ابنك، ايه دليلك لدا." تعمقت بعيناه والامتعاض باد على ملامحها. "اياك تقرب مني ياراكان، اياك سمعتني، وخليك عايش في دور الأهبل ال فاقد الذاكرة." دنت ورفعت نفسها تهمس بجوار أذنه. "ليلى ماتت لما سبتها بتنزف في المستشفى، روح دور عليها هناك."
صمتا مريبا مشحونا بأنفاسهما المرتفعة ونيران صدرهما التي شقت بسبب ما قالته وما فعله. اتجه إليها ثم جذبها بقوة يحاوط خصرها بقوة واضعا رأسه بخصلاتها. "غصب عني حبيبي." ارتعش جسدها بالكامل من همسه وانفاسه التي بدأت تضرب عنقها. همست بتقطع عندما فقدت سيطرتها. "ابعد لو سمحت." اغمض عيناه يهز رأسه وظل كما هو وتحدث. "ليلى أنا كنت بموت اوعي تفكري بعدك عني كنت قادر اتحمله، انا محستش بالحياة إلا لما رجعتي البيت."
رفع نظره واحتضن وجهها. "أنا روحتلك المستشفى مرتين، قبل ماتولدي وبعد ماولدتي بيوم، مكنش المفروض احسس حد اني اتذكرت." انزلت كفيه وتراجعت تزيل دموعها ثم هزت رأسها. "عايزة اقعد لوحدي لو سمحت." بتر حديثهما عندما دلفت والدته. وزعت نظراته بينهما ثم نظرت الى ذراع ابنها الذي يضم ليلى. "راكان بتعمل ايه هنا؟ اول مرة تدخل هنا." اتجهت ليلى بنظرها إليها بعدما ابتعدت حصاره.
"معلش ياماما أصل حضرة المستشار بيمشي وهو نايم ودخل الاوضة بالغلط." "ليلى." قالها وهو يجز على أسنانه. ثم سحبها للخارج. "تعالي لازم نتكلم." اتجهت والدته تنظر بغموض. "انت اتذكرت ياراكان؟ قطع حديثهما صوت انفجار سيارة بالاسفل. اتجه إلى النافذة ينظر بالخارج. صاحت والدته باسم زوجها. "ابوك تحت يابني." اتجه مغادرا إليه، ولكنه توقف لدى باب الغرفة. "ماما خليكي مع ليلى." رفع بصره إليها. "متخرجيش شوية وهرجع." ثم هرول إلى الأسفل.
ظلت تذهب إيابا وذاهبا بالغرفة لبعض الدقائق. هزت رأسها وتحركت. "لا لازم انزل اطمن عليه، مش هقدر استنى هنا ومعرفش عنه حاجة تحت." تحركت سريعا للأسفل وخلفها زينب عندما استمعوا الى طلقات نارية. هرولت تبحث عنه في الأرجاء. وجدته متجها بسلاحه لأحد امنه. "شوف في ايه ومين ال ضرب الحارس، اتحركو." اتجه إلى والده. "بابا حضرتك كويس؟ أوما اسعد واجابه. "العربية ولعت ليه يابني، ازاي وهي جديدة." تجمع الجميع بحديقة القصر.
"راكان انت كويس." قالتها ليلى بلهفة وهي تنظر إلى أنحاء جسده. ضمه وهو يومئ برأسه. "كويس حبيبتي، خليكوا هنا هشوف الحارس مات ولا ايه." أمسكت كفيه وتلألأ الدمع بعيناها. "قلبي وجعني خد بالك من نفسك." طبع قبلة على جبينها وربت على كتفها ينظر إلى والدته وسيلين التي وصلت بجوار سارة. "ادخلوا جوا، لما اشوف ازاي قدروا يدخلوا القصر." قالها وتحرك متجها إلى غرفة أمنه. "ليلى هو راكان رجعتله الذاكرة." تسائلت بها سيلين.
كانت عيناها تراقب تحركه في كل الأنحاء. قلبها يؤلمها بشدة. تحركت متجهة إليه. امسكتها سيلين. "حبيبتي اهدي هو في وسط امنه، وقدامنا اهو." "قلبي وجعني ياسيلين، حاسة فيه حاجة هتحصل." جذبتها سيلين متجهة للداخل. "متخافيش حبيبتي انا عارفة إنك معذورة بعد ال حصل، بس مقولتيش راكان راجعتله الذاكرة." أطبقت على جفنيها ثم نظرت إليه وهو يتحدث مع أحد الرجال. "لسة معرفني دلوقتي بعد تلات شهور شوفت فيهم وجع سنين."
ضمتها سيلين بعدما انذرفت عبراتها وتربت على ظهرها. "حبيبتي عارفة والله انك اتحملتي كتير." أزالت عبراتها وتحركت قائلة. "أنا تعبانة هروح اغير الفستان دا وارتاح." قالتها بعدما وجدته متجها إليهم مع والده وهو يتحدث بهاتفه.
صعدت للأعلى ثم اتجهت إلى غرفتها وقامت بتغيير ثيابها. جلست أمام المرآة تتذكر حديثه منذ دقائق. استمعت إلى ضرب نار مرة أخرى بالخارج. خرجت متجهة إلى الخارج بعدما استمعت الى صوت بكاء طفلها. نظرت إلى غرفته وجدت بابها مفتوحا واحدا ما يقفز من النافذة. رعشة قوية أصابت جسدها كصاعقة كهربائية مما جعلها تسرع إلى الأسفل بقدميها الحافيتين وخصلاتها التي تمردت على وجهها، ناهيك عن ثيابها المنزلية. أسرعت حتى وصلت إلى مخرج القصر وهي تبحث بعينها وجدته يقفز من فوق السور في وقت يتبادل به الجميع ضرب النيران مع مجهولين بالخارج. هرولت للخارج حتى وصلت البوابة الرئيسية وهي تصرخ باسم ابنها مرة واسم زوجها مرة.
دقائق وتوقف ضرب النيران. وصلت إلى الخارج بدلوف يونس بسيارته الذي نظر بصدمة إلى حالتها الهسترية من صراخاتها المجنونة وثيابها ماهي إلا منامة شفافة. ترجل من سيارته سريعاً حتى لم يغلقها واتجه خلفها يناديها. صرخت وصرخت عندما وجدت الرجل يحمل طفلها ويستقل السيارة. "راكاااااان.." صرخة شقت بها سماء المكان بليله الساكن. استمع إلى صراخها وكأن أجهزة جسده توقفت عن العمل يحاول أن يفهم مابها.
اتجه بنظره إلى البوابة وجد يونس يتجه للخارج وينادي باسمها. لونت الصدمة تقاسيم وجهه. لحظات كانت كفيلة بتصنم جسده عندما رآها من بعيد وهي تسرع كالمجنونة. أسرع خلفها ودقات قلبه تخترق صدره. توقفت السيارة عندما اقتربت منها وهي تشير بيديها، قائلة: "ابني.." ظهر بوضوح وهو يصرخ باسمها واسم رئيس حرسه. حتى هرولت السيارة مغادرة المكان سريعاً. بكت بصراخ وهي تسرع خلفها حتى أنهكت وجثت ساقطة على ركبتيها تتمتم بصوت متقطع.
"ابني.. خطفوا ابني.." وصل يونس إليها، خلع جاكيتيه يضع على أكتافها محاولاً مساعدتها على الوقوف. "مدام ليلى.. قومي هنعرف مين دول.." نظرت إلى مكان السيارة. "ابني.. ابني.. خطفوا ابني.." وصل راكان إليها يهمس باسمها. "ليلى.." بكت بصوت مرتفع عندما استمعت إلى صوته، ولم تقو على النظر إليه. ظلت كما هي بجسدها الذي تسربت البرودة إلى أعضائه، ولم تشعر بشيء سوى صورة ذاك المجرم وهو يحمل ابنها ويشير عليها بأن تأتي.
"يونس.. ايه اللي حصل؟! تسائل بها بلسان ثقيل وهو يخطو ببطء كأنه يتحرك على سيف مدبب بعدما رأى حالة ليلى. هز رأسه بعدم معرفة، ولكنه توقع خطف الولد. وصل راكان إليها. "ليلى.." قالها عندما حاوطها للوقوف. "ايه اللي حصل حبيبتي؟ هنا فاقت من صدمتها ونهضت تلكمه بصدره بكل ما أوتيت من قوة.
"ابعد.. مالكش دعوة.. انت السبب.. انت السبب.. الولد دا مالكش فيه حاجة.. دا ابني أنا.. أنا لوحدي اللي اتحملت العذاب فيه.. مالكش تسأل في أي حاجة." ارتجفت أوصاله وابتلع ريقه بصعوبة محاولاً إبعاد ما فهمه. حاوطها بذراعيه ينظر ليونس وانسابت دمعة من عينيه عندما تلاشت قوتها وهي تهمس باسم ابنها. "ابني.. عايزة ابني ياراكان.. خطفوا الولد.. ابني.." قالتها وغمامة سوداء تحاوطها حتى سقطت مغشياً عليها بين ذراعيه.
أطبق على جفنيه وهو يحملها ويضمها إلى صدره، ويصرخ بحراسه. "الحقوا العربية بسرعة.. عايزها من تحت الأرض." اتجه بها يضمها إلى صدره، وجسده عبارة عن كتلة نارية تريد أن تلتهم ما يقابلها. وجد الجميع بالأسفل ينتظرونهم. أسرعت سيلين إلى يونس. "ايه اللي حصل؟ هز رأسه بحزن على ليلى وراكان الذي تخطاهم ولم يرد على أحد، فكان حزنه وألمه كافياً لهدم الكون بما فيه. وصل إلى غرفته، وضعها بهدوء على الفراش، وبدأ يفوقها باستخدام روائحه.
"حبيبتي.. فوقي.. ليلى.. حبي.. افتحي عيونك ياروحي.." رمشت بعينيها وبدأت تفتحها بتمهل. وصلت زينب وسيلين اللتان ظهر على وجههما الحزن والألم معاً. جذبها لأحضانه، وأطبق على جفنيه يقاوم ألم روحه بما يصير معه. حاوطت خصره تهمس له. "راكان.. عايزة أنام.. سبني أنام وخلي بالك.." توقفت عن الحديث فزعة تدفعه. "زين.. فين زين؟! نهضت سريعاً من فوق الفراش وأسرعت إلى غرفة رضيعها، تبحث بالغرفة كالمجنونة. "ابني فين.. زين فين؟!
وصلت زينب وسيلين إليها يجذبوها. "ليلى.. حبيبتي.. اهدي.. راحوا يجيبوه." "يجيبوه.. يجيبوه منين حضرتك مصدقة كلامك؟! ونظرت لأشيائه تضمها وتستنشقها. "انت فين يا قلب ماما.. ما لحقتش أشبع منك ياروحي." هوت على الأرضية تحتضن أشياءه. "حبيبي كدا تسيب ماما.." بكت بشهقات مرتفعة. "ابني بيعيط ياماما.. ابني عايز يرضع." كان بغرفته واضعاً رأسه بين راحتيه. انسابت عبراته بكثرة عندما فقد السيطرة من حالة زوجته المدمية للقلب.
نهض بجسد سلبت روحه واتجه إليها بعدما فقدت والدته السيطرة على بكائها. وصل إليها. "حبيبتي.. قومي معايا ياليلى متقعديش كدا.. وبطلي عياط.. الولاد نايمين." نظرت بعينيها المغشية بالدموع. "هاتلي ابني ياراكان.. أنا عايزة ابني.. بيعيط ياراكان.. والله بعيط.. أنا سامعة صوته." ضمها بقوة لصدره ولم يتحكم بدموعه التي أغرقت وجهه. ضمها ثم رفعها وتوقف متجهاً إلى غرفتهما. "ابعتي ليونس ياسيلين.. خليه يدلها مهدئ.."
أومأت وقامت بمهاتفة زوجها. وضعها بحنان على الفراش، يجذب الغطاء عليها. دفعته بغضب وصرخت به. "إياك تقرب مني.. انت مالكش دعوة بيه.. هو مش ابنك أصلاً.. مش دا كلامك.. كل اللي بيحصلي بسببك انت.. امشي من وشي.. مش عايزة أشوف وشك.. خليك ساكت علينا وقول إنك مش فاكر حاجة.." اقتربت وغرزت عينيها الباكية بمقلتيه المتألمة. "خبيت علينا عشان إيه.. مش عايز تفهمني عشان تحمينا.. أهو ابنك اتخطف من بيتك في وسط حرسك بوجودك كمان."
دفعته وصرخت كالمجنونة. "عملت إيه.. قولي عملت إيه وهم بيخطفوا ابني.. أنا اللي تعبت فيه.. خمس شهور وأنا بموت بيه وبحارب في كل الجهات وأنت عامل ولا كأنك تعرفنا." اقترب منها. "ليلى.." وضعت كفيها على أذانها وصاحت صارخة. "مش عايزة أسمع صوتك.. عايزة ابني.. ابني وبس.. امشي من قدامي." نزلت كلماتها القاسية كالصاعقة تفتت قلبه إلى أشلاء، حتى جعلته غير قادر على التنفس، وشحب وجهه بالكامل.
اقتربت زينب بعدما وجدت حالة ابنها المتألمة، وضمتها بين أحضانها. "تعالي ياليلى.. بلاش تقولي كلام حبيبتي وتندمي عليه.. أنت موجوعة." بكت بشهقات مرتفعة. "أنا مش موجوعة ياماما.. أنا بموت.. خلي ابنك يرجعلي ابني ياماما." وصل يونس إليهما. أشارت زينب بهدوء إليه. "تعالي ياليلى.." قالتها زينب وهي تجذبها إلى فراشها، ساعدتها على التسطح. اتجه يجذب ملابسها واوقف والدته. "استني ياماما.. لبسيها ده.."
أخذت إسدالاً لها وساعدتها بإرتدائه. ثم دثرتها طابعة قبلة على جبينها. "حبيبتي.. ارتاحي.. ابنك هيرجعلك.." اتجه يونس إليها وقام بحقنها وهي تهذي. "عايزة ابني ياراكان.. هاتلي ابني.. رجعلي روحي ياراكان." خرج الجميع من الغرفة، وظل هو واقفاً ينظر إلى ملامحها الشاحبة بحزن. ود لو يصرخ من أعماقه بكل ما أوتي من قوة على ما يشعر به من تفتت روحه. اتجه بخطوات سلحفية وهو يرسمها بعينيه ثم جثى أمامها واضعاً رأسه بعنقها.
"سامحيني ياليلى.. سامحيني حبيبتي.. أوعدك هرجعلك ابننا." رفعت كفيها الذي بدأ بتخدّره بسبب مفعول المهدئ ووضعت على وجنتيه. "حبيبي.. عايزة زين.. عارفة إنك هتجيبه.. روح هاتلي زين ياراكان.. هاتلي ابننا." طبع قبلة عميقة على جبينها ثم نظر لعيناها. "حاضر ياليلى.. هرجعلك ابننا.. حتى لو كلفني حياتي.." انسابت عبراتها تهز رأسها رافضة حديثه. "عايزاكم انتوا الاتنين.. عايزاكم انتوا الاتنين.." قالتها ثم ذهبت بسبات عميق.
تحرك للخارج سريعاً، وقام بمهاتفة جاسر الذي كان يغفو على الأريكة. استمعت جنى إلى صوت هاتفه، تحركت إلى الخارج. "جاسر.." فتح عيناه، ثم هب فزعاً ينظر إليها. "فيه حاجة.. تعبانة؟ هزت رأسها بالنفي فنظرت إلى هاتفه. "تليفونك كان بيرن.." مسح على وجهه، بعدما تنفس بهدوء. "اقعدي عشان مدوخيش تاني.." جلست بجواره، نظر لتلك الكانولا التي مازالت بكفيها ثم أردف. "ربنا هيبعتلك دلوقتي عشان تاخدي دواكي.." ابتسمت له.
"متخافش عليا.. أنا كويسة.. وشوية وهروح بيتنا بس مستنية عز لحد ما يرجع.." وصل جواد متجهاً إليهما. "جاسر.. انت لسة هنا.. مروحتش ليه يابني.." أشار على الأريكة. "نمت يابابا وماحستش بنفسي.." ثم اتجه بنظره إلى جنى التي اختفت بأحضان جواد وأكمل. "مكنش ينفع أمشي قبل ما أطمن على جنى.." طبع جواد قبلة على رأسها واجابه. "جنى زي الفل ياحبيبي.. روح انت عشان مراتك دلوقتي قلقانة عليك." قاطع حديثهما رنين هاتفه.
ابتسم جواد وأشار إلى الهاتف. "شفت.. قولتلك زمانها قلقانة.. ومتنساش إنها حامل." أومأ برأسه، وجذب هاتفه ولكن توقف ينظر إلى والده. "دا راكان البنداري.." ضيق جواد عيناه، متسائلاً. "راكان.. دلوقتي الساعة اتنين؟ أجابه جاسر. "أيوة.. يا حضرة المستشار." "تمام.. مسافة السكة وهكون عندك.." "متحاولش تعمل حاجة لحد ما أوصل.." انتظر جواد حديثه. "ابنه اتخطف من بيته.."
أطبق جواد على جفنيه وتألم قلبه عندما تذكر خطف غنى ثم تنهد بحزن قائلاً. "مش هيسبوه.. فهمته قبل كده.. وادي النتيجة." قطب جبينه وتسائل. "ليه عايزين منه إيه.. مش اتحكم في القضية.. وكمان هم مفكرين إنه لسه فاقد الذاكرة؟ ربت جواد على كتفه. "خد بالك من نفسك.. عشان هما عايزين يبعدوك عن القضية.. لازم تشك في كل اللي حواليك.. بلاش تتهور ياحبيبي.. عارفك ساعات بتتهور.. دول مجرمين ياجاسر.. والدم عندهم زي المية."
تحرك مستديراً إلى الخارج. "حضرتك اللي بتقول كده يا حضرة اللوا.. دي أمانة لبلدي.. غير وظيفتي.. ومسؤولية وعهد علينا يا حضرة اللوا.." أسرعت خلفه بخطواتها الثقيلة بسبب مرضها. "جاسر.." توقف مولياً ظهره للحظات ولكنه استدار عندما استمع لصوت بكائها. "خد بالك من نفسك.. خاف على نفسك وبلاش تتهور.. وفكر في اللي بيحبوك.." تراجع إليها وجذبها لأحضانه لاغياً كل شيئاً. كور جواد قبضته بعنف بعدما تأكد من ظنونه.
استمع لشهقاتها بأحضانهم وهمسها. "لو حصلك حاجة ابنك هيتيم.. خليك فاكر إن فيه ناس ممكن تموت لو حصلك حاجة." أخرجها من حضنه وضم وجهها. "أي يابت ياجنى بقيتي درامية ليه كدا.. بابا مشاعره الأبوية هي بس اللي خلته يقول كده.." رفع نظره إلى والده الصامت وتسائل. "مش كده يا حضرة اللوا؟ اقترب منهما، يجذب جنى لأحضانه. "صح يابابا.. روح شغلك عشان متتأخرش.. أختك مندَفعة شوية.. مش كده ياجنى." أومأت دون حديث وتحركت إلى الداخل.
انحنى يهمس لها بجوار أذنها. "هاجي بكرة.. اياكي مش ألاقيكي.. وخفي من شركة الراجل أبو عيون زرقا ده.. بغير منه ياجنجنون." قالها وتحرك متجهاً للخارج. احتضن جواد وجهها. "لدرجة دي بتحبيه يا بابا؟ وضعت رأسها بأحضانهم وهمست. "عمو جواد.. اتصل ببابا عايزة أكلمه.. وحشني أوي.. مش المفروض يرجعوا؟ ضمها متجهاً بها إلى الأريكة. "بتهربي من أبوكي ياجنى.. مش إحنا بقينا أصحاب.. وهتقولي لصاحبك كل حاجة." وضعت رأسها بأحضانهم.
"أنا تعبانة وعايزة أنام يا عمو.. ممكن." خرج جاسر متجهاً إلى قصر البنداري بعدما اتصل بباسم. "عمو باسم.. ابعتلي قوة لقصر البنداري.. ابنهم اتخطف." عند راكان استقل سيارته بعد اتصال حرسه. "العربية كانت قدامنا ياباشا بس فجأة اختفت." "ابعتلي اللوكيشن.." ثم قاد السيارة بسرعة جنونية والغضب يعمي بصره وبصيرته. كلما تذكر حالتها يشعل بنار تغلي بأوردته. منظر دموعها وحزنها ورجفة جسدها.
ناهيك عن صوت ابنه الذي يصم أذنيه يتغلغل بأعماقه وكأنه نصل سكين في أنسجة قلبه ليدمي على طفله. "حمزة.. فوق كدا واسمع اللي هقوله.." اعتدل حمزة من نومه يمسح على وجهه. "ايه ياراكان.. فيه إيه؟! لم يتمالك نفسه واردف بصوت مختنق. "خطفوا ابني ياحمزة.. قابلني على النيابة.. وأنا هشوف الأمن وصل لإيه." "تمام ياراكان.. ربع ساعة وهتلاقيني في النيابة." وصل بعد قليل إلى المكان المنشود. "العربية هنا اختفت ياباشا.."
نظر إلى مفترق الطرق.. أرجع خصلاته بغضب كاد أن يقتلع خصلاته. وصل جاسر إليه. "فيه إيه.. وصلت لحاجة؟ استند على سيارته وأطبق على جفنه متألماً. "إزاي اخترقوا أمني.. هتجنن.. دا واحد تبعهم وعارف بيعمل إيه كويس." "تفتكر دا شغل مين يا ترى؟ فرك جبينه وعقله كاد أن يذهب منه. "دا شغل عايدة وأمجد.. متأكد.. متخرجش غير منهم.. بس ليه يخطفوا الولد.. دا مفيش غير حاجة واحدة.. يا إما يساوموني على حاجة كبيرة."
"المهم لازم تحقق مع فريق الأمن كله ياجاسر.. وأكيد هنوصل لحاجة." ربت جاسر على ظهره. "طيب.. اهدى.. عشان العصبية دي مش هتوصل لحاجة بيها." كيف يهدأ وشعور بالندم يفترس قلبه دون رحمة. تحرك إلى سيارته، كالطفل الذي يتعلم السير. استقل السيارة وظل جالساً بها لفترة. ذهب بذكرياته لذاك اليوم. فلاش باك قبل شهرين. توقف يونس أمامه بعدما حجز ليلى بالعناية.
"راكان.. مراتك اتحجزت في العناية.. نبضها ضعيف.. والجنين حالته خطرة.. وممكن نفقد حد من الاتنين." سحب نظره بعيداً عن يونس، وظل كما هو، ثم تحدث. "يبقى نصيب.. يا يونس.. سواء الولد ولا هي.. يبقى نصيبها كده." صاعقة أصابت يونس كصاعقة برق الشتاء. فجلس بجواره ينظر إليه بعتاب. "دي ليلى حبيبتك يا ابني.. انت عارف يعني إيه ليلى لراكان؟ تراجع بجسده واغمض عينيه.
"قصدك اللي دمرتني.. وموتت أخويا.. ولا قصدك اللي حرقت قلبي يايونس.. ولا قصدك اللي بعتلي ليلة وحملت في كيان." "هي دي ليلى يايونس.. ليلى اللي وقفت قدامي وقالت هتجوز أخوك وأشوفك وأنت بتتألم كده." كور قبضته وتحولت عيناه للون الأحمر وتحدث بهسيس. "دي عايزة أموتها بإيدي عشان أبرد ناري." حبس نفسه بداخله الذي تحول كجمرات حارقة كادت تحوله إلى بركان مشتعل. "مش عايزها ولا عايز الولد اللي في بطنها." أمسكه يونس من أكتافه.
"راكان.. الدنيا اتغيرت بينكم.. معرفش إيه اللي حصل.. بس اللي أعرفه إنك أنت وليلى بقيتوا روح واحدة.. هي بتحبك بجنون.. وأنت كمان بتعشقها.. ومبتستحملش عليها حاجة." "كذب يايونس.. لو زي ما عشته يبقى كده.. ليلى أفقدتني الثقة بنفسي.. داست على رجولتي وعدت.. دي راحت اتجوزت أخويا وهي عارفة ومتأكدة أنا بحبها." هز رأسه رافضاً حديثه.
"أنت بس ناسي ياراكان.. متحاولش تعاملها بالماضي.. دول أكتر من سبع سنين ياراكان.. فيهم حاجات كتير مريتوا بها." نهض وصاح بغضب يشير بسبّابته. "مهما اللي حصل.. دي موتت أخويا.. تقدر تجاوبني سليم مات إزاي في حادثة.. وأنت عارف إنه سواق ماهر.. نسيت مسابقاته كلها في السواقة؟ جحظت أعين يونس وتوقف. "لا.. ليلى مالهاش ذنب.. صدقني.." دفعه راكان بقوة.
"اخرس يلا.. بتدافع عن واحدة خاينة.. حتى ولو دي واحدة اتجوزت أخو جوزها بعد ما جوزها مات.. وكمان عملت علاقة.. مفكرتش تحزن عليه." وضع يونس كفه على فمه وسحبه بعيداً عن حديقة المستشفى. حتى وصل إلى غرفته بالمستشفى. دفعه وصاح بصوت غاضباً. "لا.. دا أنت اتجننت.. أيوة والله اتجننت يا ابن عمي.. فيه حد بيسب مراته في أخلاقه." ركل راكان كل ما يقابله.
"متقولش مراتي.. أنا مش فاكرها ولا عايز افتكرها.. دي واحدة خاينة.. موتت أخويا وعملت علاقة مع ابن عمها." صفعة قوية نزلت فوق وجنتيه. "فوق يا حضرة المستشار.. وشوف مين اللي لاعب بعقلك.. دا أنت واحد معندوش عقل.." أمسكه يهزه بقوة ويصرخ به. "عايز تعرف سليم مات إزاي.. هقولك." سحب نفساً وطرده ناظراً لمقلتيه. "أنت السبب.. أيوة أنت يا حبيبي.. أنت اللي كنت المقصود بيه." "إيه.. اتصدمت.. لا استنى.. لسه التقيل جاي." تنهد بحزن.
"سليم بين أيدي ربنا.. بس بدل وصلت لأعراض يا حضرة المستشار." "سليم اللي خان ليلى.. عمل علاقة مع فرح.. ومراته حامل.. وكانت هتفقد الجنين لولا رحمة ربنا." "تعرف مين اللي أنقذها وجابها وهو شايلها كالطفل الرضيع بين أحضانه؟ لكزه بصدره يدفعه بقوة. "أنت يا حضرة المستشار.. لولاك كان زمان أمير مات.." تحرك واتجه إلى مكتبه واشعل تبغه يرمق راكان المذهول. نفث تبغه يطالعه بسخرية.
"ايه يا عم المجهول.. بسلامته.. أكملك وأقولك إن فرح عندها ولد غير شرعي من أخوك.. وليلى تقبلته عادي.. ليلى كانت بتموت في المستشفى وأنت مسبتهاش ولا لحظة وأخوك مقضيها مع فرح." توقف يونس ووصل إليه ينفث تبغه بوجهه ثم همس بجوار أذنه. "ليلى رغم كدا قالت سليم ميهمنيش عشان مش فارق معايا يتجوز واحد ولا عشرة.. ال فارق معايا هو حبيبي اللي خانني قدام عيني." تراجع بجسده للخلف وحاوطه بنظرات تعميقية. "استنى.. لسه الذهول جاي كمان."
جلس ورفع ساقيه على مكتبه وظل ينفث تبغه ونظراته تحاوط راكان الذي جلس يفتح أول زر من قميصه عندما شعر باختناقه. رفع نظره وأكمل. "جدك الباشا.." صدمة أذهلته ينتظر حديث يونس الذي أومأ برأسه قائلاً. "جدك.. نسيته.. ضغط على ليلى عشان تطلق منك.. واخد ابنها وحبسها.. غير صور مقرفة ركبها ليها مع ابن عمها عشان بس تتطلق منك.. وخطف أبوها وأختها." "بااااس.." صرخ بها راكان ونهض متحركاً للخارج بخطوات تأكل الأرض كالذي يهرب من عدوه.
شعر بتأنيب الضمير والألم كاد أن يفتك برأسه. لم يعلم بمن يثق. الجميع أصبح أمامه أعداء. استقل سيارته متجهاً إلى قصره. دلف يبحث عن والدته وجدها تقرأ بمصحفها. "ماما.." رفعت نظرها إليه. "حبيب ماما.. أنت سبت مراتك في المستشفى لوحدها.." جثى أمامها ووضع رأسها على ساقيها وبكى كالطفل الصغير بشهقات مرتفعة. "ابنك تعبان وضايع ياماما.. مش عارف مين الصادق ومين الكاذب.." احتضن كفيها ومازال على وضعه.
"قوليلي ياماما أنا مين.. أنا ضايع." مسحت على خصلاته. "أنت نور عيني حبيبي.. أنت شوية وهترجع تاني زي ما كنت." اعتدل ينظر إليها. "إزاي اتجوزت مرات أخويا.. إزاي قدرت آخد حبيبتُه." احتضنت زينب وجهه ونظرت لعيناه. "أنت ما أخدتش حق حد.." تألمت لذكرى فقيدها وانبثقت عبرة. "ليلى كانت حقك من الأول.. بس النصيب.. وحكمة من ربنا.. كل حاجة بتحصلنا بيكون وراها حكمة من ربنا ياحبيبي." "حقي وهي مراته.." لمست وجهه وابتسمت.
"هتخبي على زينب ياراكان.. مالمكشوف بان ياحبيبي وعرف إنها حبيبتك.. بس اتجوزتها إزاي وليه.. دا نصيبك الحلو يابني.. ومع الوقت هتفتكر كل حاجة.. بس خليك واثق إن ليلى أغلى شخص عندك." نهض يتخبط بسيره حتى وصل إلى غرفتهما. ألقى نفسه على الفراش وعيناه تتجول بالمكان وذكريات تداهمه. اعتدل سريعاً عندما تذكر ولادة أمير. ضغط على رأسه بقوة. ثم اتجه إلى علاجه واخذه، ذاهباً في سبات عميق. بعد يومين خرج متجهاً إلى المشفى.
قابله جاسر أمام القصر. "عامل إيه؟! رسم ابتسامة وأجابه. "الحمد لله كويس." جلسوا بحديقة القصر، ثم وضع أمامه بعض الصور. -تعرف دول؟ أمسك الصور وأجابه: -دي نورسين وأمجد، مالهم؟ -نورسين خرجت من المستشفى بعد ما مدام ليلى حاولت تموتها. أومأ له ثم سأله: -وأمجد حكايته إيه؟ -أمجد زارها النهاردة متخفي بزي طبيب، وكالعادة محدش اتعرف عليه. الغريب إن أمجد حاول يقتل نورسين لولا الممرضة اللي دخلت في آخر لحظة وأنقذتها.
-عايز أشوف نورسين يا جاسر. نهض جاسر وارتدى نظارته. -تمام، يلا. وصل بعد دقائق حتى وصل إلى مكانها. دلفت نورسين بعد دقائق، تجمد جسدها للحظات بعدما وجدته أمامه. -راكان! لحظة صرخات دلفت داخل عقله وصورة ليلى مقيدة. نهض متحركاً إليها، تراجعت بجسده تهز رأسها بخوف منه. -والله ما كان قصدي يا راكان، والله أنا كنت... جذبها من خصلاتها عندما تذكر بعض الأشياء. -حقيرة! ثم دفعها بقوة بالحائط، نزف جبينها بقوة. توقف جاسر أمامه.
-خلاص يا حضرة المستشار، هي دلوقتي بين أيدي النيابة. -طلعها برة قبل ما أموتها. تحركت خطوتين ولكنها توقفت عندما صاح: -فين أمجد يا بت؟ ابتسمت بسخرية وأجابته: -بيجهز نفسه لليلة نارية مع مراتك يا حضرة المستشار. هب من مكانه ولكن توقف جاسر أمامه. -راكان اهدى، فيه حاجة لازم تعملها. ثم اتجه بنظره إلى نورسين. -حضرة المستشار فاقد الذاكرة يا نورسين، بيحاول يفتكر حتى مش عارف انتِ هنا ليه. قالها جاسر وهو يرمق راكان.
ألقى جسده فوق المقعد، بينما ظلت نورسين واقفة تطالعه بذهول مردفة: -يعني أمجد ما كذبش؟ أنت مش فاكر حاجة؟ طيب جيتلي ليه؟ -بناءً على كلامي، يلا امشوا من هنا. قالها جاسر وهو يستدعي العسكري. مسح على وجهه بعنف، وأطاح كل ما يقابله على سطح المكتب. -كلاب! وحياة ربي لأندمهم. انحنى بجسده يضرب على المكتب. -عايدة عايزك تراقبها أربعة وعشرين ساعة. اعتدل بجسده. -وحياة وجع قلبي لأدفعهم غالي. خرج متجهاً إلى المشفى سريعاً، وصل إليها.
وجد أمام غرفتها والدته تجلس تقرأ بمصحفها. -ماما. رفعت نظرها وعيناها مترقرقة بالدموع، ثم نهضت إليه. -أنا مش هقولك حاول تتذكر ولا هقولك إن ليلى حبيبتك، بس هقولك مراتك وابنك في خطر يا حبيبي، روح صلي وادعي لهم يا ابني. خرج يونس من غرفتها متجهاً إلى زينب متجاهلاً. -هنولدها، والولد هيتحجز في الحضانة للأسف، حالة ليلى مش تمام، وفيه تلوث في الدم، غير الأكسجين ضعيف جداً. قاطعهم الممرضة: -دكتور يونس، المريضة جاهزة للعملية.
رمق راكان الصامت وتحرك متجهاً لغرفة العمليات. انهار عالمه وهوى على المقعد يهز رأسه بعنف، هامساً: -مستحيل، لا العقاب كده مش هقدر أتحمله. دفع الباب ودلف إليها، كانت لا تشعر بشيء. جثى أمام فراشها واضعاً رأسه بعنقها. -ليلى حبيبي لازم تقوي عشان حبيبك، أنا آسف يا عمري، فوقي حبيبي واتمسكي بالحياة عشان ولادنا. استمع إلى رنين هاتفه. -أيوه يا فرح، راكان كلمت بابا ولا لسه؟
-فرح أنا دماغي وجعاني، ممكن أكلمك كمان شوية. حاضر هكلم عمي. انحنى يطبع قبلة عميقة بجوار شفتيها. -بحبك مولاتي، حبيبك اتذكر ملحمة حبه مولاتي، لازم تفوقي لمعذبك عشان معذبك هيعاقبك. استدار بعض الخطوات ثم رجع إليها، انحنى يقبل كفيها، ثم مسد على خصلاتها وهمس بجوار أذنها: -زين أمانتي عندك يا حبيبة عمري، وحشتيني. تحرك متجهاً للخارج، وصل بعد قليل واتجه إلى غرفة مكتبه ينظر بالكاميرات، وجد العاملة تقوم بتبديل أدويته.
صعد إلى غرفته سريعاً. -بتعملي إيه؟ ارتبكت وأردفت قائلة: -بنضف الغرفة، مدام ليلى كانت مبتخليش حد يدخلها. صمت للحظات وأردف: -مالهاش علاقة بالأوضة دي تاني، وإياكي تدخلي الأوضة دي تاني، لو دخلتها أنتِ هتتعاقبي. ابتسمت قائلة: -حاضر يا باشا. -أيوه يا هانم. ثم قصت لها ما صار. -طيب اعملي اللي هقولك عليه بس لما ليلى ترجع. طبق على جفنيه متذكراً يوم ولادتها.
يجلس بغرفة مكتبه ونيران قلبه تحترق ألماً على حبيبة الروح وهو عاجز عن وجوده بجانبها. دلفت فرح بابتسامته. -راكان عامل إيه؟ رجع بجسده للخلف وأجابها: -كويس. عملتي إيه؟ عرفتي الحقير آسر شغال فين؟ جلست وأطلقت ضحكة: -شغال في دولة عربية، بعد ما قتلوا سليم. هز رأسه ونظر إلى قلمه. -هجيبه متخافيش. صمتت للحظات ثم أردفت: -ليلى بتولد الولد النهاردة، إيه مش هتروح تشوفه؟
-لا مش رايح، ومتسأليش في حاجة. قومي روحي عندي شغل. عملتلك اللي قولتي عليه عشان وقفتي جنبي. ورجع إلى قصر البنداري. دنت منه تطبع قبلة على وجنتيه. -شكراً يا راكان، بجد شكراً على كل حاجة. تعرف أنا طول عمري بحبك أكتر واحد في الدنيا. رسم ابتسامة بسيطة وأجابها: -لا لازم تحبيني مش ابن عمك يا فرح. استندت على المكتب بظهرها وأردفت: -بس مش ده الحب اللي أقصدُه. رفع بصره إليها وانتظر حديثها. دنت تحاوط عنقه وأكملت:
-بحبك حب الحبيب يا راكان، إيه محسيتش بيا؟ تراجع بجسده للخلف وصمت يطالعها بغموض ثم أردف: -تعرفي حلوة الفكرة دي. ضيقت عيناها متسائلة: -فكرة إيه؟ نهض متجهاً إلى النافذة وأشعل تبغه ونظر للخارج. -أحرق بيكي قلب ليلى، وأعرفها إزاي قدرت تخون راكان البنداري. اتجهت تقف بجواره وضحكت قائلة: -موافقة. اتجه يطالعها بنظراته ثم أردف: -بس أنا مش بتاع حب يا بنت عمي، عشان مترسميش على حاجة. تحركت للخارج وهي تجيبه:
-المهم أحرق قلب ليلى وبس. توقفت تنظر إليه. -لازم تداوم على أدويتك عشان تخف بسرعة. ابتسم بسخرية واستدار ينظر للخارج، وكتلة نارية تحرق صدره بالكامل. -متخافيش يا فروحة. قامت بالاتصال بوالدتها. -ماما، بلاش تعملوا حاجة دلوقتي، فيه حاجة ممكن تنفع دلوقتي، وممكن كمان بعدها راكان يتجوزني. بلاش تعملوا حاجة، وهو هنا في البيت مرحش لليلى، وزي ما فهمته هي المسؤولة عن موت سليم. ابتسم بسخرية على حديثها ثم هاتف حمزة.
-حمزة فرح كانت فين قبل ما تيجي؟ -كانت في الشركة، ورجعت على البيت، مرحتش لأمجد ولا قابلت حد. -لا يا راكان، للأسف مفيش أماكن راحتها من الشغل للبيت. أحس بقبضة تعتصر صدره فتحدث: -حمزة لازم أشوف ليلى بأي طريقة. -تعالى على المستشفى وهدخلك من غير ما حد ياخد باله. تحرك متجهاً إلى سيارته، وجد أحدهم بالخارج يراقبه. مط شفتيه ثم استقل سيارته متجهاً إلى مزرعة نوح. وصل بعد قليل. -نوح فين يا باشمهندسة؟ بتصل بيه مبيردش.
أجابته أسما التي كانت تجلس بحديقة منزلها تلاعب أطفالها: -نوح مش عايز يشوفك، ولو سمحت بلاش تتقابلوا في الوقت دا عشان متخسروش بعض. دنت منه أسما وطالعته: -لدرجة دي يا حضرة النايب ليلى طلعت خاينة؟ ده لو واحد بيكرهها عمره ما يتهمها بالطريقة المقرفة دي. اتجه إلى سيارته قائلاً: -يعني صاحبتها هتقولي إيه. فتح باب السيارة ولكنه توقف عندما اردفت:
-ليلى لو حصلها حاجة هتفضل طول عمرك تكره نفسك. بتمنى راكان حبيب ليلى يرجع قبل ما يقتل ليلى بإيده، ويرجع يندم في وقت ما بقاش للندم قيمة. تحرك متجهاً إلى المشفى بعد مرواغته لمراقبه. وصل بعد قليل، اتجه أولاً إلى الحضانة. وقف ينظر إليه من بعيد، كان يونس محاوطه بأكثر الناس خبرة وثقة. توقفت أمامه الممرضة. -عارفة حضرتك، بس ممنوع حد يقرب منه، ده أمر يا فندم. أخرج مجموعة نقود وأعطاها للممرضة مردفاً:
-مش عايز يونس يعرف إني جيت هنا، ماتخافيش أنا مش هطول، هبوسه بس وأمشي، ده ابني على فكرة. أومأت برأسها: -عارفة حضرتك كويس، ولكن كده بتأذيني. ربت على كتفها واردف: -وعد دقيقة وهخرج، خلي بالك من الطريق كويس، هشوفه بسرعة. أوقفته الممرضة: -ممنوع يخرج من الحضانة، عنده مشاكل في القلب والأكسجين. دلف إليه وهو يشير بيديه. توقف أمامه يطالعه بحنان. فتح صندوقه وانحنى يطبع قبلة على جبينه. -حبيب بابي، ربنا يباركلي فيك.
ظل للحظات ثم تحرك خارجاً سريعاً متجهاً إلى غرفتها، وجد سيلين تجلس بجوار والدة ليلى التي تغفو أمام غرفتها. توقفت سيلين متجهة إليه: -راكان، بتعمل إيه هنا؟ -هدخل أشوفها وأطلع، بس مش عايزها تعرف، أنا عارف إنها نايمة. ضيقت عيناها متسائلة: -ليه مش عايزها تعرف؟ دفع سيلين وتحرك دون حديث. تحركت خلفه وهي تنظر إلى والدة ليلى الغافية على المقعد. توقف أمامها يطالع شحوبها، تمنى لو يضمها لأحضانه، ولكن مهلاً حبيبتي.
دنى منها بخطوات بطيئة، وصل إليها ثم انحنى يطبع قبلة على جبينها. -حمد الله على سلامتك يا ليلى. قالها وتحرك للخارج سريعاً حتى لا يضعف أمامها. خرج من شروده على رنين هاتفه. -راكان تعالى على القسم فوراً. عند ليلى، استيقظت من نومها تنظر حولها وجدت والدتها تجلس على المقعد تقرأ بمصحفها. -ماما. أردفت بها ليلى. نهضت سمية متجهة إليها. -حبيبة ماما، عاملة إيه يا قلبي؟ نزلت من فوق الفراش بجسد مرتجف. -ابني يا ماما.
ضمتها والدتها. دلف والدها بعدما استمع لصوت بكائها. ألقت نفسها بأحضانِه. -خطفوا ابني يا بابا، ابني لسه صغير أوي، هموت يا بابا. ضمها بقوة لأحضانِه. بكت والدتها على بكائها. -عايزة راكان، قولوا له يجب ابني هيموتوه، هو لسه صغير. دلت زينب بجوار سيلين التي تضم كيان وأمير إليها. -ليلى حبيبتي ولادك مش مبطلين عياط. هوت على الفراش وبكت بشهقات. -عايزة ابني، ابني بيعيط يا ماما، قولوا لراكان خليه يجيب ابني. ارتفع صوت شهقاتها.
-عايزة راكان، خليه يجي عشان يجيب لي زين. ضمت أشياءه تقبلها وتضمها لصدرها. -ابني حبيبي مالحقتش أفرح بيه. جلست زينب بجوارها، جذبتها لأحضانها تنظر إلى عاصم بحزن. -عرفت ليه أخدت مهدئ؟ كل ما تصحى بتعمل كده. اقترب أمير منها، أمسك كفيها. -مامي حبيبتي، بابي راح يدور على زين وهو هيجيبه، أنا واثق في بابي. خرجت من أحضان زينب تضم ابنها وتبكي بصوت مرتفع. دلف يونس يوزع نظراته بينهم.
-مدام ليلى أرجوكي بطلي عياط، متنسيش إنك لسه والدة، وده غلط. نهضت سريعاً إليه. -اتصل براكان يا يونس، عايزة أكلمه. نظر للجميع. أومأت زينب إليه. امسك هاتفه. كان راكان بقسم الشرطة. -ألاقي أمجد فين يلا؟ أجابه الرجل: -والله يا باشا، إحنا ما نعرفش مكانه. أمسكه بقوة وقبض على عنقه وتحول جسده لكتلة نارية. -هموتك يا كلب. تحول وجه الرجل للشحوب، فدفعه بقوة حتى نزفت رأسه وبدأ يركله بجميع أجزائه حتى صرخ الرجل:
-في بيت مدام عايدة، هو قال هيروح هناك عشان يجيب مدام ليلى. أخرج سلاحه ولحظة وصوبه برأسه. -ليه يا راكان كده؟ عارف نتيجة ده إيه؟ استدار يصرخ بوجه جاسر: -إيه راجلي وخاني مستني أطبطب عليه؟ فوق يا حضرة الظابط، وأحمد ربنا سبته عايش ساعتين زيادة. استمع إلى صوت هاتفه. أجاب سريعا بعدما وجده يونس. -يونس ليلى حصلها حاجة؟ جذبت الهاتف من يونس سريعا. -راكان. كور قبضته بقوة وأغمض عيناه من صوتها الذي شق صدره فأجابها بصوت متقطع:
-أيوه حبيبتي. -ابنك بيعيط يا راكان رجعه، ابني وحشني حبيبي، راكان يلا ارجع بزين أنا مستنياكم، يلا حبيبي عشان أضمه لصدري وحشتني ريحته أوي، مش أنت عملت كده عشان تحميه؟ طب أهو اتخطف وأنا هموت عليه، خليهم يرجعوه وياخدوني مكانه، ولا أقولك هروح أعيش خدامة عنده. آلمه حديثه وكأنها غرست خنجراً بصدره. لم يستطع منع دموعه التي تأثرت بحديثه فتحدث:
-حاضر يا ليلى هجيب لك زين، هرجع بابننا حبيبتي بس بطلي عياط عشان زين لما يرجع مش يلاقيكي عيانة. مسحت دموعها وجلست تبتسم. -طيب مش هعيط، بس أنت متتأخرش، أنا واثقة فيك حبيبي، يلا متتأخرش. -حاضر. همس بها وانهار عالمه حتى شعر بإنسحاب الأرض من تحت أقدامه. هوى على المقعد وضعف الجبل وانهارت قوته أمام الجميع حتى بكى بشهقات أمام جاسر الذي ألمه قلبه عليه. تركه مع ضعفه وخرج من المكتب. قابله نوح وحمزة. -إيه وصلتوا لحاجة؟
تنهد بألم وأجابهم: -شقة عايدة احتمال يكون أمجد فيها، هجهز القوة ونقتحم المكان. دلف نوح إليه. وجده جالساً يضع رأسه بين راحتيه. خطى إليه. -راكان. رفع رأسه وأزال عبراته ونهض متجهاً إلى سيارته. عند ليلى جلست بشرفتها بجوار أسما وسيلين اللتان لم يتركاها. دلفت درة إليهما بعصير الليمونادا. -ليلى اشربي ده يا قلبي. وضعت كفيها على أذنها تبكي. -بيعيط صوته في وداني، بيعيط، حبيبي عايزني. ضمتها أسما تبكي على بكائها.
-مش راكان وعدك يجيبه يا قلبي، ممكن نهدى وشوية هيدخل بيه. رفعت نظرها وابتسمت من بين دموعها. -حقيقي يا أسما، راكان هيلاقيه. مسحت أسما عبراتها وضمت وجهها. -من امتى راكان قالك حاجة ومعملهاش. هزت رأسها وابتسمت. -أيوه هو هيجيبه وخصوصاً هو افتكر كل حاجة، مستحيل يتخلى عن ابنه، هو كمان خايف عليه. استمعت إلى رنين هاتفها. أسرعت إليه ظناً أنه زوجها. -ليلى. شعرت بإنسحاب أنفاسها عندما تحدث.
-طبعاً سامعة صوت مين ده، أكيد عرفاه، أي حد هيحس بحاجة هموته، اياكي حد يعرف أنا اللي بكلمك. اتجهت أسما ودرة إليها. -راكان ده يا ليلى. بدأ قلبها يدق بعنف من صراخ ابنها، فرسمت ابتسامة تهز رأسها. -آه بيقولي عرفوا مكان زين. انسابت دمعة وتحدثت. -أيوه سمعاك، مفيش حد. قالتها بعد تحرك درة وأسما للشرفة ظناً أنه راكان.
-قدامك ربع ساعة وتكوني في المكان اللي هبعته، توصلي هناك هكلمك وأقولك تعملي إيه، ده لو عايزة ابنك. أي غلط وحياة حبي ليكي يا ليلى لأموت ابنك من غير ما يرفلي جفن. هزت رأسها سريعاً. -حاضر، أنا هنزل فوراً، بس وحياتي يا أمجد، بلاش تأذيه ومستعدة أعمل لك كل اللي تطلبه وعد. ابتسم بحبور واردف. -راكان لو عرف هموت ابنك. تحركت وهي تتحدث بالهاتف. -لا وعد وحياة ربنا محدش هيعرف حاجة، بس ابني مش تأذيه. -تمام يا ليلى، هستناكي حبيبتي.
ونتجوز وناخد ابننا نربيه مع بعض. -حاضر أنا جاية لعندك. تحركت متجهة إلى سيارتها. توقف يونس أمامها. -رايحة فين يا مدام ليلى؟ ابتسمت له وأردفت: -راكان كلمني وقالي لقي الولد وقالي أقابله عشان هناخده ونبات في بيت المزرعة. ابتسم يونس واردف: -مبروك رجوع الولد، كنت متأكد راكان هيوصله. تحركت سريعا واستقلت سيارتها بسرعة جنونية متجهة إلى أمجد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!