بمزرعة نوح جلس يحيى بمقابلته، يجلس وجسده كالنيران التي تحرق دواخله، وتلاحقت أنفاسه الحارقة وهو يتحدث بفظاظة: -الحيوانة عايزة تموتك هي وأبوها، وربي لأدفنها مكانها ومش بس كدا، لأفضحها الفاجرة دي. حاول نوح التحدث معه بهدوء حتى يخرجه من حالة الثوران فتحدث: -بابا لو سمحت، أنا طلقتها وخلاص، مش عايز منها حاجة، ولسة متأكدتش إن الولد ابني ولا لا، فلو سمحت ممكن متدخلش. نهض وهو يصيح بغضب: -عايزني أهدى بعد اللي عملوه فيك؟
إنت قاعد على كرسي متحرك يابني، فاهم معنى الكلام دا يعني إيه؟ دلفت أسما وهي تطالع يحيى بغموض وتحدثت حتى لا تحزن زوجها: -دا نصيبه يا عمو، بلاش نعترض على حكم ربنا، المفروض نحمد ربنا. جلس عندما فهم ما ترمي إليه أسما فأردف: -عارف اتعصبت شوية بس من اللي حصله، اتجه يجلس بجوار ابنه يربت على ظهره. -متزعلش مني يا حبيبي، أنا آسف عارف دا كله حصل بسببي. اعتدل يحيى ينظر إلى أسما: -عاملة إيه يا أسما؟ وأخبار أحفادي؟
مسحت على بطنها مبتسمة: -الحمد لله بخير، خلاص يا جدو بقالنا تلات شهور وهتلعب معانا. ألتمعت عيناه بسعادة مأمنا على حديثها: -إن شاء الله يا بنتي، خدي بالك عليهم واتغذي كويس، وبلاش إرهاق، أنا جبتلك سفرجي كمان مع سيدة عشان متتعبيش نفسك. جلست بجوار نوح تربت على ظهره: -أنا كويسة ومش محتاجة حاجة بدل نوح معايا يا عمو صدقني. قاطعهم دلوف حمزة وهو يحمل بعض الورود بجواره درة، ألقى تحية المساء: -مساء السعادة يا دكتور نوح.
لم ينتبه ليحيى الجالس بجوار الشرفة، دلف متجهًا يلكز نوح بابتسامة: -بقيت زي الحصان يا حمار بعد ما نشفت دمي، وخضتني لما قطعت الخلف. حمحمت أسما وهي ترفع حاجبها اتجاه يحيى تهز رأسها. ضيق عيناه ثم توجه للذي يجلس يطالع حمزة بصمت، رفع حمزة كفيه مشيرًا: -دكتور يحيى، آسف مأخدتش بالي. ابتسم يحيى بمحبة قائلاً: -إزيك يا متر عامل إيه. جلس بمقابلته: -الحمد لله والله بعد اللي ابنك عمله نحمد ربنا في السراء والضراء. رفع بصره إلى درة:
-عاملة ايه حبيبتي. دنت إليه بإستحياء تبتسم: -عامل ايه يا عمو، وأخبار خالتو إيه. ربت على ظهرها: -خالتو كويسة كانت هنا وروحت عشان لميا هتسافر الصبح، إيه مش ناوين تفرحونا وتتجوزوا بقى. نزلت ببصرها للأسفل تفرك كفيها، توردت وجنتيها مبتلعة ريقها بصعوبة بسبب خجلها، أجابه حمزة عندما شعر بحالتها قائلاً: -نطمن على نوح الأول، مش إحنا هنسافر بكرة إن شاء الله. أومأ يحيى قائلاً:
-إن شاء الله، بس مفيش داعي يا ابني تعطل نفسك وتيجي معانا، إحنا كلنا هنكون معاه، وكمان راكان هناك. قاطعه حمزة ينظر إلى نوح وكأن هناك ما يؤلم روحه من نتيجة العملية إذ لم تنجح فأردف: -مستحيل أسيب نوح، إحنا عمرنا ما اتخلينا على بعض يا عمو، وهنفضل وراه لحد ما يوقف على رجله. قاطعهما رنين هاتفه وكانت الممرضة الخاصة بيونس: -أستاذ حمزة، أستاذ حمزة. كررتها عدة مرات مردفة: -ضربوا دكتور يونس بالنار، وحالته خطيرة.
هب فزعا كالملدوغ، وغصة تحكمت من مجرى تنفسه فهمس بتقطع: -بتقولي إيه. اتجه للخارج سريعا دون حديث، أسرعت درة خلفه ولم يستمع لصوت نوح الذي يناديه، وصل إلى سيارته: -حمزة إيه اللي حصل؟ نظر إليها بتيه وكأنه أصيب بصاعقة فتحدث: -يونس انضرب بالنار، لازم أروح المستشفى بسرعة، راكان في ألمانيا. استقل سيارته وقاد السيارة بسرعة جنونية وهو يتمتم: -إيه اللي بيحصل دا. أمسك هاتفه ليحادث راكان ولكن هاتفه مغلق.
بقصر البنداري، كانت تجلس تعقص خصيلاتها بقلمها، وهي تدرس بعض موادها الصعبة، أمسكت هاتفها تنظر إليه بملل، فمنذ الأمس لم يرسل إليها شيئًا. تراجعت على المقعد تحتسي مشروبًا دافئًا، استمعت لطرقات على باب الغرفة: -ادخل. دلفت سارة وهي تدخل رأسها: -ممكن أدخل ولا أرجع. زفرت بحنق وتحدثت هازئة: -لا ولو قولتلك لا يعني مش هتدخلي، ادخلي ياباردة ما أشوف آخرتها إيه إنتِ ودكتور الستات بتاعك. قهقهت سارة تجذب مقعدًا وهي تحدق بها:
-يابت بلاش شغل لا بحبه ولا بقدر على بعده. وضعت سيلين كوبها ورمقتها ساخرة: -عايزة إيه يا سارة؟ ماهو ما تحوليش تفهميني إنك بقيتي كويسة، ولا كمان بتشجعيني عشان أرجع ليونس اللي هو حبيبك. جذبت سارة القلم من خصلاتها الناعمة فانسدل على ظهرها حتى تمرد على وجهها. طالعتها سارة بإعجاب فتحدثت: -يونس يستاهل واحدة في جمالك يا سيلين، إنتِ جميلة فعلاً، ومش بس شكلك، لا كمان قلبك أبيض، عشان كدا هو يستاهلك.
يونس جميل قوي وحنين يا سيلين، واكيد إنتِ تعرفي دا أكتر مني. نهضت متجهة للشرفة تعقد ذراعيها وتتوجه بنظراتها للحديقة، متنهدة بحزن وألم معًا: -أنا مش عايزة الجمال والحنان يا سارة، قد ما محتاجة الحماية والثقة، ياترى يونس هيقدر يخليني أثق فيه، بعد اللي عمله ولا لا. استدارت وطالعتها بهدوء رغم النيران المتقدة قائلة: -لو كنتي ترضي إن جوزك وحبيبك يخليكي محطة في حياته، أنا ميرضنيش. تحركت حتى وصلت إليها:
-كله إلا الخيانة يا سارة، ويونس خاني مرتين، مرة معاكي ومرة مع غيرك. توقفت سارة تهز رأسها وترقرق الدمع بعينيها نادمة على ما قدمته يداها قائلة: -يونس مخنكيش معايا صدقيني، أنا اللي عملت دا كله. جلست بمقابلتها: -مش قصدي دا أبداً، قصدي أنه وافق الارتباط بيكي وهو بيحبني، تقدري تقولي إن دا في نظري مجرد خيانة، مجرد إنه يوافق على حاجة ويدوس عليا فدا خيانة ليا. قاطعهما صوت زينب التي تحدثت بصوت مرتفع:
-مين اللي ضربه بالنار يا أسعد؟ طيب ياله مش هنروحله. هبطت سريعا درجات السلم ظنا أنه راكان، هرولت إلى والدتها تبكي: -ماما راكان حصله إيه. اتجهت بنظراتها الحزينة: -دا يونس حد ضربه بالنار. شهقت واضعة كفيها فوق فمها متراجعة للخلف بحدقتين متسعتين، وهي تهز رأسها رافضة حديث والدتها، فتحدثت بتقطع: -يو..نس، يو..نس، انضرب بالنار. قالتها وعبراتها تجري كالسيل على وجنتيها، اقتربت والدتها تضمها لأحضانها:
-اهدي حبيبتي إحنا هنروح دلوقتي ونشوف إيه اللي حصل. صرخت باسمه صرخة اقتلعت القلوب، وانتفضت تهرول سريعا بثيابها المنزلية اتجاه سيارتها وهي تبكي بشهقات مرتفعة: -يونس، آه، آه. قالتها وهي تقود سيارتها متجهة للمشفى بسرعة جنونية. بألمانيا بشقة بيجاد التي تأجرها، وضعها على الفراش يغرز نظراته بليلها، يحاوطها بجسده: -كنتي بتقولي إيه برة، سمعيني كدا.
شعرت بقشعريرة لذيذة دبت بسائر جسدها تأثراً بلمس أنفاسه لبشرة عنقها وهو يهمس لها بجوار أذانها. ارتجفت شفتيها وتعمقت بنظراته ترسمه بإشتياق قائلة: -لو شايف اللي عملته صح وهعديه يبقى بتحلم، مستحيل أسامحك بعد اللي شوفته. اتسعت حدقتيه متصنعا ذهوله: -ليه كنت عملت إيه، عشان كنت خالع القميص، اومال لو شفتي. رفعت إبهامها على شفتيه، وانسدلت عبراتها بقوة أذهلته: -لو محستش بوجعي يبقى مالوش لازمة العتاب.
شعر بأنياب حادة تنهش قلبه بنيران مشتعلة، وهو يرى دموعها، أزال عبراتها بإبهامه وهو يزفر بحزن، ثم انحنى يطبع قبلة على جبينها: -ماتوجعيش قلبي حبيبي، وحياتك عندي مقربت منها ولا حتى خلتها تلمسني. لكزته بصدره وصرخت به: -هو باللمس يا حضرة النايب بس، إنت خلعت قدامها، عايز أكتر من كدا إيه. مازال محاوطها بذراعيه، دني حتى لامس ثغرها يداعب وجهها بأنفه: -ليلى. همس بها ثم أكمل:
-إنتِ شايفة ممكن أخونك حبيبي، ليه متعرفيش إنك هزتي عرش البنداري ولا إيه. رفعت نظرها وتقابلت بشمسه قائلة: -قلبي وجعني أوي يا راكان، جوايا نار مش قادرة أطفيها. تألم لقهرها منه، رفع كفيه يمسد على خصلاتها وأمسك بعضها يضعها خلف أذنها متحدثاً. -آسف ياحبيب عمري، وعد مش هوجعك تاني، خلي عندك ثقة فيا. رفع ذقنها يلامس وجنتيها بإبهامه. -ليلى أنا مش شايف غيرك، إنت ملكتيني، متخليش شيطانك يأثر عليكي.
انحنى يقبل موضع نبض قلبها قائلاً. -آسف لقلب حبيبي اللي اتوجع بسببي. كرر فعلته مرة أخرى، ارتفع نبضها فأصبح كالطبول، شعر بها من خلال هبوط وارتفاع صدرها، احتضن وجهها ودنى يبتلع عبراتها التي وخزت قلبه مردفاً بآسف وقلب متمزق. -آسف.
رفعت كفيها تمشط بها خصلاته، تطالعه بإشتياق، تقابلت نظراتهما المتلهفة، هو بأسفه وهي بإشتياقها الذي حاولت إخفائه، جذبها لأحضانها يعصرها بين ذراعيه وآهة خفيضة خرجت من جوفه، إن دلت تدل على آلام روحه. تمسحت بصدره تستنشق رائحته بإشتياق ولهفة هامسة له. -تعبانة أوي ياراكان، محبتش غيرك، بحبك معذبي. أطبق على جفنيه يتلذذ كلماتها التي اخترقت جدران قلبه، ليخرجها متلهفاً وهو يحتضن وجهها يقبل كل إنش بها قائلاً.
-روح وحياة وكل حاجة حلوة لمعذبك. قالها وهو يقتنص من ثغرها الذي يشبه حبة الفراولة، ظل يختمر من سكر شفتيها، إلى أن صعد بها لترانيم عشقه بجنته الخالدة لروحها ومغذي قلبها الضعيف. بعد فترة كانت تتوسد ذراعيه تتلمس باناملها ملامح وجهه، اغمض عينيه منتشياً، يستمتع قربها بروحه ورائحتها المسكرة تعبأ رئتيه وكل عشق الدنيا يتزاحم داخل قلبه. دنى يهمس أمام شفتيها.
-تعرفي منمتش من يوم ماحضنك فارقني، بقيت زي الطفل اللي محتاج حضن أمه عشان يستكين وينام. رفرفت بأهدابها الكثيفة تحاول السيطرة على ارتعاشة دواخلها. -أنا مصدقتش إنك تعمل فيا كدا، قلبي قالي مستحيل حبيبك يوجعك كدا، لو قبل كام شهر كنت ممكن أدوس على قلبي، بس بعد اللي حسيته معاك، مستحيل تخدعني. لامست بكفيها صدره موضع نبضه وتعلقت نظراتها بشمسه.
-الشفايف بتكدب، وساعات العقل كتير العقل بيكدب عليك، بس دا مستحيل يكدب. قالتها وهي تشير لنبض قلبه. لف خصرها يقربها إليه حتى لم يفصل بينهما إنش، مطبق الجفنين وصدره يعلو ويهبط من لذة قربها وانفاسها العطرة، قائلاً بتثاقل شفتيه. -كنت خايف عليكي أوي. لامس بطنها ينظر إليها. -خايف على ابننا ليضيع مننا تاني، ورغم خوفي مقدرتش أقولك، عشان عارف إنك هتضعفي وضعفك هيضعفني. *** ازال خصلاتها المتمردة فوق عينيها، وهو يحاورها بدقاته.
-بس حبيبي أخيرا عقل ومتجننش. ابتسمت تضع رأسها بصدره. -مين قالك إن الست ممكن تكون عاقلة لما تشوف جوزها وحبيبها في حضن واحدة تانية، دي ممكن تجنن، أنا الصدمة بس اللي خلتني مقدرتش أعمل حاجة، وكمان خوفت على بنتك اللي في بطني. طالعته بعيون راجية، وقلب ينزف. -فكر في أي حاجة إلا كدا ياراكان، مش قادرة أتحمل الوضع دا، والله ماقادرة حرام عليك، إلا صبرني إنها ماحاولتش تلعب قدامي. تحولت لقطة شرسة معتدل على الفراش.
-عارف لو كانت حاولت تعمل حاجة قدامي، كنت هولع فيكم انتوا الاتنين. كان يود لو يطلق العنان لضحكاته، من غضبها اللذيذ ولكن دموعها التي سقطت من ليلها، سقطت على قلبه كجمرة نارية فجذبها يحتويها بين ذراعيه. -اهدي ياليلى، تفتكري كنت هسكت على كدا. وصل إلى عقلها هاجس استذكره قلبها فتحدثت.
-إزاي قدرت تقنعها إنك بتضحك عليا، وإنك صادق معاها، ليه نورسين بالذات اللي بتقرب منها، لو سمحت ياراكان ريح قلبي وابعد عن البنت دي، حاسة إنها فاهمة كل حاجة وبتلعب بينا. جذب رأسها بصدره يمسد على خصلاتها متراجعاً يستند على الفراش. -لولة حبيبي، نورسين شاكة عارف، بس اللي عملته في الآخر قطع شكها دا. رفعت عيناها إليه. -وإيه هو اللي عملته خلاها تصدقك ياحبيب ليلى، ممكن تقنع حبيبتك إنها مش هتلعب بينا.
احتضن وجهها بين راحتيه، ينظر لمقلتيها مردفاً. -أنا مش أهبل حبيبي وأعرف أتصرف كويس، دي كانت حاطة جهاز تصنت في تليفوني، وسبتها ورغم شوفتها بس سبتها، الشغالين عندنا في القصر فيه منهم شغالين لحسابها، غير الراجل اللي بعته يراقبنا واحنا في بيت المزرعة، تفتكري دي واحدة ممكن ألعب معاها بسهولة. انزلت كفيه وترقرق الدمع بعيناها. -وليه بتعمل كل دا، قولي عشان إيه، وليه أنت مستحمل قرفها دا. ازال عبراتها واحتضن كفيها متنهداً.
-فيه حاجات مينفعش أقولها، دي أسرار شغل حتى لو إنت مراتي، بس فيه حاجات حبيبي مينفعش أقولها، عايزك تتأكدي إنك الوحيدة اللي مستعد أهدم الكون عشانها، لو سمحتي لازم توقفي جنبي، مش هقولك غير إني عايز أرجع حق سليم، كفاية دي ياليلى. لفت ذراعها حول خصره وتنهدت بألم. -هحاول ياراكان، بس ماوعدكش هفضل هادية. تسطح على الفراش يجذبها لصدرها. -تعالي نامي أنا هلكان وماصدقت أحضنك عشان أنام.
كانت شاردة بحديثه حتى أخرجها وهو يداعب وجنتيها. -حبيبي نامي ووعد عمري ماأكسر قلبك، أنت غالية على روحي ياليلى، دا لو مكنتيش روحي حبيبي. استندت بذراعيها على صدره. -مش هتاكل، أنا جعانة. فتح جفونه بتثاقل وتحدث بإرهاق. -إزاي تفضلي من غير أكل لحد دلوقتي. نزلت ببصرها للأسفل قائلة. -مكنش ليا نفس، كنت بحاول أكل أي حاجة عشان البيبي بس. داعب شفتيها بإبهامه. -عايزة تاكلي إيه أخليهم يعملوه. وضعت رأسها على صدره.
-أي حاجة مش فارقة، المهم أنت هتاكل معايا فالأكل اللي تجيبه هاكله. اعتدل يجذب قميصه ويرتديه وهو متجها للخارج. -هشوف آغا تطلب بيتزا إيطالي عارفك بتحبيها. نهضت سريعا تقف أمامه تدفعه بيديها. -قولي هو أنت فرحان بنفسك وبعضلاتك ولا إيه بالظبط، إزاي عايز تخرج للشغالة كدا، البس هدومك الأول يامحترم، ولا القعدة مع نورسين نستك إن فيه ست معاك. قهقه عليها وهو يرفعها من خصرها حتى أصبحت بمقابلته. -قطة شرسة مولاتي. دفعه تصيح به.
-نزلني يابتاع الستات، وروح ياخويا وريهم. رفع حاجبه مشاكسًا إياه. -طيب أعمل إيه جوزك حلو الستات كلها بتجري وراه. لكمته بيديها الاتنين. -نزلني ياحلو يابتاع الستات، والله هشوهك عشان تفرح بحلاوتك دي. توقف يطالعها حتى تعمق النظر بعيناها. -دا اعتراف من مراتي الحلوة، إن جوزها حلو. وضعت رأسها بصدره ولم تجبه، اكتفت بالصمت لأنها تعلم أنها ستكون الخاسرة بالتأكيد. ***
خرج بها متجها للمطبخ واجلسها على الرخامة، بعدما أمر الجميع بالخروج. -مولاتي عايزة تاكل إيه وأنا تحت أمرها. تحرر من صدرها نفساً ناعماً مبتسمة ترفع حاجبها بشقاوة وتهز ساقيها. -عايز تفهمني راكان البندراي بيوقف في المطبخ وبيعمل أكل. حاوطها بذراعيه وضحك ضحكة خفيفة قائلاً ببحته الرجولية العذبة.
-مولاتي تؤمر وأعملها أي حاجة. توسمت بملامحه القريبة، واطالت التحديق تتأمل ملامحه البهية بإنبهار وأعين تفيض عشقاً، وضعت كفيها تلامس وجنتيه، وانحنت تضع جبينها فوق خاصته وفؤادها الذي أصبح كنسمة ربيع، وروحها أصبحت مثلجة بعدما شعرت بنيرانها كفوهة بركانية. -تعرف اللي بتعمله دا هيتقلب ضدك. رفع شمسه يطالع ليلها بأعين متسائلة.
حركت أناملها الرقيقة تداعب وجهه وابتسامة ثغرها وعيناها جعلها كفاكهة شهية للالتهام، تعلقت عيناهما فتحدثت. -هتحولني من حبيبة، لمجرمة في عشقها، يعني ممكن أقلب لمجرمة لو شميت ريحة مش عجباني. قهقه عليها بصوت مرتفع، ثم رفع كفيه عند شفتيها يتلمسها. -الشفايف دي بترمي قنابل إنما إيه، بس بردو بتغريني. قالها وهو يلتهمها. تراجع بعد لحظات وهو يشير إلى المبرد. -أنا مبعرفش أعمل غير بيتزا. ناظرته جاحظت الأعين قائلة.
-واو بتعرف تعمل بيتزا مرة واحدة، طيب كويس والله، شيف راكان باشا بيعمل بيتزا، ممكن بقى تجبلي فوني عشان أصورلك. -اتجه يخرج محتويات البيتزا، وانشغل بها قائلاً. -من وقت ماطلبتيها من سليم، وأنا كررت أتعلمها، لما عرفت إن دي أكلك المفضلة. قالها وهو يقوم بتشغيل العجان. ألجمها حديثه، وشعرت بتخدر لسانها الذي عجز عن الحديث، نزلت بهدوء متجهة إليه وتوقفت خلفه، تورمت غصتها وازدرد ريقها بصعوبة فتحدثت بشفاتين مرتجفتين.
-اتعلمت عشاني، يعني حتى وأنا متجوزة روحت اتعلمت تعمل حاجة أنا بحبها. توقف عما كان يفعله، وشعر بالاختناق حتى لم يستطع التنفس عندما تذكر تلك الأيام، استدار بهدوء محاولا السيطرة على آلامه الذي بدأت تعيق تنفسه من ذكريات مؤلمة، فرسم ابتسامة وتحدث. -آه عادي، حتى لو متجوزناش بس كنت ناوي أعملها عشان أفرحك بيها، بما إنك بتحبيها وكنتي حامل. رجع مرة أخرى وأكمل.
-بس جت مشكلة سليم الله يرحمه مع فرح، وبعدها. احتضنته من الخلف وانسابت عبراتها على وجنتيها. -آسفة ياراكان، بتمنى تسامحني حبيبي، والله والله ماكنت أعرف. استدار إليها يحاوطها بين ذراعيه. -ممكن أعرف بتعيطي ليه دلوقتي، يعني واقف في المطبخ وكمان بتعيطي، بدل ما تفكري إزاي تفاجيني عوضاً على وقوف راكان في المطبخ. ابتسمت من بين دموعها، ورفعت نفسها عندما توقفت على أصابع أقدامها تحاوط عنقه وتقبله قبلة سطحية على شفتيه.
-تعرف حبك بقى عندي هوس، يعني شوية وهتخليني مهوسة بيك، ودا مش حلو على فكرة. رفعها من خصرها. كم كانت جميلة رغم شحوب وجهها من حملها، تعمق بعيناها ونظرته الحالمة لوجهها الذي عشقه هامساً لها. -ودا المطلوب إثباته حبيبي، عايزك تتهوسي بيا ومفيش غيري اللي يشغل بالك. ابتسمت واتجهت بنظرها للذي يفعله. -إيه أنا جوعت ولا بتاع كلام وخلاص. أطلق ضحكة صاخبة، فانزلها بهدوء واتجه يكمل ما كان يفعله. *** جذبت بعض الخضروات ووقفت بجواره.
-هعمل سلطة، آهو بساعدك عشان متقولش إني بمساعدش. ابتسم لها وتحدث.
-طبعاً ياحبي عشان الأكل يكون له طعم، لازم إيدك الحلوة دي تشارك. وقفت وقامت بغسل بعض الخضروات بعناية، واعدت جميع السلطات التي يحبها زوجها، كانت تراقب كل حركة وايماءة تصدر منه وتحفظها على ظهر قلب، بعيون سعيدة قامت بعمل فيديو لهما وهما يعدان الطعام مع مزحاتهما لبعضهما، انتهى بعد فترة، قامت بتفريغ السلطة ووضعتها على طاولة الطعام، وجلست تنتظره حتى فرغ مما يعمله، واتجه إليها يضع أمامها ما أعده، جلس بجوارها.
-دوقي وقولي رأيك حبيبي. قالها وهو يقطع جزء ويضعه بفمها. -تسلم إيدك حبيبي طعمها حلو أوي. تلمت زاوية فمه بعبث قائلاً. -دا اللي ربنا قدرك عليه حبيبي، فكرتك هتاخديني على الأوضة. جحظت عيناها من مغزى حديثه. ارتبكت من نظراته، تنظر إلى الطعام تلوكه بهدوء وهو يطالعها بصمت. أشارت له: -إيه مش عايز تاكل؟ مش جعان؟ أنا عملتلك السلطات. جذب من أمامها الصحن الذي يوضع به قطع البيتزا. -لا هاكل من ده. ضيقت عيناها تشير إلى البيتزا.
-انت هتاكل منها؟ من إمتى بتحبها؟ قام بتقطيع جزء منها يلوكها بهدوء وهو يتعمق النظر بعينيها. -مش قولتلك أي حاجة بتحبيها أنا بحبها. توقفت متجه إليه وجلست فوق ساقيه تحتضن عنقه، تضع رأسها على كتفه تطعمه وهي سعيدة. لم يحيد بصره عنها. -كملي أكلك. نهضت مردفة: -شبعت. توسعت عيناه وهو ينظر للطعام. -بتهزري يا ليلى؟ يعني بعد التعب دا كله مش هتاكلي؟ وضعت رأسها بصدره تهز رأسها رافضة. -شبعت عايزة أنام. أخرجها يضمها لصدره.
-كلي الأول وبعدين هنام. ما أكلتيش حاجة. أنزلت كفيه الذي يمدها بالطعام. -شبعت والله ولو أكلت حاجة تاني معدتي هتقلب. انت كمل أكلك وأنا هروح آخد شاور وأصلي العشا. أذنت. نهض وهو يحاوطها. -لا أنا كمان شبعت. أنا كنت قاعد عشان تاكلي وخايف أخليكي تاكلي غصب عنك ترجعي وتتعبي. الأكل اهو وقت ما تحسي إنك عايزة تاكلي كلي. وضعت رأسها بعنقه.
-حبيبي ربنا يخليك ليا. حقيقي لو قادرة كنت أكلت كل اللي عملته. البيتزا طعمها حلوووو أوي بس خايفة أتعب. أخرجها يحتضن وجهها. -المهم تهتمي بأكلك متنسيش إنك حامل. وكويس العصاير والألبان خليكي مداومة عليها. حاوطت خصره. -حاضر. متجبليش سيرة الأكل بجد بطني وجعتني. ممكن نروح نصلي بقى عشان هنام وأنا واقفة. جذبها من كفيها متجها للمرحاض حتى يغتسلا ويقيما صلاة العشاء معاً. بفيلا قاسم الشربيني.
جلست تتأكل من الغيظ، ثم توقفت تدور وكأن مسها مس. -يعني إيه الأرض انشقت وبلعتها؟ هو بيقولي راح الشقة وراكان عندي. إزاي يعني رجعت القاهرة بملابس البيت؟ لا ومن غير عربية. دلف قاسم الشربيني وهو يصيح كالثور الهائج. -هموته يحيى الكومي ده. توقفت زوجته قائلة: -قولتلك بلاش تلعب مع يحيى الكومي. كلنا عارفين إنه مش هيسكت. جلس ينفث تبغه بغل، ينظر لنورسين. -باباكي لسه مجاش من برة؟ هزت رأسها بالنفي.
-لسه والله يا عمو. معرفش اتأخر ليه. حتى راكان كمان مختفي. قالي هيروح يحجز لنوح في المستشفى. وكان المفروض يركب بالليل. اتصل وقالي هبات وبكرة. أهتم لحديثها مردفاً: -قصدك إن راكان رايح يحجز لابن الكومي؟ طيب ما أبوه دكتور. ليه محجزش؟ ارتشفت من كأس عصيرها، ثم وضعته على الطاولة. تضع ساقاً فوق الأخرى وأردفت: -لا ماهو يحيى مجهز كل حاجة. بس فيه شوية حاجات كان لازم يعملها. وكمان يشوف وكيل أعماله اللي هناك.
نفث قاسم تبغه متسائلاً: -مش المفروض تتجوزوا بقالكم سنتين أهو؟ إيه مفيش أخبار للفرح؟ اتجوزيه عشان نقدر عليه. دلف أمجد وهو يقوم بالتصفير. -برنسيس نورسين عندنا يا جمالك يا نور. نهضت تقابله بالعناق، هامسة له: -وحشتني يا أمجد وزعلانة منك. قابل همسها بتهكم وأجابها: -بلاش نتكلم يا نور قلبي، لإن مش هرحمك لو ليلى مظهرتش. تراجعت للخلف تطالعه بذهول. -يعني إيه لحد دلوقتي مظهرتش؟ وكمان جاي مضايق عليا.
اتجه يجلس على المقعد وهو يزفر بغضب، ينظر لوالده. -إياك يا قاسم باشا تكون أنت السبب في اختفائها. نفث قاسم تبغه مردفاً: -أنا مش أهبل عشان أقرب من راكان في الوقت اللي هيتجوز فيه نورسين. أنا إزاي اتغابيت ووفقت أساعد البحيري اللي دمر تخطيطنا. اتجهت نورسين تجلس على ذراع مقعده. -وطبعاً راكان هيأجل الفرح عشان عملية نوح. زفرت بحنق وتوقفت.
-مسمعتش كلام بابي يا عمو. وادي النتيجة. لا وحضرتك كنت عايز تموت يحيى الكومي لولا تدخل بابي. نصب قاسم عوده وتوقف أمام أمجد. -متقربش من راكان دلوقتي. لازم فرحه على نورسين يتم. توقف بمقابلة أبيه. -وأنا أكتر واحد عايز الفرح دا يتم. بس لازم أعرف مكان ليلى. تأفف بضيق على جنون ابنه بتلك الفتاة، فاقترب يحدق به قائلاً: -معرفش البنت دي غسلت دماغك. مالبنات مالية الدنيا. وأحسن منها. مش واحدة متجوزة مرتين وعندها ابن.
قاطعهم رنين هاتفه. -أيوة يابني. جحظت عيناه وتساءل: -هو عايش ولا مات؟ أجابه على الجانب الآخر: -في العمليات. بيقولوا الرصاصة جت في صدره. -مين اللي عمل كدا؟ تساءل بها قاسم. -مدام حلا يافندم. شهق بفزع مغلقاً الهاتف يلقيه بغضب صارخاً: -غبية ومتخلفة. دنت نورسين متسائلة: -إيه اللي حصل؟ اتجه إليها بنظرات جحيمية. -أبوكي هيغرقنا. أنا اتحملته كتير. قولتله بلاش تدخل حلا في عيلة البنداري. وأهو هتجيب أجلنا كلنا.
قالها وتحرك مغادراً للخارج. توقفت مذهولة مما أردف به قاسم تنظر إلى أمجد الذي رفع أكتافه بعدم فهم متجهاً للأعلى قائلاً: -سيبك من ده كله وتعالي يا نور محتاجك فوق. بمشفى يونس البنداري. الجميع يقف أمام غرفة العمليات بإنتظار خروج الأطباء. وصل نوح بمقعده المتحرك متجهاً إلى حمزة الذي يستند على الجدار عاقداً ذراعيه، مطبق الجفنين. -حمزة يونس إيه اللي حصل؟ تسمر بمكانه يستجدي طريقة يفكر بها ليخفي حزنه الكامن بداخله.
-إيه اللي جابك يا نوح؟ يونس كويس شوية وهيخرج. اقترب بمقعده يطالعه بنظرات نارية. -ليه عشان عاجز مينفعش أكون جنبه؟ أنا لسة فيا نفس يا متر. انحنى حمزة يحدقه. -مش قصدي يا صاحبي. أنا قصدي بكرة عندك سفر ولازم ترتاح عشان العملية. ضغط نوح على مقعده مستديراً اتجاه فريال وأسعد وخالد الذين يجلسون بصمت ينتظرون ما يطمئنهم. -سلامته إن شاء الله. يونس قوي وهيعدي منها على خير. انسابت دموع فريال تومئ رأسها.
-إن شاء الله. إن شاء الله ربنا هيطمني عليه. ابتسم أسعد. -أنت تعبان يا حبيبي واحنا هنا. ليه تتعب نفسك وتيجي. أجابته أسما. -والله يا عمو قولتله. بس هو اللي أصر. هنعمل إيه. رفع نظره إليها بأن تصمت. تذكرت قبل قليل بعد خروج حمزة. -إيه اللي حصل يا درة؟ ليه حمزة مشي بسرعة كدا؟ جلست درة وعيونها متحجرة بالعبرات والحزن على ملامحها البريئة. -يونس انضرب بالنار. ده اللي قاله.
سقط قلبه مما استمع إليه. امسك هاتفه محاولاً الاتصال به. أجابه حمزة بعد عدة مرات. -أيوة يا نوح. -إزاي يا متخلف تمشي من غير ما تقولي. أردف بها نوح بصوت صاخب. -نوح يونس كويس مالوش داعي وجودك. -أخرس يا حمزة بعدين نتكلم. طمني هو فين؟ أجابه حمزة الذي توقف أمام غرفة العمليات. -جوه يا نوح. لسة مدخلينه من شوية. -مين اللي ضربه؟ تساءل بها نوح الذي يشير لزوجته بإحضار ثيابه. -معرفش لسة معرفش حاجة دلوقتي. هكلمك لما أطمن عليه.
نظر حوله بحزن ورفع بصره لأسما. -واقفة ليه؟ عايز أغير لازم أكون جنبهم هناك. راكان مش موجود. ربتت أسما على كتفه. -حبيبي مينفعش تروح وأنت تعبان. ومتنساش عندك عملية بعد يومين. ولازم ترتاح للسفر. والدكتور يحيى راح ومعاهم دلوقتي. -أسما. صاح بها بغلظة ينظر إليها بغضب. -لو تقلت عليكي ممكن تسبيني وأنا هعرف أتصرف. قالها وهو يتجه بمقعده لغرفته. جلست تضع رأسها بين راحتيها. -ده اللي كنت خايفة منه. ربتت درة على كتفها.
-حبيبتي معلش هو غصب عنه. والموضوع صعب. روحي معاه. هو أنا اللي هقولك علاقتهم ببعض إزاي. وأنا هروح عشان مرهقة وعندي امتحانات وهطمن عليه من حمزة. قالتها درة وهي ترتدي حقيبتها متجه للخارج. خرجت من شرودها على صوت فريال. -فين راكان؟ إزاي ميكنش هنا مع ابن عمه؟ أجابها أسعد عندما توقف متجهاً لسيلين التي تجلس دون حول منها ولا قوة عبراتها تنسدل بصمت.
-راكان في ألمانيا يا فريال. ولو عرف هتلاقيه هنا في أول طيارة. مش مستني حد يقوله انزل. جلس أسعد بجوار ابنته وزينب، وجذبها لأحضانه. -هموت يا بابا لو حصله حاجة. ادعيله يا بابا. مسد أسعد على خصلاتها ثم طبع قبلة محاولاً تهدئتها. -إن شاء الله حبيبتي. يونس قوي وبيحبك وهيقوم عشانك. هو ينفع يسيب سيلي برضو. ظل عدي أخيه يقطع الممر ذهاباً وإياباً، قائلاً: -هما اتأخروا ليه كدا؟ بقالهم أكتر من تلات ساعات.
أما التي تجلس بركن وتمسك بمصحفها تقرأ به وعبراتها تنفجر كالبرك. اتجهت فرح تجلس بجوارها. -زعلانة عليه بعد اللي عمله فيكي؟ بصي حواليكي. وشوفي هو مع مين. سيبك من سلبيتك. أغلقت سارة المصحف. ورفعت عيونها المتورمة بالدموع.
-يونس بقى أخ ليا يا فرح. مش مجرد حبيب. لإن اكتشفت حبه ليا كأخ أضمن وأحسن وأقوى من حب الحبيب. على الأقل لما أحزن وأضعف هلاقي سند أتساند عليه. مش ناس تخطط عشان الفلوس. بصي انت حواليكي وشوفي سيلين عاملة إزاي في حضن أبوها. وافتكري لو راكان هنا كانت هتبقى زي كدا. مع إنه مش أخوها ولا يربطها بيه حاجة سوى إنه ابن عمها وبس. بس مستعد يحرق الدنيا عشانها. أنا محتاجة لراجل كدا. محتاجة أخ قبل حبيب. لو كنا عاملين ولاد عمنا كويس
بعيد عن الطمع مكناش منبوذين كدا. بصي كدا لسلمى وشوفي عدي حاضنها إزاي. مع إنه فاشل وصايع بس وقت الوجع اتحاموا ببعض. ياريت تفكري وتلحقي نفسك. أنت عندك ولد محتاج الحنان أكتر من الفلوس اللي في لحظة ممكن تضيع منك. ابنك محتاج لأب ومحتاج لأخ قبل كل حاجة يا بنت أمي وأبويا.
قالتها وتوقفت متجهاً إلى سيلين. جلست فرح بملامح جامدة، تنظر حولها بين أفراد عائلتها، تسترجع حديث أختها الذي ضغط على جرحها وتذكرت حديث سليم قبل موته. توقفت أمامه. اقتربت منه تنظر إليه باشتياق. لما لا وهو متيم قلبها منذ الصغر. -سليم لازم نتكلم. صدقني عملت كدا غصب عني. ضغط على ساعديها ونظرات مشمئزة. -غصب عنك؟ تحطيلي حاجة في القهوة وتنزلي لمستوى دنيء؟ وجاية تتبجحي وتقفي قدامي وتقولي غصب عني.
-لا يا أستاذة يا عظيمة. أنا مش مسامحك. عقد ذراعيها خلف ظهرها وهمس بغلاظة. -أنا بحب مراتي. بعشقها. ومهما تتسخ صورتها أنت وأختك الحقيرة هفضل أحبها. مراتي حامل هتقربي منها هفعصك زي الحشرة. أنا كنت بعاملك كأخ. بس أنت بحقارتك خسرتي الأخ ده. وآخر كلام عندي يا مؤذية. -مراتي خط أحمر. قالها ودفعها بقوة حتى هوت على الأرضية. بكت بصرخات مردفة:
-وأنا هنتقم من مراتك دي عشان هي اللي خطفتك مني. أنت عارف أنا بحبك من زمان. بس روحت واتجوزتها مع إنها مش بتحبك. اتجه إليها حتى وصل إليها بخطوة واحدة، يجذبها من خصلاتها. -هتسيئي لشرف مراتي هدفنك يا فرح. سمعتي. هدفنك وأولع فيكي. خرجت من شرودها على خروج الطبيب. هرول الجميع وتوقفوا أمام الطبيب مع خروج يحيى من غرفة العمليات. -احنا عملنا اللي نقدر عليه والباقي بيد الله. ادعوله الرصاصة كانت قريبة من القلب. قاطعه يحيى قائلاً:
-نقلناه على العناية. تعدي الساعات الجاية على خير. مطلوب مننا ندعيله. هزت فريال رأسها بالنفي. -لا ابني! لسة من كام شهر مضروب، إيه اللي بيحصل له دا؟ ابني، لا ابني! صاحت بها بشفتين مرتجفتين. ضمتها زينب متجهة بها للمقعد قائلة: "اسعد خلي الدكتور يديلها مهدئ." أما خالد، الذي هوى على مقعده بعد سماع الطبيب: "إن شاء الله هيقوم بالسلامة." تحرك حمزة سريعا اتجاه غرفة العناية. وقف المسعفين: "استنوا."
تحرك بخطوات متعثرة وعيناه متعلقة بجسده المسجى على الفراش. وصل وبكفه رفعه على وجهه وانحنى يطبع قبلة على جبينه: "يونس، أكيد انت عارف مقدرش أكمل حياتي من غيرك. تقول إيه مراتي ومعرفش يلا. لو مفقتش صدقني المرادي هزعل منك جامد." قاطعه المسعف: "لو سمحت لازم يتحط على الأجهزة." أومأ برأسه وهتف له: "ساعة بالكتير يا يونس وأسمعك بتناديني، يلا سمعتني."
قالها بصوت مرتجف. شعر بأحد خلفه، استدار وجده نوح وبجواره أسما. هنا خارت قواه وانحنى يضم نوح باكياً بصوت مرتفع لأول مرة: "إيه اللي حصلنا يا نوح؟ ليه مش قادرين نفوق من كم الضربات دي؟ يونسسس... آه حارقة خرجت من أعماق قلبه وهو يبكي بصوت مرتفع: "الواد دا طول عمره بيعاني، رغم هزاره بس جواه طفل حنين والله. مش هقدر يا نوح لو حصله حاجة." ربت نوح على ظهره وهو ينظر إلى أسما أن تتركهم، فتحدث مازحًا: "دا إيه الضعف دا يا عبيط؟
دا شوية وينفع البسك طرحة يا حمار. اجمد يالا مضحكش علينا البعدا." تنهد بألم واضعا رأسه بين كفيه وأردف بصوت مختنق: "إن شاء الله. لازم راكان يعرف، مينفعش ميعرفش. وخصوصا أن حلا اللي ضربته والبوليس قبض عليها. ممكن يقتلوها. لازم يرجع في أول طيارة." "هو راكان عند ليلى مش كده؟ أومأ له وتحرك متجها للاتصال به. عند راكان وليلى قبل قليل. انتهى من صلاتهما، جلسا يتسامرون في بعض الأحاديث. نهضت ليلى متجهة بمخدعهما.
طالعها يشير لثيابها: "هتنامي كده؟ أومأت وهي تعدل من وضعية الغطاء: "أيوه الجو برد أوي هنا. من وقت ما جيت هنا اتعودت أنام بترنجي." نهض يتحرك ببطء حتى وصل ووقف أمامها، يفتح سحابها: "دا لما كنت بتنامي لوحدك يا حبي. بس دلوقتي جوزك جنبك هيدفيك. ليه الهدوم دي كلها." قالها وهو يقوم بخلع ترنجها المكون من ثلاث قطع حتى انتهى. حاوطت خصره وتحدثت بصوت متحشرج من نومها الذي طغى عليها: "راكان خلاص هنام وأنا واقفة."
حاوطها متجها بها للفراش ودثرها بالغطاء وتسطح بجوارها يجذبها لأحضانه الدافئة: "بردانة؟ لو بردانة أجيبلك الترنج تلبسيه." هزت رأسها بالنفي وهي تدفن نفسها بأحضانه: "لا، دفيانة. احكي لي عن حياتك القديمة معرفش عنها حاجة غير موضوع شمس. قولي اتعرفت إزاي على حلا ومين اللي اتجوزتها تاني؟ قلت لي قبل كده اتجوزت تلات مرات." مسد على خصلاتها مردفًا:
"حبيبي انسي دا ماضي ومش حابب أتكلم عنه. ولو ينفع أمسحه همسحه من حياتي. قلت لك قبل كده يعتبر ميلادي من يوم ما اتجوزتك." اعتدلت تتوسد ذراعيه حتى أصبحت بمقابلته: "أنا عايزة أعرف. ولا فجأة ألاقي واحدة داخلة عليا زي الست حلا بتقولي ابنك." تأفف من حديثها اتجه ببصره إليها: "برضو يا ليلى هنرجع نتكلم في الماضي؟
ليلى أنا محسبتكيش على الماضي. وعلى مغامرات أمجد زفت وهو بيجري وراكي من هنا لهنا. أعمل فيه إيه وهو كان مجنون بيا. دا فضحني في كل مكان ويتكلم عن حبه المجنون ليا. لدرجة صعب عليا والله بس أهو نصيب." لكزته بأناملها ورمقته بغضب: "هو اللي بيجري، مش أنا اللي كنت بجري زي حضرتك." صك على أسنانه وتحولت عيناه للهيب من نيران لو خرجت لأحرقتها: "ليلى مش عايز أسمع اسم على أمجد. مجرد اسمه بيغصبني. إيه بيجري وراكي دي؟
احترمي ألفاظك شوية، أنتِ نايمة في حضن جوزك وبتتكلمي عن راجل معجب بيكي." ابتسمت تراقص حاجبها: "مش حضرتك اللي عملي فيها روميو؟ وكل شوية واحدة ترمي نفسها قدامك." أطبق على جفنيه وحاول أن يكتم ضحكاته على غيرتها الشعواء، فهتف بهدوء رغم سعادته الداخلية: "نامي يا ليلى عشان مأوريكيش روميو مجنون ليلى ممكن يعمل فيها إيه." فتحت فمها قائلة:
"آه نامي يا ليلى واتفلقي. وبعد يومين أشوف صورك أنتِ وعروسين زفت مالية أخبار النجوم والفن تقول لي اكتشاف لمسلسلات رمضان الجاي. والكل يقول واو البطل جنان وهيولع في المسلسل. ولا التانية اللي تقول يابخت البت الباردة اللي جنبه دي. ولا... وضع أصابعه على شفتيها: "كلمة كمان والله هكلمها فيديو حالا وأتغزل فيها قدامك. وهقلبها نكد. نامي يا مجنونة وبطلي جنان." وضعت رأسها بصدره وتمتمت بقلب ينزف بنيران الغيرة:
"آه أهو دا اللي أنا باخده. يخربيت قلبي الأبله اللي كل مرة بينسى وأنت بتدوس عليه."
ضغط من ضمها مطبق على جفنيه مستمتع بانفاسها وقربها حتى حديثها المجنون راق له كثيرا. رفعها حتى أصبحت بمقابلته واقتحم عالمها دون أي حديث، فكفى ما يتحكم به العقل، فيصبح القلب هو المتحكم الأول، وليس للقلب أن يكون عاصيا على نبضه. بعد فترة كانت تغفو بعمق وهو يتكأ على ذراعيه يمسد على خصلاتها، ويداعب وجنتيها وأخرى شفتيها المسكرة التي أصبحت كأس نبيذ مختمر لروحه. شق ثغره ابتسامة عندما تذكر جنونهما منذ قليل، هل هذا عشق؟
همس قلبه. كيف يكون العشق طاغيا على الحواس جميعها حتى يتحول المرء من شخص حكيم عاقل لشخص أصابه الجنون. حتى من يراه بحكمته وعقله لن يستوعب فقدان كل ذاك عندما يصبح بأحضان من يعشقه. همست شفتيه بكلمة عشق. كيف! أهذا فقط؟ لا، بل هذا أكثر بكثير. هذا تلاقي أرواح بعد عذاب ونياط قلوب متمزقة. تنهد براحة وهو يتمدد يدنو من انفاسها، دافنا رأسه بعنقها وانفاسه الحارة تلفح عنقها هامسا:
"آه يا من زلزلتِ كياني ورجولتي وأصبحت عاشقا متيما لنظرة عيناكِ مولاتي. أحبك ثم أحبك ثم أعشقك عشق لا منتهى له." شعرت به فابتسمت من بين نومها وكأنه يروادها أحلامها هامسة: "أحبك معذبي." ابتسم بانتشاء بعدما تيقن من وجوده بأحلامها. دنت لتدفن نفسها. اعتدل يجذبها لأحضانه. حتى غفى بإستسلام وروحه تنتشي بحبور، ود لو دفنها داخل صدره. بعد قليل.
استيقظ على اهتزاز رنين هاتفه الذي يوضع بوضع الصامت. فتح عيناه بتثاقل واعتدل بعدما أعدل من وضع زوجته يجذب الغطاء عليها. وامسك هاتفه بعدما وجده حمزة. خرج من الغرفة هامسًا بصوته النائم ينظر للساعة التي تعد الواحدة ليلا: "فيه إيه يا حمزة؟ خير." من أمام غرفة العناية يقف ينظر ليونس المسجى: "راكان لازم ترجع مصر فورًا، على أول طيارة." انعقد لسانه وتاهت المفردات من صراخ حمزة لأول مرة، فاهتز جسده يحاول ابتلاع
ريقه متسائلا بصوت متقطع: "إيه اللي حصل؟ ماما وسيلين كويسين." استمع لبكاء سيلين وشهقاتها المرتفعة بعد اتجاهها لغرفة العناية بعدما أُغشي عليها من حديث الطبيب. وقفت خلف الزجاج الشفاف وعبراتها كزخات المطر تطالعه وهي تتلمس الزجاج: "قولي يا بابا إنه لسه عايش. هو ليه مفيش حد بيخرج يطمنا." تراجع راكان بجسده هاويًا على المقعد عندما شعر بفقدانه للوعي وهمس بصوتا كاد أن يسمع: "عملوا إيه في يونس يا حمزة." تحرك حمزة بعيدًا
عن صياح سيلين هاتفا له: "الوضع هنا مش كويس خالص يا راكان. أمجد عرف إن ليلى ركبت عربية بيجاد وبيدور وراه. وحلا ضربت يونس ومنعرفش إيه اللي حصل." قاطعه صائحا حتى استمعت ليلى لصياحه: "طمني على يونس. هو كويس أهم حاجة." نظر حوله ينظر لجميعهم أمام غرفة العناية: "لحد دلوقتي كويس، بس معرفش إيه اللي هيحصل. كلام الدكتور مش مريح وكمان دكتور يحيى قال الرصاصة كانت قريبة أوي من القلب. خايف يضاعف ويدخل في غيبوبة." جلس يمسح على
وجهه بعنف ثم نظر بساعته: "تمام هشوف طيارة لمصر." أغلق هاتفه وهاتف أحد رجاله: "طيارة بأقرب وقت لمصر تتصرف حتى لو هتشوف لي طيارة خاصة." "تمام يا باشا هشوف وارد على حضرتك." كور قبضته حتى ابيضت مفاصله وشعر بألم مفرط يجتاح كل خلية بجسده. اقتربت ليلى تجلس بجواره: "راكان إيه اللي حصل؟ رفع بصره إليها وانعقد لسانه يمسح على وجهه: "يونس انضرب بالنار." شهقة خرجت من فمها وهي تضع كفيها على فمها: "هو عامل إيه؟
نهض ولم يعرف بما يجبها، فهز رأسه. "كويس، أنا لازم أنزل مصر حالا، وهجي بعد كام يوم عشان عملية نوح." تسمرت بوقفتها ودنت منه. "هنزل معاك ياراكان، مستحيل أقعد هنا وأنت هناك وبيننا بلاد ومعرفش عنك حاجة." تعلقت نظراتها المرجوة به بنظراته الرافضة. "مستحيل ياليلى، مستحيل أغامر بحاجة زي كده. أنتِ متعرفيش حاجة، بلاش توجعي قلبي لو سمحتي." دنت تحاوط خصره وأجهشت بالبكاء.
"هموت لوحدي هنا، لو سمحت متسبنيش." قالتها والدمع يتساقط من محجريها وكلماتها المتقطعة التي أضعفت قلبه المسكين. أخرجها يحتضن وجهها. "ليلى لو خايفة على نفسك وبنتك لازم تسمعي الكلام حبيبي، يومين وهجيلك." أنزلت كفيه واتجهت تجلس على الأريكة بجفنين معتكرين، يسحب عبراتها الكثيفة دون حديث. تَـرَك حديثهم صوت هاتفه. أجاب وعيناه تعانق عيناها الحزينة.
"ساعتين تمام. بعد ساعتين إلا ربع تكون تحت البيت." قالها وتحرك متجها إليها يجلس بجوارها، يجذبها لاحتضانه. "ليلى ممكن تسمعيني، عايزك تعرفي أنا لما بكون بعيد عنك، مبكنش عايش، بس مضطر أبعد عشان ولادنا. فترة بسيطة لحد ما أشوف هم عايزين إيه. أنا معرفش مين عدوي من صديقي." سحب نفسا وزفره بهدوء ثم صمت هنيهة.
"مش عايز أخوفك، بس دول وصلوا جوا بيتي. تخيلي إيدهم وصلت لبيتي وكمان الشغالين. كانوا بيموتوا جدي بالبطيء." وضعت رأسها على كتفه ودمعة ملتاعة كوت وجنتيها. "أترضى بالابتعاد عنه لفترة وتقف بجانبه حتى يجتاز مصائبه؟ أم تعانده وتقترب لتنعم به؟ نهضت بخطواتها الضعيفة إلى غرفتها قائلة. "هحضرلك الحمام، ياله عشان تلحق الطيارة." آلمه حالتها، سارع نحوها وجذبها لاحتضانها، يدمغ جبهتها قبلة. ثم رفع كفيها يقبله.
"حبيبتي متزعليش مني، يومين وعد وهكون عندك." رفعت كفها على وجهه وتفجرت برك عيناها. "متتأخرش عليا، أنا وأمير مالناش غيرك." جذبها يعصرها بأحضانه، ود لو دفنها بين ضلوعه. حملها بين ذراعيه ورسم ابتسامة. "وداع بقى بحمى لذيذة كدا من مراتي الجميلة." كانت بحالة لا تجيد المزاح، كل ما فعلته دفنت نفسها بعنقه تستنشق رائحته تدفنها داخل رئتيها. ***
بعد عدة ساعات، وخاصة أمام غرفة العناية المركزة، وصل راكان بكل لهفة وعينان تبحران فوق الجميع. "إيه الأخبار؟ " هرولت إليه سيلين تلقي نفسها بأحضانة وتبكي بشهقات مرتفعة. "قوله يقوم ياراكان، أنا مسامحاه والله، هسامحه. هو بيسمع كلامك." أزال عبراتها يحتضن وجهها. "حبيبتي اهدي، هو كويس، هو بيدلع بس مش كدا ولا إيه؟ عايز يعرف إنك هبلة وبتحبيه." دفنت وجهها بصدره. رفع بصره لحمزة. "تعالى ورايا ياحمزة." "رايح فين ياراكان؟
مش تطمن على ابن عمك الأول." قالتها عايدة التي جلست تضع ساقا فوق الأخرى. استدار بعد خطوتين يرمقها بإشمئزاز. "واصلة معايا لحد هنا؟ كلمة كمان هنسى إنك ست. أنتِ لو عندك دم أصلا كنتِ قفلتِ على نفسك. بس أقول إيه؟ ناس معندهاش إحساس." نهضت متجه إليها ونظرات جحيمية تشير إليه. "مين المسؤول عن كدا؟ مش مجايبك؟ خربت بيتي واهي قتلت يونس؟ يارب تتبسطي. طول عمرك وأنتِ بتتنططي على الكل ويوم ما اتجوزت اتجوزت لمامة."
وصل إليها بخطوة وأمسكها من أكتافها يغرز أصابعه بلحمها. "أوعي تفكري عشان مرات عمي هسكت. لا فوقي، أنا كنت بتحملك عشان بناتك مش أكتر. إنما أنتِ تحت جذمتي." دفعها بقوة حتى كادت أن تسقط. صاح خالد غاضبا. "هو دا وقته ياراكان؟ طيب كبرنا يابني، مش معقول دا." أشار عليها وبعيونه ملتهبة. "دي واحدة حقيرة. محدش يوقفني بعد كدا." ثم استدار إلى خالد. "لمها قاتلة القتلى." صاعقة نزلت على الجميع، فنهضت مرتبكة تنظر حولها.
"إيه ال بتقوله دا؟ " دنا ينظر لمقلتيها الهاربة بكافة الاتجاهات.
"بلاش شغل الخمس ورقات دول. لا فوقي واتعاملي مع ال قدامك على أنه مش غبي. أنا سايبك بمزاجي. أوعي تفكري الحلوف التاني أنا سايبه. لا اصبري واتفرجي عليه." قالها وتحرك متجها لغرفة العناية. ارتدى الثياب الخاصة بها ودلف للداخل. اقترب من رفيق العمر بل أخيه الذي حاوطه بجناحيه منذ صغره. رفع بصره وعيناه مترقرقة بالدموع عندما وجده ملقى لا يحرك ساكنا، مجرد بضعة أنفاس متألمة تخرج وتدخل لصدره.
جذب المقعد وجلس بجواره، تنهد متألما وهو يطالعها بعينين خائفتين وروح تائهة خوفا عليه. "ياترى الدور على مين يايونس؟ المرة دي جت فيك، بس ملحوقة. فوق كدا بس وحقك مش هسيبه." ظل للحظات يطالعه بصمت حتى أتى لينهض، فوجد أصابعه تتحرك. دنا يمسد على خصلاته. "برافو حبيبي، عارفك قوي، فوق وأنا شوية وراجعلك." خرج يتحدث مع الممرضة. "شوفي الدكتور، بدأ يفوق." ابتسم حمزة الذي وقف بالخارج ينتظره. "يونس فاق." جذبه من تلابيبه.
"آه ياخويا، عارفه حلوف بيوقع قلبنا وخلاص. كنت عايزة يطول أهو ارتاح منه شوية." قهقه حمزة حتى أدمعت عيناه، فمن يراه الآن لم يظن أنه الذي جلس يبكي منذ ساعات. دفع راكان يمازحه. "أنت الأسد يا أسد، لما بتبعد بنموت من غيرك." توقف راكان عن السير يرمقه ساخرا. "ولا، خلي بالك من نفسك. عزرائيل جالي من يومين وقالي خلي حمزة ياخد باله من نفسه. أصله عجبني." ضرب كفيه ببعضهما متحركا للسيارة بملامح جادة مختلفة عما كانت منذ قريب.
بعد قليل وصل راكان لمكتب جاسر الذي كان يحتسي قهوته ويتحدث بهاتفه. دفع الباب ودلف للداخل. استدار ينظر إلى حمزة. "عرفت ليه إحنا بنوقع زي الفراخ؟ عشان الأمن مستتب بقيادة هذا الكائن." قهقه حمزة بصوتا مرتفع حتى جلس على المقعد يمسك بطنه. "يخربيت فصلانك." اتجه يجذب مقعده ينتظر إنهاء مكالمته. وضع جاسر هاتفه يوزع نظراته بينهما قائلا. "خيرا إن شاء الله!! ظل راكان يطالعه بصمت ثم تحدث.
"أنت يابني مين ال امتحنك في الشرطة وخلاك ظابط؟ يابني أنا تعبت منك أه والله. قولي عملت إيه من وقت ما مسكت القضية؟ غير كل ما أخل عليك ألاقيك تحب في التليفون. بس أقول إيه معذور." تراجع جاسر بمقعده، وأمسك قلمه ينظر به. "بقولك ياحضرة المستشار هو مفيش في الداخلية غيرك أنت وعيلتك؟ يابني اتعبتلك والله. واتعبت للظباط ال ملهمش غير راكان البنداري ومصايبه." دنا يحدق به قائلا باستفزاز.
"ده النائب العام معملناش معاه كدا. قولي ومتتخبيش عليا. أنت ناوي تترشح للنيابة بمنصب النائب العام؟ جذبه راكان من ياقته هاتفا من تحت أسنانه. "عملت إيه في موضوع نور؟ مسكت الولد ال هاجم على بيت المزرعة ولا قاعد زي الست الوالدة تتطلب مشروبات وبس؟ كتم حمزة ضحكته قائلا. "راكان براحة، أنت ماسكه زي حرامي الغسيل كدا ليه؟ دفعه راكان يشير إليه بغضب. "ياريته ينفع حتى حرامي غسيل، دا فاشل. مش نافع غير في المصايب وبس."
ابتسم ورفع حاجبه مستنكرا حديثه. "ماشاء الله عليك ياحامي الوطن. امسك ملفا ملقيه عليه." "شوف بلاوي مجايبك ياجميس بوند، وتعالى حاسبني." امجد ونور نورسين. اجتمعوا مع بعض في فيلا. من يومين وطبعاً البواب قالي إن أمجد بيتردد على الفيلا دي من فترة وفيه علاقة بينه وبين نورسين. نهض، يضع يديه في جيب بنطاله، ينظر من النافذة.
نور لسه متعرف على أمجد من فترة بسيطة، وعرفت كمان إن قاسم برضه كان بيتردد على الفيلا دي. اسمع بقى القنبلة الجاية. مدام عايدة مرات عم حضرتك كانت بتروح هناك كل ما قاسم يكون هناك. إيه اللي يربطهم معرفش، مع إن فرق السن كبير جداً. وآخر مرة راحت مع نور، وده كان أول مرة نور يروح هناك. بس اللي يخوف في الموضوع فيه واحد شكله جاي من بره. معرفش الراجل ده مين. صورته وبعت الصورة للتحري.
آه وفيه كمان في الفيلا دي صور كتير أوي لمدام ليلى في أوضة. وفيه في أوضة صور ليك مع يونس وحمزة ونوح، وحوال الصور دايرة إلا من صور نوح. ربط راكان حديثه بالأحداث الأخيرة. يعني مش هما اللي ضربوا نوح؟ إزاي؟ ارتشف رشفة خفيفة ونظر إلى راكان. اللي وصلنا له إن البحيري طلب مساعدة من الشربيني بحكم مشاركتهم في المشروع الجديد. وطبعاً الشربيني متأخرش. بس فيه حاجة ناقصة. الشربيني إزاي يتفق مع عايدة إنها تقتحم بيت المزرعة؟
وهو عارف ومتأكد إنك هتكشفه. فيه حاجة مش مظبوطة. قاطعه حمزة قائلاً: بما إن الموضوع فلوس مش ورق القضية بس، يبقى هو كان عايز الورق. بس عايدة طمعت في موضوع الولد وحضانته. وخصوصاً إنها كانت عايزة تخلي مدام ليلى تشك في راكان. لما قالتلها اتنازلي لشخص تاني بعيد خالص. أو راكان. أومأ راكان موافقاً الرأي، وتوقف يسأله. زرعت كاميرات في البيت ده؟ هز رأسه موافقاً.
أيوه زرعت في كل مكان. ورشيت البواب يعني ظبط الدنيا. فيه حاجة كمان قولتها لحمزة. عرفوا إن ليلى ركبت مع بيجاد. وأمجد بيدور وراه. بس عمو ريان ادخل وجاب الراجل وعمل معاه الواجب. بس هدوء أمجد يخوف. مع إنه ميعرفش علاقتك ببيجاد. وكويس إنك لجأتله. بس خلي بالك، إحنا خلاص قربنا على الانتهاء. يارب ميحصلش جديد. مط شفتيه للأمام وهز رأسه.
كله ماشي زي ما طلبت بالظبط. وتحليل جدي اللي وصلتلهم دلوقتي هيريحهم كتير. لحد ما أخلص من عملية نوح ونفوقلهم. بعد قليل بغرفة يونس بالمستشفى، تجلس بجواره تضع رأسها على كفيها وتغفو. دلفت فريال تطالعهما بصمت. اتجهت إليها تنظر لذاك الذي يجلس يقرأ بالمصحف. توجهت له. أسعد روح أنت وزينب من امبارح وأنتوا هنا. وكمان خدوا سيلين معاكم. شكلها أرهقت أوي. هز رأسه رافضاً حديثها وتساءل. خالد راح فين؟ جلست بمقابلته وأجابته.
نزل يشرب قهوة تحت. وقال هيكلم جلال من امبارح وفونه مقفول. مش ناوي تسامحه؟ فتحت زينب عيناها. يونس صحي ولا لسه؟ اتجهت بأبصارها لابنها وأجابتها. لا لسه نايم. الدكتور قال النوم أحسن له. نهضت زينب متجهة لابنتها. البت دي ضهرها هيوجعها. وصلت إليها تمسد على خصلاتها. حبيبتي قومي نامي على السرير. رقبتك وضهرك. اتجهت بنظرها إلى يونس. لما يفتح عيونه. وأطمن عليه. ابتسمت زينب وجلست بجوارها وظلت تمسد على خصلاتها.
وكان ليه من الأول بدل الحب ده كله؟ ياما قولتلك بس دماغك دي في حتة تانية. دنت تداعب وجهه وأجابته بقلب متألم. وجع القلب وحش أوي يا ماما. مهما أقولك مش هتحسي بيا. وفي نفس الوقت بتتمني تقربي. يعني لا عارفة تبعدي ولا تقربي. استدارت تطالعها. أهو يونس كده. على قد ما هو وجعني بس مش عايزاه يبعد. وفي نفس الوقت مش عايزاه يقرب. صمت هنيهة تطالعه وعبرة انبثقت من جفنيها. بحبه ومش قادرة أسامحه. ولا قادرة أبعد عنه. قولولي أعمل إيه.
سيلين. همس بها يونس. ابتسمت تمسح دموعها ثم نهضت تمد كفيها لأمها. دلوقتي لازم أقولك أنا كده اطمنت وعايزة أنام. أنام كتير أوي. ضيقت زينب عيناها مردفة. مش هتستني لما يفتح عيونه يا بنتي. كانت تطالعه بصمت للحظات، فرفعت بصرها لوالدتها. ماما أنا اطمنت عليه. يفوق وبعد كده لازم نتكلم أنا وهو. بمركز الشرطة صفعة قوية على وجهها. يلف خصلاتها بكفيه. وصل بيك الحال ترفعي السلاح وتضربيه؟ هموتك. تراجعت للخلف مبتعدة عنه، تقف خلف حمزة.
انت السبب. أخدت ابني مني. وحرمتني منه. كنت مستني مني إيه؟ عارفة إني غلطت لما روحت وقولتلك الولد ابنك. هما اللي قالولي كده وحياة ربنا قالولي اعملي كده. وهيرجعك لعصمته. بعد ما عمك كان عايز يطلقني. نظرت له من خلف حمزة وأردفت ببكاء. ظلمتني يا راكان. عارف ليه؟ عشان الليلة الوحيدة اللي طلبتها منك كنت بتهلوس باسمها هي. كأن الست اللي في حضنك دي حشرة مالهاش حق تتكلم. قولتلك عايزة ولد. كان ردك إيه؟
يبقى أطلقك دلوقتي ولا كأنك شوفتيني. ليه عملت إيه لكل ده؟ ما أنا ندمت ورجعت وأنت عارف ومتأكد إنهم غصبوني أبعد عنك. اقتربت تطالعه وتوقفت أمامه.
عملتلك كل حاجة. جبتلك أسرارهم كلها. وكان جزاتي ليلة مع راكان البنداري. ويا ريت يكون بعقله وقلبه معايا. بعد ما عمل كافة احتياطاته عشان ليلته ميكونش فيها أي ذكريات. فضل يشرب ويشرب لحد ما فقد حتى نفسه. وكأن الشخص ده أنا معرفتوش ولا عمري شفته. ضيعت أمنيتي الوحيدة وجاي توقف وتقولي عملتي كده ليه؟ أيوة ولو طولت الحيوانة التانية هموتها بإيدي. حيوانة اتجوزت واحد وشغلت التاني.
أمسكها يطبق على عنقها وتحولت عيناه لنيران من الجحيم. هموتك يا حقيرة. انت اللي عملتي مني شخص فقد الثقة في كل اللي حواليه. كرهتيني في الستات كلها. شحب وجهها وكادت تختنق لولا ذراع حمزة. راكان هتموت في إيدك. دي ماتوسخش إيدك فيها. دفعها بقوة حتى سقطت على الأرضية تسحب أنفاسها، تضع كفيها على عنقها. وقف أمامها وانفاسه المحترقة تكاد تحرق ما يقترب منه. نيران بصدره تعصف به. حتى انحنى يجذبها من رسغها بعنف.
مين قالك تضربي يونس يا بت؟ وإيه موضوع الولد اللي جبتيه من عمي ده؟ اتجوزتيه إمتى؟ رفعت نظرها تطلق ضحكات وهي تمسح دموعها. عمك ده غلبان أوي. إزاي اتجوز حرباية زي عايدة دي. والله صعبان عليا. دنت تحدق به.
روحتله أعيط وأقوله راكان طلقني وأنا حامل ومش راضي يعترف. صعب عليا. وخدني في حضنه ماهو محروم من الصدر الحنين. ولعبت عليه زي غيره. لحد ما كتب عليا. وبعدين شوية سهوكة لحد ما دخل عليا. ماهو جلال البنداري برضه. يعني عز وجاه. وبعدها حملت حق وحقيقي. وياسلام لما عرف إني حامل في ولد. طار من الفرحة. رغم إنه عارف الولد ابنك. عبيط أوي جلال ده. ظل مسلطاً بصره عليها ينظر ببغض عليها فاردف.
الولد متستاهليش تكوني أمه. عشان كده. اتسجل باسم عمي. بس رحمة بيكي هخليكي أمه في الشهادة بس. وفيه واحدة محترمة تربية. دنا يهمس بجوار أذانها. جلال البنداري طلقك بالتلاتة. وبيقضي شهر العسل مع أم ابنه. آه عايزك تعرفي عايدة كمان بكده. ماهو الراجل ماصدق إنه طلع عنده ولد. وست محترمة. اخترتها على فرازة مش شوية قذارة. قالها وهو ينظر لجاسر. ارميه انفرادي وخلي بالك منها لصبح اسمع خبرها. لسه محتاجها معايا. هرولت خلفه.
وحياتي يا راكان. بلاش تعمل فيا كده. ابني وديه لأمي تربيه. ووعد هقولك كل حاجة. تحرك ولم يعرها اهتمام حتى هتفت بصراخ. حتى لو عرفت إن أمجد اتفق مع سليم إنه يهدد ليلى عشان يتجوزها. تسمر بوقوفه مستديراً ببطء إليها. بتقولي إيه يا حقيرة. اتجهت تقف أمامه. سليم عرف إن أمجد بيجري ورا ليلى. راحله وهدده إنه يبعد عنها. كان عارف بعد كلامه أمجد هيضايق ليلى أكتر. وكان عارف إنك حاولت إن ليلى تخضع لك. يعني سليم كان عارف كل حاجة.
صاعقة نزلت فوق رأسه حتى شعر بتخدر بجسده بالكامل. وكأن أقدامه تسمرت ولم يعد لديه الحركة. دنت بعدما وجدت تغير ملامحه وأكملت ما أقسم ظهره. وعارف إنك كنت بتحبها. عشان كده سبقك وراح خطبها. وافتكر كويس يوم كتب كتابنا قالك إيه. دنت أكثر وأكثر قائلة بنبرة شيطانية.
أخوك مات بسببك أنت لما راح زي المجنون يواجه ليلى. اللي اعترفت له وقالت له إنكوا بتحبوا بعض. وبعدها خرج زي المجنون وركب عربيته ومات بسببكم. قالتها وهي تنظر لعيناه بشماتة ثم أدارت حوله. واهي لو مش مصدقني اتصل بيها واسألها. ماهي أكيد أنت عارف مكانها بعد حملها اللي بتحاول تخبيه عن الكل. معقول يا حضرة المستشار.
تكون انت السبب في موت أخوك. شايف الناس كلها قذرة وأنت مقضيها مع مرات أخوك اللي منعرفش أمير ابنك ولا ابن سليم المسكين. اللي قتلتوه انتوا الاتنين. اشتعلت عيناه كجمرتين من اللهب الحارق. أطبق على عنقها يجز على أسنانه. وانفاسه مستعرة بالنيران. حاول جاسر وحمزة الفكاك بها من بين كفيه ولكنه تحول لمارد أراد أن يحرق ما يقابله. بعد عدة أسابيع في فندق يقام على نهر النيل. وقف ينفث تبغه. توقف نوح خلفه.
لو عملت كده يبقى بتقضي على كل بينا يا راكان. ليلى متستاهلش منك كده. دي منهارة وممكن. استدار يطالعه ثم أردف. لو خلصت اللي جاي تقوله ممكن تمشي لو مش عايز تحضر الفرح. دلت سيلين توزع نظراتها بينهما. أبيه راكان ماما رفضت تيجي. وكمان بتقولك أنسى إن لك أم. ألقى سيجاره يدعس عليها. متجها للخارج. براحتهم كلهم. النهاردة فرحي اللي عايز يحضر يا مرحب بيه. أما اللي مش عايز برضو مرحب بيه.
وصل لغرفة نورسين التي تجهزت وأصبحت بكافة أناقتها. حبيبي خلاص أنا جهزت. بسط يديه ليحتوي يديها. طالعة كتير حلوة أوي يا نور. الفستان حلو أوي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!