نازلين من العربية باستعجال، رجليهم مش لامسة الأرض، كل واحد جواه ألف فكرة وفكرة. عزت من جواه: أوعى يا حسين تكون استسلمت، أوعى. بخوف كمل: أنا معرفتش حجم الألم اللي انت عشته غير لما اتحطيت فيه، وقعت من طولي إزاي أقولك أوعى وأنا نفسي وقعت إزاي!! هدى بدموع مغرقة وشها: يارب، غصب عني، من وجعي أي كلمة خرجت مني كانت من قهرة قلبي، حسين ده حب حياتي وعشرة عمري، لو راح مني أنا هعمل إيه؟ هعيش إزاي وليه! يارب ارفق بحالي يارب.
سهير بنغزة في قلبها: أعوذ بالله، إيه النغزة دي؟ قلبي زي ما يكون اتعصر مرة واحدة، يا ترى في إيه؟ معقولة يكون في حاجة حصلت؟ هزت رأسها بسرعة: لا لا، إن شاء الله مفيش حاجة، أكيد أكيد ده من التعب، لأني ما ارتحتش من هنا لهنا، ده غير التوتر اللي الواحد فيه. النغزة زادت وحاسة بضيقة بتزيد، وقفت وهي ساندة على الحيط ودمعة واحدة نزلت من عينها، مسحتها باستغراب وإيد بترتعش وبخضة: هو في إيه؟ عينها جت على هدى وحالتها زي ما تكون
رجليها بتطير مش بتمشي: الله يكون في عونك يا هدى، أنا كلمتين وحالتي حالة، حتى النفس مش قادرة أخده، وانتي قلبك موجوع ما بين جوزك وبنتك ووجع السنين، ربنا ما يكتب عليكي وجع تاني. أخدت نفس طويل: لازم أخلي مريم تكلم أمها، لازم أطمئن قلبها، ودي أقل حاجة أقدر أعملها، وده أكيد هيهون عليها كتير. وبقلق كملت: حتى أنا عايزة أطمئن، حاسة بقبضة في قلبي، لولا خوفي منهم كنت طلعت التليفون وكلمتهم.
أطمئن على حسين وأي حجة أتصرّف وأكلمهم بعيد عنهم. راحوا على العناية، وقفوا قدام الإزاز. هدى بهمس: حسين! سهير شهقت شهقة مكتومة وهي شايفة منظر حسين والأجهزة متوصلة بيه وهو نايم على السرير مش بيتحرك، وبذرة ندم بدأت تكبر جواها: أنا ما كنتش متخيلة إن هيحصل كده، أو إن حالته هتوصل لكده! عزت بوجع على صاحب عمره، بهمس مسموع ليهم التلاتة: أوى يا حسين، أوى. بصت سهير لعزت باستغراب، أول مرة تشوف الضعف ده في عينيه: هو في إيه؟
إيه الغموض ده! مالك يا عزت؟ ده أنت يوم تعب والدك ووفاته مش شفت الكسرة اللي في صوتك ولا النظرة اللي في عينك دي، مرة تقع من طولك ومرة تبكي! بتبكي يا عزت! حاسة إنها غلطت، ما هو اللي أنا شايفاه ده مش طبيعي، ووجع قلبي اللي بيزيد ده مش طبيعي، أنا لازم أكلم ابني، لازم أطمئن عليه. بتحاول تطلع تليفونها. خرجت الممرضة ليهم: مدام هدى، الدكتور مستني حضرتك من بدري، اتفضلي معايا. سهير بسرعة رجعته تاني وراحت معاهم للدكتور.
أول ما هدى شافت الدكتور، هي وعزت في صوت واحد: حسين كويس! الدكتور: اتفضلوا الأول. قعدوا التلاتة قدامه. بدأت هدى: طمنيني أرجوك. الدكتور: مدام هدى، أنا زي ما قلت لحضرتك قبل كده، دكتور حسين مشكلته واضح إنها نفسية، بدليل إنه حالياً فاق بس مش بيدي أي رد فعل. عزت باستفسار: معلش يا دكتور، توضح لأنّي مش فاهم. الدكتور: دكتور حسين مؤشراته الحيوية كلها بتقول إنه حالياً تخطى مرحلة الخطر، بس.. هدى وعزت: بس إيه؟
الدكتور: دكتور حسين رافض أو ممتنع أو فاقد الرغبة في التجاوب معانا. هدى: يعني إيه! الدكتور: للأسف، زي ما يكون رافض الرغبة في الحياة، ودي بداية اكتئاب، أخاف يوصل بيه لمرحلة إنه يأذي نفسه. شهقت سهير: يعني قصدك إنه ممكن... هدى بدموع: لا، حسين قوي، عمره ما يفكر يعمل كده.
الدكتور: أنا اللي طالبه منكم إنكم تكلموه، أعرفه منه سبب حالته، والعلاج وقتها هيبقى في إيدكم، لأنه عضوياً بالنسبة لنا حالياً مفيش مشكلة، لكن عدم رده على الدكاترة أو إبداء أي رد فعل معاهم ده مش عضوي زي ما قلت لكم، هو فقد الرغبة في التواصل. عزت بعصبية: لا، يعني فقد رغبة؟ لاااا، مش هسمح له يهرب. خرج عزت بعصبية، وهدى بتخرج وراه هي وسهير.
وقف الدكتور هدى وقالها: سيبيه يا مدام يطلع معاه شحنة غضبه، يمكن تكون هي دي اللي هترجعه تاني، لما يحس إن وجوده مهم بالنسبالكم. هدى: يحس! ومهم؟ حسين هو كل حاجة، يا دكتور، مش عزت بس اللي لازم يتكلم، أنا كمان ليا عتاب كبير معاه. قالتها وخرجت وراهم. عزت أول ما دخل على حسين، عصبيته كلها اتبخرت وهو شايفه نايم وباصص للسقف، مش بيحرك حتى جفن. عزت وقف قدام السرير وبصوت موجوع: حسين. ما ردش. رجع تاني نادى
بصوت ظهرت فيه بوادر بكاء: حسين. برضه ما ردش. عزت: مريم لسه عايشة. هنا حسين عينيه اتحركت، وحانت على عزت وبصله بعيون مدمعة، وعزت هز رأسه بياكده: عايشة يا حسين، ومحتاجك جنبي. نرجعهم أنا لوحدي مش قادر، جربت ووقعت من طولي، اقف معايا، نرجع أولادنا لحضننا، أكيد فيه حل، أكيد فيه حل، والأكيد إني من غيرك مش هعرف ولا هقدر، متسبنيش، ومش عشان خاطري أنا بس، مع أني عارف ومتاكد إن خاطري عندك غالي قوي، بس عشان خاطر مريم.
حسين بتهته: مريم. عزت: مريم وأحمد. هدى اللي دخلت بصوت بيعاتب: وأنا يا حسين، ماليش خاطر عندك. بصلها حسين بوجع وهي بدموع: بقا دي آخرتها يا حسين؟ عايز تسيبني لوحدي! قولي هدى هتعمل إيه من غير حسين في حياتها، أنا كل مصيبة وقهره كنت بطمئن بإيدك اللي بتطبطب عليا، حضن إيديك وهي بتدفيني وأنت بتهمس لي أنا هنا جنبك كل ما أضعف، تيجي في أصعب اختبار وتسيبني!
تهرب وتغمض عيونك وأنت شايفني مفتحة عيني وأنا شايفة أكتر كابوس مر عليّ، النوم بيحصل قدامي! هونت عليك! ودلوقتي برضه هونت عليك وأنت عايز تكمل في هروبك وتسيبني أواجهه ده كله لوحدي! طب إزاي! قولي إزاي من غيرك! عمرك ما عودتني أقف في وش التيار، دايماً كنت بتمسك إيدي وتوقفني ورا ضهرك وتقولي أنا موجود، جاي دلوقتي تسيبني يا حسين. بصعوبة رفع إيده في الهوا ناحيتها وبصوت بيتنفض: هدى. جريت عليه، قعدت على ركبها
ومسكت إيده باسمها بدموع: ما تسبنيش. حسين: سامحيني. هدى مدت إيديها مسحت على شعره بحنان: قوم، أنا ومريم محتاجينك. حسين: مريم، جات، طب عرفتي مكانها! عزت وهو بيبص على سهير اللي رجعت خطوة لورا: لا، بس عارفين اللي يعرف. بص حسين على سهير وواضح عليه إنه مش فاهم. سهير بصت في الأرض وما اتكلمتش. عزت: أظن إنه آن الأوان إنك تقولي هما فين! حسين اتعدل بضعف، جريت هدى تساعده في قعدته، وبصوت يدوب طالع قالها: انتي عارفة مكانهم يا سهير.
سهير اتنهدت وهزت راسها ومتكلمتش. حسين برجاء قال: سهير، مش وقت سكوت، مهما حصل ممكن نقدر نلحقهم. سكوتك ده مش حماية ليهم، بالعكس، ده ممكن يكون سبب كارثة لينا كلنا. سهير بعصبية: كفاية بقي كلام وألغاز، كل كلامكم مصيبة، كارثة، محدش فيكم كلّف خاطره يفهمني في إيه، لو مصيبة أنا كنت عملت إيه؟
أنا أم، شفت ابني وحيدي بيتألم من الحب، ساعدته هو والبنت اللي حبها، عملتوا حصار ما بينهم واتكتفتم أنتم التلاتة كأنكم أعداء لينا، أنا وهو ومريم، هي نفيش سبب مقنع ليهم لرفضكم، وأنتم أكتر من الأخوات، حتى بعد اللي حصل برضه زي ما أنتم.
وأنا كل مادخل عليكم وأنتم بتتكلموا تقطعوا كلامكم كأن اللي دخلت عليكم دي غريبة، لو سألت عن سبب الرفض تغيروا الموضوع، حسستوني إني مش قد ثقتكم، وكل ده ولا فرق معايا غير سعادة ابني ومريم، يبقى إيه الكارثة اللي عملتها.
أدارت لهدى وأخدت نفس: هدى، أنا ما سرقتش حلمك ببنتك، فرحتك، أنتِ اللي حرمتي نفسك منها. قلبي وجعني عليها زي ما وجعني، لكن ابني، أنتِ اللي بعدتي بنتك عنك، حمايتك ليها وخوفك اللي مش مبرر، والرفض اللي ملوش سبب، ما أخدتيش بالك إنك بتخسري بنتك اللي كل يوم بتنطفي عن اليوم اللي قبله، أسئلة كتير جواها كلها ليه، مهيش لاقية ليها إجابة، حتى لما بتسألني، مبلقيش رد على سؤالها، كلمة ليه وعشان إيه، خلاه بعيد أوي عنك، وأنتي بدل ما تقربيها منك كنتي سجان واقف، بفتح ممنوع من فتح زنزانة المسجون البريء.
عزت بص لسهير بعصبية وبصوت عالي قالها: سهير، أنتِ بتحكمي على نفسك بالعذاب، كل اللي قولتيه ده ملوش فايدة دلوقتي، اللي هتسمعيه مش هتقدري تستحمليه، سهير، انطقي، الولاد فين. سهير كتفت إيديها قدام صدرها وبصوت رسمت فيه القوة: آسفة، مش هقدر أقول. سعدتهم بوجودهم مع بعض. عزت بصريخ وبعصبية: أنتِ مش فاهمة حاجة، انطقي يا سهير قبل ما تندمي طول عمرك. سهير: اهو رجعت للألغاز، وكلام اللي مش مفهوم. حسين بصت لها، وبصوت متحشرج من
محاولة الكلام بهدوء قال: عايزة تعرفي إيه يا سهير؟ تعرفي إنك بعملتك ليهم حكمتي عليهم بالموت. سهير باستهزاء: الموت ده حق، ملناش تدخل فيه، لو كل اتنين اتجوزوا ماتوا كانت الدنيا ما عمرتش، بلاش تدخلي بكلام تافه. حسين بصعوبة في الكلام: أنا للحظة دي مشفق عليكي، لكن مدام واخده الأمور بسخرية واستهزاء، هقولك اللي عزت كان رحيم بيكي ورفض إنك تعرفيه. هدى بدموع وصوت متحشرج من البكاء: صدقيني يا سهير، مش هتستحملي اللي هتعرفيه.
سهير: أيّاً كان اللي هيتقال، أنا اللي أقرر وأتكلم، هستحمل أو لأ، لكن تقرروا وتدوا لنفسكم حق مش حقكم. حسين مسك إيد هدى وضغط عليها بحنان وضعف وقالها: سامحيني يا هدى، ما كنتش حابب تسمعي الكلام ده مرة تانية وترجعي تتوجعي من جديد. هدى بنفس حالتها: ما استهونتش يا حسين عشان أفتكره، كل ثانية بتعدي عليا وهم مش بيروحوا عن بالي، وكل مرة بقول لو كنت عرفت قبلها كنت حميتهم وخبيتهم في أمّي. هدى بصت لعزت الواقف
وعيونه بتطلع من مكانها: عزت، اقعد جنب سهير، هتحتاجك جنبها. حسين بص لسهير وبوجع وصوت مهزوز: سهير، لو في يوم حد جه وقال لك إنك في يوم هتخسري ابنك وقال لك على علامات ودلائل على اليوم ده، هتصدقيه. سهير هزت راسها بحيرة، رفعت عيونها ناحية عزت اللي وشه بقى كله هم وحزن، عيونها راحت ناحية هدى اللي دموعها مغرقة وشها، وبتتهز وهي بتكتم شهقاتها: أكيد لأ طبعاً، الأعمار بإيد الله، ومين اللي عنده العلم ده أصلاً؟
ربنا أدانا عقل نميز بيه. حسين بضعف: ونعم بالله العلي العظيم، عندك حق بكلامك، بس لو قلت لك كنت زيك بالظبط مش مقتنع وبتريق على اللي قال الكلام ده، وتقريباً نسيته لحد. هدى مسكت إيد حسين اللي جسمه كله بيتنفض وقالت له: حسين، أنت تعبان، بلاش كلام دلوقتي، خلينا نأجلها بعدين. حسين ضغط على إيدها وقال: لأ، مش هنأجل يا هدى، غلطنا مرة وبسببها مريم وأحمد بعدوا، ويا عالم نلحقهم ولا خلاص هيروحوا زي اللي راحوا. عزت بهم وبصوت ضعيف
أول ما سمع اسم ابنه وقال: لا، صدقي يا سهير، أنا كمان كنت زيك، أول مرة سمعت الكلام ده في نفس اليوم والمكان اللي اتقال لحسين اتقالي… هتكون مقطوع من شجرة وهيجيلك اللي هيصلب طولك بعد سنين، وحكيم، هيكون دراعك ورجلك وعيونك اللي هتشوف بيها، وفي اليوم اللي هتعيش عمرك بتحلم بيه، هتشرب من نفس كاس صاحبك. سهير بلعت ريقها ببلبلة وعصبية في نفس الوقت: أنا مش فاهمة حاجة، إيه الكلام الغريب اللي بتقولوه، ألغاز وكلام ما يدخلش المخ.
هدى بصت لحسين وبهدوء قالت وهي بطبطب على إيد حسين: كنت زيك كدا، مش مقتنعة بالكلام ده، ولحد دلوقتي مش مقتنعة بيه، وعندي يقين إن كل حاجة بإيد ربنا، وإن علمه مش عند حد من عباده، ولو حقيقي ربنا كتب لي الوجع للمرة التالتة، فأنا واثقة في ربنا إنه هيرجعهم لينا ومش هيوجع قلبنا عليهم ببركة دعانا كل ليلة، وزي ما بيقولوا، الدعاء بيغير القدر، وأنا عندي يقين إن ربنا هيتقبل دعوتنا.
حسين هز رأسه وقال: يارب، أنت عالم بحالي، أنا كنت راضي واسترجعت أدهم، وتقبلت موته، لولى وجعتي التانية، أدهم وكلام رشدي اللي رجع كل حاجة قدامي زي شريط السينما، وكل كلمة اتعادت قدام عيوني. سهير بنغزة في قلبها قالت بصوت مهزوز: الله يرحمهم، بس إيه علاقتهم بجواز مريم وأحمد. عزت بوجع: يعني بعد كل اللي سمعتيه ده ومفهمتيش معناه.
سهير: لو على كلام هدى، كل اللي فهمته إنها بتدعي ربنا ينجي بنتها من حاجة مخوفاها، لكن سواء كلامك أو كلام حسين، أكيد مفهمتش منه حاجة. حسين: براحة عليها يا عزت، وأنتي يا سهير، هتعرفي كل حاجة. سهير، أكيد انتي عارفة إن صداقتي أنا وعزت بدأت واحنا دكاترة صغيرين، أيام التكليف في مستشفى الكفر في بلد هدى.
سهير: أيوا عزت، حكى لي عن صداقتكم اللي بدأت أول ما اشتغلتوا هناك. حسين، كل ده ملوش لازمة عندي، اللي عايزة أعرفه إيه الحكاية وكلامك الغريب اللي بتقولوه أنت وعزت.
حسين اتنهد وقال: بعد وفاة أدهم، أدهم كان متأثر جداً بوفاة أخوه، اعتزل الدنيا وأهمل دراسته، بعد كلام كتير مني ومن هدى، قدر يخرج من عزلته ورجع الجامعة، وبعد فترة اتعرف على زميلته وحبها، وبعد التخرج جه وقال لي أنا ومامته، وعشان نفرحه ونخليه ينسى حزنه، خطبنا له البنت، وبعد كام شهر عملنا الفرح في أكبر أوتيل في البلد. غمض عيونه ورجع بذاكرته لعشر سنين.
يومها كنت واقف على باب القاعة والفرحة مش سيعاني، وأنا شايف ابني عريس وبيتجوز، والفرحة في عينيه وهو قاعد جنب عروسته، وطبعاً أي أب وأم في الوقت ده بيعيشوا أسعد لحظات حياتهم، إلا أنا، كان جوايا مشاعر كتير متلخبطة، ما بين فرحة ووجع، وأنا بشوف أدهم في آدم، شايفهم بيتجوزوا في نفس اليوم مع بعض، وفي عز ما أنا سرحان ومتخيلهم، لقيت إيد اتحطت على كتفي وحد بينادي باسمي: حسين.
لفيت أشوف مين، لقيت واحد شكله غريب شوية، بس ملامحه زي ما أكون عارفاها. اتفاجئت بيه وهو بياخدني بالحضن وبيقولي: حسين الباشا! أنا مش مصدق نفسي بعد السنين دي كلها! حسين: معلش، مش واخد بالي. الشخص: بقا كده يا حسين؟ نسيتني؟ نسيت رشدي الخيام؟ مستشفى الكفر. حسين بذهول وهو بيبص لشكل وملامحه: معقولة أنت رشدي. وقتها رشدي كان لابس بدلة شيك سموكي وبابيون وماسك كمان، وشعره طويل ملموم في ديل حصان.
حسين: معقول أنت الدكتور رشدي الخيام من مستشفى الكفر. رشدي: يا عم، أنا سبت الطب من عشرين سنة واشتغلت الحاجة اللي بحبها. حسين: الكمان. لسه هيرد، جات واحدة وقفت وقالت: يلا يا فنان، اتأخرنا. رشدي: جاي يا روحي. بص لي وقالي: بعد إذنك يا حسين، أخلص الفقرة وأجيلك قوام. جاي يتحرك، مسكته من كتفه: أنا مش فاهم حاجة، وأنت هنا بتعمل إيه. رد عليا بابتسامة وقالي: أنا هخلص وراجع لك وهفهمك كل حاجة، بس أنت استنى ما تمشيش.
حسين بصت عليه لقيته طلع الـ stage وقعد جنب الموسيقيين وقعد يعزف. صحيح كنا كتير بنسهر أيام المستشفى وهو بيغني ويعزف لنا. بعد ما خلص الفقرة، جه وقعد معايا على ترابيزة آخر القاعة. رشدي: سوري يا حسين، اتأخرت عليك، بس الوصلة بتاخد ساعة، وجيجي بتوقف المسرح والوصلة بتتأخر أكتر من ساعة. حسين بعدم فهم لكلامه: رشدي، أنا مش فاهم كلامك، بس مش مهم، فهمني إيه اللي أنت فيه ده.
رشدي: حكاية طويلة، مش وقته خالص، اديني رقم تليفونك، نحدد معاد معاك ونتقابل. حسين، أنت لسه فاكر حد من شلة مستشفى الكفر. حسين: مفيش غير عزت البوهي، فاكرة الدكتور الصيدلي. رشدي: أيوا، الحليوة أبو دم خفيف ده، فاكره. حسين رفع إيده وشاور لعزت اللي قاعد في ترابيزة قصاده من الجهة التانية إنه يجي عنده. عزت أول ما حسين شاور، قام وقف وراح له: حسين، في حاجة؟ شاورت لي. حسين شاور على رشدي وقاله: في حد تعرفه حابب يسلم عليك.
رشدي قام وقف وابتسامة على وشه، مد إيده لعزت وقاله: لسه قمور وحلو زي ما أنت يا زيزو. عزت باستغراب بص لحسين ورجع بص لرشدي وقال: زيزو دي بتاعت واحد بس، كان بيناديني بيها زمان. رشدي بضحك غمز له: وهو قدامك بشحمه ولحمه. عزت فتح بوقه بذهول وقال: روشدي الخيام!؟ رشدي حضن عزت وقال: أيوا رشدي، يا زيزو. حسين قاله: أنا عملت زيك بالظبط، ما كنتش مصدق أول ما شفته.
رشدي باستعجال: بقولكم إيه، تعالوا نمشي بسرعة من هنا قبل الوصلة التانية ما تبدأ، واتلخم مع الفرقة وتمشوا، وأنا ملحقتش أشبع منكم. حسين: نمشي فين؟ أنا مش هقدر أمشي وأسيب الفرح. رشدي: ليه، هما صحاب الفرح يقربوا لك. حسين: ده فرح ابني أدم. رشدي بذهول شهق جامد وبلبلة: بتقول إيه؟ فرح ابنك! عزت بضحكة: في إيه يا ابني؟ مالك وشك قلب كدا ليه. رشدي: معقولة يا حسين، أنت بتجوز ابنك بسهولة كدا؟ إزاي قدرت تعمل كدا.
حسين باستنكار: بسهولة يعني إيه؟ وإيه اللي عملته في جواز ابني. رشدي بص لعزت: عزت، أنت سامع كلام حسين وساكت ليه؟ ما منعتهوش. عزت: وأمنع حسين يجوز ابنه ليه؟ رشدي: لا، أنتم أكيد ناسين، يا أما أنتم مجانين. نسيتوا زمان والكلام اللي اتقال. حسين بعصبية: كلام إيه اللي بتقول عليه. رشدي: مفيش وقت، امنع الجوازة دي بأي شكل. حسين بعصبية وصوت بدأ يعلى: أنت مجنون يا رشدي، هو إيه اللي أمنع الجوازة.
رشدي: لو عايز ابنك يروح من بين إيدك، كمل الفرح، لكن لو خايف عليه، امنع المصيبة دي. عزت قرب من حسين اللي مسك في هدوم رشدي وقاله: اهدي يا حسين، المعازيم أخدوا بالهم، بلاش تبوظ فرح آدم وتضيع فرحته. أدار لرشدي وقاله: امشي يا رشدي دلوقتي، بعدين نتكلم. رشدي بحدة: افهم يا حسين، أنا قلبي عليك، فاكر كلام الست لما قالت لك في عز فرحك، قلبك يتوجع. حسين قعد على الكرسي بقوة وبصوت مهزوز: أنت بتقول إيه.
رشدي: زي ما سمعت يا حسين، وأنا خير دليل على صدقها وصحة كلامها، وكل كلمة قالتها لي حصلت بالفعل. عزت بلع ريقه وقال: مش وقت الكلام ده يا رشدي، وأنت يا حسين، هدي نفسك، رشدي أكيد مش قصدة حاجة. سكت أول ما شاف اللي جاية عليه وبرقة قالت: بابي، ماما بتقول لحضرتك تعالي أتصور مع آدم قبل الزفة ما تبدأ ويمشي لشّقته. حسين ابتسم لها بصعوبة وقال لها: شوية يا مريم وجاي وراكِ. رشدي بعصبية: حسين، اسمع كلامي، وإلا أنا هصرف.
عزت وقف قدام حسين وحط إيده على كتفه وقاله: قوم سلم على ابنك واتصور معاه، وأنا هكلم مع رشدي. مشي حسين بعد رجاء عزت ليه، وقلبه بينغز عليه. وقف سلم على ابنه وأخده بالأحضان، طبطب على كتفه وهمس لنفسه: عمري ما قلقت ولا خفت قد دلوقتي، طول عمري وأنا قوي ومخافش بسهولة. رشدي شاور على حسين وبيكلم عزت: عجبك عمايل صاحبك دا؟ أكيد اتجنن. عزت مسك إيد رشدي وخرج برة القاعة وقاله: رشدي، وطّي صوتك، إيه الجنان اللي بتقوله ده؟
أنت ناسي إننا في القاعة وفيه ناس ومعازيم حواليك؟! رشدي: هيضيع ابنه يا عزت، وقفه، هيضيع ابنه وهيندم. سكت صوت الموسيقى والزفة والمعازيم خرجوا ورا العريس والعروسة. رشدي بص لعزت: أنا كده خليت بذمتي، كنت فاكركم أعقل من كده. ومشى وسابهم. عزت ضرب إيديه في بعضه وهو شايفه ماشي متعصب: لسه زي ما أنت يا رشدي، مجنون وهربان منك. وقف رشدي جنب الفرقة، وعزت عينه عليه وبيسأل نفسه: من دكتور لعازف في فرقة؟! كلام الست يومها انعاد
جواه وهي بتقول لرشدي: طير مهاجر ومالكش عش، بس في الآخر اللي بتنام وإيدك حاضناه هتنوله وتكمل معاه. افتكر رشدي وهو في السكن وكان كل يوم ينام وهو حاضن الكمنجة بعد ما بيعزف عليها ويروح في النوم. رجع بص لرشدي اللي كان باين عليه التأثر والهم وهو واقف مع زمايله وساكت، وقتها حس بنغزة في قلبه وغصب عنه سأل نفسه وقال: معقول يكون... مكملش باقي السؤال وهو بيهز رأسه: لا لا، إيه هو أنا هعوم على عوم رشدي المجنون! لا طبعاً...
وخرج بسرعة ورا حسين يلحق الزفة، ولسه كلام رشدي مؤثر فيه، مهما حاول يخبي عن اللي حواليه، خصوصاً حسين اللي كان باين على ملامحه التوتر والقلق، ومسكته لإيد ابنه زي ما يكون خايف يتخد أو يهرب منه. خلصت الزفة وحسين ساق بنفسه العربية ووصل ابنه وعروسته لشقتهم. قدام باب الشقة، هدى بضحكة: الله يا حسين، إيه حكايتك؟ سيب الولد يدخل لعروسته، ده أنا اللي مفروض أعمل كده مش أنت؟ بقالك ساعة حاضنه ومش عايز تسيبه.
حسين في نفسه: أقولك إيه يا هدى، أقولك إني أنا مش عارف أشبع من حضنه؟! عايز أعبي صدري من ريحته، حاسس إنه واحشني أقوى، حتى وهو في حضني حاسس بالخوف والقلق. خرج من أفكاره على شده هدى ليه من دراعه: طب اوعى بقا، آخد أنا كمان دوري عشان بغير. حضنت هدى ابنها وباسته، دعت له من قلبها وبدموع فرحة مسحتها: يالا يا حبيبي، ادخل لعروستك، ربنا يهنيكم، ولو احتاجت حاجة رن عليا، أنا صاحية مش هنام، هنزلك على طول.
نزلوا وحسين عينه على الباب، وابنه قفل ودخل، صوت قفلة الباب وقع قلبه في رجليه، خلاه واقف مكانه. هدى باستعجاب: الله يا حسين، إيه عمايلك دي؟ أشحال الشقة فوق الشقة. حسين بهمس مسموع: أنا مش هرتاح ولا هيجيني نوم الليلة دي! هدى: ومين قالك في نوم؟ أومال مين هيساعدني في تحضير الفطور للعرسان؟ لازم يجهز بدري عشان يلحقوا يفطروا قبل ما يسافروا الصبح بدري. بصلها حسين وهنا
جه في باله خاطر وبص لهدى: استحالة هسمح له يسافر ولا يتحرك من هنا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!