في المستشفى والكل قاعد بيسمع. رجع حسين من ذكرياته بابتسامة ضعيفة، بيبص على هدى وقال: "الحريقة." هزت هدى رأسها وابتسامة صغيرة طلعت من بين دموعها. كمل حسين وقال: "ويومها قامت حريقتين، وحدة في الذريبة والتانية في قلبي." غمض عينيه ورجع تاني لذكرياته اللي بتنعاد قدامه من جديد. صحى من النوم بيفرد دراعاته، عينه جت على زمايله اللي لسه نايمين. ضحك وقال: "ايه ده؟ دول لسه نايمين! دول من امبارح من وقت ما جيت وهما نايمين!
على الأقل مش حاسين بالنموس ولا الحر! قمت اتوضيت وصليت الفروض اللي فاتتني، وأول ما الفجر أذن صليته ورجعت تاني على السرير أنام معرفتش. خرجت بره قولت أتمشى وأشوف المكان. يدوب خرجت من الوحدة شميت ريحة دخان شديدة، برفع عيني ببص لقيت نار طالعة من ورا السرايا. من غير ما أحس طلعت جريت على النار وأنا بصرخ وبقول: "حريقة!
وأنا داخل كان خارج واحد متلثم ومغطى وشه. أول ما شافني زقني وطلع يجري. وقعت على الأرض ببص عليه ولسه هقوم وأجري وراه سمعت صوت صهيل الخيل. قومت جريت على جوه وأنا بنادي: "حريقة حريقة! دخلت الزريبة وبقيت أطلع اللي أقدر عليه من المواشي. على ما جت البيه والناس اللي اتلموا وقدرنا نطفيها قبل ما تاكل البيت. وقفت وأنا باخد نفسي بالعافية بعد ما اتأكدت أنها أطفت. إيد طبطبت على كتفي ببص ألاقيه عوض بيه وقالي:
"انت مسلسني بجميل دلوقتي بقوا اتنين، أول مرة أنقذت بنتي وتاني مرة أنقذت مالي. طلبك على لسانك، اطلب وطلبك مجاب، إن شاء الله لو طلبت عنيا." حسين بتنهيدة: "دي كلها تدابير ربنا مالناش فيها حاجة. أنا بس عايز أشرب ميه وأغسل وشي وأرجع الوحدة تعبان ومحتاج أرتاح شوية." عوض بص لأهل البلد الموجودين وقال: "متشكرين يا رجالة، نردهالكم في الأفراح. اتفضلوا ارتاحوا وإن شاء الله الصباح رباح." أدير للدكتور وأخده تحت دراعه
ودخل بيه السرايا وقال: "اتفضل الحمام اغسل وشك وخد راحتك وأنا منتظرك في مكتبي." نادى وقال: "يا هنية حضري الفطار وهاتيه المكتب."
طلعت من الحمام كانت هدى نازلة على السلم. عينينا اتقابلت، عينيها خطفتني غصب عني، لقيت نفسي بدقق في ملامحها، قد إيه هادية وجميلة، تدخل القلب. امبارح مع الموقف اللي كنا فيه وحالتها مركزتش، كان كل همي إزاي أرجعها لأهلها بالسلامة. بس دلوقتي مش مصدق إن وردة بالجمال ده كانت ماشية جنبي كتف بكتف ماسكة إيدي زي العيل الصغير خايفة مرعوبة. ابتسامة خرجت مني وأنا مش حاسس بنفسي وأنا شايف خدودها لونها بقى أحمر من الكسوف والقلب دق دقة غريبة وجعت صدري وفي نفس الوقت فرحته. وقفت فضلت واقف مش حاسس لا بالمكان ولا الزمان. معرفش فضلت واقف قد إيه. مفقتش غير على إيد أبوها اللي اتحطت على كتفي بيقولي.
عوض بيه: "ايه ده كله يادكتور؟ حسين: "فضلت أبص حواليا مالقتهاش اختفت." عوض: "اتفضل يا دكتور الفطار جاهز." حسين: "عقلي مش فيه، بسأل نفسي هي راحت فين كانت. واقفة، معقول أكون بيتهيقلي." أتنهد بضيق أول ما رفع عينه مكان ما كانت واقفة وتأكد إن مفيش حد واقف. كلم عوض وقاله: "كتر خيرك يا عوض بيه، بس أنا محتاج أغير هدومي." عوض بيه: "كتر خيري إيه يا دكتور؟
إنت جميلك مغرقاني وإنت ملكش كام ساعة واصل الكفر. دا حاجة بسيطة مش قد المقام. ولو على الغيار اتفضل افطر الأول وريح وبعدين روح الوحدة براحتك، حتى زمايلك إفطارهم وصلهم هناك." واحنا قاعدين بنفطر افتكرت الراجل المتلثم وقولتله: "عوض بيه حضرتك المفروض تبلغ عن اللي حصل وخصوصاً إنه واضح إنها فعل فاعل." عوض اتنهد وقال: "إنت تعرف الشرطة عشان تيجي هنا هتاخد قد إيه وفي الآخر مش هتطلع بحاجة." حسين:
"بس أنا شفت واحد خارج من الزريبة وشافني وجرى يعني فعل فاعل. ومستعد أشهد بكده." عوض بتنهيدة: "مش كفاية يا دكتور. لو إنت مستعد تشهد فغيرك لا. كل اللي كانوا واقفين وطفوا معاك الحريقة مش هيشهدوا." حسين: "إزاي وبعدين حتى لو زي ما بتقول أول ما هييجي الأمن ويعاين هيكتشفوا إنها بفعل فاعل." عوض: "صدقني ولا هيوصلوا لحاجة." حسين: "إزاي؟
أنا من وقت ما جيت وأنا بسمع عن خيرك في البلد دي واللي عملته عشان أهلها. فاقل وحبهم ليك وده أنا شوفته بنفسي وأنا بطفي الحريقة وهما معايا. فاقل حاجة إنهم يقفوا جنبك ويشهدوا معاك." عوض: "أنا وأنت واتنين تلاتة من البلد هنشهد. وممكن الإتنين تلاتة دول يغيروا رأيهم." حسين: "معقولة البلد اللي كانت واقفة دي كلها مفيهاش حد يوقف ويقول كلمة حق؟ لا وكمان اللي يشهد يرجع في كلمته! ليه ده كله؟ عوض: "الخوف، الخوف يا دكتور." حسين:
"خوف من مين وعلى مين؟ عوض: "من فين فدي حكاية لوحدها. أما بقا من مين وعلى مين، فعلى النفس والبيت والعيال." "عارف إنت يا دكتور بلدنا دي من 15 سنة كانت غير لحد ما ظهرت اللي ما تتسمى. ما كنتش كده. كانوا كلها حيوية ونشاط. الفلاحين من بعد الفجر لأذان المغرب في أراضيهم وبعد العشاء يجتمعوا في دوار العمدة ينقشوا أحوال الناحية، يساعدوا بعضيهم والمليان يكب على الفاضي زي ما بيقولوا." حسين: "وكل ده راح فين وفين أصلاً الناس دي؟
أنا طول الطريق امبارح من أول ما نزلت الطريق لحد ما وصلت الوحدة مقبلتش غير سبع تمن فلاحين في أراضيهم ودول كانوا في نص الطريق بعد الساقية. ما قبلتنيش ولا شوفت فلاحين ولا بيوت. أراضي فاضية وهيش وبوص." عوض:
"كل الأراضي دي أرضي أنا. شوية منهم ورثي من ولدي والباقي شريته من الفلاحين اللي باعوها. وفي جزء أصحابها هربوا وسابوها من الخوف وأنا خفت عليها تبور. أخدتها منهم بنظام تجارة بتوصل ليهم أرباحهم من كل زرعة لبيوتهم الجديدة." حسين: "حاجة غريبة. طول عمري أعرف إن الفلاح مرتبط بأرضه وميقدرش يبعد عنها." عوض بتنهيدة طويلة:
"الخوف يا دكتور والوهم خلي الواحد يقف فوق عيله مش يسيب أرضه. هحكيلك حاجة بسيطة، لما تكون قاعد في أمان الله وتلاقي حد بيقولك بيت فلان هيولع الليلة دي وخل بالك من عيالك. في واحد فيهم هيختاره ملك الجان في ليلة هياخده قربان عشان تعيش إنت وولادك، يا ما تديله أرضك فدوة." حسين بذهول: "ودا كلام يتصدق إزاي؟ في حد يصدق خرفات بالشكل ده؟ إحنا بنتطور ولا بنرجع لعصور الجهل." عوض:
"لهم حق يصدقوا، لأن يدوب يدخل بيته يسمع صريخ والناس تقول حريقة. يخرج يلاقي بيت اللي اتقال له عليه. يعمل إيه عشان يفدي عياله؟ يا ما يسيب حاله وماله ويمشي من البلد، يا أما يدي أرضه فدية. وفي الحالتين الخوف مليه على ضناه. والحال ده بقى هو اللي عليه أهل المنطقة. كل العزب والنجوع اللي قبلتني فاضية. حصل معاهم كدا؟
لا متعلم سلم ولا جاهل سلم. اللي خاف وهرب، واللي خاف وصدق وبقى يقدم فروض الولاء والطاعة. لما وصل الموضوع للكفر عندي وقفت بكل قوتي، بس مش ضد اللي ما تتسمى بس لأهل الكفر كلهم. تعرف بسبب دا الناس بقت تخاف تودي ولادهم المدارس. وطبعًا مابقاش فيه رجل بتروح المركز غير للشديد القوي. وعربيات الأجرة اختفت من الخط كله إلا عربية واحدة سواقها من الكفر بيطلع أول النهار ويرجع الضهر. واللي يتأخر يا ييجيها مشي زي ما حصل معاك أو يبات
في المركز لتاني يوم. أنا حاولت مع العمدة وشيخ الجامع نفهم الناس إن دا وهم وملوش أي وجه من الصحة وهي خرافات. في اللي صدق وفيه اللي بيقدم فروض الطاعة والولاء. بنيت الوحدة دي بدل المرة تلاته وكل مرة يدوب نبدأ يا أما نصبح الصبح نلاقي اللي اتبنى بقى كوم تراب أو النار تقوم فيها. لحد ما حبت شركة أمن من البندر ودفعت لهم الضعف وخلتهم يحرسوا المكان أربعة وعشرين ساعة. ونفس الموضوع في المدرسة. والحمد لله كملت بناء المستشفى وبناء
المدرسة. وعشان أضمن إن الدكاترة اللي يجوا الوحدة ما يسبوهاش اتبرعت بيها لوزارة الصحة وهم بدورهم يعينوا دكاترة وممرضين. ويومها اتبعتلي واتقال لي إني زعلت الأسياد وبنتي الدور عليها. مش هقولك ما خفتش، لا خفت والنوم جفاني.
لكن في نفس الوقت قلت: 'بقي أنا اللي بطمن الناس ومأكد إن دا خرافات، لو منعت بنتي تخرج يبقى الناس هتسلم وتأمن بالخرافات دي'. بقيت بوديها واجبها من مدرستها لحد ما اطمنت عليها. جبت عربية بسواق مخصوص عشان أشجع أهل البلد يودوا ولادهم المدارس. وفي نفس اليوم حصل اللي حصل وانت شوفته بنفسك." عوض ابتسم بمرارة:
"ودا كان الترهيب. أما الترغيب فكان يقرأ الكف أو الطالع ويتقاله هيجيلك رزق كبيرة بعد خطوة أو تحت فرشك أو حفرة جوه دارك أو في أرضك. وتقوم من نومك أو تسرح غيطك وتلاقي صورة أو دهبة مرمية مكان ما اتقاله. وعلى قصاد الهدية دي تقدم فروض الولاء والطاعة وكل طلبات الأسياد أوامر." حسين: "أنا هجنن مش مصدق إن في ناس بالشكل ده. وكمان الست اللي بتكلم حضرتك عليها مستفادة إيه بكل دا." عوض: "إزاي يادكتور مش مستفادة؟
معظم أراضي وبيوت الكفور اللي خليناها في إيدها غير الفلوس والمواشي اللي بتاخدها على أساس هدايا الأسياد. والبحر بيحب الزيادة." لسه حسين هيكلم، قطعه صوت حد بينادي. عوض قال: "جم بدري. كنت بقول في نفسي ياترى يجتمعوا إمتى." حسين: "يعني إيه." عوض: "تعالي معايا وانت تسمع وتشوف." خرج حسين مع عوض، لقي أهل البلد كلهم مجمعين بما فيهم العمدة وشيخ الجامع. عوض: "اتفضلوا يا رجالة، واقفين بره ليه؟ البيت بيتكم ومطرحكم." العمدة:
"خيرك سابق يا عوض بيه. أسفين على إزعاجك في الوقت دا، بس أهل البلد رفضوا يرجعوا بيوتهم قبل ما يتكلموا معاك." عوض: "اتفضلوا على المضيفة وبعدين كل واحد عنده كلام يقوله." واحد من أهل البلد اتكلم بحدة: "لامضيفة ولا يحزنون. اسمعنا يا عوض بيه. أظن بعد اللي جرى في زريبة المواشي والسرايا مبقاش فيه حاجة تكمل بناية المدرسة وتشغل الوحدة. ربنا سترها وياك والحريقة لحقناها. هتستنى إيه تاني؟
الأسياد تاخد بنتك ضناك. لو جنابك مش خايف عليها، إحنا بنخاف على ولادنا وحياتنا." عوض لسه هيكلم، حسين حط إيده على كتف عوض وقاله: "لو سمحت يا عوض بيه ممكن تسبني أنا أرد." عوض هز راسه وقاله: "أكيد يا دكتور. اتفضل، يمكن يقتنعوا بكلامك." حسين قال: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا رجالة. أكيد كلكم بتسألوا نفسكم أنا مين ومستغربين شكلي ولبسي. أنا هسألكم سؤال قبل ما أبدأ في الكلام." العمدة: "اتفضل اسأل يا حضرة." حسين:
"لو قلتلكم إن الترعة اللي أول الطريق شفت فيها حوت كبير، هتصدقوا كلامي ولا تكذبوني." الناس بصوا لبعض وقالوا: "حوت؟ وفي ترعة؟ طيب تيجي إزاي." حسين: "طيب لو العمدة اللي قال كدا أو شيخ الجامع." واحد قال: "برضه هنقول حوت كبير وترعة؟ طيب إزاي إلا إذا كان دا بسم الله الرحمن الرحيم عامل نفسه حوت." حسين: "طيب لو اللي قال واحد منكم وحلف إنه شافه." نفس الشخص قاله: "يبقى شافه. وبرضه هنقول إنه بسم الله." عوض بص له وقاله:
"متتعبش نفسك يا دكتور، الناس اللي في دماغها مش هتتغير." العمدة: "معرفناش بالأفندي يا عوض بيه." حسين قاله: "أنا دكتور حسين، دكتور الوحدة الجديد يا جناب العمدة. أنا معرفش إيه الموضوع بالظبط وإيه اللي بتتكلموا عنه. بس فيه حاجة حصلت قدامي مرتين. امبارح وأنا جاي في الطريق لهنا سمعت صوت صريخ بنت وبتجري بين الزرع ووراها ناس بتجري وراها." قطعه واحد من أهل البلد وقاله:
"دول أكيد بسم الله زي ما قالت المبروكة. شفت يا عوض بيه، أهي بتك أخدوها الأسياد." حسين بحده: "ممكن تسمعني للآخر وبعدين تتكلموا. وبعدين إيه أسياد دي؟
الكلام دا كله هجس، لأن اللي كانوا بيجروا وراها رجلين مدريين وشهم بشال. أول ما شافوني هربوا. غير كده، وقت الحريقة شفت اللي حرق وعيني جت بعينه وزقني وجرى. ولما جريت وراه دخل بين الزراعات. لبسه نفس لبس اللي كان بيجري ورا البنت اللي قلتلكم عليها. وفي حاجة مهمة يا جماعة، حسب ما سمعت من عوض بيه عن بناء المستشفى، تفتكروا لو الكلام دا صحيح المستشفى كان كمل بناها مع وجود الأسياد؟ ولا الأسياد دول خافوا من الأمن؟
وكمان ليه الأسياد دول ما عملوش حاجة ليا؟ ليه وأنا بجري وراه وتقريبا جسمي لمس جسمي وزقني بإيده." شيخ الجامع: "كلامك صح يا دكتور. يا ناس يا ما قلتلكم ونا هم بضارين بيه من أحد إلا بإذن الله. اتقوا ربنا وهو اللي تخافوا منه. لا مبروكة ولا غيره تخافوا منها." حسين: "اسمعوا يا أهل البلد وانت يا عوض بيه، بعد إذنك ممكن تنادي كريمتك." عوض بص لحسين وهمس له: "البنت من امبارح وهي خايفة و... حسين بنفس همس عوض:
"متقلقش يا عوض بيه، كريمتك هي الشاهد الوحيد على اللي حصل." هز عوض راسه ومشي داخل السرايا. وقفه حسين وقاله: "عوض بيه، هو السواق فين." عوض التفت ليه ولسه هيكلم، اتكلم واحد من أهل البلد وقال: "أنا السواق اللي كنت مع الست هدى." حسين بتنهيدة: "الحمد لله جيت في وقتك يا... السواق: "عبدالله يا أفندي اسمي عبدالله." حسين: "قولي يا عم عبدالله وقول لأهل البلد إيه حصل وكنت فين من ليلة امبارح." عبدالله:
"وأنا راجع بالست هدي من مدرستها وقبل ما نوصل الساقية لقيت جزع شجرة واقع قدام العربية. نزلت أشيله ويدوب انحنيت أشيله لقيت اتنين طلعوا من وراء شجر الجذورين قرب الساقية. لسه برفع وشي لقيتهم رشوا حاجة على وشي. محسيتش بنفسي أي حاجة حصلت غير لما أفندي كدا نزل من عربية وفوقني قرب الفجر. أول ما وعيت واتذكرت اللي حصل ركبت العربية وجيت طوالي. يدوب وصلت السرايا شفت أهل البلد جايين على هنا. قلقت على الست هانم. من خوفي مقدرتش أنزل من العربية غير لما سمعتك بتحكي عن اللي وإن الست هدى بخير."
أهل البلد بصوا لبعض وقعدوا يتهمسوا. حسين بص لهم وقال: "يا عم عبدالله لو شفت حد من الاتنين دول تعرفهم." عبدالله: "كانوا متلثمين بس فيهم واحد كان لابس جزمة شبه بيادة الجيش. والتاني لابس بنطلون. حتى وأنا جاي في السكة كنت بسأل نفسي هو فيه بسم الله بيلبسوا جزم وبناطيل." حسين: "قول لأهل البلد حد فيكم سمع قبل كده حاجة زي كدا ولا الأسياد هنا بيلبسوا على الموضة."
عوض جه ومعه هدى ماسكة في إيده بقلق وخوف. حسين بص لها وحاول يبعد عيونه عنها. قال لها وهو باصص للسواق: "آنسة هدى ممكن تحكي اللي حصل." هدى بصت لأبوها اللي هز راسه وقالها: "قولي يا هدى اللي حصل للدكتور وأهل البلد. متخفيش ومتتكسفيش." هدى هزت راسها وقالت: "واحد من الرجلين لف على وشه قماش شكله غريب. نزلني من العربية
وقال للراجل التاني: 'خف، سيب السواق مرمي مكانه لحد ما يفوق. ابعد بس الجزع عشان ما يلفتش نظر حد ويقول دا فعل فاعل. وخف يدوب نلحق نخلص من العسلية دي. والله خسارة في الموت بس دي أوامر المبروكة عشان أهل البلد يشوفوها وهم راجعين بيوتهم من الغيط وأبوها يتربى وييعد عن سكة الشيخة وميدخلش في اللي ملهوش فيه.' " "التاني قاله: 'عيد كلامك قدام النداهة هتحصلها بعد خمس دقايق. كل عيش أحسنلك. وإنتي يا حلوة امشي من سكات.' "
"شدوني ودخلوا بيا بين الزرع. الراجل اللي ماسكني رجله فلتت ووقع على الأرض. ساب إيدي زميله قرب منه يساعِده. أنا جريت منهم وفضلت أصرخ وأقول الحقوني لحد ما شفت الأستاذ ده ومسكت فيه وهو ساعدني لحد ما وصلت لهنا." شيخ الجامع: "كدا الرؤية وضحت يا ناس. شفتم بعنيكم وسمعتم بودانكم." عوض:
"يا جماعة أنا طول عمري بقولكم متصدقوش. مفيش حاجة اسمها نداهة ولا مبروكة. أرضي كلها تحت أمركم من اللحظة دي. كل اللي يحب يرجع يشتغل في الأرض ينزل يشتغل. واللي حابب ياخد حتة أرض يأجرها ويزرعها، أنا معنديش مانع." العمدة: "واللي يحب ينزل أرضي الأرض قدامكم. ومن بكرة عيالكم يروحوا المدرسة. واللي عيله عيان يوديه الوحدة." حسين: "أنا وزميلي الدكاترة تحت أمركم الأربعة وعشرين ساعة." حسين بص لعوض وقاله:
"بعد إذنك يا عوض بيه، أنا همشي عشان أروح أبَدّل هدومي وأنتظر أهل البلد يجوا يكشفوا." خلص كلامه وعيونه جت على هدى اللي اتكسفت وبصت في الأرض ومشيت ناحية السرايا. عوض قاله: "اتفضل يا دكتور، مش عارف أشكرك إزاي. وجمايلك كترت عليا أوي، ربنا يقدرني وأردها لك." صوت كلاكس عربية قطع كلامه. أدير كل أهل البلد يبصوا على الصوت. واللي نزل منها حسين ابتسم أول ما شاف اللي نزل وقال:
"كتير عليا والله اللي بيحصلي ده. نداهة وأسياد ورشدي. كدا كتير عليا." رشدي ابتسم وقال: "ياااه، أخيراً شفت ناس." عبدالله السواق بص لحسين وقال: "هو الأفندي ده هو اللي فوقني." رشدي بص لعبدالله وقاله: "الحمد لله إني شفتك بقي يا راجل. وأنا بكلمك تركب العربية وتجري بيها وتسبني بدل ما تشكرني ولا تساعدني. أطلع عربيتي من الطين اللي غرز فيه." حسين قرب منه:
"حمد الله على سلامتك يا رشدي. أعرفكم يا جماعة دكتور رشدي، دكتور من الدكاترة اللي اتعينوا بالوحدة." رشدي بذهول: "حسين! إيه دا؟ مال هدومك عاملة كدا ليه؟ وإيه موقفك هنا." حسين ابتسم ومسكه من إيده وقال: "بعد إذنكم يا جماعة هاخد دكتور رشدي ونروح الوحدة ومنتظركم في الوحدة." رشدي ماشي مع حسين وقاله: "إيه يا عم وخدني ورايح على فين." حسين: "على الوحدة عشان تستريح." رشدي: "عايزني أمشي وأسيب العربية في الطريق." حسين بضحكة:
"عندك حق. أنا هسبقك على ما تجيب عربيتك وتيجي." رشدي قاله: "تعالي اركب معايا." حسين: "خلي العربية هنا. آمن هنا اركنها على جنب بس وتعالى نتمشى لحد الوحدة." رشدي: "اركنها فين يا عم؟ إذا مكنتش قدام عيني مش هستريح. كفاية البهدلة اللي شفتها طول الطريق." حسين بيكلم نفسه: "أنا تعبان خلقة. والزي رشدي ده باله واسع. واللي في دماغه في دماغه مش هيقتنع. أجرب أحسن." رشدي: "إيه رحت فين؟ تعالى معايا يالا." حسين:
"لا ياعم خليك انت في عربيتك وأنا هروح الوحدة أغير تكون أنت جيت." سابه ومشي ورشدي بيبصله باستغراب: "ده اللي هو إزاي؟ هز كتفه وقال: "براحته." وصل حسين الوحدة لقى الغفير أحمد وربيع وتلات دكاترة واقفين بيسمعوا حكاياتهم عن النداهة واللي عملوه انهاردة. ابتسم وهو شايفهم بيسمعوا بتركيز وقال: "أخيراً صحيوا. دي البلد ولعت وهما نايمين." قرب منهم وأول ما شافه الغفير أحمد وهلل وقال: "آه الدكتور حسين أهو." دكتور من اللي
واقفين ابتسم ومد إيده: "أهلاً أهلاً بالبطل. من وقت صحينا واحنا بنسمع في بطولاتك. دكتور هشام أخصائي أسنان." سلم عليه حسين وقاله: "أهلاً بيك يا دكتور هشام. دكتور حسين ممارس عام." اتقدم دكتور تاني وقاله: "دكتور عزت، دكتور صيدلي. اتشرفت بيك يا دكتور حسين. لو كنت اتأخرت دقيقة كمان كنت هروح لك عند السرايا أشوف وأسمع بنفسي بطولاتك اللي عم أحمد من وقت ما جه بيحكي عنها." حسين:
"ابتسم وقاله أهلاً بيك يا دكتور عزت. ياريت لو عندك في الصيدلية أي حاجة للحروق ياريت تجبهالي أعالج حرق إيدي." اتقدم الباقين واتعرف عليهم واستأذن منهم وطلع يغير هدومه. وبعد شوية نزل لقاهم لسه واقفين بيسمعوا من الغفير على داخل رشدي عليهم وهو شايل شنط كتير وبيمشي بالعافية. وأول ما شافه قاله: "يا عم مش كنت تقول لي إن الطريق كده! وإني مش هعرف أعدي بالعربية." حسين:
"قلت أكيد مش هتقتنع وخصوصاً إنك قلت مش هتسيب عربيتك بعيد. قلت تيجي براحتك وأنا آجي أبدل هدومي. مكنتش هقدر أستنى دقيقة كمان بلبس دا." بص لرشدي باستغراب وقاله: "وإيه الشنط دي كلها مهاجر؟ ولا إيه رشدي: "فين الشنط الكتير دول؟ يدوب أربع شنط لبس وجزم." ضرب على راسه: "أوه نسيت أهم حاجة." حط الشنط وخارج بسرعة. حسين وقفه وهو بيسأله: "في إيه يا رشدي." رشدي: "نسيت أهم حاجة. ثواني وراجع. ياريت تدخل الشنط دي أوضتي على ما أجي."
واحد من الدكاترة ضحك وقاله: "ده باين عليه دماغه مهوية." حسين: "لسه ما شفتوش حاجة، ده بقى العجيبة التامنة من عجائب الدنيا." رشدي وصل عند عربيته وفتح العربية من قدام وطلع شنطة الكمان وباسها وقال: "حقك عليا يا صاحبي نسيتك من اللي شفته في الطريق الغريب ده." خدها ودخل. وأول ماشافه حسين: ضحك بصوت عالي وقاله: "مفيش فايدة فيك. جايب البتاع ده هنا برضه! محرمتش. ده إنت ياما انطردت من المحاضرات بسببه." رشدي بابتسامة:
"ولا أقدر أستغنى عنها. وبعدين الدكاترة دول جهلة ميعرفوش إن المزيكا غذاء الروح والعقل. مش كفاية كتر خيري عايز أعملهم جو في المحاضرة." حسين: "أعرفكم يا جماعة دكتور رشدي معانا في الوحدة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!