عد كم يوم والحال زي ما هو. حسين قاعد قدام الوحدة هو وزمايله، لا بيهشوا ولا بينشوا. عزت: إيه ده؟ إيه بلد الهس هس دي؟ انهاردة خامس يوم لينا ومفيش حتى عيل صغير يهوب ناحية الوحدة. أنا تعبت وأنا قاعد في الصيدلية قصاد الأدوية. هشام: يا عم، أنا كانوا بيخوفوني من الوحدة بتاعة الأرياف، وإن الواحد لو حس بصداع أو عينه اتطرفت بيجي يكشف هنا. مفيش حد هوب ناحية الباب حتى لو عيل صغير.
مراد: بابا زمان كان متعين في الأرياف، كان بيقول لو فرخة تعبت عندهم يروحوا يكشفوا عليها في الوحدة. حسين: أقسم إنّي راضي، على الأقل الواحد يحس إنه بيكشف على مريض وإن دراسة الطب ما راحتش على الفاضي.
رشدي: يا جماعة، المفروض تكونوا مبسوطين واعتبروا نفسكم بتستجموا بعد تعب ودراسة ومشرحة ودكاترة بتطلع عقدها على الطلبة. أنا عن نفسي مستمتع آخر حاجة، والجو صراحة بيساعد على الاستمتاع. هدوء بعيد عن دوشة المدينة وزحمة العربيات، والهواء نضيف يرد الروح. تعرفوا، أنا لو ليا في الرسم كنت كل يوم رسمت لوحة للمناظر الجميلة دي. عزت: بيتهوفن بيتكلم يا جماعة.
رشدي: تخيل، من وأنا صغير كان نفسي أكون رسام، ومش هقولك ما حاولت، حاولت وأخدت دروس في الرسم، بس طبعًا الوالد تدخل كالعادة. حسين بضحكة: لينا خمس أيام يا رشدي، وكل يوم بتقول كان نفسك تدرس حاجة غير الطب. مرة مهندس، مرة طيار، النهاردة رسام. ما ترضى على حل يا عم.
رشدي: تخيل، كان نفسي أكون أي حاجة إلا دكتور. بس أعمل إيه، أوامر الوالد. ابنه الوحيد لازم يبقى دكتور ويشيل اسمه. بس تخيلوا، على قد ما في البداية كنت متضايق إني جيت الأرياف، على قد ما أنا مبسوط. هدوء، وواخد حريتي، ومتأكد مليون في المية إن أوامر بابا مش هتوصل لهنا. وكمان بقدر أعزف براحتي في أي وقت أي لحن ييجي في دماغي، فرايحي بقى حزين من غير ما حد يزعجني، ولا حد يقولي عايزين ننام، ولا بنذاكر، ولا فاكر نفسك في الأوبرا.
حسين: ما إحنا خايفين نقولك إننا تعبنا وعايزين ننام، منلاقيش حاجة تسلينا. إنت التسلية الوحيدة بتاعتنا في المنطقة دي يا رشدي. قاموا مفزوعين على صوت صريخ بره الوحدة. طلعوا يجروا، لقوا الست بتصرخ وواحد ماسكها. سألوه: –إيه؟ الرجل: –مراتي بترضع والداية مش موجودة. حسين: –اتفضل بيها جوه أكشف عليها. الرجل: –جوه... وقف ساكت مش عارف يدخل ولا لا. وبعد تفكير قال: –لا خلاص، أنا هرجع بيها تاني البيت. نستنى الداية. حسين:
–داية إيه يا حضرت، الست تعبانة. الست بصراخ: –بموت يا خلق، تعبانة، مش قادرة. حسين: –يا أستاذ، المدام تعبانة وواضح وباين من هدومها إن مياه الجنين نزلت. أي تأخير هيبقى في خطر على الاتنين. الست: –لا، ده العيل اللي بنترجاه من سنين يا حمد. حمد: –بس دي مسكونة يا نعمة، إنتي ضامنة تولدي من هنا والعيال يتلبسوا من هنا. الدكاترة بصوا لبعض مش فاهمين. حسين: –مسكونة إيه بس يا حضرت؟
ما هو إحنا قدامك 5 دكاترة، لينا خمس أيام قاعدين مشغلناش حاجة. حمد: –إنتوا ذات نفسكم يتخاف منكم. إنتوا إزاي قاعدين ومش سامعين صوت المزيكا طول الليل؟ مرة تعلى، مرة توطى، مرة ترقع بالصوت. الدكاترة لبعض ولرشدي، وفضلوا يضحكوا. عزت أخد الكمانجة من إيد رشدي المتغاظ، وشاور للراجل: –اعرفك بالعفريت. رجعها لرشدي وقاله: –حضّر للحج، أقصد اعزف للحج حاجة عشان يتأكد، وهو بالمرة يأكد نظريتك، ويمكن المزيكا تسهل الولادة. مع حسين.
الست بصراخ: –معتش قادرة، حاسة برُوحي بتطلع. حسين: –بسرعة، يالا بينا على جوه. دخلوا بيها والرجل معاهم، ووراهم رشدي بيعزف. بعد وقت، طلع حسين من الأوضة وهو شايل الجنين، بيسلمه لأبوه. حسين: –اتفضل، بنت زي القمر، تتربى في عزك. الرجل بصدمة: –بنت! اتأكد يا دكتور، ده المبروكه أكدّت لي إنها ولد. حسين: –بقولك بنت، بنت، وتقدر تتأكد بنفسك. الرجل: –ها، والفلوس اللي دفعتها دي كلها راحت عليا.
خد البنت وبعصبية دخل لمراته اللي كانت مرعوبة وهي نايمة على السرير بتعب: –فين الواد يا نعمة؟ نعمة: –أنا زيي زيك يا حمد. حمد: –يعني مالي والحلم اللي فضلت أحلم بيه راح؟ نعمة ببكا: –ما أنا كمان دهبي راح. أخدت البنت من بين إيديه، وبغريزة الأمومة ضمتها لصدرها وقالت: –اللحظة دي تسوى عندي كنوز الدنيا يا حمد. حمد: –بس دي قالت... نعمة: –تقول ولا تعيد، بت ولا ولد؟ هو إحنا كنا لاقيين ظفر عيل.
حسين وهو بيحاول يفهم اللي بيتقال، قرب منهم وسأل الراجل وقاله: –إيه الكلام اللي بتقوله ده يا حج؟ مبروكه إيه وفلوس إيه؟ أكدت إيه؟ إنتوا كشفتوا عند مين؟ حمد بولولة: –تحويشة عمري ضاعت. العيل اللي قولت هيسندني، الـ باقي من عمري، طلع بت... حسين: –حرام اللي بتقوله ده يا حج. البنت والولد ده نعمة من ربنا. وياسيدي، إن شاء الله ربنا يرزقك بالخلف الصالح مرة تانية. إنت لسه صغير، بكرة تخلف مرة تانية، وباذن الله ييجي ولد. حمد:
–أخلف؟ هو اللي فاضي في العمر جد الـ راح ده؟ أنا فضلت عشرين سنة من يوم ما اتجوزت عايش أحلم ليل نهار باليوم ده. عشرين سنة من غير خلفة، لحد ما ربنا كرمني على إيد المبروكه. كل ليلة أكل للأسَياد عشان الحمل يكمل. تحويشة عمري ادتهالها، وهي تحلف وتتحلف إنه ولد، وفي الآخر بنت. حسين بعصبية: –إيه الكلام اللي بتقوله ده يا حج؟ ربنا قال في كتابه العزيز: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ)
، ويجعل من يشاء عقيمًا. يعني ربنا هو اللي بيدينا الولد والبنت، كل إنسان حسب ما يختار ربنا ليه، وناس تكون عقيمة، يعني مش بتخلف، ولا يمكن تخلف إلا بإذن ربنا، زي حالتك كده يا حج حمد. صبرت عشرين سنة، وزوجتك حملت وربّت، كرمك ببنت. يعني المبروكه ملهاش في التور ولا الطحين، بدليل البنت اللي اتولدت، وكمان الأكل والشرب اللي اترحلها. مرات حمد بصعوبة اتكلمت:
–غير الدهب، منها لله، مخلتش حلتي ولا قشرة. كل يوم والتاني تسلت مني غويشة ورا التانية. مرة الأسَياد عاوزين أكل، ومرة عاوزين يشربوا، وادفعي يا نعمة. حمد بضيق بص لمراته: –يلا بسرعة، جومي عجلي، خلينا نرجع الدار. حسين: –تطلع فين يا حاج؟ المدام تعبانة لسه من الولادة، غير إنه غلط عليها تمشي مسافة طويلة في البرد ده. حمد بعصبية: –يعني أسبها وأمشي؟ ولا أعمل إيه في الساعة المتأخرة دي. رشدي بص لحسين وقاله:
–دكتور حسين، أنا ممكن أجهز عربيتي وأوقفها قرب المعدية، أوصل الجماعة بيتهم. حسين في نفسه: –غبي يا رشدي، بعد ما صدقت جات من عند ربنا، واحد من أهل البلد يجي الساعة دي، عايزني أسيبه يمشي كده بسهولة؟ طيب على الأقل أهل البلد يشوفوه، مش يمشوا كده سكتي. بص لرشدي وبضيق قاله: –إنت بتكلم جد يا دكتور رشدي؟
ناسي إن الطفلة لسه مولودة، ولازم على الأقل تفضل تحت الملاحظة، وتتابع تنفسها. والأم كمان لازم تقضي كام ساعة بعد الولادة تحت الملاحظة. لا قدر الله ممكن تتعب هي أو المولودة، وقتها المسئولية هتبقى على مين؟ رشدي: –فاتتني دي، من فرحتي بالخروج من الحبس، نستنى. حسين: –كويس إنك افتكرت إنك دكتور. واتفضل اكشف على المولودة. أخد رشدي البنت يكشف عليها، وحسين عينه عليه وعلى أبو البنت، وبيكلم نفسه: –لازم أخرهم بأي طريقة.
بص لدكتور حسام وقاله: –يا حسام، خد عينة من البنت واعملها التحاليل اللازمة. وبص لعزت وقاله: –التطعيمات يا دكتور. هنا حسين قرب من عزت وقاله: –إزاي فاتتني دي؟ عزت: –في إيه؟ حسين: –التطعيمات. الناس مجاتلناش، إحنا نروح لها. أبو البنت حمد: –تطعيمات إيه دي كمان؟ حسين: –تطعيمات مهمة للمواليد يا حج، أول ما يتولدوا. وفيه تطعيم تاني وتحليل غدة بعد تلات أيام. تنهد الرجل وقال: –لما نشوف آخرتها إيه. رشدي: –آخرتها خير بإذن الله.
عدى الوقت والفجر أذن. حسين قال: –الفجر وجب، فأنا ورشدي والحج هنروح نصلي في الجامع. أما بقى مراد وهشام وعزت، هتصلوا هنا. عزت فهمه من غمزة عينه وقال: –تمام كده، إحنا هنستناكم من أول ما تيجوا. خرجوا من باب الوحدة، وحسين ابتسم أول ما شاف أهل البلد، عينهم عليهم وهما خارجين من المستشفى. أول ما وصلوا الجامع، أهل البلد استغربوا من وجود حسين مع حمد. قرب منهم عوض: –حج حمد، دكتور حسين؟! خير يا دكتور؟ حسين بصوت عالي:
–باركوا للحج حمد، ربنا كرمه بمولودة زي القمر. حمد وهو شايف الناس مستغربة وسامع همسهم على إنها بنت، قال بهمس: –يا شماتة أهل البلد فيك يا حمد. واحد من الناس بصوت عالي: –مبروك ما جا لك يا حمد، بس بنت؟ إنت مش كنت بتقول إن المبروكه قالت لك هتجيب ولد؟ حمد بعصبية: –حسبي الله فيها، حرقت نار كل قرش خدته، وكل لقمة كلتها من عرق جبيني. خدعتني وكذبت عليا، مخلتش ورايا حاجة، وكل أملي ييجي الولد. واحد منهم:
–مش يمكن المبروكه غضبت عليك عشان ولدت مراتك في الوحدة وبدلت الولد لبت؟ واحد تاني: –أو يمكن حد من اللهم احفظنا، اللي ساكنين الوحدة، بدّله مع حد من عيالهم؟ إنتوا مش سامعين صوتهم طول الليل، واللّيلة دي ما سمعناش صوتهم. حسين وهو بيشاور على اللي في إيد رشدي: –اهو هو ده، اللهم احفظنا. عوض: –هو في إيه يا دكتور؟ حسين: –نصلي الفجر الأول، وبعدين تعرف كل حاجة. بعد صلاة الفجر... حسين قام بسرعة قبل ما يخرجوا وقال: –يا أهل البلد،
في حاجة مهمة لازم تعرفوها: بكرة فيه حملة تطعيمات للأطفال من عمر يوم لخمس سنين. ودي أول حاجة. وتاني حاجة: كل أهل البلد خايفين وبيقولوا إن الوحدة بيحصل فيها أصوات وحاجات غريبة. عشان كده اتفضلوا معايا بره، عشان مش هينفع اللي هعمله هنا في الجامع. الفضول خلاهم سألوا بخوف: –هو إيه اللي مش هينفع في الجامع؟ حسين: –اتفضلوا، وانتوا هتعرفوا كل حاجة. قدام باب الوحدة، طلب حسين من رشدي إنه يعزف.
نفذ رشدي اللي طلبه، وأهل البلد واقفين مستغربين من الصوت ده. حسين: –زي ما انتوا سامعين يا جماعة، الصوت اللي انتوا بتسمعوه كل ليلة. وده آلة موسيقية اسمها كمان. دكتور رشدي عنده نظرية إن الموسيقى بتساعد المريض إنه يخف، بتريح الأعصاب. عوض قرب من حسين بابتسامة: –ربنا يبارك فيك يا دكتور. آه، لو كنت هنا من كم سنة، كان زماني ابني ومراتي عايشين. الحمد لله، قدر الله وما شاء فعل.
حسين لعوض وعينه على رشدي، اللي أهل البلد حواليه، هو فرحان بالعزف وتجمع الناس حواليه، وهما أول مرة يشوفوا حاجة زي كده؟ حسين: –الناس فرحانة، في نفس الوقت خايفة. عوض وعينه على حمد: –كل البلد فرحانة إلا حمد. حسين اتنهد وقاله: –اللي زي عم حمد دول كتير. بيضحك عليهم بسبب أحلامهم البسيطة. تفتكر يا عوض بيه، لو المولود كان ولد، حمد كان هيعمل إيه؟ وأهل البلد نفسهم كانوا حالهم هيبقى إزاي؟ عوض:
–أهل بلدي وحفظهم، كانوا هيجروا على المبروكه، وكل واحد فيهم هيقدم فروض الطاعة ليها، وسلموا دماغه وماله ليها. حسين:
–سبحان الله. الليلة دي ما يجيش لحد فينا، أنا والدكاترة، نوم. نسهر قدام الوحدة، وبنص الليل نسمع صريخ ست نجري عليها، نلاقيها بتولد، وتطلع هي وزوجها من موردين المبروكه، واللي كانوا ثقتهم فيها عمياء، ويتأكدوا بنفسهم إنها كذابة، وكل كلامها عاري من الصحة. وبنفسه يأكد قدام أهل البلد إنه غلط لما صدق كلامها. وفي نفس الوقت رشدي يكون معاه الكمان، ويمحو خوف أهل البلد اللي جه في وقت مش مناسب. فزي ما بيتقال، مصائب قوم عند قوم فوائد.
عوض: –وبالمناسبة الحلوة دي، أنا أعزمك إنت وأهل البلد كلها على الفطار. حسين قلبه دق وابتسامة ملت وشه. فضل ساكت ويهمس لنفسه: –أخيراً فيه سبب هدخل السرايا. يارب تكمل فرحتي وأشوفها، ولو من بعيد. عوض قال: –يلا يا رجالة، على السرايا، فطوركم عندي. تحلية ومباركة العم حمد بولادة ابنته. مشي عوض وأهل البلد. رشدي بيكلم حسين بعفوية: –جه في وقته، الواحد زهق من أكل ربيع.
مشى معاه وقلبه مع كل خطوة، دقاته بتزيد، وعنيه بتلف في المكان بتدور على اللي شاغله تفكيره ليل نهار، وعنيها مش مفارقاه. بيهمس لنفسه: –ياترى هي صاحية ولا نايمة؟ نفسي أطمئن عليها وأملي عيني بيها. خمس أيام عدوا عليها، وطيفها مش مفارقني. ياترى إنتي فين؟ رشدي ماسك الكمانجة، فرحان وهو شايف الناس حواليه بتسمع عزفه. قرب من حسين: –إيه رأيك أعزف لهم وهما بيفطروا، زيادة تأكيد؟
ضحك حسين على رشدي، اللي عامل زي الطفل الصغير فرحان بلعبته الجديدة. قاله: –اعزف يا رشدي. شرب حسين من عوض وهمسله: –بعد إذنك يا عوض بيه، ممكن الحمام. عوض بيه: –أكيد يا دكتور، اتفضل معايا. حسين وهو ماشي جنبه: –ممكن سؤال. عوض: –تحت أمرك يا دكتور. حسين بفضول: –كريمتك راحت المدرسة ولا لا؟ وياترى هي في سنة كام؟ اتنهد عوض: –مش عارف أقولك إيه؟
بنتي في آخر سنة في ثانوي، ومن يوم اللي حصل، وقفت عن الدراسة. وجدتها رافضة نهائي إنها تطلع بره البيت من خوفها عليها. وبيني وبينك، أنا كمان خايف. حسين: –من إيه؟ عوض: –دي بنتي الوحيدة، وأكيد الست دي هتنتقم من اللي حصل، واللي بيحصل. حسين: –بس مستقبلها ودراستها حرام! عوض: –كده كده البنت آخرها الجواز، وولاد عمها كلهم واقفين ليها، طالبينها للجواز، وغير عريس كل يوم والتاني. حسين قلبه وقع في رجله، وبتهته: –عرسان. عوض:
–ولاد عمها، وولاد كبارات البلد. وبيني وبينك، بفكر أوافق، على الأقل أطمن عليها، ومش هطمن عليها غير مع حد من أهلها، يخاف عليها وعلى مالها. حسين قلبه نغزه: –تتجوز! عوض وهو بيشاور على الحمام: –اتفضل يا دكتور، وأنا مستنيك في المضيفة. بعد دقايق، خرج حسين وعينه على السلم، اللي شافها عليه آخر مرة. حس بفرحة أول ما سمع صوتها، وحد بينادي بيقول يا هدى، وهي نازلة على السلم بسرعة. اتجرأ، بص حواليه، اتأكد إنه مفيش حد،
وبسرعة نادى عليها: –آنسة هدى. وقفت على صوته، واتفاجأت بوجوده. وشها بقى لونه أحمر من الكسوف، وقالت: –نعم. حسين قرب منها: –إزيك؟ عاملة إيه؟ ليا كام يوم بمشي حوالين السرايا، عاوز أطمن عليكي. هدى بكسوف: –تطمن عليا أنا. حسين بابتسامة: –أيوه، آنسة هدى. أنا في كلمتين عايز أقولهم لك، بس أوعدني، أي كان ردك، تسمعيني للآخر، آنسة. هدى:
–لف ولا دوران، أنا من وقت ما شفتك، وفيه مشاعر غريبة من ناحيتك. كل ليلة عيونك مش مفرقاني، وبالنهار بحاول ألاقي طريقة أشوفك بيها. يمكن تقولي عليا مجنون، أو جريء، بس صدقيني، دي مشاعر جوايا، وحبيت أعبر لك عنها. هدى بلعت ريقها، ووشها قلب أحمر، مش قادرة تتكلم وترد عليه. حسين اتلتف حوليه مرة تانية وقال لها: –ساكتة ليه؟ ردي عليا، فيه أمل تبادليني نفس المشاعر دي. سكت، وبعد شوية عنها، أول ما سمع صوت حد بيناديها مرة تانية.
هدى شهقت: –مع كلامه... هدى، ردي عليا بسرعة، مفيش وقت، وأمْكِن ما تيجي فرصة تانية أكلم معاكي. هدى بخجل وخوف من صوت جدتها اللي نادت عليها مرة تانية: –أرد أقول إيه. حسين: –قولي أي حاجة، ردي على سؤالي، تقبلي تبادليني نفس المشاعر دي. هدى: –جدتي بتنادي عليا، وأمْكِن حد يجي، أو بابا. ممكن نأجل الكلام لبعدين. حسين: –قولتلك، ممكن مـ تيجييش اللحظة دي مرة تانية، إلا لو ينفع نتقابل في مكان، ولو خمس دقايق، أتكلم معاكي.
هدى هزت راسها، وبهمس قالت: –بعد ساعتين هتلاقيني مستنياك في شباك مكتب بابا، اللي بيطل على الوحدة. خلصت كلامها ومشيت بسرعة، وحسين مشي للمضيفة، وهو طاير من الفرحة. هدى وقفت قدام المطبخ تاخد نفس وتخرجه، تهدي نفسها من اللي سمعته من حسين. همست لنفسها بفرحة: –أي دا، أنا مش مصدقة اللي سمعته. معقولة بيفكر فيا زي ما بفكر فيه. عدى الوقت، وبعد الفطار، أهل البلد كل واحد راح على بيته. وحسين ورشدي وحمد رجعوا الوحدة.
رشدي بيتاوب وبيقول: –الواحد عاوز ينام بعد الأكل ده كله، والعزف اللي خلا أعصابي مرتاحة. لولا الإحراج، كنت نمت مكاني. حمد بضيق ابتسم ابتسامة باهتة وقال: –هم يبكي وهم يضحك. حسين عقله مش فيه، بيكلم نفسه وهو بيبص للساعة في إيده. الوقت عدى بسرعة، والساعتين خلاص مبقاش فيهم غير عشر دقايق. اتنهد بضيق وقال: –هعمل إيه في الاتنين دول؟
وكمان أكيد مش هعرف أخلع من عزت ومراد، هشام تلقيه راح في النوم، ورشدي نايم على نفسه. لازم أعمل حاجة. وقف مرة واحدة وقال: –رشدي، اسبقني إنت والحاج حمد. محفظتي وقعت في المضيفة، هروح أجيبها وأجي بسرعة. أول ما اتأكد إنهم بعدوا وعدوا المعدية، مشي بسرعة ناحية السرايا. بص يمين وشمال، وبشويش راح جنب الشباك، اللي لقى مفتوح جزء صغير. الفرحة مكنتش سايعاه، أول ما عينه جت في عيون هدى. فضل ثواني مش قادر يشيل عيونه عنها.
هي بصوت هامس قالت له: –دكتور حسين، اتفضل، اتكلم قبل بابا ما يجي، أو حد من أهل البلد يعدي. حسين اتنهد وهو بيسمع صوتها وقال: –أنا هسند على الجدار، كأني واقف عادي، عشان لو حد عدى ما ياخدش باله. بس نبّهني لو ولدك جه. هدى: –حاضر. حسين:
–مش لاقي كلام أقوله. كل كلمة قعدت من شوية أرتبها عشان أقولهالك، راحت من بالي. بس اللي أقدر أقوله دلوقتي، إني متيم بيكي. إزاي وامتى معرفش. هدى، أنا إنسان صريح. عمري ما كان ليا في البنات والحوارات دي، حتى مع أخواتي البنات عمري ما كلمتهم، وأخدت واديت. دايماً كنت واخد جنب. من أول لمسة لإيدك، وأنا بديك ضهري، لا شفت وشك، ووقتها كنت ميت من الخوف، بس شعور غريب سيطر عليا. رعشة إيدك حسستني إني مسئول عنك، وإنك مني، حتى لو كنتي
مش بشر. ولما وقفتي قدامي وعيوني شافت عيونك، كأنك رميتي تعويذة على قلبي. ليلتها النوم جفاني، كأني نايم على جمر. عيونك قدامي، وصوت شهقاتك في وداني. حاولت أشغل نفسي بأي حاجة، مقدرتش. شعور إني عايز أطمن عليكي هو اللي مسيطر عليا. رجلي أخدتني لبره الوحدة، شفت النار خارجة من السرايا، مخستش بنفسي غير وأنا جواها، خايف النار تكتر وتوصل للسرايا، وإنتي جواها. لما شفتك نازلة من على السلم، ساعتها بس هديت. لكن قلبي جمر وقاد فيه. كل
يوم أتمشى حوالين السرايا على أمل ألمح طيفك. امبارح بالليل كان جوايا لهفة وشوق إني أشوفك. اقترحت على زميلي نقعد قدام الوحدة عشان أكون قريب من السرايا، وأقدر أبص على شبابيك السرايا، أمْكِن تقفي بالصدفة، أو تفتحي شباكك لما تسمعي صوت الكمان.
هدى رجليها مش شايلها. كل كلمة بتسمعها، بترفعها لفوق، لدرجة مش قادرة تاخد نفسها. بتفرك إيدها، مش قادرة تتكلم ولا ترفع عيونها من الأرض. حسين استغرب سكوتها. بعد عن الحيط وأدار بص عليها. ابتسم وهو شايف وشها الأحمر شبه الفراولة، والخجل واضح عليها. أدار سند على الحيط وقال:
–هدى، اهدى. أنا مش مستعجل على ردك. خدي نفسك وريحي أعصابك. صوت نفسك وتوترك وصلني لهنا. يكفيني دلوقتي تقولي كلمة واحدة تريح قلبي وتطمني إن اللي أنا فيه مش لوحدي، اللي عندي المشاعر دي. هدى بصوت رقيق:
–أول يوم كان صعب عليا من الخوف، ومن إحساس الأمان اللي حسيت بيه معاك. منمتش طول الليل. وقفت ورا شيش البلكونة بتاعت أوضتي، عيوني على الوحدة. شفتك وأنت خارج، قلبي دق. أول ما رفعت عيونك لفوق، لدرجة بعدت عن الشيش، خفت تكون شايفني. وبعد الحريقة، كنت هتجنن وأطمن عليك. نزلت السلم بعد ما أعصابي تعبت، وكنت خارجة أطمن عليك وعلى بابا. أول ما عيوني شافتَك، ارتحت، وارتحت أكتر لما سمعت صوت بابا. والفرحة مكنتش سايعاني. رجعت أوضتي وأنا قلبي بيدق أكتر من الأول. الأيام اللي فاتت، كل يوم بقف ورا الشيش بليل، وبالنهار بقف هنا، بشوفك وأنت داخل وخارج. حاولت كتير ألفت نظرك، مقدرتش. امبارح بعد ما خرجت، رميت وردة، قلت عشان تشوفها وأنت راجع، تاخدها وتعرف إنها مني.
حسين مقدرش يقف مكانه. أدار وقف قدام الشباك وعيونه عليها وقال: –هدى، إنتي حاسة بنفس مشاعري؟ هدى برقة: –أيوه. حسين: –أنا هكلم ولدك وأتقدم لك أنا. بعد الكلام ده، مش هقدر أصبر. هدى أول ما قال الكلام ده وعيونهم اتلقت، جريت خرجت من المكتب. حسين فضل واقف مش بيتحرك من مكانه، وعيونه على الشباك، على أمل إنها ترجع. اتفزع وأدار بص وراه أول ما إيد اتحطت على كتفه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!