اختفت ابتسامته أول ما يد اتحطت على كتفه. جه يدير، حس بشيء وراء ضهره وصوت يهمس قرب ودنه وقاله: "زي ما أنت لو خايف على عمرك." حسين: "انت مين؟ رسول: "وجاي برسالة." حسين: "رسالة إيه ومن مين؟ رسول: "امشي وخد زمايلك معاك المرة دي. كلام الرسالة الجاية فعل لو خايف على عمرك وعمر اللي معاك. انفد بجلدك." حسين: "انت مين ومين اللي باعتك؟
رسول: "ملكيش فيه. كلمتين ورد غطاهم. قدامك يومين لو ما مشيتش انت المسؤول عن اللي هيحصل، وخصوصًا بعد اللي شفته وعرفاته." حسين رفع عيونه وبص على شباك السرايا. بتوتر قال: "قصدك إيه باللي شفته واللي عرفته؟ وقف مستني الرد. دقيقة، اتنين. حس إن اللي كان وراء ظهره اتشال بسرعة. لف يشوف مين، مالقاش حد. اتلفت حواليه بذهول، بيكلم نفسه: "هو راح فين." مشي كام خطوة في كل اتجاه، يبص
على آثار اللي بيكلمه وقال: "إزاي اختفى كده مرة واحدة. وإيه قصده بالعرفة." حسين بخوف وتوتر بص ناحية شباك السرايا وقال: "أنا لازم أنبه هدى. متفتحش الشباك الفترة دي لأن مبقاش أمان. بس إزاي! فكر يا حسين، ولاقي حل بسرعة. لازم باي طريقة توصل لها وتفهمها وتتفق معاها على مكان آمن تتقابلوا فيه. اتنهد بحزن وحسرة وقال: "منه لله ضيع عليا فرحتي." مشي ناحية الوحدة وعقله مشغول،
باصص في الأرض بيكلم نفسه: "هتعمل إيه يا حسين في الكلام اللي قاله المرسال ده؟ هتنفذ كلامه وتمشي ولا هتقول لزمايلك." حسين عض على شفته وقال: "أنا استحالة ههرب من المواجهة. الرسالة دي قوة بالنسبة ليا. مدام اتبعتت معناها إنها خايفة من اللي حصل وإنها خايفة إن شغلها ولعبها تضيع ورأس مالها من خداع الناس يتقطع بعد ما ظهر كذبها."
وقف على إيد اتحطت على كتفه. انتفض بفزع وأدير يشوف مين. وهو ماسك الإيد، اتنهد براحة أول ما شاف اللي واقف بيكلمه. فضل باصص عليه ومش مركز هو بيقول إيه، وبيكلم نفسه: حسين: "أقولهم على الرسالة ولا أسكت ولا كأني سمعت حاجة واللي يحصل يحصل. ولا أقولهم وهم أحرار يقعدوا يمشوا. المهم ما أتحملش ذنبهم." رفع عينيه مع كلام اللي واقف
بيطقطق بأصابعه وبيقوله: "حسين مالك بكلمك من بدري وإنت ولا إنت هنا. إيه اللي حصل خلاك سرحان ومش بترد عليا." حسين باصص ليه وحيران، بيهمس لنفسه: "أعمل إيه. هدي وإزاي أحذرها. وزمايلي واللي ممكن يحصل حاجة لحد فيهم وأعيش طول عمري أندم إني ما نبهتهمش وعرفتهم الرسالة."
بص لعزت وقال لنفسه: "عزت دا يعتبر أهدى وأعقل واحد فيهم. من أول يوم كلمته وأنا حسيته رزينة وهادي وبيحكم عقله قبل ما يرد على أي كلام. أحكيله وأخلص من القلق والخوف." عزت ابتسم وقاله: "دا شكل الموضوع كبير لدرجة إنك مش معبرني خالص وسرحان في وشي." حسين اتلفت يمين وشمال وقاله: "عزت في موضوع مهم عاوز آخد رأيك فيه." عزت بقلق من شكل وصوت حسين وقاله: "في إيه يا حسين؟ قلقتني." حسين مسك إيد
عزت واتحرك كام خطوة وقاله: "مش عاوز حد يسمعنا الكلام اللي هقوله." عزت قاله: "تعالي معايا الصيدلية. دا آمن مكان نتكلم فيه." دخلوا الصيدلية وقاله: "اتكلم يا حسين. وترتني. في إيه حصل خلاك متوتر وسرحان. مع إن كلام رشدي والحج حمد حاجة تفرح." حسين: "عزت، وأنا راجع الوحدة... حكى كل حاجة حصلت معاه، معدا كلامه مع هدى. عزت بذهول وقال: "يعني إيه معناه الكلام ده؟ يهددونا عشان نمشي؟ حسين: "دبرني يا عزت. أعمل إيه؟
أعرف الكل وهم أحرار يمشوا، يقعدوا؟ ولا أسكت وما آخدش بكلام الشخص ده."
عزت قاطعه: "لازم ما تقولش. معني إنهم يبعتوا الرسالة دي إننا نجحنا وموقفنا أقوى وهم أضعف إنهم يعملوا حاجة. بدليل الرسالة اللي وصلت لك. حسين، إحنا ربنا جابنا هنا عشان ننقذ الناس دي من الجهل والظلم اللي عايشين فيه. لو هربنا من مسؤوليتنا هنفضل طول عمرنا نهرب وعمرنا ما هنكون قد المسؤولية ولا هنسامح نفسنا. حسين، أنا مقدر حالتك وخوفك وقلقك، لكن الكام يوم اللي قعدتهم معاك خلوني أفهم شخصيتك. إنت قوي وحر مش بتحب تستسلم ولا تسيب حقك. بلاش تخلي مؤثر خارجي يكون سبب في تخليك عن مبادئك. إنت مشيت المشوار، كمله. ومدام إنت على حق ربنا هيقف معاك وأنا كمان معاك بالقول والفعل."
حسين: "أنا مش خايف على نفسي. أنا خايف حد فيكم يصيبه شيء لأني خبيت عنكم ومعرفتكمش." عزت: "إن شاء الله مفيش حاجة هتحصل. الهم. إنت قوم نام لك شوية. ريح جسمك وعقلك من التفكير. ولما تقوم نتكلم." حسين: "وإنت مش هتنام إنت كمان؟ طول الليل سهران معانا."
عزت: "أنا ما جاليش نوم. روح إنت. اريح لك شوية. وبعد ما تقوم نشوف هنعمل إيه في الكلام اللي قلقك. وتاني حاجة نجتمع مع الدكاترة، ونوزع نوبطشيات الليل ما بينا عشان نأمن الوحدة ونضمن محدش يستغل إننا كلنا نايمين." ***
مكان ظلمه، إلا نور خفيف جاي من شباك صغير متحوط بالخوص. واقفة قدامه وحدة لابسة جلابية سودة متربة وعليها طرحة طويلة سوداء مداريها نص وشها. بس اللي ظاهر من الباقي يقول إنها ست عجوزة، وفي نفس الوقت شديدة من ملامحها اللي تقبض. وقفت قدام الشباك وعينها على الترعة اللي قدامه. وفي إيدها سبحة سوداء بخرز أحمر. بتحرك فيها وهي بتمتم بكلام غريب بهمس مش مسموع، بس صداه بيتردد في الحيطان حواليها اللي متعلق فيها رؤوس حيوانات من بقر وماعز وخرفان، غير القرون اللي في كل حتة والجمجمة اللي على طاولة خشب قديمة، وباليه في النص جنب قصرية نار والدخان اللي طالع بريحة بخور غريبة مع الطلاسم اللي مالية الأرض والحيطان بلون الدم، يخلى القلب يتقبض.
دخل عليها واحد وعينه في الأرض وباحترام قال: "ستنا." من غير ما تبص عليه قالت: "ها." الرجل: "وصلتهاله بس... الست: "إيه! الرجل: "في حاجة أنا شفتها وسمعت كلام." الست بمقاطعة وعصبية: "اخلص. في إيه؟ الرجل: "شفت الدكتور إياه واقف ومدي ضهره للسرايا بيكلم حد. مرة يبص للشباك ومرة يدي ضهره." الست: "وبعدين كان بيكلم مين وبييبص على إيه؟ الرجل: "معرفش، بس الواضح إنها وحدة ست، يمكن تكون خدامة أو حد بتنقل له الأخبار."
الست: "اممم. عينك عليه وأخباره أول بأول عندي. وإياك تتصرف من دماغك." الرجل: "أمرك يا خالة." الست: "ميت مرة قولتلك متقولش خالة. خالتك إنسيها. ماتت من سنين. اللي قدامك دي المبروكة أو النداهة. فهمت؟ الرجل: "فهمت يا ستنا." شاورت له بإيدها يمشي. طلع، وهي رجعت تاني تبص من الشباك وبتفكر في كلامه: "يا ترى مين؟
بس عد غنماتك يا جحا. السرايا صفصفت على عوض وأمه وبنته والخدامين. لو كان عوض كان قابله مش هيقفله في الشبابيك. والعقربة معدتش فيها صحة تقف الوقفة دي في شباك، وأساسًا تقف ليه؟ الخدامين مالهمش عازة معاه. وعوض واخده تحت باطه هيعوز أخبار إيه ومن مين؟ وهو ميعرفش حد في البلد يأمن له وهو غريب عنا. يبقى فاضل مين؟ هدى! سكتت شوية وابتسمت بطريقة تخوف من الطرحة: "يااااه، ده أنا لو كنت راسماها ما كنتش جيت كده!
أكيد هدى. والأكيد إن اللي حصل خلى قلب البنت يتعلق باللي لحقها من الناس الوحشة. والدكتور وقع في حب بنت البيه القمورة." كملت بتنهيدة: "عااااالية يا بوووى. دي كده هتحلو جوي يا عوض إنت وأمك. بدل ما أحسر قلبك ده كمان هدوقك نفس الكاس. فضيحة بجلاجل. بدل ما الخدامة بت الشحاتين لفت على ولد الأكابر وعايزة تلبسه فضيحته، هيبقى بنت البيه اللي سلمت نفسها لدكتور الوحدة الجديدة."
حطت إيدها على الشباك وبوجع غمضت عينيها. لسنين كتير راحت بيفتكر أيام شبابها.
وبحسرة في قلبها: "كنت وردة وأنا وردة. الحوجة خلتني أروح وي أمي لسرايا العمدة أخدم وأساعد. أول يوم ليا وأنا طالعة أودي الشاي للإنفار الشغالين بجنينة السرايا. وأنا ماشية خايفة الصينية تقع من إيدي من تقلها. عشر كبابي مليانين شاي. ويدوب نزلت السلم وخطوة والتانية. والقي اللي في وشي فارس وهو فارس. خبط فيا ولولي إيده سندت الصينية اللي اتملمجت وكانت هتقع من بين إيديا. رعش قلبي أول ما إيده اتحطت على إيديا. رفعت عيني، جات في
عين ابن عمده الصغير اللي ياما سمعت عنه من بنات البلد، والشغالين في السرايا من صباخية ربنا وهم بيكلموني عنه. فضلت باصلة وأنا متخدرة. محسيتش غير بيه وهو بيغمزلي. اتكسفت ونزلت وشي في الأرض. وهو صوت ضحكته اللي خطفت قلبي مجلجلة بالمكان. حسيت ببرودة في إيديا أول ما بعد إيده عن إيدي. مشيت بسرعة وأنا إيدي ورجلي بيرتعشوا وصوت ضحكته وصلاني. نديت على عم حسنين الجنيني...
عم حسنين، عم حسنين الشاي يا عم حسنين. بسرعة الله يخليك. الصينية تقيلة والكبابي ياما." عم حسنين: "جاى أهو يا وردة. حليتي الشاي يا وردة." وردة: "أيوه أمي صبت الشاي وقالت إنها حلته في البراد." عم حسنين: "كنتي حطتي صباعك في الشاي كان بقى عسل يا وردة." وردة اتكسفت، ادته الصينية ومشيت بسرعة. لسه هتدخل السرايا لقت اللي في وشها وابتسامته ماليه وشه. شهقت ورجعت وراء. قرب مني وقالي: "اسمك إيه يا قمر؟ وردة بخجل: "خدامتك وردة."
فارس: "وردة؟ وإنتي وردة. اسم على مسمى بصحيح. ويا ترى بت مين يا وردة." وردة: "وردة بت مسعدة." فارس: "وردة بت مسعدة. والله أنا اللي مسعد إني قابلتك وشفتك يا وردة. إلا قوليلي عندك كام سنة يا بطة." وردة بكسوف: "١٦ سنة يا بيه. واسمي وردة مش بطة." فارس صفر وعينه بتمر عليها: "بطة يا وردة. لوز مقشر. واللي يشوفك يديكي ٢٥ سنة." وردة باستغراب بصت لفارس: "هاه. بتقول إيه يا بيه؟ فارس: "لوز يا وردة." وردة: "يعني إيه يا بيه؟
فارس: "اللوز ده حاجة حلوة زيك كده يا وردة. تاكليه متتشبعيش منه. استنيني الخميس الجاي وأنا راجع من الجامعة هجيب لك معايا." ومن يومها بقت عادة كل خميس تجيب لي الحلو كله. علقتني بيك خلتني بستنى الخميس ده بفارغ الصبر. ولو غيبت شوية ببقى هتجنن. أما بقى الخميس اللي متجيش ببقى زي اللي ميت.
فارس، أخدت قلبي وعقلي وروحي. كنت بإيديك زي العجينة. وبعد ما أخدت كل حاجة. خميس ورا خميس وشهر جر شهر. إنت فص ملح وداب. ولما الفضيحة كبرت وجريت على العقربة أمك قالت: "صحيح بنت مسعدة جابتك بنفس الطريقة. وقالت لعب عليا ولد العمدة الكبير. ولما أخدت اللي فيه النصيب. بقدرة قادر بقى ليكي أب. ودلوقتي جاية تتبلي فارس، زينة شباب الكفر كله. وكمان وهو غايب في بلاد برة، عاوزاني أصدقك إزاي." قطع ذكراها صوت من وراها. "... خالة؟
وردة: "يوووه. هو جرالكم إيه النهاردة؟ مفيش على لسانكم غير خالة. قلت مية مرة ليك إنت واللي وافق التاني تنادوني المبروكة. خالة دي خلاص إنسوها. مفهوم. اخلص. حاي. وليه سايب اللي أمرتك بيه." الشخص: "تحت أمرك يا خالة العمدة. بعت مرسال بيقولك مستنيكي في المكان إياه."
وردة المبروكة: "امشي دلوقتي وعينيك ما تتشلش عن الوحدة. أنا جالي رسالة وهغيب كام أسبوع. أي حاجة تحصل تعرفوا العمدة وهو هيصرف لغاية ما يؤذنوا ليا برجوع. وقتها أجي ألاقي الوحدة كوم تراب. مفهوم." الشخص: "بس مش وقت الروحة. وكام أسبوع كده الناس هتشك وتصدق كلامهم بعد غيابك."
وردة المبروكة: "دي أوامرهم. ومواعيدهم بالظبط. لازم كل فترة أتابعهم. بيقدموا فروض الطاعة. وإلا هيؤذوني ويخدوا كرامتهم مني. بعد ما كنت أهم تابع ليهم هبقى عاصية. وبدل ما يدوني ينتقموا مني. اسمعني كويس. البخور ما يتقطعش. واللي كنا بنعمله زي ماهو. اخرقوا وخبوا العيال. واللي يجي يطلب السماح. قولوا له أنا في خلوة ومينفعش حد يدخل عليا. إلا إنت تاخد منهم كل واحد على قد اللي حالته. قيراط أرض من القيراط اللي عنده. والمعدوم تاخد كل اللي تقدر عليه."
الشخص: "أي أوامر تانية يا مبروكة." المبروكة: "لأ. أنا همشي دلوقتي أروح للعمدة. ومن هناك أنا هروح للطاعة." مشت المبروكة في الطريق في المكان اللي بتقابل فيه العمدة. ومع كل خطوة بترجع ليها ذكريات قديمة بتوجعها.
ولنفسها فضلت تقول وللطريق: "أكره ما عليا أمشي فيك. مش هنسى وأنا طالعة منك أنا وأمي وأختي وجوزها وعيالها. على إيده بنزق بالطوب ومافيش في جسمنا حتة سليمة من الطين والوسخ اللي رمونا بيه. ومش هنسى الغالية اللي راحت فيك. أمي وقعت من طولها واترمت عليه كيف البهيمة الفطسانة. اللي لحد دلوقتي مش عارفين لها قبر. ولا رموها للديابة أكلتوها. ولا أنا اللي عيلي نزل من حشايا من الجري والضرب. عهدتك إني هرجع أمشي فيك وأنا ست الكفر كله. ونفذت."
شورت
بإيدها على الأرض حواليها: "وكل الأراضي دي بقت بتاعتي. أنا وردة بت مسعدة. بقسم وبملك فيها بمزاجي. آه يا خالة باتعة. لولاكي ما كنتش قدرت أرجع وأخد حقي من كل واحد رمى عليا حصوة. قبل الكوم الكبير. فارس اللي أخدت روحه بإيدي، هو ومرته وضناه. والنار اللي مسكت في قلبي طول السنين اللي فاتت. مرتحتش غير وأنا شايفاها بتأكل فيهم. وقولت خلاص هتروق وناري تبرد. رجع عوض ومراته وبنته وعمل فيها الشهم زي عادته. الشهامة اللي مشفتهاش منه
وأنا بترجاه وأحلف له إن اللي في بطني ولد أخوه. مع إنه عارف ومؤكد. من عمايله السوداء. وإني مش أول واحدة يعمل فيها كده. لكن العقربة مشته زي العادة. ونزل رأسه وكتم لسانه وعمل نفسه مش شايف اللي بيحصل. جاي دلوقتي عامل فيها حامي الحمى. قلت هو اللي جابه لنفسه. ودوقته فراق الغاليين زي ما دوقته في مرته وولده. وزي ما هو والعقربة اللي مش ناوية تتهد غير لما أسحب آخر أنفاسها بإيدي."
سكتت أول ما شافت اللي واقف مستنيها بظهره. ابتسمت
بسمة صغيرة وكملت لنفسها: "إنت كمان حكايتك حكاية. الوحيدة اللي عرفتني من أول ما جيت يا نصر. وجيت عليا جري تقدم فروض الولاء والطاعة. وعشان العمودية اللي طول عمرك طمعان فيها إنت وأبوك من ولد عمك. ساعدتك وخدتها. ونص الأراضي بقت ليك. وبعد ده كله مشبعتش. كيف البير مهما ترمي فيه بيبلع ما بيملى. بس عادتكم ولا هتشتروها يا ولاد البيه. بس اجمع كد ما تجمع مش هنسالك. وهاخد حقي منك زي ما كتمت شهادة الحق. وإنت اللي كان في إيدك ياما. وإنت صاحبه الروح بالروح وشاهد على بلاويه. اجمع كد ما تجمع كله راجع لي. وهي حتة بت اللي حيلتك ودواها عندي."
مشت بخطوات ثابتة. وعلى مسافة منه وقفت وغيرت صوتها وكأنه صوت حاجة جواه قالت: "مكنش العشم يا نصر. أطيب لك العمودية وأدهالك من ولد عمك. وطيبت لك أرض وخليت راسك براسه. وآخر المتمة تقف معاه هو والحكما. وتبعني وأتركب الأرض اللي بلعتها بتراب الفلوس للفلاحين من تاني." العمدة
نصر بخوف وهو بيلف لها: "مكنش قدامي غير كده يا مبروكة. والا كنت هتكشف. ولو كنت حتى سكت من غير ما أعمل كده كانت كفت عوض هي اللي تقل. وأهل البلد هيميلوا له ومش بعيد يطالبوه يرجع تاني ويبقى العمدة. ده غير لو كل الفلاحين ركبوا أرضه. ساعتها أرضي وأرضك اللي الفلاحين شغالين فيها زي السخرة كانت ضاعت." وردة: "ولو مكنش نزلوا الأرض بتاعتي. كان عندي الأرض تبور. ولا كان في يوم واحد زقني بحجارة يستنفع من ورايا بقرش ساغ."
العمدة نصر: "اديني يومين تلاتة بالكتير وهقلعهم منها ومن البلد كلها." وردة: "قدامك يومين." هز رأسه من سكات. جاي يتحرك، وقفته لما نادت وقالت: "نصر." نصر: "أمرك يا مبروكة." وردة: "بنتك." جسمه اتنفض وقلبه وجع في رجليه. وبخوف: "مالها بتي؟ أنا سايبها بتتلوى من وجع عينيها. ده أنا كنت ناوي أجيبها وأجيلك تشوفى حل لعيناها وتمسي بإيدك المبروكة يمكن وجع عينيها يخف." وردة: "هتطيب. هتطيب." كملت بأمر: "واعمل حسابك. بتك لولد أختي."
قالتها وشاورت له بإيدها يمشي. وهو ما كذبش خبر بقى يجري من قدامها. وقفت هي وخدت نفس عالي وعينها جأت على المعدية اللي واقفة. قربت ناحية الشط تبص لها بوجع. تفتكر اليوم المشئوم وهي إيدها على بطنها بتنزف. وجوز أختها بيسحبهم سحب هي وأختها من ضرب الحجارة. وقتها الراجل اللي واقف على المعدية وهو في نص الترعة رجع لورا وبقى يشاور لهم: "تعالوا بسرعة، تعالوا."
نزل منها وساعتها يركبوا: "بسرعة يا بتي اركبي." وأول ما ركبهم اتحرك وما خلاش حد من الباقين يركب. وفضل يسحب فيها هو وجوز أختها لحد ما وصلهم البر التاني. قلع جلابيته وحطها عليها وقال: "هدومك غرقانة دم. أقرب مستشفى. وروحي. ربنا يسترها عليكي وعلى ولايانا يا بتي." ورجع هو تاني للشط. مسحت دمعة
نزلت من عينيها وهي بتفتكر: "إزاي كانت بتمشي زحف والخوف راكبهم. ليكون حد حصلهم. وكل دقيقة يبصوا وراهم. لحد ما لقوا عشّة متطرفة. بسرعة دخلوا فيها وقفلوا عليهم الباب. ياخدوا نفسهم. وبعدها على صوتها بالصريخ والبكا والعيال الصغيرة بكت من الجوع. جوز أختها قام وقال: "خليكم إنتوا هنا. وأنا هروح أشوف حاجة ناكلها." أختها: "ووردة اللي بتنزف. البنت بتتصفى." "هسأل على أقرب وحدة ولا مستشفى. المهم خليكم هنا وما تتحركوش."
طلع من العشة. ودي كانت آخر مرة نشوفه فيها. عدى الوقت وما جاش. والتعب حط عليا. بقيت بفتح عيني بالعافية وأنا حاسة بالنار فايدة في جدتي. والعيال نامت من التعب والجوع. وأختي واقفة على الباب قلبها واكلها على جوزها اللي طلع وما رجعش. وردة بتعب: "الحقيني يا." ما رجعت أختها.
قعدت جنبها تولول: "أروح فين وأجي منين يا ربي. أروح فين على اللي طلع ومرجعش. ولا الراقد وبتطلع في الروح. ولا العيال اللي ما اتحطوش منطق. ولا أمي اللي راحت خلاص. أروح فين وأجي منين. قدراش أمشي وأسيبهم. يا غلبي. الرحمة من عندك يا رب." الباب اتفتح. اتنفضت من مكانها. قامت بلهفة فكراه جوزها. وقفت وهي شايفة ست عجوزة قوي داخلة وملامحها تخوف. وبصوت رعبها زي صوت الرجالة: "إنتي مين؟ وردة وهي بتتألم: "الحقيني يا أما." بصت لها
الست من ورا أختها وشاورت: "إنتوا مين وبتعملوا إيه في عشّتي؟ أخت وردة وطت باست إيد الست وببكا: "أبوس إيدك يا خالة. الحقينا. إحنا لقينا العشة فاضية قولنا نتاوى فيها من الطريق. وخصوصا أختي زي ما إنتي شايفة اهي." قعدت الست في الأرض ومسكت إيد وردة وبصت على الدم اللي مغرق رجليها: "البنت قايدة نار. سيباها كده ليه يا حزينة. قومي ولدي. ونار وهاتي من الترعة بره مياه وتعاليلي."
هزت رأسها بسرعة وعملت اللي قالت لها عليه. والست عارفة بتعمل إيه. وبعدها وردة راحت في النوم. ولفت الست لأختها وبحاجب مرفوع: "دلوقتي هتقوليلي إنتوا مين وحكايتكم إيه بالظبط؟ جاية أخت وردة تتكلم. حذرتها الست بالصوت اللي يرعب وقالت: "اعملي حسابك لو كدبتي في حرف هعرف بطريقتي. ووقتها ما تلومي إلا نفسك." هزت رأسها وبدأت تحكي. بعد ما خلصت. قالت
الخالة بصوت هادي طبيعي: "مصدقاكي يا بتي. ويمكن إنتوا جيتوا ليا رزق. أنا كبرت وكل يوم ببقى قاعدة خايفة الروح تروح ومحدش يحس بيها. أهو إنتوا لقيتوا مكان. وأنا لقيت ونس للأيام اللي باقية من العمر." عدت الأيام والشهور. ووردة مسكت صحتها. بس قاعدة مهمومة من اللي حصل ليها. ولأختها اللي ماتت من كم يوم من القهر. وسابه عيالها الصغيرين أمانة معاها. بعد ما طلع جوزها ندل من وقت ما طلع وما جاش.
قربت منها الخالة باتعة: "هتفضلي قاعدة كده حاطة إيدك على خدك وبتبكي؟ والعيال الغلابة دول اللي بقوا في رقبتك." بصت لها وردة: "وبإيدي أعمل إيه يا خالة." الخالة: "تقفي على رجلك. وأوعي لنفسك وللعيال ده. وترجعي حقك من كل اللي آذوكي." وردة: "وأنا بإيدي أعمل إيه؟ فاكرة مش نفسي آكل كبدهم بسناني. بس إزاي. إزاي؟
الخالة: "في إيدك كتير. ده مكر الحريم غلب مكر الرجالة. حطي إيدك في إيدي. وافتحي عينك وأذانك ومخك ده تفضيه للي هتاخديه مني." بصت لها وردة وهي مش فاهمة.
والخالة كملت: "بصي. زي ما إنتي شفتي. أنا عيشتي كلها قايمة على فك عمل دي وربط جوز دي وتطفيش دي. حريم تعبانة في مخها. بس بناكل عيش. وعيش حلو. وده علم مش أي حد يعرفه. وصعب حد يعمل اللي أنا عملته. والناس تجيله من آخر الدنيا. وأنا خلاص. اللي جاي مش كد اللي رايح. هعلمك كل حاجة. ومن هنا ورايح هتقعدي جاري في الجلسات عشان الناس تتعود عليكي ويعرفوا إنك خليفتي. ومن إبنه تنسي وردة وشك يظهرش. واسمك مبروكة. فاهمة يا مبروكة."
هزت رأسها وهي بتمسح دموعها بكف إيدها: "فاهمة يا خالة." الخالة: "قولي يما. نفسي أسمعها." مبروكة: "فاهمة يا أما." باتعة: "وأول درس ليكي وتحطيه حلقة في ودنك. مهما بلغ كيد شياطين الجن عمره ما يغلب كيد شياطين الإنس. وشغلنتنا أساسها شياطين الإنس. خليهم عيون وأذان ليكي تعرفي منهم الخبايا."
ومن يومها وأنا حفظت الدرس. وراحت الخالة ووجع بعدها في قلبي زي ما تكون أمي راحت تاني. ذاع صيتي والناس بقت تعملي ألف حساب وحساب. لوردة بت مسعدة اللي بقت المبروكة. اللي رجالة بنبات تخاف ترفع عينها في عيني. جيت يا كفر وخدت حقي من الصغير قبل الكبير. وهخلص كل حاجة. طلع لي الدكتور ده كيف الخازوق. بس لا. مبقاش بت مسعدة. المبروكة. لو ما بكت حسرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!