تحميل رواية «عقاب ابن الباديه» PDF
بقلم ريناد يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عادت معه وهي مرغمة على ترك روحها وفلذة كبدها في الصحراء، تذرف دماء روحها عليه وهي تحاول تقبل فكرة أنها لن تراه بعد اليوم، وأنها نفت قطعة منها بيديها وبكامل إرادة عقلها، ولم تخضع لقلبها الذي جادلها بإستماتة حتى يثنيها عن قرارها هذا ويجعلها تقف في وجه الخوف معترضة. ولكن للأسف خوفها من فقدان دائم جعلها تتقبل فكرة الفقد المؤقت، وأن عزاءها الوحيد أنه حي يرزق، حي يتنفس، حي بقلب ينبض. نظر إليها محمود زوجها بشفقة واردف: - مش كفاية عياط يا عايدة بقالك ساعات عيونك ما أخدوش هدنة، كفاية يا حبيبي عشان عنيكي،...
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم ريناد يوسف
غادر أدم الشركة تاركاً عمه وابن عمه يستشيطان غيظاً. عاد للقصر وأخبر والده بما حدث معه، وأنه استعاد المخازن ولن يحتاج لأوراق ملكيتها. فقد علم أنها مسجلة في الشهر العقاري، وكل ما سيتطلبه الأمر هو الذهاب للشهر العقاري واستخراج أوراق ملكية بدل فاقد. وأما بخصوص حماية المخازن، فقد ولى عليها من هو أشد إجراماً وبطشاً من رجال عمه. وعمه قصير والشيخ منصور هم من رشحوهم وكلفوهم بتنفيذ المهمة هاتفياً.
تناول طعام الغداء الذي أعدته مايزة مع أبيه وأمه ومايزة، ونهض ليتوجه إلى غرفته، بعد أن وزع نظراته بين كارمن وحياة وهو يختار من منهم التي سيبدأ بها أولاً. فقرر بأنه سيبدأ بكارمن، فهي تبدو أقل رزانة وأكثر انجذاباً إليه، حيث أن عيناها لا تفارقانه مادام أمامها. أما حياة فنظراتها له كانت مغلفة بالحرص على ألا يلاحظها أحد. ولكن العقاب ليس بأي أحد، فهو يستطيع الشعور بالعيون التي تراقبه حتى دون أن يلتفت إليها.
جلس على فراشه وفتح حاسوبه وقام بالبحث عن حسابها الخاص بالفيس بوك. وفي أقل من خمس دقائق كان يلج إليه ويخترقه دون أدنى جهد، وأخذ يتفحصه جيداً. فعرف من تصادق ومع من تتحدث، وعرف هواياتها من مقترحات التطبيق على صفحتها. استمع لمحادثاتها مع صديقاتها، وعرف من خلالها مدى إعجابها به، فقد كانت تصفه وتتغزل به. وليس هذا كل شيء، بل وهاتفها الذي اخترقه للتو كان مليئاً بصوره، كانت تلتقطها له طوال الوقت وهو غافل في أوضاع مختلفة. ومنها تأكد بأن مهمته يسيرة جداً، فالإعجاب موجود والتقرب لن يستغرق سوى بضع كلمات.
أغلق حسابها، ولج لحسابه، وبدأ في مراسلتها على الفور:
السلام عليكم.. كيفك يابنت العم عساكي بخير.
لم يلبث سوى دقيقة واحدة وجاءه الرد منها:
عرفت حسابي منين؟
- الناس ترد السلام أولاً.
ولولا أبوك وأمك ما علموك.
- وعليكم السلام وكل حاجة، بس برضو عرفت حسابي منين؟
- ليش حسابك بده تعب ليعرفه الواحد.. الحساب باسمك وما شاء الله حاطة صورتك عليه، ما عندك حشمة ولا حيا. لا وايش كمان متصورة بشعرك وبملابس ما يلبسنها غير العوالم.. بس العيب مو عليكي، العيب على التيوس اللي مسؤولين منهم.
- إيه ده يابني، إنت وهو، إنت داخل تتعارك معايا؟ فيها إيه لما أتصور بشعري، دي حرية شخصية. وبعدين مسمحلكش تتكلم عن بابا وإخواتي كده وتقول عليهم تيوس.
- لا تسمحي، غصباً عن بوزك، ما منتظر سماحك. بس للأمانة هم تيوس.. يعني أنا إذا معي أخت مثل القمر هيكي بخلي كل اللي رايح والجاي يشبع من جمالها. ولا أحطها في قارورة من الألماس وأقفل عليها مية باب وباب لغاية ما يجي راجلها ياخذها وما أخلي عين تنضرها.. أصلاً اللي راح يتزوجك ماراح يسامحك لأنك خليتي الكل يشاهد شيء ملكه هو لحاله. بس إيش نقول، البنت برغم جمالها غبية والأهل تيوس.
لم تعرف بماذا ترد عليه، فكلامه عبارة عن إطراء كبير ولكنه مغلف بالسب والتوبيخ. فهل تصده وتدافع عن أهلها، وربما في هذه الحالة ينهي المحادثة ولا يعاود الكرة مرة أخرى أبداً؟ أم تتغاضى وتنتهز فرصة باتت تحلم بها أياماً؟ فها هو الوسيم تاجر الأسلحة ذو المكانة العالية التي يتحدث عنها الجميع، لم يستطع مقاومتها وأتى صاغراً ملبياً لنداء جمالها الفتان.
فقررت التجاهل وردت عليه قائلة:
طيب ودا أسميه إيه بقى؟
- سميه مثل ما بدك، كل المسميات أمامك.
- يعني لو سميته غيرة عادي عندك؟
- أي، ويش فيها يعني. سميها غيرة، وهي عن جد غيرة. اللي ما يغار على لحمه ما يحق له لقب أنه يكون رجال. وأنا رجال وإنتِ بنت عمي.. وما زلتي صغيرة وبدك من يوجهك ويعلمك الغلط من الصواب.
- أنا مش صغيرة على فكرة، أنا عندي..
- أعرف عمرك وأعرف تاريخ ميلادك، وأعرف كل شيء عنك.
- اممم.. دا اهتمام بقى!
- أي اهتمام أكيد، مو قلتلك إنتِ بنت عمي ولحمي.
وعرضي. وتوا ودي أحكي معاكِ شوي ونتعرف عليكِ. ودي أعرفك أكتر وأكتر.
- ليه؟
- ما ندري، هادا اللي نريده توا. صار هيكي، عندي رغبة نتعرف. وشيء ثاني، من اليوم صار عندك رجال يهتم ويغار، وبيحاسبك. يعني ما في طلعة بشعرك، وما في لبس ضيق، ما في أصدقاء رجال على الفيس أو أي مواقع تواصل. والأهم.. ما في جلوس بملابس البيت هادي اللي تجلسين بيها قدام أولاد خالتك وعيونهم تاكل وتشرب فيك.
تبسمت وصمتت ولم تجبه، فهذا هو ما تريده تماماً. هذه هي صفات فارس أحلامها، غيور وقوي ويهابه الجميع، وفي نفس الوقت وسيم وذو طلة خاطفة. فمن هي الغبية التي تقاوم كل هذا وترفضه؟
أما هو، فلما طال سكوتها علم أنه لمس أوتارها الحساسة واستطاع اختراق نقاط ضعفها. فهي كحال كل الصبايا في عمرها، ينجذبون لمن يشعرهم بأنهم ملكه هو فقط ويستطيع تدمير العالم لأجل حبيبته.. والمهم أنه يغار.
استأنف حديثه معها، واندمت هي في الحديث وفتحت أبواب قلبها لهذا الشعور الجديد الذي يتسلل إليها. وكان هذا أول انتصار لآدم ونجاح في اختراق صفوف العدو وتدميرها، حتى وإن كان الدخول من أضعف نقاطه. فهذه استراتيجية قتالية بحتة، إذا كنت تريد تدمير شيء فاستهدف نقاط ضعفه.
أنهى حديثه الطويل معها، والذي أسفر عن نجاحه المؤكد في ثاني خطواته. ثم استوى على فراشه وأخذ يفكر في الخطوة القادمة.
أما في القبيلة...
رجوة: هاه ياسلومتي، امتى راح نمشي لعقاب؟ متى راح ينتهي رابح من تجهيز حاله؟ ليه ساعات يتسبح؟ قوله الوصخ ما ينضف لو إيش ما عمل، وخليه يطلع.
وهو: إتقول حنش قاعد يصلخ في جلده.
- ويش فيك يارجوه ليش متعجلة؟ بعد ساعة، بعد اتنين رايحين رايحين. طولي بالك واجلسي وحطي صرة ملابسك هادي على الأرض، ليش متلفحة بيها؟ وبعدين ليش كل هاد؟ هو يوم أو يومين هنقعدهن هناك، ما مطولين لحتى تاخذي كل ملابس وكأنك راح تسكنين؟ أهمدي وما ياخدك العشم أكتر من هكي.
- ويش فيها إذا أخذت واجد ملابس؟ إنت تعرف إني أحب أبَدل ثيابي كل شوي، وكمان عشان أهل الحضر ما يقولون شوفوا بنت البادية المسكينة ما عندها ملابس، بس قطعة تنام بيها وتقوم. أنا أريد أكون واجهة كل بنات البدو من نظافة للبس وكل شيء.
- راح تسوين عرض أزياء باين هكي؟
- إي، وراح نمشي عارية، ما نستر إلا قليل من جسمي، ونسبل شعري، ونمشي نتمختر شمال ويمين ونضرب بقدامي ليرن صوت أكعوب نعولي متل ما كانت البنات تمشي بالتلفزيون. عقاب، وألبس النعل هاااك طولا وأنخلي الكل يصفقولي.
- أي، احلمي احلمي وكتري، ما عليها ضريبة الأحلام. قال تلبس عارية وتمشي تتطوح؟ والله نقنصك وأنموتك بأرضك وندعس على راسك.
- وانهون عليك سلومتتي؟
تنهد وهو ينظر إليها ويتأملها. وقبل منها يتأمل حال قلبه الذي ينقلب من النقيض للنقيض فقط بكلمة منها، ويبيع جميع القضايا بإبتسامة، ويعلن الخضوع على الفور ما إن تناديه بأقرب الأسماء لقلبه على الإطلاق "سلومتي". فأردف لها في قرارة نفسه:
والله تهون الروح ولا تهونين على سلومتك يانبض سلومتك إنت، تدللي علي كيف ما تريدين يارجوتي.
تنحنح وحاول العودة من العالم الوردي الذي تاخذه إليه بكلمة واحدة ويذهب معها دون أدنى اعتراض. وبدأ في هندمة ملابسه التي لا تحتاج لهندمة ورد عليها بخشونة مصطنعة:
تهونين ونص إذا ودك تصيرين فانوس العربان كلها، مو بس فانوس قبيلتنا.
أنهى حديثه وتحرك من أمامها على الفور، فهو يعرف جيداً ما القادم إليه. وقد كان، فقد بدأت رجوة تقذفه بوابل من الشتائم جعلت ابتسامته تتسع مع كل كلمة تخرج منها:
ويش قلت.. أنا فانوس؟ يعني حتى إنت يا تيس صرت تقولي فانوس، كيف القبيلة؟ ولك روح الله يبعتلك ذيب ياكلك ما يبقى فيك شيء. الهي تعشش بجثتك البراغيث يا سالم وتمشي تحك جلدك بالصخور مثل الصخال المبرغثة.. ألله يقطع هاللسان اللي صار ينقط سم.. الله...
كان قد ابتعد المسافة الكافية وبدأ صوتها ينخفض ويتلاشى، حتى وصل عند أبيها، عمه قصير، فقال له:
هااا عمي، ما قلتلي اتوصى على شيء من الحضر؟
- لا ما ودي شيء ياسالم، ما ودي إلا تدير بالك على بلوتك اللي معك.
- لا تشيل هم ياعمي، رجوتي بعيوني والله.
- بعرفك كفووو يا ابن أخي. ولو ما هيك ما بعثتها معاك لأي مكان بعيد، وهي دوبك رهينتك ما عقدتوا عقد. بس أنا أعرف سالم ابن أخي زين، ينآمن على العرض وعلى الروح.
- والله ياعمي، إذا تعرف سالم زين، ما تحاول تعطيه رسايل بطريقة غير مباشرة وانت تعرف زين إنه يفهم عليك. وإذا على حكي القبيلة وأنه سالم خذ بنت عمه وطاف بها بالبلاد، فهذا اتركه على عمتي عوالي. هي راح تفهم الكل إنه نزلنا نجيب حاجات للعرس.
- أي عرس هذا ياسالم؟ لتكون ودك تعرس قبلي! والله لو سماك إذا حصلت لنحرق الخيمة اللي راح تتزوجون فيها وأنتم جواها وبليلة عرسكم. يعني أنا أصبر سنين وييجوا الصغار يتزوجون قبلي!
كان هذا صوت رابح الغاضب، فأجابه قصير على الفور:
هدي حالك يارابح، مين جاب سيرة زواج واعراس؟ إنت صارلك عفريت اسمه زواج. وبعدين من يزوج المهبولة للتيس بهذا العمر؟ ما زالوا صغار كتير.
وبالمناسبة، جوازك من معزوزة مرهون بيك إنت، يعني لو جيتني وقلت ياعمي أنا جاهز للزواج، إيش اللي يأخرني أنا. ثم إن عمك الشيخ منصور بذاته كلمني من نقال قياتي ووصاني عليك وعليها، ويقول كافي صبروا لمن مل منهم الصبر زوجهم. قللتوا والله التقاعس أصبح من رابح مو مني.
رابح: خلص ياعمي، إذا الأمر مرهون بي، راح أوكل مهمة تجهيز العرس لعمتي عوالي، والخيمة بتتنصب من غدوة، وأنا بس أعود من عند عقاب يتم العرس باليوم التالي.
وتوا الإذن منك نعدي أزف البشرى لمعزوزة بروحي وأنفرحها وأنخليها تستعد للعرس.
- أذنت لك يا يابوي، اربح افرح وخبر خطيبتك.
تحرك رابح سريعاً يتسابق مع دقات قلبه حتى يزف البشرى لمعزوزته. وفور أن رآها تخرج من خيمتها، وقف أمامها يلتقط أنفاسه بصعوبة، وعلت وجهه ابتسامة جعلتها تبتسم تلقائياً مع دقات قلبها التي بدأت تضطرب وهي تقرأ في عيونه سبب فرحته. وسألته هامسة:
خلص يانبض القلب، آن الأوان.
أومأ لها برأسه مجيباً، ثم اقترب منها أكثر، ولم يعد يفصلهما غير بضع إنشات، وهمس لها:
باقي بس أيام يا معزوزة والروح ترد لجسدها وتدب الحياة فيها.. باقي بس أيام وتصيري أم بيتي وأم قلبي وأم أولادي بمشيئة الله. باقي بس أيام وتتحقق كل الأحلام اللي ظنيت بيوم أنها ما راح تتحقق.. الحين أنا مسافر لعقاب وهنن يومين بس وأنرد لك يانبض القلب وضي العين.. ودي أنرد ألقاكي أحلى عروس.. ودي أعاود ألاقيكي بانتظاري كيف ما تنتظر الجنة التقى.. ودي أنعم بيكي يا جنتي.. استعدي لعرسك يا عزيزة القلب ومعزوزة الروح، لقروش كلهم معك، بس يطلب منك مرسول أعطيه، هو راح يعمر الخيمة ويجيب أغراضها من الحضر، أنا بوصيه. واللي تطلبه الشيخة عوالي وأمي للعرس، أعطي. والدبايح من حلالي، قولي لأبوك وهلال يختارون الأعفى والأعتى من بينهم وكل يوم يذبحون كبشين للقبيلة كلها لحين أرد.. الفرحة بدت من اليوم.. وأنت ياروح الروح خذي كيف ما بدك مصاري وأنزيلي الحضر مع عمتي عوالي وجيبي اللي تطيب عليه نفسك، ماتبخلي على نفسك بشيء.. كل اللي تهواه عينك جيبيه وأنا ماراح أقولك إيش جبتي وإيش صرفتي وقديش بقيتي.. رابح وأموال رابح فداء لك يا عرق عيني.
- الله يحفظ لي رابح ويسعد لي قلب رابح ويهنيني برابح اللي ما في متله بكل الدنيا لو غربلوها غربلة.. أبشر ياحبيب الروح والقلب والعين.. بس ترد راح تلاقي عروسك منتظرتك وكل شيء جاهز، ما باقي غير أقولك زوجتك نفسي وأنت تقول قبلت وتلتقي الأرواح.
غاصت العيون في نظرة تمني طويلة قطعها الصوت الذي يبغضه رابح كثيراً:
مووو كافي ياعنتر البوادي وإنت ماتستحي ياعبل القبايل.. ماتقول ورانا سفر وطريق طويل ونترك التسبيل لبعدين.. هاي أموركم الفارغة تنتظر، أما الطريق والسفر ماينتظرون.
إستدار نحوها رابح وهو يعض على شفته السفلى بغضب وهمس لها من بين أسنانه:
انقلعي انتظريني بالسيارة ياراس البين وبلا كثرة حكي.
- واللله ما أتحرك من هين إلا ورجلي على رجلك، ليش ما أعرفك أنا وقت تصفن علي معزوزة يتوقف بيك الزمان وتصير مثل صخرة، لو الدنيا خربت من حولك ما تبالي. هيا يارابح ومعزوزة باقية والتسبيل باقي، ماراح يروح لمكان.
نظر رابح لمعزوزته مرة أخرى وقال لها:
معزوزة، أعطي لهلال قروش يشتري لك نقال وخط من الحضر وخلي يدق علي منه، ودي ماينقطع عني صوتك. كنت ناوي أجيبا لك بس بكل مرة ما أعرف إيش يعطلني.
- أبشر ياربح قلبي، كل اللي تريده راح يتم. سافر وكون هاني، ودير بالك على حالك أمانة عليك، ورد لي سريع يارابح وماتزود البعاد ساعة إذا بتقدر تنهيه.
- حاضر ياعيون رابح.. يلا استودعك ربي يا أغلى روحي.
أنهى حديثه وانطلق مبتعداً على الفور من أمامها، فهو مثل ما قالت رجوة تماماً، ينسى دنياه ونفسه إن وقف أمامها ويتوقف به الزمان. ونظر لرجوة وقال لها آمراً:
هيا يالفانوس، اتبعيي.
وصعد ثلاثتهم السيارة وبدأت رحلتهم نحو آدم، ورحلة رجوة نحو تحقيق أهدافها.
وصلوا إلى القصر بعد رحلة استغرقت عدة ساعات لم تكف فيهم رجوة عن الثرثرة إلا عند تناولها الطعام أو الشراب. ورابح صنف الرحلة بأنها رحلة جحيمية بمصاحبة هذا المزياع بغيض الصوت الذي يقاطع أفكاره ويطرد طيف معزوزته من أمام عينيه كلما استدعاه بصرخة قوية تهز بدنه كلما رأت شيئاً غريباً، مما يجعله يسبها في السر والعلن بشتى أنواع السباب.
أما سالم، فكان يسبح فوق الغيوم من فرط سعادته بقربها وأحاديثها التي لا يمل منها أبداً. ينظر إلى فمها وينتظر منه الكلمة، وفرحته تشبه فرحة طفل لرؤية هلال العيد. ولا يصدق أن رجوته قريبة منه لهذا الحد الذي جعله ينهل من ملامحها حد الثمالة ويهيم قلبه على وجهه لا يعرف له ملجأ إلا عينيها.
وتمنى لو انقضى العمر وهو على نفس جلسته أمامها وتوقف الوقت وتعطلت الساعات.
ولكنها تظل أمنيات..
وصلوا إلى القصر ودق سالم على جوال آدم الذي لم يصدق حين أخبره سالم بأنهم أمام القصر. طلب منهم الدخول وغادر الشركة على الفور راكضاً حتى يلاقي رفقاء الروح والقلب. وفور مغادرته، دلف ياسين إلى مكتبه الذي اغتصبه من أبيه وأخذ يقلب في كل الأوراق فيه. واتكأ بعدها على الكرسي يواصل التفكير في خطته التي عزم على تنفيذها فور اكتمال أركانها رغماً عن اعتراض أبيه والجميع.
داخل القصر.. كان الاستقبال لسالم ورابح ورجوة ملكياً من محمود وعايدة. وحتى مايزة التي شمت بهم رائحة قبيلتها التي اشتاقت لها وبدأت تشعر بالاختناق هنا تحت الأسقف وبين الحوائط التي تمنع عنها البراح، وجلسات السمر مع نساء القبيلة... والأهم من هذا كله، شيختها "عوالى".
بدأت رجوة تلتفت حولها وتتفحص القصر وجميع زواياه بفم منفرج انبهاراً، فما رأته كان أجمل من كل الكلمات التي وصفته عن لسان رابح وسالم. فالحقيقة دائماً تختلف عن الخيال، إما أجمل أو أقبح، ولكن التطابق نادر.
انتهت مراسم الاستقبال ومحمود أخذ رابح وسالم لحديقة القصر وتطوعت عايدة بإعداد الطعام بيديها للجميع هذا اليوم. وتركت مايزة تنفرد برجوة، فقد رأت حاجتها للحديث معها. وقد كان، فأصطحبت مايزة رجوة على الفور لغرفتها واجلستها أمامها بعد أن رمت صرة ملابسها على الأرض وهي تصيح بها:
ويش هاد؟ طويتي خيمة بوك وامك وجبتيها بالصرة، انقلبتي جايبة كل هادي الصرة مثل ما تكوني مهجرة؟
- ويش فيك يامايزة جايبة ملابسي، ولا ودك البس معك بملابسك وأصير عجوز البادية متلك؟
- عجوز البادية لما ياكلك يافانوس يا أم اللسانين، والله ودك كوي بسيخ عوالي وبس أرد للقبيلة أنا بروحي اللي راح أحطه على النار وأخليه يتنار وأقولها ادفسيه بكل مكان بجسم هالفانوس.
- اللي يرد معكم للقبيلة سيخوه.
- ويش تقصدي؟
- سلامتك ياعجوز القبيلة.. وأكملت وهي تنظر حولها متفحصة غرفة مايزة وفراشها وخزانتها:
والله ونضفتي يامايزة وصرتي تنامين على سراير من بعد ما كان النمل وحشرات القبيلة واخدينك عشوش ليهم، وبس كنتي تحكي جسمك ينزل النمل والخنافس.. زمن دوار والله.
- نمل وخنافس لما ياكلونك حية.
- ششش، صكري فمك يامايزة واحترمي صاحبة القصر اللي لامك ومنضفك.
- والله إنك انهبلتي والله.. المهم فوتينا من أهبالك واحكيلي يالفانوس ويش علوم القبيلة وأهلها وناسها الجبير والصغير وحلالها وجمالها وخيلها وحتى رمالها، أوصفيلي حالهم.
وبدأت رجوة تقص عليها أخبار القبيلة وتجيبها على كل أسئلتها، وتنقل لها أخبار كل من سألت عنه. وظلت هكذا إلى أن ألمت مايزة بجميع المستجدات في قبيلتها الحبيبة. وسكتت رجوة عن الكلام حين سمعت صوته الذي زلزل كيانها، فتركت مايزة وخرجت تتقصى مكانه. وفور أن رأته بهيئته وهندامه، بحلته التي جعلته يبدو مثل أمراء الحكايات، مع قصرة مع الهالة التي حوله انطبق عليه التشبيه، وبدا كأنه أمير هارب من زمن الأساطير.
وأثناء تأملها له، دلفت من باب القصر كارمن التي جعلتها تفتح عينيها على وسعهما. كانت ترتدي زي مدرسي وتربط فوق رأسها قماشة بالكاد تغطي الجزء العلوي وتتطاير خصلاتها بعشوائية حول وجهها الأبيض المستدير، فبدت جميلة حد الفتنة. وغير هذا، رأت نظرة آدم الجانبية لها، فشعرت بناقوس الخطر يدق في روحها. ولم تلبث أن تتجرع الصدمة حتى دلفت من الباب فتاة أخرى، ولكنها كانت محجبة وتبدو أقل جمالاً من الأخرى، ولكنها حازت على نظرة جانبية أخرى من عقاب. فدقت داخلها جميع نواقيس الخطر في آن واحد. فرفعت رجوة يديها فوق رأسها وهمست بغيظ:
حييييييه عليكي يارجوة حييييه، زوز فانص ياعقاب معك عايشين وأنا اللي أنتظرك ترد للقبيلة مرة ثانية، والله إنك ماراح ترد وتترك هدول الفانص.
ولم تكن الوحيدة التي لاحظت نظرات آدم، فقد لاحظها سالم أيضاً، وخاصة نحو كارمن والتي قوبلت بابتسامات خجولة منها، فقلق سالم من وضع آدم، فقرر أن يتقصى أمره ولكن فيما بعد.
وبعد أن سلم آدم على الجميع واطمأنوا على أحواله، جلس معهم يتجاذب أطراف الحديث حول البادية وأحوالها ويصف شوقه إلى الصحراء الواضح في كل حرف من حروفه. غادرت رجوة لمساعدة مايزة وعايدة في إنهاء تجهيز طعام الغداء. ونهض محمود وذهب إلى مكتبه لينهي بعض الأعمال، وبقي ثلاثتهم، آدم وسالم ورابح، فاستدار سالم وواجه آدم وسأله بشك:
عقاب، في شيء عم يصير معك مووو؟
- إيش لاحظت؟
- واااجد أشياء ومستغرب من السرعة.
ضحك آدم فقد فهم عليه وعرف إلى ماذا يرمي، فرد عليه ببساطة:
خوي، لا تشغل بالك وكون هاني، عقاب مو صغير.
انتبه الجميع على صوت مايزة آت من الداخل وهي تصرخ:
واااااك عليكي يافانص، حلي عني وغوري.
فضحك الجميع عليها، ورفع آدم عيناه على صاحبة الظل التي ظهرت فجأة بينهم، فوجد كارمن تقف في شرفة غرفتها المطلة عليهم، فتبسم لها وردت له الابتسامة. وهنا لم يستطع سالم كتمان ما يجول في نفسه وقال له غاضباً:
ما تقول لي إيش فيك، أحس عيونك زاغت ياخوي، واللي مراقباه العيون مابه خير. ويش فيك ياعقاب، معقولة يكون عقلك بطل يفكر زين، بس شفت بنات الحضر وزينتهم؟ معقولة راح تقع بهذه الغلطة العظيمة وتنسى كل شيء؟ معقولة تحب من نسل عمك؟
- ليش ياسالم، هو كل النظر حب؟ ولا كل التفاتة مصحوبة بتمني! روق ياضلع وما تفقد ثقتك بعقاب وتخلي عقلك اللي خربته رجوة يحط افتراضات خربانة مثله.
- فهمني لكان؟
- بعدين بتفهم كل شيء. والحين قوم خد بلوتك هي اللي جلطت مايزة سبع جلطات من ساعة اللي وصلت وكل شوي مايزة تصيح واااك منها، قوم فررها شوي هون وهون. خد السيارة وروحوا لحالكم، ولا تخبر مايزة، راح تدقها ألا تروح معك. وإذا بدك مصاري بالغرفة بخزانة ملابسي خد اللي يكفيك ويفيض واشتري لها كل اللي تشتهيه. رجوة إذا شافت شي عجبها وما طالته وجابته بتقوم قيامتها.
- لا ياخوي، معي خيرات الله وأجيب لها كل اللي تريده. ياريت كل هموم الدنيا كانت قروش، والله ما كان حد شال هم.
وبالفعل نهض وأخبر رجوة بأنه سيأخذها بجولة. وحين علمت أن عقاب لن يكون معهم رفضت، وأصرت على البقاء معه بالقصر ومراقبته مع الكارثتين المحيطتين به. ولكن سالم لم يستمع لها وأجبرها على الخروج معه، وأصطحبها بالإكراه بعد أن تناولا طعام الغداء. وبالرغم من أنه قضى ساعات طويلة في السفر وجسده منهك، إلا أنه وجدها فرصة للتقرب لا تعوض وقرر أن يستغلها.
ونتيجة ذلك لم تكن النزهة كما خطط لها في عقله، بل كانت عبارة عن تجاهل وصمت مطبق من رجوة، وعدم تجاوب مما جعله ينهيها سريعاً ويعود بها للقصر مرة أخرى خائب الرجاء.
وفور وصولها للقصر أسرعت تجلس بجوار آدم وهي تتفحصه بعينيها وكأنها تريد إلتهامه. فوقف سالم مشدوهاً من لهفتها. وكالعادة، حارب عقله الذي يحاول أن يخبره بأن هناك شيء خاطئ يحدث، وأجهض أفكاره قبل أن تتكون.
إقترب منها وجلس بجوارها وسألها هامساً:
عجب لحالتك، شايف ضيقتك اختفت يعني وملامح وجهك ارتاحت وضحكتك عادت، اتقول كنتي ميتة وردت فيك الروح.
انتبهت إليه وردت على كلامه قائلة:
حاسدني على هادي ياسالم واسمعها مني. أي ما أنا من البداية حكيت لك واااجد ما نريد نطلع، بس إنت اللي ركبت راسك. من يوم وعيت لك على الدنيا وأنت تعمل اللي براسك ولا تهتم إذا رجوة راضية ولا لا. كل اللي يفرحك إنت ويسعد قلبك تسويه، وما تفكر غير براحتك وبس.. إنت أكتر واحد أناني بالعالم ياسالم. مهما عملت وعطيت وزاد كرمك للناس، هتفضل تحب نفسك أكتر من أي شيء وحاططها فوق الكل. وما بعدك حريقة.
- تحكي من جدك إنت، ويش هادا اللي تقولينه يارجوه؟ معقولة أنا هكي؟ يعني هادي نظرتك لسالم يابنت عمي؟
- أي ياسالم هادي هي نظرتي لك. بالأول ما كانت هكي بس إنت بدلتها بأنانية اللي كل ما تكبر بالعمر تكبر معاك وتزيد لما بقت عالعلن مثل قرص الشمس، ومتشايفة للأعمى.
أخذ نفساً عميقاً وحبسه بداخله لثوانٍ راجياً أن يطفئ لهيب فؤاده من كلماتها اللاذعة، ثم أخرجه دفعة واحدة ورد عليها معاتباً:
والله إن سالم ماتغير ولا جد عليه شيء، ولا بيوم كان أناني، ومن يوم يومه يبديك على روحه ويرخصلك الغالي وما يستخسر فيكي نجوم السما لو تطلبيهم.. بس الظاهر إن إنتِ اللي تغيرتي، ومو عاجبك اللي كنتي ترتاحي إلا معاه، يارجوة، مو أنا اللي ذكرتيه سابق. والظاهر إن كلام جدي منصور بدأ توا يتفسر ومعانيه تلوح..
القلب اللي تربى على يد سالم وكان يحب كل شيء منه، اليوم كبر وصار بده يخرج عن طوع حبيبه ويشوف له راعي جديد.. بس حسافة عليكِ إذا كان اللي نفكر فيه صحيح ومن بين كل الناس ما اخترتي راعي لقلبك غير اللي عيونك محاوطينه. وقتها راح تكوني رميتي قلبك للي ما راح يرفع عينه ويبص له نص بصة، ولا راح يهنا لك بال بعدها. تعرفين ليش يارجوه، ولا ماتعرفين؟
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم ريناد يوسف
ارتبكت وتلعثمت وهي ترد عليه بعد أن أشار عليها بأصابع الاتهام وجردها من أي ستار كانت تواري مشاعرها خلفه.
- ويش تقصد أنت ياسالم وعلى من قاعد تلقح كلامك؟
نظر سالم نحو آدم المشغول مع رابح في الحديث وصمت وهو يتأمله قليلاً، ثم أردف لها:
- لا ولا شي، لا تحطي ببالك. روحي لمايزه وقوليلها تجيبلك شي تاكلينه، أنت ما أكلتي زين اليوم. قومي يا بت عمي، وربك يصلح حال القلوب.
نهضت رجوه وتركت المكان كله هاربة من الموقف ومن سالم ومن شعور اجتاحها في هذه اللحظة بالاعتراف له بكل شيء، لعله يتركها وشأنها. ولكنها رأت أن عقله بدأ يتطرق للحقيقة، وأنها مسألة وقت لا أكثر ويتأكد من محبتها لآدم وعدم رغبتها فيه كزوج لها. وبالتأكيد في هذه الحالة لن يسمح له كبرياؤه بالاستمرار معها.
أما سالم، فانضم لآدم ورابح، وأخذ يستمع لأحاديثهم في صمت وهو ينظر لآدم ويفاضل بداخل قلبه بينه وبين رجوه. وإن اضطر للتنازل عن أحدهم من أجل أن يكسب الآخر، فمن سيختار؟
انتبه آدم لشروده وسأله بغرابة:
- ويش فيك يا خوي، ليش هيك شارد؟ عسى اللي شاغل فكرك خير.
رد عليه رابح مباشرة:
- والله كلنا نعرف اللي شاغل فكره وقلوبنا معه، وندعي الله يعينه على ما بلا.
فتبسم آدم وهو يرد على رابح:
- يا خوي أحلى بلوة والله. وبعدين ماتخاف سالم تعود على وجيع رجوه وإذاها ودلالها اللي ما يتحمله غيره. والله يا رابح أنا من لما شفت سالم وجلده عليها وشفت طبعها وشينها، تأكدت إن الله ما يجمع غير اللي يرم ويليق للآخر، وهو سبحانه مؤلف القلوب. ولولا اختلاف القلوب والأذواق لبارت السلعة.
تنهد سالم وهو يتيقن أن عقابه لا يكن أي شعور لرجوه، وأنها انجذبت له من غير حول له ولا قوة، ولا يد له في محبتها.
سأل رابح آدم عن خطواته القادمة، وعرفوا منه أنه بدأ في ضرب عمه في أساسات عمله، وأنه بدأ منافسة غير شريفة معه، تسحب من تحت أقدامه البساط تماماً كما سحبه من تحت أقدام أبيه، وتعيده حافي القدمين يقف على أرض موحلة كما كان في سابق عهده.
بعد أن انتهت أحاديثهم، تفرق ثلاثتهم. فخرج سالم تاركاً القصر وأخذ يهيم في الطرقات بلا هوادة، راجياً عقله أن يجد له حلاً ما لما هو فيه. وبعد طول تفكير، اهتدى لأن ما تشعر به رجوه الآن مجرد انجذاب. فلا آدم سيكون لها يوماً، ولا هي ستطاله. وهذا لأسباب وضعت بينها وبينه استحالة حدوث هذا. أصله أولاً، فهو غير بدوي الأصل، وهنا يكمن مربط الرفض القاطع. وثانياً، أخلاق عقاب ومحبته لسالم. وهذا يجعل الأمر من سابع المستحيلات. فلا عقاب بالخائن، ولا صداقتهم ستهدمها فتاة.
فقرر ترك الأمر للوقت والظروف، وهو أكيد بأنهم سيعيدانها إليه. ستكون مرغمة حينها وغير راضية كلياً في البداية عن زواجهم، ولكن حبه والزمن الطويل بينهم كفيلان بأن يبددا ما يتكون في قلبها الآن. وأهم شيء في الوقت الحالي هو معرفة كيفية التعامل معها. هل يظل على قربه منها واعتناؤه بها؟ أم يبتعد ويجعلها ترى الحياة بدونه وبدون رعايته وحبه كيف ستكون؟ أم إن البعد سيزود الجفاء أكثر؟ وبعد الحيرة، قرر أن يستشير في الأمر من ستعطيه النصيحة المثلى "الشيخة عوالي".
أما رابح، فقد وردته مكالمة من رقم غريب. وفور أن رد عليه، عرف أن هذا خط معزوزة الجديد وأن الهاتف المحمول أصبح معها الآن، ولُغيت المسافات أخيراً. وأخذ الاثنان يتصبران على الشوق بالأحاديث الليلية الطويلة، أو هذا ما ظنا أنهم يفعلانه. ولكن العكس هو ما حدث. فما زادت الأحاديث إلا الأشواق، وألقت في القلوب أكواماً من القش جعلت نيران الأشواق تتأجج أكثر وأكثر. فما كان منهما إلا أن يغلقا الخط رأفة بقلوبهم التي نضجت شوقاً.
أما آدم، فالليلة كانت ليلة الإيقاع بحياة. تسلل لهاتفها وهكره، وبدأ في البحث بداخله. وعرف عنها كل شيء تقريباً، وبدأ يبحث عن الطريقة المثلى لاختراق عالمها. ولم يجد طريقة أفضل من التحدث المباشر معها والمصارحة دون مراوغة. فهي شخصية جدية وناضجة فكرياً رغم صغر سنها، وهذا ما تبين له بعد تحريه. ولن تفلح معها نفس الطريقة التي استخدمها مع كارمن، فلكل نوع طريقة مختلفة. وبما أنه يعرف هذا جيداً، عرف كيف سيدخل إليها.
أرسل لها رسالة على الواتس وعرف عن نفسه وأخبرها مباشرة بأنه آدم ويريد التعرف عليها أكثر لأنه معجب بها وبشخصيتها.
ألقى لها القنبلة وانتظر انفجارها. إما في وجهه برد بارد يشعره بأنه تسرع، وإما في قلبها وهنا سيتحقق هدفه.
وصلت الرسالة علامتان ورأى أنها قرأتها، وانتظر منها رداً ولكن لم يحدث. فترك غرفته وخرج في بهو القصر يبحث عنها في مكانها المفضل، فوجدها جالسة ممسكة بهاتفها وتتأمله. وفور انتباهها له، أنزلت الهاتف من يدها ونظرت إليه متفقدة صحة ما أرسل إليها على ملامحه. ولما لم تجد منه إلا الجدية، ازدردت لعابها مع تقدمه منها، وغاص قلبها بين أضلعها وهو يطلب منها لقاء في الحديقة خارج القصر. وسبقها وهو على يقين بأنها ستتبعه وتلبي طلبه بعد أن رأى القبول في عينيها.
وبالفعل هذا ما حدث تماماً. فقد لحقته للحديقة وهناك بدأ الحديث الذي استهله آدم بنفس الكلام الذي قاله لها في الرسالة. وكان ردها الصمت تماماً كما حدث على الواتساب. ولكن آدم يعرف جيداً كيف يكسر حواجز الصمت، فارغمها على التحدث معه بالكثير من الأسئلة والتعريف عن نفسه وهواياته، التي بالأساس هواياتها هي، ولكنه اقتبسها للإيقاع بقلبها بخدعة التشابه في الهوايات والأشياء المفضلة.
وقد لاح نجاحه على ثغرها من خلال ابتسامة خفيفة بدأت تظهر، وكانت هذه شرارة البداية.
أما في ليبيا..
قياتي:
- ياسدن جهزي غرفة لأبوي خلاص قرب يرد من الحجاز ونريده يرتاح معانا، ومانريد ينقص عليه شي.
سدن:
- كون هاني يا أبو منذر عمي هنفرشله غرفه حرارير وريش نعام، هادا يوم سعيد كيف العيد اللي هيشرفنا شيخنا وينور بيتنا!
- الله يرضى عليك يا أم منذر. أي والله شيخنا بده دلال، مانعرف ليش هكي حاسس بعد آخر مكالمة بصوته مو طبيعي وكيف ما يكون نال منه المرض. ربي يطمنا عليه.
- ألف بعيد الشر عنه، الله لا يضرنا فيه. لا تخاف بس يرد لعندنا بنهتمو فيه ونديرله كل شي يحبه وهنقعده مع الصغار كل عافيته ترد لأن روحه بيهم بتعرف هالشي.
- أي والله بس هو يرد بالسلامة وكله سهل ومقدور عليه.
تنهد بعد أن قالها، ولا يعلم لم ولدت غصة في جوفه مع شعور تسلل بداخله، بأن هذه قد تكون نهاية الرحلة وبداية الفراق، وأن الخاطف قادم لخطف أبيه. ولا يعلم ماذا سيفعل في دنيا هو ليس فيها. فبالرغم من بعد المسافات بينهم، إلا أنه لا يخطو خطوة دون الرجوع لأبيه وأخذ مشورته فيها. وأخذ يتساءل هل أصبح قادر الآن على إدارة حياته بمفرده بعد رحيل شيخه، أم أن رحلة التعلم لم تنتهِ بعد، ولم يحن وقت الحصول على شهادة الاستقلال ومواصلة الطريق بمفرده؟
أما في الحرم، فقد دعا منصور كثيراً وبكى أكثر. سأل الله المغفرة على كل ذنب ارتكبه بقصد أو بغير قصد، وتاب عن كل ذنب، وتمنى من كل قلبه أن تكون الراحة والسكينة التي يشعر بها ما هي إلا حسن الخاتمة.
أما في القبيلة، فكانت الاستعدادات لعرس رابح ومعزوزة قائمة على قدم وساق. الشيخة عوالي تصدر الأوامر للجميع، وقصير يباشر الذبائح يومياً ويطعم القبيلة كما صرح له رابح. ومعزوزة تستعد استعداد عروس من عناية واهتمام. أما خيمة رابح، فكان تجهيزها حدث ولا حرج. فقد كانت أكبر خيمة في كل القبيلة. ومن الداخل، قام الشباب بتقسيمها بستائر وقوائم كما خطط لهم رابح وأخبرهم، وجعل منها غرفتين منفصلتين، وفرشت بأرقى المفروشات. وكانت الخيمة الوحيدة التي يدخلها تخت ومرتبة ووسائد كلها من أرقى الأنواع، مما جعل الغيرة تدب في نفوس جميع فتيات القبيلة ويحسدون معزوزة على هذا الرابح الذي يجهز لها قصراً على هيئة خيمة!
أما معزوزة، فكانت تتفقد قلبها بيدها في اليوم آلاف المرات لتتأكد بأنه لا يزال في موضعه ولم يغادر قفصها الصدري ويلحق محبوبه حيثما كان. فما أطول الساعات وما أبطأ الوقت، وكأنه توقف كي يعذبها أكثر.
أما رابح، فخرج بصحبة سالم وآدم وحتى رجوه. وأخذ معه أم آدم وولّاها مهمة اختيار ثياب لمعزوزة من أرقى الملابس وأفخمها. ملابس تلبس داخل خيمتهم وله هو فقط، ملابس تليق بملكتهم المتوجة على عرش قلبه.
وقد أدت عايدة هذه المهمة على أكمل وجه. فالتسوق لعبتها، واشترت له ما لم يخطر على بال أحد من سكان القبيلة. ملابس تشبه تلك التي ترتديها الممثلات وبطلات السينما. وقد أعجبوا رابح كثيراً. وزادت عليهم من مالها الخاص أنواع من أجمل العطور وأدوات التجميل، وكانت هذه هديتها لهم بمناسبة العرس.
مرت الأيام وأصبحوا ثلاثة. ومن بعدها قرر رابح العودة لإقامة عرسه. ولم يعد بمفرده، بل اصطحب الجميع. محمود وعايدة، آدم ومايزه، وبالتأكيد سالم ورجوة. والغريبة أن آدم طلب منه توجيه الدعوة لعمه وزوجته وأولاده، وأختها وأولادها. وهو يعلم جيداً من سيذهب معهم منهم ومن سيرفض. وبالفعل حدث ما توقعه. فقد لبت الدعوة كارمن وتلاها مدحت، ومن بعدهم حياة. وأصروا على السفر معهم والذهاب في رحلة للبادية لتجربة أولى وفريدة من نوعها وحضور العرس.
وفور وصولهم، بدأت الاستعدادات. وأولها كان نزول رابح والشباب لمنطقة زراعية أحضر لصاحبها بذور نوع سريع النمو اسمه جزينيا، ووعده بشراء كافة المحصول. وقاموا بحصاده ومليء شاحنة عملاقة به وعاد بها للقبيلة. وفي المساء، كان يقف أمام خيمة معزوزة وهو يرتدي زيه البدوي الجديد، ويمسك بيده لجام فرسه الذي وضع على ظهره سرجه المزين بالفضة ووقف ينتظرها. وما أن خرجت من خيمتها، حتى ساعدها على امتطاء الحصان وأخذ يجول بها بين الخيام. والشباب ينثرون الورود تحت أقدام الحصان في سابقة لم تحدث من قبل، ومنظر مفرح ومبهج. أخذ معزوزة من فوق الأرض ورفعها في السماء من السعادة، وأوفى بوعده معها كما عهدت منه طوال عمرها. وها هم لا يفصلهم سوى سويعات عن تحقيق حلم طال انتظاره. وقف بها أخيراً أمام خيمتهم وأنزلها من فوق ظهر الحصان. ووقفت تنظر بسعادة لرمال القبيلة التي تلونت بألوان الزهور، وكل هذا من أجلها هي فقط. وأخذت تستعيذ وتعوذه من أعين فتيات القبيلة اللاتي كادت تأكلهن أكلاً من شدة الغيرة. وبعدها افترقا لينام كل منهم بعيداً عن الآخر، هذه الليلة فقط.
أما آدم، فقد سلم حياة وكارمن ليد الشيخة عوالي. واصطحب هو مدحت معه لخيمة الشباب. وهناك أبدل مدحت ثيابه بأخرى بدوية من ثياب آدم، وخرجوا جميعاً لحفلة سمر ووليمة عشاء جديدة. ومن بعدها انسلت آدم ليشير لحياة طالباً منها اتباعه. وما هي إلا دقائق ولحقت به عند البئر. وهناك بدأت الأحاديث تستأنف. وعرف آدم الأوتار الحساسة عند حياة وأخذ يعزف عليها. أما هي، فكانت تستمع له غير مصدقة بأن هناك شخصاً في الدنيا يشبهها لهذا الحد، ويحب كل ما تحبه ويكره ما تكرهه!
وحان وقت حديثها هي. فقد طلب منها آدم أن تحدثه عن نفسها قليلاً. وما أن بدأت في الحديث واسترسلت وهي تنظر بعيداً لتقص له قصتها منذ نعومة أظافرها لليوم، حتى انتبه معها بجميع حواسه. فقد كانت طريقتها في الكلام خاطفة، ساحرة لدرجة تأسرك داخل نبرة صوتها التي تتغير بتغير المواقف والقصص. وتلك الابتسامة التي ما إن ظهرت حتى أبت الاختفاء، مع غمازتين ظهرتا من العدم لأول مرة مع ابتسامتها النادرة، فهو لم يراها تبتسم من قبل!
كل هذا جعل آدم مشدوهاً وهو يستمع إليها، وقد دق ناقوس داخله يخبره بأن هناك شيئاً سيحدث مع هذه الحياة.
وبعد أن استمع إليها وأنهت جميع الحكايات، تكونت عنها بداخله فكرة كاملة. فقد كانت نقية بشكل غريب، بريئة في أحاديثها وتبدو كطفلة صغيرة تتلون ملامحها مع كل حديث.
ولم يكونا وحيدين كما ظنا ومتوارين عن العيون، بل كانت هناك أربعة عيون تراقبهم. عينا رجوه وعينا كارمن. والاثنان بداخلهم براكين غيرة تفجرت. كارمن تحملت وصمتت. أما فانص القبيلة، فأبت الصمت. بل أخذت دلواً فارغاً وذهبت إلى البئر، واقتحمت خلوتهم، وقامت بملء دلوها وهي تراقب عقاب بعيون تقدح ناراً. وبعد أن ملأت الدلو، رفعته فوق رأسها ومثلت عدم التوازن، وقامت بسكبه بالكامل فوق رأس حياة وكامل جسدها مما جعلها تصرخ فزعاً. ولما رأت عقاب هب معترضاً، أفرغت ما تبقى من الدلو فوق رأسه هو الآخر وفرت من أمامه مبتعدة بعد أن تشفت بهم قليلاً بعملتها هذه.
مرت الساعات سريعاً وأتت ساعة الفرحة. ارتدت معزوزة ثوب العرس، واستعد رابح، والتقى الاثنان أمام مأذون القبيلة النائب عن الشيخ منصور. وكُتب الكتاب وتعالت الهتافات وصدعت الأغاني مع تحقق الأماني. وبعد انتهاء العرس الذي حضرته القبائل كلها، وجاء إليه القاصي والداني، أخيراً اجتمع الحبيبان تحت ستار الصبر. فدخلت معزوزة خيمتها لأول مرة، وتفاجأت بما فعله رابح بها. فمهما كانت الحكايات التي سمعتها عنها، وجدت أن الواقع أجمل بكثير. فنظرت إليه وأردفت:
- كل هاد من أجلي يارابح؟ كل هادا لي؟
- وقليل بحقك يا روح الروح. ليت السما تنطال كان جبتلك منها قطعة بنجومها ونجعلها سقف خيمتك. أنت قمر ليلي وشمس نهاري.
- والله كثير علي يارابح وكثيرة هي الفرحة.
- والله ماتكثر عليكي الدنيا وما فيها يا نبض القلب. وتوا اتركينا من الحكي وتعالى لنعمر خيمتنا. نعمروها بالصلاة والبركة بالبداية، وبعدها نعمروها بالمحبة والود. تعالي يا عمري اللي راح وعمري الجاي، تعالي يا فرحة سنيني لنضمك لصدري واسمعك القلب ايش يسوي بس تكوني قريبة.
اقتربت منه ووضعت يدها بيده الممدودة لها، وتقدم بها وخلع نعليه، وهي أيضاً. وأمها وصلى بها فقد كانا على وضوء. ومن بعدها التقت وامتزجت الأنفاس وتوحدت دقات القلوب، واكتملت السعادة.
مرت الأيام وغادر آدم وعائلته القبيلة. وقرر أن يعودا والداه لمكان جديد حتى يأمن عليهم وهو بالخارج في غياب مايزه. أما هو، فأبي ترك القصر أو التقهقر من أرض المعركة إلا منتصراً طارداً أعداءه من أرضه المحتلة.
أما عند قياتي في ليبيا..
أخيراً عاد الشيخ منصور من الحج. وبمجرد أن استقبله قياتي ابنه، حتى قبض قلبه وهو يرى وجه أبيه متشحاً بالصفار، وقد بدا عليه التعب. وحتى عيناه زائغة على غير عادتهما. وهنا تأكد أن الأوان قد آن. فأخذه على البيت وهو عازم على قضاء أكبر وقت معه حتى يشبع منه ويودعه وداعاً يليق به، وينفذ له جميع أمنياته مهما كانت صغيرة أو كبيرة.
وبالفعل هذا ما حدث. الكثير من الاهتمام لمنصور من قياتي وزوجته وحتى أحفاده. وفي المقابل، صحة منصور تتراجع يوماً بعد يوم، وكأن بطارية العمر تفرغ شيئاً فشيئاً. وما هو إلا القليل من الوقت وتنتهي بالكامل، وتسقط ورقة العمر من غصن الحياة.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم ريناد يوسف
في صباح يوم جديد يحمل في طياته الكثير من البهجة لمن تم وصالهم بالأمس. لاحت خطوط الصباح الأولى وتلونت ظلمة الليل التي لم يشعر بها لا رابح ولا معزوزة وهم غارقون في بحور السعادة، ذائبين كمعدنين انصهرا وإمتزجا ليتحدا في قالب واحد.
فتح رابح عيناه المغلقة دون نعاس على حركتها وضمها إليه كطفل يخاف إبتعاد لعبته الجديدة عن أحضانه. سألها بهمس وهو يقترب من وجهها أكثر:
"وين رايحة؟ ليش تتسربين من أحذاي؟ ودك تتركيني؟"
تبسمت وهي تحبس خصلة شعرها المتمردة خلف أذنها وردت عليه هامسة بخجل:
"صباح الخير يا كل خيري. ودي نقوم نتحمم ونجهز لك فطور يليق بحبيب الروح وفرحة القلب."
"يا صباح السعادة يا نبض قلبي وشمس نهاري وقمر ليلي. يا حبيبي إذا على الحمام أنا بروحي أساعدك، لكن إذا على الأكل فأنت اليوم عريس ويدك ما تنحط بأكل ولا شي لمدة أسبوع من اليوم. ولليوم السابع دلال وراحة يا معزوزتي ما بعدها دلال. إياكي تطلعين من الخيمة لأي سبب من الأسباب ولا حتى تسوي لي أنا شي. أمي وخواتي هن اللي راح يسون كل شي وأنا وأنتي ما علينا غير نبقى بأحضان بعض."
تبسمت معزوزة وهي تعود للتمدد بجواره وتنظر إليه بسعادة، وتتجول في ملامحه بعيونها وهي تحمد الله على كل هذه النعم التي تغمرها، بدءًا من رابح ومحبته وما يفعله لأجلها، والذي لم يفعله رجل في جميع القبائل على مر العصور سوى عنترة وما فعله لأجل عبلة. وها هو رابح يعيد الأفاعيل مع اختلاف الأسلوب ولكن بنفس مقدار الحب.
أما عقاب فقد حظي بليلة مليئة بالأحداث، تنقل فيها من مجلس الشباب لمجلس الشيوخ. وبعدها حظي بفرصة أخرى للجلوس مع حيتة ومحادثتها، تلك الطفلة الناضجة التي تمتلك قلبًا صغيرًا وعقلًا يعادل الكون، ومع كل حديث معها يكتشف مدى نضجه.
أما كارمن فكان يوليها بعض الاهتمام من وقت لآخر، ويخصها بسؤال أو بشرح شيء عابر وتعريفها عليه. وكان هذا كافيًا منه بالنسبة لها، فقد كانت تقفز هنا وهناك في القبيلة وبين الخيام وعند منطقة الحيوانات والبئر لتكتشف كل شيء بنفسها.
أما رجوة فقد كانت تراقب من بعيد، وتأكدت من أن آدم نظرته للحياة ليست خالية بالمرة وأن هناك شيء ولد وسيخلق في قلبه لها. وأقسمت أن تبذل قصارى جهدها لتجهضه قبل اكتماله.
وكما كانت تراقب، كانت تراقب وبنفس التركيز. ومن يراقبها خرج بنفس الاستنتاج عنها وعن آدم. ولم يكن سوى سالم، ذلك الذي طعنته نظراتها لرفيقه وأخيه كطعنة السيف حين يغمد في القلب على حين غرة. فقد تأكد من أنها عاشقة لآدم للدرجة التي جعلتها تقف محترقة وهي تراه يحادث الفتيات، وما الغيرة إلا دليل الحب الأكبر والأوضح والذي لا يقبل الجدال أو التشكيك.
كانت ليلة حافلة بالمشاعر الجياشة من حب وغيره، وظفر بعد طول انتظار وراحة بعد تعب طويل، وأيضًا جرح غائر في قلب أحدهم.
انتهت وتبدل الظلام بنور الصباح، وقام الجميع على أعمالهم. عوالي ذهبت مع مكاسب لخيمة رابح كي يتقصوا الأمور، أما البقية فعادوا لأعمالهم اليومية. ومايزه أخذت تتنقل من خيمة لخيمة ومن جوار امرأة لأخرى كي تتفقد أحوال القبيلة وأهلها وتلم بكل ما فاتها طوال فترة غيابها.
انطلقت الهلاهل من فم مكاسب وتبعتها العشرات من أفواه باقي نساء القبيلة معلنين عن اكتمال فرحة رابح ومعزوزة. أما قصير فأطلق أول عيار ناري في الهواء معلنًا عن رفعة رأسه، ومن بعده انطلق وابل الأعيرة يجامل ويشارك.
وهكذا صمتت القبيلة كلها بالفرحة لمعزوزة ورابحها.
وبعد إعداد طعام الإفطار، انطلق آدم مع حياة وكارمن وسالم ومدحت بسيارة آدم ليأخذ الفتيات ومدحت في جولة بالصحراء ويريهم الحياة في البرية كيف تكون. وأخبرهم بأن يومهم سيكون مختلفًا عن أي يوم قضوه في أي مكان. وذهب معه الجميع يملأهم الحماس وقلوبهم تشعر بالإثارة.
وقد كانت رحلة فريدة من نوعها بالنسبة لهم. رأوا آدم وهو يصطاد وسالم يشاركه الصيد وإعداد الغنائم للشوي. ولكن ليس هذا ما أثار دهشتهم، ولكن تلك النمرة التي تبدو كمحاربة أتت من عصر الأساطير، حيث كانت تقنص وتصوب وتسدد وتردي من أول تصويبة. وتمكنها من ذلك وهي على ظهر الخيل جعل منظرها شهيًا لذلك الذي كان يراقبها مشدودًا بما يراه للمرة الأولى طوال حياته. وكيف لفتاة أن تكون بهذه القوة والمهارة والثبات. ولكن كحال الجميع، لم يخفَ عليه اختلاسها النظرات لآدم بين الحين والآخر، وفهم أن هناك شيئًا ما بداخلها له. فاكتفى بشعور الانبهار والإعجاب، وإلا لكان رف قلبه على هذا النوع الجديد من الفتيات.
أما آدم فكانت عيناه طوال الوقت يراقبان تلك الهادئة الجميلة المتحكمة في كل ردة فعل وفي كل التفاتة، وكأنها تلتفت وتبتسم وتتحدث بمقدار معلوم لا تزيد عليه.
بعكس كارمن التي لم تكف عن الثرثرة لحظة واحدة وتتنقل هنا وهناك، كانت مفعمة بالحيوية والنشاط بشكل مفرط أصاب آدم بالضجر، فهو هادئ يعشق الهدوء. وكم رآها تشبه رجوة حتى في حديثها المنقطع، وهذا ما جعله ينفر منها ويحاول الفرار بعيدًا عنها.
أما سالم فقد كان يراقب الوضع من بعيد. وحين انقشعت الغمامة عن عينيه بالكامل، رأى كم أن رجوته مولعة بآدم، وكيف تنظر له بتمني واشتهاء، ويتوقف بها الزمن وأبصارها شاخصة عليه، وكأنه أمنية بعيدة تناجي الله بقلبها في كل لحظة أن تتحقق.
انقضى النهار وعاد الجميع إلى البادية. آدم مشغول الفكر بتلك التي تغزوه شيئًا فشيئًا، وأيضًا بالتخطيط لانتقامه الأكبر ولضربته القاضية. من أين يبدأها وكيف سيسددها، وغير ذلك كيف يستغل كارمن في تحقيق غايته. وبالرغم من أن قلبه يخبره بأن لا ذنب لها فيما اقترفه والداها وأن جرمهم لا ناقة لها فيه ولا بعير، إلا أن عقله يهب معارضًا ويذكره بأنه هو أيضًا لم يكن له يد في أحقاد عمه ولا ذنب وأخيه الذي توارى جسده تحت التراب واندثر اسمه من الدنيا. لم يكن له أي ذنب، وأن الأبناء هي من تدفع ضريبة أفعال والديها، كما يدفع البعض ضريبة أن يكون لوالده أعداء.
قرر هذه الليلة أن يتقرب من كارمن أكثر ويحاول أن يعرف منها بطريقته كل ما خفي عنه من والديها وأخواتها، فهم بالطبع لن يتوخوا الحذر في الحديث أمامها. هو يريد أن يمسك طرفًا لخيط الانتقام فقط، وهذا الخيط مع كارمن ابنة عمه لا غيرها.
وبالفعل حين أتى الليل تسلل آدم لخلف الخيام وراسل كارمن لتلحقه، وهي فعلت على الفور وأخذها بعيدًا تحت أشجار النخيل وجلس معها ليستجوبها بطريقة تشبه الغزل واختلاق أحاديث عابثة حين ينفذ الكلام.
واستطاع بالفعل بفراسته أن يأخذ منها ما أراد. فقد عرف خطط عمه وأبنائه المستقبلية، وعرف المشروع الجديد الذي سيدخله ياسين برأس مال ضخم، تقريبًا بكل ما يمتلكه هو وأبيه، والذي ستبدأ منه أولى ضربات العقاب وتقبض مخالبه على رقاب الجميع.
وكالعادة كانت تقف بعيدًا تلك النسرة الغاضبة تراقبه وتتعجب من حاله. فهو كل يوم يغازل فتاة مختلفة وينفرد بها، وهذه الصفة لم تكن يومًا طباعه ولا أخلاقه. فما الذي غيره؟ وإن كان بدأ يلاطف الفتيات، فأين هي من ذلك؟ وهي لا ينقصها شيء، بل أنها تزيد عنهم جمالًا وأصلًا طيبًا. فلم لم ينتبه لها العقاب وحلق فوق أرض غير أرضها.
انتهت أحاديث آدم الظافرة وطلب من كارمن المغادرة خلسة حتى لا يراهم أحد ويبدأ الشك في سكن القلوب. فأطاعته كارمن وغادرت وهي تشعر بأن الفراشات تحوم أمام عينيها. وهذة سابقة لم تحدث لخروج الفراشات ليلاً، ولكن فراشات الحب ليس لها مواعيد ثابتة، فهي تحضر عند حضور الحبيب وترفرف بأجنحتها مع أحاديثه.
وفور مغادرتها هم آدم بالمغادرة هو أيضًا. ولكن بعد خطوتين ابتعادهما توقف حين فوجئ بمن يعترض طريقه. فرفع عينيه ليراها تقف أمامه والڠضب يملأ عينيها المتلألأة تحت ضوء القمر المنعكس من خلالهم. فسألها بعد أن قطب حاجبيه:
"رجوة! ويش فيك؟ ليش جاية هنا بهالوقت؟ وليش هكي شكلك كيف اللي أخذ الهوا خيمتها وطير أغراضها؟"
لترد عليه بنبرة ڠضب:
"عقاب بص لي وقولي بصراحة أنا سمحة ولا مو سمحة؟"
زاد استغرابه وقطب حاجبيه أكثر وهو يرد عليها:
"ويش هاد السؤال يا رجوة؟ جنيتي انتي ولا محمومة؟"
"ما عليك اعتبرني قليلة عقل وخذني ع قد عقلي وجاوبني بس ع هاد السؤال."
زفر بقلة حيلة ورد عليها بنفاذ صبر:
"أي سمحة يا رجوة وسماحتك حيل كثيرة وواجد كبيرة.. والحين جاوبتك يلا احكي لي ويش ورا سؤالك هادا؟"
"سؤالي هادا وراه سؤال ثاني إنو إذا أنا سمحة واجد متل ما تقول، ليش ما شايفني بعيونك يا عقاب؟ ليش تعمل حالك غشيم ما تفهم؟ وأنت اللي تلمح الكلمة بس تجول بالعقل وما تنتظر لتطلع على اللسان وتخرج للعالم. عارفك حاسس باللي فيا ومتأكد إن القلب مايل لك وما في غيرك تمكن منه."
إحتقنت ملامحه ليقاطعها پغضب:
"وقفي وقفي يا رجوة! أنت مريضة ولا إيش بيكي؟ أكيد أنت مريضة لأنك تهزين أي قلب هاد الميال إليك؟ ليش أنت ماتعرفين إن قلبك وكل ما فيك مملوك لسالم؟ نسيتي إنك مرهونة ولا إيش؟"
"لا مانسيت. وما راح نتمم شي انعمل رغم عني وبلا شوري. ما راح نتزوج واحد من وأنا طفلة ما تعرف للدنيا شكل ولا لون. رهني وما همه أنا رايدته ولا لأ. ما راح نتزوج سالم يا عقاب."
"تعرفي يا رجوة والله إذا سالم ما يزعل عليكي كنت ربطتك بحجر ورميتك بالبير القديم وما عرفت حدا طريقك. بس اللي منعني نسويها سالم. سالم اللي من يوم يومه يمنع عنك كل شر وما شفتي منه غير كل محبة وخير."
"عقاب لا تذكرني باللي قدمه لي سالم لأنه كان يسويه ليتزوجني مو لاجل سواد عيني ولا محبة بيا. كان يسويه طمع بيا. كان يدفع ليملك."
"وهو إذا ما يحبك ليش ليريد يتزوجك؟ يعني إذا على الجمال فيه الأجمل منك. وإذا على العقل أنت بسوق العاقلين بضاعة بايرة. وإذا على الدلال أنت ماتعرفين غير النق والمشاكل. فيكي تحكي لي ليش هو متمسك فيك إذا ما يحبك؟ ليش يتحمل منك كل اللي تسوينه فيه إذا ما ساكنه بقلبه؟ بس يا خسارة يا رجوة طلعتي نكارة محبة ونكارة خير."
"أنا ما أنكرت خير يا عقاب، بس أنا ودي أرد له الخير بخير والزين بزين متله. ما أرد له زينه بأني أصير أسيرته لآخر العمر. أنا ودي نتحرر من سالم لأن قلبي هواك، والقلب ما عليه سلطان. وأنت إذا تحب سالم ما تخليه يتزوجني لأن حياته قبل حياتي راح تدمر."
طأطأ رأسه ونفضها ليحاول استيعاب ما تتفوه به تلك الحمقاء. ثم رفع رأسه ونظر إليها بعينين يشعان ڠضب ورد عليها بكلمات مختصرة قبل أن يترك لها المكان مغادرًا:
"يا خسارتك يا سالم يا أخوي وخسارة عمرك اللي فنيته وأنت تزرع محبة بأرض بور مالحة ما تطرح. غير المر. يا خسارة عشقك لناس مثل ذرات التراب تطير من أقل هبة هوا وتغادر لأرض ثانية."
راقبته وهو يبتعد عنها. وأغمضت عينيها وهي تحاول أن تبتلع الغصة التي تركها لها قبل أن يغادر.
أما الذي تبعها خلسة واختبئ خلف شجرة النخيل القريبة وتمكن من سماع كل شيء، فلم يستطع ابتلاع غصته. فقد كانت أكبر من أن يبتلعها. بل وقف مكانه مختنقًا بها وهو يحاول إدراك أن كل شيء انتهى وأن شكوكه كلها قد تأكدت الآن وأن ابنة قلبه عاشقة لأخيه. وبدأت كلمات جده منصور تعاد على مسامعه الآن وكأنه قالها ردًا على هذا الموقف وهذه اللحظة، وكأنه حين أخبره بتلك الكلمات كان عائدًا للتوا من هنا من هذه اللحظة ومن خلف شجرة النخيل وسمع كل شيء وعرف ما يحدث.
فعاد إلى خيمته وهو يجرجر أذيال خيبة قلبه ويتحسر على سنوات عمره التي ضاعت وهو يبني قصرًا في الهواء وأسكن فيه طيفًا. ومع هبوب الرياح تلاشى القصر واختفى الطيف.
انقضى الليل والبعض ينعم بالسعادة والبعض الآخر يتقلب على نار الجمر. إعادة للحسابات تتم وقرارات تؤخذ وصراعات داخلية تتم. بين الممكن واللاممكن، بين الواقع والخيال الذي تدمر كليًا، بين حب وشعور بالانكسار يهزم الروح ألف هزيمة في الثانية الواحدة.
وفي صباح اليوم التالي كانت جميع القرارات محسومة.
استعداد آدم وأهله للمغادرة وقهر رجوة التي سيغيب العقاب عن عينيها ويغادر مع بومتين على حد وصفها. وبين قرار سالم بالابتعاد والاحتفاظ بما تبقى لديه من كرامة. وبين قرار آدم بأنه سيبتعد عن طريق كارمن ابنة عمه ويتركها وشأنها ويجهض محبتها له قبل أن تكتمل. وهذا القرار أخذه بعد ليلة طويلة من الأحلام كانت حياة بطلتهم جميعًا.
وفور أن نظر إليها في الصباح رف قلبه بطريقة لم يختبرها من قبل قط. فوضع يده على قلبه الذي خانه وتعلق بمن لا تصلح له زوجة بأي شكل من الأشكال. ليس لعيب فيها، إنما العيب كل العيب في أمها. وأحيانًا لا نستطيع الوصول للزهور ما دامت تنمو في المستنقعات خوفًا على أنفسنا من أذى محيط بالزهور. ولكن حتمًا للأقدار دائمًا رأي آخر وتدابير أخرى.
بدأت الأيام تمر يومًا تلو الآخر. رابح ومعزوزة في أوج سعادتهما بعد أن توج صبرهم بالجمعة التي روت القلوب.
آدم عاد يباشر عمله ويخطط لافتتاح شركة جديدة في نفس مجال الشركة التي يخطط ياسين لإنشائها، بعد أن عطل له جميع الإجراءات بنفوذه وأجل له كل شيء ليأخذ هو الأسبقية في كل شيء. وخاصة أنه مشروع مربح ودراسة جدواه تضمن له ربح مائه بالمائه.
وفي ظل انشغاله بالعمل لم ينسَ أن يهدئ قلبه الذي بات يفتعل الثورات ليليًا ولا يكف عن المظاهرات إلا بعد أن يستمع لصوتها وتدور بينهم أحاديث طويلة تجعله يتعلق بها في كل مرة أكثر من السابق.
أما يحيي وفريال زوجته فبات التخطيط للتخلص من آدم هو شغلهم الشاغل ووضع الخطط هي لعبتهم اليومية. ولكن اعتراضات ياسين المستمرة على الطريقة والأساليب هو من كان يمنعهم. أما مدحت فقد كان يعترض هو أيضًا، ولكن اعتراضه كان على أذى آدم من الأساس. فهو يرى أنه لم يفعل شيئًا يستحق عليه الموت. ولا عمه وزوجته فعلوا. وبدأ يرى أبواه مسخين تجردا من آدميتهم كليًا، وخاصة وهو يرى معاملة زوجة عمه وعمه له ولأخته بكل لين وحب، وهم من تليق بهم القسوة بعد كل ما رأوه. ولكنهم أعطوه درسًا بأن القلوب النقية لا تتغير حتى وإن تعرضت لأبشع الصدمات.
وبناء عليه ابتعد عن كل هذا وأخلى مسؤولية ضميره عن كل ما سيحدث بعد أن جاهد مع أبويه كثيرًا وحذرهم بأنه سيقف لهم بنفسه ويسلمهم لعدالة الأرض قبل عدالة السماء إن قاموا بإيذاء ابن عمه.
اختطف آدم يومًا من براثن الانشغال بعد أن فاض بقلبه الحنين للبادية ولأهله هناك لأصحابه ورفاق سنوات عمره. وذهب إليهم ليطمئن ويتمم صفقات الأسلحة التي طلبها منه قصير ويلتقي بسالم على وجه الخصوص. ذلك الذي تغير معه في الفترة الأخيرة وابتعد عنه بشكل مفاجئ وغير مسبوق. ولكن آدم يعلم السر جيدًا وقرر وضع جميع النقاط على الحروف. فهذا أخوه الذي خرج من الدنيا به وليس له سواه.
وفور وصوله للقبيلة وبعد السلام والاطمئنان على الجميع، أخبر سالم ورجوة بأنه يريدهم في الوادي لرحلة صيد. ورافقه رابح الذي قرر قطع شهر عسله خصيصًا ليشاركهم الجمعة.
وهناك تحدث آدم أمام الجميع بأنه بدأ يحب حياة وأن الزواج بها هي خطته المستقبلية. وإن لم تكن حياة فلا سواها امرأة ستدخل حياته. كانت كلماته قاطعة وماضية كالسيف. ولم يخفَ على سالم بأنه يقول هذا من أجل أن يقطع طريق المحبة على قلب رجوة له. وحتى رابح الذي أسرته معزوزة بما يحدث مع أختها فهموا هذا الشيء. والجميع نظر لرجوة ليروا ردة فعلها على كلام عقاب. فما كان منها إلا أن رفعت يدها بالقوس وعمرتها بسهم وصوبت نحو قلب آدم. وملامحها تحولت كليًا. وما أن فعلت ذلك حتى فزع سالم ورابح. ولكن آدم حافظ على ثباته ولم يرف له جفن وركز على عينيها بعينين تنطق تحديًا وإصرارًا على كل حرف قاله. وبعد دقائق على هذا الوضع أطلقت رجوة السهم، ولكن بعد أن انحرفت في أقل من ثانية لتسدد السهم لرأس أرنب مسكين كل ذنبه أنه أطل من جحره برأسه ليكتشف ماذا يحدث بالخارج.
نظر الجميع نحو موضع استقرار السهم ومن ثم نظروا إليها وراقبوا امتناطها للحصان ومغادرتها سريعًا كمن يفر من سهام العدو بعد أن استقر أحدها في قلبه ويحاول النجاة بحياته.
نظر سالم لآدم وتبسم له كي يخبره بأنه يعلم ما هو عليه وليؤكد له ثقته فيه. وحتى رابح تبسم له واقترب الاثنان منه وطوقا عنقه بذراعيهم وأخذوا يتمشون في الوادي ويتجاذبون أطراف الحديث عما يفعله آدم مع عمه في بلدته الجديدة، متجاهلين كل شيء وكأن رجوة ومحبتها آخر همومهم.
انقضى النهار وعاد الثلاثة وحل الليل. وبمجرد أن تلونت الصحراء بالظلام وأنتصف الليل خرجت رجوة باحثة عنه ذلك الذي ألقى عليها قنبلة فتتت قلبه وجعلته يتناثر. وما أن رأته جالسًا عند البئر ممسكًا بجواله ويتصفح فيه فأقتربت منه وأردفت بصوت يختنق من الحزن:
"قلت لي صرت غاوي وتحب ها؟"
أغلق هاتفه وأعاده لجيبه وجاوبها دون النظر إليها:
"أي قلت، وراح أقول مرة ثانية وعاشرة حتى تفهمي وتعقلي. أي أحب يا رجوة، أحب."
"رجوة طيب وأنا ويش أسوي بحالي؟ ما فكرت فيا وفي قلبي اللي هايم بيك؟"
"عقاب بس أنا ما وعدتك بشي لتعاتبيني عليه. وغير هكي أنت مرهونة من صغرك. كيف قدرتي تتمعشقي وتحبي؟ وفوقها تعرضي روحك على راجل مرة واثنين وثلاث. أنت ليش ماتستحي؟ ولا على رأي من قال اللي إختشوا ماتوا!"
"أي إني مانستحي."
"خلاص قلعت توب الحيا لأن اللي تستحي ماتطول ولا تربح. وأنا ودي أربحك. وشاهد علي ربي إذا صرت مرتك لنحطك بين عيوني وبأعماق قلبي. وإذا عالزواج تزوج، ماراح نمنعك تزوجها وأنا خليني زوجة ثانية. ما طارت الدنيا. هنتظرك لحتى تشبع منها وتمل وتريد."
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم ريناد يوسف
وانا ماراح اشبع ولا انمل منها لاني عاشقها
واللي يعشق مايشبع ولا يمل.
وانت قلتها.. اللي يعشق مايمل
وانا ماراح انمل ولا راح نبطل اطلب قربك بكل يوم وباليوم الف مره لحتى يلين قلبك وتعطيني فرصه.
انت خلاص ملكت قلبي وخديت صك ملكيته ووثقته.
مافي فرص.. انتي مرهووووونه لخوي وفى حكم المتزوجه
عقلك جن عالاخير كيف صورلك تفكيرك العطيب اني ممكن ناخد وحده مرهونه
ووين انودي وجهي من اللي مرهونه له وانتي تعرفي ان هادا بالذات مايصير اني نوقف بوجهه ولا لاجل خاطر الف مره.
ماتحمل هم الرهنة انا هنحلها من عندي
بس اعطيني كلمه اني انصير زوجتك ولو بعد سنين وانا نخلص حالي وانتظر.
لا ماتحلي ولا تنتظري وانا ماراح ناخدك لو انتظرتي كل عمرك.
هيك صار الحكياي هيك صار الحكي وهادا كل اللي عندي يابت العم.
معناها خلصت حلول الود ومابقي غير حلول القوة.
تبسم وهو ينظر لعينيها اللتان تحولتا إلي عيون قطة شرسة تقف في مواجهة أسد متحدية ولا تعلم انه بزئرة واحدة فقط يستطيع قټلها.
فأردف لها وهو يبتعد عنها بخطواته للخلف:
عاودي للخيمه وماتطلعي بمتل هالوقت مره تانيه خافي من الضباع تاكلك وما نلاقو منك غير قصايبك هادول.
قالها وهو يشير بعينيه على ضفائرها اللاتي تصلان إلى أسفل خصرها ثم استدار مبتعدا وتركها وهو يعلم ان نوبة من الجنون على وشك ضړب رأسها الآن.
وبالفعل قبل أن يصل إلي خيمته كانت هي تسبقه لموقع الأحصنة وتحرر احدهم وتمتطيه بسرعة البرق وتجري به في الظلام ولا تأبه بأنه لن يرى وجهته أو أين سيأخذها.
فضړب هو الارض بإحدى قدميه پغضب وهو يسرع ليمتطي حصان آخر ويعقبها متبعا ظلها الاسود الذي كاد ان يختفي.
واردف لنفسه وهو يقترب منه:
الا وتريدني انتزوجها بعد. حتى نقضي كل عمري نجري خلفها بالصحاري ونجيبها من الوديان.. الله يبعتلك ذيب ياكلك فغفله ويريحني منك.
والله لولا خوكي والملامه والعتب لاتركك ولا نسأل عليكي.
إقترب منها المسافة الكافية التي تمكنها من سماع مايقوله واردف لها بصوته العالي:
وقفي يالمهبوله وقفي لوين ودك توصلي.
اتركني بحالي ليش لاحقني عاااود عاود.
إقترب منها أكثر فترك لجام فرسه وحرر اقدامه من السرج واستعد للقفز وبحركة سريعة قفز على حصانها ليكبلها بجسده فوق الحصان ويلتقط منها اللجام ويتحكم بها وبالحصان معا ويوقفه.
من ثم همس لها وهو يصك على اسنانه:
ويش قولك لو نربطك ونتركك فريسه للذياب الليله وبالصباح تجي الغربان تفطر باللي ضل منك وبعدهم اجي انا اخد عضامك وندفنهم ونرتاح منك ومن هبالك هادا.
اردفت بصوتها الذابل من قربه وهي تحاول تهدئة قلبها الذي يستغيث الآن من هذه الرائحة التي تشبعت بها انفاسها والتي تعشقها حد الجنون:
اربطني واتركني لو كان هالشي يريح بالك.. انا اي شي منك راضيه بيه وأي شي تسويه بيا انا خدامتك وماراح تشوف مني غير الطاعه.
تنهد بقلة حيلة وقفز سريعا من فوق الحصان ناهيا لهذا القرب المهلك.
فهي جميلة حد اللعڼة وتعشقه وتبدوا بين ذراعيه كقطعة من الحلوى وبمفردهم تحت جناح الليل وهو شاب ېحترق حرمانا.
ولو أنه بقي قريبا اكثر لضعف متناسيا صديقه وخطيبته ومتناسيا العالم.
فهو بالنهاية رجل ولا يوجد رجل يستطيع مقاومة كل هذه المغريات.
فاتنة البادية بين يديه ترجو وصاله ولولا أنه قوي لنضبت قوة تحمله ورضخت مبادئه لسطوة شيطانه الآن.
سار هو يمسك بلجام حصانها بيد ولجام حصانه باليد الأخرى حتى وصل اطراف البادية متجاهلا رجائها له.
---
طوال الطريق بان يهبها فرصة واحدة فقط وتعده بأنه لن يندم إن فعلها وتحاول التأثير فيه بكل ماتعرف من عبارات تفتت قوة الرجل لو كان صلبا كالحجر.
ولكن كعادته لم يتأثر ولم يرف له جفنا الى أن توقف بالأحصنة.
فأنزلها وتركها واقفة تتأمله والحسړة تأكلها.
وأخذ الأحصنة يعيد تقييدهم وانتظرت هي عودته لتحاول معه مجددا بلا كلل.
ولكنه تركها مبتعدا ودلف سريعا لخيمة الشباب هاربا منها وهو لا يعلم سبيل للتخلص من شعوره بالندم على ما سوله له عقله لجزء من الثانيه.
فهي في نظره خېانة لا تغتفر والخېانة ليست من طباعه ولم يكن يوما لها اهلا.
تفحصه من وسط النيام فوجده يغط في نوم عميق.
فرفع جزء من الخيمة وخرج من الخلف حتي لا تراه إن كانت لازالت واقفة وأخرج هاتفه بعد أن تمدد فوق الرمال وقام بالضغط على رقمها.
وفور أن أجابته بصوتها الناعم الناعس همس منتشيا:
يااااابااااه قتيل هالصوت وصاحبته انا أنحبك وربي وعقلي مولع بيك وروحي فدوة ليك وإشتقتلك ووااااااجد.
بعد أحاديث طويلة أغلق آدم هاتفه وعاد للخيمة كي ينام وسط الشباب.
وما أن دلف وأضاء مصباح هاتفه ليرى في أي فراش سينام، حتى رأي سالم مستيقظ وينظر لسقف الخيمة ولا يُبدي ردة فعل تدل على انه أنتبه لقدومه.
فما كان من آدم إلا أن إقترب منه وجلس بجانبه وسأله وهو يعلم سر حاله جيداً، وكانه يغالط عقله:
ويش فيك ياخوي، ليش النوم مجافيك وشاخصه عيونك متل اللي يدور بالسقف على شي ضايع منه؟
ليجيبه الآخر وهو على نفس وضعه وثباته:
النوم مجافيني لنفس السبب اللي مجافيك لاجله ياعقاب.
صاحبك سالم مو من اليوم النوم خاصم عيونه، وحتي إن زارهم تكون زياره خطف.. اااخ يانوم من ويش يصالح عيوني عليك.
وياليل ماأطولك على مشغول البال؟
هون علي روحك يالغالي وسلمها بيد الله وعاود للنوم وارمي حمولك على الله وهو عليه التدابير.
ماينام الليل غير خالي القلب والبال ياعقاب ليش ماتفهم.. اتركني وروح ارقد انت واطمن، عارف انك متكدر علي، بس ماتعرف ربك وحكمته يمكن هادا خير لي وانا ماندري.
مانطلب منك غير ماتنساني من دعاك كل ماحط جبينك على الوطا ساجد.
نظر اليه آدم ولم يعقب، فقد كان حال رفيقه يُرثى له ويعلم أنه لن يجدي فيه كل عبارات الرثاء.
إستوى آدم على فراشه وتشارك مع سالم في النظر لسقف الخيمة، واخذ يفكر في كل مايدور من حوله وكل الأذى الذي يحاول صده والبدء في المهاجمة، فقد تأخر هجومه كثيراً.
وكم تمنى لو أن كل همه مثل هم سالم، خسر حبيبته ولكنه بمأمن، وقلبه لازال نابضاً، وسيعشق مرة أو مرات أخرى، أو ربما تعود له صغيرته وتبدد الهم الذي سكن يسار قلبه ويعود لسابق عهده.
فخسارة الحبيب هي أهون خسارة من وجهة نظره، اهون من الخوض في حرب من أجل البقاء يهون فيها كل شيئ.
أما في ليبيا..
قياتي:
يابوي كلك شي وتقوت، مو معقول قافل فمك عن الوكل والشراب وبس تشرب أعشاب ، بهي الحاله راح يزيد عليك التعب.
منصور بضعف:
اتركني ياقياتي وماتغصبني عالطعام، النفس اللي تاكل والمعده اللي تتحمل وانا لا نفسي قابله ولا معدتي متحمله، يبقى بلا عذاب ياوليدي، خلي مرتك تسويلي الاعشاب اللي تريحني وماتشغل بالك بوكلي وشربي.
هم قياتي بأن يجادله اكثر، ولكن قطع حديثه إتصال على هاتفه الجوال، فنظر لشاشته وتنهد بإرتياح وهو يردف:
وهادي الوحيده اللي راح تأثر عليك حضرت.. هلا بعمتي عوالي.. هلا بالغاليه.. والله بوقتك دقيتي.
عوالي:
هلا فيك يانبض عمتك انت.. طمني ويش احوال بوك اليوم، انشالله حاله هاني.
قياتي:
والله ياعمتي كان بودي اطمنك بس للأسف خوكي وتعرفيه، صايم عن الزاد ومافي غير يشرب مي واعشاب لما حاله صار مايسر عدو ولا حبيب.
عوالي:
اي نعرفه ياعمتي بس يمرض يخلي كل اللي حوله مرضى من كثر مايوجع القلوب عليه، اعطيه لي خلي انشوف ويش اخرتها معاه هاد الشايب اللي مايعمل حساب لحدا.
قياتي:
هدي شوي ياعوالي ماني متحملك انت كمان تنقي فوق نق قياتي ومرته ووجاع راسي بسببهم.
عوالي:
والله ياابن أمي وبوي انت حلال فيك وجيج الراس، ولو كنت يمي كنت خليت راسك تصير كبر الجبل من كتر نقي عليك ليل نهار.
هنينيا من يمك ياشقيقي وكل ياغالي وتقوت اللقمه عافيه وصحه.
قياتي:
واللي ماقادر ويش يسوي بروحا ياعوالي؟ بس انت اتركك مني واحكيلي عن اخبار القبيله وناسها، طمنيني عن احوال الكل ياعوالي، طمنيني ويش مسوي قصير بالقبيله؟ عرف يمشي امورها ولا في شي واقف معاه ومحيره.. هو بعرفا عمره ماراح يجي يحكيلي قلة حيلته وعجزه اذا حصل، طمنيني انت ياخيتي، انت مرايتي وعيني على قبيلتي لحين تفارق الروح جسدها.
تنهدت عوالي وهي تردف له وهي تشعر بقلة حيلتها عليه وعلى حاله:
والله ياشيخ القبيله كلها بخير وامورها تمام، وقصير مو لحاله، معاه رابح وسالم وآدم وولده هلال بعد صار رجال يملا العين ماشالله عليه وصار كتف بكتف مع ابوه، يعني القبيله بأيادي أمينه وفي رعاية اللي يخافون عليها اكثر من الروح.
سمعت تنهيدة ارتياح خرجت من روحه قبل جوفه بعد أن طمأنته على أحوال رعيته وقبيلته التي لا يشغل باله سواها في هذه الفترة، حتى اكثر من صحته التي لا يهتم لها على الإطلاق.
تحدثا كثيراً ومن بعدها انهت عوالي المكالمه ونظر منصور لقياتي وأردف له:
دقلي على آدم ياقياتي ودي نتطمن عليه ونشوف احواله ليرتاح بالي.. كتييير شاغل بالي هالعقاب والله.
قياتي:
أتطمن يابوي، انا من كثر كلامك انت وقصير وكل اهل القبيله على عقاب هاد صرت متأكد انه ماينخاف عليه.
منصور:
اي بس الاب يضل يخاف على صغاره ويحرسهم حتي وإن كان أسد وهما اسود متله.. وعقاب وليدي ورباية قلبي قبل عيني.
قياتي:
ويش فيك ياشيخ غرت منه انا ترى ها!
تبسم منصور وهو يرد على قياتي إبنه الذي رأى بالفعل بصيص من غيرة لمعت في عينيه:
هااا بدأت رحمة الله وقياتي العاقل اللي هيك كبره الغيره حمسته.
قياتي:
والله يابوي مابيها كذب، وقت تتكلم على عقاب هاد ينحمس قلبي حمس من الغيره وانا نسمع كلامك عنه وانحس بمحبتك ليه لوين واصله.
ضحك منصور، وعلى الفور هاتف قياتي آدم واعطاه لأبيه الذي لا يتغير مزاجه إلا بعد هذه المكالمة اليوميه التي يُفرغ فيها ابيه كل خوفه وقلقه على آدم وعلي قصير والقبيلة، بعد أن يؤكد له آدم بأنه لن يبتعد وأن كل شيئ على مايرام.
أما في القبيله:
معزوزه:
يارجوه ياوجه البومه، ليش هيك ساكته وقاعده بمكانك ماتتحركين كيف اللي بالع احجار؟ مو من عوايدك ياخيتي ماتسرحين وتمرحين بالقبيله وتطفشي حتى الطيور وتحرميها تمر من سماها؟
رجوه:
اتركيني بروحي يامعزوزه ولا تحكين معي، روحي لزوجك رابح حبي واتمعشقي ونامي بأحضانه وانسي العالم وماتشيلي همي ولا هم شي بالدنيا.. وليش تشيلي هم شي هي اللي تاخذ حبيبها يطول قلبها هم ولا غم؟ اتركيني انا بغمي وروحي افرحي انتِ واشقي بروحك وبراجلك.
فتحت معزوزه عيناها على وسعهم وكبرت وفتحت كفتها في وجه اختها ومن بعدها صرخت فيها:
صلي على النبي بقلبك يارجوه راح تصيبينا بالعين ياخيتي.. وبعدين ما أنتِ اللي جايبه لحالك الهم والغم وتاركه طيرك اللي بيدك ورايحه تجري ورا طير بالسما ماينمسك ولا ينملك، ولا الك اي فرصه معو ،وانا واثقه انك تعرفين هكي زين لكن، من يومك وانت ماتدوري غير عاللي تكدري بيه حالك.
صرخت بها رجوه بعد أن فاضت بها مشاعرها، غير آبهة بما تقوله أو بمن سيسمعه:
ولك أحبه احبااااه ياخلق، احبا ياناس ومابيدي، ولك القلب ماعليه سلطان ياناس وانا أحب "عقاب" احبه احبه تفهمون انتوا ولا ماتفهمون؟
فجاءها من الخلف الصوت الذي جعلها تعود إلى رشدها، بل وتقفز من الخوف وتحتمي بمعزوزه اختها، ولكن بعد ماذا، فقد تفجرت القنبلة وتناثر مافي القلب:
وللللك ايش قولتييي؟ ايش حكيتي الحين سمعيننني ماسمعت زين! مين تحبي ياكلبة البدو يافانص ياعديمة الحيا؟
معزوزه:
يابوي هي ماتقصد، رجوه تمزح، بس تمزح معي.
قصير:
صكري فمك يامعزوزه والا ماأكبسه لك غير رمل وانحطك معها بالمحرقه اللي راح انسويها توا وانحطها بيها.. صرتي تتمعشقين ياكلبه وانت مرهونه؟ وحتي لو مو مرهونه عندنا بالقبيله وحده عشقت من قبل؟
رجوه بوجع جاوبته:
اي انا عشقت وحبيت وقلبي اختار غير اللي انفرض عليه، اي انا فانص وقليلة حيا، والحين ياابوي سويلي محرقه وحطني بقلبها ماراح تفرق كتير والله، ولك انا محرقتي شاعله جواتي وماتنطفا ليل نهار، ماراح تأذي كتير محرقتك اللي راح تاكل البدن.
قصير:
ولك شوف الكلبه كيف ترد وماهايبه والي؟ والله اليوم لادفنك حيه يارجوه، ولا ليش حيه، تندفني ميته ودمك تشرب منه رمال الصحرا لتكوني عبره لغيرك من اللي تسولها نفسها تساوي متلك من بنات القبيلة.
انهى كلماته وسل خنجره من حزام خصره، وهجم عليها وهو عازم على إزهاق روحها في التو واللحظة، ولكن يدين قويتين كبلتاه وارجعوه للخلف قبل أن يطالها خنجره بإنشات فقط!
فنظر للخلف ليجده سالم، وماأن ميزه حتى هتف به غاضباً:
ولك اتركني ياسالم، اتركني نغسل عاري وانظف القبيله وانموت هي الفانص اللي موتها كان ولابد منه من سنين طوال، أصلا كان مبين من وهي صغيره انها راح تكون هيك بس تكبر، لكن انا كنت انقول تكبر ويزورها العقل وتنسى كل خبالها وترسى وتصير آدميه.. بس الظاهر اني غلطت غلطه كبيره والحين انريد انصلح غلطي.
سالم:
ولا غلطه ولا شي ياعمي، رجوه مافي منها بكل القبايل وهي ست العاقلين،، بس القصه ومافيها انها هوت، والهوى ماباليد، فماتواخذها فاللي ماتملك من امره شي.
قصير:
انت اللي تحكي هيك ياسالم؟ هادا اللي قدرت عليه رجولتك؟ خد الخنجر من يدي وخلص عليها بيدك، هيااااا.
سالم:
وليش ياعمي انخلص عليها، ايش الذنب اللي سوته اللي تنتهي حياتها لاجله.. اذا اللي يعشق يموت معناها اغرز خنجرك بصدري انا بلاول.
تنصل قصير من قبضته ليستدير ويواجهه ويرد عليه بوجه محتقن وعيون تكاد تخرج من محجريها:
ولك انت رجال ياسالم رجااال، يعني تعشق كيف ماتريد ومافي عليك لوم ولا عتب ولا عشقك يحملك عار.
سالم:
الأمر سيان ياعمي.. القلب بالصدر هو نفسه، والشعور نفسه، والضعف نفسه، وقلة الحيلة قدر مكتوب.. والحين اغمد خنجرك بجرابه واستعيذ بالله، ورجوه طول ماسالم حسه بالدنيا ماحدا يقدر يمسها بسوء ولا يقرب منها بشر.. رجوه بحماية سالم لحتى تفارق الروح الجسد.
انهى كلماته ونظر لمعزوزه وأمرها بطريقة لا تقبل الجدال:
خذيها على خيمتك انت ورابح يامعزوزه، ولا حدا يحكي معها بشي، اتركوها باللي هي فيه ولا تزيدون عليها الهم متل ماكانت تحكيلك قبل شوي.
ردت عليه معزوزه بشفقة:
سمعتها ياولد عمي؟
سالم:
اي سمعتها ونعرف قبل مانسمعها يامعزوزه، ومو هي اول مره نسمعها تحكيها بفمها، سمعتها من قبل، ومانكذب عليكي كانت أقوى وأوجع.. وهالمره موجعه بس مو متل المره الأولي، المره الأولي مايجي متلها بكل شي.
انهى كلماته واخذت معزوزه يد رجوه وجذبتها وغادرت بها علي الفور من أمام ابيها الذي رد علي سالم قبل ان تبتعد ليجعلها تسمع مايقول:
معزوزه قولي لامك تجهز حال رجوه لأن فرحها على سالم اخر الشهر.
توقفت رجوه واستدرات لتنظر لأبيها وهي مستعدة للرفض والإعتراض، ولكن عيون سالم التي أمرتها بالمغادرة وحذرتها من الكلام في هذه اللحظة لجمت إعتراضها، وجعلتها تبتلعه وتغادر دون ان تتفوه بحرف واحد.. غادرت وهي مطمئنة وأكيدة من أن سالم سيحميها هذه المرة ايضاً، سيحميها بدماء قلبه التي اراقتها بيديها، وجعلتها تسيل على طرقات الوجع.
أما سالم فنظر إلي قصير وأخبره بتصميم:
ياعمي انا ماراح انتزوج رجوه بتك اعذرني.
إنتفض قصير وهو يسمع عبارته ورد عليه بزئير يشبه زئير أسد غاضب:
ويييش تقول ياكلب، ودك تفض رهنتك على بت عمك يعني؟ هاد اللي طلع معك؟ يعني اذا ماحطت هي راسي بالوحل تحطها انت؟ والله اذ.. بحك واذ.. بحها سوا.
سالم:
طول بالك بس ياعمي طول بالك.
قصير:
مافي طولة بال ياسالم، مافي غير زواج بنهاية الشهر وانا قلت كلمتي واللي يقدر يعترض يفرجني مرجلته.
أنهى كلماته وتحرك مسرعاً يدب اقدامه على الأرض كمن أصابه مس، يتمتم بكلمات يخرج معها الغضب من جوفه، وحاله لا يبشر بخير، بل ينذر بأن القادم شر لا يقبل الجدال.
أما سالم فتحرك بخطواتِ ثقيلة وهو يحمل هم تلك العنيدة ذات القلب الجسور والقليل من العقل، كيف ستكون مواجهتها مع ابيها وعن ماذا سيسفر الصدام بينهم، وهل سيستطيع حمايتها من غضبه للنهاية؟ أم ستُزهق روحها في غفلة منه عنها، وينتهي ذكر رجوه من الحياة وينتهي هو معها.
عاد إلى الخيام ودلف إلى خيمة اهله، ولأول مرة يندفع إلى حضن أمه فيرمي بنفسه فيه وكأنه واحته التي هجرها منذ سنوات وسكن غيرها، وعاد إليها اليوم نادماً مشتاقً، وقد عرف أن كل الأماكن دونها زائلة وكل الأحضان زائفة.
أخذت أمه تمسد على شعره في حنان بالغ وهي تشعر بكل غصة يغصها قلبه، وكأن الذي يتعذب قلبه ومن يشعر هو قلبها، فقد كانت تعلم منذ فترة بأن هذا اليوم آتٍ، وأن ثمار جهد وتعب إبنها سيقطفها غيره من قلب رجوة، وأن سنوات شقائه عليها ذهبت في مهب الريح.
أمالت عليه بجزعها بعد فترة وهمست له راجية:
ويش قولك ياسويلم لو نخطبلك بنيه من زينة بنيات القبيلة، فوتني انا نختارلك اللي تليق بيك وبقلبك الطيب وشوف امك ايش راح يكون اختيارها.
إنتفض سالم وإعتدل في جلسته كمن لدغته حية بعد سماعه لكلماتها واردف رافضاً:
ايش تقولين ياأمي، ويش هاد الحكي، كيف ودك تخطبيلي وانت تعرفين القلب ومافيه؟
امه:
بس اللي بالقلب ياوليدي خلاص فرد جناحاته وطار وحط على قليب غير قليبك ووده يعشش فيه.. ليش انت ودك تسيب قلبك خالي من دون سكان؟ خلي طير جديد يبني بداخله عش ويسكنا ويكونله بيت ووطن، وطالع منه اثار الطيور اللي هاجرت وولفت على غيره وماعاد الها رجعه اليه.
أغمض عيناه وسحب نفساً قوياً وزفره بتعب ثم عقب على حديث أمه قائلاً:
الحكي ما في اسهل منه ياأم سالم، بس التنفيذ واااجد صعب، دوم اللي عالبر عوام واللي بعيد عن النار يشوف لهبها هين وينطفى بنفخه.. بس آاااخ من اللي قلبه بالنار اااخ.
أشفقت أمه على حاله اكثر، وصمتت وهي لا تملك على حاله حيلة، ولكنها تعلم جيداً ان سالم إبنها على قدر لين قلبه يمتلك قوة وقسوة قد تدفعه لحرق العالم دون أن يرف له جفن، ولكنها مختفية خلف قلبه الذي أصابه حب رجوه بالضعف.. وأن التغيير قادم لا محالة وكم هي مشفقة على ابنها من تبدل الأحوال.
أما في الخيمة عند رجوة ومعزوزه، ارتمت في احضان معزوزة فور عودتهما واخذت تشهق ببكاء لم تراها معزوزة تبكيه من قبل، ودموع لم تسقط من عيني رجوه بهذه الطريقة ابداً، فضمتها لصدرها اكثر وأخذت تهود لها عل إنتفاضة جسدها تهدأ، وبعد فترة بدأ جسد رجوه يستكين وشهقاتها تهداء، وهمست لمعزوزه راجية:
أمي ديري شي لبنتك، مو انت أمي يامعزوزه وربيت باحظانك، مو الأم اللي تربي وتكبر، طيب مو الام تحس بأولادها وما تريد الا راحتهم وتحارب لأجل خاطرهم؟ طيب ليش تاركتني وماتحاربين لأجل خاطري، ليش تتفرجين علي من بعيد ومصكره فمك وانت شايفتني انموت قدام عيونك؟ وينك مني يامعزوزه ووين محبتك لي؟ ولا متشفيه في بسبب سالم. جاوبيني وردي ماتتركيني لعقلي يودي ويجيب الشينه من يمك ياشقيقتي!
معزوزه:
عيوني انت، عليم الله يارجوه انك بنت هالقلب وهالروح، واني لو ضنيت وجبت من حشاي وليد ماراح يكون اغلى منك، بس يابنيتي أنت مصكره قلبك وقافله عقلك على عقاب.. وانا قولتلك مليون مره هاد الشي مستحيل يتم، ياحبيبة اختك هاد غريب عنا ومانوا من قبيلتنا ولا أصله من أصلنا، يعني غريب وانت تعلمين أن الغريب مايطأ بنياتنا لو انطبقت السما عالأرض.. حبك هاد لعقاب طوفان يارجوه وراح تغرقي فيه وماتلاقي اللي يمدلك يد العون، بالعكس الكل راح يمدلك يده بس ليطمسوك بطوفان اغلاطك وينهون عمرك. فوقي يابت الحلال وردي لعقلك وفوتي لهبال اللي تسمينه حب وعشق، انا بعرفك ماتحبين عقاب وكل اللي بيكي تمنى لواحد كل القبايل تتغنى بإسمه، انما المحبه للي كل شي فيكي اكتمل على يده، العشق لصاحب اليدين اللي شالوا وربوا وتعبوا عليكي، وياما حملوا همك قبل حمولك، للضهر اللي انحنى من كتر شيلتك لجل ماتدوس اقدامك بالرمال الحاميه.. وان الود مخبى بالقلب للي صان العرض وحافظ على بنية قلبه.
ما أن انهت معزوزه كلماتها حتى شعرت بأن جسد رجوه يتراخى بين يديها فأحتضنتها جيداً وهي تعلم أن هناك إغمائة في طريقها إليها، وها هو ماتوقعته يحدث وسقطت رجوه أرضاً هاربة من كل مايحدث، وما كان من معزوزه إلا أن تأخذها للفراش وتذهب لطلب العون بعد ان فشلت كل محاولاتها معها لإفاقتها، وما إن نادت على امها بصوتها العالي:
مكاسب، يومه تعالي شوفي ايش صار برجوه ماني قادره نرجعلها الوعي، يارابح تعال،، يابوي وينك، سااالم.
وبالرغم من ان أسمه كان آخر المذكورين لكنه كان الحاضر الأول الذي خرج من خيمته مسرعاً كالإعصار تاركاً أمه، ناسياً كل ماتفوهت به، واقتحم خيمة معزوزه كالريح بعد ان رأي القلق والخوف في عينيها، وعلم أن رجوته بدأت في الإعتراض على الوضع الراهن بأقسى وأصعب الطرق، وهي ان تقدم روحها قرباناً لعنادها.
حاول جاهداً ان يعيدها لوعيها بكافة الطرق ولكنه فشل، بلغ القلق والخوف من قلبه مبلغاً وهو يراها غائبة عن الدنيا تماماً، فما كان منه إلا أن يصرخ في كل من تجمع حوله ويحاول عبثاً فعل شيئ وتتوج محاولاته بنفس الفشل، فهدر بهم جميعاً:
اسرعو هيا جيبوا عمتي عوالي هي اللي تقدر تفوقها او جيبو مايزه، جيبوا اي حدا يصحيها مايصير تفضل غايبه عن الوعي كل هالمدة.
غادرت معزوزه مسرعة نحو خيمة الشيخة عوالي وأخبرتها بما حدث، فتوجهت عوالي لحقيبتها المعلقة ودست يدها بداخلها، وأخرجت شيئاً ثم ذهبت مسرعة مع معزوزه، وفور بلوغها رجوه فتحت مابيدها واخرجت منه قنينة فتحتها وقربتها من أنف رجوه، لتنتفض مبتعدة بوجهها عن الزجاجة وتفتح عينيها على الفور.
تنفس سالم الصعداء وهو يرى عينيها تُفتح وتأوهت بضعف لتعيد له أنفاسه المسلوبة، وتخبره بعودتها للحياة بأنه سيظل على قيد الحياة مادامت باقية معه في هذه الدنيا.
تلفتت رجوه حولها وحينما ادركت مايحدث وتذكرت ماالذي اوصلها لهذا الحال عادت للبكاء مرة اخري، ولكن هذه المرة اشد وأقوى، وكأنها تناجي كافة القلوب المحيطة بها وتطلب منهم الرأفة بحال قلبها.
نظرت عوالي للجميع وبحزم امرتهم:
الكل يغادر الخيمة انريد رجوه لحالها ودي نحكي معاها كلمتين.
اغمضت رجوه عيناها وتنهدت بضيق ثم دفنت وجهها بين كفيها إستعداداً لما ستسمعه، ولكن إعتراض سالم كان المنقذ لها من كل هذا كما عهدته يتدخل دوماً ليبعد عنها كل الاذى في الوقت المناسب.
الاذن منك ياعمتي انا اللي ودي نحكي مع رجوه لحالنا، فلو تكرمتي اعطيني أنا الفرصه بالأول وبعدها تعالي واحكي معاها ايش مابدك.
عوالي:
اتركني انا نحكي معاها بالاول ياسالم لأن اللي راح تسمعه منها توا راح يوجع قلبك ويتعب روحك انت ماتدري ويش اللي عم يصير.
سالم:
عندي علم باللي صاير واللي عم يصير ياعمتي وماتخافي علي، القلب انوجع ومشي الحال والروح صابها التعب من وقت بعيد.. واي كلام راح نسمعا منها انا مستعدله.
عوالي:
براحتك ياوليدي، اذا تريدني انغادر تم، بس بعد ماتنتهي منها تعال لخيمتي ودي نحكي معاك انت كمان.
سالم:
ابشري ياعمتي في جرتك فوراً بس ينتهي كلامي مع رجوه.
إنسل الجميع خارج الخيمة واحدة تلوا الأخري، وكان رابح وهلال آخر المغادرين، وأصبح سالم معها بمفردهم.
نظر اليها ملياً يشبع عيونه من وجهها الذي كان قبل أيام يظن أنه يمتلكه، ويحق له النظر لعينيها ولتقاسيم وجهها متى شاء وكيفما شاء، واليوم يشعر بأنها النظرة الاخيرة لشيئ كان بالأمس يمتلكه واليوم أصبح له مالك جديد.
تنهد بألم وأردف وهو يراها تهرب بعينيها منه في كل مكان:
رجوه ايش ظنك بسالم؟
نظرت اليه متفحصة لملامحه وأطالت النظر لعينيه ولم تجبه، فأعاد سؤاله عليها بصيغة أخرى:
رجوه كيف تشوفين سالم توا؟
أجابته بصدق بادٍعلى ملامحها ونبرة صوتها:
انشوفك أماني ياسالم، انشوفك السد اللي يحول بيني وبين الأذى والضيم.
تبسم وأخفض عيناه أرضاً واردف بصوت متعب:
وسالم راح يضل أمانك وسندك وسدك لآخر العمر يارجوة القلب اللي ماكملت ولا راح تتحقق.. لا تخافين ولا تشغلي بالك بشي، عمي قصير انا هندبر معاه الأمر وانسوي كل شي، ماحدا راح يجبرك على اي شي مادام سالم عايش ويتنفس.. حتي لو الجبر لصالحي يارجوه، آنا ماراح انعيش معاك غصب عنك، ولا انا اللي نقبل أن حرمتي تكون ببيتي وبين احضاني وفكرها وقلبها مع غيري. انا حليتك من رهنتى يارجوه ومن توا انتِ حره طليقه.. بس يابنت الحلال موالك انتِ وعقاب ماراح يتم لأن هو مو من البدو وانت تعرفين زين إن بناتنا تنوئد ولا تتزوج غريب، وهاد مو كلامي ولا انا نحكيه عبث، هاي عاداتنا وتقاليدنا واعرافنا اللي تعلمينها وتعرفيها حق المعرفه. رجوه انت مانك صغيره الحين وتقدري توزني أمورك زين.. حاولي تقنعي حالك شوي شوي أن اللي تورط فيه قلبك مايصير؛ لجل لا تدخلين انت وقلبك بحرب خاسره وكل اطرافها وظروفها اقوى منكم.. بداية من الاعراف لآدم نفسه اللي قلبه مع غيرك ومو متاح ألك ولا راح ياخذك لو ع قص رقبته، ولا راح تصيري حرمه ببيته حتى لو خيروه بين نيران السعير وبينك.. راح يرمي حاله بالسعير اهون عليه منك كوني متأكده من هالشي، لأن العقاب ماياكل من وليمة غيره.
تجمع الدمع في مقلتيها بعد أن سمعت هذا الكلام منه، وسرعان ماسالت دموعها على وجنتيها، فرق قلبه عليها ورفع يده كي يمسح عبراتها وتشربها كفه كما أعتاد وعودها، ولكنه ضم يده وأنزلها حين تذكر أنه ماعاد يحق له ذلك، وأكمل بعد تنهيدة وجع جديدة:
رجوه انا ماحكيت هكي لتبكي عيونك، انتِ تعلمين ان سالم ما يزيف الحقايق ولا يجملها، ويحب يدج الحقيقة بالوجه دج، وانا من خوفي حكيتلك هادا الحكي، وبتمنى من الله انك تاخذينه بمحمل الجد وتعقليه زين، انت مازال صغيره وقلبك صغير وما يتحمل وجيج، وانا من خوفي عليكي بحكي هكي. انا الحين مانحكي مع رجوه حبيبة سالم، انا نحكي مع رجوه بنتي، بنتي اللي انولدت وربيت بحجري وشافت الدنيا وهي فوق كتافي وانخاف عليها متل خوف الاب على بنيته.
مسحت عبراتها ونظرت اليه واردفت بشفقة عليه وهي ترى ملامحه الشاحبة المتعبة وذقنه النامية وقد نال الإجهاد منه كلياً:
سامحني ياابن عمي والله مو بيدي.
سالم:
اعرف انه مو بيدك وان القلب ماعليه سلطان يارجوه.. انا اكتر حدا بالدنيا يعرف هالشي ولهيك حاططلك مليون عذر وعذر.
شهقت بالبكاء وهي ترد عليه:
حقك وحق قلبك على راسي ياسلومتي الغالي.
اغمض عينيه واخذ يحرك فكه يميناَ ويساراً وهو يضغط على ضروسه محاولاً الثبات بعد كلمتها هذه، وبعدها فتح عينيه ونظر اليها واردف:
ومن انعل ابوك وامك الحين تزعلين؟ اسمعيني زين.. من اليوم مافي سلومتي، مافيكي تتبعيني للخلا، مافيكي تجي ورانا الوادي، ومافيكي تجلسي بمكان انا فيه، اذا انا حضرت انت تغادرين اذا كان وجودي بالمكان ضروري وماغادرت انا، مافيكي تتمضحكين قدامي، تواري عن عيوني قدر المستطاع، سوي هالشي فتره بس لحين يصبح الأمر عادي ويبرا الجرح شوي ويخف الوجيج.. لا تزيدين فوق ناري حطب وانتى تروحين وتردين قدام عيوني وتحرقي روحي، خلي عين سالم تعتاد غياب رجوه، اذا قدرتي تسوي هالشي بكون شاكر افضالك، واذا ماقدرتي معناها حكمتي علي انتغرب عن القبيلة ونغادر ومانعود الا والحال غير الحال.
اجابته مسرعة وكانه تفوه بشيئ لن تتحمله:
لا لا.. لا تغادر ولا شي وانا ماراح نخلي عينك تشوفني، واذا حصل راح تكون صدفه ونمشي من قدامك فوراً، بس ماتبعد عن القبيلة ولا تغادر، انا من توا ماراح نطلع من الخيمة الا للشدايد، ولا ودي نروح وديان ولا خلا.. خلاص ياسالم رجوه ماعادت تريد من الدنيا غير بس شي واحد.
تفوهت بها وصمتت مراعية لمشاعره ولكنه أكمل الحديث مبتسماً يحاول مواراة وجعه:
اي بعرفه هالشي يارجوه..والحين انهضي وغسلي وجهك وكليلك شي ولا تردي على مين ماحكى معاك، اللي يحكيلك شي قوليله روح لسالم هو اللي عنده الرد والإجابات كلها.. وإما بخصوص ابوكي لا تفرجيه وجهك هالفتره بالمره، اجتنبيه قدر استطاعتك ومن الحين طول النهار جلستك بخيمة معزوزه او بخيمة عمتك عوالي لا تروحين خيمة بوك وامك، وبالليل مع عمتك عوالي تنامي بطولها لا تفارقيها.. لا تخالفي هالشي والأ راح يصير اللي مايحمد عقباه.
أومأت له برأسها طائعة وهي تتبسم براحة، اما هو فاقتنص منها نظرة أخيرة ثم نهض مفارقاً لها، تاركاً كل سنوات عمره الماضية تحت اقدامها وتاركاً قلبه رهينة عندها.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم ريناد يوسف
آدم جالس على مكتبه يطالع بعض الأوراق، فدلف عمه يحيي من الباب دون استئذان.
نظر إليه آدم بطرف عينه وعاد إلى مطالعة الأوراق وهو يحدثه:
- الأبواب انعملت لتنطرق ويستأذن الداخل، وهاد اللي يفرق المكاتب والبيوت عن السوق ياعمي.
جلس يحيي ولم يأبه لحديثه ومد له يده ببعض الأوراق. فالتقطها آدم في صمت وتفحصها، فإذ بها عقود لتوليه الإدارة المالية للشركة كاملة.
فتبسم آدم وهو يضع الأوراق أمام عمه ويردف بسخرية:
- ويش هاد الكرم كلا، ودك تسويني مدير مالي للشركه! ليش بدك تلبسني قضية اختلاس ولا ايش ياعمي؟
يحيي:
- حقك تظن فيا السوء لأن اللي حصل واللي شفته وسمعته عني مش قليل، بس صدقني ياآدم يابني انا فتحت صفحه جديدة معاك وخلاص نسيت الماضي كله وعرفت اني مليش غيره اخ واحد وابن اخ واحد، والدنيا زايله ومش هتفضل غير المحبه والأخوة، وعشان كده بقولك إنسى ياابن اخويا وتعالى نفتح صفحة جديدة.. صفحه نبدأها بحسن النيه والتوكل على الله.
نظر له آدم ملياً وهو يتفحص وجه الحمل الذي ظهر على وجه عمه من العدم، وقدرته الرهيبة على التلون من حال لحال، للدرجة التي تجعل من لا يعرفه يصدقه على الفور ويتعاطف معه!
ولأن آدم لا تنطلي عليه مثل هذه الخدع، ولأن كشف الاقنعة المزيفة لعبته، كان يعلم جيداً ما ينتظره إن وافق عمه وأعطاه مراده.
فتبسم وهو يردف بهدوء راداً عليه:
- ماراح أمضي ياعمي، انا راح أدير الشركة هيك بدون مناصب ولا شي، وبعدين تعا لهون، انت جاي تحكيلي ان الدنيا مو مستاهله شي بعد مااخدت كل شي؟! ايش فتت بالدنيا انت واستغنيت عنه لتحكي هيك، جاي تفتح صفحة جديدة وأنت ماسبت مكان بالكتاب القديم إلا وخطيت بيه اوجاع؟
خد هاي الاوراق ياعمي وروح من هون مو آدم اللي تنطلي عليه الاعيبك والاعيب ابنك، واي بدي احكيلك شي توصلهوله راح يسعده واااجد.. كلها يومين وراح يشوف حلم عمره متحقق، بس للأسف مو هو اللي حققه، لا.. الحلم تحقق على يد غيره، خلي يذوق طعم ان الواحد يضل يتعب ويتعب ويجي حد ياخد تعبه عالجاهز، خلي يجرب الشعور اللي حس بيه خوك وكوى روحه، صحيح مو ياسين اللي لازم يجرب هاد الشعور وانت اللي لازم تشرب من الكاس، بس ماعلينا وجع ابنك راح يوجعك اكيد.. عزائي الكم مقدماً وارجوا عند سماع الخبر تتذكر إن الحياة لا تعطي الفرص للمغفلين.
يحيي:
- تقصد ايه بكلامك دا ياآدم؟
آدم:
- ما اقصد شي، بس على رأي اهل السلف والحكمة.. مايحط يده بجحر الثعبان مرتين غير المهبول، وأنا شبعان من جحرك لدغات ياشقيق ابوي، ولهيك بعتذرلك ماراح اقبل تولي مناصب بشركتك بشكل رسمي، وأصلاً ليش اعملها وانا عاطي لروحي كل الصلاحيات؟ وازيدك من الشعر بيت.. أنا الحين المتحكم الوحيد بالشركة كلها، وصارت كل كبيرة وصغيرة بيدي، وبكلمة مني أوقف كل شي. بس انا للحين ماسويت هيك لأن الشركة فاتحة بيوت ناس وبشر، فخليها دايره لحين إشعار آخر.
يحيي:
- يعني آخر كلام مش هتمضي؟
آدم:
- اخر كلام مابمضي على شي، وماراح تقدر تورطني بشي، ولا راح اترك الشركة مهما حاولت.. ماراح اتركها الا بحالة وحدة بس.
نظر له عمه يحيي وقطب حاجبيه منتظراً منه أن يفصح عن الحالة الوحيدة التي سيترك فيها شركته، وأقسم أن يفعل ما بإستطاعته كي يخلق له هذه الحالة، ولكن ابتسامة آدم جعلته ييقن بأن هذه الحالة هي خراب الشركة، وأنه لن يتركها إلا وهي منتهية كلياً.
فأمسك أوراقه ونهض متثاقلاً وهم بالمغادرة، فأوقفته جملة آدم:
- عمي لا تتعب روحك بالتخطيط ولا تستنذف قوتك بالمحاولات الفاشلة، أنا مو محمود اخوك المسكين اللي تاكل عشاه القطط، أنا عقاب ياعمي،، عقاااب اللي ماينقدرله.. أنا عقاب ابن القبايل والبوادي، أنا عقاب ابن الصحاري اللي تربي وسط الهوايش والحلال وسل عني الخيل والليل والبيداء كلهن يعرفوني.
زفر يحيي بحنق وغادر المكتب على الفور وهو يجرجر اذيال خيبة أخرى، فالتقى بإبنه ياسين وهو يخرج من مكتبه.
وبمجرد النظر اليه وإلى الاوراق التي بيديه، أغمض ياسين عينيه وزفر بحنق وهو يقول لأبيه:
- قولتلك مليون مره متتعبش نفسك دا مش بني آدم، دا تعبان ومش هتنفع معاه الحيل الخايبه بتاعتكم دي، مش هينفع معاه غير اننا نخلص عليه بطريقة سريعة ومضمونة ومفيش غير طريقتين بس اللي هيجيبوا معانا من الآخر.. حادثه او رصاصة ترشق في قلبه أو دماغه غير كده كلها محاولات عبث.
صمت ابيه ولم يعقب على ماقاله وتحرك من أمامه مبتعداً، وهو لا يجد سبيلاً لهزيمة ثعلب الصحراء هذا الذي اتاه ليدمر كل مابناه وخطط له طوال سنوات عمره.
ومن سوء حظه أن آدم اكتسب سلطة لم يرى غيره يتمتع بها من قبل، فحتى في مقرات الشرطة له مقام يدب الرعب في الأوصال!
أما ياسين، فوقف ينظر لآدم من خلف زجاج مكتبه ويراقبه وهو منكب فوق الأوراق يقلبها أمام عينيه ويطالعها بتركيز تام بعد ان يدون بعض الأشياء وكأنه يُحيك مؤامرة ويخطط لها بعناية..
وبعد مدة لا يعلمها من المراقبة وأحاديث نفسه التي لم تنقطع حول ما يراه أمامه من هيبة وهالة تحيط آدم، وحضور أمام الآخرين وتميز وتفرد، ولا يعلم من أين اكتسب كل هذه الأشياء في الصحراء الموحشة!
وغير هذا.. من أين له كل هذه الخبرة في عالم التكنولوجيا وكيف له أن يعلم مقرات كبرى الشركات العالمية ويجيد التعامل معهم بلغات مختلفة؟!
باختصار، سؤال اخذ يتردد في عقله حتى كاد يفقده إياه.. من أين له كل هذا؟!
رفت عينا ياسين اخيراً على صوت مدحت أخيه الذي نكزه كي يلتفت له بعد أن تحدث معه كثيراً:
- ايه ياياسين رحت فين.. بقولك فين اوراق الطلبية الأخيرة اللي هنمضيها مع الشركة المستوردة، عايزين نبدأ وندي أوامر لعمال المصنع بالكمية ومواصفاتها، الصفقة دي صفقة العام ومش عايزين لخبطه مع شركة كبيرة زي دي بتتعامل معانا لأول مرة.
تركه ياسين ودلف إلى مكتبه لإحضار الأوراق المطلوبة. وهم بمغادرة المكتب، ولكن إشعار قفز على شاشة الحاسوب جعله يعود للجلوس مرة أخرى.
فقد كانت رسالة من الشركة المستوردة، ومحتوى الرسالة الصادم كان بمثابة ضربة له فوق رأسه، فقد كانت عبارة عن اعتذار وإلغاء للصفقة وإلغاء للعقود التي تم إرسالها لهم، والسبب أنهم وجدوا شركة ستوفر لهم كامل الطلبية بسعر أقل ومواصفات وجودة أعلى.
كاد أن يجن وأخذ يتخبط ويضرب بقبضته كل شيء في طريقه وهو ذاهب لمكتب أبيه، فقد بنى آمال كبيرة على هذه الصفقة وأهمها إنهاء مشروعه المتعطل.
دخل على أبيه كالإعصار وبغضب عارم رمى الأوراق على المكتب أمامه وأردف بصوت غاضب:
- الشركة لغت الصفقة معانا، والسبب انها لقت شركة بأسعار ومواصفات احسن، أنا مش عارف ازاي ده وإحنا مقدمين اقل عطى وهامش ربحنا يعتبر نص هوامش ربح الشركات التانيه، معقولة يكون فيه شركة داخلة صفقة عشان تخسر وصاحبها يدفع من جيبه، أو عالأقل تدخل مشروع بدون ربح.. طيب ليه؟
أمسك يحيي بالأوراق ونظر إليهم ثم نظر لابنه ولم يعرف بما يجيبه. ولكن نظراً لحالته اضطر لتهدئته، فقد كان على وشك الانفجار، او انفجر بالفعل.
حالة هرج ومرج أحدثها ياسين في الشركة في هذا اليوم، غضب انصب على كل الموظفين.
أما آدم، فقد كان يراقب في صمت ويرى صدى ضربته الأولى، أما القاضية فمتعتها ستكون أضعاف.
عاد الجميع بعد يوم عصيب إلى القصر، وهناك كانت راحة آدم التي ينالها بعد يوم عصيب، أولها بين ذراعي أمه، وآخرها في عيون حياة التي أصبحت مقترنة بابتسامته وراحته النفسية ودقات قلبه.
أما هي، فكانت تنتظره متلهفة كالعادة، مشتاقة لكل ما فيه، أحاديثه ونظراته وجلسته وحتى سكوته، فقد احتلتها هذا الدخيل للدرجة التي جعلتها تهجر العالم كله وتسكن عالمه فقط.
أنهى أحاديثه مع امه وذهبت إلى غرفتها وحان وقت أحاديث القلب، الحديث الذي يزيل عن صدر آدم كل هموم الدنيا، الكلمات التي تخرج من فم زهرة اللوتس التي أنبتها الله في وسط هذا المستنقع البغيض ولكنها حافظت على نقائها وجمال روحها وقلبها صافي بريء.
خرج من القصر وبعد دقائق تسللت هي خلفه فألتقيا بالحديقة الخلفية، وما أن التقت العيون حتى تعانقت القلوب وباحت الأفواه بكل جميل.
- اشتقتلك واااجد يابعد هالروح والقلب والعين.
- وانا كمان اشتقتلك يا آدم، انت متعرفش الساعات اللي بتكون فيها بعيد عني انا بيكون شعوري ايه، انا بكون تايهة ومتلخبطة ومخنوقة وحاسة ان الهوا اللي حواليا اختفى.. قلبي دقاته مبتكونش منتظمة من كتر الاشتياق ليك.
- ياروح الروح انتي والله ياحياتي كانك توصفيني، توصفي مشاعري وتوصفي احساس هالقلب.
- طيب ايه؟
- ايش؟
- انا شايفه إننا هنفضل عالحال دا كتير اوووي، أو يمكن للأبد، نشتاق ونتعذب ونتلاقى في السر وحبنا منقدرش نبوح بيه لحد لأنه شبه محرم.. وعارفه إن كل الأطراف مش هيوافقوا على ارتباطنا ببعض.
تبسم لها ليبث الاطمئنان في نفسها واردف هامساً:
- اوعاكي تحملي هم شي وانا موجود، عقاب إذا اراد يسوي شي ماتقف قباله الدنيا ومن فيها، بس الحين مو وقته وانا عندي اشيا اهم اسويها، اشيا تترتب عليها حياتي القادمة، مستقبلي وراحة قلبي، وماتنفع تتأجل للأسف وإلا كان اسمك الحين مقرون بإسمي.
- الانتقام ياآدم مش كده؟
- الانتقام وترتيب مستقبلي ياحياة.
- لسه مصمم تنتقم؟
- تعتقدي إن من العدل اسامح واسكت واصكر فمي وعقلي عن كل اللي صار واللي مازال عم يصير؟ ودك اكون جبان ياحياة؟! هاد تفكيرك بآدم يعني؟
صمتت ولم تجبه وأخفضت عيناها للأرض وكسى الحزن ملامحها.
فأردف آدم مواصلاً:
- اعلم انهم أهلك، بس الباغي يابنت الناس لابد تدور عليه الدواير.
- انا قولتلك قبل كده ياآدم انا مش هدافع عنهم ومش هطلب منك تعفوا عنهم لان دا حقك.. انا كل الحكاية إني خايفة عليك انت، خايفة وانت ماشي في سكة الانتقام توصل لنقطة مينفعش فيها رجوع ومفيش بعدها سلامة، خايفة من انك وانت بتاخد قصاصك تأذي نفسك او هما يأذوك، انا كل خوفي عليك انت والله.
تنهد وهو ينظر لعينيها مجدداً فيأخذ منهما الكثير من العزم والقوة ورد عليها بصوت متعب:
- ماتخافي علي ياحياة الروح، ربك الحارس وكله قدر ومكتوب، والحين تعي واحكيلي ويش سويتي بيومك، ايش اكلتي وشربتي، مع مين تكلمتي ويش قلتي، تبسمتي كم مرة اليوم وشاف الضو سنونك اللولي وصفن فيهم وتأمل وانا المحروم، كم مرة داعب النسيم خصلات شعرك وما منعتيه وتعرفين حبيبك يغار عليك من النسيم إذا لمسك.
تبسمت وهي تنظر إليه واختلفت وتيرة نبضات قلبها فور سماعها لهذه العبارات التي تذيب قلبها ولم تجبه واكتفت بالتمني، ولا تعلم لم منذ بعض الوقت بدأ خوف يتسلل إلى قلبها، ونبضة خائفة تقتحم النبضات الحالمة، أهو خوف طبيعي أم إنذار بشيء ما؟ لا تعلم. ولكنها مطمئنة له ومطمئنة بقربه وتشعر بأنها تمتلك العالم بأسره.
لم يكونا وحيدين في الحديقة كما ظنا، فقد كانت هناك أربعة عيون متربصة تراقب، عينا أم آدم وعينا ياسين الذي كان بالقرب الكافي خلفهم ليستمع إلى كل ما تفوهوا به.
وقد نزل الكلام على قلبه كالجمر، فها هي فتاته التي يخبئها لنفسه كجائزة يحصل عليها بعد أن ينتهي من ترتيب حياته ومستقبله سرقها منه ذلك اللص الذي أتى ليسلبه كل شيء دفعة واحدة.
تقدم نحوهم كالريح ووقف أمامهم وأخذ ينظر لحياة بنظرات نارية قبل أن يجذبها من ذراعها ويهوي على وجهها بكفه يفقدها توازنها فتسقط على المقعد متألمة.
وما أن رأى آدم هذا حتى انقض عليه كما ينقض العقاب على فريسته، فأخذ يضربه بعنف وعشوائية غير مبالٍ لما سيحدث له، أو لأنه ربما ينهي حياته إثر إحدى ضرباته القاسية، والتي يعلم جيداً أين يسددها.
رأت أمه عايدة كل هذا فهرولت إليه صارخة مستنجدة، وعلى صوت صراخها أتى الجميع، وقاموا بفض القتال الذي لم يكن متكامل الأركان نهائياً.
وركع يحيي بجانب ياسين ابنه وأخذ يتفحص جروحه ونظرات قاتلة يوجهها لآدم وهو يسأله ماذا فعل له ابنه ليفعل به هكذا؟
لم يتحدث آدم واكتفى بالنظر بعيداً. ولكن ما يحاول حجبه عن الجميع لم يكن بالشيء الخفي، فكلهم يعلمون بأن ياسين يريد حياة، والجميع أيضاً لاحظ تقرب آدم منها في الآونة الأخيرة وانجذابها إليه، فالمحبة لا تخبأ كثيراً وكل الدلالات عليها تظهر للعيان.
نظرت عايدة لحياة بلوم ثم نظرت لابنها وطلبت منه مرافقتها على الفور، وطلبت من زوجها محمود الحضور أيضاً.
وما أن أغلقت باب الغرفة عليهم حتى رفعت إصبعها أمام آدم محذرة:
- آدم تنسى اللي بتفكر فيه دا واللي عايز تعمله وتبعد عن بنت فاطمة فوراً.. يابني أنت ناقص عداوات جديدة مع الناس دي، إحنا كل يوم بيعدي علينا وانت عايش بنحمد ربنا فيه ألف مرة، وبعدين انت ملقتش غير حياة دي، أنا حطيت ايدي على قلبي لما شفت النظرات اللي بينك وبين كارمن وقلبي ما ارتحش غير لما بعدت عنها، وافتكرت إنك قربت منها مصلحة، وأفتكرت أن قربك من حياة لنفس الغرض، لكن اللي اتبينلي بعد كده إن اللي بيحصل بينكم شيئ خطير وميتسكتش عليه، وادي اول بشايره بانت.. حب وارتباط مع بنت فاطمة لأ وألف لأ ياآدم.
محمود:
- على فكرة مامتك بتتكلم صح ياآدم، فيه حاجات يابني وقرارات متنفعش، مش لأنها غلط لأ، لكن عشان هتتسببلنا في الأذى ومش هتكون لصالحنا حتى لو كانت صحيحة ومن حقنا.
تنهد آدم وفتح فمه كي يرد على ابويه ولكن يد أمه التي لجمت فمه منعته من الحديث وهمست له راجية:
- أرجوك ياآدم متتكلمش ومتجادلش وفكر، فكر واسأل واستشير وانا متأكدة إن كل اللي هتعرض عليه الموضوع هيرفض اللي انت ناوي تعمله.. ارجع يابني لعمك قصير، ارجع لصاحبك سالم ارجع لرابح للشيخ منصور كلهم هيقولولك لأ ومينفعش ابداً.
رفعت يدها من على فمه وحررت شفتاه وتمنت من كل قلبها ألا يجادل هذه المرة، تمنت لمرتها الأولى أن يصمت ذات الكلمات العذبة التي لا تريد انقطاعها عن مسامعها، تمنت ألا يتحدث لأول مرة لأنها تعلم أن ما سيقوله لن يكون لصالحه أو لصالح أحد، سيكون عناد والعناد يولد الضياع.
ولكنها حمدت الله حين غادر ابنها دون التفوه بكلمة، تعلم جيداً أنها أوجعته وحطمت كل أحلامه وأمنياته، ولكن الوجع وضياع الأمنيات أفضل بكثير من ضياع الروح، فكل شيء قابل للتعويض إلا الحياة.
أخذ آدم سيارته وأخذ يحوم بها في الطرقات وهو يفكر، لم يرغب بالحديث مع أحد فهو يعرف رأي الجميع بخصوص حياة وارتباطه بها، فقرر أن يستفتي عقله، يستفتي المنطق ويسكت صوت قلبه المعارض على مجرد التفكير في الأمر.
أما عن حياة، فبمجرد دخولها لغرفتها فوجئت بفريال خالتها تقتحم عليها الغرفة وتقف أمامها مثل أسد غاضب وأخذت تزمجر بصوت مخيف:
- بصي بقا يابت فاطمة، أنا مش هسمحلك تكوني سبب في إن ابني يتعرض لأذى من أي نوع، انتي عارفه إن ياسين عايزك ولمحتلك بكده بدال المرة عشرة، واصلا من غير تلميح المفروض انتي عارفه وحاسة، تقومي تتجاهلي كل ده وتروحي توالسي مع ابن عايدة ومحمود ألد أعدائي؟
اسمعيني كويس ياحياة، انتي هتتجوزي ياسين، ياكده يا أما ملكيش قعاد هنا في القصر، ولو صممتي واتجوزتي آدم أنا بأكدلك إنك هتترملي قبل حتى ما تلحقي تستوعبي إنك اتجوزتي، دا غير عداوة معايا هتستمر العمر كله، فيا بنت الناس عقلك في راسك تعرفي خلاصك، أنا عرفتك العواقب وانتي قرري.
أنهت كلماتها وغادرت الغرفة تحت صمت حياة المطبق، فها هي خالتها كانت أولى الموبخين، ومن بعدها لاحت أمها في الممر آتية إليها، فما كان من حياة إلا أن أغمضت عينيها وزفرت بقلة حيلة وهي مضطرة لسماع المزيد من التوبيخ من أمها، وبدأت تستعد لذلك.
ولكن المفاجأة أتتها على هيئة ابتسامة واسعة تشكلت على فم أمها ونبرة حنونة تحدثت بها معها وهي تقترب منها وقالت:
- برافو عليكي ياحياة، أنا بجد فخورة بيكي لانك طلعتي بتفكري صح وعندك طموح بالظبط زيي، وعرفتي لوحدك إن آدم هو العملة الرابحة اكتر من ياسين.
كادت حياة أن ترد عليها ولكن أمها قاطعتها:
- عارفه انك بتحبيه ياحياة، وعارفه إن حبك ليه دا هو طاقة السعادة اللي اتفتحتلك وبتطل عالجنة ومش بس انتي اللي هتدخليها لوحدك، لا داحنا كلنا هندخلها معانا.. وأخيراً القصر وكل الأملاك دي هيكونوا بتوعنا إحنا، ملكنا، وبدال ما فريال هي اللي بتتحكم فيا وذلاني على قعدنا هنا أنا اللي هطردها من القصر هي وأولادها طردة الكلاب.. أوراق ملكية القصر من ساعة ما عرفت إن آدم عينه منك وبيحبك وهما معايا، سرقتهم من اللي فاكرة نفسها مخبياهم مطرح ما القرد مخبي ابنه ومفيش حد هيقدر يوصلهم.. دول من النهارده حقك انتي، ملكنا ياحياة، إحنا اللي هنبقى أصحاب القصر وإحنا اللي هنقف عالبساط اللي آدم بيسحبه من تحت رجلين فريال وولادها وحده وحده.. متعرفيش ياحياة أنا فخورة بيكي ازاي وحاسة إني مخلفتش غير فيكي، زي أمك دايماً محدده اهدافك وبتسعي ليها.
أغمضت حياة عيونها مرة أخرى وتجرعت الألم، فقد ظنت للحظة بأن أمها ستوبخها خوفاً عليها من مستقبل مظلم على يد ياسين ومواجهات لن تنتهي إلا بإيذائها، ظنت أن خوفها هو ما أتى بها، ولكن للأسف ما أتى بها هو طمعها وليس خوفها عليها.
غادرت فاطمة الغرفة بعد أن قبلت جبين ابنتها وتمنت لها التوفيق فيما هو قادم، وتركتها لحيرتها وحزنها، وقلبها الذي كاد يجن وهو لا يعلم مامصيره بعد أن أصبح عشقه لآدم مشاع على الملأ.
أما كارمن، فكانت تجلس بغرفتها على فراشها مبتسمة بسعادة، فها هو آدم يختبر شعور الضعف والعجز الذي جعلها تتذوقه يوماً ما، نعم تخطت ولم يكن بالأمر الجلل، وإنتهت قصتها معه قبل أن تصل لمرحلة موجعة، وأن قلبها الآن يدق لغيره، ولكن يظل الرفض والإقصاء إهانة لا تتقبلها أي أنثى، وخاصة لو فضل عليها أخرى وابتعد عنها من أجلها.
هنا يلح الانتقام لأنوثتها المهانة، ومن لا يستطيع الانتقام ينتظر أن تأتيه لحظات الشماتة حاملة للنشوة والمتعة، فقط يؤمن بقدومها وستأتي، تماماً مثلما يحدث معها الآن.
أما آدم، فقد عاد إلى القصر أخيراً بعد منتصف الليل، ظن أن الجميع نائمون، ولكنه وجدها تنتظره في شرفتها، عينيها تلمع في الظلام وكأنهم قناديل يضيئون له دربه.
تقدم ووقف أسفل شرفتها وأخذ ينظر إليها وهو يواصل التفكير في كلام أمه، ولكن ابتسامتها بخرت جميع القرارات التي يحاول اتخاذها، وجعلت قلبه ينتفض دفاعاً عن ذلك الشعور الجميل الذي يشعر به في حضرتها، ويريدون حرمانه منها ومنه.
تحرك من أمامها ودلف للقصر فوجد أمه بانتظاره هي الأخرى وتبدو وكأنها مستعدة لجولة أخرى من المجادلة والإقناع، ولكنه ألقى عليها السلام وقبل يدها ورأسها ودلف إلى غرفته بعد أن أخبرها بأنه متعب وذاهب للنوم، وبهذا قطع كل سبل النقاش فلا طاقة له للمزيد من الأحاديث حول هذا الموضوع.
وبات ليله وهو يفكر، فلا نوم يجرؤ على زيارته الليلة ولا قلب سيهدأ مادام أمره لم يحسم بعد.
عادت عايدة إلى غرفتها وارتمت بين أحضان محمود تلتمس منه الطمأنينة لقلبها، بكلماته التي تبث السكينة في روحها، ولكن هذه المرة لم تجد منه إلا الصمت، فقد كان غارقاً في نفس محيط التفكير والقلق الغارقة هي فيه، ولا سبيل لإنقاذهم سوى عناية إلهية تتدخل في الوقت المناسب.
انقضى الليل وحل صباح جديد يحمل في طياته الكثير من المفاجآت، والكثير من القرارات الحاسمة بغض النظر عن عواقبها.
قرار آدم بعد طول تفكير بمواصلة نضاله من أجل حياة قلبه التي لن يخسرها مهما كلفه الأمر، وقراره بمفاجئة ياسين اليوم بالشركة الجديدة وتوجيه القاضية له في منتصف قلبه، أما القرار الأخير فهو بطرد عمه وأولاده وزوجته من القصر اليوم دون تردد، فقد حان وقت اتخاذ هذه الخطوة التي تأخرت كثيراً.
نزل آدم الدرج وكان الجميع ملتفين حول طاولة الطعام، تركهم جميعاً وتفحص بلهفة من بينهم ذات العيون الذابلة التي من الواضح أن النوم خاصمها بالأمس مثله تماماً.
ومن بعدها نظر للجميع وكان التجهم ربيع الوجوه، حتى أمه وأبيه لم تخلوا وجوههم ونظراتهم إليه من الغضب.
ولكنه غضب من نوع آخر ممزوج بخوف وحب لا يقبل الجدال.
كل هذا متوقع بالنسبة لآدم، ولكن الشيء الغريب الوحيد هو ابتسامة الرضى التي رآها على وجه فاطمة ونظرات القبول لأول مرة، وكأنها وقعت بالأمس على معاهدة سلام معه!
جلس وحاول تناول طعام الإفطار، ولكن لم يستطع تذوق شيء، فامسك بكوب الشاي وأخذ يرتشف منه وهو يطالع ياسين ويراقب نظراته لحياة، وأقسم لو أنه نظر لها بتمني سينهي ما بدأه بالأمس وليحدث ما يحدث.
ولكن ما حدث أن ياسين كان طوال الوقت ينظر للفراغ أمامه، وكأنه يدبر لشيء ما، لم يلتفت لأحد ولا يرف له جفن، فقط يرفع يده ويتحسس بأطراف أصابعه الكدمات التي بوجهه من حين لآخر وكأنها يستمد منهم الدافع للانتقام.
أنهى آدم كوب شايه ووقف مستأذناً أباه في الخروج، وغادر وهو ينوي على تفجير القنبلة اليوم في مقر شركة عمه.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم ريناد يوسف
وصل إلى مكتبه وجمع جميع أغراضه ورتبهم للرحيل.
وما أن وصل عمه وياسين ومدحت حتى خرج على الجميع، وذلك بالتزامن مع وصول عمال من محل حلويات يحملون تورتة عملاقة جعلت الجميع يقف مشدوها يتساءلون عن صاحبها وعن المناسبة.
وما أن قام العمال بوضعها على طاولة، وقام من معهم بوضع الأطباق البلاستيكية والشوك وزجاجات المشروبات الغازية والمياه وغادروا المكان، حتى تقدم آدم وهو ينظر مباشرة لعيني ياسين الذي خرج هو وأبيه من خلف مكاتبهم ذات الحوائط الزجاجية ليروا ماذا يحدث بالخارج.
فصاح آدم في الجميع بنبرة فرحه:
- ياشباب، ياصبايا، ياموظفي الشركة المبجلين من عاملين النظافة وحتي المدراء، اليوم حبيت نحتفل معكم بنجاح اول صفقة لشركتي الجديدة.. شركة "العقاب لإستيراد وتصدير كافة المواد الغذائية المصنعة طبيعياً بطريقة صحية بدون اي كيماويات".
وأول صفقة للشركة وكانت شرارة البدء تمت مع شركة "انتر ميديكال برو" اللبنانية للإستيراد والتصدير وحبيت تشاركوني فرحتي.
وأحب أقول للجميع أن الشركة على استعداد لاستقبال أي موظف من الشركة هيني حابب ينضم لشركة العقاب، مع مرتبات أفضل ومعاملة تليق بذوي الخبرات منكم والتقدير والاحترام اللي تستحقونه، مافي رفع صوت على أحد ولا توبيخ من أي نوع، راح نكون عيلة واحدة والتعامل بكل محبة.
وأكيد معظمكم كان بشركة أبوي محمود ويعرف كيف كان يعاملكم، شركتكم الأم اللي ترحلتوا منها لهون وحان الوقت تعاودوا لقواعدكم الأصلية.
سمع ياسين كلامه للنهاية ولا يعلم كيف تحمل سماعه.
وفي النهاية هجم عليه وأمسكه من تلابيبه، فقد وصل غضبه لذروته.
فها هو يعرف من وراء كل ما يحدث للشركة في الفترة الأخيرة، وأيضاً تعطيل مشروعه وإيقافه، وبعد كل هذا يقف يحتفل في مقر شركتهم بسرقة لهم وفوقها يريد سرقة الموظفين مثلما سرق منه حياة.
تركه آدم لجزء من الثانية يعتقد أنه المسيطر وسيد الموقف.
وفي الجزء الآخر من الثانية قلب الأدوار بحركة سريعة منه جعلت من ياسين فريسة بعد أن كان أسدًا ضاريًا، وأخذ يسدد له العديد من الضربات الموجعة، أمام أبيه وأخيه وامام جميع موظفي الشركة، ومثل به تمثيلاً.
استطاع يحيي أخيرًا تخليص ابنه من يد آدم بمساعدة مدحت وبعض الموظفين.
ووقف أمام آدم ينتفض ويصيح به:
- طيب ياابن محمود اديك عملت اللي عايزه وحققت انتقامك وخسرت الشركة وسرقت مشروع ابن عمك اللي تعب عليه، يلا بقا اتفضل من الشركة من غير مطرود مستني إيه تاني.
فتحت لك شركتي وأمنتك على مالي ومال أولادي وادي النتيجة، صحيح صدق اللي قال اتقي شر من أحسنت إليه.
أنهى كلماته الموجهة لآدم ونظر للموظفين وأردف لهم بغضب:
- ودلوقتي اللي عايز يروح يشتغل مع الخسيس دا يتفضل، وأنا ميشرفنيش يفضل في شركتي لا هو ولا اللي حابب يكون معاه، يلا اللي هيفارق يفارق دلوقتي واللي هيستنى يتفضل على مكتبه.
وأه التورته دي هناكلها، كلنا هناكل منها ونحتفل، بس هنحتفل بنجاح الخسة وانتصار قلة الأصل.
ضحك آدم كثيرًا وهو ينظر لعمه الذي يحاول قلب الأدوار بتمثيل متقن لا يصدقه إلا حديث عهد به.
ولكن بما أن المعظم يعرف ما حدث تمامًا، فآدم متيقن أن محاولات عمه بائت بالفشل قبل أن تبدأ.
فتقدم آدم نحو التورتة وهو مستمر بالضحك وأخذ منها قطعة وقام بأكلها أمام الجميع.
ثم توجه إلى مكتبه وأخذ جميع متعلقاته وترك الشركة وغادر.
تركها لعمه وابنه يظنان بأنها لازالت كما هي، ولا يعلمون أن آدم خبأ لهم العديد من المفاجآت ستظهر لهم مع الأيام، والتي ستنتهي بخسارتهم لكل شيء.
وسيجدون شركتهم خاوية على حوائطها، تمامًا كما عاد هو وأبيه ووجدوا شركتهم على هذا الحال.
وأول المفاجآت كانت اتصال هاتفي بيحيي عقب مغادرة آدم للشركة يخبره بأن جميع آلات المصنع تعطلت في آن واحد.
تعطلت الأعطال التي لم يستطع المهندس اكتشاف سببها، بل صنفها بأنها دمار شامل بفعل فاعل.
فأنهى يحيي المكالمة وارتمى على الكرسي يحاول فك ربطة عنقه ليستطيع التنفس جيدًا، فقد شعر بأن الهواء يختفي وأنه قريبًا سيموت بالاختناق إثر ما يحدث.
توجه آدم إلى شركته الجديدة فوجد أبيه ينتظره هناك.
قص عليه ما حدث وظن بهذا أنه يزف إليه بشرى سترفعه فوق السحاب.
ولكن ما حدث أوه رأى القلق والخوف قد نالا من أبيه دفعة واحدة وهو يرمقه بنظرات تخبره بأن ما حدث هو الجزء السهل والأصعب قادم، فالآتي رد فعل، وردود الفعل دائمًا تكون أقوى من الأفعال.
حاول آدم طمأنته ولكن قلقه كان أكبر من أي كلام.
فغير مجرى الحديث ورأى أنه وقت مناسب ليحاول إقناع أبيه بالمهمة الأصعب، ألا وهي مسألة زواجه من حياة وجعل أمه تتقبل الفكرة، وأيضًا طمأنتهم بخصوص هذا الأمر، وأن حياة مختلفة كليًا عن الجميع.
فاستمع له أبيه جيدًا إلى أن انتهى مما يريد قوله.
وفور انتهائه اعتدل محمود في جلسته وتطلع لآدم ورد عليه بكل هدوء:
- بص ياآدم يابني، أنا وأمك مطلعناش من الدنيا دي غير بيك.
وقسمًا بالله كل الفلوس والحاجات اللي أخذها عمك مني ما كانت تعنيني ولا تهز شعرة مني وكنت أقول كله فدا آدم.
وأنا لما بعدت وتحملنا أنا وأمك بعدك عننا كان بغرض أنك ترجع كبير وقوي وتقدر تدافع عن حياتك وتكون بخير، تتجوز ونفرح بيك ونشوف أولادك وتعوضنا عن موت مروان أخوك.
بعدناك عشان ترجع تعيش وتفرحنا مش عشان ترجع ترجع الفلوس.
يعني ياآدم سلامتك عندنا في المقام الأول.
وبعد دا كله رايح تحب بنت فاطمة وعايز تتجوزها، فاطمة اللي بأيديها عملت السم اللي موت أخوك، فاطمة اللي عادي عندها القتل وأسهل من شربة ميه، عايز تتجوز من اللي ما يعرفوش الحرام ولا بيخافوا ربنا؟
- حياة مو زيهم، ماتشبههم ولا تمثلهم بصلة، حياة غير يا أبوي غير، والله شايلة بقلبها طيبة ومحبة ما وردت علي، والله حياة وسط أهلها تشبه زهرة من زهور الجنة نبتت بالغلط وسط الجحيم.
هي مالها ذنب بأي مكان إنحطت وبأي بيئة إنولدت، بس هي مختلفة، مختلفة ومن حقها تلاقي اللي يقدر اختلافها ويقلعها من جذورها من هالمستنقع ويبعدها عنه.
- مش هتقدر تبعدها ولا تقدر تقطع صلتها بأهلها، وأولادك تلتينهم هيطلعوا على خوالهم وأهل أمهم، يعني هيطلعوا خاينين بالفطرة، هياكلوا فبعض، هتكون الفلوس عندهم أهم من إخوتهم.
فايبني هتتحمل تشوف أولادك وهما بيسموا بعض ويموتوا بعض عشان الفلوس؟
هتتحمل تشوف حتة منك بتحارب في حتة منك ومش قادر توقف الحرب ولا عارف تعمل إيه عشان تنهيها؟
"تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس" مجاتش من فراغ يابني، الرسول قال تخير لنطفك ماقالش تخير لقلبك، الكلام واضح والعاقل اللي يفهم.
ودلوقتي أنا قلت لك اللي عندي وإنت حر ياآدم يابني.
وصدقني لو صممت تاخد القرار الغلط محدش هيندم على المدى البعيد غيرك.
أنهى كلماته وترك المكتب والشركة وعاد إلى القصر.
عاد إلى زوجته التي لا يأمن وجودها في القصر بمفردها معهم، فكيف لآدم أن يجلب لها من تخالط أنفاسها وتقترب منها القرب الذي يلغي المسافات ويعطيها الكثير من الحقوق والحرية الكاملة معها؟!
وصل إلى القصر وقص لعايدة ما فعله آدم وما تحدث هو معه فيه.
وتأكدت عايدة بأن ابنها لن يثنيه عن قرار ارتباطه بحياة كل جنود الأرض وإن اجتمعوا.
فهو ابنها وتعلم إلى أي مدى يصل عنده وعناده، فقررت أن تطرق الباب الأخير الذي ربما يكون خلفه الحل لهذه المعضلة.
فنهضت على الفور وتوجهت لغرفة حياة، وهناك فعلت ما تفعله كل أم في مثل موقفها.
جلست معها وتحدثت بروية وناشدتها أن تبتعد عن آدم إن كانت تحبه ولا تريد له الأذى.
لعبت على وتر الحب الذي لا يفشل من يلعب عليه، وكم شعرت بالانتصار وهي ترى دموع حياة وضعفها.
كم فرحت وهي تسمع منها أنها ستبتعد عن آدم ولن توافق على الارتباط به.
ولكنها طلبت منها أن تعطيها بعض الوقت لتتمكن من فعل ذلك، فقرار مثل هذا الآن لن يوافق به آدم ولن تنطلي عليه كل خدع الأرض وحججه إن فعلتها، وأن الفراق سيحدث لا محالة مادامت وعدتها بذلك.
ولكن لكل شيء وقته المناسب وخطواته المدروسة.
غادرت عايدة غرفة حياة وهي مطمئنة نسبيًا وترجو أن تكون حياة بالفعل مختلفة عنهم، فهذا ما لمسته فيها بعد حديثها معها.
ولكن حتى وإن كانت كذلك فهي لا تصلح لآدم نهائيًا.
جالس في مكتبه يباشر عمله الجديد بتركيز واهتمام وإذ بهاتفه يعلن عن اتصال من حبيبه الغائب الحاضر، شيخه ومعلمه وقدوته ومثله الأعلى.
أجابه بتنهيدة خرجت من قلبه واستقرت في روح الشيخ منصور:
- والله اجيت بوقتك ياشيخي.
فسأله منصور بقلق:
- وليدي ويش فيك، ليش التناهيد تسابق حروفك ومقترنه بأنفاسك؟
- متعووب ياشيخي وداقت بيا الحلول واتصكرت الدنيا بوجهي، عشقاااان ومالاقي لعشقي سبيل والكل معارضني وكل ما أكسر حاجز يبنولي ألف بداله.
- اوعك تكون عشقان بنت عمك ياعقاب، اوعك تكون غرزت مخالبك بجيفة وبدك تاكل منها، وأنت اللي معروف بأنك ماتحط إلا عالطيب.
- لا مو بنت عمي ياشيخي.. لكن بنت خالتها، حياة بنت الدكتورة فاطمة.
- نفس الجيافة، كلهن طعام خبيث المفروض تحرمه على روحك حرمة الميتة والدم على المؤمن، مو لأن الله حرمه بس لأنه مايجوز يختلط الخبيث بالطيب، وهادول الخبث يجري بعروقهم وأنت أصلك طيب ومايصير الاختلاط، وإذا محمود وعايدة معارضين قيراط أنا معارضك وسع صحاري العالم وبعدد حبات رمالها.
- ياشيخي اسمعني أمنتك بالله..
- صكر فمك ياعقاب وماتمشي ورا قلبك هاد مو علامي فيك ولا علام قصير ولا من صفات الرجال اللي تعلمتها على أدينا.
ارمي هاد اللي تسميه عشق لبنت عدوينك وطهر قلبك منه كما يتطهر الثوب الأبيض من الدنس.
- حتى انت ياشيخي؟!
- حكيت لك أني أنا أكثر منهم رفض ومعارضة ياعقاب.
تحرر من هي اللعنة اللي صابت سالم قبلك وشوف لوين وصلته وماتخليها تصيبك وتضعفك وتخلي العقاب يصير دجاجه ماتبارح عشتها.
والحين أنا أعرف إنك مشغول لفوق راسك وما ناقصني، بس ودي منك شيء ماحدا يعرف يسويه غيرك.
عندي أنا عمارتين ملك مكانهم يعرفا قصير زين، بتروح عالقبيلة وتاخد أوراقهن من عمتك عوالي، قياتي راح يرسلك توكيل ممضي مني وجاهز على أمضتك.
تبيع العمارتين وترسلي حقهن على حساب قياتي اللي راح أرسله لك مع التوكيل، وبدي هالشي يتم بأسرع وقت ممكن ياعقاب لأن مافي وقت ياوليدي، خوك قياتي داخل بمشروع ضخم ووده سيولة.
- حاضر ياشيخي اعتبره تم، بس بعد إذنك العمارتين راح أعرضهم على عمي قصير بالأول بعد ما أفصلهم، وإذا ما اشتراهم راح أشتريهم أنا، لأنك علمتني أن العقار والأرض ماينباعون إلا للشدايد، وإن اللي تصح له فرصة شرا وما يشتري بيكون غلط من ساسه لراسه.
- أي أي ياوليدي هاد كلامي واللي راح تعمله عين العقل.
ولهيك أنا وكلتك أنت بالذات لأنك راح تتصرف كما لو كنت أنا.
بيع ياآدم وأرسل القروش، ومع القروش ارسلي تطمني إنك رجعت عن دروب الضياع اللي ودك تمشي فيها.
أنهى منصور مكالمته مع آدم وإذ بهاتفه يضيء باسم سالم.
فرد عليه وأغمض عينيه وهو يسمع ذات التنهيدة تخرج من جوف سالم.
فزمجر منصور بغضب:
- ويش فيكم يا رجالي ورجال قبيلتي، ويش فيكم يا حزام الظهر ياللي كنت مفكر إني مربي وحوش تنشد بهم السواعد.
هيك العشق يبهدل الرجال ويسكن التناهيد صدورهم؟
شو حكيت لك أنا ياسالم قبل لا أغادر، بعدك متذكر كلامي ولا ما متذكر؟
- متذكر يا عمي متذكر بس...
- لا بس ولا شيء، ما تستاهلك مادام قلبها رف لغيرك، والرجال الحر ما يسكن قلب فيه حدا سكنه قبله ولا حدا مشاركه فيه، لقلوب متل البيوت ماتنسكن إلا إذا كانت خالصة مخلصة ومملوكة من بابها ياسويلم.
- من وين دريت يا عمي بإن صار لي شريك ببيتي؟
- أدري من قبل لا أروح، وأدري مين الشريك بعد، وأنصحك ياسالم اتركها وطالعها من قلبك، حكيت لك قبل سابق اقلعها من جذورها بس أنت ما رديت علي، ولا عملت لكلامي حساب، والحين ياسالم أنت وآدم ودي ما أسمع تنهيدة تخرج من جوف واحد منكم.
روح ياسالم وتخلص من هم قلبك وريحه وريح بالك، روح لعمتك عوالي تخطب لك زينة بنات القبيلة ووري رجوه الفانص أن سالم بنات القبيلة وصبايا كل القبايل يتمنونه وينتظرون بس إشارة منه.
عرفها مين هو سالم ويش ضيعت من يدها.
إثأر لقلبك إللي غدرته بنت مكاسب وخدت خيره وقطفت محبته وبعدها ولت تدور على قلب جديد.
أغلق منصور هاتفه بعد أن أنهى حديثه مع سالم وتحدث بعدها مع عوالي وأوصاها على آدم وسالم وولاها مهمة تخليصهم مما يعانون، فهو يعلم جيدًا أنها أهل لهذه المهمة، وهي فقط من ستنهيها بالشكل اللائق.
وفي اليوم الثاني كان آدم على مشارف البادية بسيارته وسالم ورابح في انتظاره.
وما أن ترجل من سيارته ورأته رجوة من بعيد حتى هرولت إليه يحملها شوقها له على جناح الريح.
وسبقت أقدامها خطوات سالم ورابح إليه.
وما أن وقفت أمامه حتى همست له بصوت متعب:
- اشتقت لك واجد يا عقاب ليش طولت هالغيبة، ماتعرف إني انتظرك وإني أتعذب ببعادك يا نبض قلبي؟
أنهت كلماتها وكادت أن تتحدث أكثر، ولكن ضربة قوية من آدم بكفه هوى بها على وجهها أخرستها وجعلتها تسقط وكادت تسقط على الأرض لولا يدي سالم حالت دون سقوطها.
فأزاحها خلفه ونظر لآدم بغضب وزمجر له كأسد غاضب:
- ويش سويت أنت ويش سويت، وكيف يدك تنمد على رجوة، ولك رجوة هي رجوة يا آدم وما تنهان طول ما سالم راسه يشم الهوا.
يتتبع.
عقاب ابن الباديه الفصل السادس والثلاثون
نظر آدم لسالم بنظرة غاضبة ممزوجة بالسخط والشفقة معًا.
فسخطه على رأفة قلبه بها حتى بعد أن ألقته للتوا من أعلى سفح الجبال دون رحمة!
والشفقة لأجل قلبه الذي لا يقوى على كرهها أو النفور منها واقتلاعها من داخله، حتى بعد كل هذا الكم الهائل من الجروح الذي تسببت له بها ومازالت.
فهم سالم نظرته وأبعد يده عن ذراع رجوة، ونظر إليه ثم إليها يحثه على الاعتذار منها وتطييب خاطرها.
ولكن آدم أبى ذلك، وابتعد بخطوات تضرب الأرض نفورًا من رجوة ومخالطتها وقربها، وحتى عيناه سبقت خطواته هربًا؛ حتى لا تنظران لمن تسببت لرفيقه في كل هذه المعاناة وهذا الكم من الأذى.
وصل آدم إلى خيمة عوالي، فنادى عليها بصوته الرخيم.
وما إن سمعت عوالي صوته حتى خرجت مهللة ومرحبة، فاستقبلته داخل خيمتها.
وهناك أخذ منها الأوراق وباح لها بكل ما يؤرق قلبه؛ فل طالما كانت الشيخة عوالي ملاذ قلبه التائه وطمأنينته، وها هي تنصحه هذه المرة بما لم يتوقع منها، وأتت نصيحتها مطابقة لرأي الجميع.
فقرر آدم أن يعيد النظر في الأمر، وأن يراجع قلبه في محبته لحياة، وأن يجرب الابتعاد عنها قليلاً لعله يستطيع.
بدأ عقله يدرك أن ما اجتمع الكل على رفضه لن يأتي من ورائه سوى المزيد من التعب.
قضى بقية اليوم مع رابح وباقي شباب القبيلة بعد أن أخبر عمه قصير بما يريده الشيخ منصور.
وقرر قصير شراء إحدى المبنيين، والآخر تركه لآدم ليشتريه هو.
أما سالم فقد توارى عن أنظار الجميع وجلس بمفرده فوق الربوة يتدبر أمره.
فمن كان مجيئه للبادية بمثابة عيده، أصبح مجيئه بمثابة خنجر مسموم يندس في قلبه في كل مرة فيضعفه، فلا هو السم المميت، ولا عاد يقوى سالم على تحمل ألمه.
فقرر هو الآخر الاستماع لنصيحة الشيخ منصور والبحث عن أخرى لعلها تستطيع أن تنتشله من عالم الضياع الذي هو فيه الآن.
ولعله صدقًا لا يفل الحبيب إلا الحبيب، وأن دخول شخص جديد في حياته يأخذ حيزًا ولو صغيراً في قلبه، ويكبر مع الوقت حتى يطرد سكانه القدامى، ويستوطنه هو.
أمنية بعيدة المنال وسالم يعلم ذلك جيدًا، ولكنه يجب أن يحاول.
فذهب إلى عمته عوالي واستأذن بالدخول.
جلس بجانبها صامتًا لبرهة من الوقت وهي تراقب سكوته ثم أردف بشرود:
- عمتي أريدك تختاري لي عروس على ذوقك ونقاوة عينك، وأعرف الشيخة عوالي ايش تختار.
عوالي بفرحة:
- هااا نويت تترك الدروب اللي ما عادت تليق لك ياسويلم؟
والله إنك فرحت قلبي وبردت نارا عليك، تم يا وليدي وما يصير خاطرك إلا طيب، وراح تشوف شلون عمتك راح تجيب لك اللي مو بس ينسيك رجوة، لا اللي ينسيك أمك وأبوك والقبيلة كلها واسمك بعد.
روح يا وليدي وبقي الأمر بيني وبينك واتركني أختار لك وأفاضل بين بنات القبيلة بنية بنية لحين أجد اللي تلوق لك.
- معك كل الوقت اللي تحتاجينه يا عمتي، بس بالله عليكي ما تجيبي لي اللي تزيد أوجاعي وتزود وجيعة الراس، أنا ودي أرتاح يا عمتي ارتااااح.
- راحتك عندي ياسويلم، قوم امشي لرفاقك وتسامر معهم وجالس حبيبك اللي ما يهون عليه زعلك وضرب الفانص لأجلك وهو يده ماتنمد على حرمة ولا بنية، بس لأجلك هانت مبادئ العقاب وخان عهد الرجال.
أومأ لها برأسه ونهض مغادرًا، ومسح المكان بعينيه باحثًا عن عقابه، ولكنه لم يجده، فتتبع صوت الهرج والمرج واقترب من الشباب فوجده جالسًا معهم، يشاركهم الحديث ولكن عقله شارد وعيناه زائغة.
فاقترب منه سالم وجلس بجواره وأخذ من يده العصا وبدأ هو بالرسم على الرمال بدلاً عنه.
فتبسم آدم وهو ينظر لما يفعله وهمس له:
- من يومك تكملني وتكمل حتى خطوط يدي، بس شايفك قفلت كل الدوائر وما خليتها تتداخلون!
- من الحين كل الدوائر بدها تنقفل ومافي دوائر تتداخل، خلص يا خوي مابقى فيه مجال نلف بالدوائر لنبحث عن المخرج، خلي نعرف أن ما في مخارج ونبقى داخل الدائرة وهي مغلقة.
- حكيك يحمل معاني كثيرة يا خوي، ويا هل ترى حددت مين اللي راح تبقيه جوات دائرتك ولا طلعت الكل وقفلت على حالك وبس هيك؟
- لا.. طلعت ناس وبقيت ناس، لأن البعض ما ينفع يغادر والبعض ما ينفع يضل.
نظر إليه آدم وتلألأ السؤال في عينيه ورفت شفتاه تريد أن تسأل ولكن خوفه من الجواب منعه، فأجابه سالم دون أن يسأل:
- أنت بقلب الدائرة وبقلب صاحب الدائرة يا عقاب، أنت ما أذنبت ولا سويت شيء، ومو سالم اللي يشيل ذنب حدا لحدا ثاني، أنت لك مكانة ما يؤثر عليها غياب حدا أو حضوره، بعده أو قربه.
تبسم آدم وزفر بارتياح، فما قاله سالم للتو هو مبلغ همه وشغل عقله الشاغل.
أما الآن فلا خوف ولا خجل من ذنب لم يقترفه والتصق به بفضل تلك المجنونة.
انتهت السهرة وعاد الجميع إلى الخيام، أما آدم فقرر اليوم أن ينام في غرفته، مع ذكرياته وأشيائه التي تذكره بعشر سنوات من عمره قضاهم هنا واكتسب فيهم كل شيء، وليس لديه استعداد أن يخسر مما اكتسبه أي شيء، لا محبة ولا صداقة ولا أخوة.
وفي سكتة الليل والوقت الذي يسبق أذان الفجر، لم يستطع آدم النوم وهو يفكر في كل ما يحدث معه، فأمسك بهاتفه وهاتف من ستشاركه قلقه وحيرته، ومن أول مرة أتاه صوتها مجيبًا وكأنه الغيث لقلبه الظمآن.
فقاوم حنينه وكتم تنهيدة وجع لا تخرج من جوفه إلا على أثر صوتها الحنون، وتحدث معها بجدية على غير عادته، فأخبرها بما يجول في خلده.
- حياة.. ياحياة، أنا قررت قرار وابغيك تدعميني فيه، بعرف عقلك كبير وقلبك أكبر وووو.
- أنا معاك يا آدم.. وموافقة وبأيد قرارك كمان، فعلاً علاقتنا مستحيلة وكل الظروف معاندها، إحنا لازم نبعد حتى عشان خاطر الناس المتعلقة برقابنا دي ومينفعش نخذلها.
كانت الكلمات تخرج من جوفها هادئة ولكنها مغلفة بنيران يكاد يشعر بحرارتها في كامل بدنه، وصوتها المهزوز ونبرتها المهزومة شرحت ما تشعر به في هذه اللحظة.
فرد عليها هامسًا:
- حقك علي يا حياة الروح والله مو بيدي، بس وعد مني إذا الأمور تحسنت وإذا صار مجال وزواجنا أصبح شيء عادي ماراح أتردد لحظة بأني أخطفك من براثن الدنيا وأخبئك بروحي وأدير بالي عليكي لآخر العمر.
- وأنا يا آدم مش هوعد ومش هقولك أني هستناك لآخر العمر عشان أخاف أوعد وما أوفيش، كل اللي هقولهولك أني هفضل أحبك لآخر العمر، وغلاوتك في قلبي هتزيد مع الأيام متقلش، جايز هبقى على اسم واحد غيرك، وجايز أولادي متكونش أنت أبوهم ولا حياتي هتكون زي ما خططتلها معاك، بس الأكيد إن قلبي هيفضل ملكك بلا منازع.
- لا تراهني عالقلوب يا حياة فسبحانه يقلبها كما يشاء، واللي اليوم غالي بالغد وارد كثير تتغير مكانته.
- مش هراهن على حاجة يا آدم.. اعتبرهم كلمتين فارغين اتقالوا فلحظة وداع واللحظات دي المشاعر هي اللي بتتكلم ومشاعرنا ملهاش عقل تفكر بيه.
بعد دقائق من الصمت نطق الاثنان في آن واحد:
- ودلوقتي هنعمل إيه؟
- والحين ويش راح نسوي؟
ضحك الاثنان معًا واختلطت دموع حياة بضحكتها وأردفت بحزن بالغ:
- وجودك كان مكملني ومش عارفة من بعد ما حسيت إني لقيت نصي التاني هعيش إزاي من غيره، صعبة لما ترجع لنقطة الوحدة من بعد ما لقيت رفيق وخليل وحبيب وصاحب يحلي أيامك.
- بترجاكي يا حياة لاتزيدي أوجاعي بهالحكي، والله إذا تفتحين قلبي هالحين راح تشوفي محرقة وبيها روحي عم تحترق.
سلام يا منية الروح وديري بالك على حالك وماتنسين إن عقاب راح يضل يحوم بسماكي وحولك وإذا فكر حدا مجرد تفكير أنو يأذيكي ماراح تشوفي منه غير بقايا.
كوني هانية أنا دووم بجوارك.
- ربنا ما يحرمني من وجودك جنبي ولا حواليا.
طيب نقول باي ونتمنى لبعض حياة سعيدة.
- ليش ليش، وين بدك تروحي.
يعني أذا مو أحباب ما يصير نضل أصحاب، ما يصير نحكي لبعضنا إيش متعبنا ونرمي حمولنا ع بعض، عندك العلاقات كلها مرتبطة ما يصير نلغي علاقة وتستمر الأخرى؟
- هكذب عليك لو قلت لك ينفع.
لا يا آدم مينفعش، مينفعش أكون مجرد صديقة بعد ما كنت حبيبه، مينفعش تفضل تحكي لي مشاكلك وهمومك وأنا أحلهالك وأشاركك فيها لحد ما يجي اليوم اللي ألاقيك فيه جاي تكلمني عن وحدة ثانية دخلت حياتك، مينفعش يا آدم صدقني.
وسامحني.
- ما أظن الدنيا راح تهاديني بغيرك وحدة تسكن روحي وتفهمني وتستولي على عباراتي وتكون محور أحاديثي، اللي حدث معك يا حياة الروح متل الموت والولادة ما يجرا مرتين، حُبي لك ماراح يتكرر ولو أتي بعده ألف حب ماراح يكون متله.
إنت تباشير هالروووح وأول حصاد القلب يا دقة القلب.
تنهدت حياة بعد أن ابتلعت غصة كادت تختنق بها.
فمن بعده سيسمعها هذا الكلام، ومع من سوف تشعر بهذا الشعور اللذيذ، وكم تمنت في هذه اللحظة أن يكون حلمًا وتفيق منه.
حلم جميل ليس إلا وتستيقظ لتجد كل شيء كما كان وقلبها على سيرته الأولى، خالي ولم يسكنه أحد.
أقسمت وقتها أن تأخذه وتفر هاربة من خوف أن تعيش هذا الألم مجددًا.
- ويش فيك يا حياة ليش هاد الصمت؟
- أقول إيه يا آدم، لحظات الوداع مبيتقالش فيها كلام كتير.
- كافي لا تذكرين كلمة الوداع مرة ثانية بالله عليكِ، هي الكلمة بتسكن روحي الأوجاع.
- سلامة روحك من الأوجاع.
طيب يا آدم أنا هقفل معلش عشان مش قادرة أتحمل أكتر من كده.
- ابقي معي شوي بالله عليك.
- لا معلش صدقني مش قادرة.
- أنا معاود بعد يومين أو ثلاثة عالأكثر.
رتح تكوني بإنتظاري وأشوف اللهفة بعيونك متل ما تعودت ولا خلاص من الحين راح تروح اللهفة والشوق؟
- تعال بالسلامة ولكل مقام شعور وإحساس متسبقش الأحداث.
- إي والله معك حق.
لكل مقام شعور.
أغلقت المكالمة وألقت الهاتف من يدها لتستسلم لموجة عاتية من البكاء والنحيب.
نحيب أتت على إثره أمها مهرولة تتساءل عما حدث، ولكنها لم تجد من ابنتها الجواب الشافي.
فعادت كما أتت، ولكنها على يقين بأنه حتمًا آدم من تسبب لابنتها في هذا كله، ولكن ماذا حدث بينهم يا ترى؟
أما في غرفة ياسين..
- يبني إهدأ واقعد وفكر إنت وقاعد زاولتني والروح والجي في الأوضة مش هيخليك تفكر أحسن.
- أفكر إيه هو أنا عاد فيا مخ أفكر بيه؟
أفكر فأيه ولا إيه وإبن أخوك خربها من كل حتة، عامل زي الطوفان جه وأخد كل حاجة في وشي وبلع كل اللي بقالي سنين بتعب عشان أحققه.
الحيوان الهمجي تربية المعيز والجمال ده.
لترد عليه أمه فريال:
- لا وإنت الصادق دا تربية دماغ سم، تربية منصور الكلب اللي سقاه من حوضه وخلّاه غول زيه محدش يعرف ولا يقدر يواجهه.
لعبها صح عمك وغلبنا.
بس على مين الفرصة لسه موجودة.
- فرصة إيه وهو أخد كل حاجة وعمال يبرطع وكان الدنيا كلها بتاعته ومحدش عايش فيها غيره.
- وأنا أقول لسه الفرصة قاعدة واللي أخده كله نقدر نرجعه.
الفصل الثاني والثلاثون مرحبا بك مليون سنة في البيت
في صباح اليوم التالي في مقر شركة يحيى.
دلف ياسين لمكتب أبيه كالأعصار وهو يمسك في يده بعض الأوراق وقام برميها على المكتب أمامه بغضب وقال له وهو يزمجر:
- اتفضل شوف لما بتتطربق بتتطربق من جميع النواحي إزاي.
الصفقة اللي مصدرينها وقابضين نص ثمنها والنص بعد الاستلام هتقعد أسبوع في عرض البحر بسبب عطل مفاجئ في السفينة، والصفقة المستوردينها الشركة المصدرة رجعت في اتفاقها ورفضت تبعتها بحجة أن ماعندهاش اللي يغطي الطلبية وهتدفع الشرط الجزائي.
يعني بكده اتخرب بيتنا رسمي وانضربنا في السوق وخلاص كل الأوتيلات والمستشفيات الخاصة والمنتجعات اللي بنتعامل معاها هتشوف بديل وهتلغي التعامل معانا.
أمسك يحيي الأوراق وكانت عبارة عن فاكسات وتأكد من كلام ابنه، ثم ألقاهم من يده بعيدًا وهو يقول:
- دي لو مترتبة من شياطين الأرض متجيش كده أبدًا، يعني إيه لا وارد ولا صادر؟
- ومين قالك أنها مش مترتبة من شياطين، أو خلينا نقول شيطان متبعدش عليه حاجة، بيعرف كل حاجة وبيتكلم كل اللغات وعنده السلطة اللي تخليه يعرف يعمل كده.
- تفتكر يكون هو؟
- مش افتكر دا أنا متأكد.
- إذاً عليك به يا ياسين، اعمل اللي كنت مانعك منه، بس متبقاش غشيم وتحط نفسك في موضع شك، خليك بعيد وخد حذرك.
- متقلقش أنا عامل حسابي ومخطط لليوم ده من مدة ومستني إشارة التنفيذ بفارغ الصبر.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم ريناد يوسف
غادر سالم وهو يشعر بأن رجوة دست يدها في جرحه مرة أخرى دون شفقة أو رحمة، واعتصر قلبه مجدداً.
وقف أمام عمه قصير الذي وصل أخيراً للقبيلة ونزل من فوق حصانه وقد بلغ به الغضب مبلغه، فسأله سالم:
- ليش مشيت لرجوة؟ ويش كان ودك منها ياعمي؟
- كان ودي أنهي عمرها وأرتاح منها وترتاح أنت وترتاح هي بعد، وتتنسي رجوة وينمحي اسمها من القبيلة وينقطع ذكرها من الأفواه.
سمع سالم كلمات عمه وجحظت عيناه من هول ما سمع، فرد على الفور:
- والله بسماه ياعمي إذا رجوة يمسها ضُر لأحرق القبيلة كلها، بخيامها بحلالها وهوايشها بناسها صغير وكبير، شباب وشياب، ومثل ما ينتهي ذكر رجوة ينتهي معها ذكر قبيلة المنصور من الوجود.
رد عليه قصير:
- برّد قلبك ياسالم، أنت الحين تحكي من ورا محبتك لها اللي ما زالت بقلبك ما جفت، بس بعد زواجك راح تنسى رجوة ومارح تعنيلك أي شي.
- ولحين يصير هالحكي وأنساه وماتعنيلي، ما حد يقرب منها ولا يحكيلها كلمة توجعها.. رجوة مو بس حبيبة ورهينة ياعمي.. رجوة بنتي وأختي ورفيقتي وبنت عمي، وإذا انقطع رابط يضل ألف رابط غيره، وطول ما تربطني بيها صلة.. رجوة بحمايتي وما حدا يقربها.. ولا حتى أنت ياعمي ومنك السماح.
تنهد قصير وقام بسحب لجام حصانه وتحرك من أمامه خطوة، ولكن يد سالم أمسكت منه اللجام وهو يقول له:
- والله عار علي إذا أنا واقف وعمي وشيخي بروحه يعاود حصانه ويربطه.
تحرك سالم بالحصان وترك عمه قصير يراقبه بحسرة وهو يتمتم في نفسه:
- الله يلعنك يارجوة ويلعن البطن اللي شالتك يا أم الفوانص يا عار.
خيم الليل واصطف رجال القبيلة وشبابها حول الشيخ قصير، وبعد الخوض في عدة موضوعات، تنحنح قصير واعتدل في جلسته وتحدث بكل جدية:
- يا ولاد خوي اليوم نويت نعطي بناتي ونزوجهم بأقرب وقت، فمن بخاطره وحدة من بنيات عمه يحكي الحين ويحجزها، ومن بعد إذنكم سويلم أول واحد بيختار من بنياتي، بخلاف رجوة لأنه ما عاد يريدها وحل نهوته عليها، بس إني نريد نسبه وقربه وما أريده يصير صهر لغيري.
فزع سالم من حديث عمه قصير ونظر لرابح باستنجاد؛ لأن ما يطلبه منه عمه هو الجنون بعينه، فرد عنه رابح على الفور:
- من رخصتك ياعمي تعفي سويلم من الاختيار، لأن عمتي عوالي شافت له عروس وبالفعل تكلمت مع البنية وعشمتها، وما يصير نقطع العشم ونبدله خذلان، كلهن بنات عمومتنا والكل بغلا بعضه.
نظر قصير لسالم وتنهد حسرة ثم قال:
- والله إذا هيك الحكي مرخوص يا ولد خوي وربي يجعلك فيها الصلاح والفلاح وتملالك القبيلة ولاد ملاح.
والحين اللي بده بنية يذكر اسمها قدام الجميع ويربطها باسمه.
فسارعت الأفواه بنطق الأسماء ومن كان الأسرع حظي.
أما سالم فقد استشاط غيظاً حين ذكر أحدهم رجوة وطلبها زوجة له، ولكن رد هلال عليه هو ما أثلج قلب سالم حين قال:
- رجوة مو من ضمن الاختيارات، رجوة ما راح تتزوج، لساتها ما عقلت بعد ولا تعرف تعمر خيام، بعدها صغيرة.
صدق قصير على كلام هلال ابنه، أما جميع الحضور فنظروا للخاطب بلوم وعتب؛ فهو يعلم جيداً رجوة بقلب من، والكل يعلم لماذا تم إنهاء رهنها، فلا أمر يخفى على سائر القبيلة مهما كان صغيراً، ولكن هذا بالتأكيد كان عاشقاً خفياً يتربص الفرصة وأراد اغتنامها، ولكنه لم ينالها.
انفض المجلس ونهض الجميع، وبمجرد انتشار خبر خطبة بنات قصير في القبيلة تعالت أصوات الهلاهل وانبعثت من داخل الخيام ترد على بعضها.
أما في خيمة معزوزة فكان الأمر أشبه بالعزاء.
فقد اجتمع سالم ورابح وهلال يحاولون التخفيف عن سالم ومواساته، أما هو فكان يبتسم ويحاول مجاراتهم في الحديث والإدعاء بأن كل شيء على ما يرام، ولكن بمجرد أن سمع صوتها خارج الخيمة اختفت جميع الادعاءات وتهدلت أكتافه بضعف، فها هي التي وعدته ألا تجعله يراها أو يسمع صوتها تدور في سمائه وتغرد، فبئساً للنسيان والتخطي إن كانت ستظل قريبة منه هكذا.
دخلت رجوة الخيمة دون أن يجيبها أحد، ولما رأتهم تراجعت للخلف وهي تعتذر منهم، وخاصة وهي ترى حالهم هذا وكأن على رؤوسهم الطير!
ولكن ما أحزنها حقاً هو حال سالم، نعم تعلم أنه حزين ولا يستحق هذا الشعور، ولكنها لن تهتم بحزن غير حزنها، ولن تضحي بسعادتها من أجل أن يسعد هو، هذا قرارها وهذا ما أقسمت عليه ولن تأخذها بغير قلبها شفقة ولا رحمة.
غادرت الخيمة وبعد فترة صمت تمتم هلال:
- روحي الله لا يردك.
نظر إليه سالم بغضب، ودون أن يتفوه هب واقفاً وغادرهم، وتركهم حائرين في أمره، يعرفون علته ولا يملكون لها دواء.
أما في خيمة الشيخة عوالي:
- يا مايزة روحي جيبي لي نقال قصير قول له عمتك ودها تحكي مع الشيخ منصور وتتفقد أحواله، وبطريقك شيعي الخبر بأني غدوه بدي أختار من بين بنيات القبيلة عروس لسويلم ودي كل بنية طيبة وبلغت سن الزواج تجيني لأفحصها من ساسها لراسها وأقيم جمالها واللي راح تدخل عقل الشيخة عوالي راح تكون هي العروس.
نفذت مايزة ونشرت الخبر بكل القبيلة، والأمر كان أشبه بقصة حفل الأمير الذي سيختار منه عروسه، ولكن الوضع هنا مختلف، فسندريلا قد تخلت عنه ولن تأتي من ضمنهم.
عادت مايزة وتركت الفتيات في حالة سباق، يتهافتون على البئر ويفاضلن بين ثيابهن، يتسابقون على جندية القابلة حتى تنظف وجوههن وتصفف شعورهن بطريقتها المميزة.
أما قبل قليل في إحدى الخيام...
- ويش فيك يامزيونة كل ما فتحتي فمك سالم وسالم، ويش قصتك أنتِ مع سالم؟
- أختي أسرّك ولا تفشين السر؟
- اعتبريه بالبير القديم المهجور سرك يامزيونة.
- أنا أحب سالم.. أحبه من زمان كثير من وقت كنا ولاد صغار، بس هو ما يوم نظر ولا شاف غير رجوة، كنت أظنه مستحيل وياما دعيت ربي بجوف الليل إنه يبدل المستحيل ويجعله بالإمكان. وقت كنت أنفيق الصبح أضحك على حالي وأقول ويش هادا اللي قضيت ليلي أدعي به، وكيف أدعي بشيء ماراح يصير، ونرجع ونقول الله يهنيه يارب مع رجوة ويهنيها معه. بس توا كأن ربي يقولي مافي شيء مستحيل على ربك، مو أنت طلبتي مني سالم، هاك هو سالم.. بعدت لك رجوة عنه وصار طريقك خالي.
- يعني إيش راح تسوين توا؟
- أول شيء هنعدي للكبيرة، الشيخة عوالي نشكيلها المحبة والشوق وهي تشور عليا ويش نسوي.
أنهت كلماتها وإذ بصوت مايزة يصدح من خارج الخيمة وكأنها رسول الأمير تعلن عن ميعاد الحفل، فتصنمت مزيونة وأختها أيضاً من هول الصدمة، فكأن السماء سمعت وهيأت كل شيء لصالح تلك المسكينة وها هي تبعث لها الفرصة التي كانت بانتظارها.
وبعد أن انتبهت مزيونة على نفسها همست:
- أختي زينة سمعتي اللي سمعته توا ولا إني عقلي بدأ يصور لي أوهام؟
- سمعت يامزيونة سمعت، هيا انهضي وشوفي إيش راح تسوين بروحك وإيش راح تلبسين بكرة.
- بكرة.. أي بكرة؟ الحين ودي أمشي للشيخة، الحين بروح وأحكيلها كل اللي بقلبي وروحي، مافي صبر لبكرة يازينة، هاد سويلم وهي فرصتي، هي دعواتي ومناجاتي لربي، سعادتي وفرحة عمري هدول كلهن بخيمة الشيخة عوالي بانتظاري وما راح أتركهن لبكرة ووحدة غيري تمد يدها وتخطفهن مني.. قومي.. قومي ساعديني أتحمم وهاتي المكحلة والحمرة وساعديني وأسنديني لحد خيمة الشيخة أحس رجولي ما عاد يحملنني.
أما في خيمة عوالي:
- كيفك يا نبض القلب ونور العين، كيف صرت يا حبيبة عوالي.
- إني بخير يا خيتي بس طمنيني عن القبيلة وأحوالها وأهلها، وعنك وعن كل شيء، كلل شيء.
- كل شيء على حطة إيدك يا خوي، أهل القبيلة ما شيبن على تعاليمك ونهجك وما في حد خالف قوانين شيختك ولا حدا يجرؤ، وكله يدعيلك تطيب وترجع تنور مجلسك وتلم حولك الكبير والصغير وتعود مع رجوعك ليالي الفرح والسرور.
- لااااه يا عوالي ما في رجعة.. خلاص العمر ولى واقترب وقت الرحيل، بس هي أيام باقيالي عم أقضيها متل ما تكون.
- الله يطول بعمرك ويعطيك الصحة يا خوي، ما تيأس من رحمة اللي يحيي العظام وهي رميم ومو كثير عليه يبري جسد من المرض، بس أنت قول يا الله.
- يا الله رحمتك ورضاك وعفوك.. طمنيني على وليدي آدم يا عوالي إيش أحواله، حاسه ما عاجبني وقت حاكاني، أحسه شايل هموم الكون حتى وهو يقول لي إنه تخلص من عمه ورجع كل حقوقه.
- يعني ما تعرف يامنصور إيش اللي يقهر الرجال ويشيلهم الهم حتى ولو كانوا سلاطين يحكمون بلدان.. العشق يا خوي مرمر رجالك ولعب بحالهم، إذا سالم ولا عقاب تنينهم عقلهم سلبنه الفوانص.
- الوليدات لابد يتزوجون يا عوالي، اتنينهم زوجيهم، سالم بالاول حتى يخف وجعه ومن بعده عقاب، أو لو تعرفين تزوجيهم بيوم واحد ما تتأخري.
- سالم أي هو هاد طلبه واني بدأت أشوف له عروس، أما عقاب فما أظن يوافق يتزوج الحين، وأنا ما أعرف من بنات الحضر لادور له منهم عروس يا خوي.
- كلمي أمه تدور له وقولي لها الأمر عاااجل وفهميها ماتتوانى عن البحث،، قولي لها وليدك روحه عم تحترق.
- تم يا شيخي تم.
كانت ستواصل الحديث مع أخيها ولكن قاطعها صوت إحداهن تستأذن بالدخول، فأذنت لها عوالي وعادت للتحدث مع منصور، ولكن قاطعتها التي ارتمت أسفل قدميها وأمسكتهم بكلتا يديها وقالت بتوسل:
- يا عمتي وشيختي وشيخة قلبي، أنا بعرضك وطولك واستحلفك بكل عزيز وغالي تنظرين لقلبي بعين الرأفة.
صاحت بها عوالي وهي لا تفهم ماذا بها:
- إيش فيك يا مزيونة وليش خريتي حدر قدامي، قومي وفهميني؟
- سالم يا عمتي، سالم اللي تدوريله عروس ما تلوق له غيري، أنا يا عمتي أنا الأولى بابن عمي، أنا اللي أحبه من صغري ومضيت سنين وأنا أطلبه من ربي، أنا اللي انتظرته وأدري ما في أمل بس كان أملي بربي كبير وما خذلني.. استحلفك بكل عزيز وغالي ما تدخلي حياة سالم وحدة غيري.. أنا راح أصير له خدامة وأتمنى له الرضى وما راح أقصر بشيء حتى يرضى.. أنا راح أديه برموش عيوني وأفرش له قلبي بساط يخطي فوقه.. زوجيني سالم يا عمتي وراح تشوفين إني أحكي الصدق.. أعرفك تحبين سالم أكثر من أمه اللي ولدته، وإذا تحبينه وتريدين له الخير زوجيني له.
صمتت عوالي وهي تراقب حال هذه المجنونة بتعجب، وانتبهت على صوت منصور الذي كان لا يزال على الهاتف وهو يقول:
- عوالي،، هي اللي تزوجينها لسويلم.. لبنية عاشقة والعاشق يعطي بلا ثمن.. خلي تعوض سالم عن كل اللي خسره وتداوي جروح قلبه.. بس ماتكون قليلة حلا عن قليلة الحيا الفانص بت مكاسب.
أجابته عوالي بعيون تدقق في ملامح مزيونة بتفحص:
- لا والله يا شيخ مانها قليلة حلا، هي مثلها مثل الفانص وتزيد بعد.
- زين قوليلها يقول لك عمك منصور سويلم جاك بهدومه... قالها وضحك وضحكت عوالي وارتخت أيدي مزيونة غير مصدقة لما تهادى إلى سمعها عبر سماعة الهاتف.
فأنهت عوالي المكالمة مع أخيها وأخذت تنظر لمزيونة بتركيز أكثر، ثم نظرت لمايزة وأعطتها أمراً بعينيها، فقامت مايزة بقفل ستار الخيمة، ونظرت عوالي لمزيونة وقالت:
- تعالي يا مايزة نزعيها ملابسها حتى أشوف إذا داخلها زين مثل خارجها وما بيها عيوب مخفية، هاد سويلم واللي تاخده لازم تكون كاملة مكملة من كل شيء.
همت مايزة بالاقتراب ومساعدة مزيونة ولكن فاجأتهم مزيونة حينما وقفت وقامت بنزع ملابسها دفعة واحدة وهي تقول:
- لا ما أريد حدا يساعدني، أنا أمامك يا عمتي افحصي متل ما تريدين.
ضحكت عوالي من جرأتها وقالت بعد أن نظرت إليها جيداً:
- زين رجعي ملابسك وتحشمي وخليكي ثقيلة، ودي أشوف خجل العذارى اللي ما لمحتها على وجهك من لحظة دخولك الخيمة.. وين حيا الصبايا منك وين؟ يا عيني على حظك يا سويلم يا وليدي اللي ما يسوق عليك إلا الفوانص!
أردفت مزيونة وهي ترتدي ملابسها مرة أخرى:
- والله يا عمتي إني أستحي بس هي فرصتي الوحيدة وأنا حلفت ما أضيعها إلا وأنا مخلصة جميع المحاولات.
تبسمت عوالي وهي تنظر لمايزة التي أشارت لها بيدها بمعنى أن الفتاة ممتازة، ثم سرعان ما اختفت ابتسامتها ودعت مزيونة للجلوس بجانبها وتحدثت بجدية:
- مزيونة اسمعيني زين.. أنتِ تعرفين حب سالم لرجوة أكيد لأن ما في حدا بالقبيلة ما يعلم، وتعرفين أن رجوة هي اللي تخلت مو سالم، يعني لساها بقلبه وراح تضل، إذا عطيتك الفرصة اللي تتمنين وصرتي حلال سالم وسمعت لسانك بيوم ذكر رجوة بغيره، راح أطلعه من خشمك وأقصه. واسم رجوة بيكون آخر شيء نطقه مفهوم؟
- تم يا عمه أبشري.
- وشيء ثاني، إذا عينك نظرت لرجوة نظرة كره بصفي ميها وأخليكي بلا شوف.. سالم ورجوة تنينهم أولادي، وراح يضلون قراب حتى لو سالم تزوج أربع حريمات.. يعني ما فيوم تقارني روحك بها ولا تقولي لسالم ليش هي وأنا لا.. فهمتي علي؟
- تم والله تم، وربي ما راح أحكي حتى إذا تزوجها بعدي، ولا أتكلم إذا جالسها ليل نهار.. أنا كل اللي أبغيه من سالم بس نظرة ودقايق قرب.. أريد أجيب له أول وليد والناس تناديه بأبو فلان وأكون أنا أم فلان، أنا ماني طماعة يا عمتي.. أنا عاشقة عاااشقة.
- والعاشق طماع يا مزيونة وبيني وبينك الأيام، بس أنا حذرت وأنتِ بكيفك.. والآن يلا على خيمتك وما حدا من القبيلة يدري باللي صار بيناتنا، وراح أشوف كل بنيات القبيلة بكرة لجل ما يقولون عوالي تلاوع وما عاد لها كلمة.. وأنتِ جهزي حالك وشوفي ايش ناقصك لحتى ننزل أنا ومايزة الحضر ونجيبه لك، واستعدي لتكوني عروس سالم.
مرت الليلة بساعات أطول من الدهر على كل منتظر، سالم الذي يحارب النوم لكي يأسر منه القليل لعيونه المتعبة وعقله المجهد من شدة التفكير، ومزيونة التي لم تجلس ولو للحظة واحدة وهي تدور في الخيمة كمن ضيع عقله، غير مصدقة حتى الآن بما دار بينها وبين الشيخة عوالي، وكأنها داخل إحدى أحلامها الوردية المتكررة وتخاف أن يختفي مع حلول الصباح.
أما آدم فقضى ليلته بأكملها في مكتب القصر مع أبيه وهم يتشاوران في أمور الشركة الجديدة أو الشركات، يستمع أبيه إليه أكثر مما يتحدث، غير مصدق لأي مدى صغيره أصبح بارع، يشكر منصور وقصير في نفسه كلما رف قلبه ونبض بفرحة، يشكر القبيلة أجمع على احتضانها لطفله وحنوها عليه أكثر من حنو من هم من دمه.
أما عايدة فكانت تشاطرهم السهر، فرحة بوليدها الذي يناطح أبيه ويجادله في أمور العمل ويثبت له في كل مرة أنه هو الأصح والأدرى، كانت تطوف عليهم متحججة بالعصائر والمشروبات، وهي في الحقيقة تحب رؤيتهم معاً هكذا.
جلست أخيراً بالقرب منهم وأخذت تراقبهم وتبتسم فكم أصبح كبيراً ووسيماً يخطف الأنظار وتنخلع لطلته القلوب.
كم تعشق جمعتهم وكم تعشق رؤيتهم سوياً وفرحة زوجها بابنه الذي أنساهم كل ما مروا به، وفي كل مرة يحتضنه أحدهم يدرك أن الفراق أتى بثماره حقاً ولم تذهب السنوات هباءً.
أما فتيات القبيلة فقد كانت ليلتهم حافلة وهن يتبادلن الثياب فيما بينهن وأدوات الزينة، وكأن سالم آخر رجال القبيلة.. هو ليس بالفعل آخرهم ولكنه من صفوتهم، والفوز به بمثابة الفوز في أضخم السباقات، ولا يعلمون بأن نتيجة المسابقة حسمت سلفاً.
انقضى الليل وأعلنت خيوط الضوء عن يوم جديد، خرجت فتيات القبيلة يسعين في القبيلة وكل تبذل قصارى جهدها اليوم، وتحاول لفت الأنظار قدر المستطاع، وخاصة عند رؤية سالم في مكان ما.
اقتربت ساعة الصفر، وقامت مايزة بالمناداة على جميع الفتيات لخيمة الشيخة، فسارعن الفتيات وكأن التي ستصل أولاً هي من ستفوز بسالم! وحتى مزيونة كانت من ضمنهم كما طلبت منها عوالي؛ كي لا يشك أحد بشيء، ولكنها كانت تمشي بثقة كما لو كانت الملكة وكل هؤلاء جواري يتسابقن لنيل رضى سلطانها.
وكان سالم وما يحدث لأجله في القبيلة اليوم مادة للضحك والهزو، وأطلقت عليه عشرات الأسماء نظراً للحدث، مثل، الملك سالم، السلطان سالم، صاحب الفتح، شيخ شيوخ القبائل وووو......
أما هو فكان عقله في مكان آخر، حيث النخلة البعيدة التي تجلس تحتها جنيته غير آبهة بما يدور في القبيلة، وكأن من تتسابق الفتيات لأجله لم يعني لها يوماً شيء!
رابح:
- خوي.. ياسويلم، إيش رأيك نمشي للحضر ونتفرج على الأغراض وأدلك على مكان كل شيء اشتريته لخيمتي ونشتري لك أخوه.
رد عليه سالم بشرود:
- أنا ما أريد أمشي لمكان يا رابح أو أشتري شيء، وقت الشرا أي حدا يجيب واتركوني بحالي.
فأجابه رابح:
- إيش هاد الكلام يا سالم، والله خيمة أخوي وفرشها ما يجي إلا نقاوة عيني أنا، والخيمة هادول السواعد اللي راح ينصبونها، أنا فديت الساعة اللي خوي يتزوج فيها وأنا اللي راح أجهز له كل شيء بروحي.
ليكمل هلال من بعده:
- والله ما تمشي خطوة لحالك، ومتل ما سالم أخوك أخوي متلك، وأي شيء ينجاب راح يشيله هاد الكتف، وأكبر وأحلى خيمة بالقبيلة راح تتنصب لجل عيون سويلم، خيمة أكبر وأوسع من خيمة الشيخ بذاته.
تبسم سالم لعبارات الفرح والمحبة التي يسمعها، وكم تمنى هذا اليوم وحلم به، ولكن للأسف بعض الأحلام تأتي غير مكتملة.
انتهى اليوم وعوالي أخبرت الجميع بأن عروس سالم سيتم الإعلان عنها في المساء.
وها قد أتى المساء والقبيلة بأسرها تنتظر معرفة من هي العروس التي وقع عليها اختيار عوالي، حتى سالم نفسه ينتظر معهم أن يرى من التي سيأتي بها نصيبه.
ولما وقفت الشيخة ونادت على اسم مزيونة، ظهرت من بين الجموع فتاة غاية في الجمال، نعم هو يعرف هذا الاسم ويعرف صاحبته وابنة من، لكن هذه المرة الأولى التي ينظر لها فيها عن قرب وبتمعن. نظرة عريس لعروسه، فسابقا لم يكن يرى من الفتيات ولا يسمع إلا لواحدة، وكأن باقي فتيات القبيلة أشباح سوداء تمر من حوله.
تقدمت مزيونة وهي تحاول أن تكتم ضحكتها بيدها وخجلها واضح للأعمى، أما باقي الفتيات فأصبن بالخيبة وجلسن كمن خاب مسعاه.
أشارت الشيخة عوالي لسالم فاقترب منها، وسألت مزيونة أمامه وأمام الجميع:
- مزيونة يا بنت حسين، وقع اختياري عليكي زوجة لوليدي سالم وتوا راح ينهي عليكي، عندك شيء تقوليه؟
هزت مزيونة رأسها سريعاً بالنفي، فشعر سالم بأن هذه اللحظات هي نهاية كل شيء.. فابتلع غصته وهو يبحث عنها بين الحضور كي تنقذه وتصرخ بهم جميعاً وتعترض، تخبرهم بأن سالم لها هي فقط ولن تتركه لغيرها، تهتف بأنه ملكية خاصة وتمنع الجميع عن الاقتراب منه.
ولكنه لم يجدها، أصبحت المجالس خالية من وجودها ومكانها فارغ، نعم هو طلب منها الابتعاد عنه، ولكن منذ متى وهي تطيع ولا تخالف له أمراً لتمتثل لذلك الأمر وتنفذه بطاعة عمياء؟
أشارت عوالي لسالم نحو والد مزيونة وهي تذكره ليعود من شروده، فأبتلع غصته وتقدم من والد مزيونة ووقف أمامه وأردف:
- يا عمي.. إني أريد بتك زوجة لي على سنة الله ورسوله، أريدها أم وليداتي وعمار دياري.
فأجابه والد مزيونة على الفور:
- أبشر يا ولد أخوي عطيتك.. من الحين مزيونة رهينة سويلم.
هلل الجميع وقامت النساء بالاحتفال على طريقتهن بإطلاق أغاني الأفراح والمناسبات، والجميع بدأ بالاحتفال بخبر نهوة سالم.
ولكن هناك من لم تدخل الفرحة قلبه وكانت الحسرة ربيعه.. ألا وهو قصير ومن بعده هلال وحتى سالم نفسه.
تم تحديد موعد الزواج بعد سبعة أيام من قِبل الشيخة عوالي، مما جعل سالم يشعر بالزعر! فهي مدة قصيرة جداً ليستوعب حتى الأمر، كان يريد وقتاً أطول للتأقلم مع الوضع الجديد، ولكن قرار عمته عوالي كان بمثابة إصدار الحكم قبل المحاكمة.
فتفرق الجميع وبعد أن نامت أغلب العيون ركب سالم حصانه وانطلق به هرباً، وكم تمنى مع كل خطوة أن يغادر للأبد ولا يعود إلى هنا مجدداً، فهو يشعر بأن القبيلة أصبحت خاوية لا أهل فيها ولا حياة.
أما رجوة فكم تمنت لو أن الأمر طبيعي، وتستطيع الاحتفال مع سالم بزواجه كاحتفال أخت بأخيها، تساعده في كل شيء وتجلب له ما يحتاج دون أن يطلب، وتلبي قبل أن ينادي، فمن أعلم به منها، كم أرادت أن تمارس على زوجته دور الحماة فهي أكثر من كانت ستتقنه على زوجة سالم.. كانت ستستمتع كثيراً، ولكن لو كانت الظروف مختلفة.
غادرت خيمتها وجلست على أول الطريق فقد عرفت من معزوزة بأنه أخذ حصانه وغادر، أصرت على انتظاره ومحاولة إمضاء معاهدة سلام معه، فها هو سيتزوج وسيتحول قلبه وكل مشاعره لأخرى، وستتحرر هي ويجب أن تتشكل العلاقات من أول وجديد.
انتظرت وانتظرت حتى عاد أخيراً، عاد يترنح فوق حصانه ولولا معرفتها به ل قالت بأنه منتشٍ من شربه للخمر، ولكنها تعرف حق المعرفة أن هذا مستحيل، وعند اقترابه منها أكثر رأت منه ما جعل قلبها ينتفض خوفاً عليه، فقد كانت عيناه حمراء وشفتاه صبغتا باللون الأزرق، كانت حالة تسمم واضحة، ولكن كيف وهو الذي لا يؤثر في جسده سم؟
اقتربت منه وساعدته على النزول من فوق حصانه واحتضنته بخوف، فنظر إليها وهمس بوجع:
- ليش تقتربين، مو قلت لك ما أريد أشوفك، ما أريد أشمك، اخرجي من حياتي يا رجوة واطلعي مني، اخرجي مني تعبتي هالقلب وهلكتيه هلاك، ولك ولييي.
أنهى كلماته بلسان ثقيل وازاحها بعيداً عنه ومشى مبتعداً، وبعد خطوات قليلة تعثر. وكاد يسقط فكانت يداها أقرب له من الأرض، فسندته وساعدته على الوقوف مجدداً، أزاحها هذه المرة في صمت وأكمل طريقه وهو يتمتم بوجع:
- اغربي عني ما عاد قربك مشروع ولا عاد لي حق فيكي.. فارقتيني كما تفارق الروح حتى وإن كنتِ تعرفين إن في فراقك موتي.. بس ودي أسألك ليش اللي يموت شخص بيده يفوت على جثمانه ويبكي فوقه ليش ليييش.
وصل أمام خيمة رابح ومعزوزة ونادى بصوت عالٍ:
- ياااا رابح انجدني واني أخوووك.. تعال يا رابح سويلم يموووت.
خرج رابح مسرعاً من خيمته فور سماعه لاستنجاد سالم، واقترب منه بفزع واختطفه لأحضانه وهو يسأله:
- إيش فيك يا قليب أخوك، إيش اللي صابك وليش هيك حالك؟
- ما أدري ما أدري، فيه شيء لدغني وما شفته وما أعرفه ولا أعرف إيش هو وغلبني وأنا اللي ما تغلبني سموم.
كاد رابح أن يدخله خيمته ولكنه تذكر أن معزوزة نائمة، فحمله وأسرع به نحو خيمة الشيخة عوالي فقد كانت هي الأقرب، وأدخله بعد أن ناداها بصوت واحد طالباً نجدتها فأذنت له بالدخول على الفور، وشهقت بخوف وهي ترى سالم بهذا الحال.
أنزله رابح فوق الفراش وقامت عوالي بفحصه سريعاً، ولما سألها سر حالته أجابته بحسرة:
- سم دفين مع سخونة كانت بالأصل بجوفه، وكل هاد اختلط بالقهر فضعف جسده وجعل السم يأثر فيه.
- والحل يا شيخة؟
- بسيطة ماتخاف عليه، سويلم قوي، الحين بسويله أعشاب يشربها وأعشاب أحطها فوق بطنه وأسويله كمادات مي بارد وغدوه يصير مثل الحصان يرمح بالقبيلة.
ابتعد رابح عن طريقها وأفسح لها المجال كي تبدأ في مداواة سالم، أما رجوة فكانت تقف على باب الخيمة وهي تشعر بأنها أصبحت غريبة لا يحق لها الاقتراب، وخاصة بعد نظرات عمتها عوالي الساخطة، فلا هي التي تقوى على الانصراف وترك سالم بهذه الحالة، ولا هي التي تستطيع الدخول، فوقفت حيث هي.. تراقب الوضع وتدعو له، وهذا كل ما بيدها عليه الآن.
مر بعض الوقت وهدأت ارتجافة جسد سالم وتبدل لونه الأزرق وعاد طبيعياً إلى حد ما، واستكانت حركته اللا إرادية، فاطمأنت الشيخة عوالي وطمأنت رابح وطلبت منه العودة لخيمته فقد زال الخطر.
أما رجوة فظلت جالسة على باب الخيمة وأبت المغادرة حتى مع رابح والعودة لخيمتها، وعند طلوع الفجر أمرت عوالي مايزة بالذهاب إلى خيمة مزيونة وإحضارها، ولما سألتها مايزة عن السبب أجابتها عوالي:
- أريد سالم أول ما يفتح عيونه يشوف مزيونة فوق راسه، أريده بس يفيق من أحلامه يشوف واقعه وينفض الأحلام وينساها، ماشوفتيه كيف يهزي باسم الفانص طول الليل؟ أريد مزيونة تأخذ دورها بحياة سالم من الحين وتشغل الأماكن الفارغة.
نفذت مايزة الأمر وأحضرت مزيونة التي أتت معها وهي غير مصدقة، ولما مرت بجانب رجوة تجاهلتها تماماً، فأجلستها عوالي بجانب سالم بعد أن أملت عليها ما تقوله له عندما يستيقظ، وتركت الخيمة مع مايزة وذهبتا للوضوء والاستعداد لصلاة الفجر.
أما مزيونة فجلست بجوار حلمها الذي تحقق، وأخذت تنظر إليه وهي تحمد الله وتسأله أن يثبت قلبها الذي يتخبط داخلها من شدة الفرحة.. بينما الأخرى لا تزال جالسة بالخارج تشعر بأنها خسرت مكانتها لدى الجميع، وهذه عدالة السماء فخسارة البعض هي مكاسب لدى البعض الآخر.
فتح سالم عيناه ببطء أخيراً، فاعتدلت مزيونة في جلستها وتبسمت بسعادة، أما هو فبمجرد رؤيتها سألها قبل أن يدرك من هي حتى:
- وينها، وين راحت الندلة وتركتني، وأنتِ من وليش تجلسين بجواري؟
أجابته مزيونة وهي تدعي الغباء، فهي تعلم جيداً على من يسأل:
- إذا تسأل عن عمتي الشيخة أخذت مايزة وراحوا يصلوا، وإذا تسأل عني فأنا يا ابن عمي رهينتك مزيونة وست بيتك وأم وليداتك بإذن الله، وأنا هون من لما جيت عشية، عرفت أن الأذى صابك اسم الله حولك وجيتك وقضيت الليل بجوارك.
أغمض سالم عيناه بضعف، فها هي تثبت له مجدداً حين تركته في هذا الحال بأنها أندل مما توقع وأحط مما اعتقد، فلو كانت هي لكان خبأها بين ضلوعه حتى طابت.
اعتدل في جلسته فهبت مزيونة واقفة وأحضرت له نعليه ومدت له يدها تساعده، فنظر ليدها ثم زفر ووقف دون الاستعانة بها وهو يقول:
- بعدك ما صرتي حلالي، لا تمدين يدك صوبي ولا تقربين، بس تكونين بخيمتي يصير القرب مسموح لا تبدأيها معي بالحرام.
كادت أن تفلت من فمها الكلمات وتذكره بأنه اقترب من رجوة آلاف المرات، بل وحملها على قلبه وأجلسها في حجره وليس مجرد لمسة يد، ولكنها تذكرت وعدها للشيخة عوالي، فصمتت، ولكن سالم فهم ما كانت تنوي قوله دون أن تنطق، فعينها قالت ما بداخلها، فأكمل وهو يلبس نعليه استعداداً للمغادرة:
- مو حلو الاستعجال، واللي يتعجل شي قبل أوانه يتعاقب بحرمانه، فهمتي علي ياااا؟
- مزيونة يا ابن عمي، وأي فهمت عليك وأنا ما مستعجلة ولا شيء، أنا بس رديت أعينك توقف على رجليك، ومادام ما بيك إلا العافية مالها لزوم يدي ولا مساعدتي.
- بشكرك يا مزيونة ما قصرتي.
- اسمح لي أسويلك فطورك اليوم يا سالم، هاد أول طلب أطلبه منك وأتمنى ما تردني.
صمت قليلاً وأجابها بقلة حيلة:
- ما راح أردك هالمرة، بس يا مزيونة من بعدها أريدك تحطين بمخك إن فيه أشياء الموافقة عليها أو رفضها شيء راجع لي.. وما يصير ندخل فيها غلاتنا عند بعضنا ولا مكانتنا، بمعنى أنا الحين ما أقدر أحط شيء بخشمي وبطني ما طابت زين، وإذا أكلت راح أنضر، وأنت بس حكيتي أول طلب وما تردني ومدري شو أنا ما أقدر أردك بعدها وراح أؤذي حالي لاجل ما تزعلين، فيا بنت الحلال إذا الطلب ما يخصك ما تتوسلين ولا تتدللين.
- أمرك ما راح أعيدها وعد.
- بالمرة الجاية اسأليني بس إذا كنت أريد طعام أو لاً، ولا تتعجلي راح تملين من تجهيز الطعام وتتعبين من كثر طلباتي.
- والله ما أمل ولا أتعب إذا أضل واقفة فوق راسك ليل نهار.
تبسم وهو يعود للجلوس ورد عليها:
- ديري بالك هاد الحكي راح تتحاسبي بيه بعدين، والحين هيا جيبي طعامك وما تنسين عمتي عوالي ومايزة سويلهم معي.. وأنتِ معنا.
ضحكت مزيونة وغادرت على الفور وهي تشعر بأن اليوم هو يوم حظها الأوفر حتى الآن، فقد جلست بجواره وحادثته وستحضر له طعام إفطاره وستشارك الطعام أيضاً، فماذا تريد أكثر؟
خرجت من الخيمة وتخطت رجوة التي لا تزال جالسة وبالتأكيد سمعت كل شيء، وذهبت أمامها وكأن ليس لها وجود، أو أنها شيء خفي بالنسبة لها!
فنهضت رجوة ونفضت عنها التراب ودخلت الخيمة بخطوات مترنحة ودون استئذان، فرفع رأسه ولما رآها هي هتف بها بغضب:
- اخرجي وما تعاودين، ما أريد أشوف وجهك يا رجوة.. أنتِ ما تعرفين سالم إلا وهو طيب، ما تعرفيه وقت التعب والعوزة، ما تبقين بجواره إذا روحه عم تطلع، تروحي وتردي بس لتشوفي لوين وصل حاله، هي قيمة سالم عندك، سالم ما طلع يعني لرجوة أي شيء، بس فترة وانتهت.
أرادت أن تنفي، أن تدافع عن نفسها، عن مكانته وغلاوته بداخلها، تخبره بأنها كانت تتألم معه طوال الوقت، ولكنها صمتت، صمتت ليصدق بأنها بالفعل قاسية ولا تحمل له بداخلها أية شعور، لعل ذلك يساعده في التخطي أسرع والمضي قدماً في حياته، فغادرت الخيمة دون أن تدافع عن نفسها بكلمة، غادرت وتركته يسبها ويلعن قلبه وغباءه حتى اختفى صوته حين ابتعدت المسافة الكافية.. وجلست تحت جزع نخلتها البعيدة وهي تشعر بأنها باتت منبوذة من الجميع.. فلا أهل، ولا صديق، ولا حبيب، وكأنها نبتة سامة إذا اقترب منها أحد فر هارباً، ومن يقترب منها يموت وهو على قيد الحياة.
في غرفة الفندق:
- خلاص يا بابا أنا اتفقت مع اللي هينفذ وآدم هنخلص منه في خلال اليومين الجايين، الناس مراقبينه وهيستنوا بس الفرصة المناسبة.
- تمام على بركة الله، وأنا هشوف لمحمود ومراته داهية تاخدهم هما كمان عشان مش ناقصين وجع دماغ بعد موت ابنهم.
- وإن ماماتوش نموتهم.. قالتها فريال وهي ترفع زجاجة السم أمام عينيها، الزجاجة التي أصبحت لا تفارقها ليل نهار، وكأنها باتت تستمد قوتها منها.
أما بالقرب من مقر شركة آدم:
- خلي بالك صاحب المهمة مستعجل قوي.
- إحنا شغلنا مينفعش فيه استعجال، مستعجل يخلص بنفسه، لكن طالما جالي نسيبنا نخلص بمعرفتنا، لو استعجلك مرة ثانية فهمه كده.
- تمام.. بص الزبون اللي عليه العين خارج من بوابة الشركة اهو.
- وراهيتتتبع
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم ريناد يوسف
سلك آدم طريقه المعتاد للعودة إلى القصر. في هذه الأثناء، لاحظ سيارة تتبعه. كان مجرد شك، فحب أن يتأكد. تعلم ألا يتجاهل الشكوك. وبالفعل، أخذ طريقاً مختصراً وضيقاً بالكاد تمر به سيارة، وأي سائق غير مضطر أن يعبره إلا لضرورة قصوى. وتأكد من شكوكه حين وجد السيارة أتت خلفه من نفس الطريق.
تأهب ورسم خطته سريعاً، وراوغ السيارة ونجح في الهروب منها بسرعة ومهارة فائقتين.
وقف سائق السيارة في منتصف الطريق هو وزميله يتلفتان حولهما بحيرة، فقال أحدهم:
- عرف إننا بنراقبه على فكرة. الواد ده طلع فعلاً مش سهل زي ما سمعنا عنه، وأكيد هياخد احتياطه ويخلي باله. إحنا لازم نختفي يومين تلاتة لحد ما يرجع يطمن.
- خلاص كده إحنا عرفنا تحركاته وكل طريق ممكن يعدي فيه. وساعة التنفيذ هنعمله الكمين اللي ميخرش المية ولا يعدي منه حي.
وصل آدم لقصره أخيراً، ولم يخبر أباه أو أمه بما اكتشفه اليوم، فهو لا يريد إزعاجهم وهم للتو بدأوا يشعرون بالراحة والأمان.
ولكنه هاتف عمه قصير، فلابد وأن يشرك أحد معه في قلقه.
- هلا عمي، كيفك؟ إيش أخبارك وأخبار الكل حداك؟
- هلا وغلا وليدي، الكل بخير وما ينقصنا غير وجودك معنا. كيفك أنت طمني عنك؟
- أنا زين ياشيخي، زين.
- عقاب احكي شو فيك وبدون لف ودوران. أنا نعرفك زين ونعرف وقت يكون الحكي ملجوم جواك. حرر عباراتك وتعرف زين ما في بينك وبين عمك قصير حدود ولا خطوط حُمر.
- مو مسألة حدود وخطوط ياعمي، بس ما أدري إذا اللي راح أقوله شي ذات أهمية ولا راح أبث القلق بقلبك على شي فاضي.
- أحكي والحكم لي.
- اليوم حسيت حدا يتبعني بسيارته.
- حسيت ولا تأكدت؟
- تأكدت.
- زين ياعقاب، من الحين تدير بالك على روحك. جيب اللي يحرس قصرك وأهلك، وجيب اللي يحرسك أنت كمان، من هدول اللي يقولولهم رجال الحراسة. اعرفك عقاب ماينخاف عليه، بس هالشي إذا كنت تسبح بالفضا الخالي، فضا صحارينا اللي تعرفها متل كف يدك وتعرف الحشرة إذا هربت وين تتخبى. أما عندك في الحضر فالأمر يشبه بيوت النحل، ماتعرف مين يطلع من وين. وحتى إذا حطيت عيونك بنص راسك ما تغلب القاصد.
- يعني هيك رأيك ياشيخ؟
- ولزوم يكون رأيك من قبلي ياعقاب. دير بالك أنت اليوم مسؤول عن روحين معلقين برقبتك، إذا مسك شي ينتهون. دير بالك ع حالك لجلهم ياعقاب.
- الله كريم عمي، الله كريم.
- من غدوه تمشي لشركة حراسة وتأجرلك كم رجال، وإذا ماراح تعمل هيك احكيلي وأنا أبعثلك رجال من القبيلة يديرون بالهم عليك لحين تدبر حالك.
- لا لا، أنا اليوم بمشي لهم وأخلص كل شي. اتركك مني وطمني على سويلم ورابح والشباب.
- سالم نهى على بت حسين بالأمس والعرس بنهاية الأسبوع. ورابح ما في شي جديد معه لا هو ولا باقي الشباب. لا لا تذكرت.. بناتي كلهن نهوا عليهن ولاد عمومتهم والاعراس حسب التجهيزات.
- والله؟ سالم نهى! بس ما قال الخسيس ولا حتى رابح حكى!!
- مسكين، إيش يقول وهو المغلوب على أمره. ماينشر الفرحة إلا الفرحان يا ولدي، وسالم فرحته مكسورة. كسرتها الفانص بت مكاسب اللي لو تتركني عليها سالم بس أكسرها نصين وأحط كل نص على جبل تاكل منه الجوارح.
- اتركها ياعمي، ماتدري لعل سالم الله كتب له الخير وقت بعده عن رجوه. ربي له بكل أمر حكمة.
- يعني ياعقاب أنت سامع حالك إيش تقول؟
- سامع وفاهم ياعمي، وأنا اللي أخدت القرار وبعدت. وأول درس علمتهوني الدنيا إن مو كل اللي نتمناه ندركه، وإن الحرمان أضعاف العطى.
صمت قصير قليلاً، فآدم دوماً يفاجئه بنضجه وفهمه للحياة، حتى في الأمور الخارجة عن إرادة القلب يغلبها عقابه.
- عمي.. من رخصتك أنا راح أرسل أبوي وأمي لعندكم عالقبيلة يحضرون تجهيزات العرس، ومنها أدبر أنا حالي وأوفر الحماية اللازمة.
- زين ما فكرت يا ولدي، وأنت إذا ما كان وراك شي مهم تعال معهم.
- يوم بس ولا يومين والحقهم. ما أنا لازم أكون مع الخسيس وأحضر عرسه وأشوف إذا ناقصه شي.
- الله يديم محبتكم يا ولدي ويبعد عنكم كل شر. يلا أنا بمشي للشيخة عوالي وأعرفها إن أهلك جايين لجل تستعد وتستقبلهم.
أغلق آدم المكالمة مع عمه قصير وهاتف سالم. وبمجرد أن رد عليه سالم، قال له بغضب:
- إذا الواطي حطوه فوق أعلى جبل يضل واطي. وأنا حاطك بقلبي وما ظنيت فيك تنسى خوك وقت فرحتك. بس أنت طلعت ماتنحط بالقلب، تنحط تحت النعال ياسويلم.
ضحك سالم ضحكة خفيفة قبل أن يرد عليه:
- ينحط فوق الروس سويلم وغصب عنك وعن الأقوى منك.
- تنحط والله، ومين يليق به العلا غير خوي. مبروك عليك العروس والعرس، ربي يجعلها قدم الخير والسعد، وعلى وجهها تشوف أيام زينة.
- الله يبارك فيك يا عقابي وعقبال عرسك. ماتزعل مني والله قلت لرابح يخبرك، بس الظاهر رابح معزوزة ضيعت له عقله.
- واضح إن عقولنا كلها ضاعت يارفيقي ولزوم ندورو عليها ونعيدوها. هاه طمني عليك شديد وقلبك بعده صامد وبعدك قوي ولا؟
- ماتخاف على أخوك، سويلم واقف متل الأسد بقلب القبيلة وعنده إرادة من جليد.
- تقصد من حديد؟
- لا والله يا خوي حكيتها وأعنيها. من جليد. للحين صلب ومتماسك، بس ماندري يمكن بلحظة تطلع عليه شمس الشوق والحنين وتذوب الإرادة.
- تحمل ياسالم بعرفك قوي، وكل شي بأوله صعب. أنا حاسس باللي أنت تعانيه.
- إييي نتحمل يبه، نتحمل.
- سالم ودي نفهمك شي. اللي راح تتزوجها ما أذنبت معك، فاهم علي.
- سبق وحكيت لك إن سالم ماهو ظالم، لا تعيد اللي انحكى. عندك جديد هات، ما عندك يلا روح شوف إيش وراك، ولا تتأخر على جنازة أخوك بنهاية الأسبوع.
- فال الله ولا فالك يانذير الشوم يا أبو خشم ينقط علقم. أغرب غربت عيونك.
أغلق سالم جواله وهو يتبسم، ونظر للفراغ وهو يحاول التخطيط لعرسه مثل أي عريس، ولكنه لم يشعر بأنه يريد فعل شيء، أو حتى يريد التخطيط لشيء. فأغمض عينيه ومال بجزعه للخلف مستنداً على كوعيه، واستسلم لنسمات الهواء الرقيقة. وإذ بلمسة حنونة على وجهه تعيده من ثباته، ففتح عينيه على الفور، فهذه حركتها، دائماً تستغل لحظات شروده وتفكيره وتقاطعه بتمرير ريشة على وجهه.
نظر إليها وكاد قلبه يخرج من صدره من شدة حنينه، ولكن للأسف لم تكن هي. كانت مزيونة. قطب حاجبيه ونظر للريشة في يدها وسألها بغضب مكتوم:
- مزيونة إيش تريدين؟ وإيش اللي سويتيه توا؟
- ماسويت شي ياسالم، بس حبيت نجلس معك شوي، إذا مابيها مضايقة ليك يعني.
- لا مابيها مضايقة. أنا أسأل عن الريشة.
- ما أدري شفت رفاقك دوم يمزحون معك بهالطريقة حبيت نجربها. افترضت إنك تحبها.
اعتدل سالم في جلسته ونفض يداه وتحدث دون النظر لمزيونة:
- شوفي يابت عمي. اللي أوله شرط آخره؟
- نور.
- النور اللي يملا دروبك إن شاء الله. ولجل تكون حياتنا على نور وكلها نور اسمعي مني ونفذي.
- أؤمر يا ابن عمي وعلي الطاعة.
- ما يؤمر عليكي غير مُحب إن شاء الله.
اسمعيني يامزيونة. أنا فاهم إنك تحاولين تسوين أشياء كان غيرك يسويها، ويمكن عقلك يصور لك إني أحبها وإني راح أحبك إذا تسوينها. لكن الحقيقة إذا ضليتي تقلدي أفعال غيرك انتي ماراح تساعديني أنساهم. ما أريدك تقلدين وتبذلين مجهود بالنسخ. أريدك تكوني انتِ، على طبيعتج، بأفعالك بشخصيتك. أريد أشوف طبعك انتي، وكيف تتعاملين مع كل شي. ماتعرفي يمكن أحب طبعك أكثر وأحبك من محبتي لطبعك. كوني مختلفة بكل شي يامزيونة. لأني إذا شفت تقليد غصب عني راح أحن للأصل. فهمتيني؟
أومأت براسها ونظرت للريشة في يدها وبحركة سريعة رمتها بعيداً وهمست له:
- أي فهمت. والحين بدك شي أسويه لك؟ قهوة شاي، جوعان أجيب لك طعام؟
ضحك سالم قبل أن يرد عليها:
- لا مابدي قهوة ولا شاي ولا حتى جوعان. ومن رخصتك ماتشغلي بالك بي، روحي خيمتك وشوفي إيش ناقصك واستعدي لعرسك وافرحي. وإذا نفسك بأي شي شيعيلي مع أي حدا ويحضر لك اللي تريديه. والحين أنا نازل الحضر، قوليلي إيش تريدين أجيبه لك معي؟
صمتت قليلاً ثم أجابته:
- تسلم يابن عمي ويسلم عمرك. أنا ما أريد شي.
شعر آدم بأنها تريد شيئاً ولكنها تخجل أن تخبره، فقال لها بتشجيع:
- هيا يامزيونة اطلبي مني أي شي. أريد أحس إني مسؤول عنك وإنتي مسؤولة مني. أنا مانعرف إيش تحبين وإيش ماتحبين، عرفيني.
رفعت رأسها وخرج الكلام منها دفعة واحدة وكأنها استجمعت كل شجاعتها لتقوله:
- طيب إذا مصمم، أنا أريدَك تجيب لي معك شي حلو، يعني مثلاً حلا أسود أو أي شي من اللي تطيب عليه النفس.
تبسم سالم وقد فهم ما تريده. هي تطلب منه أن يحضر لها مثلما كان يحضر لرجوة. فبالتأكيد هي رأت مرة أو عشرات المرات يعطي لها الحلوى، كحال كل أهل القبيلة، فقد كانت الملعونة تتباهى بما يحضره لها أمام الجميع.
فأومأ لها بموافقة وقال وهو يشير بأصبعه لكلتا عينيه واحدة تلو الأخرى:
- من هاي قبل هي، أحلى شي اليوم يكون بخيمتك ياست البنات. هاا في شي ثاني نفسج فيه؟
- لا لا. ما أريد شي ثاني، بس هدول.
- غالية يارهينة سالم وطلبك هين.
غادرت مزيونة وهي تشعر بسعادة غامرة، فها هي تحصل على كل ما كانت تحسد عليه رجوة. سالم ودلاله وقربه، وقريباً محبته التي ستفعل أي شيء من أجل أن تحصل عليها.
غادر سالم القبيلة مع رابح وهلال وذهبوا للمدينة. أحضروا الأغراض الشهرية المعتادة للقبيلة، ثم عادوا.
وصلت سيارتهم ورأتها رجوة من بعيد. كان وصولها قبل سابق بمثابة حلول العيد، أو رجوع أب لإبنته من السفر وهو محمل بكل ما هو شهي ولذيذ. والآن لم يعد لها أب يعود من سفر أو عيد تنتظره بلهفة.
والمفاجأة حينما رأت سالم يعطي الكيس البلاستيكي المعتاد الذي يحضره لها لطفل ويهمس له، فإنطلق الطفل به. ظنت بأنه قادم لها، ولكنه تخطاها، وعند البئر من بين كل الفتيات أعطى الحقيبة لمزيونة، والتي ضحكت واحتضنت الحقيبة أمام الجميع بتباهي وفرحة لا تضاهيها فرحة.
أما رجوة فتبسمت وهي تدرك أن هذه أول التنازلات.
ولكن بينما هي جالسة تراقب وتتدبر سقط شيء في حجرها! فنظرت إليه وإذ به كيس بلاستيكي آخر. نظرت للأعلى وإذ بسالم يتخطاها ويواصل السير مبتعداً. نظرت للكيس ولا تعلم سبب هذا الشعور الذي انتابها! فللمرة الأولى تشعر بأن هذا الشيء ليس من حقها، وأن سالم أحضر لها هذه الأشياء من باب الشفقة أو التصدق، فأمسكت بالكيس ورمته بعيداً وقامت وتركت المكان وعادت للخيمة.
أما سالم فوقف على مسافة منها وقد أوقفه أحد الشباب يسأله عن شيء، فتحدث معه ولكن عينه كانت تراقبها وتراقب ردة فعلها. ولما رمت الكيس شعر بأنها ألقت قلبه معه مجدداً، وها هي غصة جديدة تتكون في جوفه. فيبدو أن رجوة زهدته هو وكل شيء منه، ولا يعلم سر هذا التحول الكبير. لقد فهم أنها لا تريد محبته أو ترغب به زوجاً. فماذا عن الصداقة؟ أيعقل أن تتخلى عنه وتخرجه من حياتها نهائياً وتهدم جميع الجسور دفعة واحدة هكذا؟
صدمة تلو صدمة ولا يعلم إلى متى سيتحمل قلبه منها صدمات، فغادر بعد أن رأى الصغار يلتقطون الكيس ويفترسون ما فيه، وقرر أن هذه المرة الأخيرة التي سيجلب لرجوة شيئاً. (إلا لو طلبته بنفسها).
أخبر آدم أباه وأمه بخبر زواج سالم، وأرسلهم للقبيلة وقرر اللحاق بهم قريباً جداً. أما هو فبقى في القصر، فتح اللابتوب وبدأ في مراسلة بعض الشركات الأوروبية والاستفسار عن بعض الأشياء، وذلك لأنه يفكر في افتتاح مشروع جديد بعيد جداً عن مجال شركاته الحالي. إلا وهو مصنع عملاق لتصنيع الأسلحة، حيث إنه يرى تكلفة الاستيراد والشحن ومخاطرة التهريب تجعل ثمن الأسلحة باهظ جداً، وهو أولى وأحق بالفارق. سيكون مشروعه قانوني، وتأكد أن هذه هي التجارة الوحيدة الرابحة بنسبة مليون بالمائة. ولكن هناك بعض العقبات ستواجهه، مثل استيراد قطع معينة من الخارج، لأن هذه القطع تحتاج لآلات خاصة باهظة الثمن ودقيقة لتصنيعها، وهو إن بدأ في هذا المشروع سيدفع كل قرش يمتلكه في تأسيسه فقط.
وبعد الكثير من الاستفسارات وجد أنه لن يستطيع في الوقت الحالي بدأ التصنيع لأنه سيتكلف مبالغ طائلة لا يمتلكها. ولكن بعض الأراء أقنعته بأن يستورد قطع الغيار والأجزاء منفردة ويقوم بتجميعها في بلده، وهذا سيوفر عليه الكثير من الأموال. وإن كان يبحث عن التجارة بشكل قانوني فهذا قانوني ولا خوف منه. فقرر أن ينتهي من عرس سالم ويدرس الفكرة بشكل أعمق ويبدأ في تنفيذها. وسيأتي من القبيلة بمن سيساعده، فلا أمان إلا لمن تربى معهم ويعرفهم مثل خطوط يده، فهناك لا يعرفون الخيانة ولا تعرف الخيانة لنفوسهم سبيل.
وبينما هو جالس سمع جرس الباب، فقام إليه، ولما فتحه كان مدحت ابن عمه هو من يقف خلف الباب. دعاه للدخول بابتسامته المعتادة، فدخل مدحت وتلفت حوله وقال:
- أمال فين عمي ومرات عمي؟
- سافروا البادية يحضرون عرس سالم خوي، وأنا بلحقهم غدوه.
- خسارة دانا جعان وجاي مخصوص عشان آكل من إيد مرات عمي، وحشني أكلها.
- غالي والطلب هين، أمي معبية المجمدة وكل، وقالت بس تجوع سخن وكل. تعال نشوف إيش مسوية ونسخن وناكل سوا، حتى أنا جوعان.
- يلا.
ودخل الاثنان المطبخ وبدأوا في استكشاف أنواع الطعام، وكل منهم أخرج ما دنت عليه نفسه وقام آدم بتسخينه، وجلس الاثنان على الطاولة في المطبخ يأكلون بإستمتاع وشهية مفتوحة، حتى آدم الذي لم يكن يعلم أنه جائع إلى هذا الحد، أو ربما طريقة تناول مدحت للطعام أمامه بهذه الطريقة أشعرته بالجوع؟!
وبعد إنهائهم للطعام قام آدم بصنع القهوة بطريقة أهل البوادي المميزة، ولكن الاختلاف أن القهوة هناك تصنع على الجمر، أما هنا فالموقد الغازي هو الراعي الرسمي لكل شيء.
شربا القهوة وهم يتجاذبون أطراف الحديث، وكم ود آدم أن يطلب من مدحت أن يشاركه في عمله، فهو حتى هذه اللحظة يثق به كثيراً ويشعر تجاهه بالارتياح. ولكن نفض الفكرة من رأسه سريعاً، فالأيام علمته أن يتأنى كثيراً قبل أن يضع ثقته في شخص ما، مهما كان الشخص، وخاصة ابن عمه يحيي وفريال، سيكون التأني أطول والحرص أكثر. ولكن لا مانع في تجربة خفيفة تساعد في الاكتشاف سريعاً. فقال له:
- يا مدحت أريدك معي يا ابن العم، أريد أكلفك بمهمات استلام البضايع وتوزيعها بالمواعيد المضبوطة طول فترة غيابي.
فتهلل وجه مدحت وهو يجيبه دون تردد:
- أنا معاك يا ابن عمي، معاك وتحت أمرك وأمر عمي فأي حاجة تطلبوها، وهتلاقوني سداد بأمر الله.
- كفووو والله والنعم منك يا ابن العم. خلص من غدوه نبدأ على بركة الله. الموضوع ما يتطلب التعيين بشكل رسمي، والراتب راح أحدده لك بس أرجع.
تجهم وجه مدحت ورد عليه:
- أنا مش عايز رواتب يا آدم. أنا كل الحكاية إني حابب أساعدك انت وعمي لمجرد المساعدة وبدافع المحبة. أنا نفسي أقدم لكم أي حاجة، نفسي أعتذر لكم كلكم عن كل حاجة وحشة شفتوها بسبب أهلي. أنا أه مليش ذنب بس كمان عارف إن السيئة تعم ولازم حد يدفع ثمن أخطاء أقرب الناس ليه، أو يتحملها.
- ماتحكي هيك يا مدحت، أنا مو من اللي ياخذون ناس بذنب غيرهم ولا أحب أحمل حد أغلاط حد تاني. الكل عندي مسؤول عن تصرفاته وبس.
- بصراحة لو دي تعاليم القبايل يا آدم ياريت التعاليم دي تنتشر في الدنيا كلها. أنا حاسس إنك واخد مبادئك من أعدل ناس على وجه الأرض. ياريتني كنت رحت معاك وكبرت واتربيت على إيديهم. حقيقي أنت حببتني في حياة القبايل وأهلها وكل حاجة فيها.
تنهد آدم ونظر أمامه ورد عليه:
- أيش شفت أنت من حياة القبايل يا ابن عمي. هناااك تحت السما والأرض الواسعة حرية مالها نهاية وراحة مالها حدود. تحس بينهم الحياة أبسط من البساطة وأن المال هو آخر شي يفكرون فيه، ومع هيك القروش تحت رجولهم مالها عدد. الأب يعطي حرية بس يعطي معاها مبادئ وقيم، ويطلق أولاده متل الطير يتعلمون التحليق ويغدون نسور ماعليهم خوف. بالليل الكل ينام جوار بعضه سواسيه، لا حد يحمل لحد كره ولا ضغينة، الكل خوات وتهون الروح لجل الروح، وما ينعز عن الأخ عزيز ولا غالي. وقت يمرض فرد تحس المرض تفشى بكل القبيلة وتداعت له أفرادها بالسهر والخوف والقلق، والكل يشاركه أوجاعه. أنا شفت هناك الحب الغير مشروط، ريت العطاء بدون مقابل، تعلمت واااجد أشياء جيت هون مالقيت منها شي! صدق أنا أتمنى لو إني أقدر أرجع أعيش هناك لآخر عمري، بس اااخ. أبوي ومصالحه وانتظاره لي وهو متأمل أعود أرجع له كل حقوقه المسلوبة. ما أريد أخذه وأنقله من جذوره لمجتمع غريب ما اعتاد عليه ولا بعد هالعمر يقدر يتأقلم. لا هو ولا أمي.
- حقيقي أنا فاهمك وعاذرك وحاسس بيك. بس على فكرة إنت تقدر تكون نقطة البداية عشان تنشئ محيط خاص بيك أنت، وتعمل حواليك دايرة ميدخلهاش إلا شخص بنفس قناعاتك ويتعامل معاك بنفس أسلوبك ويكتسب منك مش انت تكتسب منه.
- ما أظن. الأمر أشبه بإختلاط قطرة ببحر، ماراح تأثر فيه ولا حد بيلحظ وجودها. بس راح أحاول إن القطرة تكون قطرة زيت، تضل محافظة على نفسها متل ماهي لا تختلط بالماء ولا الماء يختلط بيها.
- حتى تشبيهاتك جميلة يا آدم زي أخلاقك بالظبط.
- الله يعزك يا طيب القلب. هاا هيا علي المكتب لاعرفك كيف يمشي الشغل.
- يلا.
***
أما عند يحيي في الشركة:
- يعني إيه أنا قلت خلاص؟ أنا مش قادر أستحمل وجود البني آدم ده في الدنيا أكتر من كده. أنا حاسس إنه طابق على أنفاسي.
- اهدى ياياسين واصبر معلش، كل تأخيره وفيها خير. وبعدين كام يوم مش هيفرقوا كتير يعني.
- يابابا أنت مش فاهمني.
- فاهمك وحاسس بيك والله بس هنعمل إيه يعني. ادي الله وادي حكمته.
صمت الاثنان قليلاً، ثم اردف ياسين متسائلاً:
- متعرفش حاجة عن خالتي فاطمة وولادها راحوا فين ولا عملوا إيه؟
- وليه بتسأل عنهم؟ مالنا بيهم. خليهم يبعدوا عنا ويخرجوا من حياتنا بقى هما كمان، كفاية بقالهم سنين قاعدين على قلوبنا.
- أنا مليش دعوة بخالتي وأولادها يغوروا فستين داهية. أنا بسأل عشان حياة اللي اختفت مرة واحدة ومحدش راضي يقولي مكانها فين. البت دي هجيبها يعني هجيبها وهتجوزها غصب عنها وعن عين أمها.
- ماتبعدنا عن السلسال المنيل ده يبني وتاخد أي وحدة غيرها. دي لو زعلتها في يوم ممكن تسممك.
- ليه ماهي أمي معاك مسممكش لحد النهارده ليه؟
- وهو أنا أقدر أزعل أمك ولا أكسرلها كلمة وأقولها تلت التلاتة كام؟ مانتاش شايفني ماشي جنب الحيط وكل كلامي معاها نعم وحاضر وأحايل وأدادي. دانا يابني بخاف أكح جنبها بصوت عالي. وبالليل لو رجلي ولا إيدي خبطتها بالغلط بفضل أعتذر وأتأسف لحد ما تقول لي خلاص اتخمد. وخصوصاً وأنا شايفها اليومين دول ماشية بقزازة السم في إيدها زي ما تكون مقريفة ونفسها تموت أي حد وخلاص!
- لأ حياة غير أمها وأمي خالص.
- متراهنش على كده عشان العرق دساس ياحبيبي.
- بابا لو سمحت خليك أنت بعيد عن الموضوع ده.
- حاضر. أمرك يا ابن فريال.
أما في القبيلة:
- هااا يافانص فرحانة ومرتاحة توا بعد ماضيعتي من يدك بلح الشام وماطولتي ولا راح تطولين عنب اليمن؟
- مكاسب حلي عني وانتي بالذات ماتحكي بالموضوع.
- وليش ما أحكي وأنا الضرر طايلني وأكثر منك. أبوكي من ساعة ما هرب عقلك وهو مايطايقني ولا يطايق خيمتي، وكن يم سدينة. ضيعتي تعب السنين وعكرتي صفونا الله لا يوفقك.
- أي هو هاد كل اللي يهمك، أبوي ودخلته خيمتك. أبوي وبس. ما يوم حسيتي بي، ما يوم كنت أنا جزء من تفكيرك ولا حالي صعب عليكي. انظري لقلبي بقلب أم يامكاسب مرة، بس مرة.
- ولا أنظر لقلبك ولا أريد حتى أنظر لوجهك. قبح الله وجهك متل أخلاقك القبيحة. يمكن إذا قبيحة الوجه ما عشقك سالم ولا ابتلى قلبه فيك. روحي الله ياخذك أخذ عزيز مقتدر ويريح كل القبيلة منك يالفانص.
ردت عليها وقد تجمعت الدموع بعينيها:
- الله يسمع منك. والله الموت راحة والله.
- الله ينولك هي الراحة يارب. أنا ما عارفه ليش قصير صابر عليكي للحين؟ ليش ما دق عنقك ودفنك وريحنا؟
- والله اللي يجي يم بتي لاحرق القبيلة كلها برجالها وصباياها وكل ما فيها نخليه أحطام. أمي اطلعي من الخيمة واتركيها بحالها. يعني ماشايفه عيونها تنزف دمع؟ خلاص وصلتيها للمرحلة اللي يرتاح لها خاطرك. حرام عليك فارقيها.
- معزوزة انتي لا تتدخلين. اشقي بروحك وبراجلك وبس.
- ومين اللي يتدخل غيري؟ رجوة غلطت وغلطها كبير، بس ما حد راح يدفع عنها ثمن غلطها. انتي اصبري وابوي هيرد لك بس تهدأ الأمور ويتقبل الوضع. ومن الحين إذا كل اللي يشوف رجوة يدعيلها بالموت اعتبروها ماتت وما تحكوا معها حرف. الأموات إذا ما ينذكر طاريهم بالرحمة ماينذكروا بالسوء، يتركوهم بحالهم وبس.
- أي وأنا يعني راح آخذ منكم حق ولا باطل؟ أنا بطني ما يجيب إلا الفوانص. اللي يواطن الراس.
- هيا يا أمي عدي ساعدي صبايا القبيلة في تجهيز شي. عدي خلي عين أبوي تشوفك ويغلبه الحنين ليكي يا أم هلال. بس غيري ملابسك قبل وجري عيونك كحل وحطي شوي حمرة.
كانت هذه الكلمات تخرج من فم رجوة بسخرية، وتهكم، وكأنها تخبر أمها بطريقة غير مباشرة بأنها خُلقت وتعيش من أجل هذا الأمر فقط، من أجل إرضاء أبيها على حساب أي شيء، حتى فلذات أكبادها، وأنها خالفت الطبيعة وشككت رجوة في كل الغرائز، حتى التي يجزم الجميع أن لا شك فيها.
تركت مكاسب الخيمة بدون أن ترد عليها، فلا الحديث معها يجدي ولا توبيخها يأتي بفائدة، وكأن عقلها وقلبها خُتم عليهم بالغباء. وكما عهدتها ستظل. سبباً مستمراً لتنغيص حياتها وإفسادها.
غادرت مكاسب الخيمة، وبمجرد أن فعلت دفنت رجوة رأسها بين ذراعيها بعد أن لمت أرجلها. وأبت معزوزة أن تتحدث معها فتزيد عليها الوجع، فالكل يعلم أن العتب واللوم يهلكان، ولا أحد يتحمل منهم فوق طاقته، فرأفت بها وتركتها وهي تعلم أن القادم سيكون وجعاً لرجوة لن تتحمله.
أما في القبيلة، فبدأت ليالي العرس، وكان اليوم هو أول يوم للذبح وإعداد الولائم لأهل القبيلة وزوارها. إنه عرس سالم ويجب أن يكون من أفخمهم. وأشرف قصير بنفسه مع أبو سالم على تقديم الولائم. أما الليل فكان تنظيم الاحتفال فيه للشباب والنساء، وكانت الأجواء جميلة أعجبت محمود وعايدة كثيراً. وكم تمنت عايدة أن تعيش فرحة كهذه ولكن العريس يكون ابنها آدم، ففرحة زواج الابن فرحة لا تضاهيها فرحة. واندماج الاثنان في الأجواء ولأول مرة فرحتهما لا تكون ناقصة.
وصل آدم القبيلة أخيراً بعد انهائه لجميع الأمور العالقة، وبمجرد أن سمعت رجوة بقدومه جن جنونها. غادرت خيمتها بحثاً عنه ولم تهدأ حتى رأته أمامها. أصبحت تتواجد على مقربة منه دائماً، تراقبه أينما ذهب، وقررت أن تحدثه هذه المرة في أمرها، فلا عيب في ذلك إن كان سيأتي بثماره التي تتمناها. كل هذا تحت أنظار سالم المراقبة، فهي تراقب وهو يراقب، وكل مراقب لا يهتم سوى بمن يراقب.
وفي اليوم الذي يسبق يوم الزفاف، ترقبت رجوة لآدم في الصباح الباكر، فهي تعلم أنه في هذا الوقت يمتطي حصانه وينطلق في الوديان يسابق الريح ويستمتع بالنسيم العليل. وفي مثل هذا الوقت كان خمسهم يفعلون ذلك. ولكن الآن تفرق الجمع وانشغل من انشغل، ولكنها تعلم أنها عادة لن يفوتها آدم لأي سبب مادام بالقبيلة، فهو لم يتكاسل عنها يوماً حتى وإن تكاسل الجميع. ركبت حصانها وتبعته حيث ذهب.
أما هو فقد علم بانه مراقب منذ الوهلة الأولى، وعرف أنها هي من يتبعه، فاخذها إلى أبعد نقطة ممكنة، وتوقف واستدار بحصانه مرة واحدة وانتظرها.
وصلت إليه وأوقفت الحصان وترجلت من فوقه، ونظرت لآدم وقالت:
- انزل ياعقاب من فوق ضهر حصانك ودي أحكي معاك.
- ما يلزم ننزل، قولي إيش تريدين يارجوة. ويا ريت تحفظي مي وجهك.
- أريدك ياعقاب، أريدك وأنت تعلم، أريد قربك ومحبتك.
- وإذا قلت لك ماعندي؟
- إيش هو اللي ماعندك؟
- ماعندي لك لا محبة ولا قرب. ولو أنتِ آخر نساء الكون ماتهنيني ولا تكوني حِل لي يارجوة.
- ليش ياعقاب، إذا على سالم بيتزوج غدوه، يعني مافي عقبات ولا موانع.
- ومن اللي فهمك إن سالم هو العقبة والمانع؟ أنا من حالي مانريدك، مانريدك، ماشايفك أكثر من أخت. افهمي يابهيمة الوادي.
- بس أنا مو أختك، وانحل لك ياعقاب.
- يابنت الحلال افهمي، أنا ما أريدك، ماتطيب نفسي عليكي.
- جربني وراح تشوف مني كل اللي يسر عينك وينسيك نفسك ياعقاب.
تعصب كثيراً من كلماتها ورد عليها بغضب:
- يا رجوة مانريد نتذوقي كرباج لساني كيف يقتل مو بس يوجع بالحكي، فبالله ماتخليني نسويها معاكِ.
- يا آدم لا تكون قاسي بهالشكل.
- رجوة هي مو قسوة، انتي عرضتي علي محبتك وسألتيني المحبة وأنا ما أريد الأولى ولا عندي الثانية، وازيدك من الشعر بيت، أنا رايد حياة بت فاطمة، اظنك شفتيها وتعرفيها، واتفقنا على الزواج، وقريب بتم خطوبتنا، بس مسألة وقت مو أكثر. يعني موضوعنا منتهي.
ترنح جسدها فور سماعها لكلماته الصادمة، واستندت على حصانها واردفت وقد اختنقت عبارتها بالدمع:
- وأنا يا آدم، إيش نسوي بحالي، ماسألت حالك رجوة إيش تسوي؟
- وأنا إيش أسوي لك، أنا يابنت الحلال ما وعدتك بشيء. وكيف ما أنت تدورين راحة قلبك أنا كيفك انريد شويقي وراحة قلبي، الحب أناني ومافي تضحيات. ولو الواحد ملزوم يضحي لجل واحد يحبه، كانت التضحية أولى بك أنت لسالم، اللي مافي حبيب قدم ولا راح يقدم لحبيبه أكثر من اللي قدمه لك.
- أووووف سالم سالم.
- يا آدم بس افهمني، أنا إذا تركتني أنموت، والله أنموووت.
- ليش يارجوة تحكين بكل هاد العشم، من وين جبتيه انتي؟
- ما أدري، ما أدري. أنا كل اللي أعرفه إن إني نحبك ياعقاب نحبك.
- ولك حبتك الضباع الجياع والتفوا حولك واكلوك بعظامك. رجوة ردي للديار والا وربي أدفنك اهنا حية وماحد يعرف لك طريق.
نظرت إليه وبتوسل أكبر همست له:
- عقاب.
فصرخ بها بكل قوته:
- اغربي عن وجهي بلا عقاب بلا هباب. قلت لك خطبت، رهنت، حبييت، ما لكي مكان بقلبي ولا حياتي.
أنهى كلماته وانطلق بحصانه مبتعداً وتركها تواجه الخيبة التي ألقاها على مسامعها تواً. فكيف يخطب أخرى وهي التي تحارب من أجله. كيف يستطيع أن يكسر قلبها بهذه القسوة؟
عادت أدراجها للقبيلة، وهناك تركت الحصان دون حتى أن تربطه، تحركت نحو خيمة معزوزة التي كانت تقف أمام خيمتها. اقتربت منها بأقدام تغوص في الرمال من ثقلها، ولما اقتربت منها خارت كل قواها، كادت تسقط ولكنها استعانت بقائمة الخيمة. ولما رأت معزوزة حالها سارعت إليها وأمسكتها وهي تسألها بخوف:
- رجوة إيش فيك، ووين كنتي؟
لم تجبها رجوة واكتفت بالسكوت، أخذتها معزوزة للخيمة وأوصلتها للفراش. أجلستها وتركتها وهي تعلم أنها ما هي إلا بداية المعاناة.
أما سالم فكان يقف بعيداً، رأى المشهد كاملاً وعرف سر حالتها وهو يرى آدم عائد للقبيلة من بعيد على حصانه. علم أنها حاولت التقرب فصدها العقاب بكل قوته، بل وغرز مخالبه في قلبها. وعلى قدر حزنه منها كان حزنه عليها. فلا هو الشامت ولا هو الراضي.
استقبل آدم بابتسامة بشوشة وأخذه وتناولاً طعام الإفطار سوياً مع رابح وهلال، وأخبر الجميع بما قاله لرجوة ليقطع عليها الطريق، وأوصاهم إن سأل أحدهم يخبرها بنفس الشيء، وهو سيوصي أبويه والشيخة عوالي أيضاً بأن يكون الكلام موحد.
كان سالم صامتاً طوال الوقت لم يتفوه بكلمة وكأن الأمر لم يعد يعنيه، ولكنه كان الأكثر اهتماماً من بينهم وأكثرهم إنصاتاً.
انتهى اليوم بكل ما حمله من أوجاع للجميع، واليوم هو عرس سالم. القبيلة كلها على قدم وساق. الكل يجري ولكل فرد مهمة ينجزها.
أما في خيمة مزيونة فكانت أصوات الضحكات الصاخبة والأغنيات تعبر عن سعادة من بالخيمة. مزيونة حتى هذه اللحظة لا تصدق بأنها أصبحت عروس سالم واليوم انعقد اسمها باسمه. لا تصدق بأن سويعات قليلة تفصلها عن الذهاب لخيمته ومقاسمته كل شيء حتى أنفاسه.
أما في خيمة معزوزة فكانت رجوة جالسة بمفردها، تتعالى حولها أصوات الفرح ولا تقوى على الخروج والمشاركة أو المشاهدة. فلا أحد في كامل القبيلة يريدها، لا أهل ولا رفاق، ولا حتى أقارب. ولكن كل هذا لم تكن ستلقي له بالاً لو أن شخصاً واحداً من بينهم قرر البقاء معها. كانت ستبدل العالم كله به، ولكنه خذلها.
أما سالم فكان يشارك الشباب في الصياح والفرحة والرقص، ولكن كل هذا من وراء قلبه، وكأنه يرقص فوق رفات قلبه. رقصته كانت تشبه رقصة الموت التي يظن الناظر أن صاحبها يتخبط فرحاً وليس ألماً. هو يرقص وهذا كل ما يهم.
انتهى كل شيء وحان الوقت. وقف سالم وسط الشباب وحمله آدم على كتفيه وسار به والكل خلفه، تتعالى أصواتهم بالهتافات المعروفة بـ (أغاني الزفة الفلكولورية) حتى أوصلوه لخيمته، خيمته التي جهزها له رابح وهلال معه بما يليق بصديقهم، وأحضر له نفس الأغراض التي أحضرها لنفسه، بل وأفضل.
أنزل آدم سالم والتفوا حوله، وهي دقائق من التصفيق والتهليل قاطعها سالم بتحية من يده أخبرت الجميع بأن هذا القدر كافٍ، فانفض الجميع من حوله، واستدار هو للخيمة وهو يستجمع كل قوى قلبه، فشعوره الآن يشبه شعور شخص على وشك الخيانة. لا يعلم سر هذا الشعور، ولكن ربما عقله الذي نسج أحلاماً غير هذا الواقع تماماً هو ما يرفض التخلي عما نسجه وتعب فيه ويبث له هذا الشعور! ولكن بالنهاية هذه الخيمة وما بداخلها هي الحقيقة الوحيدة، ووداعاً للأحلام والأوهام.
دخل الخيمة وكانت مزيونة في انتظاره. تشهد عيناه أنه ما رأى مثل هذا الجمال الهادئ المريح من قبل، فاقترب منها وجلس بجانبها. صمت وطال الصمت، فأردفت مزيونة:
- جوعان ياسالم؟
- لا مو جوعان إذا جوعانة أنتِ هيا قومي ناكل.
- لا لا، أنا أسألك بس، أنا مو جوعانة.
- طيب.
- احممم سالم. إذا ماتقدر اليوم أ....
قاطعه بغضب عارم:
- على إيش ما أقدر! عليكي لعنة الله يامزيونة، صكري خشمك وقومي طفى الضوء وتعالي، وكلمة إذا ماتقدر هي إذا زارت لسانك مرة ثانية راح أخليكي تمسكين لسانك بيدك بعد ما أقطعه. فهمتي؟
- أي فهمت فهمت.
وقامت سريعاً تطفئ الضوء، وما إن فعلت وأقتربت من سالم حتى التهمها كأسد جائع.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم ريناد يوسف
في خيمة عوالي..
- ياشيخة طلع الضي وما سمعنا ضرب بارود ولا زغاريد السعد! ليكون سالم عايف البنت وسود رايتنا.
- لااا ماتخافي، سويلم شب والشباب ضعاف عزم، ومزيونة فانص كبيرة وعاشقة وعيونها ناعسات، واللي عيونها ناعسات اعرفي انها ماتحط راسها وتنام إلا وهي واخده حقها.
- وليش تعممين ياشيخة، مو كل اللي عيونها ناعسات فانص.
- لا كلهن فنص ياكبيرة الفوانص انت.
ردت عليها مايزه بضحكة:
- توا كنت راح نقول أنا قدامك مثال، عيوني ناعسات وماني فانص، طلعتي حاطتني كبيرتهن؟
- أي والله، ما أنا من هيك نقول فوانص.
هيا أمشي لخيمة العرسان وقولي لمزيونة الشيخة تريد تطمن، وشوفي بعينك وردي طمنيني، وإذا كل شي تمام قولي لسويلم عدي لعمتك عوالي تريدك.
- تم ياشيختي.
في خيمة سالم..
تململ سالم على صوت رنات هادئة ناعمة، ففتح عينيه ببطء وكانت هي تحاول لملمة خصلات شعرها ولا تستطيع السيطرة عليهم من طولهم. اعتعدل ومد يده يساعدها. فاجأته حركته فاستدارت لتنظر إليه، ولما رأته يفعل هذا عادت لوضعها السابق ووالته ظهرها بخجل وهي غير مصدقة! سالم بذاته يساعدها في ربط شعرها؟
أغمضت عينيها واستسلمت للمساته الحنونة وحركته الخفيفة. ثوانٍ واردف لها بصوت ناعس:
- هكي لملمنا اللي بسببه انقطع نومنا وانزعجنا برنات الأساور.
استدارت نحوه وكأنها لم تنتبه لنفسها، ولكنها كانت منتبهة ومثلت العفوية، فهمست له بصوت ناعم:
- حقك علي ياسالم من الحين إذا انت بالخيمة هنقلع الأساور وما عاد تسمع لهن صوت.
نظر إليها وجفت الكلمات في حلقه، فرؤيتها بالنهار مختلفة تماماً عن الليل، وكأنها أخرى، ازدادت جمالاً، وما ترتديه أذهب عقله، لم يعرف ماذا يقول في هذا الموقف، أيتغزل بها أم يشكرها، أم يخفي إعجابه بما ترى عيناه؟
وكيف إذا ألجم لسانه ألجمت عيناه من البوح، لا يعلم للآن كيف واتته كل هذه الجرأة ليفعل ما فعله بالأمس، كيف اختفت رجوه من ذهنه واحتلت مكانها غريزته وسيطرت على كل حواسه؟ وكيف له أن يستمتع إلى هذا الحد مع غيرها؟!
وكيف لشيء أن يكون غريباً وجميلاً وصعباً على القلب في نفس الوقت، ما كل هذه الأحاسيس المتضاربة؟!
نعم في كل لحظة تمناها هي بدلاً عن مزيونة، ولكنه أكمل الأمر على كل حال دون ذرة تأنيب واحدة من ضميره! وبرر هذا لنفسه بأنه شاب وأمامه حلاله وقد ضعف، والإنسان ضعيف أمام شهواته.
تنحت وهي تحاول التقاط ملابسها لترتديها، فساعدها وقربهم منها!
كان حنوناً معها كثيراً، لم تشعر ولو للحظة بنفوره منها، وهذا كان سبب استغرابها وسعادتها في نفس الوقت!
ولكن سعادتها كلها تبخرت حين سألته بخجل:
- سالم أقول ليش أبوي ماجانا بالغبشة وليش أمي ماجاتني مثل ما يصير مع كل بنيات القبيلة؟
رد عليها وهو يجذب جلبابه:
- أنا اللي نبهت ما يجينا أحد إلا أنا أدز عليه، كل الأمور اللي ما كانت تعجبني ما راح أخلي حد يسويها معي.
ما طارت الدنيا ولا بتفنى إذا تأجلت الطقوس كم ساعة.
انتي الحين لملمي حالك وأنا طالع أنطمن أبوك وأبوي وأدز لأمك تجيك.
- آااا... طيب أقول...
- قولي يارجوه ليش التردد، حكيت لك ما تترددي بشيء أنا صرت زوجك الحين.
نطقه للاسم ذبحها، ولكنها تجاهلته كما لو أنه لم ينطقه، فقالت بخجل:
- يعني أنت وين رايح الحين، أنا أعرف المعرس ما يبارح خيمته إلا بنهاية اليوم.
هذا أقل تقدير يعني.
أما هو فانقبض قلبه حين انساب اسمها على لسانه دون أن ينتبه على نفسه، ولما أكملت حديثها دون تعقيب، افترض أنها لم تنتبه، فتنفس الصعداء، ثم سألها:
- أي وايش ثاني تعرفينه يتم بهاليوم غير أن المعرس يضل بخيمته لنهاية اليوم؟
- اقتربت منه وأجابت بخجل:
- يعني أسمع أن العروس تحمم العريس والعكس يتم، ياكلوا سوا ويرتاحون من تعب العرس وما يهتموا لأي أحد غير لبعض وبس.
ويحكيلها كل شيء يريده منها ويملي عليها أوامره ونواهيه، يعرفها ايش له وايش عليه.
وآخر اليوم وقت الغروب يطلعوا فوق الربوة ويشاهدوا غروب أول يوم زواج، يعني هذا اللي كنت أسمعه، بس إذا أنت تريد تسوي شيء آخر ما عليك قيود ولا تهتم. أنا بس قلت يمكن ما تعرف.
- الباين إني جاهل وما نعرف شيء من هذا كله غير شيء يسير، وإذا هذا اللي يجرا بالأعراس يصير علينا مثل اللي يصير على الناس. أهو قعدنا.
تبسمت مزيونة فقد كانت تظن أنه سيترك الخيمة على أي حال ويفر مبتعداً ويخالف العادات ولا يهتم، ولكنه فاجأها.
صمت دام لدقائق أخذ سالم يتأملها فيهم من أخمص قدميها حتى شعرها الغجري الملفت. ذبلت عيناها من نظراته لها، وتعالت أنفاسه هو واقترب منها وجذبها من خصرها، ولكن صوت مايزه قاطعهم وهي تقول:
- هاااا يالمعرسين وينكم.. هيا فيقوا كافي طلع النهار.
ابتعد سالم وزفرت مزيونة بحنق، ورد سالم عليها:
- فايقين يا خالة تعي تعي فوتي.
دخلت مايزه وهي تمشي على استحياء وقالت:
- انريد نطمن ونطمن الشيخة عوالي. بشروني.
أدار سالم وجهه بعد أن أومأ لمزيونة بالموافقة، فطمئنت مايزه وأخبرتها بأن كل شيء على ما يرام، فهلهلت مايزه على الفور، ثم قالت:
- مبارك عليك يا وليدي.
- منها العيال ومنك المال ياسويلم. تو نمشي أنشعلكم ماء ساخن وفطور العرسان، وبعد تتحمموا وتفطروا الشيخة تريدك ياسويلم.
- نظرت مزيونة لمايزه وقالت بغضب طفولي:
- ليش الشيخة تريده الحين يا خالة، يعني ما تعرف أن العريس ما يترك خيمته أول يوم غير في المغارب؟ ليش تريدون تبعدونه عني وتاخدونه مني وأنا ما صدقت.
لترد عليها مايزه بغضب:
- انكلبتي ولا إيش؟ تحشمي يافانص وين الحيا الهي تلوشك حية بسبع روس. كيف يعني ناخدو منك، راعي ملافظك يابغلة وللا أقول للشيخة أعلقك من لسانك والله.
صمتت مزيونة ونظرت للأرض ولكنها أمسكت بطرف ثوب سالم خفية دون أن تراها مايزه، وأعطته نظرة استعطاف سريعة، فتبسم وفهم أنها تطلب مساعدته، فنظر لمايزه وقال:
- يا خالة شوي شوي عليها هي ما تقصد شيء، هي عروس وعم تدلل اتركيها الحين وبعدين أنا بعلقها من لسانها إذا نطق كلمة مو بمحلها، اتركوها علي وسويلم يعرف يأدب.
نظرت مايزه لمزيونة التي تبسمت برضى وهي تنظر لسالم بوله وبعيون لا تقاوم، وهمست بصوت مسموع:
- والله الشيخة عوالي ما كذبت وقالت الصدق. أنا رايحة ياسويلم وما تنسى الشيخة تريدك.
- بالليل أجيه، قولي لها سالم يقول لك هو ما راح يطلع اليوم كثير تعبان.
- صدمت مايزه ورفعت حاجبيها وهي تتمتم:
- راح سويلم راااح، والله.
مانك هينة يا أم سيقان اطوال.
غادرت مايزه وبعد مغادرتها نظر سالم لمزيونة وهمس:
- لا تعيدي هي النظرات لي وخاصة إذا حد موجود فهمتي؟
بصوت ناعم سألته:
- ليش؟
- هو هيك بدون ليش، وماتتمايعي زايد يامزيونة أنا ما أنحب المايعات.
- تؤمر على الروح والقلب يادقة القلب.
قالتها بصوت لا يقاوم ونظرة تهدم أقوى الحصون، ففرك سالم وجهه بتوتر ودون مقدمات أكمل ما كان ينوي قبل مجيء مايزه، وانفصل عن العالم أجمع.
أما في خيمة رجوه:
- رجوه ليش ما طلعتي من الخيمة للحين، ايش هاد الوخم كله؟ قومي قومي جهزت الوكل تعي ناكلوا سوا رابح راح يفطر مع الشباب.
ردت عليها رجوه بصوت متعب:
- لا يامعزوزه أنا ما عايزه وكل ولا شيء اتركيني أنام بالله عليكي.
- اقتربت منها معزوزه وأزاحت الغطاء عنها فوجدتها كحبة الطماطم، جستها بيدها وانتفضت من شدة حرارتها المرتفعة، جلست بجوارها وأخذت تتفحصها بخوف وهي تقول:
- ايش فيك، عشية كنتي زينة وعين الله عليكي وما بيكي شيء، من ايش لهب بجتك الحريق يارجوه وصرتي نار؟
- ما أدري يامعزوزه مانعرف ايش صار لي.
- غطيني ودثريني وكتري الغطا حاسة روحي في بركة تلج.
- هااا فقتي وحسيتي بالخسارة وتعبك الندم يارجوه ولا إيش؟
- بالله عليكي حليني وروحي من هنا بلا سالم بلا ندم.
- طيب قومي غيري ثيابك هي اللي بقت مي من العرق وأنا ماشية نعملك شي دافي تشربيه وانعدي للشيخة نجيب من حداها أعشاب تطيبك وتهدي النار بجوفك.
- اعملي اللي تعمليه بس روحي يامعزوزه واتركيني.
غادرت معزوزه الخيمة، وذهبت لخيمة الشيخة عوالي واستأذنت بالدخول.
- عمتي عوالي انريد أعشاب للسخونة.
- لمين تريدينهم يامعزوزه؟
- رجوه ياشيخة غادية نااار وحرارتها ما تحملتها يدي.
- الفانص مرضت.. هاكي الأعشاب جيبيلها منها يامايزه.
- أحضرت مايزه الأعشاب وأعطتهم لمعزوزه، وتحركت معزوزه خطوتان بعد أن شكرت الشيخة، ولكنها توقفت واستدارت وسألت عوالي بقلق:
- عمتي أنا ايش نسوي مع رجوه وهي من الحين نار الغيرة نومتها؟
- لا هي مو نار غيرة، هي نار قهر وحسرة. الفانص مرضت من حكي عقاب اللي صدها ورجعها خايبة الرجا وقالها إنه خطب غيرها وما يريدها وما راح ياخذها لو آخر بنت بالدنيا.
- وهو صدق خطب ياعمتي؟
- خطب ولا ما خطب بيش تفرق يامعزوزه، عقاب مو من مجاويزنا ولا يصير ياخذ من بنات قبيلتنا حتى لو متربي على يدنا، وأنتي تعلمين أعراف القبايل والفانص تعرفها زين.
والحين خدي الأعشاب وامشي سويهن وخليها تتزهمر منهم وقوليلها لسا ماشفتي شيء من الوجع تحملي.
غادرت معزوزه دون أن ترد، فكل ما قالته الشيخة هو الحقيقة الكاملة، ولا تعلم لم اختها ترفض الاعتراف بها.
وصلت عند باب الخيمة وتوقفت وكأنها نسيت شيئ ما، فاستدارت سريعاً وسألت مايزه:
- أقول ياخالة مايزه، ريتك رادة من خيمة سالم، ايش الأخبار؟
أجابتها الشيخة عوالي:
- الأخبار زينة يامعزوزه وسويلم سيد الرجال، ومزيونة مهرة وتعجب أي خيال.
- الله يهنيهم ياعمتي، سويلم خوي وأنا بس خفت يكون مكسور على شويقة.
- لا يامعزوزه، مايفل المرة غير المرة، وسالم حب، وإن ما طال ما راح توقف حياته. يلا روحي لأختك وبس تطيب قوليلها امشي لعمتك عوالي تريدك.
عادت معزوزه وأعدت لأختها الأعشاب وأجبرتها على شربها، وتركتها تستريح، وذهبت للخلاء حيث رابح كان على مسافة من الخيام يجلس بجوار الأغنام.
اقتربت منه وجلست بجواره دون أن تلقي عليه السلام، فقال لها متعجباً:
- ليش الزين ما رمى السلام؟ من اللي زعل مليحة قلبي؟
- رجوه وحالها اللي زعلوني يارابح. حزينة عليها وحزينة على سالم وما أدري ايش آخرة الطريق اللي سلكوها. بنت روحي مرضت وهو الله أعلم بحاله.
- شوفي يامعزوزتي، إذا على سالم لا تخافين عليه، احنا الرجال، وخاصة رجال القبايل فينا قوة ما يضعفها غياب ألف حرمة ولا حضورهم. ونعرفوا نعيشو حتى بقلب ميت.
وإذا على رجوه الله يعين قلبها ويصبرها عاللي جاي.
- اختك مطيورة.
نظرت معزوزه لرابح وأردفت بعتب:
- يعني يارابح إذا أنا غبت عنك راح تواصل حياتك وتتزوج وحدها غيري وتخلف منها؟
- أي.
جحظت عينا معزوزه واعتدلت في جلستها كنمرة تأهبت للهجوم وسألته مرة أخرى:
- وتقول أي يارابح؟
- أي.
- شوفي يامعزوزه بدون زعل ولا هجوم ولا أخذ مواقف. إحنا الرجال نعرفوا نفصلو بين القلب والغريزة. يعني القلب مسكون بشويقة والجسد مافي داعي ينحرم من المتعة. بس هذا إذا الشويقة مو موجود. يعني ما قدر ياخذ الوليف ولفه. مضطر يعيش ويمارس الحياة. يتزوج ويجيب أولاد ويمشي دنياه. هادي سنة الله في خلقه.
- مثل البهايم يعني، يعيش بلا إحساس ولا شعور، يعيش يتكاثر وبس.
- ليش، مين قال أنه ما راح يكون فيه شعور؟ المشاعر أكيد بتكون موجودة، بس مشاعر غير، مشاعر مختلفة، تشبه لمن تكوني جوعانة ونفسك تأكلي شيء معين، بس ما كان موجود، وانحط لك نوع أكل ثاني، فتاكلي لجل تسدي جوعك وجايز يكون الأكل زين ويعجبك واجد.
تلفتت معزوزه حولها، فعرف رابح أنها تبحث عن شيء ما يصلح للضرب، فأنفاسها العالية ووجهها المحتقن يقولان أن كلام رابح لن يمر عليها مرور الكرام.
ضحك رابح وأمسك يديها وجذبها عليه وهو يقول:
- افهمي يابهيمة. أنا أقول إذا الوليف ما كان معاه ولفه، لكن أنا معي ولفي وشويقي، أمامي كل الأكل اللي أحبه وماني بحاجة شيء ثاني. أني شبعان شبعااااان.
تنهدت معزوزه، وشعرت بأنها بدأت تهدأ قليلاً، فبدأ يترك يديها شيئاً فشيئاً، وما إن تحررت يداها حتى شعر رابح برجة قوية ومؤلمة في رأسه من الخلف. كانت ضربة من معزوزه بحجر، أخبرته بها بأن كلامه السابق لن يمحوه أي تبريرات ولا حتى احتضانه لها، وأن الألم بالألم.
ابتعد عنها ونظر لها وهو يفرك مؤخرة رأسه وقال:
- حية على أمك يابقرة. انكلبتي؟
- أي انكلبت، ما كان في داعي تحكي هكي، قال الرجل لزوم يعيش ويخلف ويأكل وخرابيط توجع القلب. أنا بس لولا أني أحبك واجد كنت ذبحتك يارابح ودفنتك بمطرحك. أتموت وما توطا وحدة غيري.
- معزوزه لا تكتري كلام مالو داعي، تذبحي من أنتِ؟
- أذبحك أنت يارابح، أذبحك لجل ما تتزوج علي بعد موتي ولا تأكل من الزاد شيء لا الأكل اللي تحبه ولا اللي ما تحبه.
- يا مجذوبة افهمي علي.
- لا ما أفهم ولا أفهم، والحين أنا عايفالك المكان كله ورادة خيمتي، وبس ترد ما تحكي معي ولا حرف ولا تيجي يمي.
- زين وأنا من الحين أنوازي بين صبايا القبيلة واختاري لي عروس بس أعاود القبيلة أتزوجها، أحكي معاها وأروح يمها، وأنتي خليكي بخيمتك لحالك حلال عليكي وحدتك.
لم يكاد ينهي كلامه حتى ارتطم شيء برأسه جعله يتألم أكثر وهو يمسك رأسه بكلتا يديه، وحينما رفع رأسه رآها تجري مبتعدة تغوص قدماها في الرمال من شدة الغضب.
فضحك ونظر في راحة يده ليجدها تلونت بالدماء إثر الضربة، فهمس لنفسه:
- والله ما ينمزح معك يا كلبة القبايل انتِ. اتريدي تبقي أرملة من جدك يا بهيمة؟
أما في مسكن آدم:
- عايدة: أنا حبيت القعدة هنا أوي خلينا شويه كمان. بصراحة هنا المكان الوحيد اللي بحس فيه بالراحة والأمان، واني مطمنة على آدم من كل حاجة، بحس إنه هنا محمي ومتحاوط بسور عالي محدش يقدر يخطيه. غير هناك خالص.
- رد عليها محمود قائلاً:
- فعلاً وهذا إحساسي أنا كمان، وبجد الحياة هنا هادية ومريحة وحلاوتها في بساطتها.
ترك آدم اللابتوب الذي كان يعمل عليه واستدار ليرد عليهما:
- أقول بما أن العيشة هون عجبتكم واجد، إيش رأيكم إذا بعنا كل شيء وجينا هون، نعيش بالقبيلة وأنا أنقل مقر شغلي قريب عليكم، إحنا مالنا شيء هناك غير القصر ومقر الشركات، القصر ابنيلكم أحسن منه إذا تريدون، ومقر الشركات يتغير. إيش قولكم؟
- لا القصر لا، مقدرش أبيعه، هذا المكان اللي اتربيت فيه من صغري وفيه كل ذكرياتي. وكمان أخوك مدفون فيه، القصر محدش يفكر يبيعه نهائي.
- خلاص يا آدم سيب القصر، أما بخصوص نقل مقر الشركات فأشوف المكان اللي هترتاح فيه وإحنا معاك.
- الحق يا بوي أنا ما أرتاح غير هون، أحس إني أتنفس وأعيش، أما بالحضر أحس حالي سمكة طلعوها من المي.
- خلاص يا حبيبي إحنا في الأول والآخر كل همنا في الدنيا راحتك وإنك تكون بخير، إحنا عايشين في الدنيا دي عشانك أنت يا آدم.
- الفترة الجاية حاول تصفي كل حاجة وتعالا وإحنا معاك، وأنا حاسس إن الجاي هيكون أحلى بفضل الله.
تبسم آدم وعاد ليكمل عمله على حاسوبه، فالآن فقط سيعود العقاب لسماءه التي اعتاد التحليق فيها حراً طليقاً، ولن يضطر للتحليق وسط أسراب لا ينتمي إليهم ولا هم يرغبون به معهم.
مرت ساعات النهار وغابت الشمس، وها هو سالم يستعد لمغادرة الخيمة تحت أنظار مزيونه المراقبة.
نظر إليها وهو يعدل شماغه، بعد أن ربط حزامه على خصره ووضع خنجره في جرابه وسألها:
- إيش فيك تناظريني بعيون فيها واجد كلام؟
- لا يا ولد عمي ولا كلام ولا شيء، أنا بس راح أشتاق لك وأريد أقول لك ماتغيب علي. ولا تنساني. يعني خليني ببالك. وأنا بنتظر رجعتك بكل شوق ولهفة وراح أعد الدقايق والثواني وأنت غايب من شوقي لك، فيا ريت ترفق بحالي.
رد عليها سالم وهو يقترب منها إلى أن وقف أمامها وأخذ يداعب خصلات شعرها:
- كيف أنساك يعني، أنتِ صرتي حقيقة وأمر واقع ما يتنسى، بس اللي أريد أنبهك ليه يامزيونة أني ما راح أرد للخيمة رأفة بشوقك وانتظارك. أنا برد وقت اللي أنهي كل مصالحي وأحس إني محتاج للراحة. خليني أعتبرك أنت وخيمتك راحتي مو واجبي؛ لأن الواجبات تنكره والناس تتهرب منها وتملها.
أومأت له بالموافقة، فهو يخبرها الآن وبطريقة غير مباشرة بأنه ليس رهن مشاعرها، وأن تتركه وشأنه، وأن كل شيء سيسير على مزاجه هو وحسب هواه، وسيفعل هذا حتماً وعليها أن تختار، إما أن يتم بالطريقة السهلة وبموافقتها، أو بالطريقة الصعبة وتجلب لنفسها المتاعب وهي لا تزال في البداية.
تبسم لها وهو يرى طاعتها له وموافقتها على كل ما يقول، وأردف سائلاً:
- زين أنا بمشي للشيخة عوالي الحين، تريدين شي قبل ما أروح؟
- لا ما أريد بس غير أنك تدير بالك على حالك. وترد لي سالم. ياسالم.
غادر الخيمة سريعاً قبل أن ينظر لعينيها ويعدل عن قرار المغادرة، فلا يعلم أي سحر تمتلكه تلك الملعونة، وأي تعويذة أُلقيت على عينيها!
فتح باب الخيمة وخرج منها، ونظر حوله، فإذا بشعور غريب يضرب قلبه كالبرق!
شعر بأنه كان داخل عالم آخر والآن عاد إلى عالمه الطبيعي!
وأن الخيمة التي خلفه وما عاشه فيها هو مجرد حلم واستيقظ منه الآن، ووجد عينيه يبحثان عنها بشوق وقلبه اجتاحه الحنين، والرغبة في قربها عادت تراوده من جديد، وبإلحاح أكبر.
تقدم نحو خيمة الشيخة عوالي، وأوشك على الاستئذان ولكنه تراجع وهو يسمع مايزه تقول للشيخة:
- ياشيخة رجوه تهزي والسخونة ما عايزه تروح، أنا بروحي مشيت لها أشوفها والبنيه حالها صعب واجد.
- والله يامايزه أنا ما أعرف أحس نحوها بالشفقة ولا بالشماتة. أقول كل هذا من تحت إيدها والله يزيدها، ولا أقول مازالت صغيرة ماتدري ايش سوت بروحها؟
- أنتي إذا شفتي حالها ما راح يكون بقلبك عليها غير الشفقة والخوف، البنية شكلها يقول ما راح تصحى من هذا التعب.
- ليش ترجفين قلبي وأنتِ تعرفين قلبي رجيج يامايزه، امشي نروح نشوفها وجيبي معك حقيبة الأعشاب كلها.
نزلت هذه الكلمات على قلبه كالسهام، كيف ومتى حدث كل هذا لحبيبته؟ لقد غفل عنها يومان، فقط يومان ووصلت لهذا الحال؟!
هرول سريعاً نحو خيمتها، نادى باسمها مرة تلو مرة ولم يتلقى رد، فأزاح باب الخيمة ونظر داخلها وليست عادته، لقد فعل فعلة شنعاء وتعدى على حرمة خيمة، ولكن عقله الآن ليس بحالة تسمح له بالتمييز بين الخطأ والصواب.
رآها ممددة ولا أحد بجوارها، فدخل مسرعاً وركع بجانبها، همس باسمها وكم تمنى لو يستطيع احتضانها وأخذ الداء منها، أدار وجهها نحوه وفتحت عينيها فرأى الجحيم فيهما، أغمضت ولم تفتحهم مرة أخرى حتى مع كل محاولاته ليجعلها تعود لوعيها.
جسدها يخبر الناظر بأنها وضعت فوق موقد وأُشعلت تحتها النار، أنفاسها لفحت يد سالم وكأنها نفس تنين! ومع كل هذا جسدها يرتجف كورقة شجر تواجه الريح!
تلفت حوله باحثاً عن أي شيء يفعله لها، فلم يجد سوى لحاف إضافي وضعه عليها، وجلس يتأملها بقلة حيلة. يا إلهي طفلته مريضة إلى هذا الحد وتركها وإلتهى بغيرها!
دقائق وسمع أصوات خارج الخيمة ميزهم على الفور، كانوا للشيخة ومايزه ومعزوزه، دلفوا ثلاثتهم وصدموا جميعاً من وجوده، نعم كان أمر طبيعي فيما سبق، وأينما تواجدت رجوه تواجد سالم، ولكن الأن الوضع يختلف، وخاصة اليوم!
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الأربعون 40 - بقلم ريناد يوسف
تقدمت الشيخة عوالي منهم وجلست بجانب رجوه وسألت سالم:
- هاه من نقلك خبرها بهالسرعة، ولا تشم ظهر يدك وتعرف الغيب؟
- همليني واشقي برجوه ياعمتي، شوفيلها شي يطيبها، رجوه مريضه وااجد.
- اطمن مارح يجرى عليها شي، غدوه تقوم وترد ترمح بالصحاري مثل النيقان.. الفوانص مايموتون.
فحصتها جيداً وقامت بفرك بعض الأعشاب في فمها وسقتها بعض الماء، وأعطت أعشاب أخرى لمعزوزه تغليهم لها، وغادرت بعد أن حاولت تأخذ معها سالم وهو رفض التزحزح من جوارها أبداً.
وصلت عوالي لخيمتها، وبعد قليل سمعت صوت يستأذن في الدخول. كانت مزيونه.
- عرفتك جايه وانتظرت قدومك يامزيونه.
- لكن انتي دزيتي على سالم بس، من وين عرفتيني جايه؟
- لا تنسي أنا شيختك وشيخة قبيلتك واعرف العقول بيش تفكر من قبل مايبوح اللسان، وماجابك لي الحين غير غيرتك يامزيونه.
تبسمت مزيونه وهي ترد على عوالي:
- لا ياشيختي، ماغيرتي اللي جابتني، انا جابتني محبتي. واذا مفكره اني جايه اشكيلك الوجع من سالم وفوته على خيمة رجوه فراح اخيب ظنك.
- لكن ليش جايه؟
- جايه آخد من حذاكي اعشاب تساعدني احبل سريع وبطني يشيل من سويلم ولد، اريد اعطيه كل شي، اريده يشوف الفرح بس مني.
- شالك ثور فوق قرونه ورماكي من فوق التله، انتي من اليوم ضار اسمك مجنونه بدال مزيونه.. حبل ايش اللي تدوريه من اول يوم زواج ياقليلة العقل يافانص؟
- مايزه انا ماجيتك، انا جايه لعمتي وهي اللي راح تفهم علي.. انتي فاهمه علي ياعمتي ما هيك؟
أومأت لها عوالي، وقامت للحقيبة واحضرت منها بعض الأعشاب وأعطتهم لمزيونه وشرحت لها طريقة إستخدامهم.
غادرت مزيونه دون التحدث في أي أمر آخر، ولا حتى ذكرت شيء عن ذهاب سالم لرجوه الذي بالتأكيد لم يخفى عليها.
- والله أمرك غريب عجيب يامزيونه!
- يجوز غريب عندك، بس عين العقل اللي تسويه مزيونه، هي عارفه زين ايش تريد، هي البنية أذكى منك ومن نص نساء القبيلة، هي تريد تعمل رصيد لها عند سويلم وبعدها تفرد قلوعها وقت تحس السفينة أصبحت ملكها وأن الريح والربان صاروا رهن إشارتها.
- أي فهمت، يعني هي تتمسكن لحين تتمكن؟
- لا.. هي تتودد وتبني جسور محبة، مزيونه تدور محبة سويلم وبس تحسها راح يتغير كل شي.
- ما أظن سالم بهالسهولة، وما أظنه يحب بعد رجوه.. بت مكاسب خدت كل المحبة اللي بقلب سالم.
- لااا ما أظن،، انتظري وراقبي والأيام جايه والخصم ذكي وعاشق وباله طويل.
أما هو فلم يبارح مكانه، عرفت كل القبيلة بأمر مرض رجوة ومكوثه بجوارها، ذهب إليه رابح وآدم، وحتى هلال. الجميع حاولوا أن يخرجوه من الخيمة ويرسلوه لخيمته، هو عريس وعروسه إن غضبت وثارت وحرقت القبيلة لن يلوم عليها أحد. وكان الرفض هو لسان حاله.
ولكن مزيونه خلفت كل التوقعات، وصدمت الجميع حين رأوها تدلف لداخل الخيمة، مبتسمة وهادئة الملامح وكأن الذي يحدث لا يحرك لها ساكناً!
إقتربت من سالم ورجوه وجلست بجانبهم وقالت لسالم:
- سلامتها انشالله مابيها إلا العافيه.
صمت سالم وقد ظنها تستهزء به وبتركه لها وبجلوسه بجوار رجوه، ولكنه وجدها تهتم برجوة إهتمام حقيقي، تدثرها وتدلك يديها وتحاول خفض حرارتها بالكمادات، وتبحث مع معزوزه على حل لخفض حرارتها! فشعر بأنها لم تأت ناقمة أو ساخطة، بل أتت مواسية ومشفقة! فتسائل في نفسه وهو ينظر لها ويراقب تصرفاتها:
- أي قلب اللي تملكين هاد يامزيونه.. كبير ومحب لهادرجة ولا ميت ما بي إحساس ولا شعور؟
إنقضى بعض الوقت وكافة العقول ترفض تصديق مايحدث أمامهم وما تفعله زوجة سالم، والسلام النفسي الذي ينعكس على كلامها وملامحها وتصرفاتها، وكأنها لم تعرف شيئ يسمى غيرة، ولم تسمع عنها من قبل!
مرت ساعات وإنتصف الليل، حال رجوه يسوء. المداواة بالأعشاب لا تجدي نفعاً. تهذي وتتحدث عن مواقف حدثت بالماضي، تبتسم تارة وتارة أخرى ملامحها تأخذ وضع البكاء.
بدت وكأنها تستعيد الذكريات بالترتيب، بدأت بذكريات الطفولة، كانت تقول جملة واحدة فيتذكر سالم والجميع بقية الموقف، حتى وصلت لوقتها الحالي، همست بملامح باكية:
- سويلم سامحني أنا نحب عقاب، أعرفك تحبني واجد بس سامحني مو بيدي. أنا نحبك يا آدم ليش أنت ما تحبني لييش.
كلاماتها خرجت كقنبلة ألقتها عليهم، نعم الكل يعلم ما قالته، ولكن أن يقال بوجود جميع الأطراف إنه لأمر مخجل وموجع أيضاً.
غادر هلال الخيمة على الفور وهو يشعر بالخذي ويتمتم بصوت منخفض ويسبها بأبشع الألفاظ.
وآدم أخفض عيناه خيفة أن يلتقيا بأعين سالم فيرى فيهم ما يؤلم قلبه.
أما سالم فشعر بطعنة أخرى وكاد يتألم، ولكنه نظر لمزيونه ورأها كيف تتحامل على نفسها، تتجاهل غيرتها وتحاول أن تتحلى بالقوة والتقبل، وأنه رجل، وما تتحمله إمرأة من قهر يجب أن يتحمل الرجل أضعافه. فظل صامتاً واستمر يراقبها، ولما لم يرى أي تحسن في حالتها لم يتحمل أكثر.
نهض، وبحركة سريعة شد الغطاء من فوقها وإلتقطها كما يلتقط الأب طفلته المريضة وغادر بها الخيمة مسرعاً، لم يسأل أحد ولم يستأذن، فلطالما أمر رجوه كان يخصه وحده.
تبعه رابح وآدم ومعزوزه وحتى مزيونه. سار بها حتى وصل سيارته، كان يحتضنها بحب وخوف جعل قلب مزيونه يصرخ طالباً منه الرحمة، ولكن صرخاته لم تتعدى أضلعها.
فتح له رابح الباب وهو يسأله:
- على وين ياسالم؟
- ما يلزملها ذكاء يارابح، على طبيب يشوف حالها ويداويها، ولا تريدني أتركها حتى تموت؟
صعد بجانبها وصعد آدم في كرسي السائق وبجواره رابح، أما مزيونه فركبت دون سؤال، وقامت بإحتضان رجوه وأخذها عنه، أما معزوزه فأبى رابح أن تذهب معهم خيفة من أن يحدث للطفل الذي بداخلها مكروه. وانطلق آدم بالسيارة حتى وصل المدينة.
وهناك توجه لأكبر مشفى استثماري وقاموا بإدخالها، وبدأ الأطباء رحلة اكتشاف علتها والعمل على مداواتها.
ومضى الوقت في الانتظار، القلق يأكل في قلب سالم. أما مزيونه فكانت تشعر بالخوف من أن تنهار في أية لحظة وتفقد تحكمها في نفسها وانفعالاتها، وكان هذا أكبر اختبار واجهته لقوة تحملها على مدى سنوات عمرها.
أما هو فبقدر خوفه على رجوة كانت شفقته على مزيونه، يعلم أنها تجاهد لتبدو بهذا الهدوء، يعلم بأنها تتجرع الخيبات الآن في صمت، ولكنه لا يستطيع أن يفعل لها شيئ. نعم سيحاول إصلاح كل هذا، ولكن لاحقاً، والآن لا شيء سيشغله عن رجوته.
خرج الطبيب مع الممرضة وأخبرهم بأنها تحسنت وعادت لوعيها، ففرك سالم وجهه وهو يزفر بارتياح، وسأل الطبيب إذا بإمكانهم الدخول لها، فسمح لهم الطبيب بذلك فلا ضرر عليها.
دخلوا جميعاً ماعدا آدم الذي بقي بالخارج ينتظرهم.
نظرت نحو الباب ورأت سالم أول من دخل عليها، تبسمت وانفجرت من عينيها الدموع، ودخل من بعده رابح ومزيونه. تعلقت عيناها بالباب وهي تتأمل أن يدخل هو الآخر، فربما يرأف بحالها إن رآها. فقد هيئ لها أنها سمعت صوته وهم في طريقهم إلى هنا، ولكن يبدو أنها كانت تهزي.
إقترب منها سالم وعلى وجهه خوفه المعتاد عليها وسألها:
- طمنيني كيف صرتي الحين يارجوه، ريت المرض ما يعرف لك سبيل بعد اليوم يالغاليه.
لم ترد عليه واغمضت عينيها خجلاً من مزيونه وخوفاً أيضاً، نظرت لرابح وسألته عن معزوزه فأخبرها بأنها تنتظرها في القبيلة، وانه هو من منعها خوفاً عليها وعلى الطفل، ورجوه تفهمت ذلك.
ظلوا حولها لبعض الوقت وهموا بالخروج وتركها تستريح قليلاً، ولكنها طلبت من سالم البقاء قليلاً لأنها تريده في أمر ما.
خرجت مزيونه سريعاً وخرج رابح بعدها، وبقي سالم.
إقترب منها ما إن أشارت له بالإقتراب، ولما فعل ذلك أمسكت بطرف كمه، وهمست له:
- قديش تحب رجوه ياسالم؟
- ليش هالسؤال يارجوه؟
- اريد أحلفك بمحبتك لي واطلب منك شي، انت بعمرك ما رديت لي طلب ولا كسرت لي خاطر ولا بيوم اشتهيت شي إلا وجبته لي، وأنا اليوم اريد منك شي ياسالم، آخر شي بطلبه منك واتمنى ما تردني.
- اطلبي والروح تهون لجلك يا بت عمي.
- اريد عقاب ياسالم، اريد اتزوج عقاب، اريده وما حد يقدر يجيبه لي غيرك انت.. انت الوحيد بهالدنيا اللي ما تخلي بنفس رجوه شي إلا وتعمله.
صمت وإبتلع ريقه ومعه غصته، وأردف وهو يشعر بأن الكلمات تخرج كحد السيف منه:
- صعبه يارجوه، اطلبي أي شي غير هالطلب وشوفي إذا سالم توانى.
- لا ما اريد شي تاني، اريد عقاب وبس، وإذا ما كان لي ولا كنت له بموت حالي.. واللللله أموت حالي وانهي عمري بجرة خنجر على هالرقبه.
تنهد سالم وهو لا يدري ماذا يفعل، هذا أصعب وأغرب طلب يطلب، كيف لها أن تفعل به هذا، متى أصبحت قاسية هكذا؟ وكيف له أن يطلب من صديقه هذا الطلب وبأي صفة وعلى أي أساس؟ وفي نفس الوقت يعرف أن التي أمامه الآن مجنونة ولا جدال في ذلك، وإن هددت.. نفذت.
***
خرج سالم من غرفة رجوه وهو مطأطأ الرأس. نظر حوله وقال لرابح:
- أسأل الطبيب متى نقدروا نردوا للقبيلة يارابح.
تحرك رابح وسأل الطبيب وأخبرهم بأنهم يستطيعون المغادرة في أي وقت، شرط أن يتم الاعتناء بالمريضة وتتناول أدويتها في مواعيدها، وقد زال الخطر.
أخذوها وعادوا للقبيلة، وطوال الطريق لم ينطق سالم بحرف، ورجوة أيضاً، والجميع متعجب، فالصمت السائد كان غريباً!
أما رجوه فكانت تنظر لآدم وكأنه حلم بعيد، وتهمس لنفسها:
- يا هل ترى هتكون لي ونعيش معاك اللي تمناه قلبي ولا تكون سبب شقاي وعذابي يا عقاب؟
وصلوا القبيلة، تلقتها معزوزة على مشارفها وقد قتلها القلق والانتظار، حتى بعد أن طمأنها رابح بالهاتف.
أدخلو رجوه خيمتها وتفرق الجميع إلى خيامهم، فقد كانت ليلة طويلة متعبة، لم يبق معها سوى معزوزة، وبعدها أتوا شقيقاتها، الكل كان يشعر نحوها بالشفقة ورق قلبه لحالها، حتى سدينه أتت واطمأنت عليها وتمنت لها الشفاء. ولكنها كانت تنتظر شخص بعينه، شخص لو أتاها لكان مجيئه بمثابة مجيء الدنيا، مكاسب أمها، أرادت أن ترى في عينيها الرأفة ولو لمرة على حالها وتتذوق دفئ حضنها، ولكن كعادتها لم تأت ولم تهتم، وأثبتت لها مجدداً أنها أقسى أم على وجه الأرض.
أخيراً مزيونه في خيمتها مع سالم، خيمة العروس التي هُجرت من اليوم الثاني في سابقة من نوعها!
إرتمى سالم على الفراش ووضع يده على كلتا عينيه بتعب، أما مزيونه فبدأت في تبديل ملابسها، لاحظ سالم أن صمتها طال ولا حركة لها أو صوت، رفع يده يبحث عنها في الخيمة ظناً منه بأنها غادرتها، ولكنه فوجئ بها نائمة بجواره! مغمضة العينين وهادئة جداً، فهمس لها:
- مزيونه نعستي؟
ردت عليه بعينين مغمضة:
- أي.. تريد شي مني أنقوم انجيبه لك؟
- لا مانريد شي، بس كنت أظنك راح تبقي فايقه ماترقدي طوالي.
- لا أريد أرقد، أحس روحي تعبانه شوي، سامحني بس كتير صعب وجيج الراس.
صمت وهو ينظر إليها، ولاحظ أنها نزعت أساورها وخلخال رجلها أيضاً، وهذا السبب وراء عدم شعوره بحركتها، فسألها محاولاً ملاطفتها:
- ما سمعت لك حركة وأنتي ترقدي جواري بالفراش، كيف قدرتي تسويها. تمشين كيفة الحية انتي ولا ايش؟
أجابت بنفس العيون المغلقة:
- لا ياسالم مانمشي متل الحية ولا أشبه الحية بأي شي، كل الأمر أني عرفتك تتضايق من الصوت ما حبيت نزعجك، حبيت نكون خفيفة على الأرض وخفيفة على قلبك.
- أيش فيه يامزيونه أنحس عباراتك مغلفها الزعل.. أظن ما مر وقت كثير على وصاياي وأنا أقولك أريد راحتك مو تعبي وما يجيني من يمك وجيج راس. ديري بالك كلامك لازع.
فتحت مزيونه عينيها وأدارت رقبتها نحوه وردت عليه بهدوء قاتل:
- وأنا ايش عملت حتى يجيك مني وجيج الراس ياسالم؟ أنا ما فتحت فمي بشي ولا غلطت بشي ولا اعترضت على أي شي، سألتك تريد مني شي قلت لي لا، بيش أنا قصرت ياسالم؟
- شوفي كلامك يامزيونه وطريقتك بالرد، ولا انتي ما تشوفين الغلط منك؟ أقول إذا راح نبتديها هيك نهايتها ما راح تعجبك صدقيني.
صمتت لبرهة وهي تحاول مجدداً السيطرة على انفعالاتها، ثم رسمت ابتسامة هادئة على شفتيها وردت عليه:
- أي صح أنا غلطانه واعتذر ومنك السماح.. وما راح تنعاد.. حقك على راسي يا تاج راسي.
أنهت كلماتها واقتربت منه ودفنت وجهها في صدره كقطة صغيرة، فصمت وهو ينظر إليها ويراجع نفسه. أي ذنب اقترفت ليحدثها هكذا ويسمعها هذا الكلام؟ أم أنه سينكث بما عاهد به نفسه ويخلط الأمور ويجعلها تدفع ثمن أخطاء غيرها؟
زفر وهو يطوقها بكلتا يديه، فهي عروس ويحق لها الدلال، وهو لن يظلمها أكثر، يكفي ما تحملته اليوم.
بعد دقائق إنتظمت فيها انفاسها فظن بأنها نامت، همس لها:
- رجوه لا تزعلي مني، أنا طبعي حامي، وأحسن شي سويتيه أنك ما جادلت ولا اعترضتي، هيك نريدك تكوني، هادية ومطيعة وعاقلة.
- أبشر ياسالم، بس كمان أنت راعي كلامك شوي واعمل حساب لقلبي ووجعه، وحاول تتذكر اسمي وأنت معاي لأني مو رجوه.. أنا مزيونه.
صمت ولا يعرف بما يرد عليها، فقد زاد الأمر عن حده كثيراً وهو معترف، فنهض سريعاً وارتدى نعليه وغادر الخيمة، فإن ظل معها سيقضي عليها بغباءه ولسانه.
ذهب عند شجرة النخيل التي اعتادت رجوه مؤخراً الجلوس تحتها وجلس يفكر فيما طلبته منه، هو أمر مستحيل ولن يوافق عليه أحد، ولكنها ترجته وحلفته بمحبتها وغلاوتها، تعلم أن الأمر فيه إهانة له ولكنها بأنانيتها لم تفكر فيه ولو للحظة، كل تفكيرها لنفسها وفي نفسها. نعم هذه هي رجوه وهكذا عهدها.
وبينما يحاول اتخاذ قرار، رآه يجلس بجواره، وكأنه سمع أفكاره وقرأ حيرته وقال له:
- ايش مطلعك من خيمتك ياعريس، ايش يقولون أهل القبيلة عليك ياسالم، تارك عروستك وطالع الخلا هارب منها؟
- ما حد له دعوه بي كل واحد يشقي بروحه.. المهم انقول يا عقاب، انريد نطلب منك شي وانتمنى ماتردني.
- قول ياخوي وبروحي البي.
- رجوه.
- ايش فيها شجرة الحنظل؟
- اريدك تتزوجها.
هب آدم واقفاً غير مصدق لما سمع:
- ايش تقول ياسالم، جنيت انت ولا ايش.؟ افطن زين لكلامك.
- اجلس يا آدم، اجلس أنا ما نهيت كلامي، اجلس واسمعني.
- أنا من صوبي الكلام انتهى ياسالم، أنا بالأساس مامصدق أنك طلبت مني هالطلب، وربي عقلي ما مستوعب.
- يا عقاب اسمعني، رجوه بتموت حالها إذا أنت ما تزوجتها.
- لستين جهنم الحمرة تاخدها، الله يقبض روحها اليوم قبل بكره الفانص، أدري هي ورا طلبك هاد واتوقع أنها طلبته بالمشفى وكان سبب سكوتك وصدمتك. طول عمري ياسالم نكره ضعفك قبال رجوه، نتعجب وأنا أشوفك معاها مسلوب الإرادة وكأنك لعبة بيدها توديك وتجيبك، ظنيت أن بزواجك من غيرها راح تتغير الأطباع، لكن الطبع للموت ما يتغير، وأنت رجوه طبعاتك على طاعتها وخوفك منها، أو عليها الأمر ما يفرق.
- اسكت شوي واسمعني يا آدم.
- لا ياسالم اسمعني انت،، تروح تقول لرجوه عقاب أبعد لك من نجوم السما، ومو من ضمن أمنياتك المجابه، قولها آدم يكرهك وهو اللي بحياته ما كره حد، قولها مو كل الأحلام تتحقق يا حسناء القبيلة، وأن الدنيا مو رهن إشارتك تعطيك كل اللي تتمنينه.
- آدم إذا تحب سالم وافق على طلبي.
- سالم انتهى الحكي، وهاد مو طلبك، هاد أمرها هي وأنت العبد المأمور. وياتنقلها كلامي وكرهي يا أنا بقوله ليها بطريقتي الخاصة.
- كلامك صعب ياعقاب ويوجع.
- أتمنى الوجع يصحيك ويوعيك ياسالم وكافي إهانة لروحك، والله ماني مصدق أنت اللي جاي تتوسل لاجل تزوج حبيبتك للي كبتك من أجله، ولا حتى عيني ما مصدقة أن سالم بذاته اللي قبالي! قوم، قوم رد لخيمتك واجلس مع عروستك، عروستك اللي شافت منك اليوم شي ماينحكى. كل أفعالك باتت غريبة وعقلك طفر منك وما عاد رجع ولا بقينا نعرف له طريق. أيش فيها لو كنت قلت لرابح يروح هو ببلوه عالمشفى ويعرضها عالطبيب، أو هلال أخوها أو أي حد من القبيلة وما كان حد تأخر، بس لأ، لزوم أنت تحملها وتجري بيها مثل الثور وتاخدها بنفسك. صغرت بروحك حتى قدام عروسك اللي ما خفي عليها عشقك لهالبلوة. روح روح، أنت مابقيت تصلح لشي، خربتك بت مكاسب ومشي الحال.
غادر آدم، وعاد سالم لخيمته وتفقد مزيونه وجدها نائمة، ولا يعلم كيف لها أن تنام بعد يوم كهذا؟! فاستلقى بجوارها وأغمض عينيه وهرب هو الآخر من الواقع لعالم اللا وعي.
أما آدم فعاد لغرفته وهو متجهم الوجه، فسألته أمه:
- مالك يا آدم يابني ايه اللي دايقك كده، دانت كنت خارج مبسوط؟
- لا ولا شي لا تشغلي بالك يا أمي، أنا بس تهاوشت مع سالم وحكيو ما عجبني.
- أنت وسالم اتخانقتوا؟ مستحيل دانتوا الاتنين واحد ومش بتزعلوا من بعض خالص، وبعدين دا عريس هو فاضي للخناق؟!
- أي ما كنا نزعل، بس بهالفترة سالم انهبل وصار بلا عقل وأنا ما أتحمل المهابيل.
- طيب احكيلي يابني إيه اللي حصل لدا كله بس؟
تنهد وجلس على الأريكة وتلفت حوله وسأل:
- وين أبوي راح؟
- أبوك مع الشيخ قصير وطلع معاه للصيد.
- طيب اجلسي أنقولك اللي سواه سالم، يمكن لو حكيت ارتاح.
- أتكلم يا آدم أنا سامعاك.
قصت عليه آدم ما حدث بينه وبين سالم، وقصت عليه القصة من البداية، من طفولتهم المشتركة. كانت تستمع وهي متأثرة، وبعد أن انتهى آدم نظرت إليه وقالت:
- طيب وليه لأ يا آدم، دا المثل بيقول خد اللي يحبك يابني، ودي وحدة ضحت بحب سالم كله عشان خاطرك انت، عشان بتحبك، اللي زي دي هتعيش تحت رجليك العمر كله، وأنت بتحب العيشة هنا وأكيد هتحب تتجوز من هنا.
- لا والله، رجوه آخر وحدة بالكون أفكر أتزوجها، هي وحدة أنانية ما تحب إلا روحها، رجوه ما تعرف الحب وما تفكر أنها تحبني، رجوه تحب الشي الصعب، تحب تاخد اللي ما غيرها يعرف ياخده، خدت محبة سالم وظلت سنين تتباهى بيه وسط بنيات القبيلة وتقول سالم حقي وسالم ملكي وسالم وسالم، وبس شبعت من سالم ومحبة سالم دورت على غيره، هي وحدة خاينة وماليها أمان، وأنا ما أأمنها على اسمي لو آخر وحدة بهالدنيا وما في غيرها.
- أي دا كله يابني، دي رجوه مجرد طفلة لسه متعرفش تفكر كده، هي عمرها كله على بعضه أد إيه يعني؟
- هين العمر مو بالسنين، وما في شي اسمه فلان صغير وكبير، بالقبيلة كل اللي يعرف شي يعلمه لغيره، والطفل ياخد خبرات الجدود ويطلع للصحاري تعلمه مالا يعلم. والعقل من عقول أهل القبايل يوزن عشرة من عقول أهل الحضر.
- طيب يابني أنا كنت بقول مجرد اقتراح بس.
- هو كل الموضوع مجرد اقتراح ومرفوض رفض تام.
غادر آدم الغرفة وهو يشعر برغبة عارمة في الذهاب لخيمة رجوه وضربها، لم يفكر مجرد التفكير في ضرب فتاة من قبل، ولكن رجوه يريد أن يفتك بها ويأخذ بثار سالم منها ويحاسبها على كل ما فعلته به.
أخذ حصانه وخرج به يجوب الصحراء، يفكر في حياة ولو أنها متاحة وغير محاطة بالعقبات لكان أسعد من على وجه الأرض الآن.
ابتعد كثيراً ولم ينتبه على نفسه، فتوقف وعاد أدراجه للقبيلة، فالصحراء لا تؤمن وخاصة أنه أعزل.
إنقضت عدة ساعات وأوشكت الشمس على المغيب، تحسنت رجوه وأصبحت قادرة على الحركة بفضل الدواء، كانت تراقب باب الخيمة بتلهف وهي تنتظره، على يقين بأنه سيأتي لها بالفرحة كما يفعل دائماً، تعرف أن ابتزازها له دوماً يأتي بنتائجه. ولكنه غاب هذه المرة وتأخر كثيراً!
سألت عليه عشرات المرات. إلى أن نفذ صبر معزوزة فنهرتها قائلة:
- ايش فيك يارجوه وايش تريدي من سالم، خلاص ما تجيبي سيرته. سالم ما عاد تحت أمرك متل قبل، سالم الحين معاه مرة وأصبحت له حياة بعيد عنك، ما تنزعيها وتخربيها عليه، هو قالك ما أريد أشوفك ولا عيني تقع عليكي، غيبي عن عيونه وعن فكره وساعديه ينساكي.
- هو بس ينفذ لي آخر طلب طلبته منه وراح أغيب عن عيونه وعيونكم كلكم وعن كل القبيلة وناسها. بس هاد الطلب.
سألتها معزوزة بإستغراب:
- وايش هاد الطلب؟
- مو الحين، إذا تم بتعرفي والكل يعرف.
صمتت معزوزة وهي تراقب أختها والقلق بدأ يراودها، فماذا قد يكون الطلب الذي سيجعلها تبتعد عن الجميع إذا تم؟
أما في خيمة سالم.
استيقظ فوجدها جالسة ترتب نفسها، شكلها مع كل شيء جديد ترتديه يختلف، وكأنها تتبدل مع الملابس، شعرها وتناسق جسدها، ورائحة عطرها الفواح الذي استقر في قلب سالم وليس في رئتيه، كلها أشياء تجعلها كقطعة الحلوى في عينيه. شهية. وهو جائع. نهض وذهب إليها فأنزلت المرآة التي كانت بيدها وتبسمت له، جذبها من يدها وذهب بها للفراش وأجلسها وجلس بجوارها، تأملها قليلاً ثم اقترب من وجهها فابتعدت، ضم حاجبيه وسألها باستغراب:
- ايش فيك؟
ردت عليه وهي تقف وتبتعد عنه:
- ما بي شي، بس أقول تتحمم وناكلوا لقمة وبعدها يصير اللي تريده، أنا كتير جوعانة.
أومأ لها سالم بالموافقة، فتحركت هي نحوا باب الخيمة، أعطت أمراً لمن رأته أمامها بأن يخبرهم بأنها تريد الماء والطعام في خيمة سالم.
وعادت للخيمة وأخبرته أن الماء والطعام في الطريق، فقد جرت العادة أن العروس لا تقوم بأي عمل من الأعمال لمدة أسبوع كامل، تأمر وأي شخص يؤمر ينفذ، هذا واجب أفراد القبيلة تجاه أي عروس.
في هذه الأثناء أخذت ترتب الخيمة وعيون سالم تراقبها، تتحرك هنا وهناك، تتمايل عمداً وشعرها يتراقص معها، فلم يتحمل سالم وهب واقفاً وبخطوتين أصبح أمامها، طوقها بذراعه وألقى ما بيدها بعيداً، واقترب منها فإذا بصوت ينادي:
- الطعام والمي يا معرسين.
فرد سالم دون أن يترك مزيونه وهو على نفس الوضع:
- اتركيه عندك وروحي.
ثوانٍ أخبرت فيهم مزيونه بقبلاته المتلاحقة بأن لا وقت للطعام الآن، ثم خرج مسرعاً أدخل الماء والطعام وأغلق باب الخيمة وربط أطرافه وعاد لمزيونه وطوقها بذراعيه مجدداً وهمس لها:
- أقول يامزيونه، حد قال لك أنك حلوة واااجد من قبل؟
- كتير سمعتها، بس منك انت غير ياسالم. قولي ياسالم تشوفني حلوة؟
- أشوفك مثل وجبة (لصيمة) حلوة وحارة وساخنة وما تتقاوم.
- إنت تحب اللصيمة؟
- أنا نموووت عاللصيمة. والحين فيني أدوق اللصيمة حقي؟
ضحكت مزيونه بخفة وتعلقت برقبته وهو يحملها ويذهب بها لعالم آخر لطالما حلمت زيارته، والآن هي فيه، وملكة على كل ممالكه.
إبتعد عنها واغمض عينيه وهمس لها ممازحاً:
- أحلى لصيمة ذوقتها بحياتي.
ضحكت وهي تلملم نفسها وتنهض، جهزت له كل شيء ليستحم وساعدته في ذلك، كان يمازحها ويضحك معها حتى شعرت بأنه معها بكل جوارحه، وكأن لا وجود لرجوه في قلبه ولم يعرفها يوماً! فقررت أن تستمتع به ومعه طالما بخيمتها، وتباً لكل شيء آخر.
عاد قصير من رحلة الصيد القصيرة التي اصطحب فيها محمود وبعض رجال القبيلة، وتم استلام الصيد منهم من قبل نساء القبيلة، وعلى الفور بدأوا في تجهيزه للشواء.
إما سالم فخرج من خيمته وتوجه أخيراً للشيخة عوالي.
- شيخة. ياعمتي أنا سالم.
- ادخل ياسويلم.
دلف إلى الخيمة وألقى التحية على الشيخة ومايزه، وجلس إلى جوارها بدعوة له من يدها التي ربتت على الفراش ثم قالت له:
- هااا أشوف وجهك عم يضوي ضوي والفرحة مبينة بعيونك. عرفت أن نقاوة عين عوالي ما يعلا عليها ياسويلم.
- أ أي ياعمتي عاشت ايدك وعينك.
- سالم بلا لف ودوران، أنت تزوجت وصار عندك مرة وخيمة، والحين أريد أن أقولك أن الماضي لزوم يولي بكل مافيه ويتنسى.
- أيش تقصد ياعمتي، إذا على…
- أي عليها ياسالم، على اللي خلتك تترك خيمتك ثاني يوم زواجك وتهمل الديار وتهج بيها للحضر تطبب وتداوي، وكله على عين مرتك وتحت أنظارها، استحلفك بالله فيه حد سوا اللي سويته بالقبيلة من قبل ياسالم؟
- والله ولا بغير القبيلة يسونها.
- ياعمتي يعني أنتِ ماشفتي حالتها، أتركها تموت وأنت تعرفي ماليها حد يحن عليها ولا يهتم لأمرها عاشت ولا ماتت؟
- وأنت أريدك متلهم تصير، ما تهتم لأمرها بعد اليوم، وحتى لو ما قدرت، أكتم اهتمامك بقلبك وما تبينه لحد، وبالأخص زوجتك. بعد عن الفانص ياسالم ما عاد يربطك بها شي.
- راح انحاول ياعمتي، من الحين مالي علاقة بها.
- زين، وأنا الحين أشوفك تحكي الصدق ولا لا. اتروح تمشي لعمك قصير وتقوله الشيخة تريدك. وأنا اليوم أنهي هي القصة من أساسها.
سألها وقد تحفزت جميع خلايا جسده:
- كيف يعني تنهيها، ايش راح تسوي ياعمتي عرفيني.
- من شوي جاني صياح ولد عمك مناحي وطلب وساطتي لحتى أزوجه رجوه. هو سبق وطلبها بمجلس النهوة على بنيات قصير وهلال رده. أعرف هلال رده لأجلك، بس ما يصير رجوه تضل بلا زواج، وأنا وانت نعرف أن اللي تريده أبعد لها من نجوم السما، وأنا نويت أن أخلي قصير يزوجها ونفتك من وجيج الراس هاد كلو.
هب واقفاً وهو لا يستوعب ما سمعه، وكأن عمته عوالي ألقت عليه قنبلة شتتت جميع أفكاره، فصاح برفض:
- مين هاد صياح كمان اللي يتزوج رجوه؟ يعني بربك ياعمتي رجوه يتزوجها هاد اللي رجوله متل رجول الماعز ووجهه ماينشاف فيه شي؟
- وأنت ايش دخلك، لتكون أنت اللي راح تنام جواره بالخيمة وتشوف رجوله؟ هي راح ترضى فيه وغصب عنها، هاد فرصتها الوحيدة وغيره ما حد راح يقف بباب خيمة أبوها ويطلبها زوجة ليه وأم لعياله.
- وان شاء الله ما حد وقف ولا حد طلب، ياعمتي والله شعلتي النار بضلوعي، ايش أنام جواره وينام جوارها، بربي إذا قرب صياح من رجوه لأكون مكسر اديه ورجليه واذبحه واصلخه واعمل جلده قربة ينقلون بيه المي من البير للهوايش والبهايم تشرب.
- صياح راح ياخد رجوه ياسالم ولا أنت ولا غيرك يقدر يقرب صوبه، وفكر بس تعملها وأنا اللي بوقفلك، وأنا وانت والأيام طوال.
- ما تسوي هكي معي ياعمتي، الا رجوه.
- هااا عرفت الحين أنك كذاب وما راح تبعد ولا شي.
- لا مو كذاب، بس كمان صياح لا، وإذا أنا ما تزوجتها ماترموها متل الجيفة لكلاب القبيلة.
- صكر خشمك وتحشم، إحنا ما عندنا كلاب، إحنا كلنا ولاد عمومة ومن فخذ واحد، يعني إذا صياح كلب أنت تصير كلب متله. هيا ياسالم أغرب عن وجهي، وإذا شفتك تحوم حول رجوه والله لاخليك عبرة لكل شباب القبيلة، والله هي أول مرة أشوف الفنص ما يقتصر عالبنيات وامتد للرجال بعد!
- عمتيييي.
- يلا غادر الخيمة بلا عمتي بلا خالتي، امشي ولا عاد تحاكيني إلا لمن يرد عقلك براسك وترجع سويلم العاقل وعلى شو ما أقول تقولي تم وحاضر وابشري يا عمه.
- أنا رايح بستين داهيه ياعمه.
- أي الله معك.
خرج من الخيمة وهو يشعر بالدم يغلي بعروقه. ذهب إلى المجلس، حيث شباب القبيلة وشيابها، الكل ملتف حول الشيخ قصير، وبعض الشباب تولوا مهمة الشواء، فجلس سالم ولم يكترث لوابل المباركات الذي إنهال عليه، وكانت عيناه يبحثان في وسط الجمع عن شخص ما. وما إن وقعتا عليه حتى حدجه بنظرة نارية وكأنه يخبره بأنه اقترف جرم كبير.
أما الآخر فبمجرد أن رأى سالم ينظر إليه هكذا حتى تبسم بسعادة، فالحين فقط اطمأن قلبه ولاح له بصيص من أمل أن طلبه قد يلقى قبول، وقد كان يظنه ما زال مستحيلاً.
أما آدم فقد لاحظ نظرات سالم لصياح، فاقترب منه وجلس بجواره وهمس له متسائلاً:
- ايش فيك، ليش تناظر الشب بهالطريقة، ايش سوالك؟
- لا ولا شي، أنا بس ما أحبه من زمان.
- صياح؟ بس والله الرجال زين وينعد عالأصابع من زينة شباب القبيلة، هو دوم معي أنا وعمي قصير بصفقات السلاح وعمك كتير يثق فيه.، وأنا بعد.
- أي وبعدين، انقوم ندق له تحية يعني ولا ايش؟
- لااااا مبين الموضوع كبير وإلا ما أعرفا.
صمت سالم وصمت معه آدم، ومر بعض الوقت وإذا بفتى يقترب من الشيخ قصير ويهمس له في أذنه، فقام قصير، وتوجه لخيمة الشيخة عوالي، فعلم سالم أنها أنذرت وها هي تنفذ، فضرب الأرض بقبضة يده قهراً. أما قصير، لم يغب كثيراً وعاد لمجلسه، أمال بجذعه على ابنه هلال وتشاور معه، فأومأ هلال بالموافقة بعد مناقشة قصيرة، فرفع قصير رأسه وقال بصوت مرتفع:
- يا قوم، اليوم صياح ولد مناحي ابن عمي وخوي طلب النهوة على بنت عمه رجوه بتي وأنا عطيته. ومن الحين رجوه منهي عليها من صياح.
كان الخبر بمثابة الصدمة لأغلب الحضور، وبالأخص لسالم وآدم، وثوانٍ معدودة مرت وكانت كفيلة بوصول طيور الأخبار الصغيرة للخيام ونشر الخبر، وسمع الجميع صرخة مدوية مصدرها خيمة رجوه، فتجاهلها قصير ورفع كلتا يديه وأردف:
- يلا الفاتحة يا رجال، والعرس بيتحدد بيني وبين صياح وراح يتم بأقرب وقت.