تحميل رواية «عقاب ابن الباديه» PDF
بقلم ريناد يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عادت معه وهي مرغمة على ترك روحها وفلذة كبدها في الصحراء، تذرف دماء روحها عليه وهي تحاول تقبل فكرة أنها لن تراه بعد اليوم، وأنها نفت قطعة منها بيديها وبكامل إرادة عقلها، ولم تخضع لقلبها الذي جادلها بإستماتة حتى يثنيها عن قرارها هذا ويجعلها تقف في وجه الخوف معترضة. ولكن للأسف خوفها من فقدان دائم جعلها تتقبل فكرة الفقد المؤقت، وأن عزاءها الوحيد أنه حي يرزق، حي يتنفس، حي بقلب ينبض. نظر إليها محمود زوجها بشفقة واردف: - مش كفاية عياط يا عايدة بقالك ساعات عيونك ما أخدوش هدنة، كفاية يا حبيبي عشان عنيكي،...
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم ريناد يوسف
نظرت خولة للخنجر وردت على عوالي وهي تزدرد لعابها بخوف:
- ياعمتي هدي حالك والله ماكنت أدري إن اللي تريد تتزوج يذبحونها؟
- لاموا اللي تريد تتزوج، اللي تسوي سواتك يذبحونها.
- ياعمه والله أنا ماكنت ناويه شر وكنت مفكرة إنه شي عادي.
- إيش هو الشي العادي ياقليلة الحيا، والله ما مر علي بحياتي كلها بنية سوت اللي سويتيه.
- ياناس إيش اللي سويته كلها حفنة بول ماعز وصالحة عايشة ما ماتت ولا جرا عليها شي.
- بول.. بول إيش يامخبولة؟
- بول ماعز ياعمتي، بس أريد أعرف إنت متى دريتي، هو أنا هربت من الخيمة وجيت طوالي، وربي إذا الكلمة تطير أنا بكون وصلت قبلها! إنت مخاوية جن ياعمتي وتسمعين اللي ينقال بالخيام؟
- جن يجننك ويجنن أمك.. مايزة اتركيها وروحي جيبي صالحة أريد أعرف بيش تخربط وتهذي هي المخبولة.
أسرعت مايزة نحو خيمة صالحة وأحضرتها لخيمة الشيخة عوالي على الفور، وحين دلفت صالحة ورأت خولة هجمت عليها تريد ضربها، فأوقفتها عوالي بغضب:
- كُفّي يدك بحضرتي ياصالحة واتركي عقابها لي، إنت بس احكيلي إيش اللي صار وماعليك بها.
فاخذت صالحة تقص على الشيخة عوالي ماحدث، وما إن وصلت عند جزئية بول الماعز انفجرت عوالي في الضحك وحتى مايزة لم تسيطر على فمها وضحكت، وخاصة حين أمسكت صالحة بطنها بألم وكأنها تتوجع.
ونظرت عوالي لخولة وقالت:
- تعرفي إنك السبب بأول ضحكة تطلع مني من بعد موت خوي منصور ولزوم تتعاقبين لأنك قطعتي حدادي.
- ياشيخة أعرف إن اللي يضحك حد ياخذ حلوان مو يتجازى ويتعاقب!
- لا أنا غير.. أنا اللي يضحكني بحدادي على خوي أعاقبه وأكويه بالنار.
- لا بالله عليك ياشيخة أحب على رجولك أنا ما أتحمل كي بالنار، احرقيني كلي ولا تكوي مني جزء.
أنهت كلماتها وخرت تحت أقدام عوالي وأمسكتهم وقبلت ركبتيها وهي تنظر لها، وحين اطمأنت لابتسامتها قالت:
- أقول ياشيختي.. اكويني كي صغير بس زوجيني، والله مليت من صالحة وأفعالها وخدمتها هي وولادها، وغير هيك أريد أجيب ولاد ألعب بهم وأضربهم وأتفشش فيهم إذا حد زعلني.
- يبعتلك وبا يا خولة ينهي عمرك قولي أمين.
- أعرّس واللي يجي يجي.. بس أمانة عليك ياعمه شوفيلي عريس زين، أنا ماراح أعطيك أسماء من شباب القبيلة إنت وذوقك واختيارك، وإذا اللي اختارتيه لي شاف روحه ورفض قوليله خولة عندها ٥ غنمات ملك وعنزتين، ومستعدة أعطيهم له كلهم، وإنت وشطارتك ياعمة إذا خليتيه يفوت لي منهم شي خديه إنت لكي حلال عليك.
ضحكت عوالي أكثر على صفقة خولة وأشارت لها بيدها كي تغادر الخيمة، وبالفعل غادرت.
وصرفت صالحة أيضاً بعد وعد منها بعدم التعرض لخولة وأن تسامحها، وطمأنتها أن لا قلق من بول الماعز عليها مادامت خولة تسقيه لها منذ فترة ولم يحدث لها شيء.
وبعد أن غادرتا الخيمة نظرت عوالي لمايزة وأردفت بجدية:
- مايزة بعيد عن الضحك وهبال خولة بس أنا عرفت الحين إني مقصرة واجد بأمور مشيختي وفيه أشياء ما منتبهتلها.. البنيات اللي ما حد يقرب صوبهم وينهي عليهم بدهم مساعدة منا، وبنفس الوقت الشباب اللي ما يعرسون لجل ما معهم قروش لزوم نحصرهم ونوفقهم بالحلال وما نترك بنت بالقبيلة بدون زواج ويصير حالها مثل حال خولة وما نلاقيها إلا هاجمة عالخيام تقول أريد أتزوج.
وإذا خف عقلها تهجم على خيام الوليدات، وأنا بديت أخاف ومتل ما تشوفين الفوانص كثروا بقبيلتنا ولزوم نسيطروا عليهم.
- معك حق ياشيخة، أنا غدوة بجمع كل حرمة حداها ولد شاب وسنة كبر ونخلوها تخيره بين بنيات القبيلة اللي كبرن ونوفقهم بينهم، واللي يريد مساعدة على الله وعلى الشيخ قصير وهو ما يتأخر.
- وعلي أنا من بعده والله يقدرني.
أما في وقت سابق..
عاد سالم من الحضر وأحضر معه لمزيونة كل ما لذ وطاب والكثير من فاكهة السفرجل حسبما اشتهت، ودخل عليها الخيمة وكانت جالسة تغزل الصوف، فاقترب منها وهمس:
- حيالله المزيون اللي يغزل بيديه الحلوات.
- يا هلا وكل الهلا بنبض القلب وضو العيون، توا الخيمة زاد نورها ورقصت من فرحة رجوع راعيها.
- تعالي تعالي شوفي إيش جبت لك.
اقتربت منه مزيونة وجلست بجانبه وقبل أن ترى شيئًا امسكت كفة يده وقبلت باطنها بعد أن همست له:
- تسلم اليد اللي شالت وجابت.
تبسم سالم ورد لها القبلة على جبينها، فأمسكت هي واحدة من السفرجل وقضمتها على الفور وهي تقول:
- الف حمد لك ياربي كنت خايفة ماتلاقي سفرجل والولد ما يجي حلو، والحين بس ارتاح قلبي.
- عن أي ولد تتكلمين إنت؟
- ولدنا ياسويلم، ولدك.. بذرتك اللي انزرعت بحشاي وتكبر كل يوم.
- نظر لها ثم سألها وهو غير مصدق:
- بربك تحكي الصدق يامزيونة؟
- وربي ما قلت إلا الصدق، أنا حبلى بولدك ياسالم.
أمسك يدها وجذبها برفق لأحضانه وضمها لقلبه، لم ينطق بلسانه ولكن فرحته كانت تغني عن الكلمات، فمنذ زواجهم ولليوم لم يجلس معها إلا وسرت خاطره وأسعدت قلبه، وهاهي الآن تحقق له أعظم أمانيه، وتعطيه الابن الذي كان يحلم به.
ابتعدت عنه ونظرت لعينيه وهي مبتسمة، فرد لها الابتسامة وتاه في بريق عينيها الذي يعكس فرحتها، ثم اخذها بين ذراعيه وبدأ يكافئها على هذا الخبر العظيم بطريقته الخاصة.
أما عند رجوة في الخيمة..
- بربك يامسك سمعتي رابح يقول عقاب جاي؟
- أي والله سمعته يحكي معاه بالنقال ويقوله غدوه لزوم تيجي قبل سفر عمي قياتي، رابح رايد يشتغل بالسيارات ويريد عقاب يفتهم من عمي قياتي وبعدها يفهمه ويساعده يسوي شركته.
دارت رجوة حول نفسها بفرحة، فها هو عُقابها يعود لها مرة أخرى، وستضع الآن كل النقاط على الحروف.
وبالفعل حضر آدم في اليوم التالي، وكانت رجوة في استقباله على مشارف القبيلة، والغريب أنه لم يعيرها أي اهتمام، وكأنها هواء!
وما أوجع قلبها حقاً هي الحلويات التي أحضرها معه من الحضر وأعطاها كلها لبنات قياتي ولم يكلف خاطره أن يعطيها منهم!
وهو يعلم أنها تحب الحلويات وتشتهيها، فمنذ وقت طويل لم تتذوق شيئًا، منذ أن توقف سالم عن إحضارهم لها.
أما آدم فكانت حركة متعمدة منه كي يشعرها بأنه ليس فانوسًا سحريًا آخر كلما فركته أتى لها بما تحب ووقتما تحب.
فعادت للخيمة مكسورة الخاطر، وأجهشت بالبكاء وهي تشعر بأنها واقفة على أعتاب حياة آدم، لا تعلم إن كانت ستدخلها أم ستظل دائمًا هكذا على الأعتاب تطرق الأبواب ولا مجيب يفتح؟!
مرت ساعات النهار وخيم الليل، وتأخر الوقت كثيرًا، وأخيرًا قررت رجوة مغادرة الخيمة والبحث عنه؛ هو غالبًا يظل مستيقظًا بهذا الوقت وكانت تعرفه من ضوء غرفته المضاء، ونظرًا لأن غرفته محتلة الآن بحثت عنه في كل الأماكن الأخرى حتى وجدته جالسًا عند البئر يتحدث بالجوال، تقدمت منه بغضب وبأقدام تضرب الأرض ثم هدرت به دون سابق إنذار:
- ياعقاب أريد لي بر أرسي عليه الحين.. إنت تريدني ولا ما تريدني، ناوي تأخذني لك ولا بس معشمني عشم كذاب؟ أريد جواب والحين.
- إيش هالطريقة وهالأسلوب يارجوة! من متى وإنت أو غيرك تحكي معي هيك؟
- بالله عليك اتركني الحين من الطريقة والأسلوب وجاوبني.. قديش راح أضل متعلقة بالهوا معك ما طايلة سما ولا أرض؟
صمت آدم ولم يجبها ونكس رأسه أرضًا، فتجمع الدمع في مقلتيها وارتجفت شفتيها وهي تهمس له:
- من السكوت عرفت الجواب.. طلعت كذاب ياعقاب.
قالتها وابتعدت بخطواتها للخلف ثم استدارت وأسرعت ناحية الخيول وقامت بفك وثاق أحدهم وركبته وانطلقت به بأقصى سرعة.
كل هذا تحت ناظري آدم الذي ضرب حافة البئر بقبضته وهو يراها تنطلق في الصحراء غير آبهة لا بوقت ولا بظلام، فنهض وتوجه لمكان الأحصنة وأخذ حصانًا آخر وانطلق خلفها.
- وقفي يالمهبولة وقفي لوين ودك توصلي.
- اتركني بحالي ليش لاحقني، عاااود عاود.
اقترب منها أكثر فترك لجام فرسه وحرر أقدامه من السرج واستعد للقفز، وبحركة سريعة قفز على حصانها ليكبلها بجسده فوق الحصان، ويلتقط منها اللجام ويتحكم بها وبالحصان معًا ويوقفه.
ثم همس لها وهو يصك على أسنانه:
- ويش قولك لو أربطك وأتركك فريسة للضباع الليلة والصبح تجي الغربان تتريق باللي ضل منك وبعدهم آجي أنا آخذ عظامك وأدفنهم وأرتاح منك ومن هبالك.
اردفت بصوتها الذابل من قربه وهي تحاول تهدئة قلبها الذي يستغيث الآن من هذه الرائحة التي تشبعت بها أنفاسها، والتي تعشقها حد الجنون:
- اربطني واتركني لو هالشي يريح بالك.. أنا أي شي منك راضية بيه وأي شي تسويه فيني خدامتك وماراح تشوف مني غير الطاعة.
تنهد بقلة حيلة وقفز سريعًا من فوق الحصان ناهيًا لهذا القرب المهلك، فهي جميلة حد اللعنة وتعشقه وتبدو بين ذراعيه كقطعة من الحلوى، وبمفردهم تحت جناح الليل، وهو شاب يحترق حرمانًا، ولو أنه بقي قريبًا أكثر لضعف متناسيًا صديقه وحبيبته ومتناسيًا العالم، فهو بالنهاية رجل، ولا يوجد رجل يستطيع مقاومة كل هذه المغريات، ففاتنة البادية بين يديه ترجو وصاله، ولولا أنه قوي لنضبت قوة تحمله ورضخت مبادئه لسطوة شيطانه الآن.
سار هو يمسك بلجام حصانها بيد ولجام حصانه باليد الأخرى حتى وصل أطراف البادية، متجاهلاً رجائها له طوال الطريق بأن يهبها فرصة واحدة فقط وتعده بأنه لن يندم إن فعلها، وتحاول التأثير فيه بكل ما تعرفه من عبارات تفتت قوة الرجل لو كان صلبًا كالحجر، ولكن كعادته لم يتأثر ولم يرف له جفنًا إلى أن توقف بالأحصنة.
فأنزلها وتركها واقفة تتأمله والحسرة تأكلها، وأخذ الأحصنة يعيد تقييدهم، وانتظرت هي عودته لتحاول معه مجددًا بلا كلل، ولكنه تركها مبتعدًا، ودلف سريعًا لخيمة الشباب هاربًا منها، وهو لا يعلم سبيلًا للتخلص من شعوره بالندم على ما سوله له عقله لجزء من الثانية، فهي في نظره خيانة لا تغتفر، والخيانة ليست من طباعه ولم يكن يومًا لها أهلًا.
تفحص صياح من وسط النيام فوجده يغط في نوم عميق، فرفع جزءًا من الخيمة وخرج من الخلف حتى لا تراه إن كانت لازالت واقفة، وأخرج هاتفه بعد أن تمدد فوق الرمال وقام بالضغط على رقمها، وفور أن أجابته بصوتها الناعم الناعس همس منتشيًا:
- يااااابااااه دخيل هالصوت وصاحبته، أحبك وربي وأروح لك فدوة وإشتقتلك ووااااجد.
- وإحنا إيش حكينا قبل؟
- اعذريني بس وقت يزورني الشوق ما أملك من أمري قلبي شي ولا أقدر أتحكم بروحي.
- آدم جلسة ماما اتحددت في المحكمة الأسبوع الجاي.
وهنا عاد آدم من عالم أحلامه وانتبه للوضع الحالي وتذكر كل شيء، تذكر مدحت الذي مات غدرًا ولولا ستر الله لكان هو مكانه الآن تحت التراب منسيًا، وعاد لرشده وهتف لنفسه بأن أولاده يستحقون أن يتخير لهم الدماء التي ستجري بعروقهم، ولو كان الأمر يخصه وحده ما تردد لجزء من الثانية.
أنهى معها المكالمة وعاد للتفكير.
هو الآن تائه لا يعرف ماذا تخبئ له الأيام، وقلبه المتمرد يطالبه في حقه بالعشق، وإن لم تكن حياة فلتكن غيرها، يفكر جديًا أن يفعل مثل سالم ويأتي بحبيب يفل الحبيب وخاصة أنه يرى أن سالم بدأ يجني ثمار تخليه راحة بال، وحياة مستقرة، والمحبة آتية لا ريب.
مر باقي الليل على رجوة وآدم وكلاهما مستيقظ يراجع حسابات قلبه، ولم يقتصر السهر عليهما فقط، بل بنات قياتي الثلاثة لم يذقن النوم، فغدًا يوم مصيري بالنسبة لهن ولا يعلمن ما تخبئ لهن القبيلة من مفاجآت هي وأعرافها، وكانت نوف الأكثر خوفًا بينهن.
وأخيرًا أتى ضوء النهار الذي تأخر كثيرًا اليوم على غير عادته!
بعد إعداد طعام الإفطار وفطر جميع من في القبيلة، تحدثت عوالي مع قصير في حضرة قياتي عما تنوي فعله، فأيدها وبارك مسعاها، وقياتي أيضًا تبرع بمبلغ من المال لشباب القبيلة وفتياتها حتى يسهل عليهم عبء الزواج، وآدم شارك ورابح وسالم، وكعادة القبيلة تضافرت الأيدي وتسابقت لفعل الخير وجمعت مايزة النساء لخيمة الشيخة عوالي وبدأ مجلس الزواج الأول، والذي انتهى بالتوفيق بين أكثر من ثلثي عوانس القبيلة شبابًا وفتيات، وحلت الأزمة التي كانت عوالي غافلة عنها، وحتى خولة كان لها في الاختيار نصيب، فقد بذلت الشيخة عوالي قصارى جهدها حتى تقنع أم شاب يسمى سعود، فقير معدم وكل عمله الذي يعرفه في الحياة هو رعي الأغنام بأجر.
فرأت عوالي أنه الأنسب لخولة، ولكنها اشترطت على أمه أن تبتعد عن خولة نهائيًا إن كانت تريد العيش بسلام، وفي المقابل هي ستتكفل بكل ما تحتاجه من ملبس وعلاج ورعاية.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم ريناد يوسف
انتشر الخبر في القبيلة سريعاً ووصل لمسامع خولة.
فقامت ترقص وتغني قبل أن تعرف هوية العريس. ولما سمعت الاسم توقفت عن الرقص ويداها معلقتان في الهواء، وهمست بعدم تصديق:
- سعود الشحاذ؟! سعود الأسود فحام الطناجر! سعود اللي مايستحم وريحته قالبة كل القبيلة والناس تحيد من غير طريق إذا جالس بمكان؟ حيّيه عليا وعلى حظي الأغبر.. إي أنا أعرف إن عقاب مستحيل، بس يعني ما أنزل بأحلامي من عقاب يحوم بالسما لفار يتخبى بشوق الأرض!
صالحة:
- صكري فمك. أنت ماشفتي إيش سوت الشيخة حتى تقنعه هو وأمه بيك؟ وإذا على غنماتك حطت فوقهم أربع حتى رضوا بيك.
- إيش تقولين؟ أنا خولة زينة بنات القبيلة ما يرضى بي سعود الخايس؟ والله عقلي يقول أروح أدجه بحجر أفتح راسه وأسحبه للبير وأسبحه قدام كل أهل القبيلة الأجرب وأخليه يشوف الوصخ لينزل منه حتى يعرف قيمته ومقامه.
صالحة:
- شوفي بلا كتر وجيج راس. هو سعود الموجود، رضيتي به ولا أمشي للشيخة أقولها خولة ما وافقت، شوفيله عروس غيرها.
ترددت لحظات قبل أن ترد:
- بس طولي بالك شوي. أنا إيش قلت يعني! خلص سعود سعود.. بس والله عقاب اللي كان بنفسي.
- قطع أنفاسك.. والله ما أدري أنت إيش شايف بروحك وتنظرين للعالي؟
- ولا عالي ولا واطي.. انقطع حبل الأحلام وطاحت كلها عالأرض وما بقالي إلا سعود الأجرب.
هرولت نحو خيمة عوالي تجلب الأعشاب.
دلفت أم سعود للخيمة وبحوزتها كيس بلاستيكي أبيض كبير يشف ما بداخله، وكان عبارة عن ثوب زفاف بدوي. فجلست في المكان الذي دعتها إليه صالحة ونظرت لخولة الواقفة في إحدى زوايا الخيمة تمثل الخجل، وأشارت لها كي تقترب وهي تقول:
- إقتربي يا خولة، تعي اجلسي جواري أريد أفرجك شي.
هرولت خولة وقفزت لتجلس بجانبها وتتربع وتعود لخجلها الكاذب، مما جعل أم سعود تتفاجأ من حركتها وتشعر بخوف سرعان ما اختفى. ثم ربتت على ظهر خولة وقالت لها:
- يا خولة جيتك اليوم خطابة وأريدك لولدي سعود بالمحبة.. وسعود اختارك من بين كل بنيات القبيلة لجل عيونك السود ويريدك تعمري بيته وتجيبيله وليداته.
- ولجل غنماتي وعنزاتي.
صمتت أم سعود وردت عليها صالحة سريعاً:
- تمزح.. تمزح خولة يا أم سعود، هي تحب المزح متل عيونها.
- آ.. أي الله يديم روحها الحلوة ومزحها. أقول يا خولة خذي هالثوب وقيسيه، هاد ثوب عرسي وجبته لك تتباركي به وتلبسيه بعرسك والله يبعتلك على وجهه أيام حلوة.
- أتبارك بثوب عرسك؟ أنت تدرين من متى وأنت معرّسة؟ تريدين تعطيني حظك الأغبر وزوجي تاكله الضباع ويطلع ما يرد وأجيب وليد متل سعود ولدك ويطلع مامنه نفع؟
- ولك الله يبعتلك وبا يا خولة على كلامك الحنظل..
صالحة:
- الله يسود وجهك يا كلبة البوادي يا عديمة الحيا.. السماح منك يا أم سعود هي ماتعرف إيش تقول وماتقصد.
- لا أقصد.. جايه ومتعنية وجايبه ثوب قديم وفاله شوم وتريدني ألبسه وأصكر خشمي؟ والله إذا ما جاني ثوب جديد ومغزول ومشغول باليد وبسلوك الذهب ما ألبس ولا أتزوج.
- إن شاء الله مالبستي ولا تزوجتي. هاد عندي وهاد اللي يقدر وليدي عليه، ولو ما عجبك بلاها البيعة.
- أي بلاها.. أنتي وولدك قبل ما تيجو ماسألتم لمين جايين خطابة؟ ما تعرفون خولة إيش تكون وإيش وضعها بالقبيلة ووضع أهلها؟ خولة اللي عندها غنم وعنزات، وأمي عندها قروش ملو صندوق كل ليلة تعد وتنام قبل ما تخلصهم عد من كثرها، ولا خواتي اللي كل واحد فيهم عنده صندوق معبى قروش وكلهم بالصندوق الكبير الأسود.
تلفتت أم سعود حولها حتى لمعت عيناها حين وقعتا على صندوق أسود اللون ضخم في زاوية الخيمة.
كانت صالحة تسمع وهي مذهولة من كذبات ابنتها المتواصلة، ولا تعرف كيف لها أن تسترسل هكذا، فهمست لها:
- من وين أمك عندها قروش وتعد كل ليلة؟ الله ياخذك!
- لا تخافي خالتي أم سعود ماتحسد، وإذا كان تم الزواج كانت بتصير أمي الثانية وقروشك قروشها، بس يلا ما في نصيب، وقف الزواج ثوب العرس.
قامت أم سعود بإعادة الثوب لمكانه مرة أخرى وهي تقول:
- لا يا خولة الزواج ما وقف ولا شي. أجمل ثوب عرس مشغول بالخيوط الذهبية يحضر لجل عيونك وتلبسيه وتكوني أحلى عروس بالقبيلة، والسماح منك يا أم صياح، أنا جايه وقاصدة خير والثوب ما جبته إلا للمباركة وما كنت أدري خولة تضوج مني وتزعل.
تبسمت خولة وأخذت تلاعب حاجبيها لأمها كلما نظرت أم سعود بعيداً. وردت صالحة عليها:
- أدري بك طيبة القلب وماتقصدين إلا الخير يا أم سعود، وماتآخذي خولة على كلامها، هي هيك من صغرها تدج كلامها دج.
- بعدها صغيرة وتتعلم مع الأيام يا صالحة، أنت بس اتركيها لي وأنا بعلمها لك الأدب.
تمتمت صالحة لنفسها:
- والله لتعلمك أنت وولدك وسلف سلفك الأدب وتمشيك عالصراط مثل عنزاتها.
غادرت أم سعود وجلست خولة مع أمها يتباحثن في أمر العرس والتجهيزات. بدأت صالحة توصي خولة بالوصايا التي توصي بها كل أم ابنتها المقبلة على الزواج، على الرغم من أنها تعلم أنها حين تنتهي لن تتذكر خولة حرفاً واحداً مما قالته لها.
أما عند قياتي وقصير، فبدأ المجلس ينعقد، وحضره الجميع. واستهل الكلام قصير قائلاً:
- يا إخوان، يا أهل القبيلة تعرفون إن اليتغرب عنا أصولنا واعرافنا تضل عايشة بعقله وقلبه وروحه لجل أنها معجونة فيه وما تفارقه لو راح آخر الدنيا. ولهيك اليوم قياتي يسأل خوانه من يريد منكم بت من بناته يتفضل يقول.. وأنا بفتح أول باب الرهن وأقوله أريد عفراء لولدي هلال.
هم قياتي أن ينطق ولكن قاطعه هلال قائلاً:
- من بعد إذنك يا بوي أنا أريد نوف ما أريد عفراء.
- هي أخت هي يا هلال، وما دامك قنصت نوف خلص يا قياتي هلال يريد يرهن نوف.
بالتأكيد بعد أن طلب هلال رهن نوف لم يجرؤ أحد على طلب رهنها من بعده. فكان الطلب على العنود وتقدم أكثر من عشرة لخطبتها من زينة شباب القبيلة، ومن ضمنهم طلب لشاب يدرس بالحضر وقرر أبوه خطبتها له. أما عفراء فلم يتقدم لرهنها أحد بالمرة!
انتهى المجلس وبعث قياتي بمرسال لبناته وزوجته أن يجتمعوا في خيمة عوالي، وذلك كي تقوم عوالي بالتعريف عن كل خاطب من المتقدمين وتذكر كل المعلومات عنه أمامهم جميعاً. وبعدها يترك للعنود القرار..
أما في خيمة معزوزة:
- يا رجوه امشي للشيخة عوالي وقولي لها معزوزة تريد أعشاب حرقة المعدة، ما قادرة آكل شي والنار قايدة بجوفي ماتنطفي.
- تم الحين بمشيلها وأجيب لك أعشاب وأغليها لك، كله لجل أسد الصحاري الجاي.
هرولت نحو خيمة عوالي تجلب الأعشاب. وفي هذا الوقت حضروا بنات قياتي ودخلوا الخيمة والخوف يسيطر على خطواتهم، وجلسوا ثلاثتهم وأمهم معهم. وجلس قياتي أمامهم وبدأ يعطي لعوالي الأسماء وهي تعرف. ولما انتهت الاختيارات صمتت العنود فقال لها أبوها:
- هيا يا العنود وازي بينهم وشوفي الأنسب لك وبلغيني بقرارك.
- أصلي وأشور ربي ويصير خير يا بوي.
نظر بعدها قياتي لنوف وقال:
- وأنت يا نوف أمرك يسير، ما تقدملك غير ابن عمك قصير.. هلال.
بلعت نوف لعابها بصعوبة، فابن شيخ القبيلة يعني أن قبرها في القبيلة قد حفرت وستدفن للأبد. فدفنت رأسها في حضن أمها وأجهشت بالبكاء..
قياتي:
- إيش فيك يا نوف، ليش تبكين يا حبيبة أبوك؟ الزواج ماراح يتم الحين، ما زال الوقت طويل وهو بس رهن.
- والرهن إيش آخره يا بوي، آخره زواج وأنت تدري أني ما أحب القبيلة ولا حياتها.
عوالي:
- والقبيلة بعد ماتحبك، بس مو كل شي يصير بالمحبة، فيه شي يصير بدش الراس.
- لا يا عمتي ما في دش روس ولا شي، هادول بناتي وما عاش اللي يجبرهم على شي وأنا عايش وأتنفس. إحنا نقبلوا النهوة الحين وقدام يحلها الحلال.
صمت قياتي وصمته طال وعفراء صبرها نفذ، فتنحنحت وقالت:
- وأنا يا بوي الدور علي.
- أنت يا عفراء ما في حد جا صوبك ولا نطق اسمك.
- ولا حتى جمل من جمال عمي قصير قال أريد عفراء؟
- ولا كلب من كلاب القبيلة؟
- ليش يا بوي، انكسر خاطري والله.
وهنا ردت عليها عوالي بغضب:
- ماتعرفي ليش يا فانص؟ من الرفس اللي شفتوك ترفسيه لبت قصير برجليك، من ياخذ له وحدة رفاسة إذا تزاعل معها ترفع ثيابها وتشغل رجولها رفس، لا ويقولون رجولك توصل لفوق راسك وتقفزي متل القرود والكل ماله سيرة غير رفسك.
- هاد كراتيه اسمه كراتيه يا عمتي.
- كرت عليك وبا وخذك، خلي الرفس ينفعك يا فانص والله لتبورين وتجلسي بزور أبوك.
صمت قياتي، فبالفعل لم يكن يجدر بابنته ممارسة رياضة الدفاع عن النفس في القبيلة، فعندهم لا ترفع الفتيات أرجلها ولا تفعل مثل هذه الحركات أبداً، وكل غريب عندهم عار.
وأكملت حديثها مع العنود:
- وأنت يا زينة الصبايا، صلي ووازني وردي علي قبل لا تردي على أبوك وأنا بقولك الزبدة بعدين.
- أمرك يا عمتي.
- ما يؤمر عليك ظالم يا عيون عمتك.
في هذه الأثناء كانت رجوة وصلت أمام الخيمة وسمعت حديثهم، فأقتحمت الخيمة مما جعل الجميع يقفزون من المفاجأة. ونظرت لعوالي بشر وهدرت بها:
- يا أخ ما أدري من وين جات اللطافة هي كلها، لا وتقولها وازي وقوليلي قبل ما تردي خبر لأبوك، ووحدة غيرها تترهن ومالها رأي وإذا اعترضت تصير فانص وتنكوي بالنار، وين يا عمتي سكينك الحامي ولا بس لرجوة يطلع؟
طلع الكل مخبي مكيال ويكيل بيه وقت يختلي بروحه، بس تعرفي أنت ما عليك لوم، اللوم على قصير اللي ما ضمني وقال لا تخافي اللي تريديه يصير وما حد يقدر يجبرك وأنا عايش وأتنفس. بس هو كل اللي قاله لي واللي يقوله أنه يريد يموتني بس سالم مانعه.. كل يوم يمر أتأكد إن عزة البنية من عند أبوها وأمها تبدأ.. قومي يا مايزة جيبي أعشاب حرقة المعدة لمعزوزة وإذا حداك أعشاب لحرقة الدم جيبي لي معاك.
قامت مايزة وأحضرت لها الأعشاب وأخذتهم رجوة وانصرفت والدمعة على أهدابها تصارع للنزول. أما قياتي فنظر لعوالي وسألها:
- إيش بيها هي البنية يا عمتي، وليش تحكي معك هيك؟
- هي موالها موال يا قياتي، مسكينة أمها مكاسب وقصير خلوها تطلع شوفة عينك لسانها ما في أطول منه وعقلها ما في أصغر منه.
وبدأت تقص عليهم قصتها، لتلمع عينا العنود مع كل كلمة تقولها عوالي حتى انتهت، فكانت عيناها متقدتين بالحماس. وأردفت بسعادة:
- والله وجيتي للقبيلة ما بتروح هدر، وأخيراً لقيتها، هي الحالة اللي كنت أدور عليها، شخصية معبايه عقد وراح تكون مادة دسمة لرسالة الدكتوراه اللي راح أحضرها.. أبوي بعد إذنك أنا باقية بالقبيلة شوي، ما راح أرد ليبيا الحين.
قياتي:
- إذا الأمر يتعلق بدراستك وبه منفعة لك ابقي كيف ما تريدين.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم ريناد يوسف
غادرت العنود الخيمة باحثة عن رسالتها التي تطوف بين الخيام، وهي التي كانت تبحث عنها في المدينة في وسط الزحام وتظن أنها ستجدها هناك، حيث الضجيج وتحجر المشاعر وتغير العادات والتقاليد، وممارسة البشر لألاعيب البقاء، أما هنا أرض الفطرة والنقاء فوجود حالة كحالة رجوه لم تتخيله أبداً.
وجدتها جالسة بجوار الموقد تعد الأعشاب لأختها، اقتربت منها فوجدتها سابحة في تأمل ألسنة اللهب وهي تتمايل أمامها يميناً ويساراً، ومن الواضح من ملامحها أنها ليست على استعداد لأي حديث الآن، ولكن العنود وضعت كفها على كتف رجوه بهدوء متجاهلة حالتها وردة فعلها، ولم تراها في هذه اللحظة إلا فرصتها الذهبية ولن تضيعها بأي ثمن.
التفتت رجوه وقطبت حاجبيها باستهجان حين وجدتها العنود! وسألتها بحده وهي تزيح يدها من فوق كتفها:
- إيش تريدين مني، إيش جابك هين، ردي، ردي لهلك ولخيمتك.
- رجوه اسمعيني زين، أنا ماني عدوتك ولا بيني وبينك شين، أنا صديقة وجيتلك مدالك يدي، اعطيني فرصة وصدقيني ماراح تندمي.
- إيد ايش ورجل ايش اللي تمدينها علي؟ ديري بالك تفكري ترفسي متل اختك، والله أحط راسك تحت القوري وأولع فيك وما يطفونك إلا بالرمال.
واغوربي عن وجهي الحين أنا ما طايقه الملابس اللي علي، وأريد أشقهم وأقول وااااك بآخذك ذريعة وأتحجج بيك.
- يابنت الحلال هدي حالك شوي، أنا أريد أحكي معك كلمتين وإذا ما عجبوك سوي اللي تريديه، أنا صديقة يارجوه مو عدوة.. أنا أريد أخدمك وبالمقابل أريد منك معروف.
- معروف ايش ومطشوش ايش.. أي أي الحين فهمت عليكِ.. أعرف رجوه ما يقرب لها إلا العدو، رجوه ما بحياتها غير الكارهين، وإذا كنت راسمًة على شي ملكي أحذرك من الحين، إلا هو يابت قياتي، إلا اللي شفت الويل لجل أطوله ويبقى لي.
- هو من يارجوه تقصدينه؟ تقصدين آدم؟
- اسمه عقاب.
- مو مهم الأسماء، المهم الحين أني ما أفكر باللي ببالك ولا خطر لي، أنا يارجوه عشرة طالبين رهني وعقابك مو منهم، واللي يفصلني عن الارتباط إني أوازي بينهم وأشوف الأنسب وبس أقول تم تصير خطبتي، غير هيك أوهام بعقلك.. أنا جيت أريد أسمع منك وتفتحيلي قلبك ونصير خية وأختها، ولا ما تريديني اخت لك؟
- لا ما أريد خوة ولا أريد حد بحياتي، روحي وازي وانخطبي وبعدها نحكي كيف ما تريدين، أما الحين ما عندي أي حكي، ومن رخصتك لعشاب فارت وأريد أمشي بيها لخيتي.. خيتي اللي ما لي غيرها ولا راح يكون لي، ومو كل وحدة تجي تقول أنا أختك تصير أختي وأفتح لها قلبي.
غادرت رجوه ووقفت العنود تتأملها بعيون تلمع، عنيدة هي وثائرة وصعبة المراس، وهذا بالضبط ما تريده، فالأشياء السهلة لا تستهويها أبداً وكم تعشق التحديات.
دَلفت رجوه لخيمة أختها وأعطتها الأعشاب وجلست بجوارها مهمومة، ولما سألتها معزوزه عما عكر صفوها أخبرتها بما سمعته وفتت نابضها، فصمتت معزوزه وأخذت تشرب الأعشاب بهدوء، فقد سئمت من أحوال أختها وحظها العاثر، فهي الوحيدة دوناً عن فتيات القبيلة التي تواجه كل تلك الصعوبات.
جلست رجوه قليلاً بجوار معزوزه إلى أن أنهت شرابها، ثم أخذت الكوب الفارغ وخرجت به من الخيمة وأخذت تطوف حول الخيام بغير هدى.. كتائهة لا تعلم وجهتها ولا يعرف قلبها لأي بيت ينتمي.
جلست على مسافة من الخيام وأخذت تتأمل السماء وصفائها والطيور التي تحوم فيها، وتمنت لو أنها طير يحلق في الفضاء بحرية ولا يستطيع أحد الإمساك به أو تقييده بعادات أو تقاليد.
تبسمت حالمة وإذ بها تعود من عالم الأحلام على صوت بغيض يقول:
- أقول ليش الحلو جالس لحاله مساك الله بالخير يا وجه الخير.
كان صياح، وظنت أنه أتى بمفرده متطفلاً، فردت عليه:
- الله لا يمسيك.. ولما أدارت رأسها وجدته هو وأبوها وعمها قياتي معهم أكملت سريعاً.. إلا بالخير.
تحدث أبوها إليها متسائلاً:
- إيش تسوين هين وإيش مبعدك عن الخيام؟
- شردت وما عرفت أرد.
زفر بضيق فتبسم قياتي وهو يهدئه:
- والله يا قصير بنيتك خفيفة الظل واجد وتنحب، وأنا أقول صياح ليش طاح على بوزه.
فردت عليه رجوه:
- طيحة بلا قومة إن شاء الله.
نظر إليها صياح وهو يجز على أنيابه فأمسكت بيدها حجراً دون أن يراها أبوها وكأنها تهدده إن تكلم سيلقي حتفه، فتنهد ونظر لقياتي وأردف:
- أقول يا عمي أنا واقف على بابك طالب منك شي وأتمنى ما تردني خايب.
- تمون على الرقبة إذا الطلب باليد ما تلاقي إلا الجود.
- أنا أريد أرهن بتك عفرا ياعمي، أدري ما حد جا صوبها والكل يخاف منها، بس أنا ما أخاف.
- الله يطيح حظك ياصياح.. ترهن على بتي؟
- مثني وثلاث ورباع ياعمي وهاد شرع الله.
- أي بس تزوج بتي وبعدها شوف روحك إذا بتقدر على مثني وثلاث ورباع، مو تثني وتثلث بالرهن؟
وهنا ثارت رجوه وكأنها تغرق، أحدهم رمى لها طوق النجاة:
- والله يا زين ما اخترت ياصوييح، عفرا بت عمك والنعم منها، بس أنا أعتذر من الكل ماراح أتزوج على ضرة، أنا عالبر ما تزوجت وإذا حابب ترهن حل رهنك علي.
أنهت كلماتها ليرد عليها قصير:
- إنت تسكرين فمك وحرف ما تنطقين.
وهنا رد قياتي:
- ليش ياقصير ليش، هاد زواج وإذا البنية ما تريده ما يجوز تجبرها، حقها تعترض.. هو حل نهوته عليها يروح يشوف حاله وهي تتزوج اللي يعبي عيونها.
- قياتي اسكت إنت ما تفهم شي، هي ما تعبي عيونها رمال الصحاري كلها.. هي فانص والفوانص ماليهم حقوق.
وهنا هدرت به رجوه:
- لا يابوي.. أنا بس اللي دون عن كل البشر المالي حقوق، سقطت كل حقوقي وقت ربي أراد أني أكون بتك وبت مكاسب وحرموني الحِن ورموني متل كلب أجرب يشحذ الحنان.
تحدث صياح غير آبه بها:
- هااا ياعمي إيش قولت بشرني.
رد عليه قياتي بعد أن نظر لعينا رجوه:
- أقول ياصياح أنا بنيتي ما تقبل تنرهن فوق رهن بنيه غيرها، ومو لجل أنها ما انرهنت راح ترضى بحيالله شخص، عفراء ما ترضى إلا باللي يدخل راسها ويعبي عيونها.
- وأنا مو قليل ياعمي، اعرض عليها الأمر وشاورلها علي وهي بتوافق أنا واثق.. وإذا نهوتي على رجوه سبب.. أنا الحين ياعمي قصير أريد أفك نهوتي على بتك، أنا ما أتزوج اللي تدجني بالأحجار.. أنا ما عايز بتك أنا بأخذ بت عمي قياتي العفرا.
رد عليه قصير:
- لا مافي فك رهن وبتتزوجها من ورا خشمك ياصياح.
- وأنا ما عايز بتك ياعمي خلاص أنا خذت العفرا.
- الله ياخذك أخذ عزيز مقتدر، ليش نهيت إذا ما رايد.
- لقيت الأفضل، والحق أقول، بتك مافي حد يريد يتزوجها بس أنا حبيت أسوي معك جميل وأخدمك، وأدري تصون الجميل وتكافئ أصحابه.
- ولد ياصياح إنت ماتخجل أو تستحي؟ إيش هاد اللي تقوله لشيخك، إيش الخرابيط اللي تطلع من فمك؟
- أنا أقول الحق ياعم قياتي، أنا رجوه مارايدها والشغلة مو بالغصب.
ليرد عليه قصير بغضب:
- وإنت من غصبك ولا جبرك يا كلب البوادي يا فار الجحور، الله بسماه من اليوم مالك عندي رهينة وتحلم تدخل بتي خيمتك عروس، أغرب عن وجهي يا غراب البين.
- لا مارايح مكان، أنا واقف مع عمي قياتي لحين آخذ موافقته.
- أوافق على ايش ياصياح؟
- أني آخذ بتك عفرا.
- والله ياصياح اعذرني عفرا ماراح أرهنها الحين، وهي بعد ما تريد أي ارتباطات، تقول بس أخلص دراسة ارتبط.
- متى تريد يعني؟
- والله بس تنهي دراستها.
- بس إنت عرضتها للرهن مع خواتها ولا ما كنت متذكر وقتها إنها تدرس والحين انتبهت!
- يا صياح أشوف إنك سليط اللسان وما تحترم الكبير وهاد عيب، ولا ما حد علمك العيب إنت؟
وهنا ردت عليه رجوه:
- ياعم قياتي هو ما حد علمه أي شي، وهاد لا تخاف على زعله، دجها بنص وجهه وقوله أنا ما أعطيك، قوله بتي غالية وما ينبح اللي يأخذها من بين كل الناس.
- وليش صياح ما يأخذها، وإيش تشوف صياح إنت، والله اللي أعرفه إننا كلنا من فخذ واحد ومافي حد أعلى من حد يا بت عمي.
- إي فخذ واحد بس فيه قطعة لحم من الفخذ تطيح عالأرض وتشرب من الرمال، وقتها ما تنحط بجوار باقي اللحم، صح هي مازالت من الفخذ بس ما عادت تساويه ولا تصلح للأكل إلا بعد نظافة ومجهود كبير، وما يقربها غير المالاقي.
- كلامك يهد الجبال يارجوه راعى إني وليد عمك مهما جرى. والحين يا عم قياتي أريد كلمة تعطيني لو لا؟
- آسف ياصياح بتي ما توالمك.
- زين أنا رجعت نهوتي على رجوه ياعم قصير.
وهنا هجم عليه قصير بعصاه، وقامت رجوه وهي تلتقط حجراً كبيراً، فهرول صياح من أمامهم ولحقته رجوه، وهذه هي المرة الأولى التي لم يعترض أبوها على همجيتها ووقف يشجعها قائلاً:
- بنص راسه دجيه بالحجر يارجوه وسيحي دمه ماترحميه.
- غريب هالولد والله!
- هاد طامع، يلهث ورا القروش، واللي ما يشوف غير القروش ينسى حتى الأصول والأخلاق.
- لكن كيف كنت راهن بتك له ياقصير وانت تدري هاد طبعه؟
تنهد قصير وهو يرد عليه:
- هييه وإيش أقول ياقياتي، هي البنت حانية ظهري وواجع قلبي، كانت مالكة الكون وقت كان راهنها سالم، كان يراعيها بمي عينه بس هي تبطرت عليه وقلبها رف للغريب اللي مو من مجاويزنا.
- عقاب تقصد؟ بس إنت تحب عقاب والشيخ منصور رحمة الله عليه ما كان يحب حد مثله، أقول ليش ما...
وقبل أن يكمل قاطعه قصير بإشارة من يده وهدرة قوية:
- إذا تميتها ما أقول إلا عليه العوض فيك.. يعني إنت جاي وجايب بناتك لجل لا يختلط دمنا بالغريب وتريدني أسويها أنا؟
أهون علي أطمها تحت الرمال ولا أسويها وأكون الشيخ اللي خالف الأعراف وطغى على العادات.
- هدي حالك ياقصير الكلام أخذ وعطا وأنا بس كنت أريد ألقى لك حل، تريد الصدق أنا البنية مأثرة بي، لأني أعرف العشق مو باليد ياخوي.
- قياتي أقول إنت لزوم تترك القبيلة وترد ليبيا بأقرب وقت، إنت خطر على القبيلة وصرت عار يمشي على رجول، هيا اغرب عن وجهي الحضر قلب موازين مخك وسواك مايع وتحكي بالعشق والشويق!
ضحك قياتي ووقف ينظر لقصير الذي تحرك مبتعداً عنه، ثم عاد لخيمته يجلس مع زوجته قليلاً قبل أن يرتب لسفره.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم ريناد يوسف
نوف انتظري.
ايش تريد؟
أنا هلال ولد الشيخ، ما عرفتيني؟
أعرفك، كيف ما أعرفك.
ودريتي إني رهنتك، ولا بعده عمي قياتي ما قال لك؟
دريت.
وايش رأيك؟
رأيي بيش؟ ليش أنتوا تتركون مجال للبنت تقول رأيها؟ ولا البنت لها رأي من الأساس بقوانين الغابة، تتزوجون وتعيشون بيها؟
قوانين غابة إيش؟ نوف الله يهديك، أنا ما أفهم الحكي الوعر، وأريدك تفهميني شوي شوي. أنا الحين شايفك مزعوجة مني وما طايقة تحكي معي، وأريد أعرف السبب. أنتِ ما تريديني يعني؟
تفرق؟
أكيد تفرق.
تفرق بيش؟
تفرق بأني أسوي مجهود زيادة لترضي وتكوني هانية وفرحانة وترضي بي وعني. أنت تعرف إننا ما نقول حلو الكلام، بس نفعل أفعال. وأنا من اليوم أعاهدك ما تشوفين مني إلا اليسر. بس أريد أعرف أنتِ إيش تحبين وإيش تكرهين، إيش يفرحك وأيش يزعلك.
أكثر شي أكرهه بالدنيا عيشة القبايل وأعرافها وناسها وتفكيرهم، وأموت ولا أسكنها.
لكن إذا تزوجنا وين تسكنين؟
ما أدري، أنا أنتظر معجزة من ربي. وإذا كان زواجنا محتوم، انسى إني أسكن خيمة وأفيق الصبح أحلب غنم وأطبخ على هالشو يسمونه وأملأ المي من البير.
أسويلك بناية مثل بناية عقاب وما أنقص عليكي شي.
ووين راح تبني البناية؟ أنا مو هليت كلامي بأني أكره القبايل وعيشتها؟
حيرتيني معك يانوف، يعني إيش تريدين الحين؟
أريدك تفك نهوتك عني ياهلال. أقول ليش ما تأخذ عفراء؟ هي تحب حياة القبايل وتشوف متعة في العيشة هين. خدها وتصير الشيخ وهي الشيخة. والله عفراء تفرح فرحة عمرها وتشيلك أنت والقبيلة كلها فوق راسها.
بس العين وماهوت يابنت العم، وأنا عفراء ما شفتها لي حرمة. أنا من أول ما طاحت عيني عليك شفتك راعية خيمتي وأم وليداتي.
أوهووو يقولي راعية خيمتي.
ياااخ أكره الخيام، ما تجيب طاريها. أقولك روح ياهلال شوف وين كنت رايح وكمل طريقك.
ما كنت رايح مكان، أنا كنت أدور عليك وجاي لك مخصوص حتى أحكي معك.
وخُكيت، وأنا بعد حكيت اللي عندي.
طيب أقول تعي معي للوادي نقنصوا، راح أعلمك القنص واليوم تاكلي من صيد يدك لحم طازج.
نظرت له نوف بإشمئزاز وردت وهي تواجه شعور شديد بالغثيان: ويزعل وقت أقول قوانين الغابة! أنت ليش ما تخاف الله؟ إيش تحس وأنت تقنص أرنب كل ذنبه إنه طلع من جحره يدور طعام فيصير هو طعام؟ ماسألت حالك الأرنب اللي قتلته مات جوعان ولا عطشان؟ كان يدور شربة مي مثلاً ونهيت عمرك قبل ما تشربها؟ ما يصعب عليك غزال صغير شرد من أمه يدور العشب وقبل لا يأكل ولا يشبع فاضت روحه بسببك؟ والعشية تلتفون حول هالمساكين تشوون وتأكلون لحمهم، إيش تفرقون عن الضباع والوحوش قول لي. عرفت أنا من إيش أكره القبايل وأسلوب حياة أهلها.
صمت هلال قليلاً لا يستطيع استيعاب كل هذه التهم التي قذفته بها، فرد عليها بتيه: بس الصيد والقنص حلال يانوف، ليش أنت تشوفينها جريمة؟
بس مو كل الحلال محبوب ياهلال.
ربك أحل أشياء كثيرة بس ما يسويها إلا المضطر، حللها لتكون سبب نجاة إنسان إذا ضاقت بوجهه كل السبل.
أقول كلامك وعر وما أفهم عليك، تزيدين ألغاز؟ يعني تقصد تطلعني ما أفهم الحكي.
وهذا ثاني أكبر شي ياهلال، أنت مو متعلم وأنا متعلمة وعقولنا ما تتواءم بعضها وما راح تفهم علي.
من قال إني مو متعلم؟ أنا متعلم وأعرف أقرأ وأكتب وأحسب، بس مو هذاك العلام اللي تاخذونه بالكتب وتحفظونه. أنا أبوي قدملي بمدرسة الحضر بس ما داومت. جابلي مدرس هين بالقبيلة علمنا أنا وباقي الوليدات القراية والكتابة والحساب وبطلت أمشي للمدرسة، بس ما تحسبيني على الجاهلين.
لا ياهلال هذا ما يناسبني، الدارسة ما تأخذ إلا دارس، وأنت إذا كنت مشيت المدارس كان عرفت أنا إيش أقصد. يا ابن الحلال أنا وأنت مشروع زواج فاشل.
لا مو فاشل، أنا بسوي كل شي يطلع بيدي لأجل ينجح المشروع، وغدوه لتشوفين إيش راح يسوي هلال. والحين اتركينا من القنص والصيد طلعنا ما عندنا قلب ولا رحمة إذا صدنا. تعال نتمشى بالخيل للوادي وأوريك جمال الطبيعة والبراح اللي ما شفتينه بعمرك.
ما أريد وما أحب البراح.
يابنت إيش تقولين أنت! فيه حد ما يحب البراح؟ لتكوني طير من اللي يحبسونه بالأقفاص وصار ما يعرف الحرية!
أي أنا طير أقفاص، وأنت طير براح، وكل واحد على حسب ما تربى. يلا طير أنت وأشقي بروحك واتركني بقفصي أنا هيك مرتاحة.
أنهت كلماتها ثم انطلقت مبتعدة عنه ووقف هو يراقبها ويهتف لنفسه: عنيدة يابت عمي ورأسك يابس، بس ورب الحلا اللي شايلتيه لأكون كسار هالراس وأخليك تحلفين بحياة هلال وما تطقين تتنفسين الهوا إلا لو قاسمتك فيه.
عادت نوف لغرفة آدم وهي حانقة بسبب كل ما يحدث، وخاصة بعد أن تحدثت معه ورأت أن لا لغة للحوار بينهم ولا توافق من أي نوع. فهو ربيب الخيام والصحاري ولا يفقه من كلامها شيء، وهذا في حد ذاته سبب قوي للرفض. فماذا عن باقي الأسباب؟
جلست بمفردها حتى اقتحمت عفراء خلوتها وقاطعت أفكارها قائلة: حياكم الله، ردوا التحية أو أعطوها بدالها قروش. شفتك واقفة مع هليل من شوي، هااا أشوفه سلب العقل بكلمتين والبال انشغل. بشري بشري.. كيف شفتيه؟
كيف أشوفه يعني واحد همجي تربى بالصحاري، مجرم يغدر الحيوانات الضعيفة ويأكلها بدون رحمة. إنسان مو طبيعي تربى ببيئة غير طبيعية. لا ويريد يعلمني الإجرام مثله وزهق الأرواح.
وهي الحيوانات ليش انخلقت إلا للأكل؟ أقول يانوف والله يابنت أمي انت اللي مو طبيعية. طيب أنا شفته ركب فرسه وفر صوب الوادي وخذ قوسه وسهامه. يعني هو راح يقنص الحين.
قصدك راح يقتل.
طيب إذا مشيت له يعلمني القنص تزعلين يانوف؟
أنت بعد تريدي تصيري مجرمة ياعفراء؟
أي أنا من زمن والإجرام يجري بدمي بس ما كنت لاقية فرصة أظهره. والحين تزعلين وتغارين لو لا؟
عليش أغار؟ روحي لجهنم الحمرة أنت وهو وخليه يعلمك القتل ياحفنة أوغاد. والله هذا الهلال ما يتواءم غير معك، طنجرة وغطاها. بس ما أدري ليش هو ماشايف الطنجرة المناسبة ولاحقني.
غادرت عفراء المبنى وهي تقفز من الفرحة، فلأول مرة ستمارس هوايتها المفضلة على أرض الواقع، بعد أن كانت تمارسها في حديقة منزلهم على الزجاجات الفارغة.
ذهبت لأبيها وطلبت منه أن يحضر لها قوس وسهام، فحقق لها رغبتها وهو يرى حماسها تجاه التجربة، واطمأن قلبه لوجود هلال هناك.
فكت قيد أحد الأحصنة وامتطته وغادرت مسرعة نحو الوادي، وحينما اقتربت رأت هلال جالس خلف صخرة كبيرة ومصوب سهمه في اتجاه. ولما ركزت رأت تيس بري يرعى، فأوقفت الحصان ونزلت ونزعت قوسها من فوق كتفها وعمرته بسهم وسمت الله وفي ثانية أصابت التيس أوقعته. فنظر هلال مبتسماً في الاتجاه القادم منه السهم ظناً منه بأنه عقاب أو رابح وربما سالم، لأن هذه حركتهم المعتادة، ولكنه تفاجأ بها. عاد ينظر للتيس وموضع السهم فوجد الضربة في مكان قاتل، فصاح لها: يبه عاشت يدك، حظ المبتدئين هذا.
فتقدمت عفراء من هلال وقالت وهي تمسح المكان بعينيها: بس اللي أعرفه حظ المبتدئين ما يحالف غير بأول رمية. شوف الثانية واحكم إذا حظ مبتدئين أو مهارة.
أنهت جملتها وعمرت قوسها بسهم آخر وابتعدت بهدوء وهي تهمس لهلال: التيس ما يمشي إلا بقطعان، وأبي علمني إن الشارد لابد وإخوانه قراب منه.
رد عليها وهو يتبعها: صدق علام أبوك، وهي المنطقة بها واجد تيوس.
نظرت إليه عفراء ولم تستطع إخفاء ابتسامتها وردت عليه: أي منتبهة على هذا الشيء. أنهت جملتها وضحكت فرد عليها هلال بغضب: ضميرك مو تمام ونواياك خبيثة، تفهمين الكلام على هواك.
أنا ما قصدت شي، خلي نيتك صافية وواسع البال وخذ الحياة ببساطة. أنت قلت معلومة وأنا صدقت عليها.
والله تقصدين شي، وشي سيء ومو أنا النية بحاجة صفاء ياتيسة الحضر أنت.
بس الحضر ما في تيوس، التيوس بس بالبوادي والوديان تعيش.
أقول يابت عمي قياتي روحي من هالصوب وأنا بروح من هالصوب وماتردي إلا بعد ما تنتهي وتخلصي سهامك. وإذا ما عرفتي تردي خذي هال مسدس، اضربي بارودة بالجو وأنا أعرف أندل عليك.
يكون أفضل، حتى أنا ما أرتاح مع الأشخاص اللي يحرفون الكلام.
والله تقصدين الإهانة وأنا مو غبي حتى ما أفهم.
زين.. كانت مزحة.. شقة.. طُرفة.. لا تأخذها إهانة وتأسرها بنفسك وتقلبها عداوة. وأنت راح تصير زوج أختي، يعني أخي، والأخ ما يتزاعل مع أخته.
حصل خير. بالمناسبة خلصي وتعالي أريد أحكي معك بخصوص أختك.
ما تريدك ولا تريد القبيلة ولا تحب هالعيشة كلها وعلى تكه تريد تحرق روحها.
أعرف. ما قلتي شي جديد، بس أنا أريدك حتى تعرفيني كل شي عنها، إيش يرضيها ويفرحها ويرسم البسمة على شفافها.
منك أنت ولا شي، لا تحاول، كل محاولاتك راح تفشل.
أقول روحي ياعفراء ترا صراحتك تصيب أدق من السهام اللي بيدك وتستقر بمواضع الأمل تقتلها. امشي الله يهديك.
غادرت عفراء وهي تبتسم وبدأت رحلتها، أمتع شيء فعلته طوال عمرها.
أما في القبيلة.
حيي عليك وعلي، إيش تقول ياصياح، فضيت نهوتك على رجوة بت الشيخ؟
أي فضيتها وكنت ناوي آخذ بت قياتي بس الحظ ما حالفني، ولا طالت بلح الشام ولا زبيب اليمن.
عليك من الله ما تستحق يا طماع يا غبي يا قليل العقل، ضيعت من يدك الهيبة والسند.
وينها الهيبة وهي كل شوي تفتح راسي وتسيح دماي؟ أقول أنا ما أريد أتزوج، وإذا عالقروش أنا أعرف أجيبها بذراعي من بطن السبع. أنا ما قلت لجل أنتظر حرمة تفتح لي أبواب الخير، أنا بروحي أكسر الأبواب.
ردت عليه خولة: بس دير بالك وقت تكسر الأبواب تسقط فوق راسك الكبير تفلجا نصفين.
خولة تسكتين ولا أقوم أقطعك وأذبحك وأقطعك وأرميك للضباع تتعشى بك؟ أنا الحين ما أطيق حالي.
تذبح مين أنت؟ والله ما تقدر. أنا الحين لي سبع ياكلك إذا قربت مني.
سعود الخايس صار سبع؟ لا وياكلني بعد! والله هم يضحك وهم يبكي. تدري سبعك اللي تتحامى فيه هذا أنا ما أتعب روحي وأرفع يدي عليه، أنا بس أرشه بسطل مي يموت بأرضه. وموته وموتك على يدي من قريب، قولي أن شاء الله.
سويها وأنا أشوفك الجحيم ونار الحميم كيف يكون ياصياح. ورجلي ما خايس، وإذا تجيب طاريه وتتكلم عنه تكلم بأدب وتقول الشيخ سعود.
وهنا قفز صياح وأمسك خولة من رقبتها خنقها وأخذ يتحدث من بين أسنانه المطبقة: شاخ عمرك وعمره، الحين موتك على يدي يا خايسة أنتِ وشيخ الخوايس الفرحانة به. والله يا خولة ما أتركك إلا وأنتِ راقدة ما تتحركين.
أخذت خولة تعافر حتى تتخلص منه وتضرب الهواء بيديها ورجليها، ولم يخلصها منه سوى أمها التي صرخت بكامل صوتها: وااااك عليكم يا خلفة الشوم يا أشجار حنظل نبتت ببطني وسكنت خيمتي. وااااك تعالوا يا أهل القبيلة واتفرجوا علي خيبتي القوية وشوفوا ولادي يموتون بعض والأخ يخنق بأخته.
هي اللي جابتني وأنا ما احتكيت بها. قولي لها من الحين ما تفتح خشمها علي ولا تقول عندي أخو اسمه صياح.
لجهنم الحمرة صياح واسمه وصورته. الله يأخذك يا عديم الرحمة. روحي على تكه وفاضت.
لسانك راح ينهي عمرك يا خولة تذكري هذا الشيء.
تذكر أنت أنك من الحين صرت عدو لي. وحياة تراب صالحة لأدفعك ثمن قسوة قلبك.
أي تراب صالحة اللي تحلفين به! تتفائلين علي بالموت يا داشرة. رد اخنقها ياصياح وهالمرة ما تتركها إلا جثة وأنا بيدي أدفنها وأحط فوقها التراب.
والله إذا ما بعدتوا عني آخذ أغراضي وأروح عند سعود وأمه بخيمتهم بدون عرس ولا أي شي. لتفكرون إني مالي حد وطيرة مكسور جناحها. اصحوا أنا خولة مرت سعود.
خ... ه عليك وعلي سعود بساعة واحدة. أقول ياصياح أنا ماشية عند حريمات القبيلة، إذا جلست بالخيمة أكثر راح أنجلط. وأنت روح شوف لك مكان أجلس به ولا تجي الخيمة وأنا مو فيها حتى لا تغيلها.
أي والله أنا ما أطيقها ولا أطيق أشوفها. أمشي أحسن لي.
أي امشي. امشي يامرفوض ياللي قياتي ما رضى يزوجك بنته يا عار القبايل يا عرة الرجال. ما تصير رجال غير على خولة بس.
أذبحها الحين؟
لا امشي امشي. امشي وسيبها يرزقها بذيب ينهشها على غفلة ونفتك منها ولا تلوث يدك بها.
خرج صياح وابتعد عن الخيام وهو يفكر في الطريق الجديد الذي سيسلكه نحو حلمه بعد أن أغلق طريق الزواج. وهل سيكون سهلاً أم صعب؟ فهو لا يحب الطرق الوعرة ولن يصبر إن كانت الطريق طويلة.
أما عقاب، فقبل قليل كان يجلس مع رابح، وانضمت إليهم معزوزة بعد أن أحضرت لهم القهوة التي طلبوها منها، وجلست بجوارهم تحتسيها معهم، فقال لها آدم: هي القهوة مو خطر على الجنين يامعزوزة ولا إيش؟
ليرد عليه رابح منزعجاً: مع من تتكلم أنت؟ معزوزة ما يهمها خطر ولا مطر. الولد ببطنها وهي معدتها ما متحملة وأنا تعبت أحذرها من القهوة وهي ما ترد.
ما تخافون أنا وليدي وارث القوة من أبوه وما راح يصيبه إلا الخير. وإذا على معدتي إذا طاوعت حرقتها ما آكل ولا أشرب شي. اتركني أشرب القهوة برواق الله يرضى عليكم واشقه باللي جايه صوبنا وخطاويها مثل اللي تلبسها جني.
وصلت رجوة ووقفت أمامهم ووضعت يديها على خصرها وهدرت بهم: والله زين تتقهوجون وتتسامرون ما أحلاكم وأنا تاركيني أذوق الحنظل من قصير ونباح.
ايش فيك يارجوة ليش رياحك تلفح؟
أبوك ما يفوت فرصة إلا ويجيب فوق راس رجوة ويكيل. ماشي عرفنا إني فانص، ليش كل ما تحدث عني مع حد يقول فيها وفيها؟ يا أخ ما تارك حد إلا ويفهمه إني عار.
وين وجه الاعتراض وعلى إيش الزعل؟ ما أنت عار بالفعل.
ياعقاب أنت بالذات لا تزودها لأنها منك غير وتوجع أكثر من الكل. وبالمناسبة صياح فك رهنه لي والحين أنا صرت حرة وأريدك توفي بوعدك وترهني، أو تتزوجني فوراً. أنت ما في شي يمنعك ولا أنا.
متى صياح فك الرهن؟
الحين فكه وراح لحاله الله لا يرده ولا يرد اسمه يقترن باسمي. اتركنا منه ولا تجاوب سؤالي بسؤال، متى توفي ياعقاب.
ما أدري مو الحين.
لا الحين، ومن هاللحظة أنا صرت لك ياعقاب. يا أهل القبيلة، يا قوم، يا رجال يا نساء يا وليدات. اليوم صياح فك نهوته علي وعقاب طلبني اليوم للزواج وبوي عطاه.
كانت تصرخ بصوتها العالي فتجمع أهل القبيلة على صوتها، فوقف آدم وهو لا يعرف بماذا يبرر. فبدأ التهامس، وحضر قصير حين رأى التجمع، وبمجرد وصوله سأله أحد الرجال: إيش هذا تقول بنتك يا شيخ؟ كيف يعني عقاب خطبها وعطيتوه وهو مو من مجاويزنا؟ وين صارت هي لتصير بقبيلتنا؟
صمت قصير وهو لا يعلم ماذا يقول، فلم يكن هذا هو الاتفاق، بل كان إنه سيوهمها ويمطل حتى يعيد لها رشدها. أما الحين فإنه صار مأزق لا يستهان به. وهنا تدخلت عوالي قائلة: من اللي قال إن عقاب مو من مجاويزنا؟ عقاب له جذور بدوية وينتمي لجدنا الأكبر معاوية، وإلا ليش الشيخ منصور استقبله وسطنا وسمحله يشب ويكبر بين وليداتنا؟
أكيد كلكم تتذكرون الجد غانم أخو معاوية اللي أهله صحوا بيوم مالاقوه. غانم من سنين طلع عايش وسافر العراق وتزوج وعاش ومات بالغربة وما حد رد مصر من نسله إلا محمود أبو آدم. وإذا ما تصدقوني اسألوا وتقصوا بروحكم.
صمت الجميع وأخذوا يتبادلون النظرات المبهمة فيما بينهم ورد عليها أحدهم: بس الشيخ منصور ولا مرة جاب طاري الموضوع، أشوفها غريبة واجد ياشيخة وتريد الصدق ما دخلت مخي.
تدخل ولا ما تدخل آخر همي. إحنا ما نخالف أعرافنا لأجل أي شي، والحين آدم ولدنا بالدم والعرق، وخطب بنت عمه وأبوها عطاه. اللي يريد يسأل يتفضل الطريق مفتوح.
هو مثل ما قالت عمتي بالضبط، ومن الحين رجوة لعقاب.
كلمات بسيطة خرجت من جوفه ولكنها كانت كفيلة بأن تحيي قلب رجوة وتجعلها تشعر بأنها أخيراً فازت بالحرب اللي تقاتل فيها بمفردها، وأخيراً غلبت الفئة القليلة. أما آدم فكلام قصير وضع بيديه أصفاد لا يعلم من أين أتت وقيدته، وأماتت ذاك القلب الواقف بعيداً يتابع في صمت.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الخامس والخمسون 55 - بقلم ريناد يوسف
فضّ التجمهر. نظر عقاب لرجوه شزرًا وأشار لآدم، فأخذه وابتعد.
وحين أصبحا بعيدين مسافة كافية، قال له:
- ياعقاب، أنا ما أعرف إيش أقول. أدري إنك انحطيت بموقف صعب، بس هي رجوه، وهي تصرفاتها. وأتمنى ما تطول مدة الأدب، ولو إني أشك إنك تقدر تسوي بأمرها شيء. رجوه وحدة، الكل غاسل يده منها وما منها نفع.
- صار خير يا عمي. مو هي البدت؟ ونهت علي وحطتني بالأمر الواقع، تتحمل. هي كل ظنها إني مثل سالم، واللي كان يجري عليه يجري علي. بس وربي لأدفعها الطاق طاقين.
أما عند رجوه...
عوالي:
- يارجوه، تعالي لخيمتي أريدك.
رجوه:
- أبشري يا عمه، أمشي وأنا معاك.
وصلا الخيمة ودخلت رجوه وهي تشعر بالأمان. وما إن خلعت عوالي نعليها ووشاحها، حتى هجمت على رجوه وقيدتها وقالت لمايزه:
- مايزه، أمشي هاتي لي ماعون جمر وحطي به سكين. اليوم وإلا لأكويها بالفانص بلسانها وأخليها ما تعرف تحكي للعام القادم.
رجوه:
- ليش يا عمه؟ أنا إيش سويت؟
عوالي:
- وتسالين يا عديمة الحيا، يا اللي ما مرت عليك المستحى؟ تقفين بنص القبيلة وتنهين على شب؟ ولجل مي وجه أبوك تخليني أكذب؟ أنا بهالعمر اللي أجمع به الحسنة فوق الحسنة لجل أقابل ربي بهن، تخسريني حسناتي وتحمليني ذنوب؟ أنا أقف وسط رجال بشناب يحط عليها الصقر وأكذب عليهم؟ اليوم ما تحوشني عنك ولا المعجزات يا رجوه. امشي يا مايزه، ما تتلكأي وإلا كويتك معها.
مايزه:
- تم، تم يا شيخة. الحين بروح.
غادرت مايزه وظلت عوالي مقيدة لرجوه. ورجوه صامتة تمامًا، سارحة ومبتسمة، وكأن عوالي كانت تتحدث مع غيرها.
وسرعان ما عادت مايزه، وأجلستا رجوه. والغريب أنها لم تجد منها أية مقاومة. ثم كشفت فخذها وأمسكت السكين وقربته منها، فلم تجدها إلا مستسلمة وعلى نفس ابتسامتها وبلادتها. فألصقت عوالي السكين بفخذها، فلا صرخت ولا هللت، بل أغمضت عينيها مبتسمة.
فهدرت بها عوالي:
- إيش فيك تتبسمين؟ ما عدتي تشعرين بالألم؟ ما عاد عندك إحساس؟ مات كل شيء فيك مثل ما مات حياؤك؟
ردت عليها رجوه بهدوء:
- لا، ما مات. وحسيت بالكي وشاغت روحي بعد. بس قلت لحالي، هالكي ثمن زواجي من عقاب، وما أبخثه من ثمن. زيدي الكي وحمي السكين أكثر، والله لأجله الجحيم أتحمل، مو بس كي.
همت عوالي أن تعيد الكرة، فأمسكت مايزه يدها وقالت:
- كافي يا شيخة، البنت جسمها تشوه وما عاد فيه شوفه. غدوه وقت تكشفه لزوجها، إيش يشوف منها غير الندوب؟
عوالي:
- هي اللي تجيب الوجيع لروحها. لو تقعد راحة ما يجرا عليها شيء.
رجوه:
- اتركيها يا مايزه، اتركيها تزيد وتعيد وتكوي وتشوه. إذا روحي شوهوها، ما يشوهون جسدي؟ زيدي يا عمتي وحمي سكينك زين واغرزيها بلحمي وشمي ريحة لحمي المحروق وتكيفي. لا وتقولين ما أريد ذنوب وأجمع الحسنات! بأي دين شفتي التعذيب بالنار حلال حتى تطبقيه على الناس؟ أي ملة حلت لك هاي القسوة؟ وإيش أوحالك إن ما عليها حساب من رب العالمين؟ ما مرت عليك إن ما يعذب بالنار إلا رب النار؟
رمت عوالي السكين من يدها وأمسكت رجوه من ذراعها وجذبتها نحو باب الخيمة ورمتها خارجها وهي تقول لها:
- اغربي عن وجهي يا شجرة الحنظل، يا بلوة هي القبيلة وبلوة حياتي بعد. لا تخليني أشوف وجهك ولو صدفة يا رجوه، والله إني كرهتك بعد ما كنت أحبك وأشفق عليك.
رجوه:
- هذا الطبيعي. أنا ما حد يحبني، وهيك أحسن لي حتى ما أعمل حساب لمحبة حد، ولا أقف عنده وأقول لجل فلان ما أسوي هيك. أكرهوني لجل تقووني أكثر وما أنكسر بمحبتكم.
قالتها وانطلقت مبتعدة وهي تقاوم البكاء من ألم الكي الذي شعرت به كله الآن، وخاصة كلما تحرك ثوبها فوقه ولامسه، تشعر بألم أكبر. وصلت خيمتها وظنت بأن لحظة إطلاق الآهات والاستسلام للألم حانت، ولكنها توقفت على صوته خلفها يقول:
- مبارك عليك عقاب يا رجوه، والله عشقتي ونولتي، يا بختك.
استدارت ونظرت إليه وتطلعت بوجهه قليلاً، ثم قالت بصوت مختنق:
- أنت علمتني يا سالم، أنت علمتني آخذ من الدنيا اللي أريده بذراعي. مو أنت اللي كنت تقول لي، ما تنتظري من حد شيء، واللي تريديه مدي يدك وخذيه. مدي يدك على الأحلام وحققيها، مدي يدك على السعادة واقنصيها، ومدي يدك بجيبي وقت تعوزي قروش وخذي، ما تسأليني. مو أنت اللي خليت يدي طويلة تطول أي شيء؟ مو أنت اللي علمتني القنص يا سالم؟ ليش جاي اليوم تلوم علي؟
سالم:
- لا يا رجوه، ما جيتك لايم. أنا جيت أبارك لك وأبارك لروحي قبلك، لأني أشوف نتيجة علمي فيك، وكيف صرتي قناصة ما في منك. وأول التصويب صوبتي على قلبي، ومن بعدها جبتي أحلامك تحت رجليك، كل حلم بسهم واحد.
رجوه:
- الدنيا ما تنعاش غير هيك، ما تنعاش غير بأنانية وطمع. هذا درس أريدك تتعلميه مني، مثل ما تعلمت منك واجد دروس.
سالم:
- ومنك نستفيد يا بت عمي.
صمتت وصمت هو، وعيونهما تتحدث. فقاطع الصمت سالم وقال لها:
- أشوف بعيونك واجد حكي، وأنا عهدي بك ما تكتمين، ومو معقول الطبع يتغير.
رجوه:
- لا، ما تغير. بس أدري كلامي لك ما راح تفهمه ولا تعترف به.
سالم:
- جربي، ما خسرانة شيء.
رجوه:
- أقول يا سالم... تعال وتخيل معي إذا أنت مو بحياتي من البداية، إذا ما أخذتني وعلمتني كل شيء ومادلتني ولا عشقتني ونهيت علي، إيش كان راح يصير؟
سالم:
- ما أدري.
رجوه:
- أنا أقول لك يا سالم... ما كنت عرفت التمرد، ولا اقتربت من عقاب، ولا رحت الحضر وشفت عيشة أهله، ولا كنت حبيته. كنت تكيفت مع حياتي وصار علي اللي يصير على كل بنات القبيلة. كنت عشت حياة طبيعية عادية، وما كانت روحي اتملت حروق مثل ما جسدي انملى كي. أنا كل ألم شفته يا سالم أنت سببه. ولو وازنا بين الألم اللي شفته بسببك والدلال اللي شفته منك، أشوف الألم يزيد أضعاف.
سالم:
- أي يا رجوه، أنا سبب كل شيء. أصلاً ما في فايدة. أنا السيئ بكل رواياتك، وأنا الظالم وأنا الجلاد، وأنا سبب دمارك. أصلاً على من بترمي إن ما انرمى على سالم؟ بس تعرف... والله يستاهل سويلم... يستاهل، وأيش ما سويتي به قليل عليه. روحي يا رجوه وعيشي حياتك، ولآخر العمر ضلي ارمي اللوم علي. كل ما تعثرتي بحجر وطحتي، قولي سالم السبب. كل ما حدا آذاك، قولي هذا الأذى من سالم.
سالم:
- وليش تزعل من الحق؟
رجوه:
- لا، ما أزعل من الحق ولا من اللي تظن إنها تقول الحق. أنا زعلي من نفسي أكثر شيء. زعلانة مني لأني أعطيت وما حسبت العطا يعود علي بالوجع.
سالم:
- أوهووو، كل ما فتحت فمك تقول أعطيت وأعطيت. ياخ سئمت من مذلتك اللي ما تنتهي. جزعت روحي من معروفك اللي تحسب روحك لافه حول رقبتي، وكنت تريد تجرني به خلفك مثل البهيمة. أي جبت لي حلا وجبت لي ملابس وجبت لي واااجد أشياء، بس مو معناها إني أصير لك جارية يا سالم.
سالم:
- أنا ما أقصد بالعطى شيء من كل اللي ذكرتيه يا رجوه. أنا أقصد شيء وأنت فهمتي شيء. وما راح أتعب روحي معك بالتفسير. إذا ما ان فهمت لحالها وانحست، ما بتوصل.
كادت أن ترد عليه، ولكن قاطعه صوت آدم من خلفه يقول:
- أقول إيش واقف تسوي مع شجرة الحنظل حقي يا سالم؟
آدم:
- ولا شيء يا خوي. جيت أبارك لها وأتمنالها أيام حلوة تشوفها معك.
آدم:
- والله ما أظن راح تشوف معي إلا أيام بلون الغرابيب السود. وأول الشوف، أنا اشتريت الحين قطيع هوايش ١٠٠ راس، وما حد راح يرعاهم غير مرتي المستقبلية. من الحين كل يوم تاخذينهم وتطلعين للوادي، ما تردي إلا وقت الغروب. وإذا شردت منك نعجة، تحسبين روحك بدالها، وأذبحك وأحطك بالسيخ وأشوّيك وآكلك. وبنهاية اليوم تحلبيهن كلهن، وألبانهم تبيعينها وتشيلي لي قروشهم معك. أريد وقت أرد من الحضر أشوف إيش سويتي بالأمانة اللي حملت لك.
رجوه:
- هذا تأديب ولا تعذيب، ولا إيش يا عقاب؟
آدم:
- هذا تحسبيه مثل ما تحسبيه يا بلوة.
سالم:
- يا عقاب، شوي شوي مو هيك. كيف ترعى ١٠٠ راس غنم وتحلبهم لحالها؟
آدم:
- إيش يا سالم تقصد بقولك؟ تريد مرتي تقول عليك، بك حنّ عليها أكثر مني؟ ولا إيش؟ اسمع، أنت مالك علاقة بأي شيء، وأظن أنا نبهتك، ولا نسيت؟
وهنا أكملت رجوه:
- أي يا سالم، أنت ما تتدخل، واللي يقوله زوجي سيف على هالرقبة وتنفيذه واجب علي. ومو بس لو أشقى، لو أموت أنفذه.
نظر عقاب لسالم وقال له بحزم:
- تريد بعد يا سالم، ولا اكتفيت؟
سالم:
- لا يا خوي اكتفيت. سوّي بها اللي يرضيك، وأنا لو شفتك حاططها بين شقين رحى وتطحن بعظامها، والله ما أطلب لها الرحمة. من رخصتك يا خوي.
آدم:
- مرخص يا قلب أخوك... الله معك.
غادر سالم وابتعد. فاستدار آدم ونظر لها وقد تلونت عيناه بلون الدم، وبكل غضبه رفع كف يده وهوى بها فوق وجهها، أسقطها أرضًا. ثم أمال بجذعه عليها وهمس لها وهو يصك على أسنانه:
- هي مباركتي لك بعد اللي سويتيه وتقدير قليل مني لجهودك المبذولة. أنا تنهين علي وسط القبيلة كلها وتحطيني قدام الأمر الواقع؟ وربي وما أعبد يا رجوه، من الحين لأكرهن الساعة اللي فكرتي فيها بـي زوج لك وراعي بيت. وأريد أقول لك شيء، تحطيه حلق بأذانك. أنا مو سالم. عهد سالم ولى، وبدأ عهد عقاب اللي راح يسلب راحتك يا فانص يا اللي ما تعرفي عن الحيا شيء. غدوه من غبشة الصبح تروحين لبرقي وتستلمي منه ١٠٠ راس غنم وتطلعين بهم للوادي، وما تردي بهم إلا وبطونهم معبايه.
أنهى كلماته وتحرك من أمامها مبتعدًا. فجلست معتدلة وهي لا تعلم مم تتألم أكثر، من كي النار أم من ضربته التي كادت تكسر فكها، أم من قسوته عليها، أم من قلبها المتمسك به رغم كل هذا؟
قامت ودخلت الخيمة وتسطحت فوق فراشها وأغمضت عينيها وتبسمت، فبرغم كل الألم إلا أنها سعيدة وتشعر بنشوة عارمة.
أما آدم فذهب لرابح وجلس بجواره وأخذ يتأفف. فما رأى من رابح سوى الصمت. فصرخ به قائلاً:
- ياخ سل، إيش بي؟ فتشني واعرف إيش حارقني ويخليني أتأفف حدك!
رابح:
- ليش؟ هو أنا ما أعرف إيش بك يعني؟ الله يكون بعونك والله.
آدم:
- بس هيك؟
رابح:
- لكن إيش أسويلك أنا؟ وإيش بيدي عليك؟
آدم:
- يعني هي الفانص تحكم علي وتلبسني ربطة راس مثل نساء القبيلة وتنهي علي وتريدني أسكت؟
رابح:
- لا تسكت. اذبحها وما حد راح يلوم عليك، وعمك قصير مو بعيد يعطيك نصف أمواله جائزة.
آدم:
- تمزح أنت صح؟ وقت مزح هذا يعني يا رابح؟
رابح:
- وربي ما أمزح. بس رجوه ما عاد ينفع معها إلا الطم تحت التراب. أنت حكيت إنك تقدر تغيرها، وهي فرصتك وأخذتها، وهي بروحها عطتك إياها. الساحة قدامك والعدو فيها. هيا انزل ونازل.
آدم:
- أي، بس الطريقة يا رابح واجد صعبة وما متقبلها.
رابح:
- زيد عليها بالعقاب وكثر من التأديب، وكل شيء بحسابه.
آدم:
- ما أحتاج وصايا. أنا من غلبي راح أتفنن بتأديبها.
رابح:
- بس شوي شوي على سالم. أنا وأنت ندري إنك وقت تعذبها، ثلثين العذاب ينزل على سالم قبلها.
آدم:
- لا، ما ينزل. سالم كرهها.
رابح:
- والله سالم ما يكره رجوه، ولو شافها تسل خنجر وتضربه بنص قلبه.
آدم:
- زين، يتحمل.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل السادس والخمسون 56 - بقلم ريناد يوسف
في خيمة سالم..
ممدد في فراشه ينظر لنقطة بعيدة في الخيمة، فأقتربت منه وجلست بجواره ودست يدها في شعره وقالت مداعبة:
-اقول ليش نبضي سابح بخياله بعيد، إيش اللي شاغله يخسى الفكر كلو.
إعتدل بنصفه وقابلها مستنداً على ذراعه وتحدث بجدية قائلاً:
- مزيونه اسألك سؤال.
- الف مو واحد.
- انت قولتي لي انك كنتي تحبيني من وقت كنتي صغيره صح؟
- اي.
- طيب كيف كنتي تتعاملين وانت تشوفيني مع رجوه، كيف من الأساس تحملتي وانت تعرفين ان شويقك ماراح يكون لك، كيف استمريتي؟
- والله صعبه ياسالم ومو سهلة بالمرة، ويمكن هاد المصبرني على الحال الانا فيه، عاذره لأني مجربه وضايقه.. بس بالنهار كنت الهي روحي واضيع الوقت بغزل الصوف، كنت اكثر بنيه تغزل صوف بكل القبيلة، القهر والشوق وقلة الحيلة الكنت اطلعهم بالصوف كانوا ينفعوني.. منها فكري يرتاح شوي ومنها اقبض قروش.. بس هاد بالنهار، أما الليل فما تدعي على عدوك بليل العاشق المحروم.
- مافيدتيني يامزيونه.
- ليش يانبضي، انا حكيت وانت المفهمت علي.
- حكيتي انك كنتي تغزلي.
- لا حكيت كنت الهي روحي بشي غير التفكير، وانت لزوم تلهي روحك ياسالم.
- تريديني اغزل يعني ولا ايش؟
- اي اغزل واعتبرني انا الصوف.. جرب تغزلني وشوف ايش راح يطلع معك.
- تقصدي اغازلك مو اغزلك.
- والله بشوقك تغزلني تغازلني انا كُلي لك ورهن إشاره منك.
- انحبك حين تخلي كل الطرق تأدي ليك بالنهاية وتحطين روحك هدف.
- لا ياضي لعيون، انا انحاول اكون لك طريق مفروش ورود إذا اتسددت بوجهك كل الطرق، انكونلك جسر تعبر به من الحزن للفرح.
- اممم.. حياله.
- لا والله، انا اريد بس راحتك وادلك عليها، اشوفك محتار ومضيع الدروب ويعز علي ما آخذ بيدك.
أنهت جملتها وأمسكت كفه وقبلت باطنه وهي تنظر مباشرة لعينيه، فتغيرت ملامحه للراحة وهو يبادلها النظرة وهمس لها وهو يجذبها إليه:
- قوية وماادري من وين تجيبين قوتك؟ حياله وعيونك ناعسات وحلوات حيييل... قربي يامزيونه اريد بعد من الشهد الينقط من شفافك ماعدت اكتفى منك ولا اشبع من قربك.. تعي ياراحتي النفسيه.
وهمس لنفسه وهو يقترب منها حتى تلاشت المسافات وأختلطت الأنفاس:
- وين كنتي انت وقت قلبي ماكان لاقي إلا رجوه، ليش ماظهرتي بحياتي قبلها، والله كان وااااجد اشيا تغيرت.
اما في القاهرة..في سجن النساء..
- ياسين، الحمد لله انك جيت وخليتني اشوفك ياحبيبي، انت واحشني قوي انت واختك، هي مجاتش معاك ليه، وفين ابوك مجاش ليه هو كمان؟
- اختي طفشت بعد ماعرفنا انها حامل من واحد حيوان ابن كلب وبابا في المستشفى وقع وجاتله جلطه بعد ماسمع الخبر.
- مستحيل انت بتقول ايه؟ كارمن متعملش كده ابداً، كارمن لسه صغيره ومتعرفش حاجه اكيد الولد دا ضحك عليها، اوعوا لو لقيتوها تحاسبوها هي حاسبوه هو.
- دور علي اختك ياياسين ورجعها متخليهاش تتمرمط والكلاب تنهشها وكل حاجه ليها حل يبني.
- كنت واثق إن دا هيكون كلامك ورايك، اساساً انا هستنى أيه منك؟
- يعني ايه ياياسين، انت ناوي لاختك على شر؟ اوعي ياياسين اغضب عليك والله.
- اخر همي غضبك أو رضاكي، واخر همي بنتك، اقولك حاجه من الاخر انا ميهمنيش مين يعيش ومين يموت ومين يرتاح ومين يتعب، انا اللي يهمني نفسي وبس، أنا ومن بعدي الطوفان.. مش دا اللي علمتهوني؟
- انت مين.. إنت مش ياسين ابني إنت اكيد واحد تاني، انت اتبدلت كده ازاي؟
- لا انا إبنك واللي شايفاه دلوقتي هو اللي زرعتيه فيا من صغري، مستغربه ليه مني؟ وكنتي مستنيه إيه من واحد أمه وأبوه بيحطوا اخواتهم تحت رجليهم عشان مصلحتهم؟
- عايزاني اطلع احب اختي واخاف عليها ازاي وانا شفت بابا بيسم اخته بأيده وشفته بيدبر لموت اخوه، انا لو مدحت عايش وكان فيه ورث مابينا كنت خلصت عليه بأيدي من غير مايرفلي جفن.. وكارمن وقت ماهلمحها بس مش محتاج اقولك هعمل فيها إيه، وانتِ من اللحظه دي إنسي إن ليكي ابن إسمه ياسين، محاكمتك بكره ومش هحضرها، وأياَ كان الحكم مش هيفرق معايا، واتمني إنه يكون إعدام عشان ملفك يتقفل من حياتي نهائي.
- ملفي! بقيت مجرد ملف فحياتك ياياسين؟
- كل الناس في حياتي ملفات وأوراق، الورقة الكسبانه بخليها والورقة الخسرانه بقطعها وارميها فاقرب زباله.. للأسف كان نفسي فعيلة ارفع بيها راسي وسط الناس، مش عيله زيكم مهما كبرت اول ماافتكرهم احس بالخجل والعار.. ياريت عمي محمود كان ابويا وعايده مراته كانت أمي، صدقيني كان هيفرق معايا كتير اوي.
تماسكت فريال طوال الوقت حتى سمعت الجملة الأخيرة فترنحت واستندت على المكتب وهي تلفظ آخر ذرة تماسك، وانهارت وهي ترى ابنائها واحداً تلوا الآخر يتمنون لو ان عدوتها اللدود أمهم، واخذت تتسائل كيف يحدث هذا بعد كل مافعلته لأجلهم؟ وكيف لإبن أن يكون بهذا العقوق نحو والديه وعائلته، أخذت نفساً عميقاً واعتدلت وغادرت المكتب بأكتاف متهدلة وظهر محني؛ فالآن فقط لن تأبه للحكم، ومرحباً بالإعدام بعد الذي سمعته من فلذة كبدها، ووداعاً لدنيا ردت لها الصاع ألاف ووجهت لها الضربات القاتلة واحدة تلو الأخري تِباعاً في منتصف القلب تماماً.
عادت لزنزانتها وفور عودتها وجلوسها اتت السجانة تستدعي اختها فاطمة؛ فقد جاءت لها زيارة.
ذهبت معها فاطمة وكانوا اولادها الثلاثة، كانت المرة الأولي التي يأتون لها منذ سجنها، نظرت إليهم ولم تتحمل اللوم في اعينهم فأخفضت عينيها أرضاً.. تقدمت منها حياة وسألتها والدمع يفيض من عينيها:
- ليه بابا.. دا كان طيب وغلبان جداً وكان بيحبنا.. كان أحن واحد في الدنيا علينا ليه تحرمينا منه؟
- عملك ايه يستاهل عليه القتل؟ يعني حتي مشفتكيش اتجوزتي ولادخل راجل تاني غيره فحياتك وكان سبب فأنك خلصتي منه!
- اديني دافع واحد يخليكي تعملي كده غير إنك إنسانه مريضه بالقتل.. ولا فعلاً كان فيه راجل وبعد ماوعدك خلف؟
رفعت فاطمة عينيها ونظرت لإبنتها مستنكرة إتهامها لها بالخيانة وردت عليها قائلة:
- لا ياحياة انا معملتش كده عشان راجل تاني، أبوكي لو كان فضل عايش كنت هفضل محبوسه انا وانتوا ومدفونين في البلد لآخر العمر، مكنش أبداً موافق إننا نسيب البلد ولا كان راضي يسيب الارض والفلاحة، عمري ماشفت منه طموح او تفكير بأنه يحسن حياتكم ومستقبلكم، اتولد وعاش فلاح وكان هيموت فلاح واخواتك من بعده يفضلوا يفلحوا في الأرض حتي وهما معاهم اعلى الشهادات.
ردت عليها حياة بحسرة:
- يااااه تصدقي سبب قوي وأقنعني،، يعني قتلتيه عشان مكانش عنده طموح؟! بصراحة يستاهل القتل فعلاً.. ازاي كان هيعيش من غير طموح؟
- ازاي كان هيكمل حياته راضي باللي ربنا قاسمهوله وميبصش للي فأيد غيره.. ازاي كان هيفضل فلاح ويأكلنا من شقاه وتعبه لقمة حلال وتكون متغمسه بعزة النفس ويشربنا الكرامة؟
- ازاي مكانش هيسيبنا نروح نسكن في قصر اختك عاله عليهم وطول الوقت حاسين اننا مش في مكانا واننا ضيوف تقال، ونحاسب عالكلمه والحركة والنفس اللي بنتنفسه.
- ازاي كان فضل عايش وحرمنا من كل ده.. لأ بصراحة برافو عليكي يادكتوره فاطمه عملتي الصح والصالح لينا فعلاً.
- ودلوقتي اديكي لابسه الأبيض ومستنيه الحفلة المعمولة على شرفك بكره وهتاخدي فيها جايزة الأم المثالية المضحية والقاضي هو اللي هيديهالك.
- الشاب اللي كان متقدملي لما عرف باللي عملتيه جري ونفد بجلده؛ خاف احسن اعمل زيك في يوم من الأيام واقتله.
- وعمتي لما عرفت انك قتلتي اخوها طردتني بره بيتها وقالتلي مش هخلي فبيتي حيه بنت حيه، اخواتي محدش من عمامي راضي يستقبلهم فبيته ولا يخلونا حتى نرجع نسكن بيتنا القديم.. دمرتينا وشردتينا ويتمتينا منك لله ياشيخه.
أنهت كلماتها وغادرت المكتب مسرعة، أما اخويها فتبعاها دون ان ينطق احد منهم بحرف واحد، وكأن حياة اختهم قالت كل ما يجب أن يُقال وليس لديهم أية إضافة، هي فقط نظرة إحتقار اعطاها لها كُل منهم قبل أن يفارقوها للأبد.
فعادت للزنزانة بنفس حال اختها فريال وبنفس الألم والوجع، وانزوت كُل منهم في ركن تندب أطماعها التى أوصلتها لهذه المرحلة وخسرتها كل شيء.
وجاء اليوم التالي بالمتوقع للجميع، وحكمت المحكمة بتحويل اوراق فريال وفاطمة للمفتي، وبهذا حسم أمرهم بالإعدام، وماهي إلا بضعة إجرآت.
تلقي ياسين الخبر عبر الهاتف وذهب لأبيه في المشفى رأساً، أخذ الإذن من الطبيب ودخل له، كان يحيي مغمض العينين يئن، فأمال ياسين بجزعه عليه وهمس له في أذنه:
- بابا أمي اتحولت أوراقها للمفتي، وأختي كارمن أنا خلصت عليها من يومها، ومدحت راح ومفضلش غيري انا وانت، قوم بقى وخف أو موت وخلصني؛ عشان انا مش فاضي لرميتك في المستشفى دي؛ ورايا حاجات كتيره عايز اعملها متعطلنيش.
أنهي كلماته واعتدل ليسمع بعدها صوت صافرات تصدر من الأجهزة المتصلة بجسد أبيه، فوقف يتامله لثوانٍ قبل ان يأتي الطبيب وطاقم التمريض في عجل ويبدأوا في إنعاش قلبه الذي توقف، وكأنه تقصد فعل ذلك ويعرف أن هذا ماسيحدث، فوقف بعيداً وقد ربع ذراعيه فوق صدره وإخذ يراقب ببرود لا يتناسب مع الموقف لدرجة أثارت إستغراب كل من بالغرفة وتعجبهم!
رواية عقاب ابن الباديه الفصل السابع والخمسون 57 - بقلم ريناد يوسف
جالسة في السجن، لأول مرة تطلب سجادة الصلاة وتتوضأ وتقف فوقها. رفعت يديها مكبرة ولكنها توقفت خجلاً وحياءً من ربها ومن توبتها المتأخرة.
فخرت على الأرض باكية وهي تقول لنفسها بصوتٍ هامس:
- أكيد مش هيقبل توبتي ولا يقبلني، أكيد هو عارف إني قررت أتوب خوف من مقابلته، وإن حتى ندمي خوف ومش ندم ومش من نفسي قررت التوبة.
فاقتربت منها إحدى السجينات وجلست بجوارها وهمست لها مواسية:
- لو بينك وبين الموت ساعة وحدة توبي واستغفري من قلبك وربك غفور رحيم ورحمته وسعت كل شيء، متيأسيش من رحمته ولا تقنطي. قومي واسجديله وقوليله إنك راضية بقضائه واطلبي منه إن كل اللي حصل لولادك يكون تكفير لشوية من الذنوب اللي عملتيها. باب التوبة عمره ما بيتقفل ولا رحمة ربنا بتنتهي.
فوقفت وعاودت التكبير. وهذه المرة صلت وسجدت وطالت سجدتها حتى ظن الجميع بأنها فارقت الحياة، لدرجة أن فاطمة أختها ذهبت وجلست بجوارها تتأكد من أنها لم تفارق الحياة. فوجدتها تتنفس، فعلمت أنها اندمجت في مناجاة الله لدرجة أنها أفقدتها الشعور بالدنيا.
فدبت في نفسها الغيرة، وذهبت للوضوء وآتت لتفعل مثل أختها وتحاول، لعل الله يتقبل التوبة ولعل الأوان لم يفت بعد.
أما في القبيلة..
استيقظت رجوة في الصباح الباكر حسب أوامر آدم وذهبت لبرقي المسئول عن بيع وشراء الأغنام وكافة الحيوانات في القبيلة. وطلبت منه أن يعطيها المائة رأس غنم، ووقفت تعدهم ولم تستلم الضعيفة منهم أو المريضة. وأعادت له عشرون رأس، وطلبت منه إبدالهم. فغضب منها برقي وأخذ يتمتم بالشتائم، فهي الآن خسرت كثيراً.
وذهب ليشتكيها لآدم وأحضره بما أنه المالك الأصلي. ولما رأى آدم حال الأغنام قال لبرقي:
- وقت جيتني ثاير ومعترض فكرتها تجاكرك وعاودتلك نعاج سليمة، بس هاد اللي تشوفه عيني ماله عندي غير معنى واحد يا برقي وانت بسن أبوي وما أريد أغلط وأتطاول عليك. فامامك حل من اتنين، يا إما تبدل الأغنام المريضة، يا إما تاخذ باقي أغنامك وبلاها البيعة من الأساس وأنا أعرف أروح قبيلة ثانية وأجيب منها أحسن أغنام.
فوافق برقي أن يستبدل له الأغنام وفعلها فوراً، وأخرج له أغنام سليمة معافاة. فوقف يراقب رجوة وهي تفحصهم. وبعد أن انتهت وقبلتهم وانصرف برقي قال لها آدم:
- والله وطلعتي واعية يا شجرة الحنظل.
- من زمان ما اسمح لحد يضحك علي وانت تدري.
- أي أدري.. ماشية للوادي الحين؟
- أي تريد مني شي؟
- صراحة أريد.. أريدك لا تديري بالك على حالك، وإذا هجم عليك ذيب ما تقاومي، وأحمي الغنمات بروحي، هنن يردوا وانت مو مشكلة إذا ما رديتي.
- نظرت إليه رجوة شرزاً وبدأت تهش في الأغنام بعصاها، فأكمل هو:
- أقول أخذتي وكلك معك؟
- لا ما أخذت إلا قربة المي ما أريد وكل، بروح عند أشجار التين الشوكي اليوم وآكل منها لا تشيل همي.
- أي بس ديري بالك ما في سالم معك حتى إذا مسكك صاحب الأشجار تحطي التين بسرواله.
تذكرت الموقف وضحكت، وضحك آدم أيضاً حين تذكر الموقف. ثم ابتعدت وتبدلت ملامحها من الضحك للحزن. فقد اشتاقت لتلك الأيام واشتاقت لسالم كثيراً، اشتاقت لصحبه فقد ترك لها فراغاً كبيراً حين ابتعد عنها، وهي لم تكن تود هذا البعد أبداً، كانت تريده أن يظل معها بأي صفة غير صفة الحبيب. فما أصعب أن يُنتزع الخل من خليله ويبتعد عنه وقد كانوا مثل الجسد والظل لا يفترقان إلا في أوقات قليلة.
غادرت وقد رأى آدم تأثرها، فأردف هامساً وهو يراقبها تبتعد:
- أدري قلبك يغص كل ما تذكرتي هديك الأيام، اللي شفتيه من سويلم يخلي الحجر يحن ويشتاق، أيامك طوال يا رجوة والحنين يعرف كيف يداعب القلوب ويخليها تبكي حسرة.
استدار ليعود لخيمته ويكمل نومه الذي قطعه بسببها خاصة وأنه لم ينم إلا بعد صلاة الفجر، فوجد العنود أمامه وتفاجأ حين قالت له:
- صبحك الله بالخير يا آدم، أريد أحكي معك كم كلمة إذا ما عندك مانع.
- الله يصبحك بكل خير.. تفضلي ما عندي موانع وكلي أذان صاغية، وأصلاً ليش أمانع يعني؟
- زين.. أنا اليوم أريد أتكلم معك بخصوص رجوة.. أنا عرفت قصتها وحكت لي عمتي عوايل كل شيء وحتى اتفاقك مع جدي منصور وعمي قياتي عرفته.
- أي؟
- أنا ما أدري إذا كنت تعرف إن شهادتي بالطب النفسي أو لا، وكنت أبحث عن مشروع للتخرج وأريد حالة نادرة وبيها واجد عقد نفسية وبيئتها غير سوية، وما لقيت إلا رجوة مناسبة لهيك شيء.
- أي معك حق، رجوة يتعمل من حالتها مجلدات بالأمراض النفسية تدرس بالجامعات.. بس أريد أتأكد، هي لها عندك علاج أكيد وتوفر علي تعب ومجهود أنا ما عندي وقت له، ولا بس تريدين تكتبين عن الحالة بدون حلول وعلاجات؟
- لا أكيد عندي علاج لحالتها، والعنصر الأول في علاج رجوة والأكبر والفعال بنسبة ٩٠٪ هو انت يا أستاذ آدم.
- أنا.. كيف يعني؟ انت قلتي إنك تعرفين كل شيء، فبالتالي تعرفين أنها لعبة وزواجي من رجوة استحالة.
- ما تحكم عليها الحين ولا على شخصيتها بشيء، ساعدني بالأول وبعدها لكل مقام مقال.
- بيش أساعدك يا دكتورة.. قولي وإذا المساعدة بيدي ما أتأخر.
- أول شيء وبداية كل شيء التسوية مع رجوة غلط بغلط.. أنت تعالج مشكلة بمجموعة مشكلات، وللأسف حالك حال جميع أهل القبيلة معالجتك للمواضيع بدائية، حتى وانت واصل لهدرجة من التعليم والتطور اللي سمعت الكل يحكي بها.
- لا مو بدائية ولا شيء، كل المسألة إنك ما تعرفين شي عن شخصية رجوة أو إيش اللي ينفع معها وإيش اللي ما ينفع، رجوة كبرت قبال عيني وأنا أكثر حد يعرف كيف يتعامل مع شخصيتها العنيدة.
- حتى لو عنيدة من حقها ما تنخدع أو تنأذي، من أبسط حقوقها اللي هي تسويه الحين، هي ما أذنبت بشيء، هي حبت والحب ما بيد أحد، مثله مثل الحياة والموت قدر مكتوب.
- يا دكتورة أشوفك جاية تطالبين بحقوق المرأة بالمكان الغلط! شوفي أنا أدري أن الحب حق مكفول للجميع، بس الواحد ما ينسى وقت يدق الحب بابه هو بأي بيئة عايش وهل هاد الحب مناسب له لو لا، وإذا فتح أبواب قلبه له إيش راح يجني من وراه؟
- كلامك مو صح، وما في أحد يكون عنده الإدراك الكامل أنه يحط كل هذي الاعتبارات بباله قبل ما يستجيب قلبه للحب، كلامك مو منطقي أبداً.
- أقول يا دكتورة أنا ما أريد أحبط عزيمتك، بس بتفكيرك هادي ما راح تفلحين قيد أنملة مع رجوة. انت إذا تريدين ترجعينها إنسانة سوية وجب عليك تقنعينها تمشي حسب عادات وتقاليد القبيلة وتطلع العند من راسها، لكن تحاولين تشجعينها على حقوق المرأة والحرية، هدول أصلاً اللي خربوا حياتها فبعدي عنها واتركيها لي وأنا عندي علاجها.
- هساعدها تبعد عنك.
- أنا أعرف أبعدها عني وبلا رجعة.. ومن رخصتك روحي دوري حالات بالحضر أقل تعقيد، وإذا فشل علاجها وجاب نتيجة عكسية أقوى شيء تسويه ثورة أو تمرد. أما اللي تريدين تخاطري وتحطيها فار تجارب هي ما فيها ربع عقل.. وإذا غضبت تحرق القبيلة كلها باللي فيها وما يرف لها جفن، فيا ريت تبعدي عنها.
- بس أنا خلاص قررت أن رجوة حالتي.
- لا ما تقرري ومو بيدك هالقرار، وبعد إذنك أنا لازم أمشي لخيمتي الحين.
غادر آدم بعد مناقشة عقيمة أدرك بها أن العنود تريد أن تعالج ثور هائج بجعله يستمع لبعض الموسيقى، ولا تعلم أن الثور سيزداد هياجه وسيهجم على كل من بطريقه إن فعلت ذلك والخسائر ستكون فادحة.
أما في غرفة آدم المحتلة..
عفراء:
- أقول يا نوف انت ليش ما راضية تعطين فرصة لهلال وتقربي منه، والله الشاب لطيف وشاريك، قوي وذكي وشخصية، وشكله مقبول وبه كل شيء تتمناه أي بنت.
نوف:
- أي بنت غيري، أنا ما شايفه به ولا شيء من اللي تقولينه، أنا ما شايفاه غير راعي غنم عايش بالصحرا ويريد يجيبني معه وما أشوف من الدنيا شيء إلا الرمال الصفراء والجبال والخيام للموت.
- ما أعرف صراحة انت كيف تفكرين، مكبرة الأمور واجد وعاطية الموضوع أكبر من حجمه بكثير.. هي عيشة يعني والكل عايش ومبسوط وماناقص عليهم شيء.
- أي بس ما تناسبني.
- سبحان من يهب الأرزاق، والله إنك بومة ماتعرفين قيمة القبيلة وماتستحقين إلا عيشة الحضر والضوضاء والتلوث.
- أي أنا أعشق التلوث.
قاطعتهم أمهم قائلة:
- أنا ما أشوف داعي لهالمناقشة من الأساس، نوف منهي عليها من هلال وأبوها عطى، سواء اعترضت أو وافقت ما راح يتغير في الأمر شيء.
عفراء:
- أنا بس أريدها تتقبل الأمر وما أريد تكون مغصوبة وحاسة بالظلم.
- تحس ولا ما تحس، هاد قدرها ولزم تتقبله وتتحمله وترضى به.
نوف:
- والله أنا كرهت كل حياتي بسبب جذوري البدوية، كرهت حتى حظي اللي ما خلى أمامي اختيارات مثل العنود وجاني من ضمن الاختيارات واحد عايش بالحضر كان سهل علي كل شيء، ولا حتى كان مثل حظ عفراء اللي ما جا لها حد وتركوها بحالها.
عفراء:
- ياريت الحظوظ تتبدل والله ما كنت عزيزت عنك حظي يا خيتي.
قاطعتهم العنود وهي تدلف من باب الغرفة:
- عن أي حظوظ تتكلمون، إذا ذكرتوا حظي ما تقولون إلا الحظ الأعوج.
صاحت أمهم بهم:
- أيش هالفال من الصبح الله لا صبح وجوهكن يا بوم. وانت يا عنود اليوم أبوك يريد كلمتك الأخيرة لحتى يرد على الناس ويقطع اللي رامي الأمل.
نوف:
- ما أحتاجها رأي، الحضري أكيد.
العنود:
- وهي نوف قالتها لك، قوليله العنود استخارت الله ورضت برسولان.
الأم:
- زين.
أما في الوادي..
جالسة تراقب الأغنام وقد بلغ بها الجوع مبلغه فقامت لأشجار التين وأخذت تقطف الناضج منها. وإستدارت متفاجئة من الصوت الغليظ من خلفها:
- أيش تسوين يا سارقة التين؟
كادت قضمة التين أن تقف في بلعومها ولكنها بلعتها بصعوبة حين رأته سالم وقالت له:
- قطعت نسلي الله يقطع عمرك.
ضحك وهو ينزل من فوق حصانه ويمد لها يده بكيس بلاستيكي كبير مملوء:
- خذِ.. عرفتك راح تظلين بدون أكل قلت أجيب أكسب من وراك ثواب إطعام مسكين.. هاك فيه شيء حلو ما يستحقه فمك اللي ينقط حنظل.
نظرت رجوة للكيس ورفعت عيناها على سالم وأردفت:
- أي وتذلني وكل ما شفت وجهي تقول ما طمر فيك معروفي والعطية اللي لك.
- ليش يعني انت إذا ما أخذتي مني هدول يكون راح معروفي؟ والله لصرفته عليك أذلك به حتى آخر العمر، وأخلي وليداتي يذلوا به وليداتك بعد.. خذي واطفحي هيك أو هيك مذلولة وعلى راسك وجمايلي مغطياك يا نكارة الخير.
تبسمت ومدت يدها واخذت الكيس منه ووضعته على الأرض وتلفتت حواليها ثم ذهبت لشجرة التين الشوكي وقطفت بعض الثمار بطرف وشاحها وعادت إليه. ظن أنها أحضرتهم له كنوع من رد الجميل. ولكنها فاجأته وهي تقترب منه وتلك النظرة الخبيثة في عينيها والابتسامة التي تسبق مشاكساتها اعتلت وجهها ثم قالت له:
- أقول يا سلومتي ايش رأيك لو أخبي هدول التينات بنفس مكان زمان وتاخذهم لي معك عالقبيلة، أظن ما عاد يأثر بك الشوك وتعودت عليه.
قالت جملتها واقتربت منه سريعاً فأبتعد عنها مهرولاً وهو يرد عليها ضاحكاً:
- يا بقرة كبرنا وما عدنا وليدات صغار أيش تريدين تسوين، والله أفضحك بكل القبيلة إذا سويتيها.. لعنة الله عليك جسمي كله توجع بس تذكرت هديك اليوم.
ظل يجري وهي تجري خلفه، يضحك وتضحك، حتى قفز فوق حصانه وانطلق به مبتعداً عنها، لأنه لو ظل قليلاً لأحتضنها وأدخلها بين ضلوعه وأطفأ نيران الحنين التي أشعلت فتيلها للتو.
أما هي فوقفت تراقبه ضاحكة وهو يبتعد وكم شعرت بالسعادة حين استعادت بعضاً من مرح الطفولة وذكريات الأيام الجميلة التي لا تُنسى، هكذا تريده.. صديقاً وخليلاً وقلباً حنوناً تلجأ إليه وتعلم أنه لن يخذلها.
وجلست بعدها وفتحت الكيس، وكم غص قلبها ودمعت عيناها وهي ترى به كل ما تحبه واشتاقت إليه. لم تهون عليه وشغله أمرها وأتى لها بالطعام بينما آدم أخذ يوصيها بألا تعود ولم يفكر حتى أن يطل عليها.
نعم سيظل سالم هو الأحنى عليها من بين كل البشر مهما فعلت به، وهي من ظنت أن بعد ما قالته له بالأمس قد قطعت أي خيط قد يعيده إليها، ولكن ها هو قلبه الكبير يعيده إليها مسامحاً وممازحاً وضاحكاً، ومحملاً بكل ما تحب تماماً كما عهدته.
أما هو فكان يقف بعيداً ورأى كل شيء وفقد علم بأن سالم آتٍ لها حين فقدها في القبيلة وسأل عنها ولم يجدها، وتأكد حين أرسل مع أحد شباب القبيلة في طلب الحلويات وبعض الأشياء من الحضر، وقسمهم على كيسين، أرسل أحدهم لخيمته والآخر أخذه وركب حصانه وانطلق به نحوا الوادي.
فأتى بآدم الفضول خلفه ليرى ما سيحدث. فتمتم لنفسه بعد أن غادر سالم وجلست رجوة تأكل بنهم:
- ما في فايدة، تيس رجوة ما راح يتغير حتى لو ذبحته بيدي ألف مرة، صدق العاشق ما يتوب إلا وينتكس ألف مرة.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الثامن والخمسون 58 - بقلم ريناد يوسف
عاد سالم للقبيلة وهو منتشٍ من مشاكسة رجوة له. جلس عند البئر قليلاً كي يحاول السيطرة على فمه ويمنعه من الابتسام قبل أن يذهب لخيمته وتلاحظه مزيونة وتسأله عن سر ابتساماته. يعلم أنه سيتلعثم، وربما ينطق اسمها دون وعي، وهذا ما لا يريده.
أما مزيونة، ففي هذا الوقت ذهبت لخيمة جنديه القابلة وسألتها:
"خالة جنديه، أريد أن أعرف إذا كان اللي في بطني ولد ولا كفاني الشر بنية؟"
"يا مهبولة، بنية إيش ودكِ؟ إيش اللي تريدين تعرفينه الحين؟ لسه ما كمل الشهر الثالث والشواهد ما تبان الحين، والولد لسه ما تحرك حتى لنشوف بأي جنب ساكن!"
"أي بس يمكن في زين تعرفين يا خالة."
"امشي يا مزيونة وردي لخيمتك، وبس تحسي الولد تحرك ببطنك اصبري سبعة أيام وبعدها تعالي، والكاتبه ربك عليكِ أنبشرك به."
"تم يا خالة.. الله يرزقني الصبر وطولة البال."
غادرت مزيونة خيمة جنديه وتمشت في القبيلة، ثم سمعت صوت يناديها:
"مزيونة، يا مزيونة."
استدارت فوجدتها صديقتها المقربة، فتبسمت لها وردت عليها:
"أهلين بالغالية، إيش أحوالك يا خيرة؟ اشتقت لكِ واجد والله."
"ولا اشتقتي ولا شي، يا زينة الألقى أحبابو من حين لحين يتذكر أصحابه، خلينا على البال، إحنا مو عشرة يوم يومين."
ضحكت مزيونة واقتربت منها واحتضنتها قائلة:
"والله على البال وبالقلب، بس مثل ما تشوفين يا خيرة، أنا الحين مثل المسكت طير كان محلق بالسماء وحط فوق كتفها يستريح شوي، وإذا غفلت عنه برعاية واهتمام، يشرد منها ويرد يهيم بالسماء مرة ثانية، وإلا ما تلوف عليه طيرة وتاخذه مني وما عاد أشوفه."
"كيف يشرد منكِ وأنتِ الشايلة وليده بحشاكِ؟ واسمع إن سالم اليوم نسي رجوة وسنينها وما يغادر خيمته إلا للشديد.. لا تخافين عيني يا مزيونة، أنا ما أحسد رفيقتي."
"يا خيرة، مو قصة حسد.. إيش هالخرابيط هي؟ أنتِ تعرفين إن رجال القبيلة ما يمنعهم ولد ولا ألف ولد من الهجر، وأن سالم مطمع، واللي تعرف إن زوجها بيه الطمع لزوم تحط عيونها بوسط راسها. الزواج فرص، وأدري قبيلتنا بنياتها قناصة."
"أي، ما كل واحد يشوف الناس بعين طبعه، ومثل ما أنتِ قنصتي سالم، تحسبي الكل يقنص مثلك."
"كلامك به نبرة ما عجبتني يا خيرة! خير، إيش فيك؟ أي يا ستي، أنا قنصته وأخاف غيري تسوي مثلي، بس أنا ما خذته من مرته ولا خربت خيمة يا خيرة. أنا وقت رحت لعمتي عوالي أدور فرصة، كان سالم يدور عروس، يعني بي أو بلاي كان معرس."
تلعثمت خيرة من رد مزيونة التي انْفَعَلَت عليها، وحاولت أن تلطف الجو قائلة:
"إيش فيكِ؟ إيش فيكِ؟ أكلتيني بقشوري! أنا أمزح يا مزيونة، ولا ما عاد تتحملي مزح؟ تغيرتي يا رفيقتي من وقت زواجك وصار خلقك أضيق من خرم الإبرة. أشوف صابك الغرور.. بس والله يحق لك.. أخذتي كل شي وما عدتي تريدين من الدنيا شي، لا رفقة ولا صحبة، سالم غناك."
"اذكري الله يا خيرة، إيش فيك؟ والله توقعتها من أي حد إلا أنتِ. بس الظاهر مثل ما يقول سالم، ما تظهر خبايا النفوس إلا وقت تغير الحال للأحسن أو للأسوأ."
"أنا مو حاسدة يا مزيونة وعيني ما عين سوء، وأنتِ تعرفيني زين."
"لا يا خيرة، الظاهر ما كنت أعرفك، بس الحمد لله الحين عرفتك."
"لا تفترضي بي السوء يا مزيونة حتى لا أكون عند ظنك بي."
"خيرة، كملي طريقك وشوفي لوين كنتِ ماشية، أنا لازم أرد خيمتي، سويلم زمانه جاي وما يحب وقت يفوت على الخيمة ما يلاقيني باستقباله."
"أي روحي الله معك."
غادرت مزيونة وهي تستعيذ بالله من شر حاسد إذا حسد، حتى وصلت خيمتها. أما خيرة، فوقفت تراقبها حتى دخلت خيمتها. وتحرك بداخلها بركان كان ينفث غيرة من وقت لآخر، والآن رمت مزيونة في فوهته حجراً جعله يثور ويفور، وسيحرق كل ما يطاله.
بدلت مزيونة ملابسها بأخرى بيتية مريحة وجميلة من التي يجلبها لها سالم من المدينة. وضعت عطرها باهظ الثمن الذي يشمه القاصي والداني حين تضع منه، والجميع يسألها اسمه. ولكن سالم نبهها بأنه لا يريد أن يشمه إلا منبعثاً من خيمته هو فقط، فهذه رائحته المفضلة، وهو لا يحب أن يشاركه أحد في أشياءه المفضلة. مشطت شعرها وأطلقت له العنان وحررته لينساب على ظهرها. وكحلت عينيها واتكأت على فراشها تنتظره.
وفي هذه الأثناء، انتبهت لكيس بلاستيكي موضوع بجوار باب الخيمة! عرفته على الفور، قامت وأحضرته وجلست تتلذذ بما في داخله. نعم، هذا سالم، وهذا اهتمامه. وهذه هي الحياة التي تتمناها أغلب فتيات القبيلة، وهي تعذرهم إن حسدوها، فهي من قبل كانت حاسدة لرجوة عليه وعليها.
مر القليل من الوقت، وإذا به يدلف من باب الخيمة بطلته التي تخطف أنفاسها في كل مرة، وكأنها المرة الأولى التي تراه فيها!
"حيا الله المزيون."
"حياك الله يا نبض قلبي.. هلا بروحي وقنديل خيمتي."
اقترب منها مبتسماً وجلس بجوارها. تأملها قليلاً، ورفع يده مبتسماً يمسح بعض الفوضى التي أحدثتها الشوكولاتة على إحدى زوايا فمها. انتهى، ولعق إصبعه وهمس لها:
"أي شيء تلمسينه يصير أحلى، ما أدري إيش السر فيكِ! ما أعرف كيف الله جعل كل الراحة عندك، واللي يجلس معك ما يشعر بزمن أو بوقت، إيش سرك يا مزيونة علّميني؟"
"السر بمحبتي يا سويلم، السر إن اللي يعشق يخلق لشوقه الراحة.. يغزل له السعادة غزل ويلبسها له ثوب. اللي يعشق ما يحب يشوف معشوقه إلا فرحان والضحكة ما تفارق وجهه لو إيش ما كان.. حتى لو الضحكة تكون على حساب روحه."
"كلامك واجد حلو، وواجد موجع، ويخلي الواحد دوم يراجع نفسه ويحاسبها عليك."
"عليم الله ما أقصد بكلامي لك أي وجع."
"أدري يا مزيونة، أنتِ مثلك ما يعرف يوجع."
"أقول اتركنا من الوجع وخلينا بهاللحظة ما نفكر بشيء ثاني، أنا وأنتِ ووليدنا الجاي وخيمتنا ودنيتنا الحلوة، واللي خارج الخيمة نأجله لبعدين."
رد عليها بضحكة:
"يا عمي والله أشوف إنك سرقتي ثلاث أرباع عقل بنات القبيلة لروحك وخليتي الباقيات بربع عقل، أقول يا مزيونة.. إذا ضميرك صحي لا تتوبي وتردي المسروق لأصحابه؛ ترى أتعب إذا أنتِ بالذات فقدتي من عقلك شي."
"لا ما تخاف ولا تشيل هم، طول ما أنت معي وعيوني تشوفك، كل العقل بي، ما يغيب العقل إلا بغيابك."
اقترب منها وأخذها بين ذراعيه وتنهد وأغمض عينيه براحة، فعندها ينتهي كل شيء ويبدأ شيء آخر مختلف كلياً.
أما عند رابح وآدم..
"هاه يا رابح فهمت علي، سوق السيارات يرادله سفر دائم ومتابعة السوق باستمرار، يعني إذا دخلت المجال ما راح يكون عندك وقت للقبيلة ولا مصالحها."
"يا خوي، القبيلة ما واقفة علي مصالحها، ما شاء الله قبيلتنا كلها رجال تنشد بها السواعد وغيابي من عدمه ما راح يفرق واجد."
وهنا قاطعته معزوزة بغضب:
"ما راح يفرق معك ولا معهم، بس راح يفرق معي أنا؟ ولا معزوزة ما عادت من ضمن حساباتك يا رابح؟"
"يا بهيمة، ورابح لمن يعمل كل هذا الشيء مو لأجلك ولا لأجل وليدنا الجاي، ثم من قال لك إني أتحمل أبتعد عنك؟ أنتِ رجلك على رجلي وخطوتك بخطوتي، ووين ما أروح أنتِ معي."
"يعني تاخذني معك إذا رحت للحضر؟"
"أي آخذك، يعني لمن أتركك هين وأنتِ تعرفين إن قلبي كل مرة أغيب عنك يصير بركان نار عليك."
تبسمت براحة، فالآن فقط هدأ قلبها، وما دامت سترافقه أينما ذهب فلا بأس، حتى وإن كان الثمن تركها للقبيلة التي ولدت وتربت بها، ولا تعرف هل ستستطيع مغادرتها أم سيكون الأمر أصعب مما تتوقع.
فأردف آدم حين طال الصمت:
"طيب الحين يا رابح، أنت فهمت كل شيء والمرحلة الجاية مع عمك قياتي كلها، تواصل معه وهو راح يفيدك بخبراته في المجال، وأنا لازم أرد لأهلي، غبت عنهم واجد وأشغالي أغلبها تعطل، يلا شد حيلك وسمي الله واستعين به وابدأ."
هز رابح رأسه لآدم بالموافقة. ونهض آدم وترك المكان، وذهب لمبناه كي يستأذن بنات قياتي ويأخذ أغراضه ويستعد للسفر.
وحين وصل وطرق الباب، خرجت له العنود وعلمت منه أنه راحل. فرأت أنها فرصتها الكبرى للانفراد برجوة والدخول في دهاليزها المظلمة دون أن تهرب منها مستنجدة بهذا العقاب الذي سيبعدها عنها ويتصرف هو.
وبالفعل غادر آدم متوجهاً للقاهرة بعد أن أخبر أبويه بقدومه، وغادر القبيلة التي لم تعد كما كانت واحة مريحة، بل أصبحت بسبب رجوة جحيم لا يعلم متى سينتهي.
أما عند رجوة بالوادي، كانت جالسة تراقب الأغنام وتفكر.. هل هذا هو كل ما آلت إليه الأمور؟ ماذا فعل بها العقاب الذي حاربت لأجله وتحملت؟ أجعلها راعية أغنام بعد أن كانت سيدة قومها وبطنها لا تعرف جوع وجوفها لا يعرف عطش، وكل ما هو لذيذ وغالي تطاله يدها بفضل سالم. أهذه هي العيشة التي ستعيشها أم هو مجرد اختبار لقوة تحملها وقياس لمستوى محبتها له، وينتظر أن تجتازه وتنجح به؟
قررت أن تتحمل، لأجل حلمها ستتحمل، لأجل أن تكمل القرار الوحيد الذي اتخذته بمحض إرادتها دون فرض من أحد ستتحمل، حتى وإن أصبحت راعية أغنام.
انتهت وعادت للقبيلة وتفاجأت حين علمت بأمر رحيل آدم؛ فكيف له أن يغادر دون أن يخبرها ودون وداع، وكأنها ليست لها وجود عنده ولا تشغل أي حيز ولو قليل من تفكيره؟ فازداد حزنها وهي التي تحملت كل هذا وما زالت تتحمل لأجله.
أما عند خولة في الخيمة..
"يمه، ما قادرة أصدق، باقي كم يوم وأعرس وأروح خيمة زوجي وأفتك منكم ومن وجيع الراس اللي يجيني منك ومن عيالك."
"شوي شوي على عقلك، الفرحة الزايدة مو حلوة عليه وهو من الأساس ضعيف ما يتحمل."
"تقصدين قلبي؟"
"لا، أقصد عقلك."
"تقصفيني يا صالحة؟ صبرك علي بس أروح خيمة رجلي راح أربي كلب مسعور إذا شفتك مارّة من أمام الخيمة أطلقه عليكِ وأقوله كلها لا تبقي منها شي."
"وليش تربي كلب؟ ما تشوفين روحك كافية يعني؟"
"أي، اقصفي وزودي يا صالحة، إلا ما يجيك يوم وألفّف القبيلة كلها وأنتِ تقولين خولة بنتي ما تريد تكلمني من بعد ما تغيرت أحوالها."
"روحي الله يأخذك قبل ما تجوري علي، والله إذا ما ضبيتي فمك أجيب لكِ صياح يكسر راسك."
"والله أجيب لكم أبو نواس يخلص عليكم انتِ وولدك بعد."
"منو أبو نواس هذا كمان؟"
"هذا سعود زوجي اللي راح يخليني ست ستات القبيلة والكل يعملي ألف حساب."
"أقول يا خولة، ما يصير تروحين خيمة زوجك من الحين وتريحيني؟"
"وربي أنا ما أنا مانعة أبداً، بس أنتِ دزي على سعود وقولي له خولة جاياك، خلي يتسبح ويغسل ريمته الجايفة وحمليلي أغراضي على جمل والبس ثوب العروس وأجر الجمل بأغراضي وأروح الحين."
"يا بوووه، والله ما أعرف أنا إيش سويت بدنيتي سو حتى الله يبليني بيك؟!"
"غدوه الماعاجباك ولا حامدة ربك إنه عطاها لك، راح تتمنى تكلميها يا صالحة وتطوفي حول خيمتي طواف وتنتظري أقولك أقبلي يا صالحة وخشي، بس ما راح أقولها، راح أتركك مثل كلب أجرب ما لاقي حَن."
"الكلب اللي ياكل، حشاكِ يا كلبة البدو يا جحشة الصحاري يا اللي ما منّك نفع، أنا أطوف حول خيمتك مثل كلب أجرب؟ ليش يعني؟ إيش أريد منكِ لحتى أطوف حولك وحول خيمتك؟ الله يأخذك ويأخذ خيمتك؟"
"تريدين من أموالي لأني راح أصير من أغنى أغنياء القبيلة والذهب ملو ذراعاتي وطبقات طبقات فوق صدري ولبسي كله حراير هندي وأغراضي..."
وقبل أن تكمل، كان خُف أمها صالحة يرتطم برأسها بضربة قوية أخْرَسَتْها وجعلتها تجلس أرضاً تتألم في صمت.
دلف صياح من باب الخيمة ورأى خولة على الأرض ممسكة رأسها وتتلوى على الأرض فسأل بتعجب:
"إيش هذا؟ ليش تتلوى هي مثل حنيش اندج براسه؟"
"أمك.. أمك تريد تموتني، غارت مني بس قلت لها راح أصير من أثرياء القبيلة."
نظر صياح لأمه وأردف:
"لا تضربيها كافي، هي كلها يومين وتفارق، الله لا يرده، ما بدنا تتفقع عينها وسعود ما ياخذها وتقعد على قلوبنا لآخر العمر، قالت راح أصير غنية، قولي لها الله يعطيكِ وبس."
"يعني يا صياح أنت تعرفها تقول بس، هي الكلمة ما تلحقها بسب ولا تسبقها بإهانة؟"
"أدري بها، لسانها يلزمه سباق هجين ليجيب آخر طوله، بس إيش نسوي، تحملناها كل هذا ما يجرا شيء إذا تحملناها يومين، خليها تسوي مجال لي أريد أتزوج بالخيمة."
"حييييييه عليك، عن أي خيمة تتكلم أنت؟"
"هي الخيمة يعني في غيرها؟"
"وأنا وين أروح يا حظي الأغبر وأغراضي وين أخليهم؟"
"أنت تروحين خيمة أبوي ومرته وتقعدي فوق قلوبهم، نغصي حياتهم، أنتِ ما زلتي زوجته ولكِ حق فيه وعليه، أما أغراضك فما تحملي همهم، أنا بتزوج عليهم، لكن من وين لي أشتري أغراض جداد؟"
صرخت به صالحة وهي تضرب على صدرها:
"يا خيبتك يا صالحة بعيالك.. تريدني اليوم أروح أدور على حقوق عند أبوكِ وأنا ما دورت حقوق بعز شبابه؟ اليوم بعد ما رجوليه الاثنين بقن بالقبر أدور حقوق؟ لا وتريد تأخذ أغراضي وفرشتي تتزوج عليها، ووين ترضى تتزوجك على فرش وأغراض أمك وبخيمتها المهترية؟"
"ما عليك، أنا أندور وإلا ما ألاقي بت الحلال تقول أنا ما أريد شي من الدنيا إلا صياح وبس، أسكن معو بخيمة أمه وأغراض أمه وأعيش خدامة خطاوي رجليه."
وهنا دلف برق من باب الخيمة وأردف غاضباً:
"خيمة إيش وأغراض إيش اللي تريدها يا صياح؟ خيمة أمي لي أنا البتزوج فيها، أنت معك قروش كثار وتقدر تجيب بدل الخيمة والأغراض عشرة، أنا الماعي شي ومن البداية هي الخيمة واغراضها ببالي أتزوج فيهم، روح امشي حير بروحك ودور لك مكان وانصب به خيمة جديدة وعبيها أغراض جداد وماتبخل على روحك، القروش اللي ما تفرح صاحبها هي وقلتها واحد."
صالحة بقهر:
"ياررربي إيش هدول ولاد ولا ضيم ماشي على رجول ومحاوطني، تريدون تورثوني بالحيا يا تيوس.. اطلع بره خيمتي يا خروف منك له وما أشوف وجه حد فيكم ولا رجل من رجولكم تخطي خيمتي وكل من يشقى بروحه ويتزوج بعيد عني،، والله هاد الناقص يريدون يورثوني بالحيا، أغربوا عن وجهي يا غراريب البين يا وجوه البوم."
أنهت جملتها وكانت تميل على الأرض لتلتقط شيئاً تضرب به، ففر الاثنين هاربان من أمامها. وجلست صالحة على الأرض مذبهلة مما قاله أولادها، غير مصدقة لما رأته منهم، فحتى خيمتها المهترئة وأغراضها المتهالكة يتقاتلون عليها طمعاً، وكبيرهم يريد أن يرميها لأبوه بعد كل هذا العمر!
أما خولة، فكانت ترمقها بنظرات شماتة وتواري ابتسامتها خلف وشاحها، لأنها تعلم إن رأتها صالحة تتبسم ستحملها خطأ الجميع ولن ترحمها.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل التاسع والخمسون 59 - بقلم ريناد يوسف
عاد آدم أخيراً إلى قصره، إلى حضن أمه وأبيه، جلس بينهم ينعم بالدفء وهو يستمع إليهم وهم ينقلون له أخبار عمه وزوجته التي يعرفها سلفاً، ولكنه استمع حتى انتهوا من أحاديثهم ثم نظر لأبيه الذي كان يحارب دمعة على طرف عينه كي لا تنزل، فليس هذا المصير الذي تمناه لأخيه أبداً حتى بعد أن فعل به الأفاعيل.
فقال له آدم مراعياً لحالته:
- إذا تريد تشوف خوك أنا بوصلك يا أبو آدم، أعرف قلبك رجيج وأيش ما يسوي فيك عمي ما تفرط به، غدوه آخذك له شوفه وإذا قدرت عالسماح سامح.
هو على فراش الموت وعرفت أن نبضه توقف ورجع مرة ثانية، يعني الموت يحوم حوله، أدري إنك عامل لي خاطر بس أنا اللي أقول لك روح له.
لم يصدق محمود أن آدم سمح له أن يذهب لأخيه بهذه البساطة ولم يمنعه، وحمد الله أنه يدرك بأن للموت رهبة تُنسي كل شيء، وأن الواقف على أعتابه مُسامح.
فأخذه آدم وذهب به في اليوم التالي للمشفى وقد اطمئن قلبه قليلاً؛ فعمه الآن في حالة لا تسمح له بالتفكير في المزيد من الأذى، وزوجته الرأس المدبر لم يعد لها عليهم سلطة.
دلف الاثنان لغرفة يحيى بعد أن استأذنوا الطبيب، فوجدوه في حالة يرثى لها، نعم يتنفس ولكن عيناه شاخصتان وكأنه في عالم آخر.
فتحدث معه محمود بصوت مختنق وهو يمسك بيده:
- كان جرى إيه يا يحيى لو كنا عشنا حبايب وكنت سبت لي مروان ابني وسبت آدم يتربى في حضني وأنت كان زمان مدحت ابنك عايش ومراتك جنبك وفحضنك وكلنا فرحانين بولادنا وحصاد عمرنا.. أخذت إيه يا ابن والدي قولي.. الفلوس نفعتك انت ومراتك بأيه يا يحيى.. كان هيحصل إيه لو كنا عشنا زي الناس ومخسرناش أي حاجة؟
اضطربت أنفاس يحيى وشدد مسكة يده على يد محمود ونزلت دمعة من إحدى عينيه وبدا من حركة عينيه كأنه يجاهد كي يتحدث.
لف رقبته بصعوبة نحو أخيه، ارتجفت شفتاه وكاد أن ينطق، ولكن قاطعه ابنه ياسين الذي دلف من باب الغرفة كالإعصار وأمسك آدم من تلابيبه وبدأ في دفعه للخارج وهو يقول:
- أنتو إيه اللي جايبكم هنا، جايين تتشمتوا صح.. جايين تملوا عيونكم وتفرحوا قلوبكم مش كده، فاكرين إنكم انتصرتوا وجايين تحتفلوا بالنصر فوق جثث ضحاياكم!
هدر به عمه محمود قائلاً:
- نصر إيه واحتفال إيه اللي بتتكلم عنه يا حيوان أنت، خلاص دماغك مبقاش فيها غير المؤامرات، كل تفكيرك عن الأذى والشماتة، مفيش حاجة في قاموسك اسمها إننا جايين نطمن عليه مثلاً؟ وبعدين نصر إيه اللي بتتكلم عنه هو إحنا حاربنا من الأساس ولا عملنا حاجة، دا إحنا طول الوقت كنا بنهرب من هجومكم وضرباتكم المتواصلة!
آدم كان يتحرك مع ياسين نحوا الخارج دون أية مقاومة ولم ينطق، حتى أصبح خارج الغرفة، فهو يعلم أنه ليس في كامل وعيه بسبب كل ما حدث لعائلته.
ولا يريد أن يحدث شجار أمام عمه فتسوء حالته أكثر وربما يتوقف قلبه ويموت أمام عينيه أبيه ويعلم بأنه لن يتحمل.
ولكن آدم هو الذي لم يتحمل حين عاد ياسين للغرفة وهم أن يفعل بأبيه نفس ما فعله به، فتحرك وأصبح أمام أبيه في ثانية يحجبه عن ياسين وينظر له بنظرة نارية تخبره بأن الأمر لن يمر مرور الكرام عند أبيه.
فأمسك بأبيه وأخذه وخرج به، أما ياسين فوقف يراقبهم وأردف متوعداً:
- طيب حلو يا آدم وكويس إنك جيت في التوقيت ده بالذات عشان أخلص منك أنت كمان بالمرة وأفوق لشغلي ونفسي وأخلص من كل الوش دفعة واحدة.
أخرج جواله وهم أن يهاتف أحداً، ولكن يد أبيه المرتعشة التي قبضت على يده منعته لثوانٍ، فنظر له متعجباً وإذ بأبيه يهز له رأسه برفض، فسحب منه يده بعنف وأكمل محادثته دون أن يأبه لذلك الذي بدأ يزوم ويتخبط.
- أيوه يا برنس، المهمة اللي كانت متأجلة استأنفها ونفذ في أقرب وقت، مش عايز تأجيل أو تأخير، مش عايز فزلكة المرادي من أي نوع.
أنهى مكالمته ونظر لأبيه وأردف:
- إيه مالك، قلبك لما وقف ورجع اشتغل تاني رجع رهيف ولا إيه؟ اهدى كدا وركز في اللي انت فيه ولو هتموت موت قوام قوام مبقاش فاضل غيرك حجر فوق قلبي.
أنهى كلماته القاتلة لأبيه الذي تصنم وكأنه تلقى للتو ضربة أفقدته الوعي، وأغمض عينيه وهو يفكر في كلام أخيه محمود (كان هيحصل إيه لو كنا عشنا زي الناس ومخسرناش أي حاجة).
توجه آدم مع أبيه لشركته وانهوا بعض الأعمال وعادا للقصر لتناول الطعام.
الطعام الذي تصر عايدة ألا يتناولانه إلا في القصر ومن يدها هي فقط منذ موت مدحت.
أما عند حياة وإخوتها:
- يا حياة دا قرار مش سهل علينا ومش هينفع انتي تنفذيه لوحدك.
- لا سهل يا كاظم، إحنا مش هينفع نعيش هنا، إحنا مستقبلنا اتدمر وحياتنا في المجتمع دا أصبحت مستحيلة، وأنا أخذت قراري سواء وافقتوني وجيتوا معايا أو لأ، وبكرة نازلة أقدم طلب هجرة لأستراليا أو كندا.
- بس هنا أصحابنا وذكرياتنا وحياتنا كلها.. وحبايبنا يا حياة.
- حبايبك اللي بتتكلم عنهم دول أنا متأكدة إنهم لو عرفوا إن أمك اتعدمت بسبب إنها قتلت أبوك مش هيبصوا في وشك حتى لو كانت محبتهم ليك عدت كل الحدود.
، مش كل الأمور بتم بالمحبة بس يا كاظم، فيه اعتبارات تانية أقوى وأهم.. ودلوقتي أنا نازلة أكمل الأوراق المطلوبة مني عشان الهجرة.
تحركت من أمامهم وهي عازمة على الرحيل بالفعل، فلا البلد أصبحت تشعر بأنها منها ولا مستقبل فيها يستحق الصبر، فقررت الذهاب لبلد أخرى حيث لا يعرفها فيها أحد ولا يهتم أحد لماضيها أو أهلها، ستبدأ من الصفر، بدون أم وبدون أقارب، والأهم بدون آدم حتى تستطيع التنفس والعيش وهي تعلم أن الأمل انعدم تماماً.
أما في القبيلة:
- خلاص نويت يارابح؟
- أي يا معزوزتي دعواتك لي، أنا الحين ماشي أجدد باسبوري، هي أهم خطوة بحياتنا، رايح وحاطط كل أملي بتجارة السيارات وربي يوفقني للخير.
- الله معك يحرسك ويصونك يا نور عيوني، دير بالك على حالك وأوعك تهمل بروحك ووكلك وشربك، أدري بك ماتتذكر الوكل طول ما في شي شاغلك، بغلاي عندك يا رابح ماتسوي هيك.
- يا نبضي هدي شوي أنا رايح أجدد الباسبور بس الحين ماني مسافر، لسه أيام على هالخطوة.. بس وغلات عيونك بأكل وأشرب وأدير بالي ع حالي وأرد لك ثمين وكرشي هيك كبره.. وأنت ديري بالك على روحك وعلى صقر، ما أريد تجيبي لي وليد ضعيف.
- بعيوني صقر يا أبو صقر.
غادر رابح القبيلة متوجهاً للمدينة ليجدد جواز سفره كي يسافر ليبيا للاتفاق على السيارات التي يريدها وشرائها مع عمه قياتي وجلبها لمصر، وترك معزوزة تشعر بالخوف، فها هو يسعى للابتعاد عنها في هذا الوقت القاتل، إنه شهرها الثامن وما هي إلا أيام وستدخل في شهر ولادتها وكانت تريده بجانبها بشدة، ولكن هذا مستقبلهم ولن تقف أمام أول خطوة لرابح فيه، فتحاملت على الشوق والألم والخوف ودعت له وودعته بقلب يعيذه من كل شر.
أما ياسين فبعد أن غادر المشفى توجه لمسكن حياة وحين توقف بسيارته وهم بالنزول وجدها عند مدخل العمارة تخرج، فصبر حتى اقتربت من السيارة ونزل منها سريعاً وبحركة خاطفة أدخلها السيارة ودخل خلفها وأغلقها بإحكام وانطلق غير آبه لرفضها وصرخاتها وتوبيخها له.
عرفت من عينيه أنه في أوج شره الآن وأن أمر عظيم على وشك الحدوث، فأخرجت هاتفها من حقيبتها وفتحته وسط محاولاته بمنعها وأخذ الهاتف منها، ولم تجد في هذه اللحظة أقرب لها منه، فضغطت على رقمه واتصلت، وكعادته رد من أول لحظة، فصرخت قائلة:
- الحقني يا آدم الحقني ياسين خطفني.
- إيش تقولين، حطي الجوال عالاسبيكر الحين يلااا.
فتحت حياة السماعة الخارجية وهي تتألم من قبضة يد ياسين الممسكة بشعرها، فجاء صوت آدم صارخاً ومحذراً:
- ياسين إذا مسيت حياة بسوء اعلم أنك حفرت قبرك بيدك، سامحت بكل شي بس عند حياة مافي سماح، فيه موت.. موت وبس تفهم علي.
- رد عليه ياسين قائلاً:
- أنت تخرس خالص ومتنطقش اسمها على لسانك الزفر، ولو عالموت فالموت جاي جاي، بس مش ليا أنا ليك أنت. فأستعد يا روح أمك.
وهنا صرخت به حياة:
- موته لما تاخدك يا حيوان، روح ربنا ياخدك يا شيخ ويريح الدنيا منك ومن شرك.. أنا بكرهك بكرهك، أنت اصلا تتكره، أنا بحب آدم وعمري ما أحب غيره، واللي تحب واحد زي آدم عمرها ما تبص بعده لحشرة زيك.
فكان رد ياسين على كلماتها ضربة قوية بقبضة يده فوق رأسها أفقدتها الوعي، وأفقدت آدم العقل حين وجدها صمتت مرة واحدة، فتحرك على الفور وهو يجرى اتصالاته، وأعطى رقم هاتفها لأحدهم وهو يعلم أن العثور عليها سهل للغاية، فقد كان دائماً يشدد عليها ألا تغلق خاصية تفعيل الموقع على هاتفها، وكأنه كان يعلم أن شيء كهذا سيحدث ويعلم أنها لن تنسى وصية له أو تهملها، وبالفعل بعد دقائق بدأت تأتيه الإحداثيات ومن تتبع الهاتف استطاعوا تحديد مكانها.
فذهب آدم حيث المكان الذي توقفت فيه سيارة ياسين، وكان إحدى مخازن شركتهم القديمة.
اقتحم آدم المكان بسلاحه ووجد حياة ملقاة على الأرض فاقدة للوعي ولا وجود لياسين، يعلم أنه موجود ولكنه مختبئ وينوي غدره، فاحتمى آدم بإحدى آلات الرفع وبدأ يمسح المكان بعينيه، وسرعان ما أتته رصاصة تخبره بمكان ياسين بالتحديد،
فتفاداها وبدأ التراشق بالطلقات، وما هي إلا دقائق أخرى وكانت الشرطة تقتحم المكان.
أخذوا ياسين بتهمة الاختطاف وقام آدم بحمل حياة وأخذها بسيارته لأقرب مشفى.
اطمأن عليها وجلس معها بعض الوقت قبل أن يأخذها للقسم لتدلي بأقوالها ومكالمة الهاتف المسجلة لديه دليل على صحة الكلام.
وبعد الانتهاء من المحضر أخبرته بقرار هجرتها، حزن قلبه ولكنه لم يستطع منعها، فهو أيضاً من رأيها ويرى أن سفرها أفضل شيء لها، على الأقل ستعيش بلا خوف أو ندم ولن تواجه المزيد من نظرات اللوم والاتهام.
والأهم من هذا ستبتعد عنه المسافة التي ستجعل قلبه يفكر جدياً بأن يتخطاها.
أخذها للبنك، وهناك فاجأها حين فتح لها حساباً ووضع فيه مبلغ كبير يعينها على أن تبدأ به حياتها وتستقر أينما ذهبت.
وما زادها تصرفه هذا سوى حسرة عليه، فها هو للمرة المليون يثبت لها بأنه أفضل رجل على وجه الأرض وأنها تعيسة الحظ حيث وضعت الظروف كل تلك العقبات حائلاً بينها وبينه.
عاد آدم لقصره وقد قُطع آخر خيط من أمل كان قلبه ينسجه خفية ويتأمل بأنه سيطالها من خلاله.
عاد لشركته وحاول أن ينهي أعماله العالقة، ولكن ذهنه المشتت لم يساعده على التركيز.
فغادر الشركة وأخذ سيارته وذهب لشاطئ النيل، توقف ونزل منها وجلس مواجهاً للنيل يحاول ترتيب أفكاره، فهو لا يفكر جيداً إلا وهو جالس في الأماكن المفتوحة، يشعر بأن هذه المساحة داخل عقله وتمنحه المزيد من الأفكار، إنما الأماكن المغلقة تجعل أفكاره تختنق تماماً كما تختنق أنفاسه ويضيق صدره.
عاد للقصر وقضى بقية اليوم، وفي اليوم التالي ذهب لشركته وأصر على أبيه أن يبقى في القصر هذا اليوم، فاليوم العمل كثير ولا يريد أن يجهده معه.
أمضى يومه بين الأوراق والملفات ولم ينتبه للوقت إلا حين هاتفته أمه تحثه على العودة للقصر لتناول غدائه معهم، ورفضت رفضاً قاطعاً أن يتناولا الطعام هي وأبيه بدونه، فاضطر إلى مغادرة الشركة والذهاب إليهم.
وهو في الطريق انحرفت السيارة قليلاً عن مسارها فوق الجسر بفضل صدمة قوية من شاحنة عملاقة، فتوقف على جانب الجسر فوق الرصيف الذي صعدته السيارة بفضل الصدمة، وترجل من السيارة ليرى ماذا حدث لها، فهي ما زالت جديدة وباهظة الثمن، ولاحظ أن الشاحنة توقفت على مسافة منه، ظن أن صاحبها توقف كي يعتذر منه وحين فُتحت أبوابها ونزل منها رجلان توقع أنهم آتون للاطمئنان عليه، ولكن ظنونه كلها خُلفت حين اقترب منه الاثنان وكانت ملامحهما لا تبشر بخير.
تلفت آدم حوله ووجد أن الجسر خالي من المارة تماماً، لا ناس ولا سيارات، وكأن الوقت تم اختياره وترتيب اختفاء كل شيء.
دق قلبه بخوف لم يختبره منذ كان طفل صغير وتركه أبواه في الصحراء يواجه مصير مجهول، وها هو الآن لا يعلم ما المصير الذي ينتظره.
خوفه لم يكن من قوتهم البدنية؛ فلو تصارعت الأبدان لفاز هو في النزال دون شك، ولكن الأسلحة هي التي تتصارع في مثل هذه المواقف.
وعلى الفور تأكدت شكوكه وهو يرى واحداً منهم يزيح كنزته ويلتقط سلاحه المزود بكاتم صوت، فغاص قلب آدم بين ضلوعه وعلم أنها النهاية، وأن نظرات ياسين اليوم لم تكن عبثاً كما ظن، فقد علم منذ البداية أن ما سمعه من حياة وإهانتها له وما حدث له بسببها كان الضربة القاضية له والتي لن يغفر عليها أبداً.
كان يعلم أنها مسألة وقت ليس إلا وسينتقم ياسين، ولكنه لم يتوقع أن يأتي الانتقام بهذه السرعة.
درس الموقف سريعاً وقرر القفز من فوق الجسر، وبحركة خاطفة كان يعتلي سور الجسر ويقفز، ولكن رصاصة الغدر كانت أسرع إليه من الجاذبية فاخترقت جسده ليسقط في الماء على الفور، وما هي إلا دقائق طفاها فوق سطح الماء في محاولة من جسده لاستيعاب ماذا حدث له ثم غاص للأسفل مستسلماً للظلام، باسطاً ذراعيه وكأنه يخبر العالم بأنه تركه فارغ اليدين كما أتى إليه فارغ اليدين.
أما في القصر:
- ابني، ابني فين، ابني جرى له إيه يا محمود، رن عليه تاني وتالت اتصرف، أنا حاسة آدم جرى له حاجة، هو أنا وجع قلبي دا مش هينتهي، إشمعنا أنا، ليه أختبر إحساس الفقد والفراق ألف مرة ليه، ابني يا محمود أخوك موته حتى وهو بيموت، كل السنين اللي فاتت واللي بعدته عني فيها واتحرمت من إنه يكبر قدام عيني راحت هدر، ابني راح مني يا ناس، راجل ملو هدومه ملحقتش أفرح بيه.
- اهدي يا عايدة آدم بخير أكيد، آدم بخير وهيرجع، ربنا مش هيوجع قلوبنا عليه أكيد، ربنا رؤوف رحيم، ربنا عالم باللي شوفناه واللي قاسيناه ومش هيضيعه.
كان يواسيها وهناك غصات تتوالى على قلبه غير المصدق لكلماته المواسية، فكيف له أن يكون بخير وهاتفه مغلق وغادر الشركة منذ أكثر من أربع ساعات، كيف له أن يكون بخير وهو الذي يرد عليهم من أول رنة.
وكيف له ولعايدة أن ينجوا من الحزن هذه المرة إن حدث لآدم مكروه، فوالله إنها لكبيرة وعظيمة على قلوبهم.
أخذها بين ذراعيه ودفن رأسها في صدره وهو يتمنى أن يخفيها بين ضلوعه عل الحزن لا يعرف لها طريقاً، ولكن للأسف الشديد يبدو أن لا سبيل لذلك.
أبعدها وأخذ يهاتف قصير للمرة التي لا يعرف عددها وكالعادة هاتفه مشغول، فهاتف سالم مجدداً فأجابه سالم على الفور وبلهفة:
- أبشر يا عمي، وجدتوه، عاد عقاب، رد للبيت؟
- أنا مكلمك أسألك يا ابني لو عرفت حاجة عنه.
ليجيب الآخر بغضب مخلوط بحزن:
- كييف نعرف شي عنه ونقاله خارج التغطية ومافي حدا عارف يوصله، حتى الموظفين اللي معاه بالشركة من القبيلة ما قادرين يوصلوا له، أنا بالطريق أنا ورابح وبس نوصل لعندك راح نغربل القاهرة غربلة ما نسيب فيها جحر إلا ندوره فيها حتى نعثر عليه، ولو ما لقيت خوي والله لنحرق الأرض حرق ونحرق خوك وعيلته وهم أحياء قدام عيونك حتى لو هنحرقك معاهم، والله أنت ما يحق لك تكون أبو عقاب، عقاب ولدنا نحنا وأخونا نحنا وعندنا وبحمايتنا ما مسه شر ولا قدر يتربص له عدو، الله لا يوفقك أنت وهلك.
أنهى مكالمته ولكم السيارة أمامه بيده قبل أن يصرخ بصوت رج السيارة:
- راااح خوووي رااااح، اااخ يا عقاااااب يا حرقة قلبي عليك يا شقيق روحيييي، والله لنحرق الدنيا لأجلك والله.
نظر إليه رابح متعجباً على هذا الحب الكبير الذي لازال سالم يكنه لعقاب برغم كل شيء وبعد كل ما حدث، وها هو سالم يثبت مجدداً بأن إخوته لآدم فوق كل شيء.
فلا حبيبة فرقتهم ولا غيرة شتتت قلوبهم.
فأردف له محاولاً تمثيل الهدوء والثبات برغم أنه يحترق هو الآخر على رفيقه، وقد بلغت من عقله الظنون السيئة مبلغها، ويكاد يجزم أن آدم قد غُدر، وهو يعلم جيداً أن كل تعاليم البقاء في حياة البرية لا تجدي نفعاً أمام رصاصة تخترق القلب أو الرأس، فالأسلحة لها سطوتها التي تتغلب على سائر الأشياء.
- اطمن يا سالم عقاب ما يجرؤ السوء يقرب منه، ما يكون عقاب إذا سمح لهولاء الفيران يغلبونه.
صدح بعدها جرس هاتف رابح معلناً عن اتصال وقد كان عمه قصير هو المتصل، فأجابه سريعاً وأتاه صوت قصير الغاضب:
- هاه لوين وصلتو يا رابح؟
- تو دخلنا الجيزة يا عمي يعني كلها ساعتين ثلاث وبنكونو بالقصر.
- وييش راح تسوون بالقصر؟ اطلعوا ع الشركة استجوبوا الجميع امسكوا الخيوط واتبعوها، راجعوا الكاميرات، كونوا مع الشرطة وانبشوا على عقابي نبش، ما تردون إلا وهو وسط أهله.. أو.. تجدون جثمانه وتواروا عليه التراب لنعرف له طريق.. ولك اااااخ يا عقاب يا وليدي ورباية يدي وذراعي وظهري وعيني لو جرى لك شي لندعس الكل تحت أقدامي ونسويها مجزرة ما تمت من قبل.
كاد أن يغلق رابح المكالمة وأبعد الهاتف عن أذنه فاتاه صوت هلال الذي اختطف الهاتف من أبيه وصرخ برابح:
- الله لا يوفقك يا رابح انت وسالم، ليش تركتوني وما أخذتوني معكم، ليش ما نكون معاكم وأنتم تبحثون عن عقاب، مو هو رفيقي متلكم، ما تترأفون بحال أحد أنتم، بس يلا بسيطة أنا بروحي بجى ولا الحوجة ليكم، بس خليها بروسكم وتذكروها زين.
أنهى كلماته وأغلق الهاتف، ونظر لرجوه التي كانت تجلس دون حراك منذ سمعت الخبر، وكأنها تصنمت وتجردت من الحياة، وتحجر الدمع في عينيها فلا هو المنساب ولا العائد لمجراه، وكان حالها يغني الناظر عن سؤالها، فكيف لها أن تخسره وهي للتو فازت به بعد معارك ضارية خاضتها بمفردها، كيف لعقابها أن ينتهي بهذه الطريقة بمجرد أن حلق في سماها وأصبح لها وكانت تضرب الهواء بأجنحتها طوال الوقت كي تتعلم الطيران وتحلق معه بعيداً حيث لا قبيلة ولا عادات وتقاليد ولا سالم وغيره يستطيعون الوقوف أمام أحلامها معه.
أيعقل أن ينتهي كل شيء قبل البداية وتعود ريما لمأساتها القديمة؟
هزت رأسها رفضاً ودفنت وجهها بين يديها وشهقت بالبكاء وهي تتخيل القبيلة والصحاري وحياتها من غيره.
غادر هلال إلى القاهرة متجاهلاً لمحاولات أبيه بإقناعه بالبقاء وبأن سفره لا فائدة منه، ولكنه كحال كل محب لا يستطيع البقاء بعيداً وهو يعلم أن رفيق دربه في خطر ولا أحد يعلم عنه شيء.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الستون 60 - بقلم ريناد يوسف
سالم: إيش تقول، السيارة وجدتوها حد الحكومة! سيارة عقاب إيش تسوي عند الحكومه؟
أغلق هاتفه ونظر لرابح وبأنفاس مرتجفة قال له:
رجالنا وجدو السيارة بمقر الشرطة، يقولون إنهم وجدوا شب يسوقها ولما سألوه قال إنه وجدها على الجسر واقفة ومعطلة المرور ومفتاحها بها فأخذها. فلقطته الشرطة مع السيارة ومن ساعتها يحققون معه ويسألونه عن آدم يقول ما أدري عنه شي! أنا قلبي زادت نيرانه يارابح وعقاب خوي الحين مغدور مليون بالمية.
أنهى جملته وغص ولأول مرة يبكي بهذه الحرقة، بكى بكل ما بقلبه من محبة لآدم وبكل وجع على مصير لقاه خِله ولا يعلم عنه شيء، ولم يكن بجواره ليحميه منه وهو من عاهده على حمايته لنهاية العمر، وما هو في نظره الآن إلا ناقض عهد خائن.
ظلام دامس وأنفاس مكتومة، عرف أنه أسفل الماء بمجرد أن فتح عينيه. الأمر لم يدُم سوى دقائق، ولكنهم كانوا عمراً بأكمله بالنسبة له، اختبر فيهم خوفاً غريباً.
حاول تحريك ذراعيه فتضاعف ألمه وعلم أنه مصاب في ذراعه الأيسر، فأخذ يسبح بذراع واحدة حتى وصل لأقرب يابسة.
أخرج هاتفه فوجده معطلاً. نظر حوله وقبل أن يقرر أي شيء رآهم آتين بسرعة يبحثون في كل مكان كالكلاب التي تبحث عن طعام.
فما كان منه إلا أن عاد للمياه مرة أخرى، فاليابسة تعني رصاصة ثانية تخترقه، ومن نجا مرة لا ينجو كل مرة.
غاص للأسفل كثيراً وأخذ يسبح مبتعداً قدر الإمكان، حتى شعر بأن قواه خارت ونال منه التعب، فصعد على وجه الماء وتنفس الصعداء وهو يتلفت ولا يرى أحداً منهم. ولحسن حظه كانت هناك بقعة على ضفة النيل بها حشائش نامية طويلة فقرر الاحتماء بها والمراقبة حتى يتأكد من أنهم غادروا، ونجحت مراوغته. وبالفعل بعد حوالي ساعتين تأكد فيهما من مغادرتهم للمكان، قرر الصعود للطريق. وبمجرد صعوده أوقف سيارة أجرة وطلب من السائق إيصاله لأقرب مشفى. فتحرك به السائق على الفور وهو يرى حالته المذرية.
أما عند رابح وسالم:
رابح: وجدنا سيارته ياشيخ بس هو ماله وجود، مثل فص الملح ذاب. السيارة وجدوها على الجسر مفتوحة والمفتاح بها.
قصير بحسرة: غالوك يا وليدي غالوك وطالتك يد الغدر. جيبولي عقاب ياسالم أنت ورابح حتى لو ميت، أريده يندفن هين بجواري، ما أريده يندفن حد الشياطين اللي نهوا حياته. عقاب ما يليق له يكون إلا بمكان نظيف وبه ناس نظيفة حتى لو كانوا أموات. ما تخلوه يندفن بمدافن عائلتهم لو على قص رقابكم. أنا أريده ينام بأحضان عمي منصور ويجاور حبيبه.
أغلق رابح المكالمة مع عمه قصير وأسرع بالسيارة حتى كاد يصطدم بالناس أكثر من مرة، لا يستوعب ما قاله عمه قصير. أما سالم فأخذ يلكم مقدمة السيارة بقبضة يده حتى كاد يهشمها، فكيف لعمه قصير أن يتحدث عن آدم بالموت ويخطط لدفنه بهذه البساطة!
وصلوا قسم الشرطة وتأكدوا مما قاله لهم رجالهم. تفقدوا السيارة ولم يجدوا فيها أي شيء يدلهم عليه، ولا حتى آثار لعنف أو مقاومة، فعادوا خائبين الأمل.
وصلوا القصر وهناك كانت حالة محمود وعايدة لا وصف لها، يموتان حرفياً وما هو إلا وقت قصير على هذا الحال وتفيض أرواحهما.
ولكن اتصال هاتفي من رقم مجهول أعاد لهما الروح وكأنه قبلة الحياة:
آدم: الووو، أي يمه أنا آدم، أنا بخير يا غالية لا تخافين علي. طمنيني بوي وقولي له آدم بخير. أنا ما راح أقدر أجيك الحين بس راح أدز لكم من شركة الحراسات رجال زيادة للحماية. ضبي أغراض لك ولأبي لجل تروحون القبيلة، عندكم ما في أمان.
قال كلماته دفعة واحدة وعايدة ما كان منها إلا أن تومئ برأسها وتمسح في دمع عينيها غير المنقطع. أما محمود فاستند على إحدى أعمدة القصر وهو يستمع لصوته البعيد ويرى زوجته وقد عادت الدماء لوجهها الشاحب وانتظمت أنفاسها.
أما سالم فاختطف الهاتف من عايدة وصرخ بآدم بكل الفزع الذي عاشه في الساعات الماضية:
سالم: تعرف يا عقاب إذا كان صار عليك شي ومتت كنت راح أمثل بجثتك تمثيل وأصلبك حتى ياكل منك الطير ويسبع وأطلع بك كل حزني عليك؟ تعرف إن ما حد وجع قلبي وخلاه يختبر إحساس ما ينحمل غيرك ومن بعدك هديك الكلبة. وقلبي ذاب منكم وما عاد يتحمل، الله لا يوفقكم.
ضحك آدم ورد عليه وهو يتألم:
آدم: آاااخ يا خوي اللي جابته أمي.. متى وصلت القصر يا سويلم؟
سالم: من شوي وصلت القصر بس من زمن وأنا ورابح هين ندور عليك ورجالنا عرفوا مكان سيارتك بس أنت ما حد عارفك وين طمست.
ابتعد سالم قليلاً بالهاتف عن الجميع وسأل آدم بهمس:
سالم: إيش هالوجع اللي بصوتك، إيش بيك قولي.
آدم: أقول بس لا تخلي أمي تسمع.
سالم: لا أنا ابتعدت، ما تخاف.
آدم: أنا مصاب بصدري والحين بالمشفى.
انتفض سالم وكتم غضبه وسأله صاكاً على أسنانه:
سالم: من سواها، سمعت إن عمك الموت يطوف حوله وزوجته بالسجن تستني الموت ومو معقول عقلهم يسيب الموت ويفكر بأذاك؟!
آدم: ياسين سواها يا سويلم.
سالم: الخنزير الجايف، والله الحين لأروح أحط طلقة بنص راسه وأنهي هالسلسال القذر.
آدم: لا ما في داعي.
سالم: ليش ما في داعي، لكن نتركه يعيدها ويزيدها؟ ماشبعت أنت من دروب الموت اللي يشيعوك عليها أنت وأهلك كل شوي؟ هي بارودة وحدة وترتاح وتلتفت لأشغالك ومستقبلك.
آدم: لا يا سالم اتركه، أنا أعرف كيف أتخلص منه بدون ما أنت أو أنا نوسخ يدينا بدمه. ياسين ما يلزم يموت هديك الموتة السهلة، لازم يتعذب شوي بقدر العذاب والخوف والمرار اللي ذاقته أمي وأبي. وربي وغلاة أنفاسها اللي حسيت بها ترجف رجف لأخلي الخوف يرجف عظامه.
سالم: لا تخلي حد يعرف إني عايش، خليه يفرح ويظن إني متت ويطمن حتى لا يحاول مرة ثانية ويعطلني. أنا مجهز له مفاجأة ما تحلى إلا لو أخذها على غفلة.
آدم: تم.. اللي تريده يصير، شد حيلك وتحمل شوي وأنا جايك مسافة الطريق.
أنهى سالم المكالمة مع آدم بعد أن أخذ منه عنوان المشفى وترك رابح مع محمود وعايدة وأوكل إليه أمر أخذهم للقبيلة، وهو أخذ على عاتقه أمر إحضار آدم. ونبه على الجميع أن يتم كل هذا بسرية تامة ولا يعرف أحد بأن آدم على قيد الحياة أياً كان... وغادر هو للمشفى.
أخرج رابح هاتفه النقال وهاتف عمه قصير وطمأنه وكذلك عمته عوالي وطلب منهم التكتم على الأمر، وأن آدم أمام الجميع مفقود حتى إشعار آخر. وبعد انتهائه هاتف هلال كي يعرف موعد وصوله وقرر انتظاره والرجوع سوياً؛ فهذا أفضل لأبي آدم وأأمن، فأربعة عيون أفضل من عينين اثنين.
وصل سالم للمشفى ووجد آدم هناك، واقفاً أمام النافذة بصدر عارٍ وكتف مضمد. وفور فتح سالم للباب التفت له سريعاً وكأنه يتوقع أن يُداهم في أي وقت، فطمأنه سالم قائلاً:
سالم: هادا أنا يا خوي اطمن.
اقترب منه واحتضنه، فارتخى جسد آدم المتصلب وسند رأسه على كتف سالم بارتياح، فالآن فقط شعر بكل أمان الدنيا، وأن أي خطر قد زال، فتوجه للسرير وتمدد عليه وقال لسالم بتعب:
آدم: أريد أغمض عيوني شوي يا سالم، الوجع ما ينحمل وإبر المسكن اللي عطوها لي ما عملت شي.
سالم: إغفى يا قلب خوّك وأنا هين فوق راسك ما أتحرك. وإذا على أهلك رابح معهم وهلال بعد، كل الأمور صارت بخير.
أغمض آدم عينيه وسرعان ما دخل في ثبات. وعندما انتظمت أنفاسه بدأ يئن، وكأنه كان يحبس الألم وبنومه الألم تحرر.
أما سالم فجلس أمامه يتأمله ملياً، أخذ يفاضل بينه وبين كل الدنيا، ووضعه بكفة وكل من بحياته بكفة فرجحت كفة آدم وطابت، وقرر سالم ألا يفارقه من بعد اليوم مادام الخطر حوله قائم لم يزل.
أما في القبيلة:
رجوة كانت تتنقل من خيمة عوالي لمجلس أبيها؛ تتحرى أي خبر عنه، تود لو تسمع كلمة تهدئ قلبها الثائر. ذهبت لمعزوزة وجعلتها تهاتف زوجها وكان رده أن لا جديد وجاري بحثهم عنه.
فذهبت لمزيونة ودخلت عليها الخيمة دون استئذان وصرخت بها:
رجوة: دقي على زوجك يطمني على رجلي ويقولي لوين وصلوا. ما حد راح يكون عنده الخبر الأكيد عن عقاب إلا سالم. حاكيه وعلى الصوت وخليني أسمع كل شي بأذاني.
فعلت مزيونة ما قالته رجوة؛ فحالتها مذرية وخوفها تجلى على ملامح وجهها الذي شحب. وحين أجابها سالم وضعت الهاتف على المكبر وسألته:
مزيونة: بَشِّر ياسالم إيش الأخبار؟ عرفتون شي، توصلتوا لشي عن عقاب؟
فأجابها سالم بعد أن تنهد تنهيدة مصطنعة:
سالم: لسه يا مزيونة بعدنا ندور، ادعي له يكون بخير.
كادت مزيونة ترد عليه ولكن الرد جاءها من رجوة التي هدرت به:
رجوة: هدوئك مو طبيعي ياسالم ومو هداك الخوف اللي تخافه على عقاب. أنت عرفت شي عنه طمن قلبك ولا تنكر، أنا أعرفك ياسالم مثل خطوط يدي وأعرفك حين تكون خايف وقلقان، وأعرفك وأنت مطمئن وقلبك هاني، وأعرف متى تناهيدك تكون متعوبة ومتى التنهيدة تطلع بس من خشمك مو من حشاك. الحين ياسالم تقولي الحق لقيت عقاب لو لا؟
سالم: صكري خشمك يا رجوة أنا مو ناقصك الحين، عقاب ما في أي خبر عنه وأنا ما عندي طاقة لك. روحي اندفسي بخيمتك وأنا بس أعرف شي راح أدز لك مرسال يطمن بالك.
أنهى كلماته وأغلق المكالمة وتركها لحيرتها، فغادرت خيمة مزيونة وذهبت عند البئر وجلست وهي عاجزة عن التفسير. نعم كل القبيلة في حالة هياج منذ سماعهم للخبر، ولكن هناك أمر غريب، فمن ينبغي بهم أن تكون حالتهم هي الأسوأ من بين الجميع هادئون وهدوؤهم لا يتناسب مع الموقف وهذا ما جعل عقلها يتسلل إليه الشك بأنهم يعرفون بأن آدم بخير ويكتمون الخبر. ولكن ما لا يقبله عقلها هو أنها الأجدر من الجميع بالاطمئنان عليه، لا أن تعامل مثل الغريب، وتنتظر أن يحن أحد عليها بخبر، وتتسول الاطمئنان عنه تسول.
أما في خيمة صالحة:
خولة: اسمعي يا صالحة، أنا ما راح أأجل عرسي لأي سبب والحي أبقى وأحق.
صالحة: أعرفك يا خولة طول عمرك تجيبين لي العار واللوم من شقوق الأرض ومو جديد عليك قلة الأصل.
خولة: وأنا ليش أحزن عليه شويق رجوة؟ هي اللي تحزن عليه. لو كان جالي أنا وخطبني كنت حزنت عليه ولبست السواد عام كامل وبكيت عليه لحتى جف دمعي. بس الحين أنا ما يهمني من الدنيا إلا سعودي الأجرب.
صالحة: يعني أنت ما تحسين بحسرة على شباب الوليد اللي ما تهنى به وكل همك روحك وبس؟
خولة: كل واحد همه نفسه وبس. ولو كنت أنا الموتت وعقاب عايش ما كان حزن علي ولا أجل عرسه ولا تحسر على شبابي لحظة. كلامي صح ولا لا يا صالحة؟
صالحة: أنت شيء وهو شيء. هو رجال وخسارته خسارة كبيرة. أما أنت كلبة وراحت وموتك مكسب مو خسارة.
ردت عليها وهي تتفقد أغراضها وملابسها التي اشترتها للزواج:
خولة: تعرفي يا صالحة، أنا كل ما أفكر أحبك وأقول أمك يا خولة حبيها أسمع كلامك أكره الأمومة كلها وأحس إني أريد أشعل النار بثوبك وأشوفك وأنت تجرين والنار لاهبة بك وماتطفين إلا وأنت رماد. صالحة أقول أنت ليش تزوجتي وجبتي عيال إذا قلبك عطلان وما يحب حتى وليداتك؟
صالحة: لا أنا أحب وليداتي وقلبي مو عطلان بس أنت ما تنحبين. لسانك ينقط حنظل وعقلك عقل صخال وكل كلامك ينزل على القلب ثقيل مثل الأحجار. ما كنتي هيك وأنت صغيرة ما أدري إيش جرالك، طحتي بمكان مسكون ولبسك جني ولا إيش؟
خولة: أفعالك يا صالحة اللي لبستني. من يومك ما عندك حِن علي. أشوف كل أم تشكر بنتها وتحسسها إنها ملكة جمال الكون وأنت تحسسيني إني قردة خلفتيها وتقصفيني وما تهتمي. دوم تشوفيني أقل بنية بالقبيلة ومامني نفع.
صالحة: وإذا أقول الحق إيش فيها يا خولة؟ إيش شفت نفع منك أنا من يوم يومك للحين؟
خولة: هادا لأنك قاصدة ما تشوفيني إلا مامني نفع. تبخسي تعبي وشغلي بالخيمة، أغسل وأكنس وأجيب لك مي من البير وأقهوجك أنت وعيالك وأسوي شاي وأرعى أغنامي وأغنام ولادك. واليوم كله رايحة رادة وبآخر اليوم تحكيلي إيش سويتي لتنامي مثل القتيلة؟ خليتيني حتى لو عملت شي أعمله بثقل ومن ورا قلبي وأخلق الأعذار حتى ما أسوي شي، لأني سويت مثل ما سويت عندك.
صالحة: سويتي ماسويتي كلها يومين وماشية لخيمة زوجك وأريد أشوف بس تبعدين عني إيش بتصيري يا خولة.
خولة: مو مهم أصير أي شيء، المهم إني أحس حالي مشكورة وتعبي مذكور وجهدي مارايح بالهوا. أطبخ يتقال عاشت يدك، أسقي يتقال ما تشربين هم، أسوي شغل البيت يتقال تعبتي الله يعطيك ألف عافية. الكلمة الحلوة تخلي الواحد ما يبطل عطى يا صالحة والكلمة الشينة تقفل أبواب المحبة والرحمة.
صالحة: أقول يا خولة صكري خشمك وانسي كل شي أنا عملته وقولته واعتبري حالك مولودة من جديد وأول حياتك تبدي من بيت سعود.
خولة: وهادا هو اللي راح يجري. بس مارديتي علي يصير أتزوج بموعد عرسي ولا لا؟
صالحة: ما أدري روحي للشيخة عوالي وأسأليها وهي ترد عليك بهالموضوع.
خولة: أي أروح ليش ما أروح.
وضعت خولة ما بيدها جانباً ولبست نعليها وغادرت الخيمة متوجهة للشيخة عوالي، استأذنت ودخلت فسألتها عوالي:
عوالي: إيش فيك يا خولة وشك مقلوب وأشوف واجد كلام بعيونك؟
خولة: لا ولا واجد كلام ولا شي. هو بس سؤال أريد جوابه منك ياشيخة وأدري تقولين الصدق.
عوالي: هاتي سؤالك لأشوف.
خولة: إذا أنا متت وعقاب كان محدد موعد عرسه كان أجل عرسه لجل موتي؟
صمتت عوالي قليلاً ثم أجابتها:
عوالي: لا ما كان أجل شي. بس... من متى والبنية تساوي روحها برجال؟ لا وبزينة شباب القبيلة بعد؟
خولة: أنا مالي دخل. أنا أتعامل بالمثل، ومنها أريد يتم عرسي بموعده ما يتأجل.
نظرت عوالي لمايزة فأومأت لها مايزة بالموافقة فردت عوالي على خولة:
عوالي: عرسي يا خولة وأفرحي ووليدنا بعلم الغيب. روحي وشوفي سعود وإذا هو مثلك ما عنده مانع يعرس والقبيلة كلها بحالة حزن وقتها لا لوم عليكم؛ لأن البلا أخلاق ما ينلام.
خولة: نحن مو بلا أخلاق، نحن نتعامل بقدر قيمتنا عندكم. أدري عقاب ما يحزن ولا يأجل شي سوا أنا مت أو سعود غاب وما حد عرف عنه شي. والله الحياة كلها تستمر ولا كأن شي حاصل. بس نحن ما يصير حياتنا تمشي ولزوم تقف لجلكم. أنتوا تتعاملون حسب الطبقات مو حسب الإنسانية.