تحميل رواية «عقاب ابن الباديه» PDF
بقلم ريناد يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عادت معه وهي مرغمة على ترك روحها وفلذة كبدها في الصحراء، تذرف دماء روحها عليه وهي تحاول تقبل فكرة أنها لن تراه بعد اليوم، وأنها نفت قطعة منها بيديها وبكامل إرادة عقلها، ولم تخضع لقلبها الذي جادلها بإستماتة حتى يثنيها عن قرارها هذا ويجعلها تقف في وجه الخوف معترضة. ولكن للأسف خوفها من فقدان دائم جعلها تتقبل فكرة الفقد المؤقت، وأن عزاءها الوحيد أنه حي يرزق، حي يتنفس، حي بقلب ينبض. نظر إليها محمود زوجها بشفقة واردف: - مش كفاية عياط يا عايدة بقالك ساعات عيونك ما أخدوش هدنة، كفاية يا حبيبي عشان عنيكي،...
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الحادي والستون 61 - بقلم ريناد يوسف
عوالى بغضب:
-- إيش هي النبرة اللي تتكلمين بها يا خولة؟ من متى وبين أهل القبيلة هالشي؟ من متى ونحن نفرق؟ ليش ترمين الناس بالباطل بدون دليل؟
خولة:
- ما أرمي حد بالباطل، انظري لروحك إذا نزلتِ الحضر تجيبين الأساور الحلوة والملابس الغاليات ودهن الوجه اللي يخلي الوجه مراية بنور والعطور الفواحة بس لمعزوزة وحريم قياتي، وإذا حد سألك منها تقولين جبتها بالطلب، وكأن مو من حق حد غيرهم يصير مثلهم.
عوالى:
- ما كنت أعرفك غيورة حقودة يا خولة؟ ليش ما كنتِ تطلبين؟ جربتي يوم وطلبتي شي وأنا ما جبته لك؟
خولة:
- مو حقودة بس أي غيورة وكنت أتمنى ألبس مثلهم وأتزين بنفس زينتهم بس إنتِ ما ترضين بالزين إلا لهم لجل يكونوا مختلفين عن الكل والكل يشوفهم أحسن وأجمل.
عوالى:
- كله بقروشهم أنا ما جبت شي لحد من عندي، هما اللي كانوا يقولوا لي إيش يريدون ويعطوني قروشه وأنا أجيب.
خولة:
- والما يعرف إيش ينجاب ما يحظى بشي؟ معنا قروش وكنا راح نعطي بس إنتِ اللي ما تسألين.
صمتت عوالي قليلاً وهى ترى خولة بهذه الثورة، وتساءلت..
كيف لها أن تغفل عن مثل هذا الشيء؟ كيف لها أن تتجاهل غيرة النساء من بعضهن وتأتي بالنفيس للبعض في حين أخريات يتمنين ولا يطلن؟
فأخذت نفساً عميقاً وردت على خولة بهدوء:
- معك كل الحق يا خولة، هي المرة الثانية اللي تنبهيني لشي كبير كنت غافلة عنه، روحي يا خولة وموعد عرسك ماراح يتأجل، الحين أدز على سعود وأتفق معه على كل شي وأرسل معاه الشباب للحضر يشترون له كل اللازم؛ لأن سعود ما يعرف لحاله، وأنتِ بعد لكِ عندي أشياء واجد جميلة مثل اللي يستعملنها حريم قياتي وبناتهن.
خولة:
- ممنونتك يا شيخة بتثبيت موعد العرس، بس من رخصتك أنا ما نريد شي ولا راح نأخذ شي، اللي يجي بعد طلب اسمه استجداء وأنا ما أستجدي، رجوة علمتني إن اللي ما لي ما أطلبه ولا حتى بالعشم لأنه ما يجي إلا ووراه مذلة.. وأنا شبعت مذلة من الكل.
أنهت كلماتها وغادرت خيمة عوالي وتوجهت لخيمة سعود. نادت فخرج هو، وبمجرد إن رآها ارتبك ولم يعلم ماذا يفعل أو ماذا يقول، فوقف صامتاً فاردفت هي:
- يا سعود الشيخة عوالي الحين راح تدز عليك وترسل معك شباب للحضر لحتى تشتري أغراض الخيمة، ما تقول إلا تم وتروح من خشم مصكر، لا تهتم لكلام حد وإن القبيلة مشغولة بغياب عقاب، الغايب بكرة يرد والميت ما توقف دنيتنا لأجله، إذا أنت الغايب كان عقاب دفنك ورجع على عرسه ما حزن طرفة عين.
سعود:
- إيش تقولين يا خولة؟ بس هذا اسمه عدم تقدير وعدم إحساس.
خولة:
- إي أنا ما أحس ولا أقدر، وأنت مثلي أريدك، بلا إحساس لأن اللي يحس ما يجني من ورا إحساسه غير الخيبات.. ويا ابن الحلال نحن الحين على البر ومانزلنا المي، وأنا أريد أقولك كلمتين إذا عجبوك كمل ما عجبوك تراجع لأن هذا راح يكون تعاملي مع الجميع وأنت أولهم: (العين بالعين والسن بالسن والحِن بالحِن والبادي بالقسوة يتحمل القسوة).
سعود:
- هبااا هبااا يا خولة هدي شوي، إيش جرى لكل هذا؟
خولة:
- ما جرى شي، أنا قلت اللي عندي وأنت مخير، وحط قبال عينك مو خولة اللي تأخذها وتعذبها بثقل أو تقصير، ولا خولة اللي تروح تتزوج عليها وهي تسكت وترضى، خولة تذبح وتطم وماتعرف الدبان الأزرق طريق ذبيحتها.
أنهت كلماتها وابْتعدت بخطوات واسعة ووقف سعود يراقبها ثم تبسم وأردف معقباً:
- يبه ذيبة والله وتعرفين تجيبين حقك بلسانك قبل يدك، لا والله لآخذك وأنا وأنت والأيام طوال يا خولة.
هم أن يعود للخيمة ولكن أوقفه أحد صغار القبيلة وهو يقول له:
- عم سعود يا عم سعود، الشيخة عوالي تريدك بخيمتها الحين.
توجه سعود لخيمة عوالي واستأذن ودخل، كانت جالسة وأمامها صندوق عاجي تقلب فيه، وبعد برهة أخرجت منه بعض الحلي ومدتهم لسعود قائلة:
- هاك يا سعود خذ مني، هذول هديتك لخولة تعطيهم لها بيوم العرس مو قبل. وبخيمتك تلبسهملها بيدك؛ حتى تطوق رقبتها ويديها بجودك وماتشوفك قليل.
والحين تمشي للشيخ قصير هو عنده علم وبيعطيك قروش ويأمر الواعي من الشباب يروح معك تشتري أغراض عرسك، لا تسترخص شي وتتناصح وتوفر خولة ماترضى بالقليل وتبلعك مثل حية جوعانة شافت فار.
أومأ لها سعود بالموافقة وهم بالرحيل، فأوقفته قائلة:
- أقول يا سعود، بالحضر أسمع إن به حمامات عرس للرجال أو ما أدري إيش، يدخلونها شي ويطلعون منها شي ثاني، خلي الشباب ياخذونك لواحد منهم وسلم روحك لأصحابه يشيلون من عليك وصخ الأغنام وتراب الصحاري ويجلون رجليك، وماتنسى تجيب لك زوزين نعال جداد وكم قطعة ملابس داخلية وخارجية وزجاجة مسك أو عود أو أي عطر يغير ريحتك وخلي الشباب يساعدونك بالاختيار.
أومأ لها مرة أخرى وهو يتبسم حتى ظهرت نواجذه، وغادر الخيمة مسرعاً، وكم أخذها العجب حين لم يعقب على شيء، أو حتى يذكر عقاب بكلمة تحفظ ماء وجهه أمامها وتشعره بأنه يهتم لأمره!
ولكن يبدو أنه مثل خولة تماماً لا يهتم إلا لنفسه، أو ربما هذه قناعة خولة ونقلتها له، فعوالي فهمت أن خولة نوعها ممن لا يسمح لأحد بمعارضة مصالحها أيًا كان.
أما في النيابة..
- دلوقتي يا ياسين انت متهم بخطف المدعوة حياة مبارك عبد العزيز وفيه كاميرات صورتك وشهود عيان على الوقعة إيه أقوالك؟
ياسين:
- أقوالي إني ما خطفتش حد، أنا صحيح أرغمتها تركب العربية بتاعتي بس ما كان غرضي الخطف، كنت عايز أتكلم معاها في موضوع وهي رافضه وما كان قدامي غير كده، وهذا كل اللي حصل ومش هتكلم ولا أقول حاجة ثانية إلا في حضور المحامي بتاعي.
أنهى ياسين جملته وطُرق الباب، ودخل منه الصول، وبعد أن أدى التحية أخبر وكيل النيابة بأن محامي المدعو ياسين قد حضر، فأمر الضابط بإدخاله، وعاود استجواب المتهم في حضور المحامي، وبعد التحقيق أمر الضابط بحبس ياسين يومين على ذمة التحقيق.
وبعدها تلقى وكيل النيابة مهاتفة تخبره بأن هناك جديد في قضية ياسين، وأن شرطة الميناء ضبطت كمية من الأسلحة لا بأس بها مخبأة في شحنته القادمة من قبرص، وأن الشحنة بكاملها قد صودرت وتم التحفظ عليها وهذه قضية أخرى.
أما في مكان آخر...
- يلا يا ابني اركب بسرعة معايا فركة أفغاني هتظبط دماغك لشهرين قدام، ومعاها قزازة نبيذ أبيض من اللي وصى عليها لقمان.
الشاب:
- يا عم انت حرام عليك هو لقمان وصى بالنبيذ برضو؟
أجابه الآخر الجالس بجانب السائق في مقدمة السيارة:
- يا عم اركب بس وماتتمسكش في الكلمة..
ركب الشاب السيارة مع صديقيه وتحرك بها سائقها وتوقف في مكان بعيد ونائي وبه مبنى واحد ضخم من هيئته يبدو أنه مصنع مهجور، فنزل ثلاثتهم ودلفوا للداخل، وبمجرد دخولهم شموا رائحة كريهة جعلتهم يعودون للخلف وصاح أحدهم:
- أوع إيه الريحة دي، إيه يا عم المكان المعفن اللي جايبنا فيه ده؟
صاحب السيارة:
- يا ابني تلاقيه حيوان مات جوه المصنع ولا حاجة، إحنا هندخل ونطلع نقعد على السطح نطرح اللي معانا وننزل، وكمان محضرلكم مفاجأة، هكلم البت اياها صوت وصورة ومش خسارة فيكم اللي هتشوفوه معايا، أنا دافعلها متقلقوش وهنبسط.
نظر الاثنان لبعضهما، وسبقهم صاحب السيارة للداخل وتبعاه، وجدوا السلم وصعد اثنان والاخير أخذ يتلفت حوله ويتفقد المكان وهو يسد أنفه، وصرخ وتراجع للخلف وهو ينظر في إحدى الزوايا.
كان حوض مليء بأشياء كثيرة وقديمة، وقد ظهرت من إحدى زواياه أصابع بشرية، إصبعه البنصر به خاتم أنثوي، فأشار لأصحابه نحوها قبل أن يهرب للخارج، فتبعوه جرياً وقد عرفوا أن مصدر الرائحة إنسان وليس حيوان.
غادروا المكان سريعاً وقد أرعبهم ما رأوا، وقرر أحدهم الإبلاغ من إحدى الكبائن الموجودة بالشارع. وما هي إلا ساعة وكان المصنع يعج بالشرطة وتم نقل الجثة للمشرحة لتشريحها ومعرفة هويتها.
أما عند سالم وآدم..
سالم:
- تقدر تمشي يا عقاب ولا نبقى بالمشفى اليوم لحين نطمئن عليك وتصير أحسن؟
آدم وهو يحاول أن يرتدي سترته:
- لا ما أريد أبقى ما أحب أرقد بالمشافي، وبعدين أنا صرت تمام، هي بارودة ما تأثر، والوجع شبينا عليه وأصبح شي عادي.
سالم:
- زين.. الحين تروح عالقبيلة ولا راح تضل هين ولا إيش؟
آدم:
- لا ما راح أروح عالقبيلة قبل ما أصفّي كل شي هين، الشركة والأصول وكل شي ما أبقى إلا القصر.
سالم:
- خلص أنا معك لحين تفض كل شي.
آدم:
- لا إنت توصلني لأي فندق ويكون صغير وما معروف، أو تأجر لي شقة لمدة شهر ببطاقتك واسمك وترد للقبيلة وتاخذ من الشباب أذكاهم وتروح توضب لي طابق من طوابق المبنى اللي اشتريته من عمك قياتي وتخليه ينفع مقر شركة، وتجهزه على أعلى مستوى، وأنا بس تعطيني التمام بنقل كل موظفين الشركة، اللي يرضى منهم يعني، ونبدأ على بركة الله.
سالم:
- الله ييسر الأمور، بس أنا ما راح أأمن عليك تقعد لحالك يا عقاب، لزوم يكون معاك حد يدير باله عليك ويحرسك.
آدم:
- لا يا سالم، الحراسة وكثرة الناس تلفت الأنظار.. وأنا ما أريد حد ينتبه لي، أنا مع حالي أنخلص كل شي، بس أول شغلة تروح القصر تجيب لي اللابتوب وكم غرض وبعدها تروح عالقسم تخلي رجالنا يخلصوا لي السيارة وتاخذها ترد بها للقبيلة وتخليها هناك.
سالم:
- وانت بيش تتحرك؟
آدم:
- أنا بتصرف لا تشيل همي، هيا تحرك الوقت يمر وأنا ما أريد أضيع وقت.. أقول ما حد من رجالنا كلمك وقالك شي بخصوص ياسين؟
سالم:
- لا ما حد كلمني.
آدم:
- غريبة مع إن رقمك عندهم وقلت لهم لو ما رديت كلموا سالم، ومو معقول للحين ما تم شي!
انتهى من جملته فكان هاتف سالم يصدح معلناً عن اتصال، ولما نظر للرقم تبسم وقال:
- أبشر الخبر وصل.
رد على الهاتف وزادت ابتسامته ونظر لآدم وردد:
- يعني ياسين لبس تهمة السلاح، بالمبارك عليه.
أنهى المكالمة ونظر لآدم الذي قال له:
- زين، خلي يستمتع بالسجن شوي لبين ما أشوف له شغلة تخليه يتختخ بالحبوس ويتمنى يشوف البراح ما يطوله.
سالم:
- أقول نخلص عليه ونرتاح يا خوي.
آدم:
- لا يا سالم الموت راحة وأنا قلت لك قبل ما أريد ياسين يرتاح.
أنهى كلماته وعاد هاتف سالم يصدح باتصال جديد، وهذه المرة كان محمود، فأعطى سالم الهاتف لآدم كي يرد عليه:
- أي يبه إيش أخبارك الحين وأخبار أمي؟
محمود:
- إحنا بخير طول ما أنت بخير يا ابني.
صمت قليلاً فعلم آدم أن هناك ما يريد قوله فشجعه قائلاً:
- هات اللي عندك يا أبوي وألف مرة قلت لك لا تتردد وقت تريد تقولي أي شي.
محمود:
- والله يا آدم يا ابني أنا ما أعرف أقولك إيه، بس أنا غصب عني، أنا واخد عهد على روحي وبتعذب بيه. أنا عرفت اللي حصل لياسين وطالب منك تبعت حد ياخد باله من عمك وتسأل على بنت عمك ومتسيبهاش لكلاب السكك تنهش فيها.. دي مهما كان لحمنا يا حبيبي، ولو قدرت تجيبها تعيش معانا هنا هاتها، كارمن لسه صغيرة ومتعرفش تحمي نفسها ومتستاهلش تضيع، وملهاش ذنب في حاجة.
آدم تنهد ورد عليه:
- والله قلبك الرجيج هذا ضيعنا أول وتالي وما أدري إذا من حسن حظي ولا من سوئه إني ورثته منك، أنا بالأساس كنت ناوي أبعث سالم لكارمن قبل ما يرد للقبيلة، وفكرت إنه ياخذها معه بالفعل، بس صراحةً ما فكرت بعمي ولا جه ببالي.
محمود:
- معلش يا ابني، دول قدرنا ولازم نتحمله للنهاية.
آدم:
- أبشر يا أبو آدم، ما يصير إلا اللي بخاطرك واللي تريده، لجل عين تكرم مدينة.
أنهى المكالمة وغادر المشفى مع سالم، وأوصاه بكل ما طلبه منه أبيه، ونزل في فندق صغير حتى يكمل كل ما خطط له.
وبعد ثلاثة أيام...
سالم:
- هاه يا عقاب خلصت كل شي ولا لسه فاضل شي بعد؟
آدم:
- مو فاضل كثير يا سالم، أروح الشهر العقاري بكرة مع المشترين ونوثق العقود وأستلم آخر دفعة من القروش وبأول سيارة تلاقيني بالقبيلة عندكم.. يعني شغلة يومين ثلاثة.
سالم:
- يصير خير.
آدم:
- قولي ما عرفوا رجالنا شي عن كارمن؟
سالم:
- آخر شي يقولون كانت عند صديقتها وأخذها ياسين ومن بعدها ما ردت لا عند صديقتها ولا لسكنها.
آدم:
- أنا حاسس إن فيه شي مو مضبوط بخصوص مسألة اختفائها، وقلبي وعقلي يقولون إن ياسين سوى فيها شي.
سالم:
- مو بعيدة عليه، يمكن شافها عقبة بطريقه أو خاف تورث شي من اللي ما عنده وحب إنه يريح أموره كلها، أصلاً واحد تربى على إن الأخ يقتل أخوه إيش تنتظر منه؟
آدم:
- خلاص الحين نوجه البحث لطريق ثاني، ندور بالمشافي وبين الأموات اللي مالهم هوية.
سالم:
- يارب نلاقيها من ضمنهم وينقطع السلسال والنسل كله.
آدم:
- يااااخ حرام عليك إيش سوت لك هي المسكينة؟
سالم:
- لا بعدها ما سوت شي، تسمك أو تعطيك بارودة بنص قلبك وقتها بس تقول سوت مو هيك؟ اطلع اطلع فوت قدامي وصكر فمك ماتفتحه ولا تنطق واتركني أدعي باللي يريحني.
سالم:
- سكتنا.
أما في القبيلة في هذه الأثناء:-
- ياناس حد يبرد نار قلبي والله حرام، حرام يا اللي ما تخافون الله، أحس إنكم مرتاحين واجد بس ليش ماتريحوني معكم، حتى أبوه وأمه ياكلون ويعبون بطونهم وما هاممهم شي.. لا والله الكل يعرف اللي ما أعرفه وإذا كنت من ضمنهم يا معزوزة يكون آخر شي بيني وبينك.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الثاني والستون 62 - بقلم ريناد يوسف
ردت معزوزه على رجوه بعصبية:
– رجوه لا تتهبلين وإذا شايفه الكل مرتاح ارتاحي مثلهم، أنا وغلاة رابح ما أعرف شي، بس متلي متلك من راحتهم مرتاحه ومطمئنة، وأكيد عقاب بخير وكاتمين الخبر لسبب هم أدرى به.
– بس أنا أولى الناس بمعرفة هيك شي يامعزوزه، أنا من بعد أمه أجى بالأهمية، ليش هو يأمن الكل على سره وعندي أنا يروح الأمان ليش، للحين ما عرف غلاه عندي وأني أفرط بروحي ولا أفرط بسر سرني بيه وأمني؟ للحين عقاب ما عرف هو إيش عنده رجوه وكيف ناويه تصونه، طيب يجربني ويشوف وبعدها يسوي اللي يريحه.
صمتت معزوزه وهي تواجه نوبة ألم جديدة من النوبات التي بدأت تداهمها منذ عشية الأمس على فترات متباعدة، فلاحظت رجوه وسألتها بخوف:
– إيش فيك يامعزوزه، ولادة ولا ألم ماله علاقة بالولادة؟
– ما أدري يارجوه بس هو ألم جديد ما مر علي من قبل، من البارحة يجي ويروح، بس ما أحس إني ولادة!
– هي اسمها تقاطيع، سمعت أمي تقول كان يجرالها هيك وقت كانت حامل بهلهولها، كانت تقول البطن تستعد لطرد الوليد بالوجيج.
– أي وحتي خالتي جنديه قالت هيك لما فحصتني من شوي.
– أبشري، تجيبين ماتجيبين أنا جنبك ما أتركك.. ووقت يطل الوليد براسه أقول وااااك الألم لك كل نساء القبيلة تسحب.
صمتت رجوه وهي تراقب معزوزه، وفي هذه الأثناء سمعوا هلاهل آتية من بعيد، فنظرت رجوه لمعزوزه بتساؤل فقالت لها معزوزه:
– هاد عرس خوله وسعود، اليوم عرسهم.
– عرس بالقبيلة ورجلي غايب مافي عنه خبر؟ يوم أغبر عليهم وعلى عرسهم، والله لأخليه صخام فوق روس الكل.
أنهت جملتها وغادرت الخيمة متوعدة، ومشت حتى بلغت خيمة خوله ودخلت الخيمة دون استئذان وكانت خوله جالسة وبعض نساء القبيلة ملتفات حولها يلبسنها الحلي ويخططون وجهها بالكحل والحمرة، فتوقفوا مع دخول رجوه التي صاحت بهم:
– من منكم الهلهلت وما استحت وهي تعرف راجلي مفقود ومافي عنه خبر؟
ردت عليها خوله بندية:
– أنا الهلهلت وهاد عرسي وأسوي اللي أريده، وغياب راجلك تروحي تشقي به مع روحك بعيد عني، هي الخيمة ما يخشها غير الجاي يفرح لي ومعي، وإلا اللايم يغرب عن وجهنا، راجلك مفقود وأنا هلهلت وتزوجت، وقت ينفقد راجلك هلهلي وسوى فرح طنان. وهاك هلهولة لجل دخلك علي: كللللللللوش.
تلفتت رجوه حولها فأتتها صالحه مهرولة وأمسكت ذراعها وقالت لها متوسلة:
– اتركيها اليوم عروس ماتكسري بفرحتها وحقك عندي ومنك ومن الجميع السماح، أدري إننا غالطين ووجهنا صاير تراب منكم، بس والله كل شي تم بشور الشيخة عوالي والشيخ قصير وهم جهزوا، ولو ما كانوا رايدينهم يعرسوا ما كانوا ساعدوهم.
أخذت رجوه نفس عميق وزفرته، وها هي أمام دليل آخر بأن عقاب بخير، فلو لم يكن كذلك ماسمحت عمتها عوالي وأبيها بأي احتفال من أي نوع في القبيلة، ومع ذلك لم يهدأ وجعها، فشعور النبذ والتجاهل شعور مقيت لا يطاق.
غادرت الخيمة وهي تجر أقدامها في الرمال جرًا وتشعر بالخذلان، وذهبت عند الأغنام، تلك الكائنات التي لا تعرف من الدنيا إلا الأكل والنوم والتناسل، لا صراعات ولا أحقاد ولا قلوب تعشق دون أمل ولا شكوى من أي نوع، فأخذتهم وذهبت بهم للوادي هربًا من كل شيء بعد أن أرسلت مسك لمعزوزه تحل محلها لحين عودتها.
مرت الساعات وعادت رجوه عند حلول الليل وحبست الأغنام في مكانهم، وعادت لمعزوزه التي اشتد عليها الألم ودخلت في الولادة بالفعل، ووجدت رابح يحوم حول الخيمة بخوف وتوتر وكأنه هو الذي يلد، وأعلن حالة التأهب في كل القبيلة، وأتي لمعزوزه بكل النساء كي يساعدنها في الولادة، ظنًا منه بأن كثرتهم تغير من الوضع شيء.
ساعتين قضاهما وهو ينزف حممًا وليس عرقًا من شدة اشتعال جسده، دعا بكل آية تذكرها ونذر الذبائح وإطعام القاصي والداني إن نجاها الله هي وابنه وقر عينه بهما.
وكم رفرف قلبه وهو يستمع لذلك المزعج الصغير وهو يعلن عن قدومه للقبيلة ببكاء متواصل، ضحك ودمعت عيناه واستدار حتى لا يراه سالم ويتهمه بالضعف، ولا يعلم أن سالم بالفعل رأى ضعفه وفرحته وتمنى مثلها لنفسه. أما رجوه فكانت أول من حمل الطفل وخرجت به من الخيمة وذهبت به لرابح الذي مد لها يديه قبل أن تصله بمسافة وهو يضحك، وحين وقفت أمامه ضمت الولد لصدرها وقالت لرابح ممازحة:
– أريد الحلوان قبل لا يدك تطاله.
– تطاله.. يعني وليد! ذكر يارجوه؟
– أي وليد مثل البدر بتمامه، إذا تريد تشوف يشبه من أنت ولا اختي يدك على شدة قروش.
– يبه الروح تهون لأجل وليدي، هاك الشدة وأعطيني صقري أضمه لقلبي.
أخذت رجوه النقود وأعطت الولد لرابح ووقفت تشاهده مبتسمة وهو يشمه ويكبر بأذنيه ويكاد يأكله بعيونه التي تلمع فرحًا.
أما سالم فكان يتبسم ولكن لسبب آخر، تبسم منذ أن خرجت من الخيمة حاملة للطفل، رآها وهي تقترب وشعر بأنها كبرت حتى أصبحت الأمومة تليق بها، كم حلم بهذا المشهد وكم تمناه، كم رآها في خياله تحمل طفلهم وتتهادى به نحوه، وعلى قدر جمال الأحلام والأمنيات كانت الحقيقة أجمل وهو يراها بأم عينيه.
انتهت النساء من تنظيف معزوزه وخيمتها، وتركوها لتنعم بقسط من الراحة، فدلف رابح من باب الخيمة وهو يحمل طفلهم، وجلس بجوارها وقد تبخرت الكلمات في جوفه، ولم يخرج منه سوى:
– الف الحمد لله على سلامتكم يانبض قلبي، الف الحمد لله على ما وهب وأعطى، سمي وخذي صقر يا أم صقر وأعطيه من حنانك.
اعتدلت معزوزه وأخذت الولد من يده، ونظرت له للمرة الأولى، فقد اختطفته رجوه وفرت به قبل حتى أن تراه! سمت وصلت وأخذت تمسد بأصابعها على خده الناعم، ثم بدأت في إرضاعه أمام رابح الذي كان يشاهد أجمل شيء رأته عينه على مدار سنوات عمره.
أما رجوه فنظرت لسالم واستغلت تبسمه وصفو الغريب وسألته برجاء:
– سويلم، ياسالم، ياسلومتي اللي أحبه وأدري به ما يردني من على أعتابه خائبة سؤال.. قولي يا أخوي عقاب عايش وأنتوا تعرفون طريقه صح، قولي ولك كلمتي.. أتقوله يندفن تحت الرمال ما أحد يدري به بس طمني.
فاق سالم من شروده وانتفض قلبه وهي تدلله في البداية، ثم هدأ وعاد لوعيه وهو يكتشف سبب الدلال، فأجابها ببرود:
– أنا عن نفسي ما أعرف شي، وإذا عايش ليش ندس عنك؟ أنت وغيرك والكل لزوم يعرف إذا عرفنا عنه شي.
– تريد تفهمني إن هاد حزنك على عقاب ياسالم؟ تأكل وتشرب وتروح وترد ولا كأنه مفقود؟ تريد تفهمني إن هاد حزن أمه وأبوه عليه وبوي وعمتي ورابح والكل؟ يا أخ أنت وقت كان يموت منك صخل كنت تحزن عليه أكثر من حزنك الحين على رفيق عمرك!
– رجوه أنتِ إيش تريدين؟
– أريد أسمع منك إن عقاب بعده حي.
– وأنا ما أقول شي ما متأكد منه، ومن رخصتك سوي مجال خليني أمر وراي واجد أشغال.
– إيش وراك أشغال بهاليل ياسالم، قول إنك تريد تهرب من سؤالي وما تجاوب.
– وراي ولا مو وراي شي ما يخصك، أما إذا عالهروب فمو سالم يهرب من سؤال ولا من جواب، تحركي أريد أروح أقف مع سعود بعرسه الوليد وحيد وما عنده أخو يقف معه.
– أي روح اعرس وأدبك وارقص لحد ما تطيح من التعب، وتعال قولي إنك ماتعرف شي عن عقاب يا الكذاب.
– زيحي شوي زيحي خليتي راسي هيك كبره من كثر كلامك اللي ما منه نفع، والله إنك وجع راس ووجع قلب.
غادر سالم وتركها تفرك من الغضب وأخذت تتمشى بين الخيام وهي تشعر بالضياع تواجه الغرق ولا يريد أحد أن يأخذ بيدها لبر.
جلست بجانب البئر فإذا بالعنود تقتحم خلوتها وتجلس بجوارها، فصاحت رجوه بملل:
– أهووو جات كثيرة الحكي.
– معليش أريدِك تتحمليني شوي، أريد أجلس معك إيش بيها؟
– لا ما بيها شي، اجلسي بس ماتفتحين خشمك ولا تتكلمي.
– ن ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` ` `
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الثالث والستون 63 - بقلم ريناد يوسف
جلست العنود ترتب أفكارها. قررت أن تقترب من رجوة بطريقة مختلفة، فقررت أن تعد لها نوعًا جديدًا من الطعام تستلذ به، وتشعر بأنها أصبحت ذات أهمية لدى العنود لدرجة أنها صنعت لها طعامًا مخصوصًا بيديها. فالمعدة أقرب طريق لكل القلوب، والطعام اللذيذ عربون محبة سواء لرجل أو امرأة.
أما نوف فكانت جالسة تتصفح هاتفها وتتابع كل جديد يحدث في العالم من حولها. وأمهم منشغلة تراسل أباهم من هاتفها. أما عفراء فكانت في عالم آخر، أمامها كومة صوف وبيدها مغزل وتغزل الصوف تمامًا كما تعلمت من فتيات ونساء القبيلة. تنظر للمغزل والصوف المغزول وكأنه عمل بطولي قامت به وإنجاز عظيم، تتسابق مع نفسها لغزل أكبر كمية ممكنة، ولا تستجيب لأمها التي تطالبها بأن ترأف بأصابعها وتكف عن الغزل، فلا هم بحاجة مال، ولا الغزل مفروض عليها! ولكنها سعيدة ولهذا لم تُعر اهتمامًا لأي شيء، سواء تعب أو كلام.
في اليوم التالي استيقظت العنود عند آذان الفجر. صلت وحزمت متاعها وخرجت من الخيمة بعد أن بلغت أمها بما ستفعله. وانتظرت رجوة عند البئر. وما هي إلا دقائق ولاحت رجوة وهي خلف قطيع الأغنام تهشهم. ولما بلغت العنود تبسمت لها وقالت:
- نهارك باهي، ها جاهزة وتقدري تمشين مسافات طويلة ولا ركوب السيارات مخلي رجولك رجيجة وما تقدري تكملي وتبليني فيك؟
- لا لا، أنا أحب المشي ومشتركة بنادي وألف التراك كل يوم مرتين ثلاثة؛ يعني متعودة لا تخافين.
- أنا ما أعرف إيش القولتيه وتلفين بيه، بس إذا متعودة عالمشي ما يهمني وين تعلمتي المشي أو كيف، أنا اللي يهمني إنك ماتنامين لي بوسط الرمال وأنا أضطر أحملك فوق ظهري، ولا أقول.. أنا راح آخذ لك حصان معي ووقت تتعبين من المشي تركبيه وتردي للديار.
- لا لا ما في داعي، قولت لك بتحمل إيش فيك، هيا يا رجوة ماتعطلينا زيادة أنا واجد متحمسة.
- هيا يا المتحمسة.
وصلتا الوادي، وأخيرًا. وجلست رجوة وجلست معها العنود وهي تتفحص المكان من حولها. ثم انتبهت على صوت رجوة وهي تقول:
- أشوف الحماس راح من التعب ولا إيش؟
- لا ما راح، أعرفك تريدين تعرفين السر الدفين، وإن الفضول عندك وصل آخره. الحين أنا راح أقول لك سري، اسمعي يا طويلة العمر.. أنا من وأنا صغيرة وأنا عندي واحد جيران مغروم فيه، وكل مانكبر يكبر حبي له، بس هو ما يدري، ولا بيوم شافني ولفتت أنظاره. أدري إنه مو من مجاويزنا، وأدري إن البدوية ما تتزوج إلا بدوي، بس غصب عني القلب وما حب وهوى، والقلوب ما عليها سلطان وانت أكثر العارفين.
في حين أن فيه شاب ابن واحد من أهل القبيلة يشتغل مع أبي، أبوه وأبوي تقدري تقولين إخوة مو أصدقاء. تربينا سوا وكانوا يجولنا ونروح ليهم. وهذا الشب من يومه اعتبر حاله أخونا ومسؤولين منه، بس هو كان يهتم بي أنا زايد عن الكل. مع الوقت تأكدت إنه يحبني، وأنا قلبي كان معمي بحب الغريب فما عطيته أي أمل، بالعكس قطعت معه كل حبال المودة وبعدته عني، من بعد ما كان لي أخ وصديق وحارث وملبي لكل رغباتي وطلباتي ويعرف إيش أريد من قبل ما أطلبه أشوفه جايبه وجاي لي ويفاجئني به.
ما أكذب عليك حسيت من بعده بفراغ شديد، أصبح مكانه خالي وانحرمت من اهتمامه ورعايته لي، ورحت بوحت للثاني بحبي له، قام صدني وقال إن قلبه ميال لبت عمه وإني مالي فرصة معه. أقول لك الصراحة حاولت معه مرة واثنين وعشرة، بس هو قافل إني ما أصلح له ولا هو يصلح لي، فبعدت عنه، ورضيت بمقسومي، والحين قبلت بنهوة حد ثالث غير الاثنين.
- وإبن صاحب أبوك ما رد لك، ما حاول يرجعك له؟
- للأسف يا رجوة بالوقت الأنا كنت أجري فيه ورا السراب هو نفضني من قلبه وراح تزوج وأسس حياة وأشوفه سعيد ومبسوط.
ردت عليها رجوة بتلقائية:
- الله لا يوفقك ضيعتي من يدك الحبيب لأجل وهم.. خسرتي والله وخسارتك واجد كبيرة.
تبسمت العنود وردت عليها بهدوء:
- راعي المشكلة ما يشوف الحلول اللي يشوفها غيره يا رجوة، ومع الأسف هذا كان كلام الكل لي، أمي وإخواتي وصديقاتي، بس أنا ما كنت أسمع إلا كلام قلبي.
- الله يلعنه قلبك الغبي المايعرف شي، وعقلك بعد أغبى.
تنهدت رجوة ونظرت بعيدًا وشرد ذهنها. فعلمت العنود بأنها أشعلت بداخلها فتيل الإدراك. نعم، فهي تقصدت اختلاق هذه القصة وقلب الأدوار حتى تستطيع رجوة إصدار الحكم المناسب بنفسها، وإدراك حجم الخطأ حين وقع فيه غيرها، وبالتالي ستطبق الحكم عليها وتوصم قلبها وعقلها بالغباء. والعنود متأكدة بأن هذا ما يحدث الآن، وخاصة حين بدأت رجوة تلقائيًا في سرد مغامراتها مع سالم في هذا الوادي بالتحديد. وكم ضحكت العنود حين قصت عليها رجوة حدث التين الشوكي، وحزنت حين عوقبت بعده بالختان. واكتشفت العنود أن ما من موقف جميل يحدث مع رجوة إلا وتُعنف بعده من أحد أفراد أسرتها أو من الشيخة عوالي بالطريقة التي تفسد فرحتها. وكم استغربت العنود على قوتها وتحملها الغريب لكل هذا! وبرغم ما مرت به لازالت متماسكة وقوية وتدافع عن قضاياها بإستماتة، فأقرت بأن رجوة أقوى من قابلت من النساء حتى الآن، وبأنها ستصبح ذات شأن عظيم، فقط إن توجهت التوجيه الصحيح ووجدت من يحتضن قلبها المشوه من كثرة الطعنات.
عادتا للقبيلة في آخر اليوم. لقد كان يوم جميل لكلتيهما، فرجوة منذ زمن بعيد لم تحظى برفقة وبشخص تقاسمه الأسرار. والعنود كانت مستمتعة لأقصى درجة مع رجوة، فرحة بنجاحها في اختراق عقلها والولوج لذكرياتها والتنقيب عن مشاعرها الصحيحة. أكلتا ولعبتا وعلمتها رجوة اصطياد بعض الثعابين السامة، وعادتا بجعبة مليئة بالثعابين، وأخرى مليئة بالمشاعر الجديدة. ووعد من العنود لرجوة بأنها تستطيع مساعدتها في أمرها إن احتاجت أي نوع من أنواع المساعدة.
استراحت رجوة في خيمتها قليلاً ثم تذكرت أنه موعد حلب الأغنام، فقامت لعملها الشاق. وهي في طريقها سمعت صوت ضحكات منبعثة من خيمة الشيخة عوالي. ويال الغرابة فقد كان صوت أم آدم، تضحك هي ومايزه وتعقبهم ضحكة من عوالي، وكأنهم في مجلس سمر. فقالت لنفسها:
- هي أم وليدها غايب وما تدري عنه شي؟ لا والله لو جابوا لي ألف عقل فوق عقلي ما أصدق.
أنهت عملها وذهبت بالحليب للرجل الذي يشتريه منها كل يوم وباعته له، وقررت أن تضع جميع النقاط فوق الحروف الليلة. فانتظرت أم آدم حتى غادرت خيمة عوالي وقطعت رجوة طريقها ووقفت أمامها قائلة:
- يا خالة أنت تعرفين إن اللي يحب قلبه يصير رجيج على شويقة وما يتحمل عليه شي مو هيك. أنت أم وأنا أقول لك إن قلب الحبيب يصير مثل قلب أم والحبيب وليدها تخاف عليه أكثر من روحها. الحين أنت تدرين إن عقاب راهن إي ولا لأ؟
- أيوه يا بنتي أعرف.
- طيب يا خالتي أنا طالبة منك بشهادة حق، يصير الكل يعرف إن عقاب بخير وأنا بس من وسط كل الناس اللي يدس عنها؟ يرضيك يلوعني وهو يدري إن الروح متعلقة بروحه وغلاه من غلاها؟
- لا يا بنتي ما يرضينيش، وآدم ابني غلطان في إنه خبى عنك إنه كويس وبخير، بس أكيد له أسبابه، ومتنسيش إنه لسه فيه خطر عليه ويمكن عشان كده خاف تفضفضي لحد قريب منك.
تبسمت رجوة بالتزامن مع دمعة نزلت من عينها وغصت وقد تأكدت من أنه بخير. ورغم ذلك شعور مقيت اجتاح قلبها وحال دون فرحتها، وهو إنها تأكدت بالفعل لا تعني له شيء ولا يثق بها. والثقة أساس كل شيء. وتذكرت سالم وأسراره التي لم يكن يأتمن سواها عليهم جميعًا. تذكرت أحاديثه معها وإخبارها بأدق أدق تفاصيل يومه وما حدث له وهو بعيد عنها، ماذا أكل وماذا شرب، وكم تمنى لو شاركته فيه وفي أقرب فرصة يأتي لها بمثله ويقدمه لها بمحبة وهو يقول:
- اللقمة اللي تنزل جوف سالم من دون ما رجوة تشاركه فيها ما تنهضم إلا وتنزل مثلها ببطن رجوة، كلي حتى أحس بطعم اللقمة اللي أكلتها بدونك.
اقتربت منها عايدة حتى تحتضنها وقد رأفت بحالها، فابتعدت عنها رجوة للخلف وغادرت المكان على الفور وذهبت بعيدًا عند الوادي. جلست مع نفسها وأخذت قرارها، ثم ذهبت للعنود مسرعة ودقت بابها. وحين خرجت لها العنود قالت لها بصوت يرتجف وأنفاس عالية:
- عنود أريد أطلع عقاب من قلبي ما عدت أريده. إذا تعرفين تخليني أنساه وما أفكر فيه الحين سوّيها. الحييين.. أنا ما أريده مادامه ما يريدني، يكفيني قلة كرامة وقلة قيمة ودعس على قلبي.
- الأمر بسيط يا رجوة وأنت ما محتاجة أي مساعدة، لا مني ولا من أي حد؛ لأن آدم مو بقلبك من الأساس، كانت غمامة وانزاحت ويوم يومين ما راح يكون أثر له لا بقلبك ولا بعقلك. بس الخوف يا رجوة من الخطوة اللي بعدها، أو خليني أقول الشعور اللي راح تختبرينه بعد إدراك الحقيقة، ما أخفيك، راح يكون واجد صعب وما ينحمل.
- أي شعور هذا اللي تتكلمين عنه؟
- شعور الندم يا رجوة، الندم يحرق كل شي بالإنسان وما تتحمله الجبال.
- مريت بالأصعب والأسوأ، وتحملت اللي ما تتحمله الجبال، ومو جديد علي الوجيع يا بنت عمي، ربك موجود وهو العالم قديش الواحد بيتحمل ويبعت له الوجيع بقدر قوته.
مر يومين آخرين. سالم يغادر القبيلة مع بعض الشباب ولا يعود إلا بآخر النهار، وكذلك رابح، ولكن كل لوجهة مختلفة. فرابح كان ينهي إجراءات سفره وأخيرًا حصل على جوازه وتأشيرته وكل شيء. وسالم كان يفعل شيء هام ولكن لا أحد يعلم ما هو.
أما رجوة فطوال الوقت جالسة بمفردها، بعيدة عن الكل، فقط بعض الوقت تقضيه مع صغير أختها وتتركه وتغادر. قَلِقَت معزوزة كثيرًا من سكوتها وسألت رابح إن كان أحد تعرض لها بسوء، أبوها أو هلال، ولكنه نفى ذلك، فأسندت السبب لغياب عقاب وقلقها عليه، وبدأت تحاول أن تبث لقلبها الطمأنينة وتخبرها بأنه بخير وسيعود. لم تكن تعلم أن رجوة علمت بذلك منذ أيام، أن هناك سبب آخر وراء حالتها.
أما من كانت تعرف جيدًا ما الذي يحدث مع رجوة فهي العنود، تعلم إنها تمر الآن بوقت عصيب، صراع مابين قلبها وعقلها. تحاول أن تقتنع بأن ركضها وراء آدم ماهو إلا انبهار. افتتان بعالمه الذي ظنت بأنه بوابتها لحياة أفضل، حياة بلا قيود أو عادات وتقاليد، سيسكنها قلعته وستحظى فيها بكل الحرية التي لطالما تمنتها، والأهم من هذا كله أن تثبت للجميع بأنها الأفضل ولذلك حصلت على الأفضل. فنبذ أمها لها منذ طفولتها ولد بداخلها شعور بالنقص لم يستطع أحد أن يمحيه ويشعرها بالاكتمال، لا معزوزة التي احتضنتها كأم ولا حتى سالم الذي أعطاها أكثر مما ينبغي. فأصبحت على ماهي عليه الآن.. تريد كل شيء عند غيرها لتشعر بالكمال، وهذا لن يحدث إلا وهي ترى كل العيون تنظر لما في يدها وتتمناه. ولما أصبح الأمر اعتيادي مع سالم ومسلم به من الجميع نسجت شباكها حول غيره وقررت أخذه بأي طريقة ممكنة، لتستمر حالة الانبهار بما تمتلكه رجوة وما وصلت له دون غيرها، تمامًا كمن تركض في سباق مستمر لتفوز بالمركز الأول دائمًا ولا ترضى بأقل منه. وفي ظل هذا كله نسيت قلبها. وعقلها جعل الأمر يختلط عليها فتاهت مشاعر قلبها الحقيقية وسط المشاعر المزيفة التي أصبح عقلها يقنعها بها. وصحوتها أصبحت وشيكة جدًا، أصبحت قاب موقف واحد فقط وسيتغير كل شيء.
أما في القاهرة..
- إيش تقول، كارمن بنت عمي، من سوا فيها هيك، عرفوا الجاني ولا بعدهم؟ مو معقول، يلا أنا جاي استلمها وادفنها.
خرج من مخبئه بعد أن تأكد بأن ياسين أصبح هالك لا محالة، وأنه ليس بحاجة لتدبير أي شيء له، فالله قد دبر ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.
ذهب لمقر النيابة وأطلع على كل شيء، تقرير الطب الشرعي الذي يقول بأن كارمن كانت تحمل في أحشائها طفل، وسبب الوفاة والعينة التي أخذت من تحت أظافرها وعادت لياسين بعد إجراء الفحص، والرادار الذي رصد سيارته بالقرب من موقع الجريمة، وشهادة صديقتها بأن رجال أخيها هم من أخذوها، وكل هذا جعله المتهم الأول في قضية القتل.
أما فريال فسقطت مغشيًا عليها فور سماعها للخبر. وحين عادت لوعيها أخذت تصرخ بلا انقطاع، فالآن أولادها جميعهم أموات، وكما أذاقت القلوب لوعة الفراق شرب قلبها من نفس الكأس حتى ارتوى.
أما في خيمة خولة..
- يا خولة، أنا تميت السبعة وأنا بالخيمة، هذا القدر كافي ومن غدوة أنا طالع بالهوايش.
- لا ما تطلع ولا راح تطلع يا سعود، وما في رعي أغنام من بعد اليوم.
نظر إليها سعود بغرابة وسأل:
- إيش تقولين يا خولة؟ وأغنامنا من يوكلهم ويراعاهم؟
- يوكلهم اللي يشتريهم.
- أييش، كيف اللي يشتريهم يعني، أنا ما أبيع أغنامي ولا نفرط بهم، وبعد ما نبيعهم نصرفوا قروشهم ونمدوا يدنا نستجدى ولا إيش؟
- لا يا سعود، ما راح نستجدى، أيدينا راح تنملي بكل خيرات الله وتصير أنت تعطي ما تأخذ بس طاوعني في اللي أقوله لك.
- قولي يا همي الكبير وأنا سامعك.
- اسمع يا سعودي، الحين كل شيء يخص النساء تجيبه من الحضر الشيخة عوالي ومعها مايزه. تعرف إنهم اختاروا واذواقهم بلت ونساء القبيلة يرضون باللي يجيبوه وما يعرفون إن فيه أشياء أجمل وأحلى، يعني مع الشيخة ما في حرية الاختيار، كل اللي يتجاب مرضي به. إيش نسوي احنا الحين؟
- أيش نسوي؟
- نبيع الغنمات ودهباتي، والقروش اللي معي واللي معك واللي أمك، وننزلوا الحضر، نشتري من كل شيء تشتهيه النساء من طيب لزينة لثياب ولخفاف، كحل حمرة فراشي تمشيط زيوت شعر كل شيء كل شيء. ونجيبهم للقبيلة وأنا أبصم لك بيدي ورجولي إن النساء راح ينهبلن ويشترون كل الأشياء.
- وأنا أصير بياع خفاف يا خولة! جنيتي أنت؟
- من بين كل اللي قلته ما ظل براسك غير الخفوف يا سعود. لا لا تصير بياع خفوف، اترك البيع والشرا لي أنا، أنت بس تاخذني الحضر وتردني.
- لا أنا ما موافق، أنا ما أعرف غير رعي الأغنام مهنتي من وأنا صغير، هي مهنة الرسول وأنا أفتخر بها وما أتركها وأروح أشتري أشياء للنساء وأصير مضحكة القبيلة كلها.
- سعود أسألك سؤال.
- ما راح نخلص اليوم.
- أقول يا سعود، وقت كان رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام يرعى الأغنام، إيش سوى بعد تزوج السيدة خديجة رضي الله عنها، مو ترك رعي الأغنام واشتغل بالتجارة بأموال السيدة خديجة؟
- أ أي مظبوط.
- طيب قولي أنت أحسن من رسول الله يعني؟ إذا تقتدي به اقتدي بكل شيء مو تاخذ شيء وتترك شيء.
- عليه الصلاة والسلام.
والحين أنا راح أبيع غنماتي وأسوي اللي قلت لك عليه، أنت حابب تكون معي ياهلا، مو حابب غنماتك عندك أشبع بهم.
- يا خولة أنت مالك أغنام، أنا تزوجتك لجل أغنامك والشيخة قالت إنهم كلهم لي.
- رجعت بكلامي وبعد زواجي منك شفت إنك ما تستاهل كل الأغنام، تستاهل بس راس واحد وإذا تريده هو لك. أقول يا سعود وين أمك تدس قروشها؟
- ليش، إيش دخلك بقروش أمي؟
- ما أسأل بس قولي وين أنا بأخذهم وأشتري وبعدها أقولها إني خذتهم.
- ما أدري، وأمي ما معها قروش.
- زين، بس أشتري أغراض وأمك تمد يدها عليهم أقطعها لها أمامك وأريدك تنطق بحرف واحد يا سعود، ومن اليوم أغنامك وفرشتك وطبختك ونومتك وغسل ثيابك كلهن لحالك. وإنت العايب.
يتبع.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الرابع والستون 64 - بقلم ريناد يوسف
غادرت خولة كلماتها وغادرت الخيمة، وذهبت حيث مرابض الأغنام وحررت أغنامها وسوقتهم نحو خيمة تاجر الأغنام وباعتهم له وقبضت نقودهم، وذهبت رأساً بالنقود لخيمة عوالي وأخبرتها بما تنوي فعله.
شجعتها عوالي وقالت لها:
- أشوفه تفكير زين طالع منك يالمهبولة، ومن الحين أنا مانشتري شي من هذي الأغراض لحتى تسترزقي انت.
- بس يا خولة أنا أعرف الأسعار، ولو طمعتي ماتشوفيني إلا أهد خيمتك فوق راسك وأحرقك انت والأغراض سوا.
- لا ماتخافي، كل شي وله ثمن وأنا ما أفتري، عالقليلة مو بأول مشواري. أنا الحين أجمع ثقة الناس، بس أجمعها وأطمنهم وقتها يحق لي أطمع.
ضحكت عوالي وتغيرت ملامحها وسألتها بجدية:
- بس من وين جبتي القروش يا خولة؟
- بعت أغنامي.
- الله ياخذك، من وين لك أغنام، مو على أساس عطيناهم لسعود لحتى يتزوجك؟
- أي والأغنام صاروا لزوجي، وأغنام زوجي أغنامي، إيش بيها يعني. وبعدين انت تميتي مهمتك وزوجتينا ماتشغلي بالك بشي. والحين أنا ماشية أشوف حد غير القرد سعود يوديني الحضر هو حرن متل الحمار.
- أنا أندز معك واحد من الشباب بسيارة يوديك ويردك، ويكون شاطر بالشرا والبيع لجل ما يضحكون عليك. بس قبل أي شي دزيلي سعود قوليله الشيخة تريدك، لزوم يوافق على روحتك، هذا زوجك ورجلك إذا خطت بدون رضاه أنا بقطعها لك، فهمتي علي؟
- إي فهمت، أنا الحين أندزه لك، وماتعطيه فرصة إنه يشاور عقله، انت تامرينه أمر، تقوليله خولة تعمل التريده وماتقف بطريقها والا تذبحك وانت نايم وماتسمي عليك، خوفيه هو خواف واجد.
- روحي يا خولة، روحي الله يهديك وابعثيلي سعود المبلي بيك.
أتى سعود للشيخة عوالي، وأقنعته بما تريده خولة، وهذا لأن الفكرة أعجبتها هي شخصياً، وترى أنه باب رزق عظيم لخولة ومسعود، وقفل يعد قطعاً لهذا الرزق.
فذهبت خولة للحضر، وذهب سعود معها بأمر من الشيخة في إحدى السيارات مع واحد من شباب القبيلة، وبدأت خولة أولى خطواتها نحو حلم حلمته وقررت تحقيقه.
وفي سوق المدينة كانت الصدمة لخولة؛ فقد وجدت أشياء فائقة الجمال، ولم تجلب منها الشيخة عوالي حتى لزوجات الشيخ! نعم ثمنها مرتفع، ولكن نظير جمالها خولة متأكدة أن نساء القبيلة سيشترينها بلا تردد.
تسوقت من كل شيء وعادت للقبيلة، ووقفت وسط الخيام ونادت بأعلى صوتها:
- يابنيات ياحريمات يانساء القبيلة أقبلن، اليوم مشيت للحضر وجبتلكن كل شي تتمناه نفسكم، معي أشيا راح تخطف أنفاسكم من جمالها، تعي ياحلوة، تعي يازينة وشوفي إيش مع خولة.
وبدأت تفرش الأغراض أمام النساء، وفور أن تضع الغرض على الأرض يُخطف، وكادت النساء يتقاتلن على الأغراض وخاصة الحلي والزينة، وكل ما أحضرته خولة لم يتبقى منه شيء، ووعدت من لم تتحصل على شيء بأن تحضر لها ما تريده غداً.
وعادت لخيمتها مع مسعود بنقود تكاد تكون ضعف المبلغ الذي اشترت به، ولما رأى مسعود ما جَنته خولة في ساعات قليلة وقارنه بما يجنيه هو ووجد أنه عمل شهرين في رعي الأغنام وبيع ألبانهم، قرر بيع أغنامه ومشاركة خولة بثمنهم، فهي على هذا الحال ستغتني في وقت قصير وهو سيظل راعي لكم غنمه تضربه شمس النهار وتهترئ أقدامه من الرمال الساخنة!
أما آدم فعزم على العودة إلى القبيلة أخيراً، ولكن قبل عودته قرر أن يودعها للمرة الأخيرة ويطمئن إنها بخير، فهاتفها وذهب إليها في المكان الذي حددته، كان مقهى على النيل.
وصل قبلها بدقائق وجلس ينتظرها، اقتربت منه وقد رأى منها ما أحزنه، ضعفت كثيراً وشحب وجهها ومن الواضح من الهالات تحت عينيها أنها لا تنام بشكل كافٍ. جلست بعد أن صافحته، نظر إليها وتنهد فتبسمت وسألته:
- ليه التنهيدة دي؟
- والله تخرج بدون إرادتي بس عيني تشوفك. هي نفسها من القلب يزفرها وما أقدر أكتمه.
صمتت ونظرت بعيداً، نظرت لصفحة الماء وعقدت يديها أسفل ذقنها، فأمسك هو بقائمة الطلبات وأردف:
- إيش تشربين؟
- مليش نفس.
- تمام.. آيس كريم بالفراولة.
تبسمت فهذه نكهتها المفضلة، وشهقت حين رفع ذراعه يلوح للنادل، فوجدت ذراعه الآخر مضموم لصدره برباط! فسألته بخوف:
- مال دراعك يا آدم، إنت متعور؟ إيه عمل فيك كده؟
- هبااا هباااا هدي شوي مافي شي، هذا شي بسيط، رجلي زلقت وطحت على الأرض وذراعي به كدمات، بس هذا كل شي.
نظرت إليه وركزت على عينيه وقالت له بإصرار:
- لأ.. مش دا اللي حصل وانت بتكدب عليا يا آدم.. قولي إيه بالظبط اللي حصلك وإلا هقوم وأمشي دلوقتي.
- يبه ما فيه شي…
نظرت لعينيه مرة أخرى فأجاب على الفور:
- زين انضربت بارودة بصدري، ارتحتي؟
- يا خبر أسود، مين اللي عمل كده؟
- مافي غيره بلوتي العظيمة، ياسين ولد خالتك.
- أنا لا لي خالة ولا ابن خالة ولا حتى أم، ربنا ينتقم منهم كلهم.
- حياة، أريد أقولك شي ما أدري تعرفينه لو لا.
- ايه تاني؟
- كارمن وجدوها مقتولة والطب الشرعي ثبت إن ياسين السواها. كانت حبلى.
شهقت حياة ووضعت يدها على فمها من الصدمة وهزت رأسها بنفي، فاومأ لها مؤكداً، فدفنت وجهها وسط كفيها، وبدأت في البكاء وهي تتساءل، ما كل هذا الذي يحدث، أأصبح الموت سهلاً لهذه الدرجة؟ كيف تُحصد الأرواح بهذه السهولة دون أي خوف من رب ولا عمل حساب لعبد، ما هذه العائلة وأي لعنة هذه التي أصابتها؟
حاول آدم تهدئتها وفي محاولة منه لإلهائها عن كل ما يحدث أخذها لمكان مخصص للألعاب يسمى دريم بارك، وحجز لها في جميع الألعاب وشاركها، رآها تبتسم فتبسم هو أيضاً؛ لقد اشتاق جداً لهذه الابتسامة، وشعر وكأن نسمات الهواء عادت تداعب قلبه والفراشات عادت تطير أمام عينيه من جديد.
فما ألعن الظروف وما ألعن الحب الذي لا ينتهي بالفوز بالحبيب، إنه نار لا تنطفئ أبداً، وكأن الروح أطنان حطب لا ينضب.
انتهى اليوم وحان وقت عودتها للمنزل، فأوصلها ووقف على أعتابها وأخبرته بما ختم هذا اليوم الجميل بعصرة قوية لقلبه:
- أنا خلاص سفري اتحدد بعد أسبوعين يا آدم.
- إيش هذا، معقولة بهي السرعة؟
- كل شيء بالفلوس بيمشي بسرعة، وأنا محتاجة أبعد، محتاجة أسافر قبل إعدام أمي، مش عايزة أشوفها ميتة قدامي، أنا بلغت قرايبنا في البلد وأديتهم في إدارة السجن رقم واحد منهم؛ عشان لما يتنفذ الحكم يتصلوا بيهم يجوا يستلموها، عايزة أفضل طول الوقت فاكرة إنها عايشة ما تموت.
تفهم آدم وأومأ لها موافقاً على رأيها، ومد يده لها مصافحاً للمرة الأخيرة، ثم أخذ يراقبها وهي تدخل وتغلق أبوابها، وكأنها أغلقت معه كل أبواب الرحمة لقلبه، فغادر بخطوات مترنحة وقلب يئن.
عاد في اليوم التالي للقبيلة، وكم كان خائفاً من لقائه لرجوه وإلتصاقها به ومطالبته بحقوق أعطتها لنفسها دون وجه حق، ولكن الغريب أنها كانت هادئة جداً هذه المرة، لم تفاجأه عودته ولم تتلقاه بلهفة كل مرة، بل كان استقبالها له فاتراً وسلامها عليه عابراً، وأخذت الأغنام وغادرت دون أن تلتفت إليه.
ولم يكن الوحيد الذي شعر بالغرابة لتصرفها، بل سالم أيضاً، ورابح والجميع، كانت حزينة بطريقة لا تتناسب مع رجوع حبيبها من براثن الموت!
أما هي فلأول مرة تشعر بأنها لم تعد لديها طاقة للمعافرة والمحاولات الفاشلة للفت انتباهه لها، فالاهتمام لا يطلب طوال الوقت.
مروا عدة أيام، آدم بدأ يخرج مع سالم لمتابعة آخر المستجدات والإشراف على ما فعله سالم، بدأ في تجهيز دور في البناية التي اشتراها من قياتي له ولوالديه كي ينتقلوا للسكن فيه.
أما رجوه فكانت بعيدة تماماً، صامتة وحالها لا يعجب سالم، يحوم حولها ويحضر لها الحلويات كي يتغير حالها، ولكن مع كل شيء كان يقدمه لها كانت تزداد حزنًا، فاحار في أمرها ولجأ لمعزوزه كي تعرف له ما بها ولكنه لم تفلح هي الأخرى.
لم يخف شروده وتوهته بسببها على مزيونه، فكانت تراقبه في صمت وهو يراقب رجوه في صمت ورجوه تراقب آدم من بعيد في صمت وكل واحد منهم لا يفهم ماذا حل بالآخر؟!
في صباح اليوم التالي..
مزيونه:
- اليوم كمان تروح للحضر يا سالم وماترد إلا عشيه وتكون مهدود من التعب وماتصدق توصل الفراش؟
سالم:
- أدري إنك اشتقتي يامزيونة وأنا بعد اشتقتلك واجد، بس مانقدر نعوف خوي بروحه وهو مازال يتوجع وصدره ما طاب، وحمله كبير ومحتاج لي، وإنت تعرفي كله ولا عقاب يحتاجني وما يلاقيني.
مزيونه:
- أي أدري..
قالتها وعقبتها بتنهيدة، فشعر سالم بأنها تحتاجه، ولا يريدها أن تستاء وهي في شهور حملها الأولى ويتأثر طفله، فنظر لها وأردف:
- خلص يامزيونة، هذا اليوم كله أنا معك بالخيمة، ماراح أمشي لمكان وعقاب يشقى بأشغاله بروحه.. أنا اليوم عندي أشغال أهم..
قالها وغمز لمزيونة فتبسمت ورفعت طرف وشاحها لتخبئ وجهها من خجلها، ثم قامت لتجلب له الفطور، وهو أخبرها بأنه ذاهب ليخبر آدم بأنه لن يذهب معه اليوم وسيعود لها سريعاً، وأمرها بأن تجهز له الأجواء التي يحب.
غادر الخيمة يبحث عن آدم فوجده يقف مع رابح وعمه قصير وهلال، فذهب إليهم:
- صبحكم الله بالخير.
قصير:
- الله يصبحك بالخير. الخير اللي يصيبك.
قصير:
- أقول ليش هالجمعة، خير إن شاء الله.
قصير:
- كل الخير، أنت طبعاً ماشي مع عقاب وما عاد منكم نفع للقبيلة. يا رابح خذ هلال وانزل الحضر جيب النفط ومونة الشهر من أغراض الطبخ.
هلال:
- أنا مو فاضي يابوي اليوم فيه سباق هجين وأني مشارك به، وعدت الشباب وما أقدر أخلف.
قصير:
- زين يروح سالم قبل لا يروح مع عقاب وبعد ماتشترون كل شي وتحملونه بالسيارة تروح لعقاب.
سالم:
- اعتذر ياشيخي ما أقدر أروح اليوم لا معه ولا مع عقاب؛ أنا عندي شغلة ضرورية ماتتأجل، خذ أي شب من شباب القبيلة يارابح يعينك.
رابح:
- لا ما أريد حد، أنا أروح بروحي، إذا الكل صار مشغول اليوم وأشغاله ماتتأجل.. حد منكم يريد شي معين أجيبه له معي؟
أخرج قصير رزمة من الأموال وأعطاها لرابح وقال له قبل أن يغادر:
- هاك القروش وشوف ايش راح تسوي، أنا رايح الوادي بالوليدات الصغار اليوم أريد أعلمهم صيد الأفاعي ومعرفة جحورها، ودير بالك ياسالم من بعد هي المرة وليدات القبيلة وعلامهم صارت مهمتك وأريدك ماتتكاسل فيها.
سالم:
- أبشر ياشيخي من هالعين قبل هالعين، أستأذنكم أنا رايح أجيب غرض من خيمتي.
فهمه رابح؛ فتعجله ولهفته يكشفانه، فقال له ممازحاً:
- يابه لاحق عالأغراض إيش بيك شوي ثقل الأغراض ظاله بالخيمة ماراح تطير هههه.
لكزه سالم بكوعه في جنبه كي يصمت فقد أخجله بوجود عمه قصير الذي فطن للأمر من كلام رابح وتبسم ثم غادر، وبعد أن ابتعد قصير قليلاً هجم سالم على رابح وأوسعه ضرباً وهو يقول:
- ولك الله ياخذك خزيتني قدام الشيخ.
رابح:
- لا ماتتخزى الشيخ يعرف الموضوع وعنده خيمتين بيهم أغراض وأنا عندي أغراض وكل واحد يتلهف على أغراضه وعاذرينك.
فهم هلال حديثهم وما يرمي إليه فغادرهم وهو يشعر بالخجل، وكذلك آدم الذي أعطى سالم نظرة ثم قال له:
- تبيعني لجل غرض يا سويلم؟ والله إنك طلعت واطي، ما قادر يعني تصبر عالغرض للمسا؟.. روح يبه روح الله يساعدك.
غادر كل لوجهته وبعد حوالي ساعتين تلقت معزوزة اتصال من هاتف زوجها، فصرخت باسمه وقد فهمت الآن سر انقباضة قلبها منذ الصباح، وأنها كانت محقة حين حاولت منع رابح من الذهاب للحضر، فها هو شخص غريب يخبرها بأن صاحب هذا الهاتف أصيب في حادث وتم أخذه بعربة الإسعاف، وهو وجد هاتفه مكان الحادث.
فخرجت من خيمتها تصرخ وذهبت لتجمع الشباب وصاحت بهلال الذي كان يستعد معهم للسباق:
- ياهلال رابح مسوي حادث وما يدري وين خذوه، غريب كلمني وقال لي إنه سوى حادث وما ضل منه غير نقاله، هيا تحرك ايش منتظر اركب سيارتك وروح دور لي على رابح وجيبه لي سليم وما به شكة شوكة، والله إذا رابح جراله شي لأحرق القبيلة بالفيها، تركتوه يروح لحاله يجيبيلكم السم وانتوا جالسين تتسامرون؟ والله والله لو ما رد لي رابح صاحي لأبيدكم إبادة.
تحرك هلال وكل الشباب معه، وكل واحد منهم رفع هاتفه يتصل على هاتف رابح ليعرف مكانه، وهلال هاتف سالم فلم يجبه. فتمتم بضيق:
- هذا وقت ماترد به يا سالم؟
خرت معزوزة على الأرض تبكي وتضرب الأرض بكفيها، فجاءت رجوه على صوت نواحها ولما وصلت عندها وعلمت الأمر انتفضت والتفتت حولها على سالم أو آدم؛ فلا يوجد سواهم يجيد التصرف في مثل هذه الحالة، فسألت هلال:
- وين عقاب وسالم، كلمهم يسبقونكم لرابح؛ هم بالحضر وأقرب له.
فرد عليها هلال وهو يغادر:
- عقاب أي بس سالم مدفوس بخيمته ما يرد، هيا يا شباب جيبوا السيارات خلونا نغادر هياااا.
ركضت رجوه نحو خيمة سالم، فكيف يغادرون من غيره، وكيف لا يكون أول الراكضين على رابح، فوصلت خيمته وباندفاع وبدون استئذان ازاحت الباب ودخلت وهي تقول:
- ياسالم فز ياسالم رابح مسوي…
توقفت عن الحديث وذهلت مما رأته، فقد كان سالم مع مزيونه في وضع حميمي وفور دخولها قام بتخبئة مزيونه في صدره وجذب عليها الغطاء وصرخ في رجوه بغضب عارم:
- إيش هذا السويتيه يابهيمة، أمشي غادري الخيمة هالحين وأنا بس أطلع لي معك كلام ثاني، اغربي.
ظلت على وقفتها وكأنه لم يقل شيء، تصنمت كما لو أنها فقدت جميع حواسها وأصبحت جماد بلا حواس، فنهض سالم ولبس جلبابه وقام إليها جذبها من ذراعها وأخرجها من الخيمة بعنف، وعاد للداخل وهو لا يستطيع استيعاب ما فعلت، ولا مزيونه قادرة على الاستيعاب، ولا حتى رجوه نفسها استوعبت للآن ما فعلت.
تتبع….
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الخامس والستون 65 - بقلم ريناد يوسف
خرج سالم من الخيمة فوجد رجوه مازالت واقفة أمامها، وكأن برقًا ضربها فأحترقت في مكانها.
فأمسكها من ذراعها ولفها عليه وسألها بغضب عارم:
- وش سويتي الحين؟ انهبلتي يارجوه ولا إيش؟ أسمعي، إذا تقصدي شي بالسويته قوليه الحين.
ارتجفت شفتاها وهي تحاول أن تجمع الكلمات لترد عليه، وبالكاد نطقت:
- رابح سسسوى..
وقبل أن تُكمل سبقها أحد شباب القبيلة حين صرخ بسالم وهو قادم نحوه يجري:
- أيش واقف تسوي عندك وتارك رابح؟ مانعلم عنه شي ولا ندري إذا حي ولا مات؟ تحرك ياسالم، ماحد يعرف دروب رابح غيرك.
نقل سالم أنظاره بين الشاب ورجوه وسأل بعدم فهم:
- إيش تقول إنت؟ إيش به رابح؟
- ياخوي سوا حادث وماحد يدري عنه شي، وجواله مع واحد غريب وهو اللي يرد عليه.
أمسك سالم رأسه بكلتا يديه وهو يتلفت حوله، لا يعلم ماذا يفعل أو من أين يبدأ. فأخذ يجري هنا وهناك كمن أصابه مس. تحرك نحو السيارة ولكنه تذكر شيئًا. هرول ناحية الشاب وجذبه من ذراعه ناحية البئر وخلع جلبابه وبقي بالسروال فقط، وأمره أن يصب الماء عليه بالدلو مباشرة من البئر.
فنُفذ الشاب وبدأ يصب فوقه الماء، وكان هذا على مرأى من الجميع. أما مزيونه فكانت واقفة على باب خيمتها تنظر إليه تارة وتخبئ وجهها من الخجل تارة أخرى، وشعرت بأنهم فُضحوا أمام القبيلة بأسرها. ونظرت لرجوه بغضب وصاحت بها:
- أنت يافانص، ياعديمة الحيا، يا اللي ما تجيبين إلا الأخبار الشينة، يابومة البوادي! إيش سويتي؟ والله الحين لأمشي للشيخة عوالي وأشكيك لها وأشوفها ترضى لك بالسويته ولا لأ.
أدارت رجوه رأسها نحوها ونظرت لها دون أن تتفوه بحرف، ولازالت تحت الصدمة. وتفحصتها من رأسها لأخمص قدميها. يا إلهي، كم هي جميلة! ثم أخفضت عينيها لبطنها واشتعل قلبها وهي ترى بطنها المنتفخة قليلاً وبدت بارزة. كانت تراها وكأنها تكتشف وجودها للمرة الأولى.
وعادت لرشدها وكأنها كانت في غيبوبة والآن استيقظت منها. إنه طفل سالم الذي تحمله في أحشائها. كيف ذلك؟ كيف لطفل سالم أن يأتي من غيرها؟ كيف لا تكون هي أمه؟ وكيف تراهما معًا في هذا الوضع؟ كيف يقترب سالم من غيرها بهذه الطريقة؟ كيف فرطت في كل هذا وتنازلت عنه وتركته لغيرها بمنتهى البساطة والسهولة؟
جرت من أمام مزيونه حتى لا تفرغ فيها كل الغضب الذي اجتاحها الآن. وصلت عند خيمة معزوزه وجلست بجوارها منهارة، تبكي وتصرخ مع الصارخين. الكل كان يظن بأن صراخها خوفًا على رابح، ولكن صراخها كان لسبب آخر لا تستطيع كتمانه، وكأن الله هيأ لها حادث رابح لتصرخ بحريتها دون أن تخشى لومة لائم.
غادر سالم مع الشباب وهاتف آدم ونقل إليه الفاجعة، فتحرك الآخر بسيارته فورًا وهاتف رجاله يبحثون في جميع المشافي الموجودة في نطاق الحادث. وأخيرًا عثر أحدهم عليه وأبلغ آدم. فذهب للمشفى وهو يسابق بسيارته الريح ونزل منها مسرعًا نحو المبنى وأخذ يسأل ويتقصى عن رابح وعلم أنه في غرفة الطوارئ. فاقتحمها وفتش بين المصابين، وإذا به يجده فوق أحد الأسرة والطبيب يفحصه.
اقترب منه بلهفة وأخذ يقلبه وهو يسأل الطبيب بخوف:
- إيش فيه رابح يادكتور؟ هو عايش مو هيك؟ بعده حي يادكتور؟
نهره الطبيب وهو يحاول إبعاد يديه عن رابح:
- يافندم مش كده، الحركة والهزة دي غلط على المريض. هو عنده اشتباه في كسور ونزيف داخلي، بس لسه هندخله على أشعات عشان نحددها. لكن في المجمل هو حالته مستقرة وعايش ياسيدي. يلا ابعد شويه بقى خلينا نشوف شغلنا. الحالات كتير زي ما انت شايف وعندنا عجز في الدكاترة.
ابتعد آدم وخرج من الغرفة وهاتف سالم، وعرف أنهم وصلوا المشفى. فوقف في الممر كي يستقبلهم ويطمئنهم على رابح. وبعد أن هاجم الجميع المشفى مما تسبب بحالة ذعر للعاملين، وصل قصير آخرهم وعلى الفور أمر إدارة المشفى بإخراج رابح بعربة إسعاف مجهزة حتى ينقله لمشفى خاص. وبالفعل تم نقله وعمل اللازم وتم الاطمئنان عليه، ولم يكن يعاني سوى من كسر في أحد أضلاعه وتهتك في الطحال تم استئصاله. وخرج لغرفة الإفاقة وبدأ يستعيد وعيه.
في هذه الأثناء هاتف سالم مزيونه، وهلال هاتف معزوزه وطمأنوهم. ولكن معزوزه أصرت على هلال أن يعود للقبيلة ويأخذها هي وابنها لزوجها. فهي لن تطمئن عليه إلا إن رأته بأم عينها وسمعت صوته وقال لها بلسانه إنه بخير. وأمام إصرارها ذهب هلال ليحضرها.
ساعة كانت كفيلة بأن يجلبها ويعود. وفي هذا الوقت بدأ رابح يستعيد وعيه، وأول ما نطقه لسانه هو اسم معزوزه. فأسرعت بإمساك يده وإخباره بأنها بجانبه لم تتركه. فتبسم وأغمض عينيه بعد أن اطمأن لوجودها ووجود ابنه بجواره. وبدأت رحلته في اكتشاف مواضع آلامه وأيهما الأقوى.
أما سالم وآدم والجميع فغادروا الغرفة بعد الاطمئنان عليه، وطلب قصير من الجميع العودة للقبيلة فرابح بخير الآن. وحتى سالم وآدم أمرهم بالعودة، ولم يترك بجوار رابح سوى معزوزه وهلال أخيها. وقال إنهم كافيين والطبيب أخبره بأن حالة رابح مستقرة ولا يوجد خطر من أي نوع. فامتثل الجميع، وعاد آدم لعمله، وعاد الباقون للقبيلة.
وبمجرد رجوع سالم كانت رجوه متوجهة نحو خيمة عوالي، فعرف أنها ذاهبة لتلقى العقاب على فعلتها إن كانت الشيخة علمت بها. فذهب خلفها يتحرى. ولما اقترب وسمع صوت مزيونه قادمًا من خيمة عوالي تأكد بأن رجوه على شفا جحيم عوالي. فهذه المرة العقاب أشد من جميع المرات السابقة، لأن هذه الغلطة هي الأعظم في تاريخ غلطاتها.
فأستأذنت رجوه ودخلت وتلقتها عوالي صارخة:
- أشوفك تعرفين الاستئذان يافانص! لكان ليش ما تتذكرينه وقت تقتحمي الخلوات وتهجمين على الناس الغافلة بخيامها؟ من سواها أمامك من أهل القبيلة من وقت الرب خلقك لليوم يارجوه؟ من تجرأ وسواها لجل تسوينها أنت؟
تلعثمت رجوه في الكلام ولم تعرف بما تجيب، فردت عليها مزيونه:
- والله ياشيخة أنا للحين ماقادرة أستوعب أنها دخلت علي أنا وراجلي وقت الكنا.. ياناس ماقادرة أنطقها ولا أتقبلها ياعالم.
- أعرفها ماتتنطق أو تنعقل والعقاب عليها ماراح يكون شي عادي، إلا ما أخليك عبرة لكل القبيلة يارجوه وتمشي وسط الكل بسواد الوجه. غدوة أنا بجمع كل أهل القبيلة وأخلي كل وليدات القبيلة يرجموك، كل وليد بثلاث أحجار. وشوفي أنت قديش وليدات القبيلة وقديش راح تدجك أحجار.
ظلت رجوه على صمتها ولم تنطق، فهي في حال يجعل هذا العقاب هينًا أمام ما تشعر به. وهنا استأذن سالم ودلف من باب الخيمة وقال:
- عمتي، مافي داعي لحساب أو عقاب. هي غلطة مو مقصودة وأنا متأكد إن خوف رجوه على رابح هو اللي دار عقلها وخلاها تسوي هيك، وإنا مسامحها وهي ماراح تعيدها، أنا أضمن لك هالشي.
صاحت به مزيونه لأول مرة:
- بس أنا مامسامحة ياسالم، وهذا الأمر ما يخصك لحالك.
- وأنا سامحت يامزيونة وأنت تسامحي، ما تسامحي شي يخصك. بس أنا ماراح أسمح بالعقاب اللي حكمت به عمتي ولا راح يصير هاد الشي، ولا أي عقاب غيره يقع على رجوه. أنا أقول التصرف مو بإرادتها وما راح تكرره. إي هو تصرف ما يطلع غير من بهيمة، لكن فيه مواقف عقل الإنسان يوقف بها ويصير عقل البهيمة أفهم عنه.
عوالي:
- يعني هاد رأيك ياسالم؟
- أي ياعمتي هاد رأيي. والحين بعد إذنك أصرفي رجوه وكتمي عالخبر. وأنت يامزيونة هيا على خيمتنا، أريد أكل شي، جوعان وحاسس حلقي مر حنظل.
غادرت مزيونه مع سالم وبعدها انصرفت رجوه بأمر من الشيخة عوالي بعد أن أسمعتها سم الكلام، وجلست مع مايزه يتباحثان في أمرها.
فذهبت رجوه رأساً للعنود، وهناك ارتمت في حضنها وشهقت وهي تقول:
- ريتهم سوا يالعنود. شفته بأحضانها وهي بين يديه ووقت شفتهم لمها بحضنه ودثرها كيف ماتكون بنتي وخايف عليها. سبني ورماني خارج الخيمة لأجلها.
وقصت عليها كل شيء. فهمست العنود لها:
- وهي هي الصفعة اللي ما كنت أعرف من وين بتجيك. جاتك أسرع مما تخيلت وبالقوة المطلوبة. والحين يارجوه راحت السكرة وجات الفكرة. والله يقوي قلبك وعقلك عاللي جاي.
أدخلتها وأخذت تتحدث معها في موضوعات عدة كي تجعل عقلها يفصل قليلاً. وأشركت معها نوف وعفراء التي رقت لحال رجوه بعد أن رأت انتفاخ عينيها وشهقاتها المتواصلة. وظلوا على هذا الحال حتى نامت رجوه في مكانها، فتركوه تنال قسطًا من الراحة وغادروا جميعًا للخارج.
أما في خيمة سالم:
- مزيونه لا تقلبي خلقتك علي، أنا أدري بها ما قصدت. حتى أنا نفسي انخبصت وما عرفت إيش أسوي وقت سمعت الخبر. خلص انسي الموضوع وما تحطين ببالك.
- أنسى إيش ياسالم؟ أنسى إيش؟ أنسى إنها شافتك بلا ملابس؟ شافت اللي مو من حق أحد غيري يشوفه. أنسى إنها فاتت على خيمتي وهي مفكرة إن لها الحق تسوي هيك وما راح تتعاقب؟ وبالفعل هذا اللي تم.
- يامزيونة افصلي لأني مو ناقص كلام. وإذا عالشوف وربي إذا ماسكتين لاخلع كل ثيابي وأمشي بنص القبيلة متل ما ولدتني أمي وأخلي الما شاف يشوف، مو بس رجوه. صغيرة يابت الحلال لا تكبريها.
- إي تسويها، ما أنت فنص وما تستحي.
ضحك سالم بخفوت وجذبها من يدها وأجلسها في حجره وأردف لها مهدئًا:
- وقت كنا صغار أنا ورجوه كنا نستحم سوا عند العين وأنا ما كنت ألبس أي شي وهي كانت تشوفني. يعني هي مو أول مرة واللي شافته عادي، ماشي جديد عليها.
هبت مزيونه واقفة وصرخت به:
- حنظل عليك وعليها وعلى وقت اللي كنتوا صغار! ياسالم لا تجنني، يعني أنت الحين تشبه روحك بوقت اللي كنت فيه صغير؟ تعرف.. أنا ما ظل عندي كلام، أنا بروح أجيب لك الأكل أحسن شي، تاكل وتسكر فمك.
ضحك سالم عليها وهو يراها تغادر الخيمة وتتمتم بغضب. وأردف لنفسه بعد مغادرتها:
- إي صح والله معها حق. إيش هاد القولته ياسالم؟ كيف يعني شافت كل شي؟ الله ياخذك يارجوه خليتيني أخربط ما أدري إيش أقول.
غابت مزيونه قليلًا واتت لسالم بالطعام وجلست بجواره تراقبه وهو يأكل. وبين الفينة والفينة تتسلل لشفتيه ابتسامة سرعان ما يخفيها بتناوله الطعام. فصاحت به مزيونه بعد أن فاض بها:
- أشوف التباسيم ماتفارق فمك ياسويلم، أشوفك فرحان كيف ما يكون العملته رجوه جاي على هواك!
- مزيونه خيمتك بدأ يجيني منها وجع الراس وما عاد بها راحة. أنا بأكل وماشي أجلس مع الشباب. وما راح أرد إلا وانت نايمة. وهذا اللي راح يصير إذا ضليتي على هالنغمة وتعيدين وتزيدين بشي انقفل. يا إما تنسيه يا إما تنسي وجودي بخيمتك.
صمتت مزيونه وهو أنهى طعامه وخرج بالفعل، وظلت تلوم نفسها على أعصابها التي فلتت منها رغماً عنها، وهي المعهودة بالثبات.
أما سالم فلم يكن يعلم أن هناك حفلًا بانتظاره من شباب القبيلة على استحمامه من البئر. وكل بكلمته والضحك والقهقهات وصلت عنان السماء. وهو ما كان منه إلا الصمت والصبر ولعن رابح ورجوه وحتى مزيونه على ما صار به، وكأن الجميع تكاتف لخزيه اليوم.
عاد آدم من المدينة وفي المساء الكل مجتمع في مجلس الشباب. فذهبت رجوه ونادت على آدم أمام الجميع وأخذته بعيدًا. وبعد تردد دام دقائق أفرغت ما بداخلها مرة واحدة وقالت له:
- عقاب، أنا ما عدت أريدك. فك رهنك لي وقول إنك ما تريدني.
صدم آدم مما سمعه ونظر إليها متفحصًا فوجد آثار البكاء على وجهها. وبما أن سالم أخبره بما حدث منها صباحًا ربط الأحداث ووجد أن قلبها أخيرًا عاد إلى قواعده، وأن عقلها عاد لرأسها بعد هجرة طويلة. فتبسم وقال لها:
- لكِ تريديه يارجوه.. اعتبري رهني عليكِ انفكِ وصرتي حرة.
- زين.. من بكرة استلم أغنامك وشوف لك أحد يرعاهم. أنا ما عدت الغنامة حقك.
ضحك آدم وقال لها:
- لا يبه أنت زينة الصبايا، وهذول الأغنام مني لك، هدية. حلا فك الرهن وثمن حريتي منك. إيش رأيك بحياتك؟ شفتي هيك شي؟
تبسمت رجوه وهي ترد عليه:
- تدفع ١٠٠ راس حلا لجل إنك ما تزوجتني؟
- وأدفع ألف راس. يبه أنت ما تدري إنك بس تمشي على رجول واللي بجوارك مبتلى فيك ومبتلى بأفعالك. هذول اعتبريهم عتق رقبة لآني وربي من يوم الرهنتيني وأنا أحس إني خسرت حريتي وراحة بالي والحين ردوا لي. روحي يارجوه الـ ١٠٠ راس غنم لك والله لا يحطك بطريقي وسلام الله عليك ليوم الدين.
تحرك من أمامها مغادرًا ووقفت هي تراقبه مبتسمة وهو يبتعد. وفي هذه اللحظة لم تراه سوى عقاب الصغير صديق الطفولة وأخوها الذي كان يحملها على ظهره أحيانًا كي يعين سالم عليها شفقة على سالم وليس عليها. فكيف اختلطت مشاعرها واعتبرته حبيبًا؟ وماذا كانت ستفعل إن فاقت بعد فوات الأوان وهي في بيته زوجة؟ من التي كانت تتصرف طوال الفترة السابقة وما الخراب الذي كانت تحدثه في حياة رجوه وحياة الجميع؟ بالتأكيد ليست هي من كانت تفعل كل ذلك.
أذاع آدم الخبر وسط الشباب بأنه فك رهن رجوه وأصبحت حرة منه. وصمت سالم ولم يعقب أو يظهر أية ردة فعل، ولكنه كان مستغربًا. وأخذ يسأل نفسه عن السبب فالتوقيت غريب لحدوث هذا. وكيف وافقت على التخلي بهذه البساطة وهي بالكاد حصلت على آدم بعد حرب طويلة؟ أجنّت بالفعل هذه الفتاة كما يقول الجميع أم ماذا؟
رواية عقاب ابن الباديه الفصل السادس والستون 66 - بقلم ريناد يوسف
مرت الأيام سريعاً، وخرج رابح من المشفى.
ومنذ ذلك اليوم ورجوه أصبحت تراقب مزيونه وسالم كالهرة الجائعة التي تراقب عصفوراً داخل قفص، جالسة أمامه تلتفت لأي حركة منه.
وبدأت في افتعال المشكلات مع مزيونه، وإن جمعتهما طريق واحدة لا تمر منه مزيونه إلا بعد أن تسمعها رجوه مالا تطيق.
مزيونه:
زيحي يارجوه أريد أحمّل ماعوني.
رجوه:
جاية بالأخير، ماتمشين إلا الأخيرة.
مزيونه:
أنا ما قادرة أقف واجد يارجوه، راسي لافّه وأريد أرد قبل لا يعاود سالم.
رجوه:
قوليله رجوه عطلتني، ماراح يحكي معك شيء.
مزيونه:
اتركيها يارجوه، تعبي وتمشي. البنية حبلى وما قادرة توقف زايد.
رجوه:
تجلس.
مزيونه:
أنا أريد أعرف ليش تتعنديني يارجوه، وإيش ناويّة علي؟
رجوه:
وأنا ليش أتناوى عليك؟ منو أنتِ لحتى أحطك ببالي من الأساس؟
مزيونه:
أنا ستك وتاج راسك، أنا مزيونه مرت سالم، زينة رجال القبيلة.
مزيونه نطقت اسم سالم وما ظل في رأس رجوه عقل، فهجمت عليها وبالكاد استطاعت النساء تخليصها من يديها قبل أن تقتلها خنقاً.
فابتعدت مزيونه تصرخ وتستنجد بسالم حتى أتى لها مسرعاً من مجلس الشباب، وصُدم من منظرها. ولما أخبرته بأن رجوه ضربتها، جن جنونه وذهب نحو رجوه مسرعاً. سحبها من ذراعها من وسط النساء وأبعدها قليلاً وهدر بها:
رجوه، أريد أعرف ليش هالتصرفات مع مزيونه، وليش حطيتيها في مخك وتجاكرينها وتضربينها؟ إيش سوت لك ولا انقلبتي أنتِ ولا إيش؟
رجوه:
تحبها؟
سالم:
وليش ما أحبها؟ هي وحدة ما يليق لها إلا المحبة.
رجوه:
وأنا ياسالم، وين محبتك لي؟
سالم:
أنتِ إيش يارجوه؟ بيش جاية تطالبين الحين؟ محبة سالم لكِ من عدمها أصبحت شي ذا قيمة اليوم؟ أمرك عجيب والله.
رجوه:
سألتك سؤال، وأنا وين راحت محبتي بقلبك ياسالم؟
سالم:
أعرف سر هالحالة اللي أنتِ فيها. وأدري أنك جايه تسألين على محبتك وتطمنين على وجودها من بعد ما شفتيني مع مزيونه. وأكيد حسيتي إني مرتاح ومبسوط، فقلتي أنغص عليه حياته وأخربها وأرجع أذكرك بمحبته لي. أنا الحين فهمتك يارجوه. أنتِ ماتحبين تشوفين سالم مرتاح، ماتكونين هانية إلا وعيونك شايفاه متعذب وتريديه يجري وراك ويشحت وصالك ومحبتك وأنتِ تصدّين وترفضين وتتغلين.
رجوه:
لا ياسالم مو هيك، أنا كنت غلطانة وما أدري شي، وقلبي معمي، والحين...
سالم:
والحين شفتي إن مصلحتك مو مع عقاب، وإن اللي توقعتيه منه ماراح تحصلين عليه، فقلتي تجين للتيس سالم وتضحكين عليه مرة ثانية، وتتحجين بأن شوفتك لي ولمرتي صحت غيرتك. غيرتك اللي ما صحت وقت كنت أتزف عليها ولا جابتك حتى لعريسي تشوفين إيش بي. غيرتك اللي كانت مطمورة كل هالفترة والحين طافت عليك. ليش يعني كل هالوقت مفكرة إني بخيمة وحدة مع مزيونه وحبلت مني من دون ما يجرا اللي شفتيه بعيونك؟
رجوه:
ما كنت أفكر بهالشي، وما توقعت إني بس أشوفها معك أنوجع كل هالوهج.
تبسم سالم وهز رأسه بيأس وهمس لها:
شوفي كيف حتى جملتك مغلوطة. أشوفها معك هيك، يعني بالنهاية شفتيها هي مو أنا. استكثرتيني عليها مو غرتي علي ولا أي شيء من كل الخرابيط اللي تحكينها.
رجوه:
ياسالم اسمعني...
سالم:
رجوه، أنتِ استمعي. أنا صدق دللتك وما أتحمل فيكِ شيء، وصدق ما أحب أزعلك، بس يوصل الأمر لمزيونه وابني، والله أحطك تحت أقدامي وأدعسك دعس وأمشي وما ألتفت عليك.
رجوه:
ياسالم لا تسوي هيك فيا، لا تسمعني الكلام اللي يذوب القلب. أنا أحبك. أنا ما كنت أدري إني أحبك بهالقدر. أنا أحس إن قلبي كان متغمي وماشي بالظلام ومضيع دروبه.
سالم:
وأنا الحين ما أريد محبة منك يارجوه. ما أريد محبة انعرضت على غيري وما أخذها. أنا ما آخذ البواقي ولا أدور محبة رخيصة. وإذا ظنك إني راح أعوف مزيونه وأرد أركض وراك بكلمة منك، فآسف يارجوه. أنتِ ما عندك شيء ما قدمته لي مرتي، ولا عندك شيء مو عندها. خلي قلبك يكمل بالدروب اللي مشاها وما يدور على غير دروب، لأن دروبنا سكرناها وما عاد بدنا حدا يمشي فيها إلا اللي عبروها بمحبة وقت كنا لاقيين حبايب.
رجوه:
سالم... كلامك...
غصت قبل أن تكمل، فأكمل هو:
واجد موجع، أدري، بس الحقايق دوم توجع. والحين يارجوه روحي شوفي إيش راح تسوين بحياتك ومستقبلك.
رجوه:
مالي حياة ولا مستقبل إلا معك.
سالم:
وأنا أقولك آسف للمرة الثانية. أنا ما عدت أريدك يارجوه. ولو انطبقت السما على الأرض ماراح تدخليلي خيمة عروس.
رجوه:
وأنا ياسالم ماراح أتزوج ولا أدخل خيمة عروس إلا وأنت راعيها.
سالم:
معناها ماراح تتزوجين. وبالنهاية هي حياتك وأنت حرة التصرف فيها. أنا يابنت الحلال، كل اللي أقدر عليه إني أوعدك ماراح أتركك لأي ظلم يقع عليك إلا وأكون أول اللي يمد يده لك ويرفعه عنك. وإذا بيوم احتجتي أي شيء سالم سداد، بس هاد بحق العشرة وهذيك الأيام، وما تعتبرينها محبة يارجوه، هاد عطف.
رجوه:
لا ياسالم محبة. وأنت ماراح تتركني لأنك تحبني مو لأنك تعطف علي. أنت تحبني سوا أنكرت أو قرأت. قلتها أو ما قلتها أنت تحبني. وإذا تكذب على كل العالم وحتى على روحك بحكيك الخايب هذا وتقول إن ما عاد لي محبة بقلبك، ما تقدر تكذب على رجوه. رجوه تعرف زين إيش هي بقلب سالم. وأدري إني أجري بك مجرى الدم بعروقك. ومو مزيونه ولا ألف مزيونه تنسيك رجوه ومحبتها. ومن اليوم ياسالم أنا بحياتك وحولك، على يمينك وعلى يسارك وما أفارقك إلا تحن وترد لي. أنت حق أنا ضيعته وأنا اللي راح أرجعه، ولو فنيت عمري محاولات.
سالم:
راح تتعبين بدون فايدة. أنا مشفق عليك.
رجوه:
لا ماتشفق، وأنا راضية بكل تعب الدنيا إذا بالنهاية الأجر أنت.
غادرت بعد أن أعطته تلك النظرة التي زلزلت قلبه. لا يصدق أنه سمع هذا منها، لقد اعترفت له للتو بمحبتها وعباراتها أكبر دليل. كم تمنى أن يسمعها منها، كم حلم بها، ولكن الأحلام إن تأخر تحقيقها تفقد لذتها. وهذا الحلم بالذات كان حلم عمره، ولكنه مضطر الآن للتخلي عنه من أجل كرامته، ومن أجل كل ما ناله على يد رجوه من ألم ووجع. وليس من العدل أن يتوجه بفوزها في معركتها مع قلبه الذي أنهكته من كثرة النزال.
ومن هذا اليوم بدأت رجوه تتقرب من سالم بكل طريقة ممكنة. تعترض طريقه وتلحقه للوادي، وعادت ترافقه في رحلات الصيد. وحين تخرج لرعي قطيع أغنامها تطلب منه أن يلحقها بالطعام. وهو مرة يلبي وعشرات يتجاهل. وهذا كله تحت أنظار مزيونه التي تكاد تموت قهراً وهي ترى محاولات تقرب رجوه من سالم التي حتماً ستأتي بثمارها. فهذه رجوه، وهي تعلم جيداً من رجوه بالنسبة لسالم.
أصبحت منطوية على نفسها كثيراً، تشعر بالضياع وبأنها في طريقها لخسارة كنزها الثمين، ولكنها صامتة لا تشكو.
دلف للخيمة فظلت على جلستها في زاوية الخيمة. لم ترحب به ترحيبها المعتاد، وهو ملاحظ بأن ابتسامتها تلاشت وحل مكانها عبوس غريب. والأغرب أنها ممسكة بالمغزل طوال الوقت وتغزل الصوف. تغزل وكأنها تنتقم. وحين تفرغ من كمية تذهب للصواف وتُحضر غيرها، حتى غزلت تلّاً من الخيوط. فعرف أنها الآن تحاول التغلب على شعور لا تستطيع تحمله. فهي أخبرته قبل سابق أنها تهرب بمغزلها مما لا تتحمله. يعرف أنها تشعر بالغيرة، ولكنه لا يستطيع السيطرة على نفسه حين تمر من أمامه تلك الشيطانة. نعم، هو ضعيف أمامها ولا يستطيع إخفاء ضعفه ومحبته حتى وإن جاهد. وهذه المسكينة ليس لها ذنب. يعلم أنها لا تستحق هذا الشعور، ولكن قدرها أن قلبه متعلق بغيرها، تماماً كقدره الذي علق قلب رجوه بغيره. هم يشربان من نفس الكأس وكأن حظهم واحد وقُسم بينهم بالعدل!
اقترب منها وأمسك بيدها التي تغزل وأخذ منها المغزل ووضعه جانباً، ثم قبل يدها وقال هامساً:
إيش بيك يامزيونه؟ مو بعادتك تبعدين عني وتتهربين من مجالستي؟ مو بعادتك إذا أنا بالخيمة تنشغلين بشيء غيري. إذا زعلتك بشيء وما منتبه، نبهيني، بس لا تاخذين مني موقف بدون توضيح.
ردت عليه وهي تهرب منه بعينيها في أرجاء الخيمة:
لا ياسالم، أنت ما زعلتني بشيء ولا جيت صوبي بغلط. أنا لحالي أحس روحي أختنق وانفاسي ضايقة. يجوز من الحبل، لا تشغل بالك. كل النساء بس تحبل مزاجها يتعكر بدون سبب وترد تصفى لحالها.
سالم:
ما عادتي شاطرة بالكذب، لأني الحين أقدر أكشفك بكل سهولة. قاريك يامزيونه وأقدر أحس بأنفاسك إذا تغيرت. وأحب أطمئنك بأن اللي تفكرين به ومعكر صفوك ماراح يصير. أنا ورجوه صرنا مثل شريطين القطار، ما نلتقي. نمشي حد بعضنا أي، بس إنو نلتقي بنقطة، هاد مستحيل. من البداية أنت تعرفين إن رجوه راح تضل بحياتي بشكل أو بآخر، وما كان الموضوع هامك. ليش الحين شلتي الهم وأخذك التفكير؟
رجوه:
خايفة ياسالم، خايفة تعوفني وتحن. خايفة ترد لشوقك، واللي يطول شوقك ينسى الدنيا وما فيها ومن عليها، وتطير مزيونه من حياتك مثل حبات الرمل اللي يطيرهم الهوا.
اقترب منها وأخذها بين أحضانه وهمس لها وهو يأخذ كفها ويضعه فوق قلبه:
مزيونه صارت مزروعة هين، بهي الأرض الصلبة وصارت شجرة هيك كبرها. لا ريح تقدر تحركها ولا يد تقدر تخلعها.
رجوه:
توعدني ياسالم إنك ماتتركني ولا تهمل في يوم من الأيام؟
نظر لعينيها الذابلتين وتمعن فيهما قليلاً، ثم بدأ يدندن بصوت عذب حنون:
أوقع لك عقد للموت أظل وياك صورة وصوت
لحد ما يشيلني التابوت أظل يمك أظل يماك
أحبك أبقى بالمضبوط وحط براحتك لشروط
بقلبك أظل محطوط وأظل يمك
هو أنت اللي يحبك هم يعوفك؟
أبد ما عنده عين اللي ما يشوفك
وإذا تبعد علي أحضن طيوفك
وأظل يمك.. وأظل يمك
بالدم أني أبصملك أحبك أبقى ما أملك
تظل خلي وأظل خلك ولا أعوفك
كلمتي واحدة من أوعد،، ما أعوفك ولا أبعد
نار الحب فلا تبرد ولا أعوفك
دنيا بليا حبك شلي بيها؟
ما تسوى أبد ما أشتريها
ومهما روحي دار الوقت بيها
أظل يمك.. وأظل يمك
أعوف الدنيا واللي بيها ولجلك ناسي ألغيها
ولك هالروح أهديها وأظل يمك أظلللل يمممك.
انتهى من الدندنة ونظر إليها فوجدها قد أسندت رأسها على كتفه واغمضت عينيها مبتسمة ويداها طوقته. أمال عليها يشم رائحة الجنة من جدائلها. فيا هدوءها المريح وصفاء قلبها وطبعها الهين اللين الذي يجعلها تنسى كل أوجاعها بمجرد كلمة وتتفتح في عينيها الورود. ويكاد يقسم لو أن النساء درجات لكانت مزيونه سيدة كل نساء الأرض.
ولكن ماذا يفعل في شجرة اللبلاب تلك التي التفت على قلبه منذ الصغر فاقتحمت خلاياه، فلا هو القادر على بترها ولا القادر على اعتياد وجودها بهذا القرب دون أن يمد يده ويلمسها، وهي التي أصبحت أدنى له الآن من وقت مضى، كالنجمة التي سقطت في حجره بعد أن كانت في كبد السماء بعيدة.
أما في القاهرة...
عرف يحيي بما حدث لابنه حين سأل عنه طبيبه وأخبره أحد الممرضين بأنه لن يأتي له بسبب سجنه. تمنى الموت ولكنه لم يناله. خرج من المشفى أخيراً على كرسي متحرك برفقة أحد الرجال وأخذه على شقته، والذي أرسله له أخوه محمود ليهتم به. وتولى هو أمر مرتبه الشهري وكل ما يلزم يحيي من علاج وطعام وشراب. وهذا إكراماً للعهد الذي قطعه على نفسه لأبيه.
أما عايدة وفاطمة فحكم عليهما المفتي بالإعدام شنقاً ونُفذ الحكم. ومن بعدهم ياسين حكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة نظراً لأن المحامي وجد ثغرة في قضية قتله لأخته وحولها لقضية دفاع عن الشرف. وغادرت حياة وإخواتها البلاد على كندا. وللأسف لم يستطيعوا المغادرة قبل تنفيذ حكم الإعدام على أمهم، بل نُفذ بوجودهم ودفنوها هي وخالتهم. أخذوا من أغراضهم أهمها، ومن ذكرياتهم أجملها، وفروا بلا رجعة.
أما آدم فكان هناك لحظة إقلاع الطائرة وراقبها وهي تطير بسعادته مبتعدة عنه، محلقة في الفضاء لتفصلهم المسافات حتى لا يكون للعودة أي مجال. ثم عاد للقصر وقضى الليلة التي تلت سفرها وحيداً في القصر يسترجع ذكرياته معها. يقلب في صورها على هاتفه ويتأسف لطيفها على خذلانه لها الذي لم يكن له يد فيه. ثم عاد للقبيلة وبدأ في مباشرة عمله وصب كل تركيزه عليه حتى يهرب به من الدنيا وما فيها.
وفي إحدى الصباحات أثناء وجوده في مكتبه، دخل عليه الساعي بكوب قهوته الصباحية ووقف أمامه برهة. فسأله آدم:
إيش بك ياعم خالد؟ تريد شيء؟
الساعي:
أيوه والله يابني، كنت عايز أستأذنك النهاردة أروح أحضر حفل تخرج بتاع بنتي. مفيش حد معاها غيري، لا أم ولا أخ ولا أخت، ومش عايز أسيبها في اليوم ده.
تبسم آدم ورد عليه بنبرة ودودة:
ما شاء الله، مبارك لها ومنها للأعلى. روح ياعمي مرخص وخذ سيارة الشركة توديك. أنا بعطي أمر للسائق ياخذك ويردك. وإذا حابب تاخذ اليوم كله إجازة ما في مانع. افرح مع بنيتك وفرحها. وهاك، امسك مني هدول القروش وجيب لها هدية زينة واعطيها لها.
الساعي:
ملوش لزوم يبني، خيرك وخير والدك سابق والله.
آدم:
خذ يارجال، ماتكسف. مد يدك. أقول ياعم خالد، إيش مجال دراسة بنتك؟
الساعي:
كلية تجارة يبني، وناجحة بتفوق وتقدير عالي الحمد لله.
آدم:
زين، وظيفتها عندي. خلها تجهز أوراقها وجيبها وتعال.
الساعي:
الله يبارك فيك ويرزقك ويعليك ياحبيبي. والله كنت ناوي أطلب منك وظيفة ليها بس ما كنت عارف أفتحك إزاي، وخصوصاً إنها لسه متخرجة.
آدم:
ولا يهمك، هي شركتك ومرحب ببنيتك فيها. هيا روح لا تتأخر عليها.
غادر الساعي وهو يدعو له. وعاد هو لاستكمال عمله ودفن رأسه بين أوراقه، ولا يعلم أن القدر بدأ ينسج له درباً جديداً ليسلكه. فترى إلى أين سيأخذه هذا الدرب؟
رواية عقاب ابن الباديه الفصل السابع والستون 67 - بقلم ريناد يوسف
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الثامن والستون 68 - بقلم ريناد يوسف
عاد صياح لخيمته وأخبر أمه بما حدث من قصير، وجلس طوال الليل يفكر.
في النهاية استقر على السفر وبدء تجارته بعيداً عن القبيلة، وقرر أن يفاجئ الجميع بشيء غير متوقع خلاف سفره.
استيقظت أمه في اليوم التالي ولم تجده لا هو ولا ملابسه ولا نقودها المخبأة، وكانت تظن أن لا أحد يعلم مكانها.
وحتى نقود إخوته لم يجدوها.
واستيقظت كامل القبيلة على أصوات الصياح المنبعثة من خيمتهم، وتجمع الكل أمام خيمتهم.
وحين عُرف السبب انفض الجميع.
لم تبقى معهم سوى خوله التي كانت تراقبهم وهم يتخبطون، ثم قالت لأمها بشماتة واضحة:
- قليل عليك ياصالحه، هذا ولدك اللي كنتي تدلليه وحاطاه فوق الكل. وظلمتيني لأجله وجيتِ علي. كنتي تخليني أرعى له أغنامه، تشتريها له بقروشك أنتِ وتقولين هذه حق صياح، هذه لصياح. صياحي اللي راح يرفعني فوق النجوم ويخليني ست القبيلة كلها. هاك صياحك صدق يطير بين النجوم، بس يطير هارب بقروشك وقروش إخوانه. راهنتي على الحصان الأعرج ياصالحة وخسرتي الرهان.
- ياخوله أنتِ جاية تواسين ولا تتشمتين؟ قومي ردي لخيمتك ولرجالك واتركينا بحالنا.
- قايمة وماشية وماراح أرد لهنا مرة ثانية. تستاهلين ياصالحة وأكثر بعد تستاهلين. والحين راح تستجدين وماتلقين. لو كنتي سويتي خير بخوله كنتِ حصدتيه الحين. بس البنيات ما منهن نفع. هذا تفكيرك وقولك وهذا اللي راح يصير. من رخصتك يا المسروقة.
غادرت خوله الخيمة وهي تشعر بأن جميع حقوقها تُرد لها تِباعاً، كرامتها، مكانتها، سعادتها. بدأت النقود تعرف لطريقها وتتدفق بكثرة بعد عمر من الشقاء. ولن تعامل السيئة بالحسنة ولن تعفو، هذا قرارها وهذا ما نوته. فالأذى النفسي الذي تعرضت له من التفرقة بين الولد والبنت، والجور الذي رأته جعل قلبها يتحجر. نعم تريد امتلاك الأفضل وأن تكون الأفضل، ولكن بجدها وتعبها، بعقلها وتفكيرها، بخطواتها المدروسة التي ستأخذها في طريق تحقيق أحلامها دون عثرات. وهذا ما سيحدث.
عادت لخيمتها ووجدت سعود وأمه جالسين يتناولان بعض الفاكهة. فنظرت لهما خوله ولم تتحدث، وذهبت لصندوقها فتحته وقلبت به وأغلقت. فقالت لها أم زوجها:
- على إيش تدورين ياخوله؟
- وأنتِ إيش خصك؟
- كنت أريد أعرض عليكِ مساعدتي وأدور معكِ لو تريدين شيء.
- وأنتِ ليش تدورين معي وليش تفتشين أغراضي؟
- إيش فيها أغراضك يعني وإذا فتشتِ؟ اللي يشوفك يقول داسه بينهم قروش، وهما حفنة ثياب ما منهن نفع.
- ثياب ما منهن نفع، يعني فتشتِ وعرفتي إيش عندي!
- وإيش فيها؟ خيمة ولدي وكل اللي فيها لي وأفتشه براحتي.
- خيمة ولدك قلتي؟ زين.. من الحين خيمة ولدك كلها لك، وأنا راح أنصب خيمة لي وأنقل بها كل أغراضي. وإذا رجالك داستها أقطعها لك من عند الفخذ وأعلقها لك على باب الخيمة. وحتى ولدك خليه لك واشبعي به ما أريده.
سعود:
- ياخوله وأنا إيش ذنبي وبيش زاعلتك؟ هي أمي تحبك ومن عشمها فيك تتحدث. هي ما تقصد شيء. خلص هدي حالك وهي ماراح تقرب يم أغراضك مرة ثانية. والآن هي راجعة لخيمتها وما راح تيجي إلا وأنتِ موجودة.
جحظت عينا أم سعود من صدمتها لكلمات ابنها وهدرت به قائلة:
- تبيعني ياكلب لأجل مرتك؟ ياحسافة تعبي عليك، ولك تف عليك وعلى البطن اللي شالتك. أنا الحين بمشي وخيمتك ما عدت أدخلها ياسعود لو على قص راسي، وأنت لا ولدي ولا نعرفك.
خوله:
- ما حد منعك من ولدك ولا خيمته، بس في أصول تطبقينها. مرحبا بك ولكن زياراتك بأوقات محددة. أغراضي ما تتلفّتين لهم. تجلسي بمكانك واللي تريديه اطلبيه ويجيك. قصة أنكِ تقومي تنبشي خيمتي وأغراضي، أنبش عليها مصارينك ومصارين ولدك.
نظرت حماتها لمسعود فأخفض أنظاره أرضاً ولم يتحدث. فهبت أمه واقفة وغادرت الخيمة مسرعة تتمتم في غضب. فجلست خوله وأخذت تنزع ملابسها حتى وصلت لحزام حول خصرها. نزعته وإذ بكل النقود بداخله!
نظر لها سعود بدهشة وأردف:
- يخزي شيطانك ياخوله، تحومين بالقروش؟
- مو أحسن ما أتركهم بالخيمة وأمك أو غيرها ينهبوهم وما آخذ منهم غير الحسرة؟
هذا الزمان ياسعود ما به أمان واللي يأمن للبشر مهبول. خوي سرق أمه وإخوانه وهرب. أستبعد أني أنك تسويها أنت أو أمك؟
صمت سعود وهو يطالعها بغرابة، فكيف لها أن تكون بكل هذا الحرص؟ كيف لمن كان الجميع يصفها بالغباء وقلة العقل أن تمتلك هذه النظرة الثاقبة للدنيا والناس؟
انتهت من عد النقود ونظرت لسعود وأردفت:
- ليش قاعد تناظرني؟ فز روح جيب ماء من البير وتحمم. البس ملابس من الجديدات وإكشخ على الأخير وتطيب بالعطر اللي جايباه لك من الحضر اللي يشبه عطور رابح وسالم وعقاب. واطلع مر بين الشباب واجلس بمجالس الشيوخ وتكلم وقول رأيك بأي موضوع حتى لو ما حد طلب رأيك.
واعمل حسابك اليوم ماشيين للحضر نجيب أغراض ونتونس شوي.
- تم ياخوله، الحين بقوم.
- سعود انتظر.
- إيش في؟
- أريد أقول لك شيء. أنا حبلى. اليوم مشيت للقابلة جنديه وأكدت لي الخبر.
ضحك سعود وقفز بجوارها وبفرحة سألها:
- تحكي الصدق ياخوله؟ يعني أنا راح نصير أب وأنتِ أم؟
- أي ياسعود، ومن اليوم أريد وليدي يجي عالدنيا ملك، ما ناقصه شيء. يفتخر بأبوه وأمه. أريد اللي يشوفه ما يصدق إن هذا ولد سعود الأجرب وخوله المهبولة. أريد وقت حد يجيب طاري أمه وأبوه يقول زمان كانوا شيء والآن صاروا شيء ثاني. فاهم علي ياسعود؟
- أي ياخوله فاهم عليك، وما تشيلي هم. أنا من اليوم اللي تزوجنا فيه تغيرت وحياتي كلها تغيرت بفضلك. صدق بالبداية كنت ناقم على حظي، بس بعد عشرتك وشوفتي للي تسوينه عرفت إن امتلكت من الحظوظ أوفرها وأجملها. أنتِ أجمل هدية جاد بها زماني علي ياخوله.
أنهى كلماته وخرج مسرعاً ينفذ ما طلبته منه، وظلت هي تراقب اختفاءه مبتسمة. فهذا هو جل ما أرادته يوماً. شخص يراها كبيرة ومهمة وينظر إلى ما تفعله بعين الامتنان. شخص يعطيها المجال كي تفعل ما تريد بالطريقة التي تريدها ويساندها دون شروط أو قيود. وهذا الشخص هو سعود، الذي أقسمت بأنها سوف ترفعه لأعلى المنازل ما دامت حية ترزق.
أما عند رجوه، ذهبت لخيمة عوالي بعد أن هدأت قليلاً لترى ماذا تريد منها هي الأخرى.
- عمتي أنا رجوه.
- فوتي يارجوه.. تعي اجلسي هين حدي.
تلفتت رجوه حولها ووجدت مايزه جالسة تغزل بهدوء فسألتها عوالي:
- على إيش تدورين؟
- أدور وين السكين والجمر.
- لا ماتخافي مافي كي اليوم. أنا بس كنت حابة أحكي معك كم كلمة.
جلست رجوه وهي تعلم تقريباً ما هو نوع الكلام الذي ستقوله.
- يا رجوه أنا أريدك أسألك أنتِ إيش تريدين من سالم الحين؟
- ما أريد منه شيء ياعمتي.
- ومطاردتك له وعدوانك على مرته؟
- كل شيء من اليوم كف، وسالم ما عدت أعترض له طريق لا هو ولا مرته.
نظرت لها عوالي بغرابة، فمن هذه التي تتحدث بكل هذا العقل والهدوء، وسألتها مستوضحة:
- إيش بيك يارجوه؟ تحاولين تضحكين على عقلي بالمهاودة ولا إيش؟
- حاشاك ياعمتي، أنا ما أضحك ولا شيء. أنا كل القصة إني عرفت سالم ما عاد يريده وانه مرتاح بحياته وباله هاني. وأنا تعبت. تعبت من المطاردات وإني أدور المحبة دوارة وأستجديها. سالم ضاع مني وأنا ما عاد بي حيل أدور ضايعين. من اليوم ياعمتي هو له حياته وأنا لي الله.
- يعني إذا جاك عريس راح توافقين؟
- لا ماراح أوافق، وماراح أتزوج من الأساس. أنا ما أريد أظلم رجل معي وأعذبه وأنا قلبي مع سالم وراح يضل.
وهنا خرجت مايزه عن صمتها وأردفت وهي تنظر للمغزل:
- ماراح تقدري وما أبشع الوحدة وما أطول ليل العازب بدون ونيس. أنتِ الحين صغيرة ماتدرين شيء. الاحتياج قتال يابنيتي وأنين الروح بنص الليل طنان.
- بس أنتِ تحملتي وعمتي عوالي بعد تحملت وليكم باقيين بدون زواج ما أحلاكم. وأنا أريد أكمل عمري متلكم على نهجكم. بلا محبة بلا وجيع راس، عقلي خالي وروحي هانية وحياتي لي.
تنهدت عوالي وردت عليها:
- ومن قال لك إن قلوبنا خالية وراسنا ما فيها وجيع؟ أنتِ إيش تعرفينه عني يارجوه وعن ماضي؟
- أعرف أنكِ ما تزوجتي ورفضتي كل اللي طلبك للزواج.
- نص كلامك صحيح والنص مغلوط. أنا صدق كنت أرفض كل اللي يطلبني، بس أنا تزوجت يارجوه. انعقد عقدي على ولد عمي. مهيوب. هذا يكون عم أبوك وأخو جد سالم. كان زينة شباب القبيلة ويشبه سالم صورة وصوت. ولهيك سويلم له بقلبي مخزون محبة ماينتهي. لأني كل ما أشوفه أتذكر الغايب. يشبهه حتى بالطباع وشايل نفس الحِن وكان يحبني بنفس الطريقة اللي يحبك بها سالم.
بس الفرق بيني وبينك إنّي عشقته وعشت معه مشاعر وااااجد جميلة. كل القبيلة كانت تعرف إن عوالي لمهيوب ومهيوب لعوالي. ويوم عقدنا كانه العيد بذاته. فرحتنا لو اتوزعت عالقبائل تكفيها. لكن للأسف ثاني يوم من العقد طلع مع وليدات عمه ومن ضمنهم منصور خوي يوزعون شحنة سلاح، وتم عليهم سطو وهجوم وراح بيه مهيوب وكم واحد من شباب القبيلة معاه. ومن ضمنهم ماهر زوج مايزه اللي فاتها حبلى وبحشاها ولد تيتم قبل ما يكتمل.
شهرين ومن الحزن طاح الوليد وخسرته مثل ما خسرت زوجها. ومن يومها جمعنا الحظ العاثر ولمنا عليها النصيب. أنا عاهدت روحي إن ما في رجال بعد مهيوب يلمسني ويذوق اللي شوقي ما ذاقه ومات محرومة.
وهي حلفت من بعد زوجها ما عاد تتزوج، وباعت مايزه خيمتها وجت عاشت معي ومن يومها للحين أنا وهي والزمان يكرب علينا.
لهيك يارجوه كنت أكويك بالنار وأنا أشوف أفعالك بسالم اللي ما يستاهلها. يوم حطيتيله التين بسرواله حسّيته وليدي الجاي من حشاي وأنتِ سويتي به هيك، وغيرها من أفعالك الشينة أعرفها ويفور قلبي منك. كنت أريد أفيقك وأصحيك قبل ما يفوت الأوان وتخسرين سالم، بس حسافة ما نفع فيك لا كي ولا تقطيع واللي براسك تم، وضاع منك سالم.
- إيش أسوي بروحي يعني؟ هذا حظي وهذا اللي يسويه. أنا ماشية ياعمتي لخيمتي، بجيب أغراضي وأجي أعيش هين معكم. أخدمكم وأتعلم منكم الصبر.
- وغير الصبر راح أعلمك واجد أشياء مادامك اخترتي طريقك وقافلة عليه. من اليوم راح أعرفك على كل الأعشاب وأعلمك كل وصفة وأيش مقدارها وأيش تداوي. أنتِ اخترتي تتركي العالم ولزوم تلهي روحك بشيء ذات نفع.
والغزل مايزه راح تعلمه لك، والحضر بأخذك معي بكل روحه وأعرفك كل شيء من وين ينجاب واللي عندنا من صوف مغزول واجبان وألبان لمن ينباع.
ابتسمت رجوه وغادرت الخيمة وهي عازمة على ما قررته، فلا سالم بعد الآن ولا محبة ولن تجعل لقلبها أية سطوة على عقلها من اليوم.
فنظرت مزيونه للشيخة عوالي وقالت لها معاتبة:
- راح تتركيها تتخبط زايد ياشيخة وفوق خساراتها تخسر عمرها وأحلى سنينه؟ راح تخليها تصير متلي ومتلك وتجرب الحرمان؟
- أشوف اعتراضك ندم على قرارك بالوفا يامايزه؟
- إيه ندم ياشيخة وكل الندم والله. كنت غالطة وقت ربطت الوفا بالوحدة. إيش كان صار لو إني تزوجت وجبت وليدات أفرح بهم وأفرح لهم ومعهم؟ إيش كان صار لو تزوجت رجال يشيل همي ويخفف عني طول الأيام، والبقلب كان ضل بالقلب، مكانه مصان وطيفه كل ما يزورني أدعيله وأترحم عليه. حاسس بي هو الحين إذا أنا باقية على ذكراه ولا لا، ولا لاهي بحاله وبخوفه من يوم الحساب؟
- لا يامايزه غلطة الميت يحس. يحس ويفرح ويزعل مع أحبابه. قولي إنك راجعتي روحك وعرفتي إنه ما كان يستاهل الوفا وبس هيك.
و للأسف راجعتي روحك بعد فوات الأوان.
- أدري فات الأوان، ومن هيك ما أريد رجوه تندم ندمي بعد ما يفوت الأوان عليها. ما أريد أوان فرحتها يفوت وتجلس تتحسر عليه وهي تغزل صوف.
رجوه غير عنك. رجوه لو بيوم حست إنها بحاجة زواج راح تعلنها وتطلبها وما تبالي. بس مشكلتها الحين إنها رهنت كل سعادتها بسالم وسالم تخلى وزهد. ووقت سالم يحن ويتراجع رجوه راح تعيش. غير هيك رجوه دمها من دمي، وبالشوق يابلا.
صمتت مايزه وعادت للغزل وهي تسترجع سنواتها الضائعة. وكلما زاد الندم زادت حركة يديها وأسرعت بالغزل حتى نبهتها عوالي قائلة:
- يامعودة المغزل راح يشقق أصابعك هوني على روحك شوي. كان قدامك منصور خوي ولمحت لك واااجد بس أنتِ ما تحركتي. إيش نسوي الحين؟ أنتِ كبرتي وما عدتي تصلحين للزواج. اصبري أدز لك على كل شيخات القبائل أسألهم إذا شايب ماتت مرته ويريد يعرس فوقها وأجيبه لك.
- ولا تجيبي ولا تدزي. إذا ما سويتها بشبابي أسويها الحين. أنا ما أريد زواج ولا هم. أنا بس ما حابة المسكينة رجوه تشرب من إبريقي أنا وأنتِ وتترك العالم وتيجي تعيش بخيمة العوانس هي.
- والله يامايزه هذا قدر ومكتوب، والمكتوب لها راح تشوفه غصب عني وعنك وعنها.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل التاسع والستون 69 - بقلم ريناد يوسف
أحضرت رجوه جميع أغراضها بالفعل لخيمة عوالي وبدأت رحلتها في حياة جديدة.
رمت على أعتابها كل ما مضى ودخلتها مجردة من كل شيء، إلا سالم الساكن في يسارها، ذاك الحلم الذي لم يكتمل.
بدأت تقضي وقتها مابين أغنامها بالوادي وخيمة الشيخة عوالي بعد عودتها، تخلط الأعشاب وتطحن منها ما يراد له طحن، وتجهز مع عوالي وصفات الأعشاب البرية التي تبيعها في الحضر للعطارين.
عرفت رجوه من ترددها مع عمتها عوالي أن هناك أنواعًا من العشب نادرة وثمنها باهظ والحصول عليها فيه صعوبة كبيرة.
هذه الأعشاب تصادفها أحيانًا بالوديان وتأكلها أغنامها، فقررت جمعها وبيعها.
ومن هنا بدأت أول مشوارها في طب الأعشاب ومعرفة كل أسراره.
أما سالم فكان مستغربًا جدًا لحالة الاستسلام والهدوء التي أصبحت عليها رجوه.
لم تعد تسرح وتمرح بالقبيلة، وكلما رفّت عيناه يراها أمامه.
رؤيته لها أصبحت نادرة، وبعد أن كانت على مرأى دائم منه أصبح يبحث عنها بحثًا ويتحرى مكانها.
ينتظر عودتها من الوديان عند الغروب ليسترق النظر لها ويطمئن على أنها بخير.
يتبعها للمدينة ويراقب ماذا تفعل.
أصبحت تشتري الحلويات لنفسها وتختار على ذوقها كل ما تشتهي، ولم تعد تحتاج له في شيء.
وحينما يشتد الاشتياق عليه، يذهب خلسة للوادي ويتفقدها من الأعلى وهي ترعى أغنامها وتقوم بجمع الأعشاب.
تقوم بالصيد أحيانًا ويرقبها بمتعة وهي تقوم بالقبض على الأفاعي السامة وتعود بها وتستخرج منها السم كما تعلمت من عوالي وتبيعه.
والأفاعي أيضًا تبيعها بعد أن تشعر بأنها استنزفتها.
كانت طريقتها في التقاط الأفاعي مميزة، خليط بين طريقته وطريقة عقاب ورابح.
شعر بأنها نضجت كثيرًا، حتى في طريقة كلامها حين تجمعهم الصدفة وتكون عند معزوزه وهو يذهب لرابح.
تغيرت نظرتها له وهدأت لهفتها على الأشياء.
لا ينكر بأنه سعيد جدًا لما هي عليه الآن، ولكن اقتصار حياتها على الرعي والمداواة والبيع والشراء يؤلمه.
يريدها أن تعيش الحياة وتستمتع بها.
وخاصة وهو يعرف أن متعة كبيرة تفوتها وهو يعيشها مع مزيونه.
ولكنه في نفس الوقت لا يتحمل مجرد التفكير في كونها مع رجل آخر ويفعل معها ما يفعله هو مع مزيونه وتعطيه الحب الذي طالما تمناه هو منها.
عالق بين شقي رحى، أحدهم شعور بالرغبة في امتلاكها والآخر تصميم على رأيه وقراره حفاظًا على كرامته.
وهو في المنتصف يُطحن.
أما مزيونه فأصبحت على مشارف الولادة، وحانت ساعتها.
ذهب سالم لجنديته القابلة فلم يجدها.
اندارت به الدنيا، فذهب لعمته عوالي.
فأم مزيونه لا تعرف عن الولادة شيء.
وحضر كل من عوالي ومايزه، ورجوه أيضًا.
رجوه التي حينما سمعت بإن سالم سيصبح أبًا تحرك شيء بداخلها وأصرت على حضور لحظات ولادة طفل سالم.
كأنه حدث لا تستطيع تفويته، وكأن لها بهذا الطفل مثل ما لسالم.
ودخلت الخيمة بعد أن تبسمت لسالم مطمئنة وهي تراه وقد جف الدم في عروقه لرؤيتها.
ظنًا منه بأن غيرتها هي من أتت بها وبأنها أتت لتفتعل المشكلات.
ولكنه تفاجأ بمساعدتها لمزيونه وخروجها له بطفلة بين يديها.
اقتربت منه وهمست بصوت يختنق:
مبارك ما جاك ياسالم، وليد مثل البدر صورة منك، يربى بعزك ودلالك وحنان أمه يارب.
حمل منها الطفل ورف قلبه وهو ينظر إليه.
ضحك وقبله وكبر في أذنيه ورفع عينيه يشكرها فلم يجدها.
استدار فوجدها ابتعدت بخطوات واسعة وكأنها تهرب من الموقف برمته.
فعاود النظر لطفلته وأخذه ودخل به لمزيونه.
فهذا وقتها هي وابنه وليس وقت رجوه والقلق بشأنها وشأن مشاعرها أبدًا.
تبسمت مزيونه وهي تراه يحتضن طفلها كأسد يحتضن رضيعًا.
اقترب وجلس بجوارها، قبل جبينها وهمس لها وهو ينظر للطفل بتعمق:
الحمد لله على سلامتك وسلامة صهيب يا أم صهيب.
قطبت مزيونه حاجبيها وسألته باستغراب:
مو أنت كنت تريد تسمي ولدك رفيق والكل ينادوك بأبو رفيق؟
- لا يامزيونه، هذاك الاسم مو أنا اللي كنت مختاره وراح مع أصحابه. راح رفيق والحين جاء صهيب يا أم صهيب. إيش ما عاجبك الاسم؟
- لا لا، اسم زين والأحلى إن أنت المختاره. الله ينبته نبات حسن ويجعله بار بك وبي وعلى وجهه تشوف كل الخير يارب.
تبسم لها سالم وأعطى حلوان مايزه.
وباركت له عوالي وأم مزيونه، ومعزوزه أيضًا.
وغادر الجميع الخيمة وتركوا سالم مع عصفوره الصغير، فرح بقدومه ويشبع منه.
أما في الخارج، من بين كل القبيلة كانت هناك مراقبة تتابع في صمت.
يغل قلبها من فرحة الجميع بطفل مزيونه، وخاصة حين بدأت الاستعدادات للاحتفال به.
كباش أتت من كل صوب في القبيلة مجاملة ومساهمة في ليلة صهيب.
قطع ذهبية من رابح وآدم وقصير وكل من استطاع.
وحين خرج سالم بالولد أصبحت ثيابه تتدلى منها الجنيهات الذهبية المعلقة فيها بلا عدد.
وتمتمت في نفسها:
والله هذا كثير عليك يامزيونه، كثير واجد، إيش تزيدين أنت عني، وليش أنا ما رحت لخيمة عوالي وصرحت لها بمحبتي لسالم حتى لو بالكذب، ليش ما لحقت الفرصة وقت كانت أمامي ليش؟
كانت (خيره) حالها حال الكثير من فتيات القبيلة اللواتي يرون مزيونه فازت باليانصيب ونصفها الحظ أيما إنصاف.
وكما جرت العادة أينما وجدت نعمة وجد حاقد عليها.
و(خيره) كانت أكبر الحاقدين، فهذا طبع معظم البشر بأي مكان وزمان.
أما في القاهرة...
جالس أمام التلفاز، ينظر ولكنه ليس منتبه لأي شيء.
هي نشرة الأخبار فماذا يهمه منها؟
إن العالم كله مات في عينيه بموت زوجته وأولاده ولم يعد يأبه لكل ما يحدث فيه.
لا يصبره الآن إلا ابنه السجين.
نعم قد لا يعيش لوقت خروجه، وسيخرج ابنه من السجن في سنوات عمره الأخيرة تقريبًا.
ولكن يكفي أنه على قيد الحياة، أيًا كانت الحياة لا يهم.
هو يتنفس ويأكل ويشرب.
وربما بعد أعوام طويلة يخرج ويتزوج ويرزق بطفل يخلد اسمه وذكراه ويستمر نسله.
أما هو فسيكتفي بزيارته من وقت لآخر.
وسيبذل قصارى جهده كي يعاود الوقوف على قدميه والعمل من جديد.
عمل حلال بعيد كل البعد عن نقود أخيه.
عمل يكفيه هو ويكفي مصروفات ابنه في السجن ويستطيع أن يدخر له ما يجده حين خروجه.
ياسين هو الخيط الوحيد الذي يربطه بالحياة الآن.
ولولاه للحاق بهم وغادر الدنيا.
نعم هو نادم أشد الندم ويتمنى لو عاد به الزمن لما فعل أيًا من كل هذا.
لكان حافظ على أولاده حوله وعلمهم أن الطمع مهلك، وأن ما ليس لنا لا نحاول أخذه لأنه لن يعود علينا سوى بالخراب.
لساند أخيه واحتضن أخته وأعطاها فرصة أخرى وزوجها ممن أرادت وعشقت.
لجنب أخيه كل هذا الحزن على طفله الذي غدره ظلمًا وبهتانًا.
لإمتنع عن فعل أشياء كثيرة لم يكتشف مدى بشاعتها إلا حين عاشها بنفسه.
ولكن بكل أسف الحياة لا تعطي هكذا فرص.
فهناك أشياء تشبه الموت والولادة لا تعاش إلا مرة واحدة.
أشار لجليسه أن يعيده لغرفته.
فقام الرجل إليه ونفذ.
وضعه في فراشه وأعطاه دوائه وأطفأ عليه الضوء وغادر.
أطفأ التلفاز ودخل هو الآخر لغرفته لينام.
هكذا أصبحت حياة يحيي والوحيد الذي يقاسمه فيها هو خادمه مؤمن.
ذلك الشاب المكلف من قبل أخيه محمود بخدمته.
-------------
منهمك في عمله، فسمع دقات على باب مكتبه تلتها فتحة الباب.
ودلف الساعي خالد من الباب يحمل كوب قهوته المعتاد.
وضعه على المكتب أمامه ولم يغادر.
فانتبه له آدم ورفع رأسه له متسائلاً:
في شيء يا عم خالد.. ليش بعدك واقف؟
فقدم إليه خالد بعض الأوراق وهو يقول له:
دي أوراق بنتي يا آدم يا ابني، النهارده جات بيهم عشان تقدمهم للحصول على وظيفة وهي بره طالبة تقابلك عشان تشكرك بنفسها على كل اللي عملته معانا.
تبسم آدم ونزع نظارته ووضعها على المكتب ومد يده أخذ من خالد الأوراق ونظر فيهم وهو يقول:
خلها تتفضل، ليش مبقيها بالخارج دخلها.
فنادى عليها خالد ودعاها للدخول.
فقضب آدم حاجبيه وهو يقرأ الاسم ورفع رأسه لخالد وسأله:
بتك اسمها...
وقبل أن يجيب ردت عليه هي بنفسها وهي تدلف من الباب:
حياة خالد طه.
نظر لها وإذ بفتاة تقف أمامه حسنة المظهر مقبولة الطلعة، سمراء ذات ملامح هادئة.
فتمتم لنفسه:
إيش هي الصدفة هذه، أنا أهرب من الاسم وسيرته وحنيني له ولصاحبته، والحين راح ينذكر أمامي طول الوقت ولساني راح يعاود ذكره. أدري الحظ يعاند بس مو بهالشكل!
- وقف وصافحها ورحب بها ودعاها للجلوس.
وقدمت له علبة مستديرة بها قالب من الكيك من صنع يدها.
معه أطباق بلاستيكية وشوك، كنوع من رد الجميل.
وغادر خالد لعمله وتركهم يتحدثون ويختبر آدم قدراتها في مجال التجارة.
كانت المقابلة ممتعة بالنسبة له، يسأل هو وتجيب هي لحظيًا.
مثقفة ودراستها في صميم عمله، تعرف جيدًا أصول التجارة ومتطلبات السوق وتستطيع التعامل مع الأرقام بسلاسة وسهولة.
هذا غير أسلوبها الآخاذ في الرد وجذب الانتباه بثباتها.
cقام آدم بتعيينها على الفور متجاهلاً الاسم، متمنيًا أن تستطيع هذه الحياة أن تصرف نظره بشخصيتها المختلفة عن تلك الحياة وتثبت له أن التشابه في الاسم لا يشكل أي عقبات، وأن الشخصية تطغى على اسم صاحبها.
ولكن ما حدث لاحقًا كان العكس تمامًا، فقد وجد فيها نفس الهدوء، نفس الرزانة وتقريبًا نفس أسلوب الرد، وكأن القدر أرسل له نسخة من حياة بالاسم والطباع.
ومحبتها لوالدها واحترامها له ولشخصه ولعمله وعدم الاستكبار عليه أمام زملائها من موظفي الشركة جعلها تضع نفسها أعلى قائمة آدم الموضوعة لاختيار عروس.
وبدأ يفكر في الموضوع بجدية.
ولما أخذ رأي والديه ساندوه، فقصتهم مشابهة جدًا، وتزوجت عايدة من العامل البسيط ووجدت فيه كل ما تمنت.
فقرر آدم دراسة الفكرة بشكل أعمق، وبدأ في التقرب لحياة الجديدة، والتي لم تكن قادرة على استيعاب ما يحدث.
وتكاد تجن من إعجاب آدم بها وهي فقيرة الجمال وفقيرة المال وفقيرة المستوى الاجتماعي!
وقد بدا لها كالأمير الذي قرر الزواج من عامة الشعب ووقع اختياره على ابنة خادم قصره.
تم الموضوع سريعًا، خطبة جعلت خالد الساعي يكاد أن يفقد عقله من الفرحة، وابنته كذلك.
كانت يتيمة الأم فاحتضنتها عايدة وقامت معها بدور الأم كاملًا.
أما آدم فكان الأمر عنده أشبه بمهمة يؤديها، لا فرحة شعر بها ولا حماس لأي شيء.
راسلها وأخبرها، لا يعرف لماذا فعل ذلك.
أكان يظن بأن شيئًا سيتغير مثلاً أم أنها ستمنعه؟
أم أراد أن يعرف ردة فعلها حيال الأمر؟
عامة أيًا كان ما دفعه لفعل ذلك فرد فعلها كان غريبًا عليه.
فقد التمس الفرحة في صوتها وهي تبارك له.
تمنت له أيامًا جميلة وأوصته بمن اختارها زوجة له خيرًا، وأن يحاول إسعادها بكافة الطرق.
وأنهت مكالمتها بعبارة هزت قلبه شوقًا وحنينًا لها قبل أن تغلق، وتركته يلوب في مكانه بلوعة.
(مع إنك مش محتاج تعمل حاجة يا آدم عشان تسعدها، كفاية إنك تكون من نصيبها وهي هتكون أسعد ست في العالم، كفاية إنك تقرب منها القرب اللي غيرها ما طاله).
كانت كلماتها مليئة بالحسرة مما جعله يشعر بالاختناق، فما تعود أن تكون سعادة أحدهم بيده ويمنعها.
كان يوم زفافه يومًا أسطوريًا، أقامه في أكبر القاعات ودعا له القبيلة بأسرها.
فهو ليس له أقارب سوى هم وعمال شركته، وكانوا هم أهله بعد أمه وأبيه.
أما حياة زوجته فدعت جميع صديقاتها وأصدقاءها في الجامعة، جيرانها وأقاربها البعيدون.
كان الأمر بالنسبة لها تباهيًا أكثر من مشاركتهم لها فرحتها.
كانت ترى الهمسات من الجميع والغيرة بادية على أغلب الوجوه فتزداد غبطة وسعادة.
فحتى فتيات القبيلة لم تخلُ نظراتهم لها من الغيرة.
وبعد انتهاء الزفاف في القاعة ذهب ليكمل احتفاله في القبيلة، الاحتفال التقليدي الذي اعتاد عليه وتمنّاه.
كل هذا وحياة زوجته تشعر وسط الجميع كما لو نبت لها جناحان وتحلق بهما.
ماهذا الذي يحدث معها؟! ماهذا الحلم الجميل؟
أنهى حفله في القبيلة على مشارف الفجر وأخذها وذهب بها للفندق الذي حجز به جناحًا لتمضية ليلتهما.
وظل أبواه في القبيلة فرحين مع المحبين.
وبدأ آدم في اكتشاف حياة جديدة عليه، حياة بالاسم وبالفعل.
لا ينكر أن في الأمر متعة ويفهم الآن صبر سالم على جفاء رجوه، إنه الونس.
أما رجوه فكانت الوحيدة تقريبًا التي لم تحضر الزفاف ولم تهتم، ولم تعد تلك الأشياء تستهويها.
وعند طلوع الفجر قامت لأغنامها أخذتهم وغادرت للوادي تفعل ما اعتادت على فعله.
أما العنود فكانت تراقب رجوه طوال تلك الفترة وقد تأكدت من أنها الآن باتت طبيعية تمامًا.
نعم هذا هو الهدوء الذي يلي الإعصار.
كل شيء مدمر ومع الوقت سيعاد ترميمه رويدًا رويدًا وتعود الحياة لطبيعتها.
قد تتخطى رجوه وتتراجع عن قرارها بالانعزال وربما لا، ولكن في كلتا الحالتين هي الآن في استراحة محارب.
أخذت العنود أمها واختيها وعادتا لليبيا، حيث قابلت هناك خطيبها وبدأت معه رحلة التعرف.
وبالنسبة لنوف وهلال فكان الاستسلام للأمر الواقع هو الشيء الوحيد الذي تملكه نوف.
قررت أن تحاول التأقلم وخاصة أن اعتراضها ليس على هلال كشخص، وإنما على عيشته، وهذا الأمر ستحتال عليه وأمامها سنوات عدة كي تجد فيهم أكثر من حل وتأخذ من بينهم المناسب.
أما عفراء فقررت العودة للقبيلة في كل مناسبة متاحة.
لقد أحبتها وأحبت الحياة فيها، ولا يشترط الزواج كي تنعم بمميزاتها وتعيش أجواءها.
ستعيشها كرحلة ترفيهية إلى أن ترى ماذا يخبئ لها القدر.
وحتى وإن جاء نصيبها حضري من أصل بدوي ستزرع لها جذورًا في القبيلة وبدأت بمشاركة رجوه على بضعة رؤوس من الأغنام.
مشروعها الصغير، وكأنهم مسمار جحا الذي ستضمن عودتها للقبيلة من حين لآخر بسببه.
أما مكاسب وسدينه، فلا زال الصراع قائم على قصير والمحاولات مستمرة لاستقطابه.
ولكن دائمًا مكاسب هي الرابحة، فهي أم هلال، ولأجل عيون هلال تُكرم أمه، بالقرب والدلال والاستجابة للطلب فور طلبه.
أما سدينه فكانت ابنتها الوحيدة هي نصيبها من الدنيا.
وكأنها جدار ولد من أحشائها ليحجب عنها كل شيء ويقطع عليها كل سبل الدلال.
ولكنها لم تعاقبها على ذلك كما فعلت مكاسب مع رجوه.
فهي تعلم أن لا ذنب لها في ذلك، بل احتضنتها، أحبتها وكأنها كل الدنيا، أعطتها كل الحنان الذي لديها وأغدقتها بالاهتمام.
حتى أصبحت مسك أكثر بنات قصير عقلاً وتعقلاً، وأكثر من تمتلك نفسًا سوية من بينهم.
وبدأت ترد هذا كله لأمها رعاية ومودة ومحبة، فالود لا يُجازى إلا بالود.
وهذه النقطة ما كانت تثير غيرة مكاسب منها.
فبرغم كل الدلال الذي تنعم به من قصير إلا أن بناتها قساة القلب عليها كثيرًا، حتى من احتضنتهم في صغرهم، كبروا ولم يجدوا منها سوى إهمال يقابله احتواء عظيم لهلال.
هي فقط معزوزه من أخذت النصيب الأكبر من الرعاية من بين شقيقاتها.
والآن هي في بيتها منشغلة بزوجها وطفلها.
لا تذهب لأمها سوى زائرة حتى وإن كانت مريضة وبحاجتها.
برغم أن الخيام متجاورة، ولكن كل على بيتها ومصالحها تسعى.
حالة من الهدوء أصبحت تغلف القبيلة من بعد ولادة مزيونه وزواج آدم وسفر بنات قياتي.
وهكذا بدأت الأيام تمر، هادئة وكأن الجميع أخذ هدنة لقلبه بعد كل هذه الحروب الطويلة.
قصص من الحب مختلفة معظمها، لم تكتمل إلا واحدة فقط من بينهم التي حالفها الحظ، وهي قصة (معزوزه ورابح).
أما البقية فلعبت الظروف والأقدار لعبتها معهم، وأخبرتهم بأن قصص الحب لا تكلل جميعها بالنجاح والإكتمال، وليست الأمنيات كلها محققة.
وأكبر وأعظم درس تعطيه الحياة في الاستسلام والرضى بالنصيب ذلك الذي يؤخذ من قصة حب لم تكتمل، فثمن الدرس يُدفع وجعًا وألمًا، شوقًا وضياعًا، شعورًا بالاختناق وكأن الروح تغادر.
أشياء لا تحتمل، مشاعر لا توصف.
وبالنهاية تمر مع الأيام وتنتهي.
ولكن أثرها يبقى قابع هناك في ركن صغير داخل أبعد نقطة بالقلب، يشبه لغم، آمن طالما لم يقربه أحد ويحاول اكتشافه.
ولكن العبث به ولو صدفة يفجره، فتنفجر معه جميع الأحاسيس المنسية.