تحميل رواية «عليا» PDF
بقلم Lehcen Tetouani
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في طريق صحراوي حدث حادث مروع راح ضحيته العشرات بسبب اصطدام عدد من السيارات. ولم ينجو من الحادث إلا فتاة صغيرة، خضراء العينين، شقراء الشعر، عمرها ثلاث سنوات. لم يتعرف عليها أحد من أهالي الضحايا. بعد الحادث، فوضعت في ملجأ للأيتام. قاست هناك حياة صعبة من الحرمان والوحدة حتى بلغت سن الثامنة عشر. وعند زيارة بعض الأثرياء للملجأ، أهدوا الفتاة الجميلة وبعض زملائها هواتف محمولة بسبب تفوقهن في الثانوية العامة. من خلال شبكة الإنترنت المتوفرة في الملجأ، تعرفت ء على شاب أخبرها بأنه يتيم مثلها وأنه يريد الارت...
رواية عليا الفصل الحادي عشر 11 - بقلم Lehcen Tetouani
دخل همام فجأة غرفة فارس ليحضر هاتفه الذي نسيه بالغرفة.
وجد فتاة جالسة إلى جوار سرير فارس وهي تمسك يده وتقبلها.
قال لها: "ألست أنتِ نفس الفتاة التي رأيتك في شقة ولدي؟"
ثم ينهرها بشدة: "من الذي أتى بكِ هنا؟ ألم يكفيكِ ما حدث له؟ أم تريدين قتله حتى تستريحي؟"
انعقد لسان عليا من هول الصدمة، فقد رأته يخرج منذ قليل ولم تتوقع أن يرجع بهذه السرعة.
حاولت الوقوف لتخرج، ثم بدأت تسحب يدها من يد فارس، ولكنّه أمسك بأطراف أصابعها.
قال همام: "هل أنتِ صماء؟ هيا اخرجي من غرفة ابني حالًا."
قالت: "ولكن فارس يمسك بيدي."
قال: "مستحيل، فهو في غيبوبة."
قالت: "تعال وانظر بنفسك."
اتجه همام نحو ابنه فوجد فارس يمسك بيد عليا ويقول بصوت ضعيف: "لا تتركينني."
نظر الأب فرحًا وهو يقول: "الحمد لله على سلامتك يا قلبي."
وقبّل ابنه، ثم دق جرسًا وُضع في الغرفة لاستدعاء الممرضة.
لما حضرت الممرضة، طلب منها همام أن تنادي الطبيب من أجل أن يفحص فارس.
وبينما الطبيب يقوم بالفحص، قال الطبيب: "لو سمحت، اترك يد الفتاة حتى أفحصك."
ثم نظر لعاليا قائلًا: "لا تذهبي."
فتشير له عليا برأسها أنها ستظل.
اتصلت الأم بهمام وقالت له: "لما تأخرت؟"
أجابها: "تعالي بسرعة عندي مفاجأة لك."
أتت الأم مسرعة، فتجد الأطباء حول ابنها وهو جالس.
فجرت نحوه واحتضنته قائلة: "الحمد لله على سلامتك يا قلبي."
قال الطبيب: "بعد إذنك، نريد إنهاء الفحص."
نظرت خديجة فوجدت بجوار ابنها فتاة جميلة تقف من بعيد على استحياء ويبدو عليها علامات الحزن.
سألت زوجها: "ماذا حدث؟ ومن هذه الفتاة؟"
قال لها همام إنه سيخبرها لاحقًا.
وبعد انتهاء الفحص الأولي، تتجه الأم لابنها وتحتضنه وتقول له ودموعها على خديها: "الحمد لله كثيرًا على سلامتك يا حبيبي وفلذة كبدي."
قال فارس بصوت ضعيف: "أنا بخير يا أمي، فلا تقلقي."
طلب الأطباء من العمال نقل فارس على الكرسي المتحرك لعمل بعض الفحوصات.
وبعد أن وضعوه على الكرسي، كان لا يزال متشبثًا بيد عليا، ناظرًا لوالده كأنه يقول: "لا تفعل وتطردها مرة أخرى."
هز الوالد رأسه ليطمئنه: "اذهب، وعندما ستأتي ستجدها، أعدك بذلك."
ثم طلب منه الأطباء ترك يد الفتاة حتى ينقلوه لعمل الأشعة.
طلب منها فارس بصوت ضعيف: "لا تغادري مكانك."
ثم أخرجه الأطباء من الغرفة وهو لا يحوّل عينيه عنه.
بعد خروج فارس من الغرفة، تستعد عليا للخروج.
طلب منها همام أن تبقي في خارج الغرفة ولا تبرح مكانها حتى يخرج فارس من غرفة الأشعة.
تخرج عليا من الغرفة وتجلس في غرفة الانتظار.
سألت خديجة: "ما الذي يحدث؟ ومن هذه الفتاة؟ ومن تكون؟ ولما يمسك بها فارس بهذه الطريقة؟"
قال همام: "اجلسي وسوف أقص عليك القصة من أولها."
ثم أخذ يروي لها قصة عليا كاملة، وأنه طلب من فارس أن يطلقها، واتهم الفتاة أنها السبب وراء ما حدث لفارس.
قالت خديجة: "بعد كل ما حكيته لي، فأنا أيقنت شيئًا واحدًا، وهو أن الفتاة لا ذنب لها فيما حدث وليست السبب فيما حدث لفارس، وأنك أنت السبب لأنك حاولت أن تفرق بينهما وتبعده عنها. لو سمحت يا همام، فهذا يكفي. لقد حرمنا من ابننا الأكبر قبل ذلك، أتريد أن نحرم من ابننا الأصغر أيضًا؟"
"لقد كانت وفاة علي ابني البكر صدمة لي، ولكنه كان قضاء الله وقدره. ولكن الحادث الذي تسبب في غيبوبة فارس كان بسبب عنادك أنت، لأنك حاولت أن تكسر قلبه."
قال همام: "دائمًا تلقين اللوم علي وحدي. أنا كنت أفكر في مستقبله، فأبو جاسمين يملك نصف الشركة وقد كتبها باسمها. وأنا كنت أريد أن يبدأ حياته قوياً ولا يبدأ من الصفر مثلي. فلو أنهينا خطبته من جاسمين، سيبيع والدها نصيبه ويدمر الشركة التي أفنيت عمري لتصل إلى ما وصلت إليه. أنا أتكلم عن مليارات، فالموضوع ليس لعبة. ما الحل الآن من وجهة نظرك؟ هل يترك خطيبته ويدمر المصنع ومستقبله من أجل فتاة تربت في ملجأ؟"
قالت خديجة: "لا، لن يفعل. الشرع يحلل للرجل أربع نساء، وهو يستطيع أن يتزوج من كلتا الفتاتين في الوقت نفسه. ولكن زواجه من عليا سيظل سرًا بيننا نحن الأربعة، وخاصة أن الفتاة يتيمة ولن يسأل عنها أحد. وبذلك لن نحرمه من حبه، وفي نفس الوقت لن تضيع الشركة."
أجاب الأب: "وهل سيوافق ابنك على هذا الاقتراح؟"
خديجة: "نعم، لو ربطت زواجه بجاسمين ببقائه مع عليا، أنا أضمن لك أنه سيوافق."
قال: "وكيف لو علمت جاسمين أو والدها؟"
خديجة: "لن يعلموا شيئًا. ستعيش عليا معنا في البيت على أنها ابنة أختك المرحومة سمر، وسنقول أنها كانت في رعاية جدتها ولما توفيت لم يبق لها أحد غيرنا، لذا جاءت لتسكن معنا."
قال همام: "الفتاة جميلة جدًا، ماذا لو أراد أحد من معارفي خطبتها مثلًا؟"
قالت: "الفتاة صغيرة، فلقد عرفت منك أنها تخرجت من الثانوية العامة حديثًا وبمجموع يدخلها كلية الطب. وإذا تقدم لها أحد، سنقول أنها ستكمل تعليمها أولًا، ولا يزال أمامها سبع سنوات، وبعدها يحلها حلال."
قال همام: "ولو حملت ماذا سنفعل؟"
خديجة: "هي لا تزال صغيرة، ويوجد أكثر من وسيلة لمنع الحمل، فلا تشغل بالك."
رواية عليا الفصل الثاني عشر 12 - بقلم Lehcen Tetouani
بعد وقت قصير من انتهاء الحوار بين خديجة وزوجها وما خطط له، تنتهي الفحوصات والأشعة. يخرج فارس على كرسيه المتحرك متجهاً لغرفته مرة أخرى. يجده عاليا جالسة أمام الغرفة. يتجه نحوها، ويحاول الوقوف. تسنده عاليا، ويضع ذراعه حول رقبتها متجهاً للغرفة.
قال همام: الحمد لله على سلامتك أيها العنيد.
نظر فارس لوالده نظرة عتاب، كأنه يقول له: أنت السبب.
قالت خديجة: سوف أساعدك لتغير ثيابك، فقد سمح لك الأطباء بالخروج.
قال فارس: لا يا أمي، ستساعدني عاليا.
نظرت عاليا إلى الأرض في خجل، قائلة: حاضر.
قالت خديجة: هيا يا همام، لننتظر بالخارج حتى يغير فارس ثيابه.
قال همام بصوت خافت: لقد أكلت الفتاة عقله.
تشده خديجة من يده لخارج الغرفة، قائلة: دعه وشأنه.
في خارج الغرفة، قال همام: أترين أنه مفتون بها وقد يدمر كل شيء من أجلها؟
قالت خديجة: الفتاة تستحق فعلاً، بالإضافة أننا قد اتفقنا وانتهى الأمر. وقد أخبرتك أن حياة ابني وسعادته أهم شيء بالنسبة لي.
يدخل الغرفة، قال فارس لعاليا: أنا آسف، لم أطلقك برغبتي.
لقد ضغط علي والدي كثيراً، ولقد أخبرتك أنه مريض ولا أستطيع أن أكون سبباً في تدهور صحته.
قالت: أعلم، لا داعي للتبرير. ولقد سافرت إلى العاصمة حتى أبتعد عن طريقك، ولم أعلم بالحادث إلا اليوم.
قال: إياك أن تفعلي هذا وتبتعدي عني مجدداً، اتفهمين عاليا؟
إنني لا أستطيع العيش بدونك. لقد أخبرني الطبيب أنني في غيبوبة منذ شهر، وها قد استعدت الوعي بمجرد أن أمسكت يدي. أنا أشعر بالوحدة والضياع بدونك، حبيبتي، أنت تكملينني فعلاً. تعالي أضمك لصدري.
قالت عاليا: ولكن والديك بالخارج وقد يدخلا في أي لحظة.
لا يهمني، ثم أن والدي قد تعلم الدرس ولن يبعدك عني مرة أخرى. ثم يضمها ويقبلها.
فتح الباب الأب، احم احم، ألا يكفي هذا؟ هيا بنا.
قال فارس: وعاليا ستأتي معنا.
نعم، ولكن بشرط أن يظل زوجك منها سراً، وأن تتزوج جاسمن في الوقت الذي حددناه سابقاً، أي بعد شهر من الآن.
قال فارس: ولكن...
فتضع عاليا يدها على فمه، قائلة: أنا أوافق. المهم أن تبقي معي.
غمض فارس عينيه دليل على عدم الرضا، ثم يبعد يد عاليا، قائلاً لوالده: إن كانت عاليا تقبل ذلك فأنا موافق.
إذاً، هيا بنا.
قالت خديجة: لن أنصرف قبل أن أضم عروس ابني الحسناء.
ثم تتجه نحو عاليا وتضمها، قائلة: ليس فارس وحده من أحبك من النظرة الأولى، بل أنا أيضاً. وسوف يصبح لدي طفلين من هذه اللحظة، أنت وفارس. لذا ستناديني أمي.
قال لها عاليا: حاضر أمي.
قال همام: لننهي هذه الدراما السخيفة ونعود للفيلا. هيا فارس، سأسندك حتى السيارة.
شكراً أبي، سأستند على عاليا.
قال: ولكن قد تسقط أرضاً لو استندت عليها.
على العكس، فهي فتاة قوية ولن تتسبب في سقوطي أبداً.
قالت خديجة: يكفي هذا الحوار اللطيف الذي يدور بينكم، ودعونا نمضي.
اتجه الجميع نحو السيارة، وفارس مستند على كتف عليا.
ركب الجميع السيارة واتجهوا للبيت.
في البيت، جلست عاليا مع همام، الذي طلب منها أن تقنع فارس أن يتزوج من خطيبته جاسمن. وفي المقابل، ستظل هي زوجته الثانية ولن يعرف بأمرها أحد.
ثم ذهب ليتصل همام بصهره ليخبره بالخبر المفرح، وهو عودة فارس للبيت وإفاقته من الغيبوبة، وأنه أخذ بعض المهدئات ونام. ولكنهم سينتظرونهم غداً على الغداء، لكي يتمكنوا من رؤية فارس.
طبعاً، قال همام له ذلك حتى لا يحضر قبل أن يقنع فارس بالزواج من خطيبته جاسمن، فهو لا يزال متردداً حتى بعد حديث عاليا معه وموافقتها على زواجه.
بدأ والد فارس يطرح عليه أمر بقاء عاليا معهم مقابل زواجه من خطيبته.
لما شعر فارس أنه مضطر، وافق حتى لا يزعج أباه، وخاصة أن عاليا شجعته على الموافقة وأظهرت أنها غير منزعجة من الأمر.
وأخبره أباه أن الزفاف سيقام في موعده بعد شهر، وهو نفس الموعد الذي سبق تحديده قبل الحادث. وأنه خلال هذا الشهر سيكون قد استرد صحته بالكامل.
قبل فارس بما أقرّه والده، حتى لا يفقد عاليا من ناحية، ولا تتعب صحة والده من ناحية أخرى.
دخل فارس إلى غرفة نومه وطلب من عاليا البقاء بجواره.
فقال له همام: إنه سيسمح بذلك فقط لأنه ما زالت في أشهر العدة، ويستطيع أن يرجعها لذمته.
ثم اتجه همام نحو باب الغرفة، قائلاً لفارس: إنه سيتكلم معه في هذا الموضوع لاحقاً.
بعد أن خرج وأغلق الباب، قال في نفسه: استمتع بشهر عسلك يا بني، لأنني بعد هذا الشهر سأنهي كل شيء وسأدمر حياتك، وستختفي عاليا من حياتك إلى الأبد.
رواية عليا الفصل الثالث عشر 13 - بقلم Lehcen Tetouani
في اليوم التالي حضرت جاسمن ووالدها وخالها، وكان شابًا في الثلاثين من عمره. جلسوا بجوار فارس في غرفته يهنئونه على السلامة.
عرفهم همام على عالية على أنها بنت عمة فارس المتوفاة، وأنها جاءت للعيش معهم بعد وفاة جدتها التي كانت تعتني بها.
شعرت عالية بالغيرة من خطيبة فارس وهي جالسة بجواره وتمسك يده، بينما هي زوجته ولكن لا تستطيع الاقتراب منه.
أما أمجد خال جاسمن، فأخذ ينظر إلى عالية متمنيًا أن تكون عروسه المستقبلية.
طبعًا، لاحظ فارس محاولة تقربه من عالية، فأراد أن يسد عليه طريق التفكير فيها، فقال لعالية: "هل أخبرت خطيبك بموعد زفافك؟"
تعجبت عالية ولم ترد.
غمز لها بعينه: "خطيبك؟ هل نسيت؟"
أجابت عالية: "نعم."
وقد فهمت أن فارس يغار عليها من أمجد، لذا قال ذلك ليبعده عنها.
فهم الأب أيضًا تلميح ابنه وعلم أنه يغار من نظرات أمجد لعالية، وخاف أن يتصرف بحماقة، فاخبرهم أن عالية قد كتب كتابها على ابن صديق لهم، ولكنه خارج البلاد، فهو ينتظر حتى تكمل عالية دراستها الجامعية حتى يتم الزفاف.
تنفس فارس الصعداء واسترخى على الفراش، ثم أخذ يكمل حديثه مع صهره. فقد قطع الطريق على أمجد وأبعده عن زوجته.
جاء موعد الغداء، وجلس فارس على المائدة، عالية على يمينه، وجاسمن خطيبته على شماله، والأب أمامه يكتم ابتسامته وهو يقول لنفسه: "آه يا ولدي المتهور، زوجتان على نفس الطاولة، ولكن أعدك أن هذا لن يستمر كثيرًا."
يمر اللقاء بسلام.
ثم تخرج خديجة وعاليا وهمام ويودعون الضيوف بابتسامة، فقد حدث كل شيء كما خطط له.
بعدها بأيام، استرد فارس صحته، فاصطحب صغيرته إلى حديقة الفيلا، وكان الاثنان يركضان في فرح ويلعبان كرة السلة، ويرفعها حتى تسدد الهدف.
الأم والأب يجلسان على الطاولة ويحتسيان القهوة وينظران لابنهما الذي بدا سعيدًا للغاية.
قالت خديجة: "لم أر فارس ابني طوال حياتي سعيدًا كما أراه الآن."
قال همام: "الحقيقة نعم. أتتذكرين عندما جاءت خطيبته جاسمن وطلبت منه أن يجلس معها في حديقة الفيلا وأن يلعب معها التنس؟ تحجج بحرارة الجو حتى لا يفعل ذلك، ولكنه الآن لا يعبأ لا بحرارة ولا غيرها. ولكن لو استمر الوضع هكذا، قد تكتشف خطيبته الحقيقة قريبًا."
قالت: "إن شاء الله لن يحدث شيء، فسوف نكون حريصين في تعاملنا معها."
ولكن همام كان قد قرر في نفسه شيئًا لم يفصح عنه.
بعد مرور شهر، وبينما أخذ الجميع يعد للزفاف، كان همام يتحدث إلى عالية وأخبرها أن تبتعد قدر المستطاع عن فارس.
أثناء الحفل، ولكنها فجأة شعرت بألم في معدتها وشعور بالغثيان، ثم سقطت على الأرض مغشيًا عليها.
لم يكن فارس في البيت، فقد ذهب مع العروس لشراء ثوب الزفاف.
فاخذها همام لإجراء بعض الفحوصات وتحليل الدم، واستغل هذا الحادث ليطلب من الطبيب أن يعد له تقريرًا كاذبًا يقول أن عالية مريضة بالقلب وأن حالتها متدهورة، مقابل مبلغ مالي كبير.
بعد أن رجع للمنزل، أخبر الجميع بأن عالية مريضة بالقلب وأنها تحتاج للراحة.
وأخبر فارس أنه يجب أن يبتعد عنها لفترة حتى تتحسن صحتها ولا تتعرض للخطر، وأنه لذلك السبب حجز له في جزر المالديف لقضاء شهر العسل مع عروسه الجديدة، وأن هذه فرصة حتى يبتعد عن عالية حتى تتحسن صحتها لأنها تحتاج للراحة.
وافق فارس على مضض.
وفي اليوم التالي أقيم الزفاف، وجلس العروسان في الكوشة، ولكن فارس كان يجلس عابس الوجه حزينًا.
ثم سمعت عالية همام والد فارس وهو يخبر حماته أن تذهب إليه وتخبره أن يبتسم قليلا حتى لا ينتبه المدعوين.
ولكن عالية فكرت في فكرة جعلت فارس يبتسم.
فذهبت للعازفين وطلبت منهم أن يعزفوا لها أغنية "عيشالك أحلى سنين".
ثم أخذت تغني وأمسكت بيد العروس وأوقفتها، ثم بيد فارس، وأخذا الثلاثة يرقصون على غناء عالية.
ثم انضم إليهم باقي المدعوين من الشباب، فرقص الجميع حول العروسين على صوت عالية الجميل.
ثم صفق الحاضرون.
انسحبت عالية من بين الحاضرين وهي تحبس دموعها.
وزف العروس والعريس إلى إحدى الفنادق.
بينما جلست عالية في غرفتها تبكي بدون أن تصدر صوتًا.
وفي منتصف الليل، وبينما الأب يخرج من غرفته ليتناول كوبًا من الماء، إذا بفارس يمر أمامه.
فيقول له همام: "هل جننت لتترك عروسك وتأتي؟"
قال فارس: "لقد كلفتني بمهمة وقد أديتها وجئت لأطمئن على حبيبتي."
صرخ الأب قائلاً: "وكيف تترك عروسك؟ ماذا سيقول عنك؟"
قال فارس: "لا تقلق، لقد أعطيتها منومًا ولم أحضر إلا بعد أن تأكدت من نومها."
رد الأب: "والعاملين في الفندق ماذا سيقولون؟"
أجاب فارس: "لقد جئت متنكرًا كما ترى، ألبس غطاء الرأس والكمامة، ولم يتعرف على أحد من الموظفين."
ثم يبتسم قائلاً: "لا تقلق يا أبي، كل شيء تحت السيطرة."
ثم يترك والده ويذهب لغرفة عالية ويطرق الباب ويدخل.
فزعت عالية حين رأته وطلبت منه الرحيل فورًا حتى لا يراه أحد، وخصوصًا أباه.
فأخبرها فارس أنه قد رآه بالفعل.
قالت: "سوف يظن الآن أنني السبب في حضورك، ويشتد غضبه مني ويلقي باللوم علي."
قال: "لا تقلقي، لن يلقي أحد اللوم عليك. أنا سأسافر غدًا وجئت أودعك قبل السفر، فأنا لا أستطيع السفر قبل أن أنظر إلى وجهك الجميل."
فترتمي عالية.
ودع فارس عالية وضمه وقبلها بين عينيها، وعاد إلى الفندق قبل أن تستيقظ عروسه وتكتشف أمر غيابه.
رواية عليا الفصل الرابع عشر 14 - بقلم Lehcen Tetouani
ركب العروسان فارس وجاسمن الطائرة لتحلق بهما في السماء متجهة لجزر الملديف لقضاء شهر العسل.
بينما كان همام يستغل عدم وجود زوجته خديجة في البيت، لعلمه بمدى تعاطفها مع زوجة ابنه، جلس مع عليا ليساومها على الخروج من حياة ابنه بالثمن الذي تطلبه.
أجابته عليا أنها لا تريد أي شيء من الدنيا إلا البقاء مع فارس.
أخبرها همام أنها لو استمرت في حياة فارس فسوف تخربها وتدمر مستقبله. وذكرها كيف جاء في منتصف الليل لكي يراها ليلة زفافه على جاسمن وترك عروسه في ليلة الدخلة. وأنها ستدمر زواجه لو بقيت في حياته. ولو حدث ذلك، فسوف يقوم والد جاسمن بفض الشراكة التي بينهم، وبالتالي سيضيع المصنع والشركة بسبب أنانيتها.
قالت له عليا أن خروجها من حياة فارس قد سبب له الأذى في المرة السابقة. ولو هي هجرته مرة أخرى قد يحدث الأمر نفسه، فهو متعلق بها قدر تعلقها به.
أخبرها همام أنه قد وضع خطة محكمة لتخرج من حياته دون أن يكرر فارس ما فعله المرة الماضية.
قالت عليا بحسرة: وما هي؟
قال: لقد أخرجت شهادة تفيد أنك مريضة بالقلب ومعرضة للخطر، وسوف تمثلين أنك تعرضت لنوبة قلبية وتموتين. وكذا سأخرجك من حياة ابني بسهولة.
قالت: ولكن أنا سأكون ميتة في نظر القانون أيضاً، ولن أستطيع أن أكمل دراستي، فقد قبلت في كلية الطب.
صرخ همام في وجهها وقال: سوف أعوضك عن دخول الكلية. وعلى كل حال، بعد دراسة سبع سنوات من الدراسة والتخرج، ما المبلغ الذي سوف تتقاضينه؟ سأعطيك مبلغًا خياليًا لم تكوني تحلمين به إذا وافقت. أي لو عملت طوال حياتك فلن تجمعي هذا المبلغ. وبعد أن تحصلي عليه تستطيعين أن تؤسسي شركة صغيرة باسمك الجديد، وتشتري شقة مناسبة بعيدًا عن المدينة، وتعيشين باقي حياتك منعمة.
قالت عليا والدموع في عينيها: ولكن نسيت يا عمي شيئًا مهمًا، وهو أنني سأظل على ذمة فارس، فهو لن يطلق امرأة ميتة.
وضع يده على كتفها محاولًا التودد إليها قائلًا: أنت لازلت صغيرة، وفي الثامنة عشر من عمرك، ويمكنك بعد خمس سنوات أن تذهبي لمحامٍ ماهر ويقوم برفع قضية إثبات قيد جديدة، وسوف يعيدك للحياة مرة أخرى في الوثائق الرسمية. وبعدها ترفعين قضية خلع على عنوان مجهول، وتتطلقين، وتعيشين حياتك مع أي شخص تريدينه.
أغمضت عليا عينيها وقلبها يتمزق من الحزن، فهي يتيمة وليس لها أحد في الدنيا حتى يدافع عنها أمام هذا الرجل الوحش الذي تجرد من الإنسانية. ثم تكمل قائلة وهي تبلع ريقها: ألن يسألك فارس عن قبري؟
قال همام: لا تقلقي بهذا الشأن، فقد أعددت لك قبرًا وسط مقابر العائلة، وسيكون هناك شهود على دفنك.
قالت: هل ستدفنني حية؟
قال: لست بهذه القسوة، مع أنني فكرت في الأمر حتى يكون واقعيًا أكثر، وأنه من الممكن أن أفعله ثم أخرجك بعد انصراف الناس. ولكني فكرت في شيء آخر أقل خطورة. لقد اتفقت مع أحد العاملين في المشرحة ليسلمني جثة فتاة مجهولة الهوية تقبع في المشرحة منذ شهور ولم يتعرف عليها أحد. وقد انتهت المدة القانونية للاحتفاظ بالجثة وسوف يدفنونها غدًا، لذا أعطيت لأحدهم مبلغًا محترمًا وسيعطيني الجثة على أنها أنتِ ويستخرجون لي شهادة وفاة باسمك. وبعدها سأقيم للجثة مراسم دفن تليق بالعائلة. فالكل سيعرف أن الضحية ابنة أختي. وسوف أفعل ذلك أثناء تواجد فارس في الملديف مع عروسه، لأنه الشخص الوحيد الذي كان سيعرض خطتي للخطر، لأنه سيطلب رؤية وجهك. وبما أن فارس غير موجود، فلن يطلب أحد غيره توديعك بالنظرة الأخيرة. وإذا عرف فارس بعد رجوعه من شهر العسل بوفاتك سيحزن قليلاً ويبكي وينهار بعض الوقت، ثم ينساك ويمضي في حياته مع زوجته جاسمن، ومع الوقت سيحبها وينساك.
قالت عليا: كلامك يؤلمني جدًا، لما أنت متحجر القلب هكذا؟ لو أنني بنت أختك فعلًا هل كنت ستفعل بي هذا؟ أنك لا تراني أساسًا ولا تهتم بمشاعري، فكأنك تتكلم مع نفسك وأنا غير موجودة أصلًا. ألم تعتقد للحظة أنني إنسانة ولي قلب أيضًا، وأنني سأعاني من فراق فارس؟
وقف همام وضرب يده في الطاولة التي بجواره: أنا لا يهمني سوى مصلحة ابني الوحيد، وأنا لا أهتم بك ولا بشخص آخر. وأنت بالنسبة لي مجرد حشرة تزعج ابني ويجب القضاء عليها. وأما توافقي على ما أقوله لك برضاك، أو سأنفذه رغما عنك. وبدلًا من أن تأخذي النقود وتعيشي حرة، أو سألفق لك تهمة وأدخلك السجن لتتعفني هناك مدى الحياة.
رواية عليا الفصل الخامس عشر 15 - بقلم Lehcen Tetouani
… وقفت عاليا أمام همام ونظرت في عينيه الحادة ثم مسخت دموعها بيدها وقالت له صدق الله حين قال و قلوبهم كالحجارة او أشد قسوة أتعرف سأفعل ما طلبته مني
ليس خوفا منك ولا من تهديدات ولا رغبة في المال الذي تغريني به فلا اهمية له عندي لانه مهم عندكم أنتم معشر الاثرياء ولكن سأرحل لأني أحب فارس
وسأخرج من حياته اذا كان هذا سيسعده وأقبل بأن تكتب شهادة وفاتي وأنا حية ولن استطيع دخول الجامعه التي عملت جاهدة كي ادخلها ولن استطيع ان ارتبط بأحد آخر لأني ساظل على ذمته ولكن سأضحي بحياتي من أجله ومستقبلي من أجله
لأنه يستحق ذلك فهو إنسان بمعني الكلمه لقد وقف بجانبي وهو لا يعرفني واحبني بصدق حتى أنه كان سيفقد حياته من أجلي وحان الوقت لأرد له جزء مما منحه لي
أنا موافقة ياعمي افعل ما شئت
وكان سيكون أسهل علي الجميع لو تركتني اعيش مع فارس في الظل وكنت سأعمل جهدي حتي لا يعرف أحد بأمري
وكنت سأتخلي عن الانجاب لو اضطرني الأمر حتي ابقي معه
ولكن الاغنياء لا يهتمون بمشاعر أحد فالمال ثم المال هو الاهم عندهم
قال همام قد تستطيعين أنت تنفيذ كلامك هذا ولكن فارس لن يستطيع تنفيذه فأنا اعرف ابني سيتخلي عن كل شيء من أجل قلبه وكما قلت منذ قليل لقد انقذ حياتك من قبل وجاء دورك لانقاذ حياته ومستقبله من الدمار
قالت إذا أفعل ما تراه مناسبا ياعمي فلن اعترض على شيئ
اسفة أن اقول لك عمي فلا يجب أن يكون للحشرات أعمام
قال اتفقنا إذاو سننفذ الخطة غدا قبل موعد حضور فارس بيوم ولكن عليك أن تتركي كل ثيابك وهاتفك وحتى هذه السلسلة التي في رقبتك لأن فارس سيبحث عن متعلقاتك ولابد أن يجدها ولا تقلقي لقد اشتريت لك ثيابا ووضعتها في حقيبة وساعطيها لك في الوقت المناسب عند رحيلك
قالت ولكن كل ذكرياتي مع فارس على هذا الهاتف والسلسلة هي الشيء الوحيد الذي تبقي لي من عائلتي بعد الحادث
وأنا احتفظ بها لعل أحد من أهلي يتعرف على من خلالها يوما ما
قال اما الهاتف سأشتري لك هاتف آخر احدث من هاتفك هذا وسوف انقل لك كل صور فارس التي على هاتفك عليه
والسلسلة ساشتري لك غيرها وتشبهها تماما بالإضافة الي الشيك الموجود فيه المبلغ
قالت أنا لااريد مالا المهم أن يكون فارس بخير
دخلت خديجة زوجة همام من الباب اوحين رآها زوجها
وضع ذراعه علي كتف عاليا ومسح دموعها بيديه قائلا
لا تزعجي صغيرتي وامسحي دموعك أنا اعرف ان غياب فارس مع زوجته جاسمن يحزنك ولكن انا وعمتك خديجة هنا وسنعوض عليك
قالت ما كل هذا الحب لزوجة ابنك حبيبي يبدو أن همام اخيرا ارتاح لك عاليا فهو يمسح دموعك بيديه وهذه اول مرة يفعل شيئاً كهذا
قالت عاليا فعلاً عمي يحبني ولم ار حبا كهذا في حياتي
ثم تقول في نفسها حبه لي يشبه حب الأفاعي للفريسة قبل أن تلتهمها بالاذن منكم انا اشع بالتعب قليلاً
قالت خديجة ما بك حبيبتي هل نستدعي طبيب الاسرة للكشف عليك به
أجابت لا فما اشعر به مجرد انزعاج من فراق فارس
ثم تمضي نحو غرفتها
قالت خديجة أنا اشعر بها فليس سهلا علي اي زوجة أن تترك زوجها لمرأة اخري
قال همام طبعا فهي تحبه وواجبها التضحية من أجله ولكن نحن يجب علينا أن نعوضها عن بعد فارس لذ ستذهبين غدا لشراء تجهيزات من أجل أن نقيم لها حفلا صغيرا لنسري عنها
في اليوم التالي أحضر همام السلسلة التي تشبه سلسلة عليا
وكذلك الهاتف النقال ولكنه لم ينقل لها ذكرياتها مع فارس علي هاتفها الاصلي كما وعدها ولكنه فقط خدعها بصورة واحدة لفارس على شاشة العرض للهاتف وكذلك لم يسجل لها اي رقم من الأرقام التي كانت على هاتفها حتي يتأكد أنها لا تستطيع الاتصال بفارس او حتي اي شخص تعرفه بعد رحيلها
حتي لا تفشل خطته
ووضع لها الحقيبة التي إشترى فيها بعض الملابس والاحذية ووضعها في حقيبة سيارته لأنه طلب منها ألا تاخذ شيئا من متعلقاتها الشخصية حتى لا يشك فارس في الأمر ثم بدأت الخطة
طلب همام من زوجته أن تذهب لشراء مستلزمات الحفل وهدية لعاليا حتى تخفف ألم بعد فارس عنها وطلب من سائقه الخاص توصيل زوجته للمول التجاري
لما تأكد من رحيل الجميع طلب من عاليا أن تمثل أنها مغمي عليها أمام الخدم ثم نادى على أحد حراس الفيلا وطلب من أحدهم أن يحملها إلى السيارة ثم قاد السيارة بنفسه متجها للمستشفى
رواية عليا الفصل السادس عشر 16 - بقلم Lehcen Tetouani
قبل أن يصل همام بعاليا إلى المستشفى، وبعد أن تأكد أنه ابتعد عن المنزل بمسافة كبيرة، أعطاها حقيبة الملابس والهاتف وشيكًا بالمبلغ الذي حدده، وطلب منها مغادرة المدينة لأي مكان تريده.
ولكن عاليا أخذت منه الشيك ومزقته، وأخبرته أنها تركت فارس لأنها خافت أن تكون سببًا في تدمير زواجه وحياته، لا طمعًا في النقود.
فوضع لها بعض النقود التي كانت معه في السيارة في حقيبتها، قائلًا: "أنتِ فعلاً غبية، كنتِ ستُحتاجين المال الذي تخلصتِ منه. وعلى كل حال، لقد وضعت لكِ مبلغًا في الحقيبة، كنتُ وضعتها لتسافري منها وتستأجري سكنًا حتى تسحبي مال الشيك، ولكنكِ طبعًا قمتِ بتمزيقه ولم تفكري يا ذكية. وأنا عادة لا أحمل نقودًا لأني أستخدم الفيزا كارد، أي ليس لدي ما أعطيه. لذا خذي الفيزا خاصتي، وبعد أن أتأكد أنكِ سحبتِ المال الذي اتفقنا عليه، سأوقف عملها."
قالت عاليا: "لا أريد منك شيئًا."
قال: "إذًا ستتحملين نتيجة غبائك هذا، ولكن خذي المال." ثم وضعه في جيبها.
"ولا تقولي أنكِ ستتركينه أيتها الحمقاء، أم تحبين أن تنامي في الشارع؟ هيا، سأترككِ، لدي عمل أنجزه في المشرحة."
ثم تركها وأسرع بسيارته إلى المستشفى ليستلم الجثة المجهولة، وكذلك شهادة وفاة باسم عاليا. وبعد أن جهز الجنازة، اتصل بزوجته خديجة وصهره أبو جاسمين ليخبرهم بالأمر.
تفاجأ الجميع بالخبر، وانهمرت دموع الأم على زوجة ابنها، وأخذ الخدم يبكون على الفتاة الصغيرة. ولم يكن يعرف الخدم أنها زوجة فارس، فقد كانوا يقومون بأعمالهم ثم يذهبون للمبيت مع أسرهم في المساء.
في نفس اليوم، أقيمت الجنازة، وذهب الجميع للمقابر، فقد جهز القبر وكتب عليه اسم عاليا وتاريخ الوفاة، ودفنت الجثة المجهولة، وانصرف المشيعون.
في الجانب الآخر، كانت عاليا تسير في الشارع وهي تحمل حقيبتها الصغيرة، على غير هدى، وتسأل نفسها: "أين سأذهب؟ هل أعود للفندق الذي عملت به سابقًا بالعاصمة؟ ولكن فارس يعلم أنني كنت هناك، وقد يراني لو ذهب إلى هناك."
قررت الذهاب لموقف السيارات، وساعتها ستتخذ قرارها. وبعد وصولها، وجدت سيارة ينادي صاحبها: "هيا لأحد الأماكن."
ركبت فيها دون تردد ورحلت، لأنه أبعد مكان يفصلها عن فارس وأسرته. وتنظر للطريق بينما تبتعد، فهي لا تبتعد عن موطنها الذي تربت فيه، بل عن حياتها السابقة كلها.
هناك في جزر المالديف، كان فارس يجلس تحت إحدى المظلات التي تطل على شاطئ البحر، وهو يفكر في عاليا. وحاول الاتصال بها كما كان يفعل يوميًا في مثل هذا الوقت، عندما تذهب جاسمين للسباحة. ولكن عاليا لا ترد عليه هذه المرة، فاستغرب الأمر، فقد تعود أن ترد عليه بمجرد أن يرن الهاتف.
اتصل مرارًا وتكرارًا دون جدوى، ثم رأى جاسمين تأتي نحوه، فوضع الهاتف جانبًا. قالت له: "هل كنت تكلم حماتي؟"
أجاب: "كنت أفكر في ذلك، ولكن لم أكلمها بعد."
قالت: "إذا سأذهب لأغير ملابسي وأكلم أبي، ثم أحضر كي نذهب لنتنزه قليلاً، فهذا آخر يوم لنا هنا، فلن يكن هناك مجال غدًا لأننا سنستعد للسفر." ثم تقبله وتنصرف.
اتصل فارس بأمه، فلم ترد عليه أيضًا، فوضع كلتا يديه على وجهه، قائلًا: "ياترى لماذا لا يرد الجميع؟"
"كفاك سخافة فارس، فلعلها نائمة، أو خرجت هي وعاليا للتسوق. فقد أخبرتني أمس أن أبي قد رضي أخيرًا عن عاليا وسيقيم لها حفلاً صغيرًا." ثم ابتسم. "لا تقلقي حبيبتي، فلم يتبق سوى يوم وأعود لحضنك الدافئ."
بعدها بنصف ساعة، تأتي جاسمين من داخل الفندق، متجهة نحوه وقد تغيرت ملامحها، وأخبرته أن عليهما الرحيل لأن والدها متعب قليلاً.
بالطبع، كانت أم فارس قد اتصلت بجاسمين وأخبرتها بموت عاليا، وطلبت منها ألا تخبر فارس بسبب تعلقه بها.
فرح فارس لما علم بقرار جاسمين بالعودة، وقال: "إنه خبر رائع."
"آسف، أقصد مؤسف جدًا حياتي، فيجب أن تكوني بجوار عمي في مثل هذه الظروف، وسأحجز تذكرتين على الهاتف فورًا."
وحجز فارس التذاكر في أقرب رحلة، فهو يشتاق لحبيبته عاليا كثيرًا ويود رؤيتها. سافرا ووصلا، أخذ فارس زوجته وأنزلها عند بيت والدها، وتركها هناك بعد أن سلم عليه، ولكنه تعجب قليلاً من كونه بخير. ولكن طلب من جاسمين البقاء معه حتى تطمئن تمامًا على صحته.
بعدها ذهب إلى بيت والده مسرعًا ليقابل عاليا. وعندما وصل إلى الباب، وجد أحد رجال البريد، فأعطاه موظف البريد تقارير المستشفى لفحص الدم الذي أجرته عاليا.
قرأ فارس التقرير، بينما دخل وهو يكاد يطير من الفرح، أن عاليا حامل في شهرها الثاني. فدخل إلى غرفة المعيشة وهو يصيح: "لدي خبر رائع لكم." ثم يحتضن أمه وأبيه من الفرحة.
أمر والده الخدم بالانصراف، ثم أغلق باب الغرفة.
رواية عليا الفصل السابع عشر 17 - بقلم Lehcen Tetouani
قرأ فارس التقرير بينما دخل وهو يكاد يطير من الفرح. أن عليا حامل في شهرها الثاني.
دخل فارس غرفة المعيشة وهو يصيح: "لدي خبر رائع لكم".
ثم يحتضن أمه وأبيه من الفرحة.
أمر والده الخدم الانصراف ثم أغلق باب الغرفة.
قال همام: "تستطيع أن تتحدث الآن. ماذا تريد أن تقول؟"
قال فارس: "ما كانت تشعر به عليا من أعراض ليس بسبب المرض، وإنما بسبب شيء آخر."
أوقفه الأب: "ماذا تقول يا بني؟"
قال فارس: "هذه التقارير تثبت أن عليا حامل."
وقف الأب مكانه دون حراك من الصدمة. ثم سأل فارس والده: "أين عليا لأخبرها بهذا الخبر السعيد؟"
نهضت إليه أمه. قالت: "عليا... عليا..."
"ما بها عليا؟ تكلمي يا أمي."
إنفجرت الأم في البكاء وإحتظنت إبنها قائلة: "عليا توفيت أمس بأزمة قلبية."
صرخ فارس: "هذا مستحيل! أنتم تمزحون معي صحيح؟"
ثم أبعد أمه وجرى نحو غرفتها ليجد الهاتف والسلسلة على السرير. فمسك السلسلة ويعود لوالده مرة أخرى.
وقال له: "أبي، أخبرني أن هذا غير صحيح. أخبرني أنكم تمزحون معي أو أنني في حلم."
فلا يجد من أبيه إلا الصمت.
فيلقي فارس بنفسه على الأرض وهو يقول: "يا الله... يا الله... يا الله..."
إنفتحت سلسلة عليا بسبب إصطدامها بالأرض. فجلست خديجة بجوار ابنها لتهدأ من روعه. بينما نظر الأب للسلسلة المفتوحة وتلك الصورة التي بداخلها. ويقول: "هذه صورة اختي وزوجها. لقد كانت عليا تقول أن السلسلة ذكرى من أهلها. وهذا يعني أن عليا بنت أختي المرحومة سمر التي توفيت في حادث سيارة من خمسة عشر عامًا."
ثم قال في نفسه: "يا ويلي ماذا فعلت! لقد ضيعت ابنة أختي وحفيدي بيدي والقيت بهم في الشارع. يا ألله ماذا فعلت؟"
عرف الآن همام أن عليا الفتاة التي كان يحاربها طوال الوقت ورماها في الشارع وهي حامل بحفيده هي ابنة شقيقته الوحيدة والتي لها ثلث الشركة وهو نصيب اخته التي ورثها بعد موتها.
جلس حزيناً فيما فعله مع عليا وكيف كان قاسيا في تعامله معها. وأخذ يفكر كيف أنه فرط في بنت اخته ببساطة. ورمى بها في الشارع دون مأوى لتواجه مصيرها وحيدة هي وجنينها الذي هو حفيده. حتي أنها مزقت الشيك الذي أعطاه لها. ولم يتمكن إلا من أعطائها بضعة نقود كانت معه.
عاد بذاكرته للخلف تسعة عشر عامًا ليتذكر كيف أن أخته خالفت أمر أباها وتزوجت دون رضاه. وأنها بعد ثلاث سنوات وجدت بطاقتها في إحدى السيارات في حادث كبير على طريق العاصمة نتج عنه تحطم عدد كبير من السيارات ووفاة كل من في الحادث. وبسببه أنه لم ينج من الحادث سوى فتاة صغيرة عمرها ثلاث سنوات. وأن الشرطة طلبت منه ومن والده الذهاب للتعرف على الصغيرة. ولكنه لم يهتم لذلك فقد هربت أخته من ثلاث سنوات وعمر الفتاة ثلاث سنوات مما يعني أنها ليست ابنتها. فلو أنها ابنتها لكان عندها سنتين فقط. ولكنه بعد فقد عليا أرسل همام تحريًا للبحث عن أهل صهره والد عليا. ولكنه وجدهم قد توفيا. ووجد جارة لهم أخبرته أن سمر أخت همام تزوجت سرا من حبيبها بسبب رفض والدها له بسبب أنه من أسرة فقيرة وليس من نفس طبقتهم الاجتماعية. وان اهل الشاب والجيران كانوا يعلمون بالأمر. ولم عرفت اخته أنها حامل طلبت من والدها الزواج من حبيبها. ولكنه رفض وحبسها في المنزل. فخرجت من المنزل سرا وهربت مع زوجها. فيتصل التحري بهمّام ويخبره بالأمر.
عاد همام وجلس في مكتبه وأخذ يلوم نفسه. فلو أنه حينها كلف نفسه وذهب لرؤية الفتاة فربما تعرف عليها بواسطة تحليل لـ DNA وأنقذها من هذا المصير الأسود. ليس هذا وحسب بل أنه ألقى بحفيده في الشارع ليلقي نفس مصير أمه ويتربي مشرداً وحيداً بلا مال أو سكن.
وأخذ يقول لنفسه: "هل أخبر ابنه وزوجته بالحقيقة وأن عليا مازالت على قيد الحياة أم أصمت حتى أعثر على عليا وأعيدها إلى المنزل؟"
فلو علم ابنه بحقيقة الأمر فلن يكرهه وحسب بل سيهجره ولن يراه مرة أخرى.
أن قلبه يعتصر ألمًا على ابنه الوحيد. إنه يراه هادئًا على غير العادة. حتى أنه لا يذرف الدموع. ولكن يظهر على وجهه مشاعر الحزن وهذا أمر مقلق. فهو يجلس ممسكًا بهاتف عليا. يقلب في الصور والفيديوهات التي تجمعه معها دون أن ينطق بحرف. حتى أن زوجته جاسمن تتصل عليه ولا يرد على الهاتف. وينظر همام لفارس في حسرة. فيجده قد هب واقفًا فجأة.
قالت خديجة: "إلى أين أنت ذاهب يا بني؟"
فارس: "إلى قبر عليا."
ثم ينطلق مسرعًا.
رواية عليا الفصل الثامن عشر 18 - بقلم Lehcen Tetouani
انطلق فارس مسرعاً إلى قبر عاليا.
فجرى والده ورآه وقال للسائق:
"لا تدعه يأخذ السيارة، اذهب معه لتقود أنت به إلى المقبرة."
أجاب فارس: "لا أريد أحداً، ابتعدوا عن طريقي."
قال همام: "ألا تذكر ما حدث في المرة الماضية؟"
أجاب فارس: "ليته يحدث مرة أخرى لاستريحت."
قالت له خديجة: "لما تفعل هذا بأمك يافارس؟ دع السائق يذهب معك على الأقل ليدلك على المقبرة، فلن تعرف مكانها والسائق كان معنا وسيدلك عليها."
قالت خديجة: "إذا تعالى بسرعة وخذني إلى هناك فأنا أشعر أنني اختنق."
ركب فارس مع السائق بينما يتنهد همام بعد أن اطمئن أن ابنه لن يقود بنفسه.
ثم يقرر الأب أن الحل هو أن يبحث عن عليا في كل مكان ويعيدها، وبعدها يخبر ابنه وزوجته بالحقيقة.
فربما يسامحه فارس على تلك الجريمة التي ارتكبها في حق زوجته وابنه الذي لم ير النور بعد.
بعد أن انصرف فارس، وجدت خديجة هاتفه يرن.
فلقد أخذ فارس هاتف عاليا معه بينما ترك هاتفه.
فردت على جاسمين التي كانت تتصل من بيت والدها.
"أهلاً يا جاسمين يا بنتي."
"أهلاً عمتي، لقد اتصلت بفارس كثيراً ولم يرد على اتصالاتي، هل هو بخير؟"
قالت لها: "إن فارس مصدوم بسبب وفاة عاليا، حتى أنه نسي هاتفه وذهب للمقبرة، وأنها ستخبره ليتصل بها بعد عودته، ولكن اعذريه لو تأخر في الاتصال وامهليه حتى يهدأ حزنه."
قالت جاسمين: "طبعاً عمتي سأفعل، ولكن وجودي بجانبه قد يسري عنه."
ردت خديجة: "الأفضل أن يكون بمفرده هذه الفترة وبمجرد أن تتحسن نفسيته سيأتي ويأخذك."
"حاضر عمتي."
في اليوم التالي، أرسل همام بعض العاملين للتحري ليسألوا عن عليا في كل مواقف السيارات والقطارات، ولكن بحثهم كان دون جدوى.
في ذلك الوقت، كانت عليا تركب إحدى السيارات المتجهة إلى أكبر المدن في البلد وأقلها سكانا، فهي تريد أن تذهب إلى مكان بعيد جدا لا يعرفها فيه أحد ولا يراها فارس مرة أخرى فتتدمر حياته كما أقنعها والده.
بعد أكثر من ست ساعات، وصلت عليا وسألت بعض الركاب عن مكان تنام فيه وطلبت أن يكون رخيص السعر.
فدلتها إحدى المسافرات معها على فندق قريب من موقف السيارات وسعره في متناول يدها.
ذهبت إليه واستأجرت غرفة ثم استلقت على السرير دون أن تذوق الطعام وهي تفكر ماذا ستفعل هنا وأي مصير مجهول ينتظرها.
ثم راحت في ثبات عميق واستغرقت في النوم كأنها لم تنم منذ شهر، أو ربما نامت هربا من الواقع المؤلم الذي تعيشه.
في اليوم الموالي، استيقظت من نومها وهي جائعة فهي لم تتذوق طعاما منذ صباح أمس.
فخرجت لتبحث عن شيء تأكله فوجدت بائعا فاشترت الساندويش وجلست على طاولة في المحل وأكلتها بنهم شديد.
ولكنها بمجرد أن انتهت من الأكل شعرت بألم في بطنها وشعور شديد بالغثيان، فاعتقدت أن الطعام الذي أكلته ملوث.
سألت أحد المارة عن المستشفى فدلها أحدهم على مكانه.
ركبت سيارة أجرة ولما وصلت لكانت تشعر بإعياء شديد.
وبعد الكشف عليها، أخبرها الطبيب بخبر لم يكن في الحسبان.
أنها حامل وما شعرت به من أعراض وألم في البطن إنما هي أعراض الحمل.
تفاجأت عليا بالخبر وقالت في نفسها: "ماذا أفعل الآن؟"
"أنا في الثامنة عشر من عمري وليس لي أحد يرعاني أو ينفق علي."
"ولقد مزقت الشيك الذي أعطاه لي والد فارس وليس معي إلا النقود التي دسها لي ولد فارس في جيبي عندما قطعت الشيك وهي لن تبقي معي لفترة طويلة."
"فإيجار الفندق كثير علي، لذا أنا أحتاج لمكان أسكن فيه وطعام ومصاريف الولادة للطفل القادم."
"ماذا أفعل؟ هل أتصل بوالد فارس وأخبره بأمر حملي؟"
أخرجت الهاتف من جيبها ثم تتذكر أنه أخذ هاتفها لأنه عرف أن فارس سيسأل عنه وأعطاها هاتف جديد ليس عليه أرقام، وهي لا تحفظ في ذاكرتها أي رقم.
ولكن حتى لو كانت تعرف رقم الهاتف واتصلت به، فهو لن يهتم بكلامها فهو يعتبرها وصمة عار على جبين ابنه ويريد أن يتخلص منها ويمحوها من ذاكرته.
كل هذا كان يجول بخلدها وهي جالسة على سرير المستشفى.
ثم اتجهت لربها بالدعاء ليفرج عنها هذا الكرب التي هي فيه.
واستلقت على السرير بعد أن علقوا لها المحاليل.
ثم سمعت إحدى الممرضات تقول لزميلتها أنها مضطرة لترك المشفي الخاص الذي تعمل به بدوام جزئي لأنها ستتزوج وتسافر مع زوجها، وأنها طلبت نقلها من هذا المشفي الحكومي أيضاً لمقر سكن زوجها.
هنا طرقت ذهن عليا فكرة.
لقد تعلمت في الملجأ كيف تعطي الحقن بشتى أنواعها.
فقد كانت تريد إكمال دراستها ودخول كلية الطب، ولكنها الآن في حكم الميتة أمام القانون، فقد أخرج لها والد فارس شهادة وفاة وهي لا تزال على قيد الحياة وحرمها من إكمال دراستها.
رواية عليا الفصل التاسع عشر 19 - بقلم Lehcen Tetouani
بعد أن سمعت عليا إحدى الممرضات تقول لزميلتها إنها مضطرة لترك المستشفى الخاص الذي تعمل به بدوام جزئي لأنها ستتزوج وتسافر مع زوجها، وأنها طلبت نقلها من هذا المستشفى الحكومي أيضاً لمقر سكن زوجها.
وبما أن عليا قد كانت معرفتها ببعض الأمور الطبية قد ينفعها في العمل كممرضة، نادت على علي الممرضة التي كانت تتحدث وسألتها عن مكان العمل الذي كانت تتحدث عنه.
أجابتها الممرضة أن الطبيب يحتاج لشخص متفرغ للعمل.
فرحت عليا بذلك وأخبرت الممرضة أنها تستطيع العمل، ولكنها تحتاج لسكن قريب من المستشفى.
فأخبرتها الممرضة أنها تستطيع الإقامة في المستشفى الخاص نفسه لو رغبت في ذلك، وأنها ستكلم الطبيب حتى يجري معها مقابلة.
ثم طلبت منها الممرضة أن تعطيها رقم هاتفها لكي تتصل بها.
أجابتها أنها لا تحفظ رقم الهاتف لأنها اشترت الشريحة حديثاً، فسجلت الممرضة رقم هاتفها وأعطته لها حتى تتصل بها وتعرف رقمها لتعاود الاتصال بها لاحقاً إذا وافق الطبيب.
فرحت عليا كثيراً بهذا الأمر. فلرب ضارة نافعة، فلولا مرضها المفاجئ لما استطاعت الحصول على هذا العمل.
إنتهى المحلول ونادت عليا على الممرضة لتسألها هل تخرج، فأجابتها نعم تستطيع.
عادت عليا لغرفتها في الفندق المتواضع الذي تقيم فيه، واستلقت على السرير داعية من الله أن يقبلها الطبيب للعمل عنده.
ثم سألت نفسها، ولكن سرعان ما نسيت أمر الوظيفة وأخذت تفكر: ياترى ما حال فارس بعد أن علم بوفاتها، وأين هو الآن؟ هل هو مع زوجته الحسناء وقد نسيها، أم مازال يتذكرني؟
كان فارس يجلس أمام قبر عليا المزيف وعيناه تذرفان الدموع وهو يقول لنفسه: سامحيني صغيرتي، هذا كله بسببي أنا، لولا أني تزوجت وتركتها وحيدة لما حدث هذا، ولو رحلة سهر العسل الغبية تلك لكنت بجانبك وكنت أسرعت وأنقذت حياتك. ومن يعلم؟ ربما موتك حبيبتي بسبب حزنك لأني تزوجت بأخرى. سامحيني ياقلبي، لن أنساك ما حييت. أنت حبي الأول والأخير، فأنا وقلبي معك في هذا القبر، الفارق الوحيد أني الميت الوحيد الذي يمشي فوق الأرض.
ثم قرأ الفاتحة وانصرف بعد أن اظلمت الدنيا.
رن هاتف عليا فردت، فأخبرها الممرضة أنها تستطيع استلام العمل من الغد فقد وافق الطبيب.
فرحت عليا فرحاً شديداً وذهبت في اليوم التالي لتستلم العمل، ووضعت أغراضها في الغرفة التي أعطوها إياها من أجل الإقامة.
بعد مضي شهران، كانت جاسمن تحاول التخفيف عن فارس والتقرب منه، ولكن دون جدوى. فقد كان يبتعد عنها كلما حاولت التقرب منه، وأصبح فارس منغمساً في العمل ظناً منه أنه بذلك سينسى عليا، فكان كالإنسان الآلي لا يهتم لمشاعر أحد، حتى زوجته التي كانت تحبه كثيراً وتبذل جهدها من أجل التقرب منه.
أما همام والده، فكان يرسل من يبحثون عن عليا في كل مكان، ولكن دون جدوى. فلا أحد يعرف أين ذهبت، واختفت عليا كإبرة في كومة قش.
ترك همام العمل بالشركة لفارس، فأحساسه بالذنب جعل صحته تتدهور ولازم الفراش، فالسر ثقيل على نفسه وهو لم يخبر به أحد حتى زوجته. وظل طوال الوقت متردداً هل يخبرها أم لا، فهي لن تستطيع كتمان السر عن ابنها. ولو علم فارس ستضطرب حياته من جديد بعد أن استقر في عمله وحياته. صحيح أنه يشعر أن ابنه قد أصبح كالآلة بلا مشاعر، ولكنه على الأقل فهو بخير. لذا لن يستطيع إخباره أن عليا على قيد الحياة وهو لا يستطيع العثور عليها، فقد يتحطم كلياً عندما يعرف الحقيقة وأن أباه هو السبب في ضياع حبيبته للأبد.
مر شهران على عمل عليا في المستشفى الخاص، ولم يكن قد كبر بطنها بعد بالرغم من كونها في الشهر الرابع، لو أخطأت في الحساب طبعاً.
في أحد الأيام، أتى المهندس طارق إلى المستشفى الخاص مع أمه، وعندما رأتها عليا عرفتها، فهي نفس السيدة العجوز التي قابلتها في الفندق في العاصمة عندما هربت المرة الأولى. كان اسمها عائشة، وكانت تجلس معها في وقت فراغها.
وعندما اقتربت عليا من السيدة، عرفتها الحجة عائشة واحتضنتها، فاهتمت عليا بها كثيراً.
فتلفت ذلك انتباه طارق ابنها. وبعد إنتهاء الفحص، توجه طارق نحو عليا وطلب منها أن تكون الممرضة الخاصة لأمه وتقيم معها في شقتها لتؤنس وحدتها وتهتم بصحتها. وطلب منها أن تفكر في الأمر وترد عليه، فأمه تعيش بمفردها وسيكون مطمئناً عليها عندما تكون هي معها. ثم أعطاها رقم هاتفه لتتصل به لو وافقت وانصرف هو وأمه.
بينما جلست عليا تفكر هل تقبل العرض أم لا، ولقد تملكتها الحيرة، فهي بعد خمس شهور ستلد ولن يكون لها ملجأ تذهب إليه، فهل تقبل العرض أم لا.
رواية عليا الفصل العشرون 20 - بقلم Lehcen Tetouani
اهتمت عليا بالسيدة العجوز، ولفت ذلك انتباه طارق ابنها. طلب من عليا أن تكون الممرضة الخاصة لأمه وتقيم معها في شقتها لتؤنس وحدتها وتهتم بصحتها.
طلبت عليا بعض الوقت للتفكير، وكي تأخذ إذنًا من الطبيب لأنه وقف بجانبها في وقت الشدة، في وقت كانت تحتاج فيه للعمل.
بعد أن أنهت عليا دوامها، رجعت إلى غرفة النوم الخاصة بها وأخذت تفكر. بعد عدة شهور لن تكون قادرة على العمل الشاق في المستشفى. أما الحاجة عائشة فهي شخص واحد، وتستطيع الاهتمام بها ولن تشكل عبئًا كبيرًا عليها في شهور الحمل الأخيرة.
ثم اتخذت قرارها أن تترك العمل في المستشفى وتعمل لدى الحاجة عائشة.
فذهبت عليا واستأذنت الطبيب في أنها لن تستطيع إكمال العمل في المستشفى لأنه كلما تقدم الحمل تشعر بالتعب ولن تستطيع رعاية كل المرضى كما كان في السابق.
وافق الطبيب لأنه يعلم أن عليا حامل بثلاثة أطفال، وأنها لن تستطيع مواصلة العمل معه. بالفعل، كانت عليا قد أخبرت الطبيب بأنها يتيمة، وأن زوجها سافر إلى خارج البلاد من أجل العمل في إحدى الدول، ولكن أخباره قد انقطعت.
أعطاها الطبيب ما تبقى من حسابها، وطلب منها أن تحضر في أي وقت إذا شعرت بالتعب، وسيكون الكشف مجانيًا. شكرته عليا وانصرفت.
بعد أن تركت عليا العمل، اتصلت بطارق من خلال الرقم الذي أعطاه لها، وأخبرته أنها مستعدة للعمل مع السيدة عائشة.
جاء طارق مسرعًا بسيارته واصطحبها لشقة أمه. فرح كثيرًا بموافقة عليا بالإقامة مع أمه، فهو يعيش في بيت آخر مع زوجته التي لا تطيق حماتها ولم ترغب في العيش معها. وهو يتحمل كل ما تقوم به زوجته وأسلوبها القاسي معه ومع والدته.
بسبب معاناته في الماضي، فقد هجره والده وهو صغير جدًا ليتزوج من امرأة أخرى غير أمه التي رفضت الزواج مرة أخرى وعاشت وحيدة من أجل تربيته، فهو لا يريد لأولاده أن يعيشوا نفس التجربة القاسية التي عاشها هو من خلال فقد أمه.
لذلك، يتحمل كل ما تقوم به زوجته وأسلوبها البشع حتى لا يتألم أولاده ويعانون إذا طلق أمه. وحتى لا تُسيء زوجته لأمه المسكينة، اشترى لأمه شقة قريبة من منزله، وكان يذهب للاطمئنان عليها كل يوم بعد انتهاء عمله بشركته الصغيرة التي أسسها من الصفر.
ولكنها الآن مريضة وتحتاج من يرعاها في كبرها، لذلك طلب من عليا أن تسكن معها ليكون مطمئنًا عليها أثناء غيابه عنها.
بقيت عليا مع الحاجة عائشة أيامًا وشهورًا، وتوطدت العلاقة بينهم لدرجة أنها كانت تناديها "أمي". وقصت عليها قصتها الحزينة مع فارس وما فعله والد فارس معها.
كانت العجوز تهدئ من روعها وتطمئنها أنه قد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن ألا تلاقيا.
كان طارق يأتي كل يوم لجلب الطلبات لأمه والاطمئنان عليها، ويجلس بعض الوقت ثم يرحل.
وفي أحد الأيام، وبعد أن نامت الحاجة عائشة، جاء طارق ليزورهم كالعادة، ولكنه رن الجرس كثيرًا ولم يفتح أحد، فقد كان التيار الكهربي مقطوعًا.
اضطر طارق لفتح الباب والدخول للشقة، فوجد الظلام حالكًا. فأمسك بالهاتف كي يشغل الكشاف، ولكنه سقط من يده. فجلس في الأرض يتحسسه حتى يمسك به.
هنا خرجت عليا من غرفتها لتشرب بعض الماء، وأخذت تمشي ببطء في الظلام. وفجأة اصطدمت بطارق الذي يجلس على الأرض، فصرخت.
ولكن طارق وقف بسرعة وضمها قائلًا: "أنا طارق، لا تخافي وأهدي قليلاً."
لم تشعر عليا بنفسها، فقد ظلت بين أحضانه. هنا تذكرت فارس، فتصورت للحظة أنه هو من يقف أمامها، ف قامت بتقبيله.
ثم عاد التيار مرة أخرى، لتنظر فتجد أن طارق هو من يقف أمامها، ففزعت وجرت نحو غرفتها وأغلقت الباب.
أخذ طارق هاتفه من على الأرض واتجه نحو غرفة عليا المغلقة، ووضع يده على مقبض الباب حتى يفتحه. فقد فهم أن عليا لم تقصده هو عندما قبلته، فقد كانت تناديه باسم فارس.
وقرر أنه سيبرر لها ما حدث بأنه خطؤه هو حتى لا تشعر عليا بالإحراج. ولكنه خاف أن تفهمه خطأ لو فتح غرفتها، لذا تراجع وذهب لغرفة أمه فوجدها نائمة.
فانصرف مسرعًا، فهو لا يريد أن تتطور مشاعره نحو عليا أكثر من ذلك. فهي متزوجة، وهو أيضًا لديه زوجة وأولاد يجب أن يحافظ عليهم. هذا بالإضافة أنه يكبرها بعشرين عامًا، وقد نضج كفاية ليعرف أن إحساسه نحوها مستحيل.
في اليوم التالي، استيقظت عليا وجلست بجوار عائشة، وأخبرتها أن لديها شيئًا يؤرقها تريد أن تخبرها به.