استيقظت رسيل من نومها وعيناها منتفخة من كثرة البكاء وملامحها تبدو عليها الحزن. أرادت أن تذهب إلى الحمام لتتوضأ وتؤدي فرضها، فقامت من مكانها متناسية وجود تلك المزهرية المحطمة من أثر ما فعله بها أدهم بالأمس. أخذت تسير ببطء وتتحسس كل شيء أمامها لعلها تعثر على الحمام، ولكن لسوء حظها دخلت في قدمها قطعة من المزهرية المكسورة. أطلقت على أثرها صرخة وجلست في الأرض تبكي، وأخذت تحاول أن تزيل القطعة المكسورة ولكنها لم تقدر.
تذكرت أخويها، فهي قد اشتاقت لهم، اشتاقت لسندها وأمانها. تخيلت لو كانت في ذلك الموقف في بيتها ومع أخويها، لكانوا الآن في قمة خوفهم وحرصهم على تخفيف آلامها، ولكن أين هم الآن؟ هي الآن وحيدة في تلك الغرفة التي يضيق لها صدرها. ولكنها وسط تفكيرها لم تسمع خطوات اقتراب أحد منها بلهفة، وعندما شعرت بأحدهم قالت بلهفة وسعادة: "محمود… أنت جيت… وحشتني أوي أنت ومالك."
ولكن خاب أملها عندما علمت أنه أدهم، عندما اشتمت رائحة عطره التي تسللت إلى أنفها، فتلك الرائحة لا يمتلكها محمود. انكمشت رسيل وشعرت بالخوف منه ورجعت إلى الوراء بتألم. أما هو، فقد تقدم نحوها بعدما شعر ببعض الندم لكونه السبب فيما حدث لها. ثم قام بإمساك قدمها وكانت رافضة، ولكنه ثبتها وأزال القطعة وقال: "اهدي، هطهر لك الجرح مش أكتر." ثم قام وأحضر علبة الإسعافات الأولية وقام بتطهير الجرح.
لا تنكر شعورها ببعض الراحة، وقد تسلل إليها الشعور ببعض الأمان. وبعدما انتهى، نظر إليها ويا ليته لم يفعل، فقد تذكر تلك التي يبغضها ولمعت عيناه بالغضب والكره، وتركها وذهب حتى لا ينفعل ويندم بعد ذلك. *** في الجامعة، كان محمود واقفاً بعد انتهاء الشرح يقول: "إحنا خدنا جزء كويس في المنهج، وإن شاء الله في امتحان المرة الجاية على الجزء ده… تقدروا تتفضلوا."
خرج جميع الطلاب وبقي هو يجمع أشياءه ويستعد للخروج، وهو منشغل الذهن بتلك التي دق لها قلبه، ولكنه نهر نفسه مرة أخرى، فهي ربما تكون زوجة وهو لا يحق له التفكير فيها. خرج من القاعة، وأثناء سيره لاحظها تقف مع شخص، وذلك الشخص ممسكاً بيدها وهي تحاول أن تنزع يدها وتبكي وتترجاه أن يتركها. فغلي الدم في عروقه واقترب منهم قائلاً: "في حاجة يا باشمهندسة؟ الشاب بوقاحة:
"وأنت إيه حشرك بينا… روح شوف مين جايبك. … بنت عمي وأنا حر معاها." كاد محمود أن يلقنه درساً، ولكنه لاحظ نظراتها المترجية له حتى لا يجتمع الطلاب من حولهم. فتراجع عما كاد يفعله وقال محدثاً إياه: "سيب إيديها دلوقتي بدل ما أجيب لك أمن الجامعة يتصرفوا معاك، وأنت أصلاً شكلك مش طالب جامعي." خاف ذلك الشاب وترك يدها، وابتعدت عنه جني، وقال لها: "قولي بقى لأخوكي إني هتجوزك غصب عنه." ثم نظر لمحمود وأكمل:
"وابقي وريني بعد كدا مين هيبعدك عني." وتركهم وذهب مسرعاً. نظرت جني إلى محمود بإمتنان وقالت: "شكراً لحضرتك…" وكادت أن تغادر إلا أنه استوقفها قائلاً: "أخوكي يعرف إنه بيضايقك؟ جني بتردد: "أحمد… لا، ما يعرفش." هنا سعد محمود لمعرفة أن ذلك الشخص الذي يدعي أحمد أخاها وليس زوجها، ولكنه أخفى سعادته وقال: "لازم يعرف يا آنسة جني." جني بتردد: "إن شاء الله… وشكراً لحضرتك مرة تانية…" وتركته وذهبت. ***
أما عند مالك ومريم، كانا جالسين يتناولان الإفطار بعد أن أحضره مالك. كان يأكل وبين الحين والآخر ينظر إليها، كانت تجلس بجانبه ترتدي بيجامة طفولية عليها رسومات كرتونية وتاركة لشعرها البني الحريري العنان، فكانت جميلة. لاحظت مريم نظراته لها وكانت خجلة، ولكنها أرادت أن تعرف هل سيتركها تعمل بالمستشفى أم لا. مريم: "هو أنا كنت عايزة أسألك سؤال." ترك مالك ما بيده وقال وهو يبتسم: "اتفضلي… ولا أقولك، عارف عايزة تسألي عن إيه؟
"بصي يا ستي، أنا مالك عصام… دكتور جراحة بشتغل في مستشفى الصياد… عندي 26 سنة، شاب وسيم شبه ما أنتِ شايفة، أعجبك يعني، عندي أخ وأخت، بس كل دا اللي عايزة تعرفيه صح؟ كانت مريم مندهشة منه، وبعدما انتهى ضحكت. وعندما رأى ضحكتها سرح فيها وقال: "ضحكتك حلوة قوي." وبينما هي توقفت عن الضحك واحمر وجهها وقالت: "أنا كنت عايزة أسألك عن إني ممكن أنزل الشغل معاك…" مالك مصطنع الحزن: "يا خسارة، كنت مفكر السؤال عليا… مش مهم."
"أما عن الشغل، فأنا معنديش مانع تروحي وتيجي معايا." فرحت مريم جداً وشكرته. *** أما رسيل، بعدما طهر أدهم لها الجرح وخرج، جاءت إحدى الخادمات لتنظف الغرفة، وبعدما انتهت خرجت وبقيت رسيل في مكانها عاجزة تبكي على حالها، غير قادرة على التحرك لأنها لا تعرف أي شيء في الغرفة. ظلت تدعو الله حتى سمعت طرقاً على الباب. فأزالت دموعها وأذنت للطارق، فدخلت سيدة في منتصف الأربعين من عمرها وتدعى (كوثر) واتجهت نحو رسيل. بينما قالت رسيل:
"مين؟ كوثر: "متخافيش، أنا الدادا كوثر… انتي لو محتاجة حاجة قوليلي." رسيل بحرج: "شكراً… بس هو ممكن أنا عايزة أصلي ومش عارفة الحمام فين… ممكن تعرفيني بعد إذنك لو مش هتعب حضرتك." ضحكت كوثر وقالت: "حبيبتي، انتي زي بنتي… تعالي أوريكي كل حاجة هنا عشان تعرفي هي فين، وكمان شنطتك معايا وهعرفك حاجتك هتحطيها فين…" شعرت رسيل بشيء من الفرحة لأن الله أرسل إليها أحداً ليساعدها.
حمدت الله في سرها وسارت مع كوثر لتتعرف على أماكن كل شيء في الغرفة. *** جاء موعد خطوبة عمر وكان لابد من حضور ريتال، فهي في النهاية ابنة خالته. كان عمر يجلس بجانب خطيبته وتدعى (سالي) ، كان قلب ريتال يعتصر من الألم، ولكنها تحاملت على نفسها وذهبت لتبارك له. ريتال: "ألف مبروك يا عمر." عمر: "الله يبارك فيكي، عقبالك." ابتسمت له وتوجهت لتبارك للعروسة.
كانت بالفعل جميلة، ولكنها ترتدي فستاناً ضيقاً ومكشوفاً بعض الشيء أيضاً، لم تكن محجبة، فقد كان شعرها طويلاً ناعماً أصفر اللون. ريتال وهي تمد يدها لها: "ألف مبروك." لم تسلم عليها وقالت لها بشيء من التكبر: "مرسي." بينما أحرجت ريتال وسحبت يدها وتركتهم ووقفت بعيد. اعترض عمر على طريقتها قائلاً: "إنتي عملتي كدا ليه؟ إنتي أحرجتيها." سالي: "بيبي، سيبك منها… شاغلة نفسك بيها ليه، أنت مش شايف شكلها عامل إزاي؟
في حد ييجي خطوبة بالمنظر ده." عمر: "أولاً، بلاش بيبي، اللي بتعصبني… ثانياً، إنتي مالك بلبسها و…" كاد أن يكمل إلا أن والدته أحضرت الدبل ليتبادلوها. كانت تنظر ريتال لهم من بعيد، وعندما رأته يضع الدبلة في يدها لم تتحمل وانطلقت بخطوات سريعة حيث وقفت في شرفة البلكونة. وبعد وقت قصير سمعت الزغاريط وصوت الموسيقى يرتفع. بينما هي واقفة بمفردها تهبط دموعها بصمت، إلا أنها تفاجأت بمن يضع يده أسفل نظارتها ويخبئ عيونها.
حينها ابتسمت وعلمت من هو.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!