تحميل رواية «عروس الصعيد» PDF
بقلم نورهان اشرف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الدم ما يغسلوش غير الدم، واحنا إذا كان مات عندنا راجل في بداله ألف. إحنا مش نسوان ولا عويل عشان نسيب طأرنا لبيت الرحايمة. كانت تلك الكلمات تخرج من فم كبير الحوامدية بكل غضب وجبروت. فبرغم كبر سنه، إلى أنه يتميز بصحة وقوة جيدة. نظر له كبير الرحايمة هو أيضاً بقوة وجبروت وهو يقول: إذا كان عندك أنت ألف، إحنا عندنا 2000، ومحدش هيجدر يمس شعرة واحدة من أي راجل من دار الرحايمة. هنا انتفخت صدور رجال الرحايمة بسبب قوة كبيرهم. فبرغم أنه لم يكمل عامه ال 35، إلى أنه يمتلك قوة وفطنة إلى حد كبير. نظر شيخ البلد...
رواية عروس الصعيد الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم نورهان اشرف
ذهب رحيم إلى الباب، فتح الباب ووجد نواره تقف أمامه وهي تنظر إليه بحسرة.
رحيم بجدية: إيه عاوزه إيه يا نواره؟
نوارة بهدوء: عاوزه أتكلم معاك، عاوزه أقعد أنا وانت وأقولك على كل حاجة. ممكن؟
رحيم بسخرية: يعني انتي ما جيتيش كلمتيني زمان، جايه تكلميني دلوقتي بعد ما حطتني قدام الأمر الواقع؟
نوارة بحزن: أرجوك يا رحيم، بلاش تتعب قلبي معاك. تعال تعال نقعد نتكلم مع بعض وأحكيلك كل حاجة، يمكن تفهم وتقدر.
رحيم بسخرية: يعني أنا اللي المفروض أفهم وأقدر؟ أنا المفروض اللي أستحمل، صح كده؟
كادت تركع نواره على قدميها وهي تنظر له بضعف وتقول: أرجوك يا رحيم.
أمسكه رحيم من ذراعيها وهو يقول: تعالي يا نواره، تعالي.
قال ذلك وأخذها إلى غرفتها وهو يسندها. مهما حدث هي حبيبته التي لا يحب أحد سواه.
كل هذا كان يحدث تحت أنظار جنه المبتسمة. نعم هي مبتسمة للغاية، فهذا يعني أن رحيم سوف يعود إلى نواره ويعامله بحب مرة أخرى. لا تعرف لماذا، عندما ترى حب رحيم إلى نواره تشعر أنها في أحد القصص والروايات. تتذكر تلك الروايات التي كانت تقرأها عندما كانت في بيتها الهادئ. والدتها تتذكر تلك الروايات التي صورت أن الزوجة الأولى شريرة للغاية ولا تصلح سوى أن تكون عاهرة، ولكن العكس تماماً يحدث مع رحيم ونوارة، أنثى رقيقة وطيبة للغاية.
نهرت نفسها بقوة وهي تسأل نفسها: هل سوف يحدث كما يحدث في الروايات ويقع رحيم في عشقها؟ هل سوف يفعل مثلما فعل يونس مع شهد؟ هزت رأسها بضعف وهي تقول: حتى لو عملت كده أنا مش هقبل أصلاً، رحيم ملك نواره. حلوة معه جداً.
قال ذلك وذهبت إلى المرأة لكي تضبط حاجبها.
أما عند نواره في الغرفة، كانت تقف أمام رحيم بكل ضعف وحزن وهي تقول: عارفة إنك بتقول عليا إنانية وإني مش بفكر غير في نفسي وبس، بس والله أنا عمري ما كنت أنانية يا رحيم، أنا كنت بعمل كده عشان موجعش قلبك عليا.
رحيم بسخرية: نواره، قولي انتي عايزة تقولي إيه وخلينا نمشي، لأن صدقيني مش قادر أتحكم في أعصابي أكتر من كده.
نظرت له نواره بحب وهي تقول: معقولة يا رحيم؟ بعد ما كنت بتبقى عايز تفضل قاعد معايا وجنبي، عايز تسيبني؟ بقيت بتكرهني يارحيم؟ مبقتش عايزاني؟
انهارت كل حصون رحيم التي كان يبنيها حول قلبه لكي لا يضعف أمامها. أمام تلك الكلمات البسيطة التي قالتها نواره، قال بعشق جارف: انتي ما بتفهميش، أكرهك إزاي؟ أنا عمري ما أقدر أكرهك، الكره في حتة وانتي يا نوتره في حتة تانية. ده انتي حبيبتي وروحي وقلبي. أنا زعلان، زعلان ومقهور منك. ما كنتش مصدق لما عرفت من رنا إنك تعبانة ومش راضية تقوليلي. ما كنتش مصدق لما صاحبتك جت قالتلي، وإنتي مقولتيش. للدرجة دي؟ انتي شايفه إن مش هقدر أحافظ على سرك؟ للدرجة دي شايفاني ماليش لازمة عندك؟
نوارة بحب: مين قال كده بس يا ضي عيني؟ ده انت حبيبي وتاج راسي وكل حاجة في حياتي. بس أنا يا رحيم والله ما كان قصدي حاجة. أنا بس كنت عايزة يبقى في حتة مني. رحيم، أنا حالتي بتسوق كل فترة والتانية وكده كده هاموت.
رحيم بسخرية: طب وفيها إيه؟ طب ما أنا هاموت هو أنا مش ممكن أموت دلوقتي وأنا واقف قدامك؟ مش ممكن أموت لما أجي أنام؟ بس الفرق إن أنا هاموت برضه، بس مش هنتحر. هو انتي فاكرة لو اللي انتي هتعمليه ده مش انتحار؟ لا، انتحار انتحار. إنك تبقي عارفة إنك هتموتي وتجري وتسعي عشان تموتي. ده ربنا قال: "ولا تلقوا بأيديكم في التهلكة". وانتي بتلقي بنفسك ليه بس؟ ليه يا نواره؟ ليه عايزة تحرقي قلبي عليكِ؟
نوارة بضعف: عمري ما فكرت إن حرق قلبك عليا، وعمري ما فكرت إني أكون سبب حزن ليك. أنا كنت عايزة أكون سبب فرح وسعادة ليك ولقلبك مش أكتر من كده. عرفك ممكن تقول على كل حاجة وحشة، بس أنا بحبك، بحبك وماقدرش أستحمل إني أشوف واحدة تانية جنبك، حتى لو أنا بعملها كويس. أنا ست وبغير عليك من نفسي، ده أنا كنت بغير عليك من هدومك. فجأة لقيت نفسي واحدة تانية بتشاركني فيك، واحدة تانية بتنام جنبها وتتكلم معاها.
أمسكها رحيم من ذراعيها وأخذ يهزها بكل قوة ويقول: انتي السبب، وافقتي وما قولتيش لأ. وحتى لما جيت أنا أقول لأ، انتي قولتي أه، وإنتي عارفة إن أنا ما حبيتش غيرك.
نوارة بمرح: بس الغربال الجديد له شدة.
رحيم بسخرية: بس القديمة تحلى، حتى لو كانت وأحلى. وإنتي طول عمرك حلوة في عيني يا نواره.
نظرت له نواره بضعفها وهي تقول: عايزة أطلب منك طلب، عايزك تنفذه. عايزة الشهور اللي فاضللي تفضل جنبي، ما تسبنيش.
ضمها رحيم إلى حضنه بكل قوة وهو يقول: مين قال كده؟ انتي مش هتكوني غير في قلبي وروحي وعقلي وهتفضلي معايا. ولو على البيبي، أكيد فيه حل. ربنا خلق كل داء وخلق له الدواء بتاعه، وأنا متأكد إني هلاقي الدواء بتاعك يا نواره.
وضعت نواره قبلة خفيفة على شفايفه وهي تقول: حتة لو مفيش علاج، أنا مش عايزة حاجة أصلاً غير إني أموت في حضنك.
ضمها رحيم إلى حضنه وهو يقول: ده مكانك انتي لوحدك.
نوارة بعشق: لا بس في واحدة تانية ليها الحق فيك.
رحيم بهدوء: محدش ليه حق فيه غيرك انتي، غير كده لا.
أراحت نواره رأسها على صدر رحيم بسعادة. فتلك الكلمات قد أدخلت السرور إلى قلبها. فمهما حاولت أن ترسم أنها لا تغير عليه وأنه تقول إن هذا شيء عادي، إلا أن عشقها الكبير إلى رحيم يجعل منها كثيراً وتغار عليه بقوة.
أما عند جنه، كانت تنزل من على الدرج وبكل هدوء، ولكن قطعها جلوس طارق على الأريكة أمامها وهو ينظر لها بابتسامة. ركضت إليه بكل سعادة وهي تنضم إلى صدره وتقول بحب: بابا، انت وحشني أوي. أنا مبسوطة جداً لما شوفت حضرتك، كنت حاسة إن روحي بتروح مني، ودلوقتي رجعت ليا تاني.
طارق بحب: ما تقوليش كده. كنت عارف إنك عايزة تشوفيني، فقلت أجي أطمن عليكي وأشوفك عاملة إيه، كويسة؟
جنه بحب: أنا كويسة طول ما حضرتك كويس. ثم أكملت باستغراب: انت جاي لوحدك ليه؟ فين مامي؟
ينظر لها والدها بضعف: أنا جاي أطمئن عليكي وأشوفك، وأخدك تروحي بيت جدك شوية تغيري جو. انتي ما زهقتيش؟
جنه بابتسامة: برضه طنط بهية كانت هتاخدني عشان أروح بيت جدك.
في تلك الأثناء خرجت بهية من الغرفة وهي تقول: ملوش لازمة خلاص، والدك جه عشان ياخدك ويطمئن عليكِ. روحي معاه، وأنا بالليل هخلي رحيم يروح ياخدك من البيت.
هزت جنه رأسها بابتسامة وهي تقول: تمام.
خرجت جنه مع والدها من البيت.
طارق بهدوء: قولي يا جنه، عاملة إيه واحكيلي كل حاجة.
جنه: صدقيني أنا بحبك، وكان نفسي أساعدك، وكان نفسي إني آخدك ونمشي من المكان ده وما يحصلش معاكي كل ده.
جنه بحزن: عارفة يا بابا، عارفة إن كل ده حصل غصب عنك، وإنك أكيد ما كنتش عايز كل ده يحصل معايا. بس خلاص، المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين، وأنا لازم أشوف الحقيقة كلها قدام عيني. ما تخافش يا بابا، أنا مش زعلانة من حاجة. بالعكس، أنا شايفة اللي حصل معايا دي حاجة عادية، وإن ربنا شايلي حاجة أحسن.
طارق بابتسامة: برغم إنك صغيرة، بس عقلك كبير يا بنتي. برغم إنك طفلة، بس عقلك يوزن بلد زي ما بيقولوا.
جنه بابتسامة: أنا عمري ما كنت طفلة، أنا فاهمة كل حاجة، بس بحاول أعمل نفسي هبلة. المهم، طمني عليك انت ومامي. مامي عاملة إيه، وهل المشاكل اللي ما بينكم انحلت ولا لسه؟
طارق بهدوء: لسه يا جنه، والدتك عايزة تاخدك وتمشي، بس مش قادرة تفهم إن ما ينفعش. ما ينفعش تاخدك وتمشي عشان خاطر حاجات كتير، من أولها إنك بقيتي في عصمة راجل وما ينفعش تسافري من غير إذنه.
رواية عروس الصعيد الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نورهان اشرف
بعد مرور ربع ساعة، كانت جنه تنزل من سيارة والدها وتتجه إلى البيت بكل سعادة وفرحة.
عند دخولها، وجدت محمدي ينزل من على الدرج بكل كسرة وحزن. ولكن تحوّل كل ذلك إلى سعادة وفرحة عندما وقعت عيناه على جنه، التي اتجهت له بكل قوة وارتمت داخل أحضانه وهي تقول: "جدو، واحشني جدًا."
محمدي بفرحة أكبر وهو يضمها إلى أحضانه، يقول: "أنتي اللي واحشاني يا جنه." ثم ضم وجه جنه بين يديه وهو يقول: "برغم إني معشتش معاكي كتير، بس حاسس إن روحي راحت. لم مشيتي من البيت، كرهت نفسي على كل اللي عملته معاكي. كرهت نفسي لما جوزتك رحيم، وكرهت نفسي أكتر إني افتكر إني معشتش معاكي. عارفه يا جنه، برغم إنك معشتيش في البيت كتير، بس أنا حاسس إن البيت ملوش طعم ولا ريحة من غيرك. حاسس إن البيت حزين."
جنه بسخرية: "إيه الكلام ده بس يا حج؟ ده كله من شهر عيشته معاك، امال لو قعدت معاك أكتر من كده كنت عملت إيه؟"
محمدي بعشق: "مكنتش هجوزك خالص."
ضمت جنه نفسها إلى أحضان جدها، ولأول مرة تشعر بسعادة غامرة في حياتها. فهي ترى أن الله قد عوضها بشيء كثير للغاية. ولكن قطع تلك اللحظة الجميلة صوت طارق الساخر وهو يقول لوالده: "إيه يا بابا ده؟ منظرك انت وجنه عامل زي الأب وبنته."
محمدي بابتسامة: "طب ماهي فعلاً بنتي، ولا انت متعرفش إن أعز الولد ولد الولد."
طارق بفرحة: "لأ طبعًا عارف. بجد ربنا يخليكم لبعض يا بابا. ده أنا أسعد لحظة في حياتي لما تكون انت وجنه مبسوطين."
محمدي بحب وهو ينظر إلى جنه: "تعالى يا جنه نتكلم مع بعض حبة. وانت يا طارق، قولهم يحضروا الأكل، لحسن جنه باين عليها مش بتاكل كويس."
قال ذلك ومسك يد جنه وصعد بها إلى الأعلى.
بعد دقائق، كانت جنه تجلس أمام محمدي بهدوء.
محمدي بقوة: "قوليلي بقا يا جنه، إيه اللي حصل معاكي في الفترة دي؟ وانتي مبسوطة ولا لأ؟ رحيم عمل معاكي أي حاجة تزعلك ولا بيعملك بما يرضي الله؟"
جنه بابتسامة، فهي لا تريد أن تخبر جدها بأي شيء. لا تريد أحد يعلم أي شيء عنها. فهي تعلمت أن أسرار الزوج والزوجة لا أحد يجب عليه أن يعلم أي شيء يدور بينها هي ورحيم، فقالت بهدوء: "الصراحة يا جدي، هو محترم جدًا وبيحبني جدًا وأنا مبسوطة معاه."
"انتي كدابة يا جنه، وده واضح أوي عليكي يا بنتي. بلاش تقوليلي حاجة كدابة، لأن ده بيظهر جدًا عليكي."
ابتلعت جنه ريقها بتوتر وهي تقول: "جدي أنا..."
محمدي بابتسامة: "بصي يا بنتي، أنا عارف إن مينفعش تقولر أسرار بيتك لحد. بس أنا عاوز أعرف، مش عشان حاجة. لأ، أنا عاوز أطمن عليكي بس مش أكتر من كده. وأنا عارف إنك كده صح. لأن الست الكويسة اللي متخرجش أسرار بيتها لأي حد، حتى لو كان أمها. وأنا مش زعلان منك على كدبك، بس عاوز أقولك على حاجة. لو في يوم رحيم عمل معاكي أي حاجة، أو حتى قرب منك، قوليلي وشوفي جدك هيعمل فيه إيه يا جنه."
نظرت جنه إلى جدها بابتسامة وهي تقول: "ربنا يخليك ليا يا جدي، يا أحسن جد في الدنيا دي كلها."
جدها بسعادة كبيرة: "ويخليكي يا روح جدك. المهم دلوقتي، انزلي روحي لأمك، لحسن شكلها تعبان خالص يا بنتي."
انتفض قلب جنه عند تلك الكلمة. لا تصدق أن أمها حبيبتها مريضة وهي لا تعلم. نزلت على الدرج بكل سرعة واتجهت إلى غرفة والدتها. دخلت إلى الغرفة بكل سرعة، ولكن انتفض قلبها بسبب ذلك الظلام الدامس التي كانت تجلس فيه أمها.
جنه بصدمة: "ماما مالك يا روحي؟ فيكي إيه بس؟"
جانيت بضعف كبير وبكاء مثل الطفل الصغير، فهي وجدت بعد ابنتها بعيد عنها ضعفًا لا يتحمله قلبها. فاخر وجدت كل شيء بعيد. أن جنيته الصغيرة ليس له قيمة: "أنا بموت يا جنه."
ذهبت جنه بسرعة إلى أمها وهي تأخذها في أحضانها وتقول: "إيه اللي انتي بتقوليه ده بس يا ماما؟ أوعي تقولي الكلمة دي تاني. أنا أموت بعدك على طول. ده أنا مليش غيرك انتي وبابا."
جانيت وهي تضم ابنتها إلى أحضانها: "وأنا مليش غيرك انتي بس يا جنه. أنا مش عاوزة أي حاجة في الدنيا دي غيرك انتي. أنا لقيت في بعد عنك ضعف كبير أنا مش قده. لقيت في بعدي عنك إني وحشة جدا. عارفه يا جنه، أنا لأول مرة في حياتي أندم على حاجة. أنا ندمانة على جوازي من أبوكي. أنا دلوقتي أتمنى الزمن يرجع تاني عشان أضرب نفسي مية جزمة لما قررت إني أقف قدام أهلي."
جنه بصدمة: "إيه اللي انتي بتقوليه ده يا ماما؟ انتي أكيد بتهزري صح؟"
جانيت بجدية: "لأ يا جنه، أنا مش بهزر. أنا بالعكس، أنا بقول الكلام ده بجد. أنا لأول مرة يحصل معايا كده، بس ده بسبب أبوكي. هو اللي عمل كده فيا وفي نفسه. حتة دمرك أنا كمان. وانتي ملكيش ذنب في أي حاجة غير إنك بنته. أنا مش فاهمة هو بيعمل معايا ومعاكي كده ليه."
رواية عروس الصعيد الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم نورهان اشرف
جانيت بغضب:
أنا مش فارق معايا حاجة في الدنيا دي غيرك انتي. انتي أهم حاجة في حياتي يا بنتي، حتى أبوكي مش حاجة عندي. انتي بنتي وحبيبتي وكل حاجة ليا. أبوكي يقدر يعيش من غيرك، لكن أنا لأ. أنا عاوزك معايا.
دخلت جنه في أحضان أمها وهي تقول:
أنا مش عاوزة غيرك، بس برضه عاوزة راحة بابا. عاوزة أكون معاكم انتوا الاتنين. أنا مش هقدر أبعد عنكم انتوا الاتنين. أنا حياتي ملهاش طعم من غيركم. وبعدين أنا مبسوطة مع رحيم جداً، ده بيعمل كل حاجة عشان يفرحني، ده مش عاوز حاجة في الدنيا غير إن هو يرضيني. تخيلي يا ماما، المهم بقا تعالي ناكل مع بعض. انتي عارفة أنا نفسي نأكل أنا وانتِ وبابا تاني مع بعض، نتجمع زي ما كنا بنتجمع في بيتنا القديم، ممكن يا ماما؟
نظرت لها جانيت بابتسامة وهي تقول:
ماليش نفس، روحي انتي اطلبي يا حبيبتي بالهنا والشفا.
نظرت لها جنه بحزن مصطنع وهي تقول:
لأ، أنا عاوزة آكل أنا وانتِ وبابا، يلا بقا يا ماما. وبعدين يرضيكي إني أسيب زوجي قُرة عيني عشان أجي آكل معاكم؟ وانتي تقوليلي لأ؟ انتي عاوزة تكسري قلبي؟
وضعت أمها قبلة على رأسها وهي تقول:
ما عش ولا كان اللي يكسر قلب بنوتي الصغيرة ده، أنا أموته.
جنه بعشق:
يبقى يلا بينا.
قالت ذلك وهي تقوم مع والدتها وتتجه إلى الخارج لكي يلتفوا حول المائدة بسعادة، حيث أخذت جنه تضع الطعام أمام والدتها ووالدتها بكل عشق وحب، الذي في الدنيا، والابتسامة لا تغيب عن وجهها. لا تعلم أن تلك الابتسامة سوف تختفي.
***
أما عند رحيم، كان ينزل من على الدرج وهو يضع يده على خصر نواره بكل حب وغرام.
نواره بعشق:
بقولك إيه يا رحيم، إيه رأيك تطلع تقول لجنه تنزل تاكل معانا؟ يعني بلاش تاكل لوحدها، وبعدين هي غلبانة والله يا رحيم. انت لو تعرف هي طيبة إزاي، أنا مش عارفة انت بتعملها كدا ليه، مع إنها غلبانة وطيبة. دي أقعدت تتكلم معايا حتة عشان خاطرك، أرجوك يا رحيم.
تذكر رحيم ما فعله مع جنه منذ أن دخلت المنزل. تنفس صاعداً وهو يقول:
حاضر يا نواره، اللي انتي عاوزاه.
قال ذلك وكاد أن يصعد إلى الدرج مرة أخرى، ولكن أوقفته يد نواره التي قالت بهدوء:
رحيم، ممكن تبتسم؟ بلاش تكشر. على فكرة التكشيرة دي واحدة، والصراحة مش لاقية عليك أصلاً. انت قمر والتكشيرة دي تخليك مش قد كدا.
ضحك رحيم وصعد إلى الغرفة. أما عن نواره نزلت إلى الأسفل. دخل رحيم إلى الغرفة وأخذ يبحث عن جنه في كل مكان، ولكن لم يجدها. نزل إلى الأسفل باستغراب. وجد بهيه تجلس على المائدة تأكل بكل برود، وأمامها نواره التي لم تضع أي شيء في طبقها. نظر إلى أمه باستغراب وهو يقول لها:
فين جنه؟
بهيه بهدوء تام:
راحت مع أبوها عند جدها.
عند تلك الكلمة، تهجم وجه رحيم بقوة. لا يعرف كيف جاءت لها القوة أن تخرج من المنزل دون أن تقول لها أي شيء. لا، والأكثر من ذلك، برود والدته الغريب. لم ينطق بكلمة، بل توجه إلى باب المنزل لكي يتوجه إلى بيت جدها. كادت تذهب نواره خلفه، ولكن أوقفها صوت بهيه وهي تقول:
بلاش تمشي بسرعة عشان الواد.
نظرت لها نواره باستغراب. هزت رأسها بقوة من تلك السيدة.
***
عند جنه، كانت تجلس مع عائلتها بكل سعادة وحب، حتى أنها نسيت الوقت ونسيت كل الهموم التي كانت تحزنها. ولكن أخرجهم من تلك السعادة الفاخرة دخول رحيم غاضباً.
نظر محمدي إلى رحيم ترحيباً وهو يقول:
أهلاً يا رحيم يا ابني، عامل إيه؟
نظر رحيم إلى جنه بضيق وهو يقول:
أنا الحمد لله يا حج.
محمدي بهدوء:
طب تعال اقعد معانا.
رحيم بهدوء تام:
ثم نظر إلى أخته بابتسامة وهو يقول: إيه يا رنا مش هتيجي تسلمي على أخوكي؟
دخلت رنا في أحضان أخوها بسعادة وهي تقول:
وحشني قوي يا رحيم.
رحيم بابتسامة:
انتي أكتر يا رنا، واحشني جداً جداً كمان.
رنا بدلع:
بجد؟ طب ليه مسألتش عليا؟
نظر رحيم إلى محمدي كأنه يطلب منه أن يأخذ أخته ويذهب بها إلى الخارج. أشار له محمدي برأسه وهو يقول:
خد اختك واقعدوا في المكان اللي يعجبك.
رحيم بابتسامة:
شكراً يا حج.
خرج رحيم من البيت وخرج البيت وهو يحتضن رنا بابتسامة، تحت نظرات جنه المتوترة للغاية، تشعر برعب كبير. لا تعرف لم قد غاب عنها، أنها لم تخبر رحيم بأنها ذاهبة مع والدها إلى بيت جدها. ابتلعت ريقها بخوف، فهي تخشى أن يفعل معها أي شيء. ولكن أخرجها صوت جدها المبتسم وهو يقول:
مالك يا جنه؟ فيكي إيه؟ شكلك اتغير ليه؟
نظرت جانيت باستغراب وهي تقول:
مالك يا جنه؟ وشك أصفر ليه كدا؟ في إيه؟
جنه بابتسامة:
مفيش حاجة يا ماما، أنا كويسة. بس حاسة إن الجواز حر مش أكتر من كدا. ثم أكملت بابتسامة وهي تنظر إلى طارق بهدوء: بابا، ممكن أتكلم معاك شوية لوحدنا؟
طارق بحب:
تعالي.
قال ذلك وهو يشير بيده لكي تقوم معه. قامت جنه وتوجهت معه إلى غرفته هو ووالدته.
***
في الخارج، كان رحيم يجلس أمام رنا وهو ينظر لها بهدوء وهو يقول:
مالك؟ فيكي إيه؟ شكلك عاوزة تقوليلي حاجات كتير. قولي كل حاجة انتي عاوزة تقوليها.
رنا بابتسامة:
عاوزة أشكرك ومبسوطة بكل اللي انت عملته معايا. أنا مش عارفة أشكرك إزاي، بس يا رحيم انت بجد اديتني هدية حلوة جداً، هدية معرفش أعمل حاجة غير إني أشكرك عليها وشكر ربنا كمان.
رحيم بابتسامة:
يعني انتي عاوزة تقوليلي إنك مبسوطة مع حمزه؟
رنا بفرح:
مبسوطة دي كلمة صغيرة جداً على الشعور اللي أنا بحسه مع حمزه. حمزه طيب جداً وبيعملني بطريقة حلوة جداً، بيخاف عليا من أي حاجة ممكن تزعلني.
رحيم بهدوء:
طب أنا عاوز أعرف حد بيضايقك أو حتى بيزعلك؟
رنا بهدوء:
لأ، الصراحة مفيش حد بيزعلني ولا حتى بيرضى يزعلني.
نظر لها رحيم بحب وهو يقول:
ربنا يسعدك أكتر وأكتر. أنا مش مهم عندي حاجة غير سعادتك يا رنا. وأنا قولتك قبل كدا كدا انتي بنتي مش أختي.
رنا بعشق:
ويخليك. والصراحة جنه كيوت خالص، بس ده برضه يخلي عندي سؤال. انت بتتعامل مع جنه إزاي؟ يعني عشان نواره يعني؟
حاول رحيم أن يغير الحديث، فهو لا يريد أن يتحدث تفاصيل حياته مع أحد. يكره ذلك إلى حد كبير. فتحدث بسعادة وهو يقول:
نواره حامل.
اتسعت عيون رنا بصدمة وهي تقول:
بجد؟ ألف مبروك يا رحيم، بجد مش عارفة أقول إيه. ثم أكملت بسعادة: يعني أنا هبقى عمه ويجي طفل صغير ألعب بيه وأفضل ألعب معاه؟ لاء، انت بتهزر.
رحيم بسعادة:
لأ، مش بهزر. بس ادعي لنواره كتير يا رنا، لأن الحمل صعب عليها.
رنا بابتسامة:
متقلقش يا رحيم، بإذن الله خير. ربنا هيسهل الحمل عليها لأن نواره طيبة وغلبانة.
رحيم بدعاء:
اللهم آمين.
كادت رنا أن تتحدث، ولكن أوقفها صوت حمزة زوجها الذي قال بترحيب:
أهلاً أهلاً أبو نسب، عامل إيه؟
رحيم بابتسامة:
الحمد لله، انت اللي عامل إيه؟
حمزة بهدوء:
الحمد لله بخير والله. ثم نظر لهم باستغراب: انتوا قاعدين هنا ليه؟ تعالوا ندخل جوا أحسن.
رحيم بهدوء:
لأ، ملوش لازمة. أنا كدا كدا هاخد جنه وأمشي. ثم نظر إلى رنا بابتسامة وهو يقول: بقولك إيه يا رنا، ممكن تندهي على جنه؟
رنا بابتسامة:
حاضر، من عيني.
قالت ذلك ودخلت إلى المنزل. أما رحيم نظر إلى حمزة بهدوء وهو يقول:
رنا عاملة إيه معاك؟
حمزة بهدوء:
أنا أتقي الله في أختك ومش عاوز حاجة غير إنك تتقي الله في بنت عمك، لأن ده أبسط حاجة. لأن الزوجة ملهاش حاجة عند الزوج غير إنه يعملها بحب واحترام. ولو انت مش بتحبها، يبقى الاحترام كافي.
نظر له رحيم بهدوء. شعر أن جنه قالت له شيء، ولكن قطعهم خروج جنه.
***
قبل قليل، كانت تقف جنه أمام والدها وهي تقول له بهدوء:
بابا، ممكن أطلب منك حاجة؟
نظر لها والدها باستغراب:
انتِ تأمري يا جنه، مش تطلبي.
جنه بهدوء:
أنا عاوزاك تقرب من ماما أكتر من كدا. عاوزاك ترجع تاني انت وهي زي الأول. عاوزه أشوفكم بخير زي زمان. عاوزة أحس بدفء زي زمان بينكم.
طارق بهدوء:
أنا بعمل كدا يا جنه، بس والدتك هي السبب في البعد ده. مش عارف هي اتغيرت كدا ليه. أنا عارف إني غلطت لما وافقت على فكرة بابا، بس أنا فكرت إن ممكن ينفذ اللي هو كان بيفكر فيه. يعني هو لما جاه وتكلم معايا، قالي إني هاخدك شكل مش أكتر من كدا، بس اللي حصل عكس كدا. اللي حصل إنك اتجوزتي. عارف إني غلطان وعارف إني ظلمتك، بس أنا آسف. أنا بعتذر على كل اللي حصل، بس هي مش مستقبيلة كدا، مش قادرة تسامح.
نظرت له جنه بابتسامة وهي تقول:
حاول يا بابا، بدل المرة ألف، أرجوك.
ضمها طارق إلى أحضانه وهو يقول:
انتِ على طول كدا يا جنه، انتِ الحاجة الحلوة اللي في حياتي. انتِ.
جنه بابتسامة:
وانت وماما أجمل حاجة في عمري.
كاد أن يرد عليها طارق، ولكن أوقفه صوت الطرقات على الباب وصوت رنا الذي يخبرهم بأن رحيم ينتظر جنه في الخارج لكي يرحلوا مع بعضهم البعض.
بعد مرور دقائق، كانت جنه ورحيم في السيارة في طريقهم إلى المنزل، والصمت يعم المكان.
رحيم بهدوء:
انتي خرجتي ليه من غير ما تقوليلي؟
جنه بهدوء هي الأخرى:
أنا مخرجتش بمزاجي، ماما بهيه هي اللي قالتلي. وبعدين انت ناسي إني قولتلك إني هروح أنا وهي لبيت جدي؟
أوقف رحيم السيارة على جنب الطريق وهو يقول:
جنه، أنا آسف على كل اللي عملته معاكي. أنا عارف إني اتصرفت معاكي غلط وبطريقة زفت، بس أنا بعتذر منك. بس أنا مكنتش أقصد، بس كان فيه حاجات كتير شاغلة بالي. يعني أختي اللي مجبورة على الجواز، ومراتي، وحاجات كتير.
جنه ببرود:
اممم، وأنا دلوقتي عندي حالين ملهمش تالت. أقولك أوك تمام يا أقعد أضرب فيك وأقولك لأ، أنا مش هقبل كدا، صح؟ أنهت كلمتها وهي ترفع حاجبها بطريقة مضحكة.
جعلت من رحيم ترتسم ابتسامة على شفايفه وهو يقول:
لأ، مش شرط ده أو ده. ممكن تهدّي وتفكري كدا. يعني لو انتي متجوزة حد وانتِ بتحبيه، هتقبلي حد تاني يجي ياخد مكانه من قلبك؟
جنه بسخرية:
مين بيقول كدا؟ أنا ولا عاوزة آخد مكانه ولا نيلة. وبعدين أنا عارفة إنك بتحب مراتك، وأنا مليش علاقة بعلاقتك بيه. بس أنا عندي سؤال.
رحيم بهدوء:
اتفضلي.
جنه بهدوء:
قدام انت بتحب مراتك أوي كدا، إيه اللي يخليك تتجوز واحدة غيرها؟ يعني لو أنا مكانك، حتى لو على. رقبتي مش هيحصل.
نظر رحيم أمامه بهدوء وهو يقول:
انتي بتقولي كدا لأنك بتفكري بقلبك، لكن أنا بفكر بعقلي مش أكتر من كدا. وفيه حاجة تانية، ودي الأهم، إن مراتي اللي بحبها هي بالذات اللي طلبت مني كدا. انتي عارفة أنا ساعتها حسيت إني مليش لازمة في حياتها خالص، حسيت إني ولا حاجة بالنسبة ليها.
جنه بهدوء:
عارفة، كنت بفكر مين اللي مظلوم في الحكاية وكنت بقول أنا وأختك أكتر ناس مظلومين، بس اللي أنا اكتشفته إن أختك مش مظلومة، لاء ده ربنا كرمها وواقف معاها، لكن أنا لاء. وفي الآخر اتفاجئت إني أكتر اتنين مظلومين أنا ونواره.
رحيم:
عشان كدا أنا بعتذرلك على كل حاجة حصلت مني.
جنه بهدوء:
واعتذارك مش مقبول. إيه رأيك كدا؟ حلو؟ بعد إذنك، أنا عاوزة أروح.
قالت ذلك وهي تنظر أمامها بكل هدوء. نظر لها رحيم بحزن وضيق وقال:
حاضر.
قال ذلك وقاد السيارة تجاه المنزل. أما جنه تشعر بغضب كبير. ماذا يفكر؟ هل يظن أنها عندما يأتي لها معتذراً سوف تقول له: لا يهم؟ هل هو مجنون أم ماذا؟
رواية عروس الصعيد الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم نورهان اشرف
بعد مرور شهر كانت الأمور تسير بشكل طبيعي للغاية، حيث اقترب حمزة إلى حد كبير جداً من رنا. أصبحت تكره الوقت الذي يذهب فيه حمزة إلى العمل، فهي ترى أن العمل هو الزوجة الثانية التي تزوجها حمزة عليها. فقد أصبحت تعشق قربه إلى حد غريب.
أما حمزة، فأصبحت عيون رنا صديقته، وأصبحت ضحكتها عشيقته. فهي ليست زوجته، هي مثلما قال في السابق، هدية من الله ليس غير ذلك، وعليه أن يحفظ عليها لكي لا يأخذها الله منه.
أما عن نوّارة، فقد أصبحت حاملاً في الشهر الثالث، وأصبح كل من جنة و رحيم لا ينتقلان بعيداً عنها. فـ جنة تشعر أنها أخته التي لم تنجبها أمها لها، ونوّارة تشعر بسعادة كبيرة داخل قلبها. فبرغم عشقها الكبير لزوجها المحب لها، رحيم، إلا أنها تعلم أن جنة تستحق فرصة من قلب رحيم لكي يطرق لها، ليس من أجله فقط، بل من أجل ذلك الصغير الذي يكمن داخلها. نعم، هي قد جهزت نفسها وعلى استعداد تام أن تلحق بكل أحبتها، وهي تشعر براحة كبيرة لأنها وضعت زوجها وصغيرها في يد أمينة.
جنة كانت تشعر بحزن كبير على حال كل من رحيم ونوّارة، فهما يذكرانها بذلك الفيلم العربي الذي شاهدته من قبل (حبيبي دائماً). قاهر، برغم حزنها من رحيم، إلا أنها تشعر براحة عندما تراه يتعامل مع نوّارة بكل ذلك العشق والحب، حتى أنها بدأت تشعر ببعض الغيرة. حتى أنها أصبحت تحسد نوّارة على ذلك الزوج الحنون المراعي، فهي مثل أي سيدة تتمناها أن يصبح لديها زوج عاشق مثل رحيم، يعشق كل شيء فيها. ولكن دائماً تذكر نفسها أنها ليست سوى زوجة ثانية، كما يقولون عنها، "خطفت رجاله".
رحيم كان يشعر بقلبه ينقبض بين كل لحظة والثانية، فهو يخشى أن تموت نوّارة في أي لحظة بين يديه. لا يعرف ماذا عليه أن يفعل. لقد أرسل التحليل والأشعة لأكبر دكاترة في مصر، وكلهم قد قالوا إن الموت هو الشيء الوحيد لتلك الحالة.
كانت تجلس جنة بجانب نوّارة بكل هدوء، حيث كانت تطعمها في فمها مثل الطفل الصغير. نظرت لها نوّارة بهدوء وهي تقول:
"جنة، ممكن أطلب منك حاجة؟"
جنة بابتسامة:
"طبعاً، إنتِ تأمري."
وضعت نوّارة يد جنة على معدتها وهي تقول:
"أنا عايزة أطلب منك إنك تخلي بالك من ابني."
توسعت عينا جنة بصدمة وهي تضع يدها على فم نوّارة ونظرت داخل عينيها بقوة، كأنه تبث داخلها القوة، وهي تقول:
"لا، إنتِ مش هتموتي ولا هيحصلك حاجة. إنتِ هتقومي بسلامة، أنا متأكدة من كده. ربنا مش بيعمل مع حد فينا حاجة وحشة، وإنتِ طيبة وربنا بيحب الإنسان الطيب وبيحب يعوض."
نظرت نوّارة داخل عينيها وهي تقول:
"ومين قال إني زعلانة عشان هموت؟ بالعكس، أنا متقبلة الفكرة ولدرجة كبيرة كمان، وحاسة إني مرتاحة عشان ابني في إيد أمينة، وأنا متوقعة إنك هتكوني أمه بجد. وبعدين بقى، أنا نفسي أروح عند "علي"، يا جنة، أنا "علي" واحشني أوي."
جنة بغضب:
"لا، إنتِ ملكيش حق إنك تموتي أو حتى يحصلك حاجة، لأن إنتِ واجب عليكِ تقومي. بلاش عشان خاطر جوزك اللي بيحبك، ولا حتى عشان ابنك اللي عاوزك معاه. لا، أنا عايزك تقومي وتبقي كويسة عشان أنا أعمل معاكي زي أي زوجة تانية ما بتعمل. أكيد أنا عايزة أعمل زي ما بشوف في الأفلام، مش عايزة كدا."
ارتسمت ابتسامة جميلة على وجه نوّارة وهي تقول:
"جنة، بجد أنا بتكلم معاكي لأن عاوزاكي تاخدي بالك من عائلتي، عاوزاكي تحفظي على كل حاجة في العائلة دي. وخلي بالك، أنا ابني عندك أمانة، هسألِك عليها يوم ما أشوفك، فاهمني يا جنة؟"
ضمّت جنة داخل أحضان نوّارة بقوة وهي تقول:
"لا، إنتِ مش هتسبيني ولا حتى هتسبي. أنا عايزك معايا ومعاه. نوّارة، أنا اتعودت عليكي في كل حاجة في حياتي، إنتِ مش بس ضرتي، لا، إنتِ أختي."
قالت ذلك وانهارت في دموع بقوة.
أما نوّارة، فمسحت على ظهرها وهي تقول بهدوء:
"لا، بقولك إيه، أنا مش بقولك كدا عشان تعيطي. أنا عايزكي تكوني قوية. بقولك، المهم قومي كدا اخرجى عشان عايزة أنام."
نامت جنة بجانبها على الفراش وهي تقول:
"طب وأنا كمان هنام معاكي."
نوّارة بابتسامة:
"لا، ملوش لازمة يا أختي، أنا عايزة أنام لوحدي. يلا بقى اتفضلي اخرجى عشان أنام."
ثم أكملت بهدوء:
"وامسحي دموعك دي."
هزت جنة رأسها وخرجت من الغرفة بهدوء.
أما عن نوّارة، نظرت إلى سقفها بحزن، فهي تعلم أن جنة صغيرة للغاية على ما يحدث معها، ولكن هذا هو قدر الله ولا أحد له أن يتدخل فيه.
أما جنة، خرجت من الغرفة وهي تبكي على حاله تلك المسكينة. لا تعرف ماذا عليها أن تفعل لكي تنقذ تلك الملاك، فنوّارة ملاك نزل من السماء، لا توجد سيدة مثلها. ولكن قطع كل ذلك نظرات رحيم المستغربة بكل خوف، وهو يقول:
"مالك يا جنة؟ في أي؟ نوّارة حصلها حاجة؟ فيها إيه؟ قوليلي."
لأول مرة، جنة ترمي نفسها داخل أحضان رحيم وهي تقول بدموع:
"نوّارة صعبانة عليا أوي يا رحيم. نوّارة طيبة، لو أقدر. لديها عمري مش هتأخر عليه."
نظر لها رحيم بابتسامة وهو يقول:
"أصيلة يا جنة."
ثم أكمل بهدوء:
"اهدّي يا جنة، أنا مش عايز نوّارة تشوف نظرات شفقة واحدة في عيون أي حد، لأن ده ممكن يأثر عليها."
جنة ببكاء قوي:
"أنا مش قصدي إني أزعلها أو حتى أخليها تضيق، بس أنا بجد صعبانة عليا جدا."
طبّط رحيم على رأسها وهو يقول:
"أنا واثق في ربنا إنها هتقوم."
تلك اللحظة فقط، علمت جنة، أرمت نفسها داخل أحضان رحيم.
نظرت له جنة بأسف وهي تقول بأسف:
"أنا آسفة يا رحيم، مكنتش أقصد."
رحيم بهدوء:
"مفيش حاجة يا جنة."
فركت جنة يدها بهدوء:
"أنا عايزة أعتذر على الكلام اللي قولته من وأنا راجعة عند جدي اللي مرة اللي فاتت."
نظرت له رحيم باستغراب:
"ياااا، إنتِ لسه فاكرة؟ على العموم يا ستي، أنا مش زعلان، بل بالعكس، أنا عارف إنك قولتي كدا لأنك مجروحة."
نظرت له جنة بخجل، فهي لأول مرة تشعر بمدى جمال رحيم الداخلي والخارجي.
رحيم بهدوء:
"إنتِ اتغديتي؟"
هزت جنة رأسها بنفي وهي تقول:
"لا، أنا أكلت نوّارة الأول."
رحيم بهدوء:
"طب تعالي ننزل نتغدى مع بعض، إنتِ عارفة إن ماما راحت عند عمتي."
هزت جنة رأسها بهدوء وهي تقول:
"تمام."
نزلت جنة ورحيم من على الدرج بكل هدوء. من الخارج فقط، أما في الداخل، كانت تشعر بتوتر كبير وغريب للغاية. تشعر به ولاول مرة في حياتها. أما رحيم، كان يحاول أن يهدأ من نفسه معها، فهي ليس لها يد في أي حاجة حدثت معاه من قبل.
أما عند جانيت، كان يحاول طارق أن يقترب منها ويكسر ذلك الحاجز الذي وضعته بينهم. ولكن كيف ذلك؟ فهي تضع ألف سوار وسوار بينهم.
كانت تقف جانيت في شرفة غرفتها بكل هدوء. تنظر إلى السماء وهي تسبح الله على تلك اللوحة الجميلة التي أمامها. ولكن أخرجها يد طارق التي التفت حول خصرها وهو يضع بعض القبلات على كتفيها.
أزاحت جانيت رأسه برفض وهي تقول:
"عايز إيه يا طارق؟"
طارق بهدوء:
"أنا عايز أفهم، إنتِ إيه؟ قلبك حجر؟ بقالي شهر بتحايل عليكي عشان تسمحي وتغفري، بس إنتِ رافضة كدا. جانيت، أنا تعبت، كل شوية أعتذر وأقول آسف وإنتِ ولا هنا. أنا عايز أفهم، إنتِ بقيتي بتكرهيني ولا خلاص مش عايزاني؟"
لم تجب عليه جانيت، بل دخلت إلى الحجرة. ولكن أوقفها يد طارق التي أمسكتها بقوة وصفعها بغضب وهو يقول:
"أنا لما بكون بتكلم معاكي، إوعي في يومي تمشي وتسبيني. لا، فاهمة ولا لأ؟"
جانيت بغضب كبير:
"لا، مش فاهمة يا طارق. هتعمل إيه؟ هتضربني تاني؟ يلا اضرب كدا، كدا أنا مش فارق معايا، ماهي مش أول مرة حضرتك تعملها. فاكر يا طارق، أول قلم خدته منك كان بسبب مين؟ بسبب أبوك. إنتِ ضربتني عشان كنت بدفع على بنتي. ودلوقتي بتضربني عشان عايزني أرجع معاك زي الأول؟ طب إزاي؟"
ثم أكملت بهدوء:
"عايزني أرجع زي الأول، تمام. أنا معنديش مشكلة. إنت كمان ارجع زي الأول، إنت كمان، خلينا نرجع تاني في بيتنا تاني، أنا وإنتِ وبنتنا. إيه رأيك؟ مش فكرة حلوة؟"
أمسكها طارق بقوة من يدها:
"إيه، إنتِ إيه يا شيخة؟ قولتلك غلط. عايزة تعملي فيا إيه؟ أموت نفسي عشان تحسي إنك مرتاحة ولا إيه بالظبط؟"
جانيت بهدوء:
"لا، مش عايزك تموت نفسك. بس برضوا سلمي لوحدك. إنت مش عارف أنا في قلبي إيه دلوقتي. أنا حاسة إني بموت."
ثم أكملت بدموع في عينيها:
"أنا عارفة إنك برضوا زعلان على بنتك، ومأكدة من كدا جداً كمان. بس أنا مش قادرة أفهم، إنت عملت كدا إزاي يا طارق؟ طارق، أنا موجوعة أوي على كل حاجة عليك وعلى بنتي."
ضمّها طارق إلى صدرها وهو يقول:
"بس جنة قالت إنها عايشة مرتاحة."
كان يقول ذلك الكلام وهو متأكد أنه كذب، ولكن أراد أن يقول ذلك لكي يخفف الضغط النفسي الكبير اللي هيا فيه، لكي لا يجعلها تحزن أكثر على ابنتها. ولكن قطعته ضحكة جانيت الساخرة وهي تقول:
"إنت شايفني مجنونة ولا إيه يا طارق؟ أنا عارفة إنك لما بتقول كدا عشان متحرقش قلبي عليها، بس أنا حاطة جزمة في لوفي وساكتة."
نظرت له طارق بهدوء وهو يقول:
"كل حاجة هتتحل، أنا واثق في كدا."
جانيت بدعاء:
"يارب يا طارق."
رواية عروس الصعيد الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم نورهان اشرف
مرت الأيام حتى أنه مر ثلاث شهور ولم يحدث أي شيء جديد يذكر.
جنه تقضي وقتها كله مع نواره التي بدأ يظهر على وجهها علامات التعب الكبير، ولكنها كانت دائما تحاول أن تظهر العكس، لا تريد أن تجعل رحيم يقلق عليها.
لكنها لا تعرف أن رحيم كان قلبه يتاكل بالخوف في كل لحظة تظهر فيها على وجهها علامات الحزن، فهو يرى كل شيء ويلحظ أبسط الأمور، ولكن كان يحاول أن يظهر عكس ذلك لكي لا يجعلها تحزن على حاله، فهو يعلم أن الحالة النفسية تؤثر على صحتها إلى حد كبير جداً.
أما عن نواره، فكانت تختار كل شيء لابنها الحبيب، فهي تريد أن تترك له ذكرى لتكون شيئاً تتركه له.
كانت تجلس نواره على الفراش وأمها الكاميرا، فقد جعلت جنه تنزل إلى الأسفل لتحضر لها طعام.
نظرات نواره إلى الكاميرا بابتسامة:
"حبيبي، أنا عارفة إنك وقت ما تكون بتشوف الفيديو ده هكون أنا مش معاك، بس أحب أقول لك إني هكون محوطك في كل حتة، أصل أنا مليش غيرك أنت وبابا. أنا عايزك تبقى مبسوط وسعيد ومش عايزك تضيق أبداً، وأنا عارفة إنك عمرك ما هتكون زعلان أبداً لأن معاك أم زي جنه، جنه دي طيبة، أنا عايزك تحبها وأنا متأكدة إنها بتحبك."
ثم أكملت بدموع:
"أنا بس عايزك تزورني كل فترة، مش عايزة أحس إنك بعيد عني، عايزك تكون على طول جنبي زي ما أنا هكون جنبك."
أغلقت الكاميرا وهي تمسح دموعها، ولكن قطعها دخول رحيم المستغرب وهو يقول:
"مالك يا نواره، فيكي إيه بتعيطي ليه بس؟"
نواره بابتسامة:
"مفيش حاجة يا نور عيني، أنا بس مبسوطة إن ابني بيكبر جوايا. ثم أكملت بحب: عارف يا رحيم، أنا مبسوطة جداً، ده أجمل إحساس هو إحساس الحمل ده."
رحيم باستغراب:
"ده إزاي بقى؟ المفروض إن الست بتكون تعبانة في الحمل ومش طايقة نفسها، أنتِ بقا مبسوطة؟"
نواره بسعادة:
"أنا مبسوطة جداً كمان وبحمد ربنا إني حسيت الشعور ده. المهم تعالى قولي أنت كنت فين."
خرج رحيم الهاتف من جيبه وهو يقول:
"فضلت أقعد أتفرج على أوضة نوم الأطفال محتار نعمل أنهي أوضة."
قال ذلك وهو ينظر داخل عينيه.
نواره برفعت حاجب:
"لا أنا مليش دعوة، أنا اللي هختار، وبعدين أنا أصلاً اخترت الأوضة أنا وجنه."
رحيم بسخرية:
"يعني أنا أبوه ومخترتش وجنه هي اللي تختار، ده ظلم على فكرة."
صدح صوت جنه وهي تقول بابتسامة:
"فعلاً، وإحنا ناس ظالمة."
قالت ذلك وهي تنظر إلى نواره بضحكة.
نواره بابتسامة:
"طبعاً، وبعدين أنا وجنه مامته، لكن أنت مين بقا إن شاء الله؟"
رحيم بسخرية:
"لا أنا مليش لازمة، أنا أبوه بس مش أكتر من كده."
قال ذلك وهو ينظر إلى جنه ونواره بسخرية.
حكت جنه رأسه بحرج من كلام رحيم.
أما عن نواره، فنظرت إلى رحيم بملل وهي تقول:
"رحيم، اطلع بره."
توسعت عيون رحيم بصدمة وهو يقول:
"بقا كده يا ست نواره، ماشي براحتك، بس انتي اللي خسرانة."
قال ذلك وهو مال على بطنها المنتفخ من ذلك الصغير الذي يكمن بداخله وهو يقول بملل:
"شايف يا ابني إن أبوك راجل غلبان وإن أمك قوية ومفترية كمان."
نواره بهدوء شديد:
"رحيييييم."
رحيم بمرح:
"لا مش مفترية أوي يعني، أمك حلوة جداً الصراحة."
قال ذلك وهو يضع قبلة على بطنها.
أم نواره نظرت له بحب وسعادة.
أما عند حمزة ورنا، كان يجلس حمزة على الفراش بكل هدوء يراجع بعض الأوراق، وكانت تجلس رنا داخل أحضانه.
وفجأة شعرت بغثيان غريب، فجأة قامت من المكان وتوجهت إلى المرحاض.
نظر لها حمزة باستغراب لا يعرف ماذا حل بها، قام بسرعة خلفها، ولكن أغلقت رنا الباب بسرعة، ولكن فتحه حمزة وهو يقول:
"مالك يا رنا، فيكي إيه ياقلبي؟"
رنا بتعب:
"اخرج يا حمزة، بلاش تدخل عليا وأنا بالمنظر ده."
حمزة بابتسامة:
"أنتِ في عيني أحسن واحدة في الدنيا دي، المهم تعالى بس نروح لدكتور، أنتِ بقالك أسبوع كده وأنتِ كل يوم تقولي لا أنا النهاردة أحسن، لكن ده مش بيحصل، أنتِ كل شوية حالتك بتسوق أكتر من الأول، وأنا أكيد مش هسيبك كده تروحي من إيدي."
رنا بابتسامة:
"لا، أنا عارفة أنا مالي."
حمزة باستغراب:
"عندك إيه إن شاء الله؟"
وضعت رنا يده على معدتها وهي تقول:
"لا، فيه هنا بيبين."
نظر لها حمزة بصدمة كانها تقول شيئ غريب، ثم توسعت عينه وهو يقول:
"لا، انتي أكيد بتهزري صح؟ قولي إنك بتهزري."
هزت رنا رأسها بنفي وهي تقول:
"لا، بقول الحقيقة، أنا عملت اختبار وطلعت حامل."
ضمها حمزة إلى صدرها بقوة وهو يقبل رأسها بكل قوة ويقول:
"مبروك يا قلبي، مبروك يا أحلى هدية بعتها ربنا ليا."
في المساء، كانت تنام نواره على الفراش بجانب رحيم، ولكن منذ الصباح تشعر بتعب كبير داخل بطنها.
ولكن فجأة شعرت أن الماء تنزل من بين قدميها، أخذت تصرخ بقوة وهي تحرك رحيم وتقول:
"رحيم، قوم بسرعة، أنا بولد."
قام رحيم بسرعة من على الفراش وهو ينظر لها بصدمة وهو يقول:
"تولدي إيه؟ أنتِ لسه فاضل بدري."
نواره بصراخ:
"أععععع، بولد، أنا بقولك بولد، الحقيني يا رحيم."
قام رحيم من على الفراش وهو يرتدي العبايه الخاصة به، ووضع الملاءة على نواره وحملها.
أم جنه، عندما استمعت إلى صراخ نواره، قامت بسرعة وأخذت تجمع ملابس الصغير ونواره.
بعد مرور ساعة، كان يقف رحيم أمام غرفة العمليات بتوتر كبير، يشعر أن روحه في الداخل مع نواره.
أم جنه، كانت تنظر له بحزن، قلة تعلم أنه يموت من القلق على معشوقته الصغيرة، أخذت تدعو الله أن يكرمه ويقف بجانبه ويخرج له نواره.
أما في الداخل، كانت تقف الطبيبة وهي تشعر بخوف كبير، فقد قلب نواره توقف مرة وتخشي أن يعود التوقف مرة أخرى، كانت تلك أصعب عملية جراحية قامت بها.
بعد مرور نصف ساعة، مرت كالعام على كل من رحيم وجنه.
خرجت الطبيبة وهي تنظر لهم بهدوء.
رحيم بتساؤل:
"نواره فين؟ هي كويسة؟"
نظرت له الطبيبة بهدوء وهي تقول:
"..."
رواية عروس الصعيد الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم نورهان اشرف
فى تلك الغرفه المظلمه كان يجلس رحيم على الكرسي بكل تعب وحزن.
فاهو لا يصدق ان نواره رحلت وتركت.
لا يصدق انه اصبح وحيد بعد كل هذا.
لا يصدق انها تركته ورحلت حتى دون ان تفكر فى ذلك الصغير الذي كان داخلها.
فاهي ماتت منذ اكثر من شهرين وهو يشعر انها مازالت متوفيه اليوم.
اخذ يبكى بكل قوة، يبكى على كل شئ قد مر بها.
مسك تلك الصورة التى تجمع بينه وبين نواره وهو يقول:
"سبتنى ليه؟ انا حاسس مش انتى اللى موتى، انا حاسس ان انا اللى موت، حاسس ان روحى بتروح منى فى كل يوم بيعدى وانتى بعيد عنى. اه لو تحسي بيا، اه لو يرجع بي الزمن مره تانيه وساعتها عمرى ماهقبل انك تعملى فى نفسك كدا، عمرى ماهقبل اى حاجة ولا هقبل اللى انتى عملتى فى نفسك ده."
قال ذلك وانهار فى البكاء المرير.
دخلت جنه الغرفه بكل غضب.
فهي تشعر بغضب عارم تجاه رحيم، فهو منذ وفاة نواره لم ينظر في وجه الطفل.
لقد مر شهرين حتى انه لم يكلف نفسه لكي يسمي ابنه او حتى يحمله بين ايديه.
اي اب هذا يفعل ذلك مع صغيره؟
دخلت الغرفه بكل غضب وهي تقول بهدوء:
"هتفضل تعيط كده زي العيل الصغير؟ كثير اللي انت بتعمله دوت مش هيعمل حاجة ولا هيرجع حاجة."
رفع رحيم عينه ونظر لها بوجع وهو يقول:
"عايزاني اعمل ايه؟"
جنه بسخرية:
"عايزك تعملي؟ عايزك اي؟ عايزك تفوق وترجع زي الاول، عايزاك تقوم وتشد ظهرك وتصلب طولك مره تانيه. انت دلوقت مش مسؤول عن نفسك وبس، انت مسؤولة عن طفل نواره. لو راحت هي سايبه منها حته، سايبه جزء لازم انت اللي ترعاه وتبقى قريب منه عشان ما يحسش بالوحدة."
رحيم ببكاء:
"انا اليتيم، انا اليتيم بعد موت نواره. نواره ما كانتش حبيبتي بس نواره كنت كل حاجة. انا لغايه دلوقتي مش مصدق ان هي ماتت وسابتني. لغايه دلوقتي انا مش قادر افهم ازاي جالها قلب تعمل في كده، تسيبني بعد ده كله تمشي وتسيبني."
جنه بسخرية:
"ده اللي فارق معاك انها مشيت وسبتك؟ طب ما تبص على ابنك اللي باقي يتيم وانت عايز تخليه يتيم ابوه كمان؟ انت ايه للدرجة دي اناني؟ للدرجة دي ما بتفكرش غير في نفسك؟"
نظر لها رحيم بغضب وهو يقول:
"ابن ايه؟ الابن ده هو سبب موته، هو اللي اخذها مني."
نظرت له جنه بسخرية وهي تقول:
"بقا حضرتك المتعلم بتفكر بالطريقة دي؟"
ثم اكملت بغضب:
"انا مش فاهمه انت بتفكر ازاي."
نظر رحيم لها بغضب وصراخ في وجهه بقوة وهو يقول:
"اطلعي برا، انا مش عاوز اشوفك ولا انتي ولا هي، انتوا الاتنين السبب في موته."
نظرات له جنه بغضب وصراخت في وجهه:
"انت مجنون؟ اكيد انت مش واعي للي انت بتقوله، بس على فكرة انت لو فضلت على الموضوع ده انت هتخسر ابنك. لان الطفل في الوقت ده بيكون قريب من اهله احسن ليه، بس انت هتدمر ابنك من التصرفات اللي بتعملها دي. ده حتى ابنك انت معرفش حتى اسمه ايه، متعرفش لون عينه ايه ولا حتى لون بشرته عاملة ازاي، بس انت خليك كدا، انت صح ومفيش حاجة غلط في اللي بتعمله."
قالت ذلك وخرجت من الغرفه وعلى وجهه ابتسامه ساخره من رحيم، فكل ما يفعله رحيم بنسبه لها ليس له قيمة.
اما رحيم جلس يفكر في كلام جنه.
فاهو فعلا لا يعرف اي شي عن ابنه، حتى انه لا يعرف حتى اسمه.
فجنه فعلت كل شئ من اجل صغيره وهو لم يفعل شي.
ولكن هو لا يريد ان يرى ذلك الصغير يشعر انه لن يتحمل ذلك ابدا.
يتذكر ذلك اليوم المشؤوم الذي فقد فيه حبيبته.
***
نظر رحيم الى الطبيبة بهدوء وهو يقول:
"بقولك مراتى فين؟ انتي مش بتردي ليه؟ نواره حصلها ايه؟"
الطبيبة بهدوء:
"انا حاولت اكتر من مرة اخلي قلبها ينتعش مره تاني، بس ده محصلش. قلبها واقف خلاص، احنا حاولنا على قد ما نقدر نخلي قلبها شغال عشان حياة البيبي."
نظرا رحيم لها بصراخ وهو يقول:
"لا انا مش عاوزة، انا عاوز مرتي، خديه بس رجعي نواره."
هزت الطبيبة راسها بحزن ورحلت.
ترك رحيم ويرحل.
في تلك الاثناء كنت تخرج السيارة التي كنت تنام عليها نواره.
نظر لها رحيم بحزن وهو يرفع تلك الملاية من على راسه وهو يقول:
"نواره ردي عليا يا نواره، انا عارف انك بتعملي كدا عشان انتي زعلانه مني صح يا نواره؟ بس متخفيش، انا هعمل اي حاجة عشان متزعليش مني. طب بصي قومي شوفي حتى ابننا، مش انتي كان نفسك انك تشوفى ابننا؟ قومي بقا شوفي يلا يا نواره، قومي يا نورتي. ده انا حاسس اني بموت من غيرك، حاسس ان قلبي بيروح مني. يلا يا نواره."
عاد من تلك الذكرى على صوت الرياح التي تعصف بالغرفه بكل قوة.
كانها تخبره ان ما يفعله ليس له قيمة وان كل ذلك لا يصنع شئ.
سوى انه يجعله يزداد في الحزن ليس اكثر من ذلك.
***
اما في غرفه جنه، كنت تنام على الفراش بجانب الصغير بكل حزن.
وهي تمسح على راسه بهدوء وهي تقول:
"متزعلش يا روحي، بابا هو بس زعلان على ماما، وحقه يا حبيبي. ماما كانت ست طيبة جدا، انا عارف انك حزين عليها، اكيد زينا، ماهو انت حتى منها وهي حته منك. طب انت عارف ان ماما بتحبك جدا، بتحبك بطريقة غريبه، حتى انها هي اللي اختارت كل حاجة في الاوضة بتاعتك عشان تبقى على طول فاكراها وعارف انها موجودة جنبك."
ثم مسحت على راسه بابتسامه:
"طب انت عارف ان انا بحسدك على حب والدتك ليك، لانها بتحبك جدا جدا."
قالت ذلك بحب شديد.
فاهي فعلا تشعر بحب نواره محيط ذلك الصغير.
مالك؟
فنواره قد طلبت من جنه ان تسمي صغيره مالك.
ذلك الاسم التي كانت تتمناه ان تسمي صغيرها به.
غفت جنه بجانب الصغير بكل هدوء وحب.
رواية عروس الصعيد الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم نورهان اشرف
في صباح يوم الثلاثاء، كان رحيم يخرج من الغرفة وهو يشعر بأنه لم يخرج منها منذ سنين. من ينظر إليه يشعر بتغيره، فقد أصبح جسده هزيلًا وضعيفًا، حتى أن عينيه أصبحتا سوداوين بطريقة كبيرة، وشعره أصبح طويلًا بطريقة غريبة. فهو منذ موت نواره لم يخرج من الغرفة.
في تلك الأثناء، كانت بهية تصعد على الدرج لكي ترى حفيده. فمنذ موت نواره، لم يترك مالك جنه، حتى هي من سمته باسم مالك. نظرت إلى ابنها الذي لأول مرة يخرج من الغرفة بصدمة، وتقول بسعادة كبيرة:
"رحيم! أنت أخيرًا خرجت يا ابني من الأوضة."
قالت ذلك وهي تذهب إليه وتضمه إلى صدرها، وهي تقول بحب:
"وحشت حضن أمك يا رحيم. أخيرًا خرجت من الأوضة دي، أخيرًا رجعت لي تاني. لو كنت تعرف أنا حاسه بإيه، كنت مش هتعمل كده. أنا كنت حاسه إن روحي راحت مني يا بني. ساعة ما قفلت على نفسك. عارفه إنك بتحب نواره وعارفه إنك ما كنتش قادر تبعد عنها، بس مش للدرجة دي. زي ما انت كنت بتحبها، إحنا كمان كنا بنحبها. وزي ما انت زعلان على فراقها، أنا كمان زعلانة على فراقها. بس أنا برده مش رايدة منك حاجة غير إنك تفضل معي ومنور حياتي ودنيتي يا ابني. ده انت نور عيني وكل حاجة."
رحيم بهدوء:
"فين ابني؟"
نظرت له بهية بصدمة:
"انت عاوز تشوف مالك؟ أكيد انت بتهزر صح يا رحيم؟"
رحيم بجدية:
"فين مالك؟ بأنه بقولك."
بهية بجدية:
"مالك في أوضة جنه. بصراحة، من ساعة ما ماتت نواره وهي مرعياه ومخليه بالها منه."
رحيم بضعف:
"عايز أشوفه."
شعرت بهية بضعف ابنها الكبير، فحتّى لم يحاول أن يخفي بحت صوت ضعيفه عنها. فنظرت إليه بهدوء وهي تقول:
"تعالى يا ابني، تعالى يا حبيبي، هوديك لها."
مسكته بهية من يده كالطفل الصغير، وأخذته إلى غرفة جنه، التي كانت استيقظت منذ الصباح الباكر. فمالك يعشق أن يستيقظ في الصباح، حيث يأخذ طريقه في البكاء ولا يتوقف إلا عندم تستيقظ. كانت تجلس تداعبه على الفراش، فبرغم أنها ليست أمه، إلا أنها تشعر معه بحنان غريب، تشعر كأنها والدته. نعم، صدق من قال إن الأم ليست التي تنجب من بطنها، لا، الأم هي من تربي. وفعلاً جنه تشعر بأن مالك قطعة من روحها، تشعر بأن مالك شيء غالي عندها، تظن أنها لو وهبه الله بطفل، لن تحبه بتلك الطريقة التي تحب مالك بها. كانت ترضعه من الببرونة وهي تمسح على رأسه بحب، وتغني له:
"نامي يا عصفورة، نامي يا عصفور. يلا بينا، يلا يلا نطفي النور، يلا نطفي النور."
قطعت تلك اللحظة الجميلة صوت طرقعات بهية على الباب. قالت جنه بهدوء:
"ادخل."
دخلت بهية بهدوء، وهي تقول:
"هو مالك نام ولا إيه؟"
جنه بهدوء:
"لا، أنا كنت بس بهدي مالك عشان ما يعيطش."
بهية بهدوء:
"طيب يا ستي، أبو مالك حابب يشوفه. ممكن يدخل؟"
نظرت جنه إلى بهية بهدوء، وهي تقول:
"آه طبعًا، اتفضل."
دخل رحيم إلى الغرفة وهو ينظر إلى تلك القطعة الصغيرة التي تلتف في البطانية بترقب. فهو منذ ولادته لم ينظر إليه، كان يخشى حتى أن يقترب منها. كان يقول إنه لا يريد أن يراه، ولكن لا يعرف لماذا، عندما أصبح على بعد أميال منها، أصبح قلبه يطرق بكل تلك القوة. كان يشعر أنه يطير بين السحاب، كان يعيش، قلبه يحلق في الأفق. زاد ذلك الشعور عندما نظر إلى وجه ذلك الملاك الذي كان ينظر له بهدوء، ويبتسم في واجهه بهدوء. عندما نظر إلى ذلك الصغير، إلى رحيم، شعر رحيم بسعادته تتضاعف.
أعطت جنه الصغير إلى والده، كأنها تخبرها أنه قطعة منه، يجب عليها أن يحملها. ضمها رحيم إلى حضنه بكل سعادة وفرحة، ضمها إلى حضنه بكل سعادة وحب، وهو يقول:
"مالك حبيب بابي."
نظر الصغير إلى والده، وأخذ يحرك قدميه في كل مكان. شعر رحيم بالحزن، وضم صغيره إلى أحضانه وهو يقول:
"مامتك كان نفسها تشوفك. أكيد هي شايفانا دلوقتي."
خرجت بهية من الغرفة وتركت رحيم إلى جنه، فهي تعلم أن جنه هي الشخص الوحيد القادر على أن يجعل رحيم يخرج من كل تلك الأحزان الذي كان يعيش فيها. فشخصية جنه القوية تجعلها تقسم على ذلك وتفرض سيطرتها على رحيم. حتى نظرات جنه إلى رحيم بسخرية، وهي تقول له:
"نواره شايفه كل حاجة وعارفة كل حاجة. أكيد عارفة اللي انت عملته مع ابنها."
نظر رحيم لها باستغراب وهو يقول:
"وأنا إيه اللي عملته مع ابنها؟"
جنه بغضب:
"أنا مش عايزة أتكلم معاك ومش عايزة أفتح مواضيع. أنا اللي عايزة أقولهولك إنك لازم تتحمل مسؤولية الطفل دا. وبعدين حاجة كويسة إنك بدأت تخرج وتتعامل. يا ريت بقى تحاول تنسى كل حاجة وتبدأ تتعايش مع الطفل اللي ما بين إيدك دا."
ثم قالت بهدوء:
"بقالي شهرين سايب كل حاجة على كتافي. شغلك كله أنا اللي بديره. حتى ابنك متعرفش عنه حاجة، متعرفش إذا كان ماشي صح حتى ولا لأ. ده انت متعرفش حتى حاجة عن ابنك اللي مفروض يعرفها أي أب. عشان كدا انت لازم تشيل معايا المسؤولية شوية. تقف حاطط كتفك في كتف عشان البيبي دا ما يحسش بشعور اليتم، ما يحسش اليتيم."
ورحيم بهدوء:
"عايزني أعمل إيه؟"
جنه بسخرية:
"عايزك ترجع حياتك الطبيعية. ترجع تاني تشوف شغلك، تشوف نفسك. نواره مش هتستفاد حاجة من اللي انت بتعمله. بالعكس، انت ما بتعملش حاجة غير إنك بتضايقها وبتخليها زعلانة عليك، وعلى نفسها، مش أكتر من كده. وعلى ابنها اللي هي ضحت بعمرها عشانه. أحسن حالك إنك تنسى كل اللي فات وتفكر في اللي جاي وبس. تفكر في ابنك اللي ما بين حضنك دا."
قالت ذلك وخرجت من الغرفة، وتركت رحيم يقف وهو يضم ذلك الصغير إلى صدره. ذلك الصغير الذي كان يضحك بكل سعادة وفرحة في وجه والده، كأنه يشعر بعشق وسعادة لأن والده يضمه إلى صدره. مسح رحيم على رأسه وهو يقول:
"فيك شبه كبير قوي منها. نظرة عينك حتى شبه نظرة عينها. عارف إني مقصر معاك. أنا آسف يا ابني، ما تزعلش مني. هحاول أعوضك عن كل حاجة. بس هل هقدر أعوضك عن والدتك؟"
ثم ضحك بسخرية:
"مفيش حاجة تقدر تعوض والدتك. والدتك ست مش هتتكرر ولا بعد 100 سنة."
أما عند رنا وحمزة، كانت تجلس رنا على الفراش بتعب، فهي في الشهر الرابع من حملها، تشعر بثقل كبير في معدتها. قطعها دخول حمزة، الذي نظر لها بابتسامة وهو يقول:
"إيه رنا، عاملة إيه يا قلبي؟"
رنا بتعب:
"قوي يا حمزة. حاسة إن عيالك هيموتوني."
حمزة بجدية:
"ليه بتقولي كده؟ للدرجة دي انتي تعبانة؟"
رنا بهدوء:
"لا مش قوي، بس الصراحة كده بدلع عليك."
حمزة بحب:
"ادلع براحتك. هو مين يدلع؟ لو مش انتي اللي تدلعي، يبقى انتي كمان من حقك تدلعي."
ثم أكمل بضحك:
"ده من حق الجميل يدلع. حتى."
ابتسمت رنا بخجل في وجهه، وهي تقول:
"على طول انت كده تقول كلام حلو يدوخني ويخليني مش عارفة أرد عليك. حتى. هو انت ما بتطلش كلام حلو؟"
حمزة بسخرية:
"هو حد يبطل كلام حلو؟ وبعدين الحلو كله قدام عينيكى. ملوش لازمة. طب يا شيخ اتق الله. حتى ده انتي حتة كريزة محطوطة في كريمة عليها شربات. حاجة كده من الآخر."
رنا بسعادة:
"يخليك لي ويديك الصحة."
وضع حمزة قبلة على يد رنا، وهو يقول:
"ويخليكي يا نور عيني. ليكي هي الحياه يوجد فيها أشخاص قد وجدت السعادة طريق إلى حياتهم، وأشخاص أخرى خلقت لكي تعاني."
رواية عروس الصعيد الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم نورهان اشرف
جلس رحيم مع الصغير اليوم بطوله، حتى أنه لم يلحظ غياب الشمس. فهو عندما حمل ذلك الصغير شعر أنه كالمغناطيس يجبره على الاقتراب منه أكثر وأكثر، يشده إليه ويذهب معه إلى عالم بعيد ليس فيه سواه.
حتى أنه تذكر حديث والده له قبل زواجه من نواره، وهو يقول له: "الواحد لما بيخلف ما بيكونش عاوز حاجة من الدنيا دي غير الضحكة اللي بتترسم على وجه ابنه. أكتر من كده لا. عارف يا رحيم، أنا أول ما شلتك على إيدي وضحكت لي حسيت إن الدنيا كلها ما تسواش. ظافر رجلك اللي بيطير، لقيت إنك أحسن حاجة ربنا خلقها لي. في الفترة دي وأنا عارف ومتأكد إنك هتحس بكده مع ابنك بإذن الله لما تشيله على إيدك."
لم ينظر له رحيم إلا بابتسامة وهو يقول: "إن شاء الله يا بوي."
قال والده بجدية: "المهم عاوزك تعلم ابنك يكون راجل وجدع كلمته."
رد رحيم بهدوء: "بإذن الله يا حج، انت اللي هتعلمه كدا بنفسك."
قال والده بهدوء: "يارب يا رحيم يطول في عمري عشان أشيل ابنك على إيدي، لأن بجد ساعتها هكون أسعد إنسان في الدنيا."
خرج رحيم من تلك الذاكرة على صوت جنه وهي تقول: "يلا يا رحيم هات مالك عشان أكله، ويا ريت انت كمان تنزل تاكل."
قال رحيم بهدوء: "لا، أنا عاوز أفضل قاعد معاه شوية."
قالت جنه بهدوء: "هو معك على طول وهيفضل جنبك، بس يعني لازم يأكل وانت كمان، انت مش شايف منظرك عامل إزاي."
نظر لها رحيم بهدوء وهو يقول: "أنا عاوز أشكرك على كل اللي انتي عملتيه معايا ومع مالك."
نظرت له جنه بهدوء وهي تقول: "أنا معملتش حاجة، أنا اللي عملته ده طبيعي مش أكتر من كدا. وبعدين أنا بعتبر مالك ابني، لا ده أكتر من ابني كمان، ده حتة من روحي. ده أنا أول واحدة سألت عليه لما خرج من نواره الله يرحمه."
قال رحيم بجدية: "جنه، انتي لو عاوزة تطلقي أنا معنديش مانع، انتي ملكيش ذنب إنك تفضلي رابطة نفسك معايا، انتي ليكي حق تعيشي حياتك."
قالت جنه بسخرية: "ده على أساس إن مكانش ليا الحق ده قبل كدا؟ ده على أساس إن مكنش المفروض ده يحصل قبل كدا؟ بقولك إيه يا رحيم، أنا مش متماسكة بيك أو ولا أروع تكون فكرني إني هموت عليك، لا انت اصلا مش فارق معايا أصلا. بس برضو أنا مش هينفع أسيبك، مش عشان خاطر سواد عيونك، لا ده عشان أنا مش هينفع أحمل لقب مطلقة. وغير كل ده، أنا كمان مش هقبل إنك تسبب مالك. أصل أوع تفتكر بعد ما قعدت مع مالك وحسيت بالإحساس اللي حسيته معاه إني هسيبه، لا تبقى غلطان. أنا مش هسيب ابني."
قالت ذلك وهي تأخذ مالك في حضنها بخوف حقيقي. فعلاً صدق من قال إن الأم ليست التي تحمل وتنجب، الأم من تربي.
نظر لها رحيم بجدية وهو يقول: "طب أنا عندي سؤال، انتي هتقدري تهتمي بيه؟ هتقدري تخلي بالك منه؟ انتي طفلة، طفلة هتخلي بالها من طفل؟ وفيها إيه يا جنه، افهم أنا بقول كدا عشان خاطرك انتي. انتي لسه صغيرة على اللي بيحصل فيكي ده كله يا جنه. أنا خايف عليكي والله. انتي دلوقتي بتتكلمي من منطلق إنك واحدة اتعلقت بحاجة، لكن بعدين هتقولي: وأنا مالي؟ أنا إيه اللي خلاني أنهف في عقلي وأوافق على الجنان ده."
قالت جنه بسخرية: "ليه؟ هو انت فكرني أنا أقدر أسيب ابني؟ أقدر أتحمل عن حتة مني؟ يا رحيم، انت كنت قافل الباب على نفسك وأنا كنت بخلي بالي منه. ده أنا اللي سميته، حتة. لكن انت مين؟ انت ولا حاجة. انت كنت عايش جوة القوقعة بتاعتك، عاوز بقا لما تخرج منها تيجي تاخد كل حاجة وتمشي؟ لا، يبقى أحسن حاجة ترجع تاني جوة القوقعة بتاعتك، لأنها مش هقول بكدا."
قالت ذلك وهي تضم الصغير إلى أحضانها أكثر وأكثر، فهي شعرت معه بإحساس الأم والأب. وعندما أراد رحيم أن يأخذ الصغير من أحضانها، تحولت عليه وأصبحت قطة شرسة يمكن لها أن تقطع أي شخص يقترب منها ويود أن يأخذ طفلها منها، فتلك هي الأم يا سادة.
خرج رحيم من الغرفة وترك جنه تنظر له بكره كبير، فهي في كل لحظة ترى أن رحيم هو أسوأ إنسان قد رأته في تلك الحياة.
أما رحيم، فكان يفكر بطريقة أخرى، هو لن يحب أحد بعد نواره، وهي طفلة يجب عليها أن تعيش حياتها بطريقة صحيحة، ولكن أن تكون معه هذا شيء جنون ليس أكثر من ذلك.
كل ذلك حدث تحت أنظار بهيه الغاضبة من ابنها، فهي ترى أن ابنها غبي للغاية، يريد أن يضيع تلك الفتاة التي تحمل كل الصفات الحسنة بتفكيره العقيم. نعم، هي تعلم أن نواره شخصية طيبة ولن تتكرر أبداً، ولكن يجب على ابنها أن ينسى نواره وينسى كل شيء ويبدأ من جديد، يرى حياته من منظور مختلف، فهي لا تريد أن يظل وحيداً، لا هو ولا ابنه، فهو وابنه لن يكونوا سعداء أبداً وهم منفردين.
وبعدين، كل البعد، فهي رأت مدى تأثير جنه عليه. فهي لولا أنها دخلت له أمس الغرفة وتحدثت معه بتلك القوة، لم يخرج من الغرفة أبداً. فهي قد تعبت من الكلام معه وعن إخباره أن نواره الآن في مكان آخر، وهو يجب عليها أن يتأقلم مع ذلك، ولكن كان دائماً يخبرها أن نواره معه في كل خطوة يخطوها، حتى أنها ظنت أن نواره شبح مخيف، لذلك يراها ابنها.
مسحت رأسها بتعب من رحيم ومن تلك الأفكار اللعينة التي تدور داخل رأسه، وتذكرت ابنتها الأخرى رنا، التي منذ أن أصبحت حامل، تأتي لها كل يومين لتجلس معها أسبوع. نعم، هي سعيدة أن ابنتها تأتي إلى المنزل، ولكن أيضاً ليست سعيدة بتلك الطريقة التي تجلس بها معها في المنزل. كانت تفكر في كل ذلك، فهي كبيرة العائلة ويجب عليها أن تجد الحل المناسب لكل شيء.
أما عند جانيت، كانت تجلس مع طارق في التراس، ترتشف من كوب القهوة العربي الخاصة به. نظر لها طارق بابتسامة وهو يقول: "مالك، بتفكري في إيه؟"
قالت جانيت بهدوء: "طارق، أنا عايزة أفهم حاجة. دلوقتي نواره ماتت والطفل بقى موجود مع جنه. كل يوم بيتأكد إن بنتي معاها كأنها هنا، وإن بنتي مش هتسيب البلد دي. وآيات، وأنا مش متقبلة كده، مش متقبلة كل اللي بيحصل معايا ده."
قال طارق بهدوء: "وأنا برضه مش متقبل كدا، بس هنعمل إيه؟ مفيش حاجة في إيدينا غير إننا نسكت ونحط جزمة في بؤنا، لأننا ما عندناش حق إننا نتكلم. أصل حتى لو اتكلمنا، هنتكلم هنقول إيه؟ طلاق بنتك رفضاه ومش عايزاه، وإنتي عارفة إني لو قلت طلق بنتك مش هيتقبل، حتة لو جوزها قبل بنتك. وبعدين تعالي هنا، أنا عاوز أسألك سؤال، انتي فكرة بنتك ممكن تقبل؟ لا طبعاً بنتك مش هتقبل. يبقى خلينا ساكتين لحد ما نشوف آخرتها."
رواية عروس الصعيد الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم نورهان اشرف
لقد مر أكثر من أسبوع، كان رحيم لا يبعد عن الصغير.
حتى أنه أصبح ينام في الغرفة الخاصة به هو وجنة، لكي يكون قريبًا من ابنه وحبيبه.
ذلك الطفل الذي عندما ينظر إليه، يرى فيه الراحة التي كان يتمناها.
حتى أنه بدأ يتعود على فقدان نواره، ويحاول أن يتعود أيضًا على أنه يدخل إلى المنزل ولا يجدها أمامه.
أما عند جنه، فكانت تشعر براحة كبيرة عندما بدأ رحيم يقترب من ابنه.
فهي كانت تريد أن يحدث ذلك.
نعم، هي فقدت نواره، ولكن يجب أن تكمل من أجل ذلك الصغير الذي وهبه الله لها.
فهي ترى ذلك الصغير نعمة كبيرة قد وهبها الله لها.
كانت تنام جنه بجانب الصغير بتعب، بعد يوم طويل جدًا.
فقد ظل طول النهار يبكي، حتى أنها عندما وجدته قد غفا، لم تصدق نفسها.
وأرادت أن تنام هي أيضًا.
ولم تفرد ظهرها على الفراش وتنام، حتى عاد الصغير إلى البكاء مرة أخرى.
مسحت على وجهه بتعب، وهي تقول: "حرام عليك يا مالك، أنا تعبت خلاص."
كادت أن تقوم وتذهب له، ولكن أوقفها صوت رحيم الذي كان يدخل إلى الغرفة في نفس اللحظة، وهو يقول:
"نامي أنتِ، لأنك تعبتِ اليوم على الآخر. نامي وارتاحي، وأنا الذي سأهتم به."
"جنه: بن... لا، بلاش، لحسن يقع منك، ولا تعرف تهتم به."
"رحيم بهدوء: لا، متخفيش. أنا مش عيل صغير، وبعدين لو احتاجت أي حاجة، هخليكي تقومين تساعديني."
ما صدقت جنه أن تسمع تلك الكلمات، حتى غفت بسرعة، كأنها أخذت حبة منوم.
نظر رحيم لها بابتسامة، ثم اتجه إلى ذلك الصغير وضمه إلى حضنه بحب، وهو يقول:
"إيه يا أستاذ مالك؟ مالك تعبت؟"
أخذ يبتسم الصغير في وجه والده، وكأنه يفهم والده.
نظر له رحيم بهدوء، وهو يقول:
"اممم، أنت بتضحك عليّ يا أستاذ بحلاوتك دي؟ لا، أنا مش بتهز من ضحكة من حضرتك."
ضحك مالك في وجه والده، فتحدث رحيم بهدوء:
"امممم، يعني أنت بتثبتني صح؟"
نظر إلى جنه بهدوء، وهو يقول:
"أنا عارف إنك زعلان زي ما أنا زعلان على والدتك، بس أنت ربنا عوضك بأم تانية لك. يعني زي ما تقول كده، ربنا حب يعوضك بسرعة عشان متحسش إنك يتيم."
ثم أكمل بجدية:
"أنا عارف إنها زعلانة مني على تصرفاتي معاها، وعارف إنها أكيد مش طايقاني. هو ده وده الطبيعي. أنا أذيتها كتير وضايقتها كتير. بس والله، كل ما أحاول إني أبعدها عني وأبطل أذى فيها، ألاقي إن الزمن بيجبرني إني أزعلها أكتر. ولما حاولت أسيبها، لقيتني مجبور أكتر إني أفضل معاها."
"عارف يا مالك، أنت أحسن حاجة حصلت في حياتي. كنت فاكر إني هكرهك من اللي حصل، بس إني حبيتك وحبيت وجودك، اكتشفت إن ربنا خلقك عشان تطبطب عليّ وعلى أحزاني. حاجة غريبة، لما تحس شعور الكره مع حد، وبعد ما تشوفه، تلاقي نفسك بتحبه ومش عارف تستغني عنه. ده نفس الشعور اللي أنا كنت حاسه معاك. كنت حاسس إني لازم أكرهك، لأنك أخدت نواره مني. بس في الحقيقة، لقيت نفسي باحبك. باحبك عشان أنت حتة منها وحتة مني. باحبك عشان أنت بتجمع ما بيننا إحنا الاتنين. باحبك عشان كل حاجة فيك بتخليني أحس إني لازم أحبك وإني لازم أبقى فرحان بيك."
كان يقول ذلك، ولم يلاحظ مالك الغافي على يده.
فهو منذ أن حمله والده على يده وبدأ يتحدث معه، ذهب في نوم عميق.
نظر رحيم إلى مالك بابتسامة، وهو يضع قبلة على رأسه، ويقول:
"نوم الهنا يا ملوكي."
وضعه على الفراش، ونظر إلى جنه النائمة بكل هدوء.
لأول مرة يلاحظ جمالها وملامحها الهادئة.
أخذ ينظر إلى عيونها المرسومة.
فعلاً، كانت جنه جميلة، ولكن جميلة بجمال خاص بها لا يشبه أحد.
ولكن نواره أجمل.
أخرج هاتفه وفتح الهاتف، لتظهر صورة نواره أمامه.
نظر لها بابتسامة، وهو يقول:
"ابنك بقى حلو يا نواره، ومغلبني. بقاله شهرين موجود على الدنيا دي، وأنتِ بقى لك شهرين تحت الأرض. بس ابنك مجنن جنه على الآخر. أكيد لو كنت لسه موجودة، كنتِ أنتِ كمان هتجنني زي ما جنه مجنونة كده. ربنا يرحمك يا حتة من قلبي."
قال ذلك وأغلق الهاتف، وذهب لكي ينام على الأريكة.
***
أما عند رنا، فكانت تجلس على فراشها بكل هدوء، تنتظر مجيء حمزة حبيبها وحبيب قلبها من العمل.
ولكن فجأة، شعرت بمغص كبير أسفل معدتها، حتى أنها كادت أن تشعر أن قلبها يتوقف من كثرة الوجع.
لم يمر لحظات، وكانت تنزل الدماء من بين قدميها.
نظرت إلى بحر الدماء الذي أصبح أسفلها، والدموع تنهمر من عينيها.
فهي تشعر أن ليس الجنين الذي يغادر بطنها، بل تشعر أن روحها التي تغادر قلبها.
أخذت تصرخ بقوة، كأنها لم تصرخ من قبل، وهي تنده بها على حمزة لكي ينجدها ويلحق ابنها قبل أن يذهب إلى خبر كان.
فهي لا تود أن تخسر صغيرها.
بعد دقائق من الصراخ المتواصل، كانت دخلت جانيت بستغراب إلى الغرفة، وهي تنظر إلى رنا بصدمة، حيث أصبحت هدومها مليئة بالدماء.
فنظرت لها جانيت بتهدئة، وهي تقول:
"اهدي، اهدي يا رنا، وبلاش صويت عشان ما يأثرش على حالتك."
أخذت الدموع تنهمر من عيني رنا، أما جانيت فبدأت تلبسها ملابسها، وندت على طارق بصوت عالي، لكي يأتي ويذهب بهم إلى المستشفى بكل سرعة.
بعد مرور نصف ساعة، كانت رنا في غرفة العمليات، تصنع عملية تنظيف رحم، لأنها قد فقدت ابنها.
أما في الخارج، فكان يقف محمدي وهو يستند على عكازه بضعف، وهو ينظر إلى حمزة ويقول:
"اهدأ يا ابني، ما تعملش في نفسك كده."
"حمزه بتعب: اهديه إزاي بس؟ أنا خسرت ابني ومراتى دلوقتي ما بين الحياة والموت."
"نظر له والده بهدوء، وهو يقول: إيه يا شيخ حمزه؟ هو أنت مش عارف إن الدنيا دوارة ولا إيه؟ ربنا بيخلص بسرعة وما بيسيبش حق حد. واللي أنت عملته مع بنت عمك كان لازم يترد لك، صح ولا إيه؟ المهم، ربنا دلوقتي بيختبر صبرك ورضاك. عاوز يشوفك أنت فعلاً راضي ولا لا، وأنت عليك تحمد ربنا على اللي حصل معاك. وباذن الله، اللي جاي خير ليك أنت ومراتك."
كان يقول ذلك لكي يهدأ ابنه، ولكن هو أيضًا كان يشعر بحزن كبير، حيث فقد أول حفيد له.
رواية عروس الصعيد الفصل الثلاثون 30 - بقلم نورهان اشرف
بعد مرور دقيقتين كان يدخل رحيم إلى رواق المشفى بكل سرعة وخلفه جنة وهي تحمل الصغير بين أحضانها.
رحيم: اختي مالها يا حمزة؟
حمزة: رنا في أوضة العمليات دلوقتي عشان الطفل نزل.
جنة: (تضع يدها على فمها بصدمة) لا تصدق ذلك الخبر الصادم.
رحيم: طب أختي فين يا حمزة؟
حمزة: لسه مش عارف حاجة بس إن شاء الله تخرج بسلامة.
جنة: ربنا يعوض عليك يا حمزة، متزعلش، بإذن الله ربنا هيجبر خاطرك وخاطرها ويعوضكم.
حمزة: مش مهم البيبي، أهم حاجة إنها تخرج بسلامة، لكن أي حاجة تانية لا، مش مهمة.
جنة: بإذن الله ربنا هيجبر بخاطرك وتخرج بألف صحة وسلامة.
هز حمزة رأسه بهدوء، فهو لا يحتاج في تلك اللحظة أي كلمة من أي أحد. هو يريد فقط أن يشعر بالطمأنينة تجاه حبيبته وتخرج من تلك الغرفة ويرآها بعينه، فهو لا يريد أي شيء في هذه الحياة سواها.
أما رحيم، نظر إلى جنة بهدوء بابتسامة، فهو في كل يوم يرى فيها جانبًا جديدًا من شخصيتها. فجنة طيبة، تحب الجميع، تقف بجانب الجميع. جنة شخصية مثالية إلى أبعد حد، تعشق الجميع وتحب أن تكون بجانبهم، لا تحب أن تحزن أحد. كل تلك الأشياء كانت أشياء تجعل رحيم يفكر في تلك الجنة التي لو فكر في لحظات لوجدها هدية من الله له.
أما جنة، كانت تقف بجانب أمها. نظرت جانيت إلى ذلك الصغير باستغراب وهي تقول:
جانيت: هو أنتِ بتفضلي شايلها كده على طول؟
جنة: أه يا ماما، مش ابني.
جانيت: ابنك؟ جنى تعالي اتكلم معاكي شوية، لأني بجد تعبت من تصرفاتك دي، أنا مش فاهمة أنتِ بتعملي كده ليه.
جنة: (تهز رأسها وتتجه خلف أمها)
وقفوا في آخر رواق المشفى. نظرت جانيت إلى ابنتها بغضب وهي تقول:
جانيت: أنا عايزة أفهم، أنتِ بتعملي التصرفات الغريبة اللي أنتِ بتعمليها دي ليه؟ شايلة الولد على إيديكِ كده ليه؟ وهو ابنك عشان تعملي كده؟ جنة حبيبتي، ده مش ابنك ولا أنتِ أمه.
جنة: (بتهدئة) ماما، الطفل ده بقى أمانة عندي وأنا عمري ما هاسيبه، ده أمانة نواره، وهي ما عملتش معايا حاجة وحشة عشان أعمل معاها حاجة وحشة أو أعمل في ابنها. لا، بالعكس، نواره وقفت جنبي وساعدتني، وعشان كده أنا عمري ما أفكر أني أعمل مع ابنها أو في حتة منها. وبعدين أنتِ متضايقة ولا زعلانة ليه؟ هو أنتِ مش كان نفسك دايماً تشوفيني متجوزة ومخلفة؟ اديني اتجوزت وخلفت يا ستي وبسرعة أهو. أرجوكي يا أمي اتعملي بحب تاني مع الناس، ارجع تاني ولدتي الطيبة، بلاش يبقى فيه شعور الكره والضغينة ناحية حد، ولا حتى البيبي ده ملاك نازل من السماء، ربنا خلقه عشان يدخل الفرحة والسرور على قلبي. بصراحة بقى، أنا مبسوطة بيه، مبسوطة انبساط غير طبيعي. أنا بقيت بفرح لما بضمه لصدري، والله العظيم فعلاً أنا بحس إن هو ابني، بحس إنه قطعة من روحي. طب بصي حتة في وشه يا أمي، هتلاقي نفسك مش عايزة أي حاجة في الدنيا دي، هتحسي إنه قطعة منك.
نظرت جانيت إلى ذلك الملاك النائم على كتف ابنتها بهدوء. شعرت فعلاً براحة تفسير داخل عروقها، فهو ملاك حقاً بذلك الشعر الأسود الناعم الذي كان يحيط وجهه، وتلك العيون المتسعة التي تشبه عيون المها ذات الرموش الطويلة. ابتسمت جانيت في وجه ذلك الصغير بلا إرادة بسبب تلك الابتسامة التي رسمها الصغير على شفتيه. حملته جانيت بين يديها ولا تعلم لماذا أرادت أن تضع قبلة على رأسه وضمته إلى صدرها بهدوء.
بعد مرور نصف ساعة من الوقوف أمام غرفة العمليات، كان يخرج الترولي أو العربية الناقلة من غرفة العمليات وكانت تنام رنا عليها بتعب. نظر لها حمزة بحزن شديد، فهو لا يصدق أن حبيبته كانت بين الحياة والموت من دقائق، وأن الله قد ردها له. حتى أنه لم يكلف نفسه أن يسأل الطبيبة، بل ذهب خلف الترولي دون أن يزيد كلمة واحدة.
نظر رحيم إلى الطبيبة بهدوء وهو يقول:
رحيم: إيه يا دكتورة، حالة أختي عاملة إيه؟
الطبيبة: حالتها مش كويسة خالص يا فندم، الرحم عندها ضعيف جداً وما قدرش يتحمل تقل بيبي عليه، عشان كده البيبي نزل. والمشكلة دي هتبقى على طول معاها لأن جدار الرحم بتاعها ضعيف، ما بيستحملش، مش هتقدر تخلف، وأي حمل هيحصل ده هيكون الناتج بتاعها إن البيبي ينزل في الشهور الخمسة الأول.
نزلت تلك الكلمة الصاعقة على أذن الجميع، فهي تخبرهم بكل هدوء أن رنا لا تصلح لكي تكون أم. وذلك الشيء قد كسر بفؤاد الجميع وحطم أحلام بكري أن يصبح جداً. أما رحيم، شعر بالخوف على أخته، فهذا يعني أنها سوف تطلق، فهو يعلم أن الطفل مهم جداً عندهم، هم الرجال، وليس الجميع يمكن أن يستغنى عن الأطفال.
بعد مرور دقائق، كان يخرج حمزة من غرفة رنا بعد أن اطمئن عليها. وجد رحيم ينتظر أمام باب الغرفة. نظر له رحيم بهدوء وهو يقول:
رحيم: حمزة، بعد إذنك، أنا عايز أتكلم معاك شوية.
حمزة: (يهز رأسه بهدوء) تمام.
وقف حمزة بعيداً عن أعين الجميع وهو ينظر إلى رحيم بهدوء ويقول:
حمزة: خير يا رحيم، في إيه؟
رحيم: بص يا حمزة، أنت لو حابب تطلق أختي، أنا معنديش مانع. وأحب أقولك إننا متنازلين عن كل حاجة، مش عايزين ناخد منك أي حاجة، بس تطلقها يكون الطلاق بهدوء عشان ما يؤثرش على نفسيتها.
حمزة: (ينظر له بسخرية) أطلق مين؟ هي عملت إيه عشان أطلق رنا؟
رحيم: هو في حد بيطلق من الباب للطاق؟
رحيم: حمزة، أنا أختي مش هينفع تخلف تاني، عندها مشكلة في الرحم، وأنت راجل ومن حقك تتجوز وتخلف وتنبسط بحياتك، وأنا مش هقبل إن أختي يبقى لها درة. عشان كده الطلاق هو أنسب حاجة، تطلقها والموضوع يخلص من غير شوشرة ومن غير مشاكل.
حمزة: (ينظر له بهدوء) وأنا مش هطلق يا رحيم. أنا امرأة هتفضل على ذمتي لحد آخر يوم في عمري. وبعدين العيل اللي مات دهوت، ربنا يرحمه. وبعدين مين قال إن موضوع الخلفه هيأثر على علاقتنا أصلاً؟ أنا مش فارق معايا حاجة. طب لو العيب فيا كان إيه اللي حصل؟ كنت هتقول إن الطلاق هو أنسب حل؟ رحيم، بلاش التفكير ده، وبعدين ربنا ممكن يديك ظن الدكاترة ورنا تخلف، كل حاجة بيد ربنا. عشان كده أنا مش هطلق مراتي ومش هستغنى عنها.
شعر رحيم بالسعادة من تلك الكلمات التي قالها حمزة، فهو علم أن الله قد اختار لأخته الأفضل. فالكلمات حمزة قد أكدت أن حمزة رجل بصحيح، وكل ما يفعله يجعله يزداد في نظر رحيم أكثر وأكثر.
بعد مرور ساعة، كانت تبدأ رنا بالاستيقاظ من تلك الغيبوبة التي كانت فيها. مسحت على معدتها بكل هدوء وهي تقول:
رنا: ابني كويس صح يا حمزة؟ مش أنا ابني كويس؟ وأنت لحقته؟
حمزة: (يبتسم) اهدى يا رنا، اهدى يا حبيبتي. وبعدين ربنا هيعوض علينا بأحسن منه، بس اهدى أنتِ.
رنا: (تبكي وتصرخ) أنا عايزاه، مش عايزة يجيلي واحد أحسن منه، أنا عايزاه.
حمزة: (بهدوء) طب اهدى، لأن أنتِ بتعمليه ده مش هيعمل حاجة، بالعكس ده يؤثر عليكي أنتِ.
رنا: (تأخذ تبكي بانهيار) يؤثر؟ أنا عايزاه يؤثر. أنا مش عايزة حاجة في الدنيا دي غير ابني. ثم نظرت إلى السماء وهي تقول: يا رب، تعمل كده؟ أنا ما عملتش حاجة وحشة مع أحد تاخده مني ليه؟ والله ما عملت حاجة وحشة مع أحد ولا آذيت حد. طب كنت سيبه لي، أنا عايزة ابني، كان نفسي ابني يفضل معايا، أنا عايزة ابني يا حمزة. أنا هموت من غيره. قالت ذلك وانهارت في البكاء.