وكأنه لا يعرفه، وكأنهم ليسا من نفس الرحم، وكأن دمائهم منفصلة. تخطى كل من سليم وأدهم الآخر من دون النظر حتى، وكأنهم لا يعرفان بعض. توقف أدهم على صوت سليم. سليم: تضيع جميلة معنا، معناه أن رضوى أختها تضيع مني وأنا بحبها. ولو خيروني بين أني أقتل اللي ممكن يعرضها للخطر، فأنا موافق. حتى لو كان أخويا. استمع أدهم بهدوء تام، من ثم ذهب في طريقه وكأنه لا يكترث. _في منزل صباح ورضوى. احتضنها بشدة، صرخ فجأة وهو يقول:
يوسف: جميلة لو حصلها حاجة مش هسامح نفسي. أنا عشت سنين في نعيم وأنتم كنتم عايشين في خوف. أنا مش هقف ساكت يا أمي. صباح: أدهم مش هاين يا يوسف. يوسف: وعشان كده أنا هكون قده وأعمل اللي بيعمله بالظبط. لحد ما يرجع أختي. صباح بذهول: تقصد إيه؟ رضوى: يا راجل! يوسف: هو اللي اختار. رضوى: لا يا أمي لا. يوسف: رضوى، اشتريت شقة في مصر وهتروحوا تقعدوا فيها، وأنا أوعدكم مش هاجي غير ومعايا جميلة. _في منزل أدهم.
فتحت عينيها بخمول، فاق تحملها وهي تتحسس موضع نومها. وجدت أسفل يدها شيء ناعم كبلا ستيك أو شيء أشبه. أمسكته لتجد دوائها. تنهدت وهي تتذكر خوفها، لتعاود الخوف. نهضت بسرعة وهي تدفع الباب لتغلقه عليها بالمفتاح. وضعت خلفه الكرسي. لهثت بشدة وهي تسمع نفس آخر غير نفسها. التفتت بحذر لتجد انعكاسه ورائها في المرآة. نظرت برعب وكأنه جن عاشق يراوغها. صرخت وصرخت صرخة طويلة وكأنها تشكي لليل عن جرحها.
أمسكت ذلك البرفان الخاص به القابع على المنضدة جانبها، لتلقيه على المرآة لتتهشم كلياً. أخذت نفس عميق وعطره المسموم ينتشر في الأجواء ليشكل معزوفة حزينة. وجدته ينظر بترقب. نظرت له برغم تلك المرآة المشروخة التي شوهت وجهه. طال الوقت وهم ينظرون لبعضهم عبر المرآة. تلك المرآة التي شكلت حاجز بين الدمار والأمان، بين الحياة والموت. نظرت بحدة وهو تركع للأسفل وتصعد، وبيدها قطعة مرآة حادة ومسننة. التفتت له بأعجوبة.
اقتربت بحذر بالغ وقلبها يتطاير من كثر دقاته. عقد ما بين ساعديه وهو يستفزها بنظرات قتلته. اقتربت منه حتى كادت تلتحم أجسادهم. رفعت يدها لتضع طرف المرآة على رقبته. جزت على أسنانها برهبة وهي تضغط على عنقه. ثواني قليلة وانساب خط أحمر من رقبته. لم يقاوم، اكتفى بالصمود. أنزلت يدها بعد أن هتف قلبها بصراخ: "لا تفعلي، فأنكِ له عاشقة". أنزلت دمعة من لؤلؤتها اليسرى. ولكنه أمسك يدها معاود، وضعها على رقبته.
صارخاً بحدة وهو يضغط أكثر. أدهم: خلي ناري تخمد، خلي روحي تنطفي. ميهمنيش إذا كنت هموت مقتول. كدا كدا الموت حاسم ومليان راحة. اقتليني يمكن ربنا يرحمك من اللي هعمله فيكِ. أنتي متعرفيش أنا ناوي لكِ على إيه؟ اقتليني يمكن موتي يكون سبب حياتك. جذبت يدها بذعر وهي تجد الدماء تكثر وتفيض. نظرت له بخوف، ليس منه بل عليه. غريب بألا تخاف من تهديداته الغير مباشرة، بل تخاف عليه من نفسه. أهذا هو العشق بحق؟
أيخاف الشريك على الشريك الآخر من نفسه؟ أيخاف أن تهدمه طاقته المفرطة؟ أيخاف؟ جميلة صرخت بهتسيريه: مينفعش تموت، مينفعش. أدهم: ليه؟ ليه أنتي تقولي كدا؟ جميلة صرخت: عشان مش هسمحلك بأنك تدمريني وأنت بتدفن تحت حبه تراب. نسياني ليكِ صعب، أنا بـ... صمتت. ترك يدها. تركها وهو يبتلع ريقه بصعوبة. فتح فمه بذهول وأعينه غير مصدقة نظرتها البريئة تلك. يقال أن الوقت مر عليه كعقارب الساعة البطيئة.
أما عنها، لوثت دماءه وجهها وكأن دماءه تخبرها بأنه يعشقها، حينما لوثت شفاهها الرفيعة. احتدمت أعينه فجأة ومالت للأحمر واشتعلت. أمسك يدها التي تمسك الزجاجة بشدة يعتصرها، ومن قسوته لم يلاحظ الدماء التي انسابت من يدها. لف ذراعها خلف ظهرها وهو يجذبه إليه، يلحمها بفجوتة ودماءه غطت يده. ليقل بصوت أشبه بالفحيح: أدهم: فيه ألف حاجة تخليني مصدقش، وحاجة واحدة تخليني أصدق وهي أن اللي بيكدب بيبان في عينيه، وأنتي للأسف عينيكِ صادقة.
ابتسم. شكرًا لأنك قلتيلي إزاي أنتقم منك بطريقة توجعك. ألقاها بأهمال لتقبع على السرير بصمود. ألقى الكرسي وفتح الباب وذهب. بينما نزلت دموعها وهي تنظر لنصف وجهها في تلك المرآة التي تكسوها الدماء. _في دار الهواري. تشنجت تعابير وجهه يارا وهي تتفنن في إخفاء توترها. وضعت الورقة خلف ظهرها. سالم بغضب: الله! هي مش دي أوضة عمار؟ أنتي هتعملي إيه هنا؟ يارا: م... م أنا ك... كنت... سالم: كنتي إيه؟ انضجي. يارا: بس أنا... أنا...
عمار مشي ورجع ل داره، وهي كانت بتوضب الأوضة. كان ذلك صوت ناصرة. سالم: والورقة دي؟ يارا: ل... لا دي فاضية أصلاً. قالتها وهي تلقيها بأهمال في القمامة. سالم: طب يلا اطلعوا أنتم الاتنين قدامي، وحد تاني يوضبها. نظرت يارا للورقة وهي تخرج. ولكن في نفس الوقت الذي كان فيه سليم ينظر لسالم، كان سالم يقرأ تلك الورقة بوجهه أحمر. بعدما أحضرها من القمامة. سالم بحدة: حضروا العربية بسرعة، هه نروح لشقة أدهم. سليم: ليه؟
سالم: اعمل اللي قولتللك عليه. _في منزل أدهم. فتحت جميلة باب غرفتها بعد عدة ساعات من البكاء المستمر. نظرت حولها بخوف لتجد بأن المكان فارغ. خطت برجفة وهي تشعر بروحها تنهار بين المفترقات. نظرت لباب الشقة بلهفة، وحينما ذهبت لتفتحه، وجدت من لم تكن تتوقعه. سالم وسليم وبعض الرجال.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!