تشنجت تعابير وجهها وهي تنظر لهم برهبة متصلة بجسدها. بينما سليم يتحاشى النظر لها وكأنه يهرب من العتاب. وضعت يدها على شعرها المنسدل بتوتر. أغلقت الباب بسرعة، ولكن قبل أن تفعل هذا، كان حمدان قد وضع قدمه، مما زادها خوف. انسللت ستائر شعرها على وجهها وأنفاسها تهزها بعنف. أمسكت صراخها من البوح حينما شعرت بنفسها تهوي أرضًا حينما دفع حمدان الباب. ذعر سليم وهو يجدها هكذا، ذهب لها يساعدها، ولكن سالم وضع عصاه الخشبية أمامه لينظر سليم بحزن وهو يرجع للخلف ببطء.
زحفت للخلف وهي تشعر بقلبها يشغف ويبحث في بحور الخوف ليغرق. تنهدت بشدة وهي تجمع حروفًا مـلـثـمـة. وحينما وجدت حمدان والرجل الآخر يمسكها ويرفعونها أمام سالم وسليم، نظرت لسليم نظرة جعلته يندم بأنه نظر لها. نزلت دموعها وهي ترى الشر يتطاير من أعين سالم. بعض الوجع أصاب ذراعها المقبض بأغلالهم. نظرت في أعين سالم مطولًا قبل أن تقول:
"أنت قتلت أبوييا، قتلته، ومش هسمحلك تقتل يوسف، وأوعى تكون فاكر إن اللي حواليك دول هيحشوني عنك. أنت مش راجل، عارف ليه مش راجل؟ عشان قتلت واحدة مالهاش أي ذنب غير إنها حبت واحد تاني غيرك. عارف حبيت مين؟
أبوييا. أبوييا اللي أنت قتلته، وعشان كده ابنك البكري مات، وعشان كده أنت تستاهل إنك تتحرق على ابنك اللي مات. أنا فرحانة، فرحانة لما عرفت إن موت ابنك دمرك، كان نفسي أشوفك وأنت بتتحسر عليه زي ما أنا كنت متحسرة على أبوييا اللي مات مقتول ومش فاهمة هو مات ليه. ولو وصل الحال بيا بأني أقتل أحفادك عشان تموت بحسرتك، ممكن أعمل كدا. أنا بكرهك."
لهثت بشدة وهي تجده ينظر لها بأعين حمراء. صمت العالم من حولها حينما وجدت من يجذبها من ذراعها لتقف في الوراء. نظرت بعدم استيعاب لذلك الرجل ذو الكتف العريضة. لتجد الأدهم، نعم إنه هو. مد يده للخلف ووضع يداه على خصرها يثبتها خلف ظهره وأعينه تشتعل قائلاً: "أنت صعيدي وعارف معناه إيه إنك تتدخل على حرمة وهي في البيت لوحدها." "وممكن إني أعرف هي بتعمل معاك إيه؟ "أظن إن الراجل ومراته لازم يقعدوا في شقة لوحدهم."
وقعت العصا من يد سالم لينظر له سليم بخبث، من ثم يبتسم بسذاجة. "مرتك؟ "وقسيمة الجواز لما تطلع لازم أجيب لك نسخة." "اتـجـوزت بناية العيلة اللي قتلت أبوك؟ "وعشان كده هي ملكي أنا، وأنا اللي ليا الحق إني آخد تار أبويا بكيفي وبالطريقة اللي أنا أحبها." "مفيش تار بيتـاخد من الحريم يا أدهم." "وهي دلوقتي بقت جميلة الأدهم." اقترب سالم من الأدهم فجأة ونظر لجميلة بحدة، ليقول بصوت جامد:
"إذا أنت مجتلتهاش قبل أخوها، استعد إنك تلاقي الدم مغرق بيتك." خرج وخلفه حمدان والرجل الآخر. أما سليم نظر لجميلة وقال وهو يأخذ العصا ويخرج: "رضوى مع يوسف يا جميلة، متخافيش." *اقترب بهدوء من أدهم و دس في يده ورقة لم تراها جميلة! في تلك اللحظة التفت أدهم لها، لترتعب أكثر وهي تجده يقترب منها ويقول: "أبويا ملوش ذنب إنك تفرحي بموته، أنتي فاهمة؟ "حـ... حاضر، أنا آسفة." "انزلي قدامي، هنمشي من هنا."
قالها بنبرة امتلكتها القساوة والجفاف، مما جعلها تفر من أمامه متـحـاشـيـة كلامه. ***
بكت رضوى بحرقة وهي تحتضن يوسف وتعتصر الألم بيدها. بينما هو اكتفى بالربت على رأسها وكأنه يعطيها بعض القوة. التفتت تنظر للمنزل بوهن، من ثم غطت في دموعها. أمسكها يوسف وأبعدها عن الوجع حينما فتح باب السيارة لها. نظرت صباح ليوسف بمعني لا يفهمه أحد. تنهدت بحرارة وهي تفتح باب السيارة، ولكنها تشنجت حينما رأتـه ينظر لها كطفل صغير لا يريد الوداع. كان يحتمي بالجدار وينظر لها، لا يحرك عينه، وكأنه يخبرهـا بألا تذهب.
ودت لو أنها تذهب له وتعانقه، فمشاعرها تجاهه أصبحت غريبة. قلبها يؤلمها لأنها لن تراه مجددًا، ولكنـه ابن العائلة التي قتلت والدها. حينما تذكرت هذا، نظرت له بغضب، من ثم جلست بالسيارة وبدأت بالبكاء. بينما استدار سليم بخطى باردة يذهب لطريقه المليء بالأشواك. "عايز إيه؟ "فين جميلة؟ "مع أدهم. اتجوزها؟ انتفض يوسف وهو يصرخ: "اتـجـوزها." "أيوا." "هما فين؟ "معرفش." وهو يطالعه بحدة:
"صدقني إنه لو لامس شعرة منها، أنا هقتله وهقتلكوا بعده، فاهم؟ ابتعد عنه سليم وهو يخبره بأنه ينتظر موعد قتله على أحـر من الجمر. *** (في دار الهواري) (في غرفة ناصرة) أمسك سالم ناصرة من شعرها بشدة وهو يصرخ: "أنتِ اللي دخلتيها البيت، أنتِ... "بس مكنتش أعرف إن الأدهم هيتجوزها، مكنتش أعرف." "صدقيني يا ناصرة، بعد خيانتك دي، مش هيطلع عليكي نهار ولا هتشوفي الشمس." "لا لا يا سالم، دا أنا من لحمك ودمك."
نظر لها ببرود وهو يمسكها من شعرها ويجرها خلفه كالعبد المغـلـوب على أمره. صرخت يارا فجأة وهي ترى هذا المشهد، جرت بسرعة تمسك ناصرة وتصرخ: "لا لا أرجوك لا." "إذا اتكلمتي تاني هتبقي معاها." أما ناصرة فقد أبعدت يارا عنه، دفعتها بعيدًا كي لا تتورط معها. ولكنها فجأة صرخت، ليتوقف سالم. "أنا كمان كنت عارفة إن عمار هو جميلة بنت كامل!
توقف سالم وكأن العالم انهار حوله. لتنظر لها ناصرة بشدة. عاد سالم لها بخطوات سريعة، ومع كل خطوة كان قلبها يقع أكثر في العمق المخيف. إلى أن وقف أمامها وبأقسى ما لديه، صفعها، لتسقط أمامه كالـجـثـة الهامدة، تنساب الدماء من شفتيها. نظر لها ببرود، من ثم أمسك ناصرة وذهب بإهمال لتلك الغرفة التي كانت تتواجد بها رضوى. فتح الباب وألقاها بإهمال وأغلق الباب. من ثم صرخ بشدة إلى حمدان الواقف جانبًا:
"تحبس يارا في أوضتها، ويا ويلك لو وصلها أكل ولا شرب! (وبالفعل حملها حمدان وصعد بها) *** (في سيارة الأدهم) كانت جميلة جالسة على المقعد الخلفي متوترة، هـاربـة منه. سألته بوجهه شاحب: "واخدني على فين؟ *ابتسم بسذاجة وهو يقول:* "على بيتك الجديد، هو أنتي مش عروسة برضه؟ تنهدت وهي تسند رأسها على الزجاج وتقول: "هـطـلـقـنـي إمـتـى؟ ابتسم وهو يقول: "لا مفيش طلاق. الطلاق يوم ما ألاقي أخوكي سايح في دمه قدامي، يوميها هطلقك." أغمضت
عينيها باشمئزاز وهي تصرخ: "يوسف لو مات، هتموت وراه يا أدهم! "ويا ترى مين بقى اللي هتموتني؟ أنتي يا اللي مبتعرفيش تعوري نفسك! في تلك اللحظة، شعر بألم في عنقه، أمسك منديلًا ووضعه عليه، ليرى بعد الدمـاء. نظر للمرآة الأمامية باعتيادية، ولكنه أوقف السيارة فجأة وهو ينظر بدهشة وأنفاسه تتصاعد إلى الأعلى! علقت الكلمات في حلقه، وهو يلتفت بحذر ليجد جميلة ممسكة بمسدسه وتضعه على رأسها، والدموع تـنـهـمـر.
"أنتِ هتعملي إيه يا مجنونة؟ هاتي المسدس." "أنت قولتلي إنك هتعذبني، وأنا مش عايزة أتذل على إيدك أنت بالذات." "جميلة اهدى كده وهاتي، ده مش لعبة." "ومين قـالـك إني بلعب؟ "طب هاتي يلا." "أدهم... "جميلة... *أغمضت عينيها وهي تضغط بضعف. ولكنها فجأة سمعت صوت إطلاق النار. لتصرخ بفجع وهي تحتـمـي بين كفـيـهـا وتبكي بشدة!
بينما كان أدهم يجذب خصلاته وهو يغمض عينه اليمنى ويرى يده ممسكة بيدها وتصوبها للأمام. لقد مرت الرصاصة من جانبه واخترقت الزجاج لتهـشـمـه كلياً.* نظر ليديها المجروحة، لأول مرة يراها. لقد أصبح جرحها ملوثًا حرفيًا، والدم مازال يتدفق منه. أبعد يدها بإهمال وهو يأخذ المسدس ويضعه في جيبه الخلفي. بينما اكتفت هي بالبكاء، البكاء المرير.
في حين مرت سيارة من جانبهم، كانت تحمل عائلة بسيطة مكونة من أب وأم وطفله. جاءت عين الرجل بعين جميلة. تلاقت أعينهم طويلًا، طويلًا جدًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!