شعر الأدهم وكأنه يريد أخذ عمار في حضنه، حضنه الذي يتسع له ولكن لا. وخبايا الروح لا يعرفها شبيهه، القدر والمكتوب سيري ولو مكتوب بحبر شفاف، والأسرار لا يدوم كتمانها ولكن وجعها يدوم. ماذا فعل لها بنظرة عين، كيف احتلتها هكذا وأسقطت كيانها، كيانها الذي أصبح مبعثرًا بسببه.
مر أسبوع على تواجد جميلة في الدار، أسبوع رأت فيه الأدهم تقربوا من بعض حتى أصبحوا أعز أصدقاء. أصبحت تشعر بمشاعر نحوه، فبخفة دمها جعلته يصبح رفيقًا لها يمشي على نفس دربها. لم تعرف أي شيء عن الثأر، فكلما فتح الموضوع وبخها الأدهم بشدة. في غرفه ناصره: جميلة: مش عارفة أوقفهم يا خالة ناصرة، وكل شوية أما أسأل الأدهم يزعق لي، أنا زهقت. ناصره: شكلنا كده فشلنا. جميلة: لا منا ما ألبسش ألبس الزفت ده وفي الآخر أفشلنا.
ناصره: وأنا كمان، حتى مش قادرة أتكلم مع سالم، سالم لو عرف إن عيلتك هنا هيقتلهم. جميلة: وعشان كده لازم نتصرف. ناصره: أيوا يعني نعمل إيه؟ جميلة: بصي من رأي إننا نروح لسالم، أهو أرحم من الأدهم ونتكلم معاه. ناصره: لو سألناه وقلنا إيه اللي فكركو بالموضوع هنقول إيه؟ جميلة: معرفش، معرفش. ناصره: إحنا نستنى ونشوف إيه اللي هيحصل. جميلة: لا ملهاش فايدة قعدتي هنا، أنا هرجع بيتي. ناصره: خلاص، اللي تشوفيه.
سليم: مكنش في جلابية أقصر من كده؟ يارا: أمشي وأنت ساكت، لو حد من رجالة جدو أو الأدهم شافونا هيكون نهار مش فايت. سليم: يعني إنتي لبساني جلابية بخمار ومش عايزاني أتكلم؟ يارا: أعمل إيه عشان منتكشفش. سليم: كلهم بيبصوا لي ليه. يارا: عشان مفيش ست عريضة وطويلة كده. سليم: خمسة في وشك يا شيخة. يارا: هو ده البيت بتاع عيلة السلماوي. سليم: افرضي مش هو. يارا: لا هو، متقلقش.
صعدت درجات السلم وخلفها سليم، طرقت الباب عدة مرات لم يفتح، توترت وهي تنظر حولها. جاء لهم صوت من الداخل: رضوي: مين؟ يارا: أنا.. أنا يارا.. من عيلة الهواري. فتحت الباب على مصراعيه لتنظر لهم رضوي برهبة وخوف. أما سليم فقد رفع ذلك الخمار لتتفاجأ رضوي. بلعت رضوي ريقها بصعوبة وهي تنظر خلفهم حسبانًا بأن الوقت قد حان. سليم: متخافيش، إحنا مش هنأذيكي بس عايزين نتكلم معاكي. رضوي: أد.. ادخلوا.
دلف سليم ويارا وقلوبهم تصرخ ارتياحًا. جلست يارا لجانب أخيها لتجلس رضوي بعيدة عنهم. سليم: مكنتش أعرف إن عيلة السلماوي فيها بنات حلوة كده. يارا: احترم نفسك، إحنا في إيه ولا إيه. سليم: أسألها كده هي مرتبطة ولا سنجلة. يارا: ونبي أسكت. رضوي: أنتو عايزين إيه؟ يارا: إحنا بنطلب منك إنك تمشي من هنا أنتي وعيلتك. سليم: إيه ده، تمشي ليه؟ يارا: جدو لو عرف إنكم هنا الثأر هيرجع تاني وإحنا مش عايزين دمار. رضوي: أنتو مين.
يارا: إحنا أحفاده. سليم: اسمعي، رجالة العيلة اللي باقين بيدوروا عليكوا وهيوصلوا ليكوا لو مش النهاردة يبقى بكرة، أنا مستعد أساعدك أنتي وأهلك تمشوا من هنا. رضوي: ليه بتساعدوني. يارا: عشان إحنا مش عايزين دم تاني، أنتي هتموتي وعيلتك كمان. سليم: فكري في كلامي وقوليلي. رضوي: بصوا أنا هكلمكم عشان نتقابل برا هنا، مينفعش فيه كلام كتير لازم تعرفوه. يارا: هديكي رقمي. سليم: لا، أخذي رقمي أنا أهو. قولتيلي بقا اسمك إيه.
خرج سليم ومعه يارا من الدار. يارا: تفتكر إحنا كده عملنا اللي علينا. سليم: وزيادة. يارا: بس الكفر بتاعهم جميل قوي. سليم: بس جميلة رضوي. في منزل الهواري –تحديدًا غرفة الأدهم:
تململ الأدهم في فراشه وهو يستشيط غضبًا من النور الذي اقتحم غرفته ليقطع خيوط الظلام المتشابكة. تنهد بضيق وهو يذهب إلى حمام ليغسل وجهه بالقطرات العذبة المجمعة بين راحته. لف المنشفة على عنقه وهو يخرج ثيابه ليرتديها، وبعد هذا ذهب إلى نافذته ليفتحها بهدوء لعل الهواء يجعله يفيق. شعر فجأة بحركة ما بغرفة جميلة، وبما أن الغرفتان ملتصقتان مد يده يفتح النافذة قائلًا: الأدهم: ولا يا عمار بتعمل إيه؟ جميلة: احم.. بحضر هدومي.
الأدهم: ليه. جميلة: خلاص ماشية. الأدهم: وده ليه. الأدهم: خلاص أمشي. دلف إلى الداخل ليغلق النافذة بشدة لترتعد جميله. تركت جميلة الحقيبة من يدها بغضب لتذهب للنافذة صارخة: جميلة: مالك بتزعق لي ليه؟ وبعدين إحنا مش كنا أصحاب، الصحاب مبيزعقوش لبعض. الأدهم: خليك في حالك وروح ومتجيش تاني. جميلة: وأنا أصلاً مش راجعة. الأدهم: وأنا أصلاً مش عايزك ترجع. جميلة: أنا بكرهك. الأدهم: وأنا كمان.
أغلقت جميله النافذة بغضب لتلتصق بالحائط باكية، خاشية الذهاب. تعلقت به بمن لا يرحم، بالذي سمعت عنه أحاديث تشيب الرأس. ولكنها ليست هكذا، حينما تقربت منه وجدت أنه أبيض، ولكن الناس هي التي جعلته أسود. مسحت دموعها بجمود وهي تتذكر موقفًا صار معهما خلال الأسبوع. فلاش باك: خرجت جميله مع سليم إلى الخارج ليشموا بعض الهواء. كان وقتها سليم برفقة أصدقائه، مما جعل جميلة كالغريبة وسطهم، ولذلك استأذنت بهدوء بالعودة.
جميلة: معلش بقى يا شباب هرجع. سليم: ليه يا عمار، خليك شوية يا أخي. جميلة: لا هروح أنام، عن إذنكم. سليم: إذنك معاك. رفعت جميله جلابابها وهي تصعد الرصيف ذاهبة للدار. كانت سعيدة برؤية الأطفال حولها يلعبون، ولكن شنبها كان يضايقها بشكل غريب، كيف الأدهم يتحمل ذقنه إذاً؟
لا تفعل شيئًا سوى التفكير به، وكأنه محور الكون الخاص بها، أخذ حيزًا كبيرًا من عقلها. وبرغم أنه قاسٍ إلا أنها تراه أطيب من أي أحد، تراه يحتمي خلف قناع القسوة. تنهدت بحزن وهي تفكر بالثأر، الوقت يضيع هباءً، ولكن ماذا عساها تفعل؟ صرخت فجأة وهي تشعر بقدمها تتلوى. ذلك الحجر لم يكن وقته. خلعت حذائها وهي تبكي كالطفلة وترى قدمها تؤلمها. لم تستطع الدعس عليها فبكت أكثر. شعرت فجأة به منقذها الوحيد. الأدهم: عمار، رجلك مالها.
جميلة: اتلوت. الأدهم: خلاص، إيه الشحتفة دي، مش مستاهلة. جميلة: بتوجع. الأدهم: خلاص اقعد هنا. شمر البنطلون ده شوية. جميلة: ها، لييه. الأدهم: هشوف كده، أعمل لك فيها حاجة. جميلة: لا خلاص خفت. الأدهم: يا جدع، متبقاش خواف. ثنى بنطاله سرعان ما ينظر لها بشيء من الصدمة قائلًا: الأدهم: إنت أملس يلا. جميلة: أكيد لا، أمال الشنب ده إيه. الأدهم: ولا أنا قلبي مقبوض منك، صوتك كده فيه دلع ومشيتك وحركاتك، وأخيرًا ال... ال بتاع ده.
جميلة: يا عم عادي يعني. الأدهم: أستغفر الله العظيم، خليتني أفكر فيك تفكير وحش. جميلة: شوف بس رجلي دي. الأدهم: الله يحرقك يا أخي بقى. جميلة: إيه. الأدهم: إيه الزفت اللي على ضوافرك ده. جميلة: ده مقوي للأظافر، بحطه عشان ضوافري اللي بتتكسر دي. الأدهم: عمار، لو فيه حاجة قولي. جميلة: حاجة إيه. الأدهم: والله أنت فاهم بقى. جميلة: جرى إيه، احترم نفسك الله. الأدهم: خلاص يا عم وريني. جميلة: ما كان من بدري.
الأدهم: جرى إيه يا حيوان، ما تحطها في وشي أحسن. جميلة: وأنا أقدر. في غرفه الأدهم: زفر الأدهم بشدة وهو يجلس على حافة الفراش. دفن وجهه بين راحته بهدوء، سرعان ما صرخ: الأدهم: ما يمشي، فاكر نفسه مين. ولكنه تنهد بحرارة وهو يلقي بجسده على السرير متذكرًا ما حدث في الأسبوع الماضي.
تنهدت ناصرة بتعب وهي تضع الطعام على المنضدة. كان الوجع ظاهرًا على تفاصيل وجهها المجعد. لم يكن أحد بعونها، فالخدامات في إجازة أعطتها لهم ليرتاحوا من الهم قليلاً. كانت جميلة في طريقها إلى سليم ولكنها توقفت أمام ناصرة قائلة بمرح: جميلة: الجميل شغال لوحده ليه. ناصره: البنات اديتهم إجازة وهيرجعوا بليل عشان الفرح بتاع بكرة. جميلة: بس كده مينفعش، هتتعبي. ناصره: هدبر نفسي، انزلي انتي. جميلة: خلاص هساعدك، فين باقي الأكل.
ناصره: يبقى كتر خيرك في المطبخ اللي تحت. جميلة: ثواني والأكل يبقى قدامك يا عسل. ناصره: والله أنتي بتكاشة. نزلت جميله درجات السلم بمرح، بخطوات قافزة تتعدى الرجال. فتحت باب المطبخ ولكنها توقفت عند بعض الهمهمات. أختلست النظر من ذلك الثقب لتجد الأدهم وبين يده فتاة. حاولت أن تكذب أعينها ولكن المشهد يفسر نفسه، شهقت بشدة وهي ترتد للخلف مانعة دموعها من النزول. لم تقف أكثر فقد جرت بكل ما أتى بها من قوة. أما بالداخل:
أبعد الأدهم الفتاة عن حضنه قائلًا: الأدهم: ها مبسوطة يا ستي. يارا: طبعًا مبسوطة، أنا خلاص كنت هتخنق. الأدهم: عشان متقوليش إني مشغول عنك. يارا: هروح أقول لسليم ونحضر الشنط. الأدهم: هههههه، بسرعة كده. يارا: أيوا قبل ما تغير رأيك. ذهب عده خطوات ليقف على صوته يقول: الأدهم: يارا. يارا: نعم. الأدهم: شعرك باين. يارا: يا خبر، معلش مخدتش بالي. عدلت حجابها بهدوء لتقول: يارا: حلو كده. الأدهم: عسل.
خرج الأدهم وهو يمشي بخطوات هادئة. سمع نحيب، نحيب علمه منذ السمعة الأولى أنها عمار. بدأ يبحث عنه بعينه ليجد أخيرًا على السلم جالس يبكي بصمت وأنين مكتوم. جلس لجانبه قائلًا: الأدهم: جرى إيه يا مصيبة، عملت إيه تاني. جميلة: هو إنت إزاي كده. الأدهم: كده إزاي يعني. جميلة: كده يعني كده. الأدهم: مش معنى إني فتحت لك قلبي و خليتك صاحبي يبقى تتكلم معايا بالأسلوب الزبالة ده، أحترم نفسك يا عمار.
جميلة: أنا محترم، شوف أنت بقى مين اللي كل شوية ياخد في حضنه واحدة. الأدهم: الله، قصدك إيه. جميلة: يا سيدي مقصدش.
تركته ونهضت لتنزل درجات السلم بغضب، ولكنه أمسكها من معصمها جاذبًا إياها. أطبق على معصمها ليرفعها إلى طوله لتصعد هي الدرجات رغماً عنها. تلاقت أنفاسهم في معركة قاسية، وقابل قساه رقتها. توجعت من قبضته لتزم شفتاها كالأطفال. أما هو تاه في تفاصيلها الغجرية، رموشها وحلاها وجمالها، نورها وفؤادها، تاه في ممرات التفاصيل الأخاذة. شعر بقلبه ينبض. فتركها بسرعة بعدما تحركت مشاعرها، ولكنها تحركت مع رجل. نظر لها بتوتر ليدفعها إلى الجانب من ثم ينزل بسرعة وكأنه يتحاشى أعينها، وكأنه يخشى الخطيئة.
أما في غرفه سليم: كان سليم على فراشه عاري الملابس لا يستره سوى البنطال القماشي الذي على قدمه، يرتشف من الشاي الخاص به الذي يفرز هرمون السعادة لديه، وعلى التواصل الاجتماعي يجلس مع رضوي يشاهد صورها وكلامها الذي سلب منه عقله. وجد فجأة الباب يفتح على مصراعيه ويدخل منه أحد صارخًا اسمه. ليرتعد وهو يشعر بالنار تكوي صدره. سليم: ااااه، سلختيني يا جزماة. يارا: حيوان، والله لأقول للأدهم إنك شتمتني.
سليم: يا شيخة غوري إنتي وهو في يوم واحد، داخلة من غير ما تخبطي، في إيه عايزة إيه؟ يارا: الأدهم عنده شغل آخر أسبوع ده في الساحل وهياخدنا معاه نغير جو. سليم: بجد، نبي. يارا: آه بجد. تركها سليم ليسجد أرضًا لتضحك بشدة. سليم: سجدة للمولى عز وجل. يارا: هههههه، هتسجد وإنت عريان يا مجنون. فلاش باك: في غرفه يارا: تجلس يارا على حافة الفراش ولجانبها سليم جالسين بصمت وأمامهم الأدهم بجمود وجموح.
الأدهم: هقولكم حاجة تنفذوها، وإلا ألغي فكرة الساحل وأخليكم تبدأوا كورسات فورًا. يارا: لا أبوس إيدك، أنا ما صدقت. سليم: بص، إحنا من إيدك دي لأيدك دي. الأدهم: إنتوا طبعًا عارفين إن فيه بكرة فرح هيتعمل هنا. يارا: فرح البنت الخدامة، أيوا عرفاها، جدو قال هو اللي هيعمل لها الفرح كمكافأة يعني. الأدهم: بالظبط. سليم: والمطلوب منا. الأدهم: إنكم تقنعوا عمار إنه يفضل هنا لحد الفرح ما يخلص وبعدين يمشي. سليم: إيه ده، هو ماشي.
الأدهم: أها، المطلوب بقى إنه ميمشيش. يارا: اعتبروه حصل. الأدهم: تمام، يلا اطلعوا برا. يارا: إيه ده، إنتوا اللي تطلعوا برا، دي أوضتي. الأدهم: نععع. سليم: أخوكي قال تطلعي برا، يبقى تطلعي برا. عن إذنك يا كبير. خرجت يارا من غرفتها ومعها سليم. سليم: متقلقيش، عمار مش هيكسفني، دقيقة وأرجعلك. يارا: مش ملاحظ إن أخوك متمسك بعمار قوي. سليم: عندك حق، أنا كمان مستغرب. يارا: أول مرة يكون قريب من حد كده.
سليم: فكك وكبري دماغك، أنا هطلعله. يارا: تمام، مستنياك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!