شعرت جميلة بضيق في صدرها. أين ناصرة؟ بحق، كلما نظرت للناس زاد ضيقها. تعرقت وهي تصعد أولى درجات السلم. أكملت طريقها بتمالك ونفسها ينعدم. ولكن فجأة ومن دون موعد وجدته أمامها كالقدر الأسود. الأدهم؟ بالتأكيد هو الأدهم، فعيناه الصقرية لم تترك لها مجال للتفكير. قرعت طبول الهوى في عينيها وكأنها متيمة بعشقه. نظرت له باختلاس وكأنها تسرقه من بين الناس. نظرت لعروقه البارزة ولوجهه الصلب. نسيت تعبها. زفر هو حانقاً وهو يقول:
الأدهم: جرى إيه يا عم؟ هتعديني ولا لأ؟ ما توسع. جميلة: وهي تلهث: طب ما تعدي، هو أنا ماسكاك؟ الأدهم: ممكن عشان أنت واخد السلم كله مثلاً؟ جميلة: هـ ها. الأدهم: أنت محذوف عليا من أي مصيبة. ودفعها بحدة ليكمل طريقه غير مبالٍ بتلك الفتاة التي أخذت تتصبب عرقاً وأنفاسها ممزقة. أما جميلة فقد شعرت بشيء يضع في فمها. ضغطت على البخاخة لتستريح. حقاً ابتسمت بضعف لناصرة قائلة: جميلة: بداية مبشرة جداً. ناصرة: أنتي كويسة دلوقتي؟
جميلة: تمام، كله تمام. بس مين الأخ ده؟ ناصرة: الأدهم. مهما حصل يا جميلة، أوعي تواجهيه. أوعي. الأدهم مابيرحممش. أو يمكن اللي حصله خلاه ما يثقش في حد. برغم طيبته اللي بتغرق الكل. جميلة: إيه يا حاجة؟ كلام الروايات ده. ما تقولي إنه هيعذبني الأول وبعدين يحبني زي قاسي ولكن أحبني كده؟ ناصرة: العشق بيفتح أبواب القلوب وبيدخل من غير معاد يا بنتي. وبيخرج غصب عننا زي ما دخل غصب عننا. جميلة: قصدك إيه؟
ناصرة: الأدهم مش سهل. أوعي يكشف حقيقتك، فاهمة؟ جميلة: اشمعنى ده اللي بتحذريني منه؟ ليه مش سليم؟ وليه مش سالمة؟ ناصرة: لأنه العين المفتحة ببساطة. لأنه الأدهم. يلا يا بنتي. ذهبت معها جميلة وهي شارده تماماً. لا تعرف لماذا انقبض قلبها من كلامها. الأدهم أصبح لها لغزاً يصعب حله أو نكتة من المستحيل الضحك عليها.
تلاشى همها وهي تحاول الانسجام حولها. مرت ناصرة يدها على ظهرها لتبث الطمأنينة في روحها. مما جعلها تنظر أمامها لتجد الجميع ملتفّين حول السفرة. وهناك فتاة جالسة تراها لأول مرة بحجاب منمق. بالتأكيد هي يارا. تنفست بذعر وهي تجده يجلس لجانب سالم قائلاً بصوت رجولي: الأدهم: مين ده؟ ناصرة: بسرعة: ده قريبي يا ابني، هيقعد يومين ويمشي. الأدهم: وهو يطالع جميلة بجمود: ما تقعد؟
جرت جميلة إلى الكرسي تسكنه بسرعة. ليضحك سليم بشدة مفرطة قائلاً: سليم: متخافش يا عمار. الأدهم مش بيعض. ههههه. جميلة: وهمساً: والله أنا شكلي هخرج من هنا ناقصة دراع. ناصرة: أحم. كل يا عمار عشان تطلع ترتاح. أنت جاي من سفر؟ جميلة: طب ما أطلع أريح من غير ما آكل. سالم: بهدوء: بتدرس إيه يا عمار؟ جميلة: متخرج من كلية الحقوق، دفعة 2016. سالم: بسم الله ما شاء الله. ومشتغلتش لسه؟ جميلة: لا، لسه بدور على شغل.
سالم: ربنا يوفقك يا ابني. جميلة: يارب. شعرت جميلة بقدم ما أسفل قدمها. توترت بجمود وهي تشتم في سرها الأدهم الجالس أمامها بكل براءة. بدأت قدمه تلامس قدمها. ذلك الأدهم... لم تستطع قولها حتى. دفعته بحدة ولكنه عاود الكرة. صرخت فجأة: جميلة: ممكن تبطل؟ الأدهم: بحدة: أنت بتكلمني أنا؟ جميلة: آمال بكلم خالتي؟ شيرقت يارا فجأة والتفت سليم لها وهو يعطيها كوب ماء. لترتشف الماء وجميعهم منتظرون رد الأدهم. الأدهم:
بهدوء: وأنا عملتلك إيه بقا؟ جميلة: بغضب وهي تنظر للأسفل: بقالك ساعة عمال تـ... تـ... قـ... نقطة. صرخت بذعر وهي تمسك القطة. يارا: قطتي؟ سليم: وهمساً: قطتك لازم تروح يا بوي. يارا: ههههههه. الأدهم: ها؟ مكملتش. كنت بعمل إيه؟ جميلة: بوجوم وتوتر: هههه ههههه. أصلي لقيت الجو قافل قلت أطريها. ههههه. سالم: هههههههه. والله يا عمار أنت حكاية. الأدهم: حكاية تربت في ركن الأحلام أعتقد. جميلة: بس أكيد حد هيجي يشيل التراب. أكيد.
اعتذرت منهم بحجة التعب للصعود إلى غرفتها. للوهلة الأولى اعتقدت بأن الأدهم اكتشفها. فنظراته المتفحصة كانت شديدة التأثير عليها. وأخيراً دخلت إلى غرفتها لتغلق الباب بالمفتاح عليها. وقفت أمام المرآة لتفك ذلك الشنب وتمسح ذلك المكياج الخفيف الذي وضعته لتخفي أنوثتها. خلعت العمة لينسدل شعرها الحريري بأنسدال وكأنه يتنفس.
ابتسمت ببلاها وهي تتذكر المواقف المتتالية. رجعت خطوات للخلف لترتمي على الفراش محتضنة إياه وكأنه عشيقها في إحدى ليالي الشتاء الفاجعة. احتضنت الوسادة ببطء. سرعان ما تغرق في نوم عميق. بينما جلست يارا مع أخاها سليم بعيداً عن الناس بعدما أخبرته بأنها تريد إخباره بشيء مهم. سليم: إيه يا بت؟ قلقتيني. يارا: قول والله ما هقول لحد على الكلام اللي هقوله. سليم: وده ليه يعني؟ يارا: بحدة: سليم.
سليم: طيب والله ما هقول لحد. في إيه بقا؟ يارا: أنا سمعت طراطيش كلام كده إن... إن عيلة السلماوي رجعت. سليم: بصدمة: أنتي قصدك التار؟ يارا: الأدهم وكمان جدو... لو عرفوا مش هيسكتوا صدقني. سليم: لازم يمشوا من البلد في أسرع وقت. يارا: إحنا لازم ننبههم. سليم: طب وأزاي؟ يارا: هندور عليهم. سليم: لو حد كشفنا هنموت بالمعنى الحرفي يا سليم. يارا: مش أحسن ما التار يرجع والدم يكتر؟ سليم: عارفه يا يارا إيه هي المشكلة؟ يارا: إيه هي؟
سليم: إن اللي مات ده كان هو الولد البكري بتاع جدي. يعني محدش قدر ولا هيقدر يعوضه عن غيابه. حتى إحنا. يارا: جدو سالم هو السبب من الأساس. مع إن البنت اختارت كامل. فيها إيه لو كان سابها له واتقبل فكرة إنها مش ليه؟ سليم: مش مهم مين اللي بدأ. المهم مين اللي هينهيه. يارا: إحنا يا سليم. لازم إحنا. ( في منزل صباح ورضوي ) قطعت صباح الغرفة ذاهبة وإيابا مما جعل رضوي تخاف وتقلق وتشعر بالدوران.
رضوي: يا ماما أهدي بقا. متقلقيش. ناصرة معاها. صباح: بتوتر: مدام هي متصلتش يبقا خلاص كشفوها وقتلوها. رضوي: ياربي. دي مكملتش هناك نص يوم. وبعدين بنتك دي عنيدة. يعني لو مكانتش عملته قدامنا كانت عملته من ورانا. صباح: بتوجس: طب والعمل؟ رضوي: العمل إنك تهدي شوية وكل حاجة هتروق. صباح: افرضي اتكشفت طي؟ رضوي: لا إله إلا الله. أنتي ليه بتتوقعي البلاء قبل وقوعه؟ صباح: بحزن: أنا إزاي سمعت كلامها.
رضوي: عشان هي الصح دايماً. قراراتها المجنونة كانت بتنفع وبتنجح. صباح: بنفاذ صبر: بس ده دم. دم. وسالم مابيرحممش. ولو عرف حقيقتها رقبتها هتطير. رضوي: صدقيني مش هيحصل حاجة. أنا هتابع معاها. أنتي ارتاحي وادعيلها. صباح: يااارب. ( في منزل الهواري –تحديداً في مكتب سالم ) الأدهم: الشحنة اتسلمت وأنا أشرفت عليها بنفسي. متقلقش. سالم: بهدوء: واخد قوة جدك وصبر وغرور أبوك الله يرحمه. الأدهم: الله يرحمه.
سالم: مش عارف من غيرك معايا كنت عملت إيه. الأدهم: كنت هتكمل. عيلة الهواري مبتوقفش على حد. سالم: هز رأسه بنعم. الأدهم: مين عمار ده؟ ومن إمتى في ضيوف بيدخلوا من غير علم؟ سالم: محبتش أكسر بنفس ناصرة. الأدهم: المهم. هقوم أنا بقا. سالم: اتفضل. خرج الأدهم بخطوات جامحة وهو يتنفس بهدوء. لماذا يفكر بذلك العمار؟ ما الذي شده به؟ كرجل لا يمكن التفكير به أبداً. صعد درجات السلم ببطء وهو يدلف إلى غرفته.
فتح نافذته ليشتم النسمات الساكرة. وسرعان ما أغمض عينيه مبتسماً بخبث وهو يستمع إلى الحديث الذي يأتي من غرفة عمار. الحديث هو: جميلة: لا أنا كويسة خلاص. يا مامي متقلقيش بقا. كل الأوضاع تمام. خلاص هكلمكو. يلا باي. ابتسم الأدهم بخبث وهو يخرج من غرفته ويذهب لغرفة جميلة. التي سرعان ما أخذت العمة والشنب ودخلت بهم في الخزانة الفارغة.
بدأت تلف العمة بصعوبة بالغة. لا تعرف كيف تفعلها الآن. لفتها على شكل طرحة عادية وأخذت الطرف لتداري به النصف السفلي، أي فمها وأنفاها. شهقت بشدة وهي تجد الأدهم يجتذبها. الأدهم: فين يالا البت اللي هنا؟ جميلة: بصوت أجش: بت؟ بت مين؟ الأدهم: يعم قول. أنا ستر وغطاء عليك. جميلة: دي... دي؟ الأدهم: وهمساً: البت سماح الخدامة. جميلة: بغضب: اشمعنى سماح بقا؟ أكيد عملتوا حاجة. الأدهم: يا عم وأنت مالك؟ المهم مين هي؟
جميلة: وهي تعيد أنوثتها رغماً عنها: ما أنت لو مهتم كنت عرفت لوحدك. الأدهم: إيه ده؟ متظبط ياض؟ في إيه؟ بتتكلم زي الحريم ليه؟ جميلة: بهزر يا أدهم. الأدهم: بحدة: اسمي الأدهم. جميلة: فرقت؟ الأدهم: بتفرق معايا. جميلة: بس الأدهم تقيل. أدهم أخف. الأدهم: بغضب: اسمي ا... ل... ا... د... ه... جميلة: حاضر يا أدهم. الأدهم: بتعرف تركب حصنة؟ جميلة: دا أنا بركب الحصان داير ما يدور كده. الأدهم: حلو.
ودفعه على كتفه بخبث: حصلني على الأسطبل بقا يا حلو. جميلة: لا لا مبعرفش أركب. هي لحظة نشاط وهتروح لحالها. ارتعدت ناصرة بشدة وهي ترى الأدهم ينزل الدرج ولجانبه ضئيلة الحجم جميلة. نظرت لها جميلة والدموع خفية على وجنتها تهز كتفيها بكوميديا بمعني البكاء. ذهبت لجانبه والجميع ينظرون لها. فالذي يمشي لجانب الأدهم يجب أن يكون قريب جداً. فقليل من يحظى بهذا الشرف. توقف الأدهم أمام الأسطبل ليقول بصوت أجش:
الأدهم: هاتلي مرجانة يا محمد. وهاتله هو حور. جميلة: وهمساً: أحم. مين دول؟ الأدهم: دول خالاتك. جميلة: إيه الكسفة دي؟ خرجت الأحصنة. حصانه الأدهم كانت سوداء كالليل. يا لها من جميلة. أسند رأسه على رأسها وهو يقبلها قائلاً بصوت حانٍ لأول مرة: الأدهم: وحشتيني. أما جميلة فقد شعرت بالريبة من حصانتها البيضاء. فهيا تكرههم منذ مشهد قتل حصان لشخص ما أمامها. فهيا حقاً تكرههم. الأدهم: مش هتركب؟ جميلة: ما بلاش.
الأدهم: هو أنت عندك حاجة تعملها؟ جميلة: لا. الأدهم: خلاص يبقا خليكي. جميلة: ماشي. بس خلي بالك مني. ضحك الأدهم بشدة. ويلها من ضحكه أذابت فؤادها وأتلفت عقلها. ظهرت غمازة في خده الأيسر. يا إلهي كم هي جميلة وكم ضحكته جميلة. الأدهم من الناس الذين يغلقون أعينهم بشدة عند الضحك. الأدهم: ههههههه. حاضر. هخلي بالي منك. جميلة: طب ركبني. الأدهم: أنت عيل توتو. يلا مش بتعرف تعمل حاجة. جميلة: أصلي كنت الصغير فـ تلاقيني على طول كده.
الأدهم: اااه. ابن أمك تقصد بتدلعك. جميلة: أحم. حاجة زي كده. الأدهم: مفيش حاجة اسمها رجالة مدلعة. الراجل يا يكون راجل يا ميكونش. جميلة: طب ركبني. الأدهم: هو أنا كلامي مأثرش فيك؟ جميلة: لا صراحة. الأدهم: أنا فعلاً شكيت. المهم يلا. وبعدين شاطر إنك حاطت العمة كده عشان التراب. جميلة: لا أنا أصلي معرفتش الزق الـ... اايه هااا. هههههه. الأدهم: أنت كويس؟ جميلة: يا عم ركبني بقااااا. الأدهم: وهو يذهب لها: هشيلك.
جميلة: ما بلاش موضوع الشيل ده. الأدهم: بتغيري يا بطة. جميلة: بخجل: اها. الأدهم: بغضب: اظبط يا عمار. جميلة: بتوجس: حاضر حاضر حاضر. وضع الأدهم يده على خصرها لتتنهد هي بعمق محاولة التماسك وعدم صفعه صارخة (منحرف) . اشتد رعبها حينما شعرت بيده على قدمها. الأدهم: ارفع ياعم الجلابية عشان تقعد. جميلة: وهمساً: قليل الأدب. الأدهم: انجر. رفعت جميلة الجلابية ليظهر بنطالها الأسود الضيق. ليتمعن الأدهم النظر وهو يقول:
الأدهم: بص. أصل هو مش كلسون ده أولاً. وبعدين دي رجل راجل. دي أرفع من رجل الفرخة. جميلة: يا عم دي رشاقة. الأدهم: وهو يضربها على عنقها: إيه ياض الحلاوة دي. يلا. جميلة: هههههههه. الأدهم: وهو يدير ظهره: خلي بالك من حور عشان دي لاسعة ومتهورة على الآخر. التفت بذعر على صوت جميلة. جميلة: مقولتش ليه قبل ما أركب. عاااااااا.
جرت بها حور بطلاقة وكأنها سيدة حرة. أما جميلة أغلقت عينيها بسرعة وهي تشعر بالهواء يرتطم بها. أما الأدهم فهو يعلم مدى تهور حور. استقل حصانه وبدأ كالمجنون يحاول إلحاق عمار. الأدهم: بصراخ: عماااار. سيب اللجام يا عمااار. هي خايفة. جميلة: أنا اللي خااايفة. لم يلاحظ أبداً لا صوتها ولا كلامها المؤنث. الأدهم: متخافش. اثق فياا. سيب اللجام. جميلة: بصراخ: ادهممم. الأدهم: عماااار. ذعر وهو يرى الناس يفرون من أمام عمار وحور.
الأدهم: سيب اللجاااام. جميلة: أهوو. تركته وهي تصرخ وتضع يدها على عينيها. اقترب الأدهم منها وهو يمد يده لها يحاول جذبها. شد اللجام ليركض حصانه بشدة ويقف فجأة أمام حور التي هدأت فوراً. ولكن مع ارتداد جميلة للخلف التي سقطت على كومة قش بأكملها.
تنفس الأدهم بشدة وهو ينزل من على مرجانة مترنحاً. ابتسم بشدة على تلك المغامرة. فهوا يعشق المخاطر. أرخى جسده بهدوء وهو يسقط على جانب جميلة التي أخذت تضحك بشدة. وهو يضحك على ضحكها. أصبحت ضحكاتهم غريبة. غريبة وكأنها تنبع من القلب. تنبع من مكان الجنون لدى الإنسان. توقف على الضحك وهو يسعل بشدة. ليكمل ضحك مرة أخرى. توقفت هي لاهثة بشدة. استمع هو لأصواتها لينظر لها قائلاً: الأدهم: حبيت حور يا عمار؟
جميلة: لدرجة أني مش هعدي من قدامها تاني. هههههههه. نظر الأدهم لأعينها الظاهرة. كانت جميلة وكأنها أعين ملاك. لأول مرة يشعر بهذا الشعور تجاه رجل. صراحة. ولم يشعر به تجاه النساء. لا يعرف ماذا حدث له منذ رؤيته لأعينها. كم أن أعينه جميلة. كم أن روحك وعينيك جميلة يا عمار. شعر الأدهم وكأنه يريد أخذ عمار في حضنه. حضنه الذي يتسع له. ولكن لا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!