كان كارم يجلس مع أحد أصدقائه. نهض وخرج إلى أمام الكافيه ليرد على اتصال هاتفي. أنهى الاتصال بعد قليل، ووقف ينظر أمامه لثوانٍ قبل أن يعود إلى داخل الكافيه. لكنه سمع من تقول: "أوقفي يا همس." اخترق اسم "همس" فؤاده، فوقف متصنمًا لدقيقة. وقع بصره على طفلة صغيرة عمرها خمس سنوات تقريبًا، تجري تتجه إلى مكان وقوفه لتمر من باب الخروج من الكافيه. لكنها كادت تتعثر قبل أن تصل إلى الباب. سريعًا أمسك يدها قبل أن تقع.
تبسمت له الطفلة وتحدثت بنهجان وإشارات لم يستطع تفسيرها. لكن التي كانت تنادي على الطفلة وصلت إلى مكان وقوف كارم مع الطفلة، وتبسمت قائلة: "همس بتشكرك إنك مسكت إيدها قبل ما تقع على الأرض." للحظات، حين سمع اسم "همس"، تسمر محله وضغط بقوة على يد الطفلة التي كانت بين يديه. تألمت الطفلة وحاولت سحب يدها من يده، لكنه كان يطبق عليها بقوة كأنه يريد ألا تترك يده. انتبه لحاله حين قالت الفتاة وهي تمد يدها لتأخذ يد
الطفلة من يده قائله بشكر: "بشكرك إنت رحمتني. لو كانت همس وقعت أو جرالها حاجة كانت أمها ممكن تقتلني. دي بنت أختي الوحيدة وجابتها بعد تعب سنين، دي حتى سمتها على اسمي." نظر كارم لمن تحدثه وتبسم قائلاً: "إنتي اسمك همس؟ تبسمت الفتاة وقالت: "لأ مش اسمي يعني، أنا اسمي هاميس. بس عشان غرابة الاسم بيقولوا لي همس، كمان اختصار." تبسم كارم بغصة قوية في قلبه. لا يعرف ماذا فعلت بسمته بتلك الفتاة. ***
في المقر، ارتسم الغبن على وجه قماح حين رأى تلك هند تدخل إلى المكتب وأغلقت خلفها الباب. توجهت إلى مكان جلوسه خلف المكتب، ترسم بسمة على محياها وقالت: "أيوا هند يا قماح، مالك مستغرب كده ليه؟ هي أول مرة أجلك مكتبي هنا." رد قماح الذي يشعر بآلام في رقبته تزداد، وهو جالس خلف مكتبه ولم ينهض لها: "وفي رأيك مش لازم أستغرب؟ إحنا علاقتنا بقالها أكتر من سنة منتهية. وجودك هنا غريب، لأن أكيد مش صدفة." تبسمت هند بغنج وقالت:
"من أول مرة شوفتك فيها يا قماح لفت نظري بحنكته وفطنتك في توقع أفعال اللي قدامك. وده يمكن السبب اللي خلاني وقتها أوافق على جوازي منك بالسرعة اللي حصلت وقتها بعد كم لقاء بينا ما يتعدوش الإيد الواحدة. وكنت مفكرة إني أكتر واحدة فهماك وقتها، بس بسرعة اكتشفت إن الوصول لقلبك لغز صعب حله." رغم شعور قماح بألم رقبته، وضع يده على عنقه وضحك ساخرًا يقول باستهزاء: "جاية ليه يا هند؟
أظن حكايتنا خلاص انتهت. وأكيد عرفتي إني اتجوزت. بصراحة توقعت الزيارة دي، بس كنت متوقعها قبل ما أتزوج مش بعد ما اتجوزت. وكل السكك اتقطعت." ردت هند بمفاجأة: "اترجوزت سلسبيل ليه يا قماح؟ إشمعنا دلوقتي بعد ما أخويا طلب إيدها فجأة كده حلّيت في عينيك؟ كانت قدامك من البداية، قبل ما تتجوز خالص. الحجة هداية هي اللي طلبت منك تتجوزها ومش غريبة قبل ما تكمل همس سنة." رد قماح بدبلوماسية مغلفة ببروده المعتاد:
"الموضوع ميخصكيش يا هند، وزيارتك مكنلهاش لازمة." تبسمت هند وهي تنظر لقماح بتتمعن وقالت: "أيه وجع رقابتك رجعلك تاني؟ ولا يمكن العروسة مش راضية عنك وبتنيمك عالكنبة؟
أصل كان واضح في المدة اللي عشتها معاك في دار العراب، سلسبيل كانت حتى مش بتقولك صباح الخير وبتتجنب وجودك في أي مكان. بس مع ذلك عينيك كانت بتبقى عليها. لسه عند قولك اللي بسببه طلقتني يا قماح. سلسبيل ساكنة قلبك وبيغيظك عدم اهتمامها بيك، بس معرفش السبب اللي خلاها توافق تتجوزك. أكيد سحر الحجة هداية." وقف قماح متضايقًا يقول:
"مش فاضي لمهاتراتك، وكلامك الفارغ. وأيًا كان سبب جوازي من سلسبيل، شيء ميخصكيش. وإنتي عارفة سبب طلاقنا كويس. مخالفة أمري لما رحتي من ورايا وزورتي أهلك، غير حبوب منع الحمل اللي كنتي بتاخديها من ورايا. مكنتيش عاوزة تخلفي مكنتش هغصبك، لكن تعملي كده من ورايا يبقى متلزمنيش." *** بتلك الشقة التي تمارس فيها زهرة فاحشة الخيانة، ارتمت بظهرها على الفراش تشعر بنشوة مرهقة. كذلك ذلك الفاسق الذي كانت معه. نظر لها يقول:
"كنتي وحشاني قوي يا زهرة، بقالنا فترة متقابلناش." تلوت زهرة كالأفعى واقتربت منه ونامت على صدره ووضعت يدها تتلمس ملامح وجهه قائلة بنبرة إغراء مصحوبة بتهكم: "بجد وحشك يا نائل؟ بأمارة إيه؟ سلسبيل اللي كنت جاي مع والدك عشان تخطبها بقلب جامد؟ مش برضو باباك ده اللي سبق ورفض إنك تتجوزيني؟
ولا عشان سلسبيل بنت عيلة العراب، النسب اللي يشرف، مش زي نسب بابا الموظف البسيط. اللي عايش على معونات عيلة العراب اللي كانوا بيزكوها بيها على ماما من وقت للتاني. أهو عيلة العراب رفضوا طلبكم، ومش بس كده، سدوا عليكم طريق رجعة قماح لهند كمان." وضع نائل يديه حول خصر زهرة ينظر لها بإشتهاء وأجاب بكذب:
"أنا مكنتش أعرف إن بابا هيطلب إيد سلسبيل، فوجئت. وقتها كان قايل لي إننا رايحين نتكلم على بضاعة. قولت يمكن عاوز يفتح سكة لرجوع قماح لهند. بس بصراحة استغربت وقتها، إن قماح كان خاطب سلسبيل قبلها، وموت همس هو اللي أجل الجواز." ضحكت زهرة قائلة بسخرية: "قماح؟ كان خاطب سلسبيل قبلها؟ سلسبيل نفسها كانت رافضة الجوازة. الجوازة ولو مش همس موتت نفسها يمكن عمرها ما كانت تمت." تعجب نائل وقال: "قصدك إيه بـ همس موتت نفسها؟
مش ماتت بالغلط بسبب لعبها في السلاح زي ما سمعنا؟ ضحكت زهرة ساخرة: "لأ، أصل الست همس دست شرف العيلة وربنا فضحها قدامنا. كانت حامل وأجهضت. وقبل ما تعترف مين اللي فرطت في شرفها معاه، تك بوم، قتلت نفسها. وهداية العقربة كتمت على اللي حصل. طبعًا انكمنا ورسمنا الكدبة قدام الناس." تعجب نائل قائلاً: "ليه مقولتيش لي باللي حصل قبل كده؟ طب وإيه اللي يجبر قماح يتجوز سلسبيل؟
أكيد ده مش سبب مقنع، بالذات زي ما قولتي همس قتلت نفسها، واندفن السر معاها وهداية كتمت على حقيقة اللي حصل قدام الناس." ردت زهرة بحسرة مخفية بقلبها: "إيه، كنت عاوزاني أقولك غلطة همس عشان تستغلوا الحكاية وتخلوا عيلة العراب يقبلوا بيك؟ وبعدين سبب الجوازة نفسها هو قماح العراب. عندي شك كبير إنه بيحب سلسبيل. وقسوته وجفائه معاها اللي كان ومازال بيظهره ده قناع. وأهو أول ما اتقدم لها عريس نَط هو واتجوزها." تحدى نائل باعتراض:
"غلطانة. وكنا هنعرف نستغل غلطة همس إزاي وإنتي بتقولي إنها اندفن السر معاها؟ ومش معقول قماح يكون بيحب سلسبيل. طب ليه متجوزهاش من الأول أو حتى تاني جوازة؟ طب هقول أول جوازة له سلسبيل كانت صغيرة وفي الثانوية. في الجوازة التانية كانت تقريبًا في آخر سنة لدراستها. غلطانة قماح اتجوزها بس عشان خاطر هداية ترضى عنه." نظرت زهرة لنائل وقالت بحقد:
"إحنا مش جايين النهارده عشان نتكلم عن جوازة قماح بسلسبيل. جيبت اللي قولتلك عليه في الموبايل." ابتسم نائل وابتعَد عن زهرة قليلاً، وفتح درج طاولة جوار الفراش وأخرج علبة دواء بلاستيكية صغيرة منه، وقال لها: "أكيد جبتها. بس قولي لي الحبوب دي مفعولها عالي قوي. مين اللي غالي عليكي كده وعاوزاه يدمنها؟ خطفت زهرة العلبة الصغيرة من يد نائل ونظرت لها بظفر، قائلة: "تمسكنت
قائلة: ده لبابا، إنت عارف إنه مريض. أهي تبقى مسكن له. وبعدين ده مالكش فيه. وكمان فين طلبي التاني اللي طلبته منك؟ فتح نائل نفس الدرج وأخرج علبة مخملية ومد يده بها قائلاً: "لو صبر القاتل، هديتك أهي، يا زهرتي. أتمنى تعجبك. نفس الطقم الدهب اللي بعتيه لي صورته على الموبايل. أهو ده مش دليل على إني بحبك." أخذت زهرة العلبة من يده وقالت ببسمة لعوب:
"متعرفش أنا عملت إيه عشان أجلك النهارده. وأنا لو مش بحبك كنت طلبت منك نتقابل النهارده وأجيلك متخفية كده." نظر لها نائل، عيناه تجوب على مفاتنها الظاهرة أمامه تجعله ينسى أنه يغوص في وحل الخطيئة، أو ربما هو الآخر يرحب بتلك الخطيئة. *** ليلًا، بشقة النبوي، وقف أصغر أبنائه يقول بزهق وشكوى: "بابا أنا عاوز أتكلم معاك في موضوع مهم." نظرت له قدرية قائلة: "خير، إيه هو موضوعك المهم ده؟ نظر محمد للنبوي وقال:
"بابا أنا عاوز أشتغل مع عمي ناصر أو مع قماح في المقر وعاوزك تكلمه وتقوله على كده." ردت قدرية قبل النبوي: "عاوز تشتغل تحت إيد قماح ليه؟ وشغلك مع أخوك رباح ماله؟ رد محمد بتهكم:
"قصدي خدمتي لرباح مش شغلي معاه. يا بابا رباح بيعاملني بسوء وأنا كنت ساكت وبقول يمكن مع الوقت يتعدل، بس ده بيزيد في السوء معايا. بيفضل حماد ابن عمتي، بيديه الشغلانة السهلة وواخده إيده اليمين وأنا ناقص يشغلني شيال مع الشيالين في الشون اللي تحت إيده. وسبق واتشكيت منه لماما كذا مرة يتعدل معايا يومين وبعدها طبعًا عشان يرضي مراته بيفضل حماد عليا. وأنا خلاص فاض بيا منه يا بابا، ده بيستقصد يقلل من قيمتي قدام العمال والشيالين."
تهكمت قدرية قائلة: "وقماح مش هيقلل من قيمتك لما تشتغل معاه؟ في النهاية هو مش أخوك، بلاش تتعشم في نعومته." نظر النبوي لها وقال باستهجان: "قدرية، أوعي لكلامك. قماح أخوه زي كارم ورباح." ارتبكت قدرية وقالت بتبرير خادع:
"مش قصدي إنه مش أخوه، أنا قصدي إنه ممكن يعامله بسوء. قماح عنده عنجهية شوية وممكن يتكبر على محمد. خلاص خليه يشتغل مع ناصر، ناصر كبر ومحمد يشيل عنه شوية. إنما قماح بلاش، حتى عشان الخلاف بينه وبين رباح، بلاش محمد يدخل فيه ورباح يفكره منحاز ناحية قماح يحط ضغينة بين الأخوات. قماح عندي زي ولادي بالظبط." نظر النبوي لقدرية باستهزاء وقال:
"بلاش النغمة دي يا قدرية، وسيبك من الأخوات وابعدي عن دماغهم اللي بتمليها من ناحية قماح. أنا فاهمك كويس. وإنت يا محمد أنا هكلم عمك ناصر تشتغل تحت إيده في البداية تتعلم طريقة شغل توريد الشونات كويس. تصبح على خير." تبسم محمد يقول: "يا ريتني كنت كلمتك إنت من البداية يا بابا، مكنش رباح استهزأ بيا. يلا هروح أنام بقى، هلكان من الصبح للمسا."
ذهب محمد وترك النبوي مع قدرية. لكن سرعان ما ترك النبوي قدرية واقفة وتوجه ناحية غرفة النوم. لكن قبل أن يدخل من الباب قال بتهكم: "إيه مش هتيجي تنامي ولا هتروحي لابنك تسممي أفكاره هو كمان من ناحية قماح وعمه ناصر؟ عشان يطلع نسخة تانية من رباح ويكره أخواته وعمه ويقول نفسي وبس؟ وتيجي واحدة زي زهرة تسحب عقله وتخليه حتى ميسمعش كلامك. بلاش تزرعي الغباوة بين الأخوات يا قدرية، لإن أول من هيدفع تمنها هو إنتي وإنتي عارفة إزاي."
ارتجفت قدرية وتلبكت ولم تستطع الرد. هي تفهم فحوى هذا التهديد. شعرت بكره ساحق للنبوي الذي لم يحبها يومًا. كان زواجه منها من أجل زواج بدل اقترحته وقتها هداية، من أجل تزوج ابنة زوجها التي كانت وقتها بلغت من العمر الثلاثين دون زواج، وأصبحت بعداد العوانس. اصطادت هداية عائلة بسيطة بها شاب وفتاة، مقابل أن تأخذ الفتاة يتزوج أخيها من ابنة زوجها. وعائلة العراب لم تكن بثراء كبير لكن كان له اسم بالبلدة بسبب تجارة الغلال
بأنواعها. النبوي لم يهواها يومًا. مجرد أن ظهرت امرأة أخرى، كانت على غير دينه وتزوجها قبل أن تدخل إلى الإسلام بإرادتها حتى حين أنجبت، كان لطفلها الأفضلية ومحبوب عنها هي وولدها، حتى أنهم كانوا ينعتوه بوجه الخير. وهل هي وولدها وقتها كانوا نذير شؤم؟
كان هنالك ازدواجية خلقت حقداً بقلبها أو هكذا برر لها شيطانها. *** بشقة سلسبيل، بدلت ملابسها بأخرى وتوجهت إلى تلك الشرفة الذي يقف بها قماح يتحدث بالهاتف. وكادت أن تدخل إلى الشرفة، لكن في نفس الوقت أغلق قماح هاتفه وزفر نفسه واستدار حتى يدخل إلى الشقة. لكن تفاجأ بسلسبيل في وجهه. انخضت سلسبيل وتسمرت مكانها. تبسم قماح عليها وقال: "إيه شوفتي عفريت ولا معرفتيش تصنتي كويس و... ازدرت سلسبيل ريقها وقالت:
"على فكرة أنا مكنتش بتصنت ولا حاجة، أنا كنت جاية أقولك إني هنزل لشقة بابا." رد قماح بعدم تصديق أنها لم تكن تتسمع على حديثه بالهاتف وقال بسؤال: "وهتنزل شقة عمي تعملي إيه دلوقتي الساعة قربت على عشرة ونص المسا." ردت سلسبيل: "هدى بتقول إن فيه فيلم لأول مرة هيتعرض على التلفزيون وطلبت مني نسمعه سوا. وأنا وافقت لأني شوفت إعلان الفيلم قبل كده وكان عاجبني." تهكم ساخرًا يقول: "والفيلم ده عربي ولا أجنبي؟ ردت سلسبيل:
"أجنبي وبيتعرض على قناة مشفرة، لأنه لسه تقريبًا بيتعرض في السينمات هنا في مصر." وضع قماح يده أسفل ذقنه يحكها بتفكير قائلاً: "فيلم أجنبي وهيتعرض على قناة مشفرة كمان. يعني ممكن يكون فيه مشاهد خارجة والقناة طبعًا مشفرة فمفيش مونتاج ولا رقيب للمشاهد دي." ردت سلسبيل بضيق: "أنا وهدى مش محتاجين مونتاج ولا رقيب، إحنا نعرف الصح من الغلط وأكيد مش هنتفرج على مشاهد خارجة." رد قماح بسخرية وهو يمد يده يضعها على
جسد سلسبيل وقال بإيحاء: "وليه أهو تشوفوا وتتعلموا من المشاهد دي يمكن تنفعكم، زي ما نفعت غيركم قبل كده." ردت سلسبيل دون فهم: "مشاهد إيه اللي تفيدنا؟ وهتفيدنا مشاهد خارجة في إيه؟ كمان هدى لسه صغيرة على النوعية دي من الأفلام، والفيلم أكشن مش رومانسي." تهكم قماح يقول بضحكة سخرية: "وهي الأفلام الأكشن مفيهاش رومانسية؟ مش دي الأفلام اللي كانت بتحب تسمعها همس قبل ما..... قاطعته سلسبيل بعد أن فهمت لما يلمح له وقالت:
"بلاش طريقتك دي في التلميح يا قماح وكفاية. كفاية أنا تعبت من تلميحاتك دي ليا دائمًا. أنا مغصبتش عليك تتجوزيني. أنا اللي اتغصـــــــ." قاطعها قماح قائلاً بفرض رأي: "مش موافق تنزلي تسمعي الفيلم مع هدى. أظن إنك مراتي ولازم تسمعي كلامي." نظرت له بعين دامعة وقالت بخضوع: "تمام." قالت سلسبيل هذا ونفضت يده التي كانت تسير على منحنيات جسدها وتركت المكان لقماح وذهبت إلى غرفة النوم.
بينما خفق قلب قماح حين رأى الدموع في عين سلسبيل. هو يعلم أنها تركته وذهبت كي لا تبكي أمامه. بالفعل هي دخلت إلى غرفة النوم، منها إلى الحمام المصاحب للغرفة. جلست على حرف حوض الاستحمام تتساقط دموعها تكتم شهقاتها. قماح لا يترك مناسبة إلا ويذكرها بخطيئة أختها التي لديها يقين أنها بريئة منها رغم أن كل الدلائل تؤكد ارتكابها لتلك الخطيئة التي لا تغتفر وتجعل أخرى تتحمل وتتحمل عواقب وصمته. تتحمل الزواج من مريض بداء الغرور والعظمة.
بعد قليل سمعت طرقًا على باب الحمام يصحبه صوت قماح قائلاً: "هتنامي الليلة في الحمام ولا إيه؟ جففت سلسبيل دموعها وخرجت من الحمام قائلة: "لأ، كنت بجهزلك الحمام." وقع بصر قماح على سلسبيل التي تقف أمامه وأثار المياه على ملابسها التي شبه ملتصقة بجسدها تُظهر معالمه الأنثوية. تبسم بمكر وتلاعب وقال: "بس أنا مكنتش عاوز آخد دوش دلوقتي، بس... بس مفيش مانع طالما حضرتيلي الحمام. ولا أقولك مالوش لازمة الحمام دلوقتي."
قال قماح هذا وهجم على شفاه سلسبيل بالقبلات القوية وأخذها إلى الفراش، تملك جسدها بعنف قليل. نهض عنها بعد وقت واستراح بجسده على الفراش. بينما سلسبيل تشعر بألم في جسدها كالعادة بعد كل لقاء حميمي بينهم. أعطت له ظهرها، كالعادة تمقت تلك العلاقة. شعر قماح بضيق من ذلك. لكن وضع يده على كتف سلسبيل، التي ارتجف بداخلها حين شعرت بيده على كتفها وظنت أنه سيعيد ما فعله منذ قليل. لكن خاب ظنها حين قال لها:
"لو عاوزة تنزلي تشوفي الفيلم مع هدى معنديش مانع." ردت سلسبيل بنبرة ساخرة: "مالوش لازمة الفيلم زمانه قرب يخلص. هدى هتحكي لي قصته وبكرة يجي على قنوات مش مشفرة وقتها يحذفوا المشاهد الخارجة. ودلوقتي أنا تعبانة وعاوزة أنام. تصبح على خير." قالت سلسبيل هذا وجذبت غطاء الفراش عليها، وهي مازالت تعطي لقماح ظهرها، تُغمض عينيها تستجدي النوم، حتى يفصل عقلها عن واقع ذلك المتحكم التي تعيش فيه.
بينما قماح، لم يرد على سلسبيل وشعر بألم في عنقه يزداد. وربما شعوره بهذا الألم هو ما أعصبه على سلسبيل وجعله يمنعها من النزول. وأيضًا تلميحه لفعلة همس. بالتأكيد هو مُخطئ بكل الأحوال. *** بشقة رباح، كذبة زهرة جعلت رباح يكاد يحلق في الفضاء وعاود القول للمرة الكام لا يعرف: "يعني الدكتورة أكدت لك إنك حامل في شهر ونص." بابتسامة خادعة قالت زهرة:
"أنا كنت زيك كده قدام الدكتورة. حتى صاحبتي قالت لي يا بنتي إنتي مبقالكيش سنة متجوزة وملهوفة على الخلفه كده ليه. قولت لها، أنا بحب رباح ونفسي يكون عندي منه دسته عيال وكلهم يبقوا شبهه في كل حاجة. حنيته وغلاوته عندي." اقترب رباح منها وضمه لجسده بقوة قائلاً: "إنتي غالية عندي قوي يا زهرة. أنا اتمسكت بيكي فاكرة." ضمت زهرة يديها حول عنق رباح وقالت برياء: "فاكرة يا حبيبي، وعمري ما هنسى قد إيه إنت بتحبني." قالت زهرة
هذا وتبسمت بدهاء تجيده: "بس بلاش لما نخلف بنت بقى تبقي دلعها وتاخد غلاوتي عندك." ضم رباح زهرة قائلاً: "مفيش واحدة تقدر تاخد غلاوتك يا زهرتي. أنا هنزل أقول للعيلة كلها." ضحكت زهرة قائلة: "خلينا للصبح نقول لهم، بكرة اليوم اللي العيلة كلها بتتجمع فيه على الغدا والعشا، نقولهم ونفرح معاهم بفرحتنا. بس... نظر رباح لها وقال بتعجب: "بس إيه؟ سكتي ليه؟ ردت زهرة بتورية:
"بس أنا خايفة قماح لما يعرف إني حامل يغير منك، ناسي هو اتجوز مرتين قبل كده ومفيش واحدة فيهم حملت قبل كده. والله أعلم سلسبيل كمان هتحمل ولا لأ، ممكن الغيرة في قلبه تشتغل." نظر رباح لزهرة يفكر في قولها وقال:
"فعلاً ممكن قماح يغير مني بالسبب ده، بس دي نعمة من ربنا بعتها لينا. وربنا قال، "وأما بنعمة ربك فحدث". أهز على الأقل يعرف إن اللي بيخلص النية مع بنات الناس ربنا بيرزقه بالخير، مش كل ما يزهق من واحدة يطلقها. والله أعلم يمكن عدم خلفتهم كانت رحمة لهم من ربنا، إن ميبقاش في بينهم رابط. وسلسبيل كمان الله أعلم يمكن يطلقها كمان قبل السنة ما تلف. كانت غلطة جدتي، بس أنا مالي ماليش فيه. ملناش دعوة غير بنفسنا، يا زهرتي. بكرة العيلة كلها تعرف إنك حامل، حتى كمان عشان يراعوكي وأنا غايب."
مصمصت زهرة شفتيها وقالت بلؤم: "يراعوني، جايز دي الحجة هداية مفيش عندها على الحجر غير سلسبيل وقماح. شايفة بقالها أكتر من عشر أيام رجلها مخطتش برة عتبة شقتها حتة لما نزلت قعدت جنبها ست الستات. يلا بكرة الست سلسبيل تركب مكانها كمان." ضحك رباح وقال: "سلسبيل مش هتنهض تاخد حتى مكان في بيت العراب وبكرة أفكرك. عارفة مين اللي كانت عند قماح النهارده في المقر؟ ردت زهرة باستفسار: "مين؟ رد قماح بتشفى:
"هند طليقته، وقعدت معاه في المكتب أكتر من ساعة." تعجبت زهرة قائلة: "قصدك إيه؟ يعني قماح ممكن يرجع هند تاني؟ ومين اللي قالك على كده؟ رد رباح: "أنا عرفت بالصدفة كنت بتصل عليه عشان فيه تاجر عاوز كمية رز كبيرة ومردش عليا. اتصلت على السكرتيرة مدام فاتن، وهي اللي قالت لي بدون قصد إن هند معاه في المكتب بقالها أكتر من ساعة. فقولت لها لما تمشي تبقى تخليه يكلمني. تفتكري هند كانت عنده ليه؟
بكرة أفكرك هيرجعها من تاني، ووقتها سلسبيل مش هيكون لها أي وجود. وتبقى تشوف جدتي بقى حبيبها قماح وهو بيطلق حفيدتها. أو حتى ميطلقهاش والتاريخ يعيد نفسه مع سلسبيل وتبقى هي زي ماما لما بابا زمان اتجوز عليها الأغريقية، وتعيش بحسرتها العمر كله زي ماما ما عاشت بحسرة كنت بسمع بكاها ليالي، تبقى تتحمل جدتي بكى سلسبيل بسبب ابن الأغريقية اللي بكت أمي لما دخل عليها بيها زمان. ورحبت بها هداية." تبسمت زهرة بزهو في قلبها وقالت:
"دي مش هتبقى ضربة في مقتل بس لسلسبيل لأ كمان هداية وحفيدها الغالي اللي رجع من تاني لعشه. عشان يحوي دبابير وأول ما تقرص هتقرص حفيدتها الغالية. وبعدين إحنا خدنا الكلام على الست سلسبيل ونسيت أديك علبة دوا الصداع اللي جبتها لك. تتصور لفيت عليها أكتر من صيدلية قالوا لي الدوا ده مستورد وشحيح في الصيدليات، حتى جبتها بضعف تمنها. بس عشان أنا واثقة من مفعولها ومجرباه قبل كده، أستنى أنا شايلاها في الدرج بتاع التسريحة."
ابتعدت زهرة وذهبت إلى التسريحة وأخذت تلك العلبة الصغيرة وأعطته إياها قائلة بتحذير كاذب: "حتى أنا كنت حاسة بشوية صداع بس مرضتش آخد منها ليكون لها تأثير على الحمل. بس الدكتور اللي وصفها لي قبل كده كان قالي حاولي متتعوديش عليها كتير، عند اللزوم بس." أخذ رباح منها العلبة وفتحها وأخذ منها حبة وارتشف بعض قطرات الماء يبلعها بها. تبسمت زهرة بظفر. رباح يسير بالطريق التي ترسمه له. قريبًا سيصبح كالعبد أسفل قدميها. ***
في اليوم التالي صباحًا، استيقظت سلسبيل، كأنها نسيت أو ربما تناست بمحض إرادتها ما حدث ليلة أمس ومنع قماح لها بالذهاب وقضاء بعض الوقت مع أختها. نهضت من جواره على الفراش، وذهبت إلى الحمام اغتسلت وتوضأت وصلت فرضها، ثم عادت لغرفة النوم مرة أخرى وأشعلت ضوء الغرفة ثم جلست تمد يدها بتردد توقظ قماح. لأول مرة كان دائمًا هو من يصحو قبلها ويوقظها. بالفعل وضعت يدها على كتف قماح قائلة:
"قماح، اصحى الساعة قربت على تمانية، اصحى عشان نلحق نفطر مع بابا وعمي." بالفعل استيقظ قماح من النوم يشعر بألم في عنقه مازال مستمر بل وازداد. هو بسبب زيارة هند له بالأمس في المكتب نسي ذلك الدواء الذي طلبه من السكرتيرة، ولم يخف الألم. وأيضًا حديثه الجاف مع سلسبيل ليلاً. وضع قماح يده حول عنقه الذي تشنج بقوة يكاد لا يستطيع أن يحرك رقبته من شدة الألم. لاحظت سلسبيل ذلك. للحظة شفقت عليه وقالت: "هي رقبتك رجعت توجعك تاني."
أومأ قماح لها بموافقة وقال: "ده ألم بسيط، شوية وهيروح." اقتربت سلسبيل وجلست على الفراش تمد يدها بتردد وقالت: "أنا شفت جدتي كذا مرة وهي تدلك رقبتك تفك تشنج عروق رقبتك وممكن أعمل زيها لو تحب." صمت قماح للحظات. كادت أن تنهض سلسبيل من على الفراش وقالت له: "براحتك، هقوو... قاطعها قماح قائلاً: "تمام، مش هنخسر حاجة. اتفضلي دلكي رقبتي أشوف يمكن الوجع يروح على إيدك."
بالفعل اقتربت سلسبيل أكثر وجلست أمام قماح وبدأت بتدليك رقبته بطريقة معينة قلدتها كما رأت جدتها تفعلها. ثم قامت بلف رأسه بقوة فجأة. لم يشعر بألم، بل بالفعل شبه زال الألم وفك تشنج عنقه الذي كان يشعر به. انتهت سلسبيل من تدليك عنقه، رسم قماح بسمة طفيفة وقال: "لأ واضح فعلاً إنك ورثتي بعض المهارات من جدتي. الألم شبه راح." تبسمت سلسبيل قائلة بفرحة: "بجد وجع رقبتك خف." رد قماح بموافقة:
"أيوا خف كتير، صحيح مش زي جدتي بس ممكن مع الوقت تبقي أفضل. المرة الجاية لما رقبتي توجعني هقولك تدليكها إنتي وأستغنى عن الأدوية بقى." تبسمت سلسبيل وقالت بتسرع:
"بعيد الشر، قول يا رب ما يرجع الوجع من تاني. قصدي يعني ربنا يشفيك. أنا حضرت لك الحمام، من شوية وطلعت لك غيار كمان أهو. هنزل أنا بقى أحضر الفطور، وكمان النهارده هيبقى اليوم طويل وشغل كتير، عشان العزومة اللي جدتها بتعملها، تجمع أفراد العيلة كلهم، وكمان عمتي عطيات وجوزها وابنها حماد الغ... صمتت سلسبيل قبل أن تكمل كلمتها. تحدث قماح باستفسار: "ابنها إيه؟ تهكمت سلسبيل بداخلها وقالت: "الغاظ الغلس." لكن قالت لقماح:
"ابن عمتي الغالي زي ما بتقول عليه. هنزل أنا بقى وأنت خد لك دش والغيار أهو."
بالفعل غادرت سلسبيل الشقة وتركت قماح الذي حرك رقبته براحة. يد سلسبيل أزالت ذلك الألم الذي كان يشعر به منذ أمس. ذلك الألم الذي يشعر به من فترة لأخرى، بسبب تلك الوقعة القديمة التي تركت أثرها على عنقه، حين كان باليونان ووقع على رقبته وقتها شعر بألم ولم ينتبه أحد لألمه ويداويه وقتها. ربما ما عاد له من فترة لأخرى ذلك الألم الذي يجعل رقبته مكتفة بألم قاس. ***
قبل الغداء، كانت سلسبيل بالمطبخ مع الخادمات وأيضًا والداتها وكذالك قدرية ومعهن هدى التي لا تعمل بل تنظر أحيانًا ل سلسبيل وتبتسم لها من أفعال قدرية وتنظيرها على الخادمات وتوبيخها لهن أحيانًا. يعلمن أنها تفعل ذلك لتثبت أن لها كلمة في المنزل، حتى على نائلة والداتهن التي تتقبل تأميرها بلا مبالاة، أو بمعنى أصح، باستسلام منها. كن هدى وسلسبيل يتضايقن من استسلام والداتهن وينفرن ذلك، لكن استسلام والداتهن يجعلهن يصمتن غصبًا.
بعد قليل، تجمعت العائلة بأكملها على طاولة الغداء، يتناولون الطعام، في صمت إلى أن تحدث حماد قائلاً: "الأكل المرة دي طعمه حلو قوي. أكيد ده نفس سلسبيل. سمعت إنها كانت بتطبخ مع عمتي ومرات خالي." لم ترد سلسبيل. وردت عنها هدى قائلة: "الطبخ كله ماما هي اللي تعتبر عملته. أنا وسلسبيل كل اللي عملناه هو السلطة ومرات عمي كانت بتتأمر على الشغالات اللي كانوا بيناولوا ماما المكونات اللي بتحتاجها." خجل حماد وقال:
"مرات خالي نهلة نفسها حلو في الطبيخ." أخذت الكلمة منه عطيات قائلة بنفاق: "اسألوا حماد وجوزي دائمًا أقولهم، نهلة مرات ناصر أخويا المية من إيدها ليها طعم تاني."
نظرت لها قدرية بنزق وتهكم بداخلها. تعلم رياء عطيات وتفهم ألعابها. هي مازالت طامعة رغم زواج رباح من ابنتها لكن تريد أن تأخذ أكثر عن طريق حماد حين يتزوج هو الآخر من هدى. كانت سابقًا ترسم على همس، لكن همس ماتت ونقلت العطاء على هدى. لكن تلك الصغيرة ماكرة ولن تجعل عطيات تصل لمأربها. تحدثت هداية بصرامة:
"المثل بيقول لا حديث على طعام، ياريت ناكل في هدوء وبلاه كلام. وبعد الأكل نبقى نتحدث براحتنا في أي شيء. دلوقت كلوا وأنتم ساكتين." *** بعد قليل انفض الغداء وجلس الرجال بغرفة ومعهم كانت هداية. كذالك عطيات فهي ضيفة هذا اليوم. كذالك قدرية. واليوم زاد بجلوس زهرة معهم. نظرت لها هداية قائلة: "ليه مقومتيش مع نهلة وسلسبيل وهدى تساعدي الشغالات في فض السفرة وتعملي الشاي." تصنعت زهرة قائلة:
"أنا تعبانة شوية يا جدتي حتى قرفانة أدخل المطبخ. مش طايقة أشم ريحة الأكل." سخرت منها هداية قائلة: "ليه مالها ريحة الأكل؟ كأنه فاسد إياك، ولا جلع ماسخ وخلاص." رد رباح: "مش جلع يا جدتي، أصل زهرة حامل، والوحم جايلها بقرف من الأكل." نظرت عطيات ل زهرة بصدمة لكن سرعان ما ابتسمت لها قائلة: "ألف مبروك ربنا يقومك بالسلامة بحملك مليان، وتكبري نسل عيلة العراب." بينما قالت قدرية بتمثيل:
"يارب يا عمتي، ربنا يكبر نسل عيلة العراب وعقبال ولاد قماح قريب يارب، ربنا يطعمه المرة دي الخلف الصالح اللي يعوض صبره." نظرت هداية لقدرية وقالت لها بشدة: "يعوض صبره على إيه؟ أوعي لكلامك شوية يا قدرية، قماح مش معيب عشان تجولي كده. وربنا بكرة يرزقه هو وسلسبيل الذرية الصالحة اللي تقر عيونهم. باركي إنتي لولدك ومراته ومالكيش صالح بقماح عاد. وبعدين فين كارم مشوفتوش من كذا يوم." ردت قدرية بخجل:
"كارم معرفش بقاله كام يوم كده بيخرج من صباحية ربنا مش بيرجع غير المسا للنوم. ولما سألته قالي إنه بيفكر يشتري كافتيريا في مكان على النيل. والله غلبت فيه ينزل يشتغل مع قماح ورباح أخواته زي محمد بس هو بيجول هو مش رايد، هو دماغه كده طول عمره، هتوهي عيني." ردت هداية: "مالها دماغه؟ مش شغال بالحلال، يبقى ربنا يرزقه من وسع في اللي هو رايد يشتغل بيه، وكله خير." ***
بعد قليل نادت سلسبيل على والدها كي تحدثه في أمر خاص. لفت ذلك انتباه قماح وأراد معرفة لما تريده لكن ربما يعرف لاحقًا. بينما ذهب ناصر مع سلسبيل إلى إحدى الغرف. دخلت عليهما نهلة تريد معرفة سبب طلب سلسبيل الحديث مع ناصر. تحدث ناصر قائلاً: "ها قولي لي الموضوع اللي خليتني أقوم بسببه." تنحنحت سلسبيل قائلة:
"الموضوع يخص شغلي. سبق يا بابا قولت لك إني عاوزة أشتغل وحضرتك كنت موافق وقولتلي إنك كلمت أستاذ مجدي في الحسابات أني أتدرب تحت إيده." البداية اعترضت نهلة قائلة: "الكلام ده كان قبل ما تتجوزي، كنا ممكن نقول هتتسلي. دلوقتي بقيتي متجوزة وبكرة تخلفي وتنشغلي مع ولادك." وقاطعها ناصر قائلاً:
"خدي رأي قماح يا سلسبيل ولو وافق أنا معنديش مانع وهرجع أكلم الأستاذ مجدي وهو يدربك زي قبل كده لما كان بيدربك على تقفيل الميزانيات وإنتي في الجامعة." ردت سلسبيل: "حاضر يا بابا هقول لقماح. وعندي شك إنه يوافق أصلاً بس بتمنى حضرتك تقنعه." رد ناصر بحنو: "حاضر، لو رفض وقتها هحاول معاه وأقنعه عشان خاطرك." تنهدت سلسبيل براحة وقالت: "شكرًا يا بابا، ربنا يخليك ليا أنا وأخواتي." سهمت سلسبيل وقالت بحزن:
"قصدي يخليك ليا أنا وهدى." غص قلب ناصر وصمت، بينما كادت دمعة من عين نهلة أن تفر لولا أن حبستها بعينيها، ملوحتها تحرق قلبها. خرجت سلسبيل من الغرفة وتركت ناصر ونهلة التي قالت بعتاب: "مكنش لازم توافق سلسبيل إنها تشتغل، لازمته إيه تشتغل وتتعب نفسها، هي مش محتاجة للشغل. إنت شايف زهرة أهي كانت بتشتغل قبل ما تتجوز وعلى زي ما اتجوزت شوفتها طلبت تشتغل تاني. وكمان معتقدش قماح هيوافق إنها تشتغل، يبقى ليه تجيب خلاف مالوش لازمة."
رد ناصر: "وفيها إيه أما سلسبيل تشتغل؟ أهو تتسلى بدل ما تنقح قدرية. وكمان زهرة مش أفضل منها، بلاش طريقتك دي، سيب سلسبيل على راحتها." تحدثت نهلة قائلة: "وبعد ما نسيبها على راحتها وأفرض قماح رفض وقتها، أو سلسبيل أصرت على طلبها، ممكن يحصل إيه؟ وكمان قبل كده قولتلك دول بنات ولازم معاهم الشدة شوية، لكن إنت قولت عندي ثقة فيهم، وأهو أنت شوفت آخر الثقة دي همس عملت إيه، وقتلت نفسها وعيشتنا مكتومين خايفين نجيب سيرتها."
تنهد ناصر بألم وقال: "كل شيء نصيب يا نهلة وبلاش قسوتك دي مع سلسبيل وهدى." ردت نهلة: "دي مش قسوة دي خوف يا ناصر، أنا بقيت بخاف واحدة منهم تطلع من البيت، بقى عندي وسواس إن اللي حصل مع همس هيتكرر معاهم هما كمان. أنا ارتاحت لما سلسبيل اتجوزت من قماح، رغم إني حاسة أنها مش سعيدة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!