الفصل 25 | من 41 فصل

رواية عش العراب الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سعاد محمد سلامه

المشاهدات
20
كلمة
5,508
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 61%
حجم الخط: 18

بعد مُضى أربعين يوماً، قبل الظهر بقليل، دخلت زهرت إلى غرفة هدى. وجدتها تجلس تقرأ القرآن الكريم، ولم تنتبه لدخول زهرت إلا حين تنحنحت. صدقت هدى ونظرت نحو زهرت. سراً استغفرت. بينما زهرت تحدثت: الخدامة قالت لي إنك عايزاني. تحدثت هدى قائلة:

الخدامة دي مالهاش اسم تقولي عليه، ولا لازم تحسسي الناس الشغالين بالدونية. عموماً ده مش موضوعنا. أنا فعلاً بعت لك عشان عيزاكي. أنا ملاحظة في الفترة الأخيرة رجلك جريت على دار أمك وبتفضلي عندها طول النهار، مش بترجعي إلا بالليل. ردت زهرت: ماما من يوم وفاة بابا وهي نفسيتها تعبانة، وبروح أحاول أرفه عنها الحزن شوية. ردت هدى: مجاهد بقاله فترة متوفي. ردت زهرت:

عارفة، بس دي مع الوقت زي ما يكون بتحزن أكتر وبتتألم من غيابه، وكاتمة في نفسها. وأهو بروح لها بحاول أطلعها من حالة الحزن دي. ردت هدى بنبرة سخرية: آه، وبترفهي عنها إزاي بقى. بتغني لها على الربابة. بصي يا بت الناس، أنا من زمان مطنشة على خروجك الكتير من الدار، بس بعد كده ممنوع تخرجي من الدار بدون إذن مني. ردت زهرت: أنا بأخذ إذن رباح قبل ما أخرج من الدار. ردت هدى:

كلمتي أنا اللي بتمشي في الدار دي على الكبير قبل الصغير، ورباح مش الكبير. يبقى متعارضيش معايا. بعد كده هي مرة واحدة بس في الأسبوع اللي تزوري فيها أمك، ومفيش مانع تبقي عندها طول اليوم كيف ما تريد. أما خروج يومي ده انسيه. أمك محتاجة لك، الدار أبوابها مفتوحة وهي مش غريبة مننا. كادت زهرت أن تعترض، لكن سبقتها هدى بحزم قائلة بنبرة تهديد: عاوزة تعيشي معانا هنا في دار العراب، أنا كلمتي هي اللي بتمشي، كيف ما جلت لك.

وودت زهرت أن تضع يديها حول عنق هدى تخنقها ولا تتركها غير جثة. لكن تذكرت عمتها وما نالته في النهاية وخرجت خالية الوفاض من دار العراب. هي لن تخرج مثلها، لكن الآن عليها الامتثال لتلك العجوز الخرفاء لبعض الوقت. ... بعد قليل بشقة زهرت. كانت تتحدث عبر الهاتف مع والدتها. تحدثت عطيات: كويس إنك متوقفتيش ليها، وهاودتيها. ردت زهرت بغيظ: معرفش إيه اللي سكتني عليها. كان نفسي أخنقها وأريح الدنيا منها العقربة دي. ردت عطيات:

كويس إنك مردتيش عليها، وسمعتي حديثها. مش شايفة سوت إيه في عمتك. بلاش تحرمي نفسك من خيرهم. سخرت زهرت قائلة: خيرهم. آه، بعد خالي ما جمد توقيع ولاده على سحب الفلوس، مبقتش عارفة أسحب من رباح حاجة عليها القيمة. بس وماله، أتحمل العقربة دي شوية أما أشوف آخرتها إيه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...... بالمقر. ظهراً بالمقر بمكتب النبوي. دخل رباح يلقي السلام على والده. النبوي عليه السلام ثم قال:

سايب شغلك في الشونة وجاي المقر ليه؟ رد رباح: هو أنا ممنوع آجي المقر ولا إيه؟ نظر له النبوي قائلاً: تعالى اقعد. مش حكاية ممنوع، بس ليه سايب شغلك وجاي هنا؟ أكيد في سبب. جلس رباح قائلاً: فعلاً في سبب. أنا جاي لحضرتك في موضوع تجميد توقيعي على سحب فلوس من البنك. وضع النبوي نظارته الطبية على المكتب وقال: سبق وقولت لك إني جمدت توقيعكم أنتم التلاتة. ولو كارم كان هنا هو كمان كنت جمدت توقيعه. يعني مش انت لوحدك. رد رباح:

يعني عمي سايب لبنته صلاحية التوقيع اللي بتقعد في مكتب مكيف وبمزاجها وقت ما تحب تنزل تشتغل، وحضرتك اللي إحنا رجالة وشايلين الشغل كله مجمد توقيعنا. رد النبوي:

أولاً عمك حر مع بنته. ثانياً سلسبيل مش بتنزل الشغل بمزاجها، هي لها ظروفها الخاصة. دي خلاص قربت تولد، ومش معقول هتنزل تشتغل في الوضع ده. ثالثاً، انت بتاخد مرتب كبير جداً كل شهر، وأعتقد أنه بيفيض عليك. وبعدين ليه مروحتش تعمل الفحص الطبي الشامل اللي جلت لك عليه قبل كده. تلعثم رباح وأخرج إحدى سجائره وأشعلها ونفث دخانها بغضب وقال: أنا كويس. ده كان صداع وخلاص الحمد لله مبقتش بحس بيه. نظر له النبوي وقال:

بس شكل وشك متغير، وغير كده مش شايف رعشة إيدك على السيجارة اللي ولعتها. تشربها قدامي من غير احترام. اعمل حسابك في أقرب وقت هاخدك بنفسي تعمل الفحص الطبي. ودلوقتي اطفي السيجارة اللي في إيدك وممنوع بعد كده أشوفك بدخن. رغم رفض عقل رباح لأمر والده، لكن امتثل للأمر وأطفأ السيجارة. تبسم النبوي وقال:

اعمل حسابك محمد هيرجع يشتغل معاك في الشونة. وممنوع تفضل عليه حماد. وتقول إنه عنده خبرة عن محمد. محمد اللي أخوك مش حماد. إنت مكنش عندك خبرة والبركة في عمك ناصر هو اللي علّمك الشغل بيمشي إزاي. اللي عمك ناصر علمه لك علمه لأخوك. أخوك هو اللي هينفعك... مفهوم. نهض رباح يومئ برأسه بتجاوب. رد النبوي: تمام. ودلوقتي، روح شوف شغلك. وبلاش تسمع لحديت مراتك الفارغ. تلعثم رباح وهو يقول:

زهرت مظلومة. ده مش كلامها. أنا بتكلم من نفسي. وبعدين زهرت مراتي وأكتر واحدة يهمها مصلحتي. تهكم النبوي وكاد يتحدث، لكن منعه من استرسال الحديث دخول ناصر إلى المكتب. مبتسماً يقول: رباح هنا في المقر. خير؟ رد رباح بشبه غلاظة: هو أنا ممنوع آجي المقر ولا إيه؟ إيه الغريب إني آجي للمقر؟ رد ناصر: لأ يا ولدي، المقر نور بيك. رد رباح: ما هو واضح فعلاً. عن إذنكم هرجع لمكاني اللي محدش بيسألني فيه جاي ليه.

خرج رباح من المكتب. نظر ناصر إلى النبوي قائلاً: باستفسار متعجب: ماله رباح بيرد عليا كده ليه؟ رد النبوي: رباح متغير في الفترة الأخيرة. مضايق إني جمدت توقيعه هو وأخواته على سحب أموال من البنك. جلس ناصر قائلاً: مش عارف إنت إيه هدفك من كده. رد النبوي: رباح هو السبب المباشر. إنت مشوفتش المبالغ الكبيرة اللي كان بيسحبها. وعشان كده جمدت توقيعهم هما التلاتة عشان ميقولش إشمعنا هو بالذات. رد ناصر: ربنا يهديه.

آمن النبوي على حديث ناصر. بينما عاود ناصر الحديث: الملف ده سلسبيل خلصته وبعتته معايا. ضحك النبوي قائلاً: سلسبيل النسخة التانية من الحاجة هدى. كان حجك سميتها هدى، بدل سلسبيل... نفس الخصال. أهي خلاص كلها أيام وتولد وبرضك رغم إنها في البيت بس كملت شغلها. تبسم ناصر وقال: فعلاً زيها قلبها حامي وحنون في نفس الوقت. تبسم النبوي وقال: ربنا يقومها بالسلامة. رد ناصر:

آمين. دي نهلة بقالها أسبوع مش بتنام في الليل ساعتين على بعض. حاملة هم ولادتها. بتقول اتحملت كتير وهي حامل مش سهلة جواز قماح عليها. صحيح بتظهر إنها مش فارق معاها، بس دي بنتي وعارفها كويس. بتكبت في نفسها كتير. تنهد النبوي وقال: فعلاً قماح غلط في سلسبيل كتير وهي استحملت. بس برضو هي مش سهلة، دي مسوياه على الهادي. بتجاهلها له، صعبة عليه هو. غلط بجوازه عليها وندم. مش سهلة عليه برضو تبقي قدامه وبعيدة عن عينيه. رد ناصر:

يستاهل والله، ده أقل رد منها. كان فين عقله. رد النبوي: مش بدافع عن قماح. إنت عارف إن بعز بناتك يمكن زي ولادي وأكتر كمان. بس قماح السنين اللي عاشها بعيد عننا، الله أعلم عاشها إزاي وأكيد أثرت عليه. رد ناصر: مش مبرر للي إنه يتجوز على سلسبيل. بس أنا سايب لـ سلسبيل القرار. ولو كانت طلبت الطلاق مكنتش هعارضها، زي ما حصل ليلة ظهور براءة همس. تنهد النبوي بسأم وقال: قماح خذلنا كلنا. كان نفسي يبقي زي كارم ويحدد طريقه بنفسه.

تبسم ناصر قائلاً: كارم كلمني امبارح وقالي إن المطعم بتاعه ما شاء الله شغال. تبسم النبوي وقال: كارم النسخة التانية منك يا ناصر. فيه عنده قدرة على احتواء اللي معاه. تبسم ناصر قائلاً بإختصار: ربنا يوفقه. واسمع عنه الخير دايماً... .... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. بجامعة، هدى. بأحد المدرجات. سمعت مديح الفتيات في نازم. سواء عن مهارته في الشرح وإيصال المعلومة، وعن جاذبيته الشخصية أيضاً. شعرت بضيق منهن،

وسخرت منهن قائلة: يحق له يتغر لما يسمع كلامكم ده عليه. إيه مشوفتوش مدرسين قبل كده. المفروض تركزوا في دراستكم، مش شكل وهيئة الأستاذ. حتى هيئته مش جذابة. المفروض دكتور جامعة ده، حتى عمري ما شوفته بجاكيت بدلة فوق القميص. ردت إحداهن قائلة: وماله لبسه شبابي وإسبور. ولا هو عشان يعجبك لازم يكون لابس بدلة ماركة عالية. طبعاً إنتي بنت العراب، والمظهر الخارجي هو اللي بيلفت نظرك. ردت هدى:

أنا عمر المظهر ما لفت نظري. بس فين الوقار بتاع دكتور الجامعة. هو ده قصدي. المحاضرة خلصت ومفيش محاضرات تانية. بلاش أضيع وقتي في تفاهات. عن إذنكم. تركت هدى زميلاتها وخرجت المدرج تشعر بشعور غريب عليها. سأل عقلها: ليه بتضايقي لما البنات بتتكلم بإعجاب عن نازم. ردت على نفسها: ولا بضايق ولا حاجة. بس مش بحب هوس البنات. أثناء سير هدى بالممر، رأت نازم يدخل إلى مكتبه بالجامعة.

فكر عقلها بشيء وحسمت أمرها وذهبت إلى مكتبه، ودخلت بعد أن أذن لها. وجدته يشمر ملابسه عن ساعديه، ويجلس أمامه حاسوب. تبسم نازم لها وقال بترحيب: أهلاً يا هدى. خير. ردت هدى التي تغتاظ حين ينطق باسم هدى، تعتقد أنه يسخر من اسمها، بينما الحقيقة عكس ذلك، هو يستسيغ الاسم كثيراً: عندي استفسار مهم وكنت عاوزة أعرف إجابته منك. تبسم نازم وقال: تمام. اتفضلي اقعدي وقولي لي استفسارك إيه. ردت هدى:

مالوش لازمة أقعد. هو سؤال خاص باختراق الملفات على اللابتوب. في ملف مهم ومش عارفة أوصل ليه. حاولت أخترق الملف برضو مفتحش معايا. رد نازم: والملف ده بتاعك. ردت هدى: لأ. ده ملف خاص بـ سلسبيل أختي، خاص بشغلها وهي كانت عاملة له باسورد خاص ونسيته، ومش عارفة تدخل على الملف ده. وأنا حاولت اختراق الملف وفشلت. تبسم نازم وقال:

مافيش حاجة اسمها فشلت في مجال التكنولوجيا، لأن التكنولوجيا بتتطور بشكل مذهل في كل ثانية. ممكن تجيب لي اللابتوب بتاعها وأنا أحاول من عليه اخترق الملف ده. هيبقى أسهل من إني أخترق الحساب بتاعها من جهاز تاني. تلعثمت هدى وقالت بكذب: هو الملف مبقاش على اللابتوب بتاعها. لأنها كانت عملت له فورمات. ويمكن هو ده سبب نسيانها لكلمة السر بتاعة الملف. ومش عارفة تستعيده رغم إنه محفوظ على جهاز تاني خاص بالمقر.

أيقن نازم أن هدى تكذب بشيء، لكن قال لها: تمام. سهل برضو مش هنغلب. ممكن أروح لها المقر وأحاول على الجهاز التاني اللي محفوظ عليه الملف، وسهل أفتحه لها. ردت هدى: بصراحة كده، الملف مش على لابتوب سلسبيل. ده على جهاز شخص تاني وأنا عاوزة أسترد الملف ده. لو في طريقة أقدر أفتح بها الملف ده من غير الشخص التاني ده ما يعرف قولي عليها. ابتسم نازم بفهم وقال:

بس ده يبقي شغل هاكر. بس هقولك على طريقة تبعتي بها فيروس للابتوب اللي عليه الملف ده. ووقتها اللابتوب هيعطل. تقدري وقتها تجبيه ليا وأنا بسهولة أفتح لك الملف. ردت هدى: تمام. اتفضل قولي إزاي أبعت للابتوب ده فيروس. تبسم نازم وقال لها: اتفضلي اقعدي. لأن ده لازمه شرح عملي على اللابتوب. امتثلت هدى وجلست. نهض نازم من مكانه وجلس لجوارها، ووضع حاسوبه الخاص أمامها وبدأ بشرح بعض الخطوات لها. بعد أقل من ربع ساعة قال نازم:

دي بعض الخطوات باختصار. في عندي سي دي عليه الشرح بتوسع. محمد ابن عمك معزوم عندنا النهارده عيد ميلاد سميحة. هبعت لك السي دي معاه في شرح وافي. وبسيط. نهضت هدى قائلة: كل سنة وهي طيبة. هتصل عليها أنا وسلسبيل نعايد عليها. وتمام، شكراً، وآسفة إن كنت عطلتك. تبسم نازم وقال: لأ أبداً. أي استفسار أنا جاهز للرد عنه. ردت هدى: أكيد في الكورس الجاي هناخد كيفية اختراق الأجهزة الذكية. تبسم نازم:

أكيد. بس لسه وقت على بداية الكورس ده. تقدري تسأليني عن أي شيء يقف قدامك. يمكن نلاقي له حل سوا. إحنا خلاص نعتبر بقينا أهل، وبيننا نسب. لا تعرف هدى تفسير لذلك الشعور الذي بدأ يتسرب لها ناحية ذلك الأحمق الذي يجذبها إليه رغم معارضتها لتلك المشاعر. غادرت هدى المكتب وتركت نازم الذي وقف ينظر في أثرها يتنهد. هنالك شيء يجذبه لـ هدى منذ أن رآها أول مرة. لكن فجأة نهر نفسه قائلاً:

فوق يا ابن بهنسي، متنساش نفسك. في النهاية إنت كنت في يوم شغال عند باباها وبيعطف عليك. بلاش تطلع لشئ مش هيحصل...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بعد وقت قليل. بمنزل سميحة. تعجبت سميحة حين فتحت باب منزلهم ورأت محمد يقف أمام الباب مبتسماً، يرجع يديه خلف ظهره. تبسم محمد وقال لها: مساء الخير يا لدغتي. ردت سميحة بتلقائية: إيه اللي جابك النهارده. إنت استحليتها ولا إيه؟

كل يوم والتاني ألقاك جاي لينا البيت من غير إحم ولا دستور. ضحك نازم الذي أتى من خلفه وقال: هي دي مقابلة واحدة لخطيبها تلطعه على الباب كده وتقوله إيه اللي جايبك. ضحك محمد وقال: أهو عشان تشوف معاملتها الناشفة معايا. ضحك نازم وقال: سبق وجلت لك لك ربنا. إنت اللي اخترت من البداية. تبسم محمد وقال: ده أحسن اختيار. ضحك نازم قائلاً: يا ريت تثبت على قولك ده بعد كده ومتتراجعيش. نظرت سميحة لـ نازم قائلة: تتراجع عن إيه؟

حاسة إنكم بتتريقوا عليا. هو اللي جاي بدون سابق إنذار، وعاوزني أستقبله وإنت مش موجود في البيت وماما طلعت عالسطح. تحدث نازم: إحساسك مش في محله. معقول أنا ومحمد هنتريق عليكي برضو. بس ماما بتعمل إيه عالسطح؟ أنا اتصلت عليها وقولت لها إني عازم محمد على الغدا. ردت سميحة بتفكير:

آه عشان كده لما رجعت من الجامعة لقيتها مجهزة أكل أشكال وأصناف. قولت نوت تطبخ لينا طبيخ الأسبوع كله مرة واحدة. أتاري عشان العزومة. وماعرفش ماما طلعت ليه عالسطح، هي جالت لي كده. تبسم نازم وقال: طب وسعي من قدام الباب خلينا ندخل. عيب محمد مش غريب لما تلطعيه عالسطح كده. تجنبت سميحة. دخل محمد خلفه نازم الذي تركهم ودخل إلى غرفته.

اقترب محمد من سميحة وبمفاجأة آتى من خلف ظهره بباقة جميلة ومنوعة من الزهور، ومد يدهُ لها بها قائلاً: كل سنة وأنتِ طيبة، يا سيدة خط الصعيد الأولى. والسنة الجاية تكوني في بيتي وسيدة قلبي الأولى. خجلت سميحة من حديث محمد، لكن دارت ذلك وقالت له: بوكيه الورد ده هدية عيد ميلادي. رد محمد: مش قبل كده جلت لي نفسك في وردة هدية. أهو جبت لك بوكيه ورد بحاله. أخذت سميحة منه باقة الزهور قائلة:

بس مفيش مانع مع البوكيه، غويشة أو سلسلة أو خاتم. إن شاء الله فضة. هو زي استير ما جالت لي الأغنية بيقولوا بخلاء. يلا الحمد لله إنك جبت لي بوكيه ورد. تبسم محمد وقال بحيرة: جبت لك موبايل حديث وغالي. جلت لي عاوزة وردة أجيب لك بوكيه ورد بحاله. تقولي لي عاوزة غويشة فضة. وفي الآخر برضو طلعت بخيل. أعملك إيه. جننتيني. ضحك نازم وقال له:

لأ متتعبش نفسك. هي سميحة كده. قمة التناقضات فيها. خلينا نتغدى وبعدها نبقى نتباحث في أمر هدية تعجب سميحة. بعد قليل بعد أن تناولوا الغداء، دخلت سميحة عليهم بصينية عليها بعض المشروبات. لكن في ذلك الأثناء رن جرس المنزل. نهض نازم قائلاً: خليكي وأنا اللي هفتح أشوف مين. ما هي إلا لحظات وسمعوا صوت عالي يتحدث بتهجم، ودخل إلى غرفة الضيوف. نهضت سميحة واقفة تنظر، لتلك التي تقول بتهجم:

كويس إنك هنا يا نازم. وأنتي يا فتحية. بصوا بقى أنا مش داقة عصافير. بنتك النصابة ضحكت عليا وأدتني طقم فخار مغشوش. ضحكت فتحية قائلة: خدي نفسك يا استير مالك بتنهجي كده ليه؟ ردت استير: كله بسبب بنتك النصابة. باعت لي طقم فخار تلات قطع طواجن تدخل الفرن، وأقنعتني أنها صحية عن الصواني الألمونيوم. أجي أحط الأكل في الصواني وأدخلها الفرن تسرسب المية اللي على الطبيخ في أرضية الفرن تبوظه. غير إن الأكل اتحرق. ضحك الجميع،

بينما قالت سميحة: أنا مدياكي طقم بيرفكت. تلاقي ده سوء استخدام منك. ردت استير: الطقم معايا أهو، شوفوا بنفسكم التلات طواجن، مشروخين من الجوانب. عيب صناعة. نظروا إلى تلك الطواجن بالفعل كما قالت استير. تحدثت فتحية: طب والشروخ دي مشوفتيهاش قبل ما تاخدي منها الصواني. ردت استير: شوفتها وضحكت عليا وقالت لي دي فتحات تهوية. أنا دلوقتي رايحة البقالة عند نسيم. ساعة وعاوزة الميت جنيه بتاعتي.

صعق الجميع من الضحك، بينما سميحة تقف خجلة. بينما سارت استير خطوتين وكادت تنزلق قدمها بعدها، لكن قبل أن تقع سندت بيديها على إطاري الباب. وقع منها تلك الأواني الفخارية وتهشمت. تحدثت سميحة: ميت جنيه إيه اللي عاوزاها؟ عاوزة فلوسك تجيب لي بضاعتي سليمة. كده يبقى سوء استخدام المنتج رسمي. نظرت استير، للاواني التي تهشمت ولم تستوعب ما حدث بعد. بينما ضحك الآخرون وقال محمد:

فعلاً زي ما قالت سميحة. عاوزة فلوسك لازم تردي ليها بضاعتها سليمة زي ما أخدتيها منها. نظرت استير وقالت: إيه ده، محمد إنت هنا من امتى؟ رد محمد: أنا هنا من أول ما دخلتي. بصراحة كان معاكي حق لحد ما وقع منك الطواجن واتكسرت كده. الحق بقى لـ سميحة. ردت استير:

إنت بتدافع عنها دلوقتي. بس بكرة. ولا أقولك ربنا يكون في عونك. اقعد أما نشرب العصير سوا، وأحكيلك مش بتلاقي حد تنصب عليه غيري وكل مرة بقع في فخها إزاي معرفش. زي ما تكون بتسحر لي. تكونش سحرت لك انت كمان عشان تخطبها.

ضحك الجميع وجلسوا يتحدثون بود فيما بينهم. تحدثت استير عن بعض مزايا سميحة البسيطة التي كانت دائماً تخفف من مطالبها على والدتها وأخيها. تعيش حسب مقدرتهم ولم تتطلع لشيء بيد أحد. حتى أنها حاولت مساعدتهم في المعيشة، بعمل تلك الأواني الفخارية، رغم فشلها الدائم. أيقن محمد أن ربنا منّ عليه بـ سميحة تلك البسيطة التي كان دائماً يريد امرأة مثلها. .... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عصًار.

بالمقر، أنهى قماح عمله وشعر بالضجر. تنهد بشوق لـ سلسبيل التي أصبحت لا تأتي للمقر منذ أيام. يفتقد رؤيتها عبر شاشة حاسوبه. تذكر صباح حين كانت تجلس بغرفة المعيشة. فلاش باك. دخل قماح إلى الشقة سمع صوت التلفاز. توجه إلى غرفة المعيشة، وجد سلسبيل تجلس على إحدى الأرائك. كان وجهها يبدو عليه بعض الألم. جلس لجوارها قائلاً: منزلتيش تفطري ليه؟ ردت سلسبيل:

أبداً مش جعانة. ماليش نفس. وكده كده مش هروح المقر، قولت لما أجوع أبقى آكل، وأكمل نوم. تبسم قماح وقال: طب ليه مش نايمة دلوقتي؟ ردت سلسبيل: بسبب ناصر بيه العراب. ما بيصدق إني أحط ضهري على السرير ويبدأ وصلة رفص. زي ما يكون بيكره إني أنام. قالت سلسبيل هذا وهي بألم طفيف. انخض قماح واقترب قائلاً: مالك يا سلسبيل.

تعجبت سلسبيل من خضة قماح عليها. نظرت له كأنها ترى شخص آخر غير الذي عاشرته في بداية زواجهما الذي كان يستلذ بألمها بين يديه. لكن تحدث قماح قائلاً: قومي البسي هدوم تانية وخلينا نروح للدكتورة اللي متابعة معاها الحمل. ممكن تكون حركة البيبي الكتير ده مش كويسة علشانك. ردت سلسبيل وهي تحاول التغلب على ذلك الألم التي تشعر به من بداية الليلة أمس، يأتي ثم يذهب بعد وقت:

لأ. أنا كويسة وسألت الدكتورة في آخر متابعة عن حركة البيبي وقالت لي عادي. وده كان مغص كده وراحت وبقيت كويسة. متعطلش نفسك إنت وروح للمقر. رد قماح: بس ملامح وشك بتقول إنك لسه موجوعة. ردت سلسبيل: لأ. الوجع خلاص راح. أنا كويسة. حتى حسيت بجوع. هقوم آكل. رد قماح: خليكي مستريحة وأنا هنزل أخلي أي شغالة من تحت تجيلك الفطور لحد هنا. تعجبت سلسبيل. لكن ذلك الألم يعود. أخفت على قماح وقالت له:

إنت سبق وجلت لي ممنوع أي شغالة تدخل الشقة هنا. رد قماح: سلسبيل مش وقت الكلام ده. أنا هنزل أقول لشغالة تجيب لك فطور. لو مش عندي شغل مهم في المقر مكنتش هسيبك. قال قماح هذه واقترب من سلسبيل ووضع يده فوق بطنها يستشعر حركة الصغير ببطنها، ثم قبل وجنتيها، واقتنص شفاها في قبلة شغوفة، ثم غادر الشقة.

وضعت سلسبيل يدها فوق شفاها تستشعر تلك القبلة تتسائل بتعجب. هذا ليس قماح الذي عاهدت قسوته دائماً. لابد أنها ترى تخاريف وأوهام بسبب ذلك الألم التي تشعر به يشتد لبعض الوقت ثم يهدأ.

عاد قماح وهو يبتسم ويتذكر تلك اللحظات التي وضع يده على بطن سلسبيل. شعر بحركة ذلك الصغير بداخل رحمها. ذلك الصغير الذي نبت من إحدى علاقاته القاسية الذي كان يستلذ بها أحياناً. هو لم يقدم لـ سلسبيل أي شيء تحبه من أجله. حتى حين حاولت الانتفاض عليه، ماذا فعل. بلحظة غضب أزاد الفجوة بينهم بزواجه بأخرى. لديه إحساس أن سلسبيل بعد أن تلد بالتأكيد ستنتفض عليه مرة أخرى. نهض قماح بشوق لرؤية سلسبيل، والاطمئنان عليها.

..................... بشقة سلسبيل. كانت تجلس معها هدى تتحدث. لم تكن سلسبيل منتبهة لها بسبب ذلك الألم، التي تحاول مقاومته منذ الصباح. لكن فجأة انتهى تحملها، وأنت بآهة قوية. نظرت لها هدى قائلة: مالك يا سلسبيل. كزت سلسبيل من قوة الألم وقالت: مش قادرة. حاسة بوجع جامد. باين إني هولد النهارده. أنهت سلسبيل قولها بآهة قوية. ارتبكت هدى قليلاً، لكن سرعان ما قالت: جدتي. هنزل أقولها بسرعة.

لم تستطيع سلسبيل الرد عليها من شدة الألم. بينما في خلال ثواني دخلت هدى إلى غرفة جدتها تلهث قائلة: جدتي الحقي سلسبيل. كنت قاعدة معاها في الشقة فجأة صرخت بألم. نهضت هدى سريعاً تقول: ربنا ينتعها بالسلامة. اهدئي يا بتي وخديني لشقتها. قالت هدى هذا ونادت على نهلة التي أتت لها سريعاً. أخبرتها هدى أن سلسبيل تلد. ارتبكت نهلة وارتعشت قائلة: بس ده لسه خمس أيام على الميعاد اللي قالت عليه الدكتورة. هروح أتصل عليها.

نظرت لها هدى قائلة: مالوش لازوم. تعالي بس إنت ساعدتني. تنبهت نهلة قائلة: حاضر. صعدن الثلاث إلى شقة سلسبيل وجدن سلسبيل تبكي من شدة الألم. نظرت لها هدى قائلة: ربنا يهون عليكِ يا بتي، وينتعك بخير. يلا همي يا نهلة ساعديني، أنا ولدت قبل كده. ارتعشت نهلة قائلة: أعمل إيه جولي لي. نظرت لها هدى قائلة: إشحال لو مش والده تلات مرات وعارفة إن الولادة كيف شكة الدبوس. نظرت لها نهلة بذهول تقول: شكة الدبوس!

نظرت هدى لـ نهلة وغمزت لها، فهمت نهلة مغزى قول هدى ووافقتها بالقول، كي تطمئن سلسبيل علها تنسى قوة الألم قليلاً وتتحمله ببساطة. لكن هيهات فهذا مخاض ليس جرح بالإصبع. فاض الألم على سلسبيل وأصبحت تستنجد بهن كي يساعدنها. أما بعد ذلك الحين بوقت قليل دخل قماح إلى المنزل. تقابل مع إحدى الخادمات سأل على جدته. أجابته أنها بشقة سلسبيل لأنها ربما تلد.

لم ينتظر قماح وصعد سريعاً إلى الأعلى ودخل إلى الشقة منها إلى الغرفة التي بها سلسبيل. انخض وهو يسمع ويرى تألم سلسبيل. تحدث قائلاً: هطلب عربية إسعاف من أي مستشفى تيجي بسرعة. ردت هدى بهدوء: جالت مالوش لازوم. هملنا إنت هبابة. أنا مش أول مرة أولد ست. قالت هدى هذا بهدوء ترسمه رغم خوفها، فكما يقولون الولادة ليست ألم سهل، فهي سلخ روح من روح أخرى والإثنان أضعف من بعضهما في تلك اللحظة.

تردد قماح في قبول قول هدى، بسبب رؤيته لتألم سلسبيل الملحوظ، وكاد يعارضها. لكن قالت هدى له بأمر: اطلع بره ومتخافيش. سلسبيل هتبقي بخير هي وولدها. ما زال قماح متردداً في الخروج من الغرفة، لكن صرخة سلسبيل، جعلت هدى تقول له بحِدة وآمر نافذ: جولتك إطلع بره. اسمع حديتي عاد. امتثل قماح لأمر هدى على مضض وخرج غصب.

وقف أمام الغرفة، يستمع إلى أنين سلسبيل، يشعر بأن جسده هو من يتألم. لدقائق تمر كالدهر طويلة يعود لخياله ذكرى أليمة مر بها سابقاً. يخشى أن يحدث مثلما حدث مع والدته بالماضي. لكن فجأة صمت أنين سلسبيل للحظات. ارتجف قلبه أن يكون تحقق شئ من مخاوفه. بنفس اللحظة سمع بكاء طفل صغير. اندفع إلى داخل الغرفة سريعاً. ..... ــــــــــــــــــــــــــــــ في نفس الوقت على الهاتف. رد ناصر على هدى، التي قالت بتسرع وصوت يرتجف:

بابا سلسبيل تعبانة قوي. بتصرخ من الألم. فزع ناصر الذي كان جالسًا مع النبوي، ونهض قائلاً: أنا جاي مسافة السكة. نهض النبوي هو الآخر قائلاً بفزع هو الآخر: خير في إيه؟ رد ناصر: دي هدى بتقول لي إن سلسبيل تعبانة وبتصرخ من الألم. شكلها هتولد النهارده. زي أمي ما كانت حاسبة لها. تبسم النبوي رغم رجفة قلبه وقال بتطمين: طب اهدأ. هتبقي كويسة. طالما معاها الحاجة هدى. تنهد ناصر وقال: يارب سهل لها. ــــــــــــــ بشقة زهرت.

ردت على هاتفها قائلة: خير بتتصل عليا دلوقتي ليه يا نائل. رد نائل: ليه مجتيش. استنيتك في الشقة. ردت زهرت بتلاعب: أبداً غيرت رأيي، وكمان أنا مش في المود، جلت بلاش آجي النهارده. رد نائل: وأيه اللي مزعل مودك. كنتي تعالي وأنا أعدل لك مودك بهدية كويسة. ردت زهرت بدلع: وأيه الهدية دي بقى. الطقم الدهب اللي جلت لك عليه قبل كده وقولت لي مفيش معاك تمنه دلوقتي. واستغلته عليا. رد نائل: مفيش حاجة تغلى عليكِ. إنتِ عارفة معزتك عندي.

ردت زهرت بمياصة: بسمع كلام وبس. أثناء حديث زهرت، سمعت صوت رسالة، فتحتها رأت صورة نائل وهو يمسك ذلك الطقم الذهبي. نظرت له بفرحة وطمع، ثم أكملت حديثها معه بسفور ومجون تعده أنها بالقريب ستذهب للقائه. في ذلك الأثناء سمعت صرخة ليست قوية آتية من شقة سلسبيل المقابلة لها. سمع نائل تلك الصرخة قائلاً: مين اللي بيصرخ عندكم كده، خير؟ ردت زهرت:

الصرخة من شقة سلسبيل. يمكن هتولد وتخلصنا بقى من دلعها. يلا بالسلامة انت أما أروح أشوف سبب الصرخة دي إيه. يمكن تكون ماتت هي وابنها. أغلقت زهرت الهاتف وتوجهت إلى شقة سلسبيل. بينما أغلق نائل الهاتف ووضعه جواره على الفراش. كانت صرخة سلسبيل التي سمعها بالهاتف، شعر برجفة في قلبه. تمنى أن ترد دعوة زهرت لها وتموت هي وتحيا سلسبيل. تحيا!

سلسبيل بإنجابها من قماح استحوز عليها كاملة. افترقت الطرق، أو لا ربما اقتربت الطرق. سلسبيل بالتأكيد بعد إنجابها ستتمرد على قماح، وشخصية قماح العنجهية لن تتحمل تمرد سلسبيل كثيراً.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...