دخلت همس إلى المطعم الخاص بكارم. جالت عيناها بالمكان، تبسمت بتفاؤل، المطعم أصبح له زبائن ورواد في فترة قصيرة. ذهبت مباشرةً إلى غرفة الإدارة، فتحت الباب بعد أن سمح لها بالدخول، لكن وقفت صامته لثوانٍ وهي ترى انحناء تلك الموظفة بجوار كارم الجالس خلف مكتبه. تبدو أنها تقوم بتوضيح شيء له. شعرت همس بالغيرة من تقارب تلك الموظفة، لكن أظهرت عكس ذلك وتبسمت وألقت عليهم السلام. نهض كارم مبتسمًا وقال للموظفة: طب نكمل بعدين. ردت
الموظفة بابتسامة مجاملة: تمام يا أفندم... عن إذنكم. تبسمت الموظفة لهمس أيضاً بإيماءة ترحيب ثم خرجت وأغلقت خلفها الباب. اقترب كارم من مكان وقوف همس قائلاً: المطعم نور، مفاجأة جميلة. تبسمت همس قائلة: شكلي عطلتك عن الشغل مع الموظفة اللي كانت هنا... من لهجتها واضح إنها مصرية. رد كارم ببساطة:
فعلاً مصرية، هي عايشة مع والداها هنا تقريباً كان مدرس في إعارة، عجبته دبي واستقر فيها وهي فضلت معاه بعد وفاة والدتها هنا. بتبدأ شغلها في مجال الدعاية. شعرت همس بغيرة وقالت: واضح إن معاك تقرير عنها. تبسم كارم وهو يشعر بنبرة غيرة في حديث همس وقال: مش تقرير ولا حاجة. بعدين أكيد مش جاية المطعم عشان نتكلم عن الموظفة. ارتبكت همس حين شعرت أن كارم شعر بغيرتها وقالت:
إنت عارف إن النهارده بروح المشغل أعلم البنات بس حسيت بفتور وماليش مزاج. استأذنت وكمان عندي ميعاد مع الدكتورة بعد ساعة ونص. قولت أجي نتغدى هنا سوا بقالك أسبوعين، بتبقى مشغول وقت الغدا ومش بتيجي للشقة، وبتغدى لوحدي. تبسم كارم وقال: قصدك مش بتتغدى أصلاً، بس كويس إنك جيتي على هنا. كنت بعد شوية هتصل عليكي وأقولك تعالي نتغدى هنا سوا. لازم تهتمي بصحتك وأول شيء تاكلي كويس. مش شايفه نفسك خسيتي كتير. تبسمت همس قائلة:
بصراحة بكسل آكل لوحدي. تبسم كارم وبدون قصد منه وضع يديه حول خصر همس، التي للحظة ارتجف قلبها، لكن ليس خوف كالسابق بل سعادة وإرادة منها، كأنها أصبحت تشعر بشوق للمسات كارم لها، لم تعد تشعر بتلك الرهبة منه. أما كارم تبسم حين لم يشعر برجفة جسد همس حين يقترب منها، وقال: خلينا نطلع نتغدى عشان متتأخريش على ميعاد الدكتورة.
تبسمت همس له وسارت بجواره مبتسمة تشعر بشعور لا تعرف تفسير له وهي تسير بجوار كارم الذي يلف إحدى يديه حول خصرها. كانت تنظر حولها تشعر بانتشاء غير خائفة أن يعرفها أحد. *** بدار العراب بشقة هند
كانت جالسة على فراشها تشعر بالضجر. تذكرت ما رأته صباحًا أثناء نزولها السلم لتذهب لتناول طعام الفطور بصحبة العائلة. شعرت بالحقد حين رأت قماح يمسك بيد سلسبيل التي كادت تنزلق على السلم. من داخلها تمنت أن تنزلق سلسبيل، لكن يبدو أن القدر دائماً يساندها. ها هو قماح أنقذها من الانزلاق على السلم. نزلت هند ونظرت لـ هند الواقفة أمام باب شقتها، يظهر الوجوم على وجهها بوضوح. تهكمت زهرة قالت لها بنبرة استفزاز:
صباح الخير يا هند، إيه مش هتنزلي تفطري في الإصطباح العائلي ولا هتسيبي المكان لـ سلسبيل ترجع تاني تاخده. ردت هند بضيق قائلة: لأ طبعاً سلسبيل مش هتفوز عليا. تهكمت زهرة بضحكة ساخرة. لكن في ذلك الوقت صدح رنين هاتف هند، فقالت لـ زهرة: هدخل أرد عالموبايل وأحصلك عالسفرة. تهكمت زهرة وقالت: مين اللي بيتصل عليكي عالصبح كده. ردت هند:
ده أكيد نائل أخويا، أصله اتصل عليا من شوية قالي إن بابا عيان شوية ومكوناش كملنا كلامنا. يلا اسبقيني انتي عالسفرة. ردت زهرة: لأ ألف سلامة على باباكِ، ربنا يشفيه. رغم أن هند تعلم أن حديث زهرة به بعض السخرية... لكن قالت لها: آمين. عن إذنك هدخل أرد عالموبايل. أكملت زهرة باقي السلم نزول. أما هند دخلت إلى شقتها وأغلقت الباب وذهبت إلى مكان هاتفها. مثلما توقعت كان هو نائل من يتصل عليها. ردت بعجرفة:
خير، بتتصل عليا دلوقتي ليه؟ رد نائل: غلطان، هي دي صباح الخير. عالعموم لو بمزاجي مكنتش هتصل عليكي، ده بابا هو اللي طلب مني أكلمك وأعرف إن كنتي هتيجي النهارده ولا لأ. ردت هند: أكيد جايه، طمن بابا. أنا قلت لـ قماح إن بابا عيان شوية ولازم أزوره. ضحك نائل بسخرية قائلاً: بتتقولي على بابا بالمرض عشان تاخدي الإذن من قماح، مع إن في رأيي بدون حجج كذابة هو ماكنش هيمنعك. ردت هند بزهق: مش ناقصة تريقتك عالصبح. سلام.
أغلقت هند الهاتف ورمته على الفراش تزفر أنفاسها بغضب. قماح مع الوقت يبتعد عنها أكثر، ويتجاهل وجودها. وجوده معها في الشقة فقط ديكور، مأوى ينام به بعض الليالي، بغرفة أخرى. تلك الحمقاء سلسبيل استحوذت عليه بالكامل بعد تلك الليلة التي قضاها معها بالمقر. عادت زهرة من تذكر ما رأته صباحًا تشعر بالحقد والغلول. ما بها سلسبيل مميز عنها؟
هي حاولت إغواء قماح بعد فشل زواجه الأول لكن فشلت في ذلك، ثم ظهرت هند أمامه وتزوجها. وذلك الوغد نائل تخلى عنها سابقًا، بسبب حماقة والده. وهذا جعلها ترمي بشباكها على الغبي رباح الذي سقط سريعًا في براثنها الواهية وجذبته إليها وسيطرت على عقله. بس مش ده الراجل اللي أتمنى أعيش معاه حياتي، أنا عايزة راجل بجد صاحب قرار مش راجل أنا أُوجهه.
نهضت زهرة من على الفراش وتوجهت إلى مرآة الزينة وفتحت إحدى الأدراج وأخرجت تلك العلب المخملية، وقامت بفتحها، علبة خلف أخرى، وترتدي ما موجود بها إلى أن انتهت. وقفت تنظر إلى انعكاسها بالمرآة. بانتشاء وهناء. الذهب يغطي معصمي يديها، كذلك الخواتم تملأ كل أصابعها، وصدرها مليء بالمصوغات. هذا ما كانت تريده يومًا. وضعت أحد الأقراط في أذنيها ووقفت تتباهى بكل هذا الذهب. تذكرت يومًا أنها حتى لم تكن تمتلك فردة قرط واحدة. حصلت على
كل هذا بزواجها من ذلك المغفل رباح. لمعت عينيها بداخلها تتمنى المزيد وزاد الجشع في قلبها. ما زالت تريد الحصول على المزيد قبل أن تترك دار العراب بعد أن تصبح أكثر ثراءً، يجعلها تصبح مطمع لمن حولها مثل سلسبيل التي لم تمتلك نصف جمالها ولا أنوثتها، فقط كل ما يميز سلسبيل أنها سليلة مال العراب.
*** عصرًا بمنزل سميحة كان محمد يجلس بغرفة الضيوف مع نظير يتحدثان بمواضيع شتى. بود دخلت عليهما سميحة بصينية عليها بعض المشروبات. تبسم محمد، كذلك نظير الذي لاحظ نظرات محمد لـ سميحة، الذي يود أن ينفرد بها. فاستأذن قائلاً: عندي مكالمة مهمة لصديق، هستأذن خمس دقايق وراجع. تبسم محمد له. بينما تلك اللدغة سميحة قالت بفضول: مين صديقك ده؟ تبسم نظير وقال لمحمد: خطيبتك مش بس لدغة، لأ كمان فضولية. ضحك محمد قائلاً: وضيف انتهازية.
ضحك نظير قائلاً: ليك ربنا. عن إذنكم. اُغتاظت سميحة ونظرت لمحمد بتوعد قائلة: قولت إني انتهازية، انتهازية في إيه بقى؟ أنا عمري ما انتهزت حاجة. تبسم محمد وقال بخبث: يعني لما اتقدمتلك وعرفت إني أبقى من عيلة العراب المعروفة، ما وافقتي عشان كده؟ ردت سميحة بتهكم قائلة:
تصدق بالله أنا ما كنت أعرف إنت مين. أنا وافقت مش عشان إنت من عيلة العراب المعروفة، أنا وافقت بسبب جدتي الحجة هداية، ست تدخل القلب كده. إني مكنتش أعرف مين العريس، لو كنت عرفت إنه إنت كنت فكرت قبل ما أوافق. تبسم محمد بمكر وقال: ليه مش عاجبك اللي قدامك ده؟ أي بنت تتمنى بس يشاور لها. مصمصت سميحة شفاها وقالت: على إيه؟ عارف إنت لو مش ابن عيلة العراب، ولا بنت حتى تفكر تبصلك. تبسم محمد وقال: ليه؟
طب تعرفي لما كنت في الجامعة كنت عامل زي شهريار، البنات على يميني وشمالي. شعرت سميحة بغيرة قائلة: أكيد البنات التافهة اللي بيعجبوا بالواد الغني عشان يصرف عليهم، فسح وخروجات وهدايا. تبسم محمد وقال: طب ما أنا بصرف عليكي في الفسح والخروجات ليه مش بتحبيني زيهم، مع إني اخترتك نفلة عن كل البنات اللي قابلتها بحياتي، وقلت اللدغة دي هي اللي تكمل معاها حياتك. على الأقل هتخلفلي عيال عندهم لدغة مميزة. شعرت سميحة بخجل،
لكن قالت بحدة: بتصرف عليا، في إيه! فسح وخروجات؟ فين دول؟ وما شوفت منك حتى هدية. عارف البنات زميلاتي في الجامعة المخطوبين، عرسانهم بيجبولهم هدايا، إنت إلا ما شوفت منك وردة. تبسم محمد وقال بدهشة: كل طموحاتك في الهدايا هي وردة! ردت سميحة: مالها الوردة غالية عليك. تبسم محمد وقال باستخفاف محبب: غالية جداً. استخفت سميحة قائلة: طالما الوردة غالية عليك يبقى بلاش تنفخ نفسك عليا وتقول بتصرف فسح وخروجات.
تبسم محمد وأُعجب أكثر بتلك البسيطة التي كل أملها في الهدايا... وردة. لو غيرها لطلبت هدايا أكثر قيمة. أخرج محمد من جيبه علبة صغيرة ومد يده لها بها قائلاً: شكلك زعلتي، على فكرة أنا جبت ليكي هدية. تبسمت سميحة مثل الطفلة قائلة: بجد جبت ليا وردة. ضحك محمد، وأعطاها العلبه قائلاً: افتحي العلبة وشوفي الهدية، واحكمي هي الأغلى ولا الوردة. أخذت سميحة العلبة منه وفتحتها سريعاً عرفت محتوى الهدية وقالت باستقلال:
ده موبايل حديث زي اللي معاك، حتى أخوه نفس الشكل والطراز. تبسم محمد وقال: إيه شكل الهدية مش عاجباكي؟ مش كنتي طمعانة في موبايلي، أهو جبت ليكي زيه وكمان حولته خط، تقدري تتكلمي براحتك بدل ما أنتي مقضاها رنات. ردت سميحة:
مش حكاية مش عاجبني الهدية، بس بصراحة أنا كان نفسي في وردة. إن شاء الله بلاستيك. بس هدية مقبولة منك، بس متأكد إنه خط، أتكلم براحتي يعني من غير ما أخاف أسمع صوت البت الرخمة اللي بتقول "عفواً، لقد نفذ رصيدكم برجاء شحن البطاقة". ضحك محمد قائلاً: لأ طبعاً، أنا عارف إنك رغايَة. كده هتخربي بيتي على فاتورة الموبايل. أقولك كلميني أنا بس من الموبايل ده، وقضيها رنات من الموبايل التاني. نظرت له سميحة وقالت باستخفاف:
فعلاً زي ما إستر بتقول معظم الناس الأغنياء بخلاء وبيكنزوا على فلوسها. ضحك محمد عالياً وقال: إستر دي مرات عم نسيم البقال. أوعي تكلميها من الموبايل ده. نظرت سميحة له قائلة: أنا مش بكلم إستر عالموبايل أصلاً، بكلم الواد كيرلس. رغم أن محمد يعلم أن كيرلس هذا أصغر منها بالعمر، وأنها تمزح معه فقط، لكن شعر بالغيرة وقال: أهو كيرلس ده بالذات بلاش تكلميه خالص. ردت سميحة:
لأ، مش من أولها هتفرض عليا أكلم مين ومكلمش مين. خد موبايلك مش عاوزاه، عاجبني موبايلي أبو رنات. تبسم محمد وقال: أنا بهزر معاكي، اتكلمي مع أي حد يا حبيبتي ومتحمليش هم دفع الفاتورة. ماذا قال محمد... حبيبتي! ارتبكت سميحة بشدة وخجلت. ماذا ترد؟ تلعثمت ولم تستطع قول كلمة مفهومة. تبسم محمد وقال: مش فاهم منك ولا كلمة، يا سيدة خط الصعيد الأولى. *** بدار العراب ليلاً، أمام سلسبيل وقفت سلسبيل متعجبة تقول:
واقف على باب الشقة ليه يا عمي؟ اتفضل ادخل... وأيه الكارتونة اللي معاك دي؟ هاتها عنكتب. تبسم النبوي أعطاها تلك الكارتونة المغلفة مبتسمًا. أخذتها سلسبيل من يديه وحملتها قائلة: إيه اللي في الكرتونة دي يا عمي؟ تبسم النبوي وقال: دي هدية ليكِ مخصوص. افتحيها وشوفي فيها إيه، بعد ما أنزل. عمك بقى راجل عجوز خلاص، طلوع السلم بالكارتونة تعبني. تبسمت سلسبيل قائلة: ربنا يديك الصحة يا عمي. تبسم النبوي وقبل رأس سلسبيل وقال:
يا ريت كل التعب زي كده. هنزل أنا بقى أنام، تصبح على خير. تبسمت سلسبيل له وهو يغادر الشقة مبتسمًا، حتى أنه أغلق باب الشقة خلفه. بينما سلسبيل سارت بالكارتونة بين يديها وقالت ساخرة من نفسها: والله أنا حاسة إني بقيت زي طائر البطريق اللي بيمشي يرحل يمين شوية وشمال شوية مش عارف يمشي متوازن.
وضعت الكارتونة فوق فراشها، تنظر له بفضول، لمعرفة محتوياتها. بالفعل أتت بمقص وقامت بقص تغليف الكارتونة، ثم فتحتها. وجدت مجموعة من الأكياس واضح محتوياتها. هي ملابس بألوان مختلفة. أخرجت كل الأكياس ووضعتها فوق الفراش، ثم وضعت الكارتونة على الأرض وصعدت على الفراش بدأت في فتح تلك الأكياس وإخراج ما بها. تبسمت بفرحة، وهي ترى تلك الملابس الصغيرة. هي ملابس لطفلها. لكن لفت نظرها كيس وحيد كان كبير عن باقي الأكياس. فتحته، وتفاجئت بملابس صغيرة لطفل وليد عليها تطريز يحمل اسم ناصر، وهناك مفرش حريري صغير أيضًا مطرز يحمل نفس الاسم. وكذلك لفة طفل صغير وبعض الأغراض الخاصة بطفل حديث الولادة.
شردت في تلك الأغراض وذلك التطريز. تذكرت همس بعيون دامعة. هي قالت لها يومًا أنها ستفعل لها كسوة سبوع طفلها الأول. هناك شيء غريب، هذا التطريز يشبه تطريز تلك المفارش والمناديل الصغيرة التي كانت تعملها همس. أتى إليها خاطر في تلك اللحظة كأنها ترى همس أمامها تجلس بيديها تقوم بتطريز تلك الملابس، وابتسمت وهي ترى همس تتألم بخفوت بسبب شكة إحدى الإبر لإصبعها كما كانت ترى سابقًا. دمعة فرت من عينيها، تحسر قلبها، لكن في نفس اللحظة شعرت براحة لا تعلم سببها حين نظرت لها همس وتبسمت وغمزت لها بعينيها.
تبسمت سلسبيل هي الأخرى. لكن أخرج سلسبيل من تلك الخاطرة، صوت قماح الذي دخل إلى الغرفة دون شعور منها، بسبب شرودها. تبسم لها وقال: فكرتك نايمة وأنتِ قاعدة. ردت سلسبيل: لأ بس كنت مغمضة عيني. تبسم قماح وجلس على الفراش ينظر لتلك الملابس والأغراض قائلاً: إنتي اشتريتي هدوم للبيبي. قال قماح هذا ثم تحدث بمكر: بس دول هدوم لولد، مش لما كنا في المقر قولتيلي يمكن حامل في بنتين. نظرت له سلسبيل... وقالت: للأسف ولد واحد.
تبسم قماح وقال: المهم إنه ييجي عالدنيا بخير، والمرة الجاية تجيبي بنتين. نظرت سلسبيل له بتهكم قائلة: البنتين تجيبهم لك هند بقى. نظر قماح لـ سلسبيل وقال: بس أنا عاوز ولادي كلهم منك إنتي يا سلسبيل. نظرت سلسبيل لـ قماح بسخرية وقالت: وهند هتمنعها من الخلفه ولا إيه؟ ولا يمكن كنت مانعها تخلف من أول مرة اتجوزتها، بدليل علبة حبوب منع الحمل اللي كانت بين هدومي. عرفت دواعي استعمالها بسرعة، يمكن مرت عليك قبل كده. رد قماح:
أنا ما منعتش هند إنها تخلف في جوازنا قبل كده، اللي فعلاً كنت مانعها تخلف هي مراتي الأولانية، لكن هند لأ وده كان سبب طلاقنا وقتها هي اللي كانت بتاخد مانع من ورايا. غير كان فيه سبب تاني ومش لازم تسألني عنه. تعجبت سلسبيل قائلة: طب ليه منعت مراتك الأولانية من الخلفه؟ مش يمكن كانت الحياة بينكم استمرت بوجود طفل، بالذات إن جوازكم كان عن قصة حب. رد قماح:
جوازي الأول ماكنش عن قصة حب يا سلسبيل، أو على الأقل من ناحيتي، كان جواز عقل. تعجبت سلسبيل وقالت بسؤال: يعني إيه جواز عقل؟ رد قماح ببساطة: يعني كان مجرد إعجاب مني وقتها، لكن ماكنش حب، ومع الوقت انطفى الإعجاب ده، وكان لازم الجواز ينتهي. سخرت سلسبيل قائلة: إعجاب وانطفى، هو ده الجواز بالنسبة لك؟ عالعموم ميهمنيش، دي حياتك وانت حر فيها. نظر قماح لـ سلسبيل وقال:
إنتِ حياتي يا سلسبيل، والدليل ابني اللي في بطنك. كان سهل تجهضيه من البداية، بعد اللي حصل بينا. بس إنتِ اخترتي له الحياة ليه يا سلسبيل؟ نظرت سلسبيل لـ قماح بتعجب ثم وضعت يدها على بطنها قائلة: ده ابني، أنا أول واحدة حسيت بوجوده. وتقدر تقول عدم إجهاضي له إنه مالوش ذنب في سوء معاملتك ليا، وكمان تقدر تقول ضميري اتغلب على مشاعر الغضب اللي كانت جوايا.
تبسم قماح، وكاد يخبر سلسبيل أنه أخطأ كثيرًا حين سار خلف عنجهيته، لكن صدح هاتفه برنين. أخرج هاتفه ينظر لـ شاشته، ثم نظر إلى سلسبيل التي نظرت هي الأخرى لشاشة هاتفه وعلمت أن من يتصل عليه هي هند. تهكمت قائلة: رد عليها، أكيد مشتاقة لك. أنا هقوم ألم الهدوم دي وأحطها في الكرتونة تاني والصبح أبقى أرتبها في الدولاب.
قالت سلسبيل هذا وبالفعل نهضت من على الفراش تجمع تلك الملابس من على الفراش ووضعتها بالكارتونة مرة ثانية، بينما خرج قماح من الغرفة يقوم بالرد على هاتفه. يشعر بغصة في قلبه كم تمنى أن يظل مع سلسبيل يتحدثان بذلك الهدوء. فتح الهاتف وقام بالرد: خير يا هند، مال صوتك مهزوز كده ليه؟ ردت هند: أنا متصلة عليك عشان أقولك بابا عيان شوية وأنا قلقانة عليه. هبات الليلة هنا في بيت بابا. رد قماح:
ألف سلامة، تمام براحتك، خليكي جنبه وارجعي وقت ما تحبي. قال هذا بالمختصر وأغلق الخط، ووقف يُزفر نفسه بضيق. ليته ما كان أخرج هاتفه من جيبه وتجاهل معرفة من يتصل عليه، ربما كان ما زال يتحدث مع سلسبيل وجرهما الحديث للتصالح معًا، وكان أخبرها أنها هي ساكنة قلبه. لكن كلمة "ليت" ليس لها مكان الآن. بالفعل عاد بعد قليل لغرفة سلسبيل، وجدها بإضاءة خافتة وسلسبيل تنام على الفراش. تنهد بضجر وذهب إلى غرفة النوم، وتسطح على الفراش.
بعد قليل. شعرت سلسبيل بدخول قماح إلى الغرفة، وجلوسه جوارها على الفراش، وهمس باسمها بطريقة ناعمة. فتحت عينيها وتبسمت له بقبول. انحنى قماح عليها وقبل وجنتيها ثم شفاها. كانت مستمتعة بقبلاته الحنونة. لفت يديها حول عنق قماح تجذبه إليها، تمتثل لفيضان مشاعره الجياشة. لكن فجأة شعرت بألم في جسدها. استيقظت من النوم، تنظر جوارها، لا يوجد بالفراش ولا بالغرفة غيرها. إذن كانت بحلم. تبسمت بآهة خافتة بسبب رفض ذلك الصغير لها قائلة:
شكلك هتطلع شقي زي ما خالتك هدى بتقول. رفضها مرة أخرى، رغم الألم لكن تبسمت وقالت: طب بترفضني تاني ليه؟ بس تصدق إنك غلطان إنك صحتني من النوم. كنت سبني أكمل نوم، ولا أقولك بلاش لا ترفصني تاني، وأنا حاسة بجوع، مع إنّي متعشية كويس، بس يظهر إنك جعان وبترفصني عشان كده، حاضر هقوم أشوف أي حاجة خفيفة في التلاجة أنقنق فيها.
نهضت سلسبيل وذهبت إلى المطبخ، لكن لاحظت إضاءة غرفة قماح، فتعجبت، وذهبت إلى الغرفة. رأت نوم قماح على الفراش. بينما قماح كان نائمًا، شعر بدخول سلسبيل إلى الغرفة، فتح عينيه حين اقتربت من الفراش ووضعت أناملها فوق وجنته تمسد عليها. تبسم لها بإستمتاع من لمسة يدها.
انحنت سلسبيل عليه مبتسمة. جذبها قماح عليه وقام بلقم شفتيها يُقبلها بعشق. جذبها أكثر عليه، لم تمانع سلسبيل. لكن فجأة استيقظ من النوم على صوت وقوع شيء على الأرض. تنبه حوله بالغرفة، الضوء منطفئ. تحير كيف سحبه النوم ونعس. آخر شيء تذكره أن ضوء الغرفة كان شاعل. سرح قليلاً بالحلم الذي كان يتمنى لو كان حقيقيًا وأتت سلسبيل له بالغرفة، لكن كان مجرد حلم يتمنى أن يتحقق. لكن فجأة دوى نفس الصوت مرة أخرى. تساءل ما هذا الصوت الذي سمعه لمرتين، أنه آتٍ من الشقة.
نهض من على الفراش وخرج من الغرفة. توجه إلى المطبخ بعد أن لاحظ إضاءته. وقف أمام باب المطبخ وتبسم وهو يرى تذمر سلسبيل بسبب تلك الأواني المعدنية التي وقعت منها دون انتباه وبسبب حملها غير قادرة على الانحناء وجمعها من على الأرض، فـتحدث بمرح: واضح إن فيه متسلل جعان في الشقة. انخضت سلسبيل. تبسم قماح وانحنى يأتي يجمع تلك الأواني وقام بإعطائها لها. أخذتهم سلسبيل من يده ووضعتهم على طاولة رخامية بالمطبخ قائلة:
مع إني متعشية بس فجأة حسيت بجوع. تبسم قماح وقال: وأنا كمان كنت نايم وصحيت على صوت الحلل اللي وقعت. ومع إني مش متعود عالأكل بالليل بس حسيت إني جعان. تبسمت سلسبيل وقالت: هحضر لينا أكل خفيف. أومأ قماح ببسمة وجلس على مقعد أمامه طاولة صغيرة بالمطبخ. وضعت سلسبيل بعض أطباق الطعام، ثم جلست هي الأخرى، بدأت في تناول الطعام، بصمت في البداية، لكن فجأة شعرت بألم. آنت بخفوت وابتسمت برضا. سمع قماح آنينها ثم رأى بسمتها.
تعجب قماح وقال: بتبتسمي على إيه! وقبلها حسيت إنك اتوجعتي. تبسمت سلسبيل برضا قائلة: أصل افتكرت هدى وهي بتقولي إن هجيب ولد شقي، وفعلاً شكله هيبقى شقي، مش بيبطل رفض فيا. تبسم قماح وقال: ومبسوطة إنه بيرفض في بطنك كتير. أومأت سلسبيل رأسها بموافقة. تبسم قماح وقال بتردد: وهو بيرفض دلوقتي، ممكن أحط إيدي على بطنك. تبسمت سلسبيل وجذبت يد قماح قائلة: أهو بيرفض دلوقتي، شكله هيطلع بيحب السهر زي خالته همـ
قطعت سلسبيل كلمتها، قبل أن تكمل اسم همس. بينما شعر قماح بغصة في قلبه بسبب عدم تكملة سلسبيل لاسم همس. تذكر كم مرة أتى بذكر اسمها بمعايرة. ندم على ذلك. كان هناك أسباب كثيرة لاختيار سلسبيل البعد عنه. شعر برفص صغيرة في بطنها، تبسمت سلسبيل قائلة: أهو حسيت برفصة. تبسم قماح وقال: أيوا، بس ده بيرفض جامد قوي إزاي متحملة الرفص ده. تبسمت سلسبيل وقالت: على جدتي، هو الحبل والولادة شيء سهل؟
مفكرين الأمومة شيء سهل. يلا ربنا يسهل بالمدة الباقي. تبسم قماح بإستمتاع وهو يتحدث مع سلسبيل بمواضيع غير مترابطة وحديث مرح بينهم، قد يقودهما إلى مرحلة جديدة في حياتهم معًا. *** بدبي
ارتدت همس ذلك الرداء الشفاف، وقفت تنظر لنفسها. شعرت ببرودة تغزو جسدها. ذلك الثوب العاري التي ابتاعته أثناء عودتها من جلسة الطبيبة، التي حستها عليها بأخذ خطوة تقدمية مع زوجها، بعد أن حكت لها عن شعور الغيرة التي شعرت به حين رأت إحداهن قريبة من زوجها. ضمنت يديها حول جسدها تستشعر الدفء، ونهرت نفسها في تلك اللحظة وذهبت إلى دولاب الملابس وأخرجت إحدى مناماتها العادية وخلعت ذلك الرداء الفاضح وارتدت تلك المنامة العادية، وخرجت من الغرفة. ذهبت باتجاه المطبخ تقوم بتحضير العشاء، فوقت عودة كارم من المطعم اقترب. بالفعل ما هي إلا دقائق وكانت تسمع إلى صوت فتح باب الشقة، تركت المطبخ وتوجهت نحو الخارج. تبسمت لـ كارم.
رد عليها ببسمة قائلاً: مساء الخير... أنا جعان. تبسمت همس قائلة: مساء النور، جعان إيه؟ مش متغدين سوا في المطعم بعد الظهر. تبسم كارم وقال: على رأي جدتي هداية: وكل المطاعم ده ميشبعشي، مافيش أطعم من وكل الدار هو اللي يشبع ويمري مكانه. ضحكت همس قائلة: تمام، عشر دقايق هتلاقي الوكل جاهز عالسفرة إهنه في المطبخ. ضحك كارم يقول: فاكرة لما كنا نتكلم صعيدي كده قدام عمي وبابا، كانوا بيفكرونا بنتريق عليهم. تذكرت
همس ذلك بشوق وتبسمت وقالت: وجدتي كانت تقول لهم: كل وقت وله أذان، ودول تربية مدارس أجنبية ولسانهم معوج. ضحك كارم، كذلك همس ضحكت بشوق. سهمت قليلاً تذكرت أختيها وباقي العائلة، لكن غص قلبها. جميعهم يعلمون أنها غير موجودة معهم بالحياة، هي اختارت ذلك سابقًا، حين كانت قريبة منهم كانت تخشى أن يروها لكن الآن تتشوق لرؤيتهم بالأخص والداها وأختاها. لاحظ كارم شرود همس فقال: هاي، روحت فين؟
هدخل آخد حمام عالسريع على ما تحضري السفرة. تبسمت همس وأومأت برأسها. بعد قليل، انتهت همس من وضع الطعام على السفرة، وظلت لدقائق تنتظر عودة كارم، لكن لم يأتي. حسمت أمرها ودخلت إلى غرفة نومه، طرقت على الباب مرة واحدة، ثم دخلت إلى الغرفة مباشرةً. تفاجئت بـ كارم يتحدث بالهاتف، لا يستره سوى منشفة حول خصره. خجلت منه وكانت ستخرج من الغرفة، لكن سمعته ينهي حديثه. شعرت بغيرة وعلمت مع من كان يتحدث. تحدث كارم بعد أن أغلق الهاتف:
استنى يا همس. استدارت لـ كارم وقالت له وهي تخفض وجهها: أنا كنت جايه أقولك إن الأكل قرب يبرد، بس إنت كنت بتتكلم عالموبايل. تبسم كارم وهو يقترب منها قائلاً: كنت بتكلم مع موظفة في المطعم بتقولي إن في حجز بكرة للمطعم من عميل مميز هيعمل حفلة عمل صغيرة. تبسمت همس وقالت له: ربنا يرزقك. اقترب كارم من همس لم يبقى بينهم سوى خطوة أو اثنتين. تبسم كارم وقال: ربنا يرزقنا إحنا الاتنين، إحنا شركاء في كل حاجة.
تبسمت همس وقبل أن ترد على كارم، فوجئت به يجذبها إليه وقام بتقبيلها قبلة عاشقة شغوفة. اخترقت مشاعر همس البريئة التي بدأت تتجاوب مع قبلته ببراءة وعدم خبرة. جذبها كارم معه إلى أن وصلا إلى الفراش. كانت مثل المغيبة بإرادتها، تريد قرب كارم وبنفس اللحظة تريد أن يبتعد عنها. هناك صراع بين القبول والرهبة التي كادت تتملك منها، لولا أن قال كارم: بحبك يا هاميس. قال هذا وسار بظهر يده على وجهها يتلمس بشرتها بحنو.
أغمضت همس عينيها ثم فتحتهم. نظرت لعين كارم التي تشع غرام لها. عاد كارم يقبل شفتاها ثم تركها وبدأ في تقبيل وجنتيها وكل شبر في وجهها. استسلمت همس لعاطفة كارم الذي بدأ يزيد في لمساته لها، يشعر بخجلها. همس رغم انتهاكها السابق، لكن ما زالت عذراء. تلك المشاعر التي تخوضها معه لأول مرة. امتلك كارم جسدها، بداخله سعيد. همس فقط عذرية جسدها سابقًا، لكن لم تفقد عذرية قلبها. كان هو الأول وهذا يكفيه. العذرية ليست تلك قطرات الدم فقط.
بينما همس في دوامة بعقلها تخشى أن تفيق على نفور كارم لها بعدما امتلك جسدها. خشيت أن تنظر لعينيه وترى اللوم أو النفور. هو حقًا يعلم حقيقة ما حدث لها من انتهاك، لكن... لكن ماذا...
فقدت التفكير. هي ضائعة خائفة أن تتلاقى عينيها مع عيني كارم. لكن هذا لم يظل كثير حين همس كارم باسمها. نظرت له وهي تحاول جاهدة ألا تتقابل عينيها مع عينيه وترى ما يجعلها تشعر بالدونية. لكن كارم كان يحمل خصال الفارس وعاد يقبلها إلى أن شعر بانقطاع نفسيهما. تحدث قائلاً: بحبك يا هاميس، قلبي بينبض لما بقول اسمك. كان لازم تعودي للحياة من تاني عشاني. تحدثت همس بشفاه مرتعشة ترسم بسمة ودمعة بعينيها حاولت كبتها:
كان نفسي تكون..... لم تُكمل همس قولها حين وضع كارم يده فوق شفتيها وقال لها: اللي كان نفسي فيه أخدته. إنتي أغلى شيء في حياتي يا همس. ما تبعديش عني تاني. خليني دايماً قريب منك. ردت همس: إنت كنت دايماً قريب مني يا كارم، ناسي إنك ابن عمي ومن دمي و،،،. قاطعها كارم: قوليها يا همس، حتى لو مرة عشاني. خجلت همس وقالت: إنت حبيب عمري يا كارم.
كانت كلمة بسيطة تخرج من شفتيها لكن كانت بداية طريق جديد يسيران به معًا وسط زخم الحياة. اقتنع كارم أن همس قد بدأت تستعيد نفسها وأصبحت جاهزة الآن لأي مواجهة قادمة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!