بعد مرور شهرين تقريباً، بعد منتصف الليل، في شقة هند. النوم جافى عيون هند، نيران الحقد تشتعل بقلبها. هي مهمشة في حياة قماح، لا وجود لها. حتى إن كان قماح يبيت أحياناً معها بالشقة، فهو يبقى بالغرفة الأخرى بعيداً عنها. لكن رغم يقينها أن قماح بأي لحظة قد يُنهي زواجهُ الصوري منها، لكن لا مانع من محاولة، حتى لو فاشلة. لن تخسر أكثر مما خسرت سابقاً، والآن عليها ركن كرامتها جانباً.
فتحت باب غرفة قماح، رأتهُ غارقاً بالنوم. كما تريد، تلاعب الشيطان برأسها، هذه فرصتها. ربما تنال وقتاً لطيفاً مع قماح الليلة، ربما هذه الليلة تتبدل معاملتهُ معها، وتأخذ حياتهم شكلها الطبيعي كزوج وزوجة.
لمعت عينيها برغبة وهي تنظر إلى قماح النائم شبه عارٍ، فقط بسروال على خصره. لم تلمع عينيها فقط، بل زاد خفقان قلبها. هي عاشقة له، وهذا ما جعلها تتحمل تهميشه لها الفترة الماضية. كل ما تريده بالحياة أن تعيش بقربه. لا يهمها إن كان قلبه وعقله مع أخرى تستحوذ عليه بهجرها له، وبذلك الصغير الذي أنجبته، تجعله يلهث خلفها.
اقتربت من الفراش وصعدت عليه. وضعت يديها على ظهر قماح النائم على بطنه، تسير بها صعوداً وهبوطاً بحركات تتفننها. في زواجهما السابق، كان لها أثر على قماح، وكان يسقط ببراثنها، أو ربما كان يستجيب بإرادته. بينما قماح شعر بيديها التي تسير على ظهره للحظات، غرق بذلك الحلم الذي يراوده أن سلسبيل آتت إليه وهي من تُمسد بيديها على ظهره.
استدار نائماً على ظهره ومازال مغمض العينين، لا يريد فتحهما، ويعلم أن كل ما يشعر به ليس سوى حلم. استسلم لحظات لذلك الحلم الذي يتمناه. قبلات هند المشتاقة، شعر بيديها تسير على صدره بتودد وحميمية. بين الغفوة والصحوة، يتحدث عقله. تلك لمسات وقبلات حقيقية، لكن عقله على يقين أنها ليست لمسات ولا قبلات سلسبيل.
بدأ يعود للواقع ويترك ذلك الحلم، وفتح عينيه. كما توقع، تفاجأ بنصف جسد هند فوق جسده، تتودد له بحميمية، تعتقد أنه بدأ يتجاوب معها. لكن فجأة، أمسك بإحدى يديها، وابتعد برأسه عن شفتيها هامساً: "هند." همست هند بآنين مشتاق: "قماح، أنا بحبك. خلينا نرجع زي قبل ما نطلق... أنا متأكدة إنك بتحبني. سلسبيل وأنت عايش فيه، هي بتتلاعب بمشاعرك، عشان تجري وراها."
ربما ما كان عليها ذكر سلسبيل، لكن أخطأت كالعادة حين تذكر سلسبيل بالوقت الخطأ. نفر قماح منها وأبعدها عنه للخلف، ونهض من على الفراش. شعرت هند بحسرة كبيرة في قلبها وازداد غيظها من سلسبيل، وتدمعت عينيها تحاول أن تنال رضا قماح. نزلت من على الفراش واقتربت من مكان قماح. حاولت حضنه. قائلة بتوسل:
"قماح، أنا بحبك. حبيتك من أول مرة شوفتك فيها عند بابا في الشونة بتاعته، وبعدها فرحت لما النصيب جمعنا، وكنت بموت بعد ما طلقتني. كان عندي دايماً أمل إنك هترجعني، وربنا حقق لي أملي. قماح، أنت رجعتني لعصمتك عشان بتحبني. سلسبيل عمرها ما هتحبك، دي بتستلذ بهجرها لك، بتحاول دايماً تسيطر على عقلك، لكن قلبك عارف مين حبيبه. حبيبة قلبك هي أنا يا قماح، بدليل إنك رجعتني تاني لذمتك. أنا متأكدة لو سلسبيل ما كانت حامل منك، يمكن كنت
طلقتها. قماح، أنا ما عنديش مانع سلسبيل تفضل على ذمتك عشان ابنك. أنا لما استسلمت لطلاقنا، وقتها علشان كنت بعالج عشان أخلف، بس الدكتور قال لي إن علاجي صعب، بس ما فيش حاجة مستحيلة، العلم كل ثانية بيتقدم. وحتى لو ما خلفتش، عندك ابنك من سلسبيل."
تعجب قماح من هراء هند. أجل، هراء. أي حب يحبه لها؟ حبيبة قلبه الوحيدة هي سلسبيل، من يشعر بنبضات قلبه وهي جواره. أخطأ بحقها كثيراً، أصبح يعلم ذلك. حين اقترب منها، خسرها بغطرسته وغبائه. أجل، غبائه. أين كان عقله حين كان يتعمد أذيتها سواء بالفعل أو القول؟
بدل أن يحتويها، كان يجافيها. ليجني الهجر بعد ذلك أمامه وبعيده عنه بإرادتها. لولا ذلك الطفل الذي مازال يجمعهما، لكانت أنهت كل ما يربطها به، ولم يكن ليمنعها فرد من العائلة. عاد قماح للخلف خطوة بعيداً عن هند قائلاً:
"هند، بلاش تعيشي نفسك في وهم، أنتي متأكدة أنه مش صحيح. أنا فعلاً بحب سلسبيل من قبل ما أتزوج المرة الأولانية. حاولت أدفن حبها وأعيش مع غيرها، ما قدرتش. هند، صدقيني، أنا غلطت في حقها من البداية. رجوعنا كان غلط مني، في لحظة غضب كان تسرع مني. هند، أنا مش عاوز أزود في جرحك أنتي كمان. بعترف إني غلطت في حقك لما رجعتك لذمتي تاني. هند، اللي رابطني بـ سلسبيل مش ابننا ولا إنها بنت عمي. أنا بحب سلسبيل هي كمان، ومن زمان. أنا غلطت في حقها كتير. هند، إحنا لازم ننفصل ودلوقتي."
صدمة، بل صاعقة في قلبها قتلتها. عقلها لا يستوعب. قماح أكد حبهُ لـ سلسبيل مرتين بهذا الحديث. سالت دموع هند. لو تذللت الآن لقماح، لن يمنعه ذلك من التراجع عن الطلاق، بل قد يصر عليه أكثر. تحدثت بدموع خادعة ورسمت الاستصعاب بجداره: "بس أنت لو طلقتني، هروح فين؟
بابا غضبان عليا من يوم ما رجعتني لذمتك تاني، هاجمني إزاي إن أعمل كده من وراه. حتى لما كان مريض وكنت بزوره، كان بيرفض يقابلني. ماما ونائل حاولوا يحننوا قلبه عليا بس أنت عارف قسوته. حتى رفض إني أرجع أشتغل معاه في الشونة من تاني. حتى رصيدي في البنك سحبه بالتوكيل اللي ما بينا. أرجوك يا قماح، بلاش تطلقني قبل ما أقدر أدبر حالي. أكيد ما ترضاش إني أعيش في الأوتيلات الرخيصة."
فكر قماح وسقط في خداع هند. هو بالنهاية مُخطئ في تلك الزيجة مثلها، وأخطأ في حق هند، ولديه مسؤولية اتجاهها الآن. حديثها بالفعل صحيح. تنهد قماح قائلاً: "تمام يا هند، متقلقيش. أكيد ما يرضينيش إنك تعيشي في الأوتيلات. هحاول أتكلم مع باباكي وأقنعه بموضوع طلاقنا. ولو فضل معاند، أوعدك أأمن لكِ شقة في مكان كويس تعيشي فيها، وشغل يناسبك." تنهدت هند بدموع ليست خادعة، بل دموع حسرة. ما بها سلسبيل حتى يُحبها قماح كل هذا الحب؟
لماذا لم يبادلها يومًا نصف هذا الحب؟ لكن غريب هو الحب، لا قوانين له. أومأت هند برأسها ولم تستطع الوقوف على ساقيها. ذهبت إلى الفراش وجلست عليه تستشعر خيبة أملها في قضاء ليلة تنعم بها بين حضن قماح. قماح الواقف أمامها لم يهتم لضعفها، بل زاد من جحيم قلبها حين قال: "أنا النوم راح من عيني، وكان عندي شوية ملفات على اللابتوب بتاعي عاوزه مراجعة، واللابتوب فوق في شقة سلسبيل. تصبحي على خير."
قال قماح هذا وأخذ قميصاً له يرتديه فوق البنطال وتركها تجلس على الفراش، بركان حقد يشتعل بقلبها. قماح لم يصعد لشقة سلسبيل من أجل العمل، بل من أجلها هي. سلسبيل هي العائق بينها وبين قماح، لو اختفت، قماح سيبقى لها. هكذا صور لها عقلها اليائس. بينما بشقة سلسبيل، قبل قليل. استيقظت سلسبيل على صوت بكاء صغيرها النائم جوارها. فتحت عينيها قائلة بنعاس: "قولي، أنت بتنام زي البشر الطبيعيين ليه؟ أنا يادوب لسه هنام."
ازداد الصغير في البكاء. نهضت سلسبيل جالسة على الفراش وجذبت الصغير وحملته قائلة: "ناصر بيه يدلع براحته ويزعج زي ما هو عاوز. طبعاً مش دلوع الحجة هداية." هدأ الصغير قليلاً. تبسمت له بحنان قائلة:
"اسم الحجة هداية هو طلسم السكوت بتاعك. على العموم، ترضع وزي الشاطر كده تنام تاني، وتسيبني أنا كمان أنام. والله أنا بشتغل ولازم أكون فايقة، عشان لو غلطت في الحسابات جدك ناصر والنبوي ممكن يخصموا من مرتبى ويسحبوا العربية من تحت إيدي، وأتبهدل في المواصلات."
تبسمت لصغيرها الذي التقم صدرها. بينما قماح صعد إلى الشقة. تعجب حين سمع صوت سلسبيل. ذهب إلى الغرفة، كان الباب مفتوحاً. دخل مباشرةً. تبسم وهو يرى سلسبيل تتحدث مع الصغير. دخل يقول: "واضح إن ناصر غاوي سهر." تبسمت سلسبيل له قائلة:
"لأ، غاوي تعب ليا مع ماما وجدتي طول اليوم مش بيتعبهم، لكن معايا مش بس غاوي سهر، لأ كمان عاوزني أشيله وهو نايم. بس ده كله بسبب دلع جدتي له طول ما هو معاها، شيلاه على رجلها حتى وهو نايم. إنما لو سابته ينام على السرير هيتعود، ماما بتقول لي كده." تبسم قماح واقترب من الفراش وجلس لجوارها، ينظر إلى ذلك المشاغب الصغير، الذي شبع، يبدو أنه للتو استيقظ ويريد اللعب، غير عابئ بتعب غيره.
مد قماح يديه يأخذه من سلسبيل، قبل وجنتيه قائلاً: "إحنا بعد نص الليل، مش ناوي تتعطف وتتلطف وتنام." يبدو أن الصغير لا يعجبه حديث قماح ويُصر على اللعب. قام بهبش وجه قماح بيديه الصغيرتين. تركت أظافره الرقيقة أثر، ربما لا يُرى بالعين، لكن ترك مكانه ألماً طفيفاً. تبسم قماح ويمسك يدي الصغير يتمعن في أظافره قائلاً: "دي ضوافر ولا مخالب." ببسمة ردت سلسبيل: "دي ضوافر ناعمة بس زي المخالب، بتسيب مكانها ألم."
ظل قماح وسلسبيل لوقت يمرحان مع ذلك الصغير، إلى أن تثاءب هو وأراد النوم. وضعاه بينهم على الفراش في المنتصف وغفيا جواره. نسيا الإثنان خلافاتهما قليلاً، مستمتعين بلحظات عائلية. بعد مرور عشرون يوماً، بمنزل سميحة. جلس محمد مع نظيم يستشيره ببعض أمور زفافه هو وسميحة، التي دخلت عليهما بصينية صغيرة وضعتها على طاولة بالغرفة قائلة:
"لأ، أنا مش عاوزه الحنة تبقى في قاعة كبيرة. أنا عاوزاها هنا على السطوح زي بقية بنات البلد. القاعة بتبقى كده تكتيفه وتدخل ناس منعرفهاش. هنا الحنة وسط حبايبنا وأهلنا." تبسم نظيم بتوافق قائلاً: "فعلاً، كنت لسه هقول كده. الحنة هنا في البيت تبقى على الضيق لحبايبنا، إنما الزفاف هو اللي يبقى في القاعة زي ما قلت." فكر محمد قائلاً: "تمام، أنا بس كنت بقترح القاعة عشان تساع المعازيم اللي هتيجي للحنة." ردت سميحة: "معازيم مين؟
أنتي ناوي تعزم بني سويف كلها على الحنة ولا إيه؟ إحنا نعزم أهلنا وحبايبنا القريبين مننا، والباقي يجوا القاعة يتعشوا في بوفيه الزفاف." ضحك محمد ونظيم الاثنان معاً. بينما نظرت لهما سميحة بتهكم قائلة: "هو أنتم مفكرين المعازيم بيروحوا القاعات دي عشان يتفرجوا على العرايس والعرسان؟ لأ، عشان البوفيه." ضحك محمد قائلاً:
"ما علينا، خلينا نتكلم عن كتب الكتاب. أنا اتفقت مع المأذون نكتب الكتاب ليلة الحنة. وده كان سبب لاقتراح الحنة في القاعة، بس طالما سميحة عاوزة كده، هي حرة." رد نظيم: "البيت مش ضيق، اطمن. نكتب الكتاب هنا في الشقة، والحنة والمعازيم على السطح زي ما سميحة عاوزة." تبسم محمد وقال: "تمام، نتكلم في الشبكة والمهر والمؤخر وقائمة العفش." رد نظيم:
"بص يا محمد، أنا يوم ما طلبت أيد سميحة وسألت عنك، عرفت إنك ابن ناس لهم سمعة طيبة، وافقت عشان كده مش عشان غني. المهر والمؤخر وقائمة العفش مش هما اللي هيجبروك تحترم أختي وتعاملها بما يرضي الله. إنما الشبكة مقدرش أتكلم فيها، دي تقدير منك ليها وأهي عندك. اتفق معاها. وإن كان عليا، هقول لك شبكة الخطوبة تكفي وتوفي." نظر محمد لـ سميحة، رأى بعينيها اقتناعاً بحديث نظيم، حتى أنها أومأت رأسها بموافقة على قول نظيم.
تبسم محمد قائلاً: "تمام، الحنة وكتب الكتاب زي ما حددت مع المأذون، بعد أسبوع من النهارده." بعد مرور أسبوع.
كانت حنة مميزة بطابع شعبي بسيط فوق سطح منزل سميحة. كانت النساء فوق سطح المنزل تغني الأغاني الشعبية والرقص البسيط. كانت هند وزهرة تشعران بالضجر وتنظران بدونية لتلك المظاهر التي من نظرهما بيئة. بينما كانت هدى وسلسبيل تجلسان تشعران بفرح. ربما هذه أول مرة يشاهدان تلك المظاهر البسيطة. رغم أن زواج سلسبيل كان يشبه تلك الحنة، لكن لم تكن تشعر بفرحة في قلبها وقتها. لكن اليوم، بداخل قلبها فرحة وازدادت وهي ترى جلوس جدتها وعلى ساقيها تضع صغيرها، تمسك يديه تجعله يصفق، وهو منسجم وسعيد وعيناه تراقب ما حوله، ينفض جسده بسعادة كأنه يشاركهم ويفهم ما يحدث.
بينما هدى شعرت بالعطش فجأة، نظرت حولها لا يوجد مياه. الموجود بعض أكواب الشربات، وهي تريد مياه. همست لـ سلسبيل: "أنا عطشانة قوي." نظرت سلسبيل حولها هي الأخرى وردت عليها: "ما فيش مياه هنا. خدي لك كوباية شربات تروي عطشك." ردت هدى: "لأ، أنا عاوزة مياه، مش شربات. هنزل لتحت أشرب وأرجع بسرعة."
تبسمت سلسبيل وهي تومئ برأسها لها. نزلت هدى إلى أسفل، وقفت أمام باب الشقة، رغم أنه مفتوح، لكن خجلت من الدخول ووقفت مترددة، حتى أنها طرقت على الباب قبل أن تحسم أمرها وتدخل إلى الشقة. وقفت بالردهة، تنظر حولها بأي اتجاه هو المطبخ كي تذهب إليه وتستقي المياه.
في ذلك الوقت، خرج نظيم من إحدى الغرف بيده الهاتف يرن. حين رأى هدى شعر بسعادة في قلبه، فهي منذ امتحانات نهاية العام لم يرها. أغلق رنين الهاتف وذهب إلى مكان وقوفها قائلاً: "أهلاً يا هداية. أعتقد دي أول مرة تشرفي بيتنا البسيط المتواضع." ردت هدى: "فعلاً، أول مرة." ابتسم نظيم قائلاً: "بس الحنة فوق عالسطح مش هنا." ردت هدى:
"عارفة، أنا كنت معاهم بس حسيت بعطش وما فيش غير شربات، وأنا عاوزة مياه، قلت أنزل أشرب وأطلع تاني، بس أنا مش عارفة فين المطبخ." ابتسم نظيم قائلاً: "ثواني. هجيب لك مياه من المطبخ." وقفت هدى تنتظر عودة نظيم. بعد لحظات بزجاجة مياه، وأعطاها لها قائلاً: "على فكرة، مياه معدنية." نظرت له هدى قائلة: "وأنا كنت سألتك معدنية ولا لأ؟ عادي، المهم أن الإزازة ميتها نضيفة. أنا هاخد الإزازة وأطلع بيها للحنة من تاني."
كادت هدى أن تغادر، لكن بسرعة أمسك نظيم يدها قائلاً: "هداية، ممكن دقيقة لو سمحتي." تضايقت هدى ونفضت يده عن يدها، وكادت تتهجم عليه لولا أنه اعتذر منها قائلاً بذوق: "آسف، بس كنت عاوز أسألك، فتحتي الملف." تقبلت هدى آسفه وكانت تناست ذلك الملف، قائلة بسؤال: "ملف إيه؟ رد نظيم: "الملف اللي كان على اللابتوب بتاع أختك." ردت هدى بتذكر:
"آه، تصدق أنا كنت نسيته. اتشغلت في ولادة سلسبيل وبعدها جت فترة امتحاناتي وبعدها قلت أفصل شوية. بس أكيد هرجع أحاول فتحه، ولو معرفتش هفيرس الجهاز." تبسم نظيم قائلاً: "لو احتجتي مساعدة، أنا جاهز في أي وقت." ردت هدى ببسمتها قائلة: "تمام، لو حاجة وقفت قدامي هطلب مساعدتك."
قالت هدى هذا وغادرت. بينما تنهد نظيم بشوق. ولم يرَ ناصر الذي رأى وقوف هدى مع نظيم وإمساكه ليدها. وتبسم حين نفضت هدى يده عنها. كذلك لاحظ بسمة هدى لـ نظيم بنهاية حديثها معه. لولا أن لديه خلفية بأخلاق نظيم، ربما كان له رد فعل آخر معه. وهو لديه ثقة كبيرة في هدى، يعلم أنها لا تسمح بأي تجاوز في التعامل معها. مرت ليلة الحنة بهدوء وسعادة رغم بساطتها. في اليوم التالي. بدار العراب، عصراً. دخلت فتحية إلى غرفة هداية مبتسمة تقول:
"أنا رتبت هدوم سميحة في الدولاب، وكمان حطيت لهم العشا في المطبخ." تبسمت هداية قائلة: "ربنا يهدي سرهم ويفرح قلوبهم ببعض." تبسمت فتحية وقالت لـ هداية: "سميحة والله مش عشان بنتي، بقول كده. هي بس مهفوفة شوية في عقلها، وأنتي كبيرة الدار توعيها." تبسمت هداية قائلة: "سميحة زينة البنات، واطمئني يا فتحية. هي دخلت قلبي من يوم ما دخلت دارك عشان أخطبها لـ محمد. وهي بجت كونها بكون حفيدي، ونفس المعزة كمان." تبسمت فتحية قائلة:
"ده العشم من الحجة هداية. مفتاح الشقة أهو." ردت هداية قائلة: "خليه معاكي، وابقي اديه لـ سميحة. أنتي مش هتيجي مع بنتك من القاعة لأهنه تاني، خلاص ابقي أديه لها. ده مفتاح شقتها وهي حرة فيه." تبسمت فتحية تهمس لنفسها:
"والله ما أعرف سميحة بنتي عملت طيب ميت مرة عشان توقع في ست زي هداية. طيبة وحنينة. لو آخرة غيرها ربما كانت حسستها بالدونيه حين قالت لها أنها وضعت الطعام البسيط التي أتت به من منزلها للعروس، كانت قالت لها أن المنزل ملئ بالخيرات، لكن هداية لم تُعقب على الأمر، حتى لا تُشعر فتحية أنها أقل مستوى منهم. حقاً، كما يقولون، في النسب يُلغى المقام. أصبح الاثنان بمقام بعضهما، لا هذا عالٍ ولا هذا دانٍ. العشرة الطيبة هي أعلى مقاماً."
ليلاً. نزلت سلسبيل بذلك الصغير ودخلت إلى غرفة هداية. تبسمت هداية تفتح ذراعيها قائلة بمداعبة: "حبيب قلبي، اتوحشتك من الصبح. جاعد فوق مع سلسبيل." تبسمت سلسبيل قائلة: "كنا أنا وهدى بنجهز عشان الزفاف، حتى هدى سبقتني مع بابا وراحت للقاعة، وأنا هروح بعربيتي، وهسيب ناصر مع حضرتك، يارب ميغلبكيش." حملت هداية الصغير وقبلت خدهُ قائلة:
"لأ، اطمني على ناصر. إمعاي ده هيسليني. أنا ست كبيرة وماليش في القاعات بتاع الأفراح دي، ظهري ميتحملش أقعد المدة دي كلها من غير ما أفرده على السرير، وناصر هادي." نظرت سلسبيل نحو ناصر وتبسمت بتهكم قائلة: "ناصر هادي؟ قصدك ناصر تاني غير اللي معاكي ده، ده بيسهرني معاه لنص الليل وينام ساعة وعاوز يصحى يكمل سهر." ضحكت هداية وهي تقبل الصغير قائلة: "هو في أهدى من ناصر؟ تلاقيها أنتِ اللي عاوزة تسهرى وبتتحججي بـ ناصر."
ضحك قماح الذي دخل إلى الغرفة قائلاً: "فعلاً كلام سلسبيل صحيح يا جدتي، ناصر شقي وكمان ضوافره محتاجة قص بيخربش، بشد شعر سلسبيل." ضحكت هداية قائلة: "أنتم هتطلعوا للواد سمعة مش زينة ولا إيه؟ ناصر ده ملاك صغير." ضحكت سلسبيل قائلة: "الوقت خلاص، زمان محمد خد عروسته للقاعة، أنا اتأخرت بسبب ناصر." تبسمت هداية قائلة: "طالما قماح لسه هنا، بلاش تاخدي عربيتك وروحي إمعاه بعربيته." ردت سلسبيل:
"بس يمكن قماح هياخد حد تاني معاه، هروح بعربيتي." رد قماح: "لأ، محدش هيبقى معايا. وبقول كفاية كده، خلينا نروح سوا القاعة." كانت سلسبيل ستعترض، لكن قالت هداية: "فعلاً، الكل مشى من بدري. يلا روحي مع قماح واطمني على ناصر، متحمليش همهُ." وافقت سلسبيل حديث هداية قائلة: "أنا مش بحمل هم ناصر، هو بيحبك أكتر مني." تبسمت هداية قائلة:
"وناصر الصغير له معزة تانية غير الكل عندي. كفاية إنه بيحمل دم العراب من الجهتين. وبلاها حديث كتير، يلا طريج السلامة." سارت سلسبيل جوار قماح وتركوا هداية تنظر في أثرهما، تدعو لهما بنيل السعادة والهناء مع بعضهما، كما يستحقان. بعد قليل، بقاعة الزفاف.
كانت سميحة متألقة بردائها الأبيض، تُشبه تلك الحوريات التي تُذكر في حواديت الخيال. كذلك محمد، أحد الأمراء. أشار بيده نحو سلسبيل، التي صعدت إلى منصة العرس، أعطته تلك العلبة المخملية وعادت تجلس مكانها. بينما أخذ محمد تلك العلبة وقام بفتحها وإخراج ما بها من محتويات قيمة. نظرت سميحة إلى تلك المحتويات، ثم نظرت إلى محمد نظرة عدم رضا. قام محمد بتلبيس سميحة طقماً من الذهب الأبيض المرصع ببعض فصوص الألماس، هامساً في أذنها:
"ده هدية العريس للعروسة، يا ثموحتي، خلاص بقيتي مراتي." همست له سميحة قائلة بتهكم: "مراتك، مراتك وجايب لي هدية فالصو؟ وبتلبسهالي قدام المعازيم كمان؟ طب انكسف." انصعق محمد قائلاً: "انكسف؟ وفالصو؟ ده دهب أبيض وفيه بعض فصوص الألماس." تهكمت سميحة قائلة: "وماله الدهب الأصفر كان اشتكالك؟ وايه ده؟ عقد وإنسيال وخاتم، وحلق حتى ملبستوش بسبب الحجاب. مالها الغوايش والسلاسل؟
حتى كنت أمشي أسمع صوت رنهم في بعض كده لما أهز إيدي وصدرى." رسم محمد بسمة مكر قائلاً: "طب ما تسيبك من الطقم الفالصو ده و قومي نهز شوية على المسرح نفك الفرح ده. أنا حاسس إني رجليا وقفت من القعدة هنا." ردت سميحة: "ومين سمعك؟ بس أنا مش بعرف أهز، قوم اهز إنت، أنا مش بحب جلّع البنات الماسخ ده." انصعق محمد قائلاً: "هي جدتي جت لهنا القاعة ولا إيه؟ ولا روح الحجة هداية لبستك." نظرت له سميحة بسخط قائلة:
"لأ، بس مش بيقولوا من رقص نقص." همس محمد لنفسه قائلاً: "لأ، أنا اللي لو جادلتك الليلة هينقص عمري." ثم نظر لها وقال: "فعلاً يا روحي، أنا هصقف، بس يا ترى التصقيف مش ناقص برضوا." ردت سميحة: "لأ عاد، صقف. أنا هصقف أنا كمان. بس عارف لو لمحتك بتبص للغازية هخلع عنيك." رد محمد: "حبيبتي، إحنا في قاعة محترمة، مين اللي قالك إن في غازية هنا في القاعة." نظرت سميحة لـ محمد قائلة:
"حتى الغازية استخسرتها فيا، زي ما قالت لي، استر الأغنية بخله، جايب لي دهب فالصو ومفيش غازية كمان." نهض محمد قائلاً: "ومفيش عريس كمان؟ خليكي قاعدة لوحدك في الكوشة وأنا هرقص لوحدي." نظرت له سميحة قائلة: "ناقص." بالقاعة.
كان قماح يجلس بالمقابل لـ سلسبيل. كان يشعر بالغيرة وهو يرى ذلك الغبي نائل الذي لا يعلم من الذي دعاه لحضور الزفاف. استغل نهوض سلسبيل حين ذهبت لمحمد ثم عادت وذهب للجلوس بمقعد خالٍ جوارها، يحاول تجاذب الحديث معها، لكن هي لا تعطيه اهتمام. مع ذلك، يشعر بالضيق منه. ودخلت عيناه. حاول التحكم في نفسه لكن فلت الأمر منه غصباً. نهض من مكانه وذهب إلى خلف سلسبيل وانحنى عليها هامساً: "قومي معايا نطلع على المسرح نبارك لمحمد وسميحة."
ردت سلسبيل: "لسه الفرح في نصه، وأنا لسه جاية من عنده على المسرح." رد قماح: "قومي معايا يا سلسبيل." ردت سلسبيل: "لو عاوز تباركله روح لوحدك أو خد هند معاك." مسك قماح عضد سلسبيل قائلاً: "قومي معايا يا سلسبيل وبلاش اعتراض، ولا عاجبك زفت نائل."
نهضت سلسبيل مع قماح رغم غيظها من طريقة حديثه. لكن جذبها قماح من يدها ولم يذهبا إلى منصة العرس كما قال لها، بل تفاجأت به يسحبها إلى السير معه إلى خارج القاعة. ويذهب إلى الاستقبال الخاص بذلك الفندق الملحق به قاعة العرس. وقبل أن تسأل، وجدته يأخذ كارت ذكي خاص بفتح غرفة بالفندق. تعجبت سلسبيل وهي تسير جوار قماح إلى أن ذهبوا إلى مصعد كهربائي بالفندق. نفضت يد قماح قائلة: "إنت واخدني ورايح فين؟
الفرح لسه مخلصش، خلينا نرجع للقاعة من تاني." رد قماح: "سلسبيل، بلاش فضايح وامشي معايا. ولا عاجبك نظرات نائل وكنتي بتضحكي على إيه قاله لكِ." ردت سلسبيل: "أوعى لكلامك، نظرات نائل مالها؟ نظرات عادية، وأنا ببتسم إحنا في فرح مش عزا. ولا هو الضحك حُرِم." صمت قماح بتوعد. بينما قالت سلسبيل: "خلينا نرجع للقاعة تاني." صمت قماح، إلى أن توقف المصعد، جذب سلسبيل من يدها قائلاً: "إحنا مش هنرجع للقاعة تاني."
قال قماح هذا وجذب سلسبيل للسير معه إلى أن وضع ذالك الكارت الذي بمكانه المخصص بباب أحد الغرف، وفتحه قائلاً: "ادخلي يا سلسبيل." وقفت سلسبيل بعناد ولم تدخل. جذبها قماح بقوة ودخلا إلى الغرفة، ثم أغلق خلفه الباب. استدارت سلسبيل تقول بحده: "قولي، جبتنا هنا ليه؟ ليه سيبنا قاعة الفرح." لم يرد قماح، مما عصب سلسبيل، التي قالت: "تمام، طالما مش عارف ترد يبقى خلينا نرجع للقاعة."
قالت سلسبيل هذا وحاولت التوجه ناحية باب الغرفة، لكن قماح جذبها بقوة لتلتحم بصدره. شعر بنبضات قلبها العالية، وشفتيها التي كادت تتحدث لولا أن قام بالتقامها بين شفتيه يُقبلها بعشق جار.
تفاجأت سلسبيل بتلك القبلات في البداية، لكن قماح جعلها تمتثل له لبعض الوقت، تشعر بشوق وتوق هي الأخرى لتلك القبلات. لكن جاء إلى خيالها فجأة رؤية هند تمسك سكين عليها قطرات دماء. أغمضت سلسبيل عينيها وشعرت برجفة في قلبها. لكن نفضت عن رأسها وسرعان ما فاقت سلسبيل من سطوة تلك القُبلات قائلة بلهث: "إبعد عني يا قماح، كفاية."
لم تقول هذا فقط، بل قامت بدفعه بيديها كي ينهض عنها. أما هو، مسلوب المشاعر، كل ما يريده الآن هي. هي فقط يريد أن يتنفس أنفاسها مختلطة مع أنفاسه. لكن سلسبيل دفعته بقوة. رفع رأسه ونظر لـ سلسبيل، التي تحيد بنظرها عنه. لا تريد أن تتلاقى عيناها مع عينيه، تعلم أنها ستضعف وقتها وتُسلم له. رفع قماح جسده عن سلسبيل. نهضت مسرعة تُلملم ليس فقط ثيابها، بل تُلملم شتات نفسها. تحدثت بجمود أجادته:
"مالوش لازمة نفضل في الأوتيل، خلينا نرجع لـ دار العراب." رد قماح ببرود: "مش هنمشي من هنا قبل ما نتكلم مع بعض يا سلسبيل." تهكمت سلسبيل قائلة: "نتكلم في إيه؟ ومن امتى كان بينا كلام؟ كل اللي كان بينا أوامرك اللي كان لازم تتنفذ حتى من قبل ما أبقى مراتك. أنا
سمعتك وانت بتقول لبابا: بلاش سلسبيل تدخل كلية الفنون الجميلة في أسوان، أسوان بعيدة عنا وأكيد هتسكن هناك وهتبقى بعيدة عن عنيك وممكن حد يحاول يلفت نظرها لما يعرف هي بنت مين. قول لي أنا بنت مين يا قماح؟
بنت العراب. اسم العراب مش شفع لي عندك وعاملتني أسوأ معاملة من أول ليلة اتجوزتني فيها. طول الوقت كنت بتجنبك رغم إني حاسة بنظراتك ليا اللي كانت بتحسسني إني واقفة عريانة قدامك. ساعات كان بيدخل لقلبي الفرحة لما بتبتسم لي بالغلط. حتى دراستي إنت اللي اخترتها، رغم إنك عارف إني مش بحب المحاسبة ولا الأرقام، بس كنت متوقع إني أفشل في الجامعة، بس خيبت ظنك. حتى لما كنت بتتجوز واحدة ورا التانية، كنت بقول أحسن ده الأفضل وكنت بتمنى
لك السعادة. حتى لما حصل واتجوزتني، كنت بتستخسر ترد علي كلمة صباح الخير. كنت بتحمل وأقول أكيد مع الوقت حياتنا هتتعدل ونبقى زي أي اتنين متجوزين، مش هقول بينهم حب وكلام فارغ زي ما ده اعتقادك عن الجواز، كنت بتمنى بس بينا تفاهم. حتى لما كنت بطلب الطلاق، كان نفسي تضميني في حضنك وتعتذر عن قسوتك. كان نفسي تقولي إيه اللي واجعك، وبتحاول تخفيه خلف قسوتك دي. لكن إزاي قماح العراب يسيب العنجهية لمين؟
وبدل ما تعتذر عن غلطك فيا، وتحكمك الزايد والشك إني باخد مانع حمل من وراك. ولا آخرة المتمة داخل عليا بضرة قدام العيلة كلها، حسيت أنا اتوجعت قد إيه. كفاية يا قماح إن كنت ساكتة، فده عشان ابني بس أنا مش عاوزاه يطلع معقد زيك، بسبب انفصالنا اللي كان هيبقى محتوم مع الوقت. قلت خلاص كده أنا جربت نصيبي، وابني يستحق أدوس على قلبي عشانه وأبقى زوجة وهمية لك قدام الناس." كانت سلسبيل تتحدث، تسيل دموعها دون إرادة منها.
ذهل قماح من تلك الدموع التي سالت من عين سلسبيل لأول مرة تذرفها أمامه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!