الفصل 37 | من 41 فصل

رواية عش العراب الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم سعاد محمد سلامه

المشاهدات
19
كلمة
7,697
وقت القراءة
39 د
التقدم في الرواية 90%
حجم الخط: 18

بمركز خاص لعلاج الإدمان، تعذب قلب النبوي إلى ما وصل إليه رباح، الذي يراه يصرخ من خلف ذلك الزجاج الموضوع بالغرفة. يضع يديه على رأسه ويتحدث، يتوسل أن يدخل إليه أحدًا يعطيه أي مسكن يخدر ألم رأسه الذي يشعر أن رأسه تكاد تنفجر من شدة الألم، كان يضرب رأسه بحوائط الغرفة. تدمعت عين النبوي وهو ينظر للطبيب قائلاً: حاول تساعده بأي مسكن. رد الطبيب:

مقدرش أديه أي علاج يسكن الألم ده، أبقى بكده بضره، لازم مفعول الدوا يطلع من جسمه، هي نوبة هيجان ولما هيشعر بالإنهاك هيهدى بعدها. وخلاص نوبة الهيجان تقريباً خلصت وجسمه هيسترخي. تدمعت عين النبوي لائمًا نفسه، أين كان وابنه يغرق في ذلك الطوفان، لكن لم يفت الوقت، رباح سيتعالج ويعود أفضل، لن يتركه مرة أخرى لأحد غيره يسمم أفكاره. *** بمنزل والد زهرت.

اجتمع الناس على صريخ عطيات، ومنهم من كسر باب المنزل ودخل مباشرة إلى الغرفة التي يأتي منها الصريخ. دُهشوا حين وجدوا قدرية ممدة على الفراش عينيها جاحظتين، وعطيات تصرخ وتنوح، بتمثيل. البعض منهم شك في الأمر بسبب جحوظ عيني قدرية الواضح، والبعض حاول تهدئة عطيات التي امثلت لهن سريعاً وقالت بصعوبة: دخلت عليها أصحيها لما استغبتها لقيتها متمددة كده، جسمي ساب مني.

البعض صدق الكذبة وقامت إحداهن بتلثيم جثمان قدرية ووضعت وشاحًا أبيض يخفي جحوظ عينيها، وقالت إحداهن: لازم نبعت خبر لدار العراب، لازم ولادها يعرفوا إن أمهم ماتت لوحدها، لا حول ولا قوة إلا بالله. بالفعل وصل الخبر لدار العراب واستقبلته سميحة، التي بدورها اتصلت على محمد ولم تخبره أن والدته قد توفيت، بل قالت له أنها مريضة. ما هي إلا دقائق وكان محمد يدخل بطبيب معه. حين رأت عطيات الطبيب مع محمد ارتاعت من الخوف وقالت:

مالوش لازمة الدكتور، عمتي قدرية في ذمة الله، ربنا يحسن ختامها. صُدم محمد قائلاً: مستحيل، فين ماما؟ وسع خلي الدكتور يدخل يكشف عليها. قال محمد هذا وأبعد عطيات عن الباب، ودخل ومعه الطبيب وخلفهم سميحة التي تبكي. ربما لم تعاملها يومًا بمحبة، لكن طبيعة القلوب تتغلب على المشاعر في هذا الوقت.

صُدم محمد وهو يرى جسد والدته مربوطًا بمجموعة أربطة، كذلك عينيها. أيقن أن ما يقولونه صحيح، والدته توفيت. حتى الطبيب الذي اقترب منها ووضع يده على عرقها النابض أكد ذلك، لكن رأى علامة تلك الأصابع، فقام بإزالة الوشاح عن عين قدرية قائلاً: أنا مقدرش أطلع تصريح بالدفنة، أنا عندي شك كبير إن الوفاة مش طبيعية، جحوظ العين وكمان فيه علامات صوابع على رقبتها. ارتعشت عطيات برجفة قائلة: قصدك إيه يا دكتور، حد قتلها. رد الطبيب:

وارد جدًا، متأسف، لازم أبلغ الطب الشرعي. ذهل محمد وسميحة وهما ينظران إلى عطيات التي قالت بهستيريا: والله ما لمستها، أنا دخلت أصحيها لما بقينا بعد الضهر.

بينما عطيات ترتجف، فهي تعلم أنها كاذبة. هي حين عادت بالأمس ودخلت إلى المنزل تفاجأت بقدرية ممدة على الأرض، تنام وجهها مدفوسًا بالسجادة. ظنت أنها ربما مرضت فجأة، فأسرت إليها وقلبتها على وجهها لتتفاجأ بعينيها الجاحظتين. كادت تصرخ لكن انكتف صوتها خوفًا أن يتهمها الناس بقتلها، فالحال أتى إليها فكرة. قامت بسحب قدرية إلى أن أدخلتها إلى غرفتها بعد عناء، ثم وضعت على فراشها وقامت بتغطية جسدها. وذهبت إلى الصالة وعدلت كل شيء وهي تفكر فيمن فعل ذلك بعطيات. أتكون انتحرت؟

هكذا ظنت في البداية، لكن تذكرت أن زهرت كانت ستأتي إلى المنزل، ربما تشاجرت مع قدرية بالفعل، هذا هو التفسير المنطقي، وأكد ذلك فردة ذلك الحلق التي وجدتها على الأرض. ماذا تفعل الآن؟ اهتدى عقلها لافتعال تلك القصة أن قدرية ماتت وهي نائمة. لكن كما يقولون، لا فرار من العقاب. طاوع محمد الطبيب وأراد معرفة سبب موت والدته، أهو قدر أم جناية. *** بالشقة الموجودة فيها سلسبيل.

وقفت تنظر لقماح متعجبة وهو ينهي حديثه على الهاتف، يبتسم هو الآخر وهو يضع هاتفه بجيبه. ولم ينتظر كثيرًا وقام بجذب سلسبيل من خصرها يضمها لصدره هامسًا جوار أذنها: برائتك ظهرت يا سلسبيل. عادت سلسبيل برأسها للخلف تنظر لوجه قماح المبتسم، وقبل أن تتساءل جاوب قماح: خلينا نروح النيابة وبلاش نتأخر، وكيل النيابة في انتظارنا. ردت سلسبيل بتعجب: أنا مش فاهمة حاجة يا قماح! برائتي ظهرت إزاي، ووكيل النيابة إزاي بيكلمك بالبساطة دي!

وضع قماح يديه حول وجه سلسبيل، قائلاً: بلاش أسئلة كتير، ادخلي غيري هدومك دي وخلينا نروح النيابة، وقتها هتلاقي الرد على أسئلتك كلها. قال قماح هذا ونظر لوجه سلسبيل المشدوه وحاول المزح قائلاً: ولا عاوزاني أساعدك في تغيير هدومك. نظرت له سلسبيل قائلة: لأ، هدخل أغير هدومي ونروح النيابة، عندي فضول أعرف عملت إيه وإزاي برائتي ظهرت بالسرعة دي. جذبها قماح إليه بقوة وقام بتقبيل شفاها بروية، ثم ترك شفاها هامسًا:

أنا بقول تروحي تغيري هدومك عالسريع قبل ما نلاقي النائب العام طابب علينا هنا، لأن بسهولة ممكن يحدد العنوان من إشارة الموبايل. *** بالمشفى. دخل الطبيب سريعًا إلى داخل الغرفة الموجودة بها نهلة. نهض ناصر ونظيم بخضة ودخلا إلى الغرفة خلف الطبيب. برجفة، لكن تفاجأ الاثنان بـ نهلة تفتح عينيها. تبسم ناصر بلهفة واقترب منها ينظر إلى عينيها الواهنة. سمع قولها الهامس: همس، سلسبيل هدى. تبسم لها بينما قال الطبيب ببسمة:

أهلاً برجوعك مرة ثانية يا مدام. لم ترد نهلة على الطبيب، عينيها مُنصبتان تنتظر جواب ناصر أن يخبرها عن سلسبيل ما يشرح صدرها. بينما أكمل الطبيب حديثه: المدام هتتنقل لغرفة عادية بس ممنوع الإزعاج، ياريت الزيارات تبقى خفيفة وبلاش يبقى فيه زحام في الأوضة. ومرة ثانية حمد الله على السلامة يا مدام. سيد ناصر ممكن لو سمحت تيجي معايا مكتبي لدقائق على ما ينقلوا المدام لأوضة عادية. بعد قليل.

وقف نظيم أمام أحد الغرف المجهزة. بيدُه الهاتف ينظر له حائرًا، أيتصل على هدى يبشرها أن والدتها قد فاقت، أم ينتظر أن يتصل عليها والدها ويخبرها. ظل حائرًا. لكن شعر بيد توضع على كتفه من الخلف. استدار ليرى ناصر. يبتسم ناصر قائلاً: أنا كنت في مكتب الدكتور المتابع لحالة نهلة وقال لي إن حالة نهلة الحمد لله شبه مستقرة وزمانهم خلصوا نقلها لغرفة عادية. شكراً لوقفتك معايا يا نظيم. رد نظيم:

الحمد لله، ربنا يتمم شفاها على خير، وأنا مستحقش الشكر، أنا معملتش حاجة، جميلك سابق عليا. وأنا من يوم سميحة أختي ما اتجوزت من محمد أنا بعتبر أي فرد من عيلة العراب من أهلي وله حق عليا. تبسم ناصر له قائلاً بحبور وإعجاب: اتصل على هدى يا نظيم وبشرها إن نهلة فاقت وقولها تيجي وتجيب همس معاها. لمعت عين نظيم وأومأ له برأسه قائلاً بربكة: حاضر، هطلع أتصل عليها من الجنينة عشان الدكتور قال بلاش إزعاج، وكمان هكلم ماما أطمن عليها.

بينما في نفس الوقت قبل أن يرد ناصر عليه، أتى إليه اتصال هاتفي. نظر لشاشة الهاتف قائلاً: ده قماح، هرد عليه، وأنت اطلع للجنينة كلم هدى، وسلم لي على مامتك. رد ناصر على قماح واستمع لما قاله له وانشرح قلبه قائلاً: الحمد لله إن براءة سلسبيل ظهرت، ونهلة كمان الحمد لله فاقت. بعد لحظات. بغرفة خاصة بالمشفى. خرجت الممرضة بعد أن أعطت لـ نهلة بعض الأدوية. تبسم ناصر وهو يدخل إلى الغرفة واقترب من فراش نهلة. نظرت له نهلة قائلة:

سلسبيل. رد ناصر ببسمة: اطمني يا نهلة، لسه قافل الموبايل مع قماح وقال لي إن سلسبيل براءتها ظهرت وهيعملوا إجراءات خروجها من النيابة. تنفست نهلة وتنهدت براحة قائلة: الحمد لله. جلس ناصر على الفراش وانحنى يُقبل يد نهلة قائلاً بعتاب:

كده يا نهلة تخضيني عليكي، قلبي كان هيوقف لما شوفتك وقعتي من طولك، مكنش لازم أسمع كلامك لما كنتِ بتقولي أنا كويسة، كان لازم أسمع لكلام البنات لما كانوا بيقولولي ماما محتاجة فحص طبي. صعب عليا أشوفك راقدة هنا و.... قطعت نهلة حديثه قائلة: طول عمري ضعيفة، مش جديدة عليا يا ناصر. ضم ناصر يد نهلة قائلاً: عمرك ما كنتِ في نظري ضعيفة يا نهلة، بالعكس أنا كنت بستمد قوتي منك. *** بدار العراب.

لم تستطع هدى النوم وهي تفكر فيما وصلت إليه حياتهم وشعرت بالسُهد من أول الليل. وكاد يأخذها الفكر إلى توقع الأسوأ، فقررت العبث بحاسوب حماد ربما تستطيع الوصول إلى فتح ذلك الملف. سطع النهار عليها وهي جالسة على الفراش لم تدرِ بالوقت. تنهدت بنرفزة قائلة:

إيه هو الملف مش عاوز يفتح ليه، الغبي حماد عامل عليه طلسم من الجان. بكده مبقاش قدامي طريقة غير إني أطلب مساعدة نظيم، أكيد هو عنده خبرة أكتر، ممكن كثر المحاولات تتلف محتوى الملف. في ذلك الوقت صدح هاتفها برنين.

للحظة انخضت وخشيت أن ترى من المتصل عليها. استجمعت قوتها وفتحت الهاتف، رأت اسم نظيم. خفق قلبها بإحساسين. الإحساس الأول اللهفة، والإحساس الثاني والأصعب، التوجس خائفة أن ترد عليه تسمع ما يزيد من قلقها على والدتها. لكن تملكت نفسها وقامت بالرد لتسمع: عمي ناصر قالي أتصل عليكي أقولك إن مامتك فاقت من الغيبوبة وكمان قولي لهمس وهاتيها معاكي لهنا بسرعة. نهضت هدى من على الفراش قائلة بفرحة عارمة: مسافة السكة، شكرًا يا نظيم.

نزلت هدى مسرعة إلى شقة عمها النبوي، وقامت برنين الجرس كثيرًا. فتح لها كارم. قالت له بتسرع وفرحة: فين همس، عاوزة أقولها إن ماما فاقت. تنهد كارم ببسمة: الحمد لله. ردت همس من خلف كارم بسعادة بالغة: الحمد لله، هدخل أغير هدومي ونروح لها سوا، وإنتِ كمان اطلعِ غيري هدومك، ولا هتروحي المستشفى بيجامة السناجب دي.

نظرت هدى لنفسها وشعرت بالخجل من كارم، هي حقًا نائمة محتشمة لا تصف ولا تشف، كما أنها تربط رأسها بوشاح بطريقة عشوائية لكن يُخفي شعرها. هربت سريعًا دون حديث. ضحكت همس، وكذلك كارم الذي قال: هنزل آخد المفاتيح من السواق عشان أنا اللي هوصلكم. تبسمت له همس وهي تشعر بريبة وترقب في رد فعل نهلة حين تراها أمامها وقالت له: تفتكر رد فعل ماما هيكون إيه لما تلاقيني قدامها لسه عايشة. ضم كارم همس قائلاً:

رد فعلها هتحس إن روحها رجعت لها تاني وهتقول... ها قد عادت هاميس مرة أخرى. تبسمت همس على طريقة حديث كارم المازحة. فبأصعب الأوقات مزحة قد تعطي أملًا. *** قبل قليل بمبنى النيابة العامة. جلست سلسبيل أمام وكيل النيابة ومعهم بالغرفة المحامي الخاص بـ سلسبيل. تبسم وكيل النيابة قائلاً:

مبروك يا مدام سلسبيل، برائتك ظهرت، دي أسرع براءة تظهر، بس طبعًا هروبك هو اللي سهل علينا طريق الوصول للحقيقة، بس ميمنعش إن قماح بيه اخترق القانون لما هربك. ابتلعت سلسبيل ريقها قائلة: ممكن أعرف إزاي ظهرت برائتي؟ رد النائب: تمام، هقولك مختصر. فلاش باك. بعد أن أمر وكيل النيابة بتحويل سلسبيل إلى سجن على ذمة القضية. طلب قماح الدخول إليه. وافق وكيل النيابة على مقابلته.

دخل قماح إلى غرفة وكيل النيابة يصافحهُ معرفًا نفسه قائلاً بشكر: أنا قماح العراب، بشكر لطفك إنك وافقت تقابلني. صافحهُ وكيل النيابة بلطف: مفيش داعي للشكر، أكيد مش طالب مقابلتي عشان تشكرني إني أمرت بحبس زوجتك، كده ممكن أفهم غلط. رد قماح:

لأ، أنا طلبت مقابلتك عشان إنت الوحيد اللي تقدر تساعدني أثبت براءة مراتي من تهمة مدبرة ليها، طبعًا إنت عارف إن القتيل يبقى شقيق طليقتي والمتهمة هي زوجتي، وهي قالت في التحقيقات إن طليقتي بعتت لها رسائل تستغيث بها تساعدها وده مثبت في التحقيقات، غير أكيد حصل تعقب لرسائل موبايلها وفعلاً الرسائل أثبت إرسالها من طرف موبايل طليقتي، يعني فعلاً زوجتي كان وجودها في الشقة اللي اتقتل فيها شقيق طليقتي طبيعي إنها رايحة لمساعدتها.

رد وكيل النيابة: للأسف مدام هند أنكرت إنها هي اللي بعتت الرسائل دي لأن موبايلها كان ضاع منها، حتى قدمت مستند يثبت كده، ده بلاغ منها محرر من كذا يوم إن موبايلها مفقود. تفاجئ قماح وهو يأخذ ذلك المحضر وقرأه، بالفعل ذلك صحيح. تيقن قماح أنه كان هناك فخ مدبر. فقال بحنكة: طب بكده الرسائل دي ممكن تكون دليل براءة زوجتي، إن اللي بعت الرسائل دي ممكن هو نفسه الشخص اللي قتل نائل. رد وكيل النيابة:

فعلاً فكرت في كده، بس كمان وجود مدام سلسبيل في نفس المكان دليل إدانة ليها، وكمان إصرار أخت القتيل واتهامها لها دليل تاني. زفر قماح نفسه قائلاً: أنا بطلب منك مراقبة أخت القتيل لأني عندي يقين إن دليل براءة سلسبيل معاها، ومش بعيد تكون هي نفسها القاتلة وحبت تلفق الجريمة لـ سلسبيل نكاية فيها. رد وكيل النيابة:

وارد جدًا مش بعيد، وأنا فعلاً أمرت بمراقبة كل أفراد عائلة القتيل، بس أرجع وأقولك موقف مدام سلسبيل صعب للغاية، لازم دليل قوي يبرهن إن اللي حصل كان فخ وإن القاتل شخص تاني، وعلى ما أعتقد إن الشخص ده قريب منكم. رد قماح: متأكد من كده، طب أنا عندي اقتراح ممكن يساهم في ظهور براءة زوجتي. تساءل وكيل النيابة: إيه هو الاقتراح ده؟ رد قماح: إن سلسبيل تهرب. تفاجئ وكيل النيابة قائلاً: بتقول إيه! مش فاهم قصدك! إنت عاوز تهرب المتهمة!

رد قماح: هو ده الحل الوحيد لأنه هيربك القاتل الحقيقي، وكمان فيه سبب تاني. رد وكيل النيابة باستفسار: وأيه هو السبب التاني كمان اللي عاوز تهرب المتهمة بسببه؟ رد قماح: الحفاظ على حياة زوجتي، والد نائل بنفسه هددني إنه مش هيدفن ابنه قبل ما يقتل سلسبيل، وأظن النيابة بعتت له أنه يستلم جثة ابنه وهو رفض استلامها، وده يأكد كلامي، ومتأكد إنه هيكون زارع في السجن الاحتياطي حد من طرفه يتمم له المهمة. رد وكيل النيابة:

متأسف، مقدرش أخالف القانون وأساعد في تهريب المتهمة، كل اللي أقدر اعمله إني ممكن آمن لها وجودها في السجن الاحتياطي. رد قماح: تفتكر فيه أمان في مكان فيه أسوأ أنواع البشر؟ رد وكيل النيابة: مستحيل أخالف القانون وأساهم في شيء ضد مبادئي. نهض قماح واقفًا يمد يده لمصافحة وكيل النيابة: بشكرك مرة ثانية إنك سمحت لي من وقتك. تأكد وكيل النيابة أن قماح سيقوم بتهريب زوجته فقال: ممكن تديني رقم موبايلك.

تبسم قماح وهو يفهم سبب طلب وكيل النيابة لرقم هاتفه قائلاً بمراوغة: أنا عندي كذا رقم على موبايلي بس ده الرقم اللي بديه للأشخاص المهمين. قال قماح هذا وأعطى رقم هاتفه إلى وكيل النيابة وغادر وهو حاسم أمره بتهريب سلسبيل. بالفعل بعد وقت كما توقع وكيل النيابة، أتى اتصال هاتفي يؤكد أن المتهمة قد هربت. أغلق الهاتف مبتسمًا، حدث مثلما توقع. اتصل وكيل النيابة على هاتف قماح الذي رد عليه: أكيد وصلك خبر هروب زوجتي؟ رد وكيل النيابة:

رغم إن ده ضد مبادئ القانون، بس أنا هستخدم روح القانون وأتغافل عن هروب زوجتك في حالة واحدة إن برائتها تظهر، بس وقتها هتدفع غرامة كبيرة جداً. تبسم قماح قائلاً: هي براءة سلسبيل تظهر وأنا مستعد أدفع أي غرامة. أشاع وكيل النيابة خبر هروب سلسبيل ليصل الخبر إلى والد القتيل الذي بدوره نقل الخبر إلى هند. لم تشعر هند أنها مراقبة مما جعلها تخطئ. صباح اليوم.

نزلت هند من سيارتها أمام السلم الخلفي للعمارة التي قتل أخوها بأحد شققها. صعدت عبر ذلك السلم الخلفي ووقفت أمام الباب الخاص بالشقة. قامت بإخراج ذلك المفتاح الخاص به وحاولت فتح الباب. لكن كان الباب صعب الفتح قليلاً فقامت بكسعه بقوتها، فانفتح الباب ودخلت إلى مطبخ الشقة، منه إلى داخل الشقة. لكن تفاجئت بوجود وكيل النيابة ومعه بعض الخبراء الجنائيين. ادعى وكيل النيابة التعجب قائلاً:

إزاي قدرتي تدخلي للشقة مع أنها متشمّعة بالشمع الأحمر من يوم الحادثة. ارتبكت هند قائلة: دخلت من باب المطبخ. رد وكيل النيابة بسؤال: وياترى إيه السبب اللي خلاكي تيجي للشقة النهارده وتدخليها؟ أكيد حضرتك عارفة إن ممنوع تدخلي للشقة بدون إذن من النيابة إنها تفك الشمع الأحمر من على أبواب الشقة. ردت بارتباك:

البواب، البواب اتصل عليا وقالي إن فيه ناس بيحاولوا يدخلوا للشقة، وأنا خوفت يكون المتهمة بعد ما هربت هي اللي بتحاول تدخل الشقة. رد وكيل النيابة: وعرفتِ منين إن المتهمة هربت وإنها هتحاول تدخل الشقة. ردت هند: خبر هروب القاتلة انتشر. تنهد وكيل النيابة قائلاً:

تمام، بس كان الأولى كنتِ تبلغي النيابة أو حتى الشرطة باللي قاله لكِ البواب مش تيجي بنفسك وتدخلي الشقة وتتعدي على قرار النيابة بغلق الشقة، وكمان داخلة من باب الخدم مش الباب الرئيسي. توترت هند من كثرة أسئلة وكيل النيابة وقالت بكذب: أنا دوب حطيت المفتاح في الباب الخلفي فتح مباشرةً، أكيد مكنش متشمع بالشمع الأحمر. خوفت تكون القاتلة هنا ولما ألاقيني دخلت من الباب الرئيسي تهرب من الباب الخلفي، بس حضرتك بتعملوا إيه هنا؟

رد وكيل النيابة بمراوغة أنه صدق كذبها المفضوح: إحنا بنعاين مسرح الجريمة مرة ثانية يمكن نلاقي دليل جديد. بس كويس إنك جيتي، أنا كنت هتصل عليكي عشان إعادة تمثيل الجريمة. حضرتك قولتي في التحقيق السابق إنك مكنتيش عايشة الفترة الأخيرة هنا في الشقة، وكان صدفة وجود أخوكي هنا في الشقة عشان يجيب ملف مهم كنتِ ناسياه بالشقة قبل ما ترجعي لبيت والدك، وإنك جيتي لهنا لما لقيتيه اتأخر في الرجوع واتفاجئتي بجريمة قتل أخوكِ. ردت هند:

أيوا هو ده اللي حصل بالظبط. تساءل وكيل النيابة: طب لما دخلتي كانت المتهمة واقفة فين بالظبط؟ ردت هند بخطأ: كانت جنب جثة نائل. علم وكيل النيابة أن هند أخطأت بالرد عليه، لكن قال بتساؤل: بس مش غريب إن المتهمة ملهاش أي بصمات على جثة القتيل غير سلاح الجريمة المفقود، أكيد مكنتش لحقت تتخلص منه. ردت هند بعصبية: معرفش، أنت بتسألني الأسئلة دي كلها ليه، الأسئلة دي المفروض تسألوها للمتهمة اللي هربت. رد وكيل النيابة:

تمام، تقدري تتفضلي والخبراء الجنائيين هيعاينوا الشقة مرة ثانية بتدقيق يمكن نلاقي سلاح الجريمة، ووقتها يبقى الدليل القاطع على إدانة المتهمة. توترت هند قائلة: تمام. كادت هند أن تغادر لكن قال لها وكيل النيابة بمفاجأة: ممكن تفضلي معانا أثناء المعاينة لأن بعد المعاينة المرة دي مش هيبقى فيه سبب لتشميع الشقة وتقدري تستلميها وتبقى تحت تصرفك. ردت هند بداخلها بعض من ترقب: أوكيه.

تجول الخبراء بالشقة بحثًا عن سلاح الجريمة إلى أن وصلوا إلى الصالة مرة أخرى. راقب وكيل النيابة هند عن كثب، لاحظ نظرها أكثر من مرة إلى سقف الصالة وبالأخص إلى تلك النجفة. فطلب من أحد الخبراء: شوف لي النجفة دي، ممكن يكون سلاح الجريمة محطوط على القرص المتعلق منه. ردت هند بسرعة: بس النجفة ملزوقة مباشرة في السقف. رد وكيل النيابة: مش هنخسر حاجة لما نتأكد. بالفعل صعد أحد الخبراء على سلم صغير وبدأ بفحص النجفة ليقول بتفاجؤ:

فيه هنا كاميرا مراقبة. تبسم وكيل النيابة بظفر قائلاً: غريبة، إزاي دي فاتت على لجنة المعاينة الأولى، وكمان إزاي حضرتك أخفيتي علينا وجود كاميرا هنا في الشقة. ده يعتبر طمس للأدلة. ارتبكت هند قائلة: أنا اتفاجئت دلوقتي، أول مرة أعرف بوجود كاميرا هنا في الصالة. نظر وكيل النيابة إلى الخبير الجنائي قائلاً: تمام، هات لي الكاميرا. ثم نظر لـ هند قائلاً: وحضرتك مطلوبة لإعادة التحقيق في النيابة دلوقتي. تفاجئت هند قائلة:

قصد سيادتك إيه؟ بمطلوبة للتحقيق. رد وكيل النيابة: هتعرفي في النيابة. بالفعل بعد وقت بغرفة التحقيقات. فتح وكيل النيابة حاسوب خاص ووضع به قرص مدمج. ثم وجه حديثه لـ هند قائلاً: متأسف إن هجرح مشاعرك بس لازم تشوفي الفيديو ده.

نظرت هند إلى شاشة الحاسوب، بارتعاش، أن يكون سجل وجودها مع نائل قبل مغادرتها للشقة. لكن هي قالت لـ نائل أن يشغل تسجيل الكاميرا بعد مغادرتها. نظرت عينيها بارتجاف أهدابها الذي لاحظه وكيل النيابة. حين بدأ تشغيل التسجيل. كانت صدمة حين رأت فتح نائل لـ باب الشقة ودخول امرأة ترتدي زيًا أسود بالكامل يُخفي حتى ملامح وجهها بنقاب وهناك قفازات سوداء على يديها. ظل بينهم حديث طويل وبعض المشاحنات العنيفة لوقت حتى أن نائل تطاول على

تلك المرأة بالضرب مما جعلها تمسك ذلك السكين الصغير وتطعنه حين كاد يقتلها. ليبتعد عنها لكن هي قامت بطعنه أكثر من مرة بأنحاء متفرقة من جسده أردته قتيلًا. وحاولت الهرب من باب الشقة لكن عادت سريعًا ولم تُغلق باب الشقة جيدًا، تركته مواربًا. ثم توجهت نحو باب المطبخ وبعدها اختفت من التسجيل. ثم بأقل من دقيقتين كانت سلسبيل تدفع باب الشقة ووقفت مكانها مصدومة لم تقترب من نائل المسجى أرضًا، إلى أن دخلت هند بهوجاء حين رأت منظر

أخيها.

أوقف وكيل النيابة التسجيل قائلاً: للأسف التسجيل من غير صوت، كان من نبرة الصوت ممكن نحدد مين اللي كانت لابسة أسود في أسود. التسجيل ده جزء من تسجيل الكاميرا دي، إزاي الشقة بتاعتك ومتعرفيش إن في النجفة كاميرا. ردت هند: معرفش، أنا سايبة الشقة من فترة صغيرة، بس كان فيه نسخة من المفاتيح مع أخويا. تعجب وكيل النيابة: قصدك إن أخوكي ممكن يكون هو اللي مركب الكاميرا في النجفة، طب ليه، طالما إنك سبتي الشقة من فترة قصيرة.

ردت هند بإدعاء: معرفش، معرفش، أنت بتحقق معايا ولا بتتهمني مباشرةً. رد وكيل النيابة: لأ، لا بحقق معاكِ ولا بتهمك، بس الفيديو ده دليل براءة مدام سلسبيل اللي حضرتك اتهمتيها، وكمان عندي سؤال أخير: تعرفي الست اللي كانت لابسة أسود دي؟ رد هند: وهعرفها إزاي وإيدها حتى مش ظاهرة. رد وكيل النيابة: تمام كده التحقيق خلص، تقدري تتفضلي. ابتلعت هند ريقها بمرارة وقالت: طب وموقف سلسبيل دلوقتي إيه؟ رد وكيل النيابة:

الاتهام سقط عن مدام سلسبيل بسبب ظهور دليل جديد في القضية بيوضح بسهولة إنها مش القاتلة. ردت هند باستفسار: طب وهروبها. رد وكيل النيابة: مدام سلسبيل هنا في النيابة من مدة قصيرة سلمت نفسها مرة ثانية، وبسهولة يفرج عنها بكفالة مالية. اشتعل قلب هند بنيران هوجاء، سلسبيل نفذت من الاتهام.

خرجت هند من غرفة النائب تتراقص أمام عينيها فرحة قماح وسلسبيل ببرائتها. لن تبتعد عنه، بل هو من لهث خلف برائتها. شار عليها شيطانها بهدم تلك السعادة، وبداية الطريق بدار العراب. عودة. سرد وكيل النيابة موجز ما حدث لـ سلسبيل وتبسم قائلاً: مبروك البراءة يا مدام سلسبيل. قال هذا وتحدث إلى الكاتب الذي بجواره قائلاً:

أمرنا نحن وكيل النيابة، بحفظ الاتهام الموجه إليها وإخلاء سبيل السيدة سلسبيل ناصر العراب من سراي النيابة ودفع غرامة مالية قدرها عشرة آلاف جنيه وذلك ما لم تكن على سبيل قضية أخرى. قال وكيل النيابة هذا وعاود القول: مبروك يا مدام سلسبيل، الفضل الكبير في ظهور برائتك بالسرعة دي هو زوج حضرتك. تبسمت سلسبيل له، بينما نهض المحامي مصافحًا وكيل النيابة: بشكر سعة صدر سيادتك وإنك ساندت العدل.

خرجت سلسبيل من غرفة التحقيقات مع المحامي تلهف عليهم قماح باستعلام. تبسمت له سلسبيل، زفر نفسه براحة، بينما أكد المحامي ذلك قائلاً: مدام سلسبيل خرجت براءة، كلها ساعة بالكتير هنعمل إجراءات الإفراج عنها وندفع الغرامة. تبسم قماح له وقال: تمام. بعد أقل من ساعة، خرجت سلسبيل من أحد الغرف. كان في ذلك الوقت قماح يهاتف عمه ناصر يخبره بظهور براءة سلسبيل. لم ينتبه بوجودها خلفه. حين سمعته يقول: وأخبار مرات عمي إيه؟ رد عليه ناصر:

فاقت واتنقلت لأوضة عادية. رد قماح: الحمد لله إنها فاقت، ربنا يكمل شفاها بخير وتخرج بالسلامة. آمن ناصر على قول قماح الذي أغلق الهاتف واستدار ليرى سلسبيل بوجهه. من نظرة عينيها علم أنها سمعت حديثه مع عمه. لم تنتظر كثيرًا وقالت بخفوت: ماما مالها؟ رد قماح: بخير. ردت سلسبيل: بخير إزاي أنا سمعتك يا قماح وانت بتكلم بابا، قولي الحقيقة. رد قماح: بصراحة مرات عمي اتعرضت لشبه جلطة في القلب، بس الحمد لله فاقت وحالتها استقرت.

تدمعت عين سلسبيل قائلة: وديني لماما المستشفى يا قماح مش هطمن غير لما أشوفها بعيني. في نفس اللحظة شعرت سلسبيل بدوخة، أغمضت عينيها ورأت صغيرها يبكي ويد تضعه بشيء أشبه بصندوق وتغلقه عليه كي تكتم صوته. في ذلك الوقت ساندت سلسبيل على يد قماح. سند قماح سلسبيل قائلاً بلهفة: سلسبيل مالك، عمي قالي إن مرات عمي فاقت وهتتأكدي بنفسك بعد شوية. ردت سلسبيل التي تشعر بتوجس:

أنا بخير، خلينا نروح نطمن على ماما، ولا أقولك نرجع دار العراب الأول. رد قماح ببسمة: أيه المشاغب الصغير وحشك، كنت بكلم جدتي من شوية ولا أول مرة أسمعها بتشتكي من شقاوته. تبسمت سلسبيل بغصة قوية في قلبها، وقالت: أقولك خلينا نروح للمستشفى أطمن على ماما الأول، بعدها نرجع دار العراب للمشاغب الصغير. *** بالمشفى. تنهدت نهلة بحسرة في قلبها. لاحظ ناصر الجالس معها بالغرفة ذلك قائلاً:

مالك يا نهلة، لو حاسة إنك تعبانة أتصل على الدكتور. بينما نهض نظيم الجالس معهم سريعًا يقول: هروح للدكتور أقوله يجي هنا فورًا. رد نهلة سريعًا: لأ، أنا كويسة الحمد لله، كثر خيرك يا نظيم تسلم. قالت نهلة هذا ونظرت لـ ناصر: هقولك حاجة يا ناصر بس بلاش تقول عليا اتجننت، أنا عارفة إنها تخاريف وأنا في الغيبوبة. تبسم ناصر وهو متوقع ماذا ستخبره قائلة: خير. بينما شعر نظيم بالخجل قائلاً: هستأذن وأسيبكم. ردت نهلة التي تشعر بألم

ليس ألم جسدي بل نفسي أكثر: إنت مش غريب يا نظيم، ناصر قالي على وقفتك جنبه، كثر خيرك. تبسم نظيم دون رد. بينما عاودت نهلة الحديث: أنا شفت همس كأنها كانت واقفة قدامي وبتكلمني، حتى حسيت بمسكتها لإيدي. تبسم ناصر وهو ينظر لـ نظيم الذي ابتسم هو الآخر دون أن يقولا شيئًا وهما ينظران إلى باب الغرفة الذي فُتح ودخلت في البداية هدى قائلة بلهفة: ماما. نظرت لها نهلة ترسم بسمة رغم وهنها الملحوظ، لكن تهافتت هدى عليها واقتربت

منها وقبلت رأسها قائلة: ماما. وضعت نهلة يدها على كتف هدى قائلة بفرحة: أنا بخير يا روحي. تبسمت هدى قائلة: يارب دائمًا يا ماما. قالت هدى هذا ونظرت نحو والدها قائلة: أنا بقول تطلب الدكتور يا بابا لأن مش متوقعة رد فعل ماما لما تشوف المفاجأة اللي هتدخل حالاً. تبسم ناصر قائلاً: نهلة مش ضعيفة قوي كده. نظرت نهلة لـ هدى قائلة: إيه المفاجأة سلسبيل؟ ردت همس التي دخلت تقول بادعاء: هو مفيش مفاجأة غير سلسبيل ولا إيه.

نظرت نهلة نحو صاحبة الصوت بذهول غير مصدقة، هي تتوهم، أغمضت عينيها علها تكون بحلم، ليتها لا تصحو منه. لكن عاودت همس الحديث قائلة بلهفة وهي تقترب من نهلة ووضعت يدها فوق يدها: ماما، إنتِ بخير. فتحت نهلة عينيها مُرغمة هذه المرة ونظرت إلى تلك اليد التي وضعت على يدها، تلك اليد، ليست خيال. رفعت بصرها لترى همس ترفع عن وجهها النقاب مبتسمة. أغمضت نهلة عينيها مرة أخرى لكن سرعان ما فتحتهما تقول بهمهمة وتقطع:

هـ مـ سـ.. إنتِ عـ ايـشه، ولا أنا لسه في الغيبوبة، يارب مصحاش منها. تبسمت همس بدمعة وقالت: أيوا يا ماما أنا لسه عايشة، إنتِ مش في الغيبوبة. حاولت نهلة النهوض لكن بسبب تلك الأنابيب الموصلة بيدها وجهاز الأوكسجين الموضوع على أنفها حال دون نهوضها، لكن جذبت همس لحضنها بقوتها الواهنة وقبلت رأسها قائلة: حبيبتي، كان نفسي أقولك إني مكنتش مصدقة إنك تغلطي الغلطة دي. تدمعت عين همس بابتسامة. لكن تحير عقل نهلة قائلة:

بس إزاي إنتِ لسه عايشة! جالت عين نهلة على من حولها ودخول كارم. نظرت له ثم ابتسمت قائلة: لما عرفت إنك اتجوزت وسافرت مع مراتك، منكرش قلبي اتحسر وقتها عشان كنت عارفة إنك بتحب همس، قولت إزاي نسيها بسرعة كده. تبسم كارم قائلاً: مقدرش أنسى هاميس اللي رجعت للحياة تاني عشاني. تبسمت نهلة وضمت همس بقوتها مرة أخرى، لكن انتبهت همس قليلاً. انتبهت نهلة لبطن همس المنفوخة، دمعة لا سبب لها. أكانت دمعة فرحة أم عتاب؟

كيف استطاعت همس ترك نهلة تعيش لكل ذلك الوقت بقلب جريح ووهم موجع أنها فقدت ابنتها بوصمة بريئة منها. لكن السبب الأكبر شعور في القلب يمحو الألم، يضع مكانه أملًا جديدًا في السعادة بعودة همس لحضنها الآن. وضعت نهلة يدها على بطن همس قائلة: إنتِ في الشهر الكام؟ ردت همس: قربت أدخل الشهر السادس، حامل في ناصر كارم. تبسمت نهلة قائلة: إنتِ كمان هتجيبي ناصر تالت، مش كفاية ناصر ابن سلسبيل شقي قوي على فكرة. سلسبيل كانت هادية.

تبسمت همس قائلة: سلسبيل طول عمرها هادية وبتتحمل فوق طاقتها، كفاية أحلامها اللي بتتحقق. تنهدت نهلة قائلة: احكي لي إيه اللي حصل وإنتي إزاي لسه عايشة، سلسبيل كانت دائمًا تقول لـ هدى إنها بتشوفك عايشة، لما كنت أسمعها كان قلبي بيتقطع. تبسم كارم يقول: سلامة قلبك يا مرات عمي، الحكاية طويلة رأيي بعدين تعرفيها، المهم دلوقتي صحتك وإن هاميس رجعت لعيلتها، عقبال سلسبيل ربنا يظهر برائتها. قبل أن يرد ناصر أيضًا فتح باب الغرفة

ودخلت سلسبيل بتلهف تقول: ماما. بنفس الوقت أعادت همس النقاب على وجهها تنتظر أن تفاجئ سلسبيل. اقتربت سلسبيل من فراش نهلة وجدتها تبتسم قائلة: تعالي يا أول فرحة انتظرتها لسنين وربنا منّ عليّ بالنبع الصافي. تبسمت سلسبيل بدمعة وانحنت تُقبل وجنة نهلة قائلة: ماما حبيبتي، كنت حاسة والله إنك مش بخير. وضعت نهلة يدها على كتف سلسبيل قائلة بحنان: أنا بقيت بخير لما شفتكم إنتوا التلاتة قدامي بخير. تحيرت سلسبيل قائلة: تلاتة مين؟

ردت همس عليها قائلة بمزح: خليفة الحجة هداية بقت سوابق ورد سجون، لأ وأيه قضية قتل كمان. نظرت سلسبيل إلى همس الجالسة بالناحية الأخرى لفراش نهلة بتعجب من صوت تلك المنقبة، يستحيل لابد أنه أحد أطيافها. لكن رفعت همس النقاب عن وجهها قائلة: أنا حقيقة مش طيف ولا حلم من أحلامك اللي بتشوفيها. شعرت سلسبيل بذهول ونهضت تتمعن في همس بذهول قائلة: همس! نهضت همس هي الأخرى قائلة بتأكيد: همس، يا سلسبيل اللي كوابيسك ظهرت براءتها.

تدمعت أعينهن وتقابلتا بالمنتصف يحضنان بعضهن باشتقاق أخوة. عادت سلسبيل برأسها تنظر لوجه همس ببسمة. اقتربت منهن هدى قائلة بمرح: خدوني في وسطكم. تبسمن همس وسلسبيل وهن يحضنان هدى، ليصبح الثلاث بحضن بعضهن. ردت همس بحنين: كنت غبية لما اخترت أكون ميتة في نظركم وأسيب الحضن ده. حضنتهن سلسبيل الاثنتان قائلة: كان قلبي حاسس واتأكدت لما عمي جاب لي كسوة سبوع ناصر. تبسمت هدى قائلة: فعلاً قالت لي كده، وأنا مصدقتهاش، وقولت بتتوهم.

تبسمت لهن همس. بينما لاحظت سلسبيل انتفاخ بطن همس ووضعت يدها عليها تنظر لها بسؤال. ضحكت همس قائلة: أيوا حامل في ناصر كارم العراب، ابنك مش هيفضل الحفيد الوحيد لعمو النبوي. نظرت سلسبيل نحو كارم الذي تبسم لها، ثم نظرت نحو قماح، لكن تعجبت من عدم ظهور أي صدمة أو تعجب على ملامحه، فقالت: قماح إنت كنت عارف إن همس لسه عايشة، أكيد كارم اللي قالك، دلوقتي عرفت ليه كارم مكنش بيخلي همس تكلمنى واتكلم سميحة. تبسم كارم يقول:

والله ما أنا، همس قدامكم أهي، اسأليها. تبسمت همس، ونظرت لـ قماح قائلة: إنت كمان كنت عارف إني لسه عايشة؟ تبسم قماح يومئ برأسه فقط ثم نظر نحو سلسبيل التي تنتظر تفسير منه وقال: أنا عرفت بالصدفة لما كنت مصاب بالرصاصة، سمعت بابا وجدتي وهم بيتهامسوا مفكرينى نايم، بس أنا كنت شارد في نبع الميه. تبسمت همس وغمزت لـ سلسبيل وهمست بجوار أذنها قائلة:

عملتي إيه في قماح يا نبع الميه، ده بقى بيتكلم. ولا أقولك قولي لينا إزاي طلعتي بريئة. نظرت سلسبيل نحو قماح بامتنان وقالت: قماح هو اللي ظهر برائتي. تبسم نظيم قائلاً: ألف مبروك يا مدام سلسبيل. تبسمت همس قائلة بتكرار: مدام سلسبيل، ليه تكبرها قوي كده، قول لها يا بيلا عادي، ولا أقولك بلاش بيلا لـ قماح يضايق، قول يا سلسبيل، إنت مش غريب يا نظيم. وضع ناصر يدهُ على كتف نظيم قائلاً بقبول:

فعلاً نظيم مش غريب، كفاية وقفته معايا اليومين اللي فاتوا مكنش بيروح لبيته ولا بيروح لجامعته. تبسم نظيم، بينما سلسبيل وهمس نظرتن لـ هدى التي نظرت لـ نظيم بإعجاب واحمرت وجنتيها، ثم نظرن لبعضهن بغمز. شعرت هدى بالخجل. بينما ناصر نظر لـ نهلة التي رغم وجهها المسئوم من المرض، لكن تبسمت له وهي تومئ برأسها بتفهم وتمنى أن يصبح نظيم هو زوج صغيرتهم قريبًا، لتكتمل صورة العائلة به. *** بالشقة الموجودة بها زهرت.

كانت تجلس على الفراش تضم ساقيها لصدرها، تهذي وهي تتذكر جحوظ عيني قدرية. شعرت للحظة بالخوف ونهضت قائلة: أكيد محدش شافني وأنا طالعة من عندها، وبعدين كان دفاع عن النفس، هي اللي بدأت وكانت بتحاول تقتلني. جاوب شيطانها: هي كانت تستحق القتل، كانت غلاوية وعندها حقد لكل اللي حواليها. في نفس الوقت رن هاتفها، ارتاعت من رنينه وذهبت إلى مكان وجوده ورأت الشاشة عليها اسم حماد.

خشيت أن ترد عليه وتركت الهاتف يرن لمرات غير مبالية له، وذهبت إلى الدولاب وأخرجت علبة خشبية صغيرة وفتحتها تنظر إلى ما بها قائلة: لازم أسيب الشقة دي وأشوف لي شقة تانية، أختفي لفترة على ما الأمور تهدأ، رباح أكيد مش هيصدق إني كنت بأذيه. قالت زهرت هذا ووضعت يدها على بطنها قائلة: لازم أحافظ على اللي في بطني، هو ده اللي هيرجعني تاني لـ دار العراب غصب عنهم. في النهاية هو ابن رباح العراب. في ذلك الوقت رن جرس باب الشقة.

ارتجفت زهرت، وذهبت تقف خلف الباب خائفة تفتح، لكن سمعت صوت بكاء طفل صغير، ثم قول: افتحي يا زهرت أنا... هند. *** مكان مدنس. أرسل حماد صورة لأحدهم وبعدها رسالة: عاوزها عندي في أقرب وقت في المكان السابق. أغلق حماد هاتفه يقول بشر وتوعد: المرة دي مش هغلط نفس الغلطة، وهداية بنت العراب هتكون ليا غصب عنها. *** بدار العراب.

دخل كارم وقماح ودخل خلفهن الثلاث فتيات ببسمتهن التي عادت ترن في الأرجاء. لكن ليس كالسابق حين فوجئن بإحدى الخادمات تخرج من غرفة هداية تصرخ بفزع قائلة: الحجة هداية واقعة مرمية على الأرض ورأسها بتنزف وبكلمها مش بترد عليا. سريعًا كان قماح وكارم يدخلون إلى الغرفة. صُدموا بالفعل هداية رأسها تنزف بغزارة وغائبة عن الوعي. وجهها يشاحب الموتى. دخلت خلفهم سلسبيل قائلة: جدتي. ثم نظرت نحو الفراش ذُهلت وهي تراه فارغًا

من طفلها قائلة: فين ناصر، فين ابني.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...