الفصل 19 | من 41 فصل

رواية عش العراب الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سعاد محمد سلامه

المشاهدات
18
كلمة
5,423
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 46%
حجم الخط: 18

دخلت هداية الدار تسمعت لتلك الأصوات العالية، توجهت إلى مكان الأصوات، نظرت بتعجب لما يحدث من هياج، وقالت باستفسار متعجبة: "إيه اللي بيحصل هنا، ليه بترعشي كده زي التور الهايچ يا قدرية." ردت قدرية بصفاقة ووقاحة:

"الحرباية كبيرة الدار أخيراً شرفت، كنتِ فين طول اليوم بتدبري لإيه، ولا يمكن كنتِ مع ابنك عند العروسة الجديدة، ومش بعيد تكوني إنتي اللي كنتِ مرسال الوصل بينهم، حرباية طول عمرك بتكرهيني. من فترة كل يوم والتاني تاخدي نفسك وتغوري من الدار." غضب النبوي وكاد أن يضرب قدرية، لكن قالت هداية بقوة ونهي: "نبوي." امتلك النبوي غضبه بصعوبة. بينما قالت هداية:

"أنا عمري ما كرهتك يا قدرية، إنتي اللي قلبك كان حقود. كنتِ عاوزة تاخدي السيطرة وتتمريسي على الدار، كنتِ تقدري تاخديهم بالراحة، بس إنتي اتكبرتي وفكرتي إن الوقاحة وقلة الأدب واللسان الزفر هما اللي هيخلوكي كبيرة الدار. ربنا لما يكره بني آدم يسلط عليه عقله يخليه يفكر إن بالكبر والقلب الحاقد هيوصل لمبتغاه." سخرت قدرية قائلة:

"الحاجة هداية بتقول حكم، كنتِ عاوزاني خدامة كيف نهلة، ولا ألعبان كيف الأغريقية اللي ضحكت على ولدك وباركتي جوازها مني." بينما النبوي قائلاً: "يا ريتك كنتِ زي واحدة منهم، يمكن ما كناش وصلنا للحال ده. كفاية يا قدرية، ما عادش ليكي مكان هنا في دار العراب." في ذلك الوقت دخل ناصر متعجباً من حديث أخيه بعد سماعه لحديث قدرية السافر، وقال بنفور: "إيه حصل عاد، هنا. صوتك واصل الشارع يا قدرية." ردت قدرية:

"جاي منين إنت كمان، يمكن كنت الشاهد التاني، على جواز أخوك الشاهد الأول ولدي وإنت الشاهد التاني." تعجب ناصر من حديث قدرية، أيقن أن قدرية تهلوس من جمرة قلبها الحاقد.

بينما زهرت تتضارب بداخلها المشاعر بين فرح وبعض الحزن على حال عمتها، لكن المسيطر عليها الفرح. عمتها لم تساندها سابقاً، بل أرادت زوجة أخرى غيرها، لكنها امثلت بسبب ضغط رباح. كذلك انشغالها دائماً بالتخطيط لأخذ مكان هداية والسيطرة على دار العراب. عمتها فشلت فيما أرادت أن تصل إليه ذات يوم. تسحبت بهدوء وتركت المكان، إلى أن خرجت إلى حديقة المنزل، تنفست بعض الهواء، وفكرت أن تهاتف رباح وتقول له على ما حدث، التي لا تفهم منه شيئاً سوى طلاق أبيه وأقوال أمه غير المفهومة منها، سوى أن النبوي تزوج بأخرى، وهو أنكر ذلك. فكرت حتى إن أتى رباح ماذا سيفعل. لا داعي لذلك.

في أثناء ذلك صدح الهاتف بيدها برنين، للحظة انخضت، لكن تبسمت حين رأت اسم من يهاتفها على شاشة الهاتف. بالعودة للداخل، رد ناصر بعدم فهم: "شاهد على جواز مين؟ مين اللي اتجوز! مش فاهم حاجة. أنا كنت مع تاجر بنتعامل معاه." تهكمت قدرية وقالت بسواد: "ما إنت دايماً متأخر، حتى في خطيبة بتك.... قاطعتها هداية قائلة بحسم وقوة: "همس مش خطيبة يا قدرية، والزمي حدك، واقفل خشمك. خشمك ده اللي ربنا سايجه يكره فيكي خلقه. كفاياكي عاد كده."

نظرت قدرية لها بغلول. بينما قال النبوي بإنهزام: "كل حقوقك هتوصلك لحد بيت أخوكي يا قدرية، ما عادش ليكي مكان هنا، مهما تقولي مش هييجي أسوأ من اللي قولتي قبل كده." بغلول وحقد يهلك قلبها قبل الآخرين، غادرت قدرية المنزل. في نفس اللحظة، تحدث ناصر قائلاً: "مش فاهم إيه اللي حصل، ومين اللي اتجوز." نظر النبوي لهداية وقال: "اللي حصل كان لازم يحصل من زمان. قدرية كان لازم تطلع من حياتي، بس القدر." رد ناصر: "طب ومين اللي اتجوز."

رد النبوي وهو ينظر لقدرية: "كان كتب بنت واحد عزيز عليا، وكفاية أسئلة لحد كده. أنا عندي صداع هطلع أرتاح." تعجب ناصر، وشغل عقله تبادل النظرات بين النبوي ووالدته. لكن تحدثت نهلة وهي تقترب من سلسبيل، وكشفت معصم يدها، وجدته به أثر قوي لضربة قدرية لها. نظرت لقماح وقالت:

"مش عارفة قدرية ليه مغلولة من بناتي، بتعايرني بواحدة والتانية كانت عاوزة تسقطها كيف ما كانت عملت فيا زمان وأنا حبلى في سلسبيل رفصتني برجليها في بطني وجتها، وربنا نجاني." تعجبت هداية ونظرت ليد سلسبيل ثم نظرت لقماح وتبسمت. بعد قليل، بالغرفة التي كان يشارك النبوي فيها كارولين. دخلت هداية. وجدته يجلس على مقعد جوار الفراش، منكباً برأسه على الفراش، يحمل بين يديه صورة يضمها لصدره. وضعت يدها على كتفه، قائلة:

"عارفة إني ظلمتك يا ولدي وحملتك فوق طاقتك كتير، بس إنت ابني البكري وكنت سندي من بعد أبوك." رفع النبوي رأسه ونظر لهداية ومسك يدها التي كانت فوق كتفه وقربها من فمه وقبلها قائلاً:

"إنتي مظلمتنيش يا أمي، ده كان قدري، وما كانش بإيدي، وكان لازم أتحمله. قدرية يعلم ربنا أنا كنت بحاول معاها كتير، ترجع عن السواد اللي في قلبها، بس هي استسلمت له. أنا كنت عارف إنها هي السبب في موت كارولين، ومع ذلك والست عليها عشان ولادي التانيين ما يتربوش بعيد عني وتسجى في قلوبهم السواد والغل اللي سجلته لرباح. وبقيت متأكد خلاص إنها كانت السبب في بعد قماح كمان عننا لفترة، معرفش إيه اللي حصل فيها خلاه بالقسوة دي، ويقسى

على الوحيدة اللي قلبه دق ليها. كنت شايف نظراته لسلسبيل من وقت ما رجع. كنت مستني لحظة ما يجولى أنا بحب سلسبيل، ورايد أتجوزها. لما جه وقالي أنا ناوي أتجوز أول مرة كنت حاسس هيقولي على سلسبيل، بس وقتها خيبت ظني، وجلت يمكن زي ما قال وقتها زميلته في الجامعة وقلبه حبها. بس بعد فترة صغيرة، انفصل عنها. حتى هند لما شافها وهي بتشتغل مع أبوها لفتت نظره وطلب مني أطلبها له. كنت زعلان، بس من جوايا جلت يمكن خير، لسلسبيل إنها ما

تبقاش من نصيبه. بس دي كمان ما اتحملتش وطلقها. بس لما جه رجب ونائل عشان يطلبوا سلسبيل، هو اتهز وعرف إنه مش هيقدر يشوف سلسبيل مع حد غيره. يمكن ما كانش متوقع إن حد يقدر يقرب ويطلبها للجواز، أو كان بيكابر قلبه. بس لما حس إن سلسبيل هتبعد عن عينيه مقدرش يتحمل. بس بعد كده عمل إيه مجدرش يحافظ على سلسبيل. كان نفسي يبقي زي كارم ويحارب عشان يوصل لقلبها. بس هو استسهل العنف معاها. بس النهارده لما وقف قدام قدرية وحمى سلسبيل منها

قد ما كنت حزين من كلام قدرية فرحت إن قماح ظهر حبه لسلسبيل وخوفه عليها."

ردت هداية: "سلسبيل وقماح راجل ومراته والراجل ومراته ياما بيحصل بينهم، وفي الأول وفي الآخر بيرجعوا لبعض. يا ولدي ربك هو اللي بيوفق القلوب. كان من يصدق إن كارولين تيجي هنا رحلة سياحة وتجابلها وتعشقها وتعشقك. صحيح، كان القدر له حكم تاني، بس ربنا خلى من كارولين قماح ذكرى، وكمان كارم ماخدش طباع قدرية الغلاوية، وحارب عشان يفوز بهمّس، وعندي يقين إنه هيرجعها تاني همس القديمة." رغم غصة قلب النبوي لكن تبسم وقال:

"حصل إيه بعد ما أنا مشيت من الشقة." سردت هداية له ما حدث. تنهد النبوي قائلاً: "أنا كنت فكرت همس بدأت تتخطى حاجز الخوف، مش عارف حياتها مع كارم في بلد غريبة هتبقى شكلها إيه مع حالة الخوف اللي عندها دي." ردت هداية: "هتبقى زينة وبكرة تشوف، بس إنت زيح الهم عن قلبك، كل أمر ربنا خير." تبسم النبوي وقال:

"إن شاء الله خير، يمكن خروج قدرية من حياتي اتأخر كتير، كان الفضل ليكي إني بقدر أتحكم في نفسي عشان ولادي ما يبعدوش ويتربوا بعيد عني، بس خلاص كبروا دلوقتي، ويعرفوا مصلحتهم." بشقة سلسبيل. بغرفة النوم. وقفت تضع أحد المراهم على معصم يدها. في ذلك الوقت دخل قماح إلى الغرفة. كانت سلسبيل تقف بمنامة بلا أكمام. نظر قماح لها.

خجلت سلسبيل وجذبت ذالك المئزر الذي كان موضوع فوق الفراش وارتدت كم منه، لكن لوجع يدها لم تستطع إكمال ارتداء الكم الآخر بسبب ألم يدها. للحظة تبسم قماح. هل تظن سلسبيل أنه كان ينظر لجسدها؟ اقترب قماح من سلسبيل، وقام بمسك يدها المصابة ونظر لها بغصة قائلاً: "إيدك زرقا، وأكيد بتوجع. البسي هدومك وخلينا نروح لدكتور يشوفهالك ويكتبلك مسكن."

جذبت سلسبيل يدها من يد قماح وتهمكت تنظر له صامتة، لكن بداخلها تبتسم بسخرية. أحقاً يشعر قماح بألم يدها؟ أليس هو من كان يتلذذ بترك آثار علاماته على جسدها. بينما قالت له بحِدة: "مالوش لازمة الدكتور، حطيت مرهم عليها والصبح هخلي جدتي تدلها لي، والوجع هيروح. ده وجع بسيط، مش جديد عليا اتحملت زيه قبل كده."

قالت سلسبيل هذا ورغم ألم يدها إلى أنها جذبت المئزر عليها وخرجت من الغرفة وتركت قماح الذي فهم إلى ماذا تلمح سلسبيل، بالتأكيد لمعاملته العنيفة لها سابقاً، شعر بألم وندم. بعد مرور شهر. صباحاً. أمام بقالة العم نسيم. تفاجأ محمد بنقر على زجاج باب سيارته. فتح زجاج باب السيارة، ونظر لمن يقف أمامه يقول: "ممكن نتكلم كلمتين يا ابني في محل البقالة بتاعي." رغم تعجب محمد لكن نزل من السيارة، وأتبع العم نسيم إلى داخل محل البقالة.

تفاجأ محمد بقول نسيم: "قولي يا ابني إيه آخرة لعب العيال اللي بتعمله ده." تعجب محمد وقال: "مش فاهم قصدك." رد نسيم: "لأ فاهم. إنت بقالك فترة بتيجي الصبح توقف هنا في الشارع، ولما تشوف سميحة بتمشي وراها بعربيتك. عاوز توصل لإيه؟

أنا كان سهل عليا أخلي شباب المنطقة يتعاملوا معاك بطريقة مش كويسة، أقل ما فيها يضربوك ويخلوك تحرم تخطي عشر شوارع قدام الشارع ده. بس أنا راجل أفهم في الناس كويس، شكلك وهيئتك ابن ناس، كمان محاولتش تتحرش حتى لفظياً بسميحة. بس وقفتك دي غير كمان تعقبك لها بعربيتك، فيها شي غريب. خلص يا ابني وهات من الآخر." ارتبك محمد قائلاً: "أنا فعلاً ابن ناس، ومش قصدي أعاكس ولا بتسلى، وبصراحة أنا معجب بالآنسة سميحة، بس." تبسم نسيم:

"بس إيه." رد محمد: "خايف تكون مرتبطة، بالشخص اللي أوقات كتير بيوصلها للجامعة." تبسم نسيم قائلاً: "لأ متخافش مش مرتبطة، ده أخوها الكبير، دكتور في الجامعة." فرح قلب محمد وظهر ذلك بوضوح على وجهه. بينما قال نسيم: "بص يا ابني الخط المستقيم هو أقصر الطرق دايماً. عجباك سميحة ادخل البيت من بابه بلاش توقف كده في الشارع تراقبها زي المخبرين." تحدث محمد بدون فهم: "مش فاهم يعني إيه ادخل البيت من بابه! رد نسيم:

"يعني هات أهلك وتعالى اطلب إيدها من أمها وأخوها. سميحة متلاقيش زيها، أدب وأخلاق وكرامة." ارتبك محمد قليلاً وقال: "طب مش ممكن يكون في حياتها غيري وترفضني وقتها." رد نسيم: "زي ما قولتلك في الأول الخط المستقيم هو أقصر الطرق. لو في حياتها شخص غيرك وقتها يبقى تبعد عن هنا وملهاش لازمة وقفتك دي هنا كل يوم." أعاد محمد حديث نسيم في رأسه، بالفعل هو مُحق. تبسم محمد بموافقة وقال:

"أنا هقول لبابا وهو يقول لجدتي ونيجي نطلب إيد سميحة في أقرب وقت." تبسم نسيم يقول: "الكلام أخدنا ونسيت أسألك إنت اسمك إيه ومنين؟ رد محمد: "أنا محمد النبوي العراب." قبل أن يكمل محمد حديثه أوقفه نسيم قائلاً: "إنت ابن النبوي العراب التاجر المعروف بتاع الغلال." أومأ محمد برأسه قائلاً: "أيوه." تبسم نسيم يقول: "يعني إنت حفيد الحجة هداية." أومأ محمد بموافقة. تبسم نسيم يقول:

"أنا نظرتي فيك مخيبتش، قولت واد ناس طيبين، لو قاصد شر كان من زمان لفت نظر سميحة له بأي طريقة. حتى لو عاكسها في الشارع. بص يا ابني سميحة تربيتي من وهي صغيرة، لو قربت منها هتطلق عليك لسانها. مفيش غير الطريق المباشر قدامك، ادخل البيت من بابه." ظهراً. بالإمارات العربية.

نظرت همس لساعة معلقة بصالة الشقة. تعجبت الوقت فات على ميعاد مجيء كارم اليومي إلى الشقة، فهو تعود على تناول وجبة الغداء معها يومياً، ثم يعود للعمل بذلك المطعم مرة أخرى. شعرت همس ببعض التوجس، فكرت في الاتصال عليه، بالفعل آتت بهاتفها، لكن بآخر لحظة تراجعت عن الاتصال.

تذكرت طوال الشهر المنصرم كارم لم يضغط عليها بأي شيء، تنام بغرفة وهو بغرفة أخرى، حتى حديث هادئ، حتى أنه يصطحبها للقاء تلك الطبيبة حسب المواعيد، لكن تشعر بوجود غصة في قلب كارم بعد أن عرف أن والده قد طلق والدته وأنها تعيش بمنزل أخيها. حاول الاتصال عليها للاطمئنان عليها لكنها ترفض الرد عليه. لم ترد عليه سوى مرة واحدة وذمته واتهمته أنه ساعد في طلاقها من والده، وكيف سافر ولم يخبرها سابقاً، بالتأكيد هرب حتى لا يواجهها.

ربما لم يبوح لها كارم بذلك، لكن هي سمعت حديثه مع عمها صدفة. شعرت بغصة قوية كارم فقد والدته بسبب زواجه منها، وذالك بسبب خوفها من معرفة أحد أنها مازالت تعيش. تذكرت حديثها الأخير مع الطبيبة حين سألتها عن مدى تقاربها من كارم كزوجين أخبرتها أن كارم لم يتخطى حدوده معها. بالتأكيد خائف أن تخشى منه ويسيطر عليها ذالك الرهاب. طلبت منها الطبيبة أن تحاول البدء بالتقرب من كارم. بالفعل هي ستبدأ الخطوة الأولى، عليها المحاولة لبدء حياة جديدة. كارم بعد ما فعله من أجلها يستحق أن تجازف من أجله، وتشعرُه أنها تشعر بجواره بالأمان. لكن تعجبت لما لم يأتِ مثل كل يوم لتناول الغداء معها.

بأحد البنوك في بني سويف. وقفت زهرت مذهولة تقول لمدير ذلك البنك الذي أمامها: "يعني إيه متقدرش تصرفلي الشيك ده." رد المدير: "لأن الشخص اللي كتبلك الشيك ده اتجمدت إمضته على الحساب اللي كان بيسحب منه في البنك عندنا." تعجبت زهرت قائلة: "يعني إيه، بس ده جوزي وإزاي كتبلي الشيك." رد المدير: "معرفش تقدري تسأليه بنفسك، متأسف مقدرش أصرفلك قيمة الشيك."

خجلت زهرت من المدير ودون حديث تركته وخرجت تشتعل غضباً. كيف حدث ذلك ولم يخبرها رباح بذلك. لكن جاء إليها شك أن يكون رباح نفسه لا يعرف. فكرت أن تهاتفه وتخبره بذلك، لكن تراجعت عن ذلك وهاتفت شخصاً آخر رد عليها بسرعة. تبسمت بمكر قائلة: "هند السنوري بقالك شهر مكلمتنيش قولت أسأل عليكي أنا." رغم شعور هند بنفور ناحية زهرت، لكن حاولت إخفاء ذلك وقالت: "أبداً والله، إنتي عارفة معزتك عندي بس مشاغل مع بابا في التجارة." ردت زهرت:

"ربنا يعينك، بس إيه مقضية حياتك كده شغل؟ إيه رأيك نتقابل، إنتي وحشاني، وكمان نتكلم شوية نفضفض لبعض." فكرت هند. زهرت هي من تعطيها أخبار قماح. لما لا تقابلها وتعرف جديده. تبسمت هند وقالت: "خلينا نتغدى سوا في المطعم اللي اتقابلنا فيه سوا في بني سويف." ردت زهرت:

"وماله، أنا قريبة منه وقربنا عالغدا، هستناكي هناك، بلاش تتأخري عاوزة أرجع لدار العراب الولية العقربة هداية من يوم طلاق عمتي وهي ماسكة عليا بالحيلة على ما عرفت أخرج من الدار ومش عاوزة أتأخر ترسم نفسها عليا." ردت هند: "لأ نص ساعة واكون في المطعم."

توجهت زهرت إلى ذلك المطعم وجلست على إحدى الطاولات تفكر فيما قاله مدير البنك لها، حول تجميد إمضاء رباح. بالتأكيد لسلسبيل يد بهذا. لما حين عملت بالحسابات تجمدت إمضاء رباح. إذن لتشغل عقلها بهند. بعد قليل. نهضت زهرت ترسم بسمة رياء وقامت بحضن هند والترحيب بها وعتابها المزعوم منها. بررت لها هند عدم اتصالها بإنشغالها. جلست الاثنتين بالمطعم. تحدثت زهرت: "أخيراً اتقابلنا، كنتِ وحشاني قوي." ردت هند برياء: "والله إنتي أكتر."

تبسمت زهرت: "والله لما كنا سلايف كنا منسجمين مع بعض، وده كان عامل إزعاج لـ عمتي قدرية وكمان للحجة هداية، اللي بعد طلاق عمتي زي ما يكون مفيش قدامها غيري، شكلها عاوزة ترتاح مني." ردت هند: "ورباح هيسمح بكده؟ رباح بيموت فيكي. طب يا ريت قماح كان حبني نص حب رباح ليكي، يمكن ما كانش طلقني." ردت زهرت بمكر:

"قماح هوائي وشكله كده بدأ يمل ويكل من الست سلسبيل، ولو مش حامل وكمان خايف من هداية، يمكن كان طلقها بسبب معارضتها له إنها تشتغل غصب عنه." غص قلب هند وقالت: "ده اللي بستغربه، قماح لما اتجوزنا ممنعنيش إني أشتغل ليه عارض شغل سلسبيل." ردت زهرت:

"سلسبيل عاوزة تفرد نفسها وتبين إنها فيها من قوة وعقل العقربة هداية، وده يمكن اللي مخلي قماح معارض شغلها، خايف تتنفخ عليه، زي العقربة هداية كده ما لها كلمة على كل اللي في دار العراب الكبير قبل الصغير." ردت هند: "أو يمكن بيحبها وبيغير عليها." ضحكت زهرت بسخرية وقالت: "قماح يحب! ضحكتيني. طب تراهنيني إن لو ظهر واحدة جديدة قدام قماح مش بعيد يتجوزها على سلسبيل، أو حتى يطلقها." وسوست زهرت بحديثها في رأس هند، التي قالت:

"قصدك إيه، يعني قماح ممكن يتجوز للمرة الرابعة." ردت هند بمكر: "أو يعيد واحدة من الاتنين اللي سبق وطلقهم. لو استخدمتي ذكائك وقربتي من قماح ممكن جداً يفكر يرجعك، بالذات وأن الست سلسبيل بقت مشغولة في الشغل في المقر ومش فاضية له." شعللت زهرت رأس هند، التي تبسمت لها بسمة موافقة. بالمقر. كان هذا وقت الغداء. بمكتب قماح.

لم يخرج لتناول الغداء بل ظل بمكتبه يتابع عبر حاسوبه كاميرات المراقبة. جلوس سلسبيل مع زملائها بالمكتب، يتناولون الغداء في جو من المرح بينهم، وبساطة سلسبيل في التعامل معهم. رأى جلوس أحد المحاسبين جوارها وحديثه معها وابتسامها له. شعر بغيرة قوية، ود أن يذهب إليها ويأتي بها تجلس معه ولا تبتسم لأحد غيره. كان قرار خاطئ حين امتثل لقرارها بالعمل. هي لا تعلم أنه لم يكن يمنعها تجبراً منه، بل غيرة عليها. أجل يغار حين تتحدث مع أي

رجل غيره، بالأخص هؤلاء الموظفين بالمقر. سابقاً حين كانت تأتي بعض الوقت تقوم ببعض التدريب أثناء دراستها كان يشعر بالغيرة حين يراها تتحدث معهم، وكان ذالك لوقت قصير ساعتين بالأكثر ومرة مرتين بالأسبوع، والآن لوقت طويل ويومياً. زفر أنفاسه، وفكر في شيء قد يجعلها تذهب إلى مكتبه. رفع سماعة هاتفه وطلب من السكرتيرة الخاصة به، طلب بعض ملفات المحاسبة من الحسابات، وأن تأتي بها سلسبيل.

بالفعل بعد وقت. دخلت سلسبيل ببعض الملفات. تبسم قماح خفية وقال: "شايف إنك بسرعة تأقلمتي مع الموظفين في المقر." ردت سلسبيل: "عادي، سبق وكنت باجي وأنا في الجامعة هنا وليا معرفة سابقة معاهم، بس أكيد مطلبتنيش عشان كده، دي الملفات الخاصة اللي طلبتها من سكرتيرتك." تبسم قماح:

"فعلاً طلبتك عشان شغل، الملفات دي فيها حسابات لبعض الموردين اللي انتهى تعاملنا معاهم، وكنت عاوز آخد فكرة عن إجمالي معاملاتهم معانا، وبصراحة معنديش وقت أقرأ الملفات دي، ممكن تختصر لي الموجود فيها شفهياً." ردت سلسبيل: "تمام." نهض قماح من على المقعد خلف المكتب، واقترب من سلسبيل قائلاً: "خلينا نقعد هناك، حتى نبقى قريبين من بعض وأفهم أكتر."

نظرت سلسبيل إلى المكان الذي أشار لها عليه، كانت أريكة جلدية وأمامها طاولة صغيرة. بالفعل ذهبت للمكان وجلست خلف جلوس قماح، وبدأت في توضيح الملفات له، لكن هو لم يكن يركز في ذلك، كان يركز معها هي، ود أن يجذبها ويقبلها يروي ظمأه لشفاهها بسبب هجرها له الفترة الماضية. بالفعل اقترب أكثر من سلسبيل ووضع يده على كتفها يقربها منه.

ارتبكت سلسبيل حين شعرت بيده التي وضعها عليها، ورفعت بصرها عن تلك الملفات ونظرت له. نظر قماح لها أيضاً، كادت سلسبيل أن تتوه في عينيه، وكذالك قماح الذي جذبها عليه لم يعد يفصل بين شفاهم سوى سنتيمترات قليلة، لكن في تلك اللحظة فُتح باب المكتب دون استئذان. مما أربك سلسبيل، وجعلها تفيق من تلك السطوة وتراجعت برأسها تنظر إلى من دخلت عليهم دون استئذان ترسم بسمة دهاء قائلة: "قماح وحشتني." نهضت سلسبيل من جوار قماح تسير

ونظرت لها باشمئزاز قائلة: "متشوفيش وحش، أظن أنا خلصت توضيح الملفات لك أسيبك لـ هند السنوري اللي وحشتها وجاية تشوفك وتملى عيونها بيك." تضايق قماح من ذلك بشدة، كم ود أن يطرد هند الآن من المكتب ويطلب من سلسبيل البقاء معه. لكن خروج سلسبيل السريع منعه من ذلك. نهض هو الآخر من مجلسه وذهب إلى خلف مكتبه وجلس على المقعد قائلاً بفتور: "خير يا أستاذة هند جاية ليه النهارده."

شعرت هند بوخز في قلبها، ليس فقط من حديث قماح الفاتر، بل حين دخلت ورأت قماح قريب من سلسبيل بدرجة قريبة للغاية، ربما لو لم تدخل بالوقت المناسب لكان قبلها. لكن رسمت بسمة قائلة بعتاب مدلل: "أستاذة هند. من إمتى كان بينا رسميات يا قماح. بصراحة، أنا كنت هنا قريبة من المقر بتغدى مع تاجر بنتعامل معاه ومستظرفتوش، استأذنت منه ولما لقيتني قريبة قولت آجي أسلم عليك." رد قماح: "وأيه سبب عدم استظرافك للتاجر؟

على العموم ميهمنيش، وكان لازم قبل ما تدخلي للمكتب تاخدي إذن مني." ردت هند وهي تتغاضى عن فتور حديث قماح: "أبداً تاجر غلس شوية وكذا مرة لمح لي بإعجابه بيا، وأنا بصراحة مش برتاح لنظراته. إنت عارف إني بحب أشتغل مع التجار اللي برتاح لهم، بس بابا ضغط عليا أقابله، واتكلمت معاه في الشغل ولما لقيته هيتعدى حدوده استأذنت منه بحجة إني عندي ميعاد معاك هنا في المقر." قالت هند هذا وسارت بدلال إلى أن اقتربت من مكان جلوس قماح وانحنت

على مكتبه أمامه قائلة: "شكلك اتضايقت من مجيي لهنا. على العموم... قطع حديث هند، سماع طرق على الباب، ودخول سلسبيل بعده، التي انصدمت للحظات من وقوف هند وانحنائها على مكتب قماح، لكن أظهرت اللامبالاة وقالت بتريقة: "آسفة إن كنت قاطعتكم، نسيت الملفات وكنت راجعة عشان أخدهم." بالفعل أخذت سلسبيل الملفات وخرجت سريعاً. بينما نهض قماح ونظر لهند قائلاً بحدة:

"أظن سبق وقولت ليكي، اللي بينا شغل وبس، يا ريت تتفضلي، مش فاضي وبعد كده قبل ما تيجي للمقر، تبقي تطلبي معاد الأول." تضايقت هند من جفاء قماح ورسمت الدموع وقالت: "قماح إنت ليه بتعاملني بالطريقة دي، إنت عارف إنت إيه بالنسبة ليا. قماح أنا معنديش مانع إني أكون زوجة تانية لك." بالمركز التعليمي. انتهت تلك المحاضرة، وخرج معظم المتدربين من الغرفة. أثناء سير هدى للخروج كادت تتصادم مع إحداهن التي دخلت ببسمة تقول بعشم:

"نظيم إتأخرت ليه، بقالي نص ساعة مستنياك تحت السنتر ولما زهقت قولت أطلع أكبس عليك لا تكون موزة غيري بتعاكسك." تبسم لها نظيم بقبول. بينما نظرت هدى لها تتفحصها تبدو بسيطة، ولاحظت اللدغة. لا تعرف لما شعرت بالغيرة منها وعادت بنظرها إلى نظيم الذي تقابلت عيناه مع عيني هدى. تبسم لها. بادلته هدى بعدم اهتمام وخرجت مباشرةً، لكن فكرها مشغول من تكون تلك الفتاة، التي قبل أن تحدثه أرسلت له قبلة في الهواء. وهو تبسم لها. ليلاً.

بعد منتصف الليل. بالإمارات. كانت همس تجلس أمام شاشة التلفاز تشعر بالقلق. كارم لم يأتِ طوال اليوم، وهاتفته عدة مرات ولم يرد عليها. فكر عقلها أن تذهب إلى ذلك المطعم. حسمت أمرها، ستبدل ملابسها وتذهب إلى المطعم، لكن قبل أن تدخل إلى غرفة النوم، سمعت تكات فتح باب الشقة. ذهبت سريعاً نحو الباب، تبسمت حين رأت كارم يدخل. بتلقائية منها ارتمت في حضنهُ قائلة: "الحمد لله إنك بخير." رجف قلب كارم ولف يديه حولها سعيد بذلك.

لكن انتبهت همس لنفسها وشعرت برجفة وابتعدت عن كارم سريعاً وقالت بارتباك: "إيه اللي آخرك لنص الليل وكمان مجتش عالغدا وطول اليوم بتصل عليك مش بترد." شعر كارم بنغزة في قلبه بعد أن ابتعدت همس، لكن في نفس الوقت تذكر حضنها له فابتسم قائلاً:

"أبداً، حالنا عميل وطلب تأجير المطعم العشاء على شرف حفلة مهمة له، وكنت مشغول مع العمال طول اليوم. عشان تعرفي وشك حلو عليا يا همس، العميل ده رجل أعمال وطلب مني أنه يعمل حفلات ولقاءات خاصة بشركته عندي في المطعم من وقت للتاني." تبسمت همس قائلة: "مش وشي اللي حلو عليك، إنت اللي ضميرك سالك." ضحك كارم يقول بتكرار: "هاميس ناصر العراب اللي كانت بتدرس في مدارس لغات تقول كلمة "سـالـك"." تبسمت همس قائلة:

"دي كلمة عادية على فكرة مش محتاجة مدارس لغات، وبعدين بطل تريقة." تبسم كارم يقول: "هبطل تريقة لأني جعان طول اليوم مأكلتش." تبسمت همس قائلة: "مش كنت في المطعم طب ليه مأكلتش طول اليوم." تبسم كارم يقول: "اتعودت خلاص، لازم ناكل سوا ونتكلم واحنا بناكل." تبسمت همس قائلة: "بس جدتي هداية كانت دايماً تقولنا لا كلام على طعام." تبسم كارم يقول: "ده أحلى كلام هو اللي بيتقال على الطعام." بشقة سلسبيل.

قلبت سلسبيل في فراشها تشعر بضجر، لكن فجأة سمعت صوت فتح باب الغرفة. نظرت باتجاه الباب. تبسمت حين رأت دخول قماح نصف عاري. تبسم هو الآخر لها وأقترب من الفراش، وانحنى عليها. وقبل جانب عنقها، ورفع رأسه ينظر لعين سلسبيل. تبسمت له بقبول. انحنى قماح يقبلها مرة أخرى، تجاوبت معه سلسبيل ولفت يديها حول عنقهُ مستمتعة بقُبلاته.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...