الفصل 18 | من 41 فصل

رواية عش العراب الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سعاد محمد سلامه

المشاهدات
23
كلمة
5,099
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 44%
حجم الخط: 18

في شقة همس. غرفة الصالون. كان يجلس النبوي برفقة المأذون والشاهدين، ومعهم كارم الذي تختلط بداخله المشاعر. بين فرحه أنه أخيراً، همس ستصبح زوجته كما تمنى منذ أن وعى على الحياة، وخوف من القادم بعد أن تبقى همس وحدها معه بمفردهما. يخشى رد فعلها، بسبب ذلك الرهاب حين يقترب منها.

أثناء تفكير كارم، دخلت هداية مبتسمة تلقي عليهم السلام. دخلت من خلفها همس الغرفة. في تلك اللحظة، سحرته تلك الحورية الصغيرة التي ترتدي رداءً أبيض يمزج بين الحرير والشيفون، بسيط مطرز ببعض الأحجار الصغيرة الزرقاء. حقاً، كان لابد لتلك الأحجار الزرقاء بالرداء أن تحميها من الحسد. من الجيد أنها تضع ذلك النقاب على وجهها حتى لا يرى وجهها أحد. نهض واقفًا، هائمًا. ماذا سيحدث لو رأى وجهها الآن؟

سيسمعها كل ما قيل في كلمات الغزل، ويقول إنها لا تكفي ولا تعبر عن ما بقلبه الهائم بها. تبسمت له هداية، جعلته ينتبه على حاله، وتبسم لهن ثم جلس.

بعد جلوسه، جلست هداية وجوارها همس التي يرتجف داخلها بشدة. بعد دقائق، ستصبح بعقد شرعي وقانوني زوجة لكارم. عجيب هو القدر. كانت سابقًا تتهرب منه حين يقترب منها. كان بخيالها صورة أخرى لفارس أحلامها. تبدل ذلك بعد أن عادت مرة أخرى للحياة. نبض قلبها لآخر غير صورة ذلك الفارس الوهمي التي كانت ترسمها. ما حدث لها بدل كل شيء بحياتها. تجربة قتلت براءتها الطفولية وأحيتها بشكل آخر، أكثر نضوجًا من اللازم. لكن برهبه تسكن عقلها وقلبها، تخشى النظر في الوجوه، لا تريد أن ترى شفقة حتى من أقرب الناس إليها.

بعد قليل. انتهى المأذون من تراتيل الزواج، وقام كارم بالإمضاء. ثم مرر دفتر المأذون نحو همس كي تمضي. يرفع القلم بيده لها. نظرت همس لذلك الدفتر ثم لكارم. تحدثت بعينيها: "قدامك فرصة قبل ما تربط حياتك بيا. أنا مهزومة وموصومة." تبسم كارم وتحدثت عيناه: "أنتي مش مهزومة. ليه مفكرتيش في إن ربنا إدالك فرصة تانية في معركة الحياة؟

أنتي تاج العفة. اللحظة دي أهم لحظة بعمري. متعرفيش قد إيه إشتقت وناجيت ربنا إن تكوني من نصيبي. القدر عطاني منحة تانية ومش هتنازل عنها. وهترجعي همس اللي كانت بسمتها زي شروق الشمس بعد الغيوم." مدت هداية يدها وأخذت الدفتر ووضعته على ساق همس. نظرت همس لها، أمأت هداية لها بالإمضاء. إمتثلت همس لما يحدث ومدت يدها، أخذت القلم من يد كارم. بيد مرتعشة خطت همس اسمها بالدفتر. في تلك اللحظة، أطلقت وصيفة الزغاريد المجلجلة.

للحظة، انخضت همس، لكن تبسمت بعد ذلك. تبسم المأذون قائلاً: "مش تستنى إمضاء الشهود الأول." تبسمت وصيفة وقالت: "ده كتب كتاب ست البنات والعرايس. أنا جبت الشربات." شعرت همس بغصة في قلبها. بينما تبسم النبوي قائلاً: "فعلاً همس ست العرايس. وزغرتي يا وصيفة لو بعرف أزغرت كنت زغرطت." تبسمت همس وهي تنظر للنبوي بإمتنان. بادلها البسمة بحنان وتشجيع. بينما تفاجأ الجميع حين سمعوا صوت زغروطة مميزة. نظر كارم لها بذهول قائلاً:

"الحجة هداية بتزغرت في كتب كتابي. لأ، دا واضح إن معايا كل الحظ النهارده." ضمت هداية همس تحت كتفها وقالت براحة: "إنت معاك زينة الصبايا. هاميس ناصر العراب." تبسمت همس التي يرتجف قلبها. شعرت هداية برجفة همس، فضمتها أكثر وقبلت رأسها. تدمعت عين همس. بينما نهض المأذون قائلاً: "مبارك عليكم وبالرفاء والبنين. أعذروني، لابد أن أستأذن. عندي عقد قران آخر." أشارت هداية لكارم قائلة:

"فُز يا كارم مع حضرة الشيخ وصلوا للمكان اللي رايده." رغم أن كارم يود البقاء، لكن نهض وخرج مع المأذون. كذلك الاثنين الشهود. وتركوا النبوي وهداية وهمس. التي أتت همس الصغيرة لها وكشف ذلك الوشاح عن وجهها وهمهمت ببعض الكلمات تهنئ همس. تبسمت لها همس وقبلت وجنتيها. بينما تبسم النبوي قائلاً: "هو الشربات خلص ولا إيه يا وصيفة؟ عاوز كوباية تانية." تبسمت وصيفة قائلة:

"لأ يا نبوي بيه. في شربات كتير. في المطبخ. هروح أجيب لك كوباية تانية. تؤمرينى بحاجة يا حجة هداية؟ تبسمت هداية قائلة: "ميؤمرش عليكي ظالم يا وصيفة. كتير خيرك. جميلك على راسي. يا بت الأصول. كفاية راعيتي الأمانة وصنتي السر الفترة اللي فاتت." تبسمت وصيفة قائلة: "لازمته إيه الكلام ده يا حجة هداية؟

خيركم سابق عليا. غير كتر خيره النبوي بيه. كفاية إنه خد همس بت بتي لدكتور وأهو ربنا جاب على يده نتيجة. همس بدأت تجمع بعض حروف الكلام، ومع الوقت يمكن تتكلم زينا." تبسمت همس قائلة: "إن شاء الله. أكتر حاجة هفتقدها وأنا خارج مصر هي همس. اتعودت على اللعب معاها وكمان بنتشارك الشيكولاتة والبونبوني مع بعض." تبسمت وصيفة بحب قائلة: "ربنا يرزقك الذرية الصالحة انتي وكارم بيه ويكونوا كيف قلوبكم الصافية." تنهدت همس بغصة قائلة:

"إن شاء الله." تبسمت وصيفة قائلة: "هروح أجيب الشربات وأرجع." تبسم النبوي وهو ينظر لهمس قائلاً: "فرحتي النهارده ملهاش حدود. بقيت متوكل بكتب كتاب اتنين من بنات العراب. لأ، والأتنين بهديهم لاتنين من ولادي." تبسمت همس قائلة: "كده مش ناقص غير هدى، بس دي شكل نصيبها هيبقى من بره العراب." تبسم النبوي وقال:

"حتى لو نصيبها من بره العراب، أنا برضه اللي هتوكل ليها. والحجة هداية هي اللي هتساعد في تزينها لعريسها كيف ما عملت معاكي إنتي وسلسبيل." تبسمت همس قائلة: "وسلسبيل الحمل عامل معاها إيه؟ بطنها بانت ولا لسه؟ تبسمت هداية قائلة: "لأ، لسه. هو كده حبل البكرية مش بيظهر غير متأخر. غير إنها حامل في صبي، والحامل في الصبي بتبقى بطنها مش كبيرة، زي البنت." تبسمت همس قائلة: "إيه اللي خلاكي متأكدة كده يا جدتي إن همس حامل في ولد؟

مش يمكن بنت؟ وبعدين سلسبيل أساساً رفيعة وطويلة وممكن الحمل ميظهرش عليها بسرعة." تبسم النبوي يقول: "الحجة هداية عمر توقعها ما خاب." تبسمت هداية. بينما في نفس الوقت دخلت وصيفة بكوب الشربات. أخذه النبوي، لكن دون انتباه منه، سقط جزء كبير منه فوق ملابسه. تحدثت وصيفة: "خير إن شاء الله." قالت هداية: "قوم يا ولدي اخلع البدلة والقميص، خلي وصيفة تنضفهم لك."

خلع النبوي الجاكيت وقميصه وبقي بفانلة داخلية بنصف كم وأعطى ملابسه لوصيفة. أخذتهم وخرجت. لكن لسوء الحظ، في نفس الوقت رن جرس باب الشقة. ذهبت وصيفة وقامت بفتح الباب. لتلك التي حين رأت ملابس النبوي على يدها، لبستها كل الشياطين. جذبت الملابس من على يدها بتعسف قائلة: "هو المأذون لحق يكتب الكتاب ولا إيه؟ أنا جيت متأخرة." ردت وصيفة بتعجب: "الست قدرية." ردت قدرية بتعالي:

"أيوا ستك قدرية. إيه النبوي ضاق بيه الحال وهيرمي على واحدة كانت بتيجي الدار تبع بضاعتها البايرة؟ خلاص النسوان خلصوا مبقاش غيرك يا بياعة الزبدة." ردت وصيفة: "مش فاهمة تقصدي إيه يا ست قدرية.... علت قدرية صوتها، وبدأت تسب وصيفة ببذائة.

في ذلك الوقت، وصل صوت قدرية إلى غرفة الصالون وسمعته همس، التي ارتاعبت أوصالها، وقامت تغطي وجهها. ليس هذا فقط، بل بدأت تبكي وترتعش وتهذي بخوف، ونهضت من جوار هداية، وأصبحت مثل المجانين تهذي بخوف ورعب. كل ما تقوله: "مش عاوزة حد يشوفني. أنا مش خاطئة، مش خاطئة" وتسيل دموعها.

ارتاعبت هداية هي الأخرى، لكن على حالة همس التي تبدلت حين سمعت صوت قدرية. كذلك النبوي الذي تعجب حين رأى حالة همس. همس لم تُشفى بالكامل، ها هي من أول مواجهة غير مباشرة. ارتاعبت. رغم ذلك، خرج النبوي من غرفة الصالون وأغلق خلفه الباب. نظر لقدرية التي تتهجم على وصيفة بالسب والحديث البذيء، بل وكادت تتهجم عليها بالضرب، لكن توقفت وارتجت من صوت النبوي الحازم: "قدرية إيه اللي جابك هنا؟ وعرفتي العنوان ده إزاي؟ ...

ممشية ورايا اللي يراقبوني إياك." ردت قدرية المرتجفة بتعسف: "راجلي، بيعمل إيه في شقة مفروشة في البندر؟ لأ، وطالعلي كمان بالفانلة؟ يظهر قطعت عليكم الخلوة." صفعة قوية على خد قدرية، أفقدتها صوابها. نظرت للنبوي بذهول، لكن قبل أن تتحدث، جذب النبوي قميصه وأرتداه وقام بجذب قدرية من يدها قائلاً: "حسابنا مش هنا. حسابك واعر." تهكمت قدرية قائلة: "حسابي واعر ليه؟ فيها إيه الخدامة دي عشان تتجوزها عليا؟ ولا لفت عليك ميتين؟

ما أنت قلبك حنين. زمان لفت عليك الإغريقية اللي كانت جاية مصر تستلقط راجل، ودلوقتي بياعة الزبدة اللي كنت بشحتها خلجاتي القديمة." رد النبوي: "حسابك كبر يا قدرية قدامي من سكات. وكلمة زيادة هتكوني.... قاطعه حديثه دخول كارم إلى الشقة، وتعجب بل وذهل حين رأى والدته. وشعر بتوجس، وقال: "مامان." نظرت له قدرية بذهول قائلة بسخرية: "جاي هنا ليه؟ جاي تشهد على كتب كتاب أبوك من واحدة كنت بتزكي عليها بخلجاتي القديمة."

كانت وصيفة تبكي من كم الإهانات التي نالتها من قدرية، لكن كانت صامتة. نظرت قدرية لبكاء وصيفة قائلة: "ساكتة ليه و بتبكي على إيه؟ اتفاجئتي لما عرفتي إنك مجاملة؟ واحدة غيرك مش تبكي دي تسم نفسها. لما تبقي في سنك ده وتلوفي على راجل متجوز وعنده شباب. بس العيب مش عليكي. العيب على اللي بيرمي على النسوان، لاه وولده زيه وبيساعده. عقله راح منه من يوم الخاطية ما قتلت حالها." قالت هذا وصفعت كارم على وجهه.

تلقى كارم الصفعة بصمت مذهول من وقاحة ودناءة والدته. بينما صفعة قوية من النبوي لها، وجذب يدها بقوة وخرج من الشقة وأغلق خلفه الباب بقوة. نظر كارم لوصيفة قائلاً: "إيه اللي حصل وماما جت هنا إزاي؟ لم ترد وصيفة ومازالت تبكي. تحدث كارم: "همس... أشارت له وصيفة على باب غرفة الصالون.

ذهب إليها سريعاً وفتح الباب. نظر بذهول، لتلك التي ترقد على الأرض تجلس القرفصاء تضم ساقيها لصدرها، تبكي وترتعش وتهذي، تكاد تصرخ، لكن تكمم فمها بيديها، خشية أن تسمعها قدرية ويفتضح أمر أنها مازالت تعيش. سمعت كل حديث قدرية القذر في حقها. قدرية أعادتها لنقطة الصفر التي ظنت أنها تخطتها. عاد لها الرهاب من أي أحد يقترب منها، حتى هداية نفسها حين اقتربت منها كي تضمها، عادت همس تزحف للخلف، تنظر لها بخوف. لم تستسلم هداية وجلست لجوارها وضمتها بقوة، رغم ممانعة همس. لكن احتوتها بين

يديها ونظرت لكارم قائلة: "اتصل بالدكتورة اللي بتعالج همس، وقول لها على العنوان خليها تيجي." إمتثل كارم لقول هداية وقام بالاتصال على الطبيبة، ثم أغلق الهاتف. يتقطع نياط قلبه وهو يرى همس بكل ذلك الضعف والهذيان. كلماتها كانت تشق قلب كارم، تلك الجملة التي قالتها سابقاً "أنا مش خاطئة" وازداد عليها كلمة "أنا ما كان لازم أعيش، موتي كان راحة لي".

كاد كارم أن يقترب منها، لكن صرخت همس بقوة بنهر. تعود أمامها صورة واحدة، هذان الوغدان اللذان اغتصباها. عقلها يود الاستسلام لتلك الغيبوبة وتفصل عن الوجود، لكن إرادتها ضعيفة. ظلت هكذا لوقت إلى أن أتت الطبيبة. حين اقتربت من همس صرخت تقول: "إبعدوا عني، سيبوني. أنا ليه مموتش؟ كنت ارتاحت." ردت هداية التي تحتضنها بدموع: "وحدي الله يا بنتي، بلاش تكفري. منين جالك إن الموت راحة. خلي الدكتورة تساعدك."

بصعوبة تمكنت الدكتورة من حقن همس بإحدى المهدئات. جعلتها تسترخي وتنام. حملها كارم وأدخلها إلى غرفة نومها ثم عاد للطبيبة مرة أخرى. تحدثت الطبيبة بحزم قائلة: "إيه اللي حصل وصل همس للحالة دي؟ دي انتكاسة لها. آخر جلسة لينا مع بعض قالت لي إنها هتسافر مع ابن عمها بعد ما يكتبوا كتابهم، وكنت حسيت إنها بدأت تعود لها الثقة شوية في اللي حواليها." ردت هداية وسردت لها جزء بسيط مما حدث عن سماعها لصوت سباب زوجة عمها.

تنهدت الطبيبة بغضب قائلة:

"سبق والسيد نبوي سألني عن حالة همس وأنه عاوز يعرف باباها ومامتها إنها لسه عايشة، وقولت له بلاش استعجال، لأن همس لسه مقدرتش تتخطى اللي حصلها كان صعب. أنا عرفت إنكم عرفتم إن اللي حصلها كان غصب عنها، بس هي جواها إحساس بالضعف قوي. لأن في العادة اللي بتتعرض لحادث اغتصاب، ممكن تحاول تقاوم بإيدها حتى لو مقاومة ضعيفة منها. بس همس حالتها مختلفة. هي كان مشلول حركتها. جسمها كان شبه متخدر. وده اللي سهل على الأوغاد اللي اغتصابوها

إنهم ميتركوش آثار قوية على جسمها. كانت شبه كدمات. اللي حصل لهمس كنت متوقعة حدوث جزء منه وقت ما انت اتعرفت عليها بالكافيه. بس يمكن وقتها وجودها في مكان عام وسط الناس خفف شوية من حدة الموقف. وكمان في سبب أهم، همس عندها ثقة فيك بس الحذر والرهبة من أي حد يقرب منها هو اللي بيخليها تتراجع. بدليل لما طلبتها للجواز في البداية رفضت وفضلت تسافر للخارج وتبعد عن هنا. في دماغها إنك ممكن تنساها بسهولة بعدها. بس لما أصرت على طلبك

وحطيتها في اختيار سلمت للأسهل بالنسبة لها إنها تسافر معاك. بس محدش يعرف أنها لسه عايشة."

تحدث كارم: "طب وحالتها هترجع تاني زي الأول ولا إيه اللي هيحصل." ردت الطبيبة: "لأ طبعاً مش هترجع بنفس درجة الأول، هي هيستمر معاها الرهبة لوقت." رد كارم: "المفروض إننا كنا بعد كتب الكتاب هنسافر للقاهرة، لأن ميعاد الطيارة الساعة تسعة الصبح. كنت عامل حسابي نبات في أوتيل في القاهرة." ردت الطبيبة: "عادي الحقنة اللي خدتها هتنيمها للصبح، وممكن تصحى هادية. وكمان بعدها عن هنا أفضل بعد اللي حصل، ممكن تحس بأمان أكتر من هنا."

تبسم كارم للطبيبة. بينما عاودت الطبيبة الحديث: "أنا ليا زميلة طبيبة نفسية عايشة مع جوزها في الإمارات وتواصلت معاها وعطيتها تقرير مفصل عن حالة همس وكمان همس تواصلت معاها هاتفياً ومعاها عنوان الدكتورة في الإمارات." تبسمت هداية قائلة: "عندي إحساس إن ربنا هياخد بيد همس وترجع من تاني لينا وتعود زي ما كانت كيف شروق الشمس." تبسم كارم بأمل. غادرت الطبيبة. تحدثت هداية:

"زي الدكتورة ما قالت يا كارم، يمكن سفر همس دلوقتي يكون في صالحها وتعود من تاني لينا وتواجه خوفها. دلوقتي خليني أبوسها وبعدها خدها يا ولدي وسافروا يبلغكم السلامة." رد كارم وهو ينحني على يد هداية:

"ادعي لينا كتير يا جدتي. أنا محدش من العيلة كان يعرف إني هسافر غير حضرتك وبابا. وقولت لبابا هو يبلغ ماما والعيلة بعد ما أكون سافرت، عشان ممكن ماما كانت هتحاول تقنعني إني مسافرش. بس معرفش إزاي عرفت بالشقة دي وجت لهنا واتكلمت بالطريقة الفظة دي. بعتذر ليكي يا ست وصيفة." ردت وصيفة التي تشعر بمهانة قدرية لها، لكن هداية جبرت بخاطرها ببعض الكلمات، كذلك كارم الآن:

"اعتذارك على راسي يا أستاذ كارم. انتي مغلطتيش في حاجة. ربنا يسعدك انت وهمس وابقي افتكروني من فترة للتانية بمكالمة تليفون." تبسم كارم لها يومئ رأسه بقبول. ثم نظر لهداية قائلاً: "أنا مش عارف إيه اللي بابا هيعمله مع ماما، بس بتمنى ربنا يهديهم بينهم. وأرجوكي يا جدتي حاولي تهديهم بينهم. بابا بيسمع لكلامك." ردت هداية: "سافر وانت وهمس واطمن يا ولدي اللي فيه الخير هو اللي هيحصل بإذن الله."

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بالمقر. أتى المساء. انتهى يوم العمل. بمكتب قماح.

نظر إلى ذلك الحاسوب الذي أمامه يتابع عبر تلك الكاميرات الموجودة بالمكتب التي تعمل به سلسبيل ومجموعة من المحاسبين. تبسم وهو يراها منهمكة بالعمل. سلسبيل لديها قوة إرادة استهون بخضوعها سابقاً له، لكن ها هي تمردت عليه. لكن شعر بغيرة حين رأى وقوف أحد زملائها بالمكتب بجوارها يبدو أنه يقوم ببعض التوجيهات لها. تضايق من قربه منها. ود الذهاب إلى المكتب وأخذها بعيداً. بالفعل نهض وذهب إلى تلك الغرفة، ودخل مباشرة.

تبسم له العاملين بالمكتب والبعض منهم نهض يرحب به بحفاوة. بينما هو عيناه على تلك الجالسة بلا مبالاة. تحدث أحد الموظفين: "نورت المكتب يا قماح بيه. أي خدمة." رد قماح: "متشكر بس كنت جاي آخد مدام سلسبيل وقت الشغل خلاص انتهى." تبسم له قائلاً:

"فعلاً المفروض وقت الشغل انتهى، بس ما شاء الله مدام سلسبيل عندها نشاط غير عادي. وفضلت تساعدنا في تخليص شوية حسابات خاصة بالتجار اللي وردوا لينا في الفترة اللي فاتت. رغم إن أستاذ عبد الحميد قالنا إنها حامل ومش لازم نجهدها، مع ذلك هي أصرت تساعدنا." رغم شعور قماح بالغيرة من حديث ذلك الموظف وهو يمدح في سلسبيل، لكن رسم بسمة وقال: "فعلاً مدام سلسبيل حامل ومش لازم نجهدها. كفاية كده النهارده."

نظرت له سلسبيل وفكرت في معارضته أمام الموظفين، لكن دخول والدها إلى المكتب جعلها تصمت وترسم بسمة. حين قال: "مش كفاية كده يا سلسبيل، إنتي مالكيش إجهاد." تبسمت سلسبيل له ونهضت قائلة: "تمام، اللي مخلصش النهارده أخلصه بكرة رغم إني مش حاسة بأي إجهاد." لملمت سلسبيل بعض محتوياتها الخاصة بها ووضعتها بحقيبة يدها، وتوجهت نحو وقوف والدها، لتسير معه وخلفهم كان قماح، يشعر بالغضب من تجاهل سلسبيل المتعمد له.

توقف ناصر أمام المقر قائلاً: "قماح خد معاك سلسبيل للدار." تحدثت سلسبيل بمعارضة: "لأ هروح معاك يا بابا." رد ناصر: "مش هينفع عندي مشوار مهم قبل ما أرجع للدار." إمتثلت سلسبيل لقول والدها الذي تبسم لقماح. رد قماح عليه ببسمة هو الآخر، بينما سلسبيل تضايقت من ذلك. كيف لوالدها أن يثق بقماح بعد أن قام باتهامه وجعلها تستمر في ذلك الزواج بمساومة منه. لو كان بودها لإنتهت ذلك الزواج من ذلك العنجهي.

بعد قليل بسيارة قماح، كان يقود السيارة ببطء. شعرت سلسبيل بذلك وقالت له: "إنت ليه بتسوق ببطء كده." رد قماح: "مش بسوق ببطء ولا حاجة. هي دي سرعة العربية في العادة." نظرت له سلسبيل: "عربية أحدث موديل وماركة عالية، وبتمشي بالبطء ده. قماح بلاش استهبال، وسوق بسرعة شوية." تبسم قماح قائلاً: "وراكي إيه في الدار؟ مستعجلة علشانه من شوية في المكتب مكنتيش عاوزة تقومي، وتكملي شغل." تنهدت سلسبيل قائلة:

"حسيت بتعب فجأة، من فضلك زود سرعة العربية." رد قماح: "متنسيش إنك حامل والسرعة العالية مش كويسة علشانك بسبب المطبات." ردت سلسبيل: "قماح بلاش طريقتك دي. عاوزة أروح الدار، حاسة بإرهاق." تبسم قماح يقول بمكر: "طريقة إيه، مش فاهم قصدك." ردت سلسبيل:

"طريقتك المتحكمة، دايماً في اللي حواليك. قولت لك إنك مش هتفرض شيء عليا بعد كده، ياريت تسوق بسرعة شوية ومتخافش. صحيح، أنا حامل بس شوية سرعة مش هتأثر عليا. وبسبب الحمل ده هو اللي مانعني آجي المقر بعربيتي اللي اشتراهالي عمي، وبحتاج للسواق، بس شكلي بعد كده هاجي بعربيتي." نظر قماح لشبابيك السيارة وفجأة توقفت.

عجبت سلسبيل من ذلك، لكن قبل أن تستعلم عن سبب وقوفه، تفاجئت به يجذبها وبلا انتظار قبل شفتيها قُبلة متشوقة بها بعض الحدة قليلاً. تفاجئت سلسبيل بذلك للحظة فقدت الإدراك من المفاجأة، لكن وعيت على حالها وقامت بدفعه بيديها تبعده عنها. بالفعل ابتعد حين شعر بحاجتها للتنفس. تبسم وهو ينظر لوجه سلسبيل المتهجم، وقبل أن تتحدث عاد يقود السيارة، لكن سرع في القيادة قليلاً. بينما سلسبيل التقطت أنفاسها قائلة:

"قولت لك قبل كده متقربش مني، وإن كان جوازنا ما زال قائم فهو بحدود وأولها إن جوازنا مجرد منظر مش أكتر." رد قماح باستفزاز: "مفيش حاجة اسمها جوازنا منظر. سلسبيل، أنا لغاية دلوقتي متحكم في نفسي ومستحمل عنادك، وإن كنت اتنازلت وقبلت إنك تشتغلي فده بمزاجي مش أكتر." تهكمت سلسبيل ساخرة دون رد. نظر قماح لها وتبسم وقال:

"بس بصراحة تحديكي وإنك تحاولي تثبتي نفسك في شغل المحاسبة مكنش مفاجئ ليا. بس اللي اتفاجئت بيه معاملتك البسيطة مع الموظفين." نظرت له سلسبيل قائلة: "إيه كنت فاكرني زي هند السنوري، هتفشخر باسم العراب على الموظفين." رد قماح: "واضح إن غرورك مش بيظهر لحد غيري يا نبع المايه." ردت سلسبيل:

"مش غرور ده كرامتي اللي أنت دستها من أول جوازنا. وبعدين ميهمنيش تقول عليا مغرورة. واضح إن الغرور صفة في نسل العراب، سواء كان بنت أو ولد. بس بستغرب واحدة زي هند المفروض إنها طليقتك. أنا لو مكانها ما كنتش هتعامل معاك نهائي حتى لو اضطريت. كان ممكن تخلي أخوها أو باباها اللي يتعاملوا معاك، أو إني أبيع بنص سعر السوق أكرملي... بس واضح إنك غالي عندها. على العموم ميهمنيش. هي واحدة معندهاش كرامة مش جديدة عليها."

تبسم قماح وقال: "أول درس أنا اتعلمته، البيزنس مفهوش مشاعر. وده درس ليكي انتي كمان." ردت سلسبيل بتهكم: "إنت معندكش مشاعر لا بيزنس ولا في غيره، وفي فرق بين المشاعر والكرامة، بس شكراً إنك عرفتني الدرس ده، ياريت تسرع السرعة شوية، الطريق تقريباً شبه فاضي." بالفعل زاد قماح من سرعة السيارة، بعد أن شعر براحة في الحديث مع سلسبيل رغم ردودها عليه المقتضبة، لكن لأول مرة يتجاذبان الحديث بتلك الطريقة، بطريقة المجادلة.

وصلا إلى دار العراب ودخلا إلى المنزل سوياً. ليسمع الاثنان أصوات النبوي وقدرية العالية. ليتوجه الاثنان إلى مكان الصوت. ليقف الاثنان مذهولان مما سمعوه. بينما قبل قليل. دخل النبوي بقدرية إلى دار العراب. تحدث قائلاً: "آخر شي كنت أتوقعه منك إنك تراقبيني. وصلت لبكاء الجنان للدرجة دي." ردت قدرية:

"إنت السبب في جناني. جوازتك عليا قبل كده بالإغريقية، والنهارده كمان تتجوز عليا واحدة مستعجلة خدامة للي في رجلي. ولأ، واضح إنك طويت كمان كارم تحت جناحك ويمكن هو الشاهد على جوازك من بياعة الزبدة، ما هو عقله طار من يوم ما الخاطية همس قتلت نفسها قدامنا." نظر النبوي لنهلة التي أتت ودموع فرت من عينيها وقالت بدفاع: "كلنا سمعنا تسجيل باللي حصل لهمس وهمس عند ربنا. بلاش تجيبي سيرتها بوصمة هي بريئة منها." تهكمت قدرية قائلة:

"مفكرة إني صدقت اللعبة ولا إيه؟ الشيخة سلسبيل المكشوف عنها الحجاب، أكيد تسجيل متفبرك. وده ميهمنيش." رد النبوي الذي يحاول أن يتمالك غضبه حتى لا يخطئ: "وأيه اللي يهمك يا قدرية." ردت قدرية: "يهمني نفسي، وكرامتي اللي إنت هدرتها من سنين يوم ما دخلت عليا بالإغريقية وجولت مرتي، من غير ما تعمل حساب لشعوري وجاتها. جبت خواجاية اتعرفت عليها في الشارع الله أعلم عشقت كم راجل جابلك." تعصب النبوي قائلاً:

"كارولين كانت شريفة وعفيفة ومكنش في حياتها أي راجل قبلي يا قدرية." تهكمت قدرية: "بأمارة إيه أمها اللي الكاس مبيفارقش إيدها، ولا أخوها الجمارتي." نظر النبوي لها متعجباً يقول: "وعرفتي المعلومات دي منين." ارتبكت قدرية قائلة بتوهين: "سمعتها مرة بتتكلم عنهم... غير الفلوس اللي كنت بتبعتها لهم عشان يسمحوا لك تشوف قماح." اقترب النبوي وأمسك قدرية من عضدها وقال باتهام:

"كذابة، كارولين من يوم ما اتجوزتها نسيت أهلها في اليونان. انتي اللي بلغت أمها وأخوها بموتها ويمكن كمان انتي اللي ساعدتيهم عشان ياخدوا قماح." ردت قدرية: "وأنا كنت أعرفهم منين ولا أعرف حتى لغتهم. أنا كنت بفسر كلام كارولين العربي المكسر بالعافية.... وبعدين إنت بتتهمني عشان تداري خزوتك." رد النبوي: "هخزي من إيه، أنا راجل ومن حقي أتزوج مرة واتنين وتلاتة وأربعة كمان، وانت كل اللي عليكي تتحملي وتسكتي." ردت قدرية بثوران:

"ليه كنت موصومة ولا خاطئة زي بنت أخوك، ولا الإغريقية اللي اتجوزتها زمان." فلت لجام النبوي، وقال: "بنت أخويا وكارولين، أشرف وقلوبهم أنضف من قلبك يا قدرية. أنا بندم إن في يوم رجعتك لعصمتي..... إنتِ طالق يا قدرية." اخترقت تلك الكلمة آذان كل من قماح وسلسبيل اللذين دخلا، كذلك زهرة التي أتت بسبب الصوت العالي، ونهلة الباكية بسبب ذكر قدرية لهمس بكل ذلك السوء.

بينما اشتعل غضب وغليل قدرية التي كأنها أخذت رصاصة برأسها. غاب عقلها وأصبحت تهذي بجنون تسب وتلعن تقذف كل شيء أمامها وتركله بقدميها بقوة. حتى أنها توجهت ناحية سلسبيل بغليل وهي تنظر إلى بطنها، وكورت يدها بقوة وكادت تضربها في بطنها، لولا أن جذبها قماح من أمامها لتصبح بحضنه، لكن نالت سلسبيل جزء من الضربة بمعصم يدها. تألمت سلسبيل بآه قوية، من قوة تلك الضربة. لكن من الجيد أنها أخذت الضربة بمعصم يدها، ولو كانت تمكنت الضربة من بطنها لكان لها ألم وتأثير أقوى، وأذت جنينها.

عاودت قدرية نفس الضربة، لكن هذه المرة تلقتها يد قماح، بعد أن جذب سلسبيل لتبقى خلفه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...