الفصل 29 | من 41 فصل

رواية عش العراب الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سعاد محمد سلامه

المشاهدات
19
كلمة
6,041
وقت القراءة
31 د
التقدم في الرواية 71%
حجم الخط: 18

رغم برودة الطقس بالخارج لكن بقلبيهما كانا يشعران بالدفء. شعر كليهما بالدفء. جذب قماح سلسبيل ليصبح رأسها فوق صدره، الذي شعر بأنفاس سلسبيل الدافئة القريبة من عنقه. بينما أمسكت سلسبيل يد قماح قائلة: "إيدك دفيت شويه، دي كانت تلج من شوية." شد قماح على يد سلسبيل وتنهد هامسًا: "بس أنا حاسس إني لسه بردان."

قبل أن تستفهم سلسبيل، كان قماح يستدير بها لتصبح هي على الفراش وهو فوقها. ينظر لعينيها السوداء الصافية يرى انعكاس وجهه فيهما، ثم نظر لشفتيها التي تبسمت. لم يفكر كثيرًا وهو يقبلها بشغف وتلهف، ظمآن كان وما زال وسيظل يشتهي الارتواء من ذاك النبع الصافي. فاق الاثنان من سكرتهما على صوت بكاء صغيرهم. تنحى قماح عن سلسبيل، التي جذبت طرف غطاء الفراش عليها قبل أن تنهض من على الفراش. نهض قماح قائلاً: "خليكي وأنا هجيب ناصر لهنا."

تبسمت سلسبيل وظلت بالفراش. بعد خروج قماح، رجعت بظهرها على الفراش تشعر براحة وسكينة في قلبها. لم يعد ذاك التشتت. هي تحب قماح، كانت تتمنى تلك الصورة التي كان بها معها قبل قليل، زوج عاشق حنون، حتى لو لم يبح بكلمة عشق، لكن يكفيها أن تشعر بذلك وهي بين أحضانه. بعد لحظات، دخل قماح بصغيرهم أعطاها لسلسبيل، ثم انضم لهما بالفراش ساحبًا غطاء الفراش عليه. تبسم لذلك الصغير الذي كان يبكي قبل لحظات، كف عن البكاء حين أعطاه له.

تحدثت سلسبيل قائلة: "معليشي يا ناصر بيه، نسيت إنك كنت صاحي." تبسم قماح قائلاً: "واضح إن ناصر غاوي سهر زي مامته. فاكرة في أول شهور الحمل كنتِ بتسهري كتير وقتها." تبسمت سهر قائلة: "لأ يا ناصر بيه، ده دماغ لوحده. طول النهار مع جدتي هادي وينام، يجي بقى ليا وردية الليل مش عاوز ينام. وإن حن عليا ونام مش أكتر من ساعتين ويصحى. على رأي جدتي الأمومة مش سهلة." تبسم قماح قائلاً:

"تعرفي إني كنت زي ناصر كده. ماما كانت تحكي لي إني كنت بحب السهر... بس لما كبرت اتبدلت ومبقتش أحب السهر. بس من يوم ما ولدتي ناصر لحد قبل ما أسافر لليونان المرة الأخيرة رجعت أسهر تاني." تعجبت سلسبيل قائلة باستفسار: "وأيه السبب؟ رد قماح وهو يقبل يد صغيره الذي رفقته سلسبيل لصدرها قائلاً: "كنت بسهر أسمع حديثك مع ناصر. كنت بتمنى أدخل أتكلم معاكي وأنتِ بتكلميه وتستعطفيه إنه ينام." ظهر التعجب على وجه سلسبيل.

تبسم قماح قائلاً: "سلسبيل، أنا قليل لما كنت بنام في شقة هند. حتى ملمستهاش من يوم رجعتها. بعترف كان غلط مني وندمت عليه، بس يمكن أتحكم فيا الغضب وقتها وكمان هجرك كان بيعصبني أكتر." ردت سلسبيل بسؤال مفاجئ: "قماح، أيه سبب العلامة اللي في حاجبك وكمان أيه اللي حصلك في السبع سنين اللي عشتهم في اليونان؟ نظر قماح لسلسبيل بصمت لدقائق، جعل سلسبيل تقول: "طالما مش عاوز تحكي لي إنت حـ... قاطع قماح سلسبيل قائلاً:

"سبب العلامة كان إضطهاد من أستاذ يوناني في المدرسة متعصب. شافني مرة بصلي، قال لي إن الإسلام دين عنف وانتشر بالعنف، وإني هكون عنيف وهحرض الطلاب على العنف في المدرسة. ووقتها ضربني بالقلم كان لابس خاتم في صباعه والخاتم عور حاجبى. وقتها كان الجرح يتخيط على الأقل تلات أربع غرز. بس طبعًا أنا كنت عايش مع عيلة محدش فيهم بيسأل عن التاني. كمالة عدد. تعرفي إن ساعات كنت بسأل إزاي ماما كانت عايشة في وسط العيلة دي ومقدروش يدنسوها وقدرت تحافظ على براءتها لحد ما جت هنا لمصر سياحة. وقتها كان عندها تقريبًا تسعتاشر سنة، والصدفة تجمعها بـ بابا ويتجوزها. بابا حكى لي إنه كان أول وآخر راجل في حياة ماما، وأنها كانت عذراء وقت ما اتجوزها."

ردت سلسبيل: "قماح، ربنا بيحط قدامنا اختيارات كتير في حياتنا، والسعيد هو اللي بيختار طريق الصح ويمشي فيه. ومامتك كانت محظوظة بعمي بصراحة." تبسم قماح قائلاً: "قصدك إيه بإن ماما كانت محظوظة بـ بابا." ردت سلسبيل بأعجاب واضح: "بصراحة عمي هيبة وشخصية بيجمع بين القوة والعاطفة في نفس الوقت. عنده احتواء وتفهم لكل اللي حواليه واللي بيتعامل معاه." نظر لها قماح قائلاً بشبه غيرة: "ليه بحس إن عندك إعجاب كبير بشخصية بابا."

لعبت سلسبيل على وتر غيرة قماح التي شعرت بها قائلة:

"يمكن لو سألت أي بنت مين مثال الرجولة في دماغك هتقول لك باباها. أنا بصراحة كده معجبة جداً بعمي من وأنا صغيرة وهو مثل الرجولة في دماغي. راجل شهم وعنده براعة في التحكم في غضبه. كفاية إن فضل مستحمل جوازه من قدرية أكتر من خمسة وتلاتين سنة. ولو ما كانش غبائها كان هيفضل مستحملها بقية عمره عشان بس ما يخسرش أولاده. بغض النظر عن رباح وتربيته السو اللي ورثها منها بس كارم ومحمد ما كانوش زيه. بس عارف حاسة إن رباح هيقع في مشكلة كبيرة قريب وهتكون السبب أنه يفوق من غباؤه."

رغم شعور قماح بالغيرة من إعجاب سلسبيل بشخصية أبيه، لكن قال لها: "وبالنسبة لـ رباح ده إحساس ولا حلم شفتيه." ضحكت سلسبيل قائلة:

"بصراحة حلم شفته. رباح في ماشي في طرق مفتوحة قدامه بس تايه يختار أي طريق بس في إشارة في آخر طريق منهم معرفش دي بقى إشارة رجوع ولا ضلال أكتر. زهرت أنتي عارفة إن جدتي مكنتش عاوزاها وحاولت تقنع رباح بس هو أصر حتى وقتها هدد أنه هيسيب البيت وعمي وقتها قال لها ده اختياره وهو اللي هيتحمل نتيجته. زهرت أنانية طول عمرها... ومتأكدة إنها مش بتحب رباح بس عندها القدرة تعرف إزاي تسيطر عليه."

تبسم قماح لسلسبيل بتوافق وتذكر أفعال زهرت سابقًا حين كانت تحاول إغواءه ولفت نظره لها ببعض الأساليب الفجة، وبالأخص بعد طلاقه الأول كانت تحاول التقرب منه لكن هو كان يصدها. وحين قابل هند تزوج بها كي يقطع عليها ذاك الطريق. تبسم قماح وهو ينظر لصغيره قائلاً: "واضح إن ناصر لسه عاوز يسهر." نظرت سلسبيل إلى صغيرها الذي شبع وترك صدرها ويبدو كأنه استيقظ لتوه من النوم. تبسمت قائلة:

"واضح جدًا. هي عادته ولا هيشتريها. وبعدين عرفت خلاص إنها وراثة بقى. تعرف وإنت في اليونان الفترة اللي فاتت كان تعب شوية ومكنش بينام غير في حجر جدتي." تبسم قماح وهو يأخذ الصغير منها يقبل خديه، لكن الصغير هبشه بأظافره الرقيقة الدبوسية.

ضحك قماح وهو يضم الصغير لحضنه مبتسمًا، يتذكر آخر زيارة له إلى اليونان قبل أيام لا تكمل شهر. ذهب إلى ذاك المكان الذي عاش به سبع سنوات. كان سبب زيارته هي جدته لوالدته التي أرسلت له تستغيث به من نكسات الزمن، فلقد جار عليها الزمن وأصبحت هزيلة وحيدة بعد أن هجرها ابنها الذي ذهب لاهثًا خلف شابة صغيرة تقوم بإغوائه كي يقوم بالانفاق عليها، وزوجته هي الأخرى تسير خلف نزواتها لا يهمها استمرار أو إنهاء زواجها من خاله، فالحرية غير

مقيدة. تفاجأ بجدته التي أصبحت مجرد صورة هارمة، فلقد تركت ذاك المشروب المسكر التي كانت تدمنه غصبًا بسبب ضيق حالها، وتعافت من إدمانه دون إرادتها. ضيق الحال وتراكم الديون عليها جعلها تترك المشروب، أو ربما كان لطفًا من الله عليها أن تنتهي حياتها وهي تائبة عن تلك المعصية. ماتت جدته بعد أيام من سفره، قام بإكرامها إلى مثواها الأخير. ربما لم يشعر بالحزن عليها لكن شعر بالشفقة. سار بتلك الشوارع رأى بعض الشباب الذي ما زال

يتذكرهم جيدًا، منهم الذي استقوى في افتراه وآخر أصبح تابعًا لذاك المفترى. وزار قبر صديقه المغدور تبسم وهو يدعو له. سكنت خياله سلسبيل وقتها وتبسم باشتياق. لولا وجود سلسبيل ربما ما عاد إلى موطنه وتبدلت حياته للأفضل. تيقن أن فعلاً الحياة تُعطي فرص، والمحظوظ هو من يستغل تلك الفرص لصالحه. الحياة في اليونان لم تكن تناسبه، هو أراد النبع الصافي في موطنه الذي زرع بداخله قيم مختلفة عن تلك التي رآها باليونان. عاد من أجلها مرة

أخرى لكن بتغيير. هو يريدها فقط. كان هجرها مؤلمًا للغاية يعذب فؤاده، أخطأ كثيرًا في حقها، لكن تظل هي صاحبة نجاته وسبب عودته لهنا.

عاد قماح على مشاغبة صغيره وهو يريد الذهاب إلى سلسبيل مرة أخرى. بالفعل أعطاها لها، لكن ذاك الصغير كان ماكرًا، هو أراد الذهاب إلى سلسبيل من هدف برأسه وهو اللعب والمشاغبة. تبسم قماح وهو يرى صغيره يشد في شعر سلسبيل التي قالت له ببسمة: "كنت عارفة إنك هتعمل كده. معرفش شعري فيه إيه دايمًا تشدني منه. عارف في يوم هقص شعري ده بسببك." قالت هذا ونظرت لـ قماح قائلة:

"أهو انت شايف عمايل ابنك وشده في شعري اللي هيتسلت بين إيده، عشان لما أقصه متبقاش تقول لي قصيتي شعرك ليه." ضحك قماح قائلاً: "قلت لك قبل كده ممنوع تقصي سنتي واحد شعرك، إنما ناصر بيه بقى لازم نستحمله." تبسمت سلسبيل قائلة: "مفيش قدامنا غير نستحمله طبعًا. لاء الحجة هداية تغضب علينا." "قماح، عندي سؤال ولو مش عاوز تجاوب عليه براحتك." تبسم قماح يقول: "اسألي؟ ردت سلسبيل بإيجاز: "هند." رد قماح بعدم فهم: "مالها هند."

ردت سلسبيل: "هند اتصلت عليا وطلبت مني أني أكلمك تتوسط لها في شغل. وقالت لي إن باباها مش راضي يرجعها تشتغل تاني معاه وهي محتاجة لشغل تقدر تصرف على نفسها منه." تعجب قماح وهو يشعر بالندم، رجوعه لـ هند أخسرهما الاثنين. هند خسرت دعم والدها، لكن هو حين طلقها قبل سفره لليونان أتى لها بشقة خاصة وأعطى لها مبلغًا من المال كي تبدأ به مشروعًا صغيرًا بها. لما هاتفت سلسبيل الآن تطلب منها هذا الطلب الغريب وبالأخص من سلسبيل.

تحدثت سلسبيل قائلة: "أنا كلمت نائل يحاول يصلح بين هند وباباها وهو قال لي إن باباه معاند ومصر على رأيه." تهجم وجه قماح قائلاً بنبرة غيرة: "وإنتي مالك بتدخلي في شيء ميخصكيش ليه؟ موضوع هند وباباها ده خاص بينهم. ليه كلمتي نائل." شعرت سلسبيل بتغير ملامح وجه قماح وقوله بتلك الطريقة الفظة بالنسبة لها لم تستطع تمييز أنها غيرة منه قائلة: "أنا آسفة فعلاً. أنا ماليش دخل... ناصر شكله هينام هاخده وأروح الأوضة التانية."

كانت يد قماح الأسرع حين جذبها من يدها قبل أن تنهض من الفراش قائلاً: "سلسبيل، مش قصدي حاجة، بس بلاش تكلمي نائل ده تاني." ردت سلسبيل قائلة: "نائل اتعاملت معاه قبل كده عمره ما تخطى حدوده معايا، وأنا أساسًا مش بسمح لا لـ نائل ولا لغيره يتخطى حده معايا." تمدد قماح على ظهره نائمًا على الفراش وفرد يده قائلاً: "نفسي أنام وأنتي وناصر في حضني."

لمعت عين سلسبيل وتبسمت ووضعت الصغير بالمنتصف بينهم ونامت على يده، تغمض عينيها براحة وشعور سعيد يختلج قلبها ليذهب الصغير للنوم خلفها سلسبيل. لكن ظل هو مستيقظًا ينظر لتلك السعادة التي بين يديه. ابتسم قماح وتذكر سؤاله لوالدته ذات مرة بعد أن قصت عليه إحدى قصص الخيال عن الحوريات: هل فعلاً يوجد حوريات بالواقع؟

أجابته وقتها: أجل يوجد بالتأكيد حوريات وستأتي لك إحداهن يومًا ما تخطف قلبك. وقد كان، أتت حورية سمراء خطفت قلبه منذ أن فتحت عينيها للحياة. *** في شقة رباح بغرفة النوم، أعطت زهرت لـ رباح علبة الدواء، الذي أخذها منها بتلهف، شبه خطفها من يدها، وسريعًا وضع إحدى الحبات بفمه. تبسمت هند بانتشاء قائلة:

"خرجت مخصوص عشان أجيب لك الدوا ده لما الصيدلانية اللي بجيبه منها طلبتني وقالت لي إن الكمية محدودة. حتى اتسحبت زي الحرامية من الدار. جدتك عاملة زي عسكري الدرك اللي بيقولوا عليه في الأفلام القديمة، وكمان مجندة الغبية اللدغة اللي نص لسان لها، تفتن لك على كل حاجة تشوفها في الدار وواخداها تحت جناحها. طبعًا ما هي اختيارها لكن أنا مش على قلبها."

لم ينتبه رباح لحديث زهرت المتهجم، هو بنشوة بعد أن أخذ تلك الحبة حتى أنه ذهب بغفوة، لولا أن أيقظته زهرت بفجاجة قائلة: "رباح، إنت نمت ولا إيه؟ فتح رباح عينيه قليلاً وقال بشبه نعاس: "سيبني أنام حاسس إني جسمي همدان." مصمصة هند شفتيها بسخرية قائلة: "جسمك همدان شغال في الشون زي التور في الساقية، وفي الآخر ما فيش تقدير. غير لـ الست سلسبيل طبعًا، بنت وعندها حق التوقيع لكن إنت لأ. على العموم نام دلوقتي مزاجي مش رايق أساسًا."

أغلق رباح عينيه يذهب بغفوة مهلكة أكثر له. بينما نهضت زهرت من جواره تفكر في حديث نائل السام. لابد أن تحصل على توقيع رباح في أقرب فرصة. هي ملت من وجودها بمنزل العراب وتحكمات تلك الخرفاء هداية. فكرت وفكرت، حتى وجدت ضالتها. *** بعد مرور بضع أيام في نور يوم جديد، تلاشت الغيوم والمطر، لكن ربما ما زالت هناك غيمات أخرى عاصفة. يوم التجمع العائلي صباحًا بشقة ناصر. دخلت سلسبيل إلى غرفة هدى تحمل صغيرها قالت بمرح:

"شوف يا ناصر زي ما توقعت خالتك هدى قاعدة على اللابتوب بتاعها، شكلها بدبر لجريمة." ضحكت هدى قائلة: "إيه خالتك دي، يا بنتي بيقولوا أنطي. أمال لو ما كنتيش دارسة في مدارس لغات بقى كنتِ هتبقى بيئة أكتر من كده إيه. دي زهرت عندها تمدن عنك." ضحكت سلسبيل قائلة: "وأنا فين جنب زهرت دي أنوثة وجمال ودلال." ضحكت هدى وقامت من على مقعدها ومدت يديها تأخذ الصغير من سلسبيل قائلة:

"فعلاً جمال ودلال بس شريرة وقلبها حقود زي المرحومة قدرية مرات عمك." ضحكت سلسبيل قائلة: "حرام عليكي هتموتي قدرية وهي لسه على قيد الحياة. تعرفي إن سميحة بتزورها وبتقول إنها بتعاملها أوقات بتعالي وأوقات بقبول. أنا معرفش ليه حاسة إنها اتغيرت." تبسمت هدى قائلة: "يمكن بتخدعها. بس تعرفي سميحة قالت لي إن مرات كارم كلمتها مرة في أول جوازها وهنتها." ردت سلسبيل:

"قالت لي أنا كمان. بس غريبة مرات كارم دي المفروض إني سلفتها زي سميحة ومبتكلمنيش حتى لما ولدت ناصر مهنتنيش بيه. رغم إن كارم من فترة للتانية بيكلمني وكمان طلب مني أبعت له صور لـ ناصر وبعتها له. حتى لما لمحت إني أكلم مراته غير الموضوع." ردت هدى بغصة: "مش غريبة ولا حاجة. أنا وإنتي عارفين إنه كان بيحب همس، ويمكن مفكر إننا ممكن نزعل إنه اتجوز غيرها." ردت سلسبيل:

"يمكن فعلاً كلامك صح. أنا لما عرفت إنه اتجوز بصراحة زعلت جداً ومكنتش متوقعة كارم ينسى همس بسرعة كده، بس زي جدتي ما قالت الحياة بتستمر وما بتوقفش عند حد، والوقت بيغيرنا. بس تعرفي هقول لك على حاجة يمكن تقولي عليها مجنونة. أوقات كتير بحس إن همس لسه عايشة وأنها ممكن تدخل علينا في أي وقت. حتى كذا مرة جات لي في المنام مبسوطة. غير في حاجة غريبة حصلت لي بعد عمي ما جاب لي كسوة السبوع بتاع ناصر حسيت بـ روح همس وقتها إنها جنبي

وبتتبسم وزي ما يكون بتقول لي عجبتك الكسوة. حتى حسيت إنها هي اللي عملتها رغم إني سألت عمي بعدها قال لي إنه اتفق مع مشغل وطلب منهم مخصوص الحاجات دي بعد ما سأل جدتي. وكمان آخر مرة جات لي في المنام من فترة قصيرة وكانت بطنها منفوخة ولما سألتها قالت لي إنها حامل."

للحظات تعجبت هدى وغص قلبها، فهمس ميتة وهل الموتى يحملون؟ ربما تخاريف. تدمعت عين هدى لكن حاولت إخفاء ذلك حتى لا تفسد تلك البسمة التي أصبحت تراها على وجه سلسبيل مؤخرًا قائلة: "فعلاً غريبة بس أكيد دي تخاريف. وإنتي نايمة ابقي اتغطي كويس وإنتي نايمة." قالت هذا ثم غمّزت عينيها قائلة: "ولا يمكن قماح بيشد من عليكي الغطا وإنتي نايمة." ضحكت سلسبيل قائلة: "خلي عندك شوية حيا، وبلاش غمز." ضحكت هدى بينما جذب

الصغير شعرها تألمت قائلة: "يا هباش سيب لي شعري مفكرني شعري زي مامتك. أنا يا دوب شعري الحمد لله مغطي راسي، ولا بدافع عن مامتك. على العموم روح لها قلعها الطرحة اللي على راسها وسليت شعرها براحتك." تبسمت سلسبيل لها وهي تأخذ الصغير منها وقالت لها: "مش هتنزلِ تحت دلوقتي ولا إيه." ردت هدى: "لأ شوية كده، بحاول لسه أخترق اللابتوب بتاع الواد حماد، وشكلي كده خلاص هفبرسه." ردت سلسبيل:

"تصدقي كنت نسيت حكاية اللابتوب بتاع حماد ده، بس إنتي لسه لغاية دلوقتي معرفتيش تهكريه؟ كل دي محاولات فاشلة." ردت هدى: "لأ أنا انشغلت الفترة اللي فاتت جت ولادتك بعدها فرح محمد والدراسة، بس أنا فضيت له في أجازة نص السنة أهو. أنا مش هرتاح قبل ما أفبرس له اللابتوب ده، عندي فضول أشوف الملف المقفول ده." ردت سلسبيل: "ومنين جالك إنه ممكن يجيب لك اللابتوب بتاعه عشان تصلحيه؟ مش يمكن يوديه أي مركز متخصص أكتر؟

وبعدين مش إنتي اللي صلحتيه له المرة اللي فاتت؟ إنتي ودتيه مركز متخصص وضحكتي عليه وقولتي له إنك إنتي اللي صلحتيه." ردت هدى: "ما هو عشان كده، هيثق فيا وهيجيب لي اللابتوب وأنا بقى عندي شوية خبرة، وكمان نظيم ممكن يساعدني هو متخصص أكتر مني." تبسمت سلسبيل بمكر وقالت: "نظيم! "ونظيم هيساعدك إزاي بقى؟ وبعدين مش ده نظيم الغلس اللي ما كنتيش طايقاه لا في المركز التعليمي ولا في الجامعة." شعرت هدى بخجل وقامت بلم شعرها. تبسمت

سلسبيل على خجل هدى وقالت: "اعترفي أنا ستر وغطا عليكيِ." ضحكت هدى بخجل قائلة: "إنتي ستر وغطا عليا، لكن ناصر فتان وممكن يفتن لجدتي." نظرت سلسبيل لـ ناصر قائلة: "عيب يا ناصر تبقى خباص، لو فتنت على أنطي هدى لحد غيري." ضحكت هدى قائلة:

"ونعم التربية. بس هقول لك بصراحة في الفترة الأخيرة، معرفش ليه بقيت مش بضايق لما بشوفه زي الأول، أو حتى يكلمني. بس تعرفي أكتر حاجة بتغيظني من نظيم، لما بينادي عليا بـ هداية بحس إنه بيتريق عليا." قالت هدى هذا وتنهدت ثم عاودت الحديث بلجلجة: "وبحس... بحس... بحس." قاطعتها سلسبيل قائلة: "متلجلجة ليه، وفيها إيه لما ينادي لك بـ هداية. هو مش ده اسمك الحقيقي." ردت هدى: "اسمي، بس بحس إنه زي ما يكون قاصد تريقة."

ضحكت سلسبيل قائلة: "بس أنا حاسة إن ده مش قصده. وبعدين قولي من الآخر وبلاش مراوغة. نظيم بدأ يشغل مش بس عقلك لأ قلبك كمان. بصراحة أنا من أول مرة شفت نظيم هنا عندنا في الدار ارتحت له. ومن حكي سميحة عنه إنه شال مسؤولية من وهو صغير وإنه قدر يبقى في مكانه مرموقة وأستاذ في الجامعة دي يبقى شخص محترم ويُعتمد عليه. واستغربت من ضيقك منه وإنك بتستغلسي شخصيته، بس مع الوقت بدأت مشاعر تانية تضغى عليكي. بتحصل كتير على فكرة."

تبسمت هدى قائلة: "فعلاً بتحصل كتير وأكبر دليل قدامي أهو إنتي وقماح. رغم من يوم ما وعيت عالدنيا كنت بشوفك بتبعدي عن أي مكان فيه قماح، ويشاء القدر يبقى من نصيبك. وبعد كل اللي حصل السنة اللي فاتت رغم إنه بس من كم يوم العلاقة بينك وبين قماح اتغيرت عينك بقى فيها لمعة سعيدة." صمتت هدى لثواني ثم قالت بسؤال: "إمتى حبيتي قماح يا سلسبيل." بسمة شقت شفتي سلسبيل وتنهدت قائلة:

"هتصدقيني لو قولت لك معرفش إمتى. من كم يوم ولا من زمان حتى من قبل ما أشوفه لما كنت بحلم بيه. معرفشي. فجأة لقيتني بنسى كل الأذى النفسي والبدني اللي عشته بسببه الفترة اللي فاتت. يمكن كان سفره الأخير لـ لليونان حسيت بخوف لا يرجع لهنا تاني، بالذات أنه طلق هند قبل ما يسافر. قولت يمكن يطول هناك. حسيت بشيء ناقصني. كنت بتمنى أنه ميطولش ويرجع بسرعة. وفعلًا ما غابش كتير. لما شفته داخل كان نفسي أجري عليه وأحضنه، بس هو كان راجع متغير كتير سواء شكليًا أو حتى نفسيًا. معرفشي السبب. في البداية شكيت أنه يكون ندم إنه طلق هند وقولت هيرجعها تاني، بس.....

توقفت سلسبيل عن الحديث تتذكر انهيار قماح أمامها واعترافه بحبها لها. تبسمت. تبسمت هدى قائلة: "بس طبعًا طلع كل تفكيرك غلط، وإن قماح ندم بعد ما رجع هند وصحح الغلط ده. بس تعرفي أنا مبسوطة إنك عطيتي لـ قماح فرصة تانية وشايفة قماح هو كمان عيونه بتلمع لما بيبص لك. مش نفس النظرة القديمة اللي كان بينظرها لك كنت أوقات ما بعرفش أميز نظرته ليكِ. أوقات كنت بحس أنه بيبصلك بتحذير، وأوقات بشغف. دلوقتي بقت نظلته واضحة." تبسمت

سلسبيل وقالت باستفسار: "قصدك واضحة إزاي؟ تبسمت هدى قائلة: "يعني بقت نظرة عشق. قماح بيحبك يا سلسبيل زي ما كنتِ بتتمني من زمان." تبسمت سلسبيل توافق هدى وقالت:

"وإنتي كمان بتحبي نظيم. فكري كويس، وبلاش العقل الإلكتروني بس هو اللي يتحكم في مشاعرك. يلا هسيبك أنا وأخد ناصر وننزل لجدتي هداية. هتقولي لي إيه آخرك في النزول بـ ناصر. وكمان اليوم طويل وزمان حماد هييجي يقضيه هنا من أوله كالعادة. ويشوفنا فين ويلزق لنا، غبي مفكر إننا مش فاهمين حركاته المفكسة. زمان كان بيعمل نفس الحركات دي ويشوف فين همس. دلوقتي نقل العطا عليكِ. كويس إني ما كنتش في حسبته من الأول." تبسمت هدى قائلة:

"مكنش يقدر بس يطلع في وشك وقماح موجود." قالت هدى هذا بثقة وقبلت يد ناصر قائلة بمرح: "صح يا ناصور باباك لو المتسلق حماد كان نظر لمامتك كان خلع عنيه." ضحكت سلسبيل قائلة: "بلاش ناصور قدام جدتي بتضايق لما بندلع ناصر بيها، وتقول رجال العراب ما بيدلعوش، مع إنها أكتر واحدة بتدلع ناصر." *** في شقة رباح

بالحمام وقفت زهرت لدقائق تنتظر نتيجة ذاك الاختبار الذي قامت بعمله. كانت عديمة الصبر تريد النتيجة بنفس اللحظة لكن انتظرت تلك الدقائق. غضبًا ثمنظرت لذالك الاختبار الذي بيدها يعطي لها نتيجة إيجابية. وضعت يدها على بطنها وتبسمت بانتشاء وظفر أخيرًا بعد تلك المدة الماضية التي منعت فيها أخذ موانع حمل. ظنت أن حديث الطبيبة لها في آخر معاينة لها قبل شهر ونصف أن الحمل قد يتأخر لوقت بسبب تناولها لذاك المانع لفترة طويلة سابقة، لكن خاب قول الطبيبة. ها هو الاختبار يعطي نتيجة إيجابية، هي بالفعل أصبحت حاملًا برحمها جنين.

للحظة فكرت في هذا الجنين، ترى يكون ابن من رباح أم نائل؟ بداخلها تمنت أن يكون ابن نائل، لكن هذه فرصتها لسحب أموال من عائلة العراب من أجل هذا الجنين حتى لو انفصلت الآن عن رباح، ستظل تنعم بخيرات عائلة العراب بسبب ذاك الجنين التي ستخبر الجميع اليوم بوجوده في رحمها. خرجت من الحمام وجدت رباح ممدد على الفراش مغمض العينين يضع إحدى يديه فوق رأسه. تنهدت بسأم قائلة: "رباح، إنت نمت تاني ولا إيه؟

فتح رباح عينيه بصعوبة يشعر بدوار قائلاً: "لأ صاحي، بس الصداع واجع راسي حتى بقيت ما بعرفش أنام كويس بسببه. بفكر أعمل الفحص الطبي اللي بابا كل شوية يزن عليا عشان أعمله. الصداع زاد قوي، حتى الدوا اللي بتجبيه زي ما يكون مبقاش له مفعول. باخد حبايتين وتلاتة وفيه ما فيش بيرجع الصداع تاني. يظهر الدوا ده بقى مغشوش." ارتبكت زهرت قائلة: "قصدك إيه هتعمل الفحص الطبي اللي خالي بيزن عليك بيه؟ ومن إمتى صحتك فارقة مع خالي؟

هو طول الوقت عنده قماح فوق الجميع كأنه مخلفش غيره. بلاش توهم نفسك ده صداع مش معضلة كبيرة ممكن فترة وهيروح أو زي ما قولت يمكن قللوا المادة الفعالة في الدوا." رد رباح: "بفكر فعلاً في الفحص ده يمكن يكشف سبب الصداع ده بقى فظيع." *** بعد الغداء كانت سلسبيل تحمل صغيرها تسير به في فناء المنزل. تبسمت له قائلة: "النهاردة الشمس طالعة أهي خلينا نقعد شوية في الجنينة نتشمس."

بالفعل جلست على أحد المقاعد بالحديقة، وهي تبتسم لصغيرها. لكن كان هناك متسلل أراد الحديث معها. حين سحب أحد المقاعد قائلاً: "تسمحي لي أقعد أتشمس معاكي إنتي وناصر." قال هذا ومد يده كي يأخذ الصغير منها، لكن كما يقولون قلوب الأطفال تنفر من الخبثاء. لم يرضى الصغير وتشبث بأمه. تبسمت سلسبيل على تشبث صغيرها بها قائلة: "معليشي يا حماد، هو ناصر كده مش بيرضى يروح لحد. اتفضل اقعد." جلس حماد قائلاً: "وهو أنا أي حد برضه؟

أنا زي خاله." تبسمت سلسبيل قائلة بمجاملة: "طبعًا خاله." تبسم حماد قائلاً: "سلسبيل في موضوع كنت عاوز أتكلم فيه وفيه مصلحة كبيرة ليكي." تعجبت سلسبيل: "وأيه هو الموضوع ده." رد حماد:

"التماثيل اللي بتصنعيها. أنا ليا صديق عندي مجموعة بازارات سياحية خاصة بالانتيكات. وكنت قاعد معاه بالصدفة من كام يوم والكلام جاب بعضه وفرجته الصور اللي كنت واخدها يوم ما كنا في الأتيليه بتاعك وانبهر بيها وقالي إنه مستعد يشتريها منك بالتمن المناسب اللي تحدديه." تعجبت سلسبيل قائلة:

"بس أنا بصراحة عمري ما فكرت إني أبيع تمثال منهم. أنا كنت بفكر أعمل معرض فني بيهم. بس من بعد ما ولدت ناصر ووقتي كله بقى مشغول بين شغلي في حسابات المقر ورعاية ناصر حتى بقيت نادر إن ما كنتش قليل لما بدخل الأتيليه." حماد يحاول إقناع سلسبيل: "مش هتكسبِ من المعرض حاجة غير المكسب الأدبي فقط، في مقابل إنك لو بعتي التماثيل دي ممكن تشتهري أكتر." رد قماح الذي أتى وجلس إلى جوارهم قائلاً بحسم:

"وسلسبيل مش محتاجة لا لـ شهرة ولا لـ مكسب مادي. وأنا فعلاً موافق سلسبيل إنها تعمل معرض فني تعرض فيه التماثيل دي وكمان أعتقد ده موضوع ميخصكش تتكلم فيه." نظرت سلسبيل لـ قماح بسعادة ونظرة امتنان لما قاله. بينما شعر حماد بالخزي من حديث قماح وقال بتبرير: "أنا كان قصدي المنفعة لـ سلسبيل مش أكتر." رد قماح بنبرة: "تسلم نواياك الطيبة ياريت توفرها لنفسك."

نهض حماد يشعر بالغل والبغض من حديث قماح ذاك العنجهي الذي تحدث له بطريقة فظة. استأذن قائلاً بحرج: "متأسف عن إذنكم." غادر حماد يسب ويلعن قماح. بينما نظر قماح لـ سلسبيل وتبسم على ذاك الصغير الذي يريد أن يذهب له. حمله قماح وقبل وجنته. حاول الصغير هبش وجه قماح فعاد قماح بتلقائية بوجهه للخلف. ضحكت سلسبيل قائلة:

"متخافش أنا قصيت له ضوافره وهو نايم. انتهزتها فرصة دي مش ضوافر طفل دي مخالب قط. قصيتهم من وراء جدتي، هتقول لي ضوافره طرية." تبسم قماح وهو يمسك يد صغيره الصغيرة قائلاً: "إنت اللي جبته لنفسك." تضايق الصغير كأنه يفهم، شمت قماح به وحاول هبشه لكن لم تكن أظافره لها أثرًا، وكان قماح وسلسبيل يضحكان عليه، مما أثار غيظه وتذمر باكيًا. نهض قماح به قائلاً: "أرضية الجنينة ناشفة، خلينا نلعب شوية."

بالفعل جلس قماح على ذاك العشب الأخضر الرقيق ووضع الصغير بين ساقيه وبدأ في اللعب بطابة مطاطية صغيرة أخرجها من جيبه. التهى صغيره باللعب ومحاولة عض تلك الطابة اللينة. نهضت سلسبيل جالسة لجوارهم وبدأت تستمتع معهم بلحظات أسرية تحت شمس الشتاء الدافئة. *** بينما أثناء دخول حماد إلى داخل المنزل رغم شعوره بالغيظ، لكن تقابل من هدى. رسم بسمة ودودة قائلاً: "هدى كنت بدور عليكي، كنت عاوز أتكلم معاكي في موضوع خاص بيا." ردت هدى:

"وأيه هو الموضوع ده؟ رد حماد: "موضوع خاص خلينا نقعد في أي مكان نتكلم شوية." رغم عدم قابلية هدى للحديث مع حماد، لكن قالت له: "خلينا نقعد في البرندا الشمس النهاردة حلوة أهي أدفى من أشعتها." تبسم حماد لها، ومد يده لها لتسير أمامه غير

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...