الفصل 39 | من 41 فصل

رواية عش العراب الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم سعاد محمد سلامه

المشاهدات
17
كلمة
6,083
وقت القراءة
31 د
التقدم في الرواية 95%
حجم الخط: 18

في محل الصاغة. صاحت هند قائلة بعدم تصديق: "إنت كداب! الكوليه ده دهب أصلي حتى مطعم بفصوص ألماس." رد الصائغ: "لو سمحتي يا مدام بلاش تعلي صوتك في المحل عشان الزباين. قدامك محلات الصاغة كتير تقدري تسألي فيها، بس متأكد إن الكوليه ده تقليد متقن والفصوص اللي فيه دي مش ألماس دي أحجار صناعية ملونة، زي الإزاز كده."

ذهلت زهرة وغادرت محل الصائغ تحسم أمرها، عليها أن تتأكد من بقية تلك المصوغات التي بحوزتها والتي أتى بها ذلك الحقير نائل. عادت إلى الشقة، أتت بذلك الصندوق وعادت لمحل الذهب. وضعت أمامه علبة الصيغة قائلة: "عاوزاك تتأكد تاني، وشوفلي كمان اللي في بقية العلبة دي." تنهد الصائغ قائلاً: "تحت أمرك." فحص الصائغ المصوغات الموجودة في العلبة، إلى أن انتهى من آخر قطعة قائلاً:

"للأسف كل اللي في العلبة دي مش دهب، دي مشغولات فالصة، زي ما قلت لحضرتك تقليد متقن." ذهلت زهرة قائلة: "بس الكوليه والمصوغات اللي في العلبة كمان، اللي اشتراها ليا كان بيشتريها من محلكم، حتى معايا العلب اللي كان بيجيبها فيها." أخرجت زهرة إحدى العلب القطيفة ووضعتها أمام الصائغ، فقال بود: "يا مدام عادي، إحنا أوقات كتير بيطلب منا علب دهب كنوع من الهدايا مع الشبكات أو حتى كنوع من الدعاية لينا."

"وبعدين مين اللي كان بيشتري لك الأطقم دي؟ زوج حضرتك؟ ردت زهرة: "لأ." تنبه الصائغ قائلاً: "أمال مين ده؟ أكيد واحد نصاب، بلّغي عنه." قال الصائغ هذا ونظر لزهرة بدونية واتهمها: "ولا تكون دي لعبة وجاية تنصبي علينا هنا في المحل، وتسيئي سمعة المحل؟ أنا ممكن أطلبلك البوليس فورًا." نظرت زهرة للصائغ برعب ثم لمّت تلك المصوغات المزيفة ووضعتها بالعلبة قائلة لنفسها: "إزاي الحقير ده قدر يضحك عليا؟ كان يستحق القتل والتقطيع من جثته."

بينما تعجب الصائغ من جمعها لتلك المصوغات بعد أن علمت أنها مزيفة، ولم ترد عليه وأخذت العلبة وغادرت سريعًا، أيقن أنها ربما كاذبة وكانت تود النصب عليه. بينما غادرت زهرة المحل برجفة أن يطلب لها الصائغ البوليس كما قال، لم تنتبه لذلك المشرد الذي يتعقبها بعد أن زاغ بصره على ذلك الصندوق التي خرجت به، ظنًا منه أنه كنز بالنسبة له.

بينما أجزمت زهرة لو أن أمامها نائل الآن لن يكفيها طعنه آلاف الطعنات. سارت بالشوارع دون شعور منها إلى أن شعرت بالجوع، دخلت إلى أحد محلات الطعام الصغيرة، طلبت بعض الطعام. وضعت علبة المصوغات على طاولة وجلست تنظر لها بحسرة كبيرة. لكن لمع في عقلها فكرة أن تذهب إلى والدتها كي تزكيها لدى هدى وتطلب منها العودة لدار العراب. لكن سريعًا تذكرت خنقها لعمتها، وقول عمتها بأنها السبب بإدمان رباح. "أين هو؟

هو الوحيد القادر على انتشالها الآن من ذلك المأزق." تحدثت زهرة لنفسها: "لو بس أعرف هو فين، متأكدة أنه هيصدقني، ويرجعني تاني دار العراب، حتى لو غصب عنهم زي قبل كده. والمرة دي هيبقى سهل أدخل وسطهم بالجنيه اللي في بطني، لازم أحافظ عليه، هو دلوقتي فرصتي إن أرجع غصب عنهم."

"بس أنا دلوقتي محتاجة مصاريف، الغبية هند خدت كل الفلوس اللي كانت فاضلة معايا. كانت غلطتي إني بدل ما كنت الفلوس أحطها باسمي في أي بنك، كنت بقول الدهب أفضل. ضحك عليا الحقير نائل وكان بيجيلي دهب مغشوش. مفيش قدامي طريق غير ماما، آهو أطلب منها مبلغ أمشي بيه نفسي لحد ما رباح يظهر." قامت زهرة بالاتصال على هاتف والدتها لكن يعطي خارج التغطية. زفرت زهرة نفسها بغضب وحاولت الاتصال على حماد، يعطي رنين لكن لا رد.

تضايقت زهرة ووضعت الهاتف أمامها على الطاولة تشعر ببؤس ازداد حين وضع النادل أمامها ذلك الطعام البسيط. نظرت له باشمئزاز لكن هي جائعة وما معها من مال لا يكفي إلا لذلك الطعام. امتثلت لنداء معدتها والتهمت ذلك الطعام الذي لا طعم له في حلقها لكن سد جوعها، كي تستطيع السير والعودة إلى شقتها. *** بالمشفى. انتهى الطبيب من تضميد جرح بعضد يد قماح، ثم ترك الممرضة تقوم بلف لصق طبي عليه. في ذلك الأثناء قال الطبيب:

"ممنوع تقرب مياه من الجرح، لأنه جرح كبير موصل للعضمة. هكتبلك نوع مسكن تاخده غير مضاد حيوي وتقدر تيجي المستشفى كل يوم تغير عالجرح. ملوش لازمة وجودك هنا." أخذ قماح الورقة التي دون بها الطبيب العلاج قائلاً: "تمام، متشكر يا دكتور." خرج الطبيب خلفه الممرضة. بينما ظل قماح جالساً، لا يشعر بألم بسبب بعض المسكنات، لكن يشعر بألم في صدره وهو يتذكر قبل دقائق كان من السهل أن يخسر طفله أو سلسبيل. بالعودة بالزمن.

حين مدت هند يدها بالصغير لقماح، تغلب على سلسبيل شعور الأمومة. خطفت ناصر سريعًا تضمّه حتى لو لآخر مرة بعمرها. لكن ارتبكت هند في ذلك الوقت، كانت عادت سلسبيل للخلف. توحشت عين هند وهي ترى سلسبيل هي من أخذت الطفل، فأقتربت منها بالسكين تود طعن أحدهما، سلسبيل أو حتى الطفل، المهم أن تتشفى وتنال الانتقام من سلسبيل. لكن في نفس اللحظة تدخل قماح وأخذ الطعنة بعضد يده. انهارت هند حين رأت قماح ينزف وألقت السكين قائلة بلهفة:

"قماح حبيبي، مكنش قصدي." ابتعد قماح عن هند قائلاً: "قصدك ولا مش قصدك، ابعدي عن حياتي يا هند. سبق واعتذرت لك." ردت هند بهستيريا: "لأ، مقدرش أبعد عنك يا قماح ولا عن الولد. سلسبيل هي اللي لازم تبعد عن حياتنا نهائي." قالت هند هذا وانحنت تمسك السكين مرة أخرى وحاولت التهجم على سلسبيل، لكن أسرع المحقق قيد يديها ووضعهم خلفها وقام بوضع الأصفاد في يديها، ليُلقي القبض عليها وهي تهذي وتسب وتلعن في سلسبيل. بالعودة.

عاد قماح من تلك الذكرى على صوت فتح باب الغرفة. نظر أمامه رأى سلسبيل تدخل تحمل صغيرهم. سرعان ما تبسمت له قائلة: "جدتي قالتلي لازم ترجعي ومعاكِ قماح، مش هطمن عليه غير لما أشوفه بعيني." نهض قماح واقفاً ثم سار نحو سلسبيل التي أخفضت وجهها بحرج حين اقترب منها وأصبح أمامها. رفع قماح وجه سلسبيل قائلاً: "طب ليه حاطة وشك في الأرض؟

ارفعي عينكِ في عيني وانتِ بتتكلمي. مش معقول حفيدة الحجة هدى تحط وشها في الأرض قدام جوزها. فين سلسبيل اللي كانت ند ليا؟ رفعت سلسبيل وجهها قائلة: "أنا عمري ما كنت ند ليك يا قماح وانت عارف إن سلمت لك من أول يوم اتقفل علينا باب واحد، بس بصراحة خفت تصدق الكلام اللي قولته، إني كنت بتلاعب بيك." ضحك قماح قائلاً بمكر: "بصراحة صدقت." نظرت سلسبيل لـ قماح قائلة بتبرير:

"والله مش صحيح، أنا كنت بقول كده بحاول أشغلها عشان متأذيش ناصر." تلاعب قماح ببراءة سلسبيل قائلاً: "وأيه يثبتلي إنك الكلام اللي قولته ده مش صح؟ ردت سلسبيل بسذاجة: "قولي أيه اللي يثبتلك وأنا مستعدة أعمله." جذب قماح سلسبيل من خصرها عليه ونظر لشفتيها قائلاً: "بوسيني وأنا أصدق إن مكنش قصدك الكلام ده." احمر وجه سلسبيل قائلة بتعلثم: "قماح، إحنا في المستشفى وممكن أي حد يفتح الباب يدخل علينا." نظر قماح لخجل سلسبيل وقال:

"طالما مش عاوزة تبوسيني، أنتِ أبوسك أنا." أنهى قماح قوله وجذب سلسبيل يلتقم شفتيها في قبلات شغوفة. لم تستطع سلسبيل إلا الاستمتاع بتلك القبلات، لكن قطع سيل تلك القبلات، فتح باب الغرفة. ابتعدت سلسبيل عن قماح سريعاً ونظرت لصغيرها تُداري خجلها. بينما شعر النبوي بالحرج لكن تبسم وقال:

"الحجة هدى قالتلي سلسبيل راحت وغابت، جوم. ومترجعليش غير بـ قماح، عاوزة أشوفه وأطمن عليه. مش مصدقة سلسبيل لما قالت لها إنك بخير بس الجرح اللي في إيدك." ابتسم قماح قائلاً: "تمام، خلينا نروح لها أنا كمان عاوز أطمن عليها." بعد دقائق. دخل النبوي إلى غرفة هدى قائلاً: "جبت لك قماح أهو عشان تطمني بنفسك عليه." تبسم قماح وذهب إلى الفراش وانحنى على يد هدى يُقبلها. تبسمت له هدى بحنان قائلة:

"تنك زين يا ولدي، مبارك إن ربنا رد لكم ولدكم. ربنا يبارك لكم بحياتكم." رد قماح: "ويبارك لينا فيكي يا جدتي." تبسمت النبوي بحنان وهو يأخذ ناصر من يد سلسبيل التي أشاحت بوجهها عنه تشعر بخجل. أخذ ناصر وجلس على الفراش جوار هدى قائلاً: "وادى ناصر بيه العراب اللي رعب قلوب الكل عليه. أنا بقول آن الآوان بقى إن سلسبيل تخاويه عشان ميبقاش دلوع أكتر من كده." تبسمت هدى بإيماءة موافقة، بينما قال قماح:

"والله قولت كده قبلك يا بابا، حتى اسأل سلسبيل." خجلت سلسبيل أن ترد. تبسم النبوي وهو يرى خجل سلسبيل. هذا الخجل الذي كاد أن يفرق بينها وبين قماح حين كان يعتقد أن تجنبها له كان نفوراً منه. سلسبيل ورثت قوة ورجاحة عقل هدى، لكن لديها خجل زائد. مع الوقت فهمها قماح وتعامل مع ذلك الخجل. صدح هاتف النبوي. نظر إلى شاشته وقال: "ده من كارم. هرد عليه." نظر النبوي ناحية هدى قائلاً: "الحجة هدى الحمد لله. المهم وأخوك محمد عامل إيه؟

رد كارم: "محمد مذهول، وأنا كمان مش بس مذهول أنا متأثر جدًا. بحمد ربنا إني آخر مرة كلمتها من يومين ردت عليا، صحيح كانت مكالمة مختصرة بس سمعت صوتها. أنا كنت ناوي أزورها النهارده. حتى همس هنا في عزاء الحريم." رد النبوي: "كل شيء قدر، البقاء لله. خليك جنب أخوك لنهاية العزاء." أغلق النبوي الهاتف. نظرت له سلسبيل قائلة: "عزاء مين يا عمي؟ رد النبوي بتأثر بسيط: "قدرية توفت." تعجبت سلسبيل قائلة: "إمتى؟ رد النبوي:

"النهاردة، ومحمد وكارم بياخدوا عزاءها. وهمس كمان لما عرفت راحت تاخد العزاء مع سميحة." حزنت هدى قائلة: "إنا لله وإنا إليه راجعون." تحدثت سلسبيل وهي تنظر إلى قماح: "البقاء لله. أنا كمان لازم أروح أعزي، عشان خاطر ولاد عمي." أومأ قماح قائلاً: "خلينا نرجع دار العراب نغير هدومنا ونروح نعزي سوا." أومأت سلسبيل برأسها وذهبت لجدتها وانحنت تقبل يدها قائلة: "ربنا يخليكي لينا يا جدتي."

مسحت هدى على ظهر سلسبيل وأومأت لها بمحبة وامتنان. غادرت سلسبيل ومعها قماح. نظرت هدى لـ النبوي قائلة: "سلسبيل غيرت قماح كتير في فترة صغيرة." رد النبوي: "قماح فهم وعرف إن سلسبيل كانت خجولة مش كارهه. والفضل يرجع ليكِ لما واجهتيه وقولتي له مفتاح شخصية سلسبيل وعرف الفرق بين الخجل والنفور واتعامل مع خجلها وعرف إنه مكنش نفور منها له." *** بعد قليل. بعزاء قدرية.

مد قماح يدهُ لـ كارم ثم محمد وقام بتعزيتهما، ثم وقف جوارهما يتلقى هو الآخر معهما عزاء والدتهما يشد من أزرهما. بين النساء جلست سلسبيل جوار سميحة وهمس التي كانت منقبة، ليس خوفًا من أن يعرفها أحد، لكن حفاظًا على حرمة موت قدرية، فبدل أن تقوم النساء بالتعزية، سيريدون معرفة كيف أنها مازالت حية. *** قبل لحظات من ترك هدى للمشفى. خرجت من غرفة والدتها، خرج خلفها نظيم نادى عليها. وقفت له: "تحدث

بود: هدى أنا عارف الظروف اللي بتمروا بيها الأيام دي، وأنك مش قادرة تروحي الجامعة حتى السكاشن العملي مش بتحضريها. بعرض عليكِ أساعدك في أي شيء مش فاهماه." فكرت هدى في عرض نظيم قائلة: "بصراحة مواد الجامعة مش صعبة عليا، بس في مشكلة في اللابتوب بتاع حماد بصراحة كنت مكسوفة أطلب منك تساعدني فيها." شعر نظيم بالغيرة قائلاً: "إيه اللي على اللابتوب بتاع حماد وعاوزة تعرفيه؟ ليه شاغلة بالك قوي كده؟ ردت هدى:

"هيكون إيه ده ملف عادي، وانت اللي عرضت المساعدة، بس تقدر تعتذر." رد نظيم: "هدى أنا ملاحظ إنك مهتمة زيادة ليه بـ حماد، يمكن معجبة بيه والملف اللي عاوزة تفتحيه فيه أسراره الشخصية." ردت هدى بعصبية: "أنا غلطانة إني طلبت مساعدتك بس انت اللي عرضت في البداية، وأسرار حماد إيه الشخصية اللي هيبقى عندي فضول أعرفها؟ انت غلطان." رد نظيم: "وأيه الصح؟

حماد ابن عمتك وعلى طول بشوفه قريب منك وانتِ بتبقي مبسوطة بنظرات الإعجاب اللي بتنط من عينيه." تضايقت هدى قائلة: "وانت مالك ببقى مبسوطة بنظرات إعجاب حماد أو لأ. تفرق معاك في إيه؟ رد نظيم بضيق: "هدى بلاش تفهميني غلط، هتفرق معايا نظرات حماد في إيه؟ أنا قصدي أحذرك لأنك بالنسبة لي... توقف نظيم عن البوح. بينما أرادت هدى منه الاعتراف فقالت له: "بالنسبة لك إيه؟ كمل كلامك." رد نظيم:

"أنتي بنت عم جوز أختي، وبالنسبة ليا زيك زي سميحة أختي." نظرت هدى لـ نظيم بخيبة أمل قائلة: "بس أنا مش أختك يا نظيم. ولا انت بالنسبة ليا زي ولاد عمي، وبعد كده يا ريت تلتزم بحدود معايا." قالت هدى هذا وتركت نظيم يقف نادماً، يشعر بغصة في قلبه لما لم يقل لها أنها تهمه لأنه قلبه يدق لها، وأنه يشعر بالغيرة حين يرى ذلك الوغد يتودد لها. لكن لن يستسلم ليحدث ما يحدث بعد ذلك.

خرج سريعًا كي يلحق بهدى، لكن كانت قد سارت بالسيارة. فقرر تعقبها والبوح لها ووضع النقاط معها على الحروف. إن كان لديها القبول بالتخلي عن ثراء عائلة العراب والعيش معه بمنزل والدته وبناء حياتهما معاً لن يضيع وقت. بينما بالسيارة تدمعت عين هدى، لما لم يشعر نظيم بها، واتهمها بأنها معجبة بذلك الحقير الذي تكره فقط النظر إليه. تعلم نواياها الدنيئة يريد ثراء واسم عائلة العراب، لا تفرق هي معه.

أزالت هدى تلك الدمعة التي علقت بين أهدابها. تعجبت حين شعرت بأكثر من مطب في الطريق، نظرت خارج زجاج السيارة، تعجبت ليس هذا طريق المنزل. فتحدثت للسائق بتنبيه: "إيه الطريق ده، انت غلطت في الطريق ولا إيه؟ رد السائق: "لأ، هو ده الطريق يا حلوة." تعجبت هدى من طريقة رد السائق وقبل أن تتحدث استدار لها وقام برش رذاذ على وجهها جعلها تصمت، بينما هو نظر لها بظفر قائلاً:

"أنتِ حلوة قوي يا موزة بصراحة الريس ذوقه حلو، كل مرة واحدة أحلى من التانية." بعد قليل وصل السائق إلى المكان المتفق عليه. ترجل من السيارة ثم فتح الباب الآخر ومد يدهُ لـ هدى قائلاً بغمزة وقاحة: "يلا انزلي يا حلوة وصلنا." طاوعته هدى ونزلت من السيارة يسحبها من يدها تسير بجواره. من يراها يتأكد أنها تسير بإرادتها معه، لكن بالحقيقة عقلها يرفض وعينيها تتجول بكل مكان بحثاً عن منقذ. بالفعل ها هو المنقذ.

ترجل نظيم من السيارة وجرى سريعاً قبل وصول ذلك السائق وهدى إلى ذلك المخزن. نادى نظيم: "هدى." وتوقفت هدى والتفتت إليه. شعرت بنجاة لها. نظرت لـ نظيم كأن عينيها تستغيث به، فهي تشعر أنها تسير مسلوبة الإرادة. اقترب نظيم من مكان وقوف هدى سريعاً ينظر للسائق قائلاً: "أنت ماسك إيدها كده ليه؟ أنت مين؟ رد السائق ببجاحة: "أنت اللي مين؟ رد نظيم ولم يعد يفصله عن هدى سوى خطوات:

"أنا خطيب الآنسة اللي انت ماسك إيدها. ابعد إيدك عنها. انت كداب، أنا عارف كل السواقين اللي بيشتغلوا في دار العراب." ارتعب السائق وترك يد هدى وكاد يهرب لولا أن لكمه نظيم بقوة ليسقط على الأرض. حاول النهوض سريعًا لكن نظيم باغته بضربات كثيرة وأفقده القدرة على الهرب حتى أن بعض المارة بالمكان حاولوا الفصل بين نظيم والمجرم، لكن قال نظيم لهم أنه سارق، فآتى أحد المارة بحبل وقيده بإحكام، ووضعه في حقيبة سيارة نظيم.

نظيم الذي عاد ينظر لـ هدى بإندهاش، هي لا تعطي أي رد فعل. ظلت واقفة مكانها من البداية للنهاية، حتى أنها لا تتحدث. عينيها تتحرك فقط. مد نظيم يدهُ لـ هدى. نظرت ليده الممدودة، لا تعرف كيف تحركت يدها ومدتها له، لتسير بجواره تشعر بالأمان. بعد قليل بأحد المخازن التابعة لـ عائلة العراب. نهض ناصر واقفاً ينظر إلى هدى التي دخلت تسير بجوار نظيم. تلهف سريعًا وقطع الخطوات وجذب هدى يحتضنها بقوة بين يديه ثم نظر لـ نظيم قائلاً:

"متشكر يا نظيم، انت أنقذت بنتي. جمايلك زادت عندي." رد نظيم:

"سبق وقولت لك مفيش بينا جمايل يا عم ناصر. المجرم في شنطة العربية. أنا رأيي قبل ما تسلمه للشرطة اعرف منه مين اللي سلطه، لأنه بالتأكيد هينكر ويحاول يوالس على اللي أمره. حضرتك لما اتصلت عليك وقولت لك إني شفت العربية بتدخل طريق تاني جانبي غير الطريق اللي بيودي لـ دار العراب. بس حضرتك بعد شوية اتصلت عليا وقولت لي إن السواق جالك الأوضة وفكر إن حد تاني أخد العربية، ففضلت وراها، وزي ما توقعت إن ده شخص حقير وله غرض دنيء."

نظر ناصر لـ هدى التي جلست على أحد المقاعد لا تعطي أي رد فعل، قائلاً: "فعلاً كان له غرض دنيء وربنا ستر. أنا ليا حساب مع الحيوان ده." بعد قليل، صرخ ذلك المجرم من قسوة الضرب. فقال له ناصر: "اعترف وريح نفسك لأني مش ناوي أخلي الرجالة يبطلوا فيك ضرب. قولي مين اللي بعتك وكان غرضه إيه؟ صمت المجرم، لكن نظر ناصر لأحد الرجال أن يعاود ضربه، فصرخ بترجٍ: "هعترف. أنا كان كل مهمتي أخد الحلوة."

توقف المجرم حين شعر بصفعة قوية من نظيم يعقبها نظرة تحذير. فقال: "قصدي آخد الأبلة المخزن لـ حماد بيه." صاعقة قوية نزلت على ناصر كأنه لم يعد يسمع بعدها، فقد السمع للحظات، أو ربما أراد فقد السمع بالفعل في هذه اللحظة. بينما نظيم توجه إلى مكان جلوس هدى التي بدأت تعود لرشدها وتبكي. نظر لها قائلاً: "هدى... هزت رأسها. تنهد نظيم براحة قائلاً: "أخيراً."

بينما ضم ناصر هدى بحنان. كم كان نظيم يود أن يحتضنها هو الآخر، وربما هي الأخرى كانت تريد ذلك، لكن يكفيها الآن حضن ناصر الذي أعاد لها الأمان. *** بالمخزن. الجحود يصرخ. صرخ حماد من قسوة ما يشعر به من ألم بعد أن قام بعض الرجال بضربه بقوة وقاموا بتقييده. فبعد أن كان ينتظر أن يأتي له المجرم بـ هدى ويتنعم بها، فوجئ بدخول بعض الرجال الأشداء عليه المخزن وقاموا بضربه وتقييده دون سبب، هكذا يظن وهو يتوسل لهم، إلى

أن دخل أحدهم عليهم يقول: "واضح الرجالة قاموا معاك بالواجب يا خسيس." نظر حماد بهلع قائلاً: "الحاج رجب السنوري." صفعه قوية من رجب لـ حماد تكاد أذنه تصم بعدها وهو يسمع رجب المتهجم: "خاين وخسيس، غبائك صور لك إني مش هعرف إن إنت اللي سرقت البضاعة من السرداب، بس الكاميرات كشفتك." رد حماد بهلع وكذب:

"والله ما كان غرضي السرقة يا حاج رجب، أنا خوفت إن حد من الرجالة يطمع، وقولت أحتفظ بالبضاعة عندي في مكان آمن لحد ما تعدي أزمة موت المرحوم نائل. إنت عارف إني أنا ونائل كنا أصحاب، لأ أصحاب إيه كنا زي الأخوات وأنا كذا مرة ساعدته وهربت البضاعة في قلب بضايع العراب." صفعه رجب بقسوة قائلاً: "عشان كده متأكد إنك خاين يا حماد، اللي يعض الإيد اللي تتمد له يبقى خاين، وعقابك هتاخده. بس الأول هتقولي فين البضاعة اللي انت سرقتها."

بهلع رد حماد: "البضاعة هنا في الهنجر ده، ده المكان اللي كنت أنا ونائل بنتقابل فيه دايمًا بعيد عن العيون." نظر رجب إلى المكان قائلاً: "شكلك كنت بتجهز لحاجة مهمة النهارده، بس متخافش رجالتي هيقوموا معاك بالواجب." أشار رجب للرجال بمعاودة ضربه قائلاً: "عاوز أسمعه بيصرخ زي النسوان." لكن لسوء الحظ سمعوا صوت خبط قوي على الهنجر ثم دخول مفاجئ للشرطة.

عنصر المفاجأة ألجم الجميع، مما سهل على الشرطة التعامل مع هؤلاء الأوغاد والقبض عليهم، وما كان سوى هذا بالنسبة لـ حماد سوى رحمة أرسلت له لا يستحقها. *** ليلاً. بدار العراب. بشقة محمد. تسطح فوق الفراش يُغمض عيناه يشعر بألم جم في صدره وهو يعود بخياله صورة والدته، وهي نائمة فوق الفراش، حين دخل عليها بالطبيب. فتح عيناه حين شعر بيد سميحة تضعها على صدره ثم قولها: "محمد، انت هتنام بملابسك." نظر محمد لـ سميحة كثيراً بصمت.

تعجبت سميحة قائلة: "بتبص لي كده ليه؟ زعلان مني عشان مقولتش لك على الموبايل إن حماتي ماتت؟ والله خوفت عليك من الصدمة." رغم حزن قلب محمد، جذب سميحة لصدره يضمها وقبل رأسها قائلاً: "مستحيل أزعل منك يا سميحة، انتي عملتي الصح. يمكن لو كنتي قولتي لي إن ماما ماتت مكنتش هجيب معايا الدكتور يكشف عليها ويكشف الجريمة اللي حصلت لها." رغم تعجب سميحة، قالت: "ومين اللي هيكون قتلها وجاله قلب إزاي يقتلها؟

أنا أما بدبح فرخة بزعل عليها وهي بتفرفر قدامي. بس عرفت إن عمتك طلعت براءة، مين اللي هيكون عمل كده." رد محمد: "مش عارف، حاسس إني في كابوس. ماما صحيح طول عمرها كانت مديّة اهتمامها لـ رباح أكتر مني أنا وكارم، مستغرب كمان فين رباح وإزاي محضرش عزاء ماما. قماح جه حضر العزاء ووقف معانا رغم إن ماما عمرها ما قبلته." ردت سميحة: "غريبة فعلاً عدم حضور رباح لعزاء مامتك، يمكن تكون زهرة السبب." تنهد محمد قائلاً:

"زهرة وماما هما سبب قسوة رباح، خايف على رباح يدفع التمن زي ماما. لما عاشت بعيد عن دار العراب اتقتلت." *** مكان قريب من الشقة التي تعيش فيها زهرة. كانت تسير على قدميها تحمل بين يديها علبة المصوغات المقلدة، تشعر بإنهاك من كثرة السير. تسير غير منتبهة لذلك المتعقب لها الذي ينتظر فرصة ويقتنص منها تلك العلبة التي بين يديها يعتقد أنها صيد ثمين سيظفر به.

بالفعل بعطفة مظلمة له بالطريق كان هناك فرصة سانحة له حين تهجم عليها مباغتة وقام بدفعها بقوة كبيرة نحو أحد الحوائط، خبطت فيه ثم ارتدت تسقط على الأرض، أخذ ذلك الصندوق منها سريعًا وهرب. تركها تصرخ، وهي ملقاة أرضًا تشعر بألم كبير، وضعت يدها على بطنها وحاولت النهوض، حين اجتمع بعض المارة حولها، منهم من رأى ذلك اللص وهو يدفعها ويسرقها ويهرب، والآخر حاول مساعدتها على النهوض، إلى أن نهضت فعلاً لكن شعرت بسيلان بين ساقيها. نظرت

لهما وصرخت قائلة بتوسل: "ابني، أنقذوني، ابني لازم يعيش." انصعق البعض وقال أحدهم: "في مستوصف طبي قريب من هنا، خلينا ناخد المدام له بسرعة." بالفعل ما هي إلا دقائق وكانت بالمستوصف تصرخ من قوة الألم، ترفض تعامل أحد الأطباء معها حين أخبرها أنها تجهض، وعليهم التدخل لإيقاف النزيف من أجلها. كانت تصرخ عليهم وتسب وهي تنظر لدمائها، ورغم الألم لا تريد أن تعترف أنها فقدت ذلك الجنين، تريدهُ بشدة فهو طريقها للعودة إلى دار العراب.

خرج طبيب المستوصف، يزفر نفسه بغضب من رفضها له، وتركها على يقين أنها لن تتحمل الألم، وستطلب المساعدة. لكن بدأت تنسحب تدريجياً، لكن قبلها همست لها إحدى النساء التي انسحبت إلى الغرفة: "هنا مش هيعرفوا يتعاملوا معاكي كويس وفي الآخر هيسقطوكِ بالغصب، شكلك وحدانية. عندي دكتور شاطر، عيادته قريبة من هنا وممكن ينقذ ابنك، لو عاوزة أنا ممكن أساعدك توصلي لعيادته." عادت لها القوة الواهنة وتحاملت على نفسها نهضت قائلة بصعوبة:

"خديني له بسرعة." قالت لها المرأة: "استني بلاش نطلع من الباب ده، في باب جانبي للمستوصف قريب للعيادة خلينا نطلع منه." بالفعل خرجت مع المرأة وبعدها من قسوة الألم لم تشعر بأي شيء حولها. إلا أنها موضوعة على طاولة طبيبة وحولها يلتف تلك المرأة ومعها طبيب آخر، وتركت بعدها كل شيء خلفها. نظر الطبيب للمرأة قائلاً: "متأكدة إن محدش شافك وانتِ طالعة معاها من المستوصف." ردت المرأة:

"أيوا يا دكتور، حتى واحنا جايين على هنا سألتها إن كانت عاوزة تكلم حد من قرايبها ينجدها، قالت ملهاش حد." تبسم الطبيب للمرأة بظفر. *** بدار العراب. شعر قماح بألم في يده المصابة حين خبطت سلسبيل بها دون قصد. لاحظت سلسبيل ذلك فقالت باعتذار: "آسفة، مخدتش بالي." تبسم قماح وضمها بيده السليمة قائلاً: "سلسبيل أنا بعد اللي مرينا بيه الفترة الأخيرة دي بفكر آخدك انتي وناصر ونسافر إجازة في أي مكان نغير جو." ضمت سلسبيل قماح قائلة:

"موافقة، بابا قال إن الدكتور هيكتب لـ ماما بكرة على خروج وكمان جدتي قالت إنها بتكره المستشفيات وخلت عمي طلب من الدكتور يكتب لها خروج هي كمان وهيرجعوا لهنا بكرة، بس قولي هتاخدنا فين؟ قبل قماح خد سلسبيل قائلاً: "بصراحة أنا كان نفسي آخدك لوحدك ونسيب ناصر، بس الوضع ميسمحش بكده، بس قدامك الاختيار، عاوزة تروحي فين؟ فكرت سلسبيل بضحك:

"طبعاً مينفعش نسيب ناصر بيه مع اللي هنا وهما في الحالة دي، ولو عليا عاوزة أروح بيت الجزيرة، بس بصراحة نفسي أروح مكان بعيد عن هنا شوية، ممكن نروح الغردقة أو شرم الشيخ، أو أي مكان فيه بحر." تبسم قماح قائلاً: "تمام، بكرة نطمن على جدتي ومرات عمي إنهم رجعوا لدار العراب بخير والمسا نسافر، وأمري لله ناخد ناصر معانا، لازم نستحمل رذالته." ضحكت سلسبيل، بينما قماح ضمها قوياً ينظر لعيونها السوداء قائلاً: "بحبك يا سلسبيل."

أنهى قوله بقبلة سرعان ما تجاوبت معه سلسبيل مرحبة. *** أشرقت شمس جديدة تكشف حقائق. هناك خائنة انتهت حياتها بطريقة بشعة. بأحد المشافي الحكومية بغرفة خاصة. وقف الطبيب يقول: "بلغت الشرطة عن الجثة دي." رد الآخر: "أيوا يا دكتور، المستشفى بلغت الشرطة إن جالنا جثة متاخد منها أعضاء جسمها الداخلية، وجدوها الأهالي من ساعتين مرمية في وسط كوم زبالة." *** بدار العراب.

ذهبت سلسبيل خلف قماح تحمل صغيرها إلى مكان وقوف سيارته بحديقة المنزل. لكن رن هاتفه نظر للشاشة ثم لـ سلسبيل. رد على الشرطي واستمع له ثم قال: "تمام ساعة وأكون عندك في القسم." أغلق قماح الهاتف ونظر لوجه سلسبيل وقبل أن تسأله قال: "ده الظابط اللي قبض على هند، طالب مني أروح له القسم لأمر هام." تعجبت سلسبيل قائلة: "وأيه هو الأمر الهام ده؟ مش أخد أقوالنا امبارح." رد قماح:

"معرفش بصراحة، هو قالي كده وخلاص، هروح القسم وبعدها هروح المقر. الشغل واقف، كان نفسي آخدك معايا، بس مين هيراعي ناصر بيه في غيابك." تبسمت سلسبيل قائلة: "عمي اتصل من شوية عالشغالة وقالها تجهز أوضة جدتي، هما على وصول. وماما كنت هروح لها المستشفى، قالتلي لأ خايفة على ناصر لا يلقط عدوى من المستشفى، حتى امبارح زعقت لي لما شفته معايا هناك. بابا مكنش قالها على اللي حصل، ولما عرفت زعلت منه إنه خبى عليها."

تبسم قماح ونظر حوله لم يرى أحد، فقام بتقبيل وجنة سلسبيل ثم وجنة ناصر قائلاً: "يلا أنا همشي عشان متأخرش على ميعاد الظابط وبعدها هروح عالمقر، هبقى أتصل عليكِ." ابتسمت سلسبيل قائلة: "اطمن علينا، إحنا مش هنخرج من الدار هنقعد ننتظر جدتي وماما." تبسم قماح وصعد إلى السيارة وغادر. بينما سلسبيل وقفت حائرة في طلب الشرطي من قماح الذهاب إليه. لماذا؟ هل الموضوع مرتبط بـ هند.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...