تحميل رواية «عشق الفيروز "لا تظلمني"» PDF
بقلم ولاء رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كيف حبيبي تكون عشقي وعذابي؟ كيف تكون لي القاضي وجلادي؟ ياليتني كنت قطرة مياه في بحر هادي، كنت حينها لن أعرفك ولا أعشقك ولن كان عشقك احتل عرش حياتي. بداخل دار القضاء العالي، وفي إحدى قاعات المحكمة، ينادي الحاجب بصوت قوي: "محكمة!" ليدلف القاضي والمستشارون الذين معه. وهي كانت تنظر بعينيها التي تحولت من لون البحر إلى لون الدم من كثرة البكاء من الظلم والقسوة، فتمسك بيديها قضبان القفص الحديدي التي بداخله داعية ربها أن ينجدها من هذا البلاء كما أنجد يوسف عليه السلام من غياهب السجن، تنتظر حكم القاضي وكأن...
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ولاء رفعت
أيمن: مين ده يا مجدي؟
وفي سرعة البرق ضربه الرجل الملثم على رأسه بسلاح كان معه، ليقع أيمن مغشيًا في الحال. فصاح مجدي بالرجل:
مجدي: يخربيت أهلك، عملت إيه في الواد؟
ثم جثا على ركبتيه ليقيس نبض أيمن من العرق النابض في عنقه فاطمأن.
الملثم: ما هو كان لازم أعمل كده بدل ما يفضحنا.
مجدي: طب والعمل دلوقتِ؟ أهو لما يفوق هيبلغ عني، وطبعًا ما يعرفش شكلك.
الملثم: أنا جت لي فكرة، شيلوا معايا وتعالوا جوه.
مجدي: هتعمل إيه؟
الملثم: شيل وأنت ساكت.
حمل مجدي والرجل الملثم أيمن للداخل، فوضع الملثم يده في أحد جيوب بنطال أيمن باحثًا عن شيء ما.
مجدي: بتدور على إيه؟ فهمني، ده كحيان وما حلتهوش حاجة.
الملثم: يا غبي أنا بدور على أي حاجة خاصة تدل على هويته عشان هو اللي هيلبس الليلة من الآخر.
مجدي بتصنع: بس حرام، ده عنده عيال ومراته حامل، دول كده يتشردوا.
الملثم: أحسن ما تتشرد أنت والباشا، ساعتها هيخليك تحمل لقب المرحوم.
مجدي وقد شعر بالخوف: لا لا لا يا برنس، هو العمر بعزقة ولا إيه؟ يولع هو بجاز.
الملثم: طب بطل رغي يا أخويا وأنجز.
فأخرج محفظة جلدية وجد بها بطاقة شخصية وعدة بطاقات أخرى، فتوقف وقال:
الملثم: هي دي هتجيب من الآخر. بقولك يا مجدي، مش كده خلص الشيفت بتاعكوا؟
مجدي: آه، ليه؟
الملثم: هقولك...
* تقف فيروز مع الطبيب.
الطبيب: زي ما حضرتك شايفة يا آنسة إحنا عملنا اللي علينا، وكمان من حظها إنه كان فيه مكان فاضي في وحدة غسيل الكلى، بس فيه حاجة.
فيروز بقلق: حاجة إيه؟
الطبيب: إن الكلى اللي عندها آخرها تستحمل مرتين غسيل ومش هينفع بعد كده، فوالدتك كده محتاجة زرع كلية.
فيروز: طب دي بتحتاج كام؟
الطبيب: طبعًا إحنا كمستشفى حكومي قليل جدًا لما نلاقي متبرع، من الآخر الأحسن ليكوا تاخدوها على مستشفى خاصة هما هيعملوا كل اللازم بس طبعًا هتبقى التكلفة عالية.
فيروز كانت تستند على كتف ليلى وكأنها تشعر بدوار: أعمل إيه دلوقتِ يا رب؟ أجيب منين فلوس دلوقتِ؟
الطبيب باحراج: طب عن إذنكوا عشان ورايا حالات تانية.
ليلى وهي تمسد على فيروز: ادعي لها يا فيروز إن ربنا يشفيها وما تحتاجش لعملية زرع.
أم ليلى: والله يا فيروز يعلم ربنا أمك دي أكتر من أخت ليا، بس أنتِ عارفة اللي جاي على قد اللي رايح، ولو معايا فلوس ما كنتش عزتها عليها.
فيروز: عارفة والله يا طنط.
جاءت إحدى الممرضات وهي تركض مسرعة لتقول:
الممرضة: أنتوا أهل المريضة اللي في وحدة غسيل الكلى؟
فيروز وليلى بذعر: آه.
لتردف فيروز: أنا بنتها.
الممرضة: المريضة تعبت جامد ونقلناها في العناية المركزة ومحتاجين الحاجات دي ضروري.
أعطتهم ورقة مكتوب بها أسماء لأدوية ويبدو أنها باهظة الثمن.
فيروز: يا رب أعني وقويني يا رب.
فصمتت لتأتي إليها فكرة: أنا هتصل على مسيو فارس يديني سلفة من مرتبي، إن شاء الله أروح له آخدهم منه.
ليلى: أنتِ اتجننتي؟ عارفة إحنا الساعة كام؟ إحنا الفجر يا بنتي. اتصلي بصقر.
فيروز بتردد: أصل بصراحة مش بكلمه.
ليلى: أنتوا لحقتوا؟
فيروز: مش وقته.
ليلى: طب حاولي وهو لو عرف الظرف اللي أنتِ فيه هيجيلك على طول، كلميه أنتِ بس.
فيروز: طب خلاص هتصل وردي عليه أنتِ.
ليلى: أوووف دماغك ناشفة، طب هاتي تليفونك يا أختي.
ضغطت على زر الاتصال برقم صقر.
(عندما تشاجر صقر مع فيروز على الهاتف وأغلقه وألقاه على الأرض وانكسر، قبل أن يعود لمنزله قام بتجميعه ليأخذ شريحة الاتصال وذهب لإحدى متاجر الهواتف واشترى هاتف آخر).
كان هو في سبات عميق ويحلم بكابوس ليستيقظ منه فجأة على رنين هاتفه بفظع، وأمسك هاتفه ليرى المتصل وينظر في ساعة هاتفه فتعجب من اتصالها في هذا الوقت المتأخر.
صقر: أيوه عايزة إيه؟
ليلى بتردد: آآآ أنا ليلى صاحبة فيروز.
نهض فجأة في فزع: مالها فيروز؟ حصلها حاجة؟
ليلى: هي بخير لكن مامتها تعبت وإحنا في مستشفى... الحكومي و...
صقر مقاطعًا كلامها وهو يتنفس بارتياح: طب أنا جاي بسرعة، سلام.
أغلقت ليلى الهاتف لتقول فيروز بلهفة:
فيروز: ها، قالك إيه؟
ليلى: جاي دلوقتِ.
فيروز: يا رب قومهالي بالسلامة واشفيها، أنا مليش غيرها في الدنيا ياااارب.
نهض صقر من فراشه ودلف للمرحاض يغتسل ثم ذهب لحجرة الملابس وارتدى قميص وبنطال وحذاءه، وهو يخرج من غرفته تعثر في مزهرية فانكسرت وأحدثت صوتًا فاستيقظت رنيم وخرجت على أثر الصوت.
رنيم بصوت مصحوب بالنعاس: إيه يا صقر الدوشة دي ورايح فين دلوقتِ كده؟
صقر: مفيش، رايح مشوار مهم، خدي بالك من نفسك لحد ما هاجي وممنوع الخروج لأي سبب، ولو كلامي ما اتسمعش أنتِ عارفة إن زعلي وحش.
رنيم بتأفف: هووف، روح شوف مشوارك وأنا داخلة أكمل نومي.
قالتها وهي تدلف لحجرتها. وصقر ذهب وأوصد الباب خلفه. وقبل أن تتمدد على تختها سمعت صوت رنين رسائل واردة.
أمسكت بهاتفها وهي تقول: ومين اللي باعت لي رسايل في الوقت ده؟
نظرت في شاشة الهاتف وجدت رسائل واردة لها على الماسنجر لترى صور مرسلة من حساب باسم ياسمين كمال. ضغطت على الصور لتكبيرها، فهي صور تجمع بين إياس وياسمين في حفلة خطوبتهم وصور أيضًا وهم على شاطئ البحر في رحلة مصيفية، وكانت أغلب الصور تعانق ياسمين إياس وصورة يقبل إياس ياسمين من وجنتها. كان حال رنيم وهي تشاهد الصور يرثى له، فشعرت كأن أحد ما يغرز سكين ذو نصل بارد في قلبها، وانتابتها فجأة حالة من البكاء الهيستيري وألقت هاتفها بقوة على الحائط ليصبح قطعًا منثورة.
* أشرقت الشمس بيوم جديد وكانت أشعتها تخترق نافذة بإحدى الغرف التي بالفندق، وكان محمد ومصطفى يدلفان للغرفة.
مصطفى: ياااه أخيرًا الواحد وصل، ده كان مشوار ممل.
محمد: ما أنت عارف المسافة من أسيوط لكايرو كبيرة، ده غير العربية اللي عطلت مننا في الطريق.
مصطفى: مش كنا سافرنا طيران أحسن؟
محمد: بطل دلع ويلا عشان نازلين نفطر.
مصطفى: لا يا عم انزل أنت، أنا جسمي مكسر وعايز أنام. تصبح على خير.
قالها وهو يتمدد بملابسه وحذائه.
ذهب محمد لمطعم الفندق ليتناول الفطور، فجلس على المائدة ليأتيه شخص من خلفه ثم يجلس أمامه وهو يقول:
الشخص: ليك يا زلمة تيجي هون بدون ما تخبرني، والله عيب عليك.
محمد باندهاش: أبو الفوارس حبيبي!
تصافحا ثم تعانقا.
فارس: ليش ما خبرتني إنك بكايرو؟
محمد: طب وأنت عرفت منين إننا جينا؟
فارس: أنا شريك هون بالفندق.
محمد: ربنا يزيدك يا أبو الفوارس، ليك وحشة والله.
فارس: أيي بأمارة لما تركت فرنسا واجيت على مصر تلفنت عليَّ.
محمد: والله غصب عني، أنت عارف إن بابا رامي عليا حمل الشغل كله، غير إن كمان بحضر لمشروع كده خاص بيا هعمله هنا في كايرو.
فارس: عنجد؟
محمد: وهحتاجك معايا.
فارس: مشروع شو؟
محمد: هفتح شركة لمستحضرات التجميل وإحنا اللي هنصنعها بخامات هنستوردها من بره، وده ملعبك، ده غير هنحتاج دعاية وأنت برضه هتفيدني.
فارس: أنت تؤمر يا خيي. وينو درش؟
محمد: ده نايم فوق، خليه نوم الظالم عبادة.
فارس: هههههههههههه، ما بتنتهوا من حركات الولدنة تبعكوا. الله يهديكوا.
محمد: يا رب.
* كانت تتجول في غرفتها ذهابًا وإيابًا فهي مستيقظة منذ الأمس ولم يجافيها النوم بعد، لتواتيها فكرة ما. دلفت للمرحاض واغتسلت ثم ذهبت وأبدلت ملابسها وخرجت من غرفتها. وفي طريقها قبل أن تنزل الدرج نظرت صوب غرفته لتجد الباب مواربًا، اتجهت ودلفت للغرفة لتجده وتحاول إقناعه أن يعدل عن فكرة الزواج بها. فلم تجده لتهم بالخروج ليستوقفها صوت فتح باب المرحاض الملحق بالغرفة، ونظرت نحو المرحاض فهو يقف أمامها عاري الصدر ويلتف نصف جسده السفلي بمنشفة قطنية، وعلى جسده قطرات الماء المتساقطة من شعره المبلل.
شهاب بنبرة خبيثة: ده إيه الصباح اللي زي العسل ده، الأوضة نورت.
هي انتابها الشعور بالخوف يخالطه شعور آخر. كانت تعود للخلف لتخرج فلم تنتبه للباب فقامت بغلقه بدفعة بظهرها دون قصد، ففزعت عندما أغلق الباب. وهو يراقب نظرات عينيها ويقترب نحوها بهدوء. وهي تسمرت وقالت:
سيلين: آآآ أنا كنت شايفة باب الأوضة مفتوح فكنت عايزة أكلمك في...
استوقفها وهو يستند بذراعيه على الباب ويحاوطها فلا يفصل بينهما سوى سنتيمترات قليلة.
شهاب وهو يستنشق رائحة عطرها: الله، جامد أوي البرفيم اللي بتحطيه.
سيلين: ممكن تبعد عني لو سمحت، أنا عايزة أخرج.
شهاب وهو يلمس بطرف أنفه وجنتها: هو أنا ماسكك؟ ما تخرجي.
سيلين وهي تبعده بيديها وتدفعه من صدره: طب ابعد بقى من وشي.
أمسك بكفيها وألصقهما بصدره وأردف:
شهاب: إيه عجبتك؟!
فاقترب بوجهه وهو ينظر لشفتيها لكي يقبلها، أفلتت أحد كفيها وصفعته بقوة ثم أفلتت كفها الآخر وهي تصرخ به:
سيلين: أنت سافل وحيوان، ربنا ياخدك!
ركضت مسرعة وفتحت الباب ثم نزلت الدرج متجهة نحو حديقة المنزل.
تنهد شهاب بقوة وهو يتحسس صفعتها على وجهه.
شهاب: بكرة هيتقفل علينا باب واحد ومحدش هيرحمك مني يا سيلين. خلاص هاااانت.
ليردف بضحكة ساخرة.
* وصل بسيارته أمام المشفى الحكومي لينزل منها وهو يركض نحو البوابة ودلف ليذهب نحو إحدى النوافذ الزجاجية المكتوب أعلاها "الاستعلامات"، وجد فتاة بالثلاثينات تسأله:
الفتاة: فيه حاجة يا فندم؟
صقر: أنا عايز أسأل عن واحدة جات لكوا من شوية وكان معاها بنتها وواحدة صاحبتها.
الفتاة: بص حضرتك أنا لسه مستلمة الشيفت بتاعي من شوية فممكن تسأل عم مسعود السيكيورتي اللي واقف هناك ده.
قالتها وهي تشير على أحد رجال الأمن بالمشفى.
صقر بضيق: طيب شكرًا.
اتجه نحو مسعود ليسأله نفس السؤال.
مسعود: أيوه يا بيه، امبارح بالليل جت ست وراجل معاهم واحدة بتصرخ عندها، بعيد عنك، كريزة كلى، خدوها الدكاترة عملوا معاها اللازم وودوها على وحدة الغسيل وزمانها خلصت وسمعت إنها تعبت ودخلت العناية.
صقر: ده أنت شكلك متابع كل حاجة يا عم مسعود.
مسعود: أومال إيه يا بيه، لازم أعرف دبة النملة هنا عشان أمن المستشفى.
صقر وهو يبتسم من أسلوب حديث هذا الرجل: طيب متشكر ليك أوي.
أخرج الهاتف ليتصل على فيروز فقاطعه صوت ليلى التي كانت تركض نحوه.
ليلى وهي تشهق وتزفر: حـ... حضرتك صقر؟
صقر بتعجب: آه أنا. أنتِ صاحبة فيروز؟
ليلى: آه، تعالى معايا.
صعدا الدرج لأن المصعد كان به عطل. وصلا عند رواق طويل متفرع منه غرف على كل منها لوحة معدنية مكتوب عليها "العناية المركزة".
بحث بعينيه الحادة ليجدها تجلس على الأرض، وهي تضم ركبتيها نحو صدرها، معقدة ساعديها التي تتكئ عليهما برأسها وهي تبكي.
صقر: فيروز!
توقفت عن البكاء عندما سمعت صوته، فرفعت وجهها لتتلاقى عينيها الباكية بعينيه، ونهضت لترتمي على صدره وهي تبكي بشدة وتقول:
"الحقني يا صقر، ماما هتضيع مني وأنا مش عارفة أعملها حاجة، أنا ماليش غيرها عاااااااااا."
نظرت والدة ليلى لابنتها بنظرة تستفسر من هذا الشخص ثم قالت:
"مين ده يا بت يا ليلى؟"
ليلى: ده، ده، ده.
"انطقي يا بت!"
حاوط صقر بذراعه فيروز واتجه بها نحو والدة ليلى:
"أنا متشكر أوي إنكم ساعدتم فيروز ووالدتها."
والدة ليلى:
"على إيه يا ابني؟ ده أكتر من أخت ليا، وفيروز زي بنتي ليلى."
أردفت وهي تسأل بتهكم:
"أومال أنت مين؟"
صقر وهو ينظر لفيروز التي توقفت عن البكاء وابتعدت عن صقر وتنظر له ولوالدة ليلى:
"أنا، أنا خطيب فيروز."
نظرت فيروز وليلى لبعضهما في صدمة.
والدة ليلى:
"خطيبها إزاي؟ إحنا أول مرة نشوفك."
انزعج صقر من فضول تلك السيدة فتركهم قائلًا:
"أنا رايح أشوف الدكتور وجاي تاني."
بحث عن الطبيب المسؤول عن حالة والدة فيروز، فشرح له الطبيب وضع الحالة وأنها لا بد أن تنتقل لمشفى خاص أفضل. ثم ذهبا معًا بعد أن طلب صقر منه أن يأخذ والدة فيروز وينقلها بسيارته إلى مشفى خاص، فسمح له الطبيب بذلك وأمر بعض الممرضات بحمل السيدة إلى السيارة، وذهبت فيروز معه. وعادت والدة ليلى وابنتها إلى منزلهما لأن لا داعي لوجودهم.
*****************************
في مكتب التحقيقات، يجلس أيمن أمام مكتب المحقق الذي كان يحقق معه بخصوص حادث سرقة قطع أثرية من المخزن بداخل المتحف.
أيمن:
"والله يا فندم ما عملت حاجة، كل اللي حصل هو..."
استوقفه دخول أحد الأشخاص الذي يقول:
"لو سمحت يا فندم، فيه واحد بره بيقول إنه محامي أيمن."
المحقق:
"خليه يتفضل."
دلف رجل يملأ شعره الشيب، يرتدي نظارة طبية، صافح المحقق وهو يعرف بنفسه:
"أنا عدنان الحاروني محامي موكلي أيمن محمود."
المحقق:
"اتفضل حضرتك، غني عن التعريف."
عدنان:
"بس طلب بعد إذن حضرتك، ممكن أنفرد بموكلي 10 دقايق بس؟"
المحقق:
"اتفضل طبعًا."
نهض من مكتبه ليشير لكاتب التحقيق ليذهب معه للخارج. خرجوا وترك كل من عدنان وأيمن. نظر عدنان ويتفرس ملامح أيمن الذي كان في حالة خوف وذعر من هذا الاتهام الباطل.
عدنان بصوت خبيث:
"طبعًا أنا مش محتاج أشرح لك وأفهمك، بس لو عقلك فكر حتى إنك تتكلم عن مجدي واللي حصل، مش عارف هيحصلك إيه."
أيمن وهو يبتلع ريقه بصعوبة:
"أنتو مين؟"
عدنان:
"حاجة ما تخصكش، بس مهمتي معاك إنك تخرج ولسانك ما ينطقش بكلمة، وسيبني أنا هقوم بالباقي."
أيمن:
"مش فاهم حاجة."
عدنان:
"بص يا ابني من الآخر، حظك ونصيبك وقوعك وسط جماعة قانونها هو الغلطة بفورة، وطبعًا أنت شاب في حالك وغلبان ومتجوز وعندك بنتين توأم ومراتك حامل."
أيمن بفزع:
"وحضرتك تعرف عني كل ده منين؟"
عدنان:
"هو أنا بياع غزل بنات؟ خلاصة الكلام أنت هتروح بيتك النهاردة، وانتظر مننا في أي وقت مكالمة واسمع التعليمات."
أيمن:
"ط، طيب والسرقة اللي حصلت؟"
عدنان:
"عادي، عم سيد أمين المخزن هو اللي سرق."
أيمن:
"حرام عليكم، ده راجل صاحب مرض ومالوش حد."
عدنان:
"اسمع اللي بقولك عليه، خروجك من هنا بشرط إنك تشتغل معانا زي صاحبك مجدي، وإنك ما تتكلمش بحرف واحد عن اللي حصل، بدل ما هتشوف بناتك اللي المفروض مدام حضرتك هتجيبهم من المدرسة بعد ساعة، وأنا مش محتاج أعيد لك إن إحنا ما عندناش غير قانون واحد."
نظر له أيمن المرتعشة أوصاله خوفًا على بناته وزوجته الحامل فأجاب بقلق:
"ح، حاضر، اللي تشوفه حضرتك وأنا تحت أمركم."
عدنان بابتسامة شيطانية:
"وما تخافش، كله بحسابه، وهتعرف تودي المدام لأكبر دكاترة عشان المتابعة، وكمان أنظف مستشفى عشان تولد، وحالك كله هيتبدل للأحسن بس تسمع الكلام."
أيمن قد شعر بأنه وقع وسط غابة مليئة بالوحوش لا عودة منها.
***************************
في شركة معمار السويفي بداخل قاعة الاجتماعات، يجلس كل من صلاح وشهاب وحماد ومحمد ولده ومستشارين القانون لكل من صلاح وحماد حول طاولة الاجتماعات.
صلاح وهو ينظر لورقة عقد الشراكة:
"بس كده يا حماد بيه، الشرط الجزائي مبلغ كبير أوي ومبالغ فيه."
حماد:
"ما تجلقش يا صلاح بيه، إحنا اللي يشتغل معانا عمره ما يفكر يفسخ العقد، بالعكس بيزود استثماراته معانا أكتر بكتير."
شهاب:
"إحنا عارفين طبعًا سمعتكم ماسبقكم، بس برضه مش لدرجة المبلغ ده."
محمد:
"بكرة لما تشوفوا الأرباح اللي هتحققها شراكتنا معاكم، هتعرفوا سبب الشرط ده وإن عندنا حق فيه."
صلاح:
"خلاص نشوف رأي المستشار القانوني بتاعنا... إيه رأيك يا أستاذ عادل في العقد اللي قدامك؟"
عادل:
"كل حاجة تمام يا صلاح بيه، والشرط الجزائي تمام، بس عن إذنكم هضيف بند مع الشرط وهو إن العقد لاغي لو حصل أي خلل أو تلاعب من الطرف الآخر."
شهاب نظر لعادل بابتسامة على ذكائه.
حماد:
"وإحنا موافقين، على خيرة الله، يلا نجروا الفاتحة قبل الإمضاء على العقود لتحل البركة بإذن الله."
قرأ الجميع سورة الفاتحة ثم أمضوا العقود وبعض الأوراق.
صلاح:
"وبمناسبة الشراكة دي هعمل حفلة عندي في الفيلا وهعزم فيها بعض رجال الأعمال، ويشرفني حضرتك يا حماد بيه وابنك الأستاذ محمد وابن حضرتك التاني إنكم تيجوا الحفلة."
حماد:
"إن شاء الله هنيجي، حدد الميعاد وبلغنا قبلها."
صلاح:
"طبعًا طبعًا."
حماد:
"يلا بقي أستأذنكم إحنا ورانا شغل كتير، السلام عليكم."
صافح حماد صلاح وشهاب الذي صافح محمد بقبضة قوية كأنه يتحداه.
****************************
في حديقة مشفى السويفي الاستثماري، يجلس كل من صقر وفيروز على مقعد خشبي.
فيروز:
"أنا متشكرة أوي على تعبك معايا أنا وماما، وإن شاء الله أول ما هي هتقوم بالسلامة ونروح، هرجع شغلي بعد ما أخلص امتحاناتي، وكل قبض هسدد الفلوس اللي دفعتها للمستشفى."
كان يستمع لها فضاقت عيناه لينهض من مكانه واقفًا أمامها وبصوت محذر:
"هو أنا بالنسبة ليكي إيه؟"
فيروز ارتعبت عندما نظرت لعينيه:
"أنت عارف أنا..."
قاطعها وهو ينحني بجذعه نحوها محاوطًا بذراعيه مسندًا على ظهر المقعد الخشبي ولا يفصل بينهما سوى مسافة لا تتعدى السنتيمترات ويحدق بعينيها، فرجعت برأسها للخلف أكثر خوفًا منه.
صقر:
"خايفة من إيه؟"
فيروز:
"مش خايفة، بس ممكن تبعد شوية وأنت بتكلمني."
صقر وهو يعتدل في وقفته:
"أديني بعدت... بس عايز أقول لك حاجة، انسي كل كلمة قولتيها من دقيقة، وبالنسبة لشغلك مفيش شغل."
فيروز:
"مش هينفع أقعد من الشغل."
صقر وبنبرة مخيفة:
"هينفع يا فيروز، ومتقلقيش مصاريف علاج مامتك متكفل أنا بيها، أنا بعتبرها في مقام والدتي."
فيروز بغضب:
"وإحنا مش محتاجين شفقة من حد... ومش من حقك تقرر أعمل إيه وما أعملش."
صقر وهو يعتصر كفه في قبضة ثم ضرب المقعد بجانبها، مما جعلها تنتفض في ذعر لتنهض ذاهبة للداخل. استوقفها بقبضته على معصمها... ثم أردف:
"لما بكلمك ما تسيبنيش وتمشي، بدل ما هتلاقيني اتحولت عليكي وهتشوفي وش مش هتحبي تشوفيه طول عمرك."
فيروز بخوف:
"طيب أنت عايز مني إيه دلوقتي؟"
صقر:
"عايزك مطيعة وتسمعي كلامي، واللي أقول لك عليه يتنفذ من غير جدال."
فيروز واستجمعت قواها فانتزعت يدها من قبضته:
"ملكش دعوة بيا أنا حرة."
قطب بين حاجبيه وضيق عينيه التي توحي ببركان من الغضب وكاد أن يصفعها، فاستوقفته إحدى الممرضات.
الممرضة:
"صقر بيه، مدام آمال فاقت وعايزة تشوف آنسة فيروز."
ركضت فيروز للداخل مسرعة وتركت صقر في مكانه، فقرر هو العودة قبل أن يفتعل أي شيء يندم عليه، وقبل ذهابه أوصى الطبيب على آمال وأن يبلغه بكل جديد على هاتفه.
*************************
وهو في طريقه توقف عند إحدى محطات الوقود وشعر بالعطش، فنزل من سيارته ودلف للمتجر الملحق بالمحطة واشترى زجاجة مياه معدنية ثم خرج ليصطدم بها.
صقر وهو يلتقط الزجاجة التي وقعت من يده:
"مش تحاسبي؟"
سيلين:
"Sorry..."
ثم التفتت لصاحب الصوت:
"صقر!"
صقر بتنهيدة ومتضايق:
"عن إذنك."
سيلين ركضت خلفه لتستوقفه:
"مالك مش طايقني ليه؟"
صقر:
"لو سمحت يا سيلين، أنا مش طايق نفسي وماليش مزاج أتكلم مع حد."
اقتربت منه أكثر... وفي تلك اللحظة في الناحية الأخرى في الطريق، يقف شهاب بسيارته التي تعطلت ونزل منها ليرى سبب العطل فنظر اتجاه المحطة ليطلب المساعدة، فأوقفته رؤية سيلين التي اقتربت من صقر وتعانقه وهي تقول:
"أنا بحبك أوي يا صقر ومش..."
استوقفها صقر بلكزها ليبعدها عنه وصفعها على وجنتها وهو يصرخ بها بغضب:
"إيه اللي أنتِ عملتيه ده؟"
وضعت يدها تتحسس أثر الصفعة وكادت تبكي... أوقفها صوته الذي يعلن عن مشاجرة ستحدث للتو وهو يكور قبضته متجهًا نحو صقر وهو يقول:
"آه يا حيوان يا واطي..."
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ولاء رفعت
وضعت يدها تتحسس أثر الصفعة وكادت تبكي. أوقفها صوته الذي يعلن عن مشاجرة ستحدث للتو وهو يكور قبضته متجهًا نحو صقر وهو يقول:
"آه يا حيوان يا واطي!"
في تلك اللحظة خشيت سيلين من شهاب بأن يوشي بها لوالدها، وفي نفس الوقت أرادت أن تنتقم من صقر لإهانته لها.
صقر وهو يتفادى قبضة شهاب:
"شكلك وحشتك علقة المرة اللي فاتت."
شهاب وهو يضحك ساخرًا:
"لا وحياتك ده أنا عايز أردّ لك الواجب وبزيادة."
فهجم على صقر مرة أخرى، وصرخت سيلين، فنهرها شهاب وهو يصرخ بها:
"بتصوتي ليه؟ اخرسي، ده أنتِ حسابك معايا بعدين لما نروح."
بكت بدموع مصطنعة وهي تقول:
"أنا مليش ذنب هو اللي قرب مني وحضني بالعافية."
صقر وينظر لها بسخرية واحتقار وأردف قائلًا:
"أنا مش مضطر أشرح الوضع ليك أو أبرر، بس كفاية إنك عارف بنت عمك كويس."
قالها وهو يدلف لسيارته وينظر لهما باحتقار، ثم شغل محرك السيارة وانطلق. فزاد غضب شهاب واتجه نحو سيلين ممسكًا بإحدى ساعديها.
شهاب:
"انجري قدامي."
سيلين في محاولة تحرير ساعدها من قبضته:
"سيب دراعي هيتكسر في إيدك."
شهاب بصوت عالٍ:
"كلمة كمان وهجرك من شعرك لحد العربية."
اتجهت أنظار المارة إليهم.
سيلين:
"عجبك كده؟ الناس عمالة بتبص علينا."
شهاب لم يرد عليها وسحبها نحو سيارته وفتح الباب ودفعها للداخل وصفق الباب بقوة ثم اتجه ودلف من الباب الآخر وأدار المحرك وانطلق بالسيارة.
سيلين بغضب يصاحبه خوف:
"أنت رايح فين؟ ده مش طريق التجمع."
شهاب:
"لا رد."
سيلين بصوت عالٍ:
"رد عليّ أنا بكلم نفسي ولا أنت أطرش؟"
جزّ على فكيه وضغط بيده على عجلة القيادة ثم ضغط على الفرامل مرة واحدة لتتوقف السيارة وسيلين لم تكن مؤمنة بحزام الأمان فارتدت للأمام فاصطدمت جبهتها بتابلوه السيارة وفقدت وعيها للتو.
شهاب بقلق:
"سيلين؟"
قام بفك حزامه وتفحص سيلين ليرفع رأسها يجد دماءها تغرق وجهها وغائبة عن الوعي فزع صارخًا:
"سيلييييييييين!"
انطلق بها على مشفى السويفي الذي كان قريبًا منه وتوقف أمامه ونزل من السيارة وفتح الباب المجاور لسيلين وحملها على ذراعيه ودلف المشفى وهو يصرخ:
"حد يجي بسرعة يلحقها! أنت يا عالم يا اللي هنا!"
جاء إليه أحد الأطباء وهو يركض:
"شهاب بيه أهلًا بحضرتك."
شهاب:
"بلا أهلًا بلا زفت."
الطبيب وهو يشير للممرضات:
"تعالي أنتِ وهي وانقلوا المريضة على غرفة الطوارئ."
ثم أردف:
"اتفضل يا شهاب بيه اقعد استريح في المكتب وأنا هتابع الحالة بنفسي."
ذهب الطبيب لسيلين تفحصها جيدًا وضمد جرحها السطحي في جبهتها وعلق بيدها محلول وتركها حتى تستريح.
ودلف للمكتب:
"ما تقلقش يا شهاب بيه دي حالة إغماء بسيط نتيجة اصطدام رأسها بشيء صلب."
شهاب:
"طب هي عاملة إيه دلوقت؟"
الطبيب:
"غيرت لها على الجرح اللي في مقدمة رأسها وعلقت لها محلول وشوية وهتفوق."
شهاب:
"طب أنا عايز أدخل لها."
الطبيب:
"اتفضل معايا حضرتك."
كانت تسير مسرعة تبحث عن الطبيب المتابع لحالة والدتها فاصطدمت به ليصيح بها:
شهاب:
"ما تحاسبي يا آنسة!"
فيروز:
"آسفة والله ما كان قصدي و..."
توقفت فجأة عندما نظرا لبعضهما البعض.
شهاب:
"أنا حاسس إني شوفتك قبل كده!"
فيروز متصنعة عدم التذكر:
"أنا أول مرة أشوف حضرتك... عن إذنك."
ركضت نحو المصعد المتجه لأعلى.
شهاب وهو يحاول تذكرها فأردف الطبيب الذي كان متابعًا لحوارهما من البداية:
"حضرتك دي آنسة فيروز جت مع صقر بيه ومعاهم والدتها مريضة بالفشل الكلوي وهي في العناية دلوقت."
شهاب وهي يمسد على ذقنه بأطراف أنامله:
"فيرووووز! افتكرتك أخيرًا... وأخيرًا روحك بقت في إيدي يا صقر... ده اللعب هيحلو أوي!"
في ضاحية من ضواحي محافظة الجيزة بداخل منطقة شبه ريفية ينزل أيمن على طريق رئيسي من سيارة أجرة جماعية وتوقف جانبًا وهو يشير بيده.
أيمن:
"بسسسسس توكتوك!"
توقف السائق أمامه يقول له:
"رايح فين يا نجم؟"
أيمن:
"وصلني عند مسجد التقوى اللي عند الساحة."
السائق:
"بس الأجرة عشان نبقى متفقين ٧ جنيه."
أيمن:
"إيه؟ أنا بركبها بـ ٥ جنيه ولو ميكروباص بجنيه ونص!"
السائق:
"مليش فيه يا عمنا روح لواحد غيري."
أحس أيمن بأن قدميه غير قادرة على الترجل حتى منزله. أردف قائلًا:
"طيب يا أسطى أمري لله بس مش مسامح."
السائق بضحكة استفزازية صفراء:
"المهم أنا مسامح."
أيمن في نفسه:
"كتك داهية في شكلك! أومال لو راكب أوبر كان خد مني كام!"
كانت سلمى تنتظر زوجها الذي تأخر كثيرًا عن موعد عودته من العمل وتنظر في ساعة الهاتف.
سلمى:
"إيه كل ده يا أيمن متأخر وقافل موبايلك؟ طب أوصلك إزاي أنا طيب؟"
تأتي إليها إحدى ابنتيها.
كارما:
"ماما أنا بكرة مش رايحة المدرسة ولا كنزي كمان."
سلمى:
"ليه يا حبيبتي؟"
كنزي ابنتها الأخرى ممسكة بدفتر ورقي:
"بصي يا ماما عشان هي جايبة درجة وحشة وبتخبي عليكي والميس قالت لها خلي ولي أمرك يمضي جنب الدرجة."
سلمى:
"كده يا كارما؟ مش قولنا إننا ما نخبيش حاجة على ماما عشان ربنا ما يزعلش منك؟"
كارما:
"ما هو أنتِ مش بتديني درس في الحساب وأنا مش فاهمة حاجة ومش بتذاكري لي زي الأول."
سلمى تتنهد بألم من داخلها أنها تعلم ظروف زوجها المادية لن تتحمل الدروس الخصوصية وتكاليفها.
وصل أيمن أمام منزله ووجد بعض جيرانه يجلسون على إحدى المصاطب أمام المنزل.
ألقى عليهم السلام ودلف لفناء منزله ثم صعد وطرق الباب.
ركضت كلتا من كنزي وكارما نحو الباب مهللتين:
"بابا جه! بابا جه!"
فتحا له الباب.
سلمى بقلق:
"كنت فين كل ده يا أيمن وموبايلك مقفول ليه؟"
أيمن بضيق:
"شوية مشاكل في الشغل ما تاخديش في بالك."
كنزي:
"بابا جبت لي الصلصال اللي قلت لك عليه؟"
سلمى:
"روحي يا كنزي أنتِ وأختك على أوضتكوا عشان بابا تعبان وعايز ينام."
ثم أردفت لأيمن:
"أسخن لك الأكل؟ أنا عاملة فول بالطماطم وشكشوكة."
أيمن مقطب ما بين حاجبيه وزفر بضيق:
"كل يوم فول فول فول! ولما بتغيري تعملي جنبه بيض! مش طافح! واطلعي بره واطفي النور عايز أنام."
سلمى ببكاء مكتوم:
"حاضر عن إذنك."
خرجت من غرفة نومها ودموعها تنسدل على وجنتيها لتلعن تلك الظروف القاسية التي يمرون بها. فدلفت للمرحاض وتوضأت، وذهبت لغرفة المعيشة لتفرد سجادة الصلاة وتؤدي فرضها بنية الاستغفار وتدعو ربها أن يرزق زوجها من حيث لا يحتسب.
ولا تعلم ماذا يخبئ لهم القدر من ابتلاءات.
مرت عدة أيام كانت فيروز تذهب الجامعة للاختبار ثم تذهب للمشفى لتطمئن على حال والدتها حتى قرر الطبيب بتصريح خروجها لحين وجود كلى مناسبة لها وتكون نفس الفصيلة. أخذت فيروز والدتها في سيارة أجرة وعادوا إلى المنزل وكل هذا حدث ولم يعلم صقر أي شيء لأنه كان مبتعدًا عنها تلك الفترة.
عندما علمت ليلى بعودة والدة فيروز فصعدت مع والدتها للاطمئنان عليها.
ليلى:
"حمد لله على السلامة يا طنط آمولة."
آمال:
"الله يسلمك يا حبيبتي... تسلموا لي ربنا يخليكوا لي إنكوا وقفتوا مع بنتي لما تعبت."
والدة ليلى:
"ما تقوليش كده يا أم فيروز، الجيران لبعضيها وأنتِ أكثر من أخت لي... بس بأعاتب عليكي إنك ما قلت لناش إن فيروز اتخطبت."
ليلى نظرت لوالدتها لكي تصمت ومعاتبة لها على حديثها:
"مش وقته يا ماما يلا ننزل ونسيب طنط عشان تريح شوية ولا إيه؟"
آمال:
"والله قعدتكوا حلوة خليكوا شوية."
ليلى:
"لا كفاية كده عشان ترتاحي ولا إيه يا ماما؟"
خرجت فيروز من غرفتها منادية على ليلى.
ليلى:
"طيب يا ماما انزلي دلوقت وأنا هحصلك لما أشوف فيروز عايزة إيه."
أم ليلى:
"طيب ما تتأخريش يا حلوة... فتوكوا بعافية... سلام."
دلفت ليلى لغرفة فيروز.
ليلى:
"معلش يا قلبي أنا عارفة إن أمي عكت الدنيا."
فيروز:
"أنا هتصرف... المهم الحقيني."
ليلى:
"خير في إيه؟"
فيروز:
"كنت عاملة الفون صامت ولسه بشوفه لقيت مسيو فارس متصل عليّ قد كده و باعت لي مسدج بيفكرني بميعاد حفلة الافتتاح وإن لازم أروح ضروري وخايفة ما أروحش يضايق وأنا في حاجة الفلوس اللي بأقبضها منه عشان ماما وعلاجها."
ليلى:
"وإيه المانع اللي يخليكي ما تروحيش؟ لو مامتك أنا هأقعد معاها وأنتِ روحي."
فيروز:
"أصل بصراحة سبب المشكلة اللي بيني وبين صقر إنه مش عايزني أشتغل ومن ساعة ما اتخانقنا ما عبرنيش وكل ما أتصل عليه يقفل تليفونه."
ليلى:
"بصي مش هو اللي مقفلها من عنده وكمان مش بيكلمك؟ طز فيه روحي وملكيش دعوة أنا هنا مع مامتك بدالك لحد ما ترجعي... وبعدين هو ما بيشوفش ولا إيه هو عارف ظروفك."
فيروز:
"قالي أنا متكفل بعلاج والدتك ومصاريفها والعملية وملكيش دعوة فأنا قلت له زي الدبش كده إن إحنا مش محتاجين شفقة من حد."
ليلى:
"أنتِ صح وغلط في نفس الوقت، الصح إنك فهمتيه إنك عزيزة النفس والغلط إن أسلوبك ما كانش حلو على رأيك دبش."
فيروز:
"ماشي يا جزمة... وفيه حاجة كمان."
ليلى:
"أشجيني."
فيروز:
"ما عنديش حاجة أروح بيها والمفروض الحفلة بعد ٣ ساعات."
ليلى وهي تفكر:
"عندي الحل يا مزة."
فيروز:
"حل إيه؟"
ليلى:
"أنا خالو عصام كان نزل من تركيا من قيمة شهرين وجاب لي فستان حلو أوي عامل زي بتاع الممثلين وبصراحة هيبقي عليكي جامد أنتِ بشرتك زي سنو وايت والفستان أحمر غامق يعني هتبقي نجمة الحفلة، ثواني هنزل أجيبه وأطلع لك."
ذهبت ليلى وأحضرت الثوب وصعدت لدى فيروز التي ارتدته.
فيروز:
"لا مش معقول مش هينفع أخرج كده."
ليلى:
"ليه؟ ما هو محترم أهو بتلتين كوم ومش قصير أوي ده لحد تحت الركبة... وبعدين ما تخافيش هأطلب لك أوبر على حسابي كادو مني ليكي يا حبي."
فيروز بفرح وهي تقبل ليلى من وجنتها:
"ربنا يخليكي ليّ يا أختي وصاحبتي بجد مش عارفة من غيرك أعمل إيه."
ليلى:
"ما تقوليش كده أنتِ أختي وأكثر."
فيروز مرتدية الثوب وظلت تنظر لصورتها المنعكسة بالمرآة وتقول بداخلها:
"كان نفسي أول واحد يشوفني كده صقر..."
تنهدت وأردفت:
"يا ترى يا صقر بعدت عني كل ده ليه وهونت عليك كده؟"
في قسم الشرطة:
صقر بغضب:
"يعني أنت عايز تفهمني إن كنت بتشرب بس مش بتبيع؟"
المتهم بنبرة مرتجفة:
"أنا... أنا أخري كده والله يا باشا عمري ما بعت أزيد عن إني بأعزم على أصحابي، أكثر من كده ما فيش."
نهض صقر بصوت مرتفع ويطرق على المكتب:
"أنت هتستعبط يا روح أمك؟ ده إحنا قفشناك بكيلو حشيش ودستة شرايط برشام وتقولي بأشرب؟"
صمت ليردف:
"يا عسكري عوض!"
دلف عوض للمكتب:
"تحت أمرك يا فندم."
صقر:
"خد الحيوان ده ارميه في الحجز وممنوع أي زيارة ليه فاهم؟"
عوض:
"تمام يا فندم... يلا انجر يا متهم على الحجز."
إياس:
"أدخل ولا على الحجز أنا كمان؟"
صقر:
"والله ما فايق لك."
إياس:
"مالك يا ابني بقالك أسبوع ضارب بوز ومش طايق حد، لما أنت مخنوق كده مش بترد على مكالماتها ليك ليه؟"
صقر نظر له نظرة ساخطة:
"حاجة تخصني."
إياس بإحراج:
"هي بقت كده يا صاحبي؟ شكرًا."
صقر وهو يندم على حديثه:
"معلش يا إياس حقك عليّ ما كانش قصدي بس أنا متوتر ومخنوق ومش عايز أتكلم."
إياس:
"طيب واللي يقولك على حاجة تغير لك المود وتفرفشك؟"
صقر:
"مليش في جو النايت والديسكوهات ده."
إياس:
"أستغفر الله العظيم! يعني أنا اللي ليا؟ طيب يا عم مقبولة منك..."
عمومًا أنا معزوم على حفلة افتتاح مول بتاع واحد صاحبي، ويبقى شريك فارس الشامي اللي بتشتغل عنده الحتة بتاعتك.
صقر: حتة بتاعتي؟! ما هو آه، من عِشرتك مع بتوع آداب بهتوا عليك. قوم من قدامي يا إياس، وشوف أنت رايح فين.
إياس: ماشي براحتك، أنت اللي خسران.
رنيم: أيوه يا بوسي، معلش ما كنتش عارفة أرد عليكي، كنت في السوبر ماركت بشتري حاجات وراجعة البيت ناو.
بوسي: طب وفين عم عشماوي؟
رنيم: بليز ما تجبيليش سيرته، أنا وهو متخانقين ومش بنكلم بعض.
بوسي: ربنا يهديهولك. بصي يا حبي، أنا كنت بكلمك وبقولك اجهزي عشان رايحين بارتي افتتاحية مول فارس الشامي.
رنيم: مش ده الشاب اللي كانت بتحبه إيميلي وسابوا بعض؟
بوسي: ده أنتِ قديمة، ده بقى من أكبر أصحاب البيوتي سنتر دلوقتِ، وعنده ميك آب أرتيست بنوتة زي القمر وشغلها حلو أوي.
رنيم: أوكيه، هاقفل معاكي ناو وهكلم صقر هستأذنه.
بوسي: حاضر، وأنا هستنى رد منك. يلا باي.
وفي تلك الأثناء كانت تسير خلفها سيارة بها مجموعة من الشباب، فأخرج أحدهم رأسه من النافذة قائلًا: إيه يا جميل، ماشية لوحدك ليه كده؟
رنيم لم تنتبه إليهم، فأوقفوا السيارة وهم يقاطعون الطريق أمامها ونزلوا جميعًا من السيارة.
أحدهم: مش بنندهلك يا قشطة، ما بتعبريناش ليه؟
رنيم: ابتدينا بقى، الأشكال اللوكال والتحرش والقرف ده.
الشاب الآخر وهو يقترب منها: لوكال إيه يا بت يا زبالة؟ ده أنتِ ما تسويش في سوق البنات أصلًا.
شاب ثالث: براحة عليها يا صاحبي، دي قطة سيامي لازم تهودها عشان تيجي لحد عندك.
قالها وهو يمسك بخصلات من شعرها.
التفتت إليه رنيم تاركة ما بيدها: أنت مين يا حيوان عشان تمسك شعري؟ غور يالا منك ليه بدل ما أطلبلكوا البوليس.
الشاب: تصدقي خوفنا. يلا ياض منك ليه دخلوها العربية، الأشكال دي ما بتجيش غير بالعافية.
وهمّوا جميعهم بالاقتراب منها، وهي تقاومهم بالركلات وتصرخ: الحقوني أهااااااااا!
وفي الجانب الآخر كان بسيارته وسمع صراخ فتاة تستنجد بالمارين، فنزل من سيارته مسرعًا. شاهد مجموعة من الشباب يأخذون فتاة عنوة عنها.
فركض نحوهم وكان لديه سلاح خاص به، فأطلق رصاصة بالهواء: شو بتعملوا بالمخلوقة؟ الله يلعنكم كلكن.
أحدهم: ومين الشبح بسلامته؟
فارس: والله لو ما تركتوها لأكون مقوّص عليكن كلكن.
قالها وهو يطلق رصاصة على باب سيارتهم.
فتركها الشباب وألقوها على الأرض ودلفوا لسيارتهم.
يقول أحدهم: أهي، خدها عندك أهي، بس راجعين لك تاني وهنعلمك الأدب.
حاولت النهوض وهي تلملم أشياءها المبعثرة.
فارس: أنتِ بخير يا آنسة؟
رنيم: ميرسي أوي على وقفتك معايا، مش عارفة من غيرك كان حصلي إيه.
فارس: الشكر لله. ما تقولي هيك، الله يحفظك، بس ديري بالك على حالك المرة الجاية؛ لأن ولاد الحرام كتير بالشوارع.
رنيم بابتسامة: أوكيه. تسلم.
عادت للمنزل وحاولت الاتصال بأخيها وكان هاتفه مغلق.
رنيم: أووووف، على طول الفون بتاعك مقفول كده. خلاص هاروح البارتي أفك عن نفسي شوية، واللي يحصل يحصل.
في الملهى الليلي يجلس مجموعة من الشباب حول طاولة عليها كؤوس وزجاجات من الخمر.
سيف: إيه يا أبو البواسل، مالك كنت مختفي فين الأيام اللي فاتت؟
باسل: ما فيش، كنت في الشغل مع بابا.
سيف: شغل برضه! على بابا ياض ده؟ شكلك كنت شغال شقط، الله ينور.
باسل بابتسامة سخرية: تقدر تقول الاتنين، شغل وشقط.
محمود: بقولكوا إيه، أنا جاي النهارده ومزاجي رايق وعايز أتكيف، ما فيش حاجة معاك لأخوك الغلبان يا سيف؟
سيف: كان على عيني بس خلاص شطبت.
يأتي صوت من خلفهم: إيه يا أندال متجمعين من غير ما تتصلوا عليا؟ اخص عليكوا.
سيف: أهلًا شيبو، الكابو بتاع شلتنا.
باسل بابتسامة تهكم: أهلًا.
شهاب: وسهلا. مش عارف مالك بتعاملني كأني جوز مامتك كده ليه.
باسل ببرود: مزاجي كده، عجبك؟
محمود وهو يغير الحديث تجنبًا لحدوث مشكلة: إيه يا جماعة، مش تباركوا لشهاب؟
سيف: على إيه؟
شهاب: قريب هعزمكوا على حفلة خطوبتي.
باسل بسخرية: ومين دي اللي مامتها داعية عليها؟
شهاب وينظر له شرزًا: سيلين صلاح السويفي بنت عمي هتبقى خطيبتي ومراتي.
قالها وهو ينتظر ردة فعل باسل.
باسل كان حينها يرتشف جرعة من الخمر فوقفت في حلقه: كح كح كح.
سيف: إيه مالك يا باسل؟ شرقت ولا إيه؟
باسل: لا ما فيش، شوية كحة كده. ألف مبروك مقدمًا يا شهاب.
شهاب: الله يبارك فيك.
محمود: وبالمناسبة الجميلة دي ننده على البت سماح تيجي توجب مع شيبو هدية منا ليه.
باسل بنبرة خبيثة: ليه؟ ده حتى شيبو الحتة بتاعته مالية عينيه.
شهاب: ما تلم نفسك يا باسل.
باسل ببرود: ولو ما لميتش هتعمل إيه إن شاء الله؟
شهاب بغضب: وقسم بالله يا باسل لو ما حطيت لسانك جوه بوقك لأدفنك مكانك.
محمود: إيه يا جدعان اهدوا شوية، وأنت يا شهاب باسل كان بيهزر معاك، ما أنت عارفه لما بيشرب كاسين بيشتغلوا معاه.
باسل: لا مش بهزر، يعني هو أنا غلط في الست الطاهرة يعني؟
فقد شهاب أعصابه وجن جنونه واتجه صوب باسل وانهال عليه باللكمات، وأوقفه سيف.
سيف: حقك عليا أنا يا شهاب، خلاص الناس كلها عمالة تتفرج علينا وهيجي صاحب المكان يطردنا. وأنت يا زفت يا اللي اسمك باسل حاسب على كلامك، دي بنت عمه قبل ما تكون خطيبته.
محمود: إيه يا باسل، هي هبت منك ولا إيه؟ شكلك سكرت.
باسل وهو يعتدل ويهندم ملابسه: لا يا حلو منك ليه، أنا مش سكران، ده أنا فايق وفايق أوي كمان، وأحب أقول لعم روميو ده إن بنت عمه بتيجي تسهر في النايت ومقضياها مع صقر صديق العيلة.
شهاب وقد غلي الدم بعروقه لكنه تظاهر بعكس ما بداخله.
شهاب: وأنت مال أهلك؟ بص كلمة كمان عشان جبت آخري معاك وهكسر أزايز الفودكا دي كلها على دماغك.
قالها ثم نهض ليردف: وبلاها قعدة، أنا ماشي.
قالها وغادر.
باسل في نفسه: ماشي يا شهاب الكلب، عاوز أشوف منظرك لما تتجوزها بعد اللي هعمله فيها.
بدأ حفل الافتتاح وبدأ الناس يتوافدون، من رجال أعمال وآخرون من مجتمع الطبقة المخملية، والكثير من النساء والفتيات اللاتي يترددن على مركز تجميل فارس الشامي.
إياس: قعدت تعملي فيها عبلة كامل لحد ما جيت معايا في الآخر أهو.
صقر: والله لو ما بطلت تريقة هسيبك وأمشي.
إياس: ده الله يكون في عونها فيروز إنها مستحملاك.
جاء أحد الأصوات: واقفين لوحدكوا كده ليه؟
إياس: محمد، يخربيت شكلك. عامل إيه؟
محمد: الحمد لله، يعني ما سألتش؟ ده أنا وأخويا بقالنا كام يوم هنا.
مصطفى: حد بينده عليا؟
صقر: ده لو كنت جبت سيرة مليون جنيه.
مصطفى: أنا أحسن طبعًا يا ابني.
إياس: درش حبيبي، عامل إيه؟
مصطفى: طالع عيني والله، والسبب أخويا.
محمد: ده أنت عيل طري.
صقر: براحة عليه يا محمد، أنا عارفك.
محمد: لازم أخليه ينشف في الشغل، يعني هفضل أشيل كل حاجة كده أنا وبابا لوحدنا؟
إياس: شغل شغل شغل، أبوس أيديكوا، أنا جاي أفرفش شوية مش ناقصة خنقة.
مصطفى: أوبااااااااا! الحقوا يا رجالة، بصوا على ذات الرداء الأحمر اللي جاية هناك دي. يخربيت جمالها.
التفتت أنظارهم جميعًا نحو فيروز التي كانت ترتدي ثوب أحمر من الدانتيل الذي تليه عدة طبقات من التل، فهو ضيق من الأعلى لينزل باتساع للأسفل، ومتسع من الصدر وأكمامه قصيرة قليلًا وطوله يتوقف بعد الركبة بعدة سنتيمترات، وكان شعرها ينسدل على كتفيها وظهرها كأنه خيوط حريرية بلون الليل، ووضعت القليل من مساحيق التجميل التي أبرزت ملامحها الفاتنة وجعلتها كالحور. بعدما دلفت للقاعة كانت تبحث عن فارس ولم تلاحظ للعيون الحادة التي تنظر لها.
فارس وهو آتٍ لها وهو يبتسم: الله الله، شو هالجمال! الله يحفظك من عيون العالم.
فيروز بابتسامة خجل: ميرسي أوي يا مسيو فارس، ده من ذوق حضرتك.
فارس: بليز ما تقولي مسيو، قولي فارس بس.
فيروز: حاضر يا فارس.
مد لها فارس يده لتتمسك بذراعه.
فارس: تعي معي لأعرفك بشريكي في هالمشروع.
أخذها لدى الطاولة حيث كل من محمد ومصطفى وإياس وصقر.
كانوا ينظرون إلى القادمة إليهم بنظرات مختلفة.
صقر يود أن يجذبها من يدها ويعاقبها على ذلك، لكن قلبه كان يخفق بشدة من طلتها الجذابة.
محمد كان ينظر لها نظرات غير مفهومة، فهو قد شعر بشيء ما لم يفهمه.
مصطفى كانت نظراته لها كأي فتاة جميلة.
وإياس كان يدعو الله أن لا تحدث مشكلة بين صقر وفيروز.
فارس: مساء الخير شباب.
محمد: مساء الجمال، أهلًا يا فارس.
مصطفى: إزيك يا فارس؟ مش تعرفنا بالقمر اللي معاك؟
فارس بضيق: عيب عليك كيف تتحدث بهي الطريقة عن خطيبتي.
كان صقر يقف خلف محمد بظهره، وعندما سمع حديث فارس التفت لتلتقي عينيه بعيني فيروز.
فيروز وهي تشهق: صقر!
قاطعهم الموسيقى التي بدأت لتعلن عن رقصة هادئة.
فارس: حبيبتي تسمحيلي بهي الرقصة معك؟
فيروز: مممم مش...
فارس يقاطعها وهو يجذبها نحو ساحة الرقص: ليش متوترة؟ أنا هون معك، ما تخافي.
وبدأ الرقص معها وهو يضع يده على خصرها، وهي كانت تنظر لصقر وهي مرتعدة أوصالها من النيران التي تتأجج من عينيه.
إياس: يا نهار أسود، ربنا يستر.
فكاد يتوجه صقر نحو فارس وفيروز فأمسك إياس بمعصمه.
إياس: اهدى يا صاحبي، رايح فين كده؟
صقر: دلوقتِ هتعرف.
ذهب صقر نحو فتاة حسناء وتقدم منها: لو سمحت ممكن تسمحيلي بالرقصة دي؟
الفتاة وتنظر له بانبهار وإعجاب: ممكن طبعًا.
أخذها وعانقها ليتراقص معها على نغمات الموسيقى الهادئة وهمس بأذنها.
الفتاة: أوكيه، أنت تؤمر.
ذهبت الفتاة لفارس أوقفته: بليز فارس ممكن أرقص معاك؟
فارس: بس أأأأأأ...
قاطعته الفتاة وجذبته نحوها لتتراقص معه، وأصبحت فيروز تقف وحيدة لتجد من يحاوط خصرها ويستدير أمامها وهو يعانقها فشقت بذعر: صصصص...
قاطعها صقر وهو يهمس لها: بسسسس، ارقصي وأنتِ ساكتة أحسنلك.
فزاد من قبضته على جسدها وتألمت.
فيروز: آآآه، براحة يا صقر، مالك ماسك فيا جامد كده ليه؟
صقر: ليكي عين تتكلمي! إيه اللي أنا شفته من شوية ده؟ وإيه حكاية فارس اللي بيقول إنك خطيبته؟ مش ده اللي كان معاكي في المطعم؟
فيروز: آه هو، قال كده عشان طلب إيدي وأنا ما رضيتش.
صقر: يبقى ليا حق لما قلتلك تقعدي من الشغل.
فيروز وهي تبعد بجسدها: ما أدخلش الأمور الشخصية في الشغل.
صقر: قولي إن عجبك الشغل معاه، وإنك لقيتيها فرصة خليني ألعب على الناحيتين، لو فارس موضوعه باظ فيه أهبل بديل ليه اللي هو أنا.
فيروز: أنت قليل الأدب.
قالتها وهي تصفعه.
فتحولت عينيه وغضبه وصل لقمة ذروته، فأدركت الموقف وركضت نحو باب الخروج وهو وراءها بعلو صوته: فيررررررررررروز!
كان يتقلب على جانبيه من الأرق الذي أصابه منذ أن دخل إلى غابة الوحوش التي لا رجوع منها أبدًا.
رن هاتفه لينظر ليرى من المتصل، فوجد رقمًا مجهولًا فتعجب وتذكر حديث ذلك الرجل اللعين له، فأجاب على الاتصال.
أيمن: آلو مين؟
المتصل: بكرة بعد ميعاد شغلك هتركب عربية هنبعتهالك عند ميدان التحرير.
أيمن: طيب ليه مش اللي كنتوا عايزينه عملتوه في أي تاني؟
المتصل: بطل أسئلة كتير، إحنا يعتبر مبدأناش شغل.
أيمن: حاضر هعمل اللي قولتلي عليه... سلام.
بعدما أغلق الهاتف قال في نفسه: يااارب اغفر لي وسامحني، أنت اللي عالم بحالي، أنا معملتش كده غير عشان بناتي ومراتي اللي مالهمش غيري ولا ليا غيرهم.
استيقظت بجاوره سلمى التي أنارت الضوء الخافت.
سلمى بصوت ناعس: مالك يا أيمن؟ مين اللي بيتصل في الوقت ده؟
أيمن بضيق: نامي يا سلمى... واعملي حسابك بكرة عشان أوديكي المتابعة بكرة.
سلمى: أنت قبضت بدري ولا إيه؟
أيمن: دي... دي مكافأة... وبعدين عمالة تسألي ليه؟ ولا هو أكل وبحلقة؟
سلمى وهي تنهض من الفراش: مالك يا أيمن؟ بقالك أسبوع مش طايقني ولا طايق البنات وحالك اتبدل خالص حتى الصلاة مبقتش تركعها.
أيمن نهض من الفراش وهم بمغادرة الغرفة: يووووه بقى، أنا سايبلك الأوضة كلها اشبعي بيها.
سلمى: يااااارب أنت السميع العليم، لو هو في ضيقة أو مشكلة، أنجده منها يارب، وابعد عنه أي شر... أنا مليش غيره في الدنيا هو وبناتي ياااااارب.
كانت تقف أمام مرآة المرحاض وهي تبكي بشدة، ثم توقفت عندما دلفت فتاتان إلى المرحاض فقامت بفتح الصنبور لتغتسل من دموعها.
وهو يقف بالخارج ومعه صديقه.
إياس: مكنش ينفع اللي عملته يا صقر، عجبك يعني اللي حصل ده؟
صقر وهو يحاول كظم غضبه: يعني لما أشوفها بترقص في حضن واحد وبيقول إنها خطيبته وهي بتقولي طلبها للجواز وقولها تسيب الشغل معاه وبتعانديني وكمان ضربتني بالقلم عايزني أعمل معاها إيه؟ أسقف لها وأقولها برافو؟
إياس: بس مش لدرجة إنك تفرج عليها الناس بزعيقك وصوتك العالي، ويا ريتك سكت ورزعتها ألم خلتها اترمت على الأرض لولا جيت وحوشتك عنها، حرام عليك.
صقر: أهو اللي حصل بقى... هي راحت فين دلوقت؟
إياس: جريت على التويليت ولسه مخرجتش.
صقر: طيب أنا رايحلها.
إياس: أبوس إيدك سيبها دلوقت لغاية ما أنتوا الاتنين تهدوا وبعدين اتكلموا.
صقر: إن شاء الله... قالها وتركه وذهب اتجاه المرحاض.
إياس ويزفر بضيق: يوووه دماغك ناشفة ومش بتسمع الكلام.
كان هناك باب آخر للمرحاض خرجت منه فيروز ووجدت حديقة بخارج القاعة وقفت بها حتى تهدأ من روعها قليلًا.
محمد كان لديه اتصال وخرج من القاعة ليتوقف بالحديقة حتى انتهى من مكالمته ليلتفت إليها... واقترب.
محمد: أحم آنسة يا آنسة.
فيروز بضيق: نعم؟
محمد: على فكرة أنا مش جاي أتطفل على حضرتك بس حبيت أديكي الأنسيال ده وقع منك لما كنتي جوه في القاعة.
فيروز: متشكره لحضرتك.
محمد وهو يمد يده مصافحًا لها: اسمي محمد الأسيوطي.
فيروز: أنا فيروز سراج الدين أهلًا وسهلًا... عن إذن حضرتك.
تركته ودلفت للقاعة لتجلب حقيبتها وتستأذن من فارس لأنها ستغادر.
كان صقر قد مل من الانتظار أمام المرحاض وهم بالذهاب ليتوقفه صوتها وهي تخرج من باب المرحاض وهي تقول لصديقتها: يعرف ولا ميعرفش أنا مش يهمني أصلًا، أنا قرفت من طريقته دي.
التفت إليها لتستوقفها صديقتها التي ذعرت وتشير لها: الحقي يا رنيم.
اتجهت بعينيها نحوه فصرخت خوفًا: صصقررررر...
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ولاء رفعت
كان صقر قد مل من الانتظار أمام المرحاض وهمَّ بالذهاب، ليتوقفه صوتها وهي تخرج من باب المرحاض وتقول لصديقتها:
"يعرف ولا ما يعرفش، أنا مش يهمني أصلًا، أنا قرفت من طريقته دي."
التفت إليها لتستوقفها صديقتها التي ذُعرت وتشير لها:
"الحقي يا رنيم!"
اتجهت بعينيها نحوه فصرخت خوفًا:
"صصقررررر!"
وهو كان حاله مثل البركان الخامدة نيرانه، وجاءت رنيم بفعلتها تلك، ما جعله ينفجر، فصب عليها غضبه بصوت هادر وهو ممسك بذراعها ويلويه:
"بتعملي إيه هنا؟ ومين سمحلك تنزلي من البيت من غير ما تستأذنيني؟"
رنيم من المفاجأة تلجم لسانها ولم تنطق بكلمة. ليزيد غضبه أكثر فيصرخ بها:
"ما تنطقييييييييي!"
نظرت رنيم بعينيها الباكيتين له.
وجاء إياس راكضًا خشي أن يكون صديقه يمسك بفيروز. وجد رنيم تذرف دموعًا وصقر يمسك ذراعها بقوة ويصرخ بها، فتدخل على الفور وأبعد صديقه وسحب ذراعها من قبضته. ورنيم بدون إدراك اختبأت خلف إياس ممسكة بقميصه.
إياس: "مالك يا صقر طايح النهاردة في الكل ليه؟ مش مكفيك فيروز، كمان أختك!"
صقر: "لو سمحت يا إياس، سيبني أربيها بمعرفتي."
تشجعت رنيم وهي تحتمي في إياس وقالت بصوت باكٍ:
"وأنا مش طفلة عشان تتحكم فيا وتحبسني في البيت، وعشان ترتاح أكتر، أنا سيبالك البيت ومش هأعيش معاك، هأجر شقة وهأعيش فيها لوحدي."
صقر اقترب منها ليصفعها، أمسك إياس يده بقوة وعنفه بقوة:
"لاااا، أنت كده زودتها أوي يا صاحبي!"
قالها وسحب رنيم من يديها ويخرج من القاعة، وكانت معهم بوسي صديقتها.
إياس: "اركبي معايا يا رنيم عشان أوصلك."
رنيم وهي تجفف دموعها بمنشفة ورقية:
"لا شكرًا، أنا هاروح مع بوسي على شقتها."
إياس: "ما ينفعش يا رنيم، أي نعم أخوكي غلطان في أسلوبه وانفعاله، لكن أنتِ هتغلطي أكتر لما تسيبي بيتكم وتروحي تعيشي لوحدك، أنتِ بنت مش راجل والدنيا مش أمان."
رنيم أحست بقشعريرة تسري بقلبها وشعرت بخوفه عليها، لكن تلاشت تلك الأفكار والآمال عندما تذكرت صورته مع خطيبته.
رنيم: "أنا عارفة بعمل إيه ومش محتاجة نصايح من حد، وأرجو إن كل واحد يخليه في حاله أحسن وما يدخلش في خصوصيات غيره."
قالتها وتركته يقف مذهولًا، هل هذه حقًا رنيم الطفلة التي تربت أمام عينيه؟ أصبحت الآن فتاة ناضجة تتخذ قراراتها.
دلفت رنيم سيارة صديقتها وذهبت معها على مسكنها، وذهب إياس وهو يفكر في ردة فعل رنيم ولماذا تعامله بجفاء خاصة بعد معرفتها بخطيبته. فأتت له فكرة سيتأكد خلالها من شكوكه.
إياس في نفسه:
"وبكده هأعرف إن كان اللي في دماغي صح ولا لأ يا..."
صمت وأردف:
"يا روني."
******************
بداخل القاعة تقف كل من هايدي ومايا تراقبان الأجواء.
هايدي: "هووف، اتصلت عليها ميت مرة وبرضو ما بتردش."
مايا: "ما أنتِ عارفة سيلي لو مش بترد بيبقى بتعمل حاجة أو مشغولة."
هايدي: "بس بس، اسكتي أهي فتحت. ألو يا سيلي."
شهاب: "أحم، أنا شهاب ابن عمها."
هايدي بشهقة: "هي سيلي جرى لها حاجة؟"
شهاب: "لا ما فيش، تعبت شوية وداخت، اطمنت عليها في المستشفى ومروحين دلوقت."
هايدي: "بليز ممكن العنوان؟"
شهاب: "ما فيش داعي، إحنا مروحين أصلًا، متشكر على اهتمام حضرتك. سلام."
وأغلق الهاتف.
هايدي: "متخلف وقليل الذوق."
مايا: "في إيه يا بنتي؟"
هايدي: "مش عايزنا نروح لها نطمن عليها وقفل السكة في وشي."
مايا: "ليها حق، سيلي ما تطيقهوش."
هايدي: "ودي مالها قاعدة لوحدها ليه كده؟ أومال راح فين حبيب القلب؟"
مايا: "الظاهر إنهم اتخانقوا مع بعض."
هايدي: "حلو أوي، وأنا هأخليها تولع أكتر."
مايا: "هتعملي إيه؟"
هايدي: "دلوقتي هتشوفي."
قالتها وأخرجت من حقيبتها بعض الحبوب واقتربت من النادل.
هايدي: "لو سمحت، هو اللي مع حضرتك ده عصير ولا فودكا؟"
النادل: "لا عصير يا فندم، للأسف الفودكا خلصت."
هايدي وهي تلهيه وضعت حبتين في إحدى الكؤوس ثم أمسكته:
"طب ممكن تودي كأس العصير ده للآنسة اللي لابسة فستان أحمر هناك دي، وقولها ده من مسيو فارس."
قالتها وهي تضع في جيبه بعض ورقات من المال.
النادل: "تحت أمرك يا فندم."
ثم اتجه نحو فيروز وأعطاها كأس العصير وقال لها إنه من فارس، فأخذته وظلت ترتشف منه لآخر قطرة.
مايا: "أنتِ حطيتي لها إيه في العصير؟"
هايدي: "دي حبوب هلوسة، هتخليها تعيش في عالم تاني والكل هيتفرج عليها دلوقت."
مايا: "يخربيت شكلك، افرضي اتكشفتي ولا حصل لها حاجة؟"
هايدي: "ما تقلقيش، مش هيحصل لها حاجة غير اللي هتشوفيه دلوقت."
قالتها وهي تضحك ضحكة خبيثة.
****************************
في سيارة شهاب، هو يقود السيارة وبجواره سيلين ويبدو عليها التعب والإرهاق.
شهاب: "حمد الله على سلامتك يا حبيبتي."
نظرت له سيلين باحتقار واكتفت بالصمت.
شهاب: "أنا عارف إنك زعلانة مني بس والله ما كنتش أصد اللي حصلك، وأنتِ اللي غلطانة إنك ما ربطتيش حزام الأمان. عشان كده لازم أصلحك وهأوديكي مكان بتحبيه أوي."
سيلين بوهن: "أنت رايح فين؟"
شهاب: "هتعرفي دلوقت."
انطلق بالسيارة ثم توقف أمام أحد المحال الشهيرة بعمل حلوى غربية.
سيلين اعتدلت من مقعدها ونظرت من النافذة لتقول بصوت مرح:
"الله! ده المحل اللي بيعمل تشيز كيك شوكليت اللي بأعشقها."
شهاب: "إيه رأيك ننزل ناكل جوه ولا أجيب ناكل في العربية؟"
سيلين: "لا مش قادرة أنزل، هاتوا في العربية أحسن."
شهاب: "تؤمر يا جميل."
قالها وهو يغمز لها مبتسمًا.
سيلين بصوت منخفض:
"هأضطر أستحمل تقل دمك البارد ده عشان ما تروحش تفتن لداد عليا ويعملي مشكلة، مش بعيد يجوزني ليك وقتها، فخليني أحسن ألعب على الهادي لحد ما أوصل للي أنا عايزاه."
جاء إليها شهاب وهو يحمل برطمانين من الزجاج مملوءين بطبقات التشيز كيك اللذيذة.
شهاب وهو يدلف للسيارة: "ها، اتأخرت عليكي يا قلبي؟"
سيلين بضحكة صفراء: "لا يا شيبو ما اتأخرتش."
شهاب: "اتفضلي يا حبي، التشيز كيك شوكليت اللي بتحبيها. وأنا جبت بصوص الفراولة."
سيلين: "ميرسي أوي."
شهاب: "ما فيش شكر ما بين الراجل ومراته."
سيلين: "مراته؟"
صمتت لتتذكر مخططها فأردفت:
"آه آه يا حبيبي، ربنا يخليك ليا."
شهاب بصوت حانٍ: "بتقولي إيه؟"
سيلين: "يا حبيبي، ربنا يخليك ليا."
شهاب وهو يقترب منها ويقول بصوت هادئ:
"في حتة شوكليت على شفايفك يا قلبي."
سيلين وكادت تزيلها فأمسك بيدها لينزلها واقترب من شفتيها وأزال آثارها بشفتيه ثم ابتعد ليرى سيلين مغمضة العينين ومستسلمة تمامًا كأنها تنتظر المزيد.
شهاب بضحك: "ده أنتِ ضايعة خالص ههههههههههههه."
سيلين وهي تعود لإدراكها: "آآآآه أنت بتضحك على إيه؟ اتفضل يلا روحني أنا تعبانة وعايزة أنام."
شهاب وهو يبتسم ويقول في نفسه:
"أنتِ لسه شوفتي حاجة، ده من بوسة وحصلك كده، أومال لو..."
التفت إليها وجدها قد غفوت، فوصل إلى المنزل وخرج وهو يفتح الباب المجاور لها ثم حملها على ذراعيه وأغلق الباب بقدمه واتجه نحو باب المنزل لتفتح له الخادمة.
الخادمة: "شهاب بيه، هي سيلي هانم بخير؟"
قالتها عندما رأت الجرح المضمد في جبهتها.
شهاب: "هووش، لتصحى. آه هي بخير، ده جرح سطحي."
صعد بها إلى غرفتها ودلف بها ثم وضعها على فراشها الوثير وانحنى بجذعه ليقبل جبهتها وهو يقول بصوت منخفض:
"آه لو تعرفي بأحبك قد إيه، بس أنتِ اللي بتضطريني ألجأ لأساليب تانية."
اعتدل وتركها وغادر الغرفة.
***********************
بعدما احتست فيروز كأس العصير كاملًا شعرت بأشياء غريبة تحدث لها، فتارة تشعر أنها تريد أن تركض وتلهو، وتارة أخرى تريد أن ترقص أو تفعل أي شيء به بعض الجنون.
اتجهت نحو منصة مشغل الأغاني بخطوات مائلة وهي تترنح فصعدت وانحنت نحو المسؤول عن المشغل وهمست له بشيء ما. ونزلت إلى ساحة الرقص وخلعت حذاءها ذو الكعب العالي وفجأة بدأت أغنية من الأغاني الشعبية فرقصت فيروز عليها وهي تردد معها بصوت عالٍ:
"لا لا لا، تبقى معدية، لا لا لا، وما تسلمش عليا، لا لا لا، طب ينفع كده؟"
كان ذلك تحت ذهول وأنظار المتواجدين وكان الرجال يلتفون حولها ويصفقون لها ويهتفون بالصفير. تقدم منها فارس الذي اندهش من تصرفها ذلك فقام بمسك يدها وهو يقول في أذنها:
"شو هاد عم تعملي فيروز؟ تعي معي."
فيروز بصوت ثمل: "يوووه، سيبني بقى، عايزة أرقص، ما لكش دعوة بيا."
صقر كان بالخارج يدخن بشراهة وهو يطلق غضبه في التدخين، فذهبت هايدي تبحث عنه حتى رأته لأنها تريده أن يشاهد ما تفعله فيروز وماذا ستكون ردة فعله.
هايدي: "صقر، الحق يا صقر."
صقر: "نعم، عايزة إيه؟"
هايدي: "فيروز هانم بتاعتك مولعة الحفلة جوه، نازلة رقص والشباب كلهم حواليها وعاملين يصفقوا لها وحاجة لوكال خالص."
انتفض صقر من مكانه وألقى السيجارة المشتعلة على الأرضية ثم دهسها بقدمه وركض نحو القاعة ليجد تجمعًا من الشباب وعبر من بينهم ورأى فارس وهو يحاول إبعادها وهي تقول له:
"إيه، ما بتفهمش؟ بأقولك مش جاية معاك."
تعجب صقر من تصرفاتها الغريبة فعلم أنها ثملة وتحت تأثير مخدر ما، فاتجه نحوها وهي رأته وتقول بصوت ساخر:
"أهو جه أهو أخيرًا، صقر بيه الهواري يا جماعة، نقيب مكافحة المخدرات هيهيهيهيهيهيهييييييي. شوفت يا صقر، فارس ماسكني من ذراعي وعايز ياخدني بس أنا ما رضتش، عارف ليه؟ عشان أنت ما تجيش تقول لي إن أنا معاه، ولو مش هينفع فأنت البديل صح يا صقورة؟ اممممممممموووااه."
قالتها وهي تطلق له قبلة في الهواء.
صقر أمسك بها: "تعالي يلا عشان أروحك."
فارس: "مين أنت يا زلمة لتمسك بإيدها؟"
صقر: "أنت بالذات اسكت خالص."
فارس: "شو؟ شكلك ما بتعرف إنك هون بالحفلة تبعي، يعني أنت اللي تكون بره."
صقر وينظر له بابتسامة استفزازية: "أنا هآخذها وهأمشي وهأسيبلك حفلتك كلها، اشبع بيها."
فارس: "مين بتكون أنت ليحق لك تأخذها معك ولا لا؟"
صقر بصوت صارم: "أنا خطيبها."
فارس: "فيروز، اللي بأسمعه هي صحيح؟"
فيروز: "تؤتؤتؤ، أنا مش خطيبة حد وغوروا أنتم الاثنين من وشي."
وفجأة شعرت بالغثيان وركضت نحو المرحاض لتخرج ما بجوفها ثم اغتسلت وجهها وخرجت لتجد صقر ينتظرها فرمقته بنظرات ساخطة ثم ركضت نحو بوابة الخروج وألحق بها وهي كادت تسقط لأنها تعثرت عندما دخل شيء حاد بقدمها الحافية.
فيروز: "آآآآه رجلي، دخل فيها مسمار."
صقر وهو يحملها على ذراعيه: "ما تخافيش يا قلبي."
حملها نحو سيارته وفتح باب السيارة وأجلسها على المقعد ورفع قدمها ونظر ليرى خشبة صغيرة رشقت بقدمها.
صقر: "دي خشبة صغيرة خالص."
قام بإزالتها وأخرج منشفة ورقية ليزيل نقطة الدماء أثر انغماس الخشبة. ونهض ليخرج من تابلوه السيارة لزق طبي ووضعه مكان الجرح الصغير.
فيروز: "آآآآه بتوجعني أوي."
صقر: "كده خلاص خلصت. ويلا عشان أوصلك."
نهضت من مكانها وهي تقول: "لأ، مش عايزة أروح معاك، أنا هامشي لوحدي."
قالتها وهي تشعر بدوار، فكادت تسقط، فلحق بها صقر وأدخلها السيارة بعدما ربط حزام الأمان على جسدها، والتف الناحية الأخرى ودلف السيارة وشغل المحرك وانطلق نحو منزله.
وصل أمام المبنى الذي يقطن به، فنزل من السيارة وذهب وفتح الباب وحملها وصعد بها للمنزل بعدما وجد المصعد معطلًا، فأنزلها وأسندها وهو يلف جسدها بذراعه، وأخرج مفتاح باب الشقة وفتح الباب، ثم دلف وهو يحملها متجهًا نحو غرفة رنيم ولم يجدها، فعلم أنها ذهبت لدى صديقتها، فوضع فيروز ممدة على الفراش وأعدل ملابسها، ثم دثرها بغطاء وثير وانحنى بجذعه وهو يمسد على وجنتيها وهو يقول:
"ما تزعليش يا قلبي، والله لأخد لك حقك من اللي عمل فيكي كده، وهي اللي جابته لنفسها."
نهض وهو يقبل يدها ثم تركها وخرج ودلف لغرفته.
في وقت الظهيرة وزحمة المواصلات، يقف أيمن ينتظر السيارة التابعة لمن يعمل معهم في الخفاء. وقد وصلت سيارة سوداء كبيرة ذات الدفع الرباعي ونزل منها رجلان ذوا بنية جسدية ضخمة، تحدث أحدهم في سماعة لاسلكية (سماعة بلوتوث) بصوت أجش:
"تمام يا باشا، هنجيبه وهنيجي دلوقت."
أغلق المكالمة ثم أردف يقول لأيمن:
"يلا عشان الباشا مستني حضرتك."
كان أيمن ينظر إليهما في ذعر من هيئتهما الضخمة، فصعد لداخل السيارة وجلس، فأعطاه أحدهم شريطًا من القماش الأسود وقال له بنبرة تحذيرية:
"حط الشريطة السودة دي على عينيك."
أيمن بصوت مرتجف:
"هو أنتو هتخطفوني ولا إيه؟"
الحارس:
"دي تعليمات الباشا ولازم تتنفذ."
أيمن:
"حاضر، أمري لله."
ارتدى أيمن الشريطة وظلت السيارة منطلقة إلى أن وصلت إلى إحدى المرافيء، فنزل الحارسان ممسكين بأيمن معصوب العينين، ففك أحدهما الشريطة. فتح أيمن عينيه بحذر لأن أشعة الشمس كانت قوية وسأل الحارس:
"هو احنا فين كده؟"
ليأتي صوت من داخل اليخت الراسي أمامه:
"أهلًا وسهلًا بك يا أبو كنزي وكارما، مش دي أسمائهم برضه؟"
بيبرس رجل في أواخر الأربعينات، متوسط الطول والوزن، له شعر كثيف يتخلله بعض الشيب وذو بشرة بيضاء ممزوجة باللون الوردي فأصوله روسية وله ذقن وشارب (دوجلس).
نظر له أيمن كأنه يحتفظ بملامحه جيدًا ورد عليه التحية:
"أهلًا وسهلًا بك يا باشا."
بيبرس:
"عامل إيه يا أيمن؟ أوعى يكون جوز البغال دول ضايقوك؟"
أيمن:
"لا خالص يا ساعتك، كانوا في منتهى الاحترام."
بيبرس بضحكة يملؤها الشر:
"شكلك طيب أوي يا أيمن وعلى نياتك، وده اللي أنا عايزه في اللي بيشتغل معانا."
أيمن:
"إزاي يا باشا، والشغلانة دي خطر وعايزة واحد عقر وحويط عشان لو اتمسك ما يبلغش عنكو؟"
بيبرس توقف فجأة عن الابتسامة وتجهم وجهه وابتسم بجانب فمه ابتسامة خبيثة:
"اللي بيتمسك يا أيمن ما لوش عندنا غير حاجتين ما لوش تالت، الأولى لو طلع مخلص وما اتكلمش بنطلعه منها زي الشعرة من العجينة، والتانية دي هتشوفها بنفسك بكرة لما تيجي معانا الموقع وتشوف بعينيك، أصل طول عمري بحب العملي وما ليش في النظري."
قالها ثم ضحك بصوت عال وأردف مناديًا:
"ساشااااااااا!"
لتدلف فتاة ذات قوام ممشوق، شقراء البشرة والشعر، ذات عيون لوزية رمادية وشفاه باللون الوردي، ترتدي ثوبًا يظهر من جسدها أكثر مما يغطي منه.
(الحوار باللغة الروسية بس طبعًا عشان احنا آخرنا في الروسي خراشو، هكتب الترجمة على طول)
ساشا:
"نعم بيبرس، لماذا تنادي؟"
بيبرس:
"اذهبي وأحضري الحقيبة التي أعطيتها لكِ صباحًا."
ساشا:
"انتظرني دقيقة."
بيبرس وينظر لأيمن الذي كان يحدق بذهول في ساشا، فهو لم يرَ مثلها سوى في التلفاز ومباريات كأس العالم، وعندما نظر له بيبرس ارتعد وأخفض بصره خوفًا منه.
بيبرس:
"إيه رأيك في ساشا يا أيمن؟ وتكة صح؟"
أيمن:
"آآآآ..."
بيبرس بابتسامة خبيثة:
"ده أنت مشكلة يا أيمن، أنت لسه كده شوفت حاجة. أنت عارف دي المساعدة بتاعتي، تقدر تقول السكرتيرة، دماغها ولا أجدع كمبيوتر وذكية جدًا."
جاءت ساشا مقاطعة حديث بيبرس:
"سيدي، هذه الحقيبة التي طلبتها، تفضل."
بيبرس:
"اجلسي بجوار أيمن واسكبي له كأسًا من النبيذ."
ذهبت وجلست بجوار أيمن الذي كان يتصبب عرقًا من الخوف ومن التي تجلس بجواره. سكبت له كأسًا من النبيذ الأحمر وقدمته إليه وهي تقول بلهجة مصرية ركيكة:
"خد أيمن، مش تتيكسف."
أيمن نظر لها بدهشة.
بيبرس:
"خلي بالك، دي بتفهم عربي وخصوصًا المصري أكتر مني ومنك."
ساشا:
"ماليك أيمن، مش مبسوط ليه؟"
أيمن وهو يغض بصره:
"أصل ما بشربش."
ساشا:
"ما تخافيش مش فيها كحول."
أيمن:
"شكرًا، مش عايز."
بيبرس أشار إليها بأن تنهض وتتركهما، وتقدم نحو أيمن ويمد يده له بحقيبة جلدية صغيرة.
بيبرس:
"اتفضل يا أيمن، ده حقك من العمليتين اللي فاتوا، أي نعم كانت حاجات عبيطة بس احنا بنقدر تعب اللي بيشتغلوا معانا كويس أوي."
أيمن:
"باشا ممكن أسألك سؤال؟"
بيبرس:
"اتفضل."
أيمن:
"مش سرقة الآثار وتهريبها مش حرام شرعًا وقانونًا؟"
بيبرس يضحك بسخرية:
"هو أنتوا عندكو في القرآن آية بتقول إن تهريب الآثار حرام؟"
أيمن:
"هو ما فيش كده بالنص، بس عمومًا السرقة ونهب ممتلكات مش من حقك حرام وجريمة بيعاقب عليها القانون."
بيبرس:
"احنا اللي اختراعنا القانون يا أيمن، واحنا اللي بنقول مين الأمين ومين السارق، وإذن الرسالة وصلت."
قالها ورمقه بنظرة مرعبة.
أيمن وقد أزاح بصره عن عينيه:
"طيب هو أنا ممكن أروح دلوقت؟"
بيبرس:
"ممكن طبعًا يا أيمن، هو احنا خاطفينك؟ بس هتروح مع الجاردس اللي جابوك هنا، وما تنساش الـ..."
أشار على عينيه ويقصد بأن يرتدي الشريطة السوداء:
"... وأردف قائلًا: وما تنساش ميعادنا بكرة الساعة 5 المغرب، وهتصل بيك قبلها هبلغك المكان."
أيمن:
"تحت أمرك يا باشا."
وكاد أن يذهب.
بيبرس:
"أيمن."
أيمن:
"نعم يا باشا."
بيبرس أشار له على الحقيبة.
أيمن:
"آآه معلش نسيت."
بيبرس وهو يغمز بعينيه:
"النسيان مش حلو في شغلنا يا أيمن، خد بالك."
أيمن:
"حاضر، مع السلامة."
ذهب أيمن مع الحارسين وانطلقوا بالسيارة.
بيبرس:
"ساشااااااا!"
ساشا وهي تنزل الدرج من أعلى اليخت:
"نعم سيدي."
بيبرس:
"مساج."
ساشا:
"أمرك سيدي بيبرس."
في الحرم الجامعي أمام إحدى المدرجات الخاصة بامتحانات كلية التجارة، انتهى الطلبة من الاختبارات أخيرًا وكان آخر يوم لهم.
مايا:
"أخيرًا، ده الواحد زهق من الكابوس ده."
هايدي:
"على أساس أنك بتذاكري؟"
سيلين:
"أوعي الدحيحة منك ليها، كلنا في الهوا سوا."
هايدي وهي تمسك بهاتفها:
"الحقوا، شوفتوا الفيديو اللي رفعته الصبح من أكونت فيك؟"
مايا:
"بتاع فيروز؟"
هايدي:
"آه، جاب 100 ألف لايك وكومنتات بالهبل."
سيلين:
"ده على جروب إيه؟"
هايدي:
"طبعًا على جروب الكلية."
مايا:
"أحسن تستاهل."
سيلين:
"هي كده لسه شافت حاجة، بس برافو عليكي يا هايدي وعشان كده ليكي كادو محترمة عندي، اللي تطلبيه أنا هجبهولك."
هايدي:
"بجد يا سيلي؟"
أوقفهم أحد حراس الأمن يقول لهم:
"مين فيكو هايدي الحلواني؟"
هايدي:
"أيوه أنا، في حاجة؟"
الحارس:
"سيادة العميد عايزك بس لوحدك."
هايدي وقد ارتجفت:
"عااايزني في إيه؟"
سيلين:
"روحي معاه ولو في حاجة ما تخافيش هتصرف."
هايدي:
"أوك يلا باي، ما تعرفش هو عايزني في إيه؟"
الحارس:
"ما عنديش علم غير إني أجيبك ليه."
هايدي وترمقه باحتقار:
"طيب."
دلف الحارس أولًا:
"أستاذة هايدي واقفة بره يا ساعتك."
العميد:
"خليها تتفضل."
الحارس:
"اتفضلي يا أنسة هايدي."
دلفت هايدي وهي تخفض رأسها للأسفل.
العميد:
"تعالي يا هايدي قربي، صقر بيه عايزك."
رفعت رأسها ليرتجف جسدها من الذعر والخوف.
صقر:
"أنا يا سيادة العميد ما رضيتش أدخل بالقوة اللي معايا عشان ده حرم جامعي وله احترامه، واكتفيت بأني آخدها بنفسي."
العميد:
"حضرتك تحت أمرك وطبعًا اللي عملته ده أسعدني وخلاني أحترم حضرتك أكتر."
صقر:
"طيب عن إذن حضرتك أنا هاخدها وماشي وطبعًا هسيب لحضرتك ورقة الإذن."
العميد:
"اتفضل حضرتك."
صقر وهو ينظر لها بنظرات مرعبة جعلت أوصالها ترتجف.
صقر:
"يلا يا أستاذة قدامي."
هايدي بخوف:
"أنت هتاخديني على فين؟"
صقر:
"هاخدك أفسحك عندي في القسم عشان تعرفي تحطي حبوب كويس في العصير."
هايدي:
"أناااا؟"
صقر:
"لأ أمي يا بت، يلا انجري وامشي قدامي."
ثم أمسك بمعصمها وخرج بها.
هايدي:
"براحة إيدي."
صقر:
"أومال ما وجعتكيش وأنتِ بتحطي لفيروز الحبوب ليه؟"
هايدي:
"أنت ما تعرفش أنا أبقى بنت مين."
صقر:
"طزززز، ولا يهمني، كله سواسية عندي."
سار بها صقر أمام أنظار الطلبة في الحرم وأخذها خارج البوابة وأدخلها سيارة خاصة بالشرطة ثم ذهبوا للقسم.
سيلين:
"أنا هتصل بمحامي داد يجي يشوف اللي بيحصل والزفت ده، والله لأربيه هو والسنيورة بتاعته."
في مكتب صقر بقسم الشرطة.
صقر وهو يشمر عن ساعديه:
"ها يا هايدي، لسه مصرة أنك ما عملتيش حاجة؟"
هايدي:
"أنا ما عملتش حاجة، روح شوفها بتشرب وتعمل بلاوي وتيجي تحاسبني أنا."
اقترب منها ونظر لها ومقلتيه متسعة ونادى بصوت عال:
"يا عوووووض!"
عوض دلف:
"أيوه يا صقر بيه."
صقر:
"اسمها نعم يا حيوان."
عوض:
"آآآ أنا آسف يا ساعتك، نعم يا صقر بيه."
صقر:
"هات لي الحيوان اللي بره."
عوض:
"تحت أمرك."
دلف شاب نحيل الجسد في أوائل العشرينيات.
صقر يرمقه بنظرات جعلته يخشى النظر إليه.
صقر بصوت هادر:
"هي دي اللي إدتك الحبوب تحطها في عصير وتديه للبنت التانية؟"
الشاب:
"آها هي، وقالت لي إني أقولها إن العصير ده من فارس بيه."
جحظت عينيها وصرخت بالشاب:
"أنااا يا كداااب!"
الشاب:
"أيوه، بإمارة ورقة الـ 200 جنيه اللي حطتيها في جيب القميص بتاعي."
صقر وينظر لها بعلامة استفهام ثم أردف للشاب:
"وأنت يا حيوان، أي حد يديك حاجة تأذي بيها أي حد تعملها على طول؟"
هايدي بانهيار:
"ده كداب ما تصدقوش."
صقر بابتسامة سخرية وانتصار:
"لا يا حلوة ما بيكدبش، فيه كاميرات مترشقة في المكان كله وجايباكي وأنتِ بتعملي كل حاجة، ومن غباءك اللا متناهي جاية جري وتقولي لي الحق يا صقر، أول ما شوفت اللي حصلها فهمت أنك على طول مش محتاج أفكر."
هايدي وهي تبكي وتتوسل إليه:
"بليز يا صقر، أنا آسفة ومش هكررها تاني ومستعدة أعتذر ليها قدام الجامعة كلها."
صقر بنظرة خبيثة:
"مش كفاية."
هايدي:
"طب عايز إيه وهاعمله على طول، بس بلاش الحجز بليز."
صقر:
"خايفة من الفضيحة ورايحة تصوريها فيديو إمبارح وتنزليه على البيدج بتاعة الكلية؟"
هايدي:
"أناااا؟"
صقر:
"لا أنا يا بت."
صمت ثم صرخ بها لتنفزع من مكانها:
"قومي دلوقت!"
هايدي:
"حححاضر، أروح فين؟"
صقر:
"هاتي تليفونك."
هايدي:
"ليه؟"
صقر:
"هعملك فيديو دلوقت تعترفي بيه بكل اللي عملتيه فيها من أول الحبوب لحد الفيديو اللي شيرتيه."
هايدي:
"لالالالا ما ينفعش."
صقر:
"خلاص هبعت لعوض ياخدك من قفاكي ويرميكي في الحجز لحد ما النيابة تحقق في اللي حصل وحبس وتجديد، وخليكي تخللي على البورش تحت."
هايدي بتوسل:
"نو نو بليز، خلاص أوك هاعمل فيديو وأعتذر لها فيه."
صقر:
"أيوه كده."
بحب أنا سمعان الكلام.
***
في منزل بوسي صديقة رنيم، كانتا تجلسان على مائدة الطعام تتناولان الفطور.
بوسي: بس كلمة الحق تتقال يا روني، حرام عليكي المعاملة الزبالة اللي كلمتيها بيه امبارح.
رنيم: والله ده اللي عندي، يخلي الهانم التانية تبقى تعمله حلو.
بوسي: أوبس، ده انتي شكلك مولعة منها خالص.
رنيم: بليز اقفلي على السيرة اللي تسد النفس دي.
بوسي: أوك، طيب إيه رأيك نروح النادي نتمشى ولا نتدرب على أي رياضة؟ آه صح، مش كنتي بتلعبي تايكوندو قبل ما تسافري فرنسا؟
رنيم: أها، بس نسيت.
بوسي: طيب ما ترجعي اتدربي من أول وجديد، وبالمرة تطلعي الـ Negative Energy (الطاقة السلبية) بتاعتك في الرياضة بدل ما قاعدة تحرقي في دمك.
رنيم وهي تفكر: أوك، Good idea (فكرة حلوة).
***
في النادي الخاص بضباط الشرطة، تقف رنيم وبوسي بداخل قاعة تدريب رياضة التايكوندو.
المدرب: ليكي وحشة يا رنيم، كده تغيبي علينا المدة دي كلها، ده انتي كنتي من أكفأ اللاعبين عندي.
رنيم: ظروف يا كوتش، كنت بكمل دراستي بره واديني رجعت.
بوسي: بقولك إيه يا كوتش، عايزة من حضرتك ترجعها لرنيم بتاعت زمان وتكسب كل المباريات.
المدرب: هي تلتزم بس بالتدريبات ومش بعيد هخليها كوتش وتدرب معايا.
في هذا الوقت، كان إياس مكلف أحد المخبرين لديه بمراقبة تحركات رنيم للاطمئنان عليها، وعندما أخبره أنها ذهبت النادي وعلم بطريقته أنها بداخل صالة تدريب رياضة التايكوندو... فأخبره إياس أن يذهب الآن... ونهض مسرعًا وخرج من عمله وركب سيارته وانطلق إلى النادي.
في صالة التدريب.
رنيم: طيب حضرتك اللي هتدربني ناو ولا كوتش ماهر؟
ليأتي هو مرتديًا الزي الخاص بتلك الرياضة ويقول بصوت جاد: أنا اللي هدربك.
التفتوا إليه جميعًا.
المدرب: أهلًا أهلًا ببطلنا الهمام.
إياس وهو يصافحه: أهلًا، إزيك يا كوتش.
رنيم: وأنا مش هلعب ولا هتدرب... قالتها وهمت بالذهاب.
إياس: تبقي جبانة وخايفة من المواجهة... كان يرمي إليها الكلام بألغاز لا يفهمها سوى هي وهو فقط.
رنيم وهي تقترب منه بتحدي: أنا مش جبانة ومش بخاف.
إياس: طيب اثبتيلي؟
رنيم بعيون حادة: وأنا قد التحدي وهثبتلك يا إياس.
ابتسم إياس ابتسامة لأنه أوقعها بطريقته وفهم كل شيء وعلم سبب تصرفاتها معه.
انتهت حلقتنا.
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ولاء رفعت
بداخل عيادة النساء والتوليد، يقف أيمن ممسكًا بيد سلمى المتمددة على سرير حديدي خاص بالعيادات، وتجلس الطبيبة على مقعد بجوار سلمى وأمامها جهاز أشعة يعرض على شاشته صورة لتوأم.
الطبيبة تنظر للشاشة قائلة:
أي يا مدام سلمى عايزة تعرفي نوع التوأم؟
سلمى بقلق ممزوج بسعادة:
كل اللي يجيبه ربنا كويس والحمد لله.
الطبيبة وهي تنهض:
هم ولدين بإذن الله.
أيمن بصوت مهلل بالفرح:
الحمد لله والشكر لك يا رب، ألف مبروك يا حبيبتي.
سلمى:
الله يبارك فيك يا حبيبي، ويتربوا في عزك يا رب.
الطبيبة:
هو حضرتك عملتي آخر مرة سونار إمتى؟
سلمى وهي تنظر ما بين زوجها والطبيبة:
أصل كنت تعبانة من أول ما حملت، غير العيال والمدرسة وشغل البيت مكنتش بقدر أروح أتابع.
الطبيبة بعدم اقتناع:
أوك... ربنا يقومك بالسلامة... يلا قومي وظبطي حالك وتعالي عشان أكتبلك على شوية حاجات.
نهضت سلمى وهي تنزل بقدميها وارتدت حذائها وأعدلت ملابسها، ثم توجهت للمكتب وهي تجلس أمام الطبيبة.
الطبيبة:
بصي يا مدام سلمى، أنا كتبتلك على حقن فيتامينات عشانك وعشان الجنين، وطبعًا هتاخدي كبسولات الحديد عشان الأنيميا، وكمان حقن اكتمال الرئة عشان لو حصل ولادة مبكرة، وكمان هتعمليلي التحاليل دي عشان أطمن عليكي.
سلمى:
شكرًا يا دكتورة.
الطبيبة:
العفو يا حبيبتي... ونظرت إلى أيمن وأردفت: وحضرتك خلي بالك منها وخليها تهتم بالمتابعة بالذات آخر 3 شهور.
أيمن:
حاضر يا دكتورة.
سلمى:
طب عن إذن حضرتك.
الطبيبة:
اتفضلوا.
سلمى وهي تمسك بيد أيمن، خرجا من غرفة الكشف، نادت عليهم الممرضة:
يا مدام سلمى.
أيمن:
في حاجة؟
الممرضة بابتسامة صفراء:
فلوس الكشف والسونار 300 جنيه.
سلمى:
ليه 300؟
الممرضة:
حضرتك دي أسعارنا وكل العيادات في المنطقة كده.
سلمى وهي تهمس لأيمن:
كان لازم تجيبنا العيادة الغالية دي.
أيمن:
فداكي أي حاجة يا حبيبتي... ثم أخرج من جيبه ورقات من المال وأعطى النقود للممرضة ثم أعطاها 50 جنيهًا قائلًا: ودي ليكي حلاوة التوأم.
الممرضة وفمها متسع من السعادة:
ميرسي يا فندم وربنا يقوملك المدام بالسلامة.
أيمن:
يا رب.
سلمى:
يلا بينا يا أيمن.
غادرا العيادة ونزلا إلى الشارع.
سلمى:
أيمن.
أيمن:
نعم يا أم إياد وزياد.
سلمى:
لا مش هسميهم إياد وزياد.
أيمن:
أومال؟
سلمى:
هسميهم عمر وسليم.
أيمن:
ده أسماء إخواتك الله يرحمهم.
سلمى:
عمري ما هنسى اللي حصلهم بسببي.
أيمن ويمسد على ظهرها:
ليه بتفتحي السيرة دي يا قلبي، يعني إحنا فرحانين وإنتي عايزة تنكدي علينا.
نظرت له سلمى بأسف:
حقك عليا يا حبيبي غصب عني.
أيمن:
طب يلا عشان هاخدك نروح نجيب هدوم للعيال.
سلمى:
هو إنت جبت الفلوس دي كلها منين وعمال تبعزق يمين وشمال؟
أيمن بنبرة مترددة:
دي دي...
سلمى:
أوعي تكون جايبهم من الحرام يا أيمن؟
أيمن:
حرام عليكي إنتي بتظلميني ليه، ده يا ستي واحد من السياح نسي شنطة في المتحف عندنا وأنا لاقيتها له ولما سلمتها له إداني نسبتي 10% بس، فقولت ربنا عالم بحالنا هظبطك إنتي والعيال وأطمن عليكي.
سلمى وهي ترمقه بعدم تصديق:
طيب يا أيمن.
أيمن ويوجه نظره للجهة الأخرى:
طب يلا عشان نلحق نجيب الحاجة ونروح عشان البنات.
سلمى:
متقلقش عليهم أنا ودتهم عند خالتي.
أيمن:
بجد!!!
سلمى:
وهي مسكت فيهم وهيقعدوا النهاردة وبكرة عندها.
أيمن بابتسامة خبيثة:
أشطا، دي ليلتنا هتبقى عسل... النهاردة الخميس والكل هيهص.
سلمى:
ليلة إيه وعسل إيه؟
أيمن:
يعني إنتي مش فاهمة... قالها وهو يغمز لها بعينه.
سلمى بعدما أدركت مقصد حديثه توردت وجنتيها في خجل.
أيمن:
لا مش عايز كسوف خالص الليلة.
سلمى بخجل:
بس بقى يا أيمن.
أيمن:
أيوة كده يا وديع، بقولك إيه هنشتري الحاجات دي بكرة وتعالي يلا هناخد تاكسي عشان نروح بسرعة.
سلمى:
ليه السرعة دي، إحنا ورانا حاجة؟
أيمن:
آه، ورايا حرب عالمية تالتة هتقوم لما نروح... ثم أشار بيده لأحد السيارات: تاكسي.
توقفت إحدى السيارات.
أيمن:
عايزين نروح بشتيل يا أسطى.
السائق وهو ينظر إليهما:
بس الأجرة 40 جنيه.
أيمن:
يا عم يلا بسرعة وأنا هديك 50 جنيه بس وصلنا بسرعة وحياة عيالك.
دلف الاثنان للسيارة وجلس أيمن وهو يحاوط سلمى بذراعه ويهمس في أذنها:
هتموتي يا سوسو.
سلمى وكزته:
يخربيتك الراجل سمعك... اسكت بقى.
وكان السائق ينظر من المرآة ويبتسم لهما... إنه يظن يعيشان في سعادة وهناء ولم يعلم ما ينتظرهما في المستقبل من مصير مجهول.
**************************
في صالة التدريب رنيم مرتدية الزي الخاص برياضة التايكوندو وكانت تمارس تمارين الإحماء قبل اللعب... وكذلك يفعل مثلها إياس الذي كان على مقربة منها.
إياس بصوت متهدج وهو يزفر ويشهق:
آهااا خلصت ها نبدأ؟
اعتدلت رنيم ثم وقفت ترميه بنظرات تحدي:
آه خلصت.
إياس:
طب يلا تعالي.
تقدمت رنيم نحوه وسط حلبة اللعب:
خلي بالك من نفسك.
إياس:
ده إيه الثقة الجامدة دي؟
رنيم:
هتشوف دلوقتي... فاجأته بضربة من قدميها أتت من الخلف لتجعله يختل توازنه ويقع للخلف، لكنه وقع مسندًا على ذراعيه وقال: إحنا فينا من كده، إنتي كده بتخالفي قواعد اللعبة.
رنيم:
أنا مبحبش قواعد أمشي عليها، أنا بعمل اللي أنا عايزاه.
إياس بنظرات متفحصة وجهها:
طيب استحملي اللي جاي بقى، وفاجأها الآخر بضربة جعلتها تفقد توازنها وكادت تقع فأمسك بها، ثم قبض على معصميها وجعل ظهرها ملاصقًا لصدره ويهمس في أذنها: إنتي مش قدي يا قطة وبلاش تلعبي مع الفهد.
رنيم بضحكة ساخرة:
فهد!!!! يا عيني على البرص لما يكون فاكر نفسه تمساح.
إياس شد قبضته عليها أكثر:
أنا برص؟؟ طب والله لأوريكي البرص هيعمل فيكي إيه.
رنيم كادت تتأوه لكنها كتمت آلامها حتى لا يسخر منها، فركلته بقدمها للخلف وقامت بعضه في يده.
إياس:
آآآه يا بنت العضاضة... ركض نحوها ثم وجه إليها ضربات بالقدم واليد وهي كانت تتفادى الضربات، فانقض عليها وهمت هي بالركض مبتعدة عنه فتعثرت ووقعت للخلف على ظهرها وهو كذلك فقد توازنه عندما توقف فجأة ووقع عليها... وهنا ظل كلا منهما يحدق في عين الآخر... وقلب رنيم كان يخفق بشدة لدرجة أن إياس شعر بنبضات قلبها القوية.
رنيم بتوتر وخجل:
إنت عجبتك الوقعة ولا إيه؟
إياس بنبرة خبيثة:
لا أنا مستريح كده.
رنيم زادت حمرة وجنتيها وكادت تلاكزه في صدره لتبعده عنها فأوقفهم صوت لا يبشر بالخير:
الله الله إيه اللي أنا شايفه ده يا إياس بيه إنت والهانم؟
*************************
فتحت عيناها بثقل ورمشت ثم اتسعت حدقتيها من هول الصدمة، نهضت فجأة لترى أنها ما زالت مرتدية ذلك الثوب الأحمر فتذكرت ليلة أمس وشهقت:
نهااار أسود أنا فين؟
فأخذت تتجول بعينيها على ما يحيطها بالغرفة فوقع نظرها على صور معلقة التي تجمع بين صقر وإياس ورنيم... وضعت يدها على فمها وهي تشهق:
يا لهوي أنا في بيت صقر... ثم أردفت: ماما زمانها قالبة عليا الدنيا.
ركضت نحو باب الغرفة ثم فتحته وأخذت تتجول بالخارج فلمحت حقيبتها الموضوعة فوق طاولة خشبية، اتجهت نحوها وأخذت تبحث عن هاتفها فوجدته أفرغ من الشحن... تساءلت:
هي الساعة كام؟
فلاحظت الساعة المعلقة على الحائط فوجدتها الثامنة.
فيروز:
قدامي ساعة والامتحان هيبدأ، أروح أغسل وشي بسرعة و... تذكرت حذائها التي تركته بالحفل... وأردفت: ده إيه الحظ المنيل بستين نيلة ده... طب أروح بأي دلوقتي يا ربي... فأهداها تفكيرها بأن تبحث عن حذاء بداخل الغرفة التي كانت بها فدلفت إليها وهي تبحث فاتجهت نحو الخزانة وفتحت ضلفة فوجدت رف كبير بالأسفل به عدة أحذية نسائية.
فيروز:
إيه كل الجزم دي بيعمل بيها إيه... آه صح إيه الهبل ده بالتأكيد بتوع أخته... إيه ده دي مقاسها 38 زيي... أخذت حذاء وارتدته وجدته مناسب لقدمها ومريح.
فيروز:
الله ده مريح أوي... خلاص هستعيره دلوقتي وأول ما أروح هتصل عليه وهقابله وأديهاله ليقول إن أنا حرامية جزم ولا حاجة.
ارتدت الحذاء وغادرت الغرفة واتجهت نحو باب المنزل وهي تمسك بالمقبض فوجدت أحدًا ما يفتح الباب بالمفتاح من الخارج فعادت إلى الخلف بخطوات وهي تقول:
ده شكله هو.
فتح صقر الباب ودلف وهو يحمل بعض الأكياس.
صقر بابتسامة حانية:
مساء الخير يا حبيبة قلبي.
فيروز:
قصدك صباح الخير.
صقر بضحك:
ما ليكي حق ما تحسيش بالوقت ده، إنتي نمتي نوم أهل الكهف.
فيروز بقلق:
قصدك إيه؟
صقر:
إحنا بالليل يا فيروز.
فيروز وهي تضرب يدها على جبهتها:
يا نهار مش فايت، الامتحان راح عليا، أعمل إيه دلوقتي؟
صقر وهو يضع الأكياس على الطاولة:
ما تخافيش هتمتحنيها الترم الجاي.
فيروز:
إنت بتهزر، دي آخر سنة ليا وعايزة أجيب تقدير... وبعدين تعالي هنا، هو إنت جبتني ليه عندك إمبارح وما روحتنيش على بيتي؟
صقر يتنهد:
مكنش ينفع... الوقت اتأخر وسيادتك كان مغمي عليكي من تأثير اللي كنتي شارباه إمبارح فقولت أجيبك عندي ولما تفوقي تروحي براحتك.
فيروز:
آه صح، أنا آخر حاجة كنت فاكراها لما شربت العصير وبعد كده مش فاكرة حاجة.
سرد لها صقر كل ما حدث وما قامت به في الحفل وأن ما فعل بها ذلك هي هايدي وهو قام بمعاقبتها.
فيروز وهي تشهق:
كل ده حصل، زمان الناس قالت عليا إيه ولا مسيو فارس يا لهوي كده اترفضت.
صقر:
أحسن.
فيروز:
أحسن إيه؟
صقر:
مش عايزك تشتغلي مع اللي اسمه فارس ده.
فيروز:
على فكرة هو شخص محترم جدًا مش زي ما إنت فاهم.
صقر:
آه بأمارة لما مأمنكيش وبيعرفك علينا إنك خطيبته وفوق ده كله بيرقص معاكي وواخدك في حضنه.
فيروز كانت تشعر بسعادة من غيرة صقر عليها فأرادت إغاظته قليلًا:
إنت مالك متغاظ منه أوي كده عشان هو جنتل مان وأمور و.....
أوقفها صقر عن الحديث عندما أمسك بخصلات من شعرها وقبض عليهم بشدة.
فيروز:
آآآه شعري يا صقر سيبه.
صقر بلهجة تحذيرية:
عارفة لو لسانك اتغزل في راجل غيري هاعمل فيكي إيه... وشد من قبضته أكثر.
فيروز:
آآه حاضر مش هعمل كده تاني خلاص سيب شعري بقى...
أنا كنت بهزر والله.
صقر وقد شعر أنه بالغ في ردة فعله: حتى لو بتهزري ما يتكررش تاني.
فيروز وترقرقت عبراتها في عينيها: حاضر. عن إذنك أنا عايزة أمشي.
صقر: مش هتمشي غير لما تاكلي الأول. أنا ما رضيتش أتغدى في الشغل وجبت أكل وقلت ناكل مع بعض.
فيروز: لا شكرًا، مش جعانة.
صقر: لا هتاكلي، وده أمر مش اختيار.
نهضت من مجلسها وهمت بالذهاب، ليمسكها عنوة عنها ويجذبها نحوه. وهو كان يجلس على أريكة، فوقعت هي على فخذيه في وضع الجلوس، وأمسك بيديها ووضعهما حول رقبته، وهو حاوط خصرها بيديه.
فيروز بغضب: ده إيه إن شاء الله؟ أوعى سيبني، عايزة أمشي. وبعدين هو أنا طفلة عشان تشيلني على رجلك كده؟
صقر: آه طفلة. وبعدين عايزة تمشي ليه عشان زعلانة؟
فيروز: وأنت عملت حاجة تزعل لا سمح الله؟
صقر اقترب منها وأعطاها قبلة على وجنتها: أنا آسف، ما تزعليش مني.
فيروز خجلت كثيرًا فنهضت وابتعدت عنه: لو سمحت أنا عايزة أمشي، أنا اتأخرت وزمان ماما قالبة عليا الدنيا والفون بتاعي فاصل شحن.
صقر وهو يزفر بضيق: أمري لله، يلا عشان هوصلك.
فيروز بتردد: في حاجة عايزة أقولك عليها، أنا أخذت الشوز دي من الدولاب اللي في الأوضة اللي كنت نايمة فيها، لما أروح هديها لك.
نهض صقر واتجه إلى الأكياس وأخرج من أحدهم حذاء نسائي كان في غاية الجمال والرقي.
صقر وهو يعطيها الحذاء: اتفضلي يا حبيبي.
فيروز بسعادة: الله حلو أوي! أنت عرفت مقاسي منين؟
صقر: وأنتِ نايمة جربت شوز من بتوع رنيم ولبستهالك، لقيتها مظبوطة.
فيروز ركضت نحوه وعانقته: ميرسي أوي يا حبيبي على الشوز الحلوة أوي دي.
أحس صقر بشعور غريب بعد معانقتها له، وخشي أن يتهور معاها بفعل سيندم عليه. فأزاح يديها المتشابكة حول عنقه وأردف: يلا يا حبيب قلبي البسي الشوز وحضري حاجتك عشان أوصلك قبل ما الوقت يتأخر.
أخذت حقيبتها وعدلت من مظهرها وارتدت الحذاء الجديد، وهو أخذ هاتفه والمفاتيح ثم غادرا المنزل ونزلا الدرج ودلفا للسيارة ثم انطلقا إلى منزل فيروز.
**********************
في هذه الأثناء، ليلى كانت في منتهى القلق على صديقتها التي تغيبت عن المنزل منذ الأمس وهاتفتها كثيرًا لكن هاتفها مغلق.
ليلى ممسكة بهاتفها وتضغط على زر الاتصال: افتحي الفون بقى يخربيت شكلك قلقتيني عليكي أوي... وكمان معيش نمرة صقر وخايفة ليعرف إنها راحت حفلة الشغل بتاعها وهيتخانقوا تاني... يوووه بقى... آه جاتلي فكرة.
ذهبت غرفة فيروز وارتدت حجابها ثم ذهبت للسيدة آمال في غرفتها الأخرى: طنط أمولة عن إذنك رايحة مشوار بسرعة وجاية.
آمال بوهن: هي فيروز كلمتك؟
ليلى: لا ما أنا قلتلك هي إمبارح جت من حفلة الشغل بتاعتها وجت نامت على طول وصحيت بدري وراحت الامتحان وأنتِ كنتِ نايمة وزمانها في الشغل دلوقت.
آمال: طيب يا حبيبتي روحي وأنا مستنيها.
ليلى: ما تقلقيش، جاية على طول.
غادرت ليلى منزل فيروز ونزلت الدرج ثم توقفت بالشارع وهي تشير: توك توك.
السائق: على فين يا آنسة؟
ليلى: على القسم يا أسطى.
السائق: يا ساتر يا رب، ليكي حد هناك ولا إيه؟
ليلى وتضايقت من فضول السائق: خليك في حالك.
السائق: الحق عليا أنا، حبيت أخدم أصل حبايبي كتير شغالين في القسم.
ليلى: متشكرة... قالتها وهي تبتسم بزيف.
السائق في نفسه: إيه البت اللي شايفة نفسها دي بس بنت بطل يخربيتها... وكان ينظر لها من المرآة نظرات شهوانية.
ليلى بغضب: بس قدامك بدل ما تلبس في الرصيف وإنجز.
السائق: بالراحة طيب الله.
وصل أمام القسم... فخرجت ليلى ثم أعطته ٥ جنيهات.
السائق: عايز ٥ تاني.
ليلى: نعم يا أخويا؟ هي ٥ كفاية عليك حلو أوي.
السائق نهض من مكانه وبصوت جلي: ماليش فيه، عايز ٥ كمان وإلا...
أوقفه أحد رجال المخفر وقال: وإلا إيه يا عم الأمور؟
السائق بتردد: إزيك يا علي باشا.
علي: مالك بتتخانق مع الآنسة ليه؟
السائق: ركبتها من قدام باب البيت لحد هنا مشوار عامل ١٠ ج، أدتني ٥ وبتقولي كفاية عليك كده يرضيك سعادتك؟
ليلى: ده نصاب المسافة كلها ٣ شوارع مش أكتر.
علي وهو يخرج من جيبه ٥ جنيهات وأعطاها للسائق قائلًا: خد فلوسك أهي وبطل مشاكل مع الزباين بدل ما أسحب منك التوك توك ده.
السائق: حقك عليا يا باشا مش هتتكرر.
علي: طب ذوق عجلك يلا وامشي من هنا.
ليلى: أنا متشكرة لحضرتك أوي وأول ما هاروح البيت هجيبلك الفلوس.
علي: أولًا الشكر لله، ثانيًا أنا هعمل نفسي ما سمعتش حاجة. وبعدين إزاي بنت زيك تركب توك توك لوحدها بالليل مع أشكال زي دي؟
ليلى: أنا كنت جاية القسم.
علي بتعجب: ليه؟
ليلى: عايزة أقابل صقر بيه.
علي: صقر بيه؟ هو حضرتك تقربيلو؟
ليلى: لا يبقى خطيب صاحبتي و... وبعدين أنت مالك أنت هتحقق معايا؟
علي: تصدقي أنا غلطان وكنت عايز أساعدك.
ليلى: وتطلع مين بقى عشان تساعدني؟
علي: أنا الأمين علي.
ليلى بخوف: أمين!!! طيب عن إذنك.
علي: تعالي هنا، هي وكالة من غير بواب؟ وعلى فكرة صقر بيه مش موجود، كان في وردية الصبح ولسه ماشي من ساعة.
ليلى: طب خلاص هجيله في وقت تاني... سلام.
تركته وذهبت... وقال علي لنفسه: إيه حكاية البنت دي بس عسل أوي بنت اللذين... أردف وهو ينادي: يا رجب.
رجب: أيوة يا أمين علي.
علي: شايف البنت اللي ماشية هناك دي؟
رجب: آه مالها؟
علي: خليك وراها وهاتلي قرارها وأبقى تعالى لي على المكتب جوه.
رجب: أمرك يا فندم.
علي: يا ترى أنتِ مين يا مزة؟!
*****************************
تجمع كل المتواجدين بالنادي حولهما.
ياسمين بصوت جلي: يلا يا خطافة الرجالة يلا، قفشتكم. وأنت...
استوقفها إياس وهو يضع كفه على فمها وهمس لها: وقسمًا بالله لو ماسكتي هروحك عند أهلك مكسحة.
رنيم بغضب: أنا مش هرد عليكي عشان أنتِ واحدة متخلفة ومش بتفهمي، ولو كنتِ واثقة من نفسك وواثقة في خطيبك ما كنتيش عملتِ اللي بتعمليه ده.
إياس بغضب: خلاص يا رنيم حقك عليا.
ياسمين بعدما تخلصت من قبضته على فمها: أنت بتعتذرلها ليه إن شاء الله؟ دي واحدة حقودة وبتحب تاخد اللي في إيد غيرها، ما يتقالش عليها غير (.......).
هوى إياس بصفعة قوية على وجهها بعدما تلفظت بسبة بذيئة.
ياسمين وهي تصرخ: بتضربني عشانها؟ والله ما هسيب حقي يا إياس، وكلامك هيبقى مع بابي ومامي.
إياس وهو ينظر بصدمة لأنه أول مرة يمد يده على أنثى... ورنيم كانت تنظر لها باحتقار وهي تقول: عمرك ما هتتغيري يا ياسمين، أنا فكراكي من أيام الثانوي لما كنتِ بتعملي أي حاجة عشان تأذيني وكل مرة ربنا بياخد لي حقي منك حتى المرة دي.
ياسمين: وأنا مش هسيبك في حالك يا رنيم وبكرة الأيام تثبت لك... قالتها ورحلت.
اقترب إياس من رنيم.
إياس: رنيم إن...
قاطعته رنيم: بقولك إيه يا ريت مش عايزة أشوف وشك تاني هنا أو في أي حتة بره النادي، كفاية الفضيحة اللي عملتوهالي أنتِ وخطيبتك الـ Vulgar دي، وآخرك معايا مجرد صاحب أخويا وملكش دعوة بيا.
إياس كان يتلقى منها كلماتها اللاذعة وشعر من بين سطور تلك الكلمات مشاعر مكنونة له، وقرر بداخله أنه لم ييأس حتى يخرج تلك المشاعر، لكن كيف؟ ومتى؟
**************************
وصل كلا من صقر وفيروز أمام منزلها ونزلا من السيارة.
صقر: هتوحشيني أوي.
فيروز واقتربت منه: وأنت هتوحشني حتى وأنا معاك، بس أوعى تقسى عليا تاني أو تمد إيدك عليا.
أوقفتها فجأة ضربة على ظهرها ثم جذبتها من شعرها وهي تقول:
آمال: ده أنا اللي همد إيدي ورجلي عليكي يا بنت الـ...
فيروز: آآآآه ماما اصبري أفهمي الأول.
صقر وهو يتدخل ويحاول إبعاد آمال عن فيروز: استني يا ماما أفهمك.
آمال بنبرة تحذيرية: اخرس أنت دلوقت، والحق مش عليك، الحق على بنتي اللي ما ربيتهاش.
فيروز وهي تبكي وترجو والدتها: والنبي يا ماما تعالي نطلع الشقة الشارع هيتلم علينا.
آمال جذبتها من ذراعها لداخل فناء المنزل: لما أنتِ خايفة من الفضيحة، روحتي نمتي فين إمبارح وما جيتييش البيت؟
فيروز تزداد بكاء: آآآآ أنا...
صفعتها آمال بقوة وتصرخ بها: أنتِ فاكراني عشان تعبانة مش هقدر أربيكي ولا أعرف بتعملي إيه؟ جري إيه يا بنت الـ... مش لاقية حد يلمك.
صقر: طنط آمال اسمعيني من فضلك وبلاش العنف إن...
استوقفته آمال بنظرات مرعبة: بص يا صقر بيه، إحنا ناس صعايدة أي نعم على قد حالنا ومعناش راجل، بس أنا هنا الراجل والست، واللي يجي ناحية بنتي أكله بأسنانني، أنا ماليش غيرها وهي لو غلطت فأنا هربيها بمعرفتي.
صقر: على فكرة بنتك عمري ما شفت في أدبها ولا احترامها، واسمعيها قبل ما تحكمي.
آمال: طيب حط نفسك مطرحي لو ليك أخت وباتت بره البيت ورجعالك تاني يوم مع واحد ونازلة من عربيته هتعمل إيه؟ هطبطب عليها؟
صقر: أنتِ والله عندك حق في كل اللي بتقوليه، بس أرجوكي ما تمديش إيدك عليها بس عايز أقول...
قاطعته مرة أخرى: ولا تقول ولا تعيد... نظرت لفيروز بنظرة مخيفة وأشارت لها بعينيها أن تصعد للمنزل... فهمت فيروز نظرات والدتها وصعدت للمنزل... وأردفت آمال: بص يا ابن الناس لو عايز تتسلى وتلعب عندك من النوع ده كتير روح دور عليه، لكن عند بنتي وتوقف.
صقر بنظرات حزينة: أنا مقدر حالة حضرتك بس أنا والله نيتي كلها خير بس في كذا حاجة كده ورايا تبع شغلي مستني لما أخلصها وأجي أطلب إيد فيروز منك.
آمال: خلاص يا بيه لما تخلص اللي وراك واللي قدامك بنتنا في بيتنا، وإياك تتصل بيها ولا تحاول تشوفها لغاية لما تيجي تتقدم رسمي وأظن كده عداني العيب.
صقر: حاضر اللي تؤمريه حضرتك.
آمال ترمقه بنظرات حادة: مع السلامة يا بيه.
صقر وشعر بالغضب من معاملتها معه لكن تملك أعصابه حتى يظفر بمحبوبته فذهب ليدلف سيارته ويصفق الباب بقوة وانطلق بها.
صعدت آمال وفتحت باب الشقة ودلفت وتبحث عن فيروز بعينيها ثم نادت بصوت جلي: أنتِ يا زفتة الطين.
فيروز بخوف وجاءت تركض: ن نعم يا ماما.
آمال: اعملي حسابك بكرة هتسافري عند أهل أبوكي الله يرحمه.
فيروز بصدمة: إيه؟ أنا عمري ما روحت هناك خالص، بالله عليكي يا ماما خلاص أنا معترفة بغلطي.
آمال بنبرة قوية: هي كلمة ومش هعيدها، هتسافري من الفجر على بلد أبوكي في الواحات.
فيروز شعرت بأن والدتها حقًا أنها قررت بسفرها ولن تتراجع أبدًا فدلفت غرفتها وظلت تبكي وتصرخ... وتوقفت فجأة عندما سمعت بصوت شيء ما ينكسر فخرجت وجدت والدتها تمسك بهاتفها وتحاول كسره ونجحت في ذلك.
فيروز بصراخ: ليه حرام عليكي مش هعرف أجيب غيره.
خلعت آمال نعلها وألقته عليها: خشي أوضتك يا بنت الـ... وأنا هعرف أربيكي إزاي عشان تبقي تعرفي تصيعي تاني.
وقامت بمسك هاتفها الخاص واتصلت: ألو إيه يا أبو خالد... الله يسلمك... إن شاء الله هنطلع الفجر أنا وفيروز وهنجي لكم... لا ما تقلقش هننزل محطة السيدة زينب وهنركب الإكسبريس هينزلنا قدام بيتكم على طول... تسلم...
مع السلامة.
في شركة الأسيويطي جروب، يجلس محمد بمكتبه وهو يمسك هاتفه ويقلّب في ملف الصور ويلمس الشاشة بأنامله ويقول:
"مش معقول سحر عيونك اللي خلاني مش قادر أفكر في حاجة غير فيكي."
(محمد أول ما شاف فيروز مع فارس مركزش لما كان فارس بيقول عنها خطيبته، ولما قابل فيروز بره القاعة واداها الإنسيال اللي وقع منها، بعدها مشي عشان والده اتصل بيه وكان عايزه ضروري، فهو معندوش علم باللي حصل لفيروز في الحفلة وميعرفش إنها حبيبة صقر لحد دلوقتي.)
قاطع تفكيره اتصال والده من الهاتف الداخلي للشركة. نهض محمد وذهب لمكتب والده.
حماد بصوت أجش:
"تعالى يا ولدي اقعد هنا."
ويشير إليه لمقعد أمامه.
محمد:
"خير يا بابا."
حماد بنبرة تحذير مخيفة:
"مش جولتلك جبل أكده إن مفيش بابا في الشغل؟ جولت ولا مجولتش؟ المرة الجاية هيبجي فيها جزا."
محمد وينظر للأسفل بأسف:
"آسف يا حماد بيه، مش هتتكرر تاني."
حماد:
"المهم عايزك في موضوع مهم جوي."
محمد:
"خير إن شاء الله."
حماد:
"مش ناوي تكمل نص دينك وتجبلنا عيال؟"
محمد بابتسامة خافتة:
"ادعيلي يا حماد بيه وهيبقي قريب إن شاء الله."
حماد وينظر له باستفهام ليقاطع نظراته رنين هاتفه:
"ألو، أيوه."
المتصل:
"عرفت مكانها يا حماد بيه."
حماد:
"ما تجول وخلصنا."
المتصل:
"هي كانت من يومين في مستشفى السويفي وعرفت إنها مريضة بالفشل الكلوي ومحتاجة عملية زرع كلى ومستنيين يلاقوا متبرع نفس الفصيلة."
حماد:
"طب وماعرفتيش عنوانها ومطرحها فين؟"
المتصل:
"لأ، مش واخدين العنوان لإنها كانت جاية تبع صقر الهواري شريك صلاح السويفي."
حماد وهو يفكر:
"صقر؟؟؟"
ثم أردف:
"طيب اقفل أنت دلوقتي ومتمشيش من عندك غير لما تعرف هتيجي المستشفى ميتي تاني، يلا سلام."
محمد:
"إيه؟ عرفت مكان عمتي؟"
حماد:
"متجولش عمتك... عمتك ماتت بالنسبة لينا من زمان."
ثم قال في نفسه:
"ولسه يا آمال عذاب ربنا ليكي في الدنيا غير عذابي اللي هتشوفيه لما أشوفك..."
في وسط الصحراء القاحلة، ينزل أيمن من السيارة الضخمة ليجد بيبرس في انتظاره ومعه عدة رجال حراسة ورجلين يرتدون جلباب ويمسكون بأدوات حفر، ورجل آخر مكبل من يديه وقدميه، عاري الصدر ولا يرتدي سوى سروال داخلي ووجهه مملوء بالكدمات وآثار دماء متجلطة ومنهك القوى. ارتجف أيمن وارتعدت أوصاله.
بيبرس مبتسمًا:
"أهلاً أهلاً بحبيبنا الجديد... رحبوا بأيمن يا جماعة، بقى من رجالتنا."
رحب به الجميع في صوت مهيب.
بيبرس:
"إيه رأيك في المكان يا أيمن؟"
أيمن بارتباك وقلق:
"د دي صحرا عادية."
بيبرس بابتسامة بجانب فمه ظهرت منها أسنانه اللامعة في ضوء الشمس:
"ركز بعينيك يا أيمن."
تجول أيمن بنظراته في المكان، وجد أن الرجال التي ترتدي جلباب يقفان عند حفرة عميقة. فانتابه القلق والخوف.
بيبرس:
"مالك يا أيمن؟ ده أنا جايبك النهاردة عشان تشهد بعينيك على العملي بتاعي، وهو إن في شغلنا اللي بيخون جزاؤه هو المكان ده."
وأشار إلى الحفرة.
أيمن بتردد:
"في الحفرة دي؟"
بيبرس:
"ده سرداب سري بيوصل على مقبرة عتيقة ترجع لعصر الأسرات الأولى، إحنا اللي اكتشفناها بمجهوداتنا الذاتية، وكان المسؤول عن نقل الآثار والتحف منها كان الباشا أبو بوكسر اللي مرمي هناك."
وأشار عليه ثم أردف:
"يقوم صاحبك عمل فيها دحلاب وذكي ميعرفش إنه بيلعب مع بيبرس رأس الأفعى، زي ما بيسموني الرجالة، المهم يا سيدي صاحبك سرق كام حتة وهربهم، والأدهى من كده عمل نفسه وطني وشريف ورايح يبلغ عننا، ويشاء القدر ويمسكوه رجالتنا وهو جوه القسم، ويا حرام جبناه على هنا..."
صمت وأشار لأحد الحراس الذي ذهب لإحدى السيارات وفتح الباب الخلفي لها وجذب من الداخل صندوق خشبي محكم الغلق بأقفال وسلسلة حديدية.
كان أيمن رأى ذلك التابوت وأدرك مصير ذلك المسكين المقيد.
بيبرس:
"ابدأوا يا رجالة."
قام حارسان بحمل الرجل المكبل وفتح ثالثهم التابوت وكانت الصاعقة، فالتابوت مليء بالعقارب والأفاعي السامة. حملوا الرجل الذي كان يصرخ بقوة وألقوه بداخل التابوت وهو حي، ثم أغلقوه بالأقفال والسلسلة الحديدية وحملوا التابوت ونزلوا في الفتحة التي تؤدي لسرداب عميق.
أيمن كان على وشك أن يجعل ملابسه مبتلة من الخوف ومن مصير ذلك البائس الذي أوقعه القدر في يد من لا يعرفون في قاموسهم الرحمة أو الشفقة. وضع أيمن كفيه على عينيه ليوهم نفسه بأن ما يحدث كابوس، ولكن أيقظه صوت بيبرس.
بيبرس وهو يضحك بصوت جلي:
"إيه يا أيمن؟ أنت خوفت ولا إيه؟ لأ اجمد يا راجل خلي قلبك حديد، وبعدين هو اللي عمل كده في نفسه، خان الأمانة وزي ما سرق الحاجة اللي تحت إحنا حطيناه بدلها، وبعدين مسبنهوش لوحده، حطناله التعابين والعقارب عشان يسلوه وبالهنا والشفا عليهم."
أيمن لم يتحمل كل هذا فشعر بدوار ليقع مغشيًا للتو.
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ولاء رفعت
كانت مستلقية على تختها شاردة في الفراغ، وآثار عبراتها على وجنتيها كمجرى شلالات جافة. لم يعرف النوم لها طريقًا، فظلت مستيقظة منذ الأمس وهي تدعو الله أن يهدي لها الحال، وأن والدتها تتراجع عن قرار السفر المفاجئ.
قاطع تفكيرها صوت تذوب له كل القلوب من عذوبة ندائه الرائع، فهو نداء الحق وطريق الهدى لمن ضل سبيله. تعالت أصوات الآذان في كل مكان معلنة عن صلاة الفجر. رددت فيروز الأذان مع المؤذن ثم قالت الدعاء، وكادت تنهض لتذهب وتتوضأ. استوقفها صوت خطوات أقدام والدتها ففزعت فيروز وتصنعت النوم.
آمال وهي تدلف للغرفة: انتي نمتي وما غيرتيش هدومك؟
اقتربت منها وقبل أن توقظها، جلست بجانبها ومسدت على خصلات شعرها وهي تقول لنفسها: سامحيني يا بنتي، مش عايزاكي تعيدي الماضي وتخسريني زي ما خسرت أهلي زمان.
ثم تذكرت ما حدث لها منذ زمن لتخونها عبراتها التي انزلقت من أهدابها لتسقط على وجنة ابنتها.
فيروز وهي تفتح عينيها: ماما انتي بتعيطي؟
نهضت واقتربت من والدتها ثم عانقتها وهي تقول: أنا آسفة يا ماما، سامحيني.
أفاقت آمال من ذكرياتها ومسحت بكفيها دموعها واردفت قائلة بجمود: قومي يلا اتوضي وصلي وغيري هدومك وجهزي شنطتك وحاجتك عشان نلحق أتوبيس الساعة ٧.
قالتها وهي تبعد يدان فيروز المعانقة لها.
أرادت فيروز أن ترجوها للمرة الأخيرة، لكنها خشيت من ردة فعلها، فإنها تعلم أن والدتها عنيدة وعندما تتخذ قرارًا لا تتراجع فيه.
بعدما انتهوا من إعداد حقائبهما، استعدا للرحيل.
فيروز: ماما.
آمال: نعم.
فيروز: ممكن قبل ما نمشي أنزل لليلى أسلم عليها؟
كانت تفكر بأن تترك رسالة مع صديقتها لترسلها لصقر لكي يعرف إلى أين سيذهبون.
آمال وهي تتفرس ملامحها: عشان البيه بتاعك يعرف انك مسافرة ويجي ورانا.
فيروز بتردد وقلق: آآآ أنا...
قاطعتها والدتها: فيروز، أنا كنت في يوم من الأيام في سنك وعارفة انتي بتفكري في إيه. أنا أمك واللي مربياكي وبفهمك من نظرة عنيكي. مش عايزاكي تتعشمي في حاجة إحنا مش قدها. هو فين وإحنا فين؟ وبعدين ده لو كان رايد الحلال كان قبل ما يقرب منك كان جالي وطلبك على سنة الله ورسوله.
فيروز برجاء: ماما اسمعي بس...
قاطعتها مرة أخرى: اسمعيني انتي للآخر ومتقاطعنيش. انتي رخصتي نفسك لما بتقابليه ورايحة وجاية معاه، ومن بجاحتك نازلة من عربيته قدام باب البيت، ودي تاني مرة غير المرة اللي شافك فيها الواد جمال.
فيروز: هو الزفت ده قالك؟
آمال: هو ده اللي همك؟ ومش همك عيل صايع زي ده ماشي يجيب سيرتك في الحتة؟ كنت باسمع الكلام من الجيران وبعمل نفسي طرشة وبقول يا بت اسكتي هي هتيجي بنفسها هتحكيلك كل حاجة وقولت أسيبك لما تخلصي امتحانات، لكن ما شاء الله طلعتي مباتضيعيش وقت.
فيروز: ماما انتي فاهمة غلط، والله صقر على فكرة بيحبني وطلب إيدي وقالي هيجيلك بعد امتحاناتي، يعني مش بيلعب بيا زي ما انتي فاكرة.
آمال: اللي زيه من أصحاب الفلل والعربيات يوم ما ييجوا يتجوزوا بياخدوا من اللي زيهم، لكن اللي زي حالنا بيبقى تسلية وهيضحك عليكي بكلامه المعسول وأول ما هينول غرضه منك هيرميكي رمية الكلاب، اسأليني أنا، وفي الآخر انتي اللي هتشيلي الطين فوق دماغك.
فيروز تسمع لحديث والدتها وكانت تخشى أن يكون صحيحًا ولكن عشقها لصقر كان يزيل تلك الأفكار من ذهنها.
آمال بصوت مرتفع: انتي يا بت سرحانة في إيه؟
فيروز: ها، لأ مفيش.
آمال: طب يلا عشان نلحق قبل ما الأتوبيس يطلع.
فيروز بتأفف: أوووف يلا.
غادرا المنزل ونزلا الشارع وسارا إلى أن وصلا إلى موقف سيارات الأجرة الجماعية التي ستصل بهما إلى محطة مترو الأنفاق.
***
بداخل مكتب صقر بقسم الشرطة.
إياس: لا، انت كده غلط يا صاحبي، ماينفعش. إزاي تاخدها تبات عندك وكمان رايح توصلها بالعربية تحت بيتها؟ ده كويس إن مامتها ما ادتكش المين انت كمان.
صقر: ما هو أنا هاروحلهم النهاردة إن شاء الله وانت هتيجي معايا عشان أطلب إيديها.
إياس: ما تاخدش الأمور بالسرعة دي، لازم الأول تروح تعتذر لوالدة فيروز وبعد كده تحدد معاها ميعاد.
صقر: أنا باحب أجيب من الآخر، وبعدين انت ما شوفتهاش إمبارح دي كانت بتبصلي بصة كأنها هتولع فيا.
إياس: حقها يا صقر، دي أم ودي بنتها وما لهاش غيرها، غير إنهم في حي شعبي يعني سمعة... وبعدين انت لو بتحبها بجد استحمل أي حاجة تحصلك عشان تكون ليك.
صقر يتنهد بقوة: حااضر يا أستاذ إياس، انت الوحيد اللي بتقنعني بكلامك.
إياس: ده واجبي عليك يا صديقي، إحنا عشرة عمر وأكتر من الإخوات ولازم أوجهك للصح وأبعدك عن اللي بيضرك.
صقر: ربنا يخليك ليا.
إياس وهو يقلد صوت فتاة: ويخليك ليا يا حبيبي.
صقر بضحكة جلية: هههههههههههه يخربيت عقلك، شغلك في الآداب ده بهت عليك خالص.
إياس: مقبولة منك يا صاحبي.
صقر: طيب أنا يدوب أمشي، أنا هاروح لحماتي وأعتذرلها وربنا يحنن قلبها عليا.
إياس: ما تكلم فيروز الأول.
صقر: باتصل عليها من بدري موبايلها مقفول.
إياس: ربنا معاك ولو احتجت أي حاجة اتصل عليا.
صقر: تسلملي... يلا سلام.
نهض صقر من مكتبه وغادر القسم وركب سيارته متجهاً نحو منزل فيروز.
***
أمام منزل فيروز نزل من سيارته وكانت تتابعه من أعلى وهي تقف في الشرفة والدة ليلى... ظلت تراقبه وهي تقول لنفسها: مش ده الشاب اللي كان مع فيروز في المستشفى وبيقول إن خطيبها؟ طب وجاي ليه وهم سافروا، شكله ما يعرفش. لما أطلع وأشوف.
كان ما يزال يقف في الفناء ويحاول الاتصال على فيروز، لكن لا فائدة، هاتفها مغلق، لا يعلم أنه أصبح حطام.
والدة ليلى وهي تخرج من الشرفة وتدلف للداخل متجهة نحو باب المنزل: بت يا ليلى تعالي انشري الغسيل ده عقبال ما أجي.
ليلى بتأفف: يوووه أهو ابتدينا بقى، يا رب الإجازة تخلص بسرعة.
والدة ليلى: انجزي يا بت بدل ما أنشرك انتي بدل الغسيل.
ليلى: حاضر يا ماما... يا رب توب عليا بقى.
خرجت أم ليلى ووقفت على الدرج تنتظر صقر الذي يصعد الدرج، فاستوقفته: يا بيه يا بيه.
صقر وهو يتعرف على ملامحها ويشبه عليها: نعم.
أم ليلى بابتسامة زائفة: أنا أم ليلى صاحبة فيروز اللي شفتني في المستشفى لما أمها تعبت.
صقر: آه افتكرت حضرتك، في حاجة؟
أم ليلى: أنا شفت حضرتك طالع وأنا كنت في البلكونة، قلت أخرج وأقولك إن الست آمال وبنتها شافهم عمك أبو ليلى وهو راجع من صلاة الفجر رايحين موقف الميكروباصات ومعاهم شنط سفر.
صقر بتعجب: سافروا!!... بتتكلمي بجد؟
أم ليلى: والله زي ما باقول لحضرتك.
صقر: طيب ما تعرفيش راحوا فين؟
أم ليلى: والله اللي أعرفه إن عمرهم ما سافروا لأي حتة ولا أعرف بلدهم إيه.
صقر: طيب ومدام آمال معاها تليفون؟
أم ليلى: أها، ثواني هادخل أجيب الموبايل وأجيلك.
دلفت للداخل وأحضرت هاتفها ثم خرجت: اتفضل حضرتك النمرة أهي، اكتب...
صقر انتهى من تسجيل الرقم: طيب شكراً لحضرتك... وهم بنزول الدرج... سلام.
أم ليلى وهي تلوي فمها: ده الظاهر اللي سمعته إمبارح في المدخل ده صح... ربنا يسترها على بنتنا.
ودلفت للداخل لتقابلها ليلى: كنتي بتعملي إيه بره يا ماما؟
أم ليلى: خليكي في حالك وإياكي أشوفك تقفي ولا تكلمي اللي اسمها فيروز دي تاني، فاهمة؟
ليلى وهي تفتح فاها من الصدمة: انتي بتقولي إيه؟
أم ليلى: مش عايزة رغي كتير، باقولك اقطعي معاها بدل وديني وما أعبد ما هاخليكي تخرجي من باب الشقة...
قالتها واتجهت إلى المطبخ وهي تهمهم: بنات آخر زمن.
بينما صقر بعد أن ذهب وركب سيارته كان يحاول الاتصال على والدة فيروز لكن كان يعطيه رسالة مسجلة بأن الهاتف غير متاح حاليًا... جز على أسنانه وهو في قمة غضبه ليضرب بقبضته على المقود وبصوت هادر: سافرتوا عشان تبعديها عني... وقسمًا بالله ما هأبعد عنها وهتكون ليا غصب عن الكل... صمت ثم اتصل بإياس.
صقر بصوت مخنوق: ألو أيوه يا إياس، أنا هاديك رقم دلوقت وعايزك تديه لصاحبك اللي بيشتغل في شركة (.....) ويعرفلي مكان صاحب...
إياس: مش فاهم حاجة، وبعدين ده صعب اللي انت بتطلبه ده.
صقر: ماليش فيه اتصرف، ولما تخلص شغلك تعالالي على البيت عشان عايزك... يلا سلام.
***
وبعد مرور ١٢ ساعة سفر عبر طريق الواحات الصحراوي وفي إحدى قرى محافظة الوادي الجديد، أخيرًا وصلت كل من فيروز والسيدة آمال أمام منزل كبير متكون من عدة طوابق له بوابة كبيرة من الحديد المطلي باللون الأسود الذي تكونت عليه الأتربة.
آمال وهي تمسك بهاتفها: يوووه ده مفيش شبكة هنا.
فيروز تقف كجسد بلا روح حيث كانت تتظاهر بالنوم طوال الطريق، وكل ما يشغل فكرها ما الذي تخطط له والدتها ولماذا لم تعطِ صقر فرصة ليثبت لها صدق نواياه... استوقفت والدتها شرودها.
آمال: افردي بوزك بدل ما أقلع اللي في رجلي وأديكي بيه على بوقك.
فيروز نظرت لها بعيون ترقرقت فيها العبرات.
آمال: هو أنا لسه حاسبتك؟ اصبري عليا بس.
انتفضت فيروز من كلمات والدتها فخيالها يصور لها أشياء جعلتها تدعو الله بأن هذا لا يحدث.
يا مرحب يا مرحب بالغاليين من ريحة الحبايب.
جاء هذا الصوت من خلفهم... لترد آمال: أهلًا ازيك يا أبو خالد.
أبو خالد: ياااه أخيرًا جيتي بلد جوزك يا أم فيروز.
آمال: ما انت عارف الظروف، وبعدين المسافة كبيرة وأحمد الله يرحمه كان مريض وممنوع من السفر.
أبو خالد: نورتوا البلد والله...
ونظر لفيروز ويتفحص ملامحها التي لا تشبه أخيه بتاتًا... ثم أردف قائلاً: ما شاء الله كبرتي يا عروستنا.
فيروز لم تنبس بكلمة فنظرت لها والدتها بنظرة مخيفة وهي تقول لها: ردي على عمك يا بت، ده يبقى عمك حافظ أخو أبوكي الكبير.
فيروز بصوت منخفض: ازيك يا عمي.
حافظ: الله يسلمك يا بنتي... هاتوا عنكم الشنط هاخلي خالد ابني يطلعهالكم فوق... ثم أردف بصوت جلي: يا خالد يا خالد.
أجابه خالد من شرفة الطابق الثاني: أيوه يا بابا.
حافظ: تعالى يا ابني مرات عمك وبنت عمك وصلوا.
خالد: أنا جاي.
لتفتح البوابة من الداخل وخرج خالد إليهم: أهلًا وسهلًا يا مرات عمي... ثم نظر لفيروز وكان شاردًا في ملامحها وعينيها التي جذبته من أول نظرة.
(خالد... ٢٩ سنة... يعمل طبيب أمراض نفسية... طويل وعريض المنكبين... ذو بشرة خمرية... يتميز بملامح رجولية منحوتة وجذابة).
حافظ: هاتفضل متنح كتير كده، خد الشنط منهم واطلع حطها فوق.
خالد: حاضر.
حافظ: يلا اتفضلوا يا مرحب يا مرحب.
صعدت فيروز مع والدتها إلى شقة عمها بالطابق الثاني ودلف الجميع للداخل.
استقبلتهم زوجة حافظ بابتسامة ومهللة: يا مرحب يا مرحب... صافحتهما بالعناق والقبلات.
ونظرت لفيروز متفحصة: ما شاء الله والله أكبر إيه الحلاوة والجمال دي يا ست أم فيروز.
آمال: تسلمي يا أم خالد الله يخليكي.
أم خالد نظرت لابنها الذي كان ينظر لفيروز وقالت: روح يا خالد انده على عمك سعد وعمتك اعتماد قولهم مرات عمك وبنتها وصلوا.
خالد: حاضر.
***
كانت تجلس على الأريكة في إعياء شديد وهاتفها لم يتوقف عن رنين المكالمات الواردة.
تحاملت وجمعت قواها وأمسكت بهاتفها لترى من المتصل حتى أجابت.
مايا: ألو يا سيلي، معلش كنت نايمة.
سيلين: أنا تحت البيت عندك، قعدت أرن الجرس ومحدش فتح.
مايا: معلش يا حبيبتي مكنتش سامعة.
سيلين: أوكي اقفلي، وأنا طالعالك ناو عشان عيزاكي في موضوع مهم.
مايا: أوكي مستنياكي.
أغلقت ثم تنهدت وهي تتأفف:
أوووف ده وقتك.
اتجهت نحو باب المنزل وهي تشعر بالغثيان، فقامت بفتح الباب لصديقتها مسرعة وركضت نحو المرحاض ودلفت له وأفضت كل ما بجوفها. وكانت الأخرى قد دلفت للمنزل وتنادي:
مايا انتي فين؟
مايا: لا رد.
وجدت سيلين باب المرحاض مفتوحًا فاتجهت إليه لتصرخ بذعر:
ماياااااا!
كانت مايا مسجاة على الأرض وبشرتها شاحبة، فجثت سيلين على ركبتيها وأخذت تضرب على وجنة مايا لتفيق. ثم وضعت أناملها على عنقها لتقيس النبض، فوجدت نبضها ضعيفًا. نهضت وركضت للخارج وأخذت تفتش في حقيبتها عن هاتفها، فأمسكت به واتصلت على رقم الطبيب المعالج لعائلتها.
سيلين: ألو يا دكتور، أنا سيلين السويفي، عيزاك تيجي ضروري على العنوان اللي همليه لحضرتك. آه، العنوان هو (.........) في انتظارك يا دكتور، باي.
حاولت أن تسند صديقتها لتحملها إلى غرفتها إلى أن يصل الطبيب. نجحت بسحبها إلى غرفتها ثم وضعتها على تختها ذي الفراش الوثير.
وبعد مرور ربع ساعة، رن جرس الباب. أسرعت راكضة نحو الباب وفتحته.
سيلين بتوتر وخوف: اتفضل يا دكتور، من هنا بسرعة بليز.
دلف الطبيب لغرفة مايا وأخرج من حقيبته أدواته الطبية ثم فحصها بعدما قام بقياس الضغط ومعدل نبضها. أغلق جهاز قياس الضغط ونظر لسيلين وتنهد.
سيلين: هي مالها يا دكتور؟
الطبيب: هي عندها ضعف عام، واللي زود من أعراضه إنها حامل.
سيلين وهي تشهق: هااا حامل!!!
الطبيب: هو أنتو مكنتوش تعرفوا ولا إيه؟
سيلين بارتباك وريبة: آآآه، أصل جوزها مسافر وسابها قاعدة لوحدها، وأهلها عايشين في سويسرا مش هنا.
الطبيب بعدم اقتناع: آه... طيب عمومًا أنا هكتبلها على شوية فيتامينات وفوليك أسيد عشان البيبي، ولازم تروح لدكتور نسا عشان تتابع معاه.
سيلين: حاضر يا دكتور، ميرسي.
الطبيب: ده واجبي يا آنسة سيلين.
نهض بعدما كتب ورقة علاجية. ثم ذهب إلى باب المنزل وفتحت له سيلين وهي تتردد:
دكتور.
الطبيب: نعم.
سيلين: أرجو الموضوع ده يفضل سر.
الطبيب وهو يرفع أحد حاجبيه:
حاضر يا آنسة سيلين، بس خدي بالك من صاحبتك ومن صحتها.
سيلين: أوكي ميرسي.
الطبيب: مع السلامة.
سيلين: سلام.
ذهب الطبيب وقفلت سيلين خلفه الباب ثم سندت بظهرها على الباب وهي تزفر بقوة:
يخربيتك يا مايا، إيه اللي هببتيه في نفسك ده.
***
في منزل أيمن، كان يتقلب على فراشه وهو يغمغم بكلمات غير مفهومة وجبينه يتصبب منه قطرات عرق منزلقة. لتدلف سلمى للغرفة وهي تمسك بملابس مطوية لتضعها بالخزانة، فسمعت أنين زوجها فألقت ما بيدها على الكومود وأضاءت مصباحًا خافت الإضاءة وتقربت منه وأخذت تمسح بيدها على جبينه وتوقظه بصوت هادئ.
سلمى: أيمن... يا أيمن، قوم يا حبيبي فوق مالك.
نهض أيمن في فزع من كابوس في منامه ونظر أمامه وهو يحدق في الفراغ وهو يقول:
معملتش حاجة، مش عايز أموت، سيبوني.
سلمى وهي تربت على ظهره بحنان:
مالك يا حبيبي اهدي.
وأخذت تقرأ عليه سورة الإخلاص والمعوذتين حتى هدأ تمامًا وعاد لوعيه. ونظر لها.
سلمى: مالك يا أيمن، كنت بتحلم بكابوس؟
أيمن ظل صامتًا لثوان وهو يتذكر أحداث الأمس بالصحراء ثم اقترب من زوجته وقبلها من جبينها وهو يقول:
مفيش يا حبيبتي، كان كابوس وراح لحاله.
سلمى بضيق:
عشان بقالك كتير بعيد عن ربنا ومش بتصلي، حتى لما فتحها عليك ورزقك بفلوس المفروض تصلي وتشكره.
أيمن وقد شعر بالاختناق من حديثها له:
هي الساعة كام دلوقت؟
سلمى: إحنا المغرب، قوم يلا عشان تتغدى وتروح الشغل.
أيمن زفر بضيق لأنه سيذهب ويرى مجدي زميله بالعمل وسبب دخوله إلى وكر الأفاعي والوحوش.
أيمن: أنا ماليش نفس للأكل، حضري لي الحمام عقبال ما أجهز هدومي.
سلمى: حاضر... طيب أحطلك الأكل في حافظة الأكل وتاكل في الشغل.
أيمن بغضب:
انتي مبتفهميش! قولتلك ماليش نفس أطفح وروحي اعملي اللي قولته لك عليه.
سلمى ترقرقت عبراتها في عينيها من كلماته لها بدون سبب، فتركته وغادرت الغرفة.
رن هاتفه فنظر إلى الشاشة وجد المتصل رقم مجهول، فعلم أنه من بيبرس.
أيمن: ألو يا باشا.
بيبرس: أيمون حبيبي، مساء الخير.
أيمن ويزفر بضيق:
مساء الخير يا باشا.
بيبرس: ماله صوتك، كنت نايم ولا إيه؟
أيمن: آه كنت نايم ورايح الشغل.
بيبرس: ربنا يقويك يا أيمون.
كتم أيمن الصوت بالهاتف وقال:
هو اللي زيك يعرفوا ربنا! الله يلعنك أنت واللي معاك.
ثم فتح الصوت وأردف:
الله يخليك يا باشا... فيه جديد ولا إيه؟
بيبرس بضحك:
أنا كل اللي عندي على طول جديد يا أيمون... هتعرف كل حاجة لما تقابل ساشا بكرة الساعة ٤ قدام نادي الصيد.
أيمن: تمام سعادتك.
بيبرس: خلاص هأسيبك عشان تلحق تروح شغلك، وأبقى سلملي على ميجو... سلام.
أيمن: سلام...
قالها وهو يلقي بهاتفه على الفراش ويبصق عليه وهو يقول:
الله يحرقك أنت وهو في يوم واحد.
***
في منزل مايا.
سيلين: ألو داد.
صلاح: نعم يا سيلي، أنتي فين لغاية دلوقت؟
سيلين: أنا بتصل بيك عشان هقولك أنا هبات مع مايا صاحبتي عشان تعبانة ومعاهاش حد.
صلاح: خلاص يا حبيبتي خلي بالك من نفسك ومنها... أبعتلك حد من الخدم؟
سيلين: ميرسي داد، مفيش داعي... يلا باي.
كان شهاب يجلس مع عمه وسمع الحوار فسأل عمه:
هي سيلي هتبات بره ولا إيه؟
صلاح: صاحبتها مايا تعبانة وهي قاعدة معاها.
شهاب باقتضاب وهو يقول لنفسه:
يا ترى بتعملي إيه يا سيلين من ورايا؟
نعود لمنزل مايا مرة أخرى.
سيلين تمسد على جبهة مايا التي بدأت تفيق رويدًا:
ليه كده يا مايا؟ ليه ترخصي نفسك كده؟ ويا ترى مين الحيوان اللي عامل فيكي كده؟
استوقفها همهمات مايا التي كانت تردد:
باس... باسل... حرام عليك... متسبنيش.
سيلين حاولت تقترب بأذنها منها لتستمع لما تقوله:
مايا بتقولي إيه؟ مش سامعة منك حاجة.
مايا عادت لوعيها وفتحت عينيها ثم نظرت لسيلين ونهضت... فساعدتها سيلين على النهوض وأسندت ظهرها على وسادة خلفها.
سيلين: حمدلله على سلامتك.
مايا بوهن:
سيلي أنا حصلي إيه؟
سيلين وتنظر إليها بارتباك:
أنتي تعبتي وأغمى عليكي، وجبتلك الدكتور ويدوب لساكي صاحية.
مايا: وقالك إيه؟
سيلين وهي توجه نظرات استفهام وغضب لها.
مايا: مالك بتبصيلي كده ليه؟
سيلين: أنتي عملتي علاقة مع حد؟
مايا بتوتر:
علاقة!!! مش فاهمة.
سيلين: متستهبليش، أنتي فهماني كويس.
مايا بتصنع:
بقولك إيه أنا تعبانة ومش فايقة لألغازك وأسئلتك دي.
سيلين وهي ترمقها وتعقد ساعديها أمام صدرها:
أنتي حضرتك حامل يا هانم.
مايا بصدمة وذهول شهقت بقوة:
إيه؟؟؟
سيلين: زي ما سمعتي، الدكتور قال اللي حصلك نتيجة إنك حامل... ها الدكتور هيكدب هو كمان؟
مايا كانت تلطم على صدغيها وتقول:
يا دي المصيبة يا دي المصيبة.
سيلين اقتربت منها وأمسكتها من كتفيها:
اهدي دلوقت كده وقوليلي أنتي حامل من مين.
مايا توقفت فجأة وقد ألجمها سؤال سيلين وخشيت من أن تعلم بعلاقتها بباسل التي تبغضه.
مايا: معرفش.
سيلين: هو إيه اللي متعرفيش؟ أنتي هتستهبلي يا مايا؟ يعني حملتي من الهوا؟
مايا: بقولك إيه يا سيلي، سيبيني أنا عايزة أنام، أنا تعبانة ومش عايزة أشوف حد.
سيلين غضبت من أسلوب صديقتها الفظ فوقفت قائلة:
تصدقي إن أنا غلطانة إني خايفة عليكي، وعمومًا شكرًا يا مايا، أنا ماشية ومش هتشوفي وشي تاني، وشوفي مين اللي هيساعدك في مصيبتك دي.
قالتها وغادرت المنزل بأكمله.
وتركت مايا في حالة يرثى لها تبكي وتتألم:
أعمل إيه يا ربي في المصيبة دي؟ وخايفة أقوله يبعد عني وأنا بحبه ومقدرش أبعد عنه خالص.
صمتت ثم نهضت لتبحث عن هاتفها واتصلت على رقم باسل.
مايا: ألو يا باسل...
***
في منزل صقر، دلف لمنزله متجهًا نحو غرفته فلاحظ صوتًا يأتي من الغرفة الأخرى ففتح بابها ثم اندهش وقال:
لسه فاكرة إن ليكي بيت؟
رنيم ببرود:
والله أنا حرة أروح وأجي زي ما أنا عايزة.
أثارت كلماتها غضب صقر فاقترب نحوها ليجذبها من شعرها فأوقفه صوت رنين جرس باب المنزل.
أردف قائلًا وهو يشير لها بأصبعه السبابة:
والله لأربيكي يا رنيم من أول وجديد بس لما أفضى لك بس.
ترك الغرفة فغضبت من تحذيره لتركض وراءه وكادت تتحدث فأوقفها عندما فتح أخيها الباب، دلف إياس الذي كان يرمقها بنظرات نارية... وبادلته بذات النظرات وهي تقول:
أنا داخلة أوضتي عن إذنكم.
صقر: استغفر الله العظيم يا رب، ألاقيها منك ولا من اللي مش عارف أراضيها فين.
ثم نظر لإياس الذي كان ينظر نحو غرفة رنيم.
صقر: أنت يا زفت واقف عندك ليه؟
إياس: ها؟ كنت بتقول حاجة؟
صقر: تعال جوه وقولي عملت إيه.
دلف الاثنان لغرفة المعيشة وأخرج إياس ورقة من جيب بنطاله وقال:
اتفضل يا سيدي، دي بيانات الرقم الخط باسم آمال عبد الرحيم الأسيوطي وعنوانها اللي أنت عارفه.
أمسك صقر بالورقة وقام بتمزيقها لفتات وصرخ بوجه صديقه بصوت مخيف:
وحياة أمك جاي تهزر!!!!
إياس: ما تلم نفسك يا صقر، أنت بتتكلم مع صاحبك مش مع واحد متهم.
صقر وهو يمسح وجهه بكفيه ليهدأ وزفر بقوة:
الصبر من عندك يا رب... يا بني آدم افهم، بقولك دول سافروا ومش عارف راحوا فين، فأنا عاوز أعرف مكانهم عن طريق الرقم ده، فهمت ولا أفهمك تاني.
إياس: صعب والله يا صقر، خاصة إنه الظاهر تليفونها عادي مش تاتش ولا فيه جي بي إس نقدر نوصلهم بيها.
صقر وهو يكظم غيظه:
طيب متشكرين لخدماتك يا عم إياس.
قالها وهو يشير إليه بالذهاب.
إياس وهو يرفع أحد حاجبيه:
أنت بتطردني يا صقر؟
صقر: أنا مش طايق نفسي ولا طايق اللي جوه دي ولا طايق أي حاجة، أوسخ إحساس لما تحس إنك عاجز ومش قادر توصل للإنسانة اللي أنت بتحبها... وطبعًا أنت مش حاسس بيا، خطيبتك معاك.
إياس قاطعه بصوت جلي عن قصد:
ومين قالك إن أنا بحب خطيبتي؟
رن هاتف صقر ليوقف حديثهم، أخرجه من جيب بنطاله ونظر فيه ليجد رقم غير مسجل وبجانب الرقم مكتوب بالإنجليزية الوادي الجديد فتعجب.
إياس: مين؟
صقر: ده رقم غريب ومكتوب جنبه إنه من الوادي الجديد.
إياس: طيب ما ترد.
فتح صقر وأجاب:
ألو...
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل السادس عشر 16 - بقلم ولاء رفعت
رن هاتف صقر ليوقف حديثهم، أخرجه من جيب بنطاله ونظر فيه ليجد رقمًا غير مسجل وبجانب الرقم مكتوب بالإنجليزية "الوادي الجديد" فتعجب.
إياس: مين؟
صقر: ده رقم غريب ومكتوب جنبه إنه من الوادي الجديد.
إياس: طيب ما ترد.
فتح صقر وأجاب: ألو.
المتصل: ألو، صقر الهواري معايا؟
صقر: أيوه أنا، مين حضرتك؟
المتصل: أنا فاعل خير وأحب أعرفك إن رجالة شوقي ضرغام عندهم بعد يومين بالظبط شحنة تهريب مخدرات وآثار وأعضاء كمان.
صقر بوجه متجهم: والمطلوب مني إيه يا أستاذ فاعل خير؟
المتصل: أنا عملت اللي يمليه عليا ضميري وبلغت حضرتك، إن كان يهمك الأمر غير كده مالكش حاجة عندي.
أغلق الهاتف على الفور.
صقر بغضب: ألو ألو؟ يا ابن الـ (......).
إياس: إيه الحكاية؟ ومين اللي كان بيكلمك؟
صقر في حيرة من أمره: ده واحد بيقـ...
قاطعه رنين هاتفه مرة أخرى. ونظر للشاشة وقال: إيه ده، منصور باشا، خير؟
فتح المكالمة وأردف قائلًا: ألو يا فندم؟
منصور: سيب أي حاجة في إيدك وتعالى ضروري على القسم. يلا مستنيك. سلام.
صقر أغلق الهاتف وجلس بشرود.
إياس: إيه يا ابني مالك؟ منصور باشا كان عايزك في إيه؟
صقر وهو ينتبه لسؤال صديقه زفر بقوة وهو يمسح وجهه بكفيه: ما قالش حاجة غير أروح على القسم ضروري وحاسس إن الله أعلم الموضوع اللي عايزني فيه له علاقة بالمكالمة بتاعة فاعل الخير دي.
إياس: طب يلا بينا هأروح معاك.
رن هاتفه ثم رد: نعم؟ مش فاضي. ورايا شغل. قوليلهم إنه مشغول. براحتك سلام.
أغلق وتنهد وهو يتأفف: أوووف كَتْكوا داهية تاخدكوا كلكوا.
صقر وهو يضع سلاحه خلف ظهره: إيه يا ابني مالك؟ خطيبتك؟
وكانت في تلك اللحظة تسترق السمع من خلف باب حجرتها وهو متأكد من ذلك فأجاب صديقه بصوت واضح.
إياس: هم في غيرهم المحروقة حماتي وبنتها اللي هأخلص منها قريب.
صقر باقتضاب: اشمعنى كده؟ مش دي اللي كنت بتجري وراها شهور عشان تعبرك بكلمة واحدة؟
إياس: كنت مغفل من كتر البلاوي اللي شوفتها في شغلي، لقيت دي محترمة وبنت ناس فقولت أجرب حظي.
صقر بتهكم: طب يلا يا أخويا عشان ما أتأخرش.
غادرا المنزل وهي كانت بالداخل ترتسم على وجهها ابتسامة أو بالأحرى بارقة أمل ليحيا حبها له من جديد.
في سيارة صقر.
صقر وهو ينظر للطريق: بقولك إيه، كلم الواد صاحبك يعرف لنا مين صاحب الرقم ده.
أخذ منه إياس الرقم وهاتف صاحبه الذي يعمل بإحدى شركات الاتصالات ثم أغلق معه الهاتف.
إياس: زي ما توقعت، رقم من اللي مش بيتسجلوا وشكل صاحبه رماه طبعًا أول ما قفل معاك.
صقر: كلها ساعة وهأعرف.
قالها وهو يزفر متضايقًا لأنه لا يعلم مكان من أحبها وعشقها قلبه.
تجلس أمام اللحد (قبر بدون شواهد) في مقدمته قطعة رخامية قديمة مر عليها عدة سنوات وكان مكتوب عليه:
بسم الله الرحمن الرحيم. كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة. صدق الله العظيم.
أحمد سراج الدين بشندي 1959م : 2002 م.
عيناها مثل بحر فياض يصب ماءه في محيط من ذكريات طفولتها مع والدها فكان يحنو عليها بكل مشاعر الأبوة المكنونة بداخل قلبه لها فهي ملاكه الصغير الذي كان عندما ينظر لعينيها تبتسم الدنيا له.
فيروز بدموع منسكبة على وجنتيها: الله يرحمك يا حبيبي، كنت أحن واحد عليا في الدنيا دي كلها، ولما كنت بغلط كنت بتخدني في حضنك وتفهمني غلطي وتعلمني الغلط من الصح.
استوقفتها شهقاتها من البكاء وفاجئها صوت من خلفها يقول: ما كانش حنين عليكي أنتي بس.
التفتت لصاحب الصوت: دكتور خالد.
خالد بابتسامة: دكتور؟ وعرفتِ منين إني أنا دكتور؟
فيروز: سمعت مامتك بتقول إنك دكتور أمراض نفسية.
خالد: آه بس مع وقف التنفيذ.
فيروز بفضول: اشمعنى كده؟
خالد بوجه مقتضب: حكاية قديمة، سيبك مني أنا دلوقت. مالك من ساعة ما جيتي هنا ونظرات عينيكي كلها شجن وهموم كأنك جاية غصب عنك.
فيروز: لا عادي عشان افتكرت بابا الله يرحمه.
خالد: ماشي هأعديها ولو إني متأكد إن فيه حاجات جواكي كتير ومحتاجة تتكلمي مع حد وأنا بقولك لو محتاجة تفضفضي أنا تحت أمرك في أي وقت.
فيروز بابتسامة خافتة: إن شاء الله.
جاءت فتاة في بداية العشرينيات تقول: أنت هنا وأنا قالبة عليك البيت كله. ثم صمتت لتنظر لفيروز بنظرات متفحصة ثم أردفت: مين دي يا خالد؟
خالد: دي يا ستي تبقى بنت خالك وبنت عمي أحمد الله يرحمه فيروز. ثم نظر لفيروز: ودي تبقى بنت عمتك اعتماد سمر.
فيروز وتمد يدها لها بالمصافحة: أهلًا سمر.
سمر بنظرات ساخرة: وسهلًا. ولم تمد يدها لها. فشعرت فيروز بالإحراج. لاحظ خالد ذلك الموقف.
خالد: طيب يلا عشان زمانهم حضّروا الغدا.
سمر وهي ترمق فيروز بسخط: ما أنا كنت جاية أقولك تعالى عشان تتغدى، كنت فاكراك بتزورها.
خالد وهو ينظر لسمر بتحذير: طيب يا أختي يلا.
غادروا جميعًا لكن خالد كان خلفهم وينظر لإحدى القبور وقال بداخله: أنا آسف ما تزعليش مني يا حبيبتي.
في منزل صلاح السويفي.
تمارس سيلين رياضة المشي على جهاز السير الرياضي وتضع في أذنيها سماعات متصلة بجهاز (آي بود)، تفكر فيما حدث لصديقتها ومن فعلت معه تلك العلاقة المحرمة وكانت قطرات العرق تتساقط من جبينها فأوقفت الجهاز حتى تلتقط منشفة قطنية لتجد من يضعها على كتفيها من الخلف.
شهاب: وحشتيني أوي.
سيلين وهي تجفف جبينها: متشكرين. وبعدين مين اللي سمحلك تدخل الجيم روم وأنا فيها؟
شهاب: هو في حد بيستأذن عشان يدخل في حتة فيها مراته!
سيلين ترفع إحدى حاجبيها بتعجب: مراتك! بليز شهاب ابقى اتغطى كويس وأنت نايم.
شهاب: لا مراتي غصب عنك وعن أي حد.
سيلين: وأنا مش هتجوزك هو بالعافية.
أثارت سيلين غضبه فأقترب منها للغاية وهي ترجع للخلف على جهاز السير فبدون قصد منها ضغطت على زر التشغيل فتحرك الجهاز وهي تقف بالعكس لتتعثر وبدون أن تشعر تمسكت في شهاب وهي تعانقه متشبثة به.
سيلين بصراخ: بليز وقف البتاعة دي.
شهاب بابتسامة نصر وحب: لا أنا هأسيبها شغالة عشان تفضلي في حضني كده متعلقة.
سيلين بتأفف وغضب: أوووووووووووووووووووف أنت إنسان باااارد وربنا.
شهاب يضحك لإغاظتها أكثر: طيب لما أنا بارد ماسكة في حضني جامد أوي كده ليه.
سيلين: أنجز بقى.
قام شهاب بجذبها لأعلى ممسكًا بخصرها وحملها على أحد كتفيه. وهي تصيح: نزليني يا شهاب بدل ما والله أصوت وألم عليك السكيورتي والخدم.
شهاب بضحكة جلية: ده أنا مديرهم وبعدين كل اللي هنا عارف إنك خطيبتي وهتبقي مراتي.
سيلين وهي تركل بقدميها في الهواء وتضرب بقوة على ظهره: يا أخي ده بعدك أنا مش هتجوزك افهم بقى خلي عندك كرامة.
توقف شهاب لوهلة ثم ركض بها فجأة نحو المسبح وهي تصيح: شهاب نزلينيييييييي يا شهاب رايح بيا على فين نزليني ربنا ياخدك.
توقف بها لدى حافة المسبح ومرة واحدة ألقى بها بداخله فصرخت بصوت مدوي: إيه يا مجنون اللي عملته ده بترمي في الـ (pool)!
شهاب بابتسامة سخرية: عشان تتعلمي الأدب وتعرفي تتكلمي مع جوزك إزاي باحترام وما تعرفيش المرة الجاية هأعمل فيكي إيه احذري بقى.
قالها ثم ألقى عليها وهي في المياه منشفة قطنية ثم غادر المكان فالتقطتها.
سيلين بغضب: وربنا لأعلمك الأدب يا شهاب الكلب ماشي.
في داخل مكتب العقيد منصور بالمخفر.
منصور: هو كلامه فعلًا صح لأن لسه جايلنا إخبارية بكده من رجالتنا اللي زرعينهم في طريق الواحات عشان كده كلمتك.
صقر: بس إحساسي يا فندم بيقولي إن المتصل ده واحد من تبعهم.
منصور: كل شيء وارد فعلًا بس كل اللي عايزه منك دلوقت إن تحضر شنطة سفرك وتسافر الليلة عن طريق الطيران هتنزل في مطار الخارجة وهيقابلك واحد من تبعنا.
صقر: هي السفرية سرية ولا إيه؟
منصور: أنت متأكد إنك نقيب؟
صقر: والله فاهم حضرتك بس بالتأكيد هم عارفين إني هأكون على رأس القوات.
منصور: ما تقلقش تحركاتك كلها هتبقى سرية لحد ساعة الصفر وأنا عارف أنت أول مرة تروح في مهمة هناك عشان كده عيننا مرافق ليك من الداخلية برضه.
صقر: تمام يا فندم.
منصور وهو يمد يده لصقر بملف أوراق: خد الفايل ده فيه كل حاجة شاملة العملية والقوة اللي هتبقى معاك قوات خاصة.
صقر: مفهوم يا فندم.
منصور ويشير إليه بالذهاب: خلاص كده اتفضل بقى عشان تروح تجهز حالك.
نهض صقر: تمام يا فندم. ثم غادر.
وفي طريقه لمكتبه قابل إياس.
إياس: ها قالك إيه؟
صقر: عندي سفرية للواحات ومهمة ما أعرفش هأقعد فيها قد إيه. يلا تعالى أروحك في طريقي عشان لازم أروح على البيت الأول.
إياس: لا أنا رايح على المطار.
صقر: خير.
إياس: الظاهر المخفية حماتي كبرت الموضوع وكلمت أهلي كندا وهم شكلهم جايين عشان كده.
صقر وهو يضحك: أحسن تستاهل.
إياس: بالعكس أنا فرحان عشان لما هنتجمع كلنا هأقولهم إن خلاص هأفسخ ومش عايز أكمل معاها.
صقر: وتفتكر أبوها سيادة اللواء هيسكت؟
إياس: يسكت ولا يولع بجاز أنا مش طايق مراته ولا حتى بنته.
صقر بتعجب: مش عارف إيه اللي غيرك فجأة كده، عمومًا أخلص من اللي ورايا وهأرجع هأشوف موضوعك وموضوع اللي ما أعرفش عنها أي حاجة.
إياس: مش عارف إزاي أنت نقيب وليك علاقات كتير ومش قادر توصلها.
صقر: ما أنا في دماغي حاجة كده إن شاء الله ناوي أعملها بس أخلص من المهمة اللي ورايا دي إن كان لينا عمر.
إياس: طب يلا عشان ما نتأخرش.
وصل صقر لمنزله ودلف حجرته وأخذ يجهز حقيبته ويضع بها ملابس له وكل ما يحتاجه ونادى على أخته.
صقر: رنيم.
رنيم تخرج من غرفتها: أنت بتنادي؟
صقر: آه تعالى عايزك.
رنيم وتزفر بقوة: خير؟
صقر وهو يحذرها: اقفي عوج واتكلمي عدل عشان مش فايقلك.
رنيم: ما أنا بكلمك عدل أهو ولا هو شكل للبيع؟
صقر وينظر لها باستحقار: ما فيش فايدة فيكي. أنا كنت عايز أقولك أنا أنا مسافر يومين تبع شغل ومش عارف راجع امتى عشان كده اتصلت بدادة سهيلة تيجي تقعد معاكي الفترة دي لحد ما أجي وما فيش خروج غير للضرورة ولو عايزة صاحباتك يجولك البيت ما فيش مانع بس ما فيش صياعة بره ولا سهر.
رنيم بفم متسع من الابتسامة: تروحي وتيجي بالسلامة يا صقورة.
صقر: الله يسلمك يا أختي أنا عارف إنك فرحانة بس أنتي لغاية دلوقت مش مقدرة إن أنا بخاف عليكي وبحبك قد إيه.
رنيم: بس مش لدرجة الخنقة.
صقر: اديني سايبهالك ومسافر بس يا ريت تاخدي بالك من نفسك.
اخرج من محفظته الجلدية بطاقة وأعطاها لها:
"خدي الكريديت دي معاكي، أنا عارف بتاعتك قربت تخلص وأنا مش ضامن ظروف شغلي."
أخذتها منه وهي تهلل وتعانقه:
"حبيبي ربنا يخليك ليا يا رب."
أمسك صقر وجهها بكفيه وهو يضرب جبينه بجبينها بمزاح:
"أنا ماليش غيرك يا عبيطة، وبخاف عليكي كأنك بنتي مش أختي، افهمي بقى."
رنيم:
"حاضر فهمت يا حبي."
صقر:
"دلوقت بقيت حبك؟ فعلًا الفلوس بتعمل العجب..."
ثم ضحك ساخرًا.
رنيم:
"مااااشي... أوعى بقى سيبني أجهزلك شنطتك وروح خدلك شاور والبس وعندك علبة بيتزا ع السفرة."
صقر:
"سبحان مغير الأحوال."
قالها وذهب للمرحاض الخاص به.
***********
* في غرفة رنيم
رنيم تتحدث بصوت منخفض للغاية:
"ألو يا بوسي... صقر شوية كده ومسافر... عيب عليكي أول ما هيمشي هاكلمك... طبعًا هنسهر... ما فيش غيره النايت اللي كنا بنروحه أنا وأنتي زمان... طب باي دلوقت ليسمعني."
*************************************
* أمام نادي الصيد الرياضي... يقف أيمن منتظرًا وهو متضايق ويحمل ثقلًا كبيرًا مع عمله مع تلك المافيا... ها هي تلك الفتاة الروسية ذات القوام الممشوق تتجه إليه ثم اقتربت لتصافحه بالعناق والقبلات وهو كان في حيرة من أمره.
ساشا:
"مرحبًا بك مستر أيمن، مستر بيبرس ينتظرك بالداخل."
سارت أمامه وهو خلفها وكان يغض بصره عنها حيث كانت ترتدي تنورة من الجينز قصيرة للغاية ويعلوها قميص حريمي شفاف يظهر من أسفله ملابسها الداخلية وكانت تتمشى أمامه بطريقة مغناج.
أيمن في سره:
"استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم."
وصلا أخيرًا لطاولة خشبية يعلوها مظلة من الخشب أيضًا.
ساشا:
"تفضل هنا مستر أيمن."
وبعد قليل من الانتظار أتى بيبرس وكان يحمل بندقية صيد.
بيبرس:
"هاي أيمون."
أيمن نهض فجأة:
"أهلًا يا باشا."
بيبرس:
"هي ساشا مش طلبتلك حاجة؟"
أيمن:
"شكرًا حضرتك."
بيبرس ينظر لساشا التي تقف بجواره بأن ترحل وتتركهم.
بيبرس وهو يجلس مقابل أيمن:
"عامل إيه ومراتك وعيالك؟"
أيمن عندما ذكر بيبرس عائلته ارتعدت أوصاله وانتفض جسده فأجاب بتلعثم:
"الـ... الـ... الحمد لله بخير."
بيبرس بابتسامة جانبية:
"مالك مش على بعضك ليه؟ ده أنا باطمن عليكوا بس عشان أنا حبيتك يا أيمون، واللي باحبه باحب أطمن عليه دايمًا."
أيمن:
"لا خالص أنا عادي أصل بردت شوية."
بيبرس:
"ساشااااااااااااااااا!"
ساشا جاءت راكضة:
"نعم مستر بيبرس."
بيبرس:
"اطلبي لنا كوبين من المشروبات الساخنة... أسرعي."
ساشا:
"أمرك سيدي."
بيبرس:
"طبعًا عايز تعرف إن أنا عايزك في إيه؟"
أيمن:
"أنا تحت أمرك يا باشا."
بيبرس بابتسامة مزيفة:
"بص يا سيدي، أنت هتسافر بكرة الصبح هتنزل من بيتكو الرجالة هيستنوك في المكان اللي هابقى أقولك عليه."
أيمن:
"طب وشغلي؟"
بيبرس:
"ملكش دعوة إحنا هنتصرف، خليك بس في المهمة اللي هاكلفك بيها وهي.............."
*******************************************
* بداخل ساحة الانتظار بمطار القاهرة الدولي.
إياس يتجه نحو والديه ويقابلهما بالعناق.
إياس:
"نورتوا مصر أخيرًا يا بابا أنت وماما."
والدته بوجه مقتضب ويبدو عليها الانزعاج:
"إحنا ما كناش نازلين أصلًا لولا حضرتك وعمايلك اللي ما بتخلصش."
نور الدين والد إياس:
"خلاص يا منى لينا بيت نبقى نتكلم فيه."
إياس:
"ربنا يخليك ليا يا أبو الأنوار على طول واقف معايا."
نور الدين:
"لا وحياتك ده لسه ليك معايا حساب بس لكن لكل مقام مقال."
إياس في نفسه:
"دي باينها هتبقى أيام سودة ومش هاعرف أخلص منها ولا من أمها أم أربعة وأربعين."
منى:
"بتقول حاجة يا ولد؟"
إياس:
"لا خالص يا ماما باقول حمد لله على سلامتكوا... ويلا عشان خليت عم منعم الشوفير مستنيكو بره."
رن هاتفه لينظر في شاشته وجد المتصل المخبر المكلف بمراقبة رنيم.
إياس:
"ألو... بتتكلم بجد؟... طب دخلوا من إمتى؟... طيب اقفل دلوقت."
نور الدين:
"فيه حاجة يا بني؟"
إياس:
"معلش يا بابا جالي شغل ضروري ولازم أروح بنفسي."
منى:
"طيب ما يروح ظابط غيرك ولا ما فيش غيرك في القسم؟"
إياس:
"لا يا ماما للأسف... معلش أسيبكوا مع عم منعم وأنا هاخد تاكس... يلا سلام."
قالها وغادر على الفور.
منى:
"ابنك يا نور وراه قصة كبيرة وشكله عايز يفسخ الخطوبة."
نور الدين:
"لما نروح وهو يجي نبقى نشوف الموضوع ده."
*****************************
* بداخل الملهى الليلي تجلس رنيم وبوسي على إحدى الطاولات.
بوسي:
"أخيرًاااااا عشماوي أفرج عنك."
رنيم:
"بس يا بت اتكلمي عنه عدل أحسنلك."
بوسي:
"لكي حق ما هو ظبطك قبل ما يسافر واداكي كريديت."
رنيم:
"إيه النق ده؟"
قالتها وهي تخرج من حقيبتها علبة سجائر وسحبت منها واحدة وأشعلتها بقداحة.
بوسي:
"يخرب عقلك أنتي بتشربي سجاير!"
قالتها مندهشة.
رنيم بضحك:
"وفيها إيه يعني ما فيه بنات بتشيش كمان وهنا في مصر كتير."
بوسي:
"تصدقي ليه حق يربيكي."
رنيم:
"أوووف بقى أنا جاية أتبسط ونفرفش... نقطينا بسكاتك لو سمحت."
وفي طاولة أخرى يجلس شابّان، أحدهما كان يراقب رنيم وبوسي.
سيف:
"أوبااااااااا ده إيه الأوزز الجامدة اللي قاعدة هناك دي."
باسل:
"فين دول يا واد؟"
سيف:
"أنت أعمى يا ابني ما هم متلقحين على الترابيزة اللي هناك دي."
نظر باسل ليجد رنيم وبوسي يضحكان بصوت جلي ومثير... نهض من مجلسه واتجه إليهم ليجلس بجوار بوسي.
باسل:
"هاي يا صواريخ أرض جو أنا باسل."
رنيم ترمقه باحتقار:
"ودول بيطلعوا إمتى إن شاء الله؟"
بوسي:
"يلا يا ابني من هنا الله يسهلك."
باسل واقترب من رنيم:
"جرى إيه يا بت منك ليها؟ هتعملوا عليا الشويتين دول؟ يلا انجزوا وقولوا من الآخر عايزين كام وتيجوا معانا أنا وواحد صاحبي."
رنيم وقفت أمامه وصفعته بقوة:
"أنت قليل الأدب وسافل وعايز تتربى."
باسل قام بجذبها بقوة من شعرها:
"جرى إيه يا (...) ده أنتوا بتيجوا تركعوا تحت رجلي عشان أقضي معاكوا ساعة ومن بس."
بوسي بصياح:
"فين السيكورتي اللي هنا؟ الحقونا."
باسل:
"ما تخرسي يا بت أنتي كمان."
قالها وكاد يصفعها ليمسك بمعصمه وهو يقول:
"ده أنا اللي هاخرسك يا حيوان."
ووجه له لكمة قوية في فكيه... اعتدل باسل:
"وأنت مين يا روح أمك أنت كمان؟"
إياس وهو يوجه له ضربة أخرى:
"أنا هاعرفك أنا أبقى مين."
وكلا من رنيم وبوسي يصرخان.
إياس بصوت مرعب:
"اخرسوا منك ليها واطلعوا بره."
باسل ممسكًا بزجاجة خمر بالعكس وقام بكسرها ليتبقى جزء حاد في يده واتجه نحو إياس وهو يقول:
"خد ده بقى."
رنيم في نفس الوقت ركضت نحوه وتصرخ بإياس:
"حااااااااااااااااااسب يا إياس!"
لكنه لم يستطع أن يتفاداها فجرحت ذراعه بجرح عميق لينزف دم على الفور.
بوسي وهي تصرخ بباسل:
"يخربيتك ده ظابط!"
باسل:
"ظابط على نفسه."
إياس وقد وصل لقمة غضبه توجه نحوه وأخرج سلاحه من خلف ظهره ليضرب به على رأس باسل ويقع مغشيًا على الأرض.
كل ذلك تحت أنظار المتواجدين بالملهى... وما زال بقمة غضبه ثم اتجه نحو رنيم التي عندما رأته في تلك الحالة ركضت مسرعة ليلحق هو بها وأمسكها من يدها وضغط عليها بقوة وهو يقول لها بصوت جلي ومرعب:
"لو أنتي فاكرة إن عشان أخوكي مش هنا تعملي اللي أنتي عايزاه فأنا هنا بداله وهاربّيكي."
قالها واتجه برنيم ويسحبها بقوة ليلقي بها بداخل سيارته.
رنيم بخوف:
"إياس استنى هافهمك بس."
إياس جلس بجوارها في مقعد القيادة نظر لها بحدقتين متسعتين:
"قلت اخرسسسسسسسي!"
انتفضت رنيم مرتجفة:
"حـ... حاضر."
انطلق إياس بالسيارة بأقصى سرعة.
*******************************************
* في منزل عائلة والد فيروز.
سعد:
"والله منورين البلد كلها يا أم فيروز."
آمال:
"ده نوركوا والله يا أبو أحمد."
سعد:
"تعرفي أنا من غلاوة المرحوم أخويا أحمد الله يرحمه سميت ابني على اسمه بس ادعيله بالهداية."
آمال:
"ماله خير إن شاء الله؟"
سعد:
"ما بيسمعش كلام حد وطايح في الكل ومالوش كبير وكل ما يشتغل يتطرد."
آمال وهي ترمق فيروز التي كانت تجلس في زاوية:
"ربنا يهديه ويهدي ولادنا جميعًا."
دلفت اعتماد عمة فيروز إليهم:
"غريبة يعني الزيارة دي يا آمال."
ضحك سعد لأنه يفهم مقصد شقيقته:
"هي قصدها يعني إنكوا مش بتيجوا البلد ولا كده."
اعتماد وترفع إحدى حاجبيها بسخرية:
"لا قاصدة يا سعد ما هو مش معقولة عمرها ما جت مع أخويا حتى بعد موته ولسه فاكرة تيجي يبقى بتدوري على الورث."
آمال:
"ورث إيه يا أم سمر لو كنت عايزة ورث كنت أخدته من ساعة وفاة أحمد مش هاجي أدور عليه دلوقت."
سعد:
"ما تتلمي يا اعتماد مهما كان الناس ضيوف عندنا ودي عيبة في حقنا."
نظرت آمال لفيروز وتشير لها بأن تغادر الغرفة لتتناقش مع عمتها... خرجت فيروز وتركتهم واتجهت للخارج عند الدرج وقبل أن تذهب لمحت هاتف والدتها موضوع بجانب التلفاز فأخذته وخبأته في طيات ملابسها ثم صعدت لأعلى حيث سطح المنزل وهي تقول لنفسها:
"يا رب لما أتصل يرد... يوه ده ما فيش شبكة لما أطلع على السطح يمكن ألاقي شبكة."
صعدت وأخذت تتجول باحثة عن إرسال لشبكة الاتصال بالهاتف.
* كان يقف بالفناء يحمل زكيبة مليئة بطعام للدجاج.
سمر وهي تدلف خلفه:
"رايح بالشوال ده على فين يا أحمد؟"
أحمد:
"هاطلعه فوق السطح عشان لو سبته في المدخل القطة هتقطعه وهايتدلق زي إمبارح."
سمر:
"طيب اطلع وانزل بسرعة عشان عايزاك في حاجة."
أحمد:
"عايزة إيه؟"
سمر:
"مرات عمك و..."
قاطعتها والدتها التي كانت تنزل الدرج وتغمغم بكلمات:
"جاية تمثل علينا مش كفاية أخدتي إخوانا وموتيه بدري بدري مرة فقر."
سمر:
"مالك يا أمي؟"
اعتماد:
"ماليش روحي اندهي على عمك حافظ قوليلو أمي عايزاك يلا انجري بسرعة."
(سمر ابنة عمة فيروز: تصغر فيروز بعامين... فتاة ذات بشرة خمرية متوسطة الطول والجمال وهي منذ أن جاءت فيروز وهي لا ترحب بها أبدًا وتنفرها لسبب ما سنعرفه لاحقًا.)
(أحمد ابن سعد عم فيروز: 27 عامًا، شاب متوسط الطول ذو بشرة قمحية وشعر كثيف يعرف عنه أنه شاب سيئ الأخلاق لا يحترم أبويه.)
صعد أحمد الدرج وكان لا يعرف من هي فيروز ولم يراها بعد هي ووالدتها.
فيروز ما زالت تبحث عن إرسال شبكة، فكانت ترتدي تنورة طويلة وعليها قميص حريمي محتشم، وهي تتجول أمسكت بتنورتها قطعة حديدية من الخردة ولم تلاحظها، فمرة واحدة مزقت القطعة الحديدية تنورتها وشهقت فيروز من صوت تمزيقها، فاستدارت لترى حتى تمزقت تمامًا ليتعرى جزء كبير من رجليها من أخمص قدميها إلى فخذيها.
فيروز: يا نهار مش فايت، أعمل إيه أنا دلوقتِ وأنزل إزاي بالمنظر ده؟
كانت تولي ظهرها له وهو يراقبها بعد أن وضع الشكيبة جانبًا بدون أن تشعر به.
أحمد بداخل نفسه: يا لهوي ع القشطة دي، هو فيه كده يا ترى دي أجنبية ولا ماي، أكيد مش من بلدنا دي، البنات هنا عايزين يترموا ف مصرف المجاري.
فيروز انحنت بجسدها للأمام وهي تخلص قماش تنورتها الممزق من القطعة الخردة لتستر بها جسدها قبل أن يراها أحد.
رأى أحمد ذلك فتملك منه شيطان الهوى والشهوات فاقترب منها بحذر وكاد أن يجذبها من خصرها لتعتدل من وقفتها واستدارت بفزع.
فيروز: أنت مين؟ وعايز مني إيه؟
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل السابع عشر 17 - بقلم ولاء رفعت
فيروز: يا نهار مش فايت، أعمل إيه أنا دلوقتي وأنزل إزاي بالمنظر ده؟
كانت تولي ظهرها له، وهو يراقبها بعد أن وضع الزكيبة جانبًا بدون أن تشعر به.
أحمد بداخل نفسه: يا لهوي على القشطة دي، هو فيه كده؟ يا ترى دي أجنبية ولا إيه؟ أكيد مش من بلدنا دي، البنات هنا عايزين يترموا في مصرف المجاري.
فيروز انحنت بجسدها للأمام وهي تخلص قماش تنورتها الممزق من القطعة الخردة لتستر بها جسدها قبل أن يراها أحد.
رأى أحمد ذلك فتملك منه شيطان الهوى والشهوات، فاقترب منها بحذر وكاد أن يجذبها من خصرها لتعتدل من وقفتها واستدارت بفزع.
فيروز: أنت مين؟! وعايز مني إيه؟!
أحمد بنظرات ذئب يريد التهام فريسته: ده أنا اللي مفروض أسأل السؤال ده، أنت اللي مين يا...
فيروز في محاولة ستر ساقيها العاريتين وتقول له بصوت مرتجف: ابعد عني لو سمحت بدل ما أصرخ وألم عليك كل اللي في البيت.
اقترب منها أكثر وقبض بكفيه على خصرها بقوة وبصوت كالفحيح: صوتي براحتك، كلهم متجمعين عند عمي تحت ومحدش هيسمعك وهاخد اللي أنا عايزه منك.
في نفس ذات اللحظة تقف سمر مراقبة ما يحدث، لكن متوقفة على الدرج وتعلم ما سينوي عليه أحمد ولم تفعل أي شيء ليستوقفها صوت والدتها وهي تنادي عليها من الفناء في الأسفل.
اعتماد: ياااااا سمر... أنت يا زفتة.
انسحبت سمر على أطراف أنامل قدميها حتى لا يشعر بها أحمد وفيروز ونزلت مسرعة على الدرج حتى وصلت لوالدتها.
اعتماد بصوت غاضب: أنت يا مصيبة كنت فين وسيباني أنده عليكي؟
سمر بنبرة مترددة: أنا... أنا...
اعتماد ترمقها بنظرات متفحصة: مالك يا بت مش على بعضك كده؟! وكنت بتعملي إيه فوق؟ مش قولتلك روحي اندهي على خالك حافظ.
سمر: أصل... أصل كنت...
قاطعهما صوت صراخ مدوي في كل أرجاء البناء ليخرج كل من في المنزل على الدرج.
سعد: يا ساتر يا رب، مين اللي بيصوت كده!
آمال وقد شعرت بغصة في قلبها: استرها يا رب.
نظرت اعتماد لابنتها بشك وريبة... وسمر كانت كالصنم المتجمد.
ودلف من الخارج للفناء خالد وهو يلهث: فيه إيه؟ إيه الصويت ده؟
انسحبت اعتماد من بينهم وصعدت لأعلى.
***************************************************
وصل صقر أخيرًا لينزل درج الطائرة بمطار مدينة الخارجة بمحافظة الوادي الجديد، واستقبله شاب في بداية الثلاثينات يدعى أمير، يعمل بالداخلية ويكون مرافق لصقر في تلك المهمة لأنه من سكان تلك المحافظة ولديه علم بكل شيء فيها، مداخلها ومخارجها والطرق.
أمير مبتسمًا: أهلًا أهلًا، نورت يا فندم.
صقر وهو يصافحه: أهلًا وسهلًا يا أمير، مش اسمك كده برضه؟
أمير: صح يا فندم.
صقر: أفندم مين ده؟ أنت أكبر مني بخمس سنين.
أمير: حضرتك سيادة النقيب وأنا لسه ملازم أول.
صقر: إشمعنا كده؟
أمير: ظروف يا فندم... ما تشغلش بالك بيا وتعالى معايا عشان نروح على الفندق اللي هتقعد فيه.
صقر: يلا.
خرج الاثنان سويًا من المطار وركبوا سيارة أجرة حتى وصلا أمام إحدى الفنادق التي يتردد عليها السياح... دخلا للفندق وأخذت موظفة الاستقبال بياناتهم ثم صعدا للغرفة ليدلف صقر وتوقف أمير: أسيبك أنا يا فندم، حضرتك تستريح النهارده وبكره هاجيلك الصبح.
صقر: طيب ماشي، هستناك وتيجي نفطر مع بعض.
أمير: تمام يا فندم.
صقر: سلام.
أغلق الباب ووضع حقيبته جانبًا ليرتمي بجسده على التخت وهو يتنهد بقوة ثم أخرج من جيب بنطاله هاتفه الخلوي وفتح ملفات الصور ويتأمل في صورة مع فيروز عندما كانا بالمركب الشراعية... قرب شاشة الهاتف من شفتيه ليقبل صورة فيروز وهو يقول: وحشتيني أوي يا روحي وقلبي وعقلي وكل دنيتي... كلها أيام وإن شاء الله هاقبض على الكلاب دول وأوصلك حتى لو كنت في آخر الدنيا.
***********************************
توقف إياس أمام إحدى المستشفيات الخاصة.
إياس: خليك هنا وإياك تتحرك، وأنا كده كده هاقفل أبواب العربية.
رنيم بخوف: ممكن أجي معاك عشان أطمن عليك؟
نظر لعينيها ليجد نظرات حب وحنان له، لكنه تذكر ما حدث ليتجهم وجهه وصاح بها: لاء، خليك هنا ما تتحركيش.
قالها وصفق الباب وقفل الأبواب بريموت التحكم..... ثم دلف للمشفى واتجه نحو قسم الطوارئ وقابل طبيب يبدو أنه في نفس عمره.
الطبيب: إيه ده إياس! والله وليك وحشة يا صاحبي... صافحه بالعناق.
إياس تألم من الجرح: إزيك يا سامي، عامل إيه؟
نظر له سامي ليجد ذراعه غارقًا بالدماء: إيه اللي عورك كده؟
إياس: ما فيش خناقة كده.
سامي بصياح لإحدى الممرضات: سهام يا سهام.
سهام: نعم يا دكتور.
سامي: حضري أدوات الخياطة بسرعة والحقيني على الأوضة.
إياس: بأقولك بالله عليك بسرعة خيطها عشان معايا ناس في العربية بره.
سامي: حاضر بس خد بالك هيتعبك، ده جرح عميق وهاياخد غرز كتير.
إياس: مش مشكلة بس وحياة أبوك انجز.
سامي: حاضر يا أبو لسان طويل.
ذهبوا للغرفة الخاصة به وجاءت الممرضة خلفهم وناولت سامي الأدوات لينظف الجرح أولًا ثم قام بخياطته عدة غرز.
إياس وهو يزفر بألم: خلصت خلاص؟
سامي: أيوه يا سيدي، روح بقى شوف الناس اللي معاك بس استنى أكتبلك على مضاد حيوي عشان الجرح يلم ومسكن عشان الألم والسخونية اللي هاتجيلك.
إياس: حاضر، أكتبهم وبطل رغي.
سامي انتهى من كتابة ورقة العلاج وأعطاها لإياس الذي أخذها منه تاركًا إياه بدون سلام وتوجه للخارج ليصل إلى السيارة ودلف إليها وشغل المحرك وانطلق بها.
رنيم: إياس أنت بخير؟
إياس كان لا يرد عليها.
رنيم: أنت واخدنا على فين؟
إياس بغضب: ممكن ما أسمعش صوتك خالص.
******************************
فيروز مستلقية على الأرض وهي تبعد بكل قوتها أحمد الجاثي على ركبتيه فوقها وهو يحاول تمزيق ثيابها ويلهث كالذئب المنقض على فريسته.
فيروز بصراخ: الحقونيييييييييييييييييييي... يا ماماااااااااااااااااااااااااااااا، خااااااااااااااالد!
والآخر يصفعها بقوة لتصمت...
أحمد: اخرسي يا بت بدل ما أسكتك خالص.
نجح في محاولته ليمزق قميصها حتى تعرى كتفيها وهمّ بفمه الكريه لينهل على جسدها فأوقفه فجأة.
اعتماد بصوت جلي: واد يا أحمد.
التفت للخلف ليرى عمته فقام على الفور واعتدل.
أحمد بخوف: عمتي!
ركضت اتجاهه لترى فيروز تبكي بصراخ وممددة على الأرض وتمسك بثيابها.
اعتماد وهي تلطم على صدغيها: يا لهوي يا لهوي، عملت فيها إيه يا ولاه؟
أخذت تضربه على ظهره وتصرخ به: الله يخرب بيتك، عملت فيها إيه، أنت مش عاتق حد ليه؟
وجاء خلفها على الفور سعد وحافظ الذي جاء صوت الصراخ وآمال وخالد الذي عبر من بينهم مسرعًا ليروا جميعهم هذا المشهد.
خالد مثل البركان الثائر وبكل قوة اتجه نحو أحمد وألقى به على الأرض وجثى فوقه وضربه بكل ما أوتي من قوة وهو يصرخ به: يا ابن... يا و... مش مكفيك اللي عملته زمان ولا فاكرني ناسي... وربنا ما أنا سايبك.
كان أحمد يقاومه لكن محاولته باءت بالفشل لفرق البنيان الجسدي بينهما فخالد أقوى جسديًا منه.
اعتماد وهي تصرخ: سيبه يا خالد ده هيموت في إيدك.
آمال كانت تحتضن ابنتها وقامت بستر جسدها بشال كانت ترتديه.
فيروز كانت تنظر لهم جميعًا وتصرخ بهستيريا: ابعدوه عنييييييييي، الكلب ده!
آمال وهي تربت عليها: اهدي يا بنتي اهدي.
حافظ: خديها يا أم فيروز على تحت واقفلوا عليكوا الشقة.
سعد بنبرة رجاء: خلاص يا خالد، أبوس إيدك يا ابني.
خالد بصوت متهدج: لا مش هأسيبه غير لما آخذ حق فيروز وحق...
قاطعه والده: خلاص يا ابني ما هي راحت للأحسن مننا كلنا.
توقف خالد عن ضرباته لأحمد ونهض من مكانه وينظر للجميع بدموع أسيرة بعينيه وأشار محذرًا: وقسمًا بربي لو فكر بس يقرب من فيروز لتكون نهايته على إيدي وأرمي جثته للديابة ياكلوه.... قالها وتركهم ونزل للأسفل.
اعتماد نظرت لابنتها التي تقف في زاوية وتقضم أظافرها فاقتربت منها بصوت تتوعد لها: الحقيني على الشقة بسرعة.
*****************************************
أمام إحدى القصور الفخمة يقف بسيارته الفارهة ذات الدفع الرباعي، ينزل منها السائق واتجه لباب السيارة ويفتحه له لينزل من السيارة بكبرياء وشموخ ويعتدل من مظهر رابطة العنق التي يرتديها... ركض إليه أحد حراس القصر قائلًا: أهلًا وسهلًا بيك يا فندم، الباشا في انتظار سعادتك.
دلف للقصر وعلى وجهه ابتسامة ماكرة حتى وصل أمام مكتب يمتاز بالفخامة والرقي وأثاثه الوثير والتحف والديكورات المنحوتة بأشكال مبهرة تجعلك لا تمل من النظر إليها.
دلف للمكتب بهيبته المعتادة: بونسوار يا معالي الباشا.
أجابه رجل يبدو عليه الهيبة تتميز ملامحه بالوسامة على الرغم من كبر سنه، ذو بشرة شديدة البياض وشعر كثيف يملؤه الشيب فارع الطول وعريض المنكبين.... يمسك بيده سيجارة من النوع الفاخر وأخذ منها نفسًا وزفره وأردف: تعالى اتفضل يا بيبرس.
بيبرس: أخبارك إيه يا باشا؟
شوقي: هاتكون إيه غير زفت وقطران طول ما الزفت ده بيعمل مصايب وأنا عمال ألم من وراه.
بيبرس: معلش يا باشا، ما حضرتك في مقام والده مهما كان ده ابن أخوك.
شوقي: قصدك تقول عملي الأسود.
بيبرس بابتسامة: على فكرة هو واخد طبعك أيام الشقاوة.
شوقي: بس أنا ما كنتش غشيم زيه، كنت بتشاقى بذكاء وما بخليش حد يمسك عليا غلطة واحدة.
بيبرس: طول عمرك برنس يا باشا وإحنا بنتعلم منك.
شوقي: قولي عدنان عمل إيه؟
بيبرس: عيب يا باشا، ده عدنان الحاروني محامي ابن سوق ويعرف يخرج النملة من بطن الفيل.
شوقي: والله لولا مكانتي وسمعتي في البرلمان لكنت سيبت الكلب ده محبوس، إن شاء الله يعدموه، أهو أرتاح من بلاويه.
بيبرس: ما تقلقش يا باشا، كله تحت السيطرة وقدام عينينا ما بنفرقهوش ولا لحظة.
شوقي: إيه أخبار العملية بتاعت الواحات؟
بيبرس: كله تمام وعرفنا إن الداخلية سنت سكاكينها وفاكرنا نايمين على ودننا.
شوقي: مش عايز غلطة يا بيبرس، أنت المسؤول عن كل حاجة وياريت تشرف بنفسك العملية بنفسك.
بيبرس: تحت أمرك يا كينج، وخليني أغير جو بالمرة.... قالها وهو ينظر بابتسامة خلفها وجه آخر لوحش كاسر.
*******************************************
في منزل اعتماد.... دلفت سمر لمنزلها ففزعت عندما وجدت والدتها تجذبها بعنف للداخل وصفقت الباب بقوة.
سمر بخوف: براحة يا ماما، فيه إيه؟
اعتماد بوجه عابس: أنا برضه اللي فيه إيه؟ انطقي يا بت إيه اللي حصل فوق قبل ما نطلع ونشوف المفضوح ابن خالك.
سمر بصوت بنبرة تردد وقلق: ما شوفتش حاجة زيي زيك.
اعتماد وهي تجذبها من حجابها وتعنفها: وحياة أمك؟!
وربنا لو ما نطقتي يا سمر هاقلع الشبشب وأنشره على دماغك.
سمر جاءت لها فكرة شيطانية: سيبيني يا أمي وأنا هاقولك على كل حاجة.
في نفس الوقت، خالد كان خارج المنزل حتى يهدأ من غضبه، ثم دلف للداخل وصعد إلى منزله. وكاد يفتح الباب بالمفتاح الخاص به، تذكر أن زوجة عمه وابنتها بالداخل فطرق الباب.
والدة خالد وهي تفتح له الباب: تعالي شوفي مرات عمك.
خالد: فيروز كويسة؟
خرجت آمال من إحدى الغرف وبصوت مزيج من البكاء والغضب: خالد يا ابني لو سمحت احجز لنا تذكرتين لأتوبيس بتاع 8 بالليل.
خالد: اهدي بس يا مرات عمي.
آمال: لأ مش أهدى، أديك شايف ابن عمك كان هيضيّع لي البنت، عايزاني أستنى إيه ثاني!
اقتربت منها والدة خالد وأخذت تربت عليها: اهدي يا أم فيروز، ما هو خالد خد لها حقها، ده غير اللي سعد هيعمله فيه.
خالد وهو ينظر اتجاه الغرفة التي بها فيروز: هي فيروز كويسة دلوقت؟
ليوقفهم طرق باب المنزل، وكان الطارق اعتماد التي كانت تهمس لسمر: متأكدة يا زفتة من الكلام ده؟
سمر بهمس: آه والنّعمة يا أمي مش باكذب.
فتح لهم خالد: اتفضلي يا عمتي.
دلفت اعتماد وهي ترفع أحد حاجبيها وتلوي فمها جانبًا في تهكم واحتقار.
وبنبرة فاجأتهم جميعًا: ويا ما لسه هنشوف من المصريّة وبلاويها.
آمال بنبرة محذرة: تقصدي إيه يا اعتماد؟
اعتماد بسخرية: ما هو لو أنتِ كنتِ ربيتيها كويس ولبّستيها الحجاب وعلّمتيها عاداتنا وتقاليدنا ما كانش حصل اللي حصل ده.
خالد بغضب: في إيه يا عمتي؟ حصل إيه؟ ما هو كلنا طلعنا لقينا الـ... ابن أخوكي بيعتدي عليها ومش جديد عليه.
اعتماد وتنظر لابنتها: احكي لهم يا بنت اللي شوفتيه قبل ما نطلع.
سمر بقلق وتوتر واضح: أأأ... أنا ما أعرفش حاجة.
اعتماد اقتربت من بنتها ولكزتها على ظهرها: ما تنطقي يا بنت الـ... اللي حكيته لي فوق.
***********************************
رنيم ترقرقت عبراتها لتنزلق على وجنتيها، وهو لاحظ ذلك من طرف عينيه ليجذب منشفة ورقية من العلبة التي أمامه على التابلوه.
إياس: اتفضلي.
رنيم ببكاء: لا مش عايزة، شكرًا.
أوقف السيارة فجأة واقترب منها وأمسك وجهها بأطراف أنامله وجفف دموعها بالمنشفة، وكان وجهها كالملاك وهي تبكي فشعر بغصة بقلبه. تنهد ثم قال: ممكن تبطلي عياط؟ أنا ما بأحبش أشوف دموعك خالص.
رنيم خفق قلبها بقوة فخجلت ونظرت للأسفل. فرفع وجهها بيده وتأمل عينيها وأردف قائلًا: دموعك دي لما بتنزل كأنها سكاكين بتقطع في قلبي، يرضيكي يعني؟
قالها وابتسم ليزداد وجهه وسامة وجاذبية. وهي ابتسمت أيضًا له وظل شاردًا بعينيها ولم يشعر بحاله ليقترب منها بشفتيه ليقبلها، فأوقفه أحد ما يطرق على زجاج نافذة الباب المجاور له.
إياس: أوف، ده وقته!
عادت رنيم بجسدها للخلف في خجل عندما أدركت ما كان سيفعله إياس لها.
إياس فتح النافذة ليجد أمامه أمين شرطة لإحدى الدوريات التي تتجول بالمناطق.
الأمين: بطاقتك لو سمحت؟
إياس بتكبر: نعم؟ سمعني ثاني؟
الأمين: باقول بطاقتك وبطاقة الهانم اللي جنبك. سيادتكم قاعدين جوه عربية متفيمة في حتة يعتبر مقطوعة، هاتكونوا بتعملوا إيه؟
إياس نزل من السيارة وهو يزفر: استغفر الله العظيم، هي ليلة سودة من أولها.
الأمين: احترم نفسك عشان كده كده هاجُرّكم أنتم الاثنين على القسم بتهمة ارتكاب فعل فاضح بالطريق العام.
إياس صفق باب السيارة وأقفل زجاجها حتى لا تستمع رنيم لحواره مع الأمين.
إياس: أنت قولت لي هاجُرّنا بتهمة إيه؟
الأمين وهو ينادي على زميليه: تعالوا خدوا الواد ده على البوكس.
إياس: ده أنت ليلتك سودة أنت وهم.
ثم أخرج من جيبه محفظته ليخرج منها بطاقته، ليرى الأمين من يكون، فجهّم وجهه وقال بنبرة مرتجفة: أنا... أنا آسف يا باشا والله ما كنا نعرف حضرتك سيد العارفين.
إياس: ماشي، روح خد جوز الجزم اللي معاك دول وغوروا من وشي دلوقت.
الأمين: تؤمر سعادتك.
قالها وركض نحو سيارته وذهب هو والعساكر.
دلف إياس لسيارته فتعجبت رنيم: هو ماله؟ عملت له إيه عشان يجري على البوكس كده؟
إياس: ما فيش، طلعت له كارنيه الشغل كان هيعملها على نفسه.
ضحكت رنيم ضحكة طفولية على أثرها ضحك إياس أيضًا، ثم انطلق بها إلى أن وصلوا إلى أمام منزلها. وقبل أن تنزل من سيارته أمسك يدها وقال: أوعديني إنك مش هاتكرري اللي عملتيه النهارده، ولو نفسك تخرجي وتتفسحي كلميني في أي وقت وأنا هاغرقك فسح.
ابتسمت له وأومأت له بالموافقة: حاضر أوعدك، بس أول ما تروح كلمني أطمّن عليك.
ابتسم وأغمض عينيه لبرهة إشارة للموافقة على طلبها: من عيوني يا قلبي.
احمرّت وجنتاها لتتركه وذهبت تركض لداخل المنزل على الفور.
ضحك إياس من تصرفها ذاك ثم انطلق بسيارته في اتجاه أحد أقسام الشرطة.
**********************************
سمر ارتجفت وارتعبت من والدتها ونظرت للجميع: أنا كنت طالعة فوق لقيت أحمد بيحط شوال العلف بتاع الفراخ على الأرض وفيروز شافته، قربت منه وقعدت تتمايع قدامه وتتكلم معاه وطلبت منه إنه يديها موبايله عشان تعمل مكالمة منه.
فيروز خرجت من الغرفة كالعاصفة: كذااااااااااااااااابة! والله العظيم كذابة! أصلًا ما شوفتكيش فوق، وابن خالك أنا اتفاجئت بيه ورايا ولقيته اتهجم عليّ.
اعتماد بتهكم: يا لهوي على الكهن ده، التاريخ بيعيد نفسه!
آمال بصوت غاضب جلي: وقسمًا بربي يا اعتماد لو ما لمّيتِ لسانك لـ...
قاطعهم خالد يصرخ فيهم: اسكتووووووو...! ثم أردف: وأنتِ يا سمر مش عارفة إن اللي بيرمي الناس بالباطل عقابه بيبقى إيه؟
سمر: أنا مش باكذب.
طرق حافظ الباب ثم فتحوا له ليدلف ويمد يده بهاتف خلوي: الموبايل ده بتاعك يا فيروز؟
فيروز كانت تنظر لوالدتها وهي مرتعِدة الأوصال: للأ... آه.
حافظ: آه ولا لأ؟
آمال نظرت لها بغضب جامح: بتاعي أنا يا أبو خالد.
ثم أشارت بعينيها لفيروز بأن تدلف للغرفة فذهبت فيروز وأغلقت الباب خلفها.
حافظ: حقك عليّ أنا يا أم فيروز، ده عيل و... ومش متربي.
اعتماد بسخرية: يعني هيعمل كده من غير سبب يا حافظ؟
حافظ: جرى إيه يا اعتماد! لمّي لسانك، دول مهما كان مرات أخونا وبنت أخونا.
اعتماد: هي مرات أخونا وعارفين، لكن فيروز بنته أشك.
تلوّن وجه آمال للاصفرار وبنبرة متهدجة: أنتِ بتخرفي بتقولي إيه؟
اعتماد وهي تلوح بيديها في الهواء: باقول اللي ساكتين عليه من زمان.
حافظ بنبرة تحذير وغضب وهو يرمق اعتماد: اعتمااااااااااد!
اعتماد: بلا اعتماد بلا نيلة... اللي عايزة أفهمه للحلوة هي وبنتها إن أخويا الله يرحمه كان متجوز وطلق قبل ما يعرفها وسبب طلاقه إنه كان عنده مشاكل في الخلفة.
************************************
حافظ بصوت جلي: اعتماااد! خذي بنتك واطلعي على شقتكم يلاااا!
آمال لم تكن قادرة أن تنبس بكلمة أو حرف واحد وترقرقت عبراتها من أهدابها لتَدلف للغرفة وتصفق الباب خلفها.
غادر كلا من اعتماد وابنتها وهي تهمهم بكلمات غير مفهومة، وخالد يقف في حالة اندهاش وتعجب. ووالدته دلفت للمطبخ لتعد الطعام.
خالد واقترب من والده: بابا أنا مش فاهم حاجة، عمتي قصدها إيه بكلامها ده؟
حافظ: ما لكش دعوة بكلام عمتك، ما أنت عارفها بتقعد تخترف بكلام.
آمال كانت بالداخل تقف خلف الباب وتنهمر الدموع من عينيها، فاقتربت فيروز منها.
فيروز: والله يا ماما أنا أخدت الموبايل عشان...
آمال أسكتتها بإشارة وهي تضع سبابتها أمام فمها: هشّشّشّشّ! مش عايزة أسمع حاجة. أنتِ قليلة الأدب، إيه اللي خلاكِ تخرجي بره الشقة وتطلعي السطوح فوق؟ ولما لقيتي الواد فوق ما نزلتيش على طول ليه؟
فيروز بصدمة: أنتِ صدقتي كلام الزفتة اللي اسمها سمر دي!
آمال وهي تصب غضبها من اعتماد لتخرجه على ابنتها: اسكتي خالص، أخدتِ الموبايل من ورايا عشان تكلمي حبيب القلب! ها؟ فاكراني عبيطة يا بنت؟ وطبعًا هاتلاقي الزفت الثاني سمعك وأنتِ بتكلميه فاستغل الفرصة وحب ياخد تمن سكوته.
فيروز بعدم تصديق وبصراخ: حررررررررررررررام عليكِ! أنا بنتك وأنتِ عارفاني وعارفة أخلاقي.
آمال وهي تولي ظهرها لها وتكفكف دموعها: بطلي تمثيل وقومي جهزي الشنط عشان راجعين القاهرة.
فيروز كانت في حالة صدمة وذهول من سوء ظنون والدتها بها، فشعرت باختناق وركضت مسرعة خارج الغرفة وغادرت المنزل بأكمله وهي تركض ولا تعرف إلى أين تذهب.
خرج خالد من المرحاض بعد أن توضأ ليقابل زوجة عمه وهي تستنجد به: خالد يا ابني، روح شوف فيروز راحت فين.
خالد: هي خرجت بره؟
آمال: آه، أصل كنت بازعّق لها فسابتني وجريت على بره مرة واحدة. روح الحقها يا ابني.
خرج خالد مسرعًا وهو يبحث عنها بعينيه في كل اتجاه ولم يجد لها أثرًا.
******************************************
وصل إياس أمام قسم الشرطة التابع للمنطقة التي يوجد بها الملهى الليلي. نزل من سيارته ودخل القسم ليدلف لإحدى المكاتب وألقى التحية.
الضابط: وعليكم السلام... اتفضل يا فندم، كله تمام سعادتك.
جلس إياس أمام الضابط ليجد باسل في حالة يرثى لها يقف وممسك به أحد العساكر. إياس نظر له بغضب وبصوت جلي: وحياة أمي لأربيك يا ابن الـ... وأعلمك الأدب من أول وجديد عشان تبقى تعملي فيها شبيح كويس.
باسل يرمقه بسخط: ولا تقدر تعمل لي حاجة أنت ولا اللي أكبر منك.
ثار غضب إياس وكاد ينهض ليطيح فيه باللكمات، استوقفه أحد العساكر وهو يدلف للمكتب: في يا فندم واحد واقف بره بيقول إنه محامي المتهم.
الضابط: خليه يتفضل.
باسل بابتسامة جانبية: مش قولت لك يا باشا...
قالها بسخرية.
دلف المحامي يعرف نفسه: أهلًا يا فندم، مع حضرتك عدنان الحاروني محامي باسل ضرغام...
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ولاء رفعت
ظلت تركض في طريق مجهول وهي تذرف عبراتها ولا تعلم إلى أين تذهب. أخذت تسير وهي شاردة فيما يحدث لها حتى قادتها قدماها إلى منطقة جرداء وهي عبارة عن إحدى الغرود الرملية. فانتبهت إلى وجود بناء على مقربة منها، فاتجهت نحوه. فالبناء على هيئة كوخ خشبي يحاوطه سياج من جريد النخيل وله باب من الخشب المتهالك، ومكتوب عليه بخط قديم الأزل: "منزل آل ضرغام". توقفت أمام الباب وهي تتأمل هذا المنزل القابع في منطقة خالية من حوله. قادها الفضول لتدلف إليه، وقبل أن تفتح الباب سمعت همهمات من الداخل فاسترقت السمع حتى سمعت أحدهم يقول:
"يا عم سيبيهم تحت كده كده بيبرس باشا هيبعت لنا رجاله بكرة عشان نسلم الحاجة."
رد عليه الآخر:
"آه لو التحف والتماثيل دي بتاعتنا كنا زمانا بقينا من الباشوات دلوقت."
الشخص الأول:
"شكلك ما اتعظتش للي حصل للبشمهندس علاء."
الآخر:
"اسكت ما تفكرنيش، ده أنا جتتي بتتلبش كل ما أفتكر منظر التابوت اللي اترمى فيه وهو صاحي ومليان تعابين وطريشة وعقارب."
شهقت بصوت مسموع وهي تستمع لحديثهم، ليفتح أحدهم الباب فجأة ليراها تقف وتضع كفيها على فمها في ذعر وخوف.
الشخص:
"أنتِ مين يابت وبتعملي إيه هنا؟"
فيروز تلجم لسانها وغير قادرة على الرد.
الآخر:
"تفتكر سمعتنا وإحنا جوه؟"
الشخص وهو يقترب منها:
"سمعتنا ولا ما سمعتناش، طول ما رجليها خطت المكان ده يبقى ناخدها ونرميها جوه لحد ما يجي بيبرس باشا ويشوف صرفة معاها."
فيروز تتراجع للخلف ثم ركضت بأقصى سرعة، والرجل ركض ورائها فتعثر في جريد به أشواك مسنونة ثم نهض وظل يركض حتى وصلا الاثنين أمام أحد منازل أهل القرية، وكان أمامه تجلس مجموعة من السيدات يتسامرن. رآهم الرجل فعاد أدراجه خشية أن تستنجد بهم فيروز ويفتضح أمره. سألت إحداهن:
"أنتِ يا قمر عايزة مين؟ شكلك مش من هنا."
فيروز بصوت متقطع:
"أنا أنا بنت أحمد سراج الدين."
نظروا لبعضهن بتعجب. أردفت فيروز:
"عن إذنكم."
قالتها وركضت مسرعة لكن ضلت طريق العودة للمنزل، وكانت تنظر خلفها خوفًا من أن يكون الرجل يتبعها. وفجأة اصطدمت به لتشهق بفزع.
فيروز:
"عااااااااااااااااااا خالد!"
خالد يشير إليها لتهدأ:
"اهدي ما تخافيش... أنتِ كنتي فين قلبت عليكي الدنيا."
فيروز وهي تلهث:
"أنا أنا كنت ماشية وفجأة توهت وروحت في حتة كده..."
صمتت حديث الرجلين فارتعبت.
خالد:
"مالك يا فيروز؟"
فيروز وهي تهز رأسها بالنفي:
"لا مفيش يلا بينا نروح."
خالد:
"لا قبل ما نروح عايزك تحكيلي إيه اللي حصل فوق السطح."
فيروز سردت له بكل ما حدث وأنها لم ترَ سمر قط، وأنها مندهشة أيضًا من اتهاماتها لها ولماذا تفعل معها ذلك.
خالد:
"معلش حقك عليا أنا، عمومًا لما نروح هاخدك أنتِ ومرات عمي أوديكو البيت بتاعي في القرية اللي جنبنا."
فيروز:
"هو أنت عندك بيت؟"
خالد وهو يتنهد:
"آه كنت بنيته بمالي الخاص عشان أتجوز فيه لكن..."
صمت ليردف:
"لكن ما حصلش نصيب الحمد لله على كل شيء."
فيروز:
"خالد كنت عايزة أفهم حاجة، هو ليه وأنت بتضرب في أحمد كنت بتقوله دي مش أول مرة؟ هو حاول يعتدي على سمر برضه؟"
خالد وتغيرت ملامحه:
"لا... وياريت نغير الموضوع ده."
فيروز بعدم اقتناع:
"طيب يلا عشان ما نتأخرش."
عادوا للمنزل وكانت والدتها تصر على السفر، فأقنعها خالد بالمكوث تلك الليلة وغدًا سيأخذهما لمنزله بقرية مجاورة. تقف فيروز في الشرفة تستنشق الهواء العليل، وإذا هي تنظر للأسفل لتجد الرجل الذي كان يركض خلفها يقف بجوار عمود إنارة أمام المنزل، فشهقت وعادت للخلف لكي لا يراها:
"يا نهار أسود ده عرف مكاني أعمل إيه دلوقت يا رب؟ ده لو مسكني ممكن يعملوا فيا زي صاحبهم اللي اتدفن حي... يا رب ابعدهم عني واحفظني من شرهم."
لتأتي إليها والدتها من الداخل وهي تنادي عليها.
آمال:
"فيروز أنتِ يا بت واقفة عندك في البلكونة بتهببي إيه؟"
اخفق قلبها بقوة عندما نظرت للأسفل لتجد الرجل ينظر لها محدقًا تتسع مقلتيه ويحذرها بإشارات بيديه، فشعرت بدوار يداهمها من الخوف حتى سقطت مغشيًا عليها.
آمال بصراخ:
"بنتي!"
في صباح اليوم التالي يستيقظ صقر بهمة ونشاط ودلف للمرحاض واغتسل وتوضأ وخرج ليؤدي فرضه.
رن هاتفه ليرد فكان أمير يخبره أنه قادم إليه، ومر وقت قصير ليأتي أمير ودلف إليه.
أمير:
"صباح الخير يا فندم... اتفضل."
قالها وهو يمد له بكيس بلاستيكي.
صقر:
"صباح النور يا أمير... إيه ده؟"
أمير:
"ده فضلة خيرك أمي بعتة لك عيش بيتي إحنا بنقول عليه عيش مرحرح وجبنة قديمة وعسل وطحينة."
صقر:
"هههههههههه تسلم إيديها وليه التعب ده؟"
أمير:
"ولا تعب ولا حاجة أصل هنا الفندق مش قد كده وأكله مش حلو مفيش أحسن من الأكل البيتي."
فتح صقر الكيس وأخرج منه بعض العلب ليفتح إحداها لتنبعث منها رائحة نفاذة.
صقر متأفف:
"أوووووووووف إيه ده يا أمير؟ الجبنة دي بايظة ومتعفنة كده ليه؟"
أمير:
"هههههههههههه لا يا فندم دي جبنة متعتقة زي الريكفورت اللي بتتباع في مصر عندكم."
صقر:
"لا يا عم أنا مليش في الكلام ده أصلاً وبعدين مش جعان دلوقت هفطر بعدين."
قالها ثم توجه للكومود وأخذ علبة السجائر الخاصة به وتناول واحدة وأشعلها بالقداحة، ورفع سماعة الهاتف الخاص بالغرفة وطلب كوبين من القهوة.
أمير:
"سجاير وقهوة على الريق يا فندم غلط على صحتك وإحنا ورانا مهمة مش سهلة."
صقر:
"أنا متعود على كده خلينا في المهم."
اتجه ليخرج من حقيبته ملفات ورقية وأخذ منها ورقة كبيرة مطوية عدة طيات فقام بفردها على الطاولة المستديرة بالغرفة، وقال:
"تعالى يا أمير شوف ده مخطط بالأماكن اللي هنحط في كل واحد فيه كمين ده غير الأكمنة اللي هتبقى وهمية."
أمير:
"خد بالك يا فندم رجالة شوقي ضرغام مش سهلين أبدًا دول مدوخينا من زمان خصوصًا إن شوقي واخد حصانة بسبب مكانته في البلد."
صقر:
"حصانته دي يبلها ويشرب ميتها... هوقع رجالته واحد واحد لحد ما هوصله."
في منزل أيمن، سلمى تعد حقيبة أيمن استعدادًا للسفر.
سلمى وهي تزفر بضيق:
"يعني كان لازم السفرية دي يا أيمن؟"
أيمن:
"ما قولتلك شغل جايلي منه رزق أقول لأ؟"
سلمى:
"ما هو أنا بصراحة من الآخر قلبي مش مطمن من السفرية دي و..."
قاطعها أيمن:
"بقولك إيه اطلعي من دماغي وبطلي تونبري بقى في أم المصلحة."
سلمى نظرت له بتعجب:
"أونبر؟ وأم مصلحة؟ إيه الكلام السوقي اللي بقيت تقوله ده يا أيمن دي مش أخلاقك."
أيمن يزفر بضيق:
"يووووووه مش هنخلص."
نهض من على السرير وهو يعبر من جوارها لكزها:
"أوعي كده."
كانت دفعة عنيفة لها فسقطت على التخت وارتطم ظهرها على خشبة التخت مما آلمها بشدة وهو كان بخارج الغرفة، ولم تتحمل الألم فصرخت:
"آآآآآآآآآآآآآآآآآآه!"
ركض أيمن ودلف الغرفة وقال بذعر:
"مالك يا حبيبتي؟"
سلمى ودموعها منهمرة من الألم في ظهرها:
"ضهري همووووووووت الحقني يا أيمن بطنيييييي."
قالتها بصراخ مدوي.
أمام المخفر الذي يوجد به باسل ينتظره بيبرس بعدما خرج من عند عمه شوقي ضرغام.
بيبرس بابتسامة ساخرة:
"كفارة يا باسولي."
باسل متأفف:
"كفارة ليه إن شاء الله؟ ده مجرد حتة محضر عبيط وفي الآخر خرجت غصب عن عين أم الواد الظابط ده."
بيبرس:
"ما هو لولا عمك وعلاقته كنت زمانك في الكلابوش."
باسل:
"تصدق أنت قفلتني منك أنا ماشي يا عم هاخد أي تاكسي."
بيبرس:
"رايح فين أنا جاي آخدك."
باسل:
"اللي بياخد ربنا يا عمو بيبرس."
قالها بسخرية، ثم أشار له:
"تشااااااااااو."
وأوقف إحدى سيارات الأجرة ودلف إليها.
السائق:
"على فين يا بيه؟"
باسل:
"روح عند .......... عارفه؟"
السائق:
"إن شاء المولى."
باسل:
"طيب زوق عجلك يا أسطى."
ثم حدث نفسه:
"وأنا هشوف بوز الأخص مايا دي هخليها تيجي تروق عليا شوية."
في الجهة الأخرى مايا كانت نائمة ليوقظها رنين هاتفها، فأجابت بصوت ناعس:
"ألو أيوه يا باسل."
باسل بنبرة معسولة:
"ألو يا قلبي أنتِ فين كده؟"
مايا:
"في البيت طبعًا."
باسل:
"طيب أنا رايح على الشقة البسي وتعالي وهاتي معاكي حتة لانجيري جامدة كده عشان تلبسهالي."
مايا:
"أوووووف حاضر."
باسل:
"يلا يا حتة ما تتأخريش."
مايا أغلقت:
"الله يحرقك يا شيخ."
في شركة الأسيوطي جروب للمعمار.
دلف أحد رجال حماد الأسيوطي لتستوقفه موظفة الاستقبال.
الموظفة:
"أيوه يا فندم عايز حاجة حضرتك؟"
الرجل:
"آه عايز حماد بيه في حاجة ضروري."
الموظفة:
"معاك معاه ميعاد مسبق؟"
الرجل:
"أنا بتصل عليه مش بيرد."
الموظفة رمقته بضيق:
"يبقى حضرتك تتفضل تمشي دلوقت."
الرجل:
"جرى إيه يا حلوة بقولك عايزه أقابله ضروري ولا البعيدة طرشة."
قالها بصوت مدوي، ليدلف محمد للشركة وسمع صياح ذلك الرجل.
محمد:
"في إيه يا حضرة؟"
الرجل:
"وأنت مين راخر؟"
محمد:
"لم لسانك لاخلي السيكورتي يجوا يرموك بره اتكلم بأدب."
الرجل ويزفر بضيق:
"الله يطولك يا روح... أنا عايز حماد بيه في حاجة ضروري."
محمد:
"هو مش موجود مسافر بره تبع الشغل... ممكن أعرف إيه هي الحاجة الضروري وأبقى أبلغه."
الرجل:
"أنت تبقى مين في الهلومة دي كلها؟"
محمد:
"أنا أبقى ابن حماد بيه... محمد."
الرجل وهو يحك رأسه من الخلف في تفكير:
"طيب طالما طلعت ابنه اتفضل الظرف ده واديهوله عشان كان مكلفني بيه وأنا بتصل عليه عشان أديهوله مبيردش... وأنت ابنه تبقى في بيتها خلاص."
محمد بتهكم:
"طيب يا أستاذ أنا هديهوله واتفضل عشان إحنا مشغولين."
نظر له الرجل باحتقار:
"طب ما تزوقش طيب."
قالها وغادر الشركة.
حمل محمد الظرف ودلف للمصعد وهو يزفر:
"مش عارف إيه الأشكال اللي بابا بيشغلها دي."
وصل المصعد للطابق الموجود به مكتبه، خرج ثم دلف لمكتبه وجلس على إحدى المقاعد ليفتح الظرف من باب فضوله لينصدم بمحتواه.
أيمن ثار كالمجنون ينعت نفسه ويؤنبها فحملها مسرعًا وألقى على شعرها حجابًا وخرج بها من المنزل. شاهده أحد الجيران فجاء مسرعًا إليه:
"مالها ست سلمى يا أيمن؟"
أيمن بانهيار:
"الحقني يا عم جمعة بتاكسي بسرعة وقعت على ضهرها."
عم جمعة:
"لا حول ولا قوة إلا بالله تعالى يا ابني هاتها في العربية بتاعتي مفيش وقت ندور على تاكسيات."
أيمن:
"طيب بسرعة بالله عليك."
اتجهوا نحو سيارة من الطراز القديم عليها الكثير من الغبار الكثيف. فتح عم جمعة باب السيارة الخلفي ليدلف إليها أيمن وزوجته وهو ركب في مقعد القيادة وشغل المحرك بالمفتاح.
عم جمعة:
"كح كح استرها يا رب بسم الله وتوكلنا على الله."
انطلق بالسيارة إلى أن وصلوا أمام القصر العيني بعد وقت طويل قليلًا بسبب تزاحم المرور المعتاد.
خرج أيمن يحمل زوجته من السيارة ودلف المستشفى وهو يصرخ:
"الحقونا، مراتي حامل ووقعت على ضهرها."
جاءته إحدى الممرضات ذات جسد بدين، مقتضبة الوجه ومتأففة:
"إيه يا أخينا أنت، وطي صوتك، فيه عيانين هنا."
عم جمعة:
"معلش يا بنتي، مراته تعبانة، وقعت على ضهرها وهي حامل."
نظرت لهما بضيق:
"طيب تعالوا ورايا أدخلكم لدكتورة النسا، حظكم النهارده إنها لسه مخلصة كشوفات وفاضية دلوقت."
يحمل أيمن سلمى التي كانت ساكنة من كثرة الألم ووجهها شاحب.
الممرضة بنظرات متضايقة:
"استنوا هنا لما أقولها."
رن هاتف أيمن ولم يستطع الإجابة عليه.
خرجت لهما الممرضة:
"اتفضل يا أستاذ أنت والمدام بس..."
قالتها وهي ترمق عم جمعة.
ليدلف أيمن وهو يحمل زوجته. تعجبت الطبيبة من مظهر سلمى ذات الوجه الشاحب، فأشارت إلى تخت حديدي ليضعها عليه.
الطبيبة:
"اتفضل حطها على السرير واقعد على الكرسي اللي هناك عقبال ما أخلص."
ذهب أيمن نحو المقعد وجلس في توتر ويضع كفيه على وجهه:
"استرها معانا يا رب، أنت اللي عالم بحالنا."
انتهت الطبيبة من الفحص فقالت بصوت جلي:
"أستاذ أيمن، المدام الخبطة أثرت عليها وعلى الجنين، وجالها انقباضات في الرحم."
أيمن:
"يعني إيه مش فاهم؟"
الطبيبة:
"يعني لازم تولد بسرعة."
أيمن:
"اعملي اللي حضرتك عايزاه، أهم حاجة عندي هي."
الطبيبة:
"متقلقش إن شاء الله خير، كتير بيولدوا في السابع."
ثم اتجهت نحو مكتبها وضغطت على زر الجرس لتدلف إليها إحدى الممرضات:
"نعم يا دكتور، تحت أمرك."
الطبيبة:
"خليهم يحضروا لي غرفة العمليات بسرعة عشان معانا حالة طارئة."
الممرضة:
"حاضر يا دكتور."
قالتها ثم خرجت.
أيمن وقف بجوار زوجته وأمسك بكفيها:
"معلش يا حبيبتي حقك عليا، والله ما كنت أقصد، أنا كنت متضايق."
سلمى بصوت وهن:
"متسبنيش يا أيمن، خليك جنبي أنا خايفة."
أيمن:
"ما تخافيش يا روح أيمن، هفضل جنبك مش هسيبك غير لما تقومي بالسلامة أنتِ وولادنا اللي هيشرفوا كمان شوية."
دلف للغرفة ممرضتان ومعهما سرير حديدي نقال ما يخص العمليات الجراحية.
الممرضة:
"لو سمحت يا أستاذ عن إذنك عشان هناخد المدام نحضرها للعملية."
رن هاتفه ليخرجه وينظر به، وجد المتصل رقم مجهول فعلم أنه بيبرس. فتذكر ميعاده معهم.
في منزل باسل الذي يخصصه للملذات وشهواته الدنيئة.
باسل يدلف لمنزله ووجد مايا سبقته وجاءت قبله.
باسل بسخرية:
"أهلاً يا ست البنات."
مايا تنظر له باحتقار:
"ست البنات!"
باسل واقترب منها محاوطًا لخصرها:
"ما تيجي جوه أقولك إنك ست البنات ولا ست الـ..."
مايا أبعدت يديه من على خصرها ونهرته:
"أنت على طول مفيش في دماغك غير كده وبس."
باسل:
"نعم يا روح أمك، أومال أنتِ جايالي هنا تشوي درة!"
مايا تبكي بشدة:
"باسل أنا تعبت من القرف ده، وأنت ما بتاخدش خطوة واحدة، ناقصك إيه يعني عشان تيجي تتجوزني؟"
نظر لها بهدوء الذي يسبق العاصفة واقترب منها ليجذبها من خصلات شعرها بأكمله ويصرخ في أذنها:
"أنا قلتها لك ميت ألف مرة، أنا مش بتاع جواز، وأنتِ وافقتي على كده من بداية علاقتي بيكي، ولا تحبي كل واحد يروح لحاله أحسن؟"
تذكرت مايا حملها منه وهو لم يعلم بعد، فخشيت أن يتركها وهي لا تريد الابتعاد عنه على الرغم من إهاناته المبرحة لها.
مايا بنبرة رجاء:
"لأ بليز يا باسل، أنت عارف أنا مليش غيرك وبحبك."
باسل يبتسم بمكر الثعالب:
"يبقى خلاص يا مزة، تسمعي اللي هقولك عليه تبقي حبيبتي وروح قلبي، كمان هتعصي أوامري وتعاندي معايا، ملكيش عندي وقتها غير رمية الكلاب... سامعة؟"
مايا:
"آه سامعة سامعة."
ترك شعرها من يده وأردف:
"خلاص قومي البسي لي اللي أنتِ جايباه عقبال لما آخد شاور وجايلك."
مايا بتصنع:
"أوبس أنا نسيت."
باسل:
"خلاص وأنا مش هستنى الشاور أصلي..."
نظر لها بشهوة ليحملها ويأخذها في غرفته ليفعلان علاقة آثمة حرمها الله بدون زواج شرعي.
أيمن:
"ده وقتك يا زفت أنت."
أجاب الاتصال:
"ألو."
بيبرس:
"ألو يا أيمن، مش بترد ليه؟ عمال أتصل بيك من بدري."
أيمن بصوت مختنق:
"أصل مراتي تعبت فجأة وأخدتها على المستشفى، قالوا لي هتولد."
بيبرس:
"آه هتولد؟ ألف مبروك يا أيمن مقدمًا. بس المفروض نص ساعة وتقابل الرجالة عشان هتسافروا."
أيمن:
"ما هو حضرتك قلت لك مراتي بتولد."
بيبرس بغضب جامح:
"هي كلمة يا أيمن، وأنت عارف قوانين العقوبة عندنا إيه، تمشي دلوقت وكلم حد من قرايبك يقعد معاها، وإلا..."
أيمن بخوف:
"حـ... حـ... حاضر حاضر يا باشا تحت أمرك."
بيبرس:
"كده أنت تبقى حبيبي. يلا قدامك ساعة والرجالة هتاخدك من قدام النادي اللي كنا فيه."
أيمن:
"حاضر يا باشا... سلام."
أغلق أيمن هاتفه وهو يلعن ذلك الشيطان المتمثل في جسد بشر لا تعرف الرحمة طريقًا لقلبه.
قام بمهاتفة خالة سلمى وأخبرها بأنها بغرفة العمليات وسيولدونها اليوم. وهي قامت بتلبية ندائه وأتت على الفور.
أيمن قلبه يعتصر ألمًا لأنه سيترك زوجته في ذلك الظرف. أعطى لخالة زوجته بعض المال لتجلب كل ما تحتاجه زوجته ومصاريف ولادة وما يتبعها.
الخالة:
"وأنت هتروح فين؟ أنا العيال قاعدين عندي ومعاهم بنتي وجوزها متخافش عليهم."
أيمن:
"أنا رايح بس هعمل مشوار ضروري وجاي."
الخالة:
"حاضر يا ابني، ربنا معاك ما تتأخرش وتعالى بسرعة."
أيمن:
"حاضر..."
خرج من المستشفى وهو يلعن اليوم الذي أدخله في وكر هؤلاء الجبابرة.
عم جمعة وهو مسرع إليه:
"إيه يا ابني عاملة إيه؟"
أيمن:
"بيولدوها فوق قيصري."
عم جمعة:
"وأنت رايح فين؟"
أيمن:
"هشتري لها حاجات."
عم جمعة:
"أجي أوصلك؟"
أيمن:
"لا شكرًا. هاخد تاكس أسرع."
ذهب أيمن وركب سيارة أجرة وعاد لمنزله ليجلب حقيبته ثم عاد مرة أخرى اتجاه نادي الصيد ووجد السيارة تنتظره ودلف معهم للسيارة وانطلقت بهم لطريق الواحات حيث مصير مجهول ستنقلب بعده لأحداث غير متوقعة.
بعد ما انتهيا من الفاحشة، تمدد بجانبها وأخرج من درج الكومود كيس صغير من الهيروين وأخذ من محفظته ورقة نقدية وأبرمها بشكل اسطواني وأفرغ محتويات الكيس ليستنشقه عبر الورقة المبرومة.
باسل باستنشاق:
"آه يااااه، الصنف ده جامد قوي."
ثم نظر لمايا وأردف:
"بس مش أجمد منك يا وحش."
مايا كانت مستلقية كالجثة الهامدة، وجهها هربت منه الدماء وشفتيها زرقاويتين. فزع باسل من مظهرها ذاك فأمسك بمعصمها ليقيس النبض، وجد نبضها يكاد ضعيف. أزاح الغطاء من على جسدها ليجد بركة من الدماء تنزف منها.
باسل بصياح:
"يا نهااااااااااااااااار أسود، أنتِ جاية تموتي هنا؟"
نهض مسرعًا وارتدى ملابسه وأخذ ملابسها الملقاة على الأرض ليلبسها إياها ثم حملها وفتح الباب ونادى على البواب بصوت جلي:
"أنت يا عم عبده!"
صعد له مسرعًا:
"أيوة يا باسل بيه."
باسل:
"خد من جيبي مفتاح عربيتي بسرعة وافتحهال وقبلها اقفل الشقة."
عبده:
"حاضر يا بيه... ربنا يتوب علينا من الأشكال دي."
باسل:
"أنجز يا زفت وبطل برطمة."
فتح عبده باب السيارة لباسل فألقى به مايا وربط لها حزام الأمان والتف ليركب في مقعد القيادة وانطلق بالسيارة على إحدى المستشفيات الخاصة.
وصل في سرعة البرق لينزل من سيارته ثم التف ليأخذها من الجهة الأخرى وحملها ودلف بها للمستشفى وأخذها على غرفة الطوارئ وقام أحد الأطباء بإسعافها على الفور وبعدما انتهى ذهب لباسل المنتظر خارج الغرفة.
الطبيب:
"حضرتك تبقى جوزها؟"
باسل بتردد:
"لأ قصدي آه، هي مالها؟"
الطبيب:
"أنت مش عارف حضرتك إنه من الخطر إنك تقرب منها في أول 3 شهور وخاصة لحالتها."
باسل بوجه متجهم:
"قصدك إيه؟"
الطبيب:
"المدام بسببك جالها نزيف حاد والحمد لله لحقناها بسرعة والحمد لله قدرنا نلحق الجنين."
باسل في ذهول:
"جنين!"
الطبيب:
"بس لسه الخطر موجود عشان كده هنسيبها تحت الملاحظة 48 ساعة."
باسل وضع كفيه على رأسه بحسرة:
"يخربيت أهلك يا بنت الـ... حملتِ عشان تدبسيني... وربنا لما تفوقي بس شوفي هعمل فيكي إيه."
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ولاء رفعت
بداخل مخفر تابع لواحة الداخلة بمحافظة الوادي الجديد.
حافظ وشقيقه سعد يقفان خارج المكتب الذي يجلس به صقر، وسعد يلعن اليوم والساعة التي أصبح فيها أحمد ابناً له.
حافظ يربت على كتف شقيقه ويواسيه:
"متعملش في نفسك كده يا أخويا، للسكر والضغط يعلوا عليك وتطب ساكت."
سعد بخيبة أمل وعبرات أسيرة بعينيه:
"يا ريت أموت وأرتاح منه ومن عمايله، من يومه وهو مطلع عيني وعين أمه الله يرحمها اللي ماتت بحسرتها بسبب اللي عمله في أسماء الله يرحمها."
حافظ تنهد بحزن:
"ربنا يرحمهم جميعًا."
خرج من المكتب أحد العساكر فأوقفه حافظ قائلًا:
"والنبي يا حضرة قولنا الباشا فاضي ندخله ولا لأ، إحنا بقى لنا ساعة واقفين لما رجلينا ورمت."
العسكري:
"والله علمي علمك يا حاج، وكلام في سرك شكله شديد ومبيرحمش، فأنتوا حاولوا تستعطفوه عشان ابنكم يخرج بدل ما يلبس قضية."
سعد بضيق ممزوج بغضب:
"يا ريت يتحبس أحسن ويريحني من مصايبه."
حافظ:
"اهدى يا سعد ده مهما كان ابنك."
استوقفهم رنين جرس النداء الذي ضغط عليه صقر من الداخل، ليدلف العسكري وما لبث إلا ثوانٍ معدودة ثم خرج:
"اتفضل يا حاج منك له."
دلف كلا من سعد وحافظ والحزن سارٍ على ملامحهم الواجمة. ألقى حافظ السلام على صقر الذي كان يجلس على مكتبه بكل شموخ وكبرياء يزفر دخان سيجارته التي اقتربت على الاحتراق كاملًا، مثل قلبه الذي يحترق لوعة واشتياق لمحبوبته.
صقر:
"وعليكم السلام... اتفضلوا يا حضرات."
قالها وهو يشير إليهم للمقاعد أمام مكتبه فجلسا.
حافظ بنبرة رجاء واستعطاف:
"من غير مقدمات يا باشا، طبعًا حضرتك عارف إن إحنا أهل الشاب اللي مسكته أحمد سعد سراج الدين، أنا عمه وده أبوه."
صقر زفر بقوة:
"أهلًا وسهلًا، وما دام دخلتي لي دوغري أنا هاجيبها لكم من الآخر، ابنكم هيلبس قضية تعاطي لأن من حظه الأسود إنه وقع في الكمين اللي أنا ماسكه."
حافظ:
"والله إحنا عارفين إنه شاب طايش ومش متربي، بس عشان خاطر أبوه اللي مش قادر ينطق بكلمة من التعب، نحلها ودي ونطلعه بكفالة حتى."
صقر ضرب بقبضته على سطح المكتب وبصوت هادر:
"طايش وقليل الأدب يبقى يتربى، وأنا اللي هربيه ما دام أبوه ما عرفش يربيه."
نظر سعد لحافظ بوجه مسود وقال بوهن:
"إحنا آسفين يا باشا... يلا يا حافظ عشان ما ينفعش نسيب الحريم لوحدهم وابنك مش هناك."
حافظ نظر لصقر الذي تجاهلهم تمامًا بنظرة سخط، ثم نهض هو وشقيقه ثم غادرا المكتب والمخفر بأكمله.
رفع صقر سماعة الهاتف واتصل بالنيابة العامة:
"ألو... الله يسلمك يا فندم... وأنا ليّ الشرف والله... أنا كنت عايز أمر تفتيش منزل المدعو أحمد سعد سراج الدين المقيم مع والده... تسلم الله يخليك... سلام."
أغلق سماعة الهاتف وارتسمت بسمة أمل على محياه وتنهد:
"وأخيرًا هشوفك يا حبيبتي."
* * *
في منزل اللواء كمال الصريطي، تجلس جاسمين مع والدتها في الغرفة.
جاسمين:
"بليز مامي مش هقدر أعمل كده والموضوع مش ناقص، هو مش طايقني أصلًا."
حكمت:
"اسمعي كلامي يا عبيطة، شوية الدمعتين اللي هتنزليهم دول هيخليكي تصعبي على بابا ومامته وهم هيدوه على دماغه وهيتعدل معاكي."
جاسمين:
"وأعيط ليه إن شاء الله، هو أنا ما عنديش كرامة ولا إيه؟ واحد مش عايزني أتلزق فيه ليه بقى؟"
حكمت اقتربت من ابنتها وعنفتها:
"أنتي ليه يا بنت ما بتسمعيش الكلام، اللي هيعيده أزيده ثاني، ما قلت لك ده الحيلة لمامته وهيورث منهم ملايين وبالعملة الصعبة كمان، ده غير الأملاك اللي في مصر وفي كندا، عايزة تسيبي الليلة دي كلها لواحدة ثانية تاخدها غيرك؟"
جاسمين:
"ليه يعني هو إحنا قليلين ولا إيه، كفاية إن بابي اللواء كمال الصريطي اللي كل الداخلية بتعمل له ألف حساب."
حكمت وهي تلوي فمها يمينًا ويسارًا وبنبرة سخرية:
"يا فرحتي لواء متقاعد، واللي نابنا مكافأة راحت على مصاريف علاجه ومعاشه اللي ما بيقضيناش لنص الشهر حتى."
جاسمين:
"أووف بقى وأنا مالي، ما هو حضرتك مش بتبطلي مصاريف وفشخرة كدابة."
حكمت بصوت مدو وتصفع ابنتها بغضب:
"بنت قليلة الأدب، إزاي تتكلمي مع مامتك كده!"
وضعت جاسمين يدها مكان الصفعة وهي تبكي.
أردفت حكمت قائلة:
"هي كلمة ومش هتتعاد ثاني، هتعملي اللي قلت لك عليه، لأما ما فيش خروج ولا نادي وهحبسك في البيت زي الكلبة."
قالتها وخرجت من الغرفة وهي تصفق الباب خلفها.
ارتمت جاسمين بجسدها على تختها وهي تختبئ بوجهها في الوسادة وظلت تبكي بقوة.
* * *
وفي الناحية الأخرى بداخل سيارة إياس، يجلس والده بجانبه وفي المقعد الخلفي تجلس والدته ووجهها مقتضب الجبين.
منى تزفر بسخط:
"أستغفر الله العظيم يا رب، مش عارفة إيه اللي حصلك ده، كنت هتموت نفسك عشان نروح نخطبها لك."
إياس:
"كنت يا ماما، أديكي قولتيها كنت، وبعدين فترة الخطوبة دي بيعملوها ليه، مش عشان نتعرف على طباع بعض، وأنا بصراحة لقيتها مش دي اللي هتبقى مراتي، طباعها غير طباعي، كفاية أمها أم الخلول دي."
نور الدين:
"ولد احترم نفسك واتكلم بأدب، في إيه أنا مش مالي عينك ولا إيه؟"
إياس:
"أنا آسف يا بابا بس مش عارف ليه حضراتكم مصرين إننا نروح لهم وأعتذر لهم على حاجة ما عملتهاش."
منى:
"عشان باباها يا أستاذ، لو حطك في دماغه ممكن يطلع عينك ويخليهم في شغلك ينقلوا لك ويمرمطوك في المحافظات كلها."
إياس بابتسامة سخرية:
"ولا يقدر يعمل حاجة، لأنه عارف إن أنا زي السيف في شغلي الحمد لله، وعمري ما خليت حد يمسك عليا غلطة."
منى:
"طيب اقف على جنب هنا ثواني وانزل اشتري من المحل ده باقة ورد تكون شيك."
إياس بتهكم:
"اشتري ورد! أنتي بتهزري يا ماما، مش هاجيب حاجة."
* * *
في وسط الطبيعة الخلابة حيث الأراضي الزراعية التي يملؤها الأشجار والنخيل الذي يتدلى منه عراجين التمر في منظر بديع من صنع الخالق. تجلس فيروز أمام نخلة قصيرة القامة فمنها الكثير بالأرض التي يمتلكها حافظ وشقيقه وشقيقته.
فيروز وهي تقتطف ثمار التمر:
"ما شاء الله شكل البلح حلو أوي وهو نازل من النخلة... بس ليه يا خالد النخل قصير كده مش طويل زي النخل الثاني؟"
خالد:
"ده اسمه نخل قزمي، والبلح بتاعه بيبقى حلو أوي عشان بنقطفه على طول ومش بنسيبه لما يدبل زي النخل العالي."
فيروز:
"سبحان الله بس شكله حلو أوي."
خالد:
"عشان أنتي جميلة وعيونك جميلة فلازم اللي تشوفيه يكون جميل وحلو زيك."
تلوّن وجه فيروز بخجل وتصنعت عدم الاستماع واستمرت في قطف التمرات. وكانت سمر تجلس أمام نخلة أخرى بجوارهم وتسترق السمع ليزداد حقدها ونيران الغيرة تتأجج بقلبها، فأرادت أن تنهض وتفتك بتلك الفيروز التي ستأخذ منها حب عمرها التي تعيش على أمل أن يشعر بحبها اتجاهه ويكون لها فقط.
خالد وهو ينهض:
"أنا هاروح هناك كده يمكن الموبايل يلقط شبكة عشان أطمنهم علينا."
سمر بنبرة خبيثة:
"روح يا خالد وأنا وفيروز مع بعض هنا مش هنتحرك."
ابتعد خالد عنهما بمسافة... فنهضت سمر واقتربت من فيروز لتقبض على خصلات من شعرها وتعنفها:
"جري إيه يا روح أمك، سايقة الهبل على الشيطنة وعاملة فيها بريئة عشان خالد يقع في حبك؟"
فيروز وهي تخلص شعرها من قبضة تلك الحقودة:
"إيه اللي أنتي بتقوليه ده، أنا مش بحب حد وخالد أخويا مش أكتر، أنتي اللي خيالك المريض اللي بيهيأ لك كده."
سمر وتلوّح لها بذراعيها في الهواء بسخرية:
"يا لهوي على كهن البنات... ده على رأي المثل أكفي القدرة على فمها تطلع الـ... لأمها."
صفعتها فيروز بقوة وصرخت بها:
"اخرسي يا سافلة يا قذرة وإياك تشتميني ثاني."
سمر تردح لها:
"لا يا أختي ده أنا أشتم وهشتم وأجيب ناس تشتم يا بنت المفضوحة."
فيروز وتمسك بثياب سمر وتصرخ بها:
"قلت لك يا حيوانة ما تشتميش وما تجيبيش سيرة أمي على لسانك."
سمر:
"ليه أنتي ما تعرفيش الماضي المشرف بتاع مامي بتاعتك؟"
قالتها بسخرية.
فيروز:
"قصدك إيه يا سافلة؟"
سمر:
"السافلة اللي تروح تغلط في الحرام وتروح تتجوز واحد وتستعطفه وتخليه يكتب بنت الزنا باسمه ولا السنيورة ما تعرفش أصلها!"
فيروز انصدمت من حديث سمر فانهمرت في البكاء وصاحت فيها:
"أنتِ كذاااااااااااااابة وأمك اللي مسلطاكي تقولي كده على ماما عشان هي بتكرهها."
سمر:
"بصي أنا من غير ما أحلف لواحدة ما تستاهلش زيك، روحي اسألي خالي حافظ هو اللي عارف كان مع خالي الله يرحمه لغاية ما اتجوز وسابه في مصر وجه على البلد هنا، لأنهم كلهم كانوا رافضين فكرة الجواز بأمك الطاهرة الشريفة."
كانت تقف فيروز وتضع كفيها على أذنيها لا تريد الاستماع لأكثر من ذلك فابتعدت عنها وهي تركض بدون تحديد اتجاهها. وكان هناك من يتربص لها بأعين ثاقبة لينتهز تلك الفرصة التي قدمت إليه بدون تعب أو مشقة، فركض خلفها بسرعة الفهد حتى جاء من خلفها على غفلة ليطبق على فمها وأنفها بقطعة قطنية مطوية بها مخدر، فخارت قواها على الفور وحملها ليركض بها مسرعًا وهو يختبئ وسط النخيل والزرع حتى استقل سيارة تنتظره على الطريق الجانبي وانطلقوا بسرعة قصوى.
* * *
وأخيرًا وصلوا جميعهم ودلفوا المصعد الموجود بالبناء الذي يقطن به عائلة جاسمين.
إياس يزفر بضيق:
"عجبك كده يا بابا، كان لازم الورد ده يعني؟ ولازمته إيه وأنا أصلًا رايح أفسخ الخطوبة."
نور الدين:
"اسمه فسخ بشياكة."
قالها ونظر لابنه الذي تفاجأ من عبارة والده ثم انفجرا من الضحك وتعالت ضحكاتهم.
صاحت منى بصوت مدوي:
"أنتوا بتستعبطوا أنتوا الاثنين؟"
نور الدين يغمز لإياس ليصمت:
"ولد عيب كفاية ضحك... خلاص وصلنا."
فتح باب المصعد وخرجت منى أولًا وهي تتأفف بضيق من أفعال ولدها وزوجها الصبيانية.
ما زال إياس يقف مع والده بداخل المصعد ويهمس له:
"لما أنت معايا على الخط مش بترسيني ليه على الحوار وعمال تزعق لي أنت وماما؟"
نور الدين:
"عشان يا أبو مخ تخين لو مشيت على هواها قدامها هي هتعاند وهتقلب الدنيا عليا وعليك، وبعدين أنا اللي على طول اللي وشي في وشها دائمًا، يعني هاخد الوش الخشب وخد عندك نكد وزن وقرف."
إياس:
"يا حبيبي يا نور تصدق صعبت عليا."
قالها ثم ضحك.
نور الدين:
"اخرس لتفضحنا الله يكسفك."
عادت إليهم منى:
"هو أنتُ إن شاء الله ناويين تباتوا في الأسانسير ولا إيه؟"
إياس:
"ما فيش يا ماما كان بابا بيديني شوية تعليمات."
لكزه والده في جانبه فتأوه:
"آه."
ونظر لوالده الذي كان يتوعد له.
وصلوا أمام منزل والد جاسمين وبعد أن ضغط إياس الجرس فتحت له الخادمة ورحبت بهم وأدخلتهم في غرفة الصالون ذي اللون الذهبي والثريا الباهظة المتدلية من السقف في شكل فني جذاب.
إياس يهمس لوالده الجالس بجواره:
"بالله عليك يا نور خليك معايا لما الحرباية تتكلم معايا."
نور:
"الله يخرب بيتك اسكت ليسمعونا."
جاءت إليهم حكمت وزوجها الذي يجلس على مقعد متحرك:
"أهلًا وسهلًا والله البيت نور يا نور بيه أنت ومنى هانم."
اقتربت منهما وتبادلا السلام بالمصافحة وجاءت لدى إياس ولم تمد يدها ورحبت به بسخط.
نور الدين:
"أولًا كده طبعًا حضراتكم عارفين إن إحنا جايين ليه..."
فأنا بعتذر بالنيابة عن ابني.
قاطعه إياس: إيه اللي أنت بتقوله يا بابا؟ أنا مش...
رمقه نور الدين بغضب: اخرس لما الكبار يتكلموا ما تنطقش خالص.
زفر إياس بضيق وأشاح بوجهه للجهة الأخرى.
كمال: اعتذار حضرتك على عيني وعلى راسي، بس ابنك من الواضح إنه جاي غصب عنه، وأنا بنتي عمري ما هخليها تكمل مع واحد مش عايزها.
تنفس إياس الصعداء بارتياح لأن والد جاسمين قال ما يريده.
حكمت ترمق كمال ليصمت وابتسمت بزيف: لا كمال ما يقصدش كده بالضبط، هو عايز يقول إن إياس طالما غلط فهو اللي يعتذر.
منى: طبعًا طبعًا يا حكمت هانم، اللي تأمر بيه عروستنا، أومال هي فين؟
حكمت: بتلبس وجاية.
ثم أردفت تنادي على الخادمة: يا زينااااات!
جاءت إليها الخادمة فهمست حكمت لها، ثم أسرعت تبلغ جاسمين بأن تأتي، وكانت تستعد للمواجهة فوضعت بعض قطرات المياه بالقطارة في عينيها كأنها تبكي، وبدموع التماسيح خرجت إليهم.
منى بفزع: إيه ده مالك يا حبيبتي بتعيطي كده ليه؟
ثم نظرت لوالدها وتشير له بنظراتها نحو باقة الزهور ليحملها ويعطيها لها.
حكمت ترمق إياس بنظرات انتصار فأردفت: معلش يا جماعة هي حالتها كده من اليوم بتاع النادي وهي هاريه نفسها عياط.
إياس نظر لجاسمين بنظرات مرعبة فارتعبت وتوقفت عن البكاء المزيف: خلاص يا مامي أنا وإياس اتفقنا إن كل واحد يروح لحاله.
منى: يعني إيه اتفقتوا؟ هو كلام عيال مش لازم ترجعوا للكبار الأول ولا إيه؟
نور الدين: استني يا منى مش نسمع ليهم الأول؟ دي هتبقى حياتهم مش أحسن ما يكملوا مع بعض ويندموا بعد كده زيي... أحم أحم قصدي يعني زي الناس الثانية.
أمسك إياس ضحكاته بصعوبة بالغة فتحولت ملامحه سريعًا إلى الجدية: من الآخر يا طنط أنا جاي بعتذر عن اللي عملته في جاسمين، بس ده ما يمنعش إن إحنا خلاص خدنا القرار أنا وهي.
فنظر لها بعينين حادتين.
جاسمين بقلق: آه أه يا مامي اللي بيقوله إياس صح.
كمال الذي كان يتابع الحوار من بدايته في صمت فجأة استوقفهم جميعًا بصوت جلِي: خلاص يا جماعة نورتونا وكفاية لحد كده.
حكمت وحدقتاها متسعتان: في إيه يا كمال مش بنتناقش؟
كمال وهو يصيح فيها: فيه إن بنتي كرامتها من كرامتي، وأنا مش هقبل إنها تنذل أكثر من كده.
أردف ليوجه حديثه لابنته: روحي يا جاسمين هاتي حاجة إياس واديهالوا، ويا دار ما دخلك شر.
نور الدين بغضب مصطنع: يلا يا ابني أنت ومامتك، إحنا جايين عشان نتطرد ونتّهزأ، متشكر أوي على ذوق حضرتك ومش عايزين حاجة، خليهالكم اشبعوا بيها.
اتجهوا ثلاثتهم نحو باب المنزل وظل كمال في مقعده المتحرك لم يخطُ خطوة واحدة، وركضت حكمت خلفهم: معلش حقكم عليا أنتم عارفين طباعه هو عصبي شوية.
نور الدين: كفاية كده يا مدام حكمت، إحنا ابننا مش قليل.
منى: قولي لكمال بيه بكرة يندم على اللي عمله عشان عمره ما هيلاقي حد زي ابني أبدًا.
حكمت: خلاص نتقابل في النادي.
منى بغضب: ولا نادي ولا غيره، خلاص الموضوع انتهى.
إياس يقف بعيدًا: يلا يا جماعة عشان نلحق نروح قبل زحمة المرور.
غادروا جميعًا واستقلوا السيارة فهمس إياس لوالده: أشطا عليك يا حاج ده أنت طلعت ممثل عظيم.
نور الدين هامسًا: ولد اسكت خالص، أمك ودانها بتسمع دبة النملة ومش هترحمنا.
إياس وينظر أمامه وهو يقود مبتسمًا ويقول بداخله: كده خلاص يا روني بقيت فاضي لك وهتكوني ليا وبس.
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل العشرون 20 - بقلم ولاء رفعت
انتهى خالد من البحث عن الإرسال ليلتقط هاتفه موجات شبكات الاتصال، ليجد كمًا من الرسائل الواردة إليه من محاولة والده الاتصال عليه. فاتصل بوالده.
خالد: ألو يا بابا، معلش التليفون ما كانش فيه شبكة. بتقول إيه؟! خلاص إحنا مروحين بسرعة. سلام.
عاد مسرعًا ليجد سمر تجلس وتقطف الثمار وكأنها لم تفعل شيئًا. نظر لها بشك: هي فين فيروز يا سمر؟
سمر بتصنع: هو أنا عارفة غارت فين؟ كتها داهية تاخدها هي وأمها.
خالد بغضب: أنتِ بتبرطمي بتقولي إيه؟
سمر: بقول ما أعرفش راحت فين ولا أنا كنت الحارس بتاعها يعني!
رمقها بنظرات ساخطة ثم أردف: ماشي؟ يلا قومي عشان مروحين وهندور عليها في الطريق مليون في المية، قلت لها حاجة زعلتها خليتها مشيت وهي ما تعرفش المكان اللي بنروح منه.
سمر بسخرية: وأنا مالي يا أخويا؟ كل واحد مسؤول عن نفسه.
خالد بغضب: وقسمًا بالله لولا إنك بنت كنت كسرت عظمك على طريقتك دي، وعارفة لو حصل لها حاجة ما حدش هيرحمك من إيدي ساعتها ولا هيهمني إنك بنت ولا زفت حتى.
سمر ارتعبت من حديثه لها فقالت في نفسها: يا رب نلاقيها بدل ما أخسره للأبد. ربنا ياخدك يا فيروز يا بنت آمال ويريحنا من قرفك، بس نلاقيكي الأول عشان سي خالد يتبط ويهدى عليا.
***
في داخل مكتب بيبرس الموجود بالمنزل القديم، يحمل رجل ضخم فيروز الغائبة عن الوعي بسبب المخدر وألقاها على أريكة موجودة بإحدى أركان الغرفة التي لم يدلف إليها بيبرس حاليًا.
الرجل غادر الغرفة على الفور وذهب يسأل أحد الحراس: بقول إيه يا نجم، هو بيبرس باشا لسه ما نزلش من أوضته؟
الحارس: لا لسه بياخد الشاور بتاعه ونازل، استناه هنا لحد ما ينزل.
ومضى من الوقت ثوانٍ بضع دقائق لينزل بيبرس الدرج القديم وهو يدندن شارة باللغة الروسية. تقدم الرجل الضخم نحوه.
بيبرس بابتسامة لأنه يعلم أن الأمانة قد وصلت إليه: أهلًا وسهلًا برجل المهام الصعبة.
الرجل: أهلًا بحضرتك يا باشا. الأمانة جوه.
بيبرس: حد شافك وأنت بتخطفها؟
الرجل: هو أنا تلميذ يا باشا؟ ده ولا الجن حتى شافني.
بيبرس بابتسامة ذئب: برافو عليك يا سلماوي. ثم أردف ونادى على أيمن الذي كان يقف بالأعلى لينزل مسرعًا ويحمل حقيبة جلدية وأعطاها لبيبرس الذي قام بفتحها وقدمها لسلماوي قائلًا: كده تمام يا بطل؟
سلماوي وفمه متسع فرحًا: تمام يا كبير.
بيبرس: يلا الكل يروح على مكانه ومش عايز حد يدخل عليا المكتب مهما كان السبب، فاهمين؟
رددوا جميعهم بصوت أجش: فاهمين يا باشا.
ذهب الجميع وتقدم بيبرس الذي كان يرتدي ملابس رياضية باللون الأسود، فبالرغم من أنه على مشارف الخمسين عامًا لكنه يتميز بوسامته التي تجعلك عندما تراه أن لا تصدق أن خلف تلك الوسامة وجه آخر لذئب مفترس أو وحش كاسر يتلذذ بعذاب الآخرين ويعشق رؤية الخوف والرعب في أعينهم عندما يرونه. تقدم خطوة تلو الأخرى إلى أن وصل لباب الغرفة وأمسك بالمقبض القديم وأداره بتأنٍ حتى فتح الباب ودلف للداخل وعيناه صوب تلك النائمة على الأريكة. اتجه نحوها ليقف أمامها متأملًا ملامح وجهها التي تشبه الملائكة في براءتها، فاقترب أكثر منها حتى تلامست أنفاسه الحارة من بشرتها الحليبية. وها هي قد بدأت تستيقظ رويدًا رويدًا لكن تشعر بثقل في جسدها. أحس هو بذلك ليعتدل واقفًا ثم جذب مقعد وجلس عليه بجوارها وكان يتحسس بشرتها بأطراف أنامله حتى انزعجت من تلك اللمسات ففتحت عينيها فجأة لترى تلك الابتسامة الماكرة على محياه ففزعت وصرخت ولم تكمل صراخها لأنه أسرع بوضع كفه على فمها ويشير لها بوضع سبابته أمام فمه ويقول:
هش، أنا هشيل إيدي لو سمعت نفس واحد مش هتعرفي أنا ممكن أعمل فيكي إيه. أنتِ فاهمة؟
أومأت فيروز برأسها دليلًا على الموافقة وملامح وجهها يبدو عليه الفزع والذعر الشديد لتقول بداخل نفسها: لا مش معقول نفس الراجل اللي كان بيجي لي في الكابوس. فشهقت بصوت مكتوم بداخلها لأنها أدركت أنها وقعت بين أيدي تلك العصابة التي لا تعرف الرحمة.
سحب بيبرس يده من على فمها وتحدث بهدوء: طبعًا أنتِ عارفة إحنا ليه جبناكي على هنا.
فيروز بنبرة خوف: ممكن تسمح لي أتكلم؟
بيبرس: اتفضلي بس من غير عياط.
فيروز: أنا عارفة إن أنا غلطت لما وقفت أسمعهم بس أنا أصلًا كنت تايهة ومش لاقية حد يساعدني أرجع، فهم لما خرجوا شافوني واحد منهم فضل يجري ورايا.
بيبرس وينظر لها بمكر الثعالب: وعرفتِ إيه كمان يا فيروز؟
صعقت فيروز عندما سمعت اسمها ينطق بلسان هذا الرجل، كيف علم باسمها؟ فمن المؤكد كانوا يراقبونها وعلموا عنها كل شيء.
قرأ بيبرس كل أفكارها ليردف قائلًا: أيوه أنا عارف كل حاجة عنك، اسمك وعيلتك وإنك جاية مع والدتك تقضوا يومين هنا صح، وإنك على ما أظن من القاهرة.
فيروز كان جسدها يرتجف خوفًا، فهم علموا بوجود عائلتها وخاصة والدتها فخافت أن ترتكب أي تصرف أحمق فيفعلوا مكروهًا بوالدتها.
فيروز: طب ممكن أعرف أنا مطلوب مني إيه دلوقت؟
بيبرس وارتسمت ابتسامة إبليس على محياه: أنا بصراحة كنت ناوي أخلص منك بس لما شوفتك... صمت ومسح بلسانه على شفتيه بنظرات شهوانية ثم أردف: بصراحة عجبتيني وأوي كمان.
فيروز وضعت يدها على فمها وهي تشهق من جرأة ذلك الرجل فإنها الآن أصبحت فريسة أمامه وتوقف عقلها عن التفكير ماذا ستفعل؟
***
كان الجميع في منزل حافظ ما عدا خالد وسمر اللذان في طريقهما للعودة وفيروز قد اختطفت كما نعلم.
اعتماد بنبرة ساخطة: مين قالك الكلام ده يا حافظ؟ إحنا نقوم له الواد إيهاب المحامي ابن عوضين التربي.
سعد: وأجيب له فلوس منين أنا دلوقت وأنا ما حلتش حاجة واللي جاي على قد اللي رايح.
آمال خرجت من غرفتها واتجهت نحو سعد وهي تعطيه الخاتم الذهبي خاصتها وهي تقول: اتفضل يا أبو أحمد، ولو إني زعلانة من اللي ابنك عمله بس مهما كان الضنا غالي، بيع الخاتم ده وقوم له محامي.
سعد نظر لها بحزن دفين وقال بنبرة شكر: تسلمي لي يا أم فيروز، خلي حاجتك معاكي إحنا هنتصرف.
طرق الباب طرقات قوية فأسرعت أم خالد لتفتحه وتقول: استر يا رب... ما تصبر يا اللي بتخبط.
فتحت الباب لتجد خالد يدلف إليهم وخلفه سمر.
خالد وهو يتنفس بصعوبة من الطريق: بابا تعالى معايا بسرعة. كان لا يريد أن يقول أن فيروز غائبة أمام زوجة عمه.
لكن سمر أرادت أن تشعل الأجواء حتى تلهي خالد عن معاتبتها فصاحت: الحقوا فيروز مشيت من غير ما تقولنا وشكلها تاهت.
آمال بذعر وخوف: بنتي فين يا خالد؟
خالد: اهدي يا مرات عمي، أنا عمال بدور عليها طول الطريق وهاخد بابا وهننزل نلف عليها في كل حتة في البلد ما تقلقيش. قالها ثم نظر بغضب لسمر وهو يتوعدها محذرًا إياها.
آمال لم تتحمل الخبر فجلست على الأرض وهي تندب: يا ترى أنتِ فين يا بنتي؟ يا ترى روحتي فين يا حبيبتي؟
حافظ: ما تقلقيش يا أم فيروز، هندور عليها كويس وهنجيبها لك قبل ما الليل يليل علينا.
آمال نهضت من مكانها: أنا جاية معاكوا.
خالد: ما ينفعش يا مرات عمي وبعدين أنتِ ما تعرفيش حاجة هنا في البلد، خليكي قاعدة هنا مع أمي لحد ما نيجي ومعانا فيروز كمان.
حافظ: انزل أنت يا خالد عقبال ما أغير هدومي بسرعة وهحصلك.
كانت أم خالد تواسي آمال وتربت على كتفها: ادعي ربنا إنهم يعتروا فيها.
آمال: يااااااااااااارب رجعها لي بخير يا رب.
***
في سيارة الشرطة التي تحركت من أمام المخفر وخلفها سيارة أخرى بها قوة من العساكر.
في السيارة الأمامية يجلس صقر بجوار السائق يصدر الأمر بالاتجاه نحو القرية التي يقيم فيها أحمد وكانت حجته هي تفتيش المنزل للبحث عن مخدرات. لكن السبب الحقيقي بعدما تأكد أن هذا هو منزل عائلة والد فيروز فقام بذلك حتى يفاجئ والدتها التي أبعدت ابنتها عنه عنوة عنها.
وصل أخيرًا كلتا السيارتين أمام البناء ونزل صقر وهو يشير للعساكر بعدم التحرك.
صقر: خليكوا هنا لحد ما أديكوا الأمر.
جميعهم: تمام يا فندم.
وقف أمام البوابة المغلقة وضغط على الجرس ليفتح له خالد.
صقر بصوت أجش: مش ده بيت المدعو أحمد سعد سراج الدين؟
خالد: آه أنا ابن عمه ومش حضراتكوا قابضين عليه وحاجزينه عندكوا في القسم؟
صقر دفعه جانبًا وهو يرمقه باحتقار: مش شغلك. قالها وصعد للأعلى وخلفه خالد يصيح به.
خالد: أنت يا حضرة مش البيوت ليها حرمتها طالع رايح فين؟ وبعدين معاك إذن من النيابة؟
صقر نزل الدرج وأخرج من جيب جاكيته ورقة مطوية ليفردها أمام ناظري خالد وأردف قائلًا:
أظن كده من حقي أفتش البيت... وسع كده بقى.
صاح خالد مناديًا على والده: يا بابا.
خرج كل من حافظ وشقيقه من الشقة ليجدوا صقر أمامهم فتعجبوا من مجيئه.
حافظ بغضب: مش عندكوا الواد؟ عايزين إيه تاني؟ ما تسيبونا في حالنا بقى.
وجاء صوت آمال من الداخل التي كانت تبكي على ضياع ابنتها التي تعود للمنزل بعدما ظنوا أنها تاهت. تصنت صقر لتلك الهمهمات الآتية من الداخل متجاهلًا حديث حافظ وكاد أن يدلف للداخل فأوقفه رنين هاتفه وعندما شاهد اسم المتصل أجاب على الفور: ألو يا فندم... تمام... حاضر هنروح بسرعة... آه حفظت العنوان هقوله للسواق... سلام سعادتك.
زفر صقر بقوة ونظر لحافظ: أنا ماشي لأمر ضروري دلوقتي بس راجع تاني وهفتش البيت حتة حتة زي ما أنا عايز.
قالها وغادر ونزل الدرج ودفع خالد بكتفه لأنه استشاط غضبًا عندما رآه في نفس البيت التي تكون به حبيبته.
واستقل السيارة وأمر بالتحرك نحو العنوان الذي أملاه على السائق.
***
اقترب منها بيبرس ووضع أنفه في خصلات شعرها المنسدل على كتفها فاستنشق عبيره الفواح. وهي تبتعد عنه وهمت بالنهوض فجذبها من يديها بقبضته عليهما ثم ثنى ذراعيها خلف ظهرها وهو ممسك بها مما جعلها ملتصقة بصدره وقلبها يخفق بقوة من الخوف وهو كان يستمتع بذلك.
بيبرس وهو يحدق بعينيها: خايفة؟!
ازدادت أنفاسها شهيقًا وزفيرًا... فزاد من قوة قبضته عليها فتأوهت من الألم فزاده ذلك إثارة وجاذبية نحوها فاقترب بشفتيه إلى وجنتها التي هربت منها الدماء لينزل إلى شفتيها وأراد تقبيلها بقوة... فلا يجد منها سوى أنها فاجأته بضربة من رأسها أتت في أنفه بقوة فترك إحدى ذراعيها وتحسس الضربة وحك أنفه وابتسم ابتسامة ظهرت منها أسنانه وهو يقول: تؤتؤتؤ ليه كده يا فيروزة؟ كده أنا أزعل منك وأنا للأسف زعَلي وحش أوي.
فيروز لم تشعر بنفسها فبصقت بقوة على وجهه... فمسح وجهه الذي تحول من الابتسامة إلى بركان على وشك الانفجار: لااااا أنتِ كده زودتيها أوي...
ففاجأها بصفعة قوية جعلتها ارتطمت للخلف على الأريكة، فصرخت من ألم صفعته التي جعلت شفتيها تنزف:
اااااااااااااه يا حيوان!
فأثارت غضبه أكثر لينحني بجذعه ويجذبها من خصلات شعرها وبصوت هادر:
أنا بقى هوريكي مين الحيوان يا بنت الـ....
فألقاها على الأرض وانقض عليها ليمزق ثوبها حتى انكشف جسدها العلوي، ولا يسترها سوى قطعة من الملابس النسائية، وهي تصرخ بكل قوة وتضع يديها على صدرها وهي تخبئ جسدها من نظرات ذلك الذئب.
بيبرس بصوت كالفحيح:
ده أنتِ طلعتي جامدة أوي وأنا بعشق النوع ده...
ثم انقض عليها وهي تقاومه بيدها وتصرخ به:
ابعد عنيييييييييييييييييي... ابعد عني يا حيوااااان!
وهو لا يبالي بصرخاتها وانهال على جسدها المكشوف من الأعلى بالقبلات المقززة... وكلما تقاومه كلما زاد في اعتدائه عليها.
وإذا فجأة استوقفه طرق باب المكتب ليزمجر بصوت هادر:
مش قلتلكو يا بهايم محدش يخبط عليا!
قالها وكان يحاوط جسدها بشكل محكم.
رد الطارق عليه:
ما هو يا باشا دي حاجة ضروري أوي ومش هينفع نستنى.
بيبرس بصوت مدوي:
طب غور من عندك وأنا جاي دلوقت.
قالها وينظر لفيروز التي كانت تخلص نفسها من قبضته عليها، فهمس في أذنها بنبرة استفزازية:
دقيقة وراجعلك تاني عشان أعرفك مين هو الحيوان...
قالها ثم ألقى بها تاركًا إياها.. ونهض واعتدل من مظهره ثم خرج وأقفل الباب من خلفه بمفتاح خاص به.
ثم نادى على الرجل:
أنت يا زفت مش قلت محدش يخبط ولا يدخل المكتب غير لما أنا أقول؟
الرجل بنبرة قلق وخوف:
ما هو حضرتك مش هينفع لأن الناس بتوعنا اللي مراقبين الطريق اللي بيودي على هنا كلمونا إن البوليس جاي دلوقت.
بيبرس وتبدلت ملامحه للغضب أكثر:
طيب روح أنت بسرعة وخلي الرجالة يحطوا الحاجة جوه السرداب اللي في الحظيرة وراء البيت بس بسرعة البرق من غير صوت.
الرجل:
تمام سعادتك اعتبره حصل.
غادر الرجل مسرعًا وعاد بيبرس لمكتبه مرة أخرى ليدلف ويجد فيروز تجلس على الأريكة وهي تمسك بثوبها الممزق وتستر جسدها به وفي حالة انهيار، وعندما رأته كادت تصرخ فصاح بها.
بيبرس:
اخرسي ومش عايز أسمع صوت لأكمل عليكي دلوقت...
ثم اتجه نحوها وجذبها من معصمها ليسحبها خلفه وخرج من الغرفة وصعد بها للأعلى وفتح باب غرفة أيمن ليلقي بها على التخت أمام ناظري أيمن الذي تفاجأ بها.
بيبرس:
خليها عندك يا أيمن هنا دلوقت...
ثم نظر لها بنظرات أرعبتها وأردف قائلًا لها:
أنتِ دلوقتي هتعملي نفسك نايمة وتعبانة وتتغطي بالبطانية دي وميظهرش منك شعراية واحدة.... وأنت يا أيمن دي مراتك وتعبانة ولو حد سألك مش هتقول غير كده فاهمين؟
أيمن:
فاهم يا باشا.
بيبرس كاد يخرج ليعود مرة أخرى:
عارف يا أيمن لو البت دي عملت حاجة أو فكرت تهرب هيكون مصيرك أنتِ وهي زي صاحبنا اللي اتدفن حي في التابوت.
ارتجف أيمن بذعر:
تحت أمرك مش هيحصل حاجة.
نظر بيبرس لهما بنظرات مخيفة ثم خرج وصفق الباب خلفه بقوة.
نظر أيمن لفيروز بشفقة وقال لها بصوت منخفض:
أنتِ إيه اللي وقعك في سكته؟
فيروز وتحبس شهقاتها من البكاء:
والله ما عملت حاجة هم خطفوني وجابوني هنا... أبوس إيدك ساعدني.
نظر لها أيمن بقلب مفتون فخلع الجاكيت الذي كان يرتديه ووضعه عليها ليسترها وأردف قائلًا:
أنا والله العظيم مش بإيدي حاجة ولو حاولت بس أفكر أساعدك تهربي هيبقى مصيري أنا وأنتِ جحيم أصعب من الموت نفسه.
فيروز ببكاء:
أنا عندي يموتني بدل ما يعمل فيا اللي عمله ده.
أيمن:
بطلي عياط ليسمعك أنتِ ما تعرفيش شره زيي.
فيروز همت بالنهوض لتسرع نحو الباب لكن سبقها أيمن الذي تصدى لها واقفًا:
أبوس إيدك بلاش تهور أنتِ كده بتحكمي عليا أنا وأنتِ.
بعد مسافة ليست كبيرة من قرية عائلة فيروز وصل صقر ومعه القوة أمام المنزل القديم الذي يمكث به بيبرس وحراسه ومساعدوه... دلف صقر للمنزل وخلفه العساكر أوقفهم الحارس:
استنى حضرتك لما الباشا ينزل.
صقر بغضب:
أنت أهبل يالا أنا معايا أمر بتفتيش البيت ده.
بيبرس كان ينزل الدرج ويقول بصوت جلي ويرتسم ابتسامة على محياه:
أنت يا زفت خلي سعادة الظابط يعمل اللي هو عاوزه... أهلًا وسهلًا بحضرتك.
صقر:
وأنت تبقى مين إن شاء الله؟
بيبرس:
أبقى صاحب البيت اللي أنت واقف فيه دلوقت.
صقر علم من نظرات بيبرس أنه يخفي أمرًا ما وأنه كان لديه علم بقدومهم.
صقر بنبرة سخرية:
طيب يا صاحب البيت احنا جايين بأمر تفتيشه ولا عندك مانع؟
بيبرس يفتح ذراعيه وهو يشير لكل الأرجاء بالمكان:
اتفضل يا باشا فتشوا على أقل من مهلكو بيتي تحت أمرك.
صقر لم يجعله يكمل حديثه حتى دفعه ودلف للداخل مع العساكر، اتجه نحو غرفة المكتب فتحها لم يجد شيئًا.
وفي تلك اللحظات كانت فيروز بالأعلى يحجزها أيمن بالوقوف أمام الباب من الداخل حتى لا تخرج، وعندما سمعت أصوات عالية بالأسفل صمتت لتسترق السمع حتى خفق قلبها فرحًا عندما سمعت صوت من يهواه قلبها فأخذت تدفع بأيمن لتزيحه من على الباب ثم صرخت منادية:
صقررررررررررر يا صقرررررررررر!
أيمن لم يدرك نفسه إلا وهو يجذب قطعة من الفخار فضربها على رأسها بقوة حتى وقعت مغشيًا عليها للتو، ففعل هذا حتى لا ينكشف أمرهم ويعاقبه بيبرس على ذلك.
صقر يصعد للأعلى وشعر بأن صوتًا أنثويًا قد نادى باسمه لكنه حسب أنها تهيؤات... وصل أمام غرفة ليفتحها ليجدها شاغرة... ثم اتجه للمجاورة لها ففتحها بقوة ليجد أيمن يجلس بجوار يبدو أنها سيدة نائمة وجسدها مدثر بالكامل وترتدي حجابًا ووجهها للجهة الأخرى.
نظر صقر لأيمن بشك وكاد يحدثه ليأتي بيبرس من خلفه:
ده يبقى أيمن ابن أخويا جاي زيارة عشان المدام حامل وتعبانة ونايمة زي ما أنت شايف.
أيمن كان القلق يملأ وجهه من نظرات صقر الحادة له.
نظر صقر لبيبرس نظرات محذرة:
ماشي يا...
بيبرس بابتسامة سمجة:
بيبرس... اسمي بيبرس يا صقر بيه...
قالها وارتسمت ضحكة صفراء تبرز منها أسنانه.
جاء أحد العساكر يقول:
صقر باشا فتشنا البيت كله حتة حتة وما لقيناش حاجة حتى الحظيرة اللي وراء ما فيهاش غير شوية خرفان ومعيز.
صقر زفر بقوة:
حاضر يلا انزل وقول للعساكر كفاية تفتيش...
ثم نظر لبيبرس بنظرات حادة ثم أردف:
أصل الجايات أكتر من الرايحات...
قالها وغادر للأسفل ثم هم بمغادرة المنزل ليتوقف ويشير بإصبعيه السبابة والوسطى نحو عيني بيبرس ثم عينيه، فهي إشارة من خلالها يحذره منه وأنه سيأتي ثانيًا له.
ذهب صقر وكل من معه وبعد دقائق جاء أحد الحراس مسرعًا اتجاه مكتب بيبرس.
الحارس:
بيبرس باشا أنا لقيت الموبايل ده واقع برة الظاهر من شكله إنه بتاع الظابط اللي لسه ماشي.
ابتسم بيبرس ابتسامة خبيثة فأخذه وظل يفتح الملفات بداخله حتى وصل لملف الصور لتزداد بسمته وتتسع ثم ضحك بصوت جلي:
ههههههههههههههه فعلًا صدق اللي قال الدنيا دي ضيقة... وأبقى ورينا هتعمل إيه يا أستاذ صقر لما تعرف إن الجيرل فريند بتاعتك معايا...
قالها وأخذ يضحك ضحكة مرعبة.