تحميل رواية «عشق الفيروز "لا تظلمني"» PDF
بقلم ولاء رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كيف حبيبي تكون عشقي وعذابي؟ كيف تكون لي القاضي وجلادي؟ ياليتني كنت قطرة مياه في بحر هادي، كنت حينها لن أعرفك ولا أعشقك ولن كان عشقك احتل عرش حياتي. بداخل دار القضاء العالي، وفي إحدى قاعات المحكمة، ينادي الحاجب بصوت قوي: "محكمة!" ليدلف القاضي والمستشارون الذين معه. وهي كانت تنظر بعينيها التي تحولت من لون البحر إلى لون الدم من كثرة البكاء من الظلم والقسوة، فتمسك بيديها قضبان القفص الحديدي التي بداخله داعية ربها أن ينجدها من هذا البلاء كما أنجد يوسف عليه السلام من غياهب السجن، تنتظر حكم القاضي وكأن...
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ولاء رفعت
* ترتدي ملابس رياضيه باللون الابيض وتركض في الصباح كعادتها لتنتهي وتعود الي منزلها فتفاجئت بحديقة المنزل التي تتزين وتعد من أجل حفل ما
سيلين تدلف من البوابه رأتها الخادمه فأسرعت نحوها
الخادمه: الف الف مبروك ياسيلي هانم عقبال ليلة الزفاف
سيلين يبدو عليها التعجب: انتي بتقولي اي؟ واي الي بيحصل ف الجاردن ده؟
جاء شهاب من خلفها ليجيب: دي تحضيرات خطوبتنا وكتب الكتاب ياروحي ... قالها وهو يحاوطها بزراعه من خصرها ... ثم همس ف أذنها
: اوعي تعمل حركة كده ولا كده بدل ما نتفضح ادام الشغالين ومنظرك يبقي زباله
استفزها حديثه حتي ازاحت يده بقوة من ع خصرها ونظرت له باحتقار وتركته وهي تركض للداخل وكانت تبحث عن والدها فوجدته يجلس ع المائدة يتناول الفطور
سيلين بنبره غاضبه : ممكن افهم ياداد الي بيحصل ده عايشه معاكو ف نفس الفيلا وافاجاء من الداده كمان ان خطوبتي بكره!!
صلاح وهو يتناول طعامه ببرودة اعصاب : هو فيه احلي من المفاجاءات الحلوة يا سيلي؟
سيلين بصوت هادر: داد بليز مبحبش الطريقة دي ف الكلام ... وع فكرة قرار الخطوبه والجواز ده ف ايدي ومحدش هيغصبني ع حاجه حتي لو كنت حضرتك
توقف صلاح عن الطعام وضرب بقبضته ع المائده ونهض والغضب جلي ف نبرة صوته:
انتي واعيه بتتكلمي مع مين؟
سيلين بأسف: سوري داد مكنش اصدي اعلي صوتي
صلاح : يكون ف علمك ياسيلين لو متجوزتيش ابن عمك هتكون محرومه من كل الي انتي فيه
سيلين بصدمه: يعني اي؟
صلاح: يعني انا كتبت وصيه انك لو مش ع ذمة شهاب فهتكوني محرومه من كل حاجه
سيلين وترقرقت عبراتها : انت بتعمل معايا كده ليه؟ انت بنتك
صلاح: ماهو عشان انتي بنتي الي بحبها وبخاف عليها عايز اطمن عليكي وخايف ليجرالي حاجه تروحي سيادتك مضيعه نفسك ومضيعه تعب السنين كله مع حد ياخد منك كل حاجه
سيلين: يعني شهاب انت واثق فيه اوي كده؟
صلاح: اه طبعا لأن انا الي مربيه وهو لسه طفل صغير واول ما كبر مسك معايا الشغل وكبرناه سوا بعد موت يوسف الهواري الله يرحمه
سيلين : اوك داد بس انا مش بحب شهاب
صلاح: بكرة لما تعيشو مع بعض كزوج وزوجه هتحبيه وساعتها هتيجي تشكريني
شعرت سيلين بظلام يحاوطها من كل جانب وأنفاسها تنسحب رويدا رويدا فسقطت مغشي عليها
صلاح اسرع نحوها وجثي ع ركبتيه وصاح مناديا: شهاب.... يا داده
جاء شهاب وهو يركض ليجد سيلين ممده ع الارض فحملها
شهاب: هو اي الي حصل
صلاح بخوف : مستحملتش الي بيحصل اغمي عليها مرة واحده
شهاب: انا هطلعها اوضتها وحضرتك اتصل ع الدكتور يجي يطمنا عليها
صعد شهاب لغرفتها وهو يحملها فوضعها ع تختها ذو الفراش الوثير وجلب زجاجة عطر ذو رائحه قويه وقام برش منها القليل عند انفها حتي تستيقظ....... فتحت عينيها ببطئ فرأت شهاب يجلس بجوارها ففزعت وصرخت به : امشي اطلع بره
شهاب وهو يقترب منها : اهدي بس من غير زعيئ
سيلين تبتعد عنه وهو يقترب : انت عايز مني اي مش خلاص عملت الي انت عايزو هتخطبني وتتجوزني غصب ؟!
شهاب: لا هيبقي برضاكي ياسيلين لأنك هتحبيني زي ما انا بحبك وبكره هتفتكري الكلام ده وانتي مراتي وام ولادي كمان
سيلين بنبرة تحذيريه: عايزة اعرفك حاجه انت هتكتب كتابي اه لكن مش هتلمس شعره مني غير ع جثتي وهنكون متجوزين ع الورق بس
ابتسم شهاب بسخريه : بلاش تقولي كلام انتي مش اده
سيلين: بكره هتشوف والايام بيننا يا شهاب
شهاب : والايام الي هتبقي بينا دي انتي بنفسك الي هتيجي لحد عندي عشان المس ايدك بس
سيلين وقد ادركت مقصد كلماته: انت قليل الادب شهاب بابتسامه استفزازيه : وانتي عسل ياحياتي
سحبت سيلين قطعه خزفيه من ع الكومود والقاتها نحوه وهي تقول : ربنا ياخدك
شهاب بضحك : برضو بحبك يا ماي لاف ... قالها ثم غادر قبل ان تتهور سيلين
سيلين وهي تتوعد له: والله لهتشوف مني ياشهاب ايام سوده .... عااااااااااااا
*********************
*
بداخل غرفة مليئة بديكورات من التراث الواحاتي واريكة مصنوعة من الخوص وفراشها مزخرف برسومات من الطبيعه يتوسطها تخت مصنوع من الحديد المطلي بماء الذهب تتمدد عليه فيروز التي تتصبب عرقا وهي نائمة وتغمغم ببعض كلمات غير مفهومه ويجلس بجوارها بيبرس الذي كان يمسد ع جبينها ثم أخذ من ع الكومود قطعه من القماش مبلله ووضعها ع جبينها
بيبرس بصوت هادئ: ياريت لو اتقابلنا ف ظروف غير دي كنت خليتك ملكة لأن واحده ف جمالك وبرائتك مينفعش تكون غير برنسيسس .... جاء صوت يحاوره من عقله يقول له: مالك يابيبرس انت حبتها ولا اي؟ دي اصغر منك ب ٢٦ سنة
اعقل وفوق ومتنساش نفسك انت مين انت بيبرس الي لما يتزكر اسمك ف مكان الكل بيترعب منك ... وبعدين عندك ستات اشكال والوان وكلهم بيبقو تحت امرك
ليرد بصوت مسموع : الا فيروز دي حاجه تانيه خالص كفاية نظرة عينيها الي خلتني كنت ناوي اكسرها واسلب منها برائتها لما بصيت ف عنيها حاجه منعتني
بدءت تستيقظ وفتحت عينيها لترمش اهدابها عدة مرات متتاليه لتتسع حدقتيها في فزع من الجالس امامها ... نهضت بجذعها وهي تسحب الغطاء وتتدثر نفسها وتقول بصوت مبحوح من أثر صراخها بالأمس : حرام عليك عملت فيه كده ليه؟
بيبرس بصوت حاني: انا معملتش فيكي حاجه انتي كان مغمي عليكي امبارح وبعدها سخنتي فأخدتك ع اوضتي عشان اهتم بيكي وبعملك كمدات
تعجبت فيروز عندما نظرت للثوب الجديد التي ترتديه فشهقت ووجهها تلون من الخجل
بيبرس وهو يعلم مايدور بفكرها: ماهو لازم البسك فستان غير الي عليكي التاني كان مقطع خالص فبعت واحد من رجالتي اشترالك الي عليكي ده ولبستهولك
فيروز تزداد خجلا وغضب منه : انت ازاي تسمح لنفسك ان......
قاطعها بيبرس: فيروز انا شوفت ستات وبنات بعدد شعر راسي وملكات جمال ولكي ان تتخيلي علاقاتي معاهم .... الي احب افهمهولك ان انا راجل ناضج مش عيل مراهق يعني عادي لو شوفت واحده عريانه ادامي ....صمت ليبتسم ع ردود افعال فيروز التي كان فاهها مفتوحا من صدمتها بحديثه الجرئ لها فأردف قائلا : ماتخافيش انا لما لبستك الفستان كانت هدومك الداخليه عليكي وكنت اصلا سرحان ف وشك الي زي الملاك ده ... صمت ليلوم نفسه من تلك التصريحات الذي يعترف بها لها .....
قومي يلا عشان تفطري لأنك مكلتيش من امبارح
فيروز وعينيها مليئه بالخوف منه والغضب : لا مش هاكل مليش نفس
تبدلت ملامحه الحانيه الي القسوه : انا بقول الكلام مرة واحده بس ولو كررته مش عايز ققولك هكررو ازاي واظن انك مش عايزاني اكمل الي كنت بعملو معاكي امبارح
ارتجف جسدها وارتعدت اوصالها لتقول بنبره مرتجفه : ححح ح...ا..ضر هاكل
ابتسم من رؤية الخوف والذعر ف عينيها منه فقال: ايوه كده تمام ..... انا نازل ققولهم يحضرولك الفطار وهطلع بنفسي اديهولك تكوني دخلتي الحمام وتاخدي شاور عشان تفوقي اتفقنا ؟
اأوماءت برأسها دليل ع موافقتها .... فغادر الغرفه وهي نهضت تتحامل ع قدميها الواهنتان لتدلف المرحاض الملحق بالغرفه ووقفت امام حوض المياه وظلت تنظر لصورة انعكسها ف المرآه المتهالكه التي يملؤها الشروخ ففتحت الصنبور واخذت بكفيها المياه المنهمره وتغتسل وجهها وعبراتها المنسدله التي اختلطت مع المياه ثم تأكدت من غلق باب المرحاض عليها جيدا من الداخل وقامت بخلع كامل ثيابها ووقفت تحت الدش والمياه تغمرها وتمنت بأن كما تغسل جسدها ان تغسل اوجاع قلبها الذي يطوق بشدة لرؤية معشوقه
*********************
ً ** في منزل حافظ...
آمال عينيها منتفخه وحمراوتان من كثرة البكاء ع ابنتها التي لاتعلم عنها شيئا
خالد كان قلبه يعتصر الما من اجل زوجة عمه ومن اختفاء فيروز : بالله عليكي يامرات عمي كفايه دموع ان شاء الله هنلاقيها
آمال بصوت باكي: هلاقيها فين يا خالد هي عيله بضفاير؟ دي عروسة الي ف سنها متجوز ومعاهم عيال يعني اتخطفت متاهتش .... اااااااه يابنتي ياتري عامله اي دلوقت ياتري الي خطفوكي عملو فيكي اي
دلفت اعتماد الغرفه التي بها آمال وخالد وقالت بنبره شماته : وانتي اي الي عرفك انها اتخطفتك مش ممكن هربت هنا ولا هنا والله اعلم مين الي غواها وهربت معاه
آمال نظرت اليها فازداد بكاءها ونحيبها اكثر فاعتماد كمثل الذي يغرز ف جراح الاخري قطعة من الجمر لتزيدها الما ووجع اكثر ماهي فيه
زوجة حافظ : جري اي يا اعتماد لو عندك كلمه حلوة قولي لو معندكيش حطي لسانك جوه بوءك احسنلك
اعتماد وترفع احدي حاجبيها بسخط: هو انا بقول حاجه غلط ان شاء الله؟ ماهي لو عملت يعني مش جديد هتجيبو من بره يعني
نهضت آمال لتتحول نظراتها لاعتماد بكم من الكراهيه والغضب واردفت : انا مش هرد عليكي لانك واحدة معندهاش اي احساس ولا دم والايام هتلف وهتبقي مكاني وساعتها هتجربي حرقة القلب ع ضناكي .... قالتها ثم رمقتها من اعلي لاسفل بإحتقار وغادرت الغرفه
خالد الذي كان معه هاتف ويكلم صديقه الظابط الموجود بالمخفرالتابع للقريه سرد لها ماحدث لابنة عمه ثم انتهي من المكالمه
خالد : هي راحت فين مرات عمي ؟
والدة خالد: اسأل الهانم عمتك خلتها تاخدها بعضها ومشيت
خالد رمق عمته بسخط : انا رايح اشوفها
خرج خالد يبحث عنها وجدها تجلس امام البوابة خارجا وتدعو الله بأن يجمعها بابنتها
خالد: مرات عمي انا كلمت واحد زميلي ظابط ف القسم قالي لازم يمر ع اختفاءها ٤٨ ساعة
خرج سعد من المنزل وكان يحمل كيس بلاستيكي به علب حافظه للطعام
سعد : السلام عليكم
خالد : وعليكم السلام ياعمي انت رايح فين؟
سعد : رايح المركز اودي الأكل ده لأحمد ولوانو خساره فيه
آمال كانت تصمت وفجاءه تكلمت بعيون واهنه : فيه مثل يا ابو احمد بيقول ادعي ع ابني واكره الي يقول امين
سعد: ما هو انتي مش هتحسي بالنار الي جويا انتي بنتك ربنا يرجعهالك بالسلامه يارب هاديه واميره ربنا يباركلك فيها .. لكن ابن ال...... جايبلي الكلام والاهانه ع طول من الي يسوي والي ميسواش
آمال: ربنا يهديهولك يارب ويطلعو من الي هو فيه
سعد : طيب ما انا عندي فكره تعالي معايا المركز ده لأن القسم الي ف القريه هنا تعبان اخرهم يحلو مشاكل لكن التاني ف مدينه زي الي عندكم ف مصر يمكن لما تحكي للظابط ربنا يحنن قلبه عليكي ويساعدك ويعرفو يوصلولها
خالد : عمي عندو حق يامرات عمي وانا جاي معاكي
آمال: يارب وقفلي ولاد الحلال هناك ويلاقوها
ذهب ثلاثتهم الي الطريق الرئيسي واستقلو سيارة اجره ومر حوالي عشرون دقيقه ووصلو اخيرا الي المخفر المركزي ف المدينه ودلفو الي ان وصلو الي مكتب ف مدخل المركز كان يجلس فيه أمين شرطة
الامين : نعم ياحضرات عايزين حاجه؟
سعد : انا يابني جايب زيارة لابني المحجوز عندكو والست ام فيروز جايه تقدم بلاغ عن اختفاء بنتها
الامين ينظر لهما بسخط : اممم ماشي طيب حضرتك روح للمكتب الي هناك ده عشان الحاجه قبل ما بتدخل للمتهم بتتفتش وانتي حضرتك خدي الورقه دي واملي مواصفات بنتك واحنا هنتصرف بس اه صح هي بقالها اد اي مختفيه
آمال: بقالها ....
قاطعها خالد : بقالها يومين حضرتك
ألأمين : طيب شاكين ف حد ولا ليكو اعداء ؟
زفر خالد بضيق: هو احنا لو شاكين ف حد كنا جينا هنا
الامين : وانت بتتخلق عليا ليه ياستاذ انت طيب
مفيش بلاغ ولا زفت وروح دور عليها بنفسك كتكو الارف
آمال بقلق وخوف : اهدي يا خالد يابني احنا واقعين ف عرضو ... معلش يابيه حقك عليا انا هو ابن عمها وخايف عليها
صاح الامين بصوت جلي : ما لو خايف عليها يبقي يتكلم عدل بدل ما لبسو تهمه وهو واقف
خالد بصوت مزمجر : اللهم يطولك ياروح لولا الواحد ف القسم وانت شكلك اكبر مني كنت عملتها معاك
الامين بصوت أعلي: بتقول اي روح امك وربنا لاربيك ياعسكري تعالي خد ال ........... ع التخشيبه
تعالت الاصوات وازداد ت المشاحنات وكان صقر ف مكتبه
صقر كانت امامه اوراق ويدخن سيجارته فاستوقفه تلك الاصوات فنهض وغادر المكتب ليري ما ذلك الشجار ؟
اقترب من الخارج ليري شاب ليس بغريب عليه يصيح ف أمين الشرطه وسيده تقف موليه ظهرها ويبدو انها تبكي وتترجي الأمين فانتبه لصوتها فأنه يعرفه جيدا
وفجاءة اثناء الاشتباك انتبه الأمين لصقر الذي يشاهدهم في صمت
الأمين : أهو صقر بيه هناك اهو وهخليه يعلمك الأدب
قالها ويشير نحو صقر لتصمت آمال التي الصدمه ألجمت لسانها وتشيح بنظرها نحو الاتجاه الذي يشير اليه الامين لتتسع حدقتيها ف ذهول
آمال: صقر!!!!!!!!!!!
*****************************
***
في منزل باسل ضرغام ....
بداخل غرفه مظلمة ستائرها مغلقه ومليئه برائحة السجائر والخمر وبكل روائح الخبائث
يرن هاتفه علي الكومود ليستيقظ بثقل وتقلب من نومه وأمسك بهاتفه ليرد
باسل بصوت ناعس: الو ايوه ياعمي
شوقي بصوت جلي: ماهو انا لو عمك مكنتش تعمل فيا مصيبه ورا التانيه يا استاذ
باسل بضيق يتأفف: اووووف بقي ع المسا عايز اي بدل الاسطوانه المشروخه بتاعت كل مره انجز
شوقي : اه يا تربيه و....... فعلا الي يتربي ف الحواري زيك لازم يطلع صايع وسوقي
باسل : يعني انت مصحيني من النوم عشان تقولي البوءين دول طيب سلا....
قاطعه شوقي: متقفلش ياحيوان انا عايز اعرف انت حضرتك كنت بتعمل اي ف المستشفي من يومين ومين الي كنت شيلها بتنزف وحامل
باسل وينهض بجذعه وبصوت جلي: طب ما انت عارف كل حاجه اهو لزمتها اي سين وجيم دي بقولك اي اطلع من دماغي دلوقت .... ثم اغلق الخط وتلفظ بسبة قذرة يقصد بها عمه
القي هاتفه بعنف ع الفراش ثم قام وهو يتثائب واخذ من ع الكومود لفافة محشوة واشعلها بالقداحه
باسل لنفسه: نولع دي بقي خلينا نظبط الدماغ واروق ام حرقة الدم وموال عمي الي مبيخلصش ده... ثم أردف وهو يضرب بكفه ع جبهته دليل ع التذكر : اهاا انا نسيت المصيبه المتلقحه جوه دي
قالها وغادر غرفته ليدلف غرفه اخري مقابله لغرفته ضغط ع زر الإناره ليري تلك المتمدده ع الفراش ويديها وقدميها مكبلتين بأصفاد جلديه بالتخت كل يد ع حده وايضا كل قدم ع حده وع فمها قطعه قماش مربوطة بأحكام كي لاتصرخ او تصيح وبأحدي يديها إبره مغروزه ف يدها متصله بأنبوب رفيع متصل بكيس محلول معلق ع مسمار مغروز بالحائط .....
عندما رأته تلك المسكينه أرادت ان تصرخ بكل قوتها لكن تمنعها تلك القطعه المطبقه ع فمها وعينيها منتفخه من البكاء واهدابها يملؤها الاحمرار واسفل عينيها شديد السواد من الكحل الذي ذاب مع عبراتها المنسدله وكان شعرها اشعث و ع وجنتيها اثار صفعات متتاليه
باسل عندما نظر اليها أخذ نفسا عميقا من لفافته المحشوه ثم زفر نحوها واردف قائلا: هاهاهاهاها انتي لسه شوفتي حاجه مني ده يدوب كده بلعب معاكي شويه عشان اتسلي لكن العذاب الي ع حق لسه مجاش هخليكي تبوسي رجلي قبل ايدي عشان اموتك لكن بعينك هتعيشي بمزاجي وهتموتي بمزاجي برضو لكن مش دلوقت
قالها واتجه نحوها وكادت اللفافه ع الانتهاء وهي متوهجه ومشتعله قام بغرزها ف زراعها العاري الموجود عليه علامات اثار ضربات ع مايبدو حزام جلدي ... اخذت تصرخ بأنين مكتوم من فمها المكموم
ظل باسل يضحك بصوت مرعب ويسخر منها حتي أوقفه رنين جرس الباب
باسل : انا هروح اشوف مين وهحاول اوزعو وجاي اكملك حدودتة الشاطر باسل وال(.......) مايا
قالها وقبل ان يذهب نظر لها باحتقار وبصق علي وجهها التي هربت منه الدماء رعبا وخوفا ماسيفعله بها
**************************
****
في غرفة بيبرس تجلس فيروز ع الاريكة وتضم ساقيها نحو صدرها تحاوطهما بزراعيها منكسه الرأس وتبكي بأنين وأمامها طعامها الذي لم تتناول منه لقمة واحده
فدلف بيبرس فجاءه ليجدها بتلك الوضعيه فغضب من ذلك فقال بصوت مرعب:
الظاهر كده انك عنيدة ومبتجيش بالزوء .... قالها واقترب منها وهي تبتعد وصوت بكاؤها يزداد
اقترب منها اكثر ليجعلها ملتصقه به وظهرها ملتصق بالحائط المجاور للأريكه فلا مفر وبصياح مدوي : ابعد عنييييييييييي عااااااااااااا
و ع الرغم من غضبه الجامح من صياحها ذاك فلايشعر بنفسه والا هو يعانقها بقوة حتي سمع صوت طقطقه فقرات ظهرها وهي أخذت تضربه بيديها ع ظهره لتبعده عنها ... وبعد ثوان قليله ابعدها ليمسك وجهها بكفيه ويكفكف عبراتها المنسدله فأقترب منها وهي تقاومه ليطبع ع شفتيها قبلة حانية جعلتها كمن اوقد نارا ف شفتيها فأخذت تمسحهما بقوه وكأن شئ مقذذ قد لامس شفتيها وأخذت تصرخ وتقول :
عرفت ان انا عندي حق لما قولتلك ان انت حيوان ... فعلا حيوان بتجري ورا شهواتك وبتتباهي بكده ده ميدلش غير ع حاجه واحده انك انسان مريض نفسي سادي وسيكوباتي بتتلذذ بعذاب الي ادامك وبتدوس عليه بجذمتك كأنك بتفعص حشره وتكمل حياتك ولا كأنك عملت حاجه ... روح ياشيخ ربنا ينتقم منك ..... قالتها وصدرها يعلو ويهبط من الرعب وخوفها من ردة فعله أثر كلماتها القاسيه
لكن فاجاءها بوجه مبتسم وكان الهدوء الذي يسبق العاصفه قام من مجلسه واستدار ليولها ظهره .... ظنت انه سيغادر الغرفه لكن صوت ضحكاته التي تشبه ضحكات إبليس عندما يتفوق ف عمله دوي بكل أرجاء الغرفه فاستدار مرة اخري ليوجه عينيه المتحولتان من لونهما العسلي الي اللون الاسود القاتم لتأتي الرياح بما لاتشتهي السفن وبكل قوته ينهال ع وجهها بصفعه جعلتها ترتطم ع الحائط برأسها وقعت ع الفور غائبة عن الوعي اثر الارتطام
نظر بيبرس لكفه الذي صفعها به ف ذهول وادرك فعلته فاقترب نحوها وجثي ع ركبتيه ليرفعها ويعانقها وهو يحاول افاقتها
بيبرس بنبره صوت كالذي فقد عقله: فيروز حبيبتي انا آسف مش عارف عملت كده ازاي ... انتي السبب قعدتي تظهري الوحش الي جوايا وتثيري ف غضبه لحد ماهو الي حركني ... فوقي يا حبيبتي مش همد ايدي عليكي تاني
قالها وابعدها عن حضنه ليتفحص فروة رأسها للاطمئنان فلا يجد اي دماء فشكر الله لأن لم يحدث لها اي مكروه
نهض وهو يحملها ليضعها فوق تخته وجاء بزجاجة العطر خاصته وضغط منها نحو انفها حتي انكمشت ملامحها حيث ازعجها ذلك العطر ذو الرائحه القويه فتحت عينيها لتري عيناه مليئه بالخوف والذعر فتعجبت من ذلك فتقلبت للجهه الاخري وهي توليه ظهرها وقالت بغضب مكتوم: ممكن تسيبني لو سمحت عايزه انام
بيبرس تنهد بضيق فأردف : حاضر هسيبك ع راحتك بس ياريت اطلع الاقي الاكل ده اتاكل والا هتشوفي الوش الي شوفتي جزء منه من شويه
قالها وغادر وصفق الباب خلفه بقوة
تنهدت فيروز وهي تزفر بقوه كأنه ثقل انزاح من ع ظهرها ... فتزكرت قبلته لها فأخذت تفرك شفتيها بيدها بقوة لدرجة انها شعرت بالتقيؤ فنهضت مسرعه نحو المرحاض لتفيض ما بجوفها
**********************
*****
في مكتب صقر .... تصيح آمال في صقر وهي تمسكه من قميصه حتي تقطعت ازراره واحد تلو الاخر
آمال بغضب ثائر : وديت بنتي فين قولي
صقر وهو يكظم غيظه وغضبه منها : والله ما اعرف عنها حاجه اهدي بس وسبيني افكر عشان الاقيها
خالد وهو يبعدها عن صقر : اهدي يا مرات عمي مش كده هو ماله وذنبه اي
انزلت يداها ورمقت صقر بغضب لأنها لاتعلم ماذا ستجيب ع خالد هل ستقول له ع علاقة فيروز بصقر فهي تريد ان تعلم أين هي و ف ذات اللحظه لاتريد ان تفضح ابنتها من وجهة نظرها
آمال ومازالت ترمق صقر: ممكن ياخالد تسيبني مع حضرة الظابط
خالد بحكم خبرته كطبيب نفسي قد ادرك ان هناك علاقه بين صقر واختفاء ابنه عمه فتركهما وغادر وهو يقول : حاضر انا واقف بره ولو حصل اي حاجه اندهي عليا ع طول
نظر له صقر ويرفع احدي حاجبيه تهكما ع حديثه
ذهب واغلق الباب خلفه
تنهد صقر وهو يشير لآمال بأن تجلس ع المقعد الموجود امام مكتبه
آمال مقتضبه الجبين وترمقه بسخط: بص بقي يا ساعدت الظابط انا اه مكملتش تعليمي بس الدنيا علمتني حاجات كتير انت والي زيك لسه ميعرفوهاش فأنا مش هبله ولا عبيطة ان اصدق ان بنتي اختفت مرة واحده كده من غير سبب وافاجاء بوجودك هنا مش حضرتك برضو نقيب عندنا ف القسم بتاع منطقتنا ولا بتهيألي؟
صقر وهو يطرق ع المنضده التي امامه عده طرقات متتاليه وزفر بضيق: هو حضرتك ليه مش عايزه تصدقيني و ف نفس الوقت مش عايزه تفهميني اي الي حصل من قبل اختفاء فيروز لحد دلوقت
آمال : وانت ليه مش عايز تقول سبب مجيتك هنا ف نفس البلد الي احنا فيها ؟
صقر بالطبع لايريد الافصاح عن سبب وجوده لأن هذا سر وخاص بعمله فجاء ف فكره شئ ما فأردف وأجاب آمال : انا جيت هنا منقول زي ماتقولي بيعقبوني ف الشغل
رمقته بعدم تصديق وهي تلوي فمها جانبا: هاعمل نفسي مصدقاك بس وعزة وجلالة الله لو عرفت انك ورا خطف بنتي لاكون مقطعاك بسناني
تعجب صقر من كلماتها فقال ف سره : اموت واعرف الوحش المفتري ده خلفت الملاك البرئ دي ازاي
آمال: بتبرطم بتقول اي ؟؟؟
صقر: لا مبقولش بفكر وياريت تحكيلي
آمال تنهدت ثم سردت له عندما ذهبت فيروز مع خالد وسمر وكان صقر كلما زكرت وجود خالد مع فيروز فتغلي الدماء بعروقه واراد لو ينهض ويكسر ذاك الباب فوق رأس الذي ينتظر بالخارج هذا .....
صقر وقد تجهم وجهه: انتي معني كلامك ان فيروز كده اتخطفت عشان لو كانت تايهه كانت رجعت لو سألت اي حد ف القريه عن طريق بيتكو
زاد غضبه عندما يصور له خياله اشياء مكروهة تحدث لحبيبته فأخذ يضرب ع سطح مكتبه بقبضته بقوة ثم صمت لتأتي له ذاكرته بكل مشهد عندما كان بالكمين الي ان ذهب للبيت الذي يمكث فيه افراد العصابة والسيدة التي كانت نائمه ولم يتعرف ع ملامحها ... وفجاءه يبحث عن هاتفه لكنه تزكر بأنه قد أضاعه ولم يعثر عليه بعد لانه مشغول للغايه بمهمته
فرفع سماعة هاتف المكتب ويتزكر رقم زميله الذي كلفه بالبحث حول أيمن فأجابه الرجل ع الفور
صقر: بقولك هو انت لما سألت ع ايمن عرفت ان مراته حامل؟؟
الرجل: اه وكانت بتولد ف القصر العيني ف نفس اليوم الي سافر فيه
صقر: انت متأكد؟؟؟؟
الرجل : هو حصل حاجه؟؟؟؟
صقر وقد تجمدت الدماء ف عروقه ليلقي بالسماعه ع الهاتف بقوة ويحدث نفسه : ده لو الي ف دماغي ده طلع صح مش هيكفيني قتلهم كلهم واحد واحد اه يا ولاد ال....
آمال كانت تنظر بذعر عندما أحست ان هناك خطب ما فتساءلت بقلق: حصل اي قولي ؟؟ بنتي جرالها اي؟؟ فانهارت ف البكاء
صقر بغضب عارم : اسكتي دلوقت وبطلي عياط مش وقتك خالص
صياحه المرعب اسكتها تماما وهي تضع يدها ع فمها لتمنع شهقات بكاءها
طرق الباب احدي العساكر وخلفه خالد الذي دفع الباب بدون استئذان عندما سمع صياح صقر بزوجة عمه
العسكري: صقر بيه الظرف ده واحد باعته للامين برة وقالنا نسلمو ليك شخصيا وادهولنا وجري كأنه فص ملح وداب
أخذ صقر الظرف بقبضه قويه وفتحه بعدما مزقه ليسقط منه هاتفه ومعه ورقه لينحني لأسفل ليلتقطهما فيتفحص هاتفه ليجده في وضع الطيران ومفتوح ع ملفات الصور وخاصة الملف التي به صوره هو وفيروز فاتسعت حدقتيه غضبا ليري الورقة مكتوب فيها :
انت لو عايزها ترجعلك زي ما خدناها بالظبط من غير خساير ياريت متدخلش وكر الأفاعي
مع تحياتي : رأس الأفعي
بعدما قرأها صقر عدة مرات زمجر بقوة وفتك بالورقه بين قبضته والقاها ع الارض وغادر المكتب والمخفر ايضا تاركا آمال وخالد ف خوف وحيرة حيث ادركو ان هناك أمر اكبر من الاختطاف
* وفي الجانب الأخر يقف بيبرس فوق سطح المنزل ويقف ع حافه السور ويدخن سيجارته الفاخره وهو يضحك بصوت جلي ثم أردف : أنا بعشق اللعب ع المكشوف ياصقر ياتري هتفضل مين ع مين شغلك ولا البرنسيسس!
قالها وتابع ضحكاته وهو يزفر دخان السيجاره
انتهت حلقتنا
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ولاء رفعت
في المكتب القديم، كان بيبرس يتحدث في الهاتف.
بيبرس: أوري العزيز، كيف حالك؟
أوري: نشكر الرب.
بيبرس: كيف حال جميلتنا شيرا؟
أوري: إنها تشتاق لك دائمًا.
بيبرس: قل لها لا تقلقي، كلها ساعات قليلة وسنتقابل.
أوري: ألا تشتاق لبلدك يا بيبرس؟
بيبرس: ليس لي بلد سوى مصر. ولا تنسَ عزيزي أوري أن أبي مصري أبًا عن جد.
أوري: لكن والدتك يهودية وأنت تنتمي لديانتها وبلدها.
بيبرس: هذا ليس وقت للجدال عزيزي. أنا أتصل بك لأخبرك بموعد الشحنة غدًا وسنسلمها لكم عبر البحر الأحمر.
أوري: عظيم... لكن احذر، لابد أن الشرطة المصرية تراقبكم جيدًا.
بيبرس: لا تقلق يا أوري، فأنا لدي الحصان الرابح. هل نسيت من أكون؟
أوري: لن أنسى عزيزي، أنك تلقب برأس الأفعى، ومن يقترب منك لا ينال سوى السم.
ضحك بيبرس بصوت جهوري ومرعب، ولكن توقف عندما وجد ظل شخص ما من أسفل فتحة الباب.
بيبرس: عذرًا يا أوري، سأغلق الآن وسأتصل بك لاحقًا. سلام.
أنهى المكالمة وتقدم ببطء شديد من الباب. أحست بخطواته، رغم هدوئها الشديد، وهي تصعد بسرعة البرق لأعلى. بخطى سريعة نجحت في ذلك ودلفت للحجرة الشاغرة وأغلقت الباب على الفور. كانت تشهق وتزفر بقوة من الخوف. وضعت يدها على فمها لتكتم أصوات أنفاسها العالية عندما سمعت أصوات قرع أقدامه وهو يصعد الدرج. عندما أسندت يدها على الحائط، ضغطت بدون قصد على زر الإضاءة. وهي تلتفت لتغلقه حتى لا ينكشف أمرها، صرخت بقوة لما رأته يقف وجهًا لوجه أمامها.
***
في الفندق الذي يمكث فيه صقر، وبداخل غرفته.
كان صقر يمارس تمارين الضغط ليخرج كل طاقة غضبه بها.
صقر: يعني عايزني أعرف أنهم خاطفين خطيبتي وأسكت؟
أمير: كل شيء بالعقل يا فندم، ومتنساش ده واجبك اتجاه بلدك.
توقف صقر ثم نهض وأخذ منشفة قطنية يمسح بها قطرات عرقه المتساقطة.
صقر: أنا كل ما أفتكر إنها كانت نايمة قدامي ومعرفتهاش، وكمان في إيدين ولاد الـ... الدم بيغلي في عروقي وعايز أروح أشرحهم واحد واحد.
أمير: متقلقش عليها، عمرهم ما هيأذوها لأنها ده الكارت اللي هيلعبوا بيه. وأي غلطة أو تهور حضرتك عملته مش هيكون في صالحنا ولا في صالحك.
صقر بغضب عارم وعروق عنقه بارزة:
صقر: آها، وديني لما أمسك الو... اللي اسمه بيبرس ده. لأسف، فور رمل الصحرا كله غير العذاب اللي هيشوفه مني. هخليه يندم على اللحظة اللي فكر فيها يخطفها.
أمير: ما أنا قلت لحضرتك، دول عصابة مش بالساهل توقعهم. دول فرع من فروع كتير لمافيا كبيرة بره. وآخر معلوماتنا عنهم كان ليهم صفقات مشبوهة مع واحد اسمه يوري في روسيا، بيلقبوه بالقيصر، أصوله يهودية. وكان فيه إشاعة بتقول إن بيبرس من قرايبه، لكن بينهم عداوة منعرفش أسبابها.
صقر وهو ينصت لحديث أمير بجدية:
صقر: يعني معاكم كل المعلومات دي ومش قادرين تمسكوهم من زمان، إزاي؟
أمير: للأسف يا فندم، كل ما نعمل كبسة لأي عملية بيعملوها، بتطلع وهمية. والمشكلة إن الموضوع داخل فيه ناس تقيلة في الدولة، من ضمنهم رأس الفساد شوقي ضرغام، اللي مش عارفين نمسك عليه غلطة لحد دلوقتي.
صقر: بإذن الله هيوقعوا على إيدي ومش هرحم حد فيهم، من أول أيمن الواطي اللي كان بيقول على خطيبتي إنها مراته، وبيبرس الكلب، لحد الرأس الكبيرة.
أمير: ومتنساش، لازم نمسك الطرف التاني ونعرف هدفه.
رن هاتف صقر ليرد:
صقر: الو... أهلاً أهلاً بحضرتك يا فندم... آها طبعًا عارف حضرتك، سمعتك سابقاك عندنا في الداخلية كلها... تحت أمرك... إن شاء الله قبل الميعاد هكون أنا وأمير عند حضرتك... مع السلامة.
أمير: ده بالتأكيد سيادة المقدم كارم الطوبجي.
صقر: آها، ده من أكفأ القيادات اللي بطلع معاها مهمات خاصة. بس مستغرب إنه طلب نقله هنا في الوادي الجديد ليه؟
أمير: لأنه هدفه نفس هدفك، بس بعيد عنك. ده خسر أعز ماله بسبب الكلب اللي اسمه بيبرس ده. دبح له مراته وعياله قدام عينيه، وكانوا مقيدين.
صقر شعر بغصة تملكت من قلبه:
صقر: ومعرفش ياخد حقهم؟
أمير: يا ريت، ده شاف العذاب ألوان معاهم، بس برضو ميأسش وحالف ياخد بتاره منهم.
صقر: إن شاء الله. طب يلا عشان أجهز حاجتي، وأنت روح جهز حالك وعدي عليا عشان نروح مركز القيادة.
أمير: تمام يا فندم، في ظرف نص ساعة وهكون عندك... سلام وعليكم.
وقالها ثم غادر. ليرد عليه صقر السلام.
صقر لنفسه:
صقر: معلشي يا قلبي، كلها ساعات وآخدك ما بين إيد الكلاب دول، وقبلها هكون مخلص على الحيوانات اللي اتجرأت وخطفوكي ومدوا إيديهم عليكي. وحسابك عسير معايا يا بيبرس الكلب.
***
فيروز شهقت ذعرًا وبصوت متقطع:
فيروز: أ..نـ..تَ أنتَ.. إ..ز..ا..ي؟
بيبرس بابتسامة مرعبة وهو يشير لها لباب آخر للغرفة ثم أردف:
بيبرس: كنتِ واقفة قدام المكتب، عايزة إيه؟
فيروز ووجهها تلون بجميع الألوان:
فيروز: أنا.. أنا كنت جايلك عشان...
قاطعها بالاقتراب منها وهو يحاوطها بذراعيه مستندًا على الحائط:
بيبرس: عشان إيه؟
قالها وظل يحدق في عينيها وهي تشيح بنظرها للأسفل خوفًا منه ومن نظراته التي تدب الرعب بقلبها.
فيروز ضاق نفسها وظلت تأخذ شهيقًا وزفيرًا بقوة:
فيروز: ممكن تبعد لو سمحت؟ مش قادرة أتنفس.
بيبرس واقترب من أذنها هامسًا:
بيبرس: ليه؟ هو أنا مش مقاومش للدرجة دي؟
قالها وارتسمت على محياه ابتسامة خبيثة.
لن تشعر بيدها وهي تنهال على وجهه بصفعة جعلته يجن جنونه. فانحنت بخفة بجسدها من أسفل ذراعه وركضت للخارج مسرعة حتى ذهبت لغرفة أيمن. فتحت الباب لتغلق وراءها بالمفتاح. وكان يخطو بخطوات سريعة وهو يزمجر كالليث بقوة مناديًا عليها:
بيبرس: فيروووووووووووووووووووووووز!
أيمن الذي كان نائمًا استيقظ على تلك الزمجرة المرعبة فتفاجأ بوجود فيروز التي تحاول الاختباء في الخزانة وتقول له هامسة:
فيروز: بالله عليك أوعى تقول إن أنا هنا، ده ممكن يقتلني.
أيمن: أنتِ عملتِ له إيه؟
فيروز برعب: أنا...
استوقفها طرقاته الشديدة على باب الغرفة وصوته الجهوري وهو ينادي عليها.
أيمن: طيب استخبي أنتِ وأنا هفتح له وألهيه بأي كلام.
نهض أيمن من فراشه واتجه نحو الباب المغلق وفتحه بالمفتاح ليجد أمامه بيبرس كالثور الهائج وهو يدفعه بقوة ليقع على الأرض.
بيبرس ويرمق أيمن بنظرات مرعبة:
بيبرس: أنت قافل الباب بالمفتاح ليه؟
أيمن بخوف: أنا.. أنا نسيت وقفلته.
بيبرس لاحظ طرف ثوبها المغلق عليه ضلفتي الخزانة. وفي لحظة فتح الخزانة بقوة حتى وقعت الضلفة، وهي كانت تبكي بقوة والرعب يتملكها للغاية.
بيبرس بنظرات لا تبشر بالخير:
بيبرس: تعالي هنا لأمد إيدي وأجيبك من شعرك.
كان غضبه ليس من الصفعة التي تناولها منها، لكن من وجودها بغرفة أيمن. فهل أنه يغار عليها حقًا؟
فيروز خرجت بحذر ولسانها لم ينبس بكلمة من الخوف. وقفت أمامه وتنظر لأسفل لتتحاشى نظراته المرعبة.
أمسك بيبرس يدها بقوة ويسحبها على غرفته. فتح الباب ليدلفا إلى الداخل ويلقاها على تخته وبصوت أجش يحذرها:
بيبرس: عارفة لو شفت رجليكي بتخطو خطوة واحدة في أوضة أيمن هقطعها لك.
تمالكت نفسها وجمعت قواها لتسأله بصوت جهوري:
فيروز: وانت مالك بيا أصلًا وحابسني ليه؟ سبيني أروح لأهلي وأنا أوعدك مش هقول لحد أي حاجة. وأظن كفاية عقابك ليا لحد كده.
بيبرس بنظرات تعجب وسخرية:
بيبرس: انسَي إنك ترجعي وتشوفي أهلك خالص، لأنها كلها ساعات بالكتير وهتسافري معايا.
انصدمت فيروز:
فيروز: أسافر! إزاي؟ لالالالا، أنت بالتأكيد بتهزر.
بيبرس بابتسامة ساخرة:
بيبرس: أنا لما بقول حاجة بنفذها على طول.
فيروز: ليه بتعمل معايا كده؟
بيبرس: عشان أنا عايز كده. وكفاية رغي كتير وساعة كده وهتوصل شنطة مليانة هدوم ولوازم ليكي عشان هنسافر بكرة.
فيروز ركضت نحوه وهي تضربه بكل قوتها:
فيروز: حرام عليك، سيبنييييييييييي في حالي بقي، عايزة أروح.
أمسك بكفيها ونظر لها نظرة مرعبة أسكتتها وأردف:
بيبرس: لو مش عايزاني أقرب منك ولا أعمل فيكي زي امبارح، بطلي اللي بتعمليه ده، فاهمة ولا أفهمك؟
قالها وترك يدها بقوة وغادر الغرفة وأغلقها بالمفتاح من الخارج.
***
ونعود للعاصمة، وفي إحدى المطاعم المطلة على نهر النيل.
تجلس رنيم ويقابلها إياس على طاولة يحاوطها جو شاعري ونغمات الكمان التي يعزفها العازف الذي على مقربة منهما.
إياس كان يتأمل وجه رنيم بدرجة أخجلتها منه كثيرًا، وهي كانت تفرك بيديها.
إياس مبتسمًا:
إياس: هتفضلي مكسوفة كده كتير؟
رنيم بتوتر:
رنيم: احم.. عادي مش مكسوفة بس مستغربة إنك طلبت مني إننا نتقابل.. يعني مش خايف من جاسمين تشوفنا!
قالتها بسخرية.
إياس بضيق:
إياس: حتى لو شافتنا عادي يعني، هخاف من إيه؟
رنيم: عشان خطيبتك يعني، ومينفعش تخونها وانتوا لسه في الخطوبة.
إياس ضحك على كلامها لأنها لا تعلم بخبر فسخ خطوبته بعد. فهو يريد إثارة غيرتها ومشاعرها لتبين حبها له.
إياس: لا مش بخونها، جاسمين بحبها وهتبقى مراتي.
رنيم أحست بنيران تشتعل بداخلها وأرادت بأن تقلب الطاولة على رأس ذلك الأجدب. تلون وجهها للحمرة من الغضب.
ضحك إياس في سره على تعابير وجهها لأنه تثبت له حبها بدون قصد.
إياس: مالك ياروني ساكتة ليه وعنيكي بتطلع شرار؟
رنيم: لو سمحت، اسمي رنيم. روني ده محدش بيناديني بيه غير المقربين مني.
إياس بنظرات خبيثة:
إياس: طب وأنا بالنسبة ليكي إيه؟
رنيم بتصنع:
رنيم: زي صقر مش أكتر.
إياس واقترب منها:
إياس: طيب عيني في عينك كده؟
أشاحت بنظرها اتجاه النيل لتغير مجرى الحديث فقالت:
رنيم: حلو أوي المكان ده ومنظر النيل روعة، خصوصًا وقت الغروب والشمس بتكون جميلة أوي.
إياس يسايرها:
إياس: آه الشمس جميلة وحلوة وعسل وأمورة أوي.
رفعت إحدى حاجبيها:
رنيم: نعم؟؟؟؟؟؟؟؟
إياس: نعم الله عليكي. بقول الشمس أنا جيت جنبك!
جاء النادل ويقدم لهما كأسين من عصير الفراولة الطازج:
النادل: اتفضل يا فندم.. أي خدمة حضراتكم؟
إياس: لا شكرًا.
ابتسم لهما النادل ثم غادر.
رنيم كانت تنظر لكأس العصير كأنها رأت شبحًا، حيث لديها حساسية شديدة من الفراولة، جاءت لها عندما بدأت في سن المراهقة.
إياس: مالك مش بتشربي العصير ليه؟ متخافيش مفيهوش حاجة.
أخذت الكأس من أمامها:
رنيم: لاء عادي هشرب أهو.
أرادت عدم الرفض حتى لا تحرجه.
ارتشفت منه قليلاً ثم القليل مرة أخرى. وهو انتهى من كأسه الذي شربه مرة واحدة.
إياس: شكله مش عاجبك، أطلب لك حاجة تانية؟
رنيم: لا، أنا بشرب أهو. ما أنت عارف بحب أشرب وأكل على مهلي.
إياس مبتسمًا ليزداد وسامة:
إياس: آه فاكر يا قلبي، وفاكر لما كنا صغيرين وكنا بنلعب في الجنينة بتاعة الفيلا، ولما كسرتي دراعات الأتاري بتاعة صقر عشان مكنش راضي يخليكي تلعبي معانا. وأول ما عرف وبيجري وراكي عشان يضربك، روحتي استخبيتي ورايا ومسكتي في هدومي. حسيت وقتها بأنك بتقوليلي أنت اللي بحس معاه بالأمان.
احمرت وجنتاها لأنه يصرح بمشاعرها اتجاهه فقالت:
رنيم: إحنا كنا عيال يا إياس.
إياس: بس أنا لسه شايف النظرة دي في عينيك.
رنيم ازداد توترها وبدأت تشعر بالضيق والاختناق، وكان إياس يحسب أنها متوترة من حديثه، لكن حالتها تتدهور. بدأ وجهها يحتقن به الدماء وتأخذ أنفاسها بصعوبة بالغة وتشهق بصوت جهوري.
إياس انتفض من مقعده ليقترب منها:
إياس: مالك يارنيم؟ في إيه؟
رنيم بصوت مختنق:
رنيم: ا..نـ..ا.. ا...نـ..ا م..ش ق..اد..ره.
قالتها بصوت متقطع وغير قادرة على التنفس.
ذعر إياس من حالتها فحملها مسرعًا وألقى على الطاولة ورقات نقدية ثم ركض كالمجنون وهو يحملها على ذراعيه.
حارس ساحة الانتظار جري نحوه:
الحارس: اديني المفاتيح، أساعدك وأنا أفتح لك العربية.
إياس بخوف:
إياس: خدها من جيبي بسرعة الله يخليك.
أخذ الحارس المفاتيح وفتح له السيارة، وإياس وضع رنيم على المقعد المجاور لمقعد القيادة وربط حزام الأمان. والتف هو للناحية الأخرى وقاد السيارة بأقصى سرعة.
***
في بيت بيبرس، كانت فيروز تجلس على الأريكة بالغرفة المسجونة بداخلها.
فتح بيبرس الباب ودلف لينظر لها:
بيبرس: أنتِ لسه ملبستيش؟
فيروز بدموع:
فيروز: أنا عايزة أروح، مش عايزة أسافر معاك.
بيبرس وبدأ الغضب على ملامحه:
بيبرس: يعني إيه مش عايزة؟ بصي، ربع ساعة آخرك معايا. امشي وارجع ألاقيكي لبستي وجهزتي حاجتك، ولو مسمعتيش الكلام هتشوفي مني وش هتتمني الموت وإنك متشوفيهوش. سلام وراجعالك تاني.
قالها وغادر وصفق الباب بقوة خلفه.
أخذت تكفكف عبراتها وتدعو الله بأن ينجيها من براثن ذلك الوحش.
فيروز: يارب نجيني يارب من الظالم ده واجمعني بأمي على خير واشوف حبيبي قبل ما يجرالي حاجة.
ثم تنهدت وأخذت تحضر ثيابها الجديدة في الحقيبة وأبدلت ثوبها بثوب آخر جديد بلون الأزرق القاتم.
طرق بيبرس الباب وهو يقول:
بيبرس: ها، خلصتي؟
فيروز من الداخل:
فيروز: آها، خلصت.
بيبرس: طيب مستنيكي تحت.
قالها وهبط على الدرج ونادى على أيمن بأن يسرع ويذهب مع رجاله خلف المنزل حيث الحظيرة ليساعدهم في نقل القطع الأثرية وصناديق مغلقة بها الكثير من الأسلحة.
انتهت فيروز من ما تفعله ثم خرجت من الغرفة وهي تسحب حقيبة ذات عجلات. دفع خلفها عندما رآها بيبرس، صعد الدرج وأخذ منها الحقيبة ونظر لها بدون أن ينبس بكلمة واحدة، لكن أحيانًا لغة العيون أقوى من لغة الألسنة، لا تستطيع الكذب وتفيض بكل المشاعر التي بداخلك.
هبطا لأسفل. فيروز كانت عاقدة ذراعيها أمامها وكأنها تدفئ جسدها، فكان الطقس بارد قليلاً، فالمعروف أن مناخ المناطق الصحراوية شديد الحرارة نهارًا وشديد البرودة ليلاً.
لاحظ بيبرس ارتجافها من البرد وكان يرتدي معطفًا (الجوخ الألماني) فقام بخلعه ووضعه على كتفيها ليدثرها جيدًا به.
فيروز نظرت له بقلق، فإنها مندهشة من تصرفاته نحوها، فتارة يكون معها رجل حنون وتارة أخرى كالوحش الكاسر. لكن ما تعجبت له أكثر نظرات عينيه التي تشبه نظرات صقر لها. فهل يعقل هذا؟ هل ذلك الظالم يحبني؟ كيف؟ إنه بعمر والدي وأنا مثل ابنته.
مهلاً، لا يوجد في قانون الحب ما يمنع ذلك. لكن في قانون عشق حبيبي هناك ما يمنع حتى لأي رجل ما التفكير بي، فأنا لصقر وصقر لي، ولا يفرقنا أحدًا سوى الموت.
بيبرس بصوت أجش:
بيبرس: يلا تعالي ورايا، زمانهم خلصوا.
ذهبا نحو سيارة ضخمة ذات الدفع الرباعي. أشار لها بأن تصعد للداخل أولاً. فنظرت له وقالت:
فيروز: طيب ممكن طلب أخير؟
زفر بيبرس بقوة:
بيبرس: اتفضلي قولي.
فيروز بقلق وتردد:
فيروز: أنا ممكن أشوف ماما لو من بعيد.
بيبرس: نعم يا أختي؟ هو حد قالك إن أنا الدادة بتاعتك؟
فيروز وترقرق الدمع بعينيها:
فيروز: ما أنا مش عارفة، يا ترى هشوفها تاني ولا لاء، فارجوك متحرمنيش من إني أشوفها لو ليا عندك خاطر.
قالتها ونظرت له من طرف عينيها لأنها لعبت على مشاعره اتجاهها.
بيبرس بتفكير:
بيبرس: ماشي، ممكن بس ليا شرط.
فيروز وارتسمت بسمة على محياها:
فيروز: اتفضل، وأنا تحت أمرك.
بيبرس: أول ما هخلص الشغل اللي رايحه له ده هنسافر أنا وانت.
اتسعت حدقتاها من الصدمة، لكن جاء لها صوت بفكرها قال لها بأن توافق على شرطه حتى تنفذ ما تخطط له.
فيروز: حاضر، اللي انت عايزه.
بيبرس بابتسامة ماكرة:
بيبرس: بموت فيكي لما بتكوني مطيعة. يلا ادخلي عشان الحق أخليكي تشوفي مامتك.
صعدت فيروز لداخل السيارة وخلفها بيبرس وتحركت السيارة. وبعد 5 دقائق وصلوا بالقرب من منزل عائلتها.
فيروز: ممكن أنزل؟
بيبرس: أنتِ طيبة أوي يافيروز، إزاي إن أنا خاطفك وهخليكي تشوفي مامتك؟ ده إيه الذكاء ده؟
قالها بسخرية.
فيروز: اومال كنا بنتفق على إيه من شوية؟
بيبرس: ثواني هتعرفي.
أمر بيبرس إحدى رجال الحراسة بأن يذهب للمنزل ويسأل عن والدة فيروز ويعطيها ظرف به رسالة وهمية. وتعمد الحارس بأن يقابلها خارج المنزل حتى يتاح لفيروز بأن تنظر لوالدتها من نافذة السيارة.
وانتهى الرجل ثم صعد السيارة وانطلقوا. لكن قبل الانطلاق، استغلت فيروز انشغال بيبرس بالحديث في الهاتف وفتحت النافذة قليلاً بدون أن يلاحظها وألقت منها بورقة مطوية.
***
وصل أخيرًا أمام مشفى السويفي الخاص ونزل من السيارة وحمل رنيم ودلف مسرعًا لداخل المشفى وهو ينادي.
إياس بصوت جهوري:
إياس: حد من الدكاترة يجي بسرعة.
رنيم كانت في حالة سيئة، فنفسها كاد يتوقف، وبشرتها شديدة الاحمرار.
رفأت طبيبة له مسرعة:
الطبيبة: إياس بيه، أهلاً وسهلاً بحضرتك.
إياس: مش وقته سلامات، الحقيها بسرعة.
الطبيبة: تعالي بسرعة ورايا.
ذهب خلفها ودلفا حجرة من أجل الفحص. وضعها إياس على التخت. اقتربت منها الطبيبة وانحنت بجذعها وهي تتفحصها، فنادت على إحدى الممرضات بالخارج:
الطبيبة: مي، هاتي لي كلاريتين لو سمحت وكوباية ميه.
ثم أخذت جهازًا من على الطاولة المجاورة للتخت به كمامة بلاستيكية توضع على الفم والأنف. فضغطت على ذلك الجهاز ليعمل، فبدأ النفس ينتظم لدى رنيم وكانت تنظر لهم بعينين واهنتين.
إياس بتوتر:
إياس: مالها يا دكتورة؟
الطبيبة: مدام حضرتك عندها حساسية مزمنة وشديدة، والظاهر كده شربت أو أكلت حاجة ممنوعة عنها فبدأت الأعراض تيجي لها بالضيق في التنفس والاختناق. أنا عمومًا أدتلها جلسة استنشاق عشان يوسع الشعب الهوائية عندها وهديلها علاج الحساسية.
إياس تذكر عندما شربت عصير الفراولة وأخذ يلوم نفسه ثم أردف قائلاً:
إياس: طيب يا دكتورة، كده بقت كويسة؟
الطبيبة: آها، عادي ممكن تروح بعد ساعة كده عقبال ما أتابعها. أنا هسيبها ترتاح دلوقتي وهجيلها بعد شوية تكون خلصت الجلسة وهديلها العلاج. عن إذنك.
إياس: اتفضلي حضرتك.
اقترب من رنيم وجذب مقعد وجلس بجوارها ومسك يدها وينظر لها بحنان وخوف عليها ثم قال:
إياس: كده يارنيم تبقي عارفة إن الفراولة غلط عليكي وتشربيه.
نظرت له ثم ترقرقت عبراتها في عينيها وأشاحت وجهها للجهة الأخرى.
إياس: طب بتعيطي ليه دلوقتي؟ أنا زعلتك في حاجة؟ طيب ممكن تبصيلي ومتوديش وشك الناحية التانية.
نهضت بجذعها وهي تتخلص من الكمامة وتلقي بها جانبًا.
إياس: بتعملي إيه؟
رنيم: أنا عايزة أمشي، ممكن تروحيني البيت لو سمحت؟
إياس: طيب استني تخلصي الجلسة الأول وتاخدي العلاج.
رنيم بأنفعال:
رنيم: بقولك عايزة أمشي... أو لاء، قولي همشي أنا أحسن.
قالتها ثم مشت بخطى سريعة وهو أسرع خلفها ويمسكها من معصمها:
إياس: مالك يارنيم؟ في إيه؟
رنيم وهي تتخلص من قبضته لتلقي بها بقوة واردفت بصوت حزين ممزوج بالغضب:
رنيم: في إنك واحد خاطب، ومينفعش أقف معاك حتى ولا نتقابل، لأن كده بغلط في حق نفسي وبرخصها.
إياس: أنا فسخت خطوبتي يارنيم.
رنيم: وأنا مالي؟
إياس: مالك! عشان أنا...
قاطعته قائلة:
رنيم: أنت متحبيش حد غير نفسك، وارجوك متضحكش عليا بكلام مش هصدقه، لأنك لو زي ما لسه هتقول إنك بتحبني، مكنتش تخليت عني من زمان.
إياس: أنا وقتها كنت شايفك أخت صاحبي الصغير.
رنيم: قصدك الطفلة زي ما قولتلي ساعتها.
إياس وزفر بغضب:
إياس: طيب انتِ إيه اللي يرضيكي دلوقتي؟
رنيم: إن مش عايز أشوفك تاني، ويا ريت متتصلش عليا ولا أشوفك بالصدفة حتى.
إياس بكبرياء:
إياس: يعني انتي عايزة كده؟
رنيم بتحدي:
رنيم: آها.
إياس بنظرات سخط لها:
إياس: حاضر، اللي انتي عايزاه. ومن هنا ورايح انتي هتبقي زي أختي.
وقعت كلماته على مسمعها كالصاعقة، وكادت تبكي لكن منعت عبراتها بقوة حتى لا تكشف ضعفها أمامه.
إياس وهو يولي ظهره لها:
إياس: يلا عشان أوصلك. وطول ما صقر وهو مش موجود، انتي مسئولة مني، يعني خروجك ودخولك البيت بحساب وبعلم.
رنيم رمقته بغضب ولم ترد على كلامه لها. ثم ذهب كلاهما واستقلا السيارة وأوصلها أمام المنزل ونزلت وصفقت خلفها الباب بقوة، وهو لم يعير لها أي اهتمام وانطلق بالسيارة.
***
في فيلا صلاح السويفي.
بدأت الموسيقى والإضاءة المتحركة بالتشغيل واجتمع جميع المعازيم بالحفل، حيث الطاولات الراقية المزينة بالزهور البيضاء والكريستال العاكس للإضاءة والمقاعد المزينة بالحرائر. وكان المكان الذي يخص العروسين في ركن هادئ أمام كل أنظار المتواجدين، حيث أريكة ذات أقمشة مخملية باللون الأبيض المتلألأ ومساندها معكوفة ومسند الظهر عبارة عن سياج من زهور الليلك ذات اللون البنفسجي. وأمام الأريكة ساحة كبيرة من الزجاج الشفاف وأسفله إضاءة بألوان متعددة، فهي ساحة ليتجمع عليها الحاضرين للرقص.
وفي مشهد، العروس خرجت من داخل الفيلا أثناء تهليل وتصفيق الحاضرين. ترتدي فستان بلون الأسود الذي جعل الكل يتهامسون بتعجب. وكان ينتظرها شهاب الذي كان يرتدي التوكسيدو ولونه مثل لون فستانها. اقترب منها وهو يعطي لها ذراعه لتضع يدها على ساعده المنحني (إنكجيه). فاقترب من أذنيها التي كان يغطها شعرها المنسدل على كتفيها فهمس لها:
شهاب: يعني بتعاندي معايا ولبستي فستان أسود عشان تحرجيني قدام الناس؟ لكن ده بعدك يا سيلي برضه، هكتب الكتاب إن شاء الله لو لبسك عفريت.
لمست له هي الأخرى بشفتيها ذات الحمرة القاتمة ونظرت له بعينيها المزينة بالكحل والظلال الداكنة، فمن يراها يحسب أنها الأرملة السوداء وليست عروس في يوم خطبتها:
سيلين: كتفك عفريت ما يلبسك انت. وعايزاك تكتب كتاب ومجلد زي ما تحب، بس إنك تلمس شعرة ده بعدك يا شيبو.
قالتها بسخرية.
شهاب ابتسم بخبث:
شهاب: بأمارة كل ما أجي أبوسك فجأة ألاقييكي تايهة ومستسلمة، ولا أنا غلطان؟
استشاطت غضبًا:
سيلين: الليلة دي تخلص بس والناس تمشي، ولك عليا هخليك تندم على كل حرف قلته.
قالتها ثم دهست بكعب حذائها الرفيع والحاد على قدمه فجعلته يتأوه بأنّين مكتوم حتى لا يلاحظه أحد، فضغط على يدها بثنية مرفقه وابتسم لها ابتسامة صفراء:
شهاب: هنشوف مين اللي هيندم التاني يا روحي.
وصلا عند الأريكة ليبارك لهما جميع الحاضرين. وها هو المأذون الشرعي قد أتى وجلس أمام طاولة جانبية بالقرب من الأريكة، فهو في الوسط وشهاب وصلاح على جانبيه جالسين وسيلين بجوار شهاب. تمسك بباقة زهور باللون الأسود أيضًا.
وبدأ مراسم كتب الكتاب بالخطبة:
المأذون: إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا... بارَكَ اللَّهُ لَكَ وبارَكَ عليْكَ وجمعَ بينَكُما في الخير.
انتهى المأذون وارتفعت أصوات الزغاريد والمباركات من الحاضرين.
اقتربت هايدي من سيلين وهي تعانقها:
هايدي: ألف ألف مبروك يا قلبي وعقبال يوم الزفاف.
سيلين ترمقها بسخط:
سيلين: اسكتي بدل ما أنفجر فيكي دلوقتي. وبعدين فين مايا المعفنة مجتش ليه؟
هايدي: بقالها كام يوم قافلة الفون بتاعها ولا بتفتح ماسنجر ولا واتس ولا أي حاجة خالص.
تذكرت سيلين ما حدث لصديقتها فصمتت.
شهاب اقترب منها:
شهاب: مبروك علينا يا قلبي.
سيلين: كتفك وجع في قلبك.
فأسقطها بقبلة في شفتيها أمام الجميع ثم سحبها من يدها إلى ساحة الرقص حيث بدأت الموسيقى الهادئة ليتراقصا عليها متعانقين.
سيلين: آآآه....
تأوهت بسبب قبضة يداه على خصرها كانت بقوة.
شهاب: هو انتي لسه شفتي حاجة! انتي خلاص بقيتي حرم شهاب السويفي وأخيرًا دخلتي جوه القفص يا روحي.
سيلين: طلعت روحك يا بعيد.
نتركهما معًا حيث تخبئ الأقدار لهما مصير سنعرفه لاحقًا في الأحداث القادمة.
***
وعودة مرة أخرى لمحافظة الوادي الجديد. في منطقة قريبة من الطريق الصحراوي بواحات الداخلة تقف عدة سيارات مصفحة تابعة لوزارة الداخلية وبها العديد من رجال القوات الخاصة، حيث الكل على أهبة الاستعداد. ونذهب لداخل إحدى السيارات التي تشبه غرفة صغيرة من الداخل، فهي غرفة العمليات أو مركز القيادة معدة من الداخل بشاشات حاسبات وأجهزة رادار وأجهزة لاسلكية.
يقف العقيد كارم الطوبجي على طاولة صغيرة وبجواره كلا من صقر وأمير وضباط آخرون يشرح لهم خطة الهجوم على أفراد العصابة.
كارم بصوت أجش:
كارم: دلوقتي كده أنا شرحت لكم الخطة بكل تفاصيلها الدقيقة، ويا ريت أتمنى مش عايز غلطة، لأن أي غلطة يبقى كل مجهودنا هيروح هدر غير الخسائر اللي ممكن تحصل.
صقر: متقلقش يا فندم، إن شاء الله هنقبض عليهم متلبسين كمان، هم واللي هيستلموا الشحنة.
كارم: من غير ما تقول يا صقر، أنا واثق في ذكائك وإخلاصك في عملك، أومال أنا اخترتك معايا في الفريق ليه.
صقر: ده شرف ليا كبير يا فندم.
كارم: تسلم يا سيادة النقيب.
أمير: يا فندم، جانا دلوقتي من المراقبة اللي قريبة من بيت بيبرس إنهم بدأوا بالتحرك.
صقر وتملكه الغضب:
صقر: أنا لازم أروح أخلصها من إيديهم بسرعة قبل ما يعملوا فيها حاجة.
كارم: اهدى يا صقر، ده أنا لسه كنت بشيد بذكائك. أنت كده هتضيع كل اللي بنعمله. خليهم فرحانين وفاكرين إنهم واخدينها رهينة، بس إن شاء الله هنرجعها بألف سلامة.
صقر: يا فندم يعلم ربنا أنا مستحمل إزاي وضغط على نفسي جامد.
كارم: إن شاء الله خير، متقلقش. وأنا يا سيدي هخليك في المقدمة.
صقر: يااااااارب.
ثم أخرج من جيب بنطاله هاتفه الذي تركه على وضع الاهتزاز ليرى رقم غير مسجل يتصل به. فأغلق ليضعه في جيبه ليعود هاتفه للاهتزاز مرة أخرى.
صقر لنفسه:
صقر: ده مين الرقم ده؟ لما أرد ليكون فيه حاجة.
قام بالرد:
صقر: الو.
والمتصل: .................
اتسعت حدقتاه وبصوت جهوري وهو يلقي هاتفه أرضًا بغضب عارم:
صقر: يا ابن الـ........ وربنا ليكون موتك على إيدي.
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ولاء رفعت
ليلي ترتدي حجابها أمام المرآة.
"ماما أنا نازلة، هاروح أجيب حاجة وجاية بسرعة."
والدتها كانت تجلس في الردهة على الأرض متربعة الساقين، وأمامها صحن كبير تقطع فيه أوراق الملفوف، وصحن آخر فيه خلطة أرز المحشي.
"هو إنتي يا بت، كل ما أجي أعمل محشي تسبيني وتهربي؟"
ليلي وهي تخرج من غرفتها وترتدي حذائها على عجلة من أمرها:
"يوووه يا ماما، بقي إنتي مش بتزهقي؟ كل يوم تعملي محشي، حرام عليكي الدايت باظ."
والدتها بنبرة ساخرة:
"دايت يا أختي! يااااارب تتجوزي واحد ما يخليكيش تعملي له غير المحشي."
ليلي:
"مهو طول ما إنتي عمالة تأكلنا في كرنب، مش هيبقي فيها جواز."
والدتها:
"اتبخري يا أختي، بكرة هنقعد جنب الحيطة ونسمع الزيطة."
ليلي وهي تفتح باب الشقة:
"هسيبك مع الزيطة وأخلع أنا."
وكادت تغادر، نادت والدتها عليها.
"إنتي يابتي."
عادت مرة أخرى لتردف:
"أنا عارفة إنه يوم نيل من أوله... نعم يا ماما؟"
والدتها:
"نعم الله عليكي يا أختي، خدي بطاقة التموين وإنتي راجعة، عدي على الفرن اللي على الناصية، هاتي لنا بـ 2 جنيه عيش، وإياكي تعوّدي لي."
ليلي تتأفف بضيق:
"استغفر الله العظيم يا رب، ما كانش مشوار هاروحُه، إيه الأرف ده."
والدتها بصوت جلي:
"بتبرطمي، بتقولي إيه يا زفتة؟"
ليلي:
"بقول ربنا ما يحرمناش منك ولا من المحشي بتاعك يا ست الكل."
قالتها وهي تدلف لغرفة المعيشة، وتفتح أحد أدراج المكتب الذي يعلوه شاشة التلفاز، وأخذت البطاقة وبعض النقود المعدنية.
"يارب نخلص بقي... أنا نازلة، عايزة حاجة تاني؟"
والدتها:
"لا، روحي وتعالي بسرعة، وابقي خدي الزبالة معاكي وارميها."
ليلي:
"يالهوي عليا وعلى سنيني السودة، هاروح القسم دلوقتي بزبالة إزاي..."
قالتها وأخذت كيس بلاستيكي مملوء بالمخلفات من أمام باب الشقة، ثم هبطت على الدرج.
ليلي لنفسها:
"طيب أعمل إيه دلوقتي... أشطة، أنا جالي فكرة، أرمي الكيس ده ورا الشجرة ولا من شاف ولا من دري، وآخد توكتوك."
ألقت الكيس في مكان مخفي وراء شجرة أمام منزل مجاور للمبنى التي تقطن فيه، فمشت قليلاً وأردفت:
"توكتوك... فاضي يا أسطى؟"
السائق وهو يقول في سره:
"السحنة دي مش غريبة عليا..." ثم أردف:
"اطلعي يا مظمظة."
ليلي رمقته بسخط وهي تجلس بالداخل وقالت في نفسها:
"مظمظة؟ عبو شكلك."
السائق:
"على فين إن شاء الله؟"
ليلي:
"على القسم."
السائق وهو يتذكرها بصوت مرتفع:
"هو إنتي؟"
ليلي وهي ترفع إحدى حاجبيها بسخط:
"مالك يا أخ؟ فيه إيه؟"
السائق:
"مفيش أبداً... بس بالصلاة على النبي كده، إن شاء الله الأجرة 10 جنيه، أديني بقولك قبل ما نوصل."
ليلي:
"لا يا عم، الأمور هي 5 جنيه يتيمة اللي هتاخدها."
السائق توقف عن القيادة:
"طيب لو سمحت بقي، سكتك خضرة، وانزلي شوفي لك حد تاني."
ليلي:
"لا مش نازلة، وهتوصلني غصب عنك."
السائق بغضب:
"ليه إن شاء الله؟ هو السواق الخصوصي بتاعك وأنا معرفش؟"
ليلي:
"هتنجز وتوصلني ولا أصوت وألم عليك الناس وأقول لهم إنك بتتحرش بيا؟"
السائق نظر لها من المرآة يتوعد لها في نفسه:
"وديني لأعلمك الأدب، ماااااااااشي؟"
ثم أردف وقال لها:
"من عنيا، هوصلك بس متزعليش في الآخر."
ليلي:
"طيب، ذوق عجلك ويلا يا خفيف."
السائق:
"إيه البت أم ألف لسان دي؟ بس الصبر وربنا لأنفخك."
وصل أمام القسم، وقبل أن تنزل ليلي، أمسك السائق بسكين حاد صغيرة وأصاب ذراعه بها بجرح سطحي، ثم ألقى بالسكين على ليلي التي التقطتها بخوف.
ليلي بخوف:
"يخربيتك، إيه ده؟"
السائق نزل من التوكتوك وأمسك بذراعها وصاح بصوت مدوي:
"الحقووووووووووووني، الحرامية دي عايزة تموتني وتسرق التوكتوك."
ليلي تصيح بذعر وخوف:
"ده كداب، والله... الله يحرقك يا شيخ، كل ده عشان 5 جنيه؟"
أخرجت من جيب بنطالها 5 جنيهات أخرى:
"خد، أهي، وحار ونار في جتك."
السائق:
"هو إنتي فاكرة هعديهالك بسهولة؟ لا يا أختي، وربنا لتتربى... يا حكومة، يا حكومة."
جاء أحد العساكر:
"فيه إيه يا ض؟ مالك عامل دوشة ليه؟"
السائق وهو يريريه ذراعه المصابة:
"شفت يا شوش؟ كنت سايق في أمان الله، وشاورت لي وركبتها، ولا بيا ولا عليا، طلعت كازلك وحطته على رقبتي وقالت لي انزل وسيب التوكتوك ده بدل ما أشُقك نصين."
ليلي وهي تبكي:
"والله العظيم كداب."
قالتها ولم تدرك بالسكين التي بيدها، فأصبحت في محل الاتهام.
العسكري بسخرية ويرمقها باحتقار:
"فعلاً هو كداب... يلا يا... انجري قدامي لجوه. وإنت يا حضرة، تعالي عشان تعمل المحضر."
السائق بتصنع:
"ينصرك على مين يعاديك يا شوش، وتترقى وتبقى أمين شرطة قد الدنيا."
ذهب ثلاثتهم للداخل.
العسكري:
"اقفي هنا ومتتحركيش من مكانك."
***
داخل سيارة مركز القيادة.
"هو قال لك كده بالظبط؟"
"هو قال كل اللي كان مكتوب في الورقة بالتفصيل. وقال إنه لقاها وهو رايح يصلي العشا بعد ما جاله واحد سأل على مرات عمه، وأداها ظرف فيه رسالة، وطلعت ورقة فاضية."
"يعني معنى كده كانت قريبة من البيت، وطبعاً كان بيبرس ورجالته معاها ومنعينها... بس كويس اتصرفت بذكاء وأديتنا معلومات هتفيدنا كتير."
"يارب بس نلحق نقبض عليهم قبل ما يعملوا فيها حاجة."
"سيارة رقم 1، فاضل قد إيه على طريق أكتوبر؟"
"نص ساعة يا فندم."
"كارم بيه... جات لنا إشارة إن عربيات أفراد العصابة وصلوا القاهرة واتجهوا لطريق إسكندرية الصحراوي."
"تمام، خليك متابع الإشارات اللي هتيجي وبلغني أول بأول."
"تمام يا فندم."
"هو ليه طالع طريق إسكندرية الصحراوي؟ ده مش المفروض أصلاً طريقه؟"
"ده العادي بتاع بيبرس، عشان كده لازم تكون حذر وأنت بتتعامل معاه وقت الهجوم، وتوقع منه أي شيء."
"إن شاء الله مش هيلحق يتوقع قبل ما إيديا هتكون خنقاه."
"للأسف، مش هينفع يا صقر. عندنا تعليمات بعدم موت بيبرس والمساعدين اللي معاه. وبعدين أنت عايز تخسر شغلك بسبب حقير زي ده؟"
"إحنا وصلنا القاهرة يا فندم، ومتجهين على نفس الطريق اللي عليه بيبرس ورجالته."
"تمام، خليكم متابعين."
***
داخل سيارة بيبرس.
فيروز كانت نائمة ولا تشعر بحالها، وهي تميل برأسها نحو بيبرس الذي يجلس بجوارها، فحاوط ظهرها بذراعه وجعل رأسها تستند على صدره، وظل يتأمل وجهها الملائكي بنظرات حب.
وهي كانت تحلم بصقر أنه أنقذها، وأخذ يعانقها، فوضعت يدها على كتف بيبرس ومالت بجذعها نحوه، فوضع العناق.
تعجب بيبرس من ما تفعله، فأدرك أنها تحلم، فلم يشعر بحاله وهو يضمها بقوة ويميل برأسه نحوها ليطبع على شفتيها قبلة عاشق لها، وكاد أن يفعل لولا أنها فتحت عينيها لتبتعد عنه، ففزع.
"أنت كنت بتعمل إيه؟"
"أنا كنت قاعد في حالي، لاقيتك نايمة وميلتي براسك على كتفي، وبعد كده لاقيتك حضنتيني."
خجلت كثيراً ثم أردفت بغضب:
"مش كفاية إنك خاطفني، كمان بتستهبل وبتتجاوز حدودك معايا."
نظر لها بنظرات مبهمة، فاقترب منها وهو ممسك بذقنها بأطراف أنامله:
"ما تخافيش، لما هنسافر برة، هتجاوز حدودي معاكي براحتي."
"أنت قليل الأدب."
"هو فيه حد برضه بيبقى اسمه قليل الأدب مع مراته؟"
اتسعت حدقتاها وهي تشهق:
"مرات مين؟ أنا على فكرة مرتبطة ومخطوبة."
"مين؟ صقر؟"
انتفضت من مجلسها لتتذكر عندما كانت موجودة بغرفة أيمن وسمعت أصواتاً بالخارج، وظنت أنه صقر، لكن لم تتذكر بعدها شيئاً بسبب ضربة أيمن لها على رأسها وأفقدها الوعي.
لكن سؤال بيبرس الآن يؤكد لها ظنونها، فخشيت بأن تؤكد له على علاقتها بصقر حتى لا يؤذيه.
"مالك سكتي ليه؟ وحشك حبيب القلب؟"
"قصدك على مين؟ مش فاهمة حاجة."
"بتكلم عن اللي كنتي معاه على المركب في النيل."
فيروز والحيرة تسيطر عليها، فكيف عرف ذلك! ليستوقف أفكارها وأردف:
"ماهو لما جالي تليفونه، وقع وشوفت صورك إنتي وهو مع بعض. بس شكله بيحبك أوي، بس عشان نتأكد أكتر، بعت له الفون بتاعه ومعاه تحياتي، وطبعاً زمانه هيتجنن لما عرف إنك معايا."
فيروز بعدم تصديق وخوف:
"أنت بتعمل معانا كده ليه؟ عايز منا إيه؟ حرام عليك."
بيبرس ووجهه تحول للوحش الغاضب:
"هو اللي مش عايز يبعد ومصمم يدخل وكر الأفاعي برجله، وإنتي يا حلوة جيتي لي على طبق من دهب."
"أبوس إيدك، ابعد عنه، هو ملوش دعوة."
"ما تقولي له هو الكلام ده، بس أحسن خليني أضرب عصفورين بحجر واحد، هتخلص منه زي اللي قبله، وثانياً عشان..."
حدق في عينيها ثم أردف:
"تكوني لي."
فيروز وبكل قوتها صرخت في وجهه بصوت عارم، فأسكتها بصفعة قوية جعلتها تفقد الوعي.
***
ليلي تنهار من البكاء:
"والله ما عملت حاجة، ده بيتبلي عليا، كل ده عشان الأجرة."
نظر لها السائق وهو يضحك ساخراً:
"دي عشان تحرمي تطولي لسانك وتعملي فيها شبح."
ليلي:
"ربنا يولع فيك إنت والتوكتوك بتاعك في يوم واحد، يا رب."
العسكري خرج لهما من إحدى المكاتب:
"تعالوا ادخلوا لساعد الأمين جوه، حظك الظابط لسه مجاش."
دلفا الاثنان للداخل.
جلس الأمين على منهمكاً على المكتب وهو يرتب بعض أوراق البلاغات، وهو ينظر للورق:
"خير، ارغي منك ليها."
السائق:
"والنعمة يا علي باشا..."
فسرد له كما قال للعسكري.
زفر علي بقوة وهو يرفع عينيه ليرى تلك التي تبكي بدموع وتعقد ذراعيها أمامها وهي تقول:
"والله العظيم ما عملت حاجة، كل ده عشان..."
نهض علي فجأة من مقعده واتجه نحو السائق وأمسكه من قميصه ويعنفه:
"هو إنت يا ض مش هتبطل الداء الو... اللي فيك ده؟ يعني قالت لك هتديك فلوسك وبرضه بتستعبط وعايز تلبسها تهمة؟"
السائق بذعر:
"وربنا يا باش..."
قاطعه علي:
"ربنا ياخدك يا شيخ ويريحني منك ومن مشاكلك، ده أنا لو زبون عندك كنت رميتك تحت عجلات التوكتوك وخلصت منك."
السائق:
"مقبولة منك يا باشا."
ضربه على مؤخرة رأسه بكفه ثم أردف:
"غور يا ض من هنا ومش عايز وشك تاني، غوووووووور."
ركض السائق مسرعاً للخارج.
فاتجه علي نحو ليلي التي تقف خائفة:
"اهدي وبطلي عياط."
ليلي بصوت متقطع وهي تبكي:
"و..ا..ل..ل..ه والله م..ا ع..ملت...حاجه."
تنهد علي بقوة وأردف:
"مش قولت اهدي وبطلي عياط."
ليلي:
"طيب، أنتوا هتحبسوني ولا هتعملوا معايا إيه؟"
علي:
"ومن جهة هتتحبسي، فأنتي هتتحبسي فعلاً."
قالها ورسم بسمة على شفتيه.
فازدادت أكثر في البكاء:
"عااااااااااااااااااااااااا."
علي بغضب:
"ما قولت اسكتي بقي، الله! فيه إيه؟"
كفت عن البكاء ونظرت له بذعر من غضبه.
فاقترب نحوها وأخذ منشفة ورقية من العلبة الموجودة على المكتب:
"خدي نشفي دموعك."
أخذت منه المنشفة ومسحت دموعها، فشعر هو بالندم عندما صرخ بها وجعلها تبكي هكذا، فقال:
"أنا لما قولت لك إنك هتتحبسي، مكنتش قصد الحجز، أنا كان قصدي حاجة تانية."
ليلي بصوت هادئ وبعدم فهم:
"قصدك إيه يعني؟"
علي:
"أنا بصراحة من ساعة المرة اللي فاتت، وأول ما شفتك عجبتيني أوي."
ليلي بنبرة غاضبة:
"متحترم نفسك، أنت فاكرني إيه؟"
علي:
"صوتك ما يعلاش، إنتي فاهمة؟"
ليلي:
"ما حضرتك بتقول إنك عجبتك، أرد أقول لك إيه؟ اتفضل كمل معاكسة واستظراف؟"
علي:
"طب وليه متاخديهاش بنية خير يعني؟"
ليلي:
"لو سمحت انجز عشان ورايا حاجة ضروري وعايزة أروح، ولسه هجيب حاجة لماما، ولو اتأخرت هأطين عيشتي."
علي يضحك على أسلوب حديثها:
"بغض النظر عن انجز وهأطين عيشتي... أنا عايز منك نمرة الوالد."
ليلي:
"ليه إن شاء الله؟"
علي:
"عشان أحب فيه شوية... يا بنتي، أنتِ طول عمرك كده زي القطر. أنا عايز نمرة باباكي وخلاص."
ليلي:
"طيب، ليه برضه؟"
علي يتنهد ويقول في نفسه:
"إيه البت الغبية دي؟ سبحان الله، ربنا ما بيدي كل حاجة، أداها الجمال ومعاه الغباوة."
ليلي:
"هي الإجابة محتاجة لتفكير أوي كده؟"
علي:
"اتفضلي امشي يا ليلي، مش عايز حاجة، أنا هتصرف."
ليلي فتحت الباب وخرجت بدون أن تنبس بأي كلمة، وتقول في نفسها:
"إيه الأشكال دي ياربي."
وهي تتمشى في الممر المتفرع منه مكاتب العاملين بالمخفر، توقفت لدي مكتب، على بابه لوحة معدنية باللون الذهبي محفور عليها بالأسود: النقيب: صقر يوسف الهواري.
طرقت الباب ليقابلها الساعي ويقول:
"عايزة إيه يا آنسة؟"
ليلي:
"عايزة أدخل لسيادة النقيب صقر، عايزاه في حاجة ضروري."
الساعي:
"مش موجود، يا بنتي، ده في إجازة بقاله كام يوم."
ليلي:
"حتى أنت كمان اختفيت زي فيروز... طيب، متعرفش هيجي إمتى؟"
الساعي:
"العلم عند الله."
ليلي:
"طيب، متشكرة."
قالتها وخرجت من المخفر.
عادت للمنزل بعد عناء ومشقة، وهي تشتري أرغفة الخبز من المخبز الذي كان مزدحماً.
ثم دلفت لغرفتها لتتمدد على تختها، وهي تفكر بصديقتها التي لا تعلم عنها شيئاً.
وفي أثناء شرودها، تذكرت الأمين علي وحديثه، ولم تفهم مقصده حتى الآن، فغطت في سبات عميق.
وبعد مرور ساعات.
والدة ليلي وهي توقظ ابنتها:
"إنتي يا بت، قومي بقي، إيه النوم ده كله؟"
ليلي بصوت ناعس:
"يوووه يا ماما، سبيني."
والدتها:
"هتقومي ولا هخلي الشبشب يقومك؟"
نهضت بجذعها متأففة:
"أووووووف بقي."
والدتها:
"قومي يا أختي وظبطي حالك عشان فيه ناس قاعدين مع أبوكي بره."
ليلي:
"وأنا مالي؟ هما ضيوفي ولا ضيوف أبويا!"
والدتها:
"لا يا عنيا، ده ناس جايين يطلبوا إيدك من أبوكي."
ليلي:
"وده مين اللي أمه داعية عليه ده وجاي يصحيني من أحلى نومة؟"
والدتها:
"هي من جهة داعية عليه، فعندك حق. واحدة فاشلة زيك بتسهر للصبح على اللي اسمه الفيس بوك ده وتنام لي لحد الضهر، هتفتح بيت إزاي؟"
ضحكت ليلي على حديث والدتها:
"أولاً اسمه فيسبوك يا ماما، وثانياً كفاية إني دكتورة وهيبقى ليا مركز اجتماعي مرموق، وأي واحد يتمناني."
والدتها:
"يا شيخة، اتنيلي، كلهم بياخدوا الشهادات، وفي الآخر بيتجوزوا ويخلفوا ويقشروا بصل، وفي الآخر أحمد زي عمر."
ليلي:
"أبوس إيدك، بطلي الطاقة السلبية اللي إنتي عمالة تشحنيني بيها دي."
والدتها:
"طيب، قومي يا حضرة الدكتورة عشان أبوكي عايزك بره."
ليلي:
"طيب، مقولتيش مين برضه؟"
والدتها:
"اخرجي وانتِ هتعرفي."
ليلي وهي تنهض من فراشها، ثم اتجهت لخزانتها، وأبدلت ثيابها بأخرى أنيقة، وارتدت حجابها بشكل متناسق مع ثيابها، ثم خرجت إلى الردهة، وتقول بصوت هادئ وهي تنظر بخجل للأسفل:
"احم، السلام عليكم."
رد الجميع عليها التحية.
وقال والدها:
"تعالي يا ليلي عشان تتعرفي على عريسك."
رفعت عينيها فشهقت:
"علي؟!!!!"
***
داخل منزل باسل.
مايا مازالت مقيدة، لكن تجلس على إحدى المقاعد الخشبية، ويداها مقيدتان للخلف، ويبدو عليها الوهن وعدم المقدرة على الحركة أو المقاومة.
"حرام عليك يا باسل، سيبني أمشي ومش هتشوف وشي تاني."
"شكلك عايزة تتلسوعي بالحزام. أنا تستغفليني وتحملي عشان تخليني أتجوزك غصب عني! ده بعد ما..."
"على فكرة بقي، أنا مكنتش ناوية أقول لك، وكنت رايحة أسقط. بعد ما عملوا لي فحوصات، الدكتورة قالت لي مينفعش، ده خطر عليا، ممكن أموت أو يحصلي مشاكل مضاعفة في الرحم، ومش هينفع أخلف تاني."
"وأنا مالي أهلي؟ تموتي في ستين داهية ولا متخلفيش ولا تولعي بجاز حتى."
"حسبي الله ونعم الوكيل فيك."
"بت، أنتِ وربنا ما اتكتمتي، هرجع أنيمك على السرير وأربطك فيه، وأستلقي وعدك من الضرب اللي هتاخديه مني."
"أنت ليه بقيت كده معايا؟ مش أنا مايا حبيبتك؟"
"هههههههههه، حبيبتي؟ أنتِ غلبانة أوي، أنا مليش حبيبة غير واحدة بس، ولو ما أخدتهاش برضاها، هاخدها غصب."
"متعييش نفسك في أوهام، سيلين بتحب صقر وعمرها ما هتبص لك."
"آخرسي يا..."
"وبعدين، لو إنتي عايزة أسيبك في حالك، هتسمعي اللي هقولك عليه."
استوقفه رنين هاتفه ليجد المتصل به صديق له يعمل بالملهى الليلي.
"الو يا شبح."
"صاحبك اللي بتكرهه جه ومعاه واحدة صاروخ."
"طيب، اقفل أنت دلوقتي وأنا جاي بسرعة."
أغلق الهاتف وأردف:
"رايح مشوار كده على السريع وجايلك تاني نكمل كلامنا."
فانحنى إليها ليعطيها قبلة مقذذة على وجنتها وأردف:
"سلام يا مزة."
***
أمام الملهى الليلي يقف شهاب بسيارته وسيلين تجلس بجواره.
"أنت لما قولت لي هنخرج استغربتك، ودلوقتي أنا مندهشة إننا هندخل النايت."
"ماهو أنا هخليكي تعملي كل اللي نفسك فيه وأنا معاكي. شوفتي بقي أنا بحبك أد إيه، ومش هخنقك زي ما أنتِ فاكرة، بالعكس، هنعيش حياتنا زي ما إحنا عايزين، بس وإحنا مع بعض يا روح قلبي."
قالها وأمسك بها وقبلها.
سيلين سحبت يدها بهدوء:
"طيب يلا عشان ننزل، وبعدين أنت جبتنا الوقت ده بيكون النايت هادي ومفيهوش حد كتير يعني."
"ده أحسن حاجة عشان نعرف نقعد براحتنا مع بعض من غير دوشة. يلا بينا."
نزلا الاثنان من السيارة، كل منهما على حدة. وبعد أن أغلق شهاب السيارة بريموت التحكم، وقف جنب سيلين وأمسك بيدها ودلفا للداخل.
قابلهما الحارس بابتسامة:
"أهلاً وسهلاً يا شهاب بيه."
شهاب بابتسامة طفيفة رداً عليه.
فدلفا لممر طويل، تغطي أرضيته سجادة حمراء، وعلى جانبي الممر أضواء متحركة وصور لفناني الملهى وبعض الراقصات.
وصلوا إلى الدرج فحبطا لأسفل حتى وصلوا إلى الردهة، وقابلهما النادل:
"أهلاً وسهلاً يا فندم، ده النايت كله نور بحضرتك."
"تسلم... كل حاجة جاهزة؟"
"كله تمام حضرتك، زي ما أمرت بالظبط."
سيلين تهمس لشهاب:
"هو إنت هتعمل إيه؟"
شهاب نظر لها مبتسماً:
"هتشوفي دلوقتي يا قلبي."
فجلسا على إحدى الطاولات على أريكة جلدية في ركن خاص بهم، وجاء إليهم نادل آخر وقدم لهما مشروب.
"واو، ده كوكتيل الفودكا اللي أنا بحبه."
"طيب، وأنا؟"
اختفت ابتسامتها ثم أردفت:
"أنت خلاص بقيت جوزي وأنا مراتك، مش ده اللي كنت عايزة وحصل؟"
"اللي أنا عايزه تكوني بتحبيني زي ما بحبك."
صمتت سيلين ولم تجيبه.
"هو صعب أوي كده عشان تحبيني؟ ولا لسه بتفكري فيه؟"
"مش بفكر في حد."
نظر لها بامتعاض جلي على ملامح وجهه.
فجاء إليهم أحد المسؤولين:
"أهلاً وسهلاً يا شهاب بيه، اتفضلوا حضراتكم، كل حاجة جاهزة."
نهض شهاب ونظر لسيلين بتمعن:
"قومي تعالي معايا."
فأمسك بيدها واتجه نحو ساحة الرقص، فأطفأت الأنوار ولم يتبق سوى إضاءة خافتة موجهة عليهما فقط، وبدأت موسيقى هادئة بالتشغيل.
أمسك شهاب بيدي سيلين ووضعهما على كتفيه، ثم جذبها من خصرها لتلتصق به.
"براحة، مالك قافش فيه جامد كده ليه؟ هو أنا ههرب؟"
شهاب لم يجيبها سوى بنظرات تحمل معاني كثيرة لم تدركها هي الآن.
كان في الجهة الأخرى يهبط باسل الدرج ليقابله النادل:
"معلش يا باسل بيه، النايت محجوز النهارده."
باسل بغضب:
"هو إيه اللي محجوز؟"
"والله زي ما حضرتك شايف، النايت مفيهوش حد غير إحنا اللي شغالين فيه، وشهاب بيه وحرمه حاجز النايت."
"شهاب وحرمه؟"
توقف باسل في ذهول ليلقي نظرة نحو ساحة الرقص ليجد شهاب يعانق سيلين وملتصقة به كأنهما جسد واحد، ويتراقصا على موسيقى هادئة.
والمسؤول عن تشغيل الموسيقى أمسك بالميكروفون:
"وأجمل تحية لأجمل عروسين، منورين."
ثم ازدادت الإضاءة بمختلف الألوان، وصعدت أدخنة من أركان الساحة في شكل رائع، وهبط من الأعلى عليهم أوراق أزهار باللون الأحمر والأبيض.
وأتى أحد العاملين يحمل علبة من القماش المخملي يحملها على طبق مزين بالأزهار الملونة، فأخذها منه شهاب وفتح العلبة ليظهر منها عقد من الألماس الباهظ، يتوسطه اسم سيلين بالإنجليزية بأحرف من فصوص الألماس المتلألأ في شكل مبهر ورائع.
أمسك شهاب العقد ووقف خلف سيلين وأبعد خصلات شعرها عن عنقها، فهي كانت مرتدية ثوب مفتوح من الأعلى ليظهر منه أعلى كتفيها ومن الخلف نصف ظهرها، فوضعه حول عنقها وهو يقبلها ما بين كتفها وعنقها، قبلة جعلتها تقشعر منها، فالتفتت إليه وهي تنظر لحروف اسمها المتلألأ بانبهار جلي:
"واو، It is very elegant."
"عجبك يا روحي؟"
"ميرسي أوي يا شيبو، ده حلو أوي."
فيها أول مرة تعانقه بإرادتها، مما أثارت مشاعره نحوها، فأمسكها من خصرها وهو يجذبها وينظر لشفتيها ذات الحمرة الوردية التي جعلته ينهال عليها بقبلة عميقة.
وذلك تحت ناظري المرتقب لهما، الذي ضرب قبضة يده بقوة على الدرابزين بجواره، فصعد مسرعاً ليخرج من الملهى كله، واستقل سيارته واتجه نحو منزله وهو يتحالف مع الشيطان.
***
في محافظة أسيوط.
وبداخل منزل الحاج عبد الرحيم.
يجلسون جميعهم على مائدة الطعام.
"متعوجش (متتأخرش) علينا تاني عاد يا ولدي."
"هو بكيفي يا أمي، ده شغل ولازم أقوم بيه بنفسي."
"أيوه يا عم، سافرت بره وعديت على روسيا وشيهصت هناك."
"إيه ده يا ولد، إنت مفكر أبوك شاب طايش إياك؟"
"أنا آسف يا بابا، مش قصدي، كنت بهزر."
"عيب يا مصطفى يا ولدي، مهما كان ده أبوك وليه احترامه، الهزار ده بيناتكم إنت وأخوكم."
"هو طول عمره كده يا جدي، دماغه تافهة ومعندوش غير الهزار."
"وإنت إن شاء الله كنت بتعمل إيه وأنا مش موجود بالشركة؟"
"حضرتك عارف، كنت بتابع شغلي وخلصت لك صفقات كتير الحمد لله."
"اومال مجلتليش عن الراجل اللي جه الشركة ليه عاد؟"
"راجل مين؟"
"إنت فاكرني داجج عصافير إياك؟ أنا دبة النملة بتوصلني قبل ما تحصل."
"حضرتك مش واثق في ابنك ومعين لي جواسيس؟"
"أنا مش بثق في حد، ولو مين."
"الحمد لله."
"جايم ليه يا ولدي، كمل وأكلك."
"أنا شبعت الحمد لله."
قالها وذهب لغرفته.
"أجده يا حماد، تزعل ولدك جدامنا وتخليه يجوم من على الواكل."
"خليه يتعلم الأدب ويشوف شغله صح."
بعدما انتهوا جميعاً من الطعام، ذهب حماد ليغسل يديه بالمرحاض وخرج متجه لغرفة محمد.
استوقفته زهرة:
"مش هتشرب الشاي يا ولدي؟"
"ابقى خلي البت فرحة تجيبه على أوضة محمد."
تنهد زهرة فأردفت:
"براحة على ولدك شوية."
"إن شاء الله."
قالها ودلف غرفة ولده الذي كان يتمدد على تخته، فنهض ليعتدل ثم وقف.
"بابا، اتفضل."
"اجعد يا محمد عشان عايزك في كلمتين."
"خير يا بابا."
"الراجل اللي جه الشركة لما جابلك، إداك حاجة؟"
"لأ."
"متكدبش على أبوك، أنا اللي مربيك وخابرك زين، متى تكدب ومتى بتجول الحجيج."
"هو ادالي ظرف وقالي إنه لحضرتك، بس خوفت أقول لك."
"ليه؟ إنت فتحت الظرف؟"
"لأ، مش كده... أصل الظرف ضاع ومش لاقيه، وخوفت أقول لك تتعصب وتتضايق."
زفر حماد بقوة:
"بجى كده!!"
"أنا هكذب ليه يعني؟"
"طيب يا ولدي، مصير كل حاجة تنكشف في وقتها وهعرف إن كنت صادق ولا كداب."
قالها ثم غادر الغرفة، وترك محمد الذي كان في حيرة من أمره وخوف من والده بأن تنكشف كذبته أمامه ويحدث ما لا يحمد عقباه.
رن هاتفه ليرد عليه:
"الو، أيوه يا بني، فينك؟ كنت باتصل عليك مليون مرة وأنت مش بترد."
"طيب، عايز منك خدمة."
"احجز لي تذكرة طيارة لـ..."
***
دلف لمنزله مثل البركان الثائر، ولم يرى أمامه سوى الانتقام.
فذهب لغرفته يدفع الباب بكل قوة ودلف، وأخذ يلقي بكل شيء أرضاً، حتى أصبح كل ما بغرفته رأساً على عقب.
وهي بالغرفة الأخرى كانت ترتجف خوفاً من أصوات الحطام وصوته الهادر الذي يدل على أنه في قمة غضبه، وحتماً سيصب عليها ذلك الغضب بلا رجعة.
ولم يمر سوى لحظات ووجدت باب الغرفة ينفتح على مصراعيه بقوة، وهو يقف أمامها كثور هائج، ليسرع نحوها ويجذبها من خصلات شعرها صارخاً بها بقوة:
"مقولتليش ليه إن ابن ال... هيخطبها فعلاً واتجوزها كمان؟"
مايا تألمت بشدة من قبضته وشعرت كأن شعرها سيقتلع من جذوره:
"آه، أنا معرفش حاجة، ما أنا متزفتة محبوسة عندك بقالي أيام."
"ع أساس يا روح ماما إن اللي حصل ده في يوم وليلة؟ بالتاكيد كانوا مخططين بقالهم فترة."
"والله ما أعرف حاجة، وبعدين روح واسألها، وأنا مالي؟"
"آها، قولي بقي إنك كنتي عارفة إنها هتتجوز ابن عمها ومرضتيش تقولي، لاعمل حاجة وأسيبك."
قالها بصوت صارخ في أذنها.
"أنا خلاص بقيت بكرهك ومش طايقاك ولا طايقة أسمع صوتك، وبكره كل حتة في جسمي كنت بتلمسه."
ترك شعرها، وارتسمت على محياه ابتسامة شيطانية، فأردف:
"بمناسبة بقي كل حتة في جسمك، أنا بقالي يومين مدلعك ومبجيش جنبك."
قالها، ثم خلع حزام بنطاله وقام بلفه على يده، وابتعد قليلاً ليهوي به على جسدها العاري الذي لا يستر سوى ثيابها الداخلية فقط، لتخرج منها صرخات من أعماقها، ليزيد في ضربها أكثر فأكثر وهو متلذذ بتعذيبها ويضحك بشكل هستيري كالذي فقد عقله.
واستمر في هذا التعذيب حتى أصبح جسدها الهزيل لا يوجد به أنش واحد لضربة أخرى، حتى فقدت الوعي تماماً.
***
وفي تمام الساعة الحادية عشر مساء، بعد قطع مسافات طويلة للتمويه، وصل بيبرس ورجال الحراسة ومساعديه إلى منطقة يمتد الجبل لحوالي 60 كم من الشرق إلى الغرب، ويرتفع نحو 1700 متر فوق مستوى سطح البحر.
تدعى جبل الحلال.
فهذه المنطقة محظور بها تواجد الجيش المصري، كما نص أحد بنود اتفاقية كامب ديفيد اللعينة.
بيبرس وهو يوقظ فيروز التي فضلت النوم بعدما أفاقت من فقدانها للوعي:
"فيروز، قومي، وصلنا."
استيقظت وتفرك عينيها بيدها كالطفلة، مما جعلته يبتسم من تلك الحركة.
"إحنا فين؟"
"إحنا في حتة مش هتعرفيها، عموماً خليكي في العربية أحسن لك."
وفي تلك اللحظة، أتت مروحية تهبط في ساحة قريبة منهم، وخرجت منها ساشا ومعها رجل أصلع وبدين، وخلفهم العديد من الرجال ذوي الأجسام الضخمة، وعلى ما يبدو من ملامحهم، فهم ليسوا مصريين.
ساشا وهي تتقدم نحو بيبرس فتسلم عليه بالعناق والقبلات:
"اشتقت إليك كثيراً حبيبي."
فصمت ولم يجيب عليها، فنظرت إليه بتعجب وقالت:
"ماذا بك بيبرس؟"
بيبرس بوجه متجهم لا يدل على أي تعبير:
"لا يوجد شيء، انتبهي لعملك فقط."
ابتعدت وهي ترمقه بنظراتها:
"كما تريد."
وكانت فيروز التي بالداخل تتابع من نافذة السيارة كل هؤلاء:
"يا نهار أزرق، إيه كل دول؟ أنا خايفة لو نزلت ده ممكن يقتلوني ويدفنونى في مكاني... يا رب عدّي اليوم ده على خير وأرجع لأهلي."
"מה שלומך, גבר, עבר שנים ועדיין צעיר ויפה."
"كيف حالك يا رجل؟ مرت السنين وما زلت شاباً وسيماً."
ابتسم بيبرس له وهو يصافحه:
"ואתה גם מבוגר, ואני עדיין מטופש ורע כמוך."
"وأنت أيضاً بالغ، وما زلت غبياً وشريرًا كما أنت."
ضحك أوري بصوت مدوي:
"היא עדיין אוהבת את האירוניה כרגיל."
"ما زلت تحب السخرية كعادتك."
بيبرس بصوت أجش:
"בואו נעשה את העבודה שלנו במהירות."
"هيا ننجز عملنا بسرعة."
ثم نادى بصوت جلي:
"أيمن... سلماوي..."
جاءوا مسرعين له وقالوا:
"تحت أمرك يا باشا."
"خلوا الرجالة تنزل الحاجة وتوديها على الهليكوبتر."
"أمرك يا كبير."
أنزلوا الحقائب من السيارة ووضعوها على الأرض.
فأمر أوري حراسه بأخذ الحقائب والصناديق من حراس بيبرس ويضعوها في المروحية بأنفسهم.
ساشا استغلت انشغال بيبرس في نقل الصناديق وذهبت لترى من تلك الفتاة التي بالسيارة التي رأت ظلها من زجاج النافذة.
فأقتربت بهدوء ثم فتحت الباب فجأة.
فكانت فيروز تنظر للجهة الأخرى، وعندما سمعت فتح الباب التفتت لتري.
"إنتِ مين وعايزة إيه؟"
نظرت لها ساشا باحتقار لأنها أدركت معاملة بيبرس السيئة لها:
"على الرغم الشبه الكبير بينك وبينها، لكن ليس لديكِ ما يجذبه مثلها."
فيروز بعدم فهم:
"إنتِ بتقولي إيه؟ مش فاهمة منك حاجة يا بتاع إنتِ."
"بقولك إنتِ مش شبهها."
"ده مين اللي أنا مش شبهها؟"
"روزلين حبيبة بيبرس اللي اتقتلت."
فيروز في نفسها:
"آهااا، عشان كده... طب وأنا ذنبي إيه يا رب... ثم أردفت بصوت مسموع: طيب شكلك كده طيبة وممكن تساعديني؟"
"عايزة إيه؟"
"ممكن تهربيني، أرجع لأهلي."
"صعب، إنتِ تهربي بيبرس. لو عرف هيقتلك ويقتلني."
"وحياة أغلى حاجة عندك... هو إنتِ اسمك إيه؟"
"ادعي ساشا."
"طيب يا ساشا، إحنا بنات زي بعض، ممكن تساعديني؟"
ساشا كانت تفكر لو جعلتها تهرب ستتخلص منها وتبتعد عن بيبرس، لكن خشيت أيضاً من عقاب بيبرس إذا علم أنها وراء هروبها.
*لنذهب للجهة الأخرى إلى القوات الخاصة، فإنهم وصلوا على مقربة من منطقة جبل الحلال بمساعدة إحدى القبائل هناك.
فكل الرجال الأبطال على أتم الاستعداد للقبض على هؤلاء الخونة، فأمرهم العقيد كارم بالتفرق، بحيث كل مجموعة تذهب من جهة غير الأخرى، كل فرقة على حدة.
وكانت فرقة المقدمة يرأسها صقر.
وكل رجل منهم يرتدي الزي ذو اللون الأسود وملثمون ويحملون الأسلحة الآلية وأسلحة أخرى للهجوم، وكل شخص لديه جهاز إرسال واستقبال التعليمات والاتصال فيما بينهم.
فرقة صقر كانت تسبق كل الفرق، يختبئون ما بين الصخور والمرتفعات حتى لا تراهم العصابة.
"إلى كل الفرق، أنا على بعد 20 متر من الهدف."
"خد بالك وخليك حذر، عدوك مش سهل."
"صقر بيه، أنا قريب منك على بعد 10 متر."
"تمام، خليكم حماية لضهر فريقي."
"تمام يا فندم."
كانوا جميعاً يركضون بخفة ومهارة حتى وصلوا حيث يقف جميع أفراد العصابة.
"اضربوا."
وانهال وابل من الطلقات المدوية من رجال القوات الخاصة، ليتلقوا رداً عليهم طلقات من الأسلحة المتعددة التي يمتلكها أفراد العصابة.
ركض بيبرس إلى سيارته التي تتميز بهيكل حديدي ضد الرصاص، فشهقت فيروز بذعر:
"عاااااااااااااا، إيه ده بره؟ إيه صوت الرصاص ده؟"
بيبرس كان يحمل سلاح آلي على كتفه:
"إسكتي، متصوتيش، وإياكي تخرجي من العربية."
ثم أردف:
"هم عرفوا مكاننا إزاي؟ ده أنا اتعمدت أقول المكان غلط."
نظرت له فيروز بخوف وزعر.
فتذكر هو عندما كان يتحدث مع شوقي ضرغام بالهاتف، وظن حينها أن فيروز كانت تغط في سبات عميق، لكن هي استرقت السمع وتصنعت النوم.
بيبرس بوجه مرعب واتسعت حدقتاه ليقترب من فيروز وأمسكها من ذراعها بقوة:
"هم عرفوا إزاي؟ انطقي."
قالها بصياح.
فيروز بذعر وخوف:
"أنا مش فاهمة حاجة، هم مين؟"
"إنتِ هتستعبطي يا بت؟ محدش يعرف مكان التسليم غيري أنا و..."
ثم تذكر عندما ذهبوا نحو بيت عائلتها، فأردف:
"آها، عشان كده كنتي بتتحايلي عليا أوديكي لأهلك... ده إنتِ هتشوفي أيام أسود من السواد نفسه، بس أخلص من الكلاب اللي بره دول."
قالها وهو يدفعها من ذراعها فتألمت.
طرق أحد الحراس باب السيارة وقال:
"بيبرس باشا، 5 من الرجالة اتصابوا."
"والباقي؟"
"عاملين بيقاوموا الضرب، وأيمن مختفي، مش عارف هو فين."
"طيب والجماعة الأجانب؟"
"دول ركبوا الطيارة وطلعوا بسرعة، واتقتل من رجالتهم كتير."
"طيب وساشا؟"
"برضه مختفية."
"خلاص، روح أنت، وأنا جاي وراك."
ثم نظر لفيروز:
"أنا نازل، عارفة لو لمحت رجلك خطت بره العربية، هفضي الآلي ده كله فيكي."
أومأت برأسها له موافقة، وكانت تضع كفيها على فمها تمنع نفسها من البكاء.
صقر كان على مقربة من السيارة، وبسبب الظلام الدامس، خاصة بعد أن انطفئت أنوار السيارات بعد اختراقها بالرصاص، لكن كان القمر منيراً إلى حد ما، فهناك بصيص من الضوء.
تسحب بحذر شديد وهو يتلفت من حوله، وكاد يلمس مقبض السيارة ويفتح الباب ليجد فيروز، انتفضت من مكانها فصرخت:
"عااااااااااااااااااااااااا..."
وكاد أن يطمئنها، ليجد الذي يسبقه من الخلف بضربة على رأسه.
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ولاء رفعت
صقر كان قريب من العربية بسبب الظلام الدامس، خاصة بعد ما انطفت أنوار العربيات بعد اختراقها بالرصاص. لكن القمر كان منور لحد ما، فكان فيه بصيص من الضوء.
سحب نفسه بحذر شديد وهو يتلفت من حواليه، وكاد يلمس مقبض العربية ويفتح الباب ليلاقي فيروز.
انتفضت من مكانها فصرخت: عااااااااااااا...
وكاد يطمئنها ليلاقي اللي سبقه من ورا بضربة على راسه.
***
وفي الجهة الأخرى، في مركز القيادة:
كارم: نداء إلى كل القوات، وقف الضرب حالا. أمير، آخر التطورات؟
أمير: الجماعة الأجانب هربوا بطيارتهم يا فندم، ومقدرناش نمسكهم عشان كان عدد رجالتهم كتير جداً، بس عدد الإصابات عندهم كتير.
كارم: طيب، بيبرس ورجالته؟
أمير: رجاله معظمهم مصابين، ماعدا تلاتة. واحد هرب وكان معاه شنطة كبيرة، والتاني مستخبي، والتالت شكله مع بيبرس.
كارم: تمام. إلى جميع الفرق، اتجهوا عند الهدف.
***
في سيارة بيبرس:
فيروز شهقت: يخربيتك، ليه ضربته؟
ساشا: مش أنت عايز تهرب؟ يلا بسرعة.
فيروز: ماهو كان هياخدني.
ساشا: بتتكلم عن مين؟
فيروز: اللي ضربته ده يبقى خطيبي.
ساشا نظرت لها بتعجب، ثم انحنت بجذعها لتنزع عنه قناعه. وكادت تلمسه بأطراف أناملها لتلاقي قبضته محكمة على معصمها.
ونهض بسرعة البرق وهو مازال ممسك بها، ليثني ذراعها خلف ظهرها فتأوهت بشدة.
صقر بصوت أجش: لو عملتي أي حركة هكسر لك إيدك، وبعدها رقبتك. سامعة؟
فيروز وانفرجت أساريرها وهي تنزل من العربية: حبيبي، أنا كنت متأكدة إنك أنت من عيونك.
ساشا: آآآه، سيب إيدي يا أنت. أنا مش ضدك.
فيروز: سيبها يا صقر، ده كان فاكرك هتموتني وكانت هتهربني.
صقر: اسكتي يا فيروز، أنت مش عارفة حاجة.
ثم أردف قائلاً في الميكروفون المتصل بسماعة في أذنه: أمير، ادعمني في منطقة الهدف، حاول.
ولم تمر برهة ليأتي أمير: مين دي يا فندم؟
صقر: مفيش وقت. خد البت دي وخد معاك فيروز، وديها مركز القيادة دلوقتي.
أمير: إيه ده، دي بتنزف دم من كتفها.
فيروز: عشان خاطري يا صقر، انقذوها. دي طيبة أوي وكانت هتساعدني.
زفر صقر ثم أردف: روحي مع أمير دلوقتي عشان تكوني في أمان.
فيروز: لأ، أنا مش هبعد عنك. رجلي على رجلك، فين ما تروح.
صقر بغضب وصاح بوجهها: مش وقت عنادك ده دلوقتي، اسمعي الكلام.
ذعرت من صياحه ونظرت له بحزن.
أمير: آنسة فيروز، يلا بسرعة عشان فعلاً مفيش وقت وممكن يحصل أي هجوم تاني.
ذهب أمير وهو يمسك بساشا، وفيروز تسير بجواره.
وصقر تقابل مع فرقة من القوات ليبحثوا جميعاً عن بيبرس ومساعديه، وابتعدوا مسافة قليلة.
وفي أثناء ذهاب أمير مع الفتاتين، فاجأه شخصان. أحدهما رفع سلاح على رأسه وهو يحذره بصوت أجش: سيب البت اللي في إيدك دي، لأفرغ الرصاص في دماغك.
فأخذ منه جهاز الإشارة المرسل والمستقبل وحطمه.
لتصرخ فيروز عندما وجدت الشخص الآخر. جذبها من ذراعها ليجعل ظهرها ملاصق لصدره، وبصوته الذي كان كالفحيح: أنتِ فاكرة إنك تقدري تهربي مني؟
فيروز جمعت قواها وصاحت فيه: أنت جبان وحقير ومش هتقدر تعملي حاجة.
وكادت تصرخ منادية: يا صق...
ليضع يده على فمها ليسكتها، ثم أردف: حاولي تصرخي تاني، وأنا هقتل الواد ده.
ويشير على أمير الذي نزع بيبرس من على وجهه القناع.
ساشا التي خارت قواها من الرصاصة اللي في كتفها: سيبها يا بيبرس وتعالى نهرب.
بيبرس بصوت غاضب: اخرسي أنتِ بالذات، وحسابك معايا بعدين.
ثم وضع شفتيه أمام أذن فيروز وأردف: أما أنتِ بقى لسة على اتفاقي معاكي. هنسافر أنا وأنتِ، بس قبلها هخلص على حبيبك اللي حذرته يخليه في حاله، وبرضو صمم يقع في الخية برجله. أهو هيستلقي وعدو مني.
تشنجت فيروز المكمم فمها بيده، وأخذت تركله بقدمها ليتركها، لكن هو كان مسيطر عليها جيداً.
***
صقر الذي كان يتسلق ما بين الصخور وخلفه الفرقة التي معه: الو عمليات، هل تسمعني؟
كارم: أيوه سامعك يا صقر.
صقر: أمير جاي عندكوا ومعاه الرهينة وواحدة من أفراد العصابة. وصلوا؟
كارم: لا، لسه مجاش.
***
كانت مستلقية على الأرض بدون قيود، تتألم بشدة وبأنين مكتوم، وعبراتها لا تتوقف عن الانسدال.
وهو كان يتمدد عاري الصدر على فراشه الفوضوي. يستيقظ بملل، حتى أحست به لتغمض عينيها بخوف ورعب.
باسل وهو ينهض ويلقي نظراته عليها بابتسامة ذئب ينظر لفريسته، ثم أردف: أنا عارف إنك صاحية يا بيبي.
مايا بصوت مبحوح من البكاء وكثرة الصراخ: حرام عليك، يعني مش كفاية تعذيبك ليا بالحزام عشان تكمل وتعتدي عليا؟
باسل جثى على ركبتيه واقترب منها ليحدق في عينيها: هو أنا كده عملت فيكي حاجة؟ أنا ممكن أسامحك وأسيبك، بس في حالة واحدة.
مايا: سيبني أمشي، وأوعدك مش هتشوف وشي تاني خالص.
باسل: أنا اللي أقرر، مش أنتِ. وبعدين، هسمحلك بكده في حالة واحدة بس، وهي إنك تنفذي كل اللي هطلبه منك بالحرف الواحد. فاهمة؟
مايا: أومأت رأسها كدليل على موافقتها.
باسل بابتسامة شيطانية: طيب حلو أوي كده. يلا قومي معايا.
مايا: مش قادرة أقوم.
فجذبها من ذراعيها، ثم حملها ليدلف بها إلى المرحاض ووضعها في حوض الاستحمام وفتح صنبور المياه لتنهمر على جسدها الواهن.
باسل: أنا هاسيبك تمددي جسمك في البانيو عشان تفوقي ليا كده وتفهمي كل اللي هقولك عليه. أنا نازل دلوقتي، هجيب شوية حاجات وطالع تاني تكوني خلصتي. يلا سلام يا ميوي.
قالها ثم غادر.
فنظرت خلفه مايا لتبصق في اتجاهه، ثم أردفت: حيوان وقذر، الله يلعنك ويلعن اليوم اللي شوفتك فيه.
امتلأ الحوض بالمياه، فأغلقت الصنبور، ثم نزلت بجسدها بأكمله تحت المياه لتغمرها بالكامل.
***
انقبض قلبه وشعر بشيء ما يحدث. فقرر العودة حيث ترك أمير وفيروز وساشا. وصل للمكان بخطوات سريعة وهادئة، ليلاقي ظل لثلاثة أشخاص يجلسون في الأرض في وضع الجثو، وشخص ما على ما يبدو يقف خلفهم ويصوب نحوهم سلاح آلي. فالرؤية كانت ضعيفة حيث الظلام الدامس ليلاً.
فنظر خلفه لم يجد القوة التي كانت معه، على الأغلب تفرقوا للبحث. تسحب رويداً حتى وصل إليهم، فرفع سلاحه صوب مساعد بيبرس نحو رأسه.
صقر بصوت أجش: نزل اللي في إيدك بدل ما أفجر لك دماغك دلوقتي.
وكاد الرجل ينزل سلاحه بجواره، فجاء بيبرس من خلف صقر ليلقي ضربة على رأسه.
وبلبلة أقل من الثانية، تفادى صقر الضربة ليتشابكا الاثنان معاً باللكمات والركلات. لينجح صقر بإلقاء بيبرس على ظهره، وجلس هو فوقه ليلقنه لكمات متعدده على وجهه.
بيبرس بصياح: سلماوي، خد فيروز واقتل الاثنين التانيين.
سلماوي: أمرك يا باشا.
قالها وأخذ سلاحه وأمسك فيروز بقوة من ذراعها.
ففي تلك اللحظة، التفت صقر ليرى فيروز، فاستغل بيبرس هذا ليدفع صقر بضربه جعلته يسقط من فوقه، لينهض ويلتقط سلاحه ويجذب فيروز من قبضة سلماوي، ليضع فوهة السلاح صوب رأسها.
بيبرس يبتسم كالأفعى: وريني هاتعمل إيه، وأنا هقتلك حبيبتك قدام عنيك.
صقر كأنه تجمد في مكانه ليصرخ فيه: وقسم بالله لو ما سبتهاش، لأكون دفنك مكانك.
أشار بيبرس لسلماوي بعينيه ليسرع الآخر نحو صقر ليقيده. فسبقه أمير الذي تخلص من الحبل الذي كان يقيد يداه، ليضرب سلماوي على رأسه بقطعة حجر ليقع مغشياً.
فأطلق بيبرس طلقة لتأتي في ظهر أمير.
كانت ساشا متسمرة في مكانها لترى تلك الأحداث، فجاءت إليها فكرة، فزحفت بدون أن يلاحظها أحد لتصل إلى السيارة وتدخل لتشغل المحرك.
صقر صاح: أميررررررررر.
أمير غير قادر على الصمود، ليقع جالساً على ركبتيه ويقول بصوت واهن: أنقذها بسرعة من إيديه.
بيبرس: لو قربت مني، لهخليها لك جثة.
فيروز بصراخ: متصدقهوش يا صقر، هو مش هيقدر يقتلني.
ينظر صقر متعجباً ليردف بيبرس ويبتسم بخبث: عايز تعرف ليه بتقولك كده؟
وضع رأسه بجنب أذنها وأردف: عشان مش هتكون لحد غيري. فقبلها من عنقها وأردف: صح يا فيروزة.
صقر كالعاصفة الهوجاء: متلمسهاش يا حيوان، وربنا لأقتلك.
واقترب منه ليضغط على الزناد ويقتله. فأسرعت السيارة نحو بيبرس الذي ألقى بنفسه بداخلها ومعه فيروز يحكم قبضته عليها. فحاول صقر الإمساك به، فركله بيبرس ليبعده وانطلقت السيارة.
ليلحق بها صقر وهو يركض خلفها ويتكلم بصوت متهدج ومتقطع: الو عمليات، الهدف تحرك على الطريق.
قالها وذهب نحو أمير ليحمله، فوجد بعض القوات على مقربة منه لينادي عليهم ليحملوا زميلهم وسلماوي الفاقد لوعيه.
وأخذ سيارة شاغرة من سيارات العصابة وانطلق بها مسرعاً في اتجاه السيارة الأخرى، حتى خرج على الطريق وبأقصى سرعة، حتى اقترب منها وكانت خلفهم سيارات الشرطة المصفحة.
أصبحت سيارة صقر بجوار السيارة الأخرى ويطلق رصاصات نحو الإطار ليتوقفوا. فيرد عليه بيبرس الطلقات، وهو يصيح بساشا لتزيد من السرعة.
ساشا: اتركها له، وهيا نهرب نحن.
بيبرس: دوسي بنزين وخليكي في حالك.
قالها بغضب.
فيروز كانت تجلس بجواره وهو يحاوطها حتى لا تستطيع الهرب، ويطلق الرصاص نحو سيارة صقر.
نجح صقر ليتقدم بسيارته ليقطع الطريق على ساشا التي توقفت فجأة لترتطم رؤوسهم جميعاً إلى الأمام. حيث ساشا فقدت وعيها على الفور. وبيبرس جبهته بها جرح بسيط، وفيروز مازالت بحالة جيدة لأنها ارتطمت في ذراع بيبرس.
نزل صقر بسرعة من السيارة والتف لباب السيارة الأخرى ليفتحه ويأخذ فيروز، لكن بيبرس دفعها للداخل وتوجه له هو. فسحبه صقر لخارج السيارة وظل الاثنان يتعاركان بالضرب والركلات.
ليقع صقر على ظهره ومن فوقه بيبرس الذي قبض على يده التي بها السلاح وأخذ يضرب بيديه على الأسفلت بقوة حتى يترك سلاحه. لينجح في ذلك، ثم وضع السلاح على جبهة صقر وهو يضحك بصوت مرعب.
صرخت فيروز: عااااااااااااا، بيبرس ابوس إيدك سيبه، متقتلهوش.
رمقها بيبرس بنظراته: إيه، بتحبيه أوي كده؟
فيروز: بالله عليك، اقتلني أنا وبلاش هو.
صقر كان ينظر لها: ابعدي أنتِ وملكيش دعوة.
بيبرس وكاد إصبعه يضغط على الزناد وهو يصيح بصقر: أنت اللي هتبعد للأبد.
صرخت فيروز: لاااااااااااااااااااااااااااااااااااا.
فجأة انطلقت رصاصة. لتغمض فيروز عينيها ولم تحملها قدماها لتسقط على الأرض.
تقدم رجال القوات الخاصة نحوهم ليحملوه إلى سيارة الإسعاف التي أتت منذ قليل، وفيروز تجلس على أحد المقاعد بداخل سيارة مركز القيادة.
***
فيروز: أومي حبيبتي، فوقي.
قالها وهو يضع لها مستنشق ذو رائحة نفاذة ليوقظها.
فتحت عينيها ببطء شديد لتتسع حدقتيها، فعانقته بكل قوة: حبيبي، أنت كويس؟ الحمد لله والشكر ليك يا رب.
أخذت تتفحص وجهه بأناملها لتتأكد من سلامته، ثم أردفت: إزاي؟
صقر الذي كان يبتسم من ردة فعلها وبصوت رجولي جذاب: أنتِ بتخافي عليا أوي كده يا روحي؟
فيروز بعبرات الفرح والعشق: أخاف دي أقل كلمة أنا حساها. أنا كنت هموت لو جرالك حاجة يا حبيبي.
جذبها بين أحضانه ليعانقها بقوة: ده أنا اللي كانت روحي بتروح لما بعدتي عني، ومكنتش قادر أعيش من غيرك.
فيروز وهي تبتعد لتمسك وجهه بين كفيها: أنا يا نور عيوني اللي مكنتش عايشة خالص وأنت بعيد عني.
صقر أمسك أيضاً وجهها بين كفيه: قلبي وروحي وعقلي وكل ما فيا ليكي يا فيروز.
فيروز انهمرت من عينيها عبراتها بغزارة: أنت كل حاجة ليا. أنت الهوا اللي بتنفسه. أنت عشقي. أنت عشق الفيروز.
صقر وهو يمسح عبراتها: طيب ليه الدموع دي؟ أنتِ كده بتقتلينى.
فيروز: معلش يا حبيبي، أصلك مش عارف إنك وحشني قد إيه، ولما حسيت للحظة إن ممكن أخسرك للأبد لما الحيوان ده كان هيقتلك، كانت روحي بتروح مني.
صقر عانقها مرة أخرى وأخذ يمسد على شعرها: متخافيش ياروحي، أنا معاكي ومش هاسيبك أبداً، ومحدش يقدر يفرقني عنك أبداً غير الموت.
فيروز بصوت حانٍ ورقيق: بعد الشر عنك يا قلبي.
قالتها ثم ابتعدت حضنه فأردفت: بس إيه اللي حصل؟ أنا آخر مرة افتكرتها كان الزفت ده بيضغط على الزناد، وبعد كده سمعت صوت طلقة واغمى عليا.
صقر مبتسماً: كل الحكاية إن زمايلي ضربوا عليه رصاصة فملحقش يضرب عليا.
فيروز: الحمد لله. أهو غار في داهية تاخده إن شاء الله ويموت ونرتاح منه.
صقر باستجواب: هو القذر ده حاول يلمسك لما كان خطفك؟
تلون وجهها وتذكرت كل المشاهد التي حدثت بينها وبين بيبرس، فخشيت أن تحكي لصقر، فأردفت بصوت متردد: ل..لا، لا محصلش حاجة. هو كان حابسني في أوضة بس.
صقر بعدم تصديق ويرفع إحدى حاجبيه: أنتِ متأكدة؟
فيروز وهي تخفض بصرها للاسفل ثم تصنعت الابتسامة فنظرت له: ماهو خلاص يا قلبي، أهو مات.
صقر: هو مش مات، لسه عايش. الرصاصة جاتله جنب القلب، وخدوه على مستشفى قريبة.
ظهر الخوف في عينيها: طيب خلاص، ممكن تقفل على السيرة دي؟ مش عايزة أي حاجة تنكد علينا لحظة رجوعنا لبعض.
صقر ويفتح ذراعيه لها: تعالي جوه حضني يا فيروزة قلبي.
فألقت جسدها وروحها وقلبها بين ذراعيه لتستقر على صدره، لتسمع نبضات قلبه العاشق لها وهو يضم ذراعيه على ظهرها ليجعلها تدخل بين ضلوعه ويصبحان كياناً واحداً.
استمرا في ذلك الوضع لدقائق، حتى جاء لهم صوت أجش: احم احم، مش كفاية حب ورومانسية لحد كده.
ابتعدت فيروز فجأة ليتلون وجهها من الخجل. فابتسم صقر ونظر لصاحب الصوت: آسف يا فندم.
كارم: طب يلا اجهزوا عشان قربنا من مطار سينا.
فيروز: صقر، احنا هنروح خلاص؟
كارم: متقلقيش يا آنسة فيروز، هتروحي. بس الأول فيه شوية إجراءات هناخد شهادتك فيها. وبعدين، إحنا بنشكرك إنك أنتِ السبب إننا قدرنا نعرف مكان الشحنة عن طريق جوابك.
فيروز: إيه ده، إزاي؟ مش فاهمة.
صقر: أنتِ يا حبيبتي، الجواب اللي رميتيه عند بيت أهلك في الوادي الجديد، لقاه ابن عمك واتصل بيا وقالي كل اللي كتباه فيه.
فيروز: الحمد والشكر لله. أنا أصلاً خلاص كنت فاقدة الأمل، ومكنتش أعرف مصيري هيكون إيه مع العصابة دي.
كارم: أهو قبضنا على أهم واحد من رجالة زعيمهم ومساعده، والست اللي معاهم الأجنبية.
فيروز: ساشا؟ هي كويسة؟
صقر: أه، اتنقلت مع بيبرس المستشفى، وأول ما هيتحسنوا هينقلوهم على النيابة عشان هيتحقق معاهم.
كارم: كفاية رغي بقى ويلا عشان وصلنا. يلا انزلوا.
ابتسم صقر لفيروز ثم غمز لها بعينيه: يلا يا روحي؟
فيروز وامسكت بيده الممتدة لها: يلا يا قلبي.
ينزل الجميع من السيارات ودلفوا ساحة المطار وصعدوا للطائرة التي تنتظرهم، وجلس كلا من صقر وفيروز بجانبه، وكان يحاوطها بذراعه وهي تميل برأسها على صدره، ليمسك بيده الأخرى يدها وتشابكت أناملهم كما تشابكت قلوبهم بالعشق المتيم.
***
في منزل ليلي:
ليلي بصوت مدوي: افهموني بقى، ولو لمرة واحدة، أنا مش عايزة أتجوز أغنية.
والدتها: ومش تتجوزي ليه إن شاء الله؟ ولتكونيش ناوية تقضيها صياعة وقلة أدب زي صاحبتك؟
ليلي: لو سمحت يا ماما، متتكلميش كده عن فيروز. دي صاحبة عمري ومتربيين سوا مع بعض، وأنا عارفة أخلاقها كويس.
والدتها: أخلاق مين يا بنت ال... ده أمها ديك النهار قبل ما يسافروا بليلة، صوتها كان علو كده وهي بتهزأها هي والواد الظابط اللي ماشية معاه.
ليلي: أووف بقى، أنا معنديش طولت بال أفهم فيكي، وأنتِ مقفلة دماغك.
والدتها اتسعت حدقتيها ورمقتها بغضب، وبرهة وخلعت الشحاط (الشبشب). فركضت ليلي من أمامها ووالدتها تركض خلفها: وربنا ما هيسيبك غير لما تاخدي شبشبين على بوءك عشان تتكلمي مع أمك باحترام.
ليلي: عااااااااااااا، يا ماما خلاص والنبي حرمت. قفزت فوق المنضدة الخشبية وظلت تصرخ: يا بابا الحقني، مراتك عايزة تضربني بالشبشب.
والدتها: صحيه من النوم عشان هخليه يكمل عليكي.
ليلي: خلاص يا حاجة حرمت، حقك عليا بلاش ضرب. ده حتى عيب عليكي تضربي شحطة أدي كده برضه.
والدتها ترمقها بسخط: والشحطة دي ينفع تقف قصاد أمها وتقل أدبها زي ما عملتي؟
ليلي: لا، أنا آسفة. بس بصراحة كلامك مستفز.
والدتها: برضو بتقلبي أدبك؟
ليلي: خلاص، حقك عليا. أنا مش هفضل واقفة على السفرة كده زي طبق الفاكهة.
والدتها وهي ترفع إحدى حاجبيها: خلاص انزلي.
ليلي: أمان يعني؟
والدتها: مش هضربك خلاص.
قفزت من فوق المنضدة وتقدمت نحو والدتها: بلاش بصة عنيكي دي بتخلي ركبي بتخبط على الجيران.
والدتها: الصبر يا رب. عايزاني أسامحك وأوافقي على الجدع اللي اسمه علي؟
ليلي: يا ماما يا حبيبتي، هقول من أول وجديد وأمري لله. بنتك حبيبتك فلذة كبدك دكتورة وفاضلها سنة غير الترم التاني وهتتخرج. يرضيكي يعني دكتورة تتجوز أمين شرطة معاه معهد؟
والدتها: يابت يا خايبة، هو بقولك تتجوزي شحات؟ دي أمين شرطة يعني وظيفة حكومية. اللي زيك وأعلى منك كمان مش لاقيينها. وبعدين، أبوكي سأل عليه جماعة أصحابه يبقوا عارفين. شكروا في أخلاقه، ده غير عنده بيت ملكه وحماتك ست كبيرة في السن ولا بتهش ولا بتنش.
ليلي: استغفر الله العظيم يا رب. يا ماما، أنتِ ليه بصة للجانب المادي وسايبة الفرق ما بين المستوى الفكري والتعليمي؟
والدتها: فكري مين ده يا بت؟ وأي كلام الناس المثقفة ده. بقولك إيه، اعدلي لسانك، لقطعهولك.
ليلي: بصي، أنا نازلة هاروح أقعد مع خالتي أحسن. هي الوحيدة اللي في العيلة دي بتفهمني.
والدتها: غوري، ابقي خليها تنفعك. أديها قاعدة جنب ستك من غير جواز ولا خطوبة حتى، عشان بتبص لسي فكري بتاعكم ده.
ليلي: ههههههههههههههه، واللي اتجوزوا يعني خدوا إيه؟ أديكي أهو عايشة حياتك ما بين قنوات الطبخ وحلل المحشي بتاعتك.
ألقت والدتها عليها الشبشب لتتفادها ليلي وتركض خارج المنزل مسرعة على الدرج.
والدتها: ماشي يا ليلي، هفضل وراكي لحد ما هتتجوزي ورجلك فوق رقبتك يا بنت بطني.
***
في منزل إياس:
يتمدد على سريره وهو شارد في الصور التي تجمعه مع رنيم وصقر، وخاصة هو ورنيم فقط. وقلبه كان يتحطم كلما تذكر كلماتها له في المستشفى. فها هي ذكرياته معها تمر منذ الصغر حتى الآن.
إنه يندم كثيراً على ما قاله لها قبل أن تسافر وتغادر البلاد، ولم يكتف بذلك، حتى قضى عليها تماماً بخطبته لجاسمين، أكثر فتاة تكرهها هي.
كيف لك يا قلبي؟ لا تشعر بمن يعشقك ويهواك. فقلب غيرك متيم بك ولا يقابل منك سوى جفاك. فأصبحت في حرم عشقه مذنباً. هيا اذهب يا قلبي له ولا تعود لي خائباً. فالعشق في مملكة فؤاده جنة الفردوس للمشتاق.
أخذ هاتفه من على الكومود متردداً. فهل سيتصل بها ويقطع اتفاقه معها؟ لكن قلبه يقول له: هيا اذهب لمن أهواه. وعقله يجيب: القلب، هل في العشق كبرياء؟ تبا لك أيها العقل، فأنت سبب تعاسة عشاق كثيرون جعلوا منك مسيطراً على قلوبهم.
ولن ينتهي الصراع بينهما، ليستوقفهما إياس بصرخة مدوية وهو يلقي بكل شيء أمامه. وذهب أمام المرآة ليلقي بها زجاجة عطره، ليتناثر حطامها مثل حال مشاعره تماماً.
هو أخيراً أخذ القرار الذي لا رجعة فيه. أمسك ذهب لخزانته وخلع ثيابه وارتدى ثياب أنيقة كعادته ومشط شعره بشكل جذاب. ثم نظر لزجاجة العطر التي ما زالت سليمة، فأمسكها لينشر منها عطره الفواح على ثيابه، ثم ألقاها على سريره. وأخذ المفتاح الإلكتروني الخاص بسيارته وخرج من المنزل وأغلق الباب خلفه، ليدلف إلى المصعد ثم إلى الفناء، ليخرج من البناء تماماً ويفتح باب سيارته بعد أن ضغط بزر التحكم لديه.
ثم دخل السيارة وشغل المحرك وانطلق إلى طريق قلبه. وضغط زر المسجل الذي بالسيارة ليجد أغنية تعبر عن حالهما وكانت:
"متسبش إيدي من إيدك... حبيبي تعالى بناديلك... تطمني تريحني..."
***
في شقة صقر الهواري:
تدلف بوسي، صديقة رنيم، من باب المنزل بعد أن فتحته لها، ثم ذهبت تتمدد على الأريكة المخملية وبيدها سيجارة مشتعلة، وعلى ما يبدو تستمع لبعض الأغاني.
بوسي: أوووف، إيه الدخان اللي عايشة فيه ده؟ يخربيت عقلك.
رنيم بصوت مختنق: هشششش، مش عايزة أسمع صوتك.
بوسي: كالعادة من أيام زمان. تكتئبي، تقومي قاعدة لوحدك ومقفلة ستاير الشقة كلها وتشغلي كل أغاني الحزن العربي والأجنبي. إيه يا شيخة، ارحمي نفسك شوية، وكمان بتختميها بسجاير.
رنيم بانفعال مفاجئ وكأنها تختزن الدموع بعينيها لتنهمر: قلت لك مش عايزة أسمع صوت ولا عايزة أشوف حد. ابعدوا عني بقي، سيبوني في حالي.
قالتها وأخذت تبكي بشدة.
اقتربت منها صديقتها لتواسيها، لتضع رأسها على صدرها وتمسد على شعرها وبصوت حانٍ: معلش يا قلبي، والله ما أقصد أضايقك. اهدي بقى وبطلي دموع.
رنيم بصوت باكي: مش قادرة يا بسنت، مش قادرة.
بوسي (بسنت): قد إيه أنتِ بتحبيه؟ أومال طلبتي منه البعد ليه، وأنتِ مش قدّه؟
رنيم وهي تأخذ منشفة ورقية لتمسح دموعها المنهمرة: عشان مرخصش نفسي ادامه أكتر من كده.
بوسي: طيب، مش قلت لي إن هو قال لك فسخ مع الزفتة اللي اسمها جاسمين؟
رنيم: يفسخ ولا يخطب، إن شاء الله حتى يتجوزها. أنا مالي. هو لما قالي كده عشان صعبت عليه. وعمري ما هنسى قبل ما أسافر روحت قولت له إن أنا بحبه. كل اللي قاله لي: أنا بعتبرك أختي الصغيرة. ولما جات لي فرصة إن أكمل تعليمي بره، مترددتش وسافرت عشان أبعد عنه وأحاول أنساه. على الرغم كان كل يوم بيمر عليا وأنا لوحدي، كنت بموت من الوحدة.
بوسي: متنسيش إنك كنتي لسه صغيرة، وهتلاقيه أصلاً نسي.
رنيم: صغيرة؟ طب تفسري بأيه لما رجعت، لاقيته خاطب جاسمين اللي في نفس سني، وهو كان عارف إن أنا بكرهها ومش بطيقها. كسر حاجة جوايا مش قادرة أرجعها تاني زي الأول.
بوسي: معلشي يا حبيبتي، متزعليش نفسك. عيشي حياتك، اخرجي، اتفسحي، متوقفيش حياتك عشان راجل.
رنيم ترمقها لتعود للبكاء بشدة وتبقى بنفسها في حضن صديقتها وهي تصرخ: أنا بحبه أوي أوي أوي، عااااااااااااااااااااا.
بوسي: يا رب يهديلك ويريح لك قلبك.
رن جرس باب المنزل. بوسي: أهدي بقى وأنا هقوم أشوف اللي بيرن الجرس. شكله الدليفري، أصل وأنا جايه طلبت لنا بيتزا دومينوز اللي بتعشقيها وبالشاورما فراخ كمان.
نظرت لها رنيم. بوسي: اضحكي بقى.
ارتسم على شفتيها طيف ابتسامة.
وذهبت بوسي لتفتح للطارق.
بوسي بتوتر: إياس!!!!!... قالتها ثم انسحبت بالمغادرة لتتركهما.
صمتت فجأة عن بكائها، ليخفق قلبها بشدة عندما سمعت كل حرف من اسمه. فبدون شعور لديها، نهضت ثم وقفت، ثم نظرت لمن يبحث بعينيه عنها. ها هو مشهد لا أقدر عن وصفه مهما كتبت عنه في كتب ومجلدات. فهنا تلاقت العيون وأخفقت القلوب لتتبادل العشق والهوى بينهما. ورغم عجز الألسنة عن النطق، فالكلمات تجري بينهما مثل اتصال مياه البحر بمياه المحيط. وهنا انسدلت العبرات من الأعين لتقدم الاعتذار.
نظرات، فعبرات، فخفقات قلوب، دفعت أقدامهما بالركوض ليعانق كل منهما الآخر، ليصبحا جسداً واحداً وروحاً واحدة تسبح في بحور العشق الثائرة أمواجها بفيضانات من المشاعر والحب والاشتياق واللوم والعتاب.
لترتفع تلك الأغنية بكلماتها لتعبر عن ذلك اللقاء الأسطوري:
"تاخدني معك... (يارا)
أخدني معك بالجو الحلو
خليني معك أسرح يا حلو
(فضل)
جمالك جمال... جمالك جمال مش عادي
وكلامك كلام... وكلامك كلام مش عادي
شو بدي بدلال... ع صوت الدلال غفيني
شو بدي بغرام... ليل الغرام هنيني
(يارا)
خيالك خيال... خيالك خيال مش عادي
وجايني بزمان... وجايني بزمان مش عادي
توعدني بامان... توعدني بامان لقيني
لقيني بمكان... لننسى الزمان ونغني
(فضل)
مشي معي ساحرني الحلا
القلب اسمعي عم ينده هلا
(يارا)
خيالك خيال... خيالك خيال مش عادي
وجايني بزمان... وجايني بزمان مش عادي
توعدني بامان... توعدني بامان لقيني
لقيني بمكان... لننسى الزمان ونغني
(فضل)
جمالك جمال... جمالك جمال مش عادي
وكلامك كلام... وكلامك كلام مش عادي
شو بدي بدلال... ع صوت الدلال غفيني
شو بدي بغرام... ليل الغرام هنيني"
***
وصلت الطائرة أخيراً إلى مطار القاهرة، لينزلا معاً وكل منهما يحمل للآخر عشقا ليس مثله في الوجود.
صقر مبتسماً: حمد الله على السلامة يا روحي.
فيروز بابتسامة تظهر منها غمزتيها: الله يسلمك يا حياتي.
صقر: بصي بقى، قبل ما نروح في حتة، طبعاً لازم تفضلي في القاهرة هنا كام يوم لحد ما التحقيقات ما تخلص.
فيروز: طيب، ماما لسه متعرفش إنك أنقذتني وبقيت معاك.
صقر وهو يقبل كفها: معلش يا حبيبي، استحملي شوية. وأنا أصلاً مسافر معاكي هناك.
فيروز: ليه؟
صقر: أومال بقالي ساعة بحكيلك في الطيارة إيه؟
فيروز: حاضر، تحت أمرك يا حبيبي.
أثارت تلك الجملة مشاعره، فأمسك وجنتيها بأنامله: أموت أنا في حبيبي المطيع على طول ده.
فيروز: بعد الشر عليك يا روحي.
صقر: بس بقى، لا أتوه وأقوم واخدك بوسة قدام الناس دي كلها ولا يهمني.
فيروز احمرت وجنتيها في خجل شديد لتردف بصوت رقيق: بس بقى، عيب يا صقورتي.
صقر: صقورتي؟ هاااار أسود على آخر الزمن، يتقال لصقر الهواري ياصقورتي. امشي قدامي يا فيروز.
فيروز: ههههههه ما أنا ماشية أهو، الله.
جعله تسير أمامه ليفاجئها مرة واحدة، ليحملها على ذراعيه ويركض بها تحت أعين كل المتواجدين في ساحة المطار.
فيروز بصياح: نزلني، عيييب، الناس عمالة تبص علينا.
صقر: عشان تحرمي تقولي لي الدلع ده تاني.
فيروز بوجه كالطفلة الغاضبة: طييييييييب. فأردفت بصياح: يا صقورتييييييييييييييي.
صقر بضحك وهو يستفزها: برضو مش هنزلك.
وصل للخارج حيث تنتظرهما سيارة.
فيروز: صقر حبيبي؟
صقر: نعم يا عيون وقلب وعقل صقر.
فيروز: أنا مش عايزة أركب عربية.
صقر بتعجب: أومال هنركب إيه إن شاء الله؟
فيروز: عايزة أركب معاك على الموتوسيكل وأرفع ذراعاتي في الهوا زي ما بيجي في الأفلام.
ضحك صقر: حاضر، بس كده. ثواني.
أنزلها لتقف على الأرض، فأجرى اتصالاً هاتفياً بأحدي شركات تأجير السيارات والدراجات البخارية. ولم يمر نصف ساعة حتى أتى له شخص ويعطيه إيصال التأجير. دفع له صقر مبلغاً من المال وقام بإمضاء اسمه على الإيصال.
فيروز وهي تنظر للدراجة البخارية بسعادة: الله، الموتوسيكل ده حلو أويييييي.
صقر ضحك من ردة فعلها: ده اسمه ريسس ياروحي، مش موتوسيكل.
فيروز: وإيه الفرق ما بينهم يعني؟
صعد صقر على الريسس وشغل المحرك، ثم أردف: يلا اطلعي ورايا، وأنا هقولك في السكة.
فيروز: طيب، ثواني.
صقر زفر بضيق: إيه تاني؟
فيروز تمط شفتيها للأسفل كالأطفال: خلاص، مش هقول وزعلانة.
صقر: مين ياختي؟ زعلانة!!! هههههههه، وربنا أنتِ مشكلة. خلاص يا مزتي، متزعليش مني، وأنا كل ليكي آذان صاغية.
فيروز: إحنا هنروح فين؟
صقر: على شقتي.
فيروز: نعم!!!!!!
صقر: وليه النية السودة يعني؟ متخافيش، رنيم أختي هناك وعايشة معايا.
فيروز: لو كان كده، ماشي.
قالتها ثم صعدت لتركب خلفه.
صقر: ارتدي الخوذة الخاصة بركوب الدراجة البخارية، القفازات ذات اللون الأسود: ها، انطلق؟
فيروز وهي تحاوطه بذراعيها من وراءه لتلتصق بظهره: أها، انطلق يا جريندايزر. هههههههههههههههه.
صقر: كده ماااااااااااشي؟
أنطلق صقر والذي كان يميل نحو اليمين ثم نحو اليسار عن قصد، فتصيح فيروز: عااااااااااااا، هنقع، حرام عليك.
صقر: مش أنا صقورتي وبقيت جريندايزر، استحملي بقى يا أفروديت.
قالها وظل يضحك عليها.
وأثناء القيادة، قام بتشغيل المسجل لتخرج منه أغنية ذات كلمات رائعة ومعبرة، وكانت كالتالي:
(أخدني معك - يارا)
أخدني معك بالجو الحلو
خليني معك أسرح يا حلو
(فضل)
جمالك جمال... جمالك جمال مش عادي
وكلامك كلام... وكلامك كلام مش عادي
شو بدي بدلال... ع صوت الدلال غفيني
شو بدي بغرام... ليل الغرام هنيني
(يارا)
خيالك خيال... خيالك خيال مش عادي
وجايني بزمان... وجايني بزمان مش عادي
توعدني بامان... توعدني بامان لقيني
لقيني بمكان... لننسى الزمان ونغني
(فضل)
مشي معي ساحرني الحلا
القلب اسمعي عم ينده هلا
(يارا)
خيالك خيال... خيالك خيال مش عادي
وجايني بزمان... وجايني بزمان مش عادي
توعدني بامان... توعدني بامان لقيني
لقيني بمكان... لننسى الزمان ونغني
(فضل)
جمالك جمال... جمالك جمال مش عادي
وكلامك كلام... وكلامك كلام مش عادي
شو بدي بدلال... ع صوت الدلال غفيني
شو بدي بغرام... ليل الغرام هنيني
***
في منزل صقر الهواري:
يتمدد إياس على الأريكة وبجواره رنيم التي تأخذ من ذراعه مسنداً لرأسها. ويشاهدان التلفاز الذي يعرض فيه فيلماً أجنبياً رومانسياً. ويتناولان البيتزا معاً.
إياس: شفتي يا روني، أهو حتى البطلة في الفيلم كانت هتضحي بنفسها عشان متبعدش عن حبيبها.
رنيم نظرت له رافعة إحدى حاجبيها: ع أساس إنك عملت زي البطل يعني، اللي رفض من صغره إنه يرتبط بأي واحدة غير البنت اللي بيحبها.
إياس ضحك ساخراً: ده أنتِ قلبك أسود ومش بتنسي.
رنيم: زيك يا بوبي.
إياس: ماشي يا روح البوبي.
قالها وهو يقلد صوت اللمبي.
رنيم: أيوه، اهرب اهرب. أول ما تتزنق في أي كلام تفضل تهزر.
إياس: ما أنتِ فعلاً زنقاني في الكنبة ومش عارف أنام وأتفرج على الفيلم براحتي.
رنيم: قصدك إن أنا تخينة.
قالتها بغضب وهي تنهض من جواره.
إياس: ههههههه، يا لهوي على دماغكم يا بنات حواء. تعالي يا حبيبتي، ربنا يهديكي.
رنيم: لأ، مش جاية.
إياس: إحنا فينا من كده؟
رنيم: لو مش عاجبك، شد في حواجبك.
ثم أخرجت لسانها بطريقة طفولية لتستفزه.
إياس نهض فجأة: لالالا، ده أنتِ تعاليلي هنا وأنا هشدك أنتِ.
قالها وقام بالركض خلفها، وظلا يركضان وراء بعضهما في الردهة حتى أمسك بها.
إياس بضحك: هاعاااا، مسكتك.
ثم جذبها ليعانقها ويمسد على شعرها، ثم أردف: أوعي تبعديني عنك تاني، فاهمة؟
نظرت له رنيم بعينان عاشقة: أنا أصلاً مبستحملش البعد عنك خالص. أنت اللي أوعي تبعد عني يا إياس، توعدني؟
إياس بنظرات حب وعشق وبصوت رجولي جذاب: أوعدك يا روح إياس.
قالها ثم اقترب من شفتيها ليقبلها.
وكانا لا يشعرا بصوت فتح باب المنزل ليدلف ليراهما بصدمة ويصيح بصوت اهتزت له جدران المنزل: رنيييييييييييييييييييييييييييييييييييم.
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ولاء رفعت
اياس بضحك : هاعاااا مسكتك ... ثم جذبها ليعانقها ويمسد ع شعرها ثم اردف : اوعي تبعديني عنك تاني فاهمه
نظرت له رنيم بعينان عاشقه : انا اصلا مبستحملش البعد عنك خالص انت الي اوعي تبعد عني يا اياس توعدني؟
اياس بنظرات حب وعشق وبصوت رجولي جذاب : اوعدك يا روح اياس ... قالها ثم اقترب من شفتيها ليقبلها
وكانا لايشعرا بصوت فتح باب المنزل ليدلف ليراهما بصدمه ويصيح بصوت اهتزت له جدران المنزل : رنييييييييييييييييييييييييييييم
توقف الزمن ف هذه اللحظه ولم يتبقي سوي لغة العيون المتبادله ....صقر ف أعلي قمة غضبه الثائر تنسدل امام بصيرته اشياء لو فعل منها شئ واحد ليكون مصير شقيقته وصديقه الجحيم .... انقطعت الانفاس ولايبقي غير صوت ثوران البركان الذي يوشك ع الانفجار حتما
رنيم وقفت خلف اياس لتتشبث بقميصه.. تلك العادة التي لاتفارقها منذ طفولتها انها لاتشعر بالامان سوي معه هو ..صقر يلقي نظراته التي تشبه وميض البرق ف ليالي الشتاء الممطره صوب صديقه الذي يقف متجمدا بمكانه .. فيروز التي تقف خلفه عندما سمعت رعد صوته الهادر انتفضت من الخوف لتبتتعد خارج المنزل وتقف جانبا وهي تدعو الله ان لاتحدث كارثة .. و ها هي خطوات اقدامه متجهه نحوهما وبالأخص نحو شقيقته التي تختبأ خلف اياس الذي سبق خطوة صقر الاخيره حيث امسكه من منكبيه
اياس بصوت جلي : انا بحب رنيم و عايز اتجوزها
صقر بعينين حادتين بقوة : وانا بقولك لاء
رنيم وكأن الكلمات تقف ف حلقها :وانا موافقه .... قالتها لتجعل يزيد من اصراره وغضبه
صقر : وانا قولت لاء .. واتقي شري بدل وقسما بالله يارنيم هي تكه واحده بس وهخنقك بأيديا
اياس باقتضاب ويرفع احدي حاجبيه : ومين ان شاء الله الي هيسمحلك بكده؟... قالها ليقابل ع الفور لكمة قوية جعلته يرجع بجسده للخلف وتقع رنيم المختبأه خلفه ارضا
صقر: احمد ربنا ان انا عامل حساب للصحوبية وعشرة العمر الي مابينا لولا كده لكنت فرغت طلقات مسدسي ف جسمك
لم يتلقي رد سوي النظرات الحارقه من اياس .. فنهضت رنيم وهي تجمع قواها : متنساش نفسك انك اخويا مش اكتر ملكش حكم عليا والي يربطني بيك مامي وبابي الله يرحمهم بس
اياس يشير اليها بيده لتصمت فأردف : بص ياصاحبي انا مقدر الي انت فيه دلوقت وحقك طبعا ومش هعترض بس لو فكرت بس تلمس شعرة من اختك او تفكر تأذيها حتي يبقي مابيني وبينك خلص الكلام
فيروز تقف تستمع وتري من الخارج وتقول ف نفسها : يارب جيب العواقب سليمه .. اروح اهدي الجو ولا اخليني مكاني احسن
صقر : وانت عملت حساب للصحوبيه ؟؟؟ تسمي اي لما ارجع والاقيك ف الشقه مع الهانم وبتبوسو بعض كمان ها؟ تسميه اي ده قول؟
تلون وجه اياس خجلا ليردف صقر : بلاش ققولك اسمه اي احسن لانك طبعا عارف
اندفعت رنيم بدون خوف امام شقيقها وبنبرة عند وتحدي له : هو حلال ليك ان شاء الله وحرام عليا ! قالتها وهي تشير بيدها نحو فيروز التي نسي امرها تماما
لم يتملك من غضبه ليهوي بكفه ع وجهها ليلقنها صفعه جعلتها ترتطم ف صدر اياس الذي امسك بها ليبعدها ليدفع صقر في صدره ويعقب بلكمه قويه له ليتعارك الاثنين ف ظل صراخ رنيم وفيروز التي ركضت للداخل
فيروز بصراخ : صقرررررررررر كفايه بقي حرام عليكو
توقف صقر عن العراك وكذلك اياس وكل منهما يشهق ويزفر بقوة ...اقتربت فيروز بحذر نحوه لتضع يدها ع كتفه
فيروز :صقر كفايه كده ....قالتها لينظر لها نظرات لو كانت نيران لكانت احرقتها حية للتو فارتعدت اوصالها لترجع للوراء
اياس بصوت اجش : فيروز لو سمحت خدي رنيم ع اوضتها وخليكو جوه
رنيم تتمسك بمعصمه بيديها الاثنين : لا مش هسيبك ... قالتها لتجد شقيقها بعينين مخيفتين ويجز ع اسنانه بقوة
اياس خاف عليها من غضب شقيقها فأنه يعلم صديقه جيدا عندما يغضب لايري امامه ومن الممكن ان يحدث ملا يحمد عقباه
فقال لها : يلا يارنيم لو سمحت
نظرت اليه بقلق وتوتر ثم نظرت لشقيقها لتجده مازال بحالة غضبه ثم نظرت لفيروز لترمقها بسخط وحقد ..ثم ذهبت ع غرفتها لتصفق الباب وراءها بقوة فذعرت فيروز التي كانت خلفها ففتحت الباب ودلفت اليها
رنيم بصوت مدوي : عايزه اي انتي كمان؟؟؟؟؟؟
فيروز بتوتر : انا ع فكرة حاسه بيكي واتعرضت لنفس موقفك بس مع الاختلاف شويه لكن حبنا كان اقوي من كل الظروف والي حصلنا المدة الي فاتت دي كلها
رنيم تنظر وهي ترمقها : وانا مالي بيكي انتي وهو
فيروز وهي تتقدم نحوها لتجلس ع مقربه منها : انا كل الي ااصد .... فقاطعتها رنيم تقول : بصي بقي مش معني ان انا سمحتلك تدخلي اوضتي غير كمان دخولك للشقه فهتعملي فيها صاحبتي والكلام الفاكس ده وياريت تخليكي فحالك احسن
تضايقت فيروز من اسلوب حوار رنيم معها فنهضت لتخرج من الغرفه .. بعد ان اغلقت الباب وراءها بهدوء فرفعت عينيها لتري صقر يجلس ع الاريكة ويسند كوعيه ع فخذيه ويضم يديه اسفل ذقنه ويزفر بقوة ... انتبه لها عندما رأها تخرج نحو باب المنزل لتتوقف هي فجاءه عندما سمعت صوته المدوي : رايحه فين؟؟
التفتت اليه وتنظر له بقلق : ا..ا انا هاروح بقي واسيبكو تقعدو ع راحتكو
رفع احدي حاجبيه لها : ومين سمحلك بكده؟
فيروز: انا
صقر : شايفه الاوضه الي هناك دي .... قالها وهو يشير نحو غرفته فأردف : ادخلي واقعدي فيها لحد ما اجيلك
فيروز وقد بدي عليها الاعتراض : مش هينفع انا لازم اورح شقت.... قاطعها صقر بصوت كالرعد : انا قولت ادخلي جوه
****************************************
* وصل امام البناء الذي يقطن فيه بعدما نزل من سيارة اجره يحمل حقيبه بيده يبدو انها ثقيلة فدلف للفناء ثم صعد الدرج حتي وصل الي الطابق التي توجد به شقته واخرج مفتاحه الخاص ثم فتح الباب ليدلف بهدوء تام ليضع الحقيبه جانبا وأحذ يبحث بناظريه عن زوجته وابنتيه فلم يجد احد لكن بدء يتخلل الي سمعه صوت خرير الماء و ع مايبدو انه آت من المرحاض فعلم انها زوجته تستحم بالداخل ..... فدلف لغرفة نومه لتقع عيناه ع الملاكين النائمين بجوار بعضهما فانحني بجذعه ليحمل احداهما وقلبه يتألم لتتساقط عبره هاربه من اهدابه ليلعن نفسه اشد اللعنات ويلعن اليوم الذي ترك فيه زوجته وهي بأمس الحاجه لوجوده بجانبها ويلعن هؤلاء الوحوش الذين لا يعرفون الرحمه وع رأسهم بيبرس اللعين .
_ انتهت سلمي من الاستحمام وهي تغلق مقبض المياه لتلتفت الي المنشفه القطنية المعلقه ع باب المرحاض من الداخل لتجفف جسدها من قطرات المياه المنسدله ع انحاءه ... ثم نظرت مره اخري للباب لتتأفف
سلمي : اوووف بقي اي الزهايمر الي بقي يجيلي ع طول ده طيب لو طلعت كده هاخد برد والجو ساقعه .. صمتت ثم اردفت: خلاص هاخد البشكير ده والفه ع جسمي كويس واطلع اجري ع الاوضه بسرعه قبل ما استهوي
قالتها وامسكت بالمنشفه الكبيره وقامت بلفها ع جسدها بشكل محكم ثم فتحت الباب وخرجت مسرعه نحو غرفة نومها لتتوقف في صدمة من الذي يقف امامها لتتسع حدقتيها وتسمرت بمكانها
تلاقت العيون وارتفع صوت الانفاس المتلاحقه وبنظرات اشتياق واعتذار قال ايمن : وحشتيني اوي يا حبيبتي
سلمي لم ترد عليه وظلت كما هي لكن عبراتها انسدلت من عينيها مثل المياه التي تتساقط من شعرها الغجري المبتل ع جسدها الذي كان يرتجف
ايمن : انا عارف انك زعلانه مني ومش طيقاني وليكي حق ف كل الي هتعمليه بس ممكن تسمعيني قبل ما تحكمي
سلمي وقد انفجرت ف البكاء واخذت تصرخ فيه : مش عايزه اسمع حاجه مهما هتقول ولا هتعيد مش هصدقك
ايمن : اهدي بس عشان خاطري وسبيني اكم.... قاطعته سلمي لتزداد صراخاتها : اهدي!!! اهدي ازاي وانت سبتيني ف اكتر وقت كنت محتاجه فيه وقفتك جمبي ..اهدي ازاي لما اعرف انك كلمت خالتي عشان تجيلي عشان حضرتك تقدر تسافر وتسيبني مرميه ف المستشفي
ايمن ويقترب منه ليعانقها فدفعته بأقصي قوتها لتصيح فيه : ابعد عني مش طيقاك ولا عايزه اشوفك وياريت تنسي ان ليك زوجة من الاساس
ايمن : بقي كده ياسلمي؟ للدرجدي !!
سلمي وهي تشيح بوجهها جانبا لتتفادي نظراته ولم ترد عليه ليردف : خلي ف علمك انا معترف ان انا فعلا غلطان واوي كمان بس كل ده عشان خاطرك انتي والعيال وخاطرت بحياتي ولسه بخاطر عشان مخليش حد فيكو محتاج لحاجه
سلمي بأنفعال : يلعن ابو الفلوس الي تخليك تبعد عني بالشكل ده ... انا عمري ماجيت واشتكتلك من قلتها
ايمن : مش بتتكلمي بس ببقي حاسس.. يعني كان عجبك لما حملتي ومعيش فلوس اوديكي حتي متابعه او اطمن عليكي ..كان عجبك لما بناتك بيجو من المدرسه معيطيين عشان لاقيين زمايلهم بياكلو ويشربو احسن منهم .. ولا عجبك الارف الي عايشين فيه ده ...ها؟؟؟ ردي عليا ؟؟؟
تركته واتجهت لخزانتها وهي تأخذ ثياب لها وتخرج حقيبه لتضعهم بداخلها
ايمن يمسك بزراعها : انتي بتعملي اي؟؟
سلمي نظرت له بقوة : زي ما انت شايف انا هلم هدومي وهاخد العيال وماشيه .. ولو سمحت سيب دراعي واطلع بره عشان البس
ايمن بغضب : مش هتمشي ياسلمي ورجلك مش هتخطي برة الشقه
سلمي : لاء همشي ووريني مش هخطي بره ازاي ..... قالتها لتجعله يرفع كفه لأعلي وكاد يصفعها فأوقفه فجاءه بكاء احدي الرضيعين الذي استيقظ .. فنظر لها بغضب ثم نظر لابنه الرضيع وشعر بالضيق فغادر الغرفه بل المنزل كله
**********************************
دلفت الي الغرفه ف اقل من برهة لتغلق الباب خلفها وتستند بظهرها عليه من الداخل وتضع يدها ع قلبها الذي يخفق بشدة من الذعر لتقول ف نفسها : يانهار ازرق اومال لو انا الي غلطانه معاه كان عمل فيا اي ؟استر يارب انا مش ناقصه كفايه الرعب الي شوفته الايام الي فاتت
توقفت عن حديث نفسها عندما اندفع الباب فجاءه لتقع ع الارض
فكان صقر الذي وقف امامها كالجبل :اي الي كان موقفك ورا الباب
نهضت من ع الارض وهي تعدل ثيابها : مفيش ....قالتها لتضع يدها ع مقبض الباب كي تخرج فسبقها يده التي قبضت ع معصمها بقوة ليردف : انتي بتعملي اي!
فيروز تألمت من قبضته فنظرت اليه بعينيها التي التمعت فيهما عبرات ع وشك الانسدال .... ليرخي قبضته ثم جذبها نحوه لتلتصق بصدره العريض ثم عانقها بقوة وتنهد بنبره اعتذار لها : متزعليش مني حقك عليا
رفعت وجهها اليه ليكون مواجه تماما لوجهه لتقول : انا خايفه منك ياصقر .....قالتها لتجعله يزداد ندما فاشتد من معانقته لها وهو يقول : متخافيش ياروحي انا اسف ان اتعصبت عليكي غصب عني
فيروز ابتعدت عن معانقته : انا مش خايفه من انك اتعصبت عليا ... انا خايفه ان لو ف يوم من الايام اشوف نظرة عينيك الي شوفتها من شويه دي .. انت مكنتش شايف نفسك كنت عامل ازاي
صقر تنهد بقوة : انا عارف ان غضبي وحش عامل زي النار بتحرق وتزيد ومش بتتطفي غير لو دمرت كل شيء
فيروز : يعني لو ف يوم من الايام غلطت ممكن تدمرني ياصقر!!!
صقر باقتضاب : واي الي هيخليكي تغلطي ؟
فيروز : احنا بشر يا صقر والطبيعي اننا معرضين اننا نغلط ف اي وقت
صقر : بصي يافيروز انا قولتهالك قبل كده وبقولهالك تاني حاجتين مش بغفر ولا بسامح فيهم ابدا الخيانه والكدب فخلي نطاق غلطك بعيد عنهم احسن ليا وليكي
اكتفت بنظراتها له بدلا من الرد فأنها الأن اكتشفت جانبه المظلم ...فتزكرت كل ماحدث لها عندما كانت مع بيبرس وكذلك ايضا عندما كذبت ع صقر بأن ذلك الوحش لما يفعل لها شئ
صقر وكأنه يقرء مايدور بفكرها : مالك ساكته ليه ؟ ولا مخبيه عني حاجه وخايفه تقولي !
توترت فيروز من نظرات عينيه : عادي مفيش حاجه وانا عندي اي اخبيه عليك
نظر لها بعدم تصديق فمن اسوأ الطباع لديه الشك وخاصة عندما رأي توترها الواضح عليها فتنهد ثم اردف : ماشي يافيروز
فيروز وهي تحاول ان تغير من الاجواء المتوتره : اه صح اومال فين اياس؟
صقر : مشي
فيروز: ازاي؟
صقر : بقولك مشي روح اي الغريب ف كده يعني
فيروز : انت قولتيلو اي لما دخلت جوه انا ورنيم
صقر وهو يولها ظهره ويخلع معطفه ثم التيشرت الذي كان يرتديه اسفله حتي اصبح جسده من الاعلي عاريا: ملكيش دعوه ... شهقت فيروز : هاااا اي الي بتعملو ده
صقر بلا مبالاه : بقلع عشان ادخل اخد شاور
فيروز وهي تمسك بمقبض الباب لتخرج فأسرع نحوها ليقف امامها مباشره ولايفصل بينهما سوي سنتيمترات معدوده
صقر : مفيش خروج
فيروز وهي تشيح بنظريها بعيدا عنه متوتره : مينفعش اكون معاك ف اوضه واحده
فاقترب اكثر ليستند ع الباب وبزراعيه يحاصرها ف المنتصف : ليه؟؟؟
ازداد توترها اكثر وخاصه بعدما مر مشهد ف ذاكرتها مشابه لذلك مع بيبرس ... ابعدت صقر عنها وهي تدفعه من صدره العاري لتقول : لو سمحت ياصقر بلاش الطريقه دي وازاي كنت هتموت اختك وصاحبك وانت بتعمل كده دلوقت
تضايق صقر وشعر بالغضب فابتعد ليفتح لها باب الغرفه : طيب اطلعي بره بقي طالما شيفاني كده
فيروز كادت تخرج لتلتفت اليه : افهم بس... قاطعها صقر ليبعدها خارجا ثم اغلق الباب ف وجهها ليتركها ف حالة صدمه من ردة فعله
*************************************
* في المنطقة السكنيه التي تقطن بها ليلي وخصوصا بداخل السوق ..... تقف ليلي مع والدتها وتحمل عدة اكياس بلاستيكيه مليئه بالخضروات والفاكهه الطازجه ... ويقفا لدي بائع الملفوف والباذنجان
ليلي بتأفف : هوووووف يارب نخلص ايدي ورمت من الشنط ودماغي ساحت من الشمس اخلصي والنبي ياماما بقي
والدتها : بس اخرسي يابت بدل ما البس الكرنبايه دي ف دماغك
ليلي : استغفر الله العظيم يارب ياحجه انتي اشتريتي السوق كله انتي عازمه الجيران النهارده ولا اي؟
والدتها : اها ياحبيبة امك عندنا ضيوف ومعزومين عندك مانع؟
ليلي وهي تلوي شفتيه جانبا بتهكم : طيب خلاص اسبقك انا ع البيت وابقي حصليني
والدتها : اصتبري يابت لسه عايزه اروح للراجل بتاع اللحمه المفرومه يدوق لنا الكفته
ليلي : كفته اي الي هيدقها ياماما انا الي دماغي خلاص دقت من الشمس وهموت
والدتها رمقتها بغضب : بصي يابت انا صبري نفذ خلاص منك ثانيه كمان وهقلعلك الشبشب وهديكي بيه ادام الناس ولا يهمني
ليلي تزفر بقوة وقالت ف بصوت لا يسمع : يادي ام الشبشب الي مسكهولي ليل نهار ده
والدتها : بتقولي اي يابت
ليلي : مش بقول مش بقول خالص هشد ع بوءي بلاستر اهو
والدتها : بت خرعه ومش نافعه ف حاجه المفروض تشوفيني بشتري وانقي ازاي وافاصل مع البياع عشان تبقي تعملي زيي لما تتجوزي
ليلي : ياماما حرام عليكي فصال اي ده الراجل بتاع الطماطم قعد يحلف ليكي ان الطماطم ب 8 جنيه وانتي مصممه تاخديها ب 5 وبرضو اخدتيها منه بالسعر الي انتي عيزاه بعد ما جبتيلو الضغط وشويه كان هيرمي الاقفاص علينا
والدتها : بس ياخايبه الي متعرفيش حاجه .. الست الشاطره هي الي بتعرف تفاصل وبعدين انتي مالك هو انتي الي ماسكه مصروف البيت ولا فاكره الملاليم الي ابوكي بيقبضها دي بتكفي لحد نص الشهر حتي
ليلي : يوووه بقي هتقعدي تشرحيلي حكاية كل يوم خلاص حفظتها
والدتها : يبقي تخرسي ومسمعش صوتك
ليلي : امتي الدراسه تيجي بقي وارتاح
_ وفي الجهه المقابله لهما عند بائع الفاكهه يقف الامين علي ويعطي للبائع النقود .. فالتفت خلفه ليعبر الطريق من الماره الذي يمشون ذهابا وايابا وقد لمح ليلي ووالدتها فأسرع نحوهما وهو يتزاحم بين الناس حتي وصل
علي : احم احم ... مساء الخير ياماما .. التفتت له والدة ليلي : مساء الخير ياحبيبي ازيك ياسي علي عامل اي؟
علي : الحمد لله واي سي علي دي انا مش زي ابن حضرتك ولا اي
والدة ليلي : اه طبعا يا حبيبي ابني وهتبقي جوز بنتي ان شاء الله كمان
ف تلك اللحظه كانت ليلي تتحدث ف هاتفها مع خالتها وهي تنظر نحو والدتها فانصدمت برؤيته : طيب هاقفل دلوقت ياخالتو وهبقي اكلمك تاني يلا باي
واقتربت من والدتها بعدم اكتراثها بوجوده فاردفت : يلا ياماما مش خلصتي يلا نمشي
علي بابتسامه : ازيك ياليلي
ليلي وهي ترفع حاجبيها بتهكم : الدكتوره ليلي لو سمحت يا امين علي
شعر علي بالاحراج : طيب عن اذنكو انا عشان اخواتي جايين عندنا النهارده
والدة ليلي رمقتها بغضب متوعده اياها لما فعلته من احراج له فقالت : طيب يا علي اتفضل وابقي سلملي ع الحاجه كتير ومتنساش ميعاد بكره حتي نتعرف ع اخواتك
علي بطيف ابتسامه : ان شاء الله ياماما يوصل وهكلم عمي قبل ما نيجي
والدتها : تشرفو ف اي وقت يابني
علي : الله يخليكي سلام عليكو ... قالها وتركهما وكان غاضبا من ليلي فقال لنفسه : ماشي ياليلي انتي فاكرة بطريقتك دي هطفشيني ع مين يا قلبي هتجوزك واعرفك مين الامين علي ياست الدكتوره ...ثم ضحك بسخريه
**************************************************
* قد مر كثير من الوقت وهي تجلس ف الردهة بمفردها حتي اصابها الملل فنهضت من المقعد واتجهت نحو غرفه رنيم وطرقت الباب مرتين
رنيم من الداخل : يانعم؟؟
فيروز : ممكن ادخل!
رنيم : اتفضلي
فتحت فيروز الباب ودلفت للداخل لتجد رنيم تجلس ع تختها وامامها مجموعة من الصور التي تجمعها مع شقيقها ومع اياس حب عمرها ... ظلت تتأمل فيروز
رنيم: انتي بتحبيه؟؟
فيروز بعدم استفهام : ها؟
رنيم : انا بسألك بتحبي صقر؟
فيروز بتوتر وخجل : اه بحبه
رنيم: طيب لو حد وقف ف طريق حبكو وعايز يفرقكو عن بعض هتعملي اي؟
فيروز : اتمسك بيه اكتر واتحدي الناس والظروف طالما يستاهل كده.... بس انا مستغربه ليه صقر معترض ع جوازك من اياس
رنيم: يبقي لسه متعرفيش صقر كويس... اخويا اكتر حاجه مبيسامحش فيها وبيكرهها الخيانه ولما انتو دخلتو كده وشوفتوني انا واياس هو حس ان اياس خان الصداقه الي مابينهم
فيروز : طيب ما اياس طلب ايدك منه يعني مش بيحبك ومش بيتسلي بيكي
رنيم : ماهو ده اقل عقاب ممكن يعاقبني بيه انه يبعدنا عن بعض
فيروز : وهتعملي اي دلوقت ؟
رنيم : صقر عنيد جدا وعنادو ساعات ممكن يوصل انه يخسر الي حواليه فكل الي هعمله هتظاهر كأن ولا حاجه حصلت لحد ما اشوف الامور هتوصل لاي
فيروز : وانا عن نفسي هفضل وراه لحد ما ربنا يهديه ويهدي عليكي انتي واياس ... قالتها وهي تغمز لها بعينها
رنيم : هقولك ع حاجه بس متزعليش مني اول ما شوفتك وانتي داخله مع اخويا مكنتش طيقاكي خصوصا لما بيحاسبني ع حاجه وهو بيعملها بس لما قعدت مع نفسي قولت وانتي ذنبك اي بالعكس الله يكون ف عونك معاه ده هيخليكي تكرهي نفسك
فيروز : انتي لو اصدك تتطفشيني مش هتقولي كده
رنيم بضحك : لا يا فيرو.. انا بفهمك طبعه عشان شكلك زي حلاتي بالظبط طيوبه وغلبانه.. بس احلي حاجه فيه طيبته وحنيته صقر مكنش مجرد اخويا ده كان بابا وصاحبي وكل حاجه بس عصبي وغيور بطريقه تخنق
فيروز :هههههههههه والله انتي عسل عماله تشكري فيه ومرة واحده تقومي قالبه عليه
رنيم : فكك بقي من كل الهري ده وتعالي نشغل شويه اغاني فرفشه ونرقصلنا حبه ولا انتي مش بتعرفي ترقصي
فيروز وهي تتزكر يوم حفلة الافتتاح : بلاش الرقص ده بيفكرني بزكري هباب
رنيم : خلاص هشغل انا وارقص مع نفسي
ضحكت فيروز : لا حول ولا قوة الابالله اي البت المجنونه ياربي
رنيم : سمعاكي يافيرو وعقابا ليكي هترقصي معايا
قالتها ثم ضغطت ع احدي الازرار بالحاسوب المحمول الخاص بها المتصل بسماعه خارجيه ذات صوت قوي ... فبدءت بالتشغيل اغنية من الاغاني الشعبيه التي وصلت لمسمع صقر الذي كان يقف ف الشرفه الملحقه بغرفته ويدخن سيجارته (
.(..مفيش صاحب بيتصاحب ..مفيش راجل بقي راجل ...هتتعامل هنتعامل طلع سلاحك متكامل .............)
فيروز : يخرب عقلك يا رنيم اي الاغنية دي صقر هيجي ينفخك دلوقت
استشاط غضبا ليلقي بسيجارته التي احترقت وخرج من الشرفه ليدلف لغرفته ثم خرج منها الي غرفة شقيقته وبصوت هادر وهو يطرق الباب بقوة : اطفي الزفت ده احسن لك
رنيم وهي تخفض مستوي الصوت قليلا : خليك ف حالك وملكش دعوة
فيروز ضحكت منهما الاثنان ثم اردفت : يابت اسكتي ليجي يكمل عليكي محرمتيش من الالم الي خدتيه منه الصبح
رنيم : سيبك منه هو ع طول عصبي كده وعندا فيه اهو ...قالتها لترفع مستوي الصوت للاعلي من ذي قبل
وبعد ان دلف لغرفته خرج مرة اخري والغضب يتملك فذهب يفتح باب غرفتها فوجده مغلق من الداخل وبصوت جلي : رنييييم افتحي الباب
رنيم من الداخل : مش فاتحه حاجه وكفايه بقي فيروز تقول عليك اي دلوقت
فيروز بهمس : الله يخربيتك ياشيخه شكلك عيزاه يجي يكسر الدي جي بتاعك ده فوق دماغنا
رنيم : فوكك منه ولا هيعمل حاجه .. قالتها لتجد باب الغرفه يهتز بقوة من اثر اندفاع صقر بجسده عليه من الخارج
نهضت فيروز وركضت مسرعه لتختبأ ف اي مكان ما بالغرفه
رنيم : اه يا جبانه ... وف الدفعه الثالثه انفتح الباب لينخلع وينكسر المقبض به ويدلف الغرفه ليقف مثل الثور الهائج وبدون ان ينبت بأي كلمه اتجه نحو السماعه الخارجيه فحملها بيد واحده والقي بها ع الارض لتصبح حطاما متناثرا
رنيم بصياح : اي الي انت هببتو ده هي حاجتك عشان تعمل فيها كده !!
نظر لها بعينين حادتين فارتعبت منه ليسكتها تماما...... ارادت اغاظته اكثر فأردفت : ومالك زعلان ليه هي الاغنية جتلك ع الجرح ..... وكادت تضحك ساخره منه لتجد نفسها ملقاه ع تختها من صفعته التي القاها اياها
فيروز خرجت من الشرفه التي بالغرفه وهي تشهق وركضت نحو رنيم لتمسك بها وتضمها بزراعيها وتبعدها من امامه ... وهي تنظر لصقر وترمقه بسخط
صقر بصوت مرعب : وانتي كمان بتبصي ليا كده ليه؟ عايزها تغلط وكمان بتبجح ولا هممها اي حاجه؟
رنيم بصوت باكي وتصرخ : امشي يلا بره اوضتي غور من هنا
نظر اليهما ليجز ع اسنانه في غضب ليلقي بقاروره زجاجيه كانت ع منضده بجوار الباب لتنزل فتاتا ثم خرج ليخرج من المنزل تماما
**********************************
* في شركة صلاح السويفي للمعمار ...يدلف الي مكتبه بغضب وبيده مجموعه من الملفات الورقيه ليلقي بها ع طاوله الاجتماعات وجلس ع احدي المقاعد وهو يرجع شعره بيده للوراء ثم نهض ليصل الي المكتب ويرفع سماعة الهاتف الداخلي للشركه
شهاب : سما هاتي كل الملفات الي عندك وتعاليلي حالا دلوقت ... ثم اغلق السماعه بقوة ومرت بضع ثوان لتطرق سكرتيرته الخاصه باب المكتب
شهاب : ادخل ..... فدلفت الي المكتب فتاة في اواخر العشرينات ذات قوام ممشوق وخصر نحيف ترتدي تنورة قصيره تصل الي منتصف فخذيها وعليها بالاعلي قميص حريمي ضيق للغايه مثل التنوره تماما ولتصبح اكثر اثاره فتحت بضع ازار قميصها العلويه لتبرز انوثتها الطاغيه
سما : مساء الخير يافندم
شهاب وهو يشير الي احدي المقاعد امام مكتبه : اتفضلي قعدي
تقدمت خطوات لتجلس ع المقعد وهي تضع ساق فوق الاخري بقصد فقالت : تحت امرك ياشهاب بيه .. قالتها بنبرة مغناج
شهاب بلا مبالاه لها : افتحي الفايلات الي معاكي وراجعي معايا عشان لو الي ف دماغي طلع صح هتبقي ليلة سوده ع دماغك
رمشت عده مرات بذهول : انا ؟؟؟؟؟؟؟؟
شهاب بحزم : هو ف حد غيرك يعني؟
سما : طيب يافندم حصل اي بس مش فاهمه حاجه
شهاب : ف ان ف حسابات ناقصه كتير والي ف الورق غير الي الكمبيوتر وده مش معناه غير ان سيادتك مش شايفه شغلك زي ما انتي شايفه نفسك ... قالها وهو يرمقها من اعلي لاسفل باحتقار
سما : بالتأكيد ف غلط حضرتك وبعدين ده من اختصاص المحاسب مش اختصاصي
شهاب وقف فجاءه وبصوت أجش : هو انا لما عينتك سكرتيرتي قولتلك اي قبل ما تشتغلي ؟؟؟؟
سما : قولتلي ان..... لتقاطعها سيلين التي دلفت الي المكتب لتقع عيناها ع سما وترمقها بنظرات ناريه ع مظهرها وثيابها المكشوفه باسفاف وابتذال
سيلين : هاي .... قالتها واقتربت نحو شهاب لتقف بجواره ثم اعطته قبله ع وجنته فأردفت :
Imiss you my Baby
قالتها وهي ترمق سما التي كانت تظر لها بسخط ....
شهاب وهو يحاوط سيلين من خصرها : وانتي كمان وحشاني اوي ياقلبي .. ثم نظر لسما وهو يشير اليها بعينيه بأن تخرج وتتركهم
سما تنهض : احم طيب عن اذنك ياشهاب بيه .. قالتها بصوت رقيق ثم مشت نحو الباب بخطوات مائله وميوعه ثم خرجت واغلقت الباب خلفها
سيلين ابتعدت عن شهاب وهي تنظر له بغضب وتجز ع اسنانها : هي دي بقي السكرتيره الي انت لسه معينها جديد ؟؟؟؟
شهاب بنظرات خبيثه : وانتي اي الي مضايقك؟
سيلين : عشان هي اوفر كلها ع بعضها كيلو الدقيق الي حطاه ع وشها ولا بلوزتها مبينه كل حاجه ولا السكريت بتاعتها لابسها ومش لابسها ف نفس الوقت دي جايه نايت مش شركه خالص
اقترب شهاب نحو ليجذبها من خصرها اليه لتلتصق بصدره ووضع انامله اسفل ذقنها ليرفع وجهها اليه وحدق في عينيها : واو احنا بقينا بنغير اهو واضح ان فيه تقدم
ابعدت يديه عنها وابتعدت وقالت بسخريه : ومين قالك ان بغير عليك اصلا .. انا عشان شكلي ادام الناس مش سيلين السويفي الي جوزها يخونها مع حتة سكرتيره بيئه زي دي
شهاب بتعجب : ومين قالك ان انا بخونك ؟ وبعدين عايز افهمك حاجه انا لو عايز اعمل زي اي بيزنس مان ويبقي ليا علاقات نسائيه كتير كنت عملت من زمان بس انتي الي مش قادره تفهمي ... قالها وهو يقترب منها وهي ترجع للوراء الي انتهت عند الحائط الزجاجي ليحاصرها بزراعيه ثم اردف وهو يهمس ف أذنها بصوت عذب وجذاب : انا بعشقك لدرجة الجنون .. ثم امسك بكفها ليضعه ع صدره بمكان قلبه واردف : وده ملك لكي لوحدك انتي بس ومفيش انثي ف الكون كله تقدر تشاركك فيه ..... قالها لتشعر هي بأنفاسه الحاره وكلماته التي تجعلها ترتجف وتقلب مشاعرها ليخفق قلبها بقوة وتلمع عينيها بحبها له فجعلته تلك النظرات يقترب بوجهه اكثر نحو عنقها ليقبلها ثم عانقها بقوه فتوقف عندما لاحظ ذلك الوشم اللعين الذي يتشكل ع هيئة طائر الصقر وباسفله كلمة بطلي بالانجليزيه .. ابتعد ثم غرز يده ف شعرها وبنبره مرعبه وهادئه ف نفس الوقت : مش قولتلك لما كنا ف النايت انك تشيلي الوشم ده؟
توترت سيلين : ااا انا نسيت سوري
شهاب : بعد ما هخلص شغل النهارده هاخدك تروحي تشيليه فاهمه؟؟ قالها وهو يحدق بها بنظرات حاده
سيلين : حاضر
فاقترب منها ليعانقها ويمسد ع شعرها الذي كان لاعلي ليفك مشبك شعرها وينسدل ع ظهرها ليخبأ به ذلك الوشم الذي يمقته ويمقت صاحبه
******************************************
* في صباح اليوم التالي .... استيقظت فيروز من النوم وهي تتمدد بجسدها وهي تتثائب واضعه يدها امام فمها ثم نهضت ورتبت الفراش بشكل منظم ع التخت ثم فتحت باب الشرفه المتسلسل لتستنشق نسيم الصباح المنعش فلاحظت عدم وجود رنيم بالغرفه .. خرجت الي الردهة لتبحث عنها لم تجدها ونظرت نحو غرفه صقر لتجد الباب مفتوحا مثلما كان بالأمس فأتها الفضول لتذهب وتري هل هو بالغرفه او مازال بالخارج .. دلفت بخطوات هادئه وبحثت بعينيها فوجدت تخته منظم فأنه ليس بالمنزل اذن ... فذهبت نحو الشرفه لتفتح بابها وتدخل اشعة الشمس التي اضاءت الغرفه التي لم تتأملها جيدا بالامس فحقا انها غرفه ذات مساحة كبيره بها مرحاض ملحق بها وايضا غرفة ملابس صغيره اتجهت نحوها لتري ثيابه المعلقه بشكل انيق وجذاب واحذيته الموجوده ع الارفف كأنها للعرض .. ففتحت الادراج لتجد اول درج فيه ساعات يده بمختلف الاشكال والماركات العالميه .. ولفت انتباهها ضلفه زجاجيه يظهر بداخلها رفوف زجاجيه ايضا عليها ارقي العطور الرجالي فتحتها لتأخذ زجاجه وقامت برش منها القليل ع معصمها ثم استنشقته بعمق ليوقفها صوته الذي تعشقه
صقر : عجبك البرفيوم ؟.... التفتت اليه : انا كنت بدور ع رنيم
قاطعها وهو يقترب منها ليأخذ منها زجاجه العطر ثم قام برش الكثير منه ع ثيابه خاصة ع صدره ثم وضعها ع الرف ليحدق بعينيها ثم جذبها اليه ليعانقها ويدفن وجهه ف شعرها الحريري المنسدل وينبرة اعتذار : آسف
ثم مسد ع شعرها واردف وهو يستنشق عبيرها : انا بحبك اوي يافيروز وبعشقك ارجوكي متخلنيش اتنرفز واطلع غضبي عليكي
ابتعدت بوجهها وهي تنظر ف عينيه : انا مش زعلانه منك انا زعلت من عصبيتك الي مبتتحكمش فيها وبتزعل كل الي حواليك
تنهد وقال : غصب عني ياروحي انتي لو مكاني هتعملي اكتر من كده
فيروز بابتسامه عاشقه : خلاص بقي انسي الي حصل .. بس ممكن طلب عشان خاطري؟
صقر : أؤمري ياروح قلبي
فيروز : صالح رنيم ومتزعلهاش تاني
انقلبت ملامحه ليتجهم وجهه ثم زفر بقوة : فيروز دي حاجه بيني ومابين اختي ممكن متدخليش فيها لو سمحت
فيروز وهي تزيح يديه من ع خصرها ثم خرجت من غرفة ثيابه مسرعه للخارج وكان هو خلفها : فيروز
لم تجيبه ليوقفها وهو يمسك بيدها بقوة ويجذبها لتقف امامه ثم اردف : بعد كده لما بكلمك متسيبنيش وتمشي غير لما اسمحلك بكده
فيروز ترفع احدي حاجبيها بسخريه : لا والله بجد؟؟
صقر : اي هنرجع للعند تاني وارجع اتعصب عليكي وتزعلي مني ف الاخر .. عايزة اي بالظبط؟
فيروز : عيزاك تكون حنين مع اختك وتحتويها مش تربي لها الرعب وتخنق عليها
صقر : الصبر يارب .. انا اختي عارفها كويس وحافظ دماغها وعارف كمان اي الطريقه الي بتجيب معاها نتيجه
فيروز : يبقي متعرفهاش
ضحك بسخريه : وانتي يالي لسه شيفها امبارح عرفتيها؟
فيروز : ومالك بتتريئ ليه اها مش بنت زيها وبنفهم بعض
صقر : طيب ربنا يهديكي انتي وهي
فيروز : ويهديك معانا انت كمان
صقر: امين يافيروز امين ... قالها ثم اتجه نحو غرفته فاستوقفته : صقر؟
التفت اليها : نعم؟
فيروز: انا عايزه اكلم ماما اتطمن عليها واطمنها عليا
صقر : الموبايل عندك ع السفره ... قالها ثم اغلق الباب خلفه
فيروز: ماشي ياصقر ؟؟ .. اتجهت نحو السفره لتجد علبة خاصة بهاتف خلوي والهاتف نفسه موجود بجانبها وبه خط للاتصال والخلفيه صورة تجمعهما معا من رحلة المركب الشراعيه.. فأدركت ان هذا الهاتف جديد وان صقر اشتراه لها خصيصا .... فأخذته ثم ذهبت لغرفته وطرقت الباب
صقر من الداخل : ادخلي
فيروز تفتح الباب وتقف بمكانها لتجده يمارس بعض التمارين الرياضيه فقالت : شكرا
توقف صقر عن التمرين : مفيش بينا شكر يا حبي
فدلفت للداخل ثم وقفت امامه وبنبره رقيقه : ربنا يخليك ليا ياحبيبي قالتها وهي تمسك بيده واعطته قبله ف باطن كفه ... فأمسك بيديها الممسكه بيده ليجذبها نحوه ليعانقها وهو يقول : ويخليكي ليا ياروح صقر
******************************************
* في منزل أيمن....
تجلس سلمي ع الارض وامامها منضده خشبيه مستديرة (طبلية ) عليها كتب دراسيه الخاصة بابنتيها .. شارده ف الفراغ وقد هربت من عينيها عبره لتسألها احدي ابنتيها
كارما : ماما انتي بتعيطي؟
انتبهت سلمي لها وهي تمسح تلك العبره من وجنتها : لا ياحبيبتي عيني اطرفت بس
كنزي : ماما هو بابا جه امبارح؟
سلمي بضيق : لاء
كارما : ازاي مجاش واحنا شوفنا شنطة كبيره معرفناش نفتحها محطوطه ف اوضتنا
تعجبت سلمي فأنها لم تري معه اي حقيبه عندما جاء ... لكن هو عندما غضب وخرج باالأمس تزكر امر الحقيبه فعاد ووضعها بغرفة ابنتيه لحين يجد لها مكانا يخبأها فيه
سلمي بغضب : انتي هتفضلي انتي وهي تتكلمو كتير ونسيب المزاكره
توقفت عندما سمعت صوت مفتاحه وهو يفتح باب المنزل ليدلف فنهضت كلا من كنزي وكارما يركضا نحوه ليعانقا والدهما
كنزي وكارما : بابا وحشتنا اوي
ايمن : وانتو وحشتوني اوي يا حبايب بابا .. قالها وهو ينظر لسلملي التي تمسك بقلم وتتصنع كأنها تصحح ف احدي الكتب الخارجيه
كنزي : بابا انت كنت فين
كارما : ماما كانت بتقولنا انك كنت ف الشغل
كنزي : ازاي بتسافر للشغل والمتحف مش بعيد يابابا
نظر لها ايمن مبتسما من ذكاء طفلته : لا يا حبيبتي مكنتش ف المتحف كنت ف شغل ف بلد بعيد
كارما : فين يابابا وبتشتغل اي
ايمن : هههههههه مامتكو نفسها مسألتنيش
سلمي تزفر بقوة وقالت : انا مبسألش ف الي مبيسألش فيا
رمقها ايمن : روحي يا بنات افتحو التليفزيون وقعدو اتفرجو ع الكارتون .... ثم اردف وهو ينظر لسلمي : تعالي عايزك جوه
اتجه لغرفه نومه ثم نهضت سلمي من مكانها لتذهب خلفه ودلفت للداخل
ايمن : اقفلي الباب عشان مش عايز البنات يسمعو الي هقولهولك
تنهدت سلمي وهي تغلق باب الغرفه ثم التفتت اليه : نعم؟؟؟؟
ايمن : اتعدلي ياسلمي معايا بدل ما اقلب عليكي
سلمي : بلاش الحركات دي ولخص وقول عايز اي
ايمن يرمقها بسخط: ماشي هشوف اخرتها معاكي اي ..... وكاد يكمل حديثه ليوقفه طرق احدي ابنتيه
كارما : ماما ..بابا
سلمي : عايزة اي ياكارما
كارما : الحقي بابا صورته ف النشره
تعجبت سلمي لتنظر لايمن الذي ابتلع ريقه بصعوبه وتجمد ت الدماء بعروقه .... فتحت سلمي الباب وخرجت وهي تنظر الي شاشة التلفاز وهي تستمع الي المذيعه بنشره الاخبار التي تقول الاتي :
وقد حققت قوات الشرطة الباسله نجاحا كبيرا ف القاء القبض علي افراد العصابة التي تهرب الاثار خارج البلاد عبر عدة طرق واشهرها منطقه جبل الحلال التي كان يمشطها من فترة قريبه القوات المسلحه والقاء القبض ع العناصر الارهابية المختبئون فيها ... لكن مازال التحقيق مستمر حتي تلقي الشرطة القبض ع بعض افراد العصابة الذين فرو من الهجوم ومنهم
................و............و أيمن محمود الذي كان يعمل حارس أمن في المتحف المصري.......
اخذ ايمن ريموت الكنترول ثم اغلق التلفاز ... لتنظر له سلمي بحدقتيها المتسعتين وهي تشهق وتضرب كفها ع صدرها وبصوت جلي : آثار يا ايمن !!!!!!!!
استوقفهم صوت طرقات الباب القويه لتركض كنزي نحو الباب ثم فتحته ليداهم المنزل رجال الشرطة وقال رئيسهم وهو يشير لايمن بصوت أجش : انت ايمن محمود؟؟
ايمن اومأ له رأسه بالموافقه
الظابط : هاتو ياعسكري ونزلو ع البوكس
كنزي وكارما يتشبثا بوالدتهما : ماما هم واخدين بابا ع فين؟
سلمي كانت تضع ع رأسها حجابا تناولته من ع الاريكه لتربت ع ابنتيها : متخافوش ياحبايبي ...يارب انا مليش غيرو انا وولادي
بالاسفل امام البناء اخذت القوة ايمن بداخل سيارة الشرطة امام انظار الجيران الذين يضربون كف بالاخر
عم جمعه احدي جيرانه : لا حول ولا قوة الا بالله هو كان ناقص بهدله
ليرد عليه الاخر : انت مشوفتش ف التليفزيون من شويه جابو صورته ف نشره الاخبار انه شغال مع عصابه كبيره وبيهربو اثار وسلاح
جمعه : ربنا يهديه ويصلح له الحال يارب
****************************************
* في محافظة شمال سيناء ...بداخل مشفي تملؤه حراسة مشدده ...كانت الفوضي تملوء المشفي والاطباء يركضون ف جميع الاروقه بالطوابق ....وفي مكتب مدير المشفي كان يصيح بصوت مدوي في رئيس الحرس : انت بتسالني انا ليه اومال حضراتكو بتعملو اي ف المستشفي
رئيس الحرس : ما هو الدكتور الي كان مشرف ع حالته منع وقوف حراسه ف الاوضة الي كان فيها
مدير المشفي :دي عناية مركزه طبيعي ممنوع حد يقف فيها
رئيس الحرس : طيب حضرتك جايلي تعليمات ممنوع خروج او دخول اي حد المستشفي لحد ما نلاقيه
جاءت احدي الممرضات تصرخ من الخارج لتدلف المكتب : الحقنا يادكتور بسرعه
مدير المشفي : ف اي انتي كمان مش كفايه مصيبه المتهم الي هرب
الممرضة بتوتر وهي تنظر له ولرئيس الحرس الذي يرمقها : اا اصل لقو دكتور خيرت المشرف ع حالة المتهم مدبوح بالمشرط ومرمي ف المخزن الي ف الدور الارضي
_ ف الناحية الاخري ف مكان قريب من المشفي يركب السيارة رجل يرتدي الزي البدوي الخاص بالرجال حيث الجلباب والشال ويغطي وجههه به
السائق : يامرحب بيك ياخيي ... الشيخ مزايد موصيني عليك وجال خد بالك منه ده واحد من جرايبيني .. ايش هو اسمك ياخيي ؟
الرجل وهو يخلع الوشاح من ع فمه وبابتسامته المرعبه : اسمي هو بيبرس.....
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ولاء رفعت
في المخفر حيث عمل صقر، يجلس أيمن والإرهاق يبدو على عينيه ذات الأهداب المنتفخة، أمام المكتب الذي يجلس على مقعده الضابط الذي يحقق معه منذ أمس.
الضابط يزفر بقوة في الهواء: ماهو لو متكلمتش وحكيت كل حاجة بالتفصيل، فهتلبس الليلة ودي مفيهاش أقل من مؤبد، يعني تعترف أرحم لك.
أيمن بتوتر: والله زي ما قولت أنا معرفش غير بيبرس والبنت الروسية والواد اللي قبضتوا عليه اللي اسمه سلماوي بس، لكن عمري ما سمعت عن واحد اسمه شوق...
قاطعه طرق باب المكتب.
الضابط: ادخل.
العسكري يدلف: تمام يا فندم... فيه واحد بره بيقول إنه محامي المتهم.
الضابط وهو يشعل سيجارة بفمه: خليه يتفضل... ثم أردف وهو ينظر لأيمن: خلينا نشوف آخرتها هتبقى إيه.
ليدلف المحامي مبتسمًا: صباح الخير يا فندم... أنا عدنان الحاروني... فنظر له أيمن وقد هربت الدماء من عروقه، فهو يعرفه حق المعرفة وما يخشاه هو سبب مجيء ذلك المحامي الذي يلقبونه في وسط عالم القضايا والمحاكم بلقب العقرب.
نظر أيضًا عدنان له بابتسامة إبليس ثم أردف: محامي الأستاذ أيمن محمود.
الضابط: اتفضل يا متر حضرتك أشهر من نار على علم.
عدنان بطيف ابتسامة: تسلم حضرتك... صمت ليفتح حقيبته وأخرج منها ملف ورقي وأعطاه للضابط ثم أردف: اتفضل حضرتك الفايل ده فيه كل ما يخص موكلي والتحقيق.
الضابط وهو يفتح الملف ثم نظر لعدنان: هو بصراحة مش أنا اللي ماسك القضية... أنا بس بحقق مع المتهم لحد ما سيادة النقيب يجي ويكمل معاه تحقيق.
عدنان: وماله هستناه ده حتى صقر بيه الهواري حبيبي... قالها مبتسمًا بخبث.
تلقى أيمن تلك الجملة على مسمعه كالماء المثلج الذي ينسكب على رأسه... فهو يعلم جيدًا أن صقر لا يرحمه خاصة عندما اختطفوا فيروز وكذبوا عليه عندما داهم المنزل القديم بالواحات... أحس حينها أنه وقع بين شقي الرحى (حجرين)، فالحجر الأول هو العصابة التي أرسلت له سفير الجحيم (عدنان)، والحجر الثاني هو صقر الذي سيجعله يندم على اليوم والساعة التي ولد فيها.
أوقف صراع أفكاره رنين الهاتف، فرفع الضابط السماعة ليجيب وبعد أن انتهى من المكالمة قال: طيب هستأذن حضراتكوا 10 دقايق وجاي على طول.
عدنان بابتسامة: اتفضل سعادتك... غادر الضابط المكتب وأيمن ما زال ينظر لأسفل ليتحاشى نظرات ذلك الشيطان الجالس أمامه.
عدنان بصوت أجش: أخبار مدام سلمى إيه؟ وعمر وسليم؟
تلون وجه أيمن حتى أحس بغصة في حلقه: كح كح كح.
أعطاه عدنان كوبًا من الماء الذي كان يوجد على المكتب: اتفضل يا أبو كارما وكنزي.
أيمن أخذ الكوب بيده المرتجفة وارتشف منه ثم وضع الكوب على المنضدة الفاصلة بينه وبين عدنان فقال: أنتو عايزين مني إيه؟
عدنان: كل خير يا أيمن... وخير أوي كمان... قالها بنظرات تحمل معانٍ كثيرة.
أيمن بقلق: أنا أنا ما قولتش حاجة وقولتلهم معرفش حاجة.
عدنان: واضح... قالها ثم تنحنح قليلًا وانحنى بجذعه ليكن على قرب شديد من أيمن وأردف: بص أنا بحب أرمي ورقي كله للي قدامي وهو يختار الورقة اللي تعجبه واللي هيطلع في الورقة هينفذ حكمه بالحرف الواحد.
أيمن حرك رأسه قليلًا: مش فاهم حضرتك.
عدنان: لاء أنت فاهم... أوعى تكون فاكر إننا مش عارفين سرقتك للصندوق وهروبك بيه.
أيمن بقلق: صص صندوق إيه؟
عدنان: أنا حاليًا مش هسألك على مكان الصندوق لأنه كده كده عارفين مكانه وهنجيبه و... قاطعه أيمن: بس...
عدنان ويشير له بالصمت: سيبني أكمل كلامي قبل ما يجي الظابط... بالنسبة للورق اللي قولتلك عليه إحنا اخترنا لك ورقة وهتنفذ حكمها وأكيد أنت عارفه... وبصوت كالفحيح: أنت هتشيل الليلة يا أيمن.
أيمن: إيه!!!!!!!!!!!!!!!
عدنان: زي ما سمعت كده بالظبط... وأه صحيح نسيت أقولك على حاجة كمان... فصمت وهو يحك ذقنه ثم أردف: بيبرس بيه بعتلك السلام.
تجمدت ملامح أيمن لتخرج من فمه الكلمات بصعوبة: أا ا...ز..ا..ي؟
عدنان وقد ارتسمت على محياه ابتسامة الجوكر بورق اللعب: ده شغلنا إحنا بقى... ثم أردف بعد ثوانٍ من استيعاب أيمن: وطبعًا أنت مش محتاج إني أقولك لو خالفت الأوامر إيه اللي هيحصل... عشان إحنا مش بنهدد إحنا بننفذ على طول.
تصببت قطرات العرق الغزير على جبهته فأخذ يمسحها بيده وفك زرار قميصه من الأعلى لشعوره بالاختناق.
دلف الضابط إلى المكتب واتجه لمقعده وهو يقول: أرجو أن يكون أستاذ أيمن راجع نفسه.
عدنان وهو ينظر لأيمن: طبعًا يا فندم موكلي عارف إن مش من مصلحته الإنكار... صح يا أيمن؟؟
أيمن كان يرتجف رعبًا وخوفًا من مصيره الذي ينتظره في قاع الجحيم.
***
في إحدى المناطق الشعبية حيث تقطن خالة سلمى التي نزلت من سيارة أجرة جماعية أمام بناء قديم ومعها ولديها التوأم على ذراعيها وتتشبث بها كل من كنزي وكارما.
كنزي: ماما أنتي مودينا عند تيتا ليه؟
سلمى: عشان هاروح لبابا يا حبيبتي هوديلو أكل وأطمن عليه.
كارما: هو بابا البوليس خده عشان حرامي؟؟
سلمى نظرت لها بغضب: عيب يا كارما اللي بتقوليه على أبوكي كده.
كارما: مش أنا ده العيال في الشارع بيقولولنا كده.
سلمى وهي تحبس دموعها بعينيها: ملكيش دعوة بيهم تاني والعبى مع أختك بس.
كارما: حاضر.
كنزي: هاتي يا ماما أشيل سليم.
سلمى: لاء عشان ميقعش منك.
كنزي: متخافيش همسكه جامد.
سلمى بضيق: يوووه بقى مش هتبطلوا رغي انجزوا يلا واسبقوني على فوق وأنا طالعة وراكوا.
صعدت الفتاتان حتى وصلوا إلى أمام شقة خالة والدتهما فطرقا الباب... لتفتح الخالة وهي مرتدية خمار الصلاة وتعدل نظارتها الطبية على عينيها لترى من الزائر.
الخالة مهللة بفرح: أهلًا حبايب قلبي.
كارما وكنزي: وحشتينا يا تيتا.
الخالة: وأنتوا كمان يا حبايب تيتا يلا على جوه فين ماما؟
كارما: طالعة ورانا.
وصلت سلمى أخيرًا وهي تتنفس بصعوبة لحملها الرضيعين فتقدمت نحوها وحملت منها أحدهما وهي تصافحها بالقبلات والعناق.
الخالة: ادخلي يا بنتي.
سلمى: عاملة إيه يا خالتي؟
الخالة: الحمد لله في فضل ونعمة.
سلمى: ديما يا خالتي.
الخالة: أومال فين جوزك؟ مش كلمتيني امبارح قولتيلي رجع؟
سلمى وهي تبكي: يا ريته ما رجع.
الخالة: يا بت بطلي عياط واحكيلي مش فاهمة حاجة... هو ضربك ولا إيه؟
سلمى: هو عمل فيا أنا وعياله اللي أفظع من الضرب.
الخالة: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم طيب احكي.
سلمى: أنتي ما شوفتيش الأخبار امبارح؟
الخالة: لا والله ما أنتي عرفاني ما بفتحش المخروب ده غير على قناة القرآن بس.
سلمى: طيب اللي حصل..............
ظلت سلمى تسرد لها كل ما حدث والقبض على أيمن.
الخالة: ليه كده يا أيمن؟ ده مراتك أميرة وطيبة وعيالك ربنا يباركلك فيهم زي الورد.
سلمى: قوليلي أنتي يا خالتي أعمل إيه في المصيبة دي؟ أنا بموت.
الخالة: بعد الشر عليكي يا ضنايا ربنا يهديه ويفك أسره يا رب.
سلمى وهي تمسح عبراتها بالمنشفة الورقية: يا رب يا خالتي آمين لأن على الرغم اللي عمله أنا مش قادرة أعيش من غيره، ده مش أبو ولادي بس ده جوزي وحبيبي وأخويا وأبويا وسندي في الدنيا.
الخالة وتدمع عيناها: أستغفرك وأتوب إليك يا رب أنت السميع العليم، فك كربه عشان خاطرها وخاطر عياله... معلش يا بنتي ده ابتلاء من ربنا ولازم تكوني قده باستعانك على صبرك بربنا وادعيلو في كل سجدة وأنا هادعيلو واللهم تقبل.
سلمى: يا رب يا خالتي آمين.
الخالة: طيب ادخلي غيري هدومك عقبال ما هحضرلكوا الفطار.
سلمى: لا أنا هسيب معاكي البنات وعمر وسليم ومحضرة لهم الرضعة دي عشان لو جاعوا... هاروح أشوف أيمن عملوا معاه إيه وهحاول أدخلو أكل هتلاقيه على لحم بطنه من امبارح.
الخالة: ماشي يا بنتي عيالك في عنيا ما تقلقيش عليهم ولو محتاجة أي فلوس أنا معايا الحمد لله والخير كتير.
سلمى: خيرك سابق يا خالتي ربنا يخليكي ليا... هامشي بقى عشان أروح بسرعة وارجعلك على طول.
الخالة: روحي وربنا يوقفلو ولاد الحلال يا رب.
ارتدت سلمى حذاءها واعتدلت من حجابها وحملت حقيبتها وأيضًا كيس بلاستيكي كبير به بعض العلب المملوءة بالطعام... هبطت الدرج إلى أن خرجت إلى الشارع واستقلت سيارة أجرة جماعية من أمام المنزل حتى أوصلتها إلى موقف سيارات أجرة جماعية أيضًا ومن هناك استقلت سيارة لتصل بها أمام المخفر وكادت تنزل من السيارة.
السائق بصوت أجش: الأجرة يا مدام حضرتك نسيتي تدفعي.
أخرجت ورقات من المال فأعطتها له: معلش يا أسطى أنا مش مركزة.
السائق: ولا يهمك.
نزلت لتغلق باب السيارة التي غادرت.
توجهت للمخفر إلى أن وصلت على الباب فأوقفها العسكري: على فين يا مدام؟
سلمى: أنا جاية أزور واحد جه عندكوا امبارح اسمه أيمن محمود.
العسكري: مش ده المتهم في قضية الآثار؟
أومأت له بعينيها وهي تعتصرهما ألمًا وقهرًا.
العسكري: طيب خليكي هنا ثواني.
ذهب ولبث بالداخل بضع دقائق ثم جاء إليها وقال: ممنوع الزيارة يا مدام.
سلمى: بالله عليك يا شويش عايزة أطمن عليه ده جوزي وأبو عيالي.
العسكري: والله ما ينفع حضرتك دي أوامر مدير القسم وأنتي كلك مفهومية.
شعرت بالخيبة واليأس فقالت: طيب خد الكيس ده فيه أكل ليه أبقى وصلهولو بالله عليك.
زفر العسكري ثم أردف: حاضر بس هنفتشه الأول.
سلمى: فتش براحتك بس وحياة عيالك وصلهولو.
العسكري: حاضر بس امشي يلا عشان وقفتك مش حلوة ليكي قدام القسم.
سلمى: حاضر مع السلامة ومتشكرة لحضرتك.
العسكري: الشكر لله ويسلمك من كل ردي.
عادت سلمى والدموع تغمر عينيها، فقلبها به نار مشتعلة وتدعو الله أن يهدئ من روعها وينقذ زوجها من براثن الظلم والطغيان.
***
في منزل صقر الهواري...
تستيقظ فيروز وهي تفتح عينيها ببطء لتتفاجأ بالذي يتمدد بجوارها ويتأملها.
صقر مبتسمًا: صباح الجمال والورد على أجمل عيون في الكون كله.
فيروز ابتسمت بقليل من الخجل: صباح النور يا حبيبي.
ثم تبدلت ملامحها إلى السكون لتنظر من حولها وتنهض فجأة فشهقت:
"إيه اللي جابني في أوضتك وعلى سريرك يا صقر؟"
صقر رغب بمشاكستها قليلًا فضحك ساخرًا:
"أنتِ اللي جيتي برجليكي يا قلبي."
فيروز وهي تحاول أن تتذكر:
"لأ ما حصلش، أنا آخر حاجة افتكرتها كنت سهرانة بتفرج على فيلم وكنت على الكنبة بره."
صقر:
"تؤتؤ، أنتِ جيتيلي الأوضة بالليل وأنا كنت نايم في حالي وغلبان وقعدتي تبوسيني في وشي وأنا نايم وجيتي نمتي في حضني.. ده كل اللي حصل."
فيروز كادت تجن من التفكير:
"أنت بتضحك عليا صح؟"
صقر:
"وهضحك عليكي ليه؟"
وكاد يضحك من ملامحها المندهشة لكنه أمسك نفسه.
فيروز وتلون وجهها احمرارًا من الخجل الشديد فلم تنبس بكلمة وانسحبت في هدوء كي تخرج من الغرفة فجذبها صقر من يدها وضمها إليه مبتسمًا:
"أنا كنت هموت وأشوف خدودك التفاح دول لما تتكسفي ويحمروا."
وضعت يديها على وجنتيها وهي تتحسسهما ثم نظرت له في شك:
"هو أنت كنت..."
فأومأ لها برأسه ردًا بالإيجاب عليها.
فيروز تدفعه بيديها في صدره:
"طيب اوعى بقى بعيد عني عشان تحرم تعمل فيا مقالب تاني."
ضحك صقر:
"هههههههههه يا خراابي يا ناس على شكل حبيبي اللي زي القمر وهو غضبان."
قالها وهو يقرص وجنتيها.
فيروز تمط شفتيها لأسفل بشكل طفولي:
"اوعى أنا زعلانة منك ومخاصماك."
صقر ازداد ضحكًا:
"مخاصمة إيه؟"
فيروز:
"مخاصماك وما تكلمنيش تاني."
صقر:
"ههههههه ماهو بعد مخاصماك دي فعلًا مش هكلمك بس هعمل حاجة تاني."
قالها وتبدلت نظراته إلى ابتسامة ماكرة وقد أحست فيروز بما سيقدم عليه فأسرعت تركض خارج الغرفة وهو خلفها.
فيروز وهي تقف وراء المائدة وتشير إليه بأصبعها:
"عارف لو قربت مني هصوت وهخلي رنيم تصحى وهسلطها عليك."
صقر:
"صوتي براحتك دي نزلت من بدري راحت النادي عندها تدريب."
فيروز:
"يعني أنا وأنت..."
قالتها وهي تشير عليه وعليها ثم انحنت ونزلت أسفل المائدة لتختبئ.
صقر:
"يا بنت المجانين بتعملي إيه عندك تحت السفرة؟"
فيروز:
"بستخبى منك."
صقر:
"ههههههه وأنتِ فاكرك مش هعرف أطلعك من تحت؟"
فيروز:
"لو قربت مني هعضك عضة تحلف بيها طول عمرك."
صقر:
"ليه هو أنا بحب بوبي؟"
قالها ثم ضحك بصوت جلي.
فيروز من الأسفل:
"كده؟ الله يسامحك... وعمومًا لو أنا بوبي (كلبة) يبقى حبيبي بوبي برضه زيي."
صقر:
"نعم!!!! يعني قصدك إن أنا كلب؟"
فيروز بضحك:
"أنت اللي شتمت الأول مليش فيه."
صقر:
"ماااااشي!"
قالها فصمت وبحركة سريعة انحنى وزحف أسفل المائدة وجذبها من قدميها.
فيروز:
"آآآآه الحقونييييي خلاص أنا آسفة مش هقول كده تاني."
صقر وهو يعتدل ويقف وهو ممسك بقدميها وهي ممدة على الأرض على ظهرها وتحرك ساقيها لتتخلص من قبضته.
صقر بابتسامة ماكرة:
"هههععع شوفي بقى البوبي هيعمل إيه."
فانحنى بجذعه ليثني ساقيها ويضع ذراعه أسفل ركبتيها والآخر أسفل ظهرها.
فيروز:
"ههههههه خلاص حرمت نزلنيييييي."
قالتها وهي تصرخ بضحك وتركل قدميها في الهواء.
صقر:
"لأ عشان تحرمي تطولي لسانك تاني."
فيروز:
"طيب خلاص حقك عليا نزلني بقى."
صقر ويتصنع التفكير:
"خلاص سماح بس عن شرط..."
قالها وهو يقرب منها وجهه لتعطيه قبلة على وجنته.
فيروز:
"نزلني الأول وأنا هدهالك."
صقر يرفع إحدى حاجبيه:
"عارفة لو ضحكتي عليا هتكون هنا..."
قالها وأشار على شفاهه.
احمرت وجنتاها وقالت بخجل:
"بس بقى عيب."
صقر:
"طيب خلاص يلا واحدة على خدي بسرعة."
فيروز:
"لازم يعني؟"
صقر:
"آه ده الاعتذار الوحيد اللي ممكن أقبله."
فيروز تنهدت:
"حاضر أمري لله..."
فاقتربت منه وأردفت:
"طيب غمض عينيك الأول عشان تحسها كويس."
أغمض عينيه باستسلام لتفاجئه بعضة في وجنته ودفعته بعيدًا عنها وركضت بسرعة ولم تجد أمامها سوى غرفته فدلفت وأغلقت الباب بالمفتاح الموجود بالداخل في الباب.
صقر بصوت يمتزج بالغضب والمزاح:
"طيب حسابك تقل معايا يا فيروز ومش هتبقى بوسة واحدة هيبقوا عشر بوسات وأبقى وريني هتعملي إيه؟"
فيروز من الداخل:
"ههههههه أحسن عشان كل ما خدك يوجعك تبطل تطلب مني كده."
صقر وهو ينظر في المرآة الموجودة في مدخل منزله ويتحسس أثر العضة:
"آه يا بنت العضاضة دي سنانها حامية وعملت في وشي علامة... ماشي يا فيروز!!!"
ذهب لغرفة شقيقته إلى الداخل ودلف إلى الشرفة التي يفصلها عن شرفة غرفته سياج خشبي قليل الارتفاع وبمهارة قفز من فوقه بدون إحداث صوت واضح ومشى على أطراف أنامله ليراقب فيروز فوجدها تقف خلف الباب ممسكة بالمقبض ومولية له ظهرها فتسحب للداخل حتى وصل ووقف خلفها... هي قد شعرت بأنفاس حارة تقف خلفها وظل طويل لتلتفت ويفزعها وهو يقيدها ويلف ذراعيه بإحكام حولها.
**********************************************
فيروز:
"عاااااااااااااااااا..."
صرخت بفزع.
صقر:
"هع هع هع فاكرة نفسك هتفلتي مني مش هسيبك غير لما هاخد حقي."
فيروز:
"خلاص خلاص مش هعضك تاني."
صقر:
"لأ مش هسيبك غير لما هتنفذي اللي قولتهولك وأنا بره."
فيروز وهي تحاول التخلص من قيده لها:
"ده في أحلامك يا حبي."
صقر:
"لا ما أنا هخليه واقع دلوقت."
قالها وهو يلف جسدها لتصبح أمامه وملتصقة بصدره وعيناه في عينيها لتأتي لحظة صمت يعلوها صوت خفقات قلوبهما العاشقة فاقترب هو من وجهها حتى أصبحت أنفاسهما واحدة وكاد أن يلمس شفتيها المرتجفة تذكرت عندما كان بيبرس يقيدها عنوة عنها ويقبلها وأيضًا عندما اعتدى عليها أحمد ابن عمها فأغمضت عينيها وارتجف جسدها بين ذراعيه.
صقر عاد برأسه للخلف قليلًا ليسألها:
"مالك يا روحي؟"
فلم تجبه ومازالت ترتجف ومغمضة العينين حتى انسدلت من إحدى عينيها عبرة دافئة على وجنتها فتبدو كحبة الألماس... أنزل يده من عليها وبدأ القلق والتوتر يتملكه فأردف:
"فيروز أنتِ سمعاني مالك؟"
تعالى صوت شهقاتها فتبدلت ملامحه إلى الغضب فجلس على تخته وهو يزفر بقوة ويرجع شعره إلى الخلف وهي ما زالت كما هي فنهض ليتجه نحوها ووضع كفيه حول وجهها ويمسح دمعاتها المتساقطة:
"حبيبتي اهدي أنا كنت بهزر معاكي والله ما كنت أقصد أضايقك ولو كنت تجاوزت حدودي معاكي حقك عليا مش هكررها تاني غير لما تكوني مراتي حلالي."
قالها ثم أخذها بين أحضانه ويمسد على ظهرها ليهدئها قليلًا حتى شعر بسكونها فأبعدها عن صدره ونظر إليها لتتقابل نظراتهما.
فيروز بصوت يكاد مسموع:
"آسفة يا حبيبي إني ضايقتك."
قالتها وهي تمسح وجنتيها وعينيها.
صقر بنظرة قلقة عليها:
"أنا اللي آسف إني خليتك تدمعي وتخافي مني كده."
فيروز:
"لا يا روحي أبدًا أنا كنت بس افتكرت ماما أصلها وحشاني أوي ونفسي أشوفها أوي."
صقر بعدم اقتناع:
"متأكدة إن ده السبب؟"
فيروز قد بدا عليها التوتر مما جعله يشك بأمر ما:
"لا لا مفيش حاجة غير اللي قولته لك."
صقر أمسك بذقنها ليرفع وجهها له وحدق في عينيها بعمق:
"مخبية عني إيه يا فيروز وخايفة تقوليه؟"
ابتعدت عنه وهي تتحاشى نظراته التي تربكها أكثر:
"قولتلك مفيش يا صقر ما أنا قولتلك إن ماما وحشاني إيه الغريب في كلامي يعني؟"
قالتها بصوت عالٍ.
صقر:
"صوتك ما يعلاش يا فيروز تاني وأنا بكلمك... وعمومًا خليكي فاكرة دي تالت مرة أسألك فيها وأنتِ برضه مش صريحة معايا بس مش هضغط عليكي أكتر من كده وهسيبك لحد ما تيجي ليا بنفسك وتحكيلي."
قالها ثم فتح باب الغرفة وخرج إلى الردهة.
تركها لتطلق الحرية لعبراتها الأسيرة... هي لا تريد إخباره بأي شيء حدث لأنها تعلم جيدًا مدى غيرته القاتلة عليها ولو علم بشيء لن تتوقع ردة فعله وخشيت أن يتغير من ناحيتها لأن أي رجل شرقي لم يتهاون أو ينسى لمسة رجل آخر لامرأته فإن لم يستطع قتل ذلك الذئب على فعلته تلك فمن الممكن أن يصب غضبه على حبيبته.... توقفت عن بكائها عندما سمعت صوت رنين هاتفه الذي كان على الكومود كادت تمسك به فوجدته يدلف إلى الغرفة ليأخذ هاتفه وهو يتجاهل النظر إليها فأجاب على المتصل.
صقر:
"ألو... بتقول إيه؟... طب إزاي والمستشفى كلها حراسات مشددة على أعلى مستوى... حاضر أنا كده كده جاي دلوقت عشان التحقيق في القضية... طيب سلام."
فأغلق هاتفه ثم حدق بها وهي كانت تنظر لأسفل وتقضم أظافر أناملها.
صقر بصوت أجش:
"بطلي الحركة دي ما بحبهاش."
لم ترد عليه ومازالت كما هي.
صقر أبعد يدها وألقى بها بعيدًا عن فمها وأردف:
"قومي البسي أي طقم من دولاب رنيم عشان هتنزلي معايا دلوقت."
فيروز:
"هنروح فين؟"
صقر وهو متجه إلى غرفة ثيابه وهو يخلع التيشرت ثم أجاب عليها:
"هتروحي معايا على القسم عشان التحقيق."
ثم أردف:
"أنتِ كلمتي مامتك وطمنتيها عليكي؟"
فيروز:
"لأ."
صقر:
"ليه؟"
فيروز:
"خايفة تسألني قاعدة فين ومش عايزة أكدب عليها عشان ممكن ما تثقش فيا تاني."
صقر:
"كلها أيام وهاخدك ونسافر هناك."
فيروز:
"إن شاء الله... هروح أنا عشان أجهز بسرعة."
قالتها وغادرت الغرفة وذهبت إلى غرفة رنيم وارتدت ثيابًا أنيقة وخرجت لتجد صقر مرتديا ثيابًا أنيقة أيضًا ليصبح أكثر وسامة وجاذبية وعطره الفواح الذي تعشقه... فتح الباب ليخرجا ثم أغلق الباب ودلفا إلى المصعد ونزلا إلى أن وصلا إلى سيارته الفخمة ليفتح لها الباب الأمامي لتركب والتف هو إلى الناحية الأخرى ليجلس في مقعد القيادة ثم شغل المحرك وانطلق نحو المخفر.
***********************************
في منزل ليلى... بداخل المطبخ تقف والدة ليلى أمام الموقد ثم انحنت بجذعها وتفتح ضلفة فرن الموقد وألقت نظرة وهي تقول:
"حلو أوي وكده خلصت المكرونة البشاميل."
أغلقت الضلفة ثم وقفت وهي تمسك بمقبض الإشعال الخاص بالفرن فأدارته حتى انطفأ ثم أردفت:
"ليلى..."
انتي يابت.
جاءت إليها وهي تركض من غرفتها: نعم يا ماما، دي المرة المليون الي بتنادي عليا فيها.
والدتها وتحدق بها بغضب: لمي لسانك بدل ما ألمهولك.
ليلى: حاضر هلم.. بس حضرتك بتناديني ليه؟
والدتها: طلعتي أطباق الصيني من البوفيه زي ما قولتلك؟
ليلى: أها وغسلتهم بالميه ونشفتهم كمان ورصاهم فوق البوفيه.
والدتها: طيب كده تمام أنا طفيت ع الأكل كله خلاص ناقص كده أحضر العصاير وانتي بقي روحي جهزي نفسك.
ليلى: ما أنا جاهزة أهو.
رمقتها والدتها من أعلى لأسفل متسعة حدقتيها: يا نهار أبوكي أسود ومنيل! أنتي عايزة تعرينا قدام الناس، أي القرف الي أنتي لابساه ده؟
ليلى وتشير لثيابها: وماله لبسي يعني؟ فيزيت وليجن وحش؟
والدتها وهي تمسح يدها بمنشفة قطنية صغيرة فأقتربت منها وهي تمسكها: أنتي هتستهبلي يابت؟ أي البلوزة الي مبينة رقبتك دي وشفافة مبينة الي لابساه من تحت ولا البنطلون الي كأنك مش لابساه أصلًا!
ليلى وهي تبعد يد والدتها عنها: لو مش عاجبه يروح يدور بقي ع واحدة بتلبس محترم غيري.
والدتها: وقسمًا بربي يا ليلى لو ما دخلتي وقلعتي المسخرة دي ولبستي حاجة محترمة مش هتروحي كليات تاني فاهمة؟
ليلى نظرت لها بصدمة ثم ذهبت من أمامها بدون أن تتكلم ودلفت لغرفتها وصفقت الباب بقوة.
فتح والد ليلى باب منزله من الخارج، لقد أتى من المسجد بعد أداءه صلاة الظهر.. دلف وهو يستغفر الله ويسبحه.
ثم نادى: يا أم ليلى!
خرجت له من المطبخ: أنت جيت يا حاج؟
والد ليلى: أومال فين بنتك؟
والدتها: في أوضتها بتلبس.
والدها: طيب تخليها تخلص بسرعة، علي لسه مكلمني بيقولي إنهم ع ناصية الشارع بتاعنا.
والدتها: أنا عن نفسي خلصت كل حاجة يدوب ع الغرف.. أنت جبت طبق الحلويات الي قولتلك عليه؟
والدها: أها جبته من بدري ووصيت الراجل يكتر البسبوسة والكنافة.
والدتها: طيب كويس أما أروح أنا أغير الجلابية الي ريحتها بصل وتوم دي وأنت خليك في الصالة عشان تفتحلهم.
والدها: طيب انجزي يلا زمانهم طالعين ع السلم.
في غرفة ليلى... على تختها كثير من قطع الثياب المبعثرة فاختارت من بينهم جونلة طويلة وعليها من الأعلى قميص حريمي ضيق يظهر منحنيات مفاتنها من الأعلى.
ليلى وهي ترتديه وتغلق الأزرار: أيوه كده خليه بقي يشوفني بالبلوزة الضيقة دي هو وعيلته عشان يقولوا دي بت مش محترمة ويخلعوا بقي..... فنظرت لإحدى الأدراج التي تعلوها المرآة فتحت إحداهم وأخرجت بعض مساحيق التجميل وابتسمت بمكر.
***
في داخل مكتب صقر.
يجلس ع الأريكة الجلدية بجانبها مبتسمًا لها: مالك متوترة كده ليه؟
فيروز: أصل أنا أول مرة يحصل معايا الموقف ده وتحقيق وكده وكمان مش عارفة هقول أي لما الظابط هيسألني.
ابتسم صقر: ما تقلقيش من الظابط الي هيحقق معاكي خالص... قالها وذهب إلى مكتبه وجلس بالمقعد خلفه وهي ذهبت لتجلس أمامه.
فيروز: هو هيسألني أي بالضبط؟
صقر: هيقولك أنتي بتحبي صقر قد أي؟
ضحكت فيروز: أنت كده بتهزر.
صقر: لاء مش بهزر ها جاوبي بقي؟
فيروز: لا مش هقول غير لما تقولي الأول الظابط هيسألني في أي.
صقر: وأنا مش هقول غير في وقت التحقيق.
فيروز: كده؟
صقر: لأن مش هينفع.
فيروز: هو سر ولا أي؟
صقر: هههههه لأن أنا الي هحقق معاكي يا فيروز.
فيروز بصدمة: ها!!!
صقر وهو يحدق بها: مالك اتصدمتي ليه؟ خايفة من التحقيق معايا ولا خايفة من الأسئلة الي مش عايزة تجاوبي عليها؟
فيروز بتوتر: وأنا أي الي مش هيخليني أجاوب؟
صقر: قولي لنفسك بقي إن كل ما أجيبلك سيرة بتتوتري ووشك بيقلب ألوان...... قالها وظل يحدق في عينيها وهو يراقب تعابير وجهها... ثم ضغط ع زر أمامه ليدلف إليه العسكري.
العسكري: تمام يا فندم تحت أمرك.
صقر: هاتلي المتهم من الحجز.
العسكري: تمام يا فندم.... خرج العسكري... ما زالت نظرات صقر الثاقبة لم تتركها لتزيدها توتر أكثر فأخذت تفرك يديها وتقضم أظافرها.
صقر زفر بقوة وهو يمسح وجهه بكفيه ثم عاد النظر إليها وبنبرة هادئة ممزوجة بالغضب: مش قولتلك تبطلي تقرقضي في ضوافرك، أنا بكره الحركة دي.. المرة الجاية مش هحذرك تاني بس احذري غضبي.
دلف العسكري: تمام يا فندم المتهم واقف بره.
صقر: خليه يدخل.
دلف أيمن الذي تمنى ملاك الموت في تلك اللحظة أن يقبض روحه ولا يكون في هذا الموقف، كان ينظر لأسفل خشية من مواجهة نظرات صقر المرعبة له.. خرج العسكري وأغلق الباب خلفه ليصدر صوت جعل أيمن يرتجف من داخله.
صقر بصوت أجش: تعالى يا أيمن اتفضل اقعد، ثم أشار إليه للمقعد أمام المكتب والمقابل لفيروز.
رفع عيناه ببطء لتتجمد الدماء في عروقه واتسعت حدقتيه عندما رأى فيروز تجلس أمامه.
أردف صقر الذي كان يراقبه: أي اتفاجئت بوجود البنت الي خطفتوها؟؟؟؟؟؟
أيمن: ل ل لا يا باشا بس ما عرفتش إنكوا أنقذتوها.
صقر: أممم أنقذنا خطيبتي الي هي كانت المفروض مدام حضرتك الي كانت نايمة وتعبانة صح؟؟؟؟؟؟ قالها بصوت مدوي.
أيمن بخوف: والله يا باشا كنت عبد المأمور ولو كنت عملت غير كده كان هيبقي مصيري الجحيم.
صقر: وأنت عجبك مصيرك دلوقت؟ ده أنت لو بالاعترافات الي قولتها للظابط الصبح هتاخد مؤبد.
أيمن وقد ذرفت عيناه عبراتها وبصوت باكي: أنا تعبت والله العظيم تعبت ومش قادر أنا بتمنى الموت الي هيكون رحمة ليا.
صقر: هو الموت بوضعك ده هيبقي رحمة إزاي ده حسابك عند ربنا هيبقي أصعب.
أيمن: ربنا غفور رحيم هو الوحيد الي عالم بحالي.
صقر تنهد ثم أردف: ونعم بالله يا أيمن... أنا كل الي طالبه منك إنك تحكي كل الي تعرفه بالتفصيل عن بيبرس ورجالته وزعيمهم كلهم شوقي ضرغام.
أيمن: مين شوقي ضرغام؟
صقر: الراجل الي بتشتغل لحسابه إزاي ما تعرفش زعيم العصابة الي أنت فيها؟
أيمن: أنا والله ما أعرف غير بيبرس.
صقر: بيبرس يبقي دراعه اليمين... وبالمناسبة أنت عرفت إنه هرب؟
أيمن: أها عرفت الصبح.
فيروز سمعت الجملة التي نطق بها صقر وانتابها قشعريرة جعلت جسدها انتفض من مكانه فبدأت في البكاء لتزيد شهقاتها رويدًا رويدًا حتى أصبحت جلية.
***
في مدخل الشقة دلفت من باب المنزل سيدة كبيرة في السن ليستقبلهم والد ليلى وخلفها امرأة على مشارف الأربعين عامًا وتحمل طفلًا رضيعًا وخلفها امرأة أخرى في بداية الثلاثينات ومعها فتاة ذو 12 عامًا وظهر أخيرًا علي الذي يحمل صندوق من الورق المقوى ع ما يبدو بداخله قالب حلوى.
والد ليلى: يا مرحب يا مرحب ده البيت نور والله.
علي: ده بنوركوا يا عمي والله.
خرجت والدة ليلى من غرفة النوم: أهلًا أهلًا ده إحنا زارنا النبي.
علي: الله يخليكي يا ماما.
أم ليلى وهي تصافحه: أهلًا يا حبيبي اتفضل اقعد واقف ليه الأنتريه كبير ويسيع من الحبايب ألف.
علي: طيب قبل ما أقعد أعرفكوا ع ماما وأخواتي فأشار ع والدته: ماما.
أم ليلى وهي تصافحها بالقبلات والعناق: أهلًا وسهلًا يا حاجة خطوة عزيزة والله.
أم علي: يعز مقدارك يا حبيبتي.
ثم توجه ومُشيرًا ع المرأتين: دي تبقي أختي الكبيرة عبير والي شايلاه آخر العنقود علي الصغير.
أم ليلى: يا أهلًا وسهلًا.. وبعد المصافحة نظرت للرضيع: ما شاء الله والله أكبر ده كله أنت يا علي؟
عبير بابتسامة: مش بيقولوا في المثل الولد بيطلع لخاله.
أم ليلى: طبعًا وخاله ابن حلال وجدع وطيب.
علي بابتسامة: الله يكرمك يا ماما... وأشار ناحية أخته المتوسطة: ودي تبقي رانيا أختي.
أم ليلى: أهلًا وسهلًا يا حبيبتي.
رانيا: الله يسلمك يا طنط.
أم ليلى: والعروسة الحلوة دي بنتك؟
رانيا وهي ترمش بإحراج ثم ابتسمت: لا دي أختنا الصغيرة.
أم ليلى: ما شاء الله ربنا يخلي ويبارك.. عقبالك يا عسل الي اسمك أي؟
الفتاة بصوت يكاد مسموع: نورهان.
أم ليلى: عقبالك يا نورهان.
ابتسمت نورهان بخجل ولم ترد.
والد ليلى: منورين والله يا جماعة.
علي: الله يخليك يا عمي ده نوركوا والله.... أحم أومال فين ليلى؟
والدتها: بتلبس يا حبيبي وجاية.
علي وهو يحمل قالب الحلوى من ع المنضدة: اتفضلي يا ماما دي حاجة بسيطة بس حطوها في التلاجة عشان ما تسيحش.
والدتها: وليه التعب ده يا ابني ما كنتش كلفت نفسك.
علي: دي حاجة بسيطة والله.
والدتها: تسلم يا حبيبي..... طيب عن إذنكوا أشيل الحاجة وأروح أشوف ليلى.
علي: اتفضلي يا ماما.
ذهبت والدة ليلى إلى المطبخ.... خرجت ليلى من غرفتها وهي تأخذ شهيقًا ثم تخرجه زفيرًا في توتر وفي خطوات ثابتة وبصوت ناعم: سلام عليكم.
التفت إليها الجميع وخاصة علي الذي تفحصها من أخمص قدميها إلى أعلى رأسها.
قد كانت مرتدية الثياب الضيقة للغاية التي تظهر منحنيات جسدها ومفاتنها، وكذلك وضعت الكثير من مساحيق التجميل ظنًا منها أن هذا سيجعلهم يبغضونها ويرونها لا تناسبهم. فأتى ذلك بعكس ما تريد، فمظهرها ذاك أثار مشاعر علي أكثر نحوها وتمنى لو كانت زوجته في تلك اللحظة. فنظر لها بإعجاب شديد وهو يعض على شفته السفلى، فوقعت عيناها عليه فخجلت كثيرًا.
والدة علي: تعالي يا قمر، بسم الله ما شاء الله، عروستك يا علي بدر منوّر.
خرجت والدة ليلى من المطبخ إلى الردهة وفي طريقها لغرفة ابنتها، حتى التفتت إليها لتجدها تجلس بجوار والدة علي، فشهقت في سرها عندما وجدت مظهر ابنتها الفج. فنظرت لها وهي تشير بعينيها بأن تدلف لغرفتها. نهضت ليلى بعد أن استأذنت الجميع وذهبت إلى غرفتها ووالدتها خلفها.
والدة ليلى وهي تعنفها وبصوت شديد الغضب: معاكي دقيقتين وتمسحي كل القرف اللي في وشك ده، بدل ما هخرج وههزقك وسطهم بره.
ليلى: آه يا ماما دراعي هيتخلع في إيدك... حاضر همسح.
والدتها: ماشي يا ليلى، عايزة تبوظي الموضوع قبل ما يبتدي؟
ليلى: أه، لإن أنا مش عايزة البتاع اللي بره ده، ولو كان عنده ذرة رجولة كان لما شافني بالمنظر ده كان خد أمه وأخواته ومشي.
والدتها: وليه ما تقولّيش إن الراجل شاريكي؟
ليلى: وأنا بيعاه ومش عايزة أتخطب ولا أتجوز.
والدتها: على فكرة أنا لسه على حلفاني لجوازك من علي يا إما مفيش كلية وهتترزعي في البيت مش هتخرجي منه خالص.
ليلى: ربنا ياخدني وترتاحي مني يا شيخة.
والدتها: كلنا هنموت يا حبيبتي بس أبقي موتي وأنتِ مرات علي.
استشاطت ليلى من الغيظ: مااااااشي يا ماما ماشي، أنا هوافق وهتخطب بس ما تفتحيش بوقك معايا لما المحروس يجي يشتكي لك مني.
والدتها: طيب انجزي البسي بلوزة محترمة وامسحي وشك من المهرجان اللي فيه ده.
قالتها ثم خرجت من الغرفة.
ليلى مع نفسها: اصبر عليا يا علي هخلي أيامك أسود من قرن الخروب وتعرف هي مين الدكتورة ليلى.
************************************
نظرا إليها الاثنان في خوف وقلق.
صقر: مالك يا فيروز بتتنفضي كده ليه؟
فيروز انتابتها حالة من البكاء الهستيري لتصرخ: لاااااااااااااااااااااااا لاااااااااااااااااااااااا.
اقترب منها ليضمها ويهدأ من حالتها تلك. نظر لها أيمن بشفقة لأنه يعلم مدى قذارة بيبرس الذي أوصلها في تلك الحالة. ما زالت بين ذراعيه فأمسك بسماعة الهاتف.
صقر: ألو هاتلي بسرعة كوباية ليمون.
ثم أردف: اهدي يا حبيبتي مالك في حاجة ضايقتك؟
ثم نظر لأيمن الذي كان ينظر لها وكأنه يعلم سبب حالتها فقال: عملتوا فيها إيه يا زفت لما كنتوا خاطفينها؟
أيمن: ما عملتش حاجة والله.
صقر ويصيح فيه: بيبرس الو...... عمل فيها إيه؟
توقفت هي عن البكاء ورفعت عيناها لأيمن ترجوه بنظراتها بأن لا يقول لصقر أي شيء. فتفهم أيمن ما تشير به إليه فقال بتعلثم: أنا أنا معرفش حاجة أنا كنت محبوس زي زيها.
زفر صقر بقوة وينظر بتوعد لأيمن. قاطعه الساعي بعد أن طرق الباب.
صقر: ادخل.
دلف الرجل وهو يضع كوب عصير الليمون على المكتب ثم خرج. أمسك به صقر وأعطاه لفيروز.
صقر: خدي اشربي عشان يهدي أعصابك.
فيروز: شكرًا مش بحب الليمون.
أعادها مكانها وهو يلقي بها على الصينية بكل قوة. ثم ضم كفيه ونفخ بينهما بضيق وغضب.
صقر: أيمن يا ريت ما تخلنيش ألجأ لأساليب مش هتعجبك لو بقيت مصر على عدم اعترافك على العصابة وبكل حاجة حصلت بالتفصيل والناس اللي بيتعاملوا معاهم وقبل كل ده الزفت اللي اسمه بيبرس عمل إيه مع فيروز؟
نظرت هي وأيمن لبعضهما فازداد غضب صقر وأردف بصوت هادر: أنت عمال تبصلها ليه دلوقت مش أنا بكلمك؟ وأنتِ يا هانم كل ما تيجي سيرة بيبرس بتعيطي وتترعشي ليه؟
استجمعت فيروز قوتها وهي تخفي خوفها: مالك بتكلمني كده ليه هو أنا الجاني؟ ولا المجني عليها؟ وقعد من بدري أسئلة أسئلة ملهاش علاقة بالقضية.. هيكون عمل معايا إيه أزيد إنه كان خاطفني؟ ولا أنت مش هتبطل الشك اللي بيجري في دمك ده وغيرتك اللي بقت تخنق وعلى طول عصبي.
قالتها كأنها تخزن كل ذلك بداخلها وتجاهلت تمامًا وجود أيمن.
صقر على غير عادته كان لا ينبس بأي كلمة لكنه يشبه الهدوء الذي تسبقه العاصفة، خاصة بعدما أخذت عيناه لون الظلام القاتم فرفع سماعة الهاتف وتحدث من بين أسنانه: تعالي حالًا.
دلف إليه العسكري: تمام يا فندم.
صقر: خد المتهم ورجعه الحجز دلوقت.
العسكري: أمرك يا باشا.
أخذ أيمن وغادرا المكتب.
فيروز كانت تضع يدها على قلبها الذي كان يخفق بقوة كأنه يريد أن يكسر ضلوعها. فنهضت من مقعدها لتتراجع إلى الوراء لينهض هو الآخر وعيناه حادتان مثل اسمه تمامًا ويسودهما نيران الغضب ويقترب منها خطوة تلو الأخرى بثبات انفعال بعكس ما بداخله. كأنه يعلن عليها حرب الأعصاب. وظل يقترب وهي تعود للخلف إلى أن التصقت هي بالحائط وهو يقف أمامها لا يفصل بينهما سوى مجال للتنفس فقط.
وفي أقل من لحظة انفجرت فيروز في البكاء لترتمي على صدره وتقول بصوت باكي: أنا خايفة عااااااااااااااااا.
تبدلت ملامحه من الغضب عليها إلى الخوف والقلق عليها لتلين ملامحه ويضمها ويمسد على ظهرها: بسسسس اهدي مش هعملك حاجة أنا جنبك ما تخافيش.
ازدادت في البكاء أكثر: أنا خايفة قوي يا صقر خايفة قوي أنا اتعذبت نفسيًا بما فيه الكفاية ومبقتش قادرة أستحمل.
أبعد رأسها ليمسح عبراتها: خلاص بقى عشان خاطري بطلي عياط... دموعك دي زي النار بتكويني يرضيكي أتحرق؟
وهي تجاهد بعدم البكاء ونظرت إليه ليرى عينيها الحمراوتين من كثرة البكاء ليشعر بغرز سكاكين في قلبه فلام نفسه من ضغطه المستمر عليها.
صقر: طيب أنا هروح أستأذن عشان أمشي وآخدك نغير جو بره في أي حتة أنتِ تقولي عليها.
أخذت تهدأ من البكاء حتى توقفت لكن شهقاتها ملازمة لها فأعطاها صقر كوب الليمون.
صقر: عشان خاطري اشربيه.
قالها وينظر لها برجاء وحنان.
فيروز: حاضر.
أخذته وظلت ترتشف منه حتى أفرغت الكوب.
صقر: أنا خارج بره ثواني ورجعالك اقفلي الباب من جوه وما تفتحيش لأي مخلوق غيري.
فيروز: حاضر.
قام بتقبيل جبينها ثم أردف: خلي بالك من نفسك يا حبيبي.
غادر المكتب ولم يلبث سوى دقيقتين وعاد وطرق الباب فقامت بفتحه له بعدما قال إنه هو. دلف ثم تناول معطفه المعلق بظهر المقعد وأخذ متعلقاته وسحب منشفة ورقية من العلبة ومسح وجهها من آثار دموعها.
صقر: يلا يا روح قلبي.
قالها وهو يبتسم بحنان وعشق إليها.
فأومأت برأسها ثم قالت: يلا.
غادرا الاثنان المكتب والمخفر واستقلا سيارته وانطلق بها.
************************************
في محافظة الوادي الجديد وفي إحدى المشافي الحكومية.
خالد يسير بالرواق متجهًا نحو الغرفة التي تقف أمامها والدته يحمل حقيبة بيده وإلى أن وصل أعطاها لوالدته.
خالد: مفيش جديد؟
والدته: ادعيلها يا ابني... والله دي صعبانة عليا من يوم ما قرت الجواب وهي في غيبوبة.
خالد: ربنا يشفيها ويعافيها يا رب... الحمد لله قبضوا على العصابة خلاص وعرفت النهارده إنهم أنقذوا فيروز بس مش هتيجي دلوقت غير لما ياخدوا شهادتها في القضية.
والدته: طيب هي قاعدة فين دلوقت يا ابني؟
خالد: بالتأكيد في شقتهم اللي في القاهرة... بس أنا مستني أطمن على مرات عمي وأسافر لفيروز وأجيبها وهاجي.
والدته: إن شاء الله يا حبيبي.
خالد: هو بابا راح فين؟
والدته: أبوك راح يقابل عمك سعد عشان طالعين على النيابة... ربنا يصبر عمك على ابنه اللي هيموتوا ناقص عمر.
تنهد خالد ثم قال: لا حول ولا قوة إلا بالله هو اللي عمل في نفسه كده وده جزء بسيط من ذنب أسماء الله يرحمها ولسه ربنا هيخلص منه في الدنيا والآخرة.
وفجأة استوقفهم صوت صفير الجهاز المتصل بالقلب فوجدوا الطبيب والممرضات يهرولون اتجاه الغرفة ودلفوا إليها فأمسك الطبيب بجهاز صدمات القلب فوضعه على صدرها بعد تشغيله مرة لم يستجب القلب ومرة أخرى لا يستجيب أيضًا ومرة ثالثة لا يتلقى سوى الصفير الحاد من الجهاز. فترك الطبيب الجهاز جانبًا واقترب من آمال ثم قال: لا حول ولا قوة إلا بالله ربنا يرحمها...
ثم أردف ويوجه حديثه للممرضة: شيلي الأجهزة وبلغوا الأهل بره.
فاقتربت الممرضة وكادت تطفئ الجهاز فصاحت: الحق يا دكتور...........
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ولاء رفعت
أمسك الطبيب بجهاز صدمات القلب، فوضعه على صدرها بعد تشغيله مرة، لم يستجب القلب، ومرة أخرى لا يستجيب أيضًا، ومرة ثالثة لا يتلقى سوى الصفير الحاد من الجهاز.
ترك الطبيب الجهاز جانبًا واقترب من آمال ثم قال:
"لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يرحمها."
ثم أردف ويوجه حديثه للممرضة:
"شيلي الأجهزة وبلغوا الأهل بره."
فاقتربت الممرضة وكادت تطفئ الجهاز فصاحت:
"الحق يادكتور!"
عاد الطبيب مسرعًا فأقترب من السيدة آمال، وجد أنامل يدها تتحرك حركة خفيفة وكذلك عاد الجهاز لصوت النبض المنتظم.
الطبيب:
"غيري لها المحلول وخليها تحت الملاحظة، أول ما تفتح عينيها بلغيني فورًا."
الممرضة:
"حاضر يادكتور، بس أهلها قاعدين بره وعايزين يطمنوا عليها، ممكن ندخل حد فيهم؟"
الطبيب بعد تفكير برهة من الزمن:
"ماشي بس 5 دقايق مش أكتر."
خرج الطبيب مسرعًا ولم يعرِ أي اهتمام لخالد ووالدته عندما سألته عن حالة آمال. خرجت لهما الممرضة تقول:
"لو سمحت حد فيكم ممكن يدخل يطمن عليها بس مش أكتر من 5 دقايق عشان لسه ما فاقتش."
خالد نظر لوالدته:
"ادخلي أنتي يا ماما، وأنا هأبقى أدخلها أول ما تفوق."
والدته:
"ماشي يا حبيبي، بس اتصل على أبوك خليه يطمنا عملوا إيه."
خالد:
"حاضر."
دلفت لغرفة العناية المركزة وجذبت مقعدًا حديديًا وجلست بجوارها، فأمسكت يدها تربت عليها ثم تنهدت:
"فاكرة يا آمال أول مرة أشوفك فيها لما جيتي لنا في شقة حلوان قبل ما نعزل أنا وحافظ بأسبوع، كان لسه خالد ابني عنده 5 سنين وبيلعب في الشارع مع العيال ووقع على إزاز فتح شرايين إيده، لقيتك مسبقاني وجريتي بيه على المستشفى، وهناك طلبوا دم ليه عشان فصيلته نادرة وطلع نفس فصيلتك، فما ترددتِش ورحتي اتبرعتي ليه وأنتي حامل في فيروز، والدكتور كان رافض لأن غلط عليكي وعلى حياتك، وبرضو صممتي عشان تنقذي حياة ابني، عمري ما نسيتلك الجميل ده، وبدل ما كنت رافضة فكرة جوازك من أحمد الله يرحمه عشان يستر عليكي ويكتب بنت غيره باسمه، لقيت نفسي كنت غلطانة وإن ما نحكمش على حد مجرد إنه غلط، بالعكس نبص لمعدنه اللي جواه، وإن إحنا مهما كان بشر وبنغلط ومالناش حق نحكم على حد لأن فيه ربنا هو الحكم العدل واللي بيسامح ويغفر وبيحدد مين مصيره الجنة ومين مصيره النار."
توقفت عن حديثها عندما رأت أهدابها تتحرك لتفتح عينيها رويدًا رويدًا، فصاحت بفرح:
"حمد الله على سلامتك يا آمال، شفاكِ الله وعافاكِ يا حبيبتي."
آمال بصوت واهن:
"عايزة بنتي، هي فين؟"
والدة خالد:
"قومي بس بالسلامة وخالد هيروح مصر ويجيبها لك، هي الحمد لله بخير."
آمال:
"بجد بنتي لقوها؟"
والدة خالد:
"آه خالد لسه بيقولي إنهم قبضوا على العصابة اللي خطفوها والبوليس أنقذها، بس هي هناك عشان بيأخذوا شهادتها في القضية."
آمال:
"ومين قال له؟"
والدة خالد:
"زميل الظابط اللي في القسم عندنا، ليه معارفه في الداخلية."
آمال وهي تحاول النهوض:
"أنا عايزة أسافر ليها."
والدة خالد وتمسك بيدها وتضع يدها وراء ظهرها لتسندها:
"اصبري بس لما الدكتور يجي يشوفك ويقرر خروجك."
دلفت الممرضة:
"إيه ده حضرتك قايمة رايحة فين؟"
آمال:
"عايزة أمشي أروح أشوف بنتي."
دلف خالد ليجد آمال تصيح في والدته والممرضة بأنها تريد الذهاب من أجل رؤية ابنتها.
خالد اقترب منها وأمسك بيدها الأخرى:
"اهدي بس يا مرات عمي بالله عليكي، مينفعش تقومي دلوقت، يدوب أنتي لسه فايقة من غيبوبة ولازم تبقي تحت الملاحظة."
نظرت له بوهن شديد:
"طيب روح لها أنت يا خالد عشان خاطري، سافر وهاتها لي."
خالد:
"حاضر، بس اسمعي كلام الدكتور اللي هيقولك عليه، ومعاكي ماما أهي، وأول ما هوصل هناك هكلمكم."
غادر الغرفة وركضت خلفه والدته:
"خالد يا خالد!"
توقف والتفت إليها:
"نعم يا أمي؟"
والدته وهي تأخذ من محفظة نقودها بعض المال وتعطيه له:
"خد دول خليهم معاك عشان السفر مصاريفه كتير."
نظر لها متضايقًا:
"مش هرد عليكي."
والدته:
"يا ابني ريحني وخذهم، ما أنا عارفة البير وغطاه."
خالد:
"ما تقلقيش، أنا لسه قابض جمعية كنت عاملها أنا وأصحابي وأهو جت في وقتها."
رمقته بامتِعاض:
"ماشي يا خالد براحتك، بس خد بالك من نفسك ومن فيروز، وأبقى طمني عليك لما توصلها."
خالد:
"إن شاء الله يا ماما، عايزة حاجة مني قبل ما أمشي؟"
والدته:
"تسلم لي يا حبيبي، ربنا يحميك ويرجعك بالسلامة أنت وفيروز."
خالد وهو يقبل والدته من جبينها:
"لا إله إلا الله، سلام."
والدته:
"سيدنا محمد رسول الله."
غادر حتى اختفى من أمامها ثم أردفت:
"ربنا يهديلك الحال ويجعلها من نصيبك ويفتح قلبك ليها، قادر يا كريم."
***
في مدينة الملاهي، حيث العديد من الألعاب الترفيهية وتحديدًا لدى لعبة القطار (قطر الموت).
صقر مبتسمًا وهو يحاوطها بذراعه:
"مبسوطة يا روحي؟"
فيروز بابتسامة طفولية:
"أيوة مبسوطة أوي أوي يا صقر، أنت ما تعرفش بأعشق الملاهي دي قد إيه."
صقر ويغمز لها:
"طيب وحبيبك بتعشقيه قد إيه؟"
فيروز بخجل:
"لما نركب القطر هأقولك."
صقر:
"هأخليني معاكي للآخر."
فيروز:
"طيب يلا بقى دورنا قرب، الراجل بيشاور لينا."
الرجل:
"التذاكر يا فندم؟"
أعطاه صقر التذاكر الخاصة بركوب اللعبة فأردف الرجل:
"اتفضلوا هنا."
أشار على مقعدين شاغرين، جلست فيروز أولًا فانحنى الرجل ليساعدها في غلق المساند الأمامية على كتفيها للأمان، دفعه صقر بعنف وهو يحدق فيه غضبًا.
الرجل بنبرة خوف:
"آسف يا فندم أنا كنت بساعد..."
لم يكمل جملته من صقر الذي أمسكه من ياقة قميصه وبصوت هادئ ومرعب في ذات اللحظة:
"وأنا مش مالي عينيك؟ ولا فاكرني عيل توتو اللي بيجوا يصيعوا هنا عندكم؟"
فيروز نهضت لتهدأ من الموقف:
"يا صقر خلاص هو مش يقصد حاجة."
نظر لها نظرة جعلتها ارتجفت من الخوف قائلًا لها:
"اترزعي في مكانك ومش عايز أسمع صوتك."
جلست في المقعد مرة أخرى لتقول في نفسها:
"يا دي النيلة عليا وعلى سنيني، ده شكلي مش هأشوف فسح ولا خروج بسبب غيرته اللي تخنق دي."
وكان وجهها عبوسًا.
انتهى صقر من الرجل بعدما اعتذر له أكثر من مرة ثم جلس بجوارها وأغلق عليهما مساند الأمان الأمامية وقبل أن ينطلق القطار.
صقر بنبرة تحذيرية:
"افردي وشك وخلي يومك يعدي."
فيروز:
"هو أنا عملت حاجة ولا الراجل لمسني أصلًا؟"
صقر:
"ما هو ده اللي كان ناقص عشان كنت خليت عدد الناس اللي ماتت النهارده يزيدوا واحد."
فيروز:
"أعوذ بالله."
قالتها ونظرت متضايقة للجهة الأخرى.
صقر يرفع إحدى حاجبيه:
"بتقولي إيه؟"
فيروز:
"مش بأقول حاجة غير إن يا رب اليوم ده يعدي على خير."
صقر:
"بأحسب."
صمتا الاثنان عند انطلاق القطار الذي سار ببطء قليلًا ثم انطلق سريعًا في وسط الصرخات المدوية للركاب واستمر في الانطلاق بطرق مستقيمة ثم طرق منحنية ولولبية وتارة رؤوسهم لأسفل وتارة أخرى رؤوسهم لأعلى وكان على ارتفاع شاهق تحسب كأنك طائر يحلق بين السحاب. مرت عدة دقائق إلى أن عاد القطار مرة أخرى إلى مكان ركوبه.
***
في منزل ليلى.
علي مبتسمًا:
"تسلم إيدك يا ماما على الأكل الجميل ده."
والدة ليلى:
"الله يخليك يا ابني، بس ليلى هي اللي عاملة معظم الأكل."
قالتها لترى ليلى فتحت فاها في ذهول.
علي وهو ينظر لليلى:
"تسلم إيدك يا ليلى."
قابلت جملته بابتسامة صفراء بدون أن تنبس بكلمة واحدة فأردف هو:
"نفسك في المحشي حلو أوي، على فكرة أنا من عشاق المحاشي بأنواعها."
ليلى في نفسها:
"إلهي يحشوك قنابل ويولعوا فيك ونخلص منك يا بعيد."
والدتها ترمقها لكي تجيب عليه.
ليلى بابتسامة ساخطة:
"وعلى فكرة أنا بأكره المحشي ومش أنا اللي عاملاه."
والدتها بابتسامة متصنعة:
"ههههههه هي كده على طول بتهزر."
قالتها ثم رمقتها وهي تتوعد لها.
عبير شقيقته:
"خذي بالك يا ليلى، علي بيموت في الأكل خاصة صينية البطاطس بالفراخ، على طول لما بيجي لي بيطلبها مني."
والدة ليلى:
"ما هي ليلى بتعملها حلو أوي حتى أبوها ما بيأكلهاش غير من إيديها، صح يا ليلى؟"
قالتها وهي ترمقها لتكمل ليلى:
"آه يا ماما."
مال والد ليلى على زوجته وهو يهمس لها:
"بطلي يا ولية كذب، خليتي شكلنا وحش."
لكزته ثم أردفت:
"تشربوا الشاي الأول ولا العصير ولا الساقع؟"
والدة علي:
"متشكرين يا حبيبتي ما تعمليش حاجة، الواحد من كتر الأكل مش قادر ياخذ نفسه."
والدة ليلى:
"قومي يا ليلى اعملي الشاي واغلي الميه في الكاتل."
ذهبت ليلى إلى المطبخ.
ثم تنحنح علي:
"أحم، أنا طبعًا يا عمي اتكلمت معاك المرة اللي فاتت عن شغلي وحياتي وظروفي وإمكانياتي."
والد ليلى:
"آه طبعًا وأنا بصراحة سألت عليك لقيت سمعتك زي الجنيه الدهب."
علي:
"الله يبارك لك يا عمي، وأنتوا والله كَأسرة أتشرف إني أناسب حضرتك."
والدة ليلى:
"وإحنا كمان يا حبيبي نتشرف بيك إن تكون جوز بنتي أقصد خطيبها."
ليلى كانت بالداخل تغلي دماؤها كما تغلي الماء التي تعدها لعمل أكواب الشاي:
"إلهي وأنت بتتكلم تشرق ونفسك يتقطع وأخلص منك ومن سماجتك يا أخي."
بالخارج، علي:
"قبل كل شيء عايز أعرف رأي الآنسة ليلى."
والد ليلى:
"ليلى تعالي يا حبيبتي."
***
نزلت فيروز وصدرها يعلو ويهبط بقوة:
"آه مش قادرة قلبي هيقف."
وهو الآخر كان يزفر ويشهق بقوة:
"فرحانة يا قلبي؟"
قالها مبتسمًا بحنان.
نظرت له متعجبة:
"لا يمكن أنت بالتأكيد برج الجوزاء!"
صقر:
"نعم يا أختي! ده مين ده اللي جوزاء؟"
فيروز:
"أنت مرة تبقى زي العملاق الأخضر اللي بيتحول وفي نفس اللحظة بتبقى زي الحمل الوديع."
قالتها وهي تضحك ساخرة منه.
صقر:
"دي آخرتها يعني؟ شوفي بقى مين اللي هيفسحك تاني."
قالها وتصنّع أنه متضايق من حديثها.
اقتربت منه وبنبرة اعتذار: "خلاص متزعلش، حقك عليا."
صقر: "لا مش قابل." مطّ شفتيه لأسفل كالطفل.
ضحكت فيروز: "طيب خلاص بقى متزعلش، أنت مش جوزاء."
صقر: "برضه زعلان."
ارتفعت ضحكاتها فأردفت: "خلاص أنت تور." قالتها وهي تخرج لسانها له ثم ركضت بأقصى سرعة.
صقر: "نهارك أسود ومنيل." قالها وركض خلفها ثم أردف: "لو جريتي لآخر الدنيا هجيبك برضه."
وفي أثناء وهو يركض، ارتطم بفتاة يبدو أنها أجنبية.
صقر: "سوري." قالها بالإنجليزية.
الفتاة: "يا الله، شو هالرجال اللي بياخد العقل."
صقر: "معلش إن خبطت حضرتك."
الفتاة: "لا حياتي، زتني كيف ما بدك، يؤبرني هالجمال."
توقفت فيروز عندما رأت تلك الفتاة الشقراء التي تقترب من صقر وتتحدث معه، فذهبت مسرعة نحوهما.
فيروز بغضب: "مين البتاعة دي يا صقر؟"
الفتاة تخلع نظارتها وترمقها بسخط: "شو يا جدبة، أنتِ مالك دخل بيناتنا."
فيروز: "أنتِ يا بت عبيطة ولا متخلفة ولا مالك ع المسا؟"
صقر وهو يكتم ضحكاته، فأحب أن يثير غيرتها أكثر: "ممكن حبيبتي تصورينا سيلفي؟" قالها وهو يعطيها هاتفه ويحاوط الفتاة بذراعه من خصرها.
الفتاة: "عنجد روحي؟" قالتها لصقر.
فيروز كاد وجهها ينفجر من الدماء: "طلعت روحك يا بعيدة، وأنت والله لأعرفك اللي أنت بتعمله ده."
صقر وهو يخفي ابتسامته: "مالك يا حبي، أنا بشجع السياحة عشان تبقى العيشة مرتاحة." قالها ثم ضحك هو والفتاة بصوت عالٍ.
الفتاة: "دخيلك الله، شو أنت مهضوم كثير حبيبي."
ترقرقت الدموع في عينيها فأمسكت هاتفه وألقت به على الأرض بكل قوتها ثم مشت مسرعة.
صقر: "آه يا مجنونة، استني تعالي هنا." قالها وهو يتناول هاتفه من الأرض ومشى خلفها ليمسكها ثم أردف: "مالك أنتِ صدقتي بجد؟"
فيروز وهي تبكي: "أوعى متكلمنيش."
صقر: "أنا كنت بهزر معاكي وحبيت أشوف غيرتك عليا."
فيروز: "يا سلام! عشان تخليني أغير تقوم قافش في وسطها وهي ما صدقت!"
صقر: "هههههه، خلاص حقك عليا مش هكررها تاني. بس على فكرة أنا قصدت أعمل كده عشان أعرفك إني بحس بإيه لما أغير عليكي."
فيروز: "طيب ترضاها بقى لما أقف مع شاب وهخليه يمسك..." استوقفها حينما اقترب منها وهو يضع يده على فمها ثم أردف: "ده أنا كنت دفنتك أنتِ وهو صاحيين. بطلي هبل وإياك أسمعك تقولي كده تاني، أنتِ فاهمة؟" أومأت برأسها بالموافقة.
صقر يثني ذراعه لتمسك به: "يلا تعالي عشان هنروح."
فيروز وهي تمسك بذراعه: "لسه بدري، ما نقعد شوية."
صقر: "يلا عشان رنيم زمانها روحت وقاعدة لوحدها."
فيروز وهي تلوي فمها بسخط: "يلااا."
صقر: "ماشي لما نروح بس."
فيروز في نفسها: "إيه يا رب الكائن النكدي اللي اتنيلت على عيني وحبيته ده!"
صقر وكأنه سمع أفكارها: "لمي نفسك بدل ما أوريكي النكد على حق ربنا."
فتحت فاها بصدمة: "أنت إزاي؟"
صقر بابتسامة جانبية ماكرة: "عشان بسمعك بعقلي وقلبي قبل وداني."
فيروز بابتسامة خجل ثم ضحكت: "يا رب تبقى رومانسي كده على طول."
وغادرا الاثنان مدينة الملاهي وعادا إلى المنزل.
خرجت ليلى بعد أن أعدت أكواب الشاي وتمشي بخطى ثابتة.
والدها: "قدمي الأول لحماتك." مشت إلى أن وصلت أمام والدة علي فأخذت الأخرى كوبًا ثم ذهبت لوالدها وأخذ هو الآخر كوبًا، ثم وقفت أمام علي لتتعمد كأنها ستقع لتقوم باهتزاز الصينية وتقع منها أكواب الشاي المتبقية على فخذيه ليتأوه صارخًا.
فنظرت إليه بابتسامة خبيثة.
والدتها: "مش تحاسبي يا بت، سلختي الواد حرام عليكي."
ليلى بتصنع: "مكنش قصدي، كنت هقع."
علي بتألم: "حصل خير يا ماما، مفيش حاجة."
والدتها: "ادخل الحمام يا ابني اغسل بنطلونك عقبال ما أجيبلك جلابية من بتوع عمك أبو ليلى."
علي: "خلاص مفيش داعي."
والدتها: "لا روح متتكسفش." نظرت ليلى فأردفت: "روحي مع خطيبك وريه الحمام فين."
ليلى تحدق بعينين متسعتين فرمقتها والدتها وهي تجز على أسنانها: "قومي يلا."
نهض علي ومشى خلف ليلى وقال في نفسه: "عايزة تسلخيني مااااااشي، أما وريتك."
ليلى وهي تشير إلى المرحاض: "اتفضل الحمام أهو."
نظر لها وهو يحدق بها: "ينفع كده يا مزتي؟"
ليلى: "ما قولنا مكنش قصدي، إيه مبتسمعش؟"
علي: "ماشي يا حب بكرة نتلم في بيت واحد."
ليلى: "ده عند أم لطفي."
علي ببرود وهو يبتسم ساخرًا: "عارفها اللي بتئيض وتطفي."
ليلى بهمس: "يخربيت أبو برودك يا شيخ."
تحولت ملامحه إلى الجمود وبنبرة أرعبتها: "شكلك هتتعلمي على إيدي الأدب من أول وجديد يا حضرة الدكتورة." قالها وهو يمسكها من معصمها ويضغط عليه بقوة. هي غرت فاها في صدمة من تحوله المفاجئ ولسانها غير قادر بأن تنطق ولو بحرف واحد. تركها ودلف للمرحاض بعد أن ألقى يدها ثم صفق الباب في وجهها فأسرعت للذهاب إلى غرفتها وقلبها يخفق بشدة. مر قليل من الوقت وهي بالداخل شاردة ولم تعلم بالاتفاق الذي يسري بالخارج.
والد ليلى: "يبقى كده احنا متفقين يا جماعة ونقرأ الفاتحة." رفعوا جميعهم كفوفهم في وضع الدعاء ويقولون سورة الفاتحة إلى أن انتهوا.
علي: "صدق الله العظيم."
ارتفعت أصوات الزغاريد عاليًا في أرجاء المنزل، لتخرج ليلى من غرفتها غير مصدقة.
والدتها: "واقفة عندك ليه يا عروسة، تعالي اقعدي جنب خطيبك."
وقعت عيناها لتجده ينظر لها بابتسامة انتصار كمن يقول لها وأخيرًا ستصبحين ملكًا لي، فأحست بكل شيء حولها يدور لتنعدم الرؤية لديها حتى سقطت مغشيًا عليها.
في صباح اليوم التالي بداخل منزل صلاح السويفي.
سيلين تقف بالشرفة الملحقة بغرفتها وهي تدخن سيجارتها وتتحدث بالهاتف: "هكون عايزاه في إيه يعني ما أنتِ عارفة، بطلي ذكاء."
هايدي على الجانب الآخر: "بقولك أنا كمان معرفش عنه حاجة، الفون بتاعه مقفول بقاله أسبوع وأكتر."
سيلين: "طيب متعرفيش مكانه فين؟"
هايدي: "أوبس، ده احنا ناسيين خالص. سيف تعالي نكلمه وهيقولنا على مكانه ماهو تبعه."
سيلين: "أوك، خليكي ثواني على الويت وهعمل جروب كول." قالتها ثم اتصلت بسيف الذي أجاب بعد الاتصال به مرتين.
سيف بصوت ناعس: "ألو، أيوه يا سيلي."
سيلين: "سوري يا سيفو إني صحيتك بس ممكن بليز تقولي مكان اللي اسمه توني ده فين؟"
سيف: "ما تتصلي عليه أحسن."
هايدي: "ماهو لو كان رد عليها هتكلمك ليه يا أذكى إخواتك."
نظر سيف لشاشة الهاتف: "هايدي؟ وإيه اللي جابك في المكالمة؟"
سيلين: "خليك معايا أنا وفكك منها. فين ألاقي الزفت ده قافل موبايله أكتر من أسبوع والحاجة خلصت من عندي بقالها يومين ودماغي هتنفجر."
سيف: "مش هينفع تروحي لوحدك لأنه الحتة اللي هو فيها شبهة وكلها لابش ومسجلين خطر كمان."
سيلين: "يا مامي. خلاص قوم اصحى وفوق وتعالى معايا."
سيف: "حاضر، تعالي عدي عليا هكون قومت وجهزت عقبال ما تيجي. يلا تيك كير. باي."
سيلين: "باي."
هايدي: "سيلي؟"
سيلين: "نعم، أنا هقفل عشان أروح ألبس بسرعة."
هايدي: "استني بس هو شهاب عندك في الفيلا؟"
سيلين: "مش عارفة بس عربيته مش موجودة في مكانها شكله راح الشركة."
هايدي: "أوك، خدي بالك بقى."
سيلين: "ما تقلقيش عليا. يلا باي." ثم أغلقت الهاتف ودلفت للغرفة وألقت به على تختها واتجهت للمرحاض لتستعد.
في الجانب الآخر يجلس في المكتب الخاص بعمه يراجع بعض الأوراق الخاصة بالشركة. رن هاتفه ليجيب: "ألو أيوه يا أونكل، أنا حضرت كل الأوراق وظبطتهم بتسلسل تواريخ العقود. أوك مش هتأخر نص ساعة إن شاء الله وهكون عند حضرتك. مع السلامة." أغلق الهاتف ووضعه جانبًا.
طرقت الخادمة على باب المكتب.
شهاب: "ادخل."
دلفت الخادمة إلى المكتب وتحمل فنجانًا من الإسبريسو ثم وضعته على سطح المكتب: "اتفضل يا بيه."
شهاب وهو ينظر بالأوراق: "سيلي هانم صحيت؟"
الخادمة: "ثواني يا بيه هطلع أشوفها وهاجي أبلغ حضرتك."
شهاب: "لا خلاص روحي شوفي شغلك وأنا طالع ليها شوية كده."
الخادمة: "حاضر. عن إذن حضرتك." قالتها ثم غادرت الغرفة.
مر حوالي 10 دقائق، ثم نهض ليقف خلف النافذة الزجاجية وهو يحتسي الإسبريسو ويضع يده الأخرى في جيب بنطاله يتأمل تلك الأزهار ذات اللون البنفسجي التي يشبه بها زوجته فتذكر ملامح وجهها عندما تغضب كالطفلة فابتسم ثم رفع معصمه لينظر بساعة يده فاتجه للمكتب ووضع الفنجان وأخذ يعد الأوراق وجمعها في ملف واحد. انتبه لقرع صوت كعبي حذائها بالخارج فاتجه مسرعًا للنافذة رآها تمشي بخطوات سريعة. تعجب من خروجها من المنزل بدون أن تخبره فخرج من المكتب على الفور وقد نسي هاتفه والملف وأيضًا نسي ارتداء الجاكيت.
كانت تسبقه بخطوات عديدة حتى خرجت من البوابة، فبحث عن سيارته، فتذكر أن بها عطلًا حدث لها بالأمس وتركها لدى مُصلح السيارات.
فأسرع ناحية المرآب خلف المنزل حيث يحتوي على العديد من السيارات الفارهة، فدلف لإحداها بعد أن فتحها بالريموت التحكم الخاص بها واستقلها على عجلة من أمره وشغل المحرك وقاد بسرعة ليلحق بها، وفتح الحارس البوابة الإلكترونية له. وقبل أن يتجه لطريقه، رآها تنتظر على الطريق الآخر المعاكس تستقل إحدى سيارات الأجرة، فهدأ من سرعته ولف بسيارته لنفس الاتجاه الذي تأخذه سيارة الأجرة، وظل خلفها إلى أن وقفت أمام بناء شاهق الارتفاع، فنزلت هي وغادرت السيارة. فأخرجت الهاتف وعلى ما يبدو تتحدث ثم دلفت للفناء بالداخل. هو ركن سيارته جانب الطريق ونزل منها وهو يسرع ليلحق بها ثم دلف الفناء أيضًا ليجد المصعد يغلق في آخر لحظة، فانتظر ليرى رقم الطابق الذي وقف فيه المصعد في الشاشة الرقمية جانبًا، ثم ضغط على الزر لينزل إليه حتى فتح الباب واستقل المصعد وضغط على رقم الطابق الثاني عشر.
وعن شعوره حينها كاد يجن جنونه والدماء تغلي في عروقه غضبًا جليًا حيث كان يضرب حائط المصعد من الداخل بقوة حتى انجرحت قبضته وتورمت إلى أن توقف أخيرًا وفتح الباب، فخرج ليجد رواقًا طويلًا يتفرع منه عدة منازل ولفت انتباهه أحد الأبواب غير مغلق فاقترب بخطوات بطيئة.
وصل أخيرًا إلى أحد الفنادق الشهيرة بالواحات الداخلة.
استقبله العامل: أهلًا وسهلًا يا فندم.
محمد: ميرسي.
العامل: عن إذنك هنطلع الشنط عقبال ما حضرتك تروح للريسيبشن تسجل بياناتك.
محمد: أنا أصلًا حاجز.
العامل: حضرتك تأكد على البيانات والحجز بس.
محمد: أوك... بس ممكن سؤال؟
العامل: اتفضل حضرتك.
محمد: لو عايز أروح على العنوان ده...
أعطاه ورقة بها عنوان.
العامل: آه ده قريب مننا جدًا... إحنا عمومًا عندنا خدمة توصيل الجيست في أي حتة عايز يروحها ويجيب حضرتك تاني.
محمد: حلو أوي... تسلم يا...
نظر للافتة التي توضع على جيب قميص هذا العامل ثم أردف: تسلم يا حمدي.
العامل: الله يسلمك يا فندم... اتفضل حضرتك استريح هناك وأول ما السواق يجهز هنادي حضرتك.
جلس محمد ينتظر في ردهة الاستقبال حتى أبلغه العامل بوجود سيارة تابعة للفندق تنتظره بالخارج ليذهب إليها ويدلف للداخل، وانطلق السائق حتى وقف أمام المنزل الذي بالعنوان.
السائق: وصلنا يا بيه.
محمد: حاضر ممكن تستناني؟
السائق: آه طبعًا حضرتك اتفضل براحتك.
محمد نزل من السيارة لينظر لذلك البناء الذي يحاوطه النخيل من الجوانب، فوجد البوابة مفتوحة ودلف للفناء ليجد الدور الأول شاغرًا ثم صعد للطابق الثاني، فطرق الباب لتفتح له أم خالد التي كانت تتناول وجبة الغداء مع آمال.
أم خالد: أيوه مين حضرتك؟
محمد: آسف على الإزعاج حضرتك بس هو ده بيت أحمد سراج الدين؟
نظرت له بتفحص: آه في حاجة؟
محمد: أنا عايز أقابل مدام آمال.
آمال بالداخل كانت تستمع إليه بإنصات.
والدة خالد: قولي لها مين يا ابني؟
محمد: قولي لها محمد حماد عبد الرحيم الأسيوطي.
بينما بداخل شقة سيف، سيلين كانت بالمطبخ تحضر فنجانًا من القهوة: سيفو انجز بقي أنا بعمل لك فنجان قهوة جامد آخر حاجة عشان تصحصح.
سيف من داخل المرحاض: تسلميلي يا سيلي... بليز كملي جميلك واعملي لي ساندوتش جنبه عشان صاحبك جعان أوي.
ضحكت فأردفت: أيوه اتدلع عليا أنا عارفة هتزلني عشان محتاجك.
سيف وهو يخرج من باب المرحاض حيث يلتف حول خصره منشفة قطنية وعاري الصدر: لو ما كنتش أنت تدلعني مين هيدلعني؟
سيلين: طيب انجز يا عم حكيم وروح البس حاجة.
سيف: عجبتك يا جميل؟
قالها بمزاح.
سيلين: عارف لو شهاب شافك بالمنظر ده وأنت واقف قدامي كده كان هيخليك في تعداد الأموات.
سيف: ولا يعرف يعمل حاجة مش عارف إيه اللي خلاكي توافقي على البأف ده.
وذلك الحوار كان على مسمع شهاب الذي يقف في مدخل الشقة من الداخل، فلم يشعر بحاله إلا وهو في طرفة عين كان أمامهم لينفزع سيف الذي تسمر مكانه والتفتت سيلين التي وقع من يديها الفنجان ليصبح فتاتًا منثورًا: شهاب!!!!!
شهاب لم ينبس بكلمة واكتفى بتوجيه العديد من اللكمات في وجه سيف الذي لم يكن قادرًا على المقاومة حيث يمسك بالمنشفة التي تحاوط خصره.
سيلين بصراخ: عاااااااااا بليز شهاب سيبه هيموت في إيدك والله أنت فاهم غلط.
التفت لها تاركًا الآخر وقع على الأرض مغشيًا عليه واقترب منها بخطوات ارتعدت لها أوصالها وهي ترجع للخلف حتى التصقت بحائط خلفها وهو عيناه مثل البركان الثائر الذي يقذف حممه المتوهجة على من يقف أمامه.
سيلين تبكي وتصيح وهي تضع يدها على وجهها لتحتمي منه: لالالالالالالالا أنت فاهم غلط والله اسمعني بليز.
الغضب قد أعماه فصاح بها بصوت مرعب جعلها ترتجف بشدة: أنا عديت لك كتير أوي لكن المرة دي حسابك تقل ولازم تتحاسبي...
قالها وهو يجذبها من شعرها بقوة ليسحبها خلفه فوقعت على الأرض فقام بسحلها إلى أن خرج ووصل للمصعد أمام نظرات الجيران التي تهامسوا فيما بينهم فصاح فيهم: بتبصوا على إيه كل واحد يخليه في حاله...
فدلفوا مسرعين إلى منازلهم. وصل المصعد ثم انفتح بابه ليدلف بها للداخل ليجعلها تقف وهو ما زال ممسكًا بشعرها الذي كاد يقتلع في يده وهي تصرخ من شدة الألم وترجوه بأن يتركه ويستمع إليها فلا يعطيها أي إجابة سوى الصمت وصوت أنفاسه المتلاحقة مثل صوت أجيج النار التي تحرق كل ما يقابلها. وصل أخيرًا ليفتح المصعد ويخرج بها لتقع على الأرض وقام بسحلها أمام المارة بالشارع إلى أن وصل لسيارته وفتح الباب وألقى بها بالداخل ثم صفقه بقوة وكاد ينخلع... ثم التف هو ودخل إلى مقعد القيادة.
صاح بها: اخرسي مش عايز أسمع صوتك.
سيلين: والله يا شهاب أنت ظالمني أنا كنت عنده عش......
لم تكمل جملتها لترتطم رأسها بزجاج النافذة من قوة الصفعة التي تلقتها منه فأنسابت دماؤها من فمها... توقف فجأة بالسيارة ونظر إليها ليجدها فقدت الوعي فسلك طريقًا آخر غير طريق العودة إلى المنزل.
في إحدى الأندية الخاصة بضباط الشرطة، تجلس فيروز ورنيم على إحدى الطاولات.
فيروز وهي تتلفت يمينًا ويسارًا بقلق: مش عارفة إيه اللي خلاني اتجن في عقلي وأنزل معاكي.
رنيم: ما تبطلي الجبن اللي أنت فيه ده وبعدين صقر بيبقى مطمن لما بكون في النادي هنا.
فيروز: أديكي بتقوليها أهو أنت مش أنا... أصلك لو شوفتي منظر وشه لما كان بيحذرني إن ما أروحش في حتة غير وأنا معاه كنت هتعذريني.
رنيم: أووف بقي يا فيروز كفاية بقي وبعدين هيعرف منين زمانه في القسم ومشغول بدليل ما اتصلش بينا لحد دلوقت والفون بتاعه مقفول.
فيروز: ربنا يستر بقي وما يحصلش مصيبة.
رنيم: بقول لك إيه خليكي هنا هأروح أعمل حاجة وأجيلك بسرعة.
فيروز: طيب بسرعة وما تتأخريش.
في الناحية الأخرى بالنادي...
فارس يتمدد على المقاعد المخصصة على جوانب حمام السباحة وبجانبه منضدة عليها كأسان من العصير الطازج.
فارس: الطقس حلو كتير اليوم.
مروان صديق فارس وضابط بوزارة الداخلية: أنت لسه شوفت حاجة يا أبو الفوارس ده لسه بقي لما المزز هتهل علينا دلوقت.
فارس: يا أخي عيب استحي أنت متجوز وعندك ولاد... ومرتك يحرسها الله ليش التخبيث؟
مروان: أنت على فكرة مش بتفهم في الحريم خالص سبحان الله على الرغم شغلك كله معاهم.
فارس: ليش بقي يا كازانوفا عصرك وأوانك؟
مروان بابتسامة سخرية: يا ابني الحريم دول زي الفاكهة فيه المانجا وفيه الفراولة والموز والعنب.
فارس مبتسمًا: وأنت ما شاء الله عليك بتحب كتير الفروت سلاد.
ضحك مروان: يخربيت خفة دمك ما أنت قاريني أهو...
قالها ليلفت نظره رنيم التي تقف الجهة الأخرى وهي تحاول الاتصال بإياس حتى أجاب عليها.
رنيم: إيه ساعة عقبال ما ترد.
إياس: معلش حبيبتي كان ورايا شغل كتير النهارده ولسه خارج ربعاية وأكون عندك.
رنيم: أنت هتشتغلني يا إياس المسافة ما بين القسم والنادي أقل حاجة ساعة إلا ربع وخصوصًا هتلاقي المحور واقف وزحمة.
إياس: لاء ما أنا هسلك من الطريق الثاني.
رنيم: أوعي تكون قصدك على الطريق اللي ما فيهوش بني آدمين ده؟
إياس: هو بعينه وبغباوته.
رنيم: يا رب... ممكن ما تمشيش منه عشان خاطري.
إياس: خايفة عليا يا قلبي؟
رنيم شعرت بالخجل: خلص يا إياس وتعالى بسرعة عشان نلحق نقعد مع بعض قبل ما صقر يرجع البيت ومش يلاقينا.
إياس: هو مين اللي معاكي؟
رنيم: فيروز.
إياس: إيه ده هي قاعدة معاكوا ولا إيه؟
رنيم: آه يا سيدي ومعرفش تفاصيل.
إياس: طيب هقفل معاكي بقي عشان أركز في الطريق... باي.
أغلق وهو يزفر بقوة ثم أردف: ماشي يا صقر حضرتك مقضيها مع حبيبتك وأنا رافض جوازي من أختك.
رنيم أجرت مكالمة أخرى: ألو يا بوسي.
بوسي بصوت واهن: ألو يا روني.
رنيم: مالك في إيه؟
بوسي: تعبانة شوية عندي دور برد شديد.
رنيم: ألف سلامة عليكي.
بوسي: الله يسلمك هو أنت في النادي؟
رنيم: أيوه أنا كنت عايزة أشوفك وكمان تيجي تقعدي مع فيروز عشان ما تبقاش لوحدها وإياس جاي وهنقعد مع بعض.
بوسي: مين فيروز دي؟
رنيم: دي تبقى في حكم خطيبة صقر.
بوسي: يا عيني دي مامتها داعية عليها.
رنيم: هههههه حتى وأنت تعبانة عمالة تهزري...
فسمعت طنين مكالمة على الانتظار، فأردفت:
"طيب هاقفل معاكي ناو، إياس على الويت."
بوسي:
"أوك باي."
رنيم:
"وصلت؟"
إياس:
"كنتي بترغي مع مين؟"
رنيم:
"يعني أخلص من صاحبك تطلع أنت زيه!"
إياس:
"ما أنا أحب أفهمك، أنا في الغيرة غبي ومبتفهمش، فخدي بالك بقى."
رنيم:
"طيب انجز يلا، هتلاقيني مستنياك عند البيسين... باي."
أغلقت لتجد الذي يقف خلفها.
مروان:
"واقف لوحدك ليه يا قمر، مستني حد؟"
رنيم رمقته بسخط:
"أنت أهبل يا واد؟"
مروان:
"لا لا ما فيناش من الغلط يا جميل."
رنيم:
"عارف لو ما لميتش نفسك هاروح اشتكيك لإدارة النادي يطردوك بره زي الكلب."
غضب مروان وأمسك بذراعها:
"كلب مين يا بنت الـ..... جري إيه يا بت أنتِ؟ آخرك هتطلعي بنت من أياهم اللي بتيجي النادي وتشقط لها ظابط."
صفعته على وجهه بقوة فاستشاط غضبًا أكثر وكاد يلقنها نفس الصفعة، ليمسك بيده وهو يلويها للخلف.
إياس:
"بتضرب مين يا ابن الـ.....؟ وربنا لأعلمك الأدب."
ظل الاثنان يتعاركان باللكمات، وجاء المسؤولون لتهدئة الوضع وطلبوا منهما المصالحة أو المغادرة. لم يستمع إليهم إياس الذي شعر بأن لو ظل دقيقة أخرى سيقتلع رأس هذا المروان من جسده، فأخذ رنيم التي كانت تبكي من يدها وغادرا النادي ونسيا تمامًا فيروز.
فارس لم يكن حاضرًا بالمشكلة التي حدثت مع صديقه لأنه كان بالقرب من الكافيه التي تجلس فيه فيروز منتظرة رنيم. وكانت هناك فتاتان إحداهما تراقبه لتقول للأخرى:
"أوه ماي جد، شوفي اللي ماشي هناك ده، يخربيت عضلاته ولا جسمه زي السوبر هيرو اللي بييجوا في الأفلام الأمريكان."
الأخرى:
"شكله كان بياخد تان، بس جامد أوي بصراحة."
كان يسير نحو فيروز، حيث شبه عليها من بعيد حتى تأكد أنها هي، فجذب مقعدًا شاغرًا ووضعه مقابل لها وجلس مبتسمًا:
"كيفك فيروز؟"
فيروز كانت شاردة لتلتفت إلى الجالس أمامها:
"مسيو فارس؟"
فارس:
"إيه أنا؟ ليش ما بتيجي على البيوتي سنتر؟ شو نسيتيني ولا هاد الزلمة تبعك عم يمنعك؟"
فيروز:
"لا خالص أصل حصلت لي ظروف وما عرفتش أجي الشغل و..."
قاطعها فارس الذي اندفع من حبه لها:
"أنا اشتقت لك كتير وبعدك عم يقتلني... قول لي كلام هاد الزلمة صحيح، أنتِ بتكوني خطيبة إله؟"
فيروز نظرت لأسفل:
"آه خطيبي وبنحب بعض."
عند بوابة الدخول إلى النادي يدلف صقر، حيث اتصلوا به إدارة النادي ليخبروه ما حدث مع شقيقته وصديقه. قابله أحد موظفي الإدارة:
"أهلاً وسهلاً بصقر بيه."
صقر:
"الله يخليك تسلم... اللواء موجود بالمكتب؟"
الموظف:
"هو راح مشوار قريب من النادي وجاي بسرعة، ممكن حضرتك تستناه في الكافتيريا وأول ما هيجي هبلغ حضرتك."
صقر ابتسم له ثم ذهب نحو الكافيه بخطوات يدق معها القلب مع كل خطوة يخطوها.
وعند فارس وفيروز. تنهد فارس:
"إيه فهمت منيح... لكن بدي منك طلب أخير."
فيروز:
"اتفضل."
فارس:
"ممكن تقفي؟"
تعجبت فيروز:
"ليه؟"
فارس:
"اقفي وأنا باقول لك."
رضخت لطلبه فوافقته ثم نهضت لينهض هو الآخر، وفاجأها بمعانقته لها ليقول من خلال ذلك العناق إنه الوداع الأخير بينهما... وما زال صوت قرع الخطوات مستمرًا خطوة تلو الخطوة حتى وصل إلى المكان ليتوقف فجأة ويسبقه مناداة اسمها بصوت مثل العاصفة التي تقتلع كل شيء من جذوره:
"فيروووووووووووووووز!"
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ولاء رفعت
تنهد فارس: أي فهمت منيح، لكن بدي منك طلب أخير.
فيروز: اتفضل.
فارس: ممكن تقفي؟
تعجبت فيروز: ليه؟
فارس: اقفي وأنا بأقول لك.
رضخت لطلبه فوافقته، ثم نهضت لينهض هو الآخر، وفاجأها بمعانقته لها ليقول من خلال ذلك العناق إنه الوداع الأخير بينهما.
وما زال صوت قرع الخطوات مستمرًا، خطوة تلو الخطوة حتى وصل إلى المكان ليتوقف فجأة ويسبقه مناداة اسمها بصوت مثل العاصفة التي تقتلع كل شيء من جذوره: فيرووووووووووووووووز!
لحظة سكون يعلوها صوت خفقات القلب المرتعد من هول ما سيحدث. التفت إليه فارس الذي حدق به متحديًا إياه، ولا يعلم ما هو مصيره الذي ينتظره.
ها هو صقر لم يشعر بيده التي امتدت لسلاحه الذي يحمله معه دائمًا في جيب بداخل معطفه. وضعه في وضع الإطلاق وقام بشد أجزائه ليضع سبابته على الزناد.
هي الدماء قد هربت من عروقها، لا تصدق هل سيقتلها حقًا أو سينتقم من غريمه الذي خشي عليها من تهور حبيبها، ليلتفت إليها ويحاوطها ليقوم بحمايتها، حيث يولي ظهره إلى من صوّب نحوه وأطلق لتخرج من فوهة السلاح رصاصة استقرت في عموده الفقري، وعلى صرخاتها المدوية التي تجمّد عليها كل من بالمكان.
فيروز بكل قوتها: صقر لااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا!
انتفض جسده ليرتمي بين ذراعيها متشبثًا بها وتخور قواه وقدميه غير قادرة على الصمود، ليهبط وهو ما زال متمسكًا بها، ونظر لعينيها قائلًا بصوت يكاد يسمع من الوهن: أنا بحبك فيروز، وبضل بحبك حتى وأنا عم بموت، وأجمل شيء أنا بموت بين إيديكي حبيبتي.
قالها بكل مشاعره وجوارحه حتى توقفت الكلمات في حلقه وبدأت أهدابه العليا في الإغلاق رويدًا رويدًا.
صقر كان يقف كالتمثال من صدمة ما حدث ومن ما اقترفت يداه، كان بعالم خاص به لم يستوعب ما يجري إلا أن شعر بأياد تجذبه من ذراعيه يحركونه من مكانه لإلقاء القبض عليه.
بينما هي ظلت تصرخ وتبكي على الذي بين يديها، ومصدومة في من أحبته، هل الغيرة أوصلته إلى حد الجنون بأن يزهق روحًا بدون عقل أو تفكير؟
جاء رجال الإسعاف مسرعين وهم يحملون السرير المتنقل ليضعوه جانبًا، وأحدهما تفحص فارس ليقيس نبضه.
الرجل: الحمد لله لسه فيه نبض بس بطيء، ارفعوا معايا بسرعة.
قالها ثم حمله هو والرجل الآخر ليركضوا به نحو سيارة الإسعاف ليضعوه بداخلها. فنهضت هي لتذهب خلفهم وكادت تصعد بداخل السيارة.
رجل الإسعاف: حضرتك تقربي له إيه؟
فيروز: هو مديري في الشغل.
نظر لها الرجل لبرهة ثم أردف: طيب يلا اطلعي بسرعة.
فصعدت على الفور وغادرت السيارة متجهة إلى إحدى المشافي التابعة للشرطة.
***
في حي السيدة زينب بالقاهرة، يجلس خالد بالشرفة على مقعد خشبي وأمامه منضدة شاغرة، ومتجه نحوه صديقه الذي يحمل صينية متراصة عليها أطباق مليئة بمختلف الأكلات.
تيمور بابتسامة: وسّع وسّع، أجمد طاجن فتة كوارع ومحشي ممبار لأجمد دكتور مجانين في البلد.
خالد الذي يضحك بصوت جلي: الله يخرب عقلك، لسه زي ما أنت متغيرتش.
تيمور: والله بيتهيألك يا صاحبي، أنت متعرفش حاجة.
خالد: ليه يا ابني مش أنت أبوك أول ما اتخرجنا جابلك واسطة عشان تشتغل؟
تيمور: متفكرنيش بالذي مضى، مد إيدك أنت وكول قبل ما الأكل يبرد، دي من إيد خالتك أم تيمو.
خالد: تسلم إيدها، ها ما قلتليش عملت إيه بعدها؟
تيمور: مفيش غير إن صاحبك كان هيموت من الفرحة إن أنا كنت هتعين في العباسية، وقلت هبقى دكتور أد الدنيا، طبعًا من حظي الفقري كالعادة حصلت ظروف في البلد والثورة قامت وناس مشيت وناس جت، والأنيل من كده إن الراجل صاحب الواسطة مات لما كان في ميدان التحرير.
خالد: لا حول ولا قوة إلا بالله.
تيمور: كانت بنته هناك مع اللي نزلوا الميدان، وراح يدور عليها، فبيسأل شاور له على مجموعة ناس ملمومة في شكل دايرة راح بعيد عنك لقى بنته جسمها مليان خراطيش وواخدة طلقة في قلبها. طبعًا مستحملش الصدمة قام طب ساكت.
خالد: ربنا يرحمهم برحمته يارب.
تيمور: بس يا سيدي، طبعًا زي ما قلتلك ناس جديدة جت والنظام اتغير في الإدارة، وورقي متقبلش، وعشان أفتح عيادة خاصة عايز بنك مركزي أموّل منه عشان أأجّر شقة حتى وأدفع كهربا ومية، ده غير الضرايب اللي هتبقى بتمن الشقة.
خالد: إيه ياعم الإحباط اللي أنت فيه ده؟
تيمور: والله يا خالد من كتر الإحباط والاكتئاب اللي الواحد عايش فيه بقيت مريض نفسي مش دكتور، شفت بقى!
خالد: بص يا تيمور، يمكن كلامي مش هيعجبك بس نصيحة أخوية، متستناش الحاجة تيجي لحد عندك، كافح وعافر لغاية ما تحقق اللي أنت عايزه، مش معقولة الناس المشهورة في أي مجال كده أول ما اتخرجوا طلعوا على الشهرة على طول، بالعكس بدءوا من الصفر واتمرمطوا وخلوا إيمانهم بربنا كبير وفضلوا يكافحوا لحد ما وصلوا للمكانة اللي بقوا فيها. عندك مثلًا على سبيل المثال عميد الأدب العربي طه حسين الله يرحمه ربنا خد منه نعمة البصر وكان معدي تحت خط الفقر بكتير، ده غير ظروف البلد وقتها، واتولد في بيئة مليانة بالجهل والخرافات، لكن ربنا أداله نعمة البصيرة ونعم كتير استغلها لحد ما بقى من أعظم الأدباء ومكنش واخد إعاقته ولا ظروفه حجة عشان يفشل. فهمت عايز أوصلك إيه؟
تيمور كان يفتح فاهه بعدم الاستيعاب ليردف: واد يا خالد أنت بقيت مثقف من إمتى؟
قالها ثم ضحك.
خالد: تصدق إن أنا غلطان عمال أنصح وأفهم في واحد مستهتر زيك.
تيمور: هههههههه خلاص يا عمنا بضحك معاك.
خالد: والله ليهم حق ما يقبلوش ورقك، ده كنت خليت العاقلين اتجننوا والمجانين ينتحروا.
تيمور: مقبولة منك يا خلود.
خالد بعدما انتهى من تناول الطعام: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا.
تيمور: أنت لحقت تاكل؟ أنجز ياعم خلص الطاجن ده بدل ما أجيبلك أمي تنفخك.
خالد: لا الحمد لله كفاية كده مش قادر، أنت كمل جميلك وقوم اعملنا كوبيتين شاي عشان ألحق أتوكل وأشوف مشواري.
تيمور: أنت رايح فين؟
خالد: رايح لواحدة قريبتي.
تيمور وهو يغمز له: على بابا يالا؟
خالد: يعني أنت تعرف عن صاحبك كده؟
تيمور: بصراحة لاء، والله الكل يشهد بأدبك وأخلاقك، عارف لولا البت عائشة أختي متجوزة كنت جوزتهالك.
خالد: هههههههههه وربنا أنت مصيبة وملهاش حل، قوم يا تيمور ربنا يهديك.
نهض تيمور وحمل معه صينية الطعام وذهب للمطبخ وجلب معه صينية عليها كوبين من الشاي.
خالد: أنت لحقت تعملوا؟ أوعى تكون من مية السخان ياض.
تيمور: ليه هو أنا معفن يالا، أنا كنت بأدي لأمي الصينية لقيتها بتديلي الشاي.
خالد: معلش والله تعبنها معانا.
تيمور: بطل يالا ولا تعب ولا حاجة، والله أنا فرحت أوي لما كلمتني وقلتلي إنك هنا.
احتسى خالد الشاي ثم ارتشف شربة ماء فنهض وهو يأخذ هاتفه ومحفظته من المنضدة: همشي أنا بقى يا صاحبي.
تيمور: طيب اصبر هلبس 5 دقايق وجاي معاك.
خالد: معلش يا تيمور شايلك لوقت عوزة، خليني أروح أنا خفيف خفيف.
تيمور: بس كلمني قبل ما تمشي حتى أجي أوصلك للأتوبيس.
خالد: حاضر يا صاحبي، يلا سلام عليكوا.
قالها وذهب وأوصله صديقه عند باب المنزل بعد مصافحته. ثم نزل إلى الشارع واستقل سيارة أجرة إلى عنوان منزل فيروز.
***
بداخل رواق طويل ذو سقف متعدد الإضاءة الشديدة التي توغلت من بين أهدابه، فبالطبع إنه غير قادر على الحراك لكن يشعر بكل ما يحدث حوله، وباهتزازات السرير المتنقل المتمدد جسده عليه وتدفعه الممرضات نحو غرفة العمليات.
الطبيب: النبض لسه شغال.
الممرضة: والضغط يا دكتور 60 والحرارة منخفضة خالص.
الطبيب: طيب يلا بسرعة على أوضة العمليات.
دلفوا جميعهم إلى الغرفة ثم أغلقوها، وكانت هي بالخارج تبكي بشدة وتدعو الله بأن ينقذه. عينيها كانتا تنظران للأسفل شاردة في كل لحظة ما حدث منذ قليل.
أفاقت من شرودها عندما سمعت صوته الذي تميزه من بين آلاف الأصوات، فانتبهت له لترفع عينيها لتتقابل مع عينيه لترمقه بأشد نظرات حادة لديها. فاقترب منها لتصرخ في وجهه: ابعد عني.
قالتها ثم ابتعدت عنه قليلًا.
صقر وترقرقت عبراته في عينيه وبنبرة ندم: أنا مش عارف عملت كده إزاي! بس أنا لما شفتكوا...
قاطعته بصراخ: ودي يديك الحق إنك تقتله من غير ما تفهم في إيه الأول؟ ولا هو كالعادة إيدك سابقة عقلك؟
صقر شعر بالغضب لكنه أخفاه حتى لا يزيد من سخطها عليه فأردف: حطي نفسك مكاني لو لقيتيني واخد واحدة غيرك في حضني هتعملي إيه؟
فيروز بحدية: طبعًا هأغير بس مش هأقتل، أرواح الناس مش لعبة يا حضرة النقيب.
صقر وهو يجز على أسنانه ويشد على قبضة يده وبصوت هادئ: حاضر يا فيروز، أنا مش هأكلمك دلوقت وهاسيبك لما تهدي.
رمقته بسخط ولم تجب عليه.
خرجت الممرضة من الغرفة مسرعة وبصوت جلي: يا جماعة حد من أهل المريض هنا؟
اندفع صقر التي سبقته فيروز نحوها وقالت بنبرة خوف: هو عامل إيه؟
الممرضة: ادعوا له ربنا يقومه بالسلامة بس إحنا محتاجين نقل دم ليه وفصيلته مش متوفرة عندنا.
صقر بصوت أجش: هي فصيلته إيه؟
الممرضة: O موجب.
صقر: أنا نفس الفصيلة.
الممرضة: طيب يا فندم تعالى حضرتك معايا ناخد عينة وبعد كده نسحب منك الدم.
نظرت له فيروز بتعجب ليرمقها بطرف عينيه وتركها وذهب خلف الممرضة.
مر حوالي أكثر من 8 ساعات وما زالت تنتظر في الرواق.
صقر أتى من الخارج ويحمل كيس مليء بالطعام ويعطيه لها: اتفضلي.
فيروز نظرت له بصمت ثم أردفت: شكرًا مش عايزة.
صقر يحدق في عينيها ووجهها الشاحب فقال لها بنبرة هادئة وهو يحذرها: مش عايزاني أتهور؟ خدي الأكل وكلي.
فيروز بصوت مرتفع وبغضب: إيه هتضرب عليا نار بالمسدس؟
غضب من كلماتها فألقى ما بيده جانبًا بقوة وكاد يذهب من أمامها قبل أن يرتكب حماقة أخرى فتوقف عندما خرج الطبيب الجراح المسؤول عن حالة فارس.
صقر ركض نحوه: خير يا دكتور؟
الطبيب بملامح يبدو عليها الحزن والأسف: إحنا عملنا اللي علينا والباقي من توفيق ربنا بس...
***
في شقة حافظ، تجلس آمال على الأريكة المواجهة للمقعد الجالس عليه ابن أخيها.
آمال: يا ترى عايز مني إيه يا ابن حماد؟
محمد بتوتر: ليه حضرتك مش عايزة تصدقيني إن بابا ما يعرفش أصلًا إني عرفت مكانك وبأقابلك؟
آمال وهي ترمقه: وهو لسه ناوي يكمل ظلمه فيا؟
محمد بتعجب: مش فاهم.
آمال تنهدت ثم أردفت: شكلك ما عندكش علم بالماضي.
محمد: أنا جيتلك يا عمتي عشان عايز أسمع منك هل كلام بابا صح عنك؟
آمال: أبوك ظلمني أوي يا محمد، لما كان عايز يجوزني لعمدة بلدنا اللي كان أكبر مني بـ 25 سنة عشان أجيب له الولد اللي نفسه يبقى خليفته من بعده، وأنا كنت وقتها زي أي بنت في سني بتحلم تتجوز بشاب قريب من سنها يفهمها وتفهمه.
فلما جاء اليوم الذي كنت راجعة فيه من عند خالتي، لاقيت المأذون قاعد بيكتب الكتاب. ما حستش بنفسي غير وأنا بأجري لحد ما طلعت ع الطريق الرئيسي، وركبت أول عربية قابلتني في السكة لحد ما نزلت القاهرة. وهناك اتعرفت ع ست كبيرة طيبة قوي، اتوسطت لي عند جماعة مبسوطين عشان أشتغل عندهم، وكنت بأتصل ع خالتي بأطمن ع أمي وأبويا وكمان أخويا اللي كان بيبيعني بالرخيص.
محمد: ياااه يا عمتي، للدرجادي بابا كان قاسي عليكي؟
آمال: أبوكي من ساعة ما اتولدت وكان بيعتبرني عار ولازم يتخلص منه، فحب يرميني الرمية السودا دي.
محمد: طيب فين جدي وتيتا وإزاي سامحين بكده؟
آمال بابتسامة ساخرة: ما كانتش فارقة مع أبويا، لكن أمي اللي بكيت عليها جامد لأنها كانت الوحيدة اللي بتقف جنبي ديما، لكن كانت بتخاف من أبوكي قوي كأنه أبوها مش ابنها.
محمد: مش نفسك تشوفيهم؟
آمال بنظرة حزينة: أمي وأبويا وحشوني قوي، يا ترى لسه فاكريني ولا نسيوني؟
محمد: أومال فين بنتك؟
شعرت بالقلق من سؤاله عن ابنتها، فقالت: وعايز منها إيه؟
محمد مبتسمًا: عايز كل خير يا عمتي... بصراحة أنا شوفتها في حفلة الفترة اللي فاتت وما كنتش أعرف عنها أي حاجة غير إنها بتشتغل في بيوتي سنتر بتاع واحد صاحبي، لكن ما أعرفش إيه اللي شدني ليها قوي كده، ولما عرفت عنك كل حاجة عرفت إنها بنتك فرحت قوي.
آمال: يعني أنت عايز...
ليقاطعها محمد بصوت جلِي: عايز أتجوز فيروز.
***
بداخل أحد المطاعم المُطلة على النيل، يجلس كلا من إياس ورنيم على الطاولة.
إياس: نفسي أفهم دلوقتي بتعيطي ليه؟
رنيم وهي تبكي: وهو اللي حصل ده سهل؟
إياس يزفر بقوة: أستغفر الله العظيم يا رب... أنتِ شايفاني عيل كاورك ولا إيه بالظبط؟ لما أشوف واحد كان بيقولك كلام وسـ... زي ده وكمان بيمد إيده عليكي، عايزاني أضرب له تعظيم سلام وأقوله كمل يا نجم براحتك؟
صمت ثم ألقى بمفاتيح سيارته على الطاولة بعنف ثم أردف: أوووف حاجة تحرق الدم والله.
رنيم وهي تكفكف عبراتها: طيب وبالنسبة لصقر اللي زمانهم بالتأكيد بلغوه بالفضيحة اللي حصلت، أعمل معاه إيه دلوقت؟
مسح كفيه بوجهه بضيق: وأعمله إيه أخوكي القفل ده، ما أنتِ عارفة إحنا من ساعة اليوم الزفت وإحنا ما بنتكلمش بعض، حتى في القسم بأخلص وبأمشي قبله عشان ما نتقابلش ونمسك في بعض.
رنيم: ما هو برضو عنده حق، ما أنتِ عارفة دمه حامي ومتهور، أحمد ربنا إنه ما فرغش مسدسه في دماغي أنا وأنت.
إياس: يعني دلوقت أنا اللي غلطان؟ يعني صاحب عمري زعلان مني وممكن نخسر بعض بسبب حضرتك، وفي الآخر أطلع غلطان!
رنيم: على فكرة أنا ما قولتش كده خالص، ولا أنت بتفسر على مزاجك؟ وشكرًا قوي يا أستاذ إياس على كلامك، وطلعتني أنا اللي بأخسرك صاحبك.
إياس بنزق: وآخرة الحوار اللي عمالين فيه بندور في دايرة ما بتخلصش؟
رنيم: آخرتها إن أنت وأخويا كرهتوني في الخروج وعقدتوني من صنفكم ومن الحياة كلها.
قالتها بصوت مرتفع.
إياس ويجز على أسنانه: وطّي صوتك يا رنيم.
رنيم: أوطّي ولا أعلّي ما بقتش تفرق، حاجة تقرف.
إياس يرفع إحدى حاجبيه سخطًا: هي بقت كده؟ ماشي... بس حلال فيكي اللي بيعمله صقر معاكي.
رنيم وقد بدا الغضب على ملامحها لتنهض وهي تقول: شكرًا وكفاية لحد كده.
وهمّت بالمغادرة فنهض وأمسك بيدها: هو أنا شفاف قاعد معاكي ولا إيه؟ مش هتمشي غير رجلي على رجلك.
رنيم وقد تذكرت أمر فيروز التي تركتها بمفردها فضربت كفها على جبهتها كدليل على التذكر: يا خبر أبيض أنا نسيت فيروز في النادي خالص، دي زمانها قلبت عليا الدنيا هناك.
إياس: طيب يلا تعالي نروح نجيبها وأوصلكم على البيت.
وقد همّا بالذهاب لكن رنّ هاتفه ليجيب: ألو... أنت متأكد؟ إزاي ده حصل؟ طيب أنا رايح على المستشفى حالًا أنا أعتبر جنبها... سلام.
أغلق المكالمة ثم زفر بقوة: يا دي المصيبة السودا اللي أخوكي لبسها.
رنيم بذعر: ما له صقر؟ حصل له إيه؟
إياس: مش أخدتي فيروز معاكي النادي؟ خدي بقى عندك... أخوكي كلموه عشان الخناقة بتاعتي، فلما راح لقاها واقفة في الكافتيريا هناك ولقى واحد واقف معاها، طبعًا كعادته اتهور لكن فلتت منه ومسك المسدس وضربه، خدوا الراجل على المستشفى وفيروز معاه، وصقر مسكوه بس راح على المستشفى لحد ما يتفتح التحقيق ويحققوا معاه.
وضعت يدها على فمها في ذهول: طيب مستني إيه؟ تعالي نروح لهم.
إياس: يلا تعالي عشان تخلي بالك من فيروز، زمان أخوكي بينفخها.
ذهب الاثنان مسرعين إلى أن خرجا من المطعم ليعبرا الطريق إلى أن وصلا للجهة الأخرى ليجدا المشفى أمامهما ثم دلفا إليه.
***
خفق قلوبهما بشدة وانحبست الأنفاس... حتى أردف الطبيب: إحنا طبعًا لحقناه على آخر لحظة وعملنا كل ما يمكن، والحمد لله ربنا كتب له عمر جديد، بس هو في مرحلة الخطر دلوقتي وهيتنقل للعناية لمدة 48 ساعة لحد ما يفوء.
شعرت هي وهو بالراحة عندما اطمأنا على حالته.
الطبيب: بس في حاجة للأسف، الرصاصة اللي جت له في عموده الفقري أصابت الخلايا العصبية فبالتالي هتأثر على حركة المشي يعني مش هيقدر يمشي.
نظرت فيروز لصقر في ذعر وقالت: طيب يا دكتور ما لوش عملية ويرجع يمشي؟
الطبيب: آه طبعًا إحنا في 2018 والطب على طول في تقدم، بس الأفضل ليه السفر في أوروبا هناك مستشفيات على أعلى مستوى ونسبة العمليات اللي من النوع ده بتبقى ناجحة 100%.
صقر: طيب ممكن ننقله النهاردة أو بكرة بالكتير؟
الطبيب: لازم يعدي مرحلة الخطر، بعد كده ممكن يسافر في طيارة خاصة وفيها معدات طبية عشان حالته، بس كل ده تكليفه عليا وبالدولار كمان.
صقر: مش مشكلة أهم حاجة يقوم بالسلامة.
الطبيب: طيب عن إذنكم.
فيروز: اتفضل حضرتك.
وفي آخر الرواق جاء كلا من إياس ورنيم يركضان نحو صقر وفيروز الذي كل منهما يقف بعيد عن الآخر.
رنيم وقفت بجوار فيروز وهي تربت على ظهرها: إيه اللي حصل؟ إحنا جالنا تليفون من النادي وجينا جري على طول.
فيروز نظرت إليها وهي تشير نحو صقر: اسألي أخوكي وهو هيحكيلك.
سمع هو جملتها فأنفعل كالعادة وثار ليقترب نحوها ليمسك إياس به: اهدى يا صقر إحنا في المستشفى.
صقر رمقه بعينيه الحادة: بلاش أنت تتكلم لأن حسابي معاك بعدين عشان تعرف تتقابل مع الصايعة اللي بتستغفلني تاني.
إياس بصوت غاضب: لم نفسك يا صقر أنا مراعي اللي أنت فيه.
رنيم تدخلت: في إيه؟ صوتكم عالي وهيجوا يطردونا دلوقت... اهدى يا صقر شوية بقى.
صقر بغضب: هو في إيه كل شوية واحد فيكم يقولي اهدى، شايفني مجنون وبأشد في شعري؟
فيروز كمن يكظم غيظه لكن لم تتحمل غضبه المتهور: لا حاسب أنت بتقتل بس.
أشاح بصره عنها وظل يضرب بقبضة يده في الحائط ويجز على أسنانه وهو يقول بغيظ: ابعدوها عني يا إياس بدل وقسمًا برب العزة لأتهور عليها وهأخليها تحصلوا جوه.
رنيم أمسكت فيروز: يلا يا فيروز تعالي معايا تحت.
مشت معاها وعينيها ما زالت مسلطة عليه وهي ترمقه بسخط... وصلا إلى المصعد فدلفا إليه ثم نزلا لأسفل حيث الردهة بالطابق الأرضي للمشفى.
***
في أحد نوادي الليل حيث الأضواء الكثيفة والموسيقى الصاخبة... تجلس إحدى فتيات الملهى بجواره وهي تتغنج.
الفتاة: مالك يا باسل باشا بقالك يومين تقلّان عليا، ما بقيناش نعجب ولا إيه؟
باسل وهو يحاوطها بذراعه حول ظهرها العاري ويجذبها لتلتصق به: هو أنا ليا مين حد يدلّعني غيرك يا قمر؟
الفتاة بضحكة تثير النفوس والشهوات: أموت أنا فيك يا باسولتي هيهيهيهيهيهي.
ارتشف من الكأس التي بيده الأخرى رشفة من الخمر ثم أردف: حلاوتك يا طعم أنت يا اللي بتظبطني ديما.
الفتاة وهي تشير إلى القادم نحوهما: الحق يا باشا، مش ده سيف بيه صاحبك؟ هو مال وشه متشلفط كده ليلي؟
انتبه له باسل: إيه يا سيفو مين اللي علّم عليك كده يلا؟ وأنا هأسوّي وش أمه بالأسفلت.
جلس سيف على الأريكة الجلدية بجواره وهو يزفر بضيق ثم أخذ من أمامه كأس فارغ فنظر إلى القنينة فوجدها فارغة.
نهضت الفتاة من بجوار باسل وتأخذ الكأس من يد سيف الذي كان يحدق في جسدها الذي كان معظمه متعري بسبب ثيابها المكشوفة والفاضحة وهي منحنية بجذعها أمامه بإغراء.
الفتاة: أنا بقى هأعملك حتة كوكتيل هيخليك تشيّص على الآخر يا سيفو.
باسل: جرى إيه يا نوسا؟ هو أنتِ شايفاني قرطاس لب قدامك ولا إيه؟
الفتاة: فشر يا باسولتي أنت الأساس، والباقي شنط وأكياس هيهيهيهيهيهي.
باسل: طيب غوري من هنا بدل ما أقطعك حتت وأرميكي في الشنط والأكياس دي.
الفتاة: ما تزوقيش طيب.
قالتها وهي تذهب من أمامهما وتتمختر بخصرها.
اقترب باسل من سيف: إيه الحكاية يا صاحبي؟ مين صاحب الخريطة اللي في وشك دي؟
سيف: شهاب السويفي الله يحرقه بجاز.
باسل: شهاب! وإشمعنا كده؟
سيف: سيلين كانت عندي...
فلم يكمل ليجد ملامح باسل غاضبة ليقول له: وكانت بتعمل إيه عندك إن شاء الله يا عم الأمور؟
سيف: أنا وسيلين أصدقاء بس يا أبو نية شمال.
باسل: أنت هتقولي طول عمرك الصدر الحنين للبنات يا أبو السيوف.
سيف: هتسيبني أكملك ولا أسيبك وأمشي؟
باسل: أشجيني.
سيف: المهم كانت عندي عشان رايحين مشوار كده ما ينفعش تروحه لوحدها، والغبيه نسيت تقفل باب الشقة، وأنا كنت بأخد شاور يقوم صاحبك داخل في اللحظة اللي كنت خارج فيها ولافف البشكير على وسطي، ما حستش بنفسي غير وإيدي بالبونيات في وشي من غير ما يسمع مني ولا حرف.
باسل: وأنت إيدك اتشلت عشان ما تدافعش عن نفسك؟
سيف: لا يا ضبش كنت خايف للبشكير يتزحلق والبت واقفة... أخدت ضرب لحد ما أغمي عليا، ولقيت البواب بيفوقني وحكالي على اللي عمله فيها لما أخدها ونزل.
باسل وهو يرتشف من كأسه: عمل فيها إيه الهتيا ده؟
سيف: ده جرجرها من شعرها ومسح بيها السيراميك عندي غير ما نزل بيها في الأسانسير وسحلها على الأسفلت.
باسل: يعني بيغير عليها للدرجادي؟
سيف: أنت أهبل يا واد؟ دي كاتب كتابه عليها وبيحبها وبنت عمه ولا فاكره قرني زيك.
باسل: ما تلم لسانك يا عم على المسا ده، أنت قلبت مزاجي الله يقل مزاجك يا أخي.
سيف بضيق: تصدق إنك عيل سئيل؟ كتك قرف أنا قايم وسايبلك النايت كله.
باسل يضحك ساخرًا: طيب والكوكتيل بتاع البت نوسا؟
سيف وهو ينهض متأففًا: ابقى اطفحه أنت.
قالها وغادر ليترك باسل الذي يقول لنفسه بصوت جلِي: أشطا قوي كده لقيت السكة اللي هأخليها تتعلم الأدب وتعرف مين هو باسل ضرغام، وفي نفس الوقت هأعلم عليك يا شهاب الكلب وهأخليك قنبلة الموسم أنت وحرمك المصون.
***
تشرق الشمس بصباح جديد لتتوغل أشعة الشمس من النافذة الزجاجية لتدلف إلى عينيها لتستيقظ متأففة ونظرت من حولها فوجدت أنها تتمدد على تخت ذو فراش وثير وغرفة مليئة بديكورات من الطراز الحديث مطلي جدرانها باللون الأبيض... ففي أثناء تأملها وقعت عينيها على الأريكة المخملية ذات اللون البنفسجي لتجده نائمًا في وضع الجلوس وأمامه منضدة زجاجية وعليها قنينة من الخمر وبجوارها كأس فارغ وكان ما زال مرتديًا ثيابه وحذاءه الأنيق...
فتذكرت ما حدث بالأمس على الفور، خاصة عندما تحسست وجنتيها الحمراوين من آثار الصفعات العديدة التي تلقتها، وكذلك شعرت بوخز خفيف في شفتيها. لِتنهض وتنظر للمرآة الكبيرة الموجودة بركن شاغر بالغرفة، فذعرت من هيئتها؛ فشفاها متورمة بشكل ملحوظ وبها آثار لجروح حديثة، وخط دماء متجلط بجانب فمها لينزل على ذقنها.
رفعت شعرها لأعلى تتفحص عنقها التي بها آثار خدوش وكدمات باللون الأزرق. فكانت ليلة أمس أسوأ ليلة مرت عليها من تعذيب وإيذاء نفسي وجسدي.
التفتت له فجأة عندما رأت انعكاس صورته بالمرآة، قد استيقظ وظل يحدق بها بنظراته الحادة بدون أن ينبس بكلمة واحدة. نظرت له وهي ترمقه بسخط، لينهض من مجلسه ويقترب منها وهي ترجع إلى الخلف خائفة منه.
شهاب بصوت هادئ وبنبرة آمرة: متتحركيش.
قالها وهو واقف أمامها ويلمس شفتيها بأطراف أنامله، وهي كانت ترتجف خوفًا منه. فأردف: أنا أعتبر كده ما عملتلكيش حاجة، أنا لو واحد غيري كان قتلك ورماكي للكلاب، لكن أعمل إيه في قلبي اللي ما هونتيش عليه.
سيلين بصوت يكاد مسموعًا: حسبي الله ونعم الوكيل فيك.
أمسك معصميها وضغط عليهما بقوة وقال: ليكي عين وبتحسبي عليّا؟
سيلين ببكاء: أها، عشان أنت ظلمتني وما اديتنيش فرصة أشرحلك مين ده وسبب وجودي عنده إيه.
شهاب وهو يميل على أذنها ليهمس: وحد ما يعرفش سيف عز الدين!
نظرت سيلين له بصدمة: أنت تعرفه؟
شهاب: أنتِ ناسيه أنا بأشتغل إيه يا سيلي؟ بس أنا لسه ما أخدتش حقي منه، وعمومًا والده داخل مناقصة معانا، وهو عشان ما عرفش يربي ابنه فيا، يا هلا بيه في عالم شهاب السويفي.
قالها ويبتسم بشر.
سيلين وهي تتخلص من قبضة يديه على معصميها: أنا كنت عنده عشان رايح معايا مشوار.
شهاب وينظر لها بإشارة لتكمل حديثها، فأردفت: كنت عايزة أقابل واحد اسمه توني يبقى ديلر بأشتري منه.
صمتت وهي تنظر له بخوف.
شهاب: ها كملي.
وضعت يدها على وجهها في وضع الحماية: هأشتري ماريجوانا.
__________________________
كانت تقف في قلب صحراء قاحلة لتشعر بآلام مبرحة بفكها السفلي، لتشعر بطعم الدماء بفمها فحاولت بصقها على الرمال التي عليها، فوجدت ضرسين لها وقعا من فمها لتشعر بألم رهيب لم تتحمله، لتصرخ بكل قوتها لتجد كائنًا ضخمًا يقف أمامها، ليقترب منها وتظهر هيئته فهو ثعبان ضخم له رأس ضخمة وجسده يلتف على أحد ما ويصرخ بقوة، فاقتربت لتجد هذا الشخص هو زوجها الذي يستنجد بها حتى لا يبتلعه الثعبان، فصرخت بصوت مرعب ليلتفت لها ذلك الثعبان ويلتهم ضرسَيها أمامها ثم ترك زوجها ورحل، لكن اقتربت منه لتراه فوجدته قد فارق الحياة فصاحت بقوة.
سلمى تستيقظ بذعر وهي تشهق بقوة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
رن هاتفها لترى من المتصل فأجابت: ألو، إزيك يا خالتو.
الخالة: عاملة إيه دلوقت أنتِ والعيال؟
سلمى: الحمد لله.
قالتها وكان صدرها يعلو ويهبط من أثر ما رأته في الكابوس.
الخالة: مالك يا بنتي بتنهجي ليه؟
سلمى: ما فيش، كنت نايمة وحلمت بكابوس وحش.
الخالة: طيب استهدي بالله واستعيذي بيه من الشيطان الرجيم.
سلمى تنهدت: عملتوا إيه في حوار الزيارة يا خالتو؟
الخالة: ما أنا بأتصل بيكي عشان كده. عماد جوز مروة بنتي ليه واحد صاحبه شغال في الداخلية وليه معارف كتير، ووصاهم بأنك تزوري جوزك.
سلمى بفرح: بجد يا خالتو؟
الخالة: أه يا حبيبتي. قومي بقى البسي واجهزي أنتِ والعيال وعدي هاتيهم عندي وروحي اطمني على أيمن، ربنا يفك كربه يا رب.
سلمى: يا رب يا خالتو. حاضر، هأقوم في نص ساعة وجايين.
أسرعت سلمى بتجهيز ابنيها الرضيعين وابنتيها، وأعدت عدة أصناف من الوجبات السريعة ووضعتها في علب حافظة ثم في كيس بلاستيكي.
كارما: ماما؟
سلمى بضيق: نعم.
كارما: احنا مش هانروح نشوف بابا بقى عند البوليس؟
سلمى: لا، ما ينفعش بنات صغيرين زيك أنتِ وأختك تروحوا المكان الوحش ده.
كارما: طيب لما هو مكان وحش، بابا فيه ليه؟
سلمى زفرت بضيق: يوووه بقى، أسئلتك وأنا مش فاضية لك.
كارما وهي تبكي: أصل بابا واحشني أوي ونفسي أشوفه.
سلمى تركت ما بيدها وترقرقت عبراتها هي الأخرى، فعانقت ابنتها وربتت على ظهرها: ما تعيطيش يا كاروما، بابا هيجي إن شاء الله قريب، مش هيقعد كتير هناك.
كارما: بس مش عايزة أروح المدرسة تاني أنا وكنزي، العيال بيقعدوا يغيظوا فينا ويقولوا لنا أبوكم في السجن وحرامي.
سلمى: معلش يا حبيبتي، سيبك منهم، دول عيال وحشين ما تكلميهمش تاني. ويلا بقى البسي أنتِ وأختك الصنادل بتاعتكوا عشان نازلين.
كارما: ماشي.
سلمى: ياااااا رب أنت السميع العليم، فك كربي وكرب زوجي وأبعد عننا شر ما قضيت، أنت الغفور الرحيم يا الله.
انتهت سلمى والأولاد ونزلوا إلى الشارع واستقلوا سيارة أجرة جماعية وذهبت لخالتها وتركت معها أبناءها ثم ذهبت للمخفر حيث حجز زوجها.
_____________________________
نظر إليها بملامح خالية من أي تعابير ثم رفع معصمه لينظر في ساعته بهدوء قاتل، ليفاجئها بصفعة جعلتها ترتمي أرضًا، ليجذبها من شعرها وهو يصيح بها: مخدرات يا سيلين؟
لتصرخ فيه أيضًا وهي تحاول تخليص شعرها من يده: أهااااااا، مخدرات وأوعى تحاسبني على حاجة ما ليش ذنب فيها. داد ما كانش بيقولي لأ على أي حاجة وسيبني براحتي أعمل اللي أنا عايزاه، فكنت منتظر مني إيه؟
قالتها وهي تصرخ وتبكي.
فترك شعرها ليجذبها بين ذراعيه وهو يعانقها بقوة، حيث أنه شعر بضعفها أمامه وقوتها التي كان يعشقها أصبحت من الماضي، فهو المسؤول عن ما حدث لها من ضعف وانكسار.
شهاب بصوت مليء بالندم والاعتذار: آسف حبيبتي، آسف يا عمري، أنا مش عارف أنا عملت فيكي كده إزاي، اعذريني من كتر عشقي ليكي خلى نار الغيرة كانت عأمياني لآخر لحظة.
قالها وعيناه تذرف عبراتها.
انسحبت من عناقه لها بهدوء فابتعدت لتسرع نحو المرحاض الملحق بالغرفة، لتدلف إليه ثم صفقت الباب خلفها واقتربت من كابينة الاستحمام ذات الحوائط الزجاجية لتدير مقبض المياه، فخلعت ثيابها بالكامل ثم دلفت إلى الكابينة وتنهمر على جسدها المياه حتى تزيل الآلام والأوجاع التي أحدثها لها بالأمس عندما كان يعاقبها من وجهة نظره.
________________________
كانت تجلس منتظرة في مكتب الضابط منكسة الرأس وتنظر لأسفل وعبراتها تتساقط من عينيها. سمعت صوت فتح باب الغرفة لترفع رأسها لتتلاقى عيناها بعينيه، وفي لحظات صمت تتحدث فيها الأعين فقط حتى قاطعها شوق ولهفة وحنين، فركضت نحوه لترتمي في أحضانه وتبكي بشدة، فتأثر هو أيضًا بها ليشاركها البكاء.
سلمى: أنت وحشتيني أوي أوي أوي، مش قادرة أعيش من غيرك يا أيمن.
أيمن بصوت باكي: أبوس إيدك كفاية، أنتِ كأنك جايبة سكينة وعمالة تغرزيها في قلبي.
سلمى ببكاء وهي تدفن وجهها في صدره: غصب عني والله، مش قادرة أستحمل، أنت عارف كويس أنت إيه بالنسبة لي.
وهو يكفكف عبراته ويقبلها على رأسها ثم أردف: والله عارف يا روحي، وأنا كمان وربنا يعلم أنا بأتعذب قد إيه في بعدي عنك من ساعة ما سيبتك وسافرت لحد دلوقتي.
صمت ثم تنهد فأردف مرة أخرى: يا سلمى أنا مش بأعتبرك مراتي وبس، أنتِ بالنسبة لي بنتي وأمي وأختي وحبيبتي وصاحبتي وكل ما تتخيليه.
سلمى وهي تشتد من قبضتها في عناقها له: عارفة كل ده والله يا حبيبي، عشان كده ده بقى حالي لما بعدت عني.
أبعد وجهها من صدره ليمسكه بكفيه وينظر بينبوع حنان نابع من عينيه لها: ربنا ما يحرمني أبدًا يا كل مالي. تعرفي أنا ساعات بأصبر نفسي في اللي أنا فيه ده وبأقول الحمد لله يا واد يا أيمن إن ربنا كرمك بسلمى حتى مهما ربنا ادالك من ابتلاءات، كفاية وجودها جنبك وحبها وحنانها ليك.
صمت ليردف بألم: يا بت أنا ما ليش غيرك بعد ربنا.
فعانقها مرة أخرى بقوة كأنه أراد أن يدخلها بين ضلوعه ولا يتركها تبعد عنه ولو لحظة.
وبعد مرور خمس دقائق على ذلك الحال، أردف هو: بأقولك صح، فيه حد كلمك؟
سلمى: حد مين؟
أيمن: حد كلمك على التليفون أو جالك البيت وقال لك إنه تابعي وكده؟
سلمى باندهاش: لأ خالص.
أيمن تنهد بارتياح: طيب الحمد لله. خلاص، ابقي خدي بالك وما ترديش على أرقام غريبة أو تفتحي لأي مخلوق غير خالتك.
سلمى: أنت تقصد الناس اللي أنت شغال معاهم؟
نظر بحزن: أها يا سلمى، أوعي حد منهم يجيلك وتفتحيلوا الباب، فاهمة.
سلمى: ما تخافش يا حبيبي، ربك معانا ديما وهو الحفيظ.
أيمن: ونعم بالله.
دلف إليهم العسكري بعد أن طرق الباب وقال لهما: الزيارة انتهت يا حضرات.
أيمن وهو يمسك بكفها ليطمئنها: خدي بالك من نفسك والعيال وما تنسيش اللي قلتلك عليه.
أومأت برأسها: حاضر يا حبيبي.
قالتها لتنهمر عبراتها مرة ثانية.
أمسكه العسكري من ذراعه: يلا يا متهم على الحجز.
ذهب معه أيمن وقبل أن يغادر الغرفة التفت إليها لتندفع هي ببكاء: أيمن.
لا إله إلا الله.
هو: محمد رسول الله.
ثم غادر متجهًا إلى الحجز.
هي غادرت المخفر على الفور وهي تركض للخارج وتتجه لموقف سيارات الأجرة الجماعية. ونلتفت إلى سيارة تقف على مقربة من المخفر يبدو عليها الريبة وبها شخصان، أحدهما ينظر من الزجاج الأمامي للسيارة وعيناه على سلمى التي تخطو مسرعة.
الشخص وهو يتحدث في الهاتف: ألو يا باشا، هي لسه طالعة دلوقت من القسم.
الطرف الآخر: طيب خليك مراقبها زي ظلها ولا تغفل عنها ولو لحظة.
الشخص: أمرك يا باشا.
الطرف الآخر: وأول ما أديلك الأمر نفذ على طول.
الشخص: أنت تؤمر يا كبير.
الطرف الآخر: طيب. يلا سلام دلوقت.
أغلق الطرف الآخر المكالمة لتأتي إليه فتاة ترتدي عباءة من الزي البدوي وتخفي نصف وجهها بطرف حجابها المتدلي على كتفيها وتقول له بصوت رقيق: بيبرس بيه، جدي بيقولك الأكل جاهز الحين.
ابتسم لها بيبرس بنظرات خبيثة: قوليلوا جاي يا بدر البدور.
مشت الفتاة وهو خلفها ويقول في نفسه: ووريني هتعمل إيه يا أيمن لما تعرف إن أم عيالك هتبقى تحت رحمتنا.
ليردف بضحكة جلية مرعبة.
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ولاء رفعت
نزل خالد من سيارة أجرة خاصة أمام البناء الذي تقطن فيه زوجة عمه وابنتها فيروز. غادر السيارة وأخرج من جيب بنطاله الورقة المدون فيها العنوان ليتأكد قبل أن يدلف إلى الفناء. وفي نفس التوقيت كانت ليلى تهبط الدرج حتى تذهب لشراء بعض الأغراض، فإنها منشغلة بهاتفها الذي تنظر إليه بدون أن تنتبه أمامها، حيث تصادمت في خالد الذي لم يلحق تفاديها.
ليلى تأوهت من ارتطام جسدها بجسد خالد: آآه مش تفتح يا أخينا!
قالتها وهي ترفع رأسها لتحدق به بذهول وهي تتمتم بداخلها: يخربيت حلاوتك.. ده مين المز ده؟ وجاي عندنا بيعمل إيه؟
خالد بقليل من الغضب: والله حضرتك اللي غلطانة، حد يبقى نازل السلم ومركز في الموبايل.
قالها وما زالت هي تتأمل في ملامحه كأنها في عالم آخر. فأردف هو: أنتي يا آنسة مالك متنحة كده ليه؟
ليلى لم تجبه حتى استعادت تركيزها وبفضولها المعتاد: أنت حضرتك جاي لمين هنا؟
خالد: أنا جاي هنا لفيروز سراج الدين.
ليلى بصدمة: فيروز؟ أنت تعرفها منين؟
خالد: وأنتي تعرفيها؟
ليلى: دي صديقتي الأنتيكة.
ابتسم خالد من أسلوبها المازح بالحديث فأردف: طيب هي فوق؟
ليلى: أنا اللي كنت لسه هسألك عليها، دي من ساعة ما سافرت هي ومامتها ما أعرفش عنهم أي حاجة ومش عارفة أوصلها خالص. وبعدين أنت تقرب لها إيه؟
خالد: أبقى ابن عمها والمفروض جاي آخدها عشان هنسافر البلد اللي هم سافروا ليها.
ليلى: أمممم، بس غريبة، أنا فيروز أعرفها من أيام ما كنا في الروضة، عمرها ما جابت لي سيرة إن ليها قرايب غير لمامتها خالة وعايشة في إسكندرية.
خالد: ده موضوع طويل هي هتحكيهولك بعدين.. بس أفهم من كلامك كده هي مش فوق.
أرادت ليلى أن تطيل الحوار بينهما: آه مش فوق، بس ممكن تروح تسأل في القسم، حد ممكن يكون عارف مكانها بس ما أعرفش رجع بقى ولا لسه.
خالد بعدم فهم: مين ده؟ وقسم ليه؟
ليلى وتذكرت أن اليوم هو عطلة علي من عمله في المخفر عندما ذكر هذا أبيها مرة أمامها: طيب عشان نختصر الوقت، تعالى نركب توك توك ونروح للقسم وفي الطريق هفهمك كل حاجة.
وافقها الرأي فهو ليس أمامه سوى أن يمسك أي طرف خيط يوصله إليها. فأشارت ليلى له بالذهاب أمامها وهي خلفه.
ليلى: ثواني... توك توك.. القسم يا أسطى.
السائق نظر لها ولخالد الذي يقف بجوارها فأردف: أه، بس الأجرة بالنفر.
كادت تتجادل معه لكن خشيت من مظهرها أمام خالد فنظرت له: يلا يا... اسمك إيه صح؟
قال بابتسامة زادت من وسامته: الدكتور خالد.
قالها ليجعلها ترقص من داخلها من الفرحة، لعل هذا الذي ينقذها من زواجها من الأمين علي الذي لا يتوافق معاها في المستوى التعليمي أو المهني، وفوق ذلك فإنه شاب وسيم ومن أقرباء صديقتها.
وقبل أن يدلفا أفلتت من يدها دون قصد هاتفها الذي وقع على الأرض لتتفكك أجزاؤه وكادت تنحني لتلتقطه فأشار لها وقال بحزم: خليكي واقفة زي ما أنتي.
قالها لتتعجب من لهجته الآمرة لها.
فانحنى ليلتقط أجزاء هاتفها وهو يجمعها ثم أعطاه لها وهو يقول: ما ينفعش بنوتة زيك توطي في الشارع.
ابتسمت له وأردفت: ميرسي.
وظلت تنظر له بإعجاب، حتى قاطعها السائق: ما طيالا يا جماعة بقى لي ساعة واقف.
رمقه خالد بسخط: مالك يا أسطى ما إحنا هنركب أهو.
ليدلفا الاثنان كل واحد منهما دلف من جهة غير الأخرى، وكل ذلك شاهده من مسافة ليست كبيرة وهو في طريقه إلى منزلها حيث جاء ليخبرهم بتحديد ميعاد مناسب لشراء الحلي الذهبية وهي ليس لديها علم بذلك. عندما رآها أحس بغليان دمائه في عروقه ليستقل هو الآخر نفس وسيلة النقل التي بها هي وخالد.
علي: اطلع يا أسطى ورا التوك توك اللي هناك ده.
السائق: أنهي واحد يا برنس، فيه كذا واحد قدامي.
علي وهو يجز على أسنانه ويقبض على الأنبوبة المعدنية التي يسند عليها بكل قوة فأردف: التوك توك اللي مكتوب عليه "اثنين ما لهمش أمان، الفرامل والنسوان".
***
أمام منزل مايا، تقف هايدي لتضغط على جرس باب المنزل، وكانت مايا تتمدد على تختها بالداخل وعندما سمعت صوت الجرس انتفض جسدها لتحسب أنه ذلك الشيطان الذي أحبته. ظلت هايدي تضغط الجرس فلم تجد أي إجابة، همت بالذهاب لتسمع صوت فتح الباب من الداخل حتى انفتح وظهرت لها مايا التي كانت هيئتها مثل الأموات، وجهها شديد الشحوب وشعرها أشعث وترتدي ثياب تغطي كل أنش بجسدها وهذا ليس من عادتها حتى تخفي آثار تعذيب باسل لها.
تقدمت هايدي ودلفت إلى الداخل وأغلقت الباب لتمشي خلف مايا التي لم تنبس بكلمة واحدة.
هايدي بغضب: تصدقي أنتي عيلة نذلة، طيب ما بتسأليش وقلنا ماشي، لكن دي منظر مقابلة تقابليني بيها!
مايا وهي تستلقي على الأريكة وتزفر بضيق: عايزة إيه يا هايدي، مش فايقة لك.
هايدي وهي تتفحصها باستغراب: مالك يا مايا عاملة كده ليه؟ وشك شبه الميتة بقى لها 100 سنة وشعرك عامل زي قرص الشمس ده غير هدومك المبهدلة وعينيكي بقيت زي عينين الباندا من كتر الهالات اللي حواليها.
مايا: أوووف بقى أنتي جاية عشان تقعدي تتريقي عليا!
هايدي واقتربت منها: يا حبيبة قلبي لاء، أنا قصدي أخليكي تفوقي لحالك، ما تعرفيش سيلي كمان زعلانة منك جامد أوي عشان ما بترديش على تليفوناتها ولا بتسألي، وكمان ما حضرتيش كتب كتابها اللي المفروض أنتي وأنا أول ناس تقف جنبها.
مايا وهي تتذكر عندما علم باسل بزواج سيلين من شهاب وجن جنونه فقام بتعذيبها ليصب عليها غضبه، فأردفت بنظرة باردة بعمق.
هايدي بشك: مالك فيكي إيه يا مايا؟
نهضت من مكانها وهي تعتدل من ثيابها في توتر: ما فيش حاجة يا هايدي أصلي تعبانة شوية.
هايدي: أنتي شكلك بقى لك كتير ما ظبطتيش دماغك بجوان ماريجوانا.. إيه الكريدت بتاعتك فنيتو؟
مايا وهي تتذكر أنها منذ علمها أنها حامل فلم تتناول أي مخدرات أو خمور أو سجائر لأن الطبيب حذرها من كل ذلك سواء على صحتها أو صحة الجنين.
أردفت بوهن: أنا بطلت آخد أي حاجة أصلاً.
قالتها ثم أراحت ظهرها للخلف ووضعت وأثنت ذراعها على جبهتها وأغمضت عينيها.
هايدي بدأ القلق يسري بداخلها: أنتي تعبانة ولا فيكي إيه بالضبط؟
سأمت مايا من أسئلة صديقتها الكثيرة وخشيت أنها تعلم بأمرها فتصنعت أنها لا تطيق وجودها فقالت متأففة: أووووف بقى عليكي، بقولك إيه أنا مش ناقصاكي ولا ناقصة أي كلمة، ولو فاضية وعايزة ترغي مع حد روحي لسيلي ارغوا ودبروا مؤامرات مع بعض.
قالتها بسخط وسخرية.
نهضت هايدي غاضبة: ميرسي أوي يا مايا على قلة الذوق دي، بس خليكي فاكرة كويس أنتي اللي بتخسرنا بنفسك وما تندميش لما تلاقي الكل بيبعد عنك.. ومن غير باي كمان أنا ماشية.
قالتها ورمقتها باحتقار وذهبت لتفتح الباب وخرجت وهي تصفقه خلفها بقوة ليصدر منه صوت جعل مايا تنتفض من مكانها وتطلق لعباراتها الانهمار بحرية وهي تبكي وتصرخ بقوة على ما وصلت إليه من ضياع كل شيء لديها.
***
نعود إلى حيث خالد وليلى...
السائق: معلش يا أستاذ أنت والآنسة أنا هلف من طريق تاني هيبقي أطول شوية عشان الطريق الرئيسي فيه شغل حفر.
خالد: ولا يهمك يا أسطى بس بسرعة الله يخليك.
ليلى باندفاع: ما قولتليش حضرتك دكتور في إيه؟
خالد بنبرة استياء: دكتور نفسية وعصبية.
ليلى بضحك: مجانين يعني؟ ههههههههه.
نظر لها بامتياض: أعتبر ده سخرية!
تجمدت ضحكاتها لتشعر بالإحراج: ما كنتش أقصد والله.. بهزر بس.
خالد: ماشي هعديها المرة دي.. بس ما قولتليش إحنا رايحين لمين في القسم؟
ليلى: أنا هقولك بس أوعدني كأنك ما تعرفش حاجة ولا تقول لفيروز إن أنا قولتلك حاجة خالص... وعد؟
تنهد خالد ليردف: وعد.
ليلى: إحنا رايحين للنقيب صقر، تقدر تقول الجو بتاع فيروز وآخر معلوماتي إنهم كانوا هيتخطبوا بس الدنيا وقفت لما سافروا البلد بسبب...
ظلت تسرد له كل ما لديها إلى أن توقف السائق ليخبرهم بأنهم وصلوا أمام المخفر، حتى نزلوا فأخرجت ليلى ورقة نقدية تعطيها للسائق فأمسك خالد يدها وهو يمنعها ليعطي هو السائق أجرته فذهب.
خالد وهو يترك يدها بعد أن رأى الخجل والتوتر على وجهها: أنتي إيه اللي كنتي بتعمليه ده؟ شايفاني سوسن معاكي؟
ليلى بابتسامة: ما كانش قصدي على فكرة.
زفر خالد فأردف: طيب يلا.. بس قبل ما ندخل أنتي بقالك ربع ساعة معايا وما أعرفش اسمك غير إنك صديقة فيروز الأنتيكة.
قالها ثم ضحك.
ليلى وهي تمد يدها بالمصافحة: ليلى دكتورة بيطري.
على الرغم أن من مبادئه عدم مصافحة النساء لكن لم يريد إحراجها فمد لها يده وقال بسخرية: دكتورة حيوانات.. هههههههههه.
رفعت إحدى حاجبيها بامتياض: أنت بتردها لي بقي؟
خالد مبتسماً: كده نبقى خالصين.
وكان ما زال يمسك يدها ولم يدرك ذلك إلا عندما وجدا الاثنان صوت بجوارهما لا ينذر بالخير بتاتاً.
علي: ما تعرفيني يا دكتورة إنك جاية، كنا فرشنالك القسم ورد.
قالها بسخرية يملؤها الغضب.
سحبت يدها من يد خالد بتوتر وشحب وجهها لتقول بتلعثم: أأأ أنأ قصدي كنت...
خالد بصوت أجش: مين حضرتك وبتكلمها كده ليه؟
علي ويرمقه من أسفل لأعلى باحتقار: أنا خطيب حضرة الدكتورة المحترمة.. وحضرتك تبقى مين يا عم الحلو؟
خالد: أنا.....
فقاطعته ليلى: ده يبقى الدكتور خالد ابن عم صاحبتي فيروز وجاي يقابل النقيب صقر الهواري عشان يسأله على مكانها.
علي بسخرية: إيه دكتور بهايم برضه؟
تلون وجه ليلى ليغضب خالد: ممكن تتكلم بأسلوب راقي عن كده.
علي: وأنت بقي اللي هتعلمني الكلام إن شاء الله؟
"ع فكرة أنا أمين شرطة هنا في القسم، وممكن ألبسك تهمة وإنت واقف وأرميك جوه ومحدش يعرف عنك حاجة."
فقد خالد أعصابه ليمسك بقميصه: "مش قولتلك إنت اتكلم عدل يا زفت إنت."
ليلى وهي تحاول الفض بينهما: "خلاص حقك عليا أنا يا دكتور خالد... وإنت يا أستاذ علي في إيه هو عملك حاجة؟"
علي وهو يجذبها من معصمها لتقف بجواره، وهو يرمق خالد بغضب: "في إن اللي بتعمليه ده اسمه قلة أدب وعدم احترام لخطيبك اللي لسه ملبسكش الدبلة، وإنتي بتصيعي مع شاب من وراه، ده يبقى إيه يا حضرة الدكتورة يا متعلمة يا بتاعة الجامعة!"
تَرَقْرَقَتْ عَبَرَاتُها بعينيها ليغضب خالد أكثر: "ومش معنى إنك خطيبها ده يديك الحق إنك تهينها وتجرحها بالأسلوب الهمجي ده."
دفعها علي جانبًا ليقترب من خالد وهو يصيح: "أنا همجي يا ابن الـ..." ليوجه له لكمة قوية أوقعت له نظارته الطبية، وكاد يكررها في لحظة ليمسك خالد قبضته ويرد له اللكمة وظلا يتعاركان.
وأمام المخفر...
العسكري: "الحق يا عوضين مش ده الأمين علي اللي بيتعارك؟"
نظر الآخر: "أيوه هو تعالَ نلحقهم."
ركضا الاثنان ليمسكا بهما.
العسكري: "عملك إيه الواد ده يا أمين علي؟"
علي وهو ينفض الغبار من على قميصه ذي اللون الأسود وهو ينوي على شر ما: "ده عيل وسـ... بيعاكس خطيبتي وكمان بيتعدى بالضرب على أمين شرطة."
أمسك العسكري الآخر خالد من ذراعه ويدفعه للأمام وهو يقول: "لا ده إحنا كده ناخده جوه عشان يتربى."
ركضت ليلى وهي تصيح: "لا مكنش بيعاكسني إحنا كنا جايين مع..." لم تكمل الجملة ليمسك علي يدها ضاغطًا عليها بقوة وهو يهمس في أذنها: "وقسماً بالله يا ليلى كلمة كمان لأجرجرك على بيتكم وأروح أحكي لأبوكي وأمك على اللي حصل وهم يربوكي بمعرفتهم، ده غير اللي هعمله في العيل الـ... ده وكله كوم وعقابي ليكي كوم تاني يا دكتورة." قالها بتهديد وسخرية.
انتفضت ذعرًا لأنها تعلم جيدًا مدى شدة أبويها في تربيتها، وخاصة والدتها التي أقل عقاب لديها هو حرمانها من تكملة دراستها بالجامعة غير الضرب الذي ستتلقاه... انهمرت عبراتها أكثر وزادت شهقاتها ليردف هو: "مش عايز أسمع نفسك..." ثم نادى: "يا عوضين رحبوا بالضيف اللي جوه ده عقبال ما أوصل الجماعة وجاي تاني."
ليلى بصوت مرتجف: "إنتوا هتعملوا فيه إيه؟"
علي وهو يزيد ضغطه على يدها بقوة أكثر حتى تألمت بشدة وهو يصيح فيها بغضب: "خايفة عليه يا أختي؟"
نظرت له بسخط فأوقف أحد السائقين وقال: "اطلع بينا يا أسطى على شارع السلام..." قالها ثم دفعها بالداخل وهو يقول بعد أن جلسا: "امسحي دموعك دي وبطلي عياط."
نظرت له خائفة ليردف: "متخافيش مش هقول لحد من أهلك أنا مش واطي، بس ده ميمنعش إني هعاقبك برضه بس لما أفكرلك في عقاب يليق بيكي يا حضرة الدكتورة ليلى." قالها ثم ضحك بسخرية.
______________________
ظلت على حالها هكذا حتى أصبحت غير قادرة على البكاء، وفجأة ذعرت من صوت جرس المنزل مرة أخرى فنهضت من على أريكتها ليلفت نظرها هاتف هايدي التي غادرت ونسيت أن تأخذه معها... أمسكت به واتجهت نحو الباب وبدون أن تسأل من الطارق فتحت لتتسع حدقتا عينيها رعبًا فرجعت للوراء وهي تلف ذراعيها حول جسدها بخوف وذعر.
هو يتقدم نحوها ونسي إغلاق الباب ليدلف إلى الداخل وارتسمت على محياه ابتسامة الذئب الذي لم يشبع بعد من فريسته وبنبرة خبيثة ومرعبة: "إيه يا ماي لاف؟ شوفتي عفريت؟!"
تنظر له في رعب بعينيها الواهنتين وجسدها يرتجف لتخرج من شفتيها كلماتها المتقطعة: "أ... أنت ع...ا...ي...ز مني إيه ت...اني؟"
لوى فمه جانبًا بابتسامة ساخرة: "هكون عايز منك إيه يعني؟!" رَمَقَها باحتقار من أسفل لأعلى ثم أردف: "أنتي خلاص محصلتيش العاهرة نفسها."
غضبت من كلماته فتشجعت لتصيح به: "إنت اللي بني آدم قذر وحيوان وأكبر غلطة في حياتي بندم عليها ومازلت بدفع تمنها هي إن عرفت واحد وسخ زيك ميعرفش معنى الرجولة أصلاً."
كانت كلماتها له كالذي نفخ في الجمر الخامد ليشتعل بقوة حارقة فأسرع نحوها في أقل من برهة ليقف أمامها لتطرح على الأرض إثر صفعته القوية على وجهها ويصيح بها: "أنا مش راجل يا بنت الـ... وبتشتميني كمان؟!" ليجن جنونه ويجذبها من شعرها ليرفعها لأعلى ويجعلها تقف في مواجهته ثم أردف: "القذرة هي الواحدة اللي تروح تسلم نفسها لشاب هي عارفة كويس إنه مش بتاع جواز ومقضيها شقط... الحيوان هي اللي بتتذل ليا زي الكلبة الجربانة عشان أعطف عليها وأرحمها وأنا بقطع جسمها حتت من الضرب... والزبالة اللي زيك اللي تحمل وعارفة إن اللي في بطنها ده مش هيعترف بيه أصلاً لأنه ابن حرام لواحدة شمال و... زيك."
كلماته كانت على مسامعها أشد قسوة من صفعته لها فانهارت بصرخاتها: "كفااااااااااااايه يا أخي حرام عليك... ربنا ينتقم منك ومن عمايلك فيا... إنت بتستقوي عليا عشان عارف إن مش هقدر أشتكي لحد أو أتكلم، لكن ده بعدك يا باسل أنا هرجع مايا بتاعت زمان اللي ممكن تمحي أي حد يتعرض لها من وش الدنيا حتى لو وصل بيا الأمر إني أقتلك."
ليجذبها بقوة أكثر من شعرها لتتأوه من شدة الألم: "آآآآآه..." وحينها تقف هايدي متسمرة أمام المنزل حيث عادت لتأخذ هاتفها فنظرت من فتحة الباب الموارب لترى ما يحدث.
فاقترب من وجهها ليحدق في عينيها برعب: "تقتلي مين يا بنت الـ...؟ ده يوم ما تفكري بس مجرد التفكير إنك تعمليها عارفة هاعمل فيكي إيه؟ هرميكي في أي خرابة وهجبلك شوية بلطجية يعملوا عليكي أجمد حفلة وهفضل أعذب فيكي وهخليكي تتمني الموت ومطولهوش."
ارتجفت من تهديده ووعيده لها ومازالت تذرف عينيها عبراتها بقوة فأردف: "بصي من الآخر يا بت أنتي عايزة تتقي شري وأبعد عنك هتنفذي اللي أقولك عليه بالحرف الواحد، إلا ورحمة أبويا وأمي هنفذ تهديدي ليكي وفوقيه كمان هنزل فيديوهاتك وإنتي معايا على السرير وهخليكي سيرة على كل لسان."
مايا بخوف: "ححح حاضر اللي إنت عايزه هعملهولك."
تركها ليرمقها باحتقار: "كده تعجبيني." قالها واتجه نحو الأريكة وجلس عليها رافعًا قدم فوق الأخرى على المنضدة التي أمامه... ثم أشار إلى باب المنزل: "روحي اقفلي الباب وتعالي عشان أقولك على اللي هتعمليه."
اتجهت نحو الباب بصمت لتراها هايدي التي اختبأت على الفور... أغلقت الباب وعادت لتقف أمامه.
باسل: "اقعدي بقى وركزي على اللي هقولك عليه كلمة كلمة، لإن لو ده حصل واتنفذ زي ما أنا عايز المقابل إني هحل عنك خالص وفوق كده كمان هديكي الفلاشة اللي عليها كل إنجازاتنا التاريخية."
رمقته بسخط ثم أنصتت إليه وهو يقول...............................
_________________________
مر يومان وكانت فيروز كل يوم تأتي لزيارة فارس للاطمئنان عليه وبرفقتها رنيم التي أمرها صقر أن لا تتركها، حيث إنه ترك لهما المنزل وذهب لدى إياس تجنبًا للمشادات الكلامية التي كانت تحدث بينه وبين فيروز بسبب ما اقترفه لفارس.
بداخل مكتب الطبيب المسؤول عن حالة فارس الصحية...
فيروز بابتسام: "يعني هو كده فاق الحمد لله؟"
الطبيب: "آه الحمد لله."
فيروز: "طيب ممكن ندخل له؟"
الطبيب نظر إليها ولرنيم التي تجلس مقابلها: "آه بس واحدة فيكم بس عشان حالته متسمحش للإجهاد والكلام الكتير."
فيروز: "حاضر يا دكتور."
الطبيب نهض ثم أشار إليهما: "تعالوا اتفضلوا معايا."
غادروا المكتب جميعًا ليسيروا في رواق طويل ثم وصلا إلى المصعد ليدلفا إلى داخله حتى وصلا للطابق الموجود فيه غرف العناية المركزة فخرجوا من المصعد ليسبقهم الطبيب نحو الغرفة وهما خلفه ثم أردف: "آنسة فيروز هتدخلي أوضة الأول عشان يجهزوكِ وبعد كده ممكن تدخلي لفارس بيه."
وأومأت له بالموافقة لتذهب لتعد نفسها وترتدي المآزر الخاص بالمشفى وقلنسوة على رأسها وتعقمت جيدًا ثم دلفت إلى داخل الغرفة حيث يتمدد فارس المتصل بأجهزته الحيوية أسلاك موصلة بالأجهزة الطبية التي تتابع حالته بكل لحظة.
فيروز بخطوات هادئة وهي تنظر خجلًا منه على ما فعله به حبيبها... هو كان يغمض عينيه ليتذكر ما حدث لتهرب عبرة من أهدابه ليقاطع تذكره صوتها الناعم الرقيق: "مسيو فارس."
فتح عينيه ورفع يده بصعوبة ليمسح تلك العبرة من على وجنته لينظر إليها كأنه يشتاق لرؤيتها بشدة على الرغم من كل ما حدث وبصوت واهن: "إيه فيروز كيفك؟"
فيروز بدون أن تنظر في عينيه: "حضرتك اللي عامل إيه دلوقت؟"
فارس: "نشكر الله."
فيروز: "أنا أ...ا..."
فارس: "احكي فيروز عم بسمعك... لكن بدي وإنتي بتحاكيني عيونك تبقى بعيوني ليش باصة للأرض؟"
فيروز: "بصراحة أنا مكسوفة أوي منك من اللي عمله صقر."
فارس بابتسامة واهنة: "ما تخجلي أنا لو بمحله وحبيبتي لاقيتها بحضن رجال ثاني ما اترددت وكنت أوسطو."
فيروز: "هو والله طيب وحنين بس عيبه هو غيرته المجنونة وإيديه سابقة دماغه."
فارس: "حقه اللي معه صبية مثلك بأدبك وجمالك وأخلاقك له الحق يغار بجنون عليها." قالها وقلبه يعتصر ألمًا بداخله لأنه تمنى أن يكون هو بدلاً من صقر.
فيروز: "طيب أنا كويس اطمنت على حضرتك فهمشي بقى عشان مش أتعبك أكتر من كده."
فارس: "لا تعب ولا شيء... خليكِ شوي معي."
فيروز أرادت أن تسأله ولكن ترددت كثيرًا فأحس هو بها ليردف: "شو بدك تسألي فيروز؟"
فيروز باندهاش وبصوت خجول: "أنا كنت عايزة أعرف لما الظابط يسألك هتقوله إيه؟"
ابتسم وتفهم مدى خوفها على حبيبها وعلى الرغم من ما حدث له فلا يريد بأن يحرق قلبها ألمًا من بعد حبيبها عنه ودخوله إلى السجن تنهد ثم قال: "ما تخافي أنا بحل الموضوع وصقر ما بيدخل السجن بنوب." قالها لتتسع ابتسامتها التي تزيده عشقًا وهيامًا بها.
فيروز: "أنا متشكرة أوي أوي أوي لحضرتك مش قادرة أوصفلك فرحتي قد إيه."
فارس: "بعرف أنا بعمل هيك مشانك إنتِ فقط مو مشان حدا ثاني لإنه بيهمني تضل البسمة بعيونك."
تغيرت ملامح وجهها من الفرح إلى الجمود لأنها تشعر بعشقه لها من كلماته ولم تعقب وفضلت الصمت... طرق الطبيب الباب ثم دلف: "معلش يا آنسة فيروز إذن كده كفاية عشان فارس بيه ميتعبش."
فيروز: "حاضر يا دكتور أنا كنت ماشية..." ثم نظرت لفارس: "عايزة مني حاجة قبل ما أمشي؟"
فارس: "ميرسي لك..."
نظرت له مبتسمة، ثم غادرت الغرفة تحت أنظاره العاشقة لها، فقاطعه الطبيب:
فارس بيه، أنا كنت عايز أعرف حضرتك حاجة، بس لازم تفهم قبلها إن كل حاجة وليها حل، وإن إيمانك بربنا يبقى كبير.
فارس: احكي يا دكتور، شو صار فيني؟
الطبيب: أحم أحم... الطلقة طبعًا عارف إنها جاتلك في العمود الفقري، فبالتالي أثرت على مراكز الأعصاب الحسية والحركية في الجزء السفلي لجسمك، أقصد يعني...
قاطعه فارس بألم مرير: قصدك ما بأصير أمشي مرة ثانية، وبظل عاجز؟
الطبيب: بس فيه لحضرتك عملية بتتعمل في أوروبا برا، ونسبة نجاحها كبيرة جدًا، وترجع أحسن من الأول.
نظر فارس للفراغ ولم يتفوه بكلمة.
الطبيب أحس ما يجول بداخل فارس: طيب أنا هروح أنده على الممرضة تيجي تغيرلك المحاليل وتكتب تقرير بحالتك الحالية... عن إذنك.
قالها وغادر وتركه وهو يقبض بقوة على الفراش، ليسأل نفسه ما هذا العشق الذي أوصل به إلى تلك المرحلة، ليدعو الله بأن يشفيه ويعود للمشي مرة أخرى.
***
في اليوم التالي، بداخل مكتب التحقيقات، يجلس صقر أمام المحقق الذي يحقق معه في الواقعة التي حدثت بالنادي منذ يومين، وبجوار المكتب يجلس كاتب المحضر الذي يسجل التحقيق كتابيًا.
المحقق وهو يحدق بصقر الذي يمسك أعصابه عنوة عنه: وبعد سماع شهادة الشهود بمكان الحادث، والاستماع للمجني عليه المدعو فارس غسان الشامي، الذي أفاد بالمحضر بالتنازل والمصالحة، قد قررنا نحن عمير توفيق الحامولي بإخلاء سبيل النقيب صقر يوسف الهواري بضمان عمله وسكنه، وقد اكتفينا نحن بإيقافه عن العمل لمدة ستين يومًا فقط، وذلك لاستخدامه عهدته (سلاحه) في خارج نطاق عمله، وإثارة الفوضى بمكان عام... وقد قفل المحضر في ساعته وتاريخه.
زفر صقر بقوة: على فكرة أنا مكنتش مسجون عشان تقول إخلاء سبيله.
عمير: يا سيادة النقيب، حضرتك سيد العارفين بمحاضر التحقيقات، ولازم نكتب الصيغة كما يجب أن تكون.
قالها وأخذ ورقة المحضر وأعطاها له، ثم أردف: أمضي حضرتك هنا.
أشار له أسفل الورقة.
بعد أن مضى صقر، ألقى القلم على المكتب، ثم نهض متضجرًا وغادر المكتب، ثم إلى الخارج ليستقل سيارته واتجه إلى منزله. ها هو وصل أخيرًا أمام البناء الذي يقطن فيه لينزل من سيارته ليدلف إلى الداخل ودخل إلى المصعد.
على الجانب الآخر في الأعلى بداخل شقته، تجلس فيروز بالردهة أمام التلفاز، مرتدية فانلة حمالات باللون الأسود وعليها رسمة لشفاه باللون الأحمر في وضع التقبيل، ومن الأسفل ترتدي شورت من الجينز الفاتح قصير للغاية يكاد يصل إلى منتصف فخذيها، وترفع شعرها لأعلى برابطة على شكل فيونكة، وهي شاردة في حديث فارس معها ومدى عشقه الذي يكنه لها، وتمنت لو كان صقر بمثل أخلاقه في الهدوء والسلام الداخلي لديه عندما تنازل عن أخذ حقه من حبيبها، وذلك من أجلها فقط، فهو يفضل الموت أو الأذى في سبيل نظرات الفرح بعينيها.
أوقف شرودها صوت باب المنزل، وحسبت أنها رنيم لأنها تركتها وذهبت لشراء طعام لهما، لأن شقيقها يحذرها من جلب أي طلب من الخارج، وأن يأتي أي شاب إلى البيت لتوصيل الطلب وهو غير موجود معهما بالمنزل.
لم تلتفت فيروز ولكن قالت:
أخيرًا جيتي، أنا كنت هموت من الجوع.
فلم تجد أي إجابة.
لكنه هو يقف متسمرًا مكانه وعيناه تتفحصها. التفتت وهي تقول:
مبترديش ل...
انصدمت عندما رأته أمامها، لم تكن تعلم أنه سيأتي لذلك كانت ترتدي ملابسها بحرية، فلا أحد معها بالمنزل سوى رنيم.
صقر فغر فاه غير مصدق، ليدرك ردة فعله فعادت ملامحه بلا تعبيرات، فإنه ما زال لا ينسى ما رآه في النادي. نظر ببرود إليها.
فيروز بصوت جلِيّ وهو يدلف غرفته:
ما ترمي سلام ربنا، ولا أنت داخل على كفار؟
صقر من الداخل، وقد خلع سترته ثم قميصه ليصبح عاري الصدر ولم يجيب عليها، فاستشاطت غضبًا لتسرع نحو غرفته وهي تدفع الباب على مصراعيه وتصيح به:
أنا مش بكلمك؟
فاتسعت حدقتيها ثم شهقت وهي تضع كفيها على عينيها:
البس حاجة بسرعة، وعيب تقف كده قدامي!
ابتسم بجانب فمه من فعلتها وبنبرة سخرية:
والله أنا حر أقلع ألبس، إن شاء الله أقعد من غير هدوم خالص، أنا في أوضتي، أنتِ اللي دخلتي عليا من غير ما تخبطي أو تستأذني حتى.
تلون وجهها بالحمرة وهي تكبت غيظها منه:
فعلاً عندك حق، أنا آسفة.
وهمت بالمغادرة فأمسك بيدها، وهو يتفحصها من فوق رأسها لأخمص قدميها، وهو يبتلع ريقه بصعوبة.
فيروز:
نعم، ماسك إيدي ليه؟ وبعدين مالك متنح وعمال تجيبني من فوق لتحت كأنك أول مرة تشوفني؟
قالتها وهي متناسية تمامًا ما ترتديه إلى أن تذكرت فجأة.
فيروز:
هاااااا، يا لهوي!
قالتها ووجهها شديد الاحمرار من الخجل، ثم أردفت:
طيب ممكن تسيب إيدي أروح ألبس حاجة؟
صقر وما زال ينظر لها تلك النظرات المريبة لها:
تؤتؤ.
فيروز:
متهزرش، أنا أصلاً مكنتش أعرف إنك جاي أصلاً.
صقر وهو يجذبها لتلتصق بصدره ويحاوط خصرها بذراعيه ليضمها أكثر إليه:
وبعدين؟
فيروز بعدم فهم:
هو إيه اللي بعدين؟
صقر بنبرة هادئة:
تعرفي كنت ناويلك على نية سودة، بس بصراحة فاجئتيني.
قالها وهو يقرب شفاهه من بشرتها بجوار أذنها ليجعلها ترتجف خجلًا بين ذراعيه.
فيروز وهي تبعده بكفيها وهي تدفعه في صدره:
ابعد يا صقر أرجوك مينفعش.
صقر وهو يرفع إحدى حاجبيه بتهكم:
طب وينفع لما أجي النادي وأشوفك في حضن حضرة العاشق الولهان؟
فيروز:
على فكرة أنا كنت مستنية رنيم في الكافتيريا ولاقيته هو في وشي، وطلب يتكلم معايا لآخر مرة، وفجأة قالي اقفي، مكنتش أعرف إنه هيحض...
لم تكمل حينما وضع يده على فمها ليسكتها ثم قال:
خلاص خليني أنسى بدل ما أعصابي تفلت مني وأتهور عليكي أنتِ.
قالها وهو يحدق بعينيها ثم اشتد من عناقه لها بقوة فتأوهت:
آااااه، ضهري وضلوعي هيتكسروا يا صقر.
صقر ببرود:
عشان حضنك ده ملكي أنا بس، واللي يفكر يعملها هيكون مصيره زي فارس، ويمكن الموت.
فيروز:
طيب خلاص أنا بعتذرلك على اللي حصل، أوعي إيديك بقى.
صقر:
لا اعتذارك مش كفاية.
فيروز وهي تنظر في عينيه:
طيب إيه اللي يرضيك؟
صقر وهو يقترب من شفتيها ويهمس لها:
أنا بعشقك، وبعشق نفسك اللي بتنفسه منك دلوقت.
فاستنشق أنفاسها ثم اقترب أكثر لتكاد شفاهه تلمس شفتيها حتى أوقفهما صوت دخول رنيم من باب المنزل وهي تنادي:
فيرووو!
***
بداخل مطعم فاخر، يدلف كلا من سيلين وشهاب الذي يمسك بيدها متشابكًا الأصابع.
سيلين تميل لأذنه وهي تهمس له:
مكنش ليه لازمة وجودي، وبعدين معرفش حد هنا.
تصنع الابتسامة ليرد هامسًا:
اعملي حسابك إن أي عشا عمل هتكوني فيه معايا، أو أي سفرية للشغل رجلك على رجلي.
سيلين:
أفهم من كده إيه؟
شهاب:
إن يا سيلين مش هسمحلك تخرجي في حتة لوحدك خالص غير وأنا معاكي، ولو حصل ظروف هبعت معاكي سكيورتي، وخروجك ودخولك بإذن.
قالها ثم ضغط بيده على يدها.
سيلين:
ده أنت ناقص تقولي متدخليش التواليت غير لما تقوليلي.
شهاب:
ده أكيد مش احتمال.
قالها مبتسمًا بسخرية.
سيلين:
أوووف بقى، إيه اللي أنا عملته في نفسي ده يا ربي!
شهاب:
افردي وشك واضحكي عشان الناس خدت بالها، واسمعي الكلام ده لو عايزانا منروحش الشقة ثاني.
انتفضت عندما ذكر ذلك المنزل التي قضت فيه أسوأ ليلة عذاب، فنظرت له بطرف عينيها ثم صمتت.
شهاب:
مالك بتترعشي كده ليه؟
ترك يدها ليحاوطها بذراعه حول ظهرها ثم أردف:
ما تخافيش يا روحي، مش همد إيدي عليكي ثاني، بس هعاقبك عقاب من نوع آخر.
نظرت له بعدم استيعاب ليهمس بضع الكلمات في أذنها حتى احمر وجهها من شدة الخجل، فضحك من مظهرها ثم أردف:
ده هيحصل لما أعملك أجمل ليلة عمر تفضلي تحكيها لولادنا وأحفادنا كمان.
سيلين:
إن شاء الله يا حبيبي.
شهاب:
يا إيه؟
سيلين:
حبيبي.
شهاب:
لا ده كده شكلي هعملك الفرح دلوقت.
سيلين:
ههههههههههه بس بقى.
شهاب:
طيب يلا احنا واقفين في مكاننا وعاملين نرغي وسايبين الناس زمانهم زهقوا.
ذهبا الاثنان نحو طاولة كبيرة عليها مجموعة من رجال الأعمال وزوجاتهم. صافحهم جميعهم شهاب وكذلك سيلين الذي نظر أحد الرجال إليها بنظرات إعجاب من جمالها وأناقتها، وزوجة هذا الرجل كانت أيضًا تنظر لشهاب بإعجاب شديد حيث يرتدي التوكسيدو التي تزيد من وسامته وجاذبية بنات حواء إليه.
رأفت، رجل أعمال صاحب شركات للحديد والصلب:
وناوي تعملها إمتى يا شهاب بيه؟
شهاب وهو يمسك بيد سيلين الموضوعة فوق الطاولة ويبتسم:
إن شاء الله قريب بعد ما تخلص دراستها.
فياض الزيان، أربعون عامًا، أكبر رجال الأعمال في مجال التسويق ومعروف بتعدد علاقاته النسائية:
إيه ده هي زوجة حضرتك لسه طالبة؟
شهاب:
آه، هي في بكالوريوس تجارة إنجليش.
كاميليا الزيان، ثلاثون عامًا، زوجة فياض، وعلى الرغم بمعرفة خيانة زوجها المستمرة لها فهذا لا يعني لها شيئًا فهي أيضًا لها أهواؤها الخاصة، إنها ما زالت تنظر لشهاب بنظرات لفتت انتباه سيلين التي لم تطيقها منذ أن جلست.
كاميليا:
ما شاء الله، ده أنتِ طلعتي صغنونة.
سيلين:
23 سنة وصغنونة إزاي؟
قالتها وهي ترمقها بسخط.
كاميليا وتتصنع المزاح:
إيه أنتِ زعلتي؟ أنا كنت بهزر معاكي... على فكرة أنا حبيتك خالص أول ما شوفتك والدليل على كده...
اخرجت بطاقة ورقية وأعطتها لها وهي تقول:
"خدي ده الكارت بتاعي، عليه كل تليفوناتي وإيميل الفيس والإنستا وتويتر."
أخذته منها وابتسمت بتصنع، ثم ألقته بداخل حقيبتها بدون اهتمام.
شهاب وهو يهمس في أذنها:
"مالك يا حبي، قفشتي منها ليه؟ هي بتحب تهزر كده."
سيلين:
"وأنا مبحبش حد معرفهوش يهزر معايا، وبعدين مش شايفة هتاكلك بعنيها إزاي؟"
ابتسم من غيرتها عليه:
"يا حبيبتي دي ست متجوزة وجوزها قاعد جنبها، بلاش ظن السوء ده."
سيلين:
"ماشي يا شيبو، بكرة تقول إن كان عندي حق وإن الحيزبونة دي عينها منك."
فياض:
"وتدريبك فين يا سيلين هانم؟"
سيلين:
"لسه معرفش، بس بالتأكيد هتدرب في شركة داد ومع شهاب جوزي."
كاميليا:
"بس شركة السويفي تخصص المعمار، وأنتي تجارة إنجليش، يعني تتدربي في شركات الماركتينج. ولو عايزة فياض نفسه يشرف على تدريبك، نو بروبلم."
شهاب بهدوء خلفه غضب كامن:
"ميرسي مدام كاميليا، سيلين مش هتدرب غير في شركة السويفي."
رمقته بطرف عينيها لتنظر لزوجها وقال:
"عمومًا الأوفر ساري في أي وقت تحب فيه الهانم تشرفنا."
قالها وعينيه لا تفارق سيلين التي بدا التوتر عليها من نظراته الجريئة. فنهض شهاب فجأة من مقعده ليستأذن:
"عن إذنكم يا جماعة، مشوار صغير 5 دقايق وجايين تاني."
قالها وأمسك بيد سيلين التي ذهبت معه بدون أي كلمة، فاتجها نحو مكان يبدو خاليًا من أي شخص.
***
ابتعدت عن صقر وهي تنظر لثيابها، فسحبها مسرعًا ليدلف بها إلى غرفة ثيابه الملحقة بالداخل.
صقر:
"متخافيش، خليكي هنا والبسي أي حاجة من عندي، وأنا هطلع أشغلها لغاية ما تطلعي من الأوضة وتعملي نفسك طلعتي من أوضتها."
فيروز:
"حاضر."
فالتقط من إحدى الرفوف بيجامة قطنية أعطاها لها، وهو تناول تيشرت قطني وارتداه مسرعًا ثم غادر الغرفة.
فيروز وهي ترتدي البيجامة:
"الله يخربيتك يا صقر، أختك لو كانت شافتنا دلوقت كانت هتقول عليا إيه؟ شاطر بس تعملهم قاضي هي وإياس."
انتهت لتنظر في المرآة التي بطول الحائط ثم أردفت:
"دي هدومه طويلة وواسعة، شكلي عبيط خالص.. لما أخرج بسرعة قبل ما تشوفني."
رنيم وصقر بالمطبخ. رنيم تضرب صقر على يده وهو يلتقط قطعة من البندورة:
"سيب الطماطم عشان هعمل سلطة."
صقر:
"يا بنت اللذين، إيدك بتلسوع."
رمقته بسخرية:
"مش أكتر من إيدك اللي بترزعني الألم بتطير الناحية الثانية."
صقر:
"وهتضربي ثاني لو كررتي نفس الغلط."
رنيم:
"ماشي يا صقر بس حط في دماغك أنا مش هتجوز لا إياس ولا غيره."
صقر مندهشًا فأجاب ببرود:
"جوازك من عدمه بمزاجي أنا مش بمزاجك على فكرة."
رنيم:
"ما تفوق يا ابني من عصر الجاهلية الأولى اللي أنت جاي منه ده."
صقر:
"يا ريتنا كنا فيه، كنت ساعتها وأدتك وارتحت منك ومن دماغك الجزمة."
رنيم:
"أنا برضه دماغي جزمة يا عم صقر قريش."
صقر:
"رنيم لمي لسانك وانجزي عشان هموت من الجوع. الواد إياس اللي هتموتي وهتتجوزيه ده اليومين اللي قعدتهم معاه جاب لي تلبك معوي من الأكل اللي بيعمله وبيجربه فيا."
رنيم:
"هههههههه أحمد ربنا محطلكش سم في الأكل."
صقر:
"عمره ما يعملها، ده صاحب عمري والوحيد اللي بثق فيه زي نفسي."
رنيم:
"واشمعنى كان ابن كذا وكذا في اليوم المشؤوم؟"
صقر:
"طبعًا أنا متضايق منه لحد دلوقت وكل ما أفتكر نفسي أخنقه، بس لما قعدت أفكر شوية مع نفسي ملقيتش حد غيره أأمن عليكي معاه غير إياس... وبعدين أنا وهو اتكلمنا مع بعض لما كنت عنده."
تركت ما بيدها ثم نظرت له بفرح:
"ها اتكلمتوا في إيه؟"
صقر:
"تدفعي كام؟"
رنيم:
"هديك اللي أنت عايزه بس قول."
صقر:
"ههههههههه إيه البت الوقعة دي."
رنيم:
"يااسم."
صقر:
"طب مش قايل."
رنيم:
"براحتك وأنا مش عايزة أعرف."
فخرجت إلى الردهة وهي تضع الأطباق على مائدة الطعام. وخلفها صقر الذي عقد ساعديه أمام صدره ووقف مستندًا على الحائط:
"حضري نفسك بعد يومين عشان إياس جاي يطلب إيدك مني هو وباباه ومامته."
سمعت الجملة لتقفز كالطفلة:
"بجد يا صقر؟"
صقر:
"أيوه يا روح صقر."
قالها ويبتسم. فركضت نحوه وهي تعانقه وتقفز مهللة ثم قبلته من وجنته:
"ربنا يخليك ليا يا أخويا يا حبيبي وميحرمنيش منك يا رب."
خرجت فيروز من غرفة رنيم:
"إيه يا روني، فرحانين كده ليه؟ فرحوني معاكو."
ركضت رنيم نحو فيروز لتعانقها:
"باركي لي يا فيروز، إياس وأهله هييجوا بعد يومين عشان يطلبوا إيدي."
فيروز بفرح:
"حبيبتي ألف ألف مبروك وربنا يتمم لكوا على خير."
ثم نظرت لشقيقها ثم لها وأردفت:
"عقبالكوا يا رب أنتوا الاثنين وأفرح بيكو."
صقر:
"قريب إن شاء الله."
قالها لتنظر فيروز للأسفل في خجل.
ابتعدت رنيم لتنظر لفيروز باندهاش وهي ترفع حاجبيها:
"أظن ده مش الترينينج بتاع صقر ولا بيتهيأ لي؟"
فيروز بارتباك:
"أصل لما كنتي بره سقعت وقولت ألبس حاجة طويلة عشان سقعت."
رنيم بعدم اقتناع:
"آآآه قولتي لي ماشي."
ثم نظرت لشقيقها وغمزت له بعينها فاقترب منها ليضربها على مؤخرة رأسها مازحًا:
"خليكي في حالك."
وجلسوا جميعهم على المائدة يتناولون الطعام وعيني صقر لم تفارقا عيني فيروز التي ظلت وجنتاها باللون الأحمر القاني. وبعدما انتهوا دلفت واختبأت منه بغرفة رنيم.
***
فياض يهمس لزوجته:
"مش هتبطلي بقى نظراتك اللي هتاكل الراجل ومراته جنبه."
كاميليا بسخرية:
"حاسب يا فياض بيه، ده حضرتك اللي ما شاء الله عمال تغض بصرك من اللي اسمها سيلين، ده بيتهيأ لي من كتر ما أنت متنح فيها عرفت مقاس الدريس اللي لابساه إيه."
فياض بابتسامة خبيثة:
"قريب يا ماي وايف هعرف مقاسها وبنفسي وهي بين إيديا."
كاميليا ترمقه باحتقار:
"كالعادة، داء الخيانة بيجري في دمك."
فياض:
"شوفي كاميليا هانم الطاهرة الشريفة بتتكلم إزاي، ولا أنتي نسيتي لما جبتك من شقة عز الدين من شهرين، ولولا بس سمعتي في السوق كنت دبحتك أنتي والكلب ده."
كاميليا تبتسم بتهكم وسخرية:
"على أساس إن حضرتك خسرت حاجة، بالعكس ده أنت خليت الراجل يتنازل لك عن أكبر شركة من شركاته اللي تمنها يعدي 300 مليون دولار، يعني بغبائي بدل ما أحرق دمك زي ما بتحرق دمي خليتك تطلع كسبان وبقيت في السوق زي ما بيسموك الحوت."
فياض:
"أبقي فكري تعمليها تاني يا كاميليا وأنا همحيكي أنتي واللي هتخونيني معاه من على وش الدنيا."
لم تجب عليه واكتفت بنظراتها له باحتقار.
بينما بالمكان الخالي تقف سيلين بقلق وأمامها شهاب يخطو ذهابًا وإيابًا وهو يزفر بقوة ويمسح وجهه بكفيه.
سيلين:
"أنا نفسي أعرف أنت متضايق مني في حاجة؟ بقالك 10 دقايق رايح جاي ومش بتنطق ولا كلمة و......"
قاطعها شهاب فجأة وهو يجذبها بقوة لتلتصق به ويده تغرز في خصلات شعرها خلف رأسها ليقبل شفتيها بنهم كأنه يرتوي من رحيقها، رشفات عسل ذو مذاق ساحر، واليد الأخرى يضغط على ظهرها بقوة لتلتصق به أكثر تكاد تخترق ضلوعه فتصبح أسيرة بجسده.
ظل يقبلها بتلك المشاعر المتيم بها ولم يتركها حتى شعر كلا منهما بالاختناق لأنه لم يسمح لها أن تتنفس سوى أنفاسه هو فقط.
شهاب وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة وصدره يعلو ويهبط بقوة:
"لو في كلمة أكبر من العشق فده اللي أنا حاسه معاكي يا سيلين."
سيلين بابتسامة خجل:
"وأنا كمان."
شهاب وينظر لشفتيها المتوردتين من أثر قبلته:
"وأنتي كمان إيه يا قلب وعقل شهاب؟"
سيلين وهي تحاوط يديها حول عنقه:
"وأنا كمان بعشقك أوي."
قالتها بمنتهى النعومة وبصوت أنثوي جذاب فأثارت كلماتها مشاعره أكثر لينهال مرة أخرى من رحيق شفتيها بقوة أكثر من السابق حتى انتهيا بعد مرور وقت ليس بقليل. فابتعد عنها وهو يعدل من مظهرها وشعرها الذي تشعث قليلًا وهي كذلك أيضًا أعدلت من رابطة عنقه ونظمت خصلات شعره الذي كان مبعثرًا من آثار يديها.
شهاب بصوت أجش:
"يلا تعالي نروح."
سيلين باندهاش:
"والناس اللي مستنيانا جوه؟"
شهاب:
"هخلي السكيورتي يعتذر لهم بالنيابة عني بأي حجة."
ابتسمت سيلين:
"بصراحة أنا كنت مستتقلة دم القعدة دي وكنت مخنوقة سواء من الحرباية اللي اسمها كاميليا ولا جوزها أبو عينين عايزين رصاص يتفرغ فيهم."
ابتسم شهاب:
"تعالي يا قلبي، ما عاش اللي يضايقك طول ما أنا معاكي."
غادر الاثنان ليستقلا سيارته الخاصة ثم انطلق نحو المنزل وهو يتذكر نظرات ذلك الرجل البغيض وهو ينوي بداخله أن يعلن الحرب على هذا الملقب بالحوت في سوق العمل ليريه من هو شهاب السويفي ومصير كل من يقترب من زوجته حتى ولو بنظرات فقط.
***
بداخل متجر بيع وشراء المصوغات الذهبية.
ليلى وهي تمسك باللوحة من القماش المخملي ومعلق بها العديد من الخواتم الذهبية المطعمة بالفصوص المتلألئة. نظرت لهم بعدم اهتمام ثم أعطتها للبائع:
"مش حلوين."
والدتها وهي تهمس لها:
"اتلمي يا بت، دي سابع تشكيلة خواتم الراجل يطلعها لنا وبرضه مش عاجبك."
ليلى:
"أوف... يعني مفيش غير المحل ده، كل الخواتم هنا والأساور ذوقهم معفن وبلدي خالص."
علي اقترب منهما:
"لو مش عاجبك يا ليلى المحل ده تعالي نروح محل تاني."
والدتها:
"يا ابني ده خامس محل ندخله، ولا هي بهدلة وخلاص."
علي ويبتسم لليلى بسماجة:
"أي حاجة عشان خاطر ليلى تهون."
والدة ليلى وهي تحرك شفتيها يمينًا ويسارًا:
"أهي عندك أهي، نقوا أنتوا أنا ركبي خيشت من الوقفة، هقعد أنا وأختك على الكنبة وأنتوا لما تخلصوا ابقوا نادوا لنا."
علي وهو يقترب من ليلى:
"إيه يا عروسة، مش عاجبك أي حاجة ليه ولا متكونيش عايزة شبكة؟"
ليلى وهي تنظر له بطرف عينيها ولم تجب عليه.
علي وهو يمسك يدها ويضغط عليها:
"أنا مش بكلمك يبقى تردي عليا وتبصي لي عدل بدل أروح لأمك وأحكي لها عن دكتور المجانين اللي كنتي بتصيعي معاه."
ليلى:
"أستغفر الله العظيم يا رب..."
كتك داهية تاخدك يا بعيد.
علي ببرود: ما هي الداهية معايا وبشتري لها الشبكة كمان.
استشاطت غضبًا: طب والله العظيم ما منقية حاجة، وأعلى ما في خيلك اركبوه.
علي: كده؟ طيب أنتِ اللي جبتيه لنفسك.
قالها وذهب يجلس بجوار والدتها وهو يهمس لها، فتلون وجه ليلى من الخوف خاصة عندما تحدث لوالدتها كان يبتسم لها بسخرية. نهضت والدتها من مكانها ووجهها لا يبشر بخير.
والدتها: لو سمحت يا أستاذ هات لي آخر تشكيلة.
البائع: الأزوردي ولا عيار 21؟
والدتها وهي تنظر لليلى بتوعد لها: لا هات لنا عيار 21 الخواتم والدبلة والأسورة.
فوالدتها تعلم جيدًا أن ابنتها لا تحب ذلك النوع من الذهب، فدائمًا تشبه الحلي المصنوعة من ذلك العيار أنها حلي جدتها التي توفت في القرن الماضي.
نظرت ليلى لوالدتها في ذهول من الحلي التي قامت بشرائها، وأبدت عدم الاهتمام لكن نوت على شيء ما. عندما انتهوا من الشراء وهللت والدتها بالزغاريد وكذلك شقيقة علي وتبادلوا التهاني والعناق.
وعندما غادروا المتجر وهم جميعهم بالذهاب...
علي: ممكن يا ماما تقولي لعمي إنه نخليها شبكة وكتب كتاب.
تهللت أساريرها لتقول: والله كنا لسه بنفكر في كده يا حبيبي، وعمك كان لسه بيقول لي كتب الكتاب في الخطوبة والدخلة إن شاء الله بعد ما تخلصي السنة دي وتكملي عندك آخر سنة.
ليلى بصوت غاضب: ده مين دي اللي قاعدين تقرروا لها على مزاجكم؟ أنا مش هكتب كتاب ولا هتجوز السنة دي غير لما أخلص سنة خامسة وآخد الشهادة.
والدتها: ده أمر يا روح أبوكي، ما عندناش بنات تطول في الخطوبة، وكتب كتابك عليكي عشان أبوكي يوافق على خروجك معاه.
ليلى: وأنا مش عايزة أخرج معاه أصلًا.
علي: استهدوا بالله يا ماما، اصبري بس روحي أنتِ مع عبير أختي وأنا هتفاهم مع ليلى.
والدتها وهي تعطيها الحقيبة التي بها علبة الحلي: خذي شبكتك أهي خلي بالك منها.
ثم ذهبت.
علي: أقدر أفهم سبب رفضك لكتب الكتاب، وما تتحججيش بالدراسة عشان كتير متجوزين ومخلفين وهم بيدرسوا، وأنا مش همنعك عن إنك تكملي دراستك.
ليلى: يعني أفهم من كده إنك مصمم تكتب الكتاب؟
علي بتحدي: أه يا دكتورة ليلى.
ليلى بغضب وهي تلقي الحقيبة بوجهه: طيب خذ الشبكة دي ولبسها لأمك.
قالتها ثم ركضت مسرعة وهو خلفها وهو ينادي عليها: ليلى يا ليلى.. استني عندك.
هي كانت تبكي ولم ترَ أمامها لتتفاجأ بالقادم نحوها، فاتسعت حدقتيها ذعرًا لتصرخ بأعلى صوتها: عااااااااااااااااااااااااا.
علي يتسمر بمكانه: ليلىيييييييييييييييي.
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الثلاثون 30 - بقلم ولاء رفعت
في المشفي، وبداخل الغرفة التابعة لقسم العظام، تجلس ليلى على طرف الفراش، تمد ساقها على مقعد خشبي، وكان الطبيب يلف الجبيرة على كاحلها.
تأوهت ليلى: اااه براحة يا دكتور.
الطبيب: معلش استحملي، خلاص خلصت.
والدتها بقلق: وهتفضل رجليها في البتاعة دي قد إيه؟ عشان خطوبتها بعد أسبوع؟
الطبيب: والله على حسب، أسبوعين تلاتة مع العلاج طبعًا والراحة، ورجليها ما تلمسش الأرض، وألف مبروك.
ليلى ترمق والدتها بسخط: يعني أنتِ كل اللي همك الخطوبة من سي زفت، ومش همك بنتك اللي كنتِ زمانك بتدفنيها دلوقتي.
والدتها: أخس عليكي يا بنتي، ليه بتقولي كده؟ أنا عايزة أفرح بيكي.
الطبيب أحس بالإحراج: طيب عن إذنكوا.
والدتها: اتفضل يا دكتور.
غادر الطبيب لتقترب من ابنتها وتجلس بجوارها.
والدتها: هو أنتِ ليه محسساني طول الوقت إن أنا بكرهك، كأني مرات أبوكِ مش أمك.
ليلى وقد ترقرق الدمع بعينيها: عشان عمرك ما حسستيني إنك أمي اللي بتحبني وبتخاف عليا، عمرك ما ضميتيني في حضنك وطبطبتي عليا زي كل أم بتعمل مع عيالها، كل اهتماماتك البيت والأكل ومش مشكلة أنا أولع بجاز، ده حتى يا ربي يوم ما نجحت في الثانوية العامة ومجموعي دخلني طب بيطري بدل ما تفرحي لي وتتباهي بيا عملتِ العكس وقعدتِ تحطمي فيا وتقولي لي هاتعملي إيه بالشهادة أنتِ آخرك الجواز زي أي واحدة بتتجوز وتخلف وتربي العيال.
صمتت لتترك لعبراتها الانهمار فأردفت: عارفة ليه يا ماما؟ عشان ما كنتيش بتحبيني، أنتِ ما بتحبيش حد غير إسلام أخويا الله يرحمه.
نظرت والدتها إليها بحزن لتهرب دمعة من أهدابها.
والدتها: أنتِ شايفاني كل ده يا ليلى؟ أنا بقيت أم وحشة أوي كده؟! كتر خيرك يا بنتي، أصل تعبي فيكِ وسهر الليالي اتنسى، وإسلام الله يرحمه كنت بحبه زيه زيك وأهو راح اللي بتغيري منه.
ليلى وهي تكفكف عبراتها: عمومًا ما عادش ينفع الكلام، بس أحب أعرفك حاجة إن ما بحبش علي ولا طيقاه، ولو جوزتيني ليه بالعافية هأتطلق ومش هتشوفوا وشي تاني.
قالتها بتحدي.
والدتها بنبرة غاضبة: قولي بقى حبة الدراما اللي أنتِ عاملاها دي عشان كده.
ليلى بصوت مرتفع: أنا مش بمثل ولا بضحك عليكي، واللي مسكتني عشان خاطر بابا بس، عشان زعله عندي غالي أوي، غير كده أنا ما يهمنيش حد.
والدتها لم تشعر بيدها إلا وهي تنهال على ابنتها بصفعة مدوية: اخرسي يا بنت قليلة الأدب، ما عرفتش أربيكِ، ويكون في علمك يا حضرة الدكتورة لو ما اتجوزتيش علي، هأروح أنا كليتك بنفسي وهاسحب ملفك، ده غير هأبعتك على بلد أبوكِ في الصعيد، وطبعًا أنتِ أكتر واحدة عارفة إن عمك عايز يجوزك ابنه عويس اللي ما بيعرفش يفك الخط.
ليلى تنظر لوالدتها بصدمة وهي واضعة يدها على أثر الصفعة ودموعها تنهمر مرة أخرى، فأحست أنها وقعت في براثن ظلم والدتها لها.
دلف في ذلك الوقت علي مبتسمًا بسماجة: حمد لله على سلامتك يا لي لي.
هي ما زالت تنظر لوالدتها ولم تجبه.
والدتها: ردي على خطيبك يا بت واتعدلي.
قالتها وهي تنظر لها بتوعد.
ليلى وهي تنظر لأسفل وهي تخبئ وجهها: الله يسلمك.
علي: طيب يلا عشان نروح.
ليلى بغضب: هو البعيد أعمى؟ مش شايف الجبيرة في رجلي؟
والدتها لكزتها في كتفها: اتكلمي باحترام.
علي: خلاص يا ماما هي فعلًا عندها حق.
فاقترب من ليلى.
ليلى بريبة: أنت بتقرب مني ليه؟
قالتها لتجده وضع ذراعه خلف ظهرها والآخر أسفل ركبتيها ليرفعها وهو يحملها.
ليلى بصياح: إيه اللي أنت عملته ده يا متخلف؟ نزلني.
لم يجبها واكتفى بابتسامة باردة ثم أردفت: يعني أعمى وأطرش، نزلني يا علي أحسن لك، وأنتِ يا ماما عاجبك كده؟
والدتها وهي تسير خلفه: أنا ما فيش صحة أشيلك، وبعدين عمري ما هأخليهم يخرجوكي على كرسي بعجل، ده حتى يبقى فال وحش.
ليلى تزفر بقوة: ربنا يأخذني وأرتاح منكوا يا رب.
علي هامسًا في أذنها: بعد الشر عليكي يا روحي، أنا ما أقدرش أعيش من غيرك.
ليلى: يا أخي تطلع روحك وأخلص منك.
فأنزلها فجأة لتنزل على قدمها المصابة فتصرخ: آآآآآآآه رجلييييييي.
علي: معلش يا لي لي كنت لازم أنزلك عشان أشاور للتاكسي.
ظلت تتأوه من الألم وأحست بعدم التوازن لأنها تقف على قدم واحدة، فلا أمامها سوى أن تتشبث بمرفقه.
علي: يلا اركبي.
قالها وهو يمد يده لها لتستند عليها حتى تستطيع أن تجلس بداخل السيارة، وركب أيضًا علي بجانب السائق ووالدتها بجوارها في الخلف، وانطلقت السيارة.
على مقربة من منزل صلاح السويفي، يصف باسل سيارته على جانب الطريق وبجواره مايا.
باسل: طبعًا زي ما اتفقنا أنتِ هتمثلي عليها دور الندم وإن ما لكيش حد غيرها وإنها تقف معاكي في المصيبة اللي أنتِ فيها دي، فاهمة؟
مايا ترمقه باحتقار: فعلًا مصيبة وأنت السبب.
باسل وهو يجذبها بقسوة من مرفقها: هو أنا السبب لوحدي يا روح أمك؟ ما بلاش أتكلم وأنتِ عارفة لساني زفر.
مايا وهي تبعد يده عنها: خلاص ابعد إيدك عني.
باسل: طيب انزلي يلا يا ست الحسن والجمال، وما تنسيش إن لو عقلك صور لك إنك ما تسمعيش اللي قلت لك عليه، أنتِ طبعًا عارفة هأعمل لك إيه يا حلوة.
رمقته بنظرات كراهية وحقد وهي تفتح باب السيارة ثم نزلت وهي تصفق الباب بقوة ثم مشت إلى أن وصلت أمام البوابة ليوقفها أحد الحراس.
الحارس: واقفة ليه هنا؟
اعتدلت من نظارتها الشمسية التي تخفي وهن عينيها: أنا مايا صاحبة سيلين السويفي.
الحارس: طيب خليكِ ثواني.
تركها وذهب ليبلغ المسؤول عن فتح البوابة الإلكترونية حتى يتصل بشهاب الذي كان بالشركة وأبلغه فطلب منه أن يتحقق من بطاقة هويتها، فعاد لها الحارس ثم أردف: بطاقة حضرتك لو سمحت.
مايا: أنت عارف بتتكلم مع مين؟ إيه بطاقتك دي؟ لو سيلي عرفت هترميكوا في الشارع.
الحارس بصوت أجش: معلش يا آنسة دي تعليمات شهاب بيه.
زفرت بضيق: لما نشوف آخرتها إيه.
قالتها ثم أخرجت من حقيبتها البطاقة فأردفت: أهي.
أخذها الحارس وتفحصها وهو يقلبها ثم أعطاها لها فتحدث بجهاز السماعة المتصل بأذنه: افتح البوابة للآنسة.
لتفتح البوابة ودلفت مايا للداخل وهي ترمق الحارس من خلف نظارتها بسخط، ليغادر باسل بسيارته وارتسم على محياه ابتسامة خبيثة.
بداخل حديقة المنزل، تجلس سيلين وهي تقرأ مجلة فنية لترى آخر صيحات الموضة حتى رفعت بصرها لترى القادمة نحوها فتعجبت قليلًا.
مايا وهي تعانقها: سيلي حبيبتي وحشتيني أوي.
بادلتها بنظرات باردة: والله لسه فاكرة؟
مايا: والله يا سيلي كنت تعبانة خالص الأيام اللي فاتت وأنتِ طبعًا عارفة المصيبة اللي أنا فيها ومش عارفة أتصرّف فيها إزاي.
سيلين وهي تترك المجلة لتضعها على المنضدة التي أمامها ثم عقدت مرفقيها أمام صدرها: ومين صاحب مصيبتك يا مايا؟
مايا بتوتر: إيه؟ مش فاهمة؟
سيلين: مين اللي هببتي معاه عملتك الزفت دي؟ إيه بكلمك هيروغليفي؟
مايا: ده واحد ما تعرفيهوش اتعرفت عليه لما كنت في حفلة الساحل وأنا كنت متقلة الشرب وكده وما حستش بنفسي غير لما صحيت و...
لتقاطعها سيلين: خلاص أنا ما يهمنيش حاجة، أهم حاجة إنك تكوني بخير وكويسة.
شعرت مايا بالحسرة والندم على ما تنوي فعله مع باسل ضد صديقتها لكن لم يكن أمامها خيار آخر هكذا تبرر لنفسها ما ستفعله.
سيلين: مالك سرحتِ في إيه؟
مايا: ما فيش، أصل بابي ومامي وحشوني أوي ومش هيرجعوا غير على الإجازة الكبيرة.
سيلين: وفيها إيه ما هم على طول كده، إيه الجديد؟
شعرت بغصة في قلبها لتطلق العنان لعبراتها وتعالت شهقاتها، نهضت سيلين لتعانقها وهي تمسد على ظهرها.
سيلين: مالك يا مايا في إيه؟ قلقتيني عليكي يا بنتي.
مايا ببكاء شديد: أنا تعبانة أوي يا سيلي ومش قادرة أستحمل خلاص.
سيلين: خلاص اهدي يا حبيبتي وكل شيء هيتحل إن شاء الله، كفاية بقى.
انتهت مايا من البكاء وهي تمسح عبراتها بمنشفة ورقية حتى هدأت.
مايا: معلش يا سيلي أنا بأوجع دماغك بمشاكلي.
سيلين: بس يا بت يا عبيطة، إحنا أخوات ولو ما سمعتش ليكي ووقفت جنبك في محنتك ما أستاهلش أكون صديقتك، وبعدين بقى أنا مش هأسيبك تروحي النهاردة هتبيتي معايا عشان أحكيلك حاجات كتير خالص حصلت الأيام اللي فاتت.
مايا بشبح ابتسامة: تصدقي نسيت، ألف ألف يا سيلي وربنا يتمم لكوا على خير.
ثم أردفت بداخلها: ويبعد عنكوا شر باسل يا رب.
وصل شهاب ليدلف بسيارته إلى الداخل ثم صفها جانبًا لينزل منها وأغلق الباب ثم اتجه مبتسمًا نحو سيلين ليتعجب من ظهور مايا صديقتها التي كانت تختفي الفترة الماضية.
شهاب: هاي، أزيكوا عاملين إيه؟
مايا كانت تنظر بتوتر له من طرف عينيها: هاي شيبو.
سيلين اقتربت منه لتعانقه وتقبله على وجنته: حمد لله على السلامة يا بيبي.
شهاب وهو يضمها إليه أكثر: آي ميس يو يا حبي.
بينما مايا نظرت إليهما بحزن مرير لتلعن نفسها وتلعن ذلك الباسل الذي جعل من حياتها جحيم ويريد منها أن تدخل بصديقتها إلى ذلك الجحيم أيضًا.
سيلين مبتسمة: يلا يا ميوي تعالوا ندخل جوه عشان زمانهم حضروا الغدا وأنا جعانة أوي.
شهاب: شفتِ صاحبتك يا مايا بقالها كام يوم بتاكل كتير، خليها لما تتخن ودريس الفرح ما يدخلش فيها.
سيلين بحزن مصطنع: كده يا شيبو؟ أنا زعلانة منك ومش هأكلمك تاني.
شهاب وهو يحاوطها بذراعه: وأنا ما أقدرش على زعلك يا قلب شهاب.
قالها وأعطى لها قبلة على وجنتها ثم دلفوا للداخل وخلفهم مايا تعتصر ألمًا بداخلها.
في المخفر بداخل المكتب، يقف خالد أمام مكتب الضابط ويجلس تيمور على المقعد ويقابله يجلس المحامي الذي جلبه من أجل صديقه.
الضابط وهو يملي على كاتب المحضر: يخلي سبيل المتهم، ثم نظر للبطاقة الشخصية ثم أردف: خالد حافظ سراج الدين المقيم بقرية... التابعة لمركز الداخلة.
محافظة الوادي الجديد، وذلك بكفالة مادية قدرها ألفان جنيه، وعدم التعرض مرة أخرى للآنسة ليلى محيي عبد الشافي... ويقفل المحضر في ساعته وتاريخه.
قالها وهو يلقي أمامه بطاقته: خد بطاقتك يا دكتور... وياريت تكون حضرتك اتعلمت من اللي حصل.
خالد: حضرتك مش مصدقني ليه يعني، أنا هاجي من بلدي لآخر الدنيا عشان أعاكس!
الضابط: عمومًا خلاص الموضوع انتهى، بس ابقى خد بالك المرة الجاية وابعد عن الأمين علي واتقي شره... تقدروا تتفضلوا.
نهض تيمور والمحامي ليغادرا المكتب وبرفقتهم خالد، إلى أن خرجوا من المخفر.
تيمور: كفارة يا صاحبي.
خالد: أبوس إيدك أنا مش طايق نفسي، فبلاش خفة دمك دي الساعة دي.
تيمور: اللي تشوفه يا صاحبي... ثم قال للمحامي: متشكرين لحضرتك يا متر.
المحامي: على إيه يا دكتور تيمور، ده شغلي... معلش أنا همشي بقى عشان ورايا محاضر ناس كتير.
تيمور: سلام يا متر... ثم أردف: يلا نروح على بيتنا عشان أمي مستنيانا وزمانها محضرة العشا.
خالد وهو يرتدي نظارته: لا روح أنت وأنا هتمشى مع نفسي كده شوية وهحصلك.
تيمور وهو يده على كتف خالد: بشوقك يا صاحبي، هستناك... يلا باي.
غادر تيمور... وكاد خالد يمشي في الاتجاه الآخر لكنه تذكر كلمات ليلى عندما أخبرته عن صقر، فدلف إلى القسم فقابله أمين شرطة آخر: إيه لحق يوحشك القسم؟... قالها بسخرية.
خالد بامتِعاض: لا أنا جاي عشان أسأل عن النقيب صقر الهواري.
الأمين: ما قولنالك إنه إجازة ولسه جاي لنا قرار بوقفه عن العمل لمدة شهرين.
خالد ويزفر متضايقًا ويحك رأسه من الخلف: ده إيه الحظ ده... طيب معكش رقم تليفونه؟
الأمين وهو يتلفت يمينًا ويسارًا: أنت عايزه ضروري أوي كده؟
قد فهم خالد ما يرمي إليه فأخرج من جيبه بعض الورقات النقدية ليدسها في يد الأمين وهو يقول: اتفضل.
الأمين وهو ينظر للورقات بيده ثم وضعها مسرعًا بجيب بنطاله قبل أن يلاحظه أحد: طلع موبايلك وسجل ورايا.
أخرج خالد هاتفه وضغط على لوحة الأرقام: ها؟
الأمين: 010............
ضغط زر الاتصال ووضع الهاتف على أذنه ليجده غير متاح... فأعاد الاتصال مرة أخرى ليجد نفس الشيء.
الأمين: إيه مابيردش؟
خالد: بيديني غير متاح... تنهد ثم أردف: طيب ما تعرفش عنوانه فين؟
الأمين: آخري أديك نمرته لكن العنوان مينفعش.
خالد: بالله عليك عايزه في مسألة ضروري أوي... فكر خالد قليلًا ليردف: عايزه في مسألة حياة أو موت... فأخرج من جيبه مرة أخرى ورقات نقدية ليعطيها له ثم أردف: وحياة أغلى حاجة عندك.
نظر الأمين بمكر: حاضر عشان ورحمة الغاليين بس... ليخرج ورقة شاغرة وتناول القلم الذي يضعه خلف أذنه ليدون العنوان في الورقة التي يسندها على كف يده... ثم أعطاها له.
خالد: متشكر لحضرتك جدًا.
الأمين: العفو يا دكتور... إحنا في الخدمة.
ليغادر خالد ويقول في سره: خدمة يا واطي ده أنت لاهف مني 100 جنيه بحالهم.
مشى إلى أن وقف أمام المخفر ليستقل سيارة أجرة خاصة وأملى العنوان على السائق لينطلق به نحو منزل صقر.
______________________
في منزل صقر الهواري:
تجلس كل من رنيم التي تتحدث بالهاتف مع إياس... وفيروز التي تتصفح صفحتها الشخصية على الحاسب المتنقل الخاص برنيم.
رنيم بصوت أنثوي جذاب: وأنت كمان واحشني أوي أوي أوي يا إيسو.
إياس على الجانب الآخر: روح وقلب وعقل إيسو... تعرفي يا روحي أنا كان نفسي لما أجيلكوا بكرة نتفق على جواز على طول.
رنيم بخجل: جواز على طول كده مرة واحدة!
إياس: وفيها إيه؟ كل حاجة ممكن تجهز في أقل من أسبوع، وبعدين إحنا نعرف بعض من وإحنا عيال، إيه لازمتها الخطوبة يعني؟
رنيم: ماليش دعوة، دي أوامر صقر أخويا حبيبي ولازم أسمع كلامه.
إياس: وإشمعنا بتسمعي كلامه في دي يعني وأخويا وحبيبي؟
رنيم: ومالك غيران ليه كده؟
إياس: ده أنا بحبك وبموت فيكي وبغير عليكي من الهوا اللي بيلمس شعرك وخدودك اللي عايزين يتاكلوا أكل.
اكتست الحمرة وجهها بشدة ولم ترد.
إياس نظر لشاشة الهاتف ليرى هل أغلقت أم لا، فعلم أنها تصمت فأردف: رونيييي حبيبي، أنتي مكسوفة يا حبي؟
رنيم: بس بقى فيروز معايا في الأوضة.
إياس: خلاص وزعيها بره.
رنيم: هههههههههه أوزعها؟ طيب هقولها.
فيروز وهي تنظر لشاشة الحاسب وبصوت جلِي: سمعاكوا... وعاملين تنموا عليا آه يا أندال... فنهضت وتركت الحاسب على التخت فأردفت: أنا أصلًا كنت خارجة عشان هاروح أحضر العشا.
إياس: قولي لها يا حبي تعمل حسابي في العشا.
رنيم: ههههههه حاضر... فيروز إيسو بيقولك اعملي حسابه في العشا.
فيروز وهي تغادر الغرفة: قولي له اتفضل معانا بس هتتعشى أنت وصقر لوحدكوا.
رنيم: سمعتها؟
إياس: ههههههه آه، قولي لها يا ساتر يا رب، ليه كده يا فيروز، شكلك بتعزيني أوي.
تركتها وأغلقت الباب خلفها ثم دلفت إلى المطبخ وظنت أن صقر مازال نائم ولم يستيقظ بعد.
وقفت أمام الطاولة الرخامية وأمامها قطعة خشبية تقطع عليها الخضروات بالسكين، وكانت مندمجة وتغني بصوت عذب:
موعودة بيك تبقى أنت بختي وقسمتي... موعودة بيك من قبل ما أتقابل معاك.
وفجأة لتصمت عندما شعرت بحرارة خلفها لتلتفت وبيدها السكين لتشهق بذعر: هاااااااااا.
ليمسك منها السكين مسرعًا فانجرحت يده بسبب أنه أمسك من جهة النصل.
فيروز بذعر وخوف عليه: حبيبي أنا آسفة والله ما كنت أقصد.
صقر وهو يترك السكين على الرخام: ولا يهمك يا قلبي، أنتي كنتي هتموتيني بس.... قالها ساخرًا.
فيروز: ألف بعد الشر عليك يا حبيبي.
صقر: بتخافي عليا أوي كده؟
فيروز بنظرات عشق: وأنا ليا مين غيرك يا حبيب.
صقر وهو يضع يده على قلبه ويتأوه متصنعًا: آآآآه قلبي الصغير لا يتحمل.
زمت شفتيها لأسفل بحركة طفولية: طيب امشي بقى من وشي.
ضحك ليضمها على صدره ويمسد على شعرها: أنا مقدرش أبعد عنك يا روحي... أنتي تقدري؟
ابتعدت لتنظر لعينيه: ده أنا أموت.
صقر وهو يمسك وجهها بين كفيه: بعد الشر عليكي يا عمري، أوعي تجيبي سيرة الموت دي تاني أنتي فاهمة.
أومأت له برأسها بالموافقة فشعرت بسائل ما على وجنتها لتتحسس بيدها لتجده دماؤه فشهقت بذعر: إيه ده؟
نظر لكف يده فضم قبضته: عادي ده جرح بسيط.
فيروز: بسيط إزاي؟ تعالى عشان أطهرهولك وألفلك عليه شاش.
صقر: يا حبيبتي أنتي مكبرة الموضوع ليه؟
تركته لتسرع نحو المرحاض لتدلف وذهبت لتفتح الخزانة المعلقة أعلى حوض الماء وفتحتها وأخرجت منها علبة الإسعافات الأولية وخرجت مسرعة لتضعها جانبًا وأخرجت مطهرًا ولفافة من الشاش الطبي وأخذت تنظف الجرح وتطهره ثم لفت حول يده عدة لفافات من الشاش حتى انتهت فأمسكت بالعلبة وذهبت لتضعها في مكانها فأمسكها من كتفيها وهي وجهها بوجه ليحدق في عينيها بنظرات العشق والهيام ثم أردف: ربنا يخليكي ليا وما يحرمني منك أبدًا... ثم انحنى ليعطيها قبلة على رأسها بحب وحنان.
ثم رن جرس المنزل.
فيروز: ومين اللي بيخبط دلوقت ده؟
صقر وهو متجه نحو الباب: سيبي اللي في إيدك وادخلي جوه عند رنيم.
فيروز: حاضر... قالتها لتدلف إلى غرفة رنيم.
بينما فتح صقر الباب ليجد الواقف أمامه.
خالد وهو يشبه عليه: السلام عليكم... حضرتك النقيب صقر الهواري؟
____________________
صقر وهو يتذكر ملامحه أيضًا: آه أنا، خير؟
خالد: أنا كنت عايز أسألك لو تعرف مكان فيروز.
صقر صمت قليلًا لينهمك في التذكر: أنا شوفتك قبل كده؟
خالد: أنا ابن عمها.
صقر يرمقه من أسفل لأعلى: هو أنت بتاع الواحات اللي ابن عمك اتحبس في مخدرات؟
خالد بامتِعاض: ما هو حضرتك اللي حبسته... وعمومًا ده مش موضوعنا، أنا جاي أسأل على فيروز عشان آخدها ونسافر البلد لمرات عمي.
صقر وهو يجز على أسنانه في محاولة كبت غضبه: تعالى اتفضل جوه مش هينفع نتكلم على الباب كده... فدلف خالد إلى الداخل وخلفه صقر الذي أغلق الباب وكان يشبك أصابع يده ليثنيهم حتى أصدروا صوت طقطقة ويحرك رأسه يمينًا ويسارًا حتى صدر صوت طقطقة فقرات عنقه.
خالد: آسف لو كنت أزعجت حضرتك.
صقر: لا خالص مفيش إزعاج ولا حاجة... كنت بتقولي إيه على الباب أصل ما سمعتش... قالها بسخرية.
أدرك خالد سخريته فقال بنبرة مرتفعة وصلت إلى مسمع فيروز ورنيم: بقولك أنا عايز فيروز عشان آخدها ونسافر لمامتها.
سمعت صوته من الداخل لتقترب من الباب.
رنيم: طيب هقفل دلوقت يا حبيبي هشوف حاجة كده وهكلمك تاني... باي... قالتها وأغلقت المكالمة... ثم أردفت: إيه الصوت اللي بره ده؟
فيروز: ده حد رن الجرس وصقر فتح له وشكله معاه بره.
رنيم: طيب وأنتي رايحة تعملي إيه؟
فيروز وهي تسترق السمع: أنا عارفة الصوت ده... قالتها وهي تمسك مقبض الباب وتديره.
بينما بالخارج...
خالد بنبرة غاضبة: هو أنت بتكلمني بالأسلوب ده ليه... على فكرة فيروز دي بنت عمي.
ليقترب منه صقر وكاد يوجه له ضربة....
فتحت فيروز الباب وركضت للخارج.
فيروز بدهشة: خالد!!!
لينظر كلا منهما لها، خالد بصدمة وسببها وجودها بمنزله، وصقر كان ينظر لها بغضب مستطير.
خالد ينظر بسخرية: ما فيروز عندك أهي، مخبيها عندك ليه إن شاء الله؟
صقر وهو يقبض على يده بقوة: فيروز خشي جوه دلوقت.
فاتجه خالد نحوها ليمسك بيدها ويقول له بتحدي: تخش فين؟ أنت بتستعبط أنت ولا خطيبها ولا جوزها. ولولا إن أنا عارف أخلاقها كويس كان هيبقى ليّا معاكوا تصرف تاني.
صقر لم يستمع له لأنه منشغل بنظرة مظلمة ليد خالد الممسكة بيد فيروز، وهي لاحظت تلك النظرة التي رأتها من قبل في عينيه عندما أطلق على فارس بالنادي. فتركت يده على الفور وقالت: صقر خالد ما يعرفش اللي بينا، فاهدأ عشان خاطري وأوعى تتهور. قالتها وهي تقترب منه بحذر ثم أردفت: بالله عليك ده ابن عمي وبيعتبرني زي أخته. لتجده ما زال بتلك العينان المظلمة وعروق عنقه بارزة. ظلت تقترب حتى أصبحت أمامه مباشرة وهي تخشى أن تحدث كارثة.
فيروز بنبرة راجية: صقر أنت سامعني؟
وفجأة دفعها من أمامه ليسرع راكضًا نحو غرفته ليدلف إلى الداخل وصفق الباب خلفه بقوة.
خالد بصياح: إيه المجنون اللي حضرتك قاعدة معاه ده، وإزاي يا فيروز تقعدي مع شاب أعزب في شقة لوحدكوا؟!
خرجت رنيم: على فكرة يا حضرة أنا قاعدة معاهم وأبقى أخته، وأخويا بيخاف على بنت عمك أكثر من نفسه.
فيروز وهي تنهض من الأرض بسبب دفعه لها: خالد أرجوك اسكت ووطي صوتك، أنا كده كده كنت هأسافر بس مستنية عشان لسه هاروح بكرة النيابة. أوقفها صوت مدوي لحطام أشياء تلقى بالأرض لتركض نحو غرفته وفتحت الباب لتجده يقلب غرفته رأسًا على عقب ويجلس على الأرض في وضع الجثو وجرح يده أصبح مغمورًا لتسيل منه الدماء بغزارة.
فيروز بذعر: صقر!!! اتجهت نحوه لتمسك بيده وهي تلتقط منشفة قطنية لتسد بها الجرح الغائر ثم أردفت وهي تحاول أن تجعله ينهض: قوم يلا على المستشفى. قوم يلا دمك بيتصفى.
دلف إليهم خالد ورنيم التي صرخت: إيه اللي عملته في نفسك ده!
خالد لم يستوعب ما يحدث: يده اتفتحت؟
فيروز بدموع: آه يا خالد ده جرح كبير أوي. اقترب خالد لينحني: طيب قومي هاتي لي خيط وإبرة وشاش وقطن ومطهر بسرعة، وسيبي الفوطة أنا همسك له يده.
نظرت له ثم لصقر الذي لم يرَ أمامه وكان ينظر للفراغ. تركته وركضت للخارج وفي ظرف دقيقة جلبت كل ما طلبه منها.
خالد: الضمي الخيط في الإبرة وامسحيهم بالبيتادين كويس. فعلت ذلك ثم أعطته الخيط فأزال المنشفة ليجد الدماء تذرف من الجرح بغزارة وقبل أن يضع الإبرة بكفه قال خالد لصقر: معلش استحمل هي هتوجعك جامد بس ده أحسن حل عشان نوقف النزيف ده.
صقر ويزفر بقوة وألم: أنجز بسرعة.
فغرز خالد الإبرة في جلد باطن كفه ليتأوه صقر بأنين مكتوم، حتى انتهى خالد من خياطة الجرح.
رنيم: طيب حضرتك خيطت له كده من غير ما تشوف أوردة بتنزف ولا لأ؟
خالد: ما تقلقيش الجرح قطعي آه بس ما وصلش للأوردة. أنا على فكرة دكتور بس نفسية ودرست الحاجات دي عملي في الجامعة.
قالها ثم نهض وذهب ليغسل يده من الدماء. وظلت فيروز ورنيم مع صقر. ليصيح فيهم: اطلعوا بره.
رنيم: يلا فيروز نسيبه لوحده.
فيروز وهي تمسك بقرص مسكن: طيب خد دي عشان تسكن لك الألم.
صاح فيها بقوة وهو يلقي بالقرص من يدها: قولت بررررررررره.
فارتعبت لتنهض مسرعة وخرجت هي ورنيم لتجد الباب يصفق بقوة خلفهم.
في اليوم التالي في مكتب وكيل النيابة تجلس فيروز أمام المكتب ويجلس مقابلًا لها أيمن الذي كان خائفًا، وصقر يجلس بجوار فيروز.
فيروز تنظر لوكيل النيابة بتوتر: أنا كل اللي أعرفه إن أستاذ أيمن كان واحد من رجالة بيبرس.
فنظر الوكيل لأيمن ويرفع إحدى حاجبيه: طب ليه يا أيمن بتكذب في المحضر وتقول إنك المسؤول عن عملية التهريب دي؟ ليلة كبيرة أوي عليك هتاخد أقل حاجة فيها مؤبد إن كان ما وصلتش لإعدام.
أيمن يتحسس عنقه ويرتجف ليقول بتلعثم: أنا أنا... كح كح كح.
الوكيل ضغط على زر أمامه ثم قال: عايز كوبايتين مايه بسرعة. مرت ثواني ليأتي الساعي الذي دلف بملامحه المرتبكة خاصة عندما التقت عينه بعينين صقر الحادة. فوضع الصينية التي عليها الأكواب على الطاولة أمام المكتب وتصنع كأنه سيتعثر فألصق شيئًا ما أسفل المنضدة بدون أن يلاحظه أحد، ثم خرج مسرعًا.
الوكيل: اتفضل اشرب يا أيمن واهدأ خالص واتكلم على مهلك واحكي لي كل التفاصيل عشان ممكن نعتبرك شاهد مالك في القضية وتطلع براءة. انفرجت أساريره ليقول: بجد!!!
الوكيل: آه بجد أنا هأضحك عليك ليه أنا باتكلم في مصلحتك.
أيمن وتذكر تهديدات بيبرس: بس بس.
صقر: عن إذن حضرتك يا فندم. ثم وجه حديثه لأيمن: على فكرة يا أيمن أول ما رجلك خطت الواحات وأنا عملت عنك تقرير وعرفت عنك كل كبيرة وصغيرة وعرفت من التحريات إنك متورط مع العصابة دي وهم بيهددوك دايماً خصوصًا بيبرس. صح؟
أيمن بقلق وتوتر: طيب أنا بصراحة خايف على زوجتي وأولادي ما لهمش حد غيري ولا ليَّ حد غيرهم، واللي أنا عرفته دول مافيا كبيرة أوي فأنا إيه اللي يضمن لي سلامتنا أنا وأسرتي؟
الوكيل: الحل في الحالة دي تاخد مدام حضرتك والأولاد وتسيبوا المنطقة وتسكنوا في حتة بعيد أو في محافظة تانية وطبعًا هنعين مراقبة عشان لو فيه حاجة هتبلغنا على طول.
أيمن بتوتر جلي: بس أنا ظروفي ما تسمحش إني أعزل أو أأجر جديد لأن أنا شقتي إيجار قديم.
صقر: من ناحية السكن ما تشلش هم، أنا عندي شقة كانت لجدي الله يرحمه في محافظة الغربية هأدي لك مفاتيحها والعنوان وخليك فيها أنت وأسرتك لحد ما الأمور تهدأ ونقبض على شوقي ضرغام الرأس الكبيرة للعصابة.
الوكيل: ها إذن كده كل حاجة اتحلت يا أيمن.
أيمن ويسري القلق بداخله قال باستياء: أنا مش قدامي غير إني أتكل على الله وربنا يتولانا برحمته. فتنهد كأنه يزيل من على صدره حمل ثقيل ثم أردف: الحكاية بدأت من وأنا في وردية بليل وكنت... ظل يسرد كل ما حدث معه منذ جعله زميله مجدي بالعمل أن يصبح عضوًا في العصابة حتى إلى إلقاء القبض عليه وتهديدات العقرب عدنان الحاروني له وكل تفصيلة كبيرة أو صغيرة.
وكل ذلك يقع على مسمع فيروز التي كانت خائفة ومرعوبة كثيرًا فأمسك صقر يدها ليطمئنها.
ظل وكيل النيابة منصتًا وكان الكاتب الذي يجلس بجواره يسجل كل ما يقوله أيمن وما قالته فيروز حتى مرّ كثير من الوقت. انتهى التحقيق وخرج كلا من فيروز وصقر وكان إياس ورنيم وخالد في انتظارهم، بينما أيمن كانت تنتظره بالخارج سلمى.
سلمى بحنين المشتاق: ها أيمن هيخرجوك يا حبيبي؟
أيمن: ادعي لي يا سلمى إن ربنا يعديها على خير وما حدش فينا يحصل له حاجة.
سلمى بقلق: أنت تقصد إيه؟
أيمن: خدي بالك أنت من العيال.
اقترب منهما صقر: اتفضل يا أيمن دي مفاتيح الشقة اللي قلت لك عليها ودي ورقة مكتوب فيها العنوان.
أيمن: شكرًا لحضرتك يا باشا وربنا يجزيك كل خير يا رب.
ابتسم صقر: الشكر لله يا أيمن، ربنا معاك.
تركه وغادر مع فيروز وصديقه وشقيقته وذلك الخالد الذي لم يطيق وجوده وتمنى لو أن يتخلص منه للأبد.
سلمى: شقة إيه يا أيمن اللي بتتكلموا عنها؟
أيمن: ما فيش يا سلمى أنت بس خدي المفتاح والعنوان ده وروحي عليه على طول أنت والعيال لحد ما هأخرج وأجيلكوا على هناك.
سلمى: حاضر ولو إن قلبي مش مطمن ومقبوض.
العسكري الذي يمسك أيمن بالأصفاد المعدنية: يلا يا متهم نرجع العربية.
أيمن: حاضر. سلمى خدي بالك من نفسك أنت والعيال.
سلمى ونزلت عبراتها: حاضر يا حبيبي. أيمن قالتها بصوت جلي ثم أردفت: لا إله إلا الله.
أيمن التف إليها وابتسم بعينيه: محمدًا رسول الله.
على الجانب الآخر خارج سرايا النيابة، تقف على بعد بمسافة تبدو قريبة سيارة بداخلها رجلين أحدهما يضع سماعات على أذنيه يقوم بخلعها ويضغط على زر لمسجل، ليرن هاتفه.
الرجل: تمام يا باشا الساعي زرع الجهاز في الوقت المناسب أنا هأبعت لحضرتك التسجيل حالًا وكان... آه يا باشا كله اعترافات أيمن والبنت اللي كانت معاكوا وقت العملية... سلام يا باشا.
في سيناء.
الشيخ مزايد يجلس أمام صحن كبير به جمرات مشتعلة من الفحم موضوع عليها إبريق شاي من المعدن ليقول: إيش الأخبار يا باشا زين ولا شين؟
بيبرس بابتسامة خبيثة: هو فاكر إن اللي عمله كده زين بالنسبة له لكن هتبقى شين وهباب أسود على دماغه ويا ويله مني... هأخليه يتمنى الموت ولا ما يطولوش وهأخليه يعيش الجحيم لحظة بلحظة.
الشيخ مزايد: لساك ناوي تختطف زوجته؟
بيبرس بلمعان الشر بعينيه: ده كده هيبقى رحمة ليه، لازم العقاب يبقى عذاب عن حق عشان هو نسي مين هو رأس الأفعى.
الشيخ: وإيش اللي هتسويه الحين؟
بيبرس: هتسمع في الأخبار قريب أوي وأوي كمان.