تحميل رواية «عشق الفيروز "لا تظلمني"» PDF
بقلم ولاء رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كيف حبيبي تكون عشقي وعذابي؟ كيف تكون لي القاضي وجلادي؟ ياليتني كنت قطرة مياه في بحر هادي، كنت حينها لن أعرفك ولا أعشقك ولن كان عشقك احتل عرش حياتي. بداخل دار القضاء العالي، وفي إحدى قاعات المحكمة، ينادي الحاجب بصوت قوي: "محكمة!" ليدلف القاضي والمستشارون الذين معه. وهي كانت تنظر بعينيها التي تحولت من لون البحر إلى لون الدم من كثرة البكاء من الظلم والقسوة، فتمسك بيديها قضبان القفص الحديدي التي بداخله داعية ربها أن ينجدها من هذا البلاء كما أنجد يوسف عليه السلام من غياهب السجن، تنتظر حكم القاضي وكأن...
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم ولاء رفعت
في محافظة الغربية، وتحديدًا بمدينة طنطا، وفي إحدى القرى التابعة لتلك المدينة.
سلمى ترتدي عباءة قديمة يملؤها الغبار من تنظيف المفارش والسجاجيد التي تركت منذ سنين بدون تنظيف، حيث كان المنزل مغلقًا.
سلمى بصوت متحشرج بسبب سعالها من الغبار: كح كح كح... مش معقول كمية التراب دي، أنا حاسة إن عقبال ما أخلص هكون موت من التراب ده.
خالتها وهي تمسك الوسادة لتضعها بداخل فرشها الخاص: ما أنا قولتلك بلاش سفر ولا بهدلة وتعالوا عندي، يعني هم هيعرفوا مكاني إزاي؟
قالتها لتنتهي من الوسادة وتلقي بها على التخت.
سلمى: مكنش ينفع يا خالتو، بالتأكيد الناس دي عارفين بيتك عشان كده مينفعش أسيبك لوحدك.
خالتها: يا ضنايا أنا مش خايفة على نفسي قد ما أنا خايفة عليكي أنتي والعيال وأبوهم... أنا كده كده ست كبيرة وفايتة الدنيا.
سلمى وهي تقترب منها لتعانقها: بعد الشر عليكي يا حبيبتي، ده أنا مليش غيرك بعد أمي الله يرحمها.
خالتها: الله يرحمها ويرحم جميع موتانا...
تنهدت ثم أردفت: المهم خلاص كده خلصنا تنضيف وفرشنا، ناقص إنك تمسحي الأرضية. أنا هاروح أغير اللي عليا وهاخد دش، وهاخدلك البنات أتمشى بيهم شوية تكوني خلصتي وفرشتي السجاد.
سلمى وهي تجلس بأريحية وتمسح بظهر يدها جبينها من قطرات العرق: ياريت بجد أحسن ما يقعدوا يتنططولي وأنا بمسح ويلبخّوا الأرض.
خالتها: هههههههه ربنا يخليهملك ويباركلك فيهم وتفرحي بيهم يارب.
سلمى: ياااارب يا خالتو، ده أنا بحلم باليوم اللي هياخدوا فيه شهادة الكلية، وبعدها أشوفهم بالفستان الأبيض، والاتنين في ليلة واحدة يااااه... تفتكري الواحد ممكن يعيش للحظة دي؟
خالتها: ربنا يخليكي ليهم يا بنتي أنتي وأبوهم، وتعيشوا وتشوفوا أحفادهم كمان.... وكفاية كلام بقى، خليني أنزلهم وأجيلك قبل ما الدنيا تليل.
ذهبت الخالة ومعاها الفتاتان التوأم اللتان كانتا تركضان في سعادة ومرح، وأحضرت لهما الخالة الحلوى وبعض الألعاب الخاصة بالفتيات. بينما سلمى كانت منهمكة في فرش السجاجيد بعد أن جفت الأرضية من الماء، ثم دلفت بعد ذلك إلى المرحاض لتستحم، ثم خرجت بعد أن انتهت فاتجهت نحو إحدى الغرف وارتدت بيجامة قطنية ضيقة إلى حد ما ووقفت أمام المرآة لتصفف شعرها المبتل. سمعت طرقات مدوية على باب المنزل فحسبت أنها خالتها... فتحت الباب لتتفاجأ بالذي يقف أمامها لتتسع حدقتيها وتضع يديها على فمها ثم صاحت بصوت جلي.
في منزل صقر الهواري.
رنيم تجلس على المقعد أمام المرآة ترتدي ثوبًا زهري اللون يناسب بشرتها الحنطية وذو مظهر أنيق، حيث ضيق من الأعلى ليبدأ بالاتساع من خصرها، فهو يشبه كثيرًا الأثواب التي كانت موضة بفترة الخمسينيات من القرن الماضي.
فيروز وهي تضع لرنيم التي كانت تغمض عينيها بعض الحمرة على وجنتها بالفرشاة: كده خلصنا يا جميل، يلا فتحي عيونك.
فتحت عينها لتنظر بصورتها المنعكسة بتمعن: واوووو فيري نايس، حلو أوي يا فيروز، تسلم إيدك فعلًا أنتي فنانة.
فيروز مبتسمة: عقبال يا حبي لما أعملك الميك آب بتاع ليلة زفافك.
رنيم وهي ترفع يديها في وضع الدعاء: ياااارب يا فيروز.
يطرق على الباب من الخارج ليقول بصوت أجش: ها خلصتوا؟
رنيم منادية عليه: تعالي يا صقر ادخل.
فتح الباب ليدلف إلى الغرفة ويتأمل شقيقته بانبهار، ليفتح ذراعيه لها وهي تركض نحوه لترتمي بينهما فيضمها إليه: كبرتي يا حبيبتي وبقيتي عروسة.
رنيم وهي تنظر له بشجن: أنا كان نفسي مامي تبقى معايا في اللحظة دي.
تبدلت ملامحه من البسمة إلى التجهم ثم انتابه الغضب فأبعدها عنه ثم ولاها ظهره، لتحزن رنيم وترقرقت عباراتها بعينيها وكاد يغادر الغرفة... لتنادي فيروز: صقر.
التفت إليها وأجاب مقتضبًا: نعم!!
فيروز بغضب: أنت ماشي وسايب أختك زعلانة وهتعيط.
صقر ببرود: وأنا أعملها إيه؟
رنيم وهي تمنع نفسها من البكاء وبصوت مختنق: سيبيه يا فيروز، هو على طول كده كل ما أجيبله سيرة مامي يقلب خلقته كده ويسيبني ويمشي.
صقر زفر بقوة وهو يتألم من داخله بسبب ما تشعر به شقيقته من فقدانها لوالدتهما، فضمها إليه ليمسد على شعرها المنسدل ويغمض عينيه وبنبرة ألم: ادعيلها يا حبيبتي بالرحمة...
فأمسك بظرف ذقنها ثم أردف: وبعدين في عروسة زي القمر كده تعيط وتزعل في يوم زي ده.
رنيم بابتسام: ربنا يخليك ليا.
صقر: ويخليكي ليا يا روني.
فيروز وهي تقف بجوارهما لتمزح وتقول بمزاح: الله الله وأنا هنا كيس جوافة واقف معاكو؟
تركت رنيم صقر لتعانق فيروز: لا يا حب أنا أقدر، أنتي أختي يا فيرو اللي ربنا عوضني بيها.
صقر بمرح: وأنا مليش حضن أنا كمان؟
قالها وهو ينظر لفيروز التي خجلت كثيرًا.
رنيم بسخرية: حضن إيه يا عم الحبيب، أنا أوضتي طاهرة وهتفضل طول عمرها طاهرة... ههههههههههه.
قالتها ليضحك جميعهم.
صقر وهو يضربها بخفة على مؤخرة رأسها: طيب يلا يا لمضة قدامي عشان عريسك وأهله مستنيين من بدري.
رنيم: ماشي... يلا يا فيرو.
وقفت فيروز بمكانها بتوتر ثم قالت: معلش اطلعوا أنتوا وأنا هخليني هنا.
صقر وهو يمسك بيديها: لا هتطلعي وهتقعدي معانا ولا أنتي مش عايزة تفرحي لرنيم؟
فيروز: لا خالص، ربنا اللي عالم أنا فرحانة ليها قد إيه هي وإياس، بس الحكاية هي إن أنا مليش في الجو ده.
صقر بنظرات حب: طيب لو قولتلك عشان خاطري؟ هتكسفيني؟
نظرت بخجل وبنبرة هادئة: لا طبعًا مقدرش أكسفك.
وقفت بينهما رنيم وهي تضع يديها على كتف كل منهما: الله يسهلووووو...
فغمزت بعينها لصقر.
صقر مبتسمًا: شوفتي جبتلنا الكلام.
ضحكت فيروز ثم أردفت: طيب يلا عشان زمان إياس هيولع فينا.
انفرجت أساريرها وهي تهلل بفرح عارم باسمه: أيمن حبيبي!
أيمن وهو يدلف إلى الداخل مغلقًا الباب خلفه ليجذبها بين أحضانه وهو يعانقها باشتياق وحب وعشق مكنون في قلبيهما، هامسًا لها بصوت حنون: وحشتيني يا نور عيني وحياتي.
ثم أعطاها قبلة رقيقة على شفتيها... وحشتيني يا زوجتي وحبيبتي... ليعطاها قبلة أخرى أقوى من سابقتها.... وحشتيني يا أم ولادي وبناتي وأمي أنا كمان وأختي وبنتي وكل ما ليا يا سلمى قلبي وعقلي وروحي وعنيا... لينهل على وجهها بأكمله بقبلات عاشق مشتاق ليحاوطها من خصرها ثم يرفعها لأعلى ويدور بها في كل الأرجاء.
سلمى بصياح وجنون: بحباااااااااااااااااااااااااااااااااك.
فأنزلها ليضمها أكثر فأكثر لايريدها أن تبتعد عنه... ما أجمل الحب والعشق بين زوجين مهما مرت عليهم الصعاب والمحن يظلان بنفس المشاعر والأحاسيس التي تربط قلبيهما.
صدره يعلو ويهبط بقوة أثر عناقه القوي لها: عاملة إيه يا حبيبي؟
سلمى وقد تبدلت ملامحها من السعادة إلى الوجوم والحزن: كنت بموت من غيرك يا أيمن.
أيمن: بعد الشر عنك يا عمري.
قالها وهو يضع رأسها على صدره.
سلمى وهي ترفع رأسها لتعود به للواقع الأليم: وآخرتها إيه يا أيمن؟
ليتنهد ثم قال: مش عارف والله ما عارف هترسي على إيه، أنا كل اللي شايل همه هو أنتي والعيال... وبدعي ربنا ليل ونهار إن يحميكوا وإن لو حصل أي شر يجي فيا أنا بعيد عنكوا.
سلمى بخوف وهي تضع يدها على وجنته: بعد الشر عنك يا حبيبي ربنا يخليك لينا.
أيمن: أنا يا سلمى شوفت الموت بعنيا الأيام اللي فاتت، حسيت إن الدنيا دي ملهاش أي لازمة وكل خوفي عليكوا أنتوا.
سلمى وهي ترتمي بين أحضانه وتمسد على شعره خلف رأسه: متخافش يا حبيبي ربنا هو الحافظ وإن شاء الله هينتقم من الناس الظلمة وهياخدوا جزاءهم.
أيمن: يااااارب آمين.... أومال فين خالتك والبنات؟
سلمى: خالتي خدتهم تفسحهم عقبال ما خلصت مسح الشقة وفرشتها وعمر وسليم رضعتهم ونيمتهم ومش هيصحوا غير على بليل.
أيمن وهو يبعدها عنه وعينيه تلمعان بمكر: يعني الدنيا كده أمان!!
سلمى بعدم فهم: هي إيه اللي أمان؟
أيمن ويغمز لها بعينه: تعالي جوه وأنا هقولك إيه هو الأمان والحنان...
قالها وهو ينهض ويمسك بيدها متوجهًا لإحدى الغرف.
سلمى أوقفته بعدما أدركت مقصد حديثه: مش هينفع يا قلبي...
قالتها ووجنتيها متوردتان من الخجل.
أيمن وهو يهمس في أذنها يسألها عن شيء ما ليزداد وجهها احمرار ثم أردفت: لا... وبطل بقى.
أيمن ضحك من خجلها: مالك مكسوفة أوي كده ليه؟ على فكرة أنا جوزك وأبو عيالك...
قالها بمزاح وسخرية.
توقف عندما سمع طرقات الباب.
سلمى: هتلاقيهم العيال وخالتي.
أيمن يمسك يدها: ادخلي أنتي جوه وأنا هفتح ممكن ما يطلعوش هم.
دلفت هي إلى الغرفة وذهب ليفتح الباب ليتفاجأ بابنتيه برجوعه.
كارما وكنزي وهما يعانقانه: بابا وحشتنا أوي يا بابا.
أيمن وهو يقبلهما على رأسهما: وحشتوني أوي يا حبايب بابا...
ثم انتبه لخالة سلمى ليصافحها ثم أردف: إزيك يا خالتي عاملة إيه؟
الخالة: الحمد لله يا بني حمدالله على سلامتك وعلى رجوعك لمراتك وعيالك.
أيمن: الله يخليكي لينا يا غالية.
ثم دلفا إلى الردهة.
تمسك كنزي دمية على شكل فتاة شقراء: بص يا بابا تيتا جابتلنا إيه، باربي اللي كان نفسي فيها أنا وكارما.
أيمن مبتسمًا: ربنا يخليكي ليهم يا رب... يلا اشكروا تيتا.
كنزي وكارما: شكرًا يا تيتا.
الخالة: الشكر لله يا حبايبي...
قالتها لتنهض: هستأذنك يا بني أقوم ألحق أصلي العصر قبل ما المغرب يأذن.
أيمن: اتفضلي يا خالتي واللهم تقبل.
الخالة: منا ومنكم آمين...
قالتها ودلفت إلى المرحاض لتتوضأ.
كارما تنظر عابسة لوالدها... ليلاحظ ذلك فسألها: مالك يا كارما مكشرة ليه؟
كارما بنبرتها الطفولية: عشان لسه فاكرة حاجة وزعلانة منك.
أيمن واقترب منها ليجلس بجوارها ويحاوط ظهرها: وحبيبتي كاروما زعلانة من بابا ليه؟
كارما: عشان أنت سرقت ودخلت السجن.
شعر بغصة في قلبه ثم حاول الابتسام: أنا مسرقتش حاجة يا حبيبة بابا، مين اللي قالك كده؟
كارما: العيال في الشارع والمدرسة.
حبس عبراته في عينيه ليقول بنبرة هادئة: متصدقيش العيال الوحشة دي... أنا مسرقتش حاجة والدليل أنا معاكوا دلوقت.
كارما: طيب ليه البوليس جه خدك وصورتك جت في نشرة الأخبار؟
خرجت سلمى التي انتهت من تمشيط شعرها وصاحت بضيق: كارما يلا خدي أختك وخشوا غيروا هدومكوا واغسلوا إيديكوا عشان تتعشوا وتناموا.
كنزي: عايزين نقعد مع بابا شوية.
سلمى وهي تحدق بهما وتحذرهما بإشارة من إصبعها: أنا قولت إيه؟؟؟؟
كنزي وكارما عابسي الوجه ليتأففوا: أووووووف... على طول تفضل تزعق فينا...
قالاها بصوت يكاد مسموعًا.
سلمى بضيق: بتبرطموا بتقولوا إيه؟
كنزي وهي تدلف الغرفة وتلقي بدميتها على التخت وبصوت مرتفع: مبنقولش....
ثم صفقت الباب.
سلمى ابتسمت: وربنا بناتك دول هيجننوني.
أيمن بضحك: ههههههههههه أومال لما عمر وسليم يكبروا ويطلعوا أشقية بقى ويطلعوا عينك هتعملي إيه!
سلمى: لا ما أنا ناوية أسيبلك مسؤولية تربيتهم، أنت ربي الصبيان وأنا خليني في البنات.
أيمن ينظر حوله يمينًا ويسارًا بمزاح مبتسمًا: أنتي بتكلميني أنا؟؟
قالها وهو يشير بيده على نفسه.
سلمى بسخرية: لا بكلم خيالك....
قالتها ثم نهضت.
أيمن: رايحه فين؟
سلمى وهي تتجه إلى المطبخ: هاحضر العشا قبل ما البنات وخالتي يناموا.
أيمن وهو يتمدد على الأريكة بأريحية: آآه بالله عليكي يا سلمى بسرعة عشان هموت من الجوع.
انتهت من إعداد العشاء ليتناولوه في سعادة ودفء، لينتظرهم قريبًا مصير محتوم سيقلب سعادتهم تلك إلى جحيم، يكون الموت أهون منه آلاف المرات.
خرجوا ثلاثتهم واتجهوا إلى الردهة حيث يجلس كل من إياس مرتديًا بدلة كلاسيكية باللون الرمادي القاتم فيبدو جذابًا، وبجواره والدته التي ترتدي بدلة نسائية ذات رونق كلاسيكي وشعرها مرفوع لأعلى في شكل أنيق، وفي المقعد المقابل يجلس نور الدين والد إياس. التفت الجميع لرنيم التي اتجهت إليهم في خجل، فذهبت لتصافح والده أولًا، ثم والدته التي كانت تتفحصها من رأسها لقدمها كعادة الحموات. وأخيرًا إياس الذي كان منبهرًا بجمالها، وهي كذلك منبهرة بوسامته وجاذبيته، فأعطاها باقة الأزهار ذات اللون الأحمر القاني ليخفق قلبها بقوة، ليشرد في عينيها وهو ما زال ممسكًا بيدها.
تنحنح صقر: أحم.. هنفضل واقفين كده كتير؟
التفتا إليه ليتركا أيديهما ثم جلس كل منهما على المقاعد، بينما فيروز التي تقف بعيدًا جلست على مقربة منهم.
نور الدين: طبعًا يا صقر أنت عارف إن والدك الله يرحمه كان من أعز أصحابي، وأنت وأختك كنتوا متربين مع إياس وأنتو صغيرين، وهو صاحبك وأنت عارفه كويس. فإحنا جايين نطلب أيد الآنسة رنيم أختك لابننا إياس على سنة الله ورسوله.
تلون وجه رنيم بالحمرة خجلًا وقلبها تزداد خفقاته بشدة.
صقر بابتسام: والله يا عمي أنا يشرفني إن إياس يتجوز رنيم.
ثم نظر لشقيقته ثم أردف: وأنتِ إيه رأيك يا عروسة؟
لتنظر بخجل لأسفل وبصوت رقيق: اللي تشوفه يا صقر.
نور الدين مازحًا: فكري يا بنتي قبل ما تدبسي ابني ده فلاتي وبتاع بنات.
ضحك صقر: ما أنا بقول كده برضه.
ونظر لصديقه الذي استشاط غيظًا.
إياس: بقي كده يا صاحبي أنت وبابا تتفقوا عليا! مااااشي ليك يوم عن قريب. وكده كده أصلًا روني عارفة عني كل حاجة.
ثم التفت لوالدته التي كانت صامتة طوال الوقت ثم أردف: إيه يا ماما مالك ساكتة ليه من أول ما جيتي؟
رمقته ببرود: عادي وأنا هقول إيه باباك اللي بيتكلم.
قالتها ثم أمسكت هاتفها وتصنعت أنها منشغلة بشيء ما.
نور الدين: إيه يا جماعة مش ناويين تقرأوا الفاتحة؟
فرفع الجميع أيديهم ثم قرأوا سورة الفاتحة.
وبعد مرور ثوانٍ...
صقر: صدق الله العظيم.
نور الدين: مبروك يا ولاد.
فيروز ركضت نحو رنيم فعانقتها: مبروك يا حبيبتي وربنا يتمم لكوا على خير.
رنيم: عقبالك يا فيروز أنتِ وصقر.
صقر وهو يغمز لفيروز: خلاص هانت.
اقترب نور الدين ليصافح رنيم ليبارك الله، وتعانق كلا من إياس وصقر.
صقر وهو يربت بقوة على ظهر إياس: مبروك يا صاحبي. وخلي بالك منها لو جاتلي في يوم زعلانة منك أنت حر.
إياس: ههههههههه عرفك مجنون.
وكان الجميع فرحًا ويتبادلون المباركات والتهنئة، بينما ظلت منى والدة إياس تجلس في مقعدها وعلى وجهها الوجوم.
تتلفت من حولها خشية أن يراها أحد من بالمنزل، فخرجت من نافذة الشرفة المطلة على الحديقة واختبأت خلف شجرة متدلية الغصون، فأخرجت هاتفها الذي كان على وضع الصامت طوال الوقت، فوجدت العديد من المكالمات الفائتة حوالي ثلاثون مرة من ذلك الشيطان المدعو باسل. فضغطت على اسمه بالاتصال ثم وضعت الهاتف على أذنها وهي تتلفت حولها، حتى جاء رده عليها.
مايا بتوتر: ألو أيوه يا باسل.
باسل بنبرة غاضبة: إيه يا بت ما بترديش عليا ليه؟
مايا بصوت منخفض: ما كنتش هأعرف، سيلين كانت قاعدة معايا طول الوقت ولسه سيباها ونزلت عشان أكلمك.
باسل: ها وعملتي إيه معاها؟
مايا: سيلي على الرغم من القوة اللي بتظهرها قدام الناس بس هي طيبة خالص وما تستاهلش اللي أنت ناوي لها عليه، حرام عليك.
باسل: هو أنا موديكي عشان تعرفيلي أخبارها وتصالحيها ولا عشان تقوليلي فيها شعر؟ جرى إيه يا بت فوقي يا مايا بدل ما أفوقك وأنتِ عارفة ممكن أعمل معاكِ إيه ولا وحشك الحزام يا حلوة؟
ارتجفت ثم قالت بخوف: حح حاضر بس اللي عرفته إنها مش بتخرج غير مع شهاب، ولو هو مش معاها بتخرج ومعاها اتنين سكيورتي زي ظلها.
باسل وبصوت غاضب اخترق أذنها: اسمعي يا بنت الـ... أنا ما عنديش صبر على دلعك ده، انجزي اخلصي واقنعيها تخرج معاكِ لوحدها أنتِ فاهمة ولا أفهمك بطريقتي؟
مايا وهي تزيح الهاتف من على أذنها وتلتفت خلفها لتتسع حدقتيها بخوف وذعر من الذي يقف أمامها، فضغطت على زر إغلاق المكالمة توًا وبدا على ملامحها الارتباك.
شهاب بنبرة شك: إيه اللي موقفك هنا والدنيا برد؟
مايا بارتباك وكأن الدماء تسحب منها: أأنا كنت مخنوقة شوية فقلت أتمشى شوية في الجنينة يمكن أفوق.
شهاب بعدم اقتناع: أومال فين سيلين؟
مايا: فوق سيباها نايمة.
شهاب وهمَّ بأن يدلف إلى الداخل: مش هتطلعي لها؟
مايا: لا قصدي شوية كده وهأطلع.
شهاب: أوك عن إذنك.
مايا: اتفضل.
تركها لتتنهد والخوف يساورها، فقالت لنفسها: يا دي المصيبة ليكون سمعني وأنا بكلم الزفت ده، يا ترى سمع إيه وهيروح يقول لسيلين؟
فحاولت الاتصال به لتخبره لتجد هاتفه غير متاح، ثم وجدت رسالة نصية في محتواها: (وديني لأعرفك تقفلي السكة في وشي إزاي يا.....).
شعرت قليلًا بالدوار فدلفت إلى الداخل.
وبداخل الملهى الليلي والموسيقى الصاخبة تعج بالأرجاء، يجلس هو بجوار الطاولة الرخامية المليئة بزجاجات الخمر والكؤوس الفارغ منها والممتلئ.
شرب آخر رشفة بكأسه ليضعه بقوة حتى أصدر صوتًا جليًا ثم قال لـ (البارمان) بصوت ثمل: أنت يا زفت صب لي كأس ثاني واتوصى شوية.
لتأتي من خلفه فتاة ترتدي ثياب تكشف من جسدها أكثر ما تغطي وتلف ذراعيها حول عنقه وبنبرة مغناج: مش كفاية بقى شرب يا باسل.
باسل وهو يزيح ذراعيها من على عنقه ويصيح فيها: وأنتِ مالك هو أنتِ اللي بتدفعي؟
الفتاة: خايفة عليك.
باسل: خليكِ في حالك يا أختي وغوري من وشي عشان أنا عفاريت الدنيا بتتنطط قدامي دلوقتي.
الفتاة بسخرية: ما هو لازم يتنططوا مش مقعدهم معاك في النايت.
باسل بضيق: بطلي خفة دم أمك دي على المسا وامشي من هنا يلا.
الفتاة: ماشي يا باسل بكرة تيجي تسألني هأقولك كان فيه وخلص يا عنيا.
باسل وهو يجذبها من شعرها: مش باسل ضرغام اللي يتقالوا لأ يا زبالة.
الفتاة تتأوه بخوف: آآآآه حقك عليا ده أنا كنت بهزر معاك.
باسل: وأنا ماليش في الهزار وعقابًا ليكِ هتروحي معايا ومن غير فلوس وإلا إذا.....
الفتاة: حاضر حاضر أنا تحت أمرك بس سيب شعري.
باسل: أيوه كده صنف و......... ما بيجيش غير بالعين الحمرة.
ثم أردف مع نفسه: وأنتِ يا مايا الكلب لحسابك عسير معايا عشان تبطلي تلوعيني وتصيعي عليا.
بينما عندما صعد شهاب الطابق العلوي فأراد أن يطمئن على سيلين قبل أن يذهب للنوم، فطرق الباب عدة مرات فلم تفتح حتى أدار المقبض ليفتحه ويدلف إلى الداخل باحثًا بعينيه في كل أرجاء الغرفة لم يجدها، وكاد يغادر حتى وجدها تخرج من المرحاض وملفوف حول جسدها منشفة قطنية كبيرة وتمسك بيديها منشفة صغيرة تجفف بها شعرها المبتل.
ظل محدقًا بها كأنها لوحة فنية أمامه، ففزعت عندما رأته: شهاب!! أنت جيت إمتى؟
شهاب وهو يقترب منها وأنظاره تتجول على كل ملامحها وبنبرة هادئة: لسه جاي يا حبيبتي.
فَنَظَرَت من حولها: أومال فين مايا؟
شهاب: لقيتها واقفة تحت في الجنينة وأول ما شافتني ارتبكت، الظاهر كانت بتتكلم في الموبايل وخايفة لحد يسمعها.
سيلين: مايا دي غلبانة وطيبة خالص، هي بس بتمر بظروف نفسية صعبة شوية عشان كده تلاقيها على طول خايفة وحزينة.
شهاب واقترب منها أكثر محاوطًا خصرها بيديه: هو احنا هنفضل نتكلم عن صاحبتك كتير؟
قالها وهو يحدق بشفتيها كالظمآن عندما يرى الماء أمامه.
سيلين بصوت رقيق: بس بقى يا شيبو واخرج بره يلا عشان ألبس عشان الجو ساقعة وأنا بالبشكير.
فضمها بقوة وهو يحاوطها بجسده ثم همس في أذنها: لسه سقعانة؟
فشعرت بحرارة جسده التي بثتها نيران عشقه وجنونه بها لتومئ له بعينيها بالنفي.
فاقترب بشفتيه من جبهتها ليطبع قبلة حانية، ثم أنزل على عينيها ثم أنفها فوجنتيها ثم ذقنها ليصعد إلى شفتيها ليبث فيهما مشاعر الحب والعشق والهيام، وهي تجيب عليه بتلك المشاعر التي جعلته يزيد من قوة قبلته أكثر فأكثر حتى تمنى أنها لو كانت تلك اللحظة هي ليلة العمر ليبحر بها في عالمه الخاص.
واستوقفهم مايا التي دلفت بدون أن تستأذن فشعرت بالإحراج الشديد فغادرت وهي تغلق الباب قائلة: أنا آسفة.
شهاب: شوفي صاحبتك وأنا نازل المكتب هأعمل شوية حاجات وطالع أنام. تصبحي على خير يا قلبي.
قالها وهو يعطيها قبلة على يدها.
سيلين: وأنت من أهله يا حبيبي.
غادر الغرفة ليجد مايا تقف أمام الباب بخجل، ألقى نظرة عليها بطرف عينيه ثم هبط الدرج متجهًا إلى مكتبه.
دلف إلى مكتبه ليمسك بهاتفه واتصل برئيس الحرس بالمنزل ليأتي إليه في خلال دقيقة.
الحارس وهو يدلف إلى المكتب: تحت أمرك يا شهاب بيه.
شهاب وهو يرجع ظهره للخلف ويضع ساق فوق الأخرى وبيده قلم يضغط عليه عدة مرات: عايزك يا منير تاخد بالك من صاحبة سيلين هانم كويس.
منير: قصد حضرتك آنسة مايا؟
شهاب: وهو في حد غيرها موجود بطل غباء.
منير: اللي تشوفه سعادتك يا باشا.
شهاب: صلاح بيه رجع من السفر ولا لسه؟
منير: لسه يا باشا.
شهاب: طيب خلاص روح شوف شغلك وزي ما فهمتك، البنت دي طول ما هي بالفيلا ما تغيبش عن عينيك ولا لحظة وتبلغني لو أي حاجة حصلت.
منير: اعتبره حصل جناب. عن إذنك حضرتك.
شهاب يزفر بقوة ثم يسند كوعيه على المكتب ويقول: وبكرة هأعرف إيه اللي وراكِ ومخبياه يا مايا.
بداخل سيارته الفارهة يمسك بالمقود بيد والأخرى ممسك بيدها ويقبلها من كفها من حين لآخر.
سحبت يدها بهدوء وهي تنظر من النافذة المجاورة لها شاردة.
صقر وهو ينظر للطريق أمامه: مالك يا حبي شيلتِ إيدك ليه؟
تنهدت ثم قالت: ما فيش كنت بتفرج على الشارع والناس وسرحت شوية.
صقر ينظر لها بتعجب ثم عاد بنظره إلى الطريق: بتكدبي عليا؟
فيروز بتوتر: أكذب عليك في إيه؟ مش فاهمة قصدك.
صقر: لأن أنا رأيت في عينيكِ من إمبارح في قراية فاتحة رنيم كلام كتير بتحاولي تخبيه لكن عينيكِ حكتهولي.
فيروز: ده أعتبره حب ولا استجواب؟
صقر: هو أنتِ ليه بتحسسيني كل ما أسألك كأني بسأل واحد بيحقق معاه؟
فيروز: عشان أنت فعلًا أسلوبك كده والمفروض تغيره.
زفر بقوة متضايقًا: وليه النكد ده؟ أنا عارف إنك متضايقة عشان لسه ماخدتش خطوة في علاقتنا بس أنا والله ناوي أقابل والدتك وأتكلم معاها والحمد لله إنها رجعت من البلد عشان أروح أطلب إيديكِ منها وتكوني خطيبتي رسمي وممكن نكتب الكتاب مع الخطوبة وأول ما تخلصي دراستك نتجوز.
فيروز وكادت تهلل من الفرحة لكن تصنعت بأن الأمر بالنسبة لديها شيء عادي لتقول: لا خليها خطوبة بس.
صقر ويرفع إحدى حاجبيه: ليه؟
فيروز: هو كده وخلاص.
قالتها وهي تكتم ابتسامتها.
صقر: آآآها فهمت.
أمسك يدها ليطمئنها قائلًا:
"فيروز أنا بخاف عليكي أكتر من نفسي، وعمري ما هتجاوز معاكي حدودي إلا لما تكوني مراتي قدام ربنا والناس. وبالنسبة للكام مرة اللي فاتوا، ده من كتر حبي فيكي مبقدرش أسيطر على نفسي لما بكون قريب منك، بحس إن كل حاجة فيكي بتناديني."
توقف بالسيارة فجأة، ثم أردف وهو يلمس كل ما يذكره:
"شعرك بعشق ريحته اللي زي ريحة الياسمين. عنيكي اللي زي البحر، ببقى عايز أفضل أعوم فيه لحد ما أغرق فيهم وأدوب. وخدودك اللي بعشق لونهم لما بتتكسفي وبيحمّروا."
ثم لامس شفتيها بأطراف أنامله ليردف:
"وشفايفك بلاش أقولك أحسن، لما بشوفهم قدامي بحس بأيه..."
فيروز بخجل وهي تنظر للجهة الأخرى:
"يوه بقى بس!"
صقر:
"ههههههههههههه الصبر بس يا حبي لما نتجوز هخليكي تبطلي كسوف خالص."
قالها ثم انطلق بسيارته وهو يستمتع برؤية ملامح وجهها الخجولة.
وصلوا أخيرًا إلى المنطقة التي تقطن بها.
فيروز:
"نزلني هنا أحسن، مش عايزاك تنزلني قدام البيت."
صقر تنهد وقال:
"أنا أصلاً طالع عشان عايز أتكلم مع والدتك شوية، وأغير أي فكرة غلط واخدها عني."
فيروز:
"أرجوك مش دلوقتي، أنا هحكيلها كل حاجة وإنك بتحبني وعايز تطلبني منها، يعني أمّهدلها الموضوع بدل ما أنت تيجي وهي تعند معاك."
صقر:
"حاضر اللي تشوفيه يا روحي، دي مامتك وأنتِ تعرفي طباعها كويس."
فيروز:
"إيه ده! نسينا نتصل نطمن على خالد، زمانه وصل البلد من بدري."
صقر:
"نعم يا أختي؟!"
فيروز:
"بالله عليك كفاية غيرتك اللي بقت زيادة عن اللزوم دي، أنا كده مش هعرف أعيش معاك حياة طبيعية."
صقر بسخرية:
"ليه يا أختي! هتتجوزي واحد مجنون؟!"
فيروز وكادت تموت من الضحك:
"هههههههههههههه آه فعلاً أنت مجنون."
صقر متضايقًا:
"فيروووز! ما تخلينيش أتنرفز عليكي."
اقتربت منه وهي تمسك وجنتيه وتقرصهما:
"يا لهوي يا ناس على شكل حبيبي المجنون لما بيتنرفز، بيبقى شكله عسل."
صقر:
"طيب يلا انزلي بدل ما أخطفك في حتة بعيد وأوريكي الجنان على حق."
فيروز وهي تنزل من السيارة وقبل أن تغلق الباب نظرت له مبتسمة وبنبرة دلال:
"سلام يا مجنون فيروز."
قالتها لتغلق الباب بسرعة قبل أن تأتي في وجهها علبة سجائره التي ألقاها عليها وهي تكيد فيه. ظل واقفًا حتى رآها وهي تدلف لفناء المنزل. وكاد ينطلق بسيارته لكنه سمع رنين هاتف يأتي من أسفل المقعد المجاور له ليلتقطه ثم ابتسم ابتسامة ماكرة.
***
تقف أمام مرآة بطول الحائط وهي تستند على كتف خالتها لترى الفستان الذي ستأجره من أجل حفلة خطوبتها والذي سيتم فيه عقد القران.
ليلى:
"مش عايزاه، وحش! إيه القرف ده؟"
خالتها:
"وحش إيه! حرام عليكي ده الفستان كأنه متفصل عشانك."
وكادت تدمع لتقول بصوت متحشرج:
"أنا تعبانة قوي يا خالتو ومش عارفة أعمل إيه مع ماما ولا البارد التاني اللي عارف إن أنا مش عايزاه ولا طايقاه وبرضو عايز يتجوزني."
خالتها وهي تعانقها بحنان:
"اهدي يا حبيبتي وماتعيطيش. إن شاء الله ربنا هيحققلك كل اللي أنتِ عايزاه. أنتِ بس طوّعي أمك دلوقتي لأنك عارفة دماغها أنشف من الحجر، وياما طلعت عيني وأنا صغيرة وكانت برضو هتدبسني هي وجدتك في واحد عرفت إنه دلوقتي متجوز اتنين وبيبدل في التالتة ويطلق ويجيب غيرها. لكن أنا نفذت اللي في دماغي بس بذكاء ومقعدتش أعمل زيك أزعّق وأثور."
ليلى:
"قوليلي عملتي إيه وأنا هعمل زيك."
خالتها:
"مش هينفع نقعد نرغي ومعطلين الناس كده، اقلعي بس الفستان عقبال ما أحاسب عليه وأحجزه، ونروح على عندي وأحكيلك يا قمر عملت إيه وهفهمك تعملي إيه أنتِ كمان."
ليلى بابتسامة أمل:
"حاضر."
خالتها:
"هستناكي بره."
ليلى أشارت إليها نحو قدمها المصابة.
خالتها:
"يوه والله نسيت! خلاص خلصي واندَهي عليا وهاجي أسندك. بس انجزي."
انتهت من خلع الثوب وهي تجاهد بأن تجعل قدمها للأعلى وهي تستند إلى الحائط بظهرها، فنادت على خالتها التي انتهت من إجراءات تأجير الثوب فغادرا المتجر.
ويقفان منتظرين سيارة أجرة حتى تفاجأت بسيارة تقف أمامها وينزل منها علي وشقيقته عبير. فنظرت ليلى إلى خالتها باستغراب لتبادلها خالتها أيضًا نفس النظرات.
علي بابتسامته السمجة:
"خلصتوا؟"
الخالة:
"آه ومروحين عشان ورانا حاجات كتير."
عبير:
"إحنا اتصلنا كتير على التليفون عندكوا ومحدش رد عشان كنا عايزين ليلى ومامتها عشان نجيب لها الهدايا بتاعة الخطوبة. روحنا لقينا مامتك بتقول لنا إنكوا بتحجزوا الفستان وإن نيجي ناخدك أنتِ وخالتك ونروح نجيبلك الحاجات."
ليلى بابتسامة مصطنعة:
"ميرسي، أنا مش عايزة هدايا."
علي:
"ما ينفعش يا لي لي، دي تبقى عيبة في حقي."
عبير:
"دي عاداتنا يا ليلى إن لما واحدة فينا بتتخطب خطيبها وأهله بيجيبوا لها هدايا هدوم وحاجات في جهازها."
الخالة:
"طيب ما ينفعش وقت تاني؟"
علي:
"مش هينفع، أنا يدوب أخدت إذن من الشغل بالعافية، كله يهون عشان خاطر ليلى حبيبتي."
ليلى في نفسها:
"حبك برص وعشرة خرس يا بعيد."
عبير:
"طيب يلا اركبوا العربية."
دلفت للسيارة ليلى وخالتها وعبير في المقاعد الخلفية، بينما علي جلس بجوار السائق حتى وصلوا إلى منطقة خاصة ببيع كل لوازم العروس من ثياب ومفارش. فنزلوا جميعًا وتوجهوا نحو متجر مخصص لبيع الثياب الخاصة للعروس (اللانجيري). وقف علي أمام فاترينة العرض حيث يعرض فيها أحدث صيحات الموضة لتلك النوعية من الثياب. وكان شاردًا ويقول لنفسه:
"يا لهوي على الأسود القصير ده هيبقي جامد على البت ليلى، وهي ما شاء الله عود ومشدود وربنا لأخلي عبير تجيبهولها."
قالها ثم قام بمناداة شقيقته التي بالداخل فخرجت إليه.
عبير:
"نعم يا علي! ما ينفعش تدخل المحل ما أنت عارف."
علي:
"أنا بنده عليكي عشان حاجة تانية."
فأشار إليها نحو الفاترينة ثم أردف:
"شايفة البتاع الأسود ده؟"
عبير بضحك:
"يخرب عقلك! يعني بتناديني عشان كده، ماله يا سيدي؟"
علي:
"اشتريهولها عشان خاطري."
عبير بنبرة سخرية ومزاح:
"ما تهدى يا واد في إيه! اتقل كده ده أنت شكلك مدهول والبت هتفلت منك."
علي:
"بموت فيها يا عبير، اعذري أخوكي بقى."
عبير:
"طيب يا عم العاشق خليني أدخل عشان ما نأخرش البت وخالتها."
ثم أردفت وهي تغمز له بعينها:
"وهشتريلها الأسود القصير."
علي بفرح جلي:
"حبيبة قلب أخوكي يا بيرو."
ثم أرسل لها قبلة في الهواء.
عبير وتدلف إلى المتجر:
"آه يا بكاش."
وبعد مرور وقت طويل انتهوا من الشراء. ثم ذهبوا ليستريحوا أمام محل عصير القصب حيث يجلسون حول منضدة بلاستيكية مستديرة.
علي:
"هتشربوا إيه يا جماعة؟"
عبير:
"هات لي واحدة قنبلة وخليه يكتر الفاكهة وما يحطش حلويات."
علي:
"وأنتِ يا ليلى وخالتك تشربوا إيه؟"
ليلى لم تجب فخالتها أجابت بدلاً عنها:
"شكرًا يا علي كنا لسه شاربين قبل ما نيجي."
علي:
"خلاص هجيب لحضرتك زي أختي ولي لي هجيب لها فخفخينا زيي."
ليلى:
"أستغفرك وأتوب إليك يا رب يا رب."
قالتها وهي تكظم غيظها منه.
علي:
"مش بتحبيها؟ هجيبلك حاجة تاني؟"
ليلى في نفسها:
"يا نهار أبيض على أم البرود! ربنا يشلك زي ما بتشلني يا أخي."
ثم أردفت بصوت جلي:
"أنت مصمم يعني؟"
أجابها مبتسمًا بجبل من البرود:
"آه يا حُب، ها عايزة إيه بدل ما أختارلك أنا؟"
ليلى:
"أمري لله. هات لي عصير مانجا."
قالتها ثم ابتسمت له ابتسامة صفراء.
أتى لهم بطلباتهم ليجلس بجوارها ويهمس لها:
"خلاص يا حُب كلها كام يوم وتبقى حرم الأمين علي."
ليلى:
"ده من عاشر المستحيلات."
علي:
"ما فيش مستحيل في الزمن ده يا لي لي."
ليلى:
"لا فيه حاجة اسمها إن ما فيش حد بيتغصب على حاجة في الزمن ده برضو."
علي:
"عندي أنا فيه، وهتكوني مراتي وبإرادتك كمان ولا إيه يا دكتورة؟"
نهضت من مقعدها وبيدها كوب العصير وتصنعت الألم بقدمها لتسكب العصير على قميصه ذي اللون الأبيض، لينتفض هو من مكانه في محاولة تنظيف قميصه لكن بملامح هي تراها لأول مرة فكان الغضب يملأ عينيه، فارتعبت منه لترتجع إلى الخلف خشية من ردة فعله نحوها.
خالتها:
"حصل خير يا علي ما كانش قصدها."
علي بنبرة مرعبة:
"ولا تقصد! أنا لما أروح هغسل القميص بنفسي وأعصره وهنشره."
كان يتكئ على أحرف كلماته وله مقصد آخر من وراء تلك الجملة. لتخاف ليلى وتتشبث بخالتها وتقول لها بنبرة خوف:
"يلا يا خالتو نمشي بسرعة."
خالتها هامسة:
"ما تبينيش قدامه إنك خايفة يا هبلة، كده هيستغل نقطة ضعفك، هو أهبل أصلاً ولا هيعمل حاجة."
ليلى:
"طيب أنا عايزة أمشي بالله عليكي، أنا لو فضلت ثانية معاه ممكن أموت."
الخالة:
"طيب يلا. عن إذنكوا إحنا هنروح لأن ليلى رجلها تعبت والمفروض ترفعها طول الوقت عشان تخف."
علي:
"ثواني هدفع الحساب وآجي أوصلكوا."
الخالة:
"ما فيش داعي."
علي:
"خلص الكلام وقلت هاجي يعني هاجي عشان أوصلكوا."
ليلى:
"شوفتي يا خالتو؟"
الخالة:
"اهدي بقى أنتِ كمان والله لأروح لأمك المفترية دي وأخليها تعقل."
غادرا المكان ليصلهم علي أمام منزل ليلى. ثم غادر وهو مبتسمًا لأنه أدرك تأثير وجهه الآخر من الشر على ليلى فجعلها تخافه وتخشاه.
***
صعدت الدرج لتصل أمام منزل ليلى لتجد والدة صديقتها ترمقها بنظرات سخط واحتقار.
فيروز لم تفهم تلك النظرات فقالت ببراءة:
"إزيك يا طنط عاملة إيه أنتِ وعمو وليلى؟ وحشاني ليلى قوي هي جوه؟"
والدة ليلى:
"لأ يا حبيبتي عقبالك كده إن شاء الله، راحت هي وخالتها تحجز فستان الخطوبة."
فيروز بفرح جلي:
"بجد ليلى هتتخطب! ألف ألف مبروك أنا فرحت لها قوي. أنا هطلع أطمن على ماما وهنزلها لما تيجي وأباركلها."
والدة ليلى تلوي فمها جانبًا بسخط:
"معلش يا فيروز خليها في وقت تاني عشان هي بالتأكيد لما ترجع هتكون تعبانة."
انصدمت فيروز من الرد عديم الذوق من تلك المرأة المتسلطة. فاكتفت بالنظر لها متضايقة ثم صعدت إلى منزلها فطرقت الباب وهي تشتاق لرؤية والدتها كثيرًا. انتظرت حتى فتح الباب. فغرت فاها بذهول من الذي يقف أمامها وهي تحاول أن تتذكره فعقلها يقول لها إنه رأته من قبل لكن لم تحتفظ بملامحه حينها.
فيروز بتعجب جلي:
"أنت مين؟!"
أشار لها بأن تدلف إلى الداخل ثم قال بصوته الرخيم:
"وينفع برضو نتكلم على الباب كده؟ تعالي جوه وأنا هفهمك كل حاجة."
دلفت إلى المنزل بالداخل وتبحث بناظريها عن والدتها:
"هي فين ماما؟"
ليجيب عليها:
"عمتي لسه بتصلي."
فيروز باندهاش أكثر من ذي قبل:
"عمتك؟!"
"أنت مين أصلاً؟ أنا حاسة إن أنا شوفتك قبل كده بس مش فاكرة فين ولا أمتى بس ملامحك مش غريبة عليا."
رن جرس الباب لينهض هو لكي يفتح فمنعته بإشارة من يديها:
"استنى هفتح أنا، ممكن تكون ليلى صاحبتي."
اتجهت مسرعة لتفتح الباب لتجد من تخشاه في تلك اللحظة فبالتأكيد سيسئ الفهم وستحدث كارثة.
فيروز بتوتر جلي:
"صقر! في حاجة؟"
قالتها وهي تحاول مواربة الباب.
صقر مبتسمًا:
"وحشتيني، قلت آجي أشوف حبيب قلبي."
فيروز بابتسامة متصنعة:
"وأنت كمان."
صقر:
"وأنا كمان إيه؟"
ماشي، أنا هعديها لك بس لإنك مش عارفه تردي عشان مامتك.
فيروز بابتسامة يشوبها القلق: الحمد لله، أخيرًا فهمت.
ليأتي صوت الآخر الذي وصل لمسمع صقر بوضوح شديد: مين ع الباب يا فيروز؟
تبدلت ملامح صقر وبدا الغضب على ملامحه: مين ده؟
فيروز كمن يريد أن تأتي معجزة إليها في تلك اللحظة وتختفي من أمامه قبل أن يتهور ويسبب لها فضيحة بمسكنها، أجابت بخوف ورعب: ده ده... ثواني بـ...
لم تكمل جملتها لتجده يدفع الباب بقوة لترتمي هي جانبًا وتستند على الحائط لتجنب الوقوع.
صقر بصدمة جلية: محمد!
وكان الآخر واقفًا بنفس تلك الصدمة والذهول: صقر!
خرجت السيدة آمال بعد أن انتهت من أداء فرضها وتنظر إليهم جميعًا بتساؤل: إيه الدوشة دي في إيه؟
فيروز ركضت نحو والدتها وهي تعانقها: ماما وحشتيني أوي.
بادلتها نفس العناق لكن بنبرة باردة: كنتي فين الأيام اللي فاتت؟ والأستاذ ده بيعمل إيه هنا؟
قالتها وهي تشير نحو صقر.
زفر صقر بضيق: أنا كنت جاي أدي لها تليفونها.
لتزيد جملته من الطين بلة.
آمال متسائلة: يعني الهانم قبل ما تيجي كانت معاك؟
ثم نظرت لفيروز بتوعد لها فأردفت: معنى كده كنتي بايتة عنده الأيام اللي فاتت؟
فيروز بنبرة رجاء: يا ماما أنتي فاهمة غلط، اصبري أشرح لـ...
لم تكمل بسبب الصفعة التي تلقتها من والدتها فانهارت في البكاء.
محمد متضايقًا: ليه كده يا عمتي، اسمعيها الأول.
صقر بدهشة تحيره أكثر: عمتك!
محمد: أنا أبقى ابن خال فيروز.
لتكمل آمال متحدية صقر بنظرات حادة: وخطيبها إن شاء الله.
وقعت الجملة على مسمعه كوقع الصاعقة، لتصمت فيروز بصدمة وهي تحاول أن تكفكف عبراتها ثم صاحت بصوت دوى في جميع أرجاء المنزل: وأنا مش خطيبة حد.
قالتها لتنظر إلى صقر الذي عقب قائلًا بصوت قوي يملؤه الغضب: فيروز خطيبتي أنا.
آمال بنبرة تحدي مرة أخرى: وأنا مش موافقة لإن ابن خالها قرأ معايا فاتحة ويعتبر في حكم خطيبها.
محمد وهو ينظر متعجبًا لحديث عمته: عمتو...
آمال: اسكت أنت يا محمد، بنتي وأنا حرة فيها وعارفة مصلحتها فين، وعمري ما هديها لواحد عمال يصيع لي معاها، وكمان بكل بجاحة ياخدها عنده تقعد الأيام اللي فاتت في شقته، ده يبقى اسمه إيه غير سفالة وإن ما عرفتش أربي.
فيروز أجهشت في البكاء ليشعر هو كأن قلبه يعتصر ألمًا فصاح بوالدتها: أنتي ليه حضرتك على طول بتحكمي قبل ما تسمعي الواحد؟ هي فعلًا كانت عندي بس طول الوقت قاعدة مع أختي اللي عايشة معايا يعني مش مختلي بيها زي ما حضرتك فهمتي.
آمال: برضه مينفعش، وسبق وقولت لك قبل كده إحنا صعايدة والمسائل دي ما فيهاش هزار، وبنتي لو غلطت تتجمل نتيجة غلطها، وأنا مش بعاقبها أنا هديها لابن خالها اللي جالي البيت من بابه مش من الشباك يا ابن الأصول.
قالتها وهي ترمقه بسخط.
ظل يضغط على أعصابه حتى لا يرتكب فعلًا أحمق فاستعاذ بالله واستغفره حتى هدأ ثم قال: طيب حضرتك أنا قدامك أهو وبقول لك أنا طالب إيد فيروز وعايزها تكون أم ولادي.
آمال بنبرة استفزازية: وأنا بقول لك مش موافقة، وأهي بنتي عندك اسألها لو هتوافق وهتجوزك غصب عني يبقى تنسى إن ليها أم وهفضل غضبانة عليها ليوم الدين.
فيروز وضعت يديها على فمها وهي تشهق باكية من صدمتها من قسوة كلمات والدتها.
صقر وعروقه تنبض بقوة والنيران مشتعلة بداخله ليود أن يحطم ويهدم كل ما يقابله... لينظر متسائلًا وحدقتيه متسعة من الغضب وبصوت مرعب: وفيروز مش هتكون غير ليا، والراجل اللي يفكر بس إنه يبص لها ساعتها هادفنه مكانه وهو صاحي.
محمد: اهدى يا صقر، مينفعش تتكلم مع عمتي كده مهما كان دي بنتها و...
قاطعه صقر بنبرة مرعبة ومحذرة: اخرس أنت وربنا لولا بس إن إحنا كلنا مع بعض عيش وملح في يوم من الأيام كنت خليتهم يترحموا عليك دلوقت...
ثم أردف موجهًا حديثه لآمال: يعني ده آخر كلام عند حضرتك؟
آمال: آه وقرار مش راجعة فيه.
صقر بدون إدراك جذب فيروز من يدها بقوة وهو يصيح: تعالي معايا هنروح للمأذون أكتب عليكي.
محمد أسرع نحوه ليمسك بيده وهو يصيح فيه بنبرة غاضبة: واخدها ورايح على فين هي مالهاش أهل يوقفوك عند حدك؟
ليترك فيروز ويوجه لكمة بعظم قوته لمحمد الذي وقع أرضًا من شدة وقوة اللكمة ثم أردف: يلا يا فيروز.
فيروز تسمرت في مكانها وتذرف دموعًا وتصرخ: مش هينفع أجي معاك.
صقر بصياح: يعني إيه؟
فيروز وهي تعتصر ألمًا: يعني دي أمي ومقدرش استغنى عنها لإني ماليش غيرها ومقدرش أبيعها بسهولة.
صقر نظر لها والغضب يتطاير كالشرار من عينيه: خليكي فاكرة اللحظة دي كويس عشان ما تلومنيش بعد كده.
صمت ليوقع على مسامعها صوت الرعد الذي قسمها لنصفين: لإني هنسى إن في يوم من الأيام إني حبيتك أو عرفتك.
اتسعت حدقتاها بعدم تصديق حديثه الذي كان أقسى من الصخر على قلبها.
رمقها من أسفل لأعلى باحتقار ثم غادر وهو يدفع الباب بقوة لينخلع من مكانه.
تاركًا إياها وهي تجثو على الأرض وتضرب وجنتيها بصفعات متتالية مما وصل بها الحال.
محمد هم بالمغادرة مستأذنًا عمته التي بداخلها يحترق من أجل رؤية ابنتها هكذا... لكن لماذا فعلت ذلك؟
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم ولاء رفعت
تمددت على الأرض الباردة ليلفح جسدها الصقيع الذي يتخلل من الفتحة الموجودة بأعلى تلك الغرفة التي يعم في كل أرجائها الظلام الدامس. جسدها كان يرتجف ففتحت عينيها لتشهق بقوة وأوصالها ترتعد خوفًا. كانت لم ترَ أي شيء فتحسست بأناملها كل ما حولها لا تجد سوى الفراغ. وإذ بشعاع ضوء البدر المنير الذي يتخلل الفتحة العلوية ليدلف إلى تلك الغرفة الشاغرة. تتبعت ذلك الضوء حتى لمع بريق معدني فاقتربت بحذر لتكتشف أنها قضبان لتتضح لها الرؤية أكثر حتى أنها انصدمت فأنها أسيرة بداخل غرفة لا يملؤها سوى الظلام المعتم وبابها كان عبارة عن قضبان معدنية. تشبثت بتلك القضبان وهي تصيح بأعلى صوت لها تستنجد بمن يسمع استغاثتها حتى ينقذها من تلك الغرفة الموحشة. ظلت تصرخ وتصيح وعبراتها كشلالات نهر منهمرة على صخور صلدة وهي الأرض التي تقف عليها حتى استكانت لتتفاجأ بأيدي من الخارج تلامس يديها بحنان لترفع بصرها وتجاهد على رؤية صاحب تلك الأيدي لتجده أمامها، ها هو معشوقها ومن يهواه قلبها. لكن مهلًا لماذا ملامح وجهه متجهمة وكأنه كالصنم لا يبدي أي تعبير؟ لكن لم تأبه بذلك بل ارتسمت على محياها ابتسامة حب وأمل ظنت أنه أتى لكي ينقذها. فخابت ظنونها عندما ألقى بيديها بقوة لتبتعد خطوة إلى الوراء فوجدته يفتح ذلك الباب اللعين وكادت أساريرها تنفرج فأوقفها جسدها الذي كان يهوي طريحًا على الأرض بسبب دفعه لها بقوة. فصرخت منادية باسمه وهو لم يعرها أي اهتمام بل صاح بوجهها بأن تبتعد عنه ثم غادر الغرفة وهو يقفل ذلك الباب بأقفال محكمة كلما قفل إحداها صدر صوتًا مرعبًا جعلها ترتجف حتى انتهى ليتركها وحيدة خائفة ضائعة. لم يؤنسها سوى شعور واحد وهو الاختناق الذي يزهق روحها.
فيروز نهضت بذعر وهي تشهق: هااااااااااااااا. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. خير اللهم اجعله خير.
التفتت بجوارها لتتناول إبريق زجاجي ممتلئ بالماء لتسكب القليل منه بداخل الكوب المجاور لها فتناولتها وارتشفت القليل. وتنهدت وهي تضع يديها على صدرها لتهدأ من روعها.
نهضت من على التخت فوجدت النافذة التي بغرفتها مفتوحة على مصراعيها لتهب رياح باردة تلفح وجنتيها التي تتشكل عليها آثار عبراتها. أغلقت النافذة بإحكام وأقفلت الستائر عليها. تذكرت شيئًا ما فتوجهت نحو خزانتها لتفتح ضلفتيها ووضعت يدها أسفل ثيابها المتراصة لتخرج هاتفها التي خبأته من والدتها حتى لا تفعل به كما فعلت بالسابق. كما أن ذلك الهاتف عزيز عليها لأنه هدية من حبيبها. وجدت الهاتف لا يعمل بسبب بطاريته فارغة الشحن. فأتت بسلك الشاحن الخاص به من درج الكومود فأدخلته بالمقبس وانتظرت بضع دقائق حتى عمل الهاتف وضغطت على زر الاتصال باسمه لتسمع جرس الاتصال ولم يجب. ظلت تحاول عدة مرات بلا فائدة. تذكرت أن لديها رقم هاتف شقيقته فهاتفتها لكي تطمئن عليه. فأجابت:
فيروز: ألو، ازيك يا رنيم؟ معلش صحيتك من النوم.
رنيم بصوت ناعس: ولا يهمك يا حبي.
فيروز بتوتر: هو صقر عندك؟
رنيم: مش عارفة. بس خليكي معايا ثواني أدخل أشوفه.
نهضت لتخرج من غرفتها لتدلف إلى غرفته فوجدت تخته كما تركه عندما ذهب ليوصل فيروز. فأردفت: أيوه يا فيرو ده صقر شكله ما رجعش من إمبارح. هو أنتو اتخانقتوا؟
فيروز وبدأ الدمع يملأ عينيها لتقول بصوت خافت وببكاء: صقر خلاص ضاع مني يا رنيم.
قالتها لتجهش بالبكاء.
رنيم: اهدي يا بنتي أنا مش فاهمة منك حاجة. بطلي عياط وفهميني ضاع منك إزاي.
فيروز وهي تحاول أن لا تبكي: هقولك.
سردت لها كل ما حدث حتى آخر جملة التي ذبحت قلبها.
رنيم: أنتي ما تعمليش في نفسك كده صقر بيحبك وبيعشقك وأنا أكثر واحدة عارفة أخويا. هو لما حس إنك اخترتي والدتك إنك كده بعتيه وجرحتي كرامته. لكن اللي عملتيه عين الصح. وهو بنفسه لما يهدي ويفكر هيحترم موقفك جدًا لإن اللي مالوش خير في أهله مالوش خير في الإنسان اللي هيكمل معاه حياته.
فيروز: أنا تعبت يا رنيم وحاسة بإحساس العجز مش قادرة على ماما خالص وأخوكي برده فعله كمل عليا حاسة إن أنا بموت بالبطيء.
رنيم: حبيبتي ألف بعد الشر عليكي. ما تقلقيش عليه أنا هكلمه وهشوفه فين وأول ما يرجع هخليه يكلمك إن شاء الله حتى لو تخرجوا وتتقابلوا في أي كافيه.
فيروز: صقر عمره ما هيسامحني خاصة إنه حاسس إني جرحته.
قد أتى اتصال آخر على الانتظار لدى رنيم فألقت نظرة لتجد اسم المتصل أياس:
رنيم: فيرو خليكي ثواني أرد على أياس على الويت يمكن يكون صقر عنده.
أردفت: ألو يا حبيبي.
أياس: بترغي مع مين الفجر كده.
رنيم: دي فيروز بتكلمني.
وقالت له بإيجاز ما حدث.
أياس ضحك: سبحان الله فعلًا اللي عمله معايا أهو حصل معاه.
رنيم بجدية: أنت شمتان فيه؟
أياس: مش قصدي يا قلبي. بس أخوكي محتاج اللي يفوقه. وشكل مامة فيروز ناوية تربيه من أول وجديد.
رنيم: ماشي يا أياس البت هاريه نفسها عياط وأخويا ما رجعش البيت وأنت عمال تضحك وتتريق.
زفر بضيق: ما أنتِ عارفة أخوكي لما بيحصل معاه مصيبة وبيتخنق بيسافر إسكندرية ويقعد على البحر ولما نفسيته بتهدى بيرجع تاني.
رنيم: طيب جزاء ليك قوم البس وسافر له.
أياس: نعم يا أختي دي إسكندرية في الوقت ده بيبقي فيها نوة والطريق بيبقي كله مية ومطر ومش ناقص حوادث.
رنيم بغضب وبنبرة تهديد: طيب والله يا أياس لو ما قمتش دلوقت وروحت له اعتبر إن ما حصلش قراية فاتحة ولا أنا خطيبتك من الأساس.
أياس بصوت غاضب: أنتي بتهدديني؟
رنيم بتحدي: أهًا وبتكلم جد ومش بهزر. وسلام بقى عشان أروح أشوف الغلبانة اللي سايبها على الويتينج. باي.
أغلقت المكالمة لتجد فيروز قد أغلقت أيضًا. قامت بالاتصال عليها.
فيروز: كلمتي صقر؟
رنيم: قومي البسي واجهزي عشان هعدي عليكي عشان مسافرين إسكندرية.
فيروز: أنتي بتهزري ماما أصلًا حالفة ما أنا خارجة من البيت غير على الجامعة لما الدراسة تفتح.
رنيم: ماليش فيه اتصرفي. نص ساعة وهستناكي على الكورنيش باي.
ألقت فيروز هاتفها جانبًا لتتسحب لتلقي نظرة على والدتها في الغرفة الأخرى فوجدتها تغط في سبات عميق. ثم نظرت لهيئتها وجدت أنها ما زالت بثيابها منذ الأمس فدلفت للمرحاض بهدوء شديد واغتسلت وجهها فخرجت مسرعة وأخذت من غرفتها معطفًا ثقيلًا وحقيبتها الخاصة ثم غادرت المنزل وارتدت حذاءها بالخارج وذهبت لتنتظر رنيم.
________________________
وبعد مرور عدة ساعات، في محافظة إسكندرية وهي حقًا كما أُطلق عليها لقب عروس البحر من جمالها الساحر وشواطئها الخلابة وارتطام الأمواج بالصخور لتعزف أجمل سيمفونية تطرب لها الآذان.
يجلس على رمال الشاطئ شاردًا في أمواج البحر المتقاذفة وبيده قنينة من الخمر وبجواره أيضًا زجاجتين مثلها فارغتين. يرتشف الخمر ظنًا منه أنه سينسيه ما مر به منذ الأمس لكن هيهات كلما تذكر وجهها ونظرات عينيها التي ترجوه وتقول له لا تتركني وكانت إجابته في منتهى القسوة عليها يشعر بأنه يريد صفع نفسه بآلاف الصفعات.
جاءه صوت من خلفه: كالعادة لما بتتخنق وتحس إن الدنيا قفلت في وشك بتيجي تقعد قدام البحر بس الجديد إن أول مرة أشوفك تشرب بيرة.
لم يعره أي اهتمام وظل يشرب. وكاد يشرب مرة أخرى لتوقفه يد صديقه وهو يأخذ منه القنينة ويلقي بها لأمواج البحر لتحملها بعيدًا.
صقر بثمالة وبنبرة غاضبة: عايز مني إيه؟
قالها بصوت مدوٍ لينهض وهو يستند على الرمال ثم وقف وأردف ليشير نحو نفسه ويقول بسخرية: أنا يتعمل معايا كده! أنا على آخر الزمن أتذل عشان بحب.
ضحك بسخرية ثم أردف: يلعن أبو الحب اللي يبهدل الواحد كده. خليها جنب أمها تنفعها.
ليأتي صوتها يعزف على أوتار قلبه لحن العشق: أنا اخترتها لكن بحبك ومقدرش أبعد عنك.
التفت لمصدر الصوت ليتأكد أنه لا يتخيل بسبب أنه ثمل فاتسعت عيناه عندما رآها تقف أمامه فقال لها بنبرة عتاب: أنتي إيه اللي جابك هنا؟
كان ينظر لها أياس القريب منه لتأتي رنيم وتسحبه نحو سيارتها لتتركهما معًا.
اقتربت فيروز بنظرات عاشقة لتجيب على سؤاله وهي تضع يدها على قلبه: أنا جيت عشان ده.
أزاح يدها عن موضع قلبه ويتحاشى النظر إليها: كدابة.
فيروز: لا مش كدابة وأنت عارف كويس مشاعري إيه ناحيتك ومهما كنت بتقسي عليا برده بحبك.
صقر: قولتيلي لاء ليه؟
فيروز: عشان مينفعش أبيع أمي. فكر واعقلها هل كنت هتأمن على نفسك مع واحدة باعت أعز الناس ليها؟
صقر: ومحمد قصدي خطيبك؟
فيروز: أنا زيي زيك معرفش حكايته إيه أنا اتفاجئت لما روحت ولقيته بيقول إنه ابن خالي.
صقر: وإيه المطلوب مني دلوقتي؟
فيروز: إنك تصبر شوية لغاية ما الأمور تهدى وماما.
فقاطعها بصوت مرتفع وبسخرية: قصدي أتذل لآمال هانم عشان حضرة جنابها ترضى عليا وتجوزني بنتها صح؟
فيروز بغضب: لو سمحت أتكلم على ماما عدل.
صقر وهو يشيح بيديه في وجهها: أنا أتكلم زي ما أنا عايز ويلا امشي من هنا وانسى واحد اسمه صقر كان بيحبك في يوم من الأيام.
قالها وترنح ولم تعد ساقيه تتحمل الوقوف ليقع وهي في لحظة أمسكت بيه ليتشبث بها وأردف: أنا بحبك قوي يا فيروز أرجوكي ما تبعديش عني.
قالها ليغيب عن الوعي تمامًا. صاحت فيه برعب: صقر قوم يا حبيبي وأنا كمان بحبك والله.
حاولت جاهدة الإمساك به لكن بسبب ثقل جسده لم تستطع التحمل فنادت على أياس. فأسرع إليها وهو يحمله عنها ليصبح صقر في المنتصف وأياس وفيروز يحملانه.
أياس: ما تخافيش هو متقل في الشرب جامد شيء طبيعي يقع من طوله.
قالها واتجهوا به إلى السيارة ليدلفوا إلى الداخل.
فكانت فيروز وصقر النائم برأسه على فخذيها يجلسون بالمقعد الخلفي، ورنيم في المقدمة وإياس يقود السيارة.
كانت تتأمل في ملامحه وهو يغط في سبات عميق، وتتداعب بأناملها خصلات شعره، ويدها الأخرى تتحسس شعر ذقنه المنبت، وتبتسم بسعادة وتقول بداخل نفسها: "شكلك حلو أوي وأنت نايم كأنك بيبي صغير... آه لو تعرف أنا بحبك قد إيه ومش بستحمل عليك أي حاجة."
بعد قطع مسافة كبيرة من الإسكندرية إلى أن وصلوا أخيرًا لمدينة القاهرة، حتى وصلوا أمام منزل صقر. نزل إياس ثم رنيم، وفيروز لم تستطع أن تتحرك وصقر نائم على قدميها، ففتح إياس باب السيارة وهو يحمل زجاجة مياه مثلجة.
فيروز بتساؤل: أنت هتعمل إيه؟
إياس وهو يفتح غطاء الزجاجة: انزلي أنتي بس عشان هدومك ما تتغرقش.
فيروز: أنت عايز تدلق عليه ميه مثلجة، حرام عليك الجو ساقعة.
إياس: ومش حرام أشيله وضهري يتكسر؟ قومي أنتي بس وملكيش دعوة.
نزلت فيروز ليسكب إياس الزجاجة على وجه صقر الذي استيقظ وهو يشهق بقوة ليفتح عينيه ووجد إياس يضحك ساخرًا منه.
صقر بصياح: أنت غبي يا واد؟
إياس: هههههههههه أعملك إيه؟ أنت نايم زي القتيل وبصراحة مش قادر أشيلك لتجيبلي الغضروف يا عم.
صقر وهو يمسح وجهه من الماء وبدأ يستعيد وعيه بعد أن كان ثملًا، فنزل من السيارة وهو يلعن صاحبه، ليجدها تقف وتنظر له. فاقترب منها وهو يزفر بضيق: أنتي بتعملي إيه هنا؟
إياس: كانت معانا وإحنا بنجيبك من الإسكندرية وأنت سكران.
فحك رأسه قليلًا ليتذكر عندما وقع بين ذراعيها، فحدق في عينيها بدون أن ينبس بكلمة، ثم أمسكها من يدها وهو يقول: إياس خد رنيم واقعدوا في أي كافتيريا.
فيروز بقلق: أنت واخدني فين؟
صقر لم يرد عليها ليسحبها خلفه ويدلف بها إلى المصعد وهو ما زال يحدق بها بدون أي تعابير على وجهه، حتى وصلا للطابق الذي يوجد به منزله، ليخرج من جيبه المفتاح ويفتح الباب ثم يدلف إلى المنزل ويده ما زالت ممسكة بيدها بقوة.
فيروز بصياح وصوت دوّي: ممكن تفهمني فيه إيه ولا ساحبني وراك زي الكلبة ومش بترد عليا؟
صقر ببرود: صوتك ما يعلاش.
فيروز بعناد: لا هيعلى عشان أنت عايز كل حاجة تبقى على مزاجك وأنا أولع بجاز.
انتابها البكاء لتذرف عبراتها، فشعر بالاختناق ولام نفسه، فاقترب منها وهو يمسكك وجهها بيده والأخرى يمسح دموعها: خلاص ما تعيطيش. قالها ثم جذبها ليدس وجهها على صدره وتزداد في البكاء.
وهو يمسد على ظهرها بحنان: أنتي بتعيطي ليه دلوقت؟
ابتعدت برأسها لتنظر له كالطفلة: عشان بتظلمني وبتقولي إن أنا مش بحبك غير نظرة عينيك ليا إمبارح وكلامك اللي دبحني.
تنهد بألم ليردف: لأن مهما وصفتلك إحساسي كان إيه إمبارح عمرك ما هتحسي باللي كنت حاسس بيه.
فيروز: وكان عليك لوحدك برضه؟ ولا أنا اللي أخدت الإهانة من أمي قدامك أنت واللي اسمه محمد؟
ابتعد عنها قليلًا وبنبرة استفزازية: وخطوبتكم إمتى!
فيروز وهي تمسح دموعها لينتابها الغضب: قول بقي كده إن أنا مش مهم اللي حصلي ولا الكلام اللي سمعته واستحملته عشانك وكل اللي همك محمد إن كان هيخطبني ولا لأ. صمتت لتأتي لها فكرة تعاقبه بها على غيرته التي أصبحت غير طبيعية فأردفت: إيه رأيك بقي أنا هخلي ماما تتصل بمحمد وتقوله إن أنا موافقة ويجي يخطبني.
ليجيب عليها برد غير متوقع: ألف مبروك يا عروسة وما تنسيش تبقي تعزميني ده حتى خطيبك يبقى صاحبي وأنا بعز أصحابي أوي. قالها ببرود هادئ بعكس ما بداخله من نيران متأججة عندما تخيل هذا يحدث.
فيروز وترمقه بسخط: بقي كده يا صقر!!!!
صقر وهو يولي ظهره إليها وبنبرة آمرة: اطلعي برة.
اتسعت حدقتاها في صدمة: أنت بتطردني؟
صقر وبلهجة صارمة: آه وياريت ما أشوفش وشك تاني خالص وانسى كل اللي ما بينا واعتبريه كان وقت لطيف قضيناه مع بعض.
تنظر له غير مصدقة لتقترب منه حتى التفت لها ليصبح في مواجهتها لتقول: أنت أكيد بتهزر وعايز تردهالي صح؟
صقر وبنظرات حادة: كل اللي قلتهولك هو صح. فاقترب منها أكثر لينحني إلى شفتيها ويطبع عليهما قبلة رقيقة ثم أردف: ودي قبلة الوداع.
لم تشعر بكفها وهي تنهال على وجنته وهي تصفعه بقوة وترمقه بنظرات نارية ثم ركضت وفتحت باب المنزل وخرجت ودموعها تنهمر من عينيها.
_________________________
قد مر شهران على الجميع وكانت الأمور كما هي.
فبالنسبة لصقر وفيروز كان العناد يتملكهما فلم يتحدثا أو يتقابلا على الإطلاق طوال تلك الفترة، على الرغم من محاولة كل من رنيم وإياس اللذين سعيا إلى مصالحتهما لكن الكبرياء كان منتصرًا في كل مرة. وكان ما يشجعها على ذلك انشغالها بدراستها والمذاكرة.
إياس ورنيم اكتفيا بعمل حفلة خطوبة صغيرة عائلية بداخل منزل صقر. وقامت رنيم بدعوة فيروز التي ذهبت لها في وقت آخر لم يكن صقر بالبيت حينها لتهنئها، وأعطتها هدية عبارة عن سلسلة فضية يتوسطها اسم رنيم بالإنجليزية.
بينما ليلى كانت تصعد لفيروز بدون علم والدتها المتسلطة لترى خالد الذي قد أتى في زيارة لزوجة عمه أكثر من مرة وفي كل زيارة كان يتأكد من مشاعرها اتجاهه وكذلك نظراتها تبادله تلك المشاعر أيضًا. وبالنسبة إلى حفل خطوبتها قد تأجل بسبب وفاة والدة علي إثر أزمة قلبية. وعلي كان حزنه على فراق والدته يشغله عنها تلك الفترة، كما أن دراستها كانت حجة قوية لكي لا يأتي لزيارتهم.
ولنأتِ إلى علاقة شهاب وسيلين التي تزيد علاقة حبهما يومًا بعد يوم. فكان يوصلها إلى الجامعة وهو عائد من الشركة يأخذها في طريقه ولا يفارقها أبدًا كظلها. وهي كانت ترافقه كل الحفلات الخاصة بالعمل وكذلك كل عشاء عمل الذي ينتهي بمشكلة بينهما وذلك بسبب غيرتها عليه من المدعوة كاميليا الزيان التي لا تيأس أبدًا في محاولتها بإغراء شهاب سواء بنظراتها الجريئة والوقحة ولا لمساتها التي تتعمدها عندما تكون على مقربة منه.
مايا قد قررت أن تنتقل لسكن آخر بدون علم باسل أو أي شخص آخر، فلا أحد يعلم عنها أي شيء، فعزمت على انعزالها عن كل من يعرفها بسبب حملها التي لم تستطع أن تجهضه وكذلك تتجنب ذلك القذر الذي يريد منها الغدر بصديقتها تحت تهديداته المرعبة لها. بينما هو كان يبحث عنها في كل الأرجاء كالمجنون وأرسل العديد من رجال عمه للبحث عنها ولكن بدون جدوى، فازدادت نيران غضبه فأقسم بأن عندما يجدها ليجعلها تتمنى الموت مما سيفعله بها من عذاب.
محمد كان يذهب دائمًا للاطمئنان على عمته وخاصة في الأوقات التي لم تتواجد فيها فيروز بالمنزل. وعلم بمرضها فتكفل بعملية زرع الكلى التي نجحت فتعافت.
فارس بعدما تعافى غادر المشفى وسافر إلى أوروبا على طائرة خاصة ليكمل علاجه ويقوم له الأطباء بعملية ليعود للمشي مرة أخرى وكان المتكلف بكل ذلك صقر على الرغم من رفض فارس لكن صقر أصر لأن ذلك كان خطأه.
ومرت أيضًا تلك الأيام على أيمن وسلمى بسلام حيث عادت حياتهم الطبيعية وعادوا إلى منزلهم بعدما طمأنه صقر الذي كان يتابع القضية وهو موقوف عن عمله حيث تم القبض على معظم أفراد العصابة وبالأخص زعيمهم شوقي ضرغام لكن لم يصدر عليه حكمًا بعد فما زالت التحقيقات مستمرة حين يتم البحث المستمر عن بيبرس الذي سافر إلى دولة فلسطين عبر غزة وهو متنكر حتى وصل إلى مدينة صفد رأس مسقطه. ومن هناك يتابع كل ما يحدث في مصر عن طريق عدنان الحاروني وساشا التي تم إخلاء سبيلها لعدم وجود أي أدلة ضدها.
وهكذا مرت الأيام على الجميع حتى وصلنا إلى الأحداث التي ستقلب مصائرهم، فهناك من سينتهي مصيره إلى النهاية السعيدة وهناك من سيؤول مصيره إلى الجحيم. فهكذا هي الحياة لم تسير على وتيرة واحدة فلا بد من يوم لك والآخر يوم عليك.
________________________
يدلف إلى منزله بعد عناء يوم شاق حيث إنه يعمل الآن في مجال طلاء الحوائط بعد أن جاء قرار بوقفه عن العمل كفرد أمن بالمتحف المصري.
سلمى تعد الغداء في المطبخ وكانت تقلب بالملعقة في داخل إناء من الألومنيوم. أيمن يتسحب بهدوء من خلفها حتى يفزعها.
فصاح بجوار أذنها: هااااااااااااااااااااااااع!
سلمى بفزع وهي تضرب الملعقة في وجهه: عااااااااااااا... ثم صمتت وهي تأخذ أنفاسها بصعوبة.
أيمن: آآآآآآي عيني يخرب عقلك، هو الواحد ما يعرفش يخضك أبدًا غير لما تعمليلو عاهة.
سلمى بغضب: أحسن عشان قولتلك مليون مرة أنا بكره الحركة دي وأنت مش هتسكت غير لما يجيلي سكتة قلبية وأموت وترتاح مني.
أيمن وهو يعانقها: ألف بعد الشر عليكي يا روح قلبي... أنا آسف والله مش هكررها تاني. قالها وأعطاها قبلة على رأسها.
سلمى بابتسامة: خلاص أمري لله هسامحك بس أول وآخر مرة... أنت فاهم؟ قالتها وهي تشير في وجهه بالملعقة.
أيمن وهو يستنشق باستمتاع: الله أنتي عاملالنا ملوخية... تصدقي كان نفسي فيها.
سلمى: ما أنا عارفة من غير ما تقول وكمان عملالك حاجة أنت بتموت فيها.
أيمن: ما تكمليش أوعى يكون اللي في بالي.
سلمى وهي تومئ له بالإيجاب: آه.
فتح أيمن باب فرن الموقد لتتسع عينيه بالفرح: يا سيدي يا سيدي حمام محشي.
سلمى: وبالفريك كمان ومش بس كده عملتلك طاجن كوارع بس لسه هدخله الفرن.
أيمن بابتسامة ماكرة: أوبااااااااااا ده إحنا كده هتبقى سهرتنا صباحي.
سلمى وقد احمرت وجنتاها بعد أن فهمت مقصده: على فكرة أنا عملتلك الأكل ده عشان يقويك ويديك طاقة وتقدر على شغلك المتعب ده.
أيمن وهو يغمز لها بعينه: ما هو كله شغل يا سلومتي.
سلمى بتذمر: على فكرة أنا قصدي على شغل النقاشة وبس بقي.
أيمن: ههههههههههه... ما أنا قصدي على النقاشة برضه، أنتي اللي دماغك بتحدف شمال.
سلمى وتزمت شفتيها لأسفل كالطفلة: كده يا أيمونتي.
أيمن: بهزر معاكي يا قلب أيمونتك، وآه صح بلاش كلمة أيمون دي.
سلمى: ليه؟
أيمن: بتفكرني بأيام سودة الله لا يعودها تاني.
سلمى: طيب روح استحمي عقبال ما أخلص الأكل وأصحي البنات عشان تتغدوا.
أيمن: طيب بعد ما تخلصي أنا جايب هدوم الشغل بالله عليكي انقعيها عشان هلبسها بكرة.
سلمى: من عيوني يا حبي.
قالتها وألقت له قبلة في الهواء.
أيمن: تسلم لي عيونك يا جميل.
قالها وبادلها نفس القبلة في الهواء أيضًا.
انتهت سلمى من إعداد الطعام وأيقظت ابنتيها.
كارما تقطب حاجبيها: يوووه أنا عايزة أنام مش جعانة.
سلمى: قومي يا بت وبلاش دلع، وحضّري حاجات الدرس بتاع العربي عشان أوديكي بعد الغدا.
كارما: وإشمعنى كنزي مش بتروح معايا؟
سلمى: عشان أختك شاطرة في العربي مش خيبانة زيك.
أيمن ويدلف إلى غرفة ابنتيه وكان يجفف وجهه وذراعيه المبتلتين: إيه الزعيق ده؟
سلمى: أحسن أهو أبوكي جالك أهو عشان تبطلي دلع.
أيمن وهو يجلس بجوار كارما وبصوت حاني: إيه يا حبيبة بابا مالك؟
سلمى وترفع حاجبيها بتهكم: والله يا أيمن دلعك ليها ده هيوديها في داهية، خليك أنا أربي وأنت تبوظ من الناحية الثانية.
رمقها بنظرات حادة فغادرت الغرفة فذهب خلفها: تعالي هنا.
سلمى: نعم!
قالتها بسخرية.
أيمن: نعم الله عليكي، إحنا اتفقنا على إيه؟
سلمى: أستغفر الله العظيم، ما هو مينفعش.
أيمن: اللي مينفعش إن أنا وأنتِ نشد على العيال، لازم طرف فينا يشد والثاني يرخي، ومتنسيش دول بنات يا سلمى لازم تصاحبيهم عشان لما يكبروا يبقى سرهم معاكي وتوجهيهم للصح.
سلمى: يعني أنا شريرة معاهم!
أيمن: ماقولتش كده، أنا قصدي إن الطفل سواء كان بنت أو ولد زي النبتة بالضبط، كل ما تهتمي بيها تكبر وتترعرع قدامك، لكن لو قسيتِ عليها هتتدبل وهتضيع ويبقى أنتِ السبب.
سلمى وأرادت تغيير الحديث: طيب يلا عشان الأكل هيبرد.
ثم أردفت: يلا يا بت أنتِ وهي عشان تاكلوا.
قالتها بصياح.
زفر بضيق: مفيش فايدة، كأني بنفخ في قربة مخرومة.
سلمى بابتسامة مصطنعة وبسخرية: معلش هبقى أسد لك الخرم بتاع القربة المرة الجاية.
نظر لها بتوعد: بتتريقي! مااااااااشي، لينا أوضة تلمنا بالليل.
نظرت لأسفل وهي تضحك على حديثه.
________________________
بعد أن كان موقوفًا عن العمل لمدة شهرين عاد لعمله مرة أخرى. وها هو يصف سيارته جانبًا أمام المخفر لينزل من السيارة بشموخ وكبرياء كعادته مرتدياً نظارته الشمسية. دخل إلى المخفر بعدما ألقى عليه العساكر التحية المعتادة، إلى أن وصل أمام مكتبه حتى دلف إليه ويغلق الباب خلفه، فدفع الباب إياس.
وبصوت مهلل: حمد لله على سلامتك يا صاصا.
صقر: إيه صاصا دي؟ ما تلم نفسك إحنا في الشغل، يعني لما يسمعوك العساكر يقولوا عليا إيه؟
إياس أراد استفزازه: الحق عليا كنت جاي أعزمك.
صقر بتعجب: تعزمني على إيه؟
إياس وهو يكاد ينفجر من الضحك لكن حاول السيطرة على نفسه فقال: فيروز.
أحس بقبضة بقلبه وكأنه سيختنق: أنت تقصد إيه؟
إياس وتصنع عدم الاهتمام: مفيش، ده فرح محمد على فيروز، خطوبة وكتب كتاب والليلة الكبيرة بعد ما تخلص امتحاناتها.
صقر وأحس كمن أحد ما يقتلع قلبه ويزهق روحه فنهض بغضب وبصوت مدوٍ: أنت بتتكلم بجد؟
إياس وهو يخرج بطاقة دعوة من ملف ورقي كان يحمله بيده: اتفضل يا سيدي، وأهي دعوة الفرح الخطوبة دي بعتها لك محمد وموصيني عليها.
أخذها منه بعنف وهو يقرأها بعينين مشتعلتين بنيران الغضب فقام بطيها ووضعها بجيب سترته فكاد يغادر فأردف إياس: على فكرة فيروز هتلاقيها دلوقتي في الجامعة.
سمع جملته ليقول بداخل نفسه: أبقى وريني يا هانم هتتخطبي إزاي.
قالها وهو يخطو سريعًا ليصل للخارج ويستقل سيارته واتجه نحو الجامعة.
إياس ما زال بمكتب صقر فأخرج هاتفه واتصل برنيم.
إياس: أيوة يا قلبي؟
رنيم: ها عملت إيه؟
إياس: ربنا يستر وما يقتلهاش، الله يخربيت أفكارك اللي هتودينا في داهية.
رنيم: أعمل إيه ما إحنا تعبنا معاهم ودمغهم أنشف من الصخر، وكل واحد ماسك لي في الكبرياء والكرامة، عيال باردة.
إياس: وأنا مليش فيه بقى لو حصلت كارثة، أنتِ عارفة أخوكي متهور ومجنون.
رنيم: متخافيش صقر بيعشقها وعمره ما هيأذيها.
إياس: طيب اقفلي يا أختي عشان هأروح على مكتبي وأتصل بأخوكي أشوفه عمل إيه.
رنيم: باي باي أيسو.
إياس: باي.
بينما صقر كان يقود بسرعة جنونية توشك به إلى الهلاك حتى وصل إلى الحرم الجامعي فنزل من سيارته ليدلف إلى الداخل عبر البوابة بعد أن رأى حارس الأمن بطاقة هويته.
فيروز تجلس مع مجموعة من الأصدقاء ومن بينهم شباب على العشب وكانوا يضحكون ويلعبون لعبة الصراحة بزجاجة بلاستيكية فارغة.
أحد الشباب بعد أن توجه طرف الزجاجة نحو فيروز: وأخيرًا جه عليكي الدور.
فيروز بمرح: بس يا ريت سؤال طبيعي وبلاش الأسئلة الرخمة.
الشاب: أنتِ تؤمري يا عسل.
وكان بجوارها شاب آخر معجب بها فكان ينوي أن يلمس يدها التي كانت مستندة بها على العشب وكاد يضع يده ليتفاجأ بمن يقبض على يده ويلوي ذراعه للخلف ليصرخ الشاب متأوهًا فنهضوا جميعًا بذعر.
صقر وبغضب عارم: إيدك دي لو كانت لمستها كنت هقطعها لك.
فيروز على الرغم من خفقات قلبها المتسارعة عندما رأته لكن كانت مرتابة من الذي سيحدث فصاحت فيه: على فكرة ما جاش جمبي.
صقر وبغضب: أنتِ تسكتي خالص وحسابك بعدين.
إحدى الفتيات: مين ده يا فيروز؟
فيروز بخوف وتردد: ده ده.
ليترك صقر الشاب ليدفعه بقوة ويرتطم بالأرض. ثم جذب فيروز من معصمها وهو يسحبها خلفه.
أتى إليه بعض الحراس من الأمن الداخلي بالحرم.
الحارس: أنت يا حضرة واخد الآنسة ورايح على فين؟
صقر بصوت أجش: خطيبتي وجاي أخدها.
وقعت على مسمعها الكلمة بسعادة من داخلها.
الحارس: تعرفيه يا آنسة؟
فيروز: أه خطيبي.
الحارس: طيب اتفضل خدها واخرجوا عشان دي جامعة مش جنينة العشاق.
قالها ساخرًا.
صقر: أنت عارف أنت بتتكلم مع مين؟
الحارس: هتكون مين يعني؟
أخرج صقر بطاقة عمله ليوجهها أمام نظر الحارس فتعلثم خوفًا: آآآ أسف يا باشا.
تركه صقر وغادر الحرم وما زال ممسكًا بمعصمها.
فيروز تتألم: آآآه إيدي هتتخلع.
صقر وهو يفتح باب السيارة ليلقي بها بعنف بالداخل ثم صفق الباب والتف ليدلف إلى السيارة وجلس ثم انطلق.
فيروز: مالك بتعمل معايا كده ليه؟ مش خلاص كنت بالنسبة ليك علاقة عابرة وانتهت راجع ليه؟
لم يجب عليها واستمر بالقيادة لينحرف عن مسار الطريق ويدخل إلى طريق آخر لا يوجد به أحد.
فيروز بغضب: ما بتردش عليا ليه؟
ليرتفع صوتها أكثر وأردفت: مش كل واحد فينا راح لحاله عايز مني إيه دلوقتي؟
توقف فجأة ثم نزل من السيارة ليلتف إليها ليفتح الباب لها ليخرجها فارتعبت من عينيه التي يملؤها الغضب فتراجعت للخلف وهو يتقدم نحوها فدفعها بقوة ليرتطم ظهرها بسيارته واقترب منها حتى لا يفصل بينهما سوى أنش، لينهال على شفتيها بقبلة قوية فقام بعضها وهو يقبلها لتصرخ متأوهة فابتعد عنها وهو يحدق في عينيها بنظرات حادة.
هي كانت تتلمس شفاها التي سال منها قطرات الدماء: آآآه.
ليمد يده بجيب سترته وأخرج بطاقة الدعوة ووضعها أمام عينيها.
فيروز بصراخ: ابعد عنييييييي أنا بكرهك.
قالتها ولم تنظر للبطاقة.
صقر بصياح غاضب: اقرئي الزفت ده.
فارتجفت خائفة من صياحه فقرأت لتشهق: هااااااااا... إيه ده والله ما أعرف عنه حاجة.
صقر وهو يمزق الدعوة إلى فتات: إيه مش كنتِ قايلة إنك هتوافقي؟
فيروز: أنا حرة أوافق ولا ما أوافقش، ده يخصك في إيه؟
صقر وهو يجز على أسنانه: بطلي تستفزي فيا بدل ما هخليكي تندمي.
فيروز بتحدي: إيه هتضربني؟؟
كور قبضة يده ليضرب بقوة سيارته وكانت الضربة بجوار أذنها لترعبها.
فحل الصمت ليقاطعه رنين هاتفها لتجد اسم المتصل رنيم فلم تجب وكانت ستضع الهاتف بحقيبتها، فأخذه بعنف من يدها ليرى من يتصل بها ومن غضبه أجاب بدون تركيز في الاسم.
صقر وضعه على أذنه ولم يتكلم. فوجدها أخته التي تحسب أنه فيروز.
رنيم: خلي بالك أنا عملت مقلب في صقر عشان أخليه يعقل ويرجع لك ونفرح بيكو بقى، خدي بالك ليتجنن ويعمل فيكي حاجة.
صقر وبصوت مرعب: ده أنا اللي جاي لك دلوقتي وهوريكي الجنان على حق.
قالها لتغلق شقيقته وهي تشهق من الفزع.
نظر لفيروز التي كانت تتألم من شفتيها التي تورمت وما زالت تنزف فشعر بالوجع من داخله لأنه جعلها تألمت فأخرج من جيبه منشفة ورقية ووضعها على شفتيها يمسح دماءها.
صقر وهو يقبل جبهتها ثم أردف: أنا آسف.
أشاحت بعينيها للجهة الأخرى وعبراتها أسيرة بعينيها.
صقر: فيروز ممكن تبصي لي أنا آسف إن...
قاطعته وهي تصرخ في وجهه: أنا عايزة أروح وسبني في حالي بقى.
صقر شعر بالاختناق: طيب خلاص تعالي اركبي عشان أروحك.
لتذرف عينيها دموعها وهي تشهق بصوت جلي فشعر قلبه يحترق من أجلها فعانقها بقوة وهو يعتذر لها. فأبعدته عنها ثم دلفت إلى السيارة ليلتف إلى الجهة الأخرى وجلس ثم انطلق بالسيارة وظل الاثنان في صمت.
______________________
تسلل إلى البناء الذي لا يسكن فيه سواها ومن حسن حظه لا يوجد حارس يؤمنه. فصعد الدرج حتى وصل إلى الطابق المنشود ووقف أمام باب المنزل فأخرج أداة حادة ليفتح بها الباب بدلًا من المفتاح.
فدلف إلى الداخل بهدوء يبحث عنها، فوجدها نائمة في الغرفة، فذهب نحوها وأخذ كوب الماء من على الكومود ليسكبه بقوة على وجهها.
شهقت بقوة وبفزع لتراه أمامها، حتى اتسعت حدقتاها تكادان تخرجان من محجريهما.
ضحك كالشيطان وبصوت كالفحيح:
كنتي فاكرة إنك هتفضلي هربانة مني؟
توقفت الكلمات بحلقها، غير قادرة على النطق، واكتفت بوضع يديها على وجهها لتحتمي منه.
ليردف:
أنا هددتك بدل المرة ألف، وقولتلك يا مايا إلا أنا .. صح؟
فلم تجب، فجذبها من شعرها بقوة لتصرخ بأعلى صوتها:
ااااااااااااااااااااااااااااااااااااه!
باسل:
هو أنا لسه عملت فيكي حاجة؟!
فأقترب بجوار أذنيها وبصوت مرعب:
ده أنتِ أيامك معايا أسود من السواد.
بدأت كلماتها تخرج بصعوبة:
حححح... حقولك على كل حـ... حاجة.
لم يعطها أي فرصة ليجذبها من شعرها ويسحلها على الأرض، ثم رفعها وحملها على كتفه وهي تقاوم وتضرب فيه لينزلها، فهي غير قادرة عليه، فأدخلها سيارته بعنف، ثم أخرج حبلًا من جيبه وقيد يداها، ثم أخرج الآخر وقيد قدميها، وأحكم غلق باب السيارة المجاور لها جيدًا. فجلس على مقعد القيادة وانطلق، وفي الطريق أخرج هاتفه ليتصل برقم ما:
ألو... أيوة كل حاجة جاهزة؟
تمام أوي.
مش عايز حد في المكان خالص، ولو عمي سألك عليا قوله إن أنا بقضي يومين في الجونة.
باي.
أغلق لينظر لمايا التي كانت تتوسله:
أبوس إيدك يا باسل ارحمني.
باسل بابتسامة جانبية:
أنتِ اللي بتعملي في نفسك كده، فاستحملي بقى.
مايا بصراخ:
والله ما هعمل كده تاني خلاص...
قالتها ثم ارتطمت في النافذة المجاورة إثر صفعته القوية لها.
وصل أخيرًا أمام بناء كبير وقديم، على ما يبدو مخزن مهجور. نزل من السيارة ليلتف ويحملها حيث أنها فاقدة للوعي، فدلف إلى الداخل ليعلق يديها المقيدتين بسلسلة تتدلى من أعلى وقدميها مقيدتان. وبعد مرور بضع دقائق... بدأ يعود إليها وعيها لتصدر صرخة مدوية بأرجاء المكان عندما رأته أتى نحوها يحمل سيخًا رفيعًا متوهجًا.
_____________________
بعد مرور يومين...
يعرض التلفاز أغنية للسندريلا سعاد حسني (الدنيا ربيع والجو بديع قفلي على كل المواضيع...).
سلمى بصياح من داخل غرفتها:
ما توطوا الزفت ده شوية، مش عارفة أنيم العيال.
يخرج أيمن من المرحاض بعدما توضأ:
كارما، كنزي، وطوا التليفزيون يا حبايبي شوية عشان ماما بتنيم عمر وسليم.
كنزي:
حاضر يا بابا.
أيمن:
تسلميلي يا قلب بابا.
كارما وهي تضع يديها على جانبي خصرها:
وأنا أبقى إيه؟
أيمن مبتسمًا وهو يضع يده على وجنتيها:
وأنتِ روح بابا.
فعانقته بقوة وهي تصيح بفرح:
حبيبيييييي!
سلمى وهي تخرج إلى الردهة وتتنهد:
أخيرًا العيال ناموا، أنا تعبت والله... أيمن؟
أيمن وكاد يبدأ بالصلاة فتوقف:
أستغفر الله... نعم يا سلمى مش شيفاني بصلي؟
سلمى:
معلش والله ما مركزة... أنا كنت عايزة أقولك إن أنا مش قادرة أخرج، خد البنات وفسحهم أنت، وأنا خليني هنا وهكلم خالتي أخليها تيجي تونسني عقبال لما تيجوا.
أيمن:
حاضر يا سلمى... بس روحي جهزي البنات ولبسيهم الفساتين اللي اشتريناهم إمبارح، وحضري لهم شوية سندوتشات عشان لو جاعوا.
سلمى:
أنا عاملة لهم بيض ملون وهحمر لهم بطاطس عشان بيحبوها، وأنت ماشي اشتري لهم فينو.
أيمن:
طيب وأنا؟
سلمى:
الفسيخ والرنجة لما ترجع هناكلهم مع بعض عشان نفتح نفس بعض يا حبي.
أيمن:
حاضر يا قلبي... سيبني بقى أصلي.
ذهبت إلى المطبخ فأعدت كل شيء ووضعته في علب ثم في كيس بلاستيكي. رن هاتفها فأجابت:
ألو يا خالتو.
الخالة:
صباح النور يا حبيبتي، العيال وأيمن عاملين إيه؟
سلمى:
الحمد لله كلنا بخير.
الخالة:
مش ناويين تيجوا تقضوا معايا شم النسيم؟
سلمى:
أنا كنت هتصل بيكي هقولك تعالي اقعدي معايا عشان أيمن هياخد البنات وهيفسحهم، وأنا مش قادرة أخرج.
الخالة:
ليه يا بنتي اخرجي ورفهي عن نفسك شوية بدل ما حابسة نفسك في البيت كده.
سلمى:
والله يا خالتو مخنوقة أوي، فاكرة الحلم اللي حكيتهولك بتاع التعبان اللي موت أيمن وضروسي اللي بيوقعوا والتعبان بلعهم؟
الخالة:
يا عبيطة ما تصدقيش الكوابيس ده، هتلاقيكي كنتي واكلة ونمتي.
سلمى:
لا أصلًا مش بتعشى.
الخالة:
ما تحطيش في دماغك يا بنتي وخليها على الله... الحمد لله جوزك وولادك في حضنك، ما تشيليش هم بقى وربك هو الحافظ.
سلمى:
ونعم بالله... أنا مستنياكي ما تتأخريش.
الخالة:
ياريت ينفع والله بس مروة بنتي كلمتني من إمبارح ومأكدة عليا هيجوا عندي يقضوا شم النسيم، عشان كده بقولك تعالوا، وأهي العيال يلعبوا مع بعض.
سلمى:
يوم تاني يا خالتو معلش.
الخالة:
طيب يا سلمى هقفل معاكي بقى عشان الجرس بيرن وشكلهم جم.
سلمى:
سلميلي عليهم كتير.
الخالة:
الله يسلمك يا حبيبتي... سلام.
سلمى:
سلام.
أيمن وهو يقوم بغلق أزرار قميصه:
مين كان بيكلمك؟
سلمى:
خالتو كانت بتقولي نروح عندها.
أيمن:
يعني مش هتيجي؟
سلمى:
لا مروة عندها.
أيمن:
طيب خلاص يلا البسي ونخرج.
سلمى:
لا روح أنت والبنات، وأنا سيبني أريح شوية وأصحى تكونوا أنتوا جيتوا.
أيمن:
ماشي... البنات لبسوا؟
كنزي وكارما من خلفه:
خلصنا يا بابا.
أيمن:
واووو إيه الجمال ده، ربنا يحميكوا يا حبايبي وما يحرمنيش منكم...
قالها وهو يعانقهم بقوة.
سلمى وهي تمسك بهاتفها:
استنوا بقى آخد لكوا كام صورة حلوة قبل ما تتبهدلوا...
قامت بالتقاط العديد من الصور لهما وأيضًا مع أيمن.
كنزي:
إحنا عايزين نتصور في الجنينة.
أيمن:
حاضر يا ست كنزي هصوركو لحد ما تزهقوا... ها يا سلمى خلصتي الحاجة؟
سلمى:
آه يا حبيبي خد وخد الإزازة دي عشان لو عطشتوا.
أيمن:
إيه يا بنتي كل ده؟
سلمى:
خليهم ياكلوا ويشبعوا، وخلي بالك منهم والنبي يا أيمن، خصوصًا كارما دي شقية وممكن تسرح مع نفسها وتتوه منك.
أيمن:
اطمني يا حبيبتي إن شاء الله خير... يلا يا عرايس.
كنزي وكارما:
يلا يا بابا.
سلمى:
آه يا جزمة منك ليها ماشيين من غير حضن ولا بوسة لماما... آه ما أنتوا لاقيتوا مصلحتكوا مع اللي بيدلعكوا.
كارما وهي تعانقها:
إحنا بنحبك أنتِ كمان بس بطلي تزعقي فينا كل شوية.
سلمى جذبتهم على صدرها وعانقتهم بقوة وقبلت كل منهما على جبهتها وظلت تعانقهم.
أيمن تعجب من عناقها الطويل لهما:
إيه يا سلومة إحنا جايين تاني مش هنهجر يعني.
سلمى بابتسامة تخفي من ورائها ألم ووجع بداخلها:
ما أنت عارفة لما بيبعدوا عني ببقى عاملة إزاي... دول شافهم قلبي قبل ما تشوفهم عيني يا أيمن.
أيمن لاحظ عبرة هاربة من عينها:
أنتِ بتعيطي؟
سلمى ابتسمت بتصنع:
لا يا حبيبي دي عيني اطرفت بس... يلا يا حبايبي روحوا مع بابا وما تسيبوش إيديه وتعالوا بسرعة ما تتأخروش عليا.
كنزي وكارما:
حاضر ما تخافيش، ولو بابا عاكس واحدة هنيجي نقولك.
ضحك أيمن وسلمى.
أيمن:
أنتِ مسلطة البنات عليا؟
سلمى:
هههههههه أبدًا ما أنت عارف هم بيحبوك وبيغيروا عليك قد إيه.
أيمن:
طيب إحنا هنمشي بقى واقفلي الباب كويس من جوه عقبال ما نجي لك.
سلمى:
لا إله إلا الله.
أيمن:
محمد رسول الله.
غادر أيمن وابنتاه تحت أنظار سلمى التي تشعر بغصة في قلبها لا تعلم ما هو سببها.
توجه أيمن ليستقل مع ابنتيه إحدى سيارات الأجرة الجماعية... فأوصلتهم السيارة أمام حديقة عامة مليئة بالأعشاب الخضراء والأشجار والأزهار المتفتحة... وكثير من العائلات والأسر الذين يجلسون في حلقات وأمامهم تلك الأسماك التي تؤكل في ذلك اليوم كالفسيخ والرنجة والملوحة والبيض الملون... يركض الأطفال بمرح هنا وهناك.
كنزي وهي تهلل:
بابا الحق ده فيه مراجيح.
كارما:
والنبي يا بابا ودينا نتمرجح شوية.
أيمن:
حاضر بس عن شرط أول ما تخلصوا تيجوا تاكلوا.
كارما وكنزي:
حاضر...
كارما:
هات بقى حضن كبير عشان هتمرجحنا.
عانقهما أيمن وشعر بدفء قوي في أحضانهما وشعر بنفس شعور سلمى وهي تلك الغصة.
على الجانب الآخر كانت تجلس سيدة منتقبة بداخل سيارة تتحدث بالهاتف:
أيوة يا باشا... أيوة قدام عينيا بالظبط... لا مش معايا غير الولا زينهم... ما تقلقش يا باشا أول ما نخلص هكلم حضرتك على طول... سلام.
زينهم الجالس بجوارها:
إيه ناوية دلوقتي ولا شوية كده؟
السيدة:
اصبر يا أهبل لما العيال يروحوا يتمرجحوا وأنت تلهيه، وأنا سيب عليا الباقي.
زينهم:
افرضي العيال دي صرخت؟
السيدة:
ما تبطل غبا يا ولا أومال البنج اللي معايا ده جايباه لأمي!
زينهم:
طيب أنا هنزل بقى عشان ألاغي الزبون وأنتِ بقى شوفي الباقي.
السيدة:
يلا انزل وأنا وراك.
كان يقف ويشعر بالعطش الشديد فتناول الزجاجة وشرب الماء كله لتصبح الزجاجة فارغة.
كارما:
بابا أنا عطشانة.
كنزي:
وأنا كمان.
أيمن:
طيب تعالوا نشتري من أي كشك إزازة مايه.
وقبل أن يذهب لأي اتجاه جاء الذي يدعي زينهم وقف أمامه وصافحه بالعناق.
زينهم:
حبيبي يا أيمن عامل إيه يا راجل؟
أيمن بتعجب:
مين حضرتك؟
زينهم:
اخص عليك مش فاكرني...
ده أنا عباس اللي كنت باشتغل معاك من قيمة شهر.
أيمكن، وهو يحاول التذكر جاهدًا: بصراحة لأ، مش فاكر.
وفي أثناء حوار زينهم وأيمن، جاءت السيدة المنتقبة لكنزي وكارما.
سألتهما بدهاء: لو سمحتِ يا قمر منك ليها، ما شفتوش بنوتة صغيرة لابسة فستان أحمر؟
كارما: أنا شفت واحدة لابسة فستان أحمر في الحتة اللي هناك دي.
السيدة: طيب تعالوا معايا عشان وروني مكانها.
قالتها لتعطي إشارة لسائق السيارة ليأتي نحوهم.
كنزي: تعالي يا كارما، بابا قال ما نبعدش عنه.
كارما: تعالي نساعدها، دي شكلها غلبانة.
فدفعتهم السيدة أمامها لينزل السائق وهو يؤمن المكان، فوجد لا أحد يلتفت إليهم، الجميع مشغولون وصراخات الأطفال الذين يلعبون بالملاهي ساعدتهم في إمساك الطفلتين عنوة. طبقت السيدة على فم كارما بقطعة قطنية يملؤها مخدر، وكذلك السائق فعل في كنزي مثل ما فعلت السيدة، فأسرعا قبل أن يُكتشف أمرهما. وعندما شاهدهما زينهم ترك أيمن فجأة ليتوه بداخل الزحام. التفت أيمن الذي شرد لثوان في حوار ذلك الرجل الغريب، فاتسعت مقلتيه من الخوف عندما لم يجدهما.
نادى عليهما بكل ما أوتي من قوة، لم يتلق سوى همهمات الناس من حوله، فركض كالمجنون يبحث عنهم هنا وهناك، وكانت بعض الآخرين يبحثون معه، لكن باء البحث بالفشل.
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم ولاء رفعت
جالسة على تختها وهي تتصفح أخبار الفن والأزياء على الحاسب المتنقل الخاص بها، فسمعت صوت مفتاحه وهو يفتح باب المنزل، فقفزت من مكانها وركضت لتوصد باب غرفتها من الداخل.
بينما هو دلف إلى منزله وكان الغضب يحرقه من داخله كالنيران كلما تذكر نظراتها له، فاتجه نحو غرفة شقيقته فطرق بهدوء بعكس ما بداخله.
صقر بهدوء مصطنع: رنيم افتحي الباب.
رنيم بخوف وضحك في آن واحد: لأ مش فاتحة.
صقر وبنبرة تهديد: افتحي يا رنيم الباب ما تخافيش مش هاعملك حاجة.
رنيم: أنت بتضحك عليا؟ وبعدين أنا عملت كده عشان صعبانين عليا ونفسي ترجعوا لبعض.
صقر: إذن دي حاجة خاصة بيا أنا وملكيش دخل بيها.
رنيم: أنت أخويا وهي صاحبتي وبعتبرها زي أختي، يعني ليا فيه وليا كمان أوي.
صقر بغضب: طيب افتحي الباب عشان أنا صبري بدأ ينفد، ولو ما فتحتيش وربنا لأكسر الباب واستلقي وعدك مني، وهاوريكي أخوكي المجنون زي ما بتقولي عليا.
رنيم بهمس: ده إيه اللي أنا جبتو لنفسي ده، إكش يولعوا بجاز هم الاتنين.
صقر بصوت مدوٍ من الغضب: أنا هاعد من واحد لتلاتة ولو الباب ما اتفتحش مش هاقولك هاعمل فيكي إيه... واحد... اتنين... تل...
فتحت له الباب قبل أن يتهور وركضت مسرعة وتقف فوق تختها.
حدق بها بنظرات حادة وغاضبة ولم يتحدث بكلمة.
رنيم ترتجف خوفًا: أنا والله ما قصدي إني أزعلك ولا أخليك تغضب، أنا كان قصدي خي...
لم تكمل عندما وجدت نظراته تحولت نحو الكومود الذي يوجد عليه طبق به فاكهة وفيه سكين، هكذا ظنت فاتسعت حدقتاها وبصوت سينقطع من الذعر أردفت: صص صقر أنت هتعمل إيه؟! مش معقول هتقتل أختك حبيبتك بسبب مقلب أهبل!
لم يجبها ليخطو نحو الكومود وكاد يمسك به.
صرخت رنيم: يا لهوووووووووي! لتقفز من على التخت وتركض بالخارج ولم ترَ ماذا يفعل. اختبأت في المرحاض ولم تسمع أي قرع أقدام يدل على مجيئه خلفها، بل سمعت صوت صفق باب غرفته فتعجبت لتخرج على أطراف أنامل قدميها بهدوء وهي تضع يدها على موضع قلبها.
رنيم بداخل نفسها: يا رب ما يكون مستخبي ويفاجئني... يا رب يا رب.
وصلت أمام غرفتها ونظرت إلى الداخل باحثة عنه بعينيها فلم تجده، ووجدت باب غرفته موصد، لكن لاحظت عدم وجود الحاسب الذي تركته على الكومود الآخر ولا هاتفها الذي وضعته بجوار طبق الفاكهة. لتدرك على الفور ما فعله.
طرقت باب غرفته: صقر أنت أخذت اللاب والفون بتاعي ليه؟
صقر من الداخل وببرود: مزاجي كده.
رنيم: افتح يا صقر وهات لي حاجتي، ومليش دعوة بيك وبمشاكلك بعد كده.
صقر: يعني عايزة أعدي لك اللي عملتيه ده من غير عقاب؟
رنيم بغضب كالأطفال: عقاب مين يا واد؟ وربنا أنت غبي وهتفضل طول عمرك ما بتفهمش.
صقر وهو يجز على أسنانه ويكظم غيظه: مش فاتح يا رنيم، وعشان طولت لسانك دي عقابًا ليكي مش هاتخديهم لمدة أسبوع.
رنيم: يعني أنت فاكر مش هاعرف أشتري غيرهم!
صقر: كلمة كمان وعقابك هيبقى ممنوع تكلمي إياس ولا هاتشوفيه لمدة أسبوع برضه.
رنيم: قولي بقى إنك منفسن علينا... اللي غيران مننا يعمل زينا.
قالتها لتكيده ساخرة منه.
صقر وهو يفتح الباب ليفاجئها، فتراجعت للوراء ليقول: أنا ممكن أسامحك وأديكي حاجتك بشرط إنك تروحي تتكلمي مع مامت فيروز.
رنيم: تصدق تاهت عني الفكرة دي، حاضر بس هات حاجتي.
صقر: لما تنفذي الأول.
رنيم: مااااشي، إن كان ليك حاجة عند الـ...
صقر يزمجر بغضب: رنييييييييم!
رنيم بابتسامة: خلاص بهزر... تحب أروح لها إمتى؟
صقر: هأظبط أموري وهاقولك عشان أنا جاي معاكي.
رن هاتفه فذهب وأخذه من جيب معطفه ليقطب ما بين حاجبيه فأجاب: ألو يا فندم.................... حاضر أنا جاي فورًا.............. سلام يا فندم.
رنيم: ده القسم؟
صقر وهو يجذب معطفه ويرتديه: آه، عايزني ضروري عشان مشكلة تبع القضية.
رنيم: بتاعت تهريب الآثار؟
وقف أمام المرآة التي بمدخل المنزل وهو يلقي نظرة على هيئته ليرجع خصلة من شعره النائمة على جبينه إلى الوراء: آه يا رنيم، وربنا يستر... أنا ماشي ومش عارف هرجع النهاردة ولا فيها بيات، فخدي بالك من نفسك وكلمي داده سهيلة تيجي تقعد معاكي...
صمت لينظر لها وهو يرفع إحدى حاجبيه بمكر ثم أردف: وخدي حاجتك هتلاقيها في درج الكومودينو جوه... يلا سلام.
قالها وقبّل جبينها وهو يفتح باب المنزل ويغادر.
رنيم: سلام... ثم أغلقت الباب خلفه.
______________________________
يسير هائمًا في الشوارع كمن فقد عقله باحثًا عن فلذات كبده. ويأتي في مخيلته الكثير من المشاهد والمخيلات التي تجعله يريد أن يصرخ بكل ما بداخله، وخاصة بعد أن ذهب للمخفر التابع للمنطقة ليبلغ عن اختطافهما فقالوا له إنه لم يتم البحث سوى بعد مرور ٤٨ ساعة، فاللعنة على ذلك.
لا يجد سوى أن يذهب إلى منزله، لكن كيف سيخبر زوجته بهذا؟ كيف سيقول لها إنني سبب ضياع ابنتينا وهي أوصته بالعناية بهما قبل أن يغادروا للتنزه؟ توقف عقله عن التفكير. الوقت قد تأخر وهاتفه لم يتوقف عن الرنين والمتصل به زوجته.
بينما هي كانت تجول في المنزل ذهابًا وإيابًا وقلبها كمن يخبرها بأن هناك خطب ما حدث لابنتيها وهذا سبب لعدم إجابة زوجها على مكالماتها العديدة.
سلمى: يا رب يا رب رجعهم لي بخير يا رب وخيّب ظنوني... يا رب دول نور عيني ومقدرش أعيش من غيرهم يا رب... يا رب...
وصل إلى منطقته ليقابله جاره الطيب عم جمعة.
ليجده بتلك الحالة المزرية فقال: إزيك يا أيمن يا بني.
أيمن بعد ثوان قد انتبه: نعم إيه؟
جمعة: مالك ماشي شايل هموم الدنيا ليه فوق دماغك؟
هربت من عينيه عبرة: بناتي يا عم جمعة اتخطفوا ومش لاقيهم ولا عارف ده حصل إزاي.
جمعة: لا حول ولا قوة إلا بالله... اهدى يا بني أنت دورت كويس؟
أيمن: أنا عمال أدور بقالي أكثر من ٧ ساعات وروحت بلغت في القسم قالولي لازم يمر ٤٨ ساعة.
جمعة: اهدى كده عشان نفكر...
فصمت لتأتيه فكرة فأردف: بأقولك صح، الواد عبده ابني كان ليه واحد صاحبه حصل معاه كده فنشر صور ابنه على اللي بيقولوا عليه الفيس بوك ده والحمد لله في ناس ولاد حلال لقوه واتصلوا بيه على نمرته اللي كان منزلها مع الصور، ما تجرب كده.
أيمن كالغريق الذي يتعلق بقشة فأخرج هاتفه وتذكر الصور التي التقطها لهما في الحديقة، فنشر الصور لابنتيه على العديد من المجموعات الاجتماعية المشترك فيها وكذلك الصفحات العامة الرائجة وأسفل الصور تنويه بمن يجد الفتاتين فله مكافأة مالية وكتب رقم هاتفه. عدة دقائق لينتشر الخبر بين الجميع.
نعود مرة أخرى لتلك الأم المسكينة التي قررت أن ترتدي عباءتها وحجابها وتأخذ الرضيعين وتتركهم لخالتها وتذهب للبحث عن زوجها وابنتيها. وهي تلف حجابها على رأسها وجدت هاتفها يرن برقم ابنة خالتها.
سلمى زفرت بضيق: وده وقتك يا مروة...
فأغلقت ليعود الرنين مرة أخرى فشعرت بانقباضة في قلبها فأجابت بقلق وريبة: ألو يا مروة.
مروة بصوت لا يبشر بخير: سلمى أنتم بخير؟
تضايقت أكثر لتنْفعل عنوة عنها: الحمد لله يا مروة أنا أصلاً جاية عند خالتي اقفلي و...
قاطعتها مروة: كنزي وكارما عندك؟
ليقع السؤال على مسمعها لتتسمر بمكانها.
سلمى برعب وبنبرة مرتجفة: في إيه يا مروة قولي بالله عليكي أنا على أعصابي أصلاً.
مروة: طيب افتحي الأكونت بتاعك.
سلمى بصياح: الباقة بتاعت النت خلصانة ولسه هاشحن ما تقولي في إيه؟!
قالتها بغضب.
مروة وهي تبتلع ريقها بتردد: آآآه أصلاً كنا فاتحين أنا وعماد جوزي الفيس من شوية لاقينا أيمن منزل صور البنات وإن اللي يلاقيهم ليه مكافأة...
قالتها ليدلف في ذات اللحظة أيمن التي تنظر له سلمى وتتسع حدقتاها من الصدمة كأنها وقع على رأسها دلو من الثلج. وقع هاتفها من يدها فانتابها حالة من الهياج الهستيري: فين بناتي يا أيمن؟ وديت بناتي فييييييين؟
أيمن اقترب منها ليعانقها حتى يهدأ من حالتها: اهدى يا سلمى بالله عليكي مش ناقص.
سلمى تبكي وترتجف: بناتي بناتي فين؟ أنا عايزة بناتي يا أيمن راحوا فين؟
ذرفت عيناه عبراتها: مش عارف والله ما عارف اختفوا إزاي.
سلمى بقلب أم مقهور: بنااااااااااتي أنا عايزة بناتي... هات لي بناتي يا أيمن...
صرخت بتلك الكلمات فدفعته بقوة بعيد عنها لتفتح باب المنزل وتركض مسرعة وهي تهبط الدرج.
أيمن كاد يذهب خلفها فتذكر ابنيه الرضيعين فاتصل على الخالة لتأتي وتجلس برفقتهما.
سلمى كانت تركض هنا وهناك بالشوارع وتسأل المارّين عن رؤية ابنتيها فكانت إجابتهم جميعًا بالنفي.
أتت الخالة التي كانت تبكي أيضًا وظلت تدعو الله أن يكونا بخير وأن يرجعا لوالديهم بسلام. تركها أيمن مع الرضيعين ونزل لكي يبحث عن زوجته فوجدها تجلس على الأرض بالقرب من المنزل وتتحدث مع نفسها كمن أصابها الجنون. اقترب منها وهو ينحني بجذعه ليجعلها تنهض.
أيمن: حرام عليكي اللي بتعمليه ده، أنتي المفروض تدعي ربنا إنهم يرجعوا لنا بالسلامة.
رفعت عينيها الحمراوتين والمنتفختين من كثرة البكاء وبصوت مليء بالشجن: بناتي يا أيمن... هات لي بناتي.
أمسك بها لتنهض وهي مسلوبة القوى لم تشعر بما حولها ليصعدا إلى المنزل وينتظرون أي مكالمة من الذي سيعثر على الصغيرتين.
___________________________
في مكتب صلاح السويفي بداخل منزله يجلس والد سيلين على مقعد مكتبه الخاص وأمامه ملف ورقي يحتوي بين طياته عدة أوراق.
دلف شهاب الذي كان يرتدي ثيابه الرياضية.
شهاب بابتسامة: مساء الخير يا أونكل.
صلاح رفع عينيه من على الملف: مساء الخير يا بني.
شهاب يجلس على المقعد أمام المكتب وهو يتنهد: بلغوني حضرتك عايزني.
صلاح: آه...
قالها ليرجع ظهره إلى الخلف بأريحية فأردف: بص يا شهاب أنت عارف كويس أنا من ساعة والدك ووالدتك الله يرحمهم لما اتوفوا وأنا بعتبرك ابني بالضبط ويعلم ربنا غلاوتك عندي زي سيلين بنتي.
شهاب: طبعًا يا أونكل أنا عارف من غير ما تقول.
صلاح: بالتأكيد أنت ملاحظ إن الأيام اللي فاتت دي بأسافر على طول بأي حجة سواء تبع البيزنس أو من غيره.
شهاب بإحراج: أحم... هو بصراحة عارف بس ما حبيتش أتطفل على حضرتك.
ابتسم صلاح: ما هو ده اللي بيعجبني فيك... نيجي لموضوعنا المهم، الفايل ده فيه أوراق وعقود ملكية كل ما أملك من الشركات وعقارات وودائع في البنوك سواء هنا أو بره مصر...
قالها وهو يعطيه الملف.
أخذه بملامح متعجبة: حضرتك هو في إيه بالظبط؟
صلاح زفر بحزن دفين: مش هقدر أخبي عليك أكتر من كده، أنا يا ابني عندي كانسر وفي مرحلة متأخرة كمان، والحمد لله راضي بقضاء ربنا وخصوصًا بعد ما اطمنت على سيلين معاك.
اتسعت حدقتيه وغر فاهه من الصدمة: بس دلوقت الطب اتقدم وبالتأكيد ليه علاج.
تنهد بامتعاض وهو يخلع نظارته الطبية ووضعها أمامه: للأسف كل الدكاترة في أوروبا أكدوا لي إن حالتي ميئوس منها، خاصة النوع اللي جالي نادر جدًا ومتوصلوش لعلاج للقضاء عليه... الحمد لله هاخد إيه أكتر من اللي عيشته.
نظر شهاب لأسفل في حزن ثم حدق في عمه بألم: إن شاء الله حضرتك هتبقى كويس ومفيش حاجة بعيدة عن ربنا.
صلاح: أنا أصلاً كنت عايزك وبديلك الفايل ده عشان أقولك أنا عملتلك توكيل عام بأملاكي كلها، ده غير حقك في كل الممتلكات دي كوريث مع سيلين بعد ما ربنا يستلم أمانته.
شهاب: ربنا يديك طول العمر.
صلاح: أنا طبعًا مش هوصيك على بنتي لإن عارف هي بالنسبة لك إيه.
دلفت سيلين وعلى وجهها ابتسامة: بتخططوا لإيه من ورايا؟
ابتسم لها صلاح فنظر لشهاب حتى لا يحدثها شيئًا بشأن مرضه: تعالي اقعدي يا سيلي.
جلست على المقعد المقابل أمام شهاب فنظرت بشك إليهما: خير داد مالكوا متوترين كده في حاجة؟
صلاح: لا يا حبيبة داد أنا وشهاب كنا بنتفق على تحديد ميعاد فرحكوا، وأنا شايف أنسب وقت بعد أسبوعين.
نظرت لأسفل بخجل ولم تجب.
شهاب: أنا عن نفسي موافق وموافق جدًا كمان على الميعاد ده... قالها وهو ينظر لسيلين بنظرات حب.
صلاح: ها يا سيلي مناسب ليكي؟... وعمومًا متقلقيش من ناحية دراستك هيكون لسه فاضل شهر على الفاينال.
شهاب: وأنا اللي هذاكر ليها وهتنجح إن شاء الله وبتفوق.
صلاح: ها يا قلبي مسمعناش صوتك؟
سيلين بخجل: اللي تشوفه يا داد.
صلاح بسعادة: على خيرة الله يا حبايبي... وإن شاء الله فرحكوا هيبقى أسطورة.
شهاب وهو يبتسم لسيلين: طبعًا يا أونكل عشان العروسة أجمل وأرق بنوتة في الكون.
صلاح ممازحًا: ولد هتعاكسها قدامي.
شهاب: هههههه قول بقى إن حضرتك غيران.
صلاح: ههههههه ربنا يحفظكوا ويخليكوا لبعض.
شهاب وسيلين: آمين.
***
في المخفر وبداخل مكتب العقيد منصور...
صقر متعجبًا: طيب إزاي ده حصل ده كل الأدلة ضده... الناس اللي اتقبض عليها... والشحنة اللي اتهربت وبسببها اتقتل ظباط من عندنا دي لوحدها ياخد فيها إعدام مليون مرة.
تنهد منصور: متستغربش... شوقي واللي زيه ليهم نفوذ كتير في الدولة غير الحصانة اللي عنده وغير إنه عدنان الحاروني المحامي بتاعه طبعًا غني عن التعريف، راجل عقر وبيستغل ثغرات القانون على أعلى مستوى.
صقر: حضرتك هتقولي عليه صدق ما بيسموه العقرب، وهو اسم على مسمى، بس على مين وقسم بالله ما أنا سايبهم وهفضل ورا شوقي ده لحد ما أسلمه لعشماوي بإيديا... قالها وآلام قلبه القديمة كأنها تحيا من جديد.
رن جرس هاتف المكتب، رفع منصور السماعة ليجيب: آلو... قالها ثم أشار بعينيه لصقر بالمغادرة... نهض صقر: تمام يا فندم... قالها وغادر على الفور ليذهب إلى مكتبه لمتابعة أوراق القضية... دلف إلى الداخل... فوجد إياس يجلس على مكتبه ولم يعيره أي اهتمام وتجاهله.
إياس بسخرية ممازحًا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
رمقه صقر بنظرة نارية... ولم يجب عليه.
إياس: ما تيجي تديني جوز أقلام أحسن.
صقر زفر بغضب: أستغفر الله العظيم... عايز مني إيه على المسا.
إياس: عايز أفهمك إن أنا وأختك كان قصدنا خير وعايزينك أنت وفير...
قاطعه صقر: أظن أنا مش بدخل ما بينك وبين خطيبتك... ليه بقى الهبل اللي عملتوه ده وأنتوا عارفين كويس إن أنا ممكن أتهور وفيروز تتأذى أو هاروح أخلص من الزفت التاني ده (يقصد محمد).
إياس: بالنسبة لفيروز أشك لإنك بتخاف عليها من الهوا وعمرك ما هتأذيها... لكن محمد ده ممكن أأه أصدقك مش بعيد تقتله.
صقر: أنت شايفني قتال قتلة حضرتك؟
إياس: لا العفو هههههههههه.
زمجر ثم جز على أسنانه: إياااااااااس... أنا مش فايق لك خليني في المصيبة اللي أنا فيها دي.
إياس بجدية: قصدك شوقي اللي أخلوا سبيله لعدم وجود أدلة ضده.
صقر وهو يمسح وجهه بكفيه وهو يزفر بضيق: هموت وأعرف إزاي ده حصل.
إياس: بتحصل خصوصًا لما يكون واحد في المكانة اللي هو فيها والحصانة... وبعدين خلاص متضايقش نفسك أنت أديت واجبك والباقي ده مش بتاعك.
صقر بصوت يسمعه هو فقط بنبرة مليئة بالحقد والكراهية: بس تاري لسه مخلصش ورحمة أبويا ما أنا سايبك يا شوقي الكلب.
***
في صباح اليوم التالي... في منزل أيمن... كان جميعهم لم يذوقوا النوم منذ الأمس، حيث أيمن الذي كان ينتظر أي اتصال في حالة يرثى لها... والخالة منذ أذان الفجر ما تزال تصلي لتكثر الأدعية في السجود بأن الله يرد لابنة شقيقتها ابنتيها ويفرح قلبها وأن لا يحدث أي مكروه للصغيرتين.
هو يجلس على الأريكة ويمسك بالقرآن الكريم يقرأ آياته بخشوع ويدعو الله أن يلهمه الصبر وأن يريح قلبه وقلب زوجته التي ظلت صامتة منذ رجوعها بالأمس فلا يفارقها هاتفها التي كانت تقلب فيه وتتأمل صور ابنتيها التي التقطتها لهما قبل أن يغادرا... وعبراتها تنهمر على وجنتيها بألم دفين بقلبها فما أصعب ذلك الإحساس يا الله.
ليعم الصمت والهدوء الذي يسبق العاصفة... لحظات... رنين هاتفه... خفقات قلوب متسارعة... شعور أصعب من الموت ذاته.
أغلق كتاب الله الكريم ليضعه على المنضدة المجاورة بعد أن قال صدق الله العظيم في نفسه.
نظر لشاشة هاتفه الذي أمسكه بيدين مرتجفتين من الخوف والقلق... ليضع الهاتف على أذنه وهو يبتلع غصته: آلو؟... أيوه أنا...
أغلق المكالمة وكأنه في عالم آخر... أنفاسه تكاد تنقطع... تمنى أن يكون ما سيراه يكون كذبًا... عقله تشوش ولم يتقبل ذلك... وفي لحظات فتح حسابه الخاص على موقع التواصل الاجتماعي... ليشعر بغمامة على عيناه من عبراته التي تجمعت بداخلها... لتخرج هي من غرفتها بخطوات تسابقها خفقات قلبها... حتى وصلت أمامه لترى ما بيده، والتقطت هاتفه لترى ما جعلها تلقي بالهاتف وأذنت بصرخة من أعماقها اهتزت لها الجدران وارتجفت لها القلوب: آاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااه بنااااااااااااااااااااتي... انتابها بكاء هيستيري وتضرب بكفيها على وجهها وهي تنوح بصرخات يعتصر لها القلب ألمًا من حال تلك الأم الثكلى.
ركضت الخالة بعدما أنهت فرضها وببكاء: في إيه يا ولاد... فهموني البنات مالها؟... قالتها بنبرة باكية ومرتجفة من الخوف.
لترتمي سلمى على صدرها: بنااااااااااااااااااااتي آاااااااااااااااااااااه يا خالتي بنااااااااااااااااااتي.
أيمن لم يتحمل حالته وحالها وكأنه يقنع ذاته بأن هناك خطأ ما... ليتركهم بدون أن يتفوه بكلمة، فتح باب المنزل وغادر فاستقل سيارة أجرة خاصة وذهب إلى المكان المنشود.
وصل خلال دقائق وهو يقدم خطوة ويؤخر الأخرى... دقات قلبه تتباطأ... يدعو الله أن لا يكون هذا حقيقي وأن يكون كابوسًا وسيتيقظ منه مهما طال.
وجد تجمع من الناس عند حافة مجرى مائي متفرع من نهر النيل لري الأراضي الزراعية... أتى إليه جاره عم جمعة الذي سبقه لهذا المكان: وحد الله يا ابني... وحد الله... لا حول ولا قوة إلا بالله.
ركض وهو يتزاحم بين الذين يقفون يضربون كف في الآخر وهمهماتهم بأدعية بالرحمة على أرواح تلك الملائكة اللاتي وقعتا ضحية لبراثن الظلم... تسمر في مكانه ليرى بعض الرجال من أهالي المنطقة ينتشلون جسديهما من الماء بعد أن التقطوا لهما صورًا وأنزلوها على موقع التواصل.
في لحظات جاءت الشرطة وسيارة الإسعاف... وتفحص الطبيب الجثتين ليقول للضابط بنبرة حزينة: دول اترميوا في الترعة وهم متخدرين وعلى ما أظن وقت الوفاة من إمبارح الساعة 9 الصبح، وكله هيبان في تقرير الطب الشرعي.
قالها ليضعوا الجثتين بداخل غطاء ملفوف ليغطيهما بالكامل... وهو يرى هذا بقلب تتقطع أوتاره بدون رحمة أو شفقة... وبعد أن تعرفوا على هويته من جاره... أمر الضابط المسؤول بأخذ الجثتين إلى المشرحة... وأخذوا الأب المكلوم إلى المخفر للتحقيق في تلك الواقعة.
رثاء خالد المصري، من أهالي ميت سلسيل: "قتلوني يا أمي ورموني في حضن البحر ولا سموش كان نفسي يا أمي أضمك وأشبع من حضنك آه يا أمي صرخت كتير وقول يا أمي وهما مفيش قلوبهم قلوب صخر ولا يبكوش يا أمي مش بشر دول... دول شياطين ربنا يصبرك يا أمي وربنا المنتقم ما تخفيش ربنا هيجيب حقي في الدنيا ما تخفيش".
عصافير_الجنة_محمد_و_ريان#
***
في منزل فيروز...
دلفت إلى غرفتها وهي تذرف عبراتها عندما شاهدت ذلك الحادث المأساوي على حسابها الخاص الذي كان بمثابة فجعة مؤلمة على الجميع... خاصة أنها أدركت وتأكدت أن ما حدث لابنتيه فالسبب وراء ذلك أنه الشيطان اللعين التي لا تعرف الرحمة طريقًا لقلبه... تبًا لذلك عديم الشفقة ولكل من ساهموا في زهق أرواح بريئة لا ذنب لها سوى أنها ضحية لعالم من الفساد والفسق والمجون.
طرقت والدتها الباب وبنبرة قلق: فيروز مالك يا حبيبتي... قافلة على نفسك ليه وصوت عياطك جايب لآخر الشارع.
فيروز وهي تلتقط أنفاسها: مفيش يا ماما معلش سيبيني لوحدي.
ظنت والدتها بأن السبب وراء تلك العبرات هو بعدها عن من أحبته... فقررت أن توقف فترة العقاب وأن تأذن له بأن يأتي ويتقدم لخطبة ابنتها.
رن جرس باب المنزل فذهبت لتفتح، وجدت فتاة ذات جمال ساحر ويبدو من هيئتها أنها من ذوات الطبقة المخملية التي لا تراهم سوى في التلفاز.
آمال ببشاشة: خير يا بنتي عايزة مين؟
رنيم بنبرة رقيقة: أنا رنيم الهواري صاحبة فيروز وأخت صقر أظن حضرتك تعرفيه.
تجهم وجهها وصمتت لثوان ثم أشارت إليها لتدلف: اتفضلي يا بنتي.
دلفت رنيم وملامح وجه السيدة آمال يقلقها لتقول في نفسها: يا وقعتك السودة يا صقر لما قلتلها أنا أختك وقلبت وشها كده أومال لما أفاتحها في موضوع خطوبتك لفيروز هتعمل فيا إيه...
ربنا يستر.
قالتها وظلت شاردة.
آمال: يا آنسة واقفة ليه؟ اتفضلي وأنا هاروح أندهالك.
رنيم: أنا بصراحة جاية لحضرتك مخصوص، وياريت ما تكسفيني، واعتبريني زي فيروز بنتك.
ارتسم على وجهها طيف ابتسامة، وبنبرة هادئة: اتفضلي يا بنتي اتكلمي وأنا سمعاكي، بس قبل ما تقولي أي حاجة... يرضيكي اللي أخوكي كان بيعمله؟ يعني هو يرضي عليكي كده!
تنهدت ثم أردفت: والله يا ماما قصدي يا طنط... معلش أصل أنا مامي الله يرحمها ماتت من زمان وحسيت فيكي منها.
قالتها حتى تستعطفها.
آمال: الله يرحمها ويغفر لها... ده شرف ليا ويسعدني إنك تقولهالي، وربنا يعلم أنا أول ما شوفتك قلبي ارتاحلك قد إيه.
رنيم بابتسامة ماكرة لأنها وصلت لمبتغاها: بصي حضرتك عندك كل حق في اللي إنتي قلتيه، أخويا غلط وخد عقابه خلاص، بس عايزة أقولك والله بيحب فيروز أوي وبيخاف عليها وبيغير عليها موت... ده حتى لما شاف فارس الشامي اللي كانت هي بتشتغل عنده واقف معاها ضرب عليه رصاصة وكان هيموت و.....
لم تكمل لتقاطعها نظرات آمال التي يعتريها الصدمة والذهول، فأدركت أنها تفوهت بحديث أحمق سينقلب ضد شقيقها.
آمال: يعني إنتي عايزاني أدي بنتي لواحد مجنون زيه، ده ممكن يقتلها بسبب غيرته.
رنيم في نفسها: ينهار أزرق إيه اللي أنا هببته ده؟ بدل ما جيت أكحلها عميتها.
فأردفت بصوت مسموع: أنا بضرب لحضرتك مثل مش أكتر.
قالتها وابتسمت.
آمال بعدم اقتناع: طيب يعني المفروض أعمل إيه دلوقتِ؟
رنيم: أخويا يحدد مع حضرتك ميعاد يناسبكو ويجي يطلب إيد فيروز.
صمتت وهي تخطط لشيء ما... تنهدت بأريحية: خلاص أنا موافقة وخليه يجي يتقدم بعد 3 أيام.
تنفست الصعداء ثم انفرجت أساريرها: ربنا يخليكي يا ماما وما يحرمناش منك.
قالتها وهي تعانقها بفرح ثم أردفت: وبيني وبينك بس أوعي تقولي لأخويا، هو يستاهل أديله على دماغه، أنا أخته وبقولك اعملي اللي إنتي عايزاه فيه... ده ياما طلع عيني أنا وخطيبي.
ضحكت آمال: هههههههههه ربنا يحفظك يا بنتي ويتمملك على خير، أنا في الأول والآخر عايزة سعادة بنتي وراحتها.
رنيم: وإن شاء الله صقر هيشيلها جوه عنيه.
صمتت لتبحث بعينيها عن فيروز فأردفت: هي فين فيروز صح؟
آمال: جوه أوضتها كانت بتعيط... ادخليلها يا حبيبتي عقبال ما أجهزلكوا الغدا.
رنيم: تسلميلي يا ماما والله لسه واكلة قبل ما أجيلكوا.
آمال: كده هتزعليني منك... ولا أكلنا مش قد المقام!
رنيم: أبدًا والله وعشان خاطرك هاكل.
آمال: طيب خلاص هاروح أنا وإنتي اقعدي معاها، البيت بيتك يا حبيبتي.
رنيم: تسلميلي.
قالتها وذهبت نحو باب الغرفة الموصد، فطرقت على الباب لم تسمع إجابة، فطرقت مرة أخرى وهي تنادي: فيروز افتحي أنا روني حبيبتك، افتحي هقولك على خبر يفرحك.
لم تجد إجابة فشعرت بالقلق فأدارت مقبض الباب لتدلف إلى الداخل لتشهق بفزع: هاااااااا فيروز!
الظلام يعم في كل الأرجاء ما عدا إضاءة صفراء خافتة مصوبة نحو تلك التي خارت قواها وتتمدد على الأرض... مجردة من ثيابها ما عدا الثياب الداخلية مما جعلها ترتجف من البرودة المحيطة بها... يسود الصمت الذي يقاطعه كل حين أنينها المكتوم بعبراتها التي لا تتوقف حتى شعرت بجفاف أهداب عينيها من كثرة البكاء... تريد أن تصرخ وتنادي لكن لم تستطع، ليست لديها القوة الكافية لفعل ذلك... لتستسلم إلى الواقع الأليم... وإذ بعينيها تبدأ في الانغلاق لتغط في النوم فيقاطعها صوت فتح البوابة الصدئة ليجعلها تتسع حدقتيها بخوف ورهبة وقلبها يخفق بقوة مع كل خطوة يخطوها نحوها... نظرت أمامها لتصعد بنظرها لأعلى.
مايا برعب: لا لا لا أبوس إيدك خلاص أنا آسفة مش هتتكرر تاني وهاعمل اللي إنت عايزه.
جثى على ركبتيه وهو يمسد على شعرها وبنبرة استفزازية مرعبة: هو ده اللي أنا عايزه إنك تكوني الكلبة المطيعة اللي بتسمع كلام صاحبها... هتسمعي وهتنفذي اللي هقولك عليه ولا هتعمليلي فيها صاحبة صاحبتك؟!
مايا وهي تومئ بالموافقة: هاعمل كل اللي هتقولي عليه بس والنبي سيبني أروح مش قادرة أستحمل هموت من البرد و....
صمتت حتى لا يغضب عليها ويكرر فعلته مرة أخرى.
فهم مقصد صمتها ليحدق في الحرق الذي اقترفه في أعلى صدرها حيث وضع سيخ رفيع من الحديد الساخن المتوهج بالاحمرار فيها وكانت ليلة من أحلك الليالي التي ذاقت فيها العذاب على يدي ذلك الإبليس اللعين.
وضع يده ليتحسس الحرق فتأوهت بصرخة: آآآآآه.
باسل بابتسامة باردة: إيه بتوجعك يا حلوه؟!
مايا بملامح شديدة التألم وتأخذ أنفاسها بصعوبة بالغة: حرام عليك... ارحمني ده أنا حامل.
نهض ووقف بطوله وهو يرفع مرفقيه بسخرية ويقهقه بصوت مرعب ثم أردف: تصدقي ما كنتش أعرف إنك بتحبيني أوي كده لدرجة إنك مستحملة اللي من صلبي في بطنك... وبالنسبة للحرق معلش كنت عايز أسيبلك تذكار صغير تفتكريني بيه غير البيبي طبعًا.
مايا: حسبي الله ونعم الوكيل.
لينحني ثم جذبها من شعرها بقوة وبصوت مرعب صارخًا في وجهها: بتحسبي عليا يا بنت الـ.......
لم تستطع التحمل أكثر من ذلك ففقدت وعيها... لينظر لها بخوف وقلق ليترك شعرها ثم وضع أنامله لدى عنقها ليقيس نبضها فوجد نبضها يكاد بطيء... تملكه الخوف والذعر ليحدث لها مكروه وهو في أمس الحاجة إليها في مخططه الشيطاني... فأخذ يلملم في ثيابها المبعثرة على الأرض وألبسها إياها بسرعة... حين انتهى حملها وركض بها نحو الخارج ليدلف سيارته بها والتف وجلس في مقعد القيادة لينطلق نحو المشفى التابعة لعائلته.
في فرنسا وخاصة في العاصمة باريس مدينة السحر والجمال والمعالم الفنية والطراز الفرنسي المتمثل في المعمار والأماكن الأثرية الرائعة.
بداخل إحدى الصالات الرياضية يمارس رياضته المفضلة وهي رفع الأثقال التي تجعله ذو مظهر رياضي دائمًا ومحط أنظار وإعجاب الفتيات نحوه... أتت فتاة في منتصف العشرينات تتميز بأنها شقراء الشعر ولون بشرتها وعينيها اللوزية الرمادية وأنفها الحاد ووجهها يأخذ الشكل الطولي فملامحها الفرنسية الأصيلة جعلتها فتاة أحلام كل شاب وخاصة كانت تربطه بها في يوم من الأيام علاقة انتهت بالفشل والسبب كانت هي.
لفت انتباهها لتتحدث بالعربية الفصحى التي أجادتها عندما كانت على علاقة به في السابق.
إيميلي: هاي مرحبًا بك أيها الوسيم.
توقف عن رفع الأثقال ليلتفت لمصدر الصوت: إيميلي!
إيميلي: نعم إيميلي التي تركتها وسافرت إلى بلد آخر لكي تتهرب مني.
فارس: وكأنك ما بتعرفي شو السبب.
قالها ويرمقها بسخط.
إيميلي: هيا عرفني سببك التافه... انظر حولك ومعن نظرك جيدًا أنت في باريس بلد الحرية تفعل ما شئت وقتما تريد... وأنت ما زلت تتمسك بعاداتك الشرقية الرجعية.
فارس واقترب منها ليحاوطها بذراعيه وبنبرة هادئة يخالطها الغضب: انتبهي لحالك وبيكفي غلط... لأن اللي متلك ما بيعرف الأخلاق بنوب.
صمتت ولم تجب فكل ما يلفت انتباهها قطرات عرقه التي تنتشر على جبينه وعضلاته العريضة وعروقه البارزة في عنقه عندما يغضب لتجعله أكثر جاذبية ورجولة... فاقتربت بشفتيها نحو أذنه هامسة بأنفاسها الرقيقة: ألم تشتاق إلي عزيزي؟
ابتلع ريقه بتوتر ليحدق في عينيها فتخيل فيروز متمثلة فيها أمامه ولم يشعر بنفسه وهو يلتقط شفتيها بمنتهى الرومانسية والرقة لتعانقه هي بكل قوة وشوق وتهمس في شفتيه: أحبك فارس بل أعشقك أيها الغبي.
وكان هو في عالم آخر ليهمس أيضًا لها وهو يقبلها: اشتاقتلك كتير فيروز حبيبتي ما تتركيني حياتي.
توقفت إيميلي لتتعجب من ذلك الاسم لتبتعد برأسها وبنبرة تدل على انزعاجها: من تلك التي تدعى فيروز؟
فتح عيناه ليعود إلى وعيه: شو في؟
إيميلي: في إنك تقبلني وتهمس لي باسم عاهرتك.
زمجر بغضب عندما نعتت من يعشقها قلبه فلم يتمالك حاله فهوى بصفعة على وجنتها... لترمقه بنظرات غضب وصاحت في وجهه: أيها الوغد الحقير... تتجرأ علي وتصفعني من أجل أخرى... سأجعلك تندم وتأتي لي راكعًا وتطلب العفو مني ولا أسامحك حينها... تبًا لك واللعنة.
قالتها ومشت من أمامه مسرعة فغادرت المكان.
جز على أسنانه وظل يضرب الحائط بقبضته وهو يصيح: بيكفي بقى... بيكفي فيروز... اتركيني في حالي... ما بدي أفكر فيكي.
في إحدى الملاهي الليلية بتل أبيب عاصمة جهنم... حيث الأضواء الكثيفة المتحركة بألوان متعددة والأغاني العبرية التي تحرضك على الفسق والفجور يجلس بأريحية على الأريكة الجلدية بيده سيجارته ذات النوع الفاخر مشتعلة واليد الأخرى بها كأس من الفودكا أشد أنواع الخمور... تجلس الفتيات على يمينه ويساره يتهامسون ويضحكون... أتى إليه رجل في أوائل الأربعينات يبدو على ملامحه الدهاء الشديد فإنه من الأصدقاء المقربين له ويعمل أيضًا بالموساد من أكفأ الضباط هناك وله سجل تاريخي حافل بالعمليات الإرهابية التي كان ينفذها في العديد من الدول كفرنسا وكندا وأخيرًا بسوريا من عمليات تفجيرية التي يدعون أن من فعلها شباب مسلمون وتنظيم داعش الذي يؤسسه في الخفاء عصابات صهيونية أمريكية متخفية تحت راية الإسلام ليجعلوا العالم يكرهون ذلك الدين الحنيف القيم ومن يعتنقه.
بيبرس بابتسامة عارمة: يا مرحب بصديق الطفولة.
ونهض ليصافحه.
إبراهام: حبيبي بيبرس ليك وحشة.
بيبرس: اللي يسمعك وإنت بتتكلم مصري ما يصدقش إنك من إسرائيل.
إبراهام: شغلي خلاني أتكلم أكتر من 7 لغات يا عزيزي.
بيبرس: إنت هتقولي ده صيتك واصل لمصر هناك.
تنهد بشوق: يااااااه مصر... دي كانت أجمل أيام حياتي خصوصًا لما كنت في طابا هناك... البلد دي فيها حاجة تخليك مش عايز تمشي منها خالص تعيش وتموت فيها.
بيبرس يضحك ساخرًا: تعالى شوف شبابها عايزين يهجوا منها بأي طريقة بسبب الظروف والاقتصاد والمعيشة.
ابتسم إبراهام بمكر الثعلب: ولسه هيشوفوا إحنا بنلعب معاهم على الهادي خالص وهم ولا دريانين باللي بنعمله، وأكتر حاجة بتضحكني إن كل عمل إرهابي يحصل عندهم هي كلمة واحدة في بوقهم تنظيم إرهابي وداعش والكلام الأهبل اللي خليناهم يقتنعوا بيه.
بيبرس: خلاص بقى صدعتني بإنجازاتك خليني أستمتع بإنجازاتي اللي حققتها النهاردة.
إبراهام: قصدك البنتين اللي اترمو في الترعة؟
بيبرس بتعجب: إيه ده... ده إنت متابع بقى.
إبراهام: إنت غلبان أوي يا بيبرس إحنا عارفين كل كبيرة وصغيرة ودبة النملة قبل ما تحصل... بس إنت تفوقت على الشيطان نفسه.
بيبرس: عشان أي حد قبل ما يلعب معايا يفكر قبلها ألف مرة إن رأس الأفعى ما بيهزرش وإن لما بهدد مرة واحدة التانية بتبقى التنفيذ على طول...
صمت وزفر دخان سيجارته بقوة في الهواء وأردف: عشان تبقى تتعلم الأدب يا أيمن ولسه هتشوف مني...
قالها وضحك بصوت مدوي ومرعب.
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم ولاء رفعت
في منزل ليلى تتعالى صيحات الجدال بينها وبين والدتها.
ليلى بسأم وبنبرة تمرد: كفاية بقى، أنا قلبي واجعني. عمالة أقنع فيكي من الصبح وبقولك عندي زفت ميدتيرم غير العملي وانتي تقوليلي خطوبة وكتب كتاب!
قالتها وزفرت بغضب.
والدتها وهي تطوي الثياب وترتبها جانبًا: عادي يا أختي وفيها إيه؟ الواد بقى له شهرين صابر عليكي وما رضاش يتكلم، وانتي سايقة الهبل وعاملة دراستك حجة.
ليلى: اللي خلاه يصبر كل ده عشان موت أمه بس. وبعدين هو جه واشتكالك يعني؟
والدتها: ما اشتكاش بس أنا مش عاجبني الوضع ده وعايزة أطمن عليكي معاه.
ليلى: أستغفرك وأتوب إليك يا رب!
قالتها بصياح ثم أردفت: أنا خلاص جبت آخري وكفاية حرقة دم أكتر من كده. أنا سايبالك الأوضة كلها وطالعة أقعد بره. أووووف ده إيه القرف ده!
قالتها وخرجت إلى الردهة.
والدتها بصياح: ماشي يا ليلى والله بكرة ليطلع عينيكي.
تمتمت بضيق: ده أنا اللي صبركم عليا بس. لأكون أنا اللي مطلعة عنيكوا خصوصًا الزفت اللي اسمه علي ده ما يبقاش اسمي ليلى.
قالتها وجلست على الأريكة المواجهة أمام المنضدة الكبيرة التي يعلوها التلفاز. تناولت جهاز التحكم بالتلفاز فأردفت: خليني أتفرج على المسلسل التركي بتاعي يمكن يغير لي مودي.
أخذت تضغط على الزر عدة مرات لتأتي بالقناة الفضائية التي تعرض المسلسل. وكالعادة تعرض إعلانات لبعض المنتجات.
ليلى: آه صح ده لسه نص ساعة عقبال ما يبتدي. خلاص أقلب وأتفرج على أي حاجة لغاية ما يبدأ.
توقفت لدى قناة يعرض عليها برنامج من برامج الـ (توك شو) الشهيرة. وكان المذيع يتحدث بما يلي:
أعزائي المشاهدين موضوع حلقة النهاردة طبعًا كلكوا عارفين بالحادث المأساوي اللي حصل إمبارح للطفلتين كارما وكنزي، وكان خبر فاجعة للكل وخصوصًا بعد ما تم تداول وانتشار الخبر على مواقع التواصل الاجتماعي وصور الضحيتين. لكن في نقطة مهمة لا بد أن نقف عندها بعد معرفتنا بوالد الطفلتين المدعو أيمن محمود وتورطه في قضية تهريب الآثار، هل هذه القضية ليها علاقة بالحادث أو ما يسمى تصفية حسابات؟! ولا كما تقول الإشاعات التي روجت من بعض وسائل الإعلام أن الأب من الممكن يكون هو الذي ارتكب ذلك الحادث البشع! انتظروا معانا بعد الفاصل الإعلاني لنعود ومعانا مكالمة هاتفية من إحدى أهالي المنطقة اللي مقيم فيها والد الضحيتين. انتظرونا.
ليلى بتعجب: إيه ده! مش أيمن محمود ده الراجل اللي حكت لي عنه فيروز اللي كان مع العصابة اللي خطفوها؟ ينهار أزرق!
قالتها بفزع لتنهض وتدلف إلى غرفتها وتلتقط إسدال الصلاة وترتديه على عجلة من أمرها.
والدتها: لابسة الإسدال ورايحة على فين؟
ليلى: هاجيب حاجة وجاية بسرعة. سلام.
قالتها وغادرت لتصعد إلى أعلى لدى فيروز.
في المخفر التابع للمنطقة السكنية التي يقطن بها أيمن.
بداخل المكتب يجلس الضابط على مكتبه وهو يدخن سيجارته وبجواره كاتب المحضر.
الضابط يحدق بأيمن بنبرة شك: أفهم من كده إن من الكلام اللي حضرتك حكيته دلوقتي إن اللي عمل كده العصابة اللي كنت متورط معاها في قضية تخريب الآثار؟
أيمن متجهم الوجه كأن جسده بلا روح: هم دول الوحيدين اللي يعملوا كده خصوصًا بعد ما شهدت ضدهم في النيابة.
الضابط وهو يطفئ سيجارته في المطفأة الزجاجية: طيب وهم مصلحتهم إيه لو هم عملوا كده؟
أيمن بنبرة حزن: مصلحتهم الانتقام. انتقموا مني في بناتي. دول ناس ما عندهمش في قاموسهم كلمة الرحمة. ما يعرفوش غير الدم والظلم والقتل.
قاطعه الضابط: وليه ما يكونش أنت القاتل يا أستاذ أيمن؟
أيمن بتعجب ودهشة: إزاي أقتل بناتي؟
تنهد الضابط وقال: ليه حضرتك مش بتسمع عن الرجالة اللي بتقتل عيالها ومراتاتهم كمان ولا أنت مش عايش في البلد؟
أيمن: طبعًا باسمع وقريت عنهم كمان لكن أغلبهم بيبقوا بيتعاطوا مخدرات ومش في وعيهم و...
قاطعه مرة أخرى: أنت بتتعاطى إيه يا أيمن؟
أيمن: الحمد لله ما باشربش السيجارة.
رن هاتف المكتب ليجيب الضابط وهو يحدق بأيمن بنظرات شك وأخرى لها مقصد آخر.
الضابط: ألو... آه أنا... أهلًا أهلًا بسعادتك يا باشا... آه طبعًا إحنا تحت أمر جنابك... حاضر سعادتك وأنا في انتظاره... أي خدمة تانية يا باشا... تسلم حضرتك... سلام.
أغلق سماعة الهاتف. فطرق باب المكتب ثم دلف إلى الداخل عسكري: تمام يا فندم. في واحد بره بيقول إن اسمه عدنان الحاروني.
نهض الضابط من مكانه تحت نظرات أيمن الذي أيقن أن هناك مخطط دنيء سيحدث له من قبل ذلك الضابط وذاك العقرب.
عدنان يدلف إلى الداخل بابتسامة.
الضابط وهو يمد له يده مصافحًا إياه: أهلًا وسهلًا شرفت يا متر.
عدنان الذي يرمي أيمن بنظرات انتصار: الله يخليك تسلم يا باشا. ها إيه الأخبار؟
الضابط: كله هيبقي تمام خصوصًا إن أستاذ أيمن ناوي يعترف بالحقيقة وهي إن هو اللي قتل بناته بتخديرهم ورماهم في الترعة.
قالها بنظرات خبث وتهديد نحو أيمن.
اتسعت حدقتاه في ذهول: أنت بتقول إيه؟
عدنان وهو يضع حقيبته السوداء التي تلازمه دائمًا على الطاولة التي أمامه ثم قال: عن إذن حضرتك ينفع أتكلم مع أستاذ أيمن على انفراد؟
الضابط وهو ينهض لكي يغادر: طبعًا حضرتك وأنا خارج بره وهاسيب حضرتك وأول ما تخلص ابعت لي. عن إذنك.
قالها وغادر المكتب.
عدنان يحدق في أيمن بدون أي تعابير في صمت قاطعه أيمن: عايزين مني أي تاني... حسبي الله ونعم الوكيل فيكوا... وهاعرف آخد حقي منكم كلكم سواء الكلب اللي مشغلكم أو الشيطان اللي اسمه بيبرس وربنا لأنتقم منكم واحد واحد وعندي الدليل اللي يفتح عليكم أبواب جهنم.
ارتسمت ابتسامة شيطانية على وجهه ولم يأبه بأي كلمة تفوه بها أيمن ليقول بنبرة يسودها الهدوء الذي خلفه عاصفة: هتقول في المحضر وتحقيق النيابة إنك أنت اللي قتلت بناتك واللي خلاك عملت كده إنك كنت بتتعاطى استروكس ولما بتاخده ما بتكونش في وعيك.
أيمن: نعم!
نهض من مقعده ليقترب منه وهو يدنو إليه ثم همس في أذنه: أصلك لو ما عملتش كده وقعدت تجيب سيرة أسيادك... فبالتالي زي ما خلينا بناتك يوحشوك هنكرر الموضوع ده مع أسرتك الكريمة سواء إن كان مدام سلمى وخالتها ولا أولادك عمر وسليم وأظن إنك لسه فاكر إننا بنقول الكلمة مرة واحدة والتانية بننفذ على طول.
أحس برجفة في جسده من ذلك الفحيح وبالأخص عندما تذكر منظر ابنتيه وهما بالماء وارتعب أكثر عندما تخيل زوجته وابنيه والخالة في هذا المصير المؤلم.
أيمن بغضب مكتوم: ربنا ينتقم منكم وياخدكم كلكم.
جلس على مقعده وخلع نظارته الطبية لينظر بها وبنبرة ساخرة: كلنا مصيرنا الموت يا أيمن... لكن بتختلف طريقة الموت.
قالها وابتسم له ابتسامة خبيثة.
دلف الضابط: ها خلصت يا متر؟
عدنان: آه خلاص أستاذ أيمن عرف هيعمل إيه كويس لأنه ما بيحبش المشاكل.
قالها بمكر.
الضابط قام بمناداة العسكري ليدلف فأمره: خد المتهم على الحجز.
العسكري: تمام يا فندم.
قالها وجذب أيمن من ذراعه وهو كان في حال يرثى له من ظلم وقهر وألم لا يتحمله بشر.
عدنان يخرج عدة أوراق من حقيبته ثم وضعها أمام الضابط: اتفضل ده المحضر اللي هتكتبه عندك والشهود هيكونوا عندك بكرة الصبح.
الضابط وهو ممسك بالورق يتفحصه: تمام حضرتك.
عدنان وهو ينهض: أستأذن أنا بقى عشان رايح للباشا.
صافحه الضابط قائلًا: ما تنساش توصل تحياتي وسلامي لسعادته وتبلغه إننا في الخدمة.
أومأ له بابتسامة ثم غادر.
دلفت ليلى إلى الداخل بعد أن فتحت لها آمال.
ليلى: إزيك يا حبي.
آمال: إزيك يا حبيبتي كويس إنك طلعتي لفيروز.
ليلى: مالها؟
آمال: من إمبارح وهي عمالة تعيط وأغمي عليها وجبنا لها الدكتور وقال لنا دي صدمة نفسية ومحتاجة لراحة ومن وقتها وما بتتكلمش.
ليلى: طيب إيه السبب... ولا يكون الحادثة اللي حصلت؟
آمال: حادثة إيه؟
ليلى: حضرتك مش متابعة الأخبار؟
آمال: ما انتي عارفاني ما ليش في التلفزيون.
ليلى: طيب خلاص أنا هادخلها.
آمال: ادخلي لها هتلاقي رنيم معاها.
ليلى بتعجب: أخت صقر؟!
قالتها لتدلف إلى غرفة فيروز فأردفت: السلام عليكم.
قالتها وهي تتفحص رنيم التي تجلس على مقعد خشبي مجاور للتخت التي ترقد عليه فيروز.
رنيم: وعليكم السلام.
ليلى وهي تمد يدها للمصافحة: أنا ليلى صديقة فيرو من أيام الطفولة.
رنيم بابتسامة: أهلًا بيكي وأنا رنيم أ...
قاطعتها ليلى: أخت صقر...
ابتسمت ثم أردفت: فيرو حكت لي عنك كتير وبتحبك أوي.
رنيم وهي تمسد على جبهة فيروز التي كانت تغط في النوم: وأنا كمان والله باحبها أوي وبعتبرها أختي لأن ما عنديش غير أخوات بنات.
ليلى: بصراحة يا برنس.
رنيم: وشكلنا هنبقى تلاتة.
ليلى: ده إحنا هنبقى عصابة.
قالتها ثم ضحكت.
دلفت آمال إليهم وهي تحمل صينية كبيرة عليها العديد من أطباق الطعام: يلا عشان تتغدوا يا حبايبي... هي لسه نايمة؟
رنيم: آه نايمة من وقت ما أخذت الدوا.
ليلى وهي تجلس على التخت: سيبوني أنا هأصحيها...
قالتها ثم اقتربت منها وهمست في أذنها: فيروووو اصحي يا فيرووووو أنا صقر حبيبك يا فيروووو.
قالتها وهي تخشن صوتها.
استيقظت في فزع ونظرت لثلاثتهم ثم اعتدلت لتستند بظهرها على الوسادة التي خلفها ولم تتفوه بأي كلمة.
آمال: عاملة إيه دلوقتي يا حبيبتي؟
لم تجب.
ليلى: فيرو أنتي معانا ولا في عالم تاني؟
قالتها بمزاح.
رنيم: يلا بقى فوقي كده عشان أقولك على خبر حلو اتفقنا عليه أنا وماما آمال إمبارح.
قالتها وابتسمت لآمال.
لم تجب حتى تذكرت الحادث لتذرف عينيها عبراتها مجددًا. ليلى احتضنتها بقلق: إيه يا فيرو مالك... أنتي بتعيطي عشان اللي حصل؟
آمال: هو إيه اللي حصل يا ليلى؟
ليلى: الراجل اللي اعترف على العصابة اللي خطفوها بناته اتخطفوا وتاني يوم لقوهم مرميين في الترعة.
شهقت آمال بفزع: لا حول ولا قوة إلا بالله... ربنا يرحمهم يا رب ويصبر أمهم وأبوهم وربنا ينتقم من اللي عمل فيهم كده.
رنيم وليلى: يا رب.
رنيم: عندك حق تزعلي يا فيروز بس مش معناه إنك تبهدلي نفسك عياط وتدخلي في صدمة نفسية وحوارات ممكن تكبر معاكي.
ليلى وقد أتت إليها فكرة: أنا عارفة إيه اللي هيخليها تفوق وترجع أحسن.
رنيم وآمال: إيه؟
ليلى: عن إذنك يا طنط أمولة هناخد فيرو أنا ورنيم ونتمشى شوية يمكن تتحسن.
رنيم: أشطا وأنا معايا عربيتي.
آمال: لو هي قادرة تقوم خلاص خدوها يمكن لما تغير جو تتحسن.
ليلى: يلا يا فيرو كلي والبسي وأنا نازلة هاغير هدومي وهاطلع لكوا بسرعة.
أومأت فيروز لها بالموافقة. ثم غادرت ليلى.
رنيم وهي تمد يدها بملعقة الطعام نحو فمها: يلا افتحي بوقك بقى.
أشارت لها بعدم رغبتها بتناول الطعام. ثم نهضت لتبدل ثيابها. وكانت رنيم تراسل صقر عن طريق برنامج للدردشة واتفقت معه أن يقابلهم بالمكان الذي ستأخذهم إليه.
بداخل قصر شوقي ضرغام... دلف باسل وهو يحمل مايا إلى غرفته الخاصة بعدما اطمأن عليها بالمشفى ثم أخذها معه إلى القصر الذي يقيم فيه مع عمه حتى يضمن عدم هروبها إلى أن ينفذ مخططه القذر وسوف يتركها كما تشاء.
وضعها برفق على تختة ذي الفراش الوثير وهي كانت نائمة من الإرهاق والتعب.
دثرها بغطاء ثقيل حتى لا تبرد، فتركها وغادر الغرفة وكاد يقفل الباب خلفه فالتفت لينفزع من عمه الذي يقف في مواجهته وعيناه تشع بنيران الغضب، وبهدوء عكس ما بداخله مشى وهو يشير إليه بأصبعه:
ورايا ع المكتب.
هبط الدرج وخلفه باسل الذي يعلم ما سيفعله عمه به من توبيخ وصياح كالعادة.
دلفا إلى المكتب ذي الأثاث الراقي، ويتميز بالاتساع والديكورات ذات الطراز الكلاسيكي والتماثيل النحاسية والبرونزية.
شوقي بصوته الرخيم:
اقفل الباب وتعالى.
قالها وهو يقف في منتصف الغرفة، ليذهب باسل بخطى سريعة ثم أتى نحوه ووقف وجهًا لوجه أمامه، ساد الصمت لبضع ثوانٍ حتى قطعه صوت دوي صفعة قوية انهالت على وجه باسل ليزمجر بغضب عارم:
أنت بتضربني ليه!
شوقي بهدوء ممزوج بالحدية:
وأديك بالجزمة كمان، عارف ليه؟
صمت ليأخذ من جيب سترته سيجارته الفاخرة وأشعلها بالقداحة ثم وضعهم جانبًا على الطاولة المجاورة له فأردف:
عشان أنت و....... وغبي وصايع وفاشل ونهايتك هتبقى على إيدي.
تحسس مكان الصفعة ليرد ساخرًا:
وأنت حضرتك اللي ما شاء الله الاحترام بيخر منك، إيش حال إنك لسه خارج من قضية.
صاح فيه بقوة اهتزت لها جدران القصر:
ولد! وقسمًا بالله يا باسل لو ما احترمت كلامك وأسلوبك معايا لأرميك في الشارع زي الكلب ومتحصلش حتى تبقى شحات، ده غير العلقة اللي هتاخدها من رجَّالتي.
باسل:
أنا قاعد في ملك أبويا وليا زيي زيك ولا ناوي تلهف كل حاجة.
أمسكه من تلابيب قميصه وبنبرة مرعبة:
ملك أبوك إيه يا معفن يا حقير، أنت نسيت أصلك يلا، ده أنا اللي أخدتك وربيتك بعد ما أبوك وأمك ماتوا وعملتك بني آدم والخير اللي أنت عايش فيه ده كله بتاعي بعرقي ومجهودي، وأبوك القرشين اللي كان داخل معايا بيهم شرك في مصنع الحديد، المشروع خسر وقتها وخسرت زيه الضعفين، فهمت يا واد ولا أفهمك بطريقة تانية؟
باسل وهو يبعد قبضتي عمه عنه:
أنت بتعايرني يا عمي، مكنش العشم.
شوقي:
أنا بفكرك لتكون نسيت ولا حاجة، وبعدين مين اللي حضرتك جايبها في أوضتك دي؟ مش هتبطل وساخة!
ضحك باستهزاء:
أبطل! قبل ما تلوم عليا لوم على نفسك لما سبتني لبيبرس هو اللي يربيني، عايز إيه من عيل صغير كان عنده ١٠ سنين وهو بياخدني معاه في شقق دعارة وأشوف اللي بيحصل هناك وكان بيجبرني أتفرج عليه كل ما يبقى مع واحدة ويضحك ويقولي اتعلم يا حبيب عمو، عايز إيه من واحد عمه الباشا المحترم اللي ليه هيبة في الدولة يبقى أكبر تاجر ومهرب آثار ومخدرات والجديد أعضاء، ولا فاكرني معرفش سبب العز اللي إحنا فيه إيه، يا ريت قبل ما تربيني وتعلمني الأدب ربي نفسك الأول، وبالنسبة للبنت اللي فوق دي واحدة صاحبتي مش واحدة من اللي تعرفهم يا شوقي بيه.
على الرغم من غضبه وأراد قتله لكن كلماته كانت مثل دلو الماء المثلج الذي انسكب فوق رأسه، فلم يعر لكلماته أي اهتمام ولا كأنه قد سمع شيئًا:
اطلع وخد زبالتك اللي فوق وروح على شقتك اللي فاكرني معرفش بيها وباللي بتهببه فيها.
حدق فيه بنظرات حادة فقال:
مش هاخد حد ولا ماشي، دي أوضتي وأنا حر فيها إن شاء الله أجيب فيها مليون واحدة ملكش فيه، وياريت ما تركزش معايا لأن لو ركزت معاك وحطيتك في دماغي ساعتها مش هسيبك غير وأنا مسلمك لعشماوي بإيديا.
قالها ليغادر المكتب وتاركًا عمه ووجهه سينفجر من الغضب ليتوعد له.
صعد الدرج وعبر الرواق ليدلف إلى غرفته ليطمئن على مايا فوجدها ما زالت نائمة وعلى ما يبدو أنها تحلم بشيء مزعج فتهمهم بكلمات غير مفهومة ليلتقط سمعه منها جملة واحدة.
مايا:
حرام عليك يا باسل.
اقترب منها ليجلس بجوارها وهو يغرز أنامله في خصلات شعرها وبنبرة كالفحيح:
معلشي بقى يا ميوي حظك إنك وقعتي مع واحد واطي زيي بس أعمل إيه صاحبتك السبب، لكن خلاص هانت كلها يومين وهخليها تركعلي مذلولة عشان أرحمها من اللي هاعمله فيها، وتعرف مين هو باسل ضرغام اللي ما عمر واحدة قالت له لأ.
قالها ثم أطلق ضحكة مرعبة لتدخل إلى مسامع تلك النائمة لتتحول لها إلى كابوس مخيف.
وصلوا أخيرًا أمام إحدى المجمعات التجارية الشهيرة، نزلت كل من رنيم وليلى وفيروز.
ليلى وهي تتأمل المجمع من الخارج بتعجب وانبهار:
واو، ده طلع مول مصر ده جامد وتحفة.
رنيم بابتسامة:
أنتِ أول مرة تيجي هنا؟
ليلى:
لأ أنا جيت كتير بس بيحصلي الاندهاش ده كل مرة.
كذبت لأنها شعرت بالإحراج.
رنيم:
عجبك المكان يا فيرو؟
قالتها بابتسامة، فيروز كانت شاردة في الفراغ.
ليلى وهي تلوح بكفها أمام عينيها لتلفت انتباهها:
هياااااي، إيه يا بنتي مالك متنحة في الهوا ليه؟
لم تجب عليها وكأنها لا تسمع شيئًا.
أردفت ليلى:
يلا بينا ندخل بقى.
رنيم بقلق:
خليكوا ثواني بس هعمل مكالمة وبعدها هندخل.
ليلى:
طيب بسرعة الله يخليكِ عشان الجو ساقعة هنا.
ابتعدت رنيم بمسافة فأمسكت هاتفها وضغطت على زر الاتصال باسم (ماي برو) أعطاها جرس فأجاب.
رنيم:
ألو يا ابني أنت فين، إحنا بقالنا ٥ دقايق واقفين وأنت لسه مجتش، انجز يلا.
صقر:
خلاص دقيقة وهاكون عندك وأول ما هرن عليكِ خدي البت اللي اسمها ليلى وادخلوا جوه مش عايز غتاتة فاهمة.
رنيم:
غتاتة!! فعلًا على رأي المثل خيرًا تعمل شرا ت...
قاطعها قائلًا:
يلا بقى سلام عشان وصلت.
نظرت على بعد فوجدته قد أتى:
يلا باي.
قالتها وذهبت إلى ليلى وفيروز فأردفت:
لي لي تعالي عايزاكِ ثواني.
ليلى:
يلا يا فيرو.
رنيم:
لأ سيبي فيرو لوحدها هفهمك بعدين.
قالتها وهي تمسكها من ذراعها ودلفا إلى الداخل.
وهي ما زالت تقف شاردة وكأن عقلها توقف عن التفكير، أتى من الخلف لتسبقه رائحة عطره الفواحة التي تعشقها، رمشت عدة مرات وهي تستنشق الرائحة لتلتفت وراءها.
ارتسم طيف ابتسامة على محياها عندما رأته عيناها ليحدق هو بفيروزتيها التي تأسِر قلبه بعشقها السرمدي.
صقر بعينين يملؤها فيض من الحنان والشوق:
وحشتيني.
لم تتفوه بلسانها لكن نظرات عينيها كفيلة أن تبث له كل ما بداخلها من مشاعر تتنوع ما بين الشوق والعشق والخوف والقلق، وفي أثناء كل هذا أبت عبراتها أن تأسِر بعينيها فانطلقت بحرية لتنسدل على وجنتيها كحبة ألماس تتلألأ على زهرة الجوري الحمراء.
فأدرك سبب عبراتها ليجذبها واضعًا رأسها على صدره ويمسد على شعرها المنسدل وبصوت حانٍ:
أنا آسف حبيبتي على كل اللي حصل، آسف على اللي عملته معاكِ، آسف إني تجاوزت حدودي على الرغم وعدي ليكِ، آسف إن أنا أقنعت أيمن بأن يعترف على العصابة مكنتش أعرف ممكن ينتقموا منه بالبشاعة دي.
صمت ليشعر بشهقاتها وتحدثت بخفوت وهي تبكي:
شوفت اللي حصل لأيمن، حرام عليهم ذنب بناته إيه!
صمتت لثوانٍ فأردفت بتلعثم:
أنا.. أنا خايفة.. أوي.
ضمها بقوة ليزم شفتيه بتألم:
لأ يا قلبي متخافيش أنا جنبك ومش هسمح لأي مخلوق يمس شعرة منك، حتى لو كان التمن إني أموت فداكِ.
قالها وهو يمسك وجهها بين كفيه محدقًا بعينيها.
فيروز:
صقر.
صقر:
يا عيون وقلب وعقل صقر.
فيروز:
أنت ممكن تتخلى عني!
صقر:
ليه بتقولي كده أنا معاكِ، جايلك بنفسي وكنت هتجنن لما عرفت إن أغمي عليكِ إمبارح وتعبتِ وهموت وأشوفك وأطمن عليكِ بس خفت لمامتك تعند وتقلب الدنيا عشان كده سبت رنيم تبات معاكِ وتطمني عليكِ أول بأول، وبعدين خلاص كلها يومين وجاي عشان أطلب إيدك.
فيروز وهي تكفكف عبراتها:
إزاي؟
صقر:
رنيم مقالتلكيش؟
فيروز:
لأ معرفش حاجة.
صقر:
مدام آمال أخيرًا أفرجت عننا وادتني ميعاد بعد يومين من النهاردة.
انفرجت أساريرها فعانقته على الفور، ليرفعها هو لأعلى ثم يدور بها وكلا منهما قلوبهما مليئة بالسعادة والفرح، ثم أخذها بعد ذلك إلى الداخل ليتجولا واشترى لهما مثلجات ليطعما بعضهما البعض ثم ذهبا أمام متجر للدمى فأعجبته دمية تشبهها ولها نفس لون عينيها فاشتراها لها وعندما أخذتها من البائع كانت تقفز كالطفلة بمرح، ثم أيضًا دلفا إلى إحدى المطاعم التي تعد الوجبات السريعة فتناولا البيتزا، وبعد أن انتهيا دلف بها إلى متجر للثياب الحريمي حيث الفساتين ذات الألوان الزاهية والأشكال الرائعة الجذابة وتركها تختار إحداهن فوقع اختيارها على فستان باللون الأبيض الهادئ بثلثي أكمام وبفتحة متسعة من الأعلى حيث يتكون من قماش الدانتيل وعلى أطرافه بالأسفل ورود باللون الأحمر القاني ويتوسط خصر الفستان حزام من الحرير بنفس لون الورود فأخذته لترتديه بحجرة القياس لتجده في منتهى الجمال والرقي ولم تخرج به وتريه إياه فأرادت أن تجعلها مفاجأة له عندما يتقدم لخطبتها.
وبعد أن انتهيا من كل هذا أخذها إلى داخل صالة التزحلق على الجليد فارتدى كل منهما الأدوات الخاصة بالتزحلق، أمسك يديها لأنها لم تتمكن من التزحلق وهو متمكن جيدًا من ذلك فظل يتزحلق وهو ممسك بها تارة بيديها وتارة أخرى وهو يضمها إليه ليقع هو وهي تقع عليه فضحكا بطفولة.
وكل هذا على نغمات تلك الكلمات:
مكتوبة ليك إني أنا اللي تعيشلها..
مكتوبة على اسمك حياتي كلها..
أول ما قلت بحب كانت ليا أنا..
مين تستاهلها غيري أو تتقالها..
مكتوبة ليك وأهي كل حاجة بوقتها..
تكمل حياتك بيا لما دخلتها..
وقت أما شافك قلبي شافت عيني فيك..
صورة حبيبي اللي في خيالي رسمتها..
قول بقى يا حبيبي.. حبيبي..
لمين أنا لو مش ليك
قول بقى يا حبيبي.. حبيبي..
هحب في مين غير فيك
طب ده أنا أيامي.. أحلامي..
وحياتي واقفة عليك....
موعودة بيك تبقى أنت بختي وقسمتي..
موعودة بيك من قبل ما أتقابل معاك..
مشاعري حبي حناني شوقي ولهفتي..
متصدقين مني لإني مصدقاك.
بداخل إحدى الشركات الشهيرة المسؤولة عن حفلات الزفاف وتجهيزاتها، يجلس كل من شهاب وسيلين بداخل مكتب المسؤولة عن تخطيط حفل الزفاف.
سيلين وهي تنظر في شاشة هاتفها:
بقالها ١٠ دقايق ولسه مجتش أومال هتعمل إيه في الفرح بتاعنا.
ابتسم شهاب:
بالتأكيد في حاجة مهمة أخرتها، أدينا مستنيين مش ورانا حاجة.
سيلين:
أنا قولتلك اختار أنت يا حبيبي أنا بأثق في ذوقك أوي.
شهاب ابتسم بمكر:
يعني متأكدة إنك عايزاني أنا اللي أختار؟
سيلين:
آه اختار أنت وأنا هاروح عشان أستلم الفستان، زمان شركة الشحن بعتته مع حد ومش هيلاقي حد هناك عشان الشغالين أديتهم النهاردة إجازة عشان يستعدوا للتحضيرات الأيام الجاية.
شهاب:
عادي أنا هتصل على السكيورتي أخليهم يستلموه.
سيلين:
لأ لازم أستلمه بنفسي.
شهاب وما زالت على محياه ابتسامة ماكرة:
طيب براحتك اتفضلي روحي وأنا مستني الودينج بلانر.
سيلين وهي تنهض:
أوك أشوفك في الفيلا يا روحي.
قالتها وطبعت على وجنته قبلة، والتفتت وكادت تفتح باب الغرفة لتقابلها منظمة الحفلات، وهي فتاة في منتصف عقدها الثاني، ذات قوام منحوت، وشعرها الأحمر الغجري الذي يُظهر جمال عينيها التي تشبه عيني الهرة في الشكل، ولونهما مثل لون مياه البحر الصافية، فهي خليط ما بين اللون الأزرق والأخضر.
تسمّرت سيلين لتحدّق في الفتاة بنظرات حادة، ثم نظرت خلفها إلى شهاب؛ لأنها أدركت مقصد ابتسامته عندما تركها تغادر، لتُشعل نار الغيرة في قلبها، فخطت مسرعة لتجلس بجوار شهاب لتلتصق به وتعانق ذراعه بذراعها وهي ترمق الفتاة وبنبرة غاضبة:
"أظن لما حضرتك تدي للعملاء بتوعك ميعاد المفروض تلتزمي ومتتأخريش."
الفتاة بنبرة رقيقة:
"أنا بجد بعتذر عن التأخير، سو سوري. الطريق كان زحمة النهاردة والإشارة وقفت أكتر من ساعة."
شهاب:
"ولا يهمك يا..."
قالها وسيلين ترمقه بنظرات متوعدة إياه.
الفتاة وتمد يدها بالمصافحة:
"أنا اسمي روح رأفت العربي، وزي ما حضرتك عارف أنا الوددينج بلانر."
شهاب وهو يبادلها المصافحة بلمسة رقيقة:
"أهلاً آنسة روح."
ومدت يدها إلى سيلين لتقوم بإحراجها ولم تصافحها، لتنظر لها روح بإمتعاض وهي ترجع يدها ثم التفتت وجلست بمقعدها خلف المكتب.
روح وهي تخرج لوحة من الورق المقوى وعليها تخطيط لقاعة الزفاف:
"أتفضل حضرتك يا شهاب بيه، دي بلان (خطة) للقاعة. طبعًا آنسة سيلين هتكون في أوضة الميك أب والتجهيزات فوق، وهتنزل من السلم الرئيسي اللي نازل على القاعة في زفة هتختاروا طبعًا نوعها إيه، وهيكون والدها منتظرها في آخر السلالم... وحضرتك هتدخل من الباب الرئيسي للقاعة وهتمشي على الاستيدج الطويل و................"
ظلت تشرح ما سيحدث من تجهيزات، وكل ما يشغل بال سيلين تلك النظرات المتبادلة بين تلك الروح وبين شهاب الذي كان يشعر بغيرة زوجته ويستمتع بها إلى أن انتهت من الحديث. ليدلف الساعي بعد أن طرق الباب، فقدم لهم مشروبات باردة. فأخذت سيلين كأس العصير وافتعلت كأنها تريد أن تنظر للمخطط فسكبت المشروب عليه، فشهقت روح لأنها بذلت مجهودًا في رسم ذلك المخطط.
سيلين بتصنع:
"سوري، ما كانش قصدي."
روح لتجعلها تستشيط غضبًا:
"ولا يهمك، أنا بعمل دايمًا نسخة لأي بلان برسمها، ده غير إني مسجلاها على اللابتوب."
قالتها وهي ترمقها بكيد.
رمقتها سيلين بنظرات لو كانت قذائف لهب لأحرقتها هي وكل مخططاتها بمكتبها.
ظل شهاب يراقبهما في صمت وهو يضحك بداخله على ما تفعله سيلين، ليقاطع تلك النظرات النارية فنهض وبصوت رجولي هادئ:
"خلاص هنستنى حضرتك في القاعة قبلها بيومين عشان نشوف التجهيزات عملي."
روح:
"إن شاء الله يا فندم، وهتلاقيني قبل الميعاد مستنية حضرتك، قصدي مستنية حضراتكم."
قالتها وتنظر لسيلين بطرف عينيها.
سيلين جذبت شهاب ليغادرا المكتب بعد أن استأذن روح للمغادرة.
في خارج الشركة أمام سيارته.
سيلين:
"ممكن أفهم سر ضحكتك ولا ابتسامتك اللي عمالين توزعوها أنت والهانم أم شعر أحمر على بعضيكوا؟"
كتم ضحكاته:
"أولًا اسمها آنسة روح... وبعدين أنا كنت بضحك على ردود فعلك وغيرتك اللي مش قادرة تسيطري عليها."
سيلين بنبرة غاضبة:
"يعني عايزني أشوفها وهي بتتمايع وهي بتسلم عليك وأسكت؟"
شهاب:
"اهدي يا سيلين ووطي صوتك إحنا في الشارع."
سيلين:
"يعني ده كل اللي همك؟"
قالتها بغضب وبصوت مرتفع.
زمجر شهاب ليفتح باب السيارة وجذبها من يدها ليلقي بها بعنف للداخل، ثم صفق الباب والتف ليجلس بمقعد القيادة في صمت، لكن عيناه الحادتان ووجهه المتجهم يقول إن بداخله بركان ثائر من الغضب.
سيلين:
"أنت بتزوّقني كده ليه؟ هو أنا اللي غلطانة دلوقتي؟"
شهاب بنبرة هادئة خلفها غضب كامن:
"قلت لك صوتك يا سيلين ما يعلاش، وبعدين البنت ما عملتش حاجة وكانت في منتهى الذوق والاحترام، ولازم تبتسم في أي وش عميل عشان الشغل وأظن أنتِ عارفة الحاجات دي أكتر مني... ومش ملاحظة إن غيرتك بقت أوفر شوية؟"
سيلين:
"قول بقى كده أنت عايزني أسيبك تضحك لدي وتغمز لدي، وأولع أنا مش مشكلة ما خلاص ضمنتني بكتب الكتاب فهتعمل اللي أنت عايزه."
توقف فجأة ليحدث صوت احتكاك العجلات بالأسفلت فنظر لها:
"تقصدي إيه بكلامك؟"
سيلين بنبرة قوية:
"قصدي إن الراجل المحترم لازم يحترم مراته ويقدرها ويخاف على زعلها وغيرتها عليه، وما يقعدش يريّل أول ما يشوف واحدة جميلة زي الأهبل."
نظر أمامه بهدوء مخيف ليتمتم بصوت مسموع:
"حلو أوي أنا مش محترم وزي الأهبل."
ليفاجئها بعدها بصفعة على وجنتها لتغرّ فاها في ذهول وصدمة من ردة فعله.
فلم يعيرها أي اهتمام وقاد السيارة وكأن شيئًا لم يحدث.
______________________
تجلس على تختها بغرفتها وتمسك بألبوم من الصور لابنتيها التوأم، وعبراتها تتساقط على الغلاف الشفاف التي توجد بداخله الصور، وبصوت يملؤه الألم والشجن:
"سامحوني يا بناتي إني ما قدرتش أحميكوا من الكلاب اللي عملوا فيكوا كده... سامحوني إن كنت قاسية عليكم دايمًا وفاكرة إن كده بربيكو، لكن ده والله كان من خوفي وحبي ليكوا... عارفين أول ما حملت والدكتورة قالت لي إنك حامل في توأم ما كنتش مصدقة نفسي، أول ما خلصت السونار قومت وسجدت على الأرض بشكر ربنا إنه وهبني نعمة عظيمة على الرغم إني كنت عندي مشاكل وكان احتمال معرفش أحمل وأخلف، لكن صبرت لحد ما ربنا كرمني وكنت أعد الأيام والليالي عشان أشوفكوا وأملي عينيا منكوا، وسبحان الله كنتوا زي الملايكة نازلين زي البدر المنوّر، وقتها بصيت في عينيكوا وحسيت بإحساس غريب وكذبته وللأسف تفسيره جاء لي دلوقتي... آآآه على قهرة قلبي ووجعه عليكوا يا ترى أنتِ حاسين بإيه دلوقتي؟ جعانين ولا عطشانين ولا بردانين؟ آآآه..."
ظلت تتأوه بألم قلب مفتور.
دلفت إليها الخالة وهي تعانقها وتربت على ظهرها:
"وحدي الله يا حبيبتي وادعي لهم بالرحمة، دول دلوقتي عند اللي أحسن مني ومنك... تعرفي يوم القيامة هيكونوا شفعاء لكِ أنتِ وجوزك لدخولكوا الجنة، هياخدوكوا من إيديكوا وهتكون الفرحة مش سيعاكوا وقتها... خلي إيمانك بالله قوي، أنا عارفة إن ده صعب أوي إن تتحمله أي أم وربنا ما يكتبه على حد... لكن ده اختبار من ربنا وابتلاء وهيشوف مدى قوة تحملك وصبرك... فالحل للي أنتِ فيه تقومي تصلي وتسجدي بخشوع تدعي لهم بالرحمة وإن يلهمك الصبر والسلوان... ولازم تاخدي بالك من حالك عشان العيال اللي بترضع دي ملهمش ذنب يتحرموا من حضنك وحنانك، مش كفاية لبنك قطع من الزعل وبياخدوا لبن صناعي."
نظرت لها سلمى بوهن وحزن عميق بعينيها:
"آآه يا خالتو آآه، غصب عني والله ما حدش هيحس بيا غير اللي انكوى بنفس النار اللي انكويت بيها... يا رب ألهمني الصبر أنت اللي عالم بحالي."
الخالة:
"قومي يا حبيبتي استغفري ربك واتوضي وصلي، وعشان تطلعي تقابلي الناس اللي جايين يعزوكي بره... ده ستات الحتة كلهم بره وجيرانك بصراحة قاموا بواجب ضيافتهم وعم جمعة جارك ربنا يبارك له ويكرمه عامل صوان للرجالة بره واتكلف بكل شيء."
أخذت تجفف أنفها لتنهض للتجه خارجًا نحو المرحاض ودلفت إلى الداخل لتغتسل وتتوضأ ثم خرجت لتؤدي فرضها وتدعو ربها في السجود والركوع بأن يلهمها الصبر.
___________________
في صباح اليوم التالي وكان يوم عطلة، استيقظت آمال باكرًا لتقوم بتنظيف المنزل بكل همة ونشاط، حيث تزيل الغبار المتعلق بالنوافذ الخشبية وتغسل الحوائط وتلمع الأثاث وتبدل فراش المقاعد والأرائك بفراش آخر نظيف وأنيق، وعلقت الستائر بعد غسلها وجفافها، وانتهت من معظم تلك الأعمال ما عدا غرفة فيروز التي ما زالت نائمة فاستيقظت عندما فتحت والدتها النافذة لتجدد هواء الغرفة.
فيروز بصوت ناعس وتضيق عينيها من ضوء الشمس المتسلط عليهما:
"صباح الخير يا ماما."
آمال:
"قولي مساء الخير يا هانم، إحنا بقينا العصر وحضرتك لسه نايمة وأنا صاحية من صباحية ربنا كنست ومسحت ونفضت وغسلت وغيرت الفرش وعلقت الستاير وخلصت كل حاجة وأنتِ زي الباشا نايمة."
أخذت هاتفها من على الكومود فنظرت:
"عصر إيه يا ماما الساعة لسه ١ الضهر... والتوقيت عندك قالب على توقيت السعودية..."
قالتها وهي تضحك.
آمال:
"هو ده اللي أنتِ فالحِة فيه؟ قومي يا نن عيون ماما عشان تروقي أوضتك وتكنسيها وتمسحيها وتغيري الملاية."
فيروز:
"مش لسه بكرة لما صقر يجي؟"
آمال:
"هو أنا بأعمل كده عشان سبع الرجال بتاعك؟! لأ يا أختي عمك حافظ وابنه خالد هيوصلوا النهاردة ومحمد ابن خالك جاي كمان."
فيروز:
"أولًا ما اسمحلكيش تتريئي على خطيبي... ثانيًا إيه كل دول؟ ده اتفاق مش فرح."
آمال:
"إيش فهمك أنتِ في المسائل دي... لازم المحروس بتاعك يجي وبأشوف لكِ أهل وعزوة عشان يوم ما يفكر يعمل حركة كده ولا كده يعرف إن لكِ كبير هيقف له ويدي له على دماغه."
فيروز:
"ابتدينا من أولها شغل الحموات..."
قالتها بصوت يكاد مسموع.
آمال:
"بتبرطمي تقولي إيه؟"
فيروز بابتسامة صفراء:
"بأقول أهلًا وسهلًا يا مرحب بيهم... وكمان جايبة خالد ومحمد اللي مش راضية تحكي لي إيه قصته لحد دلوقتي ومين خالي اللي عاملاه سر ده... براحتك يا ماما."
ألقت عليها قطعة قماش قديمة:
"قومي يا برنسيسة واغسلي وشك وتعالي اعملي أوضتك قبل ما الناس تيجي وأنا هاروح أشوف الأكل استوى ولا لأ."
فيروز وهي تنهض وتزفر بضيق:
"توب عليَّ يا رب."
آمال:
"بكرة هتتجوزي وجوزك يديكي بالجزمة وتقولي فين أيام الدلع اللي كنت عايشاها في بيت أمي وأبويا."
فيروز وكادت تخرج لترجع للخلف:
"على فكرة صقر بيحبني أوي وبيموت فيا وبعدين هاجيب شغالة عشان التنظيف وأنا اللي هأطبخ له."
آمال:
"يلا يا خايبة هاتي واحدة في بيتك عشان تلوف على جوزك وتخليه يتجوزها عليكي."
فيروز:
"يوه بقى مش هنخلص... أبوس إيدك يا ماما بطلي تتفرجي على مسلسلات دراما كتير وتتخيليها على حياتي."
قالتها وذهبت ودلفت إلى المرحاض.
رن جرس المنزل... نادت على ابنتها:
"شوفي مين على الباب يا فيروز."
فيروز من داخل المرحاض:
"أنا بأخذ شاور."
آمال:
"طيب اقفلي شباك الحمام لا تأخذي برد..."
ثم أردفت:
"دول وصلوا بسرعة إزاي وهم قالوا لي إنهم هيوصلوا على المغرب... ممكن صح يكون محمد ابن أخويا..."
ذهبت وبدون أن تنظر من العدسة التي تتوسط باب المنزل، فتحت الباب لتبتسم إلى محمد:
"السلام عليكم يا عمتو."
ليدلف وهي ترحب به:
"يا أهلًا وسهلًا يا حبيبي."
ثم التفتت لتغلق الباب حتى منعتها يد أخرى لتتسع حدقتيها غير مصدقة ما تراه:
"................"
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم ولاء رفعت
ذهبت وبدون أن تنظر من العدسة التي تتوسط باب المنزل، فتحت الباب لتبتسم لمحمد:
_السلام عليكم يا عمتو.
ليدلف وهي ترحب به:
_يا أهلًا وسهلًا يا حبيبي.
ثم التفتت لتغلق الباب حتى منعتها يد أخرى لتتسع حدقتيها غير مصدقة ما تراه.
التقت العيون بشوق ولقاء، فهي لم ترها منذ بضع سنين، حيث عوامل الزمن تركت آثارها الواضحة من تجاعيد على ملامح وجهها، وبالرغم من ذلك تراها كأنها تركتها منذ أمس. لم تشعر آمال بحالها عندما ارتمت بين ذراعي الحاجة زهرة والدتها وأخذت عبراتها تتساقط، أخيرًا التقت بمن هي أحن عليها من أبيها وشقيقها.
آمال بصوت بكاء مكتوم:
_أمي وحشتيني قوي قوي.
قالتها لتتوالى شهقاتها.
زهرة التي أدمعت عينيها في صمت حتى قالت بنبرة تكاد مسموعة:
_بتي يا نور عيني.
محمد مبتسمًا:
_طيب ادخلوا الأول جوه وسلموا على بعض براحتكوا.
آمال وهي تحاوط والدتها بذراعها واليد الأخرى تساندها من يدها:
_تعالي يا أمي اتفضلي.
دلفوا إلى الداخل لتتأمل زهرة حال منزل ابنتها وهي تتجول نظراتها لجميع الأركان والأثاث. وصلوا لدى الأريكة لتجلس الحاجة زهرة وتحدق بابنتها التي تشبهها كثيرًا عندما كانت بنفس عمرها.
جلست آمال بجوارها:
_عاملة إيه يا أمي وأبويا أخباره إيه؟ نفسي أشوفه قوي.
زهرة بملامح معاتبة:
_تو ما افتكرتينا يا آمال؟ خلاص عشان جوازه ما كانتش على يدك تهربي ولا كأن ليكي أم ولا عيلة عاد.
نظرت آمال لأسفل بخجل:
_ما كان على يدك يا أمي ولا نسيتي عمايل أخويا فيا وقتها؟ كان عايز يبيعني لواحد قد أبويا وأكبر كمان وأنتوا كنتوا موافقينه.
زهرة:
_أني يا بتي؟ نسيتي واجفتي في وش أخوكي وأبوكي ولا البهدلة اللي اتلجتها منهم.
فيروز ما زالت داخل المرحاض لكنها انتهت وارتدت ثيابها لتفتح الباب بهدوء لتسترق السمع.
آمال وهي تكفكف عبراتها:
_خلاص يا أمي ما عادش منه فايدة الكلام ده. أهم حاجة إني شوفتك قبل ما يجرالي حاجة.
محمد:
_على فكرة يا عمتو جدتي عارفة كل حاجة عنك، بس مش أنا اللي قولتلها.
تعجبت آمال:
_إزاي؟
زهرة:
_كنتي مفكرة إن خالتك هتخبي عليا إياك.
آمال:
_خالتي آخر مرة روحت عندها كانت فيروز لسه طفلة صغيرة وما عرفتش أروحلها ولا هي تجيلي لما ابنها شاف ناس غريبة بتحوم حوالين بيتها، ساعتها شكينا إن حماد باعت رجالة يعرفوا مكاني.
زهرة:
_ما تخافيش يا بتي من أخوكي عمرو ما هيأذيكي واصل.
آمال:
_هو لسه هيأذيني ما هو آذاني من زمان، كفاية خلاني هربت كأني عملت عاملة وجيت على مصر وربنا واقفلي واحدة بنت حلال وعشان أعرف أصرف على نفسي ومبقاش عالة على حد خدمت في البيوت عشان ما كانش معايا ولا ورق ولا بطاقة تخليني أشتغل أي حاجة تانية.
محمد:
_هقولك حاجة يا عمتو، بابا لو كان عايز يعمل فيكي حاجة كان عمل من شهرين فاتوا.
زهرة:
_كيف يا ولدي؟
محمد:
_لما سافرت الواحات عشان أروحلها وأقابلها عرفت بعد ما رجعنا من السفر إن بابا كان باعت ناس يراقبوني وعرف مكان عمتي هناك وهنا، واللي أكد لي كده حاجة ما رضيتش أحكيها لعمتي لتضايق، وهي لما عملت عملية زرع الكلى مش أنا اللي دفعت مصاريف العملية.
قالها ليجد علامات الاندهاش على ملامح آمال. ليردف:
_جيت أدفع في الحسابات قالوا لي إن في فاعل خير اتكلف بحالتها فشكيت في الموضوع. روحت الشركة وراجعت حسابات بابا لقيته محول من حسابه الخاص للمستشفى كل التكاليف علاج وعملية.
زهرة:
_ولدي وأني خبراه زين، من بره تحسه كأنه حجر صوان جاسي، لكن جلبه كيف الحليب عمرو ما هيأذيكي يا بتي، أنتي خيتو الوحيدة وما لوش غيرها. وبعدين إحنا عاملين نتحدثوا كتير ونستوني أسأل على عروستنا، فين بتك يا حبيبتي؟
آمال:
_ثواني يا أمي هجيبها وأجي.
قالتها ثم نهضت لتذهب نحو المرحاض المتفرع من رواق صغير بعيدًا عن الردهة، فوجدت فيروز واقفة في ذهول.
آمال وهي تهمس لها:
_تعالي سلمي على جدتك وأنا هفهمك كل حاجة بعدين.
خرجت إليهما لتقع عيناه عليها وقلبه يخفق بشدة.
فيروز بخجل:
_السلام عليكم.
في غرفة الأجهزة الرياضية، مرتدياً ثيابه الرياضية وهو بنطال من القطن أسود اللون وتي شيرت بدون أكمام، يمارس رياضته على جهاز الأوربتراك. كلما تذكر ما حدث بينهما بالأمس يلوم نفسه عندما صفعها ليزيد سرعته على الجهاز ويفرغ شحنة الغضب ذاك.
خرجت من غرفتها وهي تعقد العزم على محاسبته على صفعته لها وكيف تجرأ على ذلك، حيث من وجهة نظرها أنها غير مخطئة بل هو الذي جعلها تغضب من إثارته لغيرتها.
سيلين تنادي إحدى الخدم:
_يسرية.
قالتها لتأتي إليها الخادمة مسرعة:
_تحت أمرك يا سيلي هانم.
سيلين:
_شهاب بيه فين؟
يسرية:
_بقالوا أكتر من ساعتين في صالة الجيم تحت يا هانم.
سيلين:
_طيب.
يسرية:
_أحضرلك الغدا يا هانم لحضرتك أنتي وشهاب بيه؟
سيلين:
_ميرسي مليش نفس للأكل. أومال فين داد؟
يسرية:
_الباشا خرج من بدري ومش هيرجع غير بالليل.
سيلين:
_أوك.
قالتها ثم مشت نحو غرفته وهي تفتح الباب لتدلف إلى الداخل تتأمل كل محتوياتها جيداً فكل شيء مرتب وأنيق حتى غرفة ثيابه الملحقة بداخل غرفته يملؤها رائحة عطره التي لم تعشقها إلا من فترة قريبة.
انتهى من ممارسته للرياضة فخرج من الغرفة ليتجه إلى الدرج ثم صعد إلى الأعلى، أدار مقبض الباب ثم دلف إلى غرفته وقطب حاجبيه عندما سمع صوت في غرفة الثياب فاتجه إليها ليراها تحتضن قميصه وهي مغمضة العينين ولم تشعر بوجوده.
شهاب بصوت أجش:
_أحم، بتعملي إيه عندك؟
انفزعت لتجيب بتعلثم:
_أنا.. عايزة.. كنت.. و.
نظر لها بتعجب حيث لا يفهم منها شيئاً، فانتبهت لقميصه الذي بين يديها فألقته جانبًا واحمرت وجنتاها خجلاً. فأردفت:
_عن إذنك.
قالتها لتغادر فأمسك يدها بقسوة حتى تألمت.
وبصوته الرجولي:
_أتمنى تكوني جاية تعتذري على اللي قلتيه ليا امبارح.
شعرت بالغضب وبنبرة متمردة:
_أنا ما بعتذرش لحد ومش غلطانة.
أغمض عينيه الحادتين وهو يزفر حتى لا يغضب:
_يعني شايفة قلة أدبك في الكلام معايا مش غلط!
بصوت مرتفع إلى حد ما:
_لو سمحت أنا محترمة غصب عن أي حد، ولو اتنرفزت امبارح يبقى أنت السبب ولا أفكرك بالأيام اللي فاتت لما سيادتك كنت مقضيها ضحك ومرقعة مع كاميليا هانم اللي مفروض واحدة متجوزة وأنت واحد متجوز.
جز أسنانه وبغضب:
_صوتك ما يعلاش يا سيلين قدامي، وهتعتذري غصب عنك طالما بتعاندي في الغلط.
سيلين:
_مش هعتذر ومش غلطانة.
شد من قبضته أكثر فتأوهت:
_آه سيب إيدي هتكسرها.
شهاب:
_ما أنا ناوي أكسرها وأكسر دماغك لو ما اتعدلتيش.
تملكها كبرياؤها لتصيح في وجهه:
_ما عاش ولا كان اللي يكسرني.
شهاب:
_يعني أنتي شايفة كده؟
سيلين بتحدي:
_آه.
قالتها وهي تسحب يدها من قبضته بقوة لتهم بالخروج ليسبقها وهو يجذبها من شعرها المنسدل وهو يقوم بلفه على قبضته فآلمها بشدة فصرخت:
_آه سيب شعري يا حيوان.
اسودت عيناه من الغضب ولم يشعر بنفسه وهو يجذبها ليلقي بها على تخته لترتطم فوقه، وفي برهة كان يعتليها ممسكاً فكها بقبضته:
_اعتذري يا سيلين بدل وقسم بالله هتشوفي شهاب غير اللي تعرفيه تاني.
اتسعت عيناها خوفاً من ملامحه التي تراها لأول مرة فأخذت تبعده عنها وهي تدفعه في صدره وهو لم يتزحزح أنشاً واحداً وزاد من قبضته لتشعر بفكها سينخلع في يده.
فقالت بصعوبة:
_أنا آسفة أنا آسفة.
فأرخى قبضته عندما سمع أسفها ورأى عبراتها تذرف بخوف. شعر بغصة في قلبه لأنه آلمها وجعلها تبكي وأنه قد بالغ في ردة فعله معها. فاقترب بوجهه لتلامس شفتيه وجنتها ويطبع قبلة يعتذر بها عما فعله. فضمها إليه ليدس رأسها في عنقه واشتد من عناقه لها حتى شعر بتوقف شهقات بكائها لأنه يعلم أنها تشعر بالانكسار فكلمة الأسف لديها تجرح كبرياءها وقالتها مرغمة عنوة عنها. أبعدها لينظر في عينيها واعتذر بنظراته لم يجد هذا اعتذاراً كافياً. فألتقم شفتيها كأنه يلتقم فاكهة من الجنة ليتذوقها برقة ليحس بذراعيها التي تحاوط عنقه وهي تبادله بنفس إحساس القبلة. يدها كانت تداعب خصلات شعره خلف أذنه فأثارته تلك المداعبة ليزيد من قوة قبلاته لها فأنهال على وجهها بأكمله كأنه سيلتهمها لينزل على عنقها وهو يطبع ملكيته الخاصة. لينهض قليلاً فأمسك بيديها ليرفعها فوقها بيد واحدة والأخرى أخذ يتحسس بها على جبهتها ثم وجنتيها ثم شفتيها ثم جيدها وهو يتلمس علامات قبلته ليشعر بأنه لم يرتو كفاية من أنهار عشقها وأنه سيفقد السيطرة ويفعل شيئاً ليس هذا وقته بعد فكلها أيام معدودة على موعد الزفاف على الرغم أنها زوجته قانوناً فأراد ألا يحرمها من إحساس فرحتها كعروس في ليلة الزفاف. فابتعد عنها لينهض من فوقها وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة ونظر لها فوجدها مغمضة العينين وتنتظر المزيد منه.
فقال بصوت أجش:
_أ
أصل يا أمي فيروز متعرفش حد غيري أنا وخالتي شريفة وعيالها، وأهل أحمد الله يرحمه وزمانهم جايين دلوقت من السفر. فكل الحكاية إنها متضايقة مني إزاي مش معرفاها إنكم عايشين أنتِ وبابا وأخويا وولاده.
محمد: خلاص يا عمتو متضغطيش عليها عشان تستعد لبكره.
آمال: آه فكرتني يا ابني ده أنا ناسية.
زهرة: على العموم أكده ولا كده كنا ماشيين عشان حاجزين في الفندق.
آمال: ده اسمه كلام يا أمي... جرى إيه يا محمد بيت عمتك موجود وتروحوا تباتوا في فندق!
زهرة: ما هو ما يصحش يا بنتي جايلك أهل جوزك الله يرحمه هنبات كلنا كيف يعني؟
محمد: معلش يا عمتي جدتي عندها حق... وإن شاء الله هنجيلك بكره من بدري.
آمال: كده يا أمي ماشي مكتوب عليّ البعد عنك على طول.
نهضت زهرة من مقعدها لتربت على كتف آمال: متزعليش يا بنتي بكره هنجعدوا مع بعضينا لحد ما تزهقي، وبعدين أنا بعد بكره معاوده على البلد عشان أبوكي ما يزعجش ويبهدل الدنيا... وإلا صح أنتِ مش ناويه تدلي على البلد ولا إيه؟ ولا أنتِ خلاص قطعتِ رجليكي من هناك.
آمال: مينفعش يا أمي إلا لو أبويا بعتلي مش هروح أفرض نفسي.
زهرة: ده أبوكي يا بت كيف يعني تفرضي نفسك عليه... ده لو عرف إن عرفت مكانك كان جه معايا وخدك أنتِ وبنتك على البلد.
آمال: متقلقيش يا أمي أنا مستنيه لما فيروز إن شاء الله تخلص دراستها وتتجوز وأطمن عليها هاجي أقعد معاكوا بس الأمور تهدى قبلها.
زهرة: بشجعك يا بنتي... يلا يا ولدي أنا هروح أغسل يدي وأتوضأ وأصلي المغرب وننزل قبل ما الناس تيجي.
بعدما أدت فرضها ضمت ابنتها بعناق لمدة دقائق... وصافح محمد عمته ونزلا الاثنان ليستقلا سيارته وذهبا إلى الفندق.
بينما فيروز بالداخل كان معها مكالمة هاتفية مع صقر.
فيروز بصوت رقيق وناعم: وعارف أنا كمان بحس معاك بإيه لما بتكون جنبي... بحس بأمان عمري ما حسيته في حياتي بحس إن ليا ضهر وحماية.
صقر: وبس؟
ابتسمت بخجل: وحبيبي وإن شاء الله خطيبي.
صقر: ونسيتِ جوزك.
فيروز: جوزي ده أقولهالك لما نكتب الكتاب.
صقر: ما أنا ناوي نكتب الكتاب مع الخطوبة.
فيروز: بجد؟! قالتها بفرحة مهللة... ثم هدأت قليلًا لتردف: قصدي يعني ده بجد؟
صقر: ومالك غيرتِ نبرة صوتك ليه مش كنتِ فرحانة من ثواني.
فيروز: مفيش بس خايفة لماما تعترض.
صقر: سيبهالي أنتِ وملكيش دعوة أنا هقنعها بطريقتي.
فيروز: لا أنا عرفاك لو حبت تضغط عليك وتستفزك هتقوم هابب فيها وفينا.
صقر: هابب!!! أنا بتتكلمي بأجور يا حبيبتي.
فيروز: هههههههههه لا بكلم مجنون فيروز.
صقر: فيروووز... أنا مبحبش الكلمة دي... قالها شبه غاضبًا.
فيروز: ههههههه على فكره مش أنا اللي بأقول عليك كده مجنون.
صقر: ماشي يا فيروز أخطبك ونتجوز بعدها وأعرفك مين هو المجنون.
فيروز: إيه هتقتلني!
صقر بابتسامة ونبرة ماكرة: هقتلك بس بطريقة تانية هبقى أقولك عليها بعدين لما نتجوز.
فيروز بعدم فهم: لا يا حبيبي لازم أعرف ولا العمر ببعزقه وخلاص.
صقر: أنصحك بلاش تعرفي دلوقت.
فيروز: لا قول.
صقر: هههههههه ما بلاش... لو قولتلك خدودك هيبقوا زي الطماطم وهتقوليلي أنت قليل الأدب وسافل والكلام ده.
أخيرًا أدركت ما يقصد فتفوهت: هااااا يا قليل الأدب... طيب لما تيجي بكره هقولهم أنا مش موافقة عليك.
صقر: كذابة ده أنتِ موافقة وموافقة أوي كمان... يعني تقدري تبعدي عني خالص؟
فيروز: ما أنت عملتها الأيام اللي فاتت وهونت عليك.
صقر: ما يبقاش قلبك أسود بقي ما اتكلمنا وقولنا خلاص نقفل الموضوع ده ولا إيه.
فيروز: طيب خلاص خلاص... ما قولتليش هتيجي إمتى بكره؟
صقر: مش لسه بتقولي إنك مش موافقة هاجي بقي أعمل إيه؟... قالها مازحًا.
فيروز: كده؟؟؟ ما...
لم تستكمل حديثها عندما دلفت والدتها: اقفلي عشان عايزة أكلمك في حاجة.
فيروز شعرت بالإحراج: ألو أيوه هكلمك بعدين أوك... سلام... أغلقت المكالمة ثم أردفت: ينفع اللي حضرتك عملتيه كده يعني؟
آمال: آه ينفع لأنكم لسه مش مخطوبين رسمي... والمفروض تعززي نفسك عشان يحس بغلاوتك ويبقي مشتاق ليكي على طول.
فيروز: يوووه بقي هندخل في أسطوانة كل يوم.
آمال: براحتك وخلي دماغك الجزمة ده ينفعك وبكره هتقولي يارتني سمعت كلامك يا ماما... عمومًا كنت عايزة أتكلم معاكِ قبل ما عمك وابنه ييجوا.
فيروز: اتفضلي سمعاكي.
آمال: إيه قلة الذوق اللي عملتيها قدام جدتك وابن خالك.
فيروز: الموضوع ده بالذات ما يخصنيش دي مامتك أنتِ وأهلك وزي ما أنتِ ما كنتيش بتجيبيلي أي سيرة ولا حاجة عنهم اعتبريني لسه ما أعرفش حاجة.
آمال: طيب والله يا...
قاطعها رنين جرس المنزل لتنظر والدتها لها بامتعاض فخرجت إلى الردهة لتفتح الباب.
حافظ: السلام عليكم.
ما زالت تغط في سبات عميق فكم من ليال لم يعرف النوم طريقًا لأهدابها... أخذت تتقلب على يمينها ويسارها وعلى الأرجح أنها ترى كابوسًا موحشًا من ذكريات تلك الأيام التي نالت فيها شتى ألوان العذاب... استيقظت وهي تصرخ صرخة مدوية سمعها كل من بالقصر...
عااااااااااااااااااااااا... فأخذت تنظر يمينًا ويسارًا تتفحص ما حولها حتى وقعت عينها على صورته المعلقة بطول الحائط المقابل للتخت فلما لا حيث لديه اضطراب الشخصية النرجسية التي تتفاخر بذاتها دائمًا ولا يتعاطف مع الآخرين ولديه ميول سادية فيتلذذ بتعذيب غيره كما فعل في تلك المسكينة...
عندما سمع صراخاتها ركض وهو يصعد الدرج حتى وصل غرفته ودلف إلى الداخل ليجدها متكورة في نفسها وترتجف وعينيها تحدق بذعر نحو صورته.
ضحك ساخرًا: هي صورتي بتخوف للدرجادي؟... قالها لتلتفت إليه لتتزايد رجفة جسدها مع شهقات رعب وهي تسحب الغطاء لتدثر جسدها وكادت تغطي وجهها لأنها لا تريد أن تراه فأمسك بالغطاء ليجذبه بقوة ويلقي به في الأرض.
أردف بنظرات الذئب: ما تهدي يا حلوة عفريت قاعد معاكِ أنا ولا إيه... الله يرحم ليالي الشقاوة اللي كانت ما بينا... قالها واقترب منها فوضع يده فوق بطنها فأردف: حتى الصغنن اللي جوه شاهد على كده.
صرخت بوجهه وهي تلقي بيده من عليها: ابعد عنيييييييي... ابعد عني بدل وقسمًا بالله هقتل نفسي واللي في بطني عشان أرحمه من واحد زيك معندوش ضمير ولا رحمة.
أطلق ضحكة مدوية اخترقت أذنيها لتضع يديها عليهما: عارفة يا مايا يوم ما تفكري بس تنتحري مش هخليكِ تعمليها أصلًا لأن العذاب اللي شوفتيه ده كوم واللي ممكن تشوفيه بعد كده ده كوم تاني خالص... فاهمة يا بيبي... وبعدين ابني اللي في بطنك ده سيادتك هتقومي بالسلامة أنتِ وهو وأنا هاخده وهربيه بمعرفتي.
مايا: ده بعدك... ابني أنا واللي هربيه بعيد عنك ومش عايزة منك أي حاجة هاخده وهسافر في أي حتة بعيد عن وشك... قالتها بانفعال.
رفع أحد حاجبيه ساخرًا: وحياة أمك!! أحب أعرفك أنتِ لو سافرتِ لجوف الأرض برضه لأجيبك ولا أنتِ ناسية أنا أبقى مين؟
مايا: حسبي الله ونعم الوكيل فيك.
باسل: اشتمي وحاسبيني براحتك خلي رصيدك عندي يعلى... اللي مصبرني عليكِ بس اللي في بطنك والمصلحة اللي هتقضيها.
توقف عند سماع طرقات الباب... باسل: مين.
الخادمة: الأكل يا سي باسل.
باسل: ادخلي يا زوزو.
لتدلف الخادمة التي ترتدي جيبًا سوداء قصيرة وضيقة للغاية وعليها قميص أبيض الذي يجسد مفاتنها... تتمايل بخصرها وهي متجهة نحو باسل الذي ينظر إليها كالذئب فوقفت أمامه لتضع صينية الطعام على الطاولة الزجاجية أمام الأريكة المخملية ذات اللون الأسود وتتعمد بأن تميل بجذعها للأمام... ومايا تنظر إليهما الاثنان بازدراء واحتقار لأنها استنتجت العلاقة بينهما.
زوزو: تؤمر بحاجة يا سيدي؟
باسل: لا... خدي الباب في إيدك... قالها لتغادر وهي تتمايل وقبل أن تغلق الباب غمزت له بإحدى عينيها.
نظر هو لمايا ليجد علامات الغضب على وجهها ليردف: إيه يا ميوي أنتِ بتغيري عليّ ولا إيه.
مايا: بلا قرف أنا قرفانة من وساختك مش أكتر.
زفر بغضب: بت أنتِ لمي لسانك وقومي عشان تطفحي عشان اللي في بطنك ده وعشان كمان بعد ما تخلصي هاخدك تقعدي في مكان تاني.
مايا: أومال إحنا فين؟
باسل: زي ما أنتِ شايفة في قصر عمي المتواضع... وبصراحة ببقى عايز أخرج أسهر شوية وخايف أسيبك لوحدك أجي ألاقي رجالة عمي مخلصين عليكِ ولا حاجة.
ارتعبت: هو عمك عارف إني أنا هنا؟
باسل: آه وبيقول عليكِ زبالة وبلاش أقولك إيه تاني لتزعلي... قالها بسخرية.
مايا: ده من ذوقك أنت وعمك.
باسل: يا رب يسمعك عشان أخلص منك... يلا بقي مش هتحايل عليكِ قومي كلي.
نهضت من على التخت بتثاقل فما زال الوهن يتملك من جسدها...
جلست على الأريكة لتتناول الطعام بنهم، فالحمل يجعلها تشعر بالجوع الشديد خاصة بسبب معاناة الأيام السابقة.
في اليوم التالي...
تعد آمال العديد من أصناف الطعام المختلفة، وتساعدها في ذلك كل من ليلى وفيروز.
آمال: خلصتي شوي الفراخ يا فيروز؟
فيروز وهي تدير مقبض الفرن لتطفئه: أه يا ماما خلصت وسلقت المكرونة.
ليلى: وأنا خلصت السلطة وطفيت على حلل المحشي.
آمال: عقبال لما أطبخلك في يوم فرحك يا ليلى.
نظرت ليلى إلى فيروز التي قالت: ادعيلها يا ماما إن خطوبتها ما تتمش.
آمال بامتعاض: ليه؟ كفى الله الشر.
ليلى: ما بحبوش يا أمولة، وأمي غصباني على الجوازة دي وأنا نفسيتي زفت وربنا.
آمال: ده أنا كده ليّا قعدة مع أمك.
ليلى بقلق وتوتر: لا لا لا والنبي بلاش.
آمال: بلاش ليه؟
ليلى خشيت من والدتها أن تقوم بإحراجها، كما أنها لا تعلم أنها لديهم في المنزل: أصل خالتي كده كده هتكلمها فما فيش داعي يعني.
آمال: طيب يا حبيبتي، عمومًا أنا موجودة أهو لو احتجتيني في أي وقت.
ليلى وهي تقبلها في وجنتها: ربنا يخليكي ليّ يا أمولة يا عسل... يا ريتك كنتي ماما.
آمال: ربنا يخليلك مامتك، هي ست طيبة وغلبانة بس عيبها واخدة كل حاجة عافية.
فيروز: أمولة وعسل! تعالي يا أختي شوفيها من شهرين كنت ناقص أرمي صقر من البلكونة وأنا وراه.
آمال ترمقها بغضب: ماشييي أحنا لسه فيها، وأنتِ عارفة كويس الكلمة هتبقى كلمتي وعمك يدوب هيكلموا في الاتفاقات.
فيروز: اعملي اللي تعمليه يا ماما، مش كل شوية هتزليني.
ليلى: إيه يا أمولة أنا حسدتك ولا إيه هههههههه اهدوا يا جماعة وصلوا على النبي.
آمال وفيروز: عليه أفضل الصلاة والسلام.
آمال زفرت بقوة: أنا هروح أكلم جدتك أشوفها اتأخروا ليه.
ليلى بتعجب: إيه ده يا فيرو أنتِ مش ستك أم أبوكي شبعانة موت من زمان.
فيروز وهي تلوي فمها جانبًا بسخرية: ماما قصدها على مامتها.
غرت فاها باندهاش: ده حصل إزاي يعني!!!
فيروز: بقولك إيه اطلعي من دماغي دلوقت، هبقى أحكيلك في وقت تاني.
ليلى: طيب.
عندما أتت ليلى كان خالد غير موجود حيث كان يؤدي صلاة الظهر بالمسجد، فها هو انتهى حتى وصل للمنزل وصعد الدرج حتى وصل أمام الشقة وطرق الباب عدة طرقات متتالية.
فيروز وهي تغسل الصحون: روحي يا لي لي افتحي هتلاقي عمي أو ابنه.
لم تنتبه ليلى إلى الكلمة الأخيرة التي تفوهت بها فيروز فذهبت لتفتح الباب حتى تفاجأت، وهو يبتسم لها مازحًا: إيه ده دكتورة الكتاكيت!
ليلى بابتسامة صفراء: أحسن من دكتور المجانين... قالتها على الرغم من نظراتها له تقول أشياء أخرى، فأرادت أن تقول له إنني اشتقت لك على الرغم من رؤيتك مرة واحدة لكنها كانت مرة بآلاف المرات، فكيف أحببتك من لقاء واحد فهل هذا هو الحب من أول نظرة.
خالد: هفضل متذنب على الباب كده كتير؟
ليلى وتحولت ابتسامتها إلى الهدوء وبعض الخجل: اتفضل... قالتها لتذهب إلى فيروز.
التي لاحظت أن الابتسامة لا تفارق محياها وخفقات قلبها تكاد مسموعة إليها.
فيروز تنظر لها بنصف عين متعجبة: إيه ده الانشكاح اللي أنتِ فيه ده؟
ليلى: ها انشكاح إيه؟
فيروز: أه فهمت... يبقى اللي كان بيخبط خالد.
رن هاتفها من داخل غرفتها.
ليلى: روحي شوفي أستاذ صقر هتلاقيه بيرن عليكي.
تركت ما بيدها وركضت نحو غرفتها فألتقطت هاتفها من فوق الكومود لتفصل الشاحن من المقبس.
فيروز: ألو أيوه يا حبي.
صقر: عروستي الجميلة عاملة إيه؟
فيروز: عروستك طالع عينها من الصبح في المطبخ، وعملتلك فراخ مشوية أحسن من فراخ تكا نفسها.
صقر: أموت أنا في حبيبي اللي مدلعني... تعرفي أنا من عشاق المشاوي.
فيروز: وأنا كمان.
صقر: وأنتِ كمان بتعشقيها؟
فيروز: أه.
صقر: طيب وأنا؟
فيروز: لما تيجي هبقى أقولك.
صقر: ما فيش حتة تصبيرة لحبيبك؟
فيروز: خلاص بقى أنا مش لوحدي على فكرة.
صقر: ليه مش أنتِ ومامتك وليلى بس؟
فيروز وتذكرت أنها لم تخبره بوجود خالد ومحمد وتخشى بالأخص وجود محمد فقالت: لا عمي وجدتي.
صقر بتعجب: جدتك!
فيروز: أه مامت مامتي.
صقر: تصدقي إن أنا ناسي أسألك على حكاية محمد اللي طلع ابن خالك، وأنتِ بتقوليلي جدتك، وإزاي ما تعرفيش إن أهل مامتك عايشين.
فيروز: دي حاجة خاصة بماما ما ليش دخل فيها... قالتها لتشعر بالقلق فإنها لا تريد أن يعلم بماضي والدتها وهي بالأساس لا تعلم سوى نصف أسرار والدتها والنصف الآخر غير متوقع بالمرة، ستشاء الظروف فيما بعد أن تعرف كل الخبايا والأسرار.
صقر: مالك يا حبيبتي صوتك حزين ليه؟
فيروز: ما فيش... أنا هقفل معاك عشان لسه ورايا حاجات كتير هعملها، وأول ما تخلص وتنزل كلمني عشان أكون جاهزة.
صقر: حاضر يا روحي... خدي بالك من نفسك.
فيروز: حاضر... سلام... قالتها فأغلقت المكالمة.
وذهبت لتنتهي من كل ما كلفتها به والدتها... ثم دلفت إلى المرحاض لتستحم ثم ذهبت إلى غرفتها وجلست معها ليلى التي كانت تساعدها لتتزين وترتدي ثوبها الرائع.
يجلس بالشرفة شديدة الاتساع الملحقة بمنزله الموجود أعلى التل، حيث مكان شديد الروعة من الخضرة التي تحاوط المنزل في منظر خلاب تسر له العيون...
يجلس على المقعد المصنوع من الخوص ويمدد قدمه على مقعد آخر وبيده كأس من النبيذ يرتشف منه عدة رشفات وهو يتأمل الطبيعة الجبلية من مكانه...
أخرج هاتفه من جيب سترته الجلدية ليفتح أحد الملفات الذي يضع لها رمز حماية حتى لا يراها أحد غيره... كتب الرمز السري لينفتح الملف فيتأمل صورها بتمعن كأنها حقيقية أمامه... فوضع هاتفه على المنضدة المجاورة له فأغمض عينيه وأرجع رأسه للخلف فتنهد باشتاق وبصوت ثمل: وحشتيني أوي وحشتيني أوي أوي... لولا إن أنا هربان كنت زماني خدتك وعيشنا مع بعض وما فارقكيش ولا لحظة يا برنسيس.
أوقف تفكيره رنين هاتفه ليفتح عينيه ويرى من المتصل فوجد رقم صديقه فأجاب بثقل:
إبراهام.
إبراهام: فينك بيبرس أنا مستنيك من بدري في النايت.
بيبرس: ما ليش مزاج أسهر النهاردة.
إبراهام: ليه روحت المعبد وتوبت! قالها ساخرًا.
بيبرس: أنا مش رايق خالص لأي هزار، سيبني في حالي.
إبراهام: أوك يا صديقي بس أنا كنت عايزك في مهمة وأنت الوحيد اللي هتخدمنا فيها.
بيبرس: أخدمكم مين؟
إبراهام: جهاز مخابرات بلدك يا بيبرس... والخدمة دي طالبها منك دانييل مزراح.
بيبرس: الله يحرقه ويحرق أيامه، ده عايز مني إيه؟
إبراهام: لما هقابلك أقولك، ما ينفعش يا حبيبي في الفون، كله بيتراقب دلوقت والحاجات دي أسرار.
بيبرس: أوك لما أشوفك بقى... شالوم.
أغلق المكالمة ليترك الهاتف ويدلف إلى الداخل وذهب ليدخل إلى المرحاض وفتح صنبور المياه ذو المصفاة متعددة الثقوب لتنهمر المياه فوق رأسه حتى يفيق من تلك الثمالة وإلى أن انتهى حتى استعاد وعيه وتركيزه فذهب لغرفته وأبدل ثيابه ليبحث عن هاتفه فتذكر أنه بالشرفة... فذهب ليأخذه فوجد رقم متصل وبجانبه كلمة إيجيبت بالإنجليزية فعلم أنه الرجل الذي كلفه بمراقبتها.
بيبرس: ألو في جديد؟
الرجل: أه يا باشا عندهم ناس ولسه طالع حالا الواد الظابط بتاع عملية جبل الحلال.
بيبرس: وده بيعمل إيه؟
الرجل: ده لابس اللي على الحبل ومتشيك ومعاه بوكيه ورد وعلبة شيكولاتة ومعاه حتة بت إيه فورتيكة عايزة تتأكل أكل.
بيبرس: هههههههه دي تبقى أخته يا بأف... خلاص خليك مراقب الدنيا زي ما أنت وبلغني أول بأول.
الرجل: اعتبره حصل يا باشا.
بيبرس: يلا سلام.
أغلق المكالمة ليجز على أسنانه حتى اصطكت بعضها فوق بعض ووجهه مقتضب بشدة ليتناول كل ما أمامه من كؤوس فارغة وزجاجات الخمر ويلقي بها بقوة لتصبح حطامًا ليزمجر كأنه زئير الليث:
أوعدك يا سيادة النقيب إن ما هخليك تتهنى عليها أبدًا وهاخلص من اللي أنا فيه وهتكون ليّ أنا بس.
قالها ليدلف إلى الداخل واتجه نحو الطاولة الرخامية (البار) ليأخذ قنينة من الخمر ويحتسي منها بنهم... تاركًا هاتفه على الطاولة الذي ما زال مفتوحًا على صورها... وبالأخص تلك الصورة التي التقطها لها عندما كانت مختطفة لديه وهي غائبة عن الوعي حيث قد جردها من جميع ثيابها تمامًا ليصبح جسدها عاريًا والتقط لها العديد من الصور وهي نائمة كالحور.
في منزل فيروز...
وخاصة في الردهة حيث يجلس حافظ وبجواره نجله خالد والجهة الأخرى الحاجة زهرة وابن نجلها محمد... ويجلس أمامهم صقر وشقيقته رنيم وبجواره إياس الذي وصل متأخرًا للتو...
خرجت آمال مرتدية ثيابًا أنيقة...
وبترحيب مبتسمة: يا أهلًا وسهلًا نورتونا يا جماعة.
جميعهم: ده نورك يا أم فيروز.
خالد: ده العريس هو اللي منور القعدة كلها، اليوم يومه بقى، قالها ثم ابتسم ليبادله صقر ابتسامة صفراء... لأنه كان لا يعلم بوجوده ولا بوجود محمد الذي قطع علاقته به تمامًا منذ فترة.
حافظ: طبعًا حضرتك يا صقر بيه عارفنا كويس أنا وابني.
صقر باحراج: أحم... أه طبعًا عارف حضراتكوا وليّ الشرف... ويا ريت ما تزعلوش مني ده واجبي المهني ولو عملت عكس كده يبقى ما استحقش اللي أنا فيه دلوقت.
حافظ: طبعًا يا ابني أنا مقدر ده.
صقر: هدخل في الموضوع على طول بدون أي مقدمات، طبعًا طنط آمال عارفة شغلي وظروفي المادية الحمد لله، غير إن والدي الله يرحمه سايب لنا أملاك كتير وشراكة ما بينا وبين رجل الأعمال المعروف صلاح السويفي.
قالها بينظر محمد بامتعاض متعجبًا من ذلك.
أردف صقر: فأنا يشرفني يا عمي أطلب إيد الآنسة فيروز على سنة الله ورسوله.
حافظ: وشرف لنا طبعًا أحنا كمان إن بنتنا تكون زوجة ليك، بس طبعًا لازم نسمع موافقتها.
فيروز وليلى بالداخل تسترقان السمع...
لتنفرج أساريرهما ويهللا بصوت منخفض.
ليلى: ألف مبروك يا قلبي.
فيروز وكادت تدمع عينيها: الله يبارك فيكي يا لي لي، عقبالك مع الإنسان اللي بتحبيه.
ليلى: ياااارب يا فيرو يا رب...
آمال وهي تطرق على باب الغرفة: فيروز يلا عشان عايزينك بره.
فيروز وشعرت كأن قلبها سيقف من شدة خفقاته: لي لي كل حاجة مظبوطة؟ الميك آب وشعري والفستان حلو؟
ليلى: الله أكبر عليكي، عايزة تتبخري، ربنا يحميكي من العين...
فيروز كانت مرتدية الثوب الذي اشتراه لها صقر، وكانت ترتدي حذاء أحمر قاني مخملي، وترفع شعرها لأعلى في شكل فني جذاب ليتدلى منه خصلات على جبهتها لتجعلها أكثر جاذبية وجمالًا، ووضعت القليل من مساحيق التجميل.
تنهدت وهي تأخذ أنفاسها بصعوبة، ووجنتاها شديدتا الحمرة من الخجل. فتحت باب الغرفة لتتقدم بخطوات هادئة تحت أنظارهم جميعًا، وكان حال كل منهم كما يلي:
خالد منبهرًا بجمالها لكنه يحمل مشاعر الأخوة تجاهها.
محمد كان يتمنى أن تلك الحورية تكون من نصيبه وله فقط، فإنه ينظر لها بنظرات لاحظها كل من آمال وجدته التي تمنت ذلك أيضًا.
بينما صقر حدق بها كأنها الجنة بعينها، غير مصدق هل كل ذلك الجمال له وستكون زوجته؟ تمنى لو أخذها وذهب بها نحو مكان لا يوجد به سواهما فقط.
قاطع تلك الأجواء صوت حافظ: إيه يا فيروز عايزين نسمع ردك.
فيروز: اللي تشوفه يا عمو... قالتها وهي تنظر لأسفل بخجل.
حافظ: يبقى على بركة الله ونقرأ الفاتحة.
صقر: بس أنا كنت عايز أطلب من طنط آمال إن هتكون الخطوبة ومعاها كتب كتاب.
آمال التي كانت تراجع في نفسها ما تخطط إليه: لأ طبعًا هي خطوبة بس، وأول ما تتخرجي هتتجوزوا.
صقر: أنا كان قصدي عشان لما أخرج معاها أو أقعد معاها ما يبقاش فيها حرمانية.
آمال: ما أنتم هتخرجوا براحتكم بس هيبقى معاكم محرم.
نظر لها كلا من صقر وفيروز لتردف آمال: خالد هيكون معاكم وأهو في مقام أخوها.
رنيم بابتسامة: أخوها إزاي يا ماما آمال؟ وده ابن عمها يعني يجوز لها مش من محارمها.
آمال: أنا قلت اللي عندي ولو مش عاجبه خلاص يستنى لما تخلص الترم ده، بس طبعًا ممنوع أي اتصال أو يشوفوا بعض.
إياس: إيه مالكوا قفشتوا كده ليه؟ على فكرة يا صقر طنط عندها حق... لينظر له وهو يغمز بعينه.
جز صقر على أسنانه وهو يحاول تهدئة نفسه من الغضب: حاضر اللي حضرتك تؤمري بيه.
رمقته بامتعاض: خلاص نبقى نقرأ الفاتحة كده.
حافظ: صدق الله العظيم، قالها بعدما انتهوا.
تعالت زغاريد من الحاجة زهرة ومن آمال ليهنئون جميعهم فيروز وصقر في تهليل ومباركات... لتدمع عينا آمال من الفرح لأنها ترى ابنها قد كبرت وأصبحت عروس.
___________________________
وصلت برفقته إلى منزل في مكان نائي... ليدلفا إلى الداخل.
باسل: واقفة عندك ليه ولا عايزاني أشيلك وأدخلك؟
مايا وهي تتفحص المنزل لتشعر بانقباضة في قلبها: باسل.
باسل: نعم عايزة إيه؟
مايا: حرام عليك اللي أنت ناوي تعمله فيها، أنت مش خايف من ربنا؟
زمجر ليقول بنبرة تهديد: جرى إيه يا ست الشيخة؟ شكلك عايزة تتشتمي وتتهزأي.
رمقته باحتقار: طيب هنعمل إيه دلوقت؟
اعملي زي ما قلتلك في العربية بالضبط.
بينما في منزل سيلين كانت تجلس في الحديقة تغمض عينيها لتستمتع بنسمات الهواء التي تداعب خصلاتها ووجنتيها... تتذكر ما حدث بالأمس لتشعر برجفة في جسدها من الخجل...
رن هاتفها لتشعر بانقباضة جعلت القشعريرة تسري بجسدها فأجابت: ألو مين؟
مايا: أيوه يا سيلي أنا مايا.
سيلين: ده رقم مين ده؟
مايا: ده رقم لسه شارياه جديد... المهم كنت عايزاكي بسرعة بالله عليكي.
سيلين: مالك يا بنتي قلقتيني عليكي.
مايا: تعبانة أوي يا سيلين والحتة اللي ساكنة فيها ما عرفش فيها دكاترة ومعيش عربية وخايفة.
سيلين: بس الوقت...
قاطعتها مايا: بليز يا سيلي أنا محتاجاكي أوي مليش غيرك.
سيلين: أوك... الحمد لله شهاب هيبات في الشركة الليلة... وأنا هتصرف وهحاول أزوغ من السيكيورتي اللي قرفني في أي مشوار ده.
مايا: حاضر وأنا مستنياكي ما تتأخريش بالله عليكي.
سيلين: أوك سيبيني بقى أروح أغير هدومي بسرعة عشان ألحقك.
مايا: أوك باي.
أغلقت المكالمة ليبتسم الآخر: هههههههههه الله عليكي يا بت يا ميوي ده أنتي ممثلة بارعة.
مايا وترمقه بسخط: منك لله زي ما خليتني أخون صاحبتي وأشارك في اللي هتعمله فيها.
باسل كاذبًا: ما يبقاش قلبك رهيف يا ميوي، دي كلها كام صورة عريانة ليها بس أهددها بيها كل شوية.
مايا: وهتستفاد إيه وهي يعتبر متجوزة؟
باسل: ما تلميش فيه وخليكي في حالك... وخدي بالك لما تتصل بيكي.
أبدلت ثيابها وأخذت حقيبتها الجلدية... فخرجت إلى الشرفة حتى جاءت إليها فكرة ماكرة... خرجت لتهبط الدرج وذهبت إلى اللوحة المفاتيح الكهربائية الرئيسية للمنزل كله بالحديقة والبوابة الإلكترونية التي تركها الحارس الخاص بها وذهب إلى المرحاض ونسي إغلاقها تمامًا. قطعت سيلين الكهرباء عن كل مكان بداخل وخارج المنزل فتسللت ولم يراها أحد حتى وصلت إلى البوابة فتنفست الصعداء عندما وجدتها مفتوحة ومواربة...
خرجت وظلت تركض حتى ابتعدت عن المنزل واستقلت سيارة أجرة خاصة... ثم اتصلت بمايا التي جعلتها تخبر السائق بالعنوان ليذهب بها هناك في غضون نصف ساعة...
ترجلت من السيارة لينقبض قلبها رهبة وخوف من ذلك البناء الموحش والمنطقة النائية التي لو قتل أحد ما فيها لا يشعر به الآخرون حتى يأكله الدود إلى أن يصبح ترابًا...
دلفت إلى الفناء لتتجه إلى المصعد لتجد ورقة معلقة عليه بالخارج مدون عليها... مغلق للصيانة.
سيلين: إيه الحظ ده أنا لسه هطلع الدور العاشر الله يسامحك يا مايا... ليفزعها صوت رنين هاتفها لتجد شهاب المتصل فأجابت والقلق يتملك منها: ألو أيوه يا حبيبي.
شهاب: عاملة إيه دلوقت؟
سيلين: قاعدة في الجاردن بشم شوية هوا.
شهاب: طيب خدي بالك من نفسك عشان زي ما قلتلك الصبح أنا هبات.
سيلين: أوك يا حبيبي تيجي بالسلامة... فوجدت مايا على الانتظار... فأردفت: طيب أنا هقفل دلوقت عشان معايا ويت.
شهاب: مين الـ...
لم يكمل حتى أغلقت على الفور لتجيب على مايا.
سيلين: أيوه أنا تحت البيت وهطلع السلم عشان الأسانسير الزفت ده عطلان سلام بقى.
شهاب بعدما أغلقت معه بدء القلق يسري في قلبه ليشعر أن نبرة صوتها كانت كما تخبئ شيئًا ما لا تريده أن يعرفه... فقاطع تفكيره اتصال أحد حراس المنزل.
شهاب: ألو نعم.
الحارس: الحق يا شهاب بيه النور كان فاصل من الفيلا والجنينة حتى البوابة، ولما عرفنا إنه فاصل من لوحة الكهربا بفعل فاعل جريت أطمن على سيلي هانم ليكون دخل حرامي ولا حاجة، قلبت عليها الفيلا وكل حتة مش موجودة.
بغضب عارم وصوت مدوٍ: إزاي مش موجودة يا كلاب أومال أنتم لازمتكم إيه؟
ارتب الحارس: والله يا بيه ما كانش فيه حاج...
لم يكمل حديثه ليغلق شهاب المكالمة على الفور... فأخذ أشياءه الخاصة من الهاتف ومفتاح التحكم بسيارته ونزل مسرعًا ليتجه نحو المنزل... وظل يهاتفها لكن كانت الشبكة منعدمة من هاتفها لعدم وجود دعم في هذه المنطقة لتلك الشبكة... أخذ يضرب المقود بقوة وأخذ يسب ويلعن ما حدث.
وصلت بعد معاناة إلى الطابق العاشر لتجد باب المنزل مفتوحًا فخشيت أن يكون حدث لصديقتها مكروه... فركضت إلى الداخل وكادت تنادي عليها ليأتي من خلفها ذلك الشيطان وهو يضع على فمها وأنفها محرمة قطنية ممتلئة بالمخدر... أرادت أن تقاوم لكن تعب صعود الدرج مع المخدر الذي يكممها به كفيلان لسقوط جبل... لتفقد وعيها بين ذراعيه...
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم ولاء رفعت
في منزل فيروز... بعد الانتهاء من الاتفاق تناولوا جميعهم الطعام وأخذوا يتسامرون.
صقر وهو ينظر لفيروز: تسلم إيدك يا طنط.
آمال: بالهنا والشفا يا ابني.
ليلى التي لا تفارق عينيها عيني خالد الذي يبادلها نفس النظرات والمشاعر: عقبال الليلة الكبيرة يا حضرة النقيب.
قالتها بابتسامة.
صقر: الله يخليكي، وربنا يتمملك أنتي وعلي على خير ونفرح بيكو أنتو كمان.
تلون وجه ليلى وشعرت بحشرجة في حلقها وانتابها السعال المفاجئ.
فيروز وهي توكز صقر في ذراعه وهي تهمس له: إيه اللي أنت هببته ده؟
صقر هامسًا: في إيه، ما أنا عارفة، أنتي ناسيه إن علي أمين شرطة في القسم عندنا.
فيروز: ما أنا عارفة بس هي أصلًا مش هتكمل معاه.
صقر: مش فاهم حاجة.
فيروز: هافهمك بعدين بس ما تجيبش سيرة خالص قدامها.
أعطى خالد كأسًا من الماء لليلى وهو ينظر لها كأنها تصرخ بعينيها: إنني مجبورة على خطوبة ذاك البارد، لكن أنت من في قلبي.
احتست قليلًا من الماء حتى هدأت.
نهض كل من محمد والجدة مستأذنين بأن يغادرا بعدما صافحوا الجميع ثم ذهبا.
ولم تمر بضع ثوانٍ حتى رن جرس المنزل.
فتحت آمال الباب لتجد والدة ليلى.
آمال وهي تفتح الباب على مصراعيه ليقع عيني الأخرى على ابنتها التي تجلس بجوار خالد التي لا تعرفه.
آمال: اتفضلي يا أم ليلى جوه، ده البيت بيتك حتى تباركي لفيروز على قراية الفاتحة.
والدة ليلى بابتسامة مصطنعة: ألف مبروك.
آمال: ينفع على الباب كده! ما كانش العشم.
والدة ليلى: معلش يا أم فيروز أصل خطيبها لسه جاي تحت وعايز يقعد معاها شوية.
آمال بوجه متجهم: أها ماشي ربنا يقدم اللي في الخير.
ليلى كانت لا تنتبه إلى والدتها التي ترمقها بغضب حتى فزعت من صياحها وهي تناديها: ليلى.
نظرت ليلى إلى والدتها بقلق وخوف فكيف علمت بوجودها لدى فيروز.
فأردفت والدتها: ألف مبروك يا فيروز يا حبيبتي وألف مبروك يا ابني طبعًا فاكرني.
قالتها مبتسمة.
صقر وهو يحاول التذكر: الله يبارك في حضرتك... أها طبعًا فاكر حضرتك.
قالها وقد تذكرها حينما سافرت فيروز مع والدتها إلى الواحات وهو جاء ليراها وقابل والدة ليلى على الدرج حينها.
والدة ليلى: معلش يا فيروز هاخد ليلى أصل علي خطيبها مستنيها تحت عشان بكرة خطوبتهم وهيكتبوا الكتاب عقبالكم كده.
قالتها وهي ترمق كلًا من ليلى وخالد الذي انتفض عندما سمع ذلك وشعر بالاختناق.
نهضت ليلى وعبراتها ترقرقت بداخل عينيها واعتصرتهما بألم ومشت نحو والدتها وقبل أن تغادر نظرت إلى خالد الذي تحاشى النظر إليها فبالنسبة له أنها ستصبح ملكًا لغيره وليس له الحق حتى بالنظر إليها.
فلم يرفع عينيه سوى عندما سمع صوت إغلاق باب المنزل فنهض مسرعًا إلى الشرفة ليستنشق بعض الهواء وحتى لا يلاحظ أحد انفعالاته.
نهضت رنيم: نستأذن أنا وإياس بقى يا فيرو.
قالتها وهي تمد يدها للمصافحة.
فيروز: خليكوا قاعدين... أنا ملحقتش أقعد معاكي.
رنيم بابتسامة: لا يا قلبي اليوم ده بتاع صقر وبكرة هتزهقي مني.
صقر: ليه هو أنتي ناوية تعيشي معانا ما تقول حاجة يا إياس.
قالها بمزاح.
إياس: يا ابني سيبها تتكلم براحتها هي ما تعرفش إن فرحنا الشهر الجاي.
قالها لتغر فاها كلًا من فيروز ورنيم.
ثم نظرت لشقيقها باقتضاب: يعني أنت وصاحبك بتحددوا من غير ما تاخدوا رأيي.
صقر: والله لسه عارف النهارده منه وملحقتش أقولك.
رنيم وهي ترمق إياس بغضب: ماشي يا إياس حسابك معايا لما ننزل.
إياس: الحقني يا عم أختك هتاكلني أنا مش همشي غير لما تيجي معانا عشان تحوش عني.
ضحك كلًا من فيروز وصقر ليقول: أنا مليش فيه خطيبتك وهي حرة اللي تعمله فيك.
رنيم: ده أنا هنفخه.
قالتها بغضب مصطنع.
إياس: كده بتبيعني يا صاحبي!
صقر: هههههههههه أنت لسه شوفت حاجة عشان بعد كده تحرم تعمل فيها مصلح اجتماعي.
يقصد عندما تحدث في الاتفاق وهو يهدأ بينه وبين والدة فيروز.
إياس: هي بقت كده! ماشي والنِعمة لأروح لحماتك جوه وهقولها الواد ده بيضحك عليكو وعامل الخطوبة حجة عشان يصيع مع بنتك ويتسلى بيها يومين.
فيروز: هههههههههه وأنا أشهد بكده معاك.
صقر ويرفع إحدى حاجبيه: بتتفقي معاه عليا!
إياس: حبيبتي يا فيروز ربنا يخليكي ليا.
قالها مازحًا.
صقر وهو يمسكه من تلابيب قميصه: ما تلم نفسك يالا حبيبتك مين؟
فيروز: إيه يا صقر ده أحنا بنهزر.
حدق بها محذرًا إياها: اسكتي أنتي.
إياس أبعد يد صقر الممسكة بقميصه: يلا يا رنيم عشان أخوكي ده اتجنن.
فغادرا المنزل.
فيروز: عجبك كده أهو زعل منك.
صقر: ما بحبش الهزار ده وهو عارف كويس ولا الكلام على هواكي.
فيروز بامتعاض: مفيش فايدة أبدًا فيك... خلي غيرتك دي تخسرك أقرب الناس منك.
صقر وهو ينهض: أنا ماشي.
فيروز رمقته بسخط: هو أنا عشان بنصحك تزعل وتتقمص وعايز تمشي براحتك يا صقر.
صقر: أصلًا أنا كنت ماشي وهعدي عليكو بكرة عشان نروح نشتري الشبكة.
خرجت آمال من المطبخ بعدما انتهت من تنظيف الصحون: رايح فين يا ابني خليك قاعد مع خطيبتك شوية.
صقر: معلش يا طنط عشان رنيم هيوصلها خطيبها وهتبقى لوحدها في الشقة.
آمال: ماشي يا حبيبي... بقولك صح ما تزعلش مني أنا مهما كان أم وخايفة على بنتي اللي مليش غيرها.
صقر: أنا عارف ومقدر حضرتك ومتقلقيش عليها خالص فيروز في عينيا وبخاف عليها أكتر من نفسي.
آمال: وأنا واثقة فيك يا صقر يا ابني... بس ممكن تقولي يا ماما ولا أنا مش قد المقام؟
صقر: لا أبدًا والله طبعًا حضرتك في مقام والدتي وأتمنى أكون زي ابنك.
آمال: وأنا فعلًا من اللحظة دي بعتبرك زي ابني.
صقر: ربنا يخليكي لينا... معلش بقى هستأذن أنا وإن شاء الله بكرة هعدي عليكو عشان نروح للجواهرجي.
آمال: إن شاء الله يا حبيبي.
قالتها مبتسمة.
مد يده ليصافحها: سلام عليكم.
صافحها ثم صافح فيروز ولم ينبس بكلمة لكن نظراته تتحدث بدلًا عن لسانه معاتبًا إياها.
***
في منزل ليلى...
والدتها بنبرة غاضبة: بتضحكي عليا يا ليلى وتقوليلي رايحة لخالتك!!... ربنا كشف كذبتك لما خالتك كانت بتكلمني عشان تطمن عليكي لأن موبايل حضرتك مقفول خايفة لأتصل بيكي وأسمع صوت صاحبتك وأكتشف الكدبة وطبعًا كنتي كل مرة قبل كده بتطلعي من ورايا كتير.
ليلى: آه كنت بطلع لصاحبتي إيه كفرت!!! وبعدين فين زي الزفت اللي قولتيلي إنه موجود.
والدتها: جاي دلوقت وكان بيتصل عليكي ولقي موبايلك مقفول فاتصل عليا اضطريت أقوله إنك نايمة وموبايلك فاصل شحن.
ليلى: ما يهمنيش أصلًا.
والدتها: بت اتعدلي وروحي حضري حاجة تتشرب لخطيبك عشان لما يجي تقدمهاله.
ليلى: مش هعمله طفح غير لما تقوليلي إيه حكاية الخطوبة وكتب الكتاب دي؟؟
والدتها: ما هو جاي عشان كده وكلم أبوكي امبارح وحدد معاه وأنتي ما كنتيش بتردي عليه.
ليلى: وأنا فين من كل ده هو أنتو اللي هتتخطبوا ولا أنا!!!!
قالتها بصياح.
والدتها: سواء بكرة أو في أي يوم تاني إيه اللي هيجرى يعني مش الفستان واشتراهولك بدل اللي كنت هتأجريه والشبكة واشتريناها مش ناقص غير الخطوبة والمأذون وبعدين أحنا هنعمل خطوبة على الضيق عشان أمه اللي لسه ميتة وظروف أبوكي اللي أنتي عارفاها.
ليلى: وأنا مش مستعدة.
قالتها وهي تعقد ساعديها أمام صدرها.
والدتها: والخطوبة وكتب الكتاب هيتموا بكرة يا ليلى ورجلك فوق رقبتك خلص الكلام.
ليلى: آخر كلام عندك؟؟
والدتها: أيوه وهنشوف كلمة مين فينا اللي هتمشي.
ليلى وهي تغادر الغرفة: مااااشي يا ماما بس ما تزعليش من اللي هيحصل.
قالتها بصوت يكاد مسموعًا.
مرت عدة دقائق ورن جرس المنزل.
والدتها: افتحي لخطيبك يا بت عقبال ما أصحي أبوكي.
قالتها من داخل الغرفة.
ليلى كانت بالردهة: وربنا يا علي الكلب لأوريك وهخليك تبطل البرود اللي في دمك ده.
تمتمت بتلك الكلمات وهي تفتح الباب... لتجده يقف بابتسامته السمجة كالعادة ويحمل أكياس بلاستيكية كبيرة.
علي: وحشتيني يا لي لي.
ليلى بابتسامة صفراء: ما تشوفش وحش.
علي يدلف إلى الداخل: ليه بتقولي كده أنتي قمر وزي العسل وقشطة كمان.
رمقته بازدراء: روح اترزع عقبال ما أبويا يجي يقعد معاك.
علي وهو يضع الأكياس جانبًا: اسمها اترزع برضه يا حضرة الدكتورة شكرًا على ذوقك.
ليلى: بقولك إيه أنا على آخري ومش طايقة نفسي.
علي: ليه كده ده حتى خطوبتنا بكرة وهنكتب الكتاب ونعلي الجواب وكلها شهرين ونتجوز.
ليلى: ده عند أمه يا أدهم.
أمسك بذراعها وهو يغرز أصابعه: بتقولي إيه يا عروسة!
قالها بغضب مكتوم.
ليلى: آااااه دراعي يا غبي أنت.
خرج والدها ليترك علي ذراعها على الفور قبل أن يلاحظ... تركتهما ليلى وترمقه بنظرات احتقار ثم دلفت إلى المطبخ لتشعر بألم من أثر قبضته العنيفة لتذرف عينيها عبراتها وهي تتوعد للجميع.
والدتها جاءت لترى ماذا أعدت لواجب الضيافة وجدتها تبكي: بتعيطي ليه هو أحنا هندبحك.
ليلى صاحت بغضب: ممكن تسيبيني في حالي بقى.
قالتها لتسرع والدتها بوضع كفها على فم ليلى: الله يخربيتك الواد هيسمعك بره.
أزاحت يد والدتها: ما يسمع ولا يتنيل... يا ريت عشان يحس ويخلي عنده دم.
والدتها تفتح الثلاجة وتلتقط منها زجاجة مياه غازية: خدي صبي الساقع ده في كاسات... ثم أخرجت علبة حلويات... فأردفت: وحطي الجاتوه ده في أطباق مع الساقع... انجزي وأنا هطلع أقعد معاهم بره.
كفكفت عبراتها ثم أعدت ما أمرته به والدتها وحملت كل ذلك على صينية معدنية كبيرة ثم خرجت إليهم.
***
ظلت على ذلك الوضع منذ ساعة وأكثر وهي تطرق على الباب وهي تصرخ وتنادي عليه حتى نال الوهن منها حتى جثت على ركبتيها وهي تنادي باسمه: افتح يا باسل... سيلين لأ...
حرام عليك!
وعندما جلست على الأرض غير قادرة على الوقوف، لاحظت شيئًا أسفل الأريكة يضيء ثم ينطفئ. فاستنتجت أنه يبدو هاتف صديقتها، عندما قام ذلك الوغد بتخديرها فسقط من يدها فتدحرج لأسفل الأريكة. فتحاملت لكي تنهض ومشت بتثاقل حتى تدنو لأسفل فألتقطت الهاتف:
يارب ألاقي رقمه، هو الوحيد اللي يقدر يساعدنا، لأن لو اتصلت بالتاني ممكن تحصل مذبحة، ومش بعيد يعمل حاجة فيها وهي ملهاش ذنب غير أنها وقعت ضحية في إيد واحد شيطان قذر.
في داخل الغرفة الموصَدة من الداخل، التي لا يوجد بها سوى تخت عريض وأريكة فقط.
هي بدأت تستيقظ وتشعر بألم في رأسها وفي كل أنحاء جسدها، لتقع عينيها على ذراعيها المكبلين لأعلى بحبل مربوط بالمسند الخلفي للتخت. فاتسعت حدقتاها عندما رأته وهو يرتدي بنطاله ويغلق السحاب. لتقع عينيها على الفور فوجدت جسدها عاريًا تمامًا وكادت تصرخ، ليغلق فاها بيده وهو يحذرها بصوته كالفحيح:
هش! إيه هتصوتي وتفضحِ نفسك؟ ما أنا ياما كنت بتحايل عليكي تكوني ليا، مش زماني عملت كده وأنتِ مراتي في الحلال، وأنتِ اللي رفضتيني ورحتي للكلب بتاعك. والنتيجة إيه؟ أهو بقيتي زيك زي أي عاهرة نمت معاها. صح يا سيلي؟
قالها وهو يتحسس جسدها بيده لتنتفض في مكانها وتصرخ بأنين مكتوم. فأردف:
اهدي يا قطة، خلاص ما أنا أخذت اللي أنا عايزه، ناقص حاجة واحدة بس، عشان لما تغوري من هنا متفكريش تحكي اللي حصلك لأي حد، حتى للنطع اللي أنتِ متجوزاه.
قالها ليتجه إلى الأريكة حتى توقف فجأة عندما سمع همسات الأخرى التي تركها بالخارج ليسترق السمع.
في سيارة صقر وهو عائد إلى منزله يتحدث في هاتفه:
أيوه يا سيلين، مش سامع منك حاجة.
مايا بهمس:
أبوس إيدك تعالَ بسرعة، أنا مايا.
صقر:
مايا! في إيه؟
مايا:
باسل حابسني في شقة في... في عمارة رقم... وحابس سيلين في الأوضة وزمانه اعتدى عليها و...
صقر توقف فجأة بالسيارة عندما حاول أن يجمع حديثها وأدرك ما حدث:
ألو مايا! ألو!
لم تكمل حديثها حينما فتح باب الغرفة ليخرج لها وعيناه يملؤهما الشر ليزمجر بصوت مرعب:
كنتي بتكلمي مين؟!
تراجعت إلى الخلف وجسدها يرتجف ليسقط الهاتف من يدها. وبسرعة البرق التقط هو الهاتف ليرى إلى من تتحدث ليجد اسم المتصل عليه "صقر" بالإنجليزية. فقبض على الهاتف بقوة وكاد أن يتحطم، وبدون أن يتفوه ارتطم جسدها على الأرض إثر صفعته القوية التي جعلتها تفقد الوعي.
تجول ذهابًا وإيابًا وكأن الشيطان يتجسد في هيئته. فدلف إلى الداخل إلى التي وضع على فمها لاصق طبي، فاقترب منها وهو يجذب شعرها وبصوت مرعب:
شوفتي السافلة صاحبتك راحت اتصلت بالـ... اللي كنتي بتجري وراه ومش معبرك. وزمانها بلغته بالمكان، بس كده اللعب هيحلو أوي.
قالها فأخرج من جيب سترته الملقاة في آخر التخت قنينة زجاجية صغيرة والمحرمة القطنية ثم أردف:
وبكده يبقى كده ضربت عصفورين بحجر، انتقمت منك أنتِ والكلب شهاب، وفي نفس الوقت هاخد حقي من عم فاندام اللي كان بيحوشني عنك ويمد إيده عليا.
فأخذ يضحك كالذي فقد عقله.
بينما هي كانت تعتصر عينيها بألم وعبراتها منهمرة كأنها ترجوه بأن يكف عما يفعله.
وفجأة انتبهت لدوي طرقات على باب المنزل. فاقترب منها وهو يفتح زجاجة المخدر ويسكب منها القليل في المحرمة ليضعها على أنفها وفمها ليخدرها مرة أخرى. فأسرع إلى الخارج بعدما صفق الباب خلفه فأغلق الأضواء ليسمع صياح الآخر:
افتح يا حيوان أنا عارف إنك جوه، افتح بدل ما أكسر الباب وأقتلك.
قالها بصوت اهتزت له الجدران.
اختبأ باسل خلف الباب وهو يفتحه ببطء ليدفع الآخر الباب بقدمه وكاد يلتفت في الظلام ليفاجئه باسل بالمحرمة المليئة بالمخدر. وعلى رغم مقاومة صقر له لكن لا فائدة، فقد تملك منه حتى خارت قواه وفقد الوعي.
أغلق الآخر الباب وأخذ يسحب صقر من ذراعيه حتى دلف به إلى الغرفة بعد أن فتح الباب وظل يسحبه بكل قوته لتثاقل جسده المرتخي.
فانحنى ليحاوط ذراعيه حول جذعه حتى يرفعه ويلقي به على التخت بجوار سيلين الفاقدة لوعيها.
وبعدما انتهى اقترب منه ليجرده من جميع ثيابه وكذلك حذائه وكل ما يرتديه. ليلتف الناحية الأخرى فقام بفك قيود ذراعيها وأزال اللاصق من على فمها ليفرد ذراع صقر ووضع رأسها على صدره وأثنى ذراعه كأنه يحتضنها وهما نائمان، ليأتي بملاءة ودثر كلاهما تاركًا جسديهما عاريين من الأعلى فقط.
اتجه إلى الأريكة التي عليها آلة التصوير الرقمية فالتقط عدة صور لهما في أوضاع حميمية ومن زوايا مختلفة.
وبعد أن انتهى ارتسمت ابتسامة الذئب على محياه:
وأخيرًا هشفي غليلي منكم، سواء منك ولا من ده.
قالها ثم بصق عليهما فترك الغرفة وذهب ليحمل مايا ويغادر المنزل بأكمله بعدما أغلق الباب من الخارج بالمفتاح وألقى به من نافذة تطل على الشارع ليصبحا محتجزين في الداخل.
في منزل عائلة السويفي، بداخل المكتب يقف جميعهم متجاورين كالجدار البشري وهو يمشي أمامهم ذهابًا وإيابًا وهو يزفر بقوة وبغضب ويمسح كفيه بوجهه ثم صاح بصوت مدوي:
أنا نفسي أعرف اختفت إزاي وأنتوا موجودين يا شوية بهايم!
رئيس الحرس:
يا باشا أ...
ليقاطعه شهاب:
اخرس، مش عايز أسمع مبررات تافهة.
رئيس الحرس:
ما هو لازم تعرف حضرتك. أصل... أصل...
قالها مترددًا.
شهاب بصياح:
ما تتكلم في إيه؟!
رئيس الحرس:
أصل أنا فرغت الكاميرات اللي جوه الفيلا واللي بره الفيلا.
شهاب وهو يضرب بكفه على جبهته وكأنه تذكر:
الكاميرات! أنا ناسي أمرها خالص.
قالها وهو يتجه نحو المكتب وهو يفتح الحاسب المتنقل الخاص به المتصل بنظام المراقبة ليضغط على عدة أيقونات ليفتح الفيديوهات المسجلة. وأخذ يسرع من الأحداث حتى وصل عندما شاهد سيلين تتجه إلى لوحة مفاتيح الكهرباء وهي تفصل المفاتيح ولا تعلم أن هناك كاميرات مراقبة تعمل حتى لو انقطع التيار الكهربائي. وهناك فيديو آخر لها وهي تتسلل عند البوابة حتى خرجت وركضت بعيدًا.
كان يشاهد والغضب يجعل دماءه تغلي كماء المهل ويتمتم وهو يجز على أسنانه:
يا ترى روحتي فين يا سيلين، وإيه اللي بتعمليه من ورايا؟
رئيس الحرس:
تؤمر بحاجة يا شهاب بيه؟
رفع عينيه وهو يحدق بعينيه الحادتين وبنبرة هادئة بعكس ما بداخله:
بره. اطلعوا بره ومش عايز أشوف وش حد فيكوا، فاهمين؟
قالها ليغادروا وينتشروا في أماكن الحراسة بداخل وخارج المنزل.
التقط هاتفه ليرى رسالة نصية واردة محتواها يبلغه أن هاتفها متاح حاليًا. فأسرع على الفور بالاتصال بها لكن بدون جدوى، لا رد. فكاد يلقي بهاتفه لكن تذكر صديق له يعمل في إحدى شركات شبكات الهواتف فأجرى الاتصال عليه.
شهاب:
ألو، إزيك يا هيثم؟
هيثم:
شيبو عامل إيه؟
شهاب:
الحمد لله، وأنت أخبارك إيه؟
هيثم:
الحمد لله يا نجم.
شهاب:
معلش يا هيثم ممكن خدمة؟
هيثم:
اتفضل يا صاحبي.
شهاب:
أنا هديك رقم عايزك تعرفلي مكانه فين.
هيثم:
يا ابني الأمر سهل خالص، أنت ممكن تعرف المكان، نزل أبليكشن "لوكيت" وتعرف من خلاله مكان صاحب الرقم بس لازم يكون الفون بتاعه سمارت.
شهاب:
طيب شكرًا.
قالها وأغلق على الفور. وبدأ في تنزيل التطبيق على هاتفه ليسجل رقم هاتفها حتى يظهر له المكان. لكن قاطعه عمه الذي دلف إلى المكتب.
صلاح متعجبًا:
إيه اللي حصل يا شهاب؟!
يصدح نغمة رنين هاتفه المدوية بأرجاء الغرفة والذي ساعد على ذلك السكون الذي يعم المكان. بدأ يستيقظ والرؤية ضبابية لديه وشعر بثقل على صدره وجلد آخر يلامس جسده وذراعه تحتضن التي بدأت تستيقظ هي الأخرى. وفجأة يحدق كل منهما للآخر بفزع.
سيلين:
عاااااااا، صقر...
قالتها لتبتعد عن صدره.
صقر وهو غير مصدق ما يحدث:
ححـ... حصل إيه؟ وإحنا فين؟
قالها بتلعثم غير مدرك.
سيلين انفزعت أكثر عندما وجدت جسدها من الأعلى عاريًا فأخذت تلملم في الغطاء وتستر جسدها وكادت تسحب الغطاء كله فأوقف صقر ممسكًا:
استني، ما أنا متهبب عريان زيك.
سيلين وهي تبكي:
الحيوان السافل القذر، ربنا ياخده.
صقر:
والله ما جيت جنبك، أنا كل اللي افتكره إن مايا صاحبتك اتصلت عليا من تليفونك وبتقولي إن باسل حابسكو أنتِ وأنا، وقالتلي العنوان، وأول ما جيت الحيوان ده فتحلي الباب وحط على مناخيري حاجة وبعد كده مش فاكر اللي حصل.
سيلين ازدادت شهقاتها وبكاؤها. فأردف:
هو إيه اللي حصل بالظبط، والقذر ده عمل معاكي إيه؟
قالها لتقع عيناه على بقعة دماء على الفراش فأخذ يسب في ذلك الشيطان.
سيلين:
قولي أعمل إيه؟ أنا في مصيبة يا صقر، فرحي خلاص بعد أيام وشهاب...
لتتسع حدقتاها وهي تتذكر ثم قامت بضرب وجهها عدة صفعات وأردفت:
يا لهوي شهاب، شهاب يا صقر لو عرف هيقتلني.
قالتها لتصرخ باكية.
فاقترب منها وهو يعانقها ليهدئها:
اهدي يا سيلين وبطلي عياط، اللي حصل حصل، وأنا وقسمًا بربي لأخدلك حقك وهخليه يتمنى الموت وما يطولوش.
سيلين وهي ترفع عينيها المغروقتين بعبراتها:
أهدي إزاي؟ حتى لو مات ولا اتحرق وغار في داهية، أنا هاعمل إيه في مصيبتي دي؟ عارف يعني إيه؟ تخيل اللي حصلي ده لو حصل مع فيروز كنت هتعمل إيه؟
قالتها ليزداد غضبه من ذلك الوغد ليشتد من عناقها ويمسد شعرها:
خلاص كفاية ما تكمليش، وأوعدك الواد ده لأخليه يندم على اليوم اللي اتولد فيه. وبالنسبة لشهاب أنا ممكن أقابله وهافهمه.
ابتعدت عنه كمن صعقتها الكهرباء وصاحت بجنون:
لا لالا، شهاب لالا، والنبي يا صقر شهاب لاء، أنت متعرفش عمل معايا إيه قبل كده.
صقر:
حصل إيه تاني قبل كده؟
سيلين:
مش مهم حصل إيه. المهم مش عايزاك تتكلم معاه خالص، خصوصًا هو واخد موقف منك من ساعة حفلة عيد ميلادي.
صقر:
طيب خلاص، قومي عشان نلبس وننزل أوصلك، وفي الطريق نشوف حل، ومتخافيش يا سيلين أنا بعتبرك زي أختي وهقف جنبك ومش هسيبك غير لما أخد لك حقك وتشفى غليلك من الواطي ده.
سيلين نظرت لأسفل بخجل:
مش هينفع أقوم قدامك.
صقر:
آسف نسيت. خلاص أنا هديلك ضهري وقومي والبسي براحتك، وأول ما تخلصي قوليلي.
أومأت له بالموافقة. ليلتفت ويوليها ظهره لتنهض هي باستحياء لتنحني وهي تلملم ثيابها المبعثرة بجانب التخت فارتدتهم مسرعة فتنهدت ليقع بصرها على بقعة دمائها التي لم تلاحظها سوى الآن عادت تبكي بقهر.
صقر:
مالك يا سيلين بتعيطي ليه تاني؟ خلاص خلصتي؟
سيلين وهي تلقي الغطاء لتواري به البقعة:
آه خلصت.
التفت لها:
طيب ممكن تتفضلي بره عقبال ما ألبس.
قالها ثم غادرت هي الغرفة وانتظرته بالخارج حتى انتهى وخرج إليها.
فأخذت تبحث عن حقيبتها وهاتفها، فوجدتهما ونظرت لشاشة الهاتف لتجد أكثر من مائة مكالمة فائتة من شهاب، ورسائل نصية يسألها أين ذهبت وأن تجيب عليه.
صقر: يلا عشان ألحق أوصلك بسرعة قبل ما تحصل مشكلة.
غادرا الاثنان واستقل سيارته وهي بجواره، وكان الصمت سيد الحوار بينهما. وهي تنظر من زجاج نافذة السيارة بعينيها التي شعرت بجفافهما من كثرة البكاء فكانت كالجسد بلا روح. وكان كل ما يشغل تفكيرها ماذا ستقول أو تحكي لزوجها، وماذا ستقول خاصة عندما تذكرت تلك الليلة الحالكة التي قضتها في المنزل الذي أخذها فيه وعاقبها بعدما وجدها في منزل سيف، وساء الظن حينها. فظلت تلعن تصرفاتها الحمقاء التي تؤدي بها لنهايات أسوأ من كل مرة سابقة. قاطع شرودها اهتزاز هاتفها برسالة واردة على (الواتساب)، بل مجموعة صور مرسلة من رقم مجهول، فضغطت لترى محتوى الصور فكادت تشهق لولا تلك الجملة بأسفل الصورة الأولى وهي:
(لو الصور دي عرف بيها الحيوان الي جنبك هوصلها بنفسي لشهاب ده غير لما أنشرها لك يا عروسة على المواقع وتبقى خبر الموسم.. ونسيت أقولك حاجة كمان أنتِ فرسة جامدة أوي وخسارة في الـ....... جوزك).
بعدما انتهت حذفت محتوى الدردشة بالكامل، وشعرت بالاختناق فلاحظ صقر شهقاتها.
صقر: مالك يا سيلين؟
سيلين بصعوبة في التنفس: مش قا... درة.
ففتح لها النافذة لتأخذ شهيقًا وشعرت كأنه نار تحرقها.
في ذلك الوقت خرج شهاب من المنزل بعدما ترك عمه يغط في النوم، فأنه لا يريد أن يشعر بشيء وخاصة أنه سيسافر في الصباح لإجراء الفحوصات الخاصة بمرضه بالخارج.
اتجه نحو المرآب واستقل إحدى سياراته الخاصة لينطلق إلى الخارج ليتوقف أمام البوابة عندما رأى العلامة التي تشير على خريطة مكان تواجد سيلين تتحرك في طريق المنزل، فنزل من السيارة وأمر الحارس بأن يرجعها بالمرآب وهو سيظل منتظرًا بالخارج.
اقترب صقر من منزلها: خلاص ثواني وهنبقى أد...
قاطعته هي: لاء بليز نزلني هنا عشان لو حد من السكيورتي شافك هيبلغ شهاب.
زفر بضيق: مينفعش يا سيلي أخليكي تنزلي وتمشي لوحدك الوقت متأخر جدًا وأنتِ بنت و... توقف عندما نظرت له بانكسار وعبراتها تنسدل بحسرة وألم. لم يتحمل حالها ذلك فضمها لصدره وهو يربت على ظهرها: بس يا سيلي بالله عليكي خلاص. توقفت عن البكاء بصعوبة ثم فتحت باب السيارة ولم تنطق بكلمة لتمشي نحو منزلها. قاد صقر سيارته للخلف حتى يلتف ويذهب من طريق العودة إلى منزله.
كانت تمشي وتنظر لأسفل حتى وصلت إلى البوابة ولم تلاحظ الواقف أمامها فاصطدمت به لترفع عينيها لتجده يقف بوجه متجهم لا تدل ملامحه على أي تعبير وبصوت أجش دب في أوصالها الرعب: تعالي ورايا. قالها ثم أشار للحارس بأن يفتح البوابة فدلف إلى الداخل وهي خلفه وفي كل خطوة لها تشعر كأن روحها تنسحب ببطء. ظلت خلفه حتى صعدا الدرج وكادت تذهب نحو غرفتها فأمسك بمعصمها وهو يسحبها نحو غرفته ليفتح الباب ويشير إليها بالدخول بعدما ترك معصمها من قبضته.
دلف خلفها ثم أغلق الباب بالمفتاح ثم وضعه في جيب سترته ويقترب منها وهي ترجع إلى الخلف حتى وصلت إلى آخر الغرفة وأوقفها الحائط الذي التصق به ظهرها. وقف أمامها وهو يحدق في عينيها بنظرات مرعبة فطبيعة عينيه حادة فما بال عندما يكون غاضبًا ماذا ستكون نظراته. يسمع صوت قلبها الذي يخفق من الرعب حتى اسكت هذا الصوت وقال بهدوء يخبئ خلفه بركان على وشك الانفجار: أنا مش هسألك دلوقتي ليه فصلتي الكهربا وخرجتي زي الحرامية.. ولا هسألك مين اللي نزلتي من عربيته.. كل اللي هسأله كنتي فين لحد دلوقتي؟ قالها ليغمض عينيه منتظرًا جوابها.
ابتلعت ريقها بصعوبة وتريد أن تقول أي شيء كذبًا لكن الكلمات تاهت عن لسانها فلم تكن قادرة أن تتفوه بحرف واحد.
شهاب: أعيد السؤال تاني كنتي فين لحد دلوقتي؟ قالها وهو يضغط على كل حرف يتفوه به.
سيلين بتلعثم: أنا.. أنا كنت... مش عارفة.... قالتها لترتطم على الأرض من صفعته، ليدنو إليها وهو يلف على قبضته خصلات شعرها ويجذبها منه ليجعل وجهها مواجهًا لوجهه وصاح بغضب: ردي عليا كنتي فين؟
لم تستطع أن تنطق لكن شهقات بكائها تعالت وهي تتأوه من شعرها الذي شعرت وكأنه سيقتلع من جذوره، وتقول بداخلها هكذا يعاملني وليس يعلم ما حل بي اليوم، فماذا سيفعل بي إذا علم بكل شيء ورأى تلك الصور؟ يا الله ساعدني.
ترك خصلاتها فغرز أصابعه بذراعها ثم سحبها إلى تخته وألقى بها عليه ثم اتجه نحو الباب وقبل أن يغادر قال لها بصوت مرعب: من النهارده أنتِ محبوسة في أوضتي ومش هتعتبي بره الأوضة دي خالص والبلكونة دي لو اتفتحت مش هقولك هاعمل فيكِ إيه.. أكلك وشربك يسرية هتجيبهولك لحد عندك.. غير كده مش عايز أسمع صوتك خالص. قالها وغادر ليصفق الباب خلفه وأوصده من الخارج.
وهي تكورت وهي تبكي وتئن ثم نهضت ودلفت إلى المرحاض الملحق بغرفته، وأغلقت الباب وخلعت كل ثيابها وتفتح الصنبور الذي يعلو حوض الاستحمام التي جلست فيه لتنهمر المياه عليها وهي تحك جسدها وكأنها تزيل لمسات ذلك الفاجر الذي اعتدى عليها لتطلق صرخة يليها بكاء بوجع مرير.
______________________
استيقظت من النوم مبكرًا لتدلف إلى المطبخ لتضغط على زر جهاز الراديو ليصدر صوت المذيع معلنًا عن الساعة السادسة صباحًا ثم يعلن عن تلاوة من آيات القرآن للشيخ محمد رفعت لسورة يوسف. وابتسمت وهي تعد الشطائر لهما وتجهز كوبين الحليب، فانتهت لتوقظهم لتجلس على التخت وهي تمسد على شعر إحداهما فاستيقظت.
كنزي: صباح الخير يا ماما.
سلمى بابتسامة وهي تقبل جبهتها: صباح النور يا قلب ماما يلا عشان تفطروا وتروحوا المدرسة.
استيقظت كارما: وأنا يعني مش بنتك مش بتصحيني ليه؟
سلمى وهي تقبلها من وجنتها: يا روحي أنتم عيوني اللي بشوف بيها.. يلا قوموا بقى.
كنزي وكارما: حاضر.
خرجت لتجلب لهما الفطور فلم تسمع إليهما صوتًا فظنت أنهما عادا للنوم فحملت الصينية ودلفت إليهما فتسمرت عندما رأتهما بنفس وضعية النوم التي أيقظتهم عليها فاقتربت لتضع الصينية جانبًا على الكومود لتدنو إليهم وكادت توقظهم ليلتفتا الاثنان إليها بحدقتي بلون الأبيض وبشرتهم مثل بشرة الأموات، لتصرخ بفزع وتتراجع للوراء وهما يتبعها بنظراتهما المرعبة لتقول إحداهما: اطمني يا ماما إحنا في الجنة. قالتها ثم خرجت من جوفها ماء غزير كأنبوب المياه الذي انفجر والأخرى كذلك أيضًا، لتصرخ سلمى: لااااااااااااااااااااااااااااااا.
نهضت في فزع وذعر لتجد خالتها بجوارها تربت عليها وهي تعطيها كوب ماء: خير اللهم اجعله خير يا بنتي.. معلش شكله كابوس خذي اشربي يا حبيبتي.
ارتشفت قليلًا من الماء ثم هدأت لتسمع أذنيها صوت القارئ الشيخ محمد رفعت وهو يتلو سورة يوسف، فنهضت من فراشها وركضت نحو الغرفة الأخرى ودلفت لتجد التخت شاغرًا وجهاز الراديو على الكومود فاستندت على الحائط بظهرها وظلت تبكي.
الخالة: يا بنتي حرام عليكي عياطك بيعذبهم أكثر.
سلمى وهي ترتمي على صدر خالتها: مش قادرة والله العظيم ما قادرة أنا قلبي خلاص يا خالتي ما عادش مستحمل وحاسة إني هموت.
الخالة: ربنا يبارك في عمرك ويخلي لك ولادك وجوزك.
سلمى: جوزي! هو فين جوزي.. دول حبسوه مش مكفيهم القهرة اللي هو فيها بيكملوا عليه وعليه.. آهااااااا.
الخالة: استهدي بالله كده يا بنتي وخشي اتوضي وصلي الصبح عقبال ما أعملك لقمة عشان هنروح نزور أيمن ولا أنتِ مش عايزة تشوفيه؟
سلمى بعيون واهنة: ده أنا في أشد الاحتياج ليه نفسي ياخدني في حضنه ويصبرني على فراق بناتي.
الخالة: طيب اسمعي اللي قولته لك عليه والبسي وأنا هأكلم مروة بنتي تيجي تقعد بعمر وسليم.
أومأت لها بالموافقة فدلفت إلى المرحاض فتوضأت ثم خرجت وأدت فرضها ثم ارتدت ثوبها وحجابها متشحة بالسواد ثم تناولت لقيمات من غير أي شهية، انتهيا فغادرا بعد أن أتت ابنة خالتها لتجلس بالرضيعين.
استقلوا سيارة أجرة خاصة أوصلتهم أمام المخفر المحتجز به زوجها، فدلفوا إلى الداخل وبعد مرور أكثر من ربع ساعة بداخل المكتب.
حتى دلف الضابط إلى المكتب بغرور وتباهي فجلس على مكتبه وكأنهما غير موجودتين.
الخالة: بالله عليك يا ابني عايزين نشوف أيمن اللي أنتم حابسينه في قضية قتل بناته.
رمقها بطرف عينيه وأخرج سيجارة من العلبة وأشعلها بالقداحة فشرب منها لثوان ثم زفر الدخان بتعال، رمقهم بسخط واحتقار: ما تقوموا يا أختي منك ليها أنا سمحت لكم تقعدوا؟ قالها بصياح.
نهضت الخالة وسلمى التي أحست بالإهانة الموجهة لهما فصاحت: هو إحنا جايين نشحت منك ولا إيه! قولنا لك عايزين نشوف جوزي ولا البعيد ما بيسمعش.
وكزتها الخالة وهمست لها: يخرب عقلك اخرسي.
وقف وحدق بها بنظرات تهديد: طيب اسمعي بقى يا روح أمك أنا لولا ما بحبش أمد إيدي على واحدة ست كنت كسرت جسمك حتت ورميتك في الحجز والدبان الأزرق مش هيعرف لك طريق.... ثم إن جوزك ممنوع عنه الزيارة لحد ما يترحل على النيابة لأنه معترف بنفسه إنه قتل بناته ورماهم في الماية.
سلمى بعدم تصديق وبكاء هيستيري: كذااااااب جوزي عمره ما يعمل كده ده بيحب بناته أكثر من روحه... ولا أنت موالس مع الأوساخ اللي قتلوا بناتي وكمان عايزين يلبسوها لأبوهم.
الضابط: بصي أنا مراعي ظروفك وإن موت بناتك لحس دماغك فهعتبر كل الهري ده شوية هرتلة من واحدة مجنونة.. واعقلي كده زي جوزك هو جاب من الآخر واعترف أحسن ما الدور يجي عليكي أنتِ وعيالك الباقيين.
الخالة: ما تأخذهاش يا ابني اللي مات لها مش ضني واحد دول اثنين وسبحان الله إنها قادرة توقف على رجلها لحد دلوقتي.
الضابط: هو أنا عملت لها حاجة! أديكِ شايفة كلامها وياريت تاخديها يا حاجة وتمشوا عشان لو قعدت تعبط في الكلام تاني مش عارف هيحصل إيه.
الخالة وهي تمسكها من ذراعها لتغادر: يلا يا بنتي ربنا كبير.
سلمى وهي تغادر رمقته بسخط: حسبي الله ونعم الوكيل.. ربنا المنتقم من كل ظالم وكل اللي بيساعدوه في الظلم. قالتها ثم خرجت برفقة الخالة.
زفر الضابط بضيق: ده إيه البلاوي اللي بتتحدف علينا على الصبح دي... قالها ليمسك هاتفه ثم أجرى اتصالًا: ألو عدنان بيه صباح النور على الباشا.
عدنان: صباح الخير يا عادل.
عادل: أنا قولت أصبح عليك وعلى الباشا وأطمنه إن البت مرات الواد أيمن كانت هنا هي وخالتها وكانوا عايزين يشوفوا.
عدنان: وعملت إيه؟
عادل: عيب عليك يا متر هو أنا تلميذ! طبعًا مشيتهم وقفاهم يأمر عيش.
عدنان: عفارم عليك يا عادل...
وبالمناسبة ابقَ عدّي على مكتبي اللي في الدقي عشان الباشا بعت لك كادو صغير.
عادل، وانفرجت أساريره: ربنا يخليه لنا ويعلي مراتبه كمان وكمان ونشوفه وزير... مع ألف سلامة يا متر.
______________________________
بينما خارج المكتب، قد سمع كل ما حدث أحد العساكر، الذي يصعب عليه حال أيمن، فذهب إلى الزنزانة المحتجز بها ونادى عليه من خلف القضبان.
العسكري: أيمن محمود.
ليرفع رأسه لأعلى، حيث ملامحه قد تبدلت، حول عينيه هالات الإرهاق والحزن، وقد نبتت لحيته وشاربه وحاله كالمساكين. فأجاب: نعم.
العسكري: تعال عايزك.
نهض أيمن وتقدم نحو العسكري الذي كان يتلفت حوله حتى لا يسمعه أحد من زملائه.
أيمن: خير يا شاويش؟
العسكري وهو يهمس في أذنه: قرّب ودانك عليا.
اقترب أيمن بأذنه، فأردف العسكري: أنت عارف مين جاء لك النهارده عشان يزورك؟ الجماعة بتوعك ومعاها ست كبيرة.
أيمن: وإيه اللي حصل؟
العسكري: وطّي صوتك لحد يسمعنا.
فظل يسرد كل الحوار الذي حدث بينهم وبين الضابط عادل.
اعتصر أيمن عينيه بألم وهو يعتصر القضبان بقبضتيه: حسبي الله ونعم الوكيل.
العسكري: اهدأ يا ابني بالله عليك... وادعُ ربنا إنه ينجيك من الأبالسة دول، ده أنت وقعت في إيد عالم ما بترحم.
أيمن وعيناه تذرفان عبراتها من الألم: مش قادر يا شاويش... عارف يعني إيه بناتك يموتوا بسببك وكمان تتحبس بتهمة قتلهم وأنا أصلًا كنت بأخاف عليهم من الهوا، دول بناتى حتة مني.
العسكري: وحّد الله يا ابني، ربك هينصرك على مين يعاديك إن شاء الله، قل يا رب.
أيمن: يا رب، يا رب.
العسكري: روح اقعد جنب زمايلك بس امسح دموعك لا يستهيفوك، أصل عارف الأشكال دي ما بتصدق يحتفلوا تريقة على أي حد والسلام.
عاد أيمن لمكانه وهو يمدد جسده على فراش متهالك على الأرض وهو يدعو ربه.
_
وهناك اثنان من المتهمين يقول أحدهما: مش ده الواد اللي بيقولوا إنه قتل بناته في يوم شم النسيم؟
الآخر: تصدق يا جدع هو الواد اللي صوره مليانة على الفيس.
الأول: ما أنت ما تعرفش بقى الجديد، سمعت إن بيقولوا إنه اعترف في المحضر إنه كان بيخطط للجريمة قبلها بعشرة أيام وكان بيعاني من اكتئاب.
الآخر ينظر ببلاهة: يعني إيه اكتئاب يا شبح؟
الأول: يعني بني آدم كئيب يا ابن الكئيبة.
الآخر: آه بأحسب.
الأول: المهم أكمل لك، وبيقولوا كمان اللي خلاه يعمل كده إنه بيضرب ترامادول وحشيش.
الآخر: طيب أنا راضي بذمتك ده منظر واحد فيه حيل يشرب سيجارة بريئة حتى؟
الأول: يا عم إحنا مالنا، ده وراه قصة كبيرة وحيتان ما بيرحموش.
الآخر: طيب اسكت بقى عشان الحيطان لها ودان.
______________________
قد حل المساء.
لتتقابل فيروز ووالدتها مع صقر وبرفقتهما خالد الذي سافر والده لكي يحضر جلسة الحكم في قضية نجله أحمد لتعاطيه المخدرات.
بينما صقر يبدو على مظهره التعب والإرهاق كأن النوم يجافيه بسبب ما حدث معه بليلة الأمس.
واستقلوا جميعًا سيارته حيث فيروز بجاوره وخالد وآمال بالمقاعد الخلفية.
فيروز هامسة: مالك يا صقر، شكلك ما نمتش من امبارح.
لم يجب عليها وظل شاردًا.
تنهدت بضيق: يبقى شكلك لسه زعلان مني... خلاص يا حبيبي حقك عليا مش هأخلي إياس ولا غيره يهزر معايا ثاني.
قالتها بابتسامة ودلال.
انتبه لها: بتقولي حاجة يا فيروز؟
فنظرت بسأم إليه: لا ما باقولش حاجة، وانجز عشان نشتري الحاجة عشان أروح ألحق اللي هيتكتب كتابها دي قبل ما تدبس.
ظل صامتًا كأنه جبل من الجليد.
إلى أن وصلوا أمام متجر شهير للمصوغات والمجوهرات، فترجل الجميع من السيارة ثم دخلوا إلى المتجر.
استقبلهم صاحب المتجر بابتسامة: أهلًا أهلًا بسيادة النقيب.
صقر بطيف ابتسامة: إزيك يا عم جوزيف، عامل إيه؟
جوزيف: نشكر الرب يا بني... واضح إن الآنسة الجميلة دي تبقى عروسك.
قالها ومد يده ليصافحها: ألف مبروك يا بنتي.
فيروز: الله يبارك في حضرتك.
صقر: عايزين بقى تجيب لها حاجة على ذوقك.
جوزيف: أومال إيه طبعًا، ده أنا هأجيب لها أرقى وأغلى حاجة نزلت السوق... فنظر لآمال ثم أردف: أصل بأتعامل مع عيلة صقر من أيام جدته جولفدان هانم الله يرحمها والدة يوسف بيه الله يرحمه.
آمال: الله يرحمهم جميعًا وجميع موتانا.
قالتها فاقتربت من صقر وهمست له: بص يا بني أنا مش عايزاك تكلف نفسك دي شكليات، المهم عندي سعادة بنتي معاك.
صقر: والله يا ماما أنا لو عليا نفسي أجيب لها كنوز الدنيا كلها وأحطها بين إيديها ومهما جبت لها برضه مش قيمتها، لأنها تستاهل أحسن من كده.
انفرجت أساريرها بالسعادة البالغة لتربت على ظهره: ربنا يخليك لها يا حبيبي ويخليكم لبعض ويبعد عنكم العين والشيطان.
صقر: يا رب آمين.
جوزيف وبعد بحث في خزانة المجوهرات الثمينة أخرج علبة كبيرة من المخمل الأزرق فوضعها أمامهم وقام بفتحها لتلمع الألماسات ببريقها الأخاذ في الخواتم: أظن الخاتم ده هيكون تحفة في إيديكي.
قالها وهو يسحب خاتم مرصع بالألماس ويتوسطه ألماسة كبيرة على شكل دمعة.
أخذته فيروز من يده لترتديه في إصبعها البنصر بيدها اليمنى ليزداد الخاتم جمالًا على جماله: الله شكله حلو أوي.
صقر: عجبك يا قلبي؟
فيروز بابتسامة: آه يا حبيبي تحفة وحلو أوي.
جوزيف: مبروك وألف ألف مبروك كمان مرة والرب يتمم لكم على خير.
آمال: يا رب... مش هتشتري دبلتك يا عريس؟
صقر: لا أنا هأشتريها في وقت ثاني بقى عشان فيروز مستعجلة.
وهي تتذكر: آه صح، يلا بينا يا ماما بسرعة.
آمال: يا بنتي خلاص عايزها في يوم زي ده تقف قدام أهلها وتقول لا.
فيروز: اسكتي أنتِ يا ماما ما تعرفيش حاجة... يلا بسرعة يا صقر الله يخليك.
صقر: طيب ثواني أحاسب... أخرج من محفظته بطاقته الائتمانية ليسحب جوزيف منها ثمن الخاتم.
وانتهوا ثم خرجوا ليستقلوا السيارة، وخالد في كل ما يحدث شاردًا في حبيبته التي سينعقد قرانها بعد قليل، فجاء اتصال من صديقه يبلغه أن ستأتي له سيارة أجرة جماعية مكيفة ستوصله إلى بلده بدلًا من الحافلة وذلك بعد نصف ساعة.
__________________________________
وصلوا جميعهم أخيرًا أمام المنزل لينزل كل من خالد وفيروز وآمال، واستأذنهم صقر لأنه كان مرهقًا فغادر.
وقبل أن يدلف خالد إلى فناء المبنى انتبه لتلك فروع الكهرباء الملونة المتدلية على سياج الشرفة وأغاني الفرح الشعبية المنبعثة من منزلها.
صعدوا إلى أعلى فأعطت آمال لخالد مفتاح باب المنزل ليصعد هو ليجهز حقيبته للسفر وهي وفيروز سيباركان لوالدة ليلى وليلى ذاتها.
دلفت فيروز إلى غرفة ليلى فأغلقت خلفها: لي لي...
نادتها لتجدها مرتدية ثوبًا في منتهى الروعة والجمال، لكن لم ترتدِ حجابها بعد ولم تضع مساحيق تجميل.
نهضت ليلى التي كانت تدس وجهها بالوسادة وتبكي: فيروز الحقيني مش عايزة أتجوزه يا فيروز، مش عايزة عااااااااااااااا...
قالتها وهي تبكي بشدة محتضنة فيروز.
فيروز وهي تمسد على ظهرها: ما تعيطيش يا عبيطة وليه عاملة في نفسك كده؟
فطرقت والدة ليلى الباب من الخارج وهي تنادي: انجزي يا لي لي المأذون ربع ساعة هيكون هنا.
ليزداد بكاؤها.
فأردفت فيروز: أنتِ بتحبي خالد بجد؟
توقفت عن البكاء: وهيفيد بإيه؟ أنتِ مش سامعة بتقول لك المأذون جاي يعني خلاص.
فيروز: خلاص بطلي عياط والبسي حجابك وأول ما يجي المأذون ويسأل عن موافقتك قولي لا.
ليلى وهي تجفف عبراتها بمنشفة ورقية: أنتِ غلبانة أوي، أنتِ ما تعرفيش أمي مستحلفالي على إيه، وبعدين خايفة لبابا يزعل ويجرى له حاجة بسببي.
فيروز: طيب وبعدين يا ليلى؟ ده جواز يعني يا ترضي باللي قاعد بره ده يبقى جوزك يا إما ما تظلميهوش معاكِ وأنتِ قلبك مع حد ثاني و...
صمتت عندما رن هاتفها باسم خالد فأجابت: أيوه يا خالد.
خالد: فيروز أنتِ مع ليلى؟
فيروز وهي تنظر بقلق: آه في حاجة؟
خالد: أنتم لوحديكوا ولا معاكوا حد؟
فيروز: لا إحنا في أوضتها أنا وهي بس.
خالد: طيب ممكن تديها لي أكلمها؟
فيروز: طيب ثواني.
فهمست لليلى: عايز يكلمك.
ليلى بتردد أخذت الهاتف لتضعه على أذنها وعبراتها تنسدل وبشفتيها المرتجفتين: أ... ل... و.
خالد وكأن صوتها الباكي يطعنه مثل الخنجر في قلبه: ليلى... أنا حبيت أسمع صوتك لآخر مرة وأقول لك ألف مبروك وربنا يتمم لك على خير.
لم تجب عليه ويستمع لشهقاتها.
فأردف: أنا عارف إنك مش قادرة تردي، بس كفاية إن أنا اطمنت عليكِ حتى لو هتبقي مع غيري.
ليلى بنبرة باكية متقطعة: أ... أ... نا أ... نا.
ليقاطعها هو: أنا مسافر دلوقت يا ليلى مع السلامة.
قالها ثم أغلق الهاتف ونسي أمر السائق الذي قد وصل أمام المنزل وأخذ ينادي بصوت جهوري: يا دكتور خالد... يا دكتور خالد.
فيروز: ده شكله السواق بتاع الميكروباص اللي هيسافر فيه.
قالتها لتطل من النافذة فأردفت: أيوه لو سمحت معلش بالتأكيد مش سامعك عشان صوت الأغاني.
السائق: طيب ربنا يخليكِ يا آنسة خلي حد يناديه عشان ما نتأخرش.
فيروز: طيب... ثواني يا لي لي أنا طالعة بسرعة أقول له ونازلة لكِ على طول.
قالتها ثم غادرت وصعدت لخالد لتخبره.
فحمل حقيبته وهبط الدرج حتى وصل إلى السيارة.
وفي ذلك الحين كان الشارع مظلمًا إلى حد ما.
بينما ليلى أتت لها فكرة ليس لديها إلا سواها حتى لا تتورط في تلك الزيجة الفاشلة.
فأسرعت بتدوين كلمات في ورقة وتركتها على المكتب بغرفتها.
ثم سحبت من درج الكومود سلك كهرباء قديم، فأمسكت طرف السلك وربطت السلكين المتفرعين منه بعضهما ببعض والطرف الآخر كان متصلًا بقابس (فيشة).
وبالخارج أتى المأذون لتتعالى الزغاريد.
فقالت إحدى الحاضرات:
المأذون جه يا عروسة لولولوي ي ي ي
ليلى ارتدت حجابها على الفور وأخذت هاتفها، وفي أقل من برهة وضعت القابس بداخل المقبس حتى حدثت (قفلة) في تيار الكهرباء عن المنزل.
همهم الجميع:
إيه النور قطع كده؟ بركاتك يا عم الشيخ.
قالها أحدهم بمزاح.
استغلت ليلى هذا الظلام فهربت إلى الخارج وتسللت وهي تراقب ما حولها، فدلفت إلى حقيبة السيارة من الخلف ثم أغلقتها عليها. ثم سمعت صوت السائق:
يلا بينا يا دكتور عشان ما نتأخرش، الطريق طويل أوي.
خالد:
توكل على الله.
ليشغل السائق المحرك والمكيف وانطلق بالسيارة.
عاد التيار مرة أخرى بعدما قام والد ليلى برفع مفاتيح الكهرباء من اللوحة. وذهبت والدتها لتدلف الغرفة هي وفيروز التي كان معها حينها مكالمة هاتفية من صقر، فلم يجدوا ليلى، فلاحظت والدتها الورقة الموضوعة على المكتب لتقرأ ما بها ثم ألقت بصرخة مدوية:
يا لهووووي، البت هربت!
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم ولاء رفعت
في منزل ليلي .....
بعد أن غادر جميع الحاضرين، همهموا عن هروب العروس وما سبب هروبها. وظلت فيروز وآمال مع والدة ليلي ووالدها الذي جلس صامتا في حيرة من أمره، متجهم الوجه كأنه في عالم آخر.
وعلي غادر لكي يقوم بتوصيل شقيقتاه إلى منزلهما، وقرر العودة مرة أخرى.
بينما والدة ليلي جالسة على الأريكة تبكي وهي تتمتم:
"حرام عليكي يا بنتي.... عملتي فينا كده ليه؟! ... ده أنا كنت عايزة أطمن عليكي وأديكي لابن الحلال اللي بيحبك ويسعدك، تقومي تبهدلينا وتخلي منظرنا وحش قدام الناس ... زمانهم بيقولوا إيه"
آمال وهي تربت على كتفها:
"معلش يا أم ليلي، زمانها هترجع دلوقتي. هي بس هتلاقيها خايفة ولا حاجة."
فيروز:
"لأ يا ماما، هي هربت عشان طنط عايزة تجوزها للاسمه علي ده غصب و....."
صمتت عندما رمقتها والدة ليلي بشرارات من الغضب:
"اسكتي انتي بالذات! هتلاقيها انتي اللي ساعدتيها تهرب وحرضتيها على كده."
فيروز بصدمة:
"أنا!!!!!!!!!!"
آمال وهي تبعد قليلاً عنها:
"إيه اللي بتقولي ده، عيب يا أم ليلي."
والدة ليلي:
"العيب من بنتك، والعيب لما بيطلع من أهل العيب ميبقاش عيب يا أم فيروز، وانتي فهماني كويس."
نهضت آمال بغضب وبنبرة ساخطة:
"أنا مش هرد عليكي مراعاة للي حصل معاكوا .... ثم نظرت لفيروز وأردفت: يلا يا فيروز على فوق ... أحسن ما الواحد يغلط على المسا..."
قالتها بحنق ثم صعدت إلى منزلها برفقة فيروز.
والد ليلي منكس رأسه بخيبة وحسرة. لتزيده غضبا زوجته:
"شفتي عمايل بنتك اللي خلت رقبتنا قد السمسمة في الحتة ... وهتجيب لنا العار يا أبو إسلام."
رفع رأسه وحاله مثل الجمر الذي اشتدت عليه الرياح ليشتعل أكثر بغضب:
"اخرسي يا ولية بدل ما أخرسك وأخليكي خرسا طول عمرك ... انتي السبب يا شيخة، منك لله."
وكادت تجيبه بغضب ليوقفها علي الذي دلف فجأة كالعاصفة التي تقتلع جذور كل ما يقابلها وصاح بصوته الذي وصل لمسامع كل الجيران:
"هي فيييييييييييييييييييييين؟؟ الهانم الدكتورة بنتكم تعمل معايا كده؟؟؟؟؟ .... وربنا ما أنا ساكت وهخليها تندم على عملتها دي."
والد ليلي واقفاً أمامه بحدقتين كالجمر وبنبرة تحذيرية:
"اسمع يا جدع انت، وقسماً بربي لو مسيت شعرة من بنتي أو عملت فيها حاجة، لأخلص عليك بأيدي. انت فاكر إن مالهاش أب ولا أهل؟ ده أدفنك مكانك لو فكرت تقولها كلمة تجرحها."
علي بتبجح وعدم احترام:
"لأ اسمعني انت يا أبو المحروسة، اللي سيادتكو متعرفوش إن بنتك قافشها قبل كده وهي مع شاب يبقى ابن عم صاحبتها، كانوا نازلين من توكتوك وبنتك بكل بجاحة واقفة قدام القسم معاه ... وع الرغم من كده سامحتها ومرضتش أبلغ حد منكوا وقولت خلاص يا واد، دي عيلة وغلطت وأنا عرفتها غلطها. بس اللي مش هسامح فيه إنها تديني على قفايا قدام أهلي وأهل الحتة. ليه فاكرني عيل هاتيا ملوش لازمة."
والدها:
"خلصت كلامك؟"
قالها بحزم.
علي:
"خلص الكلام بس الفعل جاي."
والدها بنبرة هادئة خلفها غضب مكنون:
"بره .... اطلع بره ومشوفش وشك تاني."
قالها ثم دلف لأحد الغرف ثم خرج ويحمل علبة الذهب ويناولها له:
"واتفضل حاجتك أهي، وكل الهدايا هنبعتهالك بكرة الصبح لحد بيتكم ... ولو رجلك خطت الشارع مش هقولك أنا هعمل إيه."
علي ونيران الغضب والغيظ تتطاير كالشرار من عينيه:
"أنا طالع بره، بس أحب أعرفك إنه بأمكاني أندمك على كل حرف قلته، لكن مراعاة لسنك وأنا بعتبرك راجل طرطور ملكش كلمة على أهل بيتك، هعمل نفسي مسمعتش حاجة."
والدها بصياح:
"بررررررررررررره."
قالها وهو يشير له بسبابته نحو باب المنزل الذي كان مفتوحاً. فغادر والغضب والحقد يتأججان بصدره، وود لو أنه رأى ليلي وخالد لدفنهما أحياء.
نعود مرة أخرى في منزل ليلي.
والدتها:
"شوفت!! ... ولسه هتشوف. ده أمين شرطة وليه معارف وممكن يوديك انت وبنتك في ستين داهية."
والدها:
"لو راجل يعملها ... ميهمنيش ولا هو ولا عشرة زيه. أنا أهم حاجة عندي بنتي ياهانم ... بنتي اللي هربت بسبب جبروتك وقساوتك عليها. ياما قولتلك يا ولية حابي على بنتك وخليها صاحبتك، وبلاش الغباوة والتسلط اللي انتي فيه."
والدتها:
"أنا!!!!"
قالتها بإنكار.
والدها:
"أيوه انتي. فضلت تضغطي وتغصبي عليها، وكل ما أجي أتكلم وأقولك بلاش، البنت ما شاء الله عليها دكتورة وأدب وجمال وتستاهل أحسن من مية واحد من عينهم الزفت اللي اسمه علي. كنتي بتتخانقي معايا كأني جوز أمها مش أبوها. والنتيجة بنتك طفشت من عمايلك، وربنا يستر وترجع."
قالها فلم تجب عليه سوى أنها نهضت ودلفت إلى غرفتهما وأخذت محفظة نقودها وهاتفها وخرجت وهي ترمقه بازدراء:
"أنا هاروح أقعد عند أمي، وابقي دور عليها ولا أسأل صاحبتها على مكان الجدع ابن عمها. هتلاقيها طفشت معاه. سلام."
قالتها لتغادر المنزل وصفقت الباب خلفها بعنف.
في آناء الليل يعم السكون كل أرجاء المنزل، وخاصة غرفته التي تمكث فيها، أو بالمعنى الصحيح سـجينة بداخلها. وعلى خفوت ضوء المصباح المزين أعلى الكومود المجاور للتخت، المتكورة عليه بجسدها وهي بين اليقظة والنوم. تتقلب تارة، وعندما تغفو عينيها، يراودها وجه ذلك الشيطان في أحلامها، لتتحول إلى كابوس مرعب، فيرتجف جسدها وتستيقظ في رعب سيظل مرافقها تلك الفترة.
فنهضت بجذعها محدقة في الفراغ كمن سلب منها عقلها، فشعرت بالعطش الشديد. لتنهض وتدنو إلى الثلاجة الصغيرة المليئة بقوارير المياه وزجاجات الخمر بأنواعها المختلفة. التقطت قارورة ثم فتحتها بوهن لتتجرع منها الكثير من الماء كمن كانت تعدو الصحراء في عز الظهيرة. وعاودت إلى التخت. جلست وهي تضم ركبتيها نحو صدرها وتستند بذقنها، لتذرف عينيها عبراتها وهي تعتصر عينيها ألماً وحسرة. ظلت هكذا لأكثر من ساعة، ثم أسكتت عبراتها بخوف عندما رأت ظله من الفتحة أسفل الباب وصوت المفتاح الذي اندس في المقبض.
رفعت الغطاء سريعاً لتتمدد على التخت وتدثر جسدها، لكن رجفتها أبت عن السكون لتزداد عندما انفتح الباب على مصراعيه ليدلف هو بهدوء، فوقعت عيناه عليها ليجد جسدها يرتجف، فقطب حاجبيه باستفهام.
ليقترب منها، وفي سير خطواته قلبها يخفق بشدة، فهي تظن أنه جاء ليعاقبها أو يفعل معها مثل الليلة الحالكة التي قضتها معه قبل ذلك في المنزل البعيد. لكن هيهات، فهو يجثو على ركبتيه ليمعن نظراته بها، فوجد قطرات العرق تنسدل على جبهتها وجسدها ازدادت رجفته. فمد يده ليتحسس وجنتها وجبينها ليجد درجة حرارة جسدها مرتفعة، فنهض كمن لدغ من عقرب. فاتجه نحو الباب وغادر الغرفة وهبط الدرج على مضض مسرعاً ليدلف إلى المطبخ ويأتي بوعاء شاغر، ثم فتح الثلاجة ليتناول قارورة مياه مثلجة وسكبها في ذلك الوعاء وركض بحذر حتى لا تتساقط المياه. صعد الدرج ودلف إلى الغرفة ليجدها بنفس تلك الوضعية ممدة على جانبها الأيمن، وقطرات العرق تتكاثر على جبهتها وتتفوه بكلمات مبهمة بالنسبة إليه، لكن ما لفت انتباهه أكثر اسم طالما كرهه وحقد عليه.
سيلين: "صص... صقر... ال... ح.... قني... الحقني يا صقر...."
فهي بالفعل قد غفت منذ ثوان بسبب ارتفاع درجة حرارة جسدها الذي تملك منه الوهن.
فاعتصر قبضته وتمنى لو يعتصر قلبه مثل تلك القبضة. فحدق بعينيه الحادتين بها، وعدة تساؤلات مثل الدوار بعقله، وأبرزها هل هي حقاً كانت تمثل الحب على؟ وأنها ما زالت تحبه؟ ولماذا تستغيث به؟ ومن ماذا؟ اللعنة على تلك الترهات التي ستجعل رأسي ستنفجر.
مالبث إلا ثوان وعاد ليدركه ليدلف غرفة الثياب ثم خرج ويحمل منشفة قطنية ليغمرها في الوعاء ثم يعصرها ويطويها لتصبح مستطيلة، ثم وضعها على جبهتها لترتجف بفزع، فمدت ذراعيها لتحاوط عنقه وتضمه إليها. فأخذت أنفاسه المتصاعدة تلفح وجنتيها وشفتيها المرتجفة. ود لو لولا هذا التعب وما اقترفته من خطأ لا يغفره بسهولة، لكان أنهال على تلك الفروالتان بنهم ولا يتركها حتى يثمل منها.
فتحت عينيها وهي ترمش عدة مرات لترى تلك الحادتين يحدقان بها بتجهم، فسحبت ذراعيها بهدوء مميت. لتفر عبرة من أهدابها لتسقط على الوسادة.
عاد لحالته التي كان عليها بالأمس لينبث بصوت أجش:
"اومي خدي دش والسخونية هتنزل."
نظرت له وبصوت كاد يسمع:
"مش قادرة."
قطب حاجبيه وارتسمت القساوة على ملامحه:
"أنا بقول الكلمة مرة واحدة بس، أومي اعملي اللي قولتهولك. يلا."
قالها بصيغة أمر قاسيه، لم تنبث بكلمة لكن عبراتها تفوهت بدلاً منها. فأشتد حنقه ليقترب منها ثم دنا إليها ليحملها وهي خائفة من ردود أفعاله المفاجئة لها. أخذها ليدلف إلى المرحاض ليضعها في حوض الاستحمام برفق. وفتح صنبور المياه ثم جثى على ركبتيه وبدون أن يتفوه بحرف جذب طرف ثوبه القطني ليرفعه لأعلى، فأمسكت بمعصمه وهي تنظر له برجاء أن لا يفعل ذلك. فعندما قامت بالاستحمام منذ أمس، وجدت علامات حمراء أسفل جيدها وأعلى ذراعيها، آثار قبلات عنيفة من ذلك الوقح الذي اعتدى عليها، فخشيت أن ينكشف أمرها، على الأقل لا تريد أن يعلم توا، لكن في وقت لاحق.
نهض وهو يزيح يدها عن معصمه:
"أنا طالع بره أنام على الكنبة، ولما تخلصي نامي انتي على السرير."
قالها ببرود ثم غادر.
ظلت بداخل حوض الاستحمام مغمضة العينين وتستعيد كل ذكرى مع شهاب، وتتخيل ماذا سيكون رد فعله عندما يعلم ما حدث؟ هل سيبقى ذلك العاشق لها؟ هل سيغفر ما حدث؟ هي حقاً ليس عليها أي لوم أو ذنب، لكن هل يتقبل شهاب هذا الأمر كرجل شرقي؟
بعد قليل فتحت عينيها وهي تطرد تلك الأفكار جميعها من فلك ذهنها. نهضت لتنزل من الحوض، واضعة قدميها على الأرض لتخلع ذلك الثوب وما أسفله من ثياب داخلية، لتتناول منشفة قطنية كبيرة ولفت جسدها، والتقطت أخرى صغيرة لتخفي بها أعلى ذراعيها وأسفل جيدها، فخرجت وهي تظن أنه قد غفا. فتتفاجأ أنه يقف في الشرفة ويدخن بشراهة.
أسرعت ودلفت إلى غرفة ثيابه لترتدي أي شيء، فالتقطت قميص قطني له وسروال أيضاً (بوكسر).
فركضت مسرعة ترمي نفسها على التخت وتدثر نفسها بالغطاء، لأنها أحست برعشة من الهواء الذي يدلف من الشرفة.
انتهى من التدخين ثم دلف إلى الداخل وهو يوصد باب الشرفة المتسلسل. التفت ليجدها غفت وتقلبت بعفوية وهي نائمة، لينزاح الغطاء من فوقها. نظر إليها بابتسامة عندما وجدها ترتدي قميصه وسرواله الخاص، فأقترب منها وتمدد بجوارها ليعانقها من ظهرها، محاوطاً خصرها بذراعيه، ودفس وجهه في عنقها يستنشق رائحتها العطرة الذي يعشقها إلى حد الثمالة. ظل هكذا حتى أدركه النوم.
بعد مرور 12 ساعة من هروبها في تلك السيارة، وكانت تغفو طوال الطريق. ليأتي الصباح بأشعة الشمس الساطعة لتخترق جميع النوافذ، فبدأت تستيقظ وقد نسيت ما حدث، لتتمدد وتتثاءب كأنها على فراش تختها.
السائق كان توقف حينها وترجل من السيارة، وخالد لم ينزل بعد، كان يتصفح على هاتفه، وقد انتبه للصوت الأنثوي الذي أتى من الخلف، فأنتفض بذعر. التفتت يميناً ويساراً وإلى الخلف، لم يجد أحد. لم تكتف هي بالتثاؤب، لكن شعرت بحكة في أنفها، فقامت لا إرادياً بالعطاس بصوت مدوي.
أنتابه القلق، فترجل من السيارة ليبحث عن السائق، لكنه ذهب إلى إحدى المراحيض العامة بالطريق. تقدم خطوة تلو الأخرى حتى وقف أمام خلف السيارة ليفتح الباب ويرفعه لأعلى، لتتسع حدقتاه بذهول غير مصدق ما يراه.
خالد بصياح:
"أنتي بتعملي إيه هنا؟؟؟ وركبتي إزاي؟؟؟"
فتحت عينيها وبدأت تدرك أين هي، لتتذكر ما حدث، فنظرت له باقتضاب وأجابته بصوت ناعس:
"إحنا وصلنا؟"
خالد ليزداد تعجبه:
"ركبتي إزاي يا ليلي ردي علي."
مدت يدها له حتى يساعدها على النهوض وتنزل. فلم تتحمل ساقيها الوقوف فجأة وكادت تقع، لكنه أمسكها من خصرها، وهي لا إرادياً لفت يديها حول عنقه متشبثة به. تحدق في عينيه التي أسرها منذ رؤيته أول مرة، وظل الاثنان في صمت كأنهما يتبادلان حواراً بلغة العيون.
السائق:
"احم احم... دكتور خالد."
انتبه خالد وليلي ليبتعدا عن بعضهما بإحراج. فأردف السائق:
"يلا بينا خلاص، المحطة الجاية بلد حضرتك."
خالد:
"حاضر جاي يا عم زكي، اسبقني انت."
ذهب السائق، فأمسك خالد ليلي من يدها ليجز على أسنانه:
"قوليلي إيه اللي انتي هببتيه ده، وإزاي دخلتي العربية. طب وخطوبتك وكتب كتابك، وأهلك إزاي هربتي؟!"
ليلي بعينين لمعت بعبرات على وشك الانسدال:
"يعني انت مش عارف السبب؟"
حدق خالد باقتضاب:
"ولو ليكي ألف سبب وعذر، ده ميديكيش الحق إنك تعملي كده. انتي بنت محترمة ومتعلمة ودكتورة كمان وناضجة، مش عيلة مراهقة."
قالها بقليل من الغضب.
بعدت يدها عن قبضته وأشاحت بوجهها للجهة الأخرى وهي تبكي وبنبرة متهدجة:
"شكراً أوي يا دكتورة."
أغلق عينيه في ثوان متضايقاً من نفسه، فأقترب منها وأمسك طرف ذقنها وهو يمسح عبراتها:
"ممكن متعيطيش عشان خاطري."
ليلي بعينين باكيتين:
"واللي انت قلته من شوية حاجة متخلنيش أعيط يعني!!"
قالتها ببراءة كالطفلة.
زفر بضيق:
"طيب خلاص، حقك عليا متزعليش."
قالها وهو يمسك يدها بين كفيه.
وقفت عينيها عن البكاء لتتورّد وجنتيها من الخجل. لينتبها إلى صوت تنبيه السيارة الذي عقبه السائق قائلاً:
"يلا يا دكتور."
خالد بصياح:
"حاضر يا عم زكي جايين حالا."
قالها ثم حدق في عينيها بهيام وأردف:
"يلا تعالي معايا."
فمشت خلفه وهو يفتح لها باب السيارة لتصعد وتجلس، ثم أغلق الباب وهو مبتسماً إليها. واتجه هو نحو الباب الأمامي ليجلس بجوار السائق، لتنطلق السيارة.
وصل أخيراً أمام منزله الخاص، لينزل هو ثم ليلي، وأخذ حقيبته من الخلف. وبعد أن انتهيا، غادر السائق بسيارته.
خالد:
"وأخيراً وصلنا."
ليلي تنظر للمنزل ذو الطابق الواحد:
"هو ده بيتكم؟"
قالتها بدهشة، ليدرك هو مقصدها.
خالد:
"لأ بيتي أنا. احم، أصل مش هينفع نروح بيت عيلتي، هقدمك ليهم إزاي وأنا نفسي لسه مستغرب."
ليلي بنبرة اعتذار:
"أنا آسفة."
خالد:
"خلاص اللي حصل حصل، خلينا في دلوقتي."
قالها باقتضاب. ثم أخرج من جيب بنطاله سلسلة مفاتيح ليطبق بأنامله على إحداها، ثم أردف:
"تعالي ورايا."
وقف أمام بوابه من الحديد ليقوم بفتحها، ثم دلف إلى الفناء وهي برفقته وأغلق البوابة خلفه. وكان يتلفت حتى يطمئن أن لا يراهم أحد ما. ثم فتح باب الشقة بمفتاح آخر ليدلف هو، ثم التفت إليها:
"واقفة ليه؟ ادخلي."
ليلي:
"حاضر."
قالتها بحرج، ثم دلفت وهي تتفحص المنزل من الداخل، بعد أن ضغط خالد على أزرار الإضاءة. لترى هي منزلاً ذا مساحة كبيرة، حيث الردهة منقسمة من المنتصف بديكورات خزفية من الجص. ولم يوجد من الأثاث سوى أريكة خشبية قديمة، ويقابلها في الجهة الأخرى مقعدين من الخوص بينهما منضدة صغيرة. لترفع ناظريها لأعلى، ليلفت انتباهها إطار خشبي مزخرف باللون الذهبي يحتوي على صورة لفتاة ترتدي حجاباً طويلاً تعانق كتاباً بيدها. فأقتربت ليلي من الصورة بتمعن، فأخذت تمسح الغبار الذي يكسو على معالم الصورة. فظهر لها ملامح الفتاة بوضوح. فتاة البراءة عنوان لملامح وجهها، مبتسمة، لكن الحزن يندس بين طيات ابتسامتها. والكتاب التي تعانقه هو المصحف الشريف.
خالد:
"دي لما فازت في مسابقة ختم القرآن الكريم."
قالها بنبرة حزينة، لتنتبه له بفزع.
ليلي:
"دي أختك؟"
خالد:
"لأ."
ليلي:
"يبقى......"
صمتت عندما تذكرت حديث فيروز عن أسماء حبيبته التي انتحرت، ثم أردفت:
"الله يرحمها."
خلع نظارته وهو يضغط على أعلى أنفه بين عينيه:
"عايزة أتكلم معاكي في حاجة، بس مش عايز أشوف دموعك، اتفقنا؟"
ليلي بقلق:
"اتفضل، أنا سامعاك."
أشار إليها لتجلس على الأريكة، فسحب إحدى المقاعد ليضعه قريباً منها في مواجهتها، وتنهد، ثم قال:
"أنا عارف كويس أنا بالنسبة ليكي إيه، وأنا كمان يعلم ربنا من أول ما شوفتك حسيت بإحساس محستهوش غير مرة واحدة في حياتي، وبعد اللي حصل قفلت على قلبي خلاص. لكن لما قابلتك قلبي كأنه ميت وعاد للحياة من جديد. بس لما عرفت إنك مخطوبة وحصلت المشكلة بتاعة القسم، رجعت مليون خطوة لورا، وقولت لنفسي متعشمش نفسك بحاجة مش ليكي."
ليلي:
"بس أنا مش بحب علي....."
لم تكمل ليقاطعها:
"عارف كل حاجة، وإن كان كل ده غصب عنك وتحت تهديدات إنك ممكن متكمليش دراستك. بس نلف ونرجع في الكلام وأقولك تصرف هروبك ده خاطئ. اسمه هروب من المشكلة بدل مواجهته."
ليلي:
"انت متعرفش حاجة يا خالد. ولا عمرك هتحس باللي كنت عايشة فيه، ما بين تسلط وجبروت ماما، وما بين سماجة وبرود اللي اسمه علي. حتى بابا الإنسان الوحيد اللي ممكن ألجأ له في مشاكلي ويوقف جنبي كان بعيد وعمره ما بيعترض على أي قرار ماما بتاخده. وماما أصلاً مكنتش معايا كده غير لما حصل موت أخويا إسلام الله يرحمه، ومن بعدها أمي اتحولت لشخصية تانية، كأنها مرات أبويا مش ماما."
خالد:
"طيب وانتي ذنبك إيه الموت ده بأيد ربنا؟ ملكيش دخل فيه."
ليلي:
"أصل إسلام مات مقتول."
اتسعت حدقتاه بصدمة لتردف هي بنبرة بدأت عيناها بالدموع:
"إسلام الله يرحمه كان مجنون كورة وبيعشق حاجة اسمها الأهلي لدرجة كان بيحضر كل الماتشات مهما كانت في أي محافظة، حتى لو هيسافر بره مصر كان هيروح. وفي آخر مرة كان عايز يروح ماتش الأهلي والمصري اللي في بورسعيد. أمي كانت معترضة بشدة، وخصوصاً إن أحوال البلد ساعتها كانت زفت ومفيش أمان. فضلت منعاه، لدرجة أخذت المفتاح بتاع باب الشقة وموبايله ومحفظته وخبّتهم في حتة عشان ما يروحش. على الرغم إنه كان أكبر مني بكام سنة وقتها وأنا كنت لسه صغيرة، لكن كنت بعتبره ابني مش أخويا، وهو كان حنين عليا أوي ومكنش بيقولي غير يا صاحبي وبيحكيلي كل أسراره. لما لاقيت ماما عملت كده معاه، اتضايقت أوي لنظرة الحزن اللي في عينيه، فكنت عارفة ديماً المكان اللي ماما بتخبي فيه أي حاجة مننا. خليتها نايمة واتسحبت وأخدت الحاجة وأديتهاله وسافر في وقتها. وبعدها....."
صمتت لتزداد شهقاتها وهي تبكي، فأردفت بصوت باكي:
"وبعدها شوفنا اللي حصل في آخر الماتش، ومكناش مصدقين اللي حصل، وفضلنا ندعي إن يرجع بالسلامة. طبعاً بعد تهزيء ماما ليا وقعدت تقولي منك لله انتي السبب لو إسلام جراله حاجة يبقي انتي اللي عملتي فيه كده. فضلت أدعي لربنا إنه يرجع بالسلامة لحد ما بليل خالص جالنا تليفون وقالولنا نيجي نستلم جثته. ومن ساعتها ماما بقت تعاملني بقسوة، كأني أنا اللي موت إسلام. متعرفش إن ده قدره ونصيبه اللي ربنا كتبه."
انتهت من الحديث وأخذت تبكي بقوة.
اقترب خالد ليجلس بجوارها ويربت على كتفها:
"خلاص يا لي لي متعيطيش بالله عليكي."
ليلي:
"أنا عمري ما حسيت بحنيتها وخوفها عليا يا خالد. ديماً كنت بضحك وأهزر مع الناس، والي يشوفني يقول عليا مبسوطة، يابختها، ومايعرفوش إن أكتر واحد بيضحك بيبقى أكتر واحد بيتألم من جواه وبيداري حزنه بضحكة مخفي وراها ألف آهة ودمعة."
خالد:
"إيه ده أول مرة أشوف حد بيعيط وعمال يقول خواطر."
قالها مازحاً ليجعلها تكف عن البكاء.
فارتسمت بسمة على محياها. ليقترب منها أكثر ويحتضنها، لتتشبث يديها حول ظهره وهي تدفس وجهها في صدره كالطفلة، حتى سمعت دقات قلبه المدوية، فأغمضت عينيها لتشعر بالأمان والحب الذي أحست بهم في أحضانه.
في داخل سيارة إياس، تجلس رنيم بجوار إياس الذي يقود سيارته. وبالمقعد الخلفي يجلس صقر وبجواره فيروز.
إياس:
"طبعاً يا صاحبي مش مصدق نفسك إن حماتك أخيراً وافقت إنكم تخرجوا."
قالها وهو يضحك.
رنيم:
"يابني أنا اللي أقنعتها وكمان لما عرفت إننا خارجين معاهم وافقت. عيب عليك ده أنا بعرف أقنع اللي قدامي."
أمسك إياس يدها ليقبلها:
"ده انت عسل ومفيش زيك يا روحي."
فيروز:
"يالعيني يالعيني، الله يرحم."
إياس:
"الحقي يا روني، أنا سامع حد بينفسن علينا."
قالها بمزاح.
رنيم التفتت إليهم:
"إيه يا فيرو؟ ما انتي جمبك صقورة أهو، حبو بعض براحتكم."
ثم نظرت لصقر الذي ما زال شارداً منذ أن استقلوا السيارة، فأردفت:
"ولا إيه يا عم صقر!"
لم يجيب عليها، فنظرت لفيروز:
"وده ماله ده انتي زعلتيه في حاجة؟"
فيروز:
"والله أبداً، هو كده من ساعة ما ركبنا العربية."
إياس:
"هتلاقيها آثار الفرحة، مش مصدق نفسه ههههههههههههه."
كان لا يعيرهم أي انتباه، وفكره مشغول بهاتفه، حيث أرسل لسيلين العديد من الرسائل ليخبرها أنه قلب الدنيا رأساً على عقب بحثاً عن باسل، ولم يجد له أثراً، وكذلك الأمر مع مايا.
فيروز:
"صقر... صقر!!! ... صقـــــــــــــــررررررررررر."
قالتها بصوت مدوي بجوار أذنه لينتفض مذعوراً، فنظر إليها بحنق:
"إيه الغباء ده!"
فيروز:
"إحنا عاملين نكلمك من بدري وانت ماسك الزفت اللي في إيدك ده ومش منتبه لينا."
قالتها بصوت مرتفع.
رفع حاجبه بامتعاض:
"مش قولت قبل كده متعليش صوتك وانتي بتكلميني!"
قالها بغضب.
رنيم:
"مالك يا صقر؟ هي مش غلطت، انت فعلاً سرحان طول الطريق ومش معبرنا وسايب البنت كأنها ولا قاعدة جنبك."
إياس:
"إيه يا نجم؟ أنا عربيتي مبتحبش النكد، انت سامع ولا لأ؟"
صقر:
"كل واحد يخليه في حاله. أنا حر مابيني وبينها."
فيروز بحنق:
"لأ مش حر. مش كل شوية تتعدل حبة وترجع أسخن من الأول. عبو شكلك."
قالت الكلمة الأخيرة بصوت يكاد يسمع.
صقر:
"بطلي غلط. وعبو شكلك انتي."
قالها وهو يتظاهر بالتجهم.
فيروز:
"لأ انت."
صقر ضاحكاً رغماً عنه على طريقتها الطفولية:
"لأ انت."
رنيم:
"ههههههههههه وربنا اتنين مجانين."
إياس:
"ملكش دعوة بالعيال النوتي دي، خليكي معايا أنا يا مزتي."
صقر:
"مزة مين يالا!"
فيروز:
"ههههههه انت غلبان أوي، ده عاملين من الصبح يحبوا في بعض وماسك إيدها وهاريها بوس ويابيبي وحبي وهييييييح بقي."
قالتها وهي تخرج لسانها لرنيم وإياس وهي تكيدهم.
صقر:
"صح اللي بتقولوه ده يا هانم انتي وروميو؟"
قالها بجدية مصطنعة.
رنيم:
"كده يا فيروز، ماااااااااشي، والنعمة لهسلط عليكي طنط آمال."
قالتها بمزاح.
إياس:
"وأنا معاكي يا حبي، أشهد بكده."
فيروز:
"قولي يا حبيبتي خلاص، صقورة بقى حبيب ماما."
رنيم:
"الله يرحم، لما كنا بنعيط ههههههههههه."
صقر:
"بصي قدامك وخليكي مع الواد اللي جنبك ده."
فأقترب من فيروز وهمس في أذنها:
"حقك عليا يا روحي، متزعليش مني."
قالها ثم طبع قبلة حانية على عنقها، ثم اعتدل ولا كأنه فعل شيئاً. هي ووجهها مثل حمرة البندورة من الخجل، فوضعت يدها على أثر قبلته وهي تجز بأسنانها على شفتها السفلى.
صقر اقترب ثانية وهو يهمس:
"إيه عجبتك البوسة في رقبتك! استني بس لما نتجوز، ده أنا هاكل رقبتك و....."
قاطعته رنيم وهي تصيح:
"بتوشوشو من ورانا يا اندال ... عايزة أسمع."
قالتها لتُوكزه فيروز.
صقر وهو يمسك برأسها ليجعلها تنظر أمامها:
"مش قولتلك خليكي في حالك."
رنيم:
"رقبتي كانت هتتلوح، حرام عليك."
صقر:
"المرة الجاية هلفهالك 360 درجة."
إياس:
"لو سمحت محدش ليه دعوة برقبة مراتي."
صقر:
"مراتك في عينك."
إياس:
"مش هرد عليك."
في منزل عائلة السويفي.
تتفقد سيلين الرسائل الواردة إليها، حيث كان هاتفها مغلقاً منذ أيام خشية من أن ذلك البغيض أن يرسل إليها صوراً مما لديه وتقع بين يدي شهاب.
طرقات خفيفة على الباب.
سيلين:
"مين؟"
يسريه:
"أنا يسريه يا سيلي هانم."
سيلين:
"متتعبيش نفسك يا يسريه، أنا مش هاكل حاجة."
الحارس بصوت أجش:
"العفو يا سيلي هانم، أوامر شهاب بيه إن حضرتك لازم تاكلي."
سيلين بصياح من خلف الباب:
"روح قول للبيه بتاعك، أنا مش حيوان عشان يحبسني في أوضة ويحطلي حارس عليها من برة ومعاه المفتاح."
يسريه وهي توكز الحارس وتهمس إليه:
"اسكت أنت مش عارف دماغها يعني... ده يا سبحان الله إن شهاب بيه قادر عليها وهي ساكتة كده."
الحارس بهمس:
"ما أديتي شيفاه من ساعة الليلة دي وهو مطلع عيننا ومش طايق دبان وش."
سيلين وهي تسمع همهماتهم:
"انتوا لسه واقفين؟ عندكم... ماتغورو يلا من عندكم."
وكادت تجلس على التخت لتسمع صوت تعرفه جيداً، فأندفعت بدون أن تتذكر تحذيره لها بأن لا تخرج إلى الشرفة.
وقفت في الشرفة وهي تنحني بجذعها لترى ما تلك الأصوات.
بالأسفل تقف هايدي وهي تصيح في وجه الحارس.
الحارس:
"أبوس إيدك يا هايدي هانم، متقطعيش عيشي دي أوامر شهاب بيه."
هايدي بحنق وغرور:
"طز فيك انت والبي بتاعك. أنا طالعة لصاحبتي."
الحارس:
"وأنا قولت لحضرتك ممنوع."
هايدي وهي ترفع إحدى حاجبيها:
"ولو دخلت غصب عنك."
الحارس:
"هضطر ألجأ للقوة."
رفعت كفها وصفعته، ليجز الحارس على أسنانه وينظر للأسفل.
هايدي:
"عشان تبقى إزاي تعرف تتكلم مع أسيادك."
سيلين بصياح:
"انت ياشرنوبي الزفت."
الحارس وهو ينظر لأعلى:
"سيلين هانم... قالها بتعجب ليردف: لو سمحت يا سلين هانم ادخلي جوة أوضتك عشان لو الباشا جه وشافك في البلكونة مش هيحصل كويس."
سيلين فقدت السيطرة على غضبها فصرخت بقوة:
"غور في داهية انت واللي مشغلك والأوامر بتاعته، وخلي هايدي تطلع بدل ما أطلع روحك."
وكاد الحارس أن يتفوه ليسكته صوت دُب في أوشالهم الرعب جميعاً:
"إيه الدوشة دي؟"
قالها لينظروا إليه، لكنه رفع بصره للأعلى وهو يحدق بها بنظرات لو كانت رصاصات لاردتها قتيلة للتوابل.
ابتلعت غصتها التي وقفت في حلقها وتظاهرت بالقوة:
"لو سمحت قول للزفت اللي شغال عندك ده يخلي هايدي تطلعها."
هايدي باستغراب:
"هو فيه إيه بالظبط اللي بيحصل؟ كل حاجة ممنوعة. هو إيه الحكاية يا شهاب؟"
شهاب بنظرات حادة:
"اتفضلي اطلعي لصاحبتك، ومعلش لو شرنوبي ضايقك."
رمقت الحارس بازدراء:
"نو بروبلم، أنا عرفت أوقفه عند حده."
قالتها وهي تنظر له من أسفل لأعلى، ثم رفعت أنفها لأعلى، ثم مشت وصعدت إلى أعلى.
ويخلفها شهاب، لكن اتجه نحو غرفة المكتب ودلف إلى الداخل، فأجرى اتصالاً ليتأكد من تجهيزات حفل الزفاف، حيث قام بتقديم موعده إلى نهاية الأسبوع الحالي.
وصلوا أخيراً أمام مطعم المأكولات البحرية الشهير.
نزلوا جميعاً من السيارة. نظرت فيروز للافتة المضيئة بدهشة:
"مش ده ال......"
صقر:
"أيوه، أول مكان شوفتك فيه وقلبي اتشد ليكي."
قالها وهو يحدق في عينيها بعشق ووله.
فيروز:
"ساعتها لما كنت هقع على السلم وانت لحقتني جوه حضنك، بصيت في عينيك كنت حاسة إني بحلم، وعمري ما كنت هصدق وقتها إنك تكون حبيبي وتبقى من نصيبي."
صقر:
"ده قدر ومكتوب إننا نتقابل هنا، وقلبي وقلبك يصبحوا عشاق."
قالها وهو ماسك بيديها ويضمهما ويقبل كلا منهما.
فيروز:
"لو ده قدري ونصيبي، يبقى مش عايزة غيره، وهو انتي يا حبيبي."
صقر وهو يبتلع ريقه بنظرات عاشقة ويهمس بحركة من شفتيه:
"بعشقك."
فيروز بنفس حركة الشفتين:
"بعشقك وبموت فيك يا كل ماليا."
صقر:
"احم احم... كفايه كده، لتلاقيني اتهورت وعملت حاجات هموت وأعملها."
فيروز بخجل:
"بس بقى عيب."
صقر:
"طيب خلي خدودك يبطلوا يحمروا بدل ما هتلاقيني كلتهم."
فيروز:
"انت شكلك جعان يا حبيبي، تعالي ندخل زمان إياس ورنيم قعدوا وكلوا."
صقر:
"انتي هتقوليلي صاحبي وأنا عارفه ده ممكن يقوم بمائدة أكل كبيرة لوحده، والمصيبة مبيبانش عليه."
فيروز:
"هههههههههه بس بقى زمانه هيموت من الجوع، عليه."
صقر:
"طيب يلا بينا ندخل."
قالها وهو يثني ساعده لتضع فيروز يدها عليه ويدلفا إلى الداخل مثل الملك والملكة في حفل التتويج.
بينما في غرفته بالأعلى.
هايدي تغر فاهها في صدمة:
"مستحيل! أنتي بتتكلمي بجد؟ باسل!!!"
سيلين:
"هش اسكتي، ليسمعك حد ويروح يقول لشهاب."
هايدي:
"أنا اللي غلطانة، ياريتني كنت جيتلك من وقتها وقولتلك. أنا السبب أنا السبب. ياريتني ما سافرت وقتها وكنت جيتلك وبلغتك على طول."
قالتها بندم.
سيلين بعدم فهم:
"قولتيلي إيه؟"
هايدي:
"........."
سردت لها ما سمعته من حوار باسل ومايا عندما نسيت هاتفها وصعدت لتأخذه، لكن ما سمعته هو حوار العلاقة بينهما وحملها منه فقط، لكن لم تسمع المخطط.
سيلين جلست على طرف التخت بانهيار:
"قوليلي أعمل إيه في مصيبتي، ولا صقر اللي اتدبس معايا، والحيوان باسل لعبها صح. عارف كويس لو شهاب شاف الصور دي، مهما حلفت له مش هيصدقني، عشان هو أكتر واحد عارف إن أنا كنت بحب صقر وياما حاولت أخليه يحبني."
هايدي وهي تعانقها:
"متعيطيش يا حبي، خلاص. أنتي بإيدك إيه؟ لو عرفنا إننا كنا مصاحبين واحدة خاينة وسافلة زي مايا، ما كان كل ده حصل."
سيلين:
"وبالنسبة إن فرحي خلاص الأسبوع الجاي، أعمل إيه؟ أقول لشهاب إيه؟!"
هايدي:
"قوليله اللي حصل معاكي بالظبط. هو طبعاً كأي راجل شرقي هيتضايق والموضوع هيحزن في نفسيته، لكن أحسن من الكلب اللي اسمه باسل يعرفه بنفسه ويبعت له الصور."
سيلين:
"يعني انتي شايفة كده؟"
هايدي:
"أني وأنتي... مفيش حل غير كده، وبإيدك."
سيلين:
"يارب يا هايدي، احكيله ويسامحني ويعرف إن محصلش حاجة ما بيني وبين صقر."
قالت تلك الجملة ليقع كل حرف منها على مسامعه وهو يقف أمام الباب ليدلف إلى الغرفة:
"سيلين."
قالها بصوت أجش، ليري ملامحها المرتبكة وهي تنظر لهيدي وكأنها تستنجد بها، لأنها تعلم جيداً حينما يناديها باسمها دون الاسم المدلل لها، فبالتأكيد هناك كارثة ستحدث.
هايدي:
"إيه يا شيبو؟ متيجي أقعد معانا شوية."
قالتها بقلق وريبة.
أدركه هو شهاب وهو يحدق في عينين سيلين بنظراته الحادة:
"معلش خليها مرة تانية. أنا جيت عشان أبلغ سيلين إن الفرح آخر الأسبوع، يعني بعد 3 أيام."
هايدي:
"بجد؟ ألف ألف مبروك وربنا يسعدكم."
شهاب:
"شكراً."
قالها ثم غادر وثوران بركان الغضب يتأجج داخله، ليرمي حممه التي كسعير فتحرق قلبه.
سيلين:
"أنا لازم أقوله، لازم. بيقولك الفرح بعد 3 أيام وخايفة ليكون سامعني وأنا بتكلم."
هايدي:
"خلاص يا سيلي، أنا هسيبك دلوقتي وأجيلك من بكرة إن شاء الله، عشان طبعاً هاروح معاكي للبيوتي سنتر ونشوف إيه اللي ناقص وكده. و**أنتي** روحي لشيبو وقبل ما تروحي ظبطي حالك ميك أب وطقم متدلع وحركات دلع بقى عليه، وانتي بتحكيله، وإن شاء الله مش هيحصل أي حاجة وتبدأوا حياتكم من غير كذب ولا مشاكل بقى."
سيلين:
"يارب يا هايدي، يارب."
هايدي وهي تعانقها:
"يلا باي بقى، أي سي يو تومورو ماي سويتيز."
سيلين:
"باي، متتأخريش عليا."
هايدي:
"أوك. ومتنسيش تطمنيني بالليل عملتي إيه."
سيلين:
"أوك."
في الملهى الليلي.
يقف كل من صقر وإياس ورنيم وفيروز حول طاولة مستديرة.
إياس:
"إيه رأيكوا في الفكرة دي، يلا عشان تقولوا محرمتكمش من حاجة."
صقر زفر بضيق:
"نايت يا إياس، وكمان جايبين البنات معانا."
فيروز:
"يعني كنت عايز تيجوا لوحدكم من غيرنا ولا إيه!"
رنيم:
"يبقوا ناويين على موتهم لو ده حصل."
فيروز:
"هههههههههه هنذبحوهم."
رنيم:
"وهنسلخوهم."
إياس:
"ينهار أزرق! الحق يا عم ده إحنا وقعنا بين إيد رايا وسكينة."
صقر:
"لأ فيرو دي ملاك."
رنيم:
"يعني أنا اللي قاتلة قتلة... قالتها وهي تضع يديها على خصرها بغضب طفولي.
إياس:
"لأ يا روحي انتي خط الصعيد نفسه."
صقر:
"هههههههههه أنا بقول كده برضه."
فيروز وهي تمسك بيد رنيم:
"تعالي هنا وسيبك منهم، دول باد بويز."
صقر:
"باد مين ياختي؟!"
فيروز:
"الحق يا إياس، بتقول علينا إيه."
إياس وهو يغمز له بإحدى عينيه:
"تعالي نوريهم الباد بويز هيعملوا فيهم إيه."
قالها ثم فاجأ إياس رنيم وهو يحملها من ركبتيها لأعلى، وكذلك صقر الذي فعل المثل مع فيروز، حتى وصلا بهما إلى ساحة الرقص، ثم رقصوا على نغمات أغنية "3 دقات" لأبو ويسرا.
وقت غروب الشمس واقف على البحر بعيد
عمال أحكيله وأشكيله وأشرح وأعيد
فجأة لاقيتها وكنت فاكرها عروسة البحر
خارجة من المايه وطلتها أقوى من السحر
لما شوفتها قلبي دق 3 دقات
والطبلة دخلت لعبت جوا دماغي حاجات
لما الرق دخل قلبي رق وحنيت
طب هعمل إيه روحت أنا غنيت
أمتى الحب طال قلبي ولا في الخيال
عودك ده فيه يتقال موالو
ويا عيني يا سيدي على الأيام
لما تهادي قلوبنا غرام فجأة يهون كل اللي فات
ولقيت جوايا خناقة كبيرة قامت على طول
عقلي يعقلني وقلبي يقولي روحلها قول
مخدتش ثواني وكان قلبي طالع كسبان
روحت وقولتلها إن أنا ولهان
وتمر شهور وسنين على يومها ومش ناسين
أنا شوفتك أمتى يا حب العمر وشوفتك فين
وبنيجي سوا نحكي حكايتنا هنا للبحر
عن قصة حب أقوى من السحر
أمتى الحب طال قلبي ولا في الخيال
عشقك ده فيه يتقال موالو
ويا عيني يا سيدي على الأيام
لما تهادي قلوبنا غرام فجأة يهون كل اللي فات
في منزل حافظ سراج الدين بالوادي الجديد.
والدة خالد:
"أنت بتستهبل يا خالد؟ عارف لو أبوك عرف ممكن يعمل فيك إيه؟ إلا الولايا يا ابني اللي بيجي عليهم ميكسبش."
خالد:
"يا أمي، انتي والله فاهمة الموضوع غلط. أنا زي ما قولتلك مكنتش أعرف إنها جاية ومستخبية في العربية."
والدته:
"بص، أنا مليش في العك ده كله. أنت تتصل بحد من أهلها، ولا أتصلك أنا بآمال وهخليها تديني أبوها ييجي ياخدها أحسن ما نلبس في مصيبة. ماهو بالتأكيد مش ساكتين وبيدوروا عليها، ده غير طبعاً خطيبها مش هيعدي الموضوع ده بالساهل كده، ومؤكد إنه مستحلف لها. ولو عرف إن الموضوع وراه واحد تاني اللي هو انت، ده مش بعيد يقتلك يا ضنايا."
خالد بغضب:
"يقتل مين؟ إحنا عايشين في غابة مالهاش قانون ولا إيه."
والدته:
"مش بتقول أمين شرطة ومن مصر (القاهرة) كمان، يعني إيده طايلة ومليون في المية ليه معارف كتير من ظباط في الداخلية يلبسك عريضة تهم."
خالد:
"بالله عليكي يا ماما بلاش فيلم هي فوضى اللي انتي معيشاني فيه ده."
والدته:
"طيب ريح قلبي يا ابني واعمل اللي بقولك عليه، وعلى رأي المثل من خاف سَلِم."
خالد بغضب متحدياً:
"وأنا راجل من ضهر راجل يا أمي، يعني ما بخافش، ولا هو ولا غيره يقدروا يهزوا شعرة مني."
قالها وهو على وشك المغادرة.
والدته:
"رايحلها برضه؟!"
خالد:
"يعني يعجبك أسيبها في البيت وحدها في حتة هادية وبلد متعرفش فيها حاجة."
والدته وهي تجيبه بنفس الصيغة:
"ويعجبك انت شاب وهي بنت يتقفل عليكم باب واحد لوحديكو."
قالتها وهي ترمقه منتظرة منه رداً.
خالد بتفكير:
"عارف طبعاً ده غلط، بس انتي عرفاني كويس، أنا عمري ما هعمل حاجة تغضب ربنا، ولا هقرب لها غير في الحلال."
والدته:
"واد يا خالد، انت عاشقها بقي؟ ماتقولي كده من بدري."
قالتها بنبرة ماكرة.
خالد:
"خلاص تعالي معايا عشان هاروح أشتري لها شوية حاجات ولبس، لأن بقالها يومين بالهدوم اللي عليها."
والدته:
"حاضر استناني، فح العبايه عليا والبس الخمار وجاية معاك، لما نشوف آخرتها إيه."
وصل خالد ووالدته عند ليلي، التي كانت تغط في سبات عميق على الأريكة. فدَلفت والدته، بينما ظل هو بالخارج.
والدته وهي تتأمل ملامح ليلي بالثوب الجميل كأنها ملاك نائم:
"بسم الله ما شاء الله، ياعيني عليكي يا بنتي."
تتقلب ليلي وهي تفتح عينيها نصف فتحة لتنهض بفزع:
"ممين... ااانتي مين؟"
والدته:
"ما تخافيش يا حبيبتي، أنا أبقى أم خالد."
نهضت ليلي لتعتدل في جلستها وبتوتر:
"أنا آسفة يا طنط، مكنتش أعرف."
والدته:
"ولا يهمك يا بنتي. أنا عايزاكي تقومي عشان تنزلي معانا في مدينة بعدينا بنص ساعة كده، أشتريلك شوية هدوم وحاجات وترجعي معانا على البيت، لأن مينفعش قمر وعسل زيك كده تقعد في بيت شاب لوحدها."
انفرجت أساريرها بالفرحة:
"ربنا يخليكي يا طنط."
والدته:
"وبعدين كده أزعل منك. قوليلي يا ماما."
ليلي غير مصدقة:
"بجد؟"
والدته:
"شيفاني بهزر؟ يلا بقى قومي اغسلي وشك وظبطي حالك، وأنا وخالد مستنينك بره."
ليلي:
"حاضر ٥ دقايق وأكون جاهزة."
والدته وهي تتجه للخارج:
"وأنا في انتظارك يا بنتي."
ثم أردفت:
"واد يا خالد، البت بدر منور وزينة أوي، وكمان بتقول دكتورة. ماتيجي يا ولاه نخطبهالك."
خالد بفرح:
"بجد يا أمي؟!"
والدته:
"أومال بهزر. انت سيبلي الموضوع ده، أمخمخلو كده على رواقه، وإن شاء الله هتكون ليلي من حظك ونصيبك، بس ادعي إن ربنا يكفيك شر أهلها وشر الواد خطيبها."
خالد:
"يارب يا أمي."
ذهبوا جميعهم للمدينة وقاموا بشراء ثياب ومستلزمات، ثم عادوا إلى منزل العائلة، وكان الليل قد حان. فإذا بهم يدلفون إلى الشقة، لتتسع عينين ليلي لتختبأ خلف خالد.
ليرعبها ذلك الجالس الذي يرسم على محياه ابتسامة ليست سمجة كالعادة، بل ابتسامة مخبأة وراءها عاصفة من الغضب والحقد والكراهية:
"أهلاً بالدكتورة."
دلف إلى غرفته بعد عناء يوم طويل بالشركة، حيث ينجز مهام كثيرة حتى يستطيع أن يتفرغ لزفافه وعطلة الزواج (شهر العسل).
وكعادته التي عليها منذ أيام، لم يتفوه معها سوى بأوامر واجبة التنفيذ لتفعلها حتى تتجنب غضبه، فهي لم تصارحه بعد، فخوفها منه مسيطر عليها بطريقة مرعبة، كأن لديها رهاب نحوه.
دلف إلى المرحاض ليستحم، ثم خرج مرتدياً منشفة قطنية حول خصره وصدره عارياً، وشعر مبتل تتساقط المياه بقطرات تنسدل على منحنيات عضلات جسده البارزة. وهم بالدخول إلى غرفة ثيابه، لينتبه لتلك التي تجلس على الأريكة المخملية، تضع ساق فوق الأخرى بإغراء، ترتدي ثوباً يصل إلى منتصف فخذها وبدون أكمام، ولديه فتحة من جهة الصدر تبرز جزء من أنوثتها (فستان كب على شكل قلب عند فتحة الصدر). محاوطة جيدها سلسلة من الذهب يتوسطها اسمه بالإنجليزية. ترفع شعرها لأعلى لتتدلي منه خصلات تجعلها أكثر جمالاً وإثارة، واضعة لمسات من أحمر الشفاه القاني، مزينة عينيها من الأعلى بالكحل لتبدو عينيها مثل عيني القطة، والقليل من الحمرة الهادئة على عظمتي وجنتيها.
في غضون تفحص نظراته إليها، أدرك كل تلك التفاصيل ليشعر بخفقات قلبه الذي كاد يكسر ضلوعه ويهرع إليها مهرولاً. ابتلع ريقه بصعوبة بالغة. لكن عقله يعطيه إنذاراً بأن هناك حسابات لم تعاقب عليها بعد، فهل سيخضع لها بسهولة ويمشي خلف أهوائه؟ تحول وجهه من نظرات الوله والهيام إلى نظرات يملؤها الجمود وعدم المشاعر، فدلف مسرعاً إلى غرفة ثيابه.
همست هي بعدم استسلام:
"مش هسيبك غير لما تعرف كل حاجة وتبطل تعاملني معاملتك الجافة دي، يا أنا يا انت."
قالتها لتنهض وتلحق به، حيث وجدته ارتدي بنطالاً وكاد يرتدي قميص قطني بنصف أكمام، فأسرعت أن تمسك به لتلقي القميص بالأرض، ثم نظرت في عينيه اللتي تتسائل ماذا تريدين؟
اقتربت منه بأنفاسها لدي عنقه وهي تهمس بصوت عذب ورقيق:
"وحشتني أوي يا حبيبي."
قالتها ثم عانقته بقوة كأنها تريد أن تخترق ضلوعه وتختبأ بداخله. ثم طبعت قبلة رقيقة خلف أذنه بقصد، فهي تعلم تأثير تلك المنطقة عليه. فلم يخالف ظنونها ليفاجئها بهجوم منه على شفتيها ويقبلها بقوة، كأنه ينتقم منها في تلك القبلة التي شعرت فيها بتذوق دماء شفتيها. فأخذت تدفعه من صدره ليبتعد عنها، وهو متحكم بجسدها ممسكاً خصرها بيديه بقوة، لأنه يعلم جيداً أنه يؤلمها. تأوهت بألم، فابتعد عن شفتيها ليرى قطرات الدماء تتناثر عليها، فنظر لها بابتسامة ساخرة وبها شيء من الازدراء. فأخذ بصره يتجول في ملامحها بتمعن، وهي مابين يديه، ليرفع يده ويفك مشبك شعرها لينسدل بتموجاته الخلابة على كتفيها، فقام بتجميع خصلات شعرها بقبضة واحدة ليجذبها بشدة للخلف، لترجع برأسها للوراء، وهي تنظر بخوف، لماذا هو عنيف معها هكذا؟ فكان ينظر لطول عنقها الذي يعشقه، فأقترب بشفتيه وهو يخرج أنفاسه الحارة على عنقها، ثم اندفع بقبلاته العنيفة على طول رقبتها، تاركاً خلف كل قبلة بصمة تملكه. وفي أثناء ذلك قام بتمزيق السلسلة التي تحمل اسمه ثم ألقاها على الأرض. مما زادها حنقاً وغضباً، فدفعته بكل قوتها ليترك خصلاتها مبتعداً بإرادته.
سيلين وهي تتنفس بصعوبة:
"انت بتعاملني كده ليه؟ ع فكرة أنا قبل ما أكون مراتك أبقى بنت عمك، يعني مش واحدة عاهرة شقّتها من الشارع، يعني تتعامل معايا أحسن من كده. أحسن والله العظيم."
قاطعها بصوته الأجش:
"أنا هعتبر كل اللي قولتيه كلام فاكس وعبيط، لأن لو اعتبرته بجد مش هيعجبك تصرفي معاكي وقتها. سامعة يا سيلين."
قالها بنبرة تهديد.
ترقرق الدمع في عينيها:
"انت مبقتش شهاب اللي أعرفه، الراجل اللي استحمل كل حاجة مني، أفعالي وجنوني عشان أحبه زي ما بيحبني. بالعكس، شايفه قدامي واحد تاني بيحب يتلذذ بوجعي، وبدل ما يسمع مني كلمة حب، بقي بيعشق إن أسمعه آهات الألم اللي بحسه، سواء انت قريب مني أو بعيد عني. يا خسارة يا شهاب. كان نفسي تكون الحضن اللي بحس فيه بالأمان والحنية، دلوقتي لما بتاخدني في حضنك بحس بجحيم طالع منك بيكويني، وبشوك في لمساتك ليا، كأنك قاصد تأذيني. أنا كنت ناوية أفتح معاك حوار صراحة ما بينا عشان لما نبدأ حياتنا نبدأها على حب ومودة ونية صافية، لكن بعد عمايلك دي وطريقة تهديداتك ليا في أسلوب كلامك، خلتني بدل ما أتقدم خطوة ناحيتك، لاقيت نفسي برجع لورا أميال من الخطوات. كفاية بقى لحد كده."
قالتها على مضض لتغادر الغرفة وهي تركض نحو غرفتها ودلفت إليها لتوصد الباب خلفها وتنهمر الدموع من عينيها، فجلست على الأرض تستند بظهرها على الباب وظلت تبكي بشدة.
بينما الآخر بعدما غادرت هي، تناول سيجارة ليدخنها بغضب في الشرفة وظل يضرب السياج الحديدي بأقصى قوته، فألقى السيجارة المشتعلة لتقع أمام قدمي الحارس المتجه نحو البوابة، الذي يقف شخص يبدو على ملامحه الريبة.
الحارس:
"عايز إيه الراجل ده يا عم عيد."
عم عيد المسئول عن البوابة:
"ده عمال يزن إنه يقابل شهاب بيه عشان هيدي أمانة لازم يوصلهاله بإيده."
الشخص:
"ما تخلصونا يا جدعان، مكنش حتة ظرف أسلمه للباشا بتاعكم."
شرنوبي الحارس:
"بطل ياض زيطة وزمبيليطة على المسا وهات البتاع ده، هوديهولك بنفسي."
الشخص:
"على جثتي يا عمونا."
شرنوبي:
"بس كده، من عنيا. طلبتها وهتنولها."
قالها ثم نادي:
"برق... رعد... تعالوا يا حبايبي العشا جاهز."
وكاد يلتفت الرجل ليمينه ليجد شخص ممسك بسلسلة يتفرع منها سلسلتين، كل منها مربوط بطوق حول عنق كلب ضخم للغاية وفي غاية الشراسة. يتقدمون نحوه بعواء كزئير الأسد.
الشخص بذعر وهو يختبأ خلف شرنوبي:
"ال ال ال إيه ده؟ إحنا ما اتفقناش على كده."
شرنوبي بسخرية:
"مش انت بتقول على جثتي؟ ماتخليك قد كلمتك."
فالقي الرجل الظرف بين يدي شرنوبي وهو يهم بالهروب:
"لأ يا عم أنا عيل ورجعت في كلامي. العمر مش بعوضه ومن غير سلاموز كمان."
قالها وهو يركض خارج البوابة.
أخذ شرنوبي الظرف ثم دلف إلى المنزل ليصعد الدرج، فوجد شهاب يطرق باب غرفة سيلين بقوة.
وبصياح مرعب:
"بقولك افتحي الباب بدل ما أكسره فوق دماغك."
سيلين من الداخل:
"مش فاتحة، واللي عايز تعمله اعمله، وأنا أول ما داد يوصل من السفر بكرة الصبح هخليه يطلقني منك وأخلص من الارف ده."
جن جنونه:
"أنا أرف يا سيلين!!! أنا بقيت أرف؟!!!! وربنا لأوريكِ الارف على حق، ماشي؟!!!! ... وخليكي محبوسة في أوضتك، ولو جدعة اخرجي بره الأوضة عشان أخليكي تحضري فرحك وانتي قاعدة على كرسي بعجل."
سيلين بحنق:
"بعد الشر عليا، إن شاء الله انت وكل اللي بيجي عليا وبيأذيني."
شهاب:
"طييييب ياسيلين طييييب، أما أوريكِ مبقاش أنا."
وأخذ يتجول ذهاباً وإياباً أمام غرفتها.
شرنوبي:
"شهاب باشا."
شهاب:
"عايز إيه انت كمان؟ غور من وشي على المسا."
شرنوبي:
"فيه واحد جه وسابلك الظرف ده و........"
ليأخذه شهاب بعنف وألقى به من فوق الدرج ليقع في الأسفل بجوار تمثال برونزي. لنقترب منه بتمعن لنجد مكتوب اسم المرسل: فاعل خير، والمرسل إليه: شهاب السويفي (المقطف). ومدون أسفلهم عنوان المنزل. خرجت يسريه من المطبخ فلاحظت ذلك الظ...
***
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم ولاء رفعت
في منزل حافظ سراج الدين
ليلي وبنبرة قوية: انت معندكش دم خالص؟ يعني سبتلك الحتة كلها وبرضو جاي ورايا؟ وبعدين عرفت ان انا هنا ازاي؟
خالد وهو يمسك بيدها ليجعلها تقف خلفه: متتكلميش معاه وخليكي مكانك هنا.
قالها بنبرة تحذيرية.
علي وقف فجأة والشر يتطاير من عينيه: يابجاحتك يابت! يعني سبتيني وهربتي وكمان مش همك وبتتحامي ف الـ... ده.
خالد بنبرة غضب: لم لسانك بدل ما اقطعهولك. انا محترم انك ف بيتنا متخلنيش اعملها معاك.
علي وهو يصفق بسخرية: لا برافو كبرنا وبقينا نعرف نتكلم. الله يرحم لما كنت عندي ف القسم عامل زي الكتكوت المبلول.
والدة خالد التي تستمع إليهم بذهول: صحيح الكلام ده يابني؟
علي: ماتقول للحاجة انك نمت ع البورش ليومين ومطلعتش غير بمزاجي لما لاقيتك مش من المنطقة وهترجع تغور ع بلدك. ولا انت فاكر حتة المحامي الكحيان الي صاحبك جابوه ده عرف يطلعك؟ انا الي خلتهم يطلعوك.
خالد وهو يغمض عينيه ويجز بأسنانه ع شفته السفلى من الغضب: خدي ليلي وادخلي يا امي.
حافظ الذي كان يؤدي فرضه خرج من إحدى الغرف وبصوته الأجش: خااااالد.
انتبه خالد لوالده: بابا؟
علي: ايوه والدك الي فاتحلي الباب. الراجل الطيب الي حضرة الدكتور ابنه بيستغفله.
حافظ: خالد هو صحيح الكلام اللي بيقوله الأمين علي؟
خالد: يابابا الموضوع حضرتك فاهمه غلط.
لا انت فاهم صح يا خالي. وكمان كان مبيتها ف بيته وبيروحلها.
قالتها سمر التي خرجت من غرفة أخرى.
نظر لها خالد ويتوعد لها وكاد يتحدث، فقاطعه صوت ليلي التي خرجت لهم وهي تصرخ: عايز مني إيه تاني يازفت؟ الله يحرقك ويحرق اليوم اللي شفتك فيه. يا أخي وأنت زي اللزقة ولا عندك دم ولا إحساس ولا ذرة رجولة.
غلى الدم في عروقه ليندفع نحوها وكاد يصفعها، فأمسك خالد بمعصمه وعينيه ترمقه بشر مميت: أقسم بالله لو إيدك لمستها لهرجعك القاهرة وأنت ف الكفن.
اشتد غضب علي الذي أخرج سلاحه من خلف ظهره رافعه نحو خالد. فصرخت كل من ليلي وسمر وصاحت والدته: يا لهوووووووووي ابني.
حافظ: اسكتي يا ولية. ثم نظر بذعر لعلي: والنبي يابني احنا مش ف حمل بهدلة وابني طول عمره ف حاله بلاش تأذيه.
علي: لو مش عايزني أأذي ابنك ولا أي حد، ادولي مراتي هاخدها وأمشي.
ليلي: ده على جثتي يا حيوان.
قالتها بصراخ.
فألقى يد خالد من ع معصمه، فشد أجزاء سلاحه ثم صوبه ف جبهة خالد: يبقى اقري الفاتحة على روح سي روما.
نظر له خالد بابتسامة استفزازية: لو راجل اعملها.
علي بحنق شديد: انت فاكرني بهزر يالاه؟ وربنا لا أقتل...
لم يكمل جملته حيث فقد وعيه عندما انسحبت سمر وأتت بجرة من الفخار ألقت بها بكل قوتها ع رأسه من الخلف ليقع مغشياً عليه على الفور.
حافظ: يخربيتك! إيه اللي عملتيه ده؟
سمر: يغور هو ف ستين داهية. المهم خالد يكون بخير.
رمقه خالد بازدراء: وأنا مطلبتش منك تدافعي عني.
والدته: يابني ده لولاها كان زمانه فرغ المسدس ف دماغك.
لم يجب على والدته وكان يحدق بليلي التي تجلس ع الأرض بإحدى الأركان وتبكي بشدة.
اقترب حافظ: أومي يابنتي تعالي عشان أرجعك مصر بنفسي. إحنا اللي بنرضوهوش ع ولادنا مبنرضوهوش ع غيرنا.
خالد: وأنا وأمي جايين معاك.
حافظ: هي فسحة ولا إيه؟ ده أنا هروح أرجع البنت لأهلها.
خالد: إحنا هنرجعها وهخطبها من والدها.
والدته: وأنا موافقة وجاية معاك يابني.
حافظ: وأنا مش راضي عشان مش مستغني عنك. ليه يعمل فيك حاجة المخفي ده؟
خالد وبنظرات ماكرة نحو علي: ده خليه ليا. أنا هعرف أعمل معاه إيه. شكلي هرجع لأيام الشقاوة.
قالها وهو يبتسم بجانب فمه. فأتجه نحو الشرفة المطلة ع الشارع وهو ينادي ع أحدي أصدقائه ليأتي له ومعه مجموعة من الشباب.
صعدوا ف غضون ٥ دقائق ودلفوا إلى المنزل.
خالد: عايزكم تشيلوا الزفت ده وخدوه ع الحظيرة وأنا جاي وراكم.
قالها ليأخذوه إلى حيث أمرهم خالد.
والدته: هتعمل إيه يابني؟
خالد: هاتيلي عباية قديمة من عندك وطرحة. وأنتي هتعرفي.
ليلي: خالد...
قالتها لينتبه لها يطمئنها بنظرات عينيه.
سمر التي ترمق ليلي بنظرات حارقة: هتعمل إيه يا ابن خالي؟
خالد: ملكيش دعوة بيا ولسانك ما يخاطبش لساني.
قالها محذراً إياها. ثم تركهم وخرج بعدما أخذ من والدته العباءة القديمة والحجاب.
وبعد مرور دقائق خرج الجميع إلى الشرفة ع صوت ضحكات وسخرية أهل البلد وخاصة الأطفال وهم يهللون: العبيط أهو... العبيط أهو.
قالوها وهم يشيرون بسبابتهم نحو علي الذي يمتطي الحمار بالمقلوب ويرتدي عباءة حريمي ويرتدي حجاباً بشكل مضحك وع فمه لاصقة ومكبل بأحبال حول جذعه وذراعيه جانباً وحذائه مربوط ببعضه البعض من الرباط وموضوع حول عنقه فكان مثل المجانين.
يضحك الجميع ف وسط تهليل الأطفال مازال يهتفون ويقذفون عليه الحصى: العبيط أهو... العبيط أهو... أهو... العبيط أهو أهو.
***
في مكتب النيابة العامة.
وكيل النيابة: راجع نفسك يا أيمن عشان أنا متأكد إن ده مش كلامك ومفيش واحد عاقل عياله تتقتل وهو يشيل الليلة. أنت عارف إن قضيتك أصبحت قضية رأي عام، يعني ف مصر وبرة مصر عارفين ومتابعين القضية.
أيمن بوجه مكفهر وكأنه زاد عمر فوق عمره: اللي قولتهولك يا باشا هو ده اللي حصل. ولو سمحت متضغطش عليا أكتر من كده. ربنا يعلم إن وجودي ف السجن أرحم من خروجي بره لأن لو خرجت هتحصل بلاوي أكتر من اللي حصل.
الوكيل: أيوه أنا عايز أعرف بلاوي إيه ومين اللي هيعملها.
أيمن ابتلع غصته: خلاص ياباشا معدش ينفع. أنا اتكتب عليا أتحرم من بناتي واتحرم من بقيت عيلتي بدفع تمن غلطة إن سكت عن الحق زي الشيطان الأخرس وحطيت إيدي ف إيد إبليس فلازم ده يكون جزائي.
الوكيل: وبإيدك تكفر عن أخطائك حتى لو ليها تمن تدفعه وتقول كلمة الحق ومتظلمش نفسك.
ابتسم نصف ابتسامة بسأم: لو كان التمن حياتي أنا بس كنت قولت الحق ع طول. لكن لما تكون أرواح أغلى الناس ليك متعلقة ف رقبتك هتعمل إيه حاجة عشان تفديهم. وأنا خلاص مش عايز حاجة أكتر إن يكون الناس اللي بحبهم ف أمان حتى لو التمن إعدامي.
قالها ثم تنهد وبدأت عيناه تذرف عبراته وهي عبرات رجل مغلوب على أمره ومقهور وقع بين طواحين لا ترحم ولا تترك من يعبر بينها إلا لو كان محطماً إلى أشلاء وروحه مزهوقة. ياااارب انصر كل مظلوم على كل ظالم ظلمه. واقتلع جذور الظالمين وألقي بهم ف قعر جهنم أبداً فيها إلى مالانهاية.
الوكيل بامتعاض: يعني ده آخر كلام عندك قبل ما نبدأ ف التقرير.
قالها وهو يعطيه منشفة ورقية ليجفف عبراته:
أيمن بصوت مبحوح: إن شاء الله ياباشا. أنا اللي قتلت بناتي خنقهم ورميتهم ف الترعة عشان كنت بعاني من اكتئاب حاد وكمان كنت بشرب حشيش وترامادول وده اللي ساعدني أعمل كده. والكلام ده كنت بخططله من ١٠ أيام قبل ارتكاب الجريمة ومراتي مكنتش تعرف حاجة.
زفر الوكيل بضيق وهو يفك رابطة عنقه فقال: اكتب يابني عندك. لقد قررنا نحن وكيل النائب العام: عاصم مسعود الديب. بأن المتهم أيمن محمود البالغ من العمر ٣٣ عامًا اعترف بأنه مرتكب جريمة قتل نجلتيه كارما أيمن محمود ٩ سنوات وكنزي أيمن محمود ٩ سنوات وذلك بإلقائهم من أعلى كوبري المزلقان في الترعة المتفرعة من نهر النيل وهذا بعد أن قام بتخديرهم فبالتالي حدثت لهما إسعافيا الغرق وذلك ما أتى ف تقرير الطب الشرعي. كما اعترف أن سبب قيامه تلك الجريمة الشنعاء أنه كان يعاني من اكتئاب حاد كما يدعي. وخطط لذلك قبل وقوع ارتكاب الجريمة بـ ١٠ أيام. وبعد أدلاء الشهود والقيام بعمل تحليل له تبين أن المتهم كان يتناول مواد مخدرة ترامادول وحشيش. وبعد قراءة تقرير عن الكاميرات التي رصدت تلك الوقعة. فقررنا إحالة أوراق المتهم إلى محكمة الجنايات للحكم في تلك القضية وهي القتل العمد بسبق الإصرار والترصد بناءً ع المادة ٣٠ بقانون العقوبات.
صمت بعدما انتهى الكاتب فأردف: اتفضل امضي يا أيمن. بس يكون ف علمك أنت متفرقش عن اللي عملوا ف بناتك كده بشيء لأنك ظالم زيهم بالظبط لأنك ظلمت نفسك وظلمت بناتك لما ضيعت حقهم.
لم يستطع أن يرفع عينيه فكان كالجريح وكل كلمة تقع ع مسمعه كانت بمثابة خنجر مسموم يطعن ف قلبه الواهن.
الوكيل: عسكري عليش.
قالها منادياً ليدلف إلى المكتب.
أردف الوكيل: خد المتهم عشان هيترحّل ع السجن لحد ما يتحدد ميعاد الجلسة.
العسكري: تمام يا عاصم باشا. يلا يا متهم قدامي.
خرج أيمن وبرفقته العسكري الذي قيده بالصفد الحديدي فكاد يسير أمامه ف الرواق ليجد تلك المتسمرة ف مكانها تبكي ف صمت وأوصالها مرتعدة من ما ستسمعه الآن وهو نفس ما قيل لها من ذلك المحامي اللعين الذي هاتفها وقام بتحذيرها أنها لو تفوهت بكلمة واحدة تدين أي فرد منهم سوف يفعل معها ومع نجليها الرضيعين وكذلك خالتها أبشع من ما فعلوه بنجلتيها.
نظر لها بجميع كلمات الأسف والاعتذار لتهرب عبرة وتنزلق ع وجنته. فعندما رأتها ركضت إليه بقلب ينزف ألمًا ووجعًا يفوق حمل الجبال. ارتمت ع صدره التي تتمنى في كل ليلة حالكة تمر عليها أن ترتمي عليه وتشكي حالها له فهو كان الحضن والأمان لها ومن غيره أصبحت كالعارية في طقس الشتاء البارد لا يكسوها سوى لفحات الثلوج والصقيع.
سلمى بنبرة باكية: خلاص هياخدوك ويحكموا عليك بذنب معملتوش.
أيمن يشتد ف عنقه لها: ارجوكي كفاية مش مستحمل. كفاية اللي أنا فيه. ومش عايز منك إن تأخذي بالك من الولاد وادعيلي وانتي بتصلي ربنا يخفف عني ويلهمني الصبر.
سلمى: بدعيلك ف كل سجدة وكل ركعة وف كل أذان إن ربنا ينصرك ع الظلمة ويظهر براءتك وترجع لنا يا أيمن لأن مبقيتش مستحملة بعدك عني.
العسكري: ماتخلصونا من أم الفيلم الأبيض والأسود اللي أنتو فيه ده وانجز يا متهم.
لم يجيبوا عليه سوى بنظرة ازدراء.
أيمن: يلا امشي يا سلمى وخذي بالك من نفسك.
سلمى متشبثة بيده: قولوا لهم الحقيقة يا أيمن متسكتش عن الحق.
رددتها بصياح. ليأتي أحد العساكر وهو يبعدها عن أيمن الذي تحاشى النظر إليها وسار بخطى العسكري الذي أوصله لشاحنة الترحيلات.
بينما سلمى ف حال يرثى لها لم تعد قادرة بأن تتفوه بكلمة فأحبالها الصوتية قد أجهدت ولم تستطع سوى أن تبكي وتصرخ ف صمت.
***
في منزل فيروز.
يجلس كلا من صقر وفيروز وآمال حول مائدة الطعام.
صقر: تسلم إيدك يا ماما. البشاميل جامد كأن باكله أول مرة ف حياتي.
ابتسمت آمال: وجه الجملة دي لخطيبتك هي اللي عاملاه. أنا أقصري محاشي وطبيخ لكن فيروز بتحب النواشف والمشوي.
نظر لفيروز وهو يغمز لها بعينه: ما أنا عارف فيروز. حبيبتي شطورة. ده حتى بتعمل فراولة طعمها حلو أوي (يقصد شفتيها). ويالهوي ع التفاح الأحمر عمري ماشوفت ولا هشوف زيه (يقصد وجنتيها عندما تخجل).
اتسعت حدقتها لتشعر بحشرجة ف حلقها وأخذت تسعل: كح كح كح.
آمال: مالك يا حبيبتي؟
صقر يعطيها كوب الماء: اشربي ميه وانتي هتروقي.
أخذتها منه وهي تنظر له بتوعد ع ما تفوه به أمام والدتها. فأرتشفت بعض الماء ووجهها كان محتقن بالدماء أثر السعال والحشرجة.
صقر يمسك ضحكاته عنوة عنه: كده قلبنا بطيخ.
قالها وأشاح بنظره للجهة الأخرى وأخذ يضحك. فأوقفته هي عندما دعست ع قدمه بقدمها من تحت المائدة حيث أنها تجلس ف الجهة المقابلة له.
فحدق ف عينيها كأنه سيفعل شيئًا ثم نظر لوالدتها وقال: أنا يا ماما كنت عايز أبلغ حضرتك إن إنشاء الله الخطوبة الأسبوع الجاي وهنعملها ف الفيلا عندنا.
قالها وهو يفاجئ فيروز بمحاصرة قدمها بين قدميه وأحكمها بقوة وهي قد تلعثمت وتنظر له وتقول بعينيها أن يكف عن ذلك لكن لم ينظر لها.
آمال: يابني الخطوبة دي علينا إحنا أهل العروسة.
صقر بإحراج: احم عارف بس إحنا بقينا أهل ومبتفرقش الشكليات دي. وبعدين أنا هعزم أصحابي ومدير القسم ومعارف ليا.
آمال: اللي أنت شايفه يا حبيبي اعمله. أنت بقيت ف مقام ابني اللي مخلفتهوش.
صقر: يخليكي لينا ياماما.
قالها ومازال ممسكًا بقدم فيروز التي لم تستطع أن تتفوه من الخجل.
آمال: إيه رأيك يا فيروز؟
فيروز بتلعثم: رأيي ف إيه؟ أصل كنت و...
صقر وهو يضم يديه أسفل ذقنه ويسحب قدمها نحوه: رأيك ف إن خطوبتنا هتتعمل ف الفيلا بتاعت بابا وماما الله يرحمهم.
فيروز وهي تجز ع شفتها السفلى بحنق: مش عاجبني ومش موافقة.
قالتها بتحدي.
صقر وهو يضغط ع قدمها: ليه كده ياحبيبتي؟ ده الفيلا هتنور بيكي خصوصاً إن دي اللي هنتجوز فيها إن شاء الله.
ارتسمت السعادة ع محيا شفتي آمال: ربنا يخليكم لبعض يا حبايبي ويبعد عنكم العين والشر.
صقر: يااارب آمين.
آمال: يلا بقي يا فيروزه شيلي الأكل واعمليلنا كوبايتين شاي وبعدها نحلي ونشرب الساقع.
صقر: أنا مش قادر أتنفس. هي كفاية كوباية الشاي عشان مصدع لأن مشربتش إسبريسو من الصبح. وبعدين عايز آخدها عشان نروح للديزاينر اللي هياخد مقاستها عشان الفستان.
آمال: خلاص يابنتي اعمليله اللي بيقول عليه ده.
قالتها بعفوية.
فيروز: هههههههه. معندناش الماكينة اللي بتعمله يا ماما. مفيش غير بنو مبييض كريمر.
صقر: أي حاجة من إيدك هتبقى جميلة.
ابتسمت له بخجل وكادت تنهض لكن لم تستطع فهو مازال ممسكًا بقدمها.
آمال: ف إيه؟ يلا أومي.
صقر: اسمعي كلام ماما يا فيروز واومي يلا.
قالها مبتسماً وع وشك أن ينفجر من الضحك.
فاجأته بركلة بقدمها الأخرى أتت ف ساقه فتأوه من الألم: اااه.
آمال: مالك يابني؟
صقر: مفيش. أصل جيت أقوم اتخبط ف...
قاطعته فيروز: معلش يا ماما تعيشي وتاخدي غيرها.
قالتها وهي تنظر له وتبتسم كأنها تكيده. فذهبت إلى المطبخ وانتهت من عمل القهوة بنكهة الحليب لصقر وكوب الشاي لوالدتها. ثم دلفت إلى غرفتها وارتدت جونلة زرقاء تصل إلى الركبة وبالأعلى (بلوزة) لونها أبيض هادئ بأكمام واسعة تنتهي بأسورة أنيقة. بينما عند العنق تتدلى منها شريطان من نفس القماش مثل رابطة العنق لتعقدها بشكل (فيونكة). وارتدت حذاء باللون الأبيض ومرقط بالأزرق وارتدت حقيبتها الصغيرة ع كتفها ووضعت بعض اللمسات الخفيفة من حمرة شفاه بلون الوردي وحمرة خفيفة بوجنتيها ووضعت (ماسكرا) ع رموشها لتبرز جمال فيروزتيها. وأطلقت لشعرها العنان لترتدي طوق بلون الأزرق ف رأسها (توكة بفيونكة ع جنب). وانتهت لتخرج إلى الردهة وكان صقر يرتشف آخر رشفة فرفع ناظريه إليها وهي تقف مبتسمة: أنا جاهزة أهو يلا بينا.
رفع لها إحدى حاجبيه: ومين اللي هينزلك برجلك العريانة دي؟
زمّت شفتيها لاسفل كالطفلة: فين دي؟ ده حتى الجوب لغاية الركبة.
آمال: خطيبك عنده حق يافيروز. هو بيغير عليكي. روحي غيري والبسي حاجة أطول.
فيروز وهي تزفر بتأفف: اوووف حاضر.
صقر أوقفها قبل أن تدلف إلى الغرفة: تعالي متغيريش عشان نلحق نروح وأرجعك ع طول.
نظرت له متعجبة فأردف: بس مش هتنزلِ من العربية غير ع المحل جوه وكده كده الديزاينر بنت وكل الس شغالين بنات.
فيروز: حاضر اللي تشوفوه.
آمال: خلي بالك منها ومتأخرهاش يابني.
صقر: حاضر ياماما. فيروز ف عنيا متقلقيش عليها.
غادرا الاثنين وقبل أن يستقلا السيارة رمقتهم أعين شخصين كل منهما ينظر لهما بنظرات مختلفة. إحداهما يراقبهما والآخر ف الجهة المقابلة يرمقهما بنظرات حقد وشر وكأنه يخطط لشيء ما. فياترى من هذا؟ وماذا يريد؟
***
في منزل ليلي.
يجلس والدها ع المقعد بغرفته وهو يقرأ آيات الله بالمصحف الشريف ويدعو ربه بأن يعثر ع ابنته بعدما اتصل وذهب إلى كل معارفهم وأقاربهم لكن بدون جدوى وهاتفها كثيرا لكن لم تجيب عليه فأنها خجلة منه من ما فعلته وجعلت منه حكاية ترددها كل الألسن بالمنطقة وأهلهم وذويهم.
بينما والدتها كانت بداخل الشرفة لتعلق الثياب التي قامت بغسلها فوق الأحبال وتشبثها بالمشابك الخشبية.
إحدى جيرانها: ازيك يا ام إسلام.
أم إسلام: الله يسلمك.
قالتها باختصار لأنها تعلم السؤال الأحمق التي تتلقاه من كل ما يقابلها.
الجارة: وبنتك ليلي رجعت بالسلامة ولا لسه هربانة؟
رمقتها باحتقار ولم تجيب عليها.
اشتعلت الأخرى من تجاهلها فألقت جملتها: أصل سمعت إن بنتك هربت مع جدع شاب كان بيجي عند أم فيروز. ميكونش عمل معاها حاجة وهي هربت معاه عشان لتتفضح.
بنبرة غاضبة وصياح: جري إيه يا مرة يا و... عمالة تلحي بالكلام ع بنتي وسكت. وكمان عايزة تبوظي سمعتها.
الجارة بصوت مرتفع خرجت عليه كل الجيران من الشرفات: جري إيه يا ولية بتشتميني عشان بقولك اللي سمعته وأنا مالي ولا عشان ع راسك بطحة وعارفة إن بنتك شمال فوجعك الكلام.
والدة ليلي: وعزة وجلال الله لو ماسكتي يا مهزأة لقلعلك اللي ف رجلي وأحدفك بيه ع بوقك.
الجارة: يا لهوووي اشهدوا ياناس الولية مش قادرة ع بنتها الصايعة جاية تتشطر عليا أنا. روحي لمي لحمك الأول يا مفضوحين.
خلعت نعلها الثقيل وألقته بكل قوتها ليرتطم ف رأس جارتها التي أخذت تصرخ والكل يصيح بوالدة ليلي التي دلفت إلى الداخل وأغلقت شرفتها.
أغلق زوجها المصحف: صدق الله العظيم. ثم أردف منادياً: إيه الزعيق ده يا أم إسلام؟
كانت تبكي بالغرفة الأخرى فأجابت وهي تكفكف عبراتها: مفيش ياحاج دي خناقة ف الشارع.
ولم تمر ثوان حتي دوت طرقات الباب مصحوبة بصياح مدوي ف أرجاء البناية: افتحوا يا ولية يا بنت ال.... وربنا ما هسيبك.
فقال زوجها الذي جاء برفقتها: افتح يا أبو إسلام بدل ما نكسر الباب.
تجه مسرعاً نحو الباب ليفتح فوجد جارتهم تهم بالدخول وتبحث بعينيها عن زوجته: هي فين الولية السو دي وربنا ما أنا سايباها.
وقف أمامها وهو يمنعها: استهدي بالله يا أم منة واحكيلي اللي حصل.
أم منة: حقي هاخده بأيدي مش ضربتني بالشبشب بتاعها والنعمة لهديلها فوق دماغها بالجزمة.
والدة ليلي: وعزة وجلال الله لو ماسكتي يا مهزأة لقلعلك اللي ف رجلي وأحدفك بيه ع بوقك.
مرزوق: يعني يرضيك اللي مراتك عملته؟ تحذف مراتي بالشبشب قصاد الناس كلها وتشتمها وتهزأها.
والدة ليلي: ولو مسكتيش هجيب شوما وهبطحك بيها عشان تتلمي.
زوجها بصوت مرتفع: بس منك ليها وسيبو الرجالة تتكلم.
أم منة وهي تزمت شفتيها يمينًا ويسارًا: رجالة! ماهي لو عندها راجل يلمها مكنتش تردحلي وتعمل عمايلها دي.
والد ليلي بغضب: مرزووووق خد مراتك وغورو من هنا.
أم منة بتحدي: مش ماشية غير لما آخد حقي.
مرزوق: يلا يا حبيبتي وابقي خديه منها بعدين.
أم منة: اخرس انت وملكش دعوة.
مرزوق: اللي تشوفيه يا ست الكل.
قالها وهو يلمس شاربه العريض بأطراف أنامله.
ليلي: بصي بقي عشان منرغيش كتير. انتي قليتي أدبك وقعدتي توسخي ف سمعة بنتي وأنا اديتك بالشبشب نبقى خلصين وغورو انتي والبأف اللي معاكي ده وورونا عرض كتافك.
وكادت ترد فأوقفها صعود كل من حافظ ويليه زوجته ويليهم خالد وخلفه ليلي.
أم منة: الصلاة ع النبي أحسن. الحق يا مرزوق البت جايبة الواد ومعاه أهله. يالهوي ع كهنة البنات وعمايلها.
مرزوق وهو يهمس لها: يلا نمشي إحنا بقي وابقي تعالي لها بعدين.
أم منة: حاضر عشان خاطرك أنت بس وابقي أجليها ف روءة تانية. بنت المركوب دي.
***
دلف خالد وعائلته ف اندهاش ع ملامح والد ليلي وزوجته التي ترمق ابنتها بشر.
حافظ: أولا السلام عليكم يا حاج.
أبو ليلي: وعليكم السلام. اتفضلوا قعدوا واقفين ليه؟
حافظ: احم. بص يا حاج إحنا جايين وجايبين لك بنتك وهي كانت ف الحفظ والصون عندنا. أنا عارف قبل ما تقول أي حاجة إن تصرفها غلط. بس اللي عرفته وفهمته إنكم كنتوا هتجوزوها لواحد كان هيقلب حياتها جحيم.
أم ليلي: ما هو طبعًا لازم تفهم كده عشان الهانم هي اللي حاكيلك.
خالد: اللي اسمه علي جالينا البلد وكان ناوي ع شر ورفع السلاح ع ابني وعايز ياخد بنتك غصب عنها. بس خالد كان واقف ف وشو زي الأسد وقال هي مش هتروح غير لأهلها وإحنا هنوديها بنفسنا وادينا جبنها لحد عندك.
أبو ليلي: حقه طبعًا مش خطيبته؟
أم ليلي: اخرسي يا ولية وادخلي اعملي الغدا للجماعة.
حافظ: تسلم يا أبو ليلي. إحنا مش جايين نضاف. إحنا جايين ف أمر تاني وربنا ييسر الأمور.
أبو ليلي: مش هنتكلم ف حاجة غير لما ترتاحوا من السفر وتاكلوا لقمة.
قال جملته. فأعدت والدة ليلي الطعام وتناولوه جميعًا ف صمت وانتهوا ثم اجتمعوا وهم يرتشفون الشاي.
خالد: سفرة دايمة يا عمي.
أبو ليلي: الله يخليك يابني.
حافظ: أنا هدخل ف الموضوع ع طول من غير لف ولا دوران. من الآخر إحنا جايين نطلب إيد بنتك الدكتورة ليلي لابننا الدكتور خالد.
أبو ليلي: والله أنا يشرفني أناسبكم خصوصًا إنتوا تبع أم فيروز. ناس ف منتهى الأدب والاحترام.
حافظ: الله يكرمك. وأنتم والله ناس تشرف.
خالد: عن إذنك يا بابا أنت وعمي. أنا عارف إن حضرتك يمكن تكون فاكر كان فيه حاجة مابيني وبين ليلي قبل كده. بس أقسم لك بالله إن ليلي عمري ما اتكلمت معاها غير ف حدود السلام وكلام عادي وكنت محترم إنها مخطوبة وقتها.
أم ليلي تهمس: شوف الواد اللئيم.
فأردف حديثه وهو ينظر لأم ليلي: أنا عمتا مش هطول عليكم. هعرفكم بنفسي وبإمكانياتي. أنا الحمد لله دكتور أمراض نفسية وعصبية.
أم ليلي بسخرية: يعني بتاع مجانين. اللهم احفظنا.
ابتسم خالد: ع فكرة إحنا أغلبنا عندنا أمراض نفسية بس بتختلف من شخص للتاني. المهم هبقى أفهم حضرتك بعدين. أنا حاليًا بساعد والدي ف الأرض. زارعين نخل وشوية محاصيل بس قدمت من فترة ع إعارة بره والحمد لله جالي عقد عمل ف الإمارات بس لسه هيبعتولي أسافر إمتي. فـ أنا عايز أسافر ومراتي تكون معايا.
أبو ليلي: بالسرعة دي يابني؟ مش لما تعرفوا بعض كويس وإحنا كأهل نتعرف ع بعض.
حافظ: الجواب باين من عنوانه. ويعلم ربنا ارتحت ليكوا أد إيه. بس شايف إن الكلام مش عاجب الست أم ليلي.
أم ليلي: هي الحكاية مش كده. أنا عايزة أطمن ع بنتي ومستقبلها. هتعيش فين وهتسكن فين؟
أم خالد: اطمني ياحاجة ابني ليه بيت بتاعه هو اللي بنيه وموضبه عندنا ف البلد وكل أملاكنا من أراضي دي كلها هتبقى لخالد. ده كفاية إنه دكتور.
أم ليلي: ما أنا بنتي دكتورة برضو.
قالتها بتباهي.
أم خالد: ما أنا قصدي ع كده. هم متوافقين مع بعض ماشاء الله عليهم.
حافظ: يلا بقي مش هنقرأ الفاتحة يا أبو ليلي ولا إيه؟
ابتسم أبو ليلي: خير البر عاجله. يلا نقرأ الفاتحة.
قالها ليقرأوا جميعهم الفاتحة فتعالت زغاريد أم خالد: لولولولويييييي. إيه يا أم ليلي مش هتزغردي لبنتك؟
أم ليلي: لولولولولولولي. حلو كده يا ختي.
أم خالد: شكلك هتبقي حما صعبة والله. بكرة لما هتعرفي ابني هتحبيه وهتعتبريه زي ابنك وأكتر.
أم ليلي: لما نشوف.
حافظ: نقوم إحنا بقي عشان نتكل ع الله ونلحق الأتوبيس.
أبو ليلي: لأ يا حاج وربنا لانتوا بايتين. ما تقولي حاجة يا أم ليلي.
حافظ: معلش يا أبو ليلي خليها مرة تانية عشان بس ورانا أشغال وسايبين أختي وبنتها ف البيت لوحدهم.
أبو ليلي: أنت زعلتني منك كده.
حافظ وهو يربت ع كتفه: إن شاء الله مفيش زعل وربنا ما يجيب حاجة وحشة. والمرة الجاية هنيجي عشان نخطب ليلي رسمي ونكتب الكتاب عشان لو خالد هيسافر ياخدها معاها.
أبو ليلي: دي لسه قاعدة ليها سنة غير الترم ده.
خالد: متقلقش يا عمي. أصل السفر هيبقى احتمال كبير ع الإجازة الكبيرة. وبالنسبة للسنة الأخيرة هخليها تيجي تدرس وتمتحن وبعد كده تجيلي ع هناك.
أبو ليلي: اللي فيه الخير يا بني ربنا يقدمه.
خالد: بإذن الله يا عمي.
تبادلوا جميعًا السلام. بينما كل ذلك الوقت كانت بداخل غرفتها ولم تخرج سوى ف ذلك الوقت لتودع خالد بنظراتها العاشقة. فأقترب نحوها ومد يده ليصافحها فصافحته فأرتجفت عندما تلامست أيديهما.
خالد: مبروك يا حبيبتي.
ليلي: الله يبارك فيك يا حبيبي.
وبعدها غادروا وهمت ليلي بالعودة إلى غرفتها ليوقفها صوت والدها: ليلي.
وقفت فجأة ثم استدارت وتقدمت نحو والدها باستحياء وهي تنظر لأسفل حتى وقفت أمامه مباشرة.
والدها: ارفعي وشك.
قالها ويرمقها بغضب. رفعت وجهها إليه فأنهال ع وجنتها بصفعة.
فأجهشت ف البكاء وهي ترتمي بين أحضان والدها وأخذت تبكي: سامحني يابابا أنا آسفة.
فعانقها بشدة لتذرف عينيه عبراته: سامحيني انتي يابنتي ع البلوة اللي كنت هرميكي فيها.
***
في إحدى القرى النائية عن ضواحي العاصمة.
تتأمل بابتسامة من النافذة منظر الزرع والأشجار الذي يأسر العين والقلب. لكن تحولت ملامحها فجأة إلى الوجوم ثم الامتعاض عندما سمعت صوت فتح باب المنزل ليدلف الآخر: أنا جيييييت.
لم تلتفت له حتى أردف: يعني لازم أقلب لك ع الوش التاني عشان تكلميني؟
تأففت ثم أردفت: استغفر الله العظيم يارب. عايز إيه ع الصبح؟
اقترب منها وهو يجذبها من ذراعها لتنظر إليه: عايزك لما أكلمك تبصيلي وتخلي عينك ف عيني. ثم أردف بسخرية: ع الأقل عشان الواد يطلع شبهي يبقى أمور مش بومة زي أمي.
قالت: طيب ابعد عن وشي عشان مش طايقاك. وكل ما تقرب مني يا سبحان الله بحس بحركة ابنك كأنه بيقولي ابعديني عنه ده شيطان.
جز ع أسنانه بحنق: ماااااشي. أنا هعصر ع نفسي ليمون وهاستحمل طول لسانك عشان خاطر اللي ف بطنك بس وعشان حققتيلي اللي أنا عايزه.
رمقته باحتقار: أنا كل مدى واكتشف إنك بني آدم قذر وزبالة وعمر ربنا ما جه ع بالك أبدًا. ده حتى الشيطان بيخاف ربنا. أنت لأ. أعوذ بالله منك يا شيخ.
ضرب قبضته ع المنضدة المجاورة لها فأنتفضت: بت انتي أنا صبري بينفد بسرعة. اقصري الشر أحسن لك. مش كفاية مقعدك ف عزبة وخضرة وجناين وبجيب لك الأكل وطلباتك لحد عندك عايزة إيه تاني؟
ربتت عبرة من أهدابها: يا خسارة يا باسل. كان نفسي ف كل ده وانت جوزي وابني يكون من الحلال وتكون إنسان محترم وبيخاف ربنا ومبيأذيش حد.
باسل بسخرية: وإيه تاني يا ستي أمينة رزق؟ ها كملي الأسطوانة بتاعت كل مرة.
مايا: فعلاً النصيحة ليك خسارة فيهم.
باسل: وربنا يامايا لو ماسكتي ل...
لم يكمل حديثه فقاطعه رنين هاتفه فأجاب: الو. ياقرني الكلب بتصل عليك بقالي يومين مبتردش.
قرني: والله يا باشا المحمول بتاعي وقع وأنا بجري من الكلاب ولسه الراجل مصلحه دلوقت.
باسل: والله ما فيه كلاب غيرك. ها عملت إيه؟ مش سامع أخبار يعني؟
قرني: ماهو اا اا أنا.
قالها بخوف وتردد.
باسل: ما تقول يا ابن الجزمة هتقعد تتهته كتير؟
قرني: أصل مسلمتوش لشهاب.
باسل: الله يخرب بيتك. اومال لمين؟
قرني: ف واد سيكورتي رخم أوي مرضيش يدخلني وبسك عليا كلاب عاملة زي الأسود فرميت له الظرف وجريت.
باسل: لا فالح يا روح أمك. جزاء ليك ملكش فلوس عندي غير لما أعرف إن صحابنا دول شافوا الصور ويطلقوا حب عمري وساعتها هتكون ليا ونتجوز.
قرني: هي مين ياباشا؟
باسل: أمك يا قرني. أمك اللي هتجوزها.
قرني: بس أمي متجوزة ياباشا. لكن لو عجباك هطلقها لك من أبويا وهجوزها لك. إحنا نطول.
باسل: تصدق يالاه أبوك كان عنده حق لما سماك قرني. فعلاً اسم ع مسمى.
قرني: مقبولة منك يا باشا.
باسل: المهم تركب أي تاكسي وتجيلي ع العزبة عشان هديك ظرف تاني زي أخوه اللي راح هدر وتسلمه لشهاب الزفت اللي وريته صوره. أنت فاهم؟
قرني: اعتبره حصل.
باسل: لما نشوف بس. ورحمة أبويا وأمي لو اتكرر اللي حصل عارف هعمل فيك إيه؟
قرني: متقلقش يا كبير كله تحت السيطرة.
باسل: وأنا مستني الخبر. بس انجز وتعالى بسرعة. سلام.
أغلق المكالمة ليجد مايا ترمقه من أسفل لأعلى: بتبصيلي كده ليه أنت كمان؟
مايا: أصل شايفه كمية قذارة ماتتوصفش.
باسل: طيب ابعدي عن وشي الساعة دي بدل ما أخليكي تجيبي دم من كل حتة ف جسمك.
مايا: يا ريت أعملها وأخلص وأريح من العذاب ده.
اقترب منها محدقاً ف عينيها بنظراته الشيطانية: متهونيش عليا يامي. وده انتي الحتة الطرية. تعرفي لما كنت بضربك وبعذب فيكي وكويتك بالنار.
قالها وهو يضع أنامله ع أثر الحرق أسفل عنقها بقليل فأردف: كنت بقطع من جوايا واكتشفت مؤخرًا إني أنا أنا أنا بحبك.
قالها لينهال ع شفتيها بقبلة لتدفعه ف صدره بقوة وتصرخ بوجهه: ابعد عني كتك الارف مبقتش طايقاك ولا طايقة حتى نفسي.
باسل: بقي كده يا حب؟ يعني أنا اللي كنت ناوي أصلح غلطتي وأتجوزك عشان أكتب الواد باسمي واسمك؟
كادت تنفرج أساريرها بالفرح لكن تحولت للقلق: أنت كذاب وبتضحك عليا؟ ياترى عايزني أعملك مصيبة إيه تاني؟
باسل: لا أبداً. أنا مش عايز حاجة غير إنك تقومي بالسلامة وقبلها نتجوز. بس هيبقى ف السر عشان سيلي متزعلش.
قهقهت بضحكات هيسترية: وربنا أنت مجنون أو مختل عقلياً. أنت فكرك بعد اللي عملته فيها حتى لو اتطلقت من شهاب هتتجوزك أنت؟
باسل: أبقى غطي نفسك كويس وانت نايم يا مايا.
قالها ثم غادر المنزل ليذهب إلى سيارته ويدلف إليها ليمسك بحقيبة جلدية يخرج منها ظرف آخر وارتسمت ابتسامة الشر ع محياه: وبكرة هتجيلي يا سيلين راكعة عشان أرضى أتجوزك.
قالها ثم أطلق ضحكة كالمجنون.
***
في منزل عائلة السويفي.
ها قد جاء اليوم المنشود والكل يعمل ع قدم وساق لتحضير المنزل ليناسب العروسين حيث جاءوا بأثاث جديد عصري حديث ليستبدلوا القديم ذو الطراز الكلاسيكي. تشرف ع كل هذه الأعمال مديرة الخدم وهي يسرية التي تشرف ع جميع أعمال التنضيف والنقل.
وبداخل غرفة المكتب.
إحدى الخادمات: مدام يسرية إحنا خلاص خلصنا أوضة المكتب وخليناها زي الفل بس فيه شوية أوراق وجوابات ومعاهم ظرف كانوا ع المكتب مش عارفة أحطهم فين.
يسرية بحزم: هاتيهم وأنا هطلع لشهاب بيه وأديهمله.
قالتها ثم تناولتها من الخادمة فغادرت المكتب فصعدت لأعلى حتى وصلت أمام غرفة شهاب فطرق الباب عدة مرات فلم يفتح أحد فقررت أن تدلف إلى الداخل ثم وضعت الأوراق والظرف ع الطاولة أمام الأريكة فغادرت.
لكنها لم تعلم أنه كان بالمرحاض وخرج الآن وهو يجفف شعره بالمنشفة فتعجب عندما نظر إلى الطاولة ووجد عليها الأوراق فأقترب منها لتقع عينه عليه فأخذه ثم قام بفتحه وملامح وجهه لا تبشر بخير ليلقي نظرة ع محتواه حتى تملكه الغضب فأرتدي مسرعًا ثيابه ثم أخذ كل ما أمامه وركض نحو الخارج إلى غرفة عمه فطرق الباب حتى سمح له عمه بأن يدلف إلى الداخل.
صلاح: خير يابني؟
شهاب وبنبرة غاضبة سمع دويها كل ما بالمنزل: خييير. هيجي منين الخير والمصيبة اللي حصلت دي.
صلاح بحيرة: اقعد بس وفهمني ف إيه؟
شهاب بعصبية: فيه إن حماد بيه بيستهبل ووقع ع صفقة الزيان قبل ما يرجعلي ولا كأن الشراكة اللي مابيننا دي لعب عيال. والزيان عشان يغيظني بعتلي ظرف وفيه نسخ من العقود.
صلاح: سيبلي انت الحكاية دي أنا هتصرف وخليك بس مركز ف يومك النهارده ده أنت عريس.
شهاب تنهد: والله يا عمي اتخنقت مش عارف ألاحقها منين ولا منين. وبعدين لسه بقيت الجوابات والأظرف ياعالم فيهم إيه تاني.
صلاح: أنا هقرأهم وهظبط كل حاجة. والجوابات اللي جاية عشانك هخلي يسرية تحطهالك ف شنطة السفر بتاعتك وهتلاقي أغلبها جوابات تهنئة عشان الفرح وكده.
شهاب: إن شاء الله يا عمي. اومال فين سيلي؟ مشوفتهاش من امبارح.
صلاح: ع أساس إنك معبر البنت أصلاً. ع فكرة جت اشتكتلي منك وكانت عايزة تنفصل لولا قعدت أقنع فيها بالساعات إنك بتحبها ويمكن معاملتك الأخيرة ليها بسبب ضغط الشغل.
شهاب: أنا فعلاً والله بحبها وبعشقها كمان. ويمكن من كتر عشقي ليها مش بستحمل حاجة تحصلها.
صلاح وهو ينظر له بنصف عين بمكر: ما أنا عارف بأمارة شفايفها المتعورة.
تلعثم شهاب بمنتهى الإحراج: مـ مش فاهم أنا يعني أقصدي و...
صلاح وهو يقترب منه واضعًا يده ع كتفه: أوعى تفتكر عشان بقيت كبير ف السن يبقى مش فاهم حاجة. يابني أنا كنت ف سنك مسيبتش حاجة غير وأنا عملتها. والدة سيلي دي مكنتش بعتقها خالص.
شهاب بضحك: ده أنت طلعت شقي يا عمي.
صلاح: اومال إيه يا ضنا. هو أنتو اللي فاكرين بس إنكم اللي مقطعين السمكة وديلها. ده إحنا الأصل وأنتم التقليد.
شهاب: حاضر هامشي أنا بقي عشان لسه هشوف عملوا إيه ف القاعة وبالتأكيد سيلي راحت هناك عشان تعمل تيست ع الفستان والميك أب.
صلاح: ماشي روح وأنا هاخد بالي من الترتيبات هنا ولو فيه جديد هبلغك.
شهاب: تسلم يا عمي.
وكاد يغادر. فأوقفه عمه: بقولك إيه؟ خلي بالك من بنتي مش عايز أشوف اللي شوفتو ده تاني. أنا عارف إنك بتحبها وعمرك ما هتأذيها بس كل اللي عايزو منك خليك حنين معاها وحطها جوه عنيك.
شهاب وهو يومأ بعينيه بالموافقة: اطمن يا عمي أنا رايح أصلاً أصلحها قبل ما ننشتغل ف الفرح وبلليل هبقى أصلحها بطريقتي.
صلاح: وبتقولها قدامي كده؟ يا بجاحتك.
قالها بمزاح.
شهاب: مش عايزني أشرفك وأرفع راسك ولا إيه؟
قالها وغمز بعينه.
صلاح: ياض ده أنت حفيد السويفي. جدك كان ميت وعنده 90 سنة وبصحة شاب العشرين سنة. ابقي ورينا شطارتك.
ابتسم فقال: عيب عليك ده أنا هرجعلك بنتك من الهاني مون حامل و ف توأم كمان. بس ادعيلنا أنت يا أبو صلاح.
صلاح بابتسامة: ياااااااااااارب يابني أفرح بيكو وأشوف أحفادك.
شهاب: ياااااااااااارب.
***
بداخل غرفة تجهيزات العروس بالفندق الشهير الذي سيقام فيه حفل زفاف شهاب وسيلين السويفي.
تقف أمام المرآة الضخمة تتفحص ثوب الزفاف وتجثو أمامها امرأة ع ركبتيها تمسك بأسفل الثوب وتعدل به قائلة: إيه رأيك سيلين هانم؟
سيلين تضع يديها ف خصرها وتلتف لليمين ثم لليسار: أوك كده حلو أوي بس ضيق أوي من عند الصدر ومش مخليني عارفة أتنفس.
السيدة: خلاص نوسعوا شوية من الشرائط اللي ف الضهر.
سيلين: ياريت.
السيدة: خلاص اتفضلي حضرتك أقلعيه وعقبال ما تخلصي تيست الميك أب هيكون جاهز.
سيلين: أوك.
هايدي تدلف إلى الغرفة: العروسة بتاعتنا عاملة إيه؟
قالتها مهللة بسعادة.
سيلين بتوتر وقلق: زفت يا هايدي.
انحنت نحو أذنها وهمست: مالك ف إيه بس وبعدين خدي بالك إحنا مش لوحدنا.
سيلين: عارفة أعمل إيه غصب عني محدش حاسس بيا والمفروض طول ما أنا قاعدة أفضل عاملة كده.
قالتها لتصطنع ابتسامة ع محياها بسخرية.
هايدي: طيب روئي كده ومتتوتريش.
صمتت ثم أردفت: لو سمحت يا جماعة بليز ممكن تسيبونا أنا والعروسة شوية كده.
إنتبه لها كل من بالغرفة وكانوا خمسة أفراد فغادروا جميعهم.
هايدي: اديني مشيت لك الناس أهو قوليلي بقي ليه عاملة ف نفسك كده؟
سيلين بسخرية: وإنتي مش عارفة؟
هايدي: والله عارفة بس انتي غلطانة. المفروض كان أقل شيء امبارح كنتي قلتي له وصارحتيه أحسن ما يكتشف بنفسه وساعتها هيبقى موقفك صعب جدًا.
سيلين: وتفتكري إني محاولتش؟ إنتي لما كنتي عندي آخر مرة تاني يوم عملت زي ما قولتيلي والنتيجة إننا اتخنقنا وطلبت منه نطلق وده كله وميعرفش حاجة. اومال لو عرف كان ممكن يعمل إيه.
هايدي: الحل دلوقتي إنك تشيلي من دماغك أي حاجة ولما يخلص الفرح وتسافروا اتكلمي معاه بالعقل وبهدوء.
سيلين: إنتي هبلة يا هايدي؟ النهارده فرحنا يعني الدخلة فهماني؟
هايدي: فاهمة. ممكن...
قاطعها صوت طرقات ع الباب فأردفت: ثواني هشوف أنا مين.
اتجهت نحو الباب لتفتحه وجدت أمامها شهاب مبتسمًا بملامح هادئة: هاي هايدي.
هايدي: هاي شيبو. ألف مبروك.
شهاب وقد دلف إلى الداخل: الله يبارك فيكي. اومال فين عروستي؟
هايدي: مستعجل ع إيه؟ كلها ساعات وهتبقى معاك ف القفص.
سيلين بالداخل: مين يا هايدي؟
هايدي: ادخلها أنت بقي وأنا هاروح أشوف عملوا إيه ف القاعة تحت.
شهاب: أوك.
قالها وذهب إلى سيلين ليجدها واقفة أمام المرآة تنظر لانعكاس وجهها وتحدق ف عينيها فتفاجأت بشهاب الذي حاوطها من خصرها حيث صدره ملاصقًا ف ظهرها وطبع قبلته عند عظمة الترقوة خاصتها. ابتسمت له ونظرت إليه ف المرآة.
شهاب: أنا آسف يا روحي.
استدارت ليصبح وجهها مقابل لوجهه: وأنا قبلت أسفك.
قطب حاجبيه متعجبًا بابتسامة: مش غريبة إن سيلي السويفي تسامح ع طول كده؟
وضعت كفيها حول لحيته وهي تغرز أناملها: أنا مش بسامح غير حبيبي وبس. وأنا كمان بعتذر منك ع أي كلمة أو تصرف غبي عملته.
وضع سبابته ع فمها: هششششش. أنا مش عايز أسمع غير كلمة واحدة منك طول ما إنتي بين إيديا من اللحظة دي.
قالها بصوته الرجولي العذب.
قامت بتحريك يديها من ع لحيته فحاوطت عنقه لتقترب منه أكثر هامسة بنعومة ودلال: وإيه الكلمة دي ياترى؟
اقترب منها ليهمس ف أذنها وبنبرة عاشقة: ب..ع..ش..ق..ك. بعشقك يا كل مالي.
ارتجفت من آثار أنفاسه وكلماته التي دلفت إلى أذنها لتتعمق في قلبها وجعلته يخفق بشدة حتى سمع صوت دقاته المدوية فأردف: للدرجة دي الكلمة دي بتعمل فيكي كده؟ ده أنا سامع وحاسس بنبضات قلبك.
غمضت عينيها حتى لا يرى عبراتها الأسيرة بداخلها: وأكتر من كده يا حبيبي.
اقترب بشفتيه من جبهتها ليطبع قبلة حانية وعقب قائلاً: ربنا ما يحرمني منك أبداً ويخليكي ليا يا حبيبتي وزوجتي وإن شاء الله أم ولادي.
قالها لتخدعها عبراتها فأنسدلت عنوة عنها فأبتعد برأسه ومازالت بين يديه: حبيبتي بتعيطي ليه؟
ابتعدت عنه لتشيح بوجهها إلى الجهة الأخرى وهي تكفكف عبراتها: مفيش يا حبي. أنا بس متوترة شوية.
ابتسم بعدما زفر بأريحية: مش عايزك تخافي ولا تقلقي. إن شاء الله الليلة هتكون ولا ألف ليلة وليلة والعالم كله هيحكي عن فرح الأميرة سيلي. وكمان مش عايزك تتوتري. أنا فاهم وعارف أي بنت ف الليلة دي بتبقى مكسوفة وخايفة. بس أحب أطمنك يا قلبي أنا هكون حنين جدًا وأنا معاكي وعمري ما هعمل حاجة غير لما تكوني مستعدة. أنا كل اللي يهمني هو إن أشوف السعادة ف عينيكي ومش عايز أي حاجة تانية ومتفارقيش حضني أبداً.
قالها ليقترب منها ووضع رأسها ع صدره وظل يعانقها ويبث إليها شعور الطمأنينة والأمان. ولا يعلم بالصراع الذي يشتعل بداخلها وكيف بعد أن تصالحا أخيرا وعاد العاشق الولهان إليها مرة أخرى هل سيتحول كل ذلك عندما ستخبره.
فقررت بداخلها أنها ستستمع بكل لحظة معه من ذلك الحين إلى أن يعودا من السفر وبعدها سوف تخبره ويحدث ما يحدث.
***
ولنذهب بالقرب من الفندق حيث يقف المدعو قرني مرتدي نظارة سوداء تخفي نصف وجهه ويرتدي قبعة غريبة الشكل ومعطف يصل إلى ركبتيه ليخرج هاتفه وضغط ع زر الاتصال: الو. أيوه ياباشا أنا يعتبر عند الفندق اللي فيه القاعة. قولي بقي أدخل إزاي؟
باسل ع الجهة الأخرى: مش قولتلك يا غبي هتلاقي واحدة جتة كده وأسمراني وأقرع وهتقوله الباشا بيمسي عليك وهيخليك تدخل.
قرني: وبعد ما أدخل؟
باسل: صبرني ياارب. عارف ياقرني لما تخلص مهمتك دي وربنا لأنفخك.
قرني: ليه كده ياباشا؟ الطيب أحسن.
باسل: طيب اسمعني كويس ياروح أمك. أنت هتدخل هترن عليا ساعتها هيجيلك واحد من الشغالين جوه هتسلمه الظرف وهو هيحطه ف السويت بتاع عريس الغفلة.
قرني ببلاهة: ها وإيه هيحصل تاني؟
باسل: بذكائك كده هيحصل إيه غير إن لما يخلص الفرح ويطلعوا هيفتح ويشوف وبدل ما هتكون ليلة الدخلة هتكون ليلة سودة ع دماغه ويطلقها بقي.
قرني: ده أنت طلعت داهية ياباشا.
باسل: وأنا هوديك ف ٦٠ داهية لو الظرف ده موصلش لشهاب الليلة ويحصل اللي أنا عايزه. ويلا روح بسرعة فاضل نص ساعة والفرح هيبدأ.
قرني: سلام ياباشا.
أغلق المكالمة ثم تلفت حوله ليطمئن فسار مسرعًا حتى ذهب إلى البوابة العملاقة ليجد الحارس المطلوب وبجواره حارسين آخرين فأقترب منه ويهمس: الباشا بيمسي عليك.
رمقه الحارس بازدراء لهيئته المريبة فقال آمراً: تعالي ورايا.
سار خلفه ف رواق طويل حتى وصل إلى نهايته فأردف بصوته الأجش: بس أخرك هنا. واتصل ع الباشا وواحد جايلك دلوقت.
قرني: ماشي. يلا امشي أنت وأنا واقف أهو.
أخرج هاتفه واتصل ع باسل الذي أغلق ولم يجيب. وف تلك اللحظة جاء نحوه شخص يبدو من أحد العاملين بالفندق.
الرجل: حضرتك مستني حد يافندم؟
قرني بتوتر: اا اا أنا. بص خد الباشا بعتلك ده. بس وحياة عيالك ياشيخ ابقي حطه ف حتة شهاب بيه يشوفه. عشان مش ناقص الباشا وعمايله.
الرجل بعدم فهم وهو يأخذ الظرف: أنا مش فاهم حاجة بس أنت عايزني أدي الظرف ده لمين ومين اللي بعته؟
قرني: ملكش فيه أنت ياعم. خده أنت بس ووديه السويت بتاع شهاب السويفي.
الرجل: ااااه قصدك شهاب بيه اللي فرحه عندنا النهارده.
قرني: عليك نور. يلا بقي هخلع أنا.
رفع الرجل حاجبيه بتعجب: إيه الأشكال دي. عمومًا هعمل اللي عليا وهوديه لشهاب بيه نفسه.
قالها ثم دلف إلى ممر ثم صعد الدرج المؤدي إلى غرف التجهيزات فطرق الباب ليجيب عليه شهاب من الداخل ففتح له وهو يرتدي قميص بدلة العرس: أيوه ف حاجة؟
الرجل: اتفضل يابيه واحد باعتلك ده ومشي ومرضاش يقول من مين.
أخذه شهاب ثم ابتسم للرجل: شكراً.
قالها وأغلق الباب ثم أردف: ومين ده كمان. دقق النظر وقرأ بصوت مسموع: فاعل خير. افتح كده وأشوف.
وكاد أن يفتح الظرف لكن أوقفه طرق الباب ودلف مصفف الشعر الخاص به: يلا شهاب بيه خلاص ربع ساعة والفرح هيبدأ.
ألقى شهاب الظرف جانبًا فقال: حاضر هخلص لبس حالًا.
انتهت حلقتنا. والى اللقاء ف الحلقة القادمة. أترككم في حفظ الله حبايبي.
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم ولاء رفعت
في بهو كبير داخل الفندق مخصص لجلسات التصوير، كانت بين ذراعيه مرتدية ثوب زفافها ذو اللون الأبيض الهادئ (أوف وايت). كان حقًا كثوب الملكات، مفتوحًا باتساع من أعلى الصدر ليبرز جزءًا من أنوثتها الفاتنة، وله أكمام تكاد تصل إلى معصمها من التول المطرز بأزهار من الدانتيل المرصع باللؤلؤ. انتشرت الزخارف على جميع أنحاء الثوب الضيق من الأعلى، وينزل باتساع من بعد منطقة الخصر.
بينما شعرها متجمع في شكل فني للخلف، يأخذ شكل زهرة كبيرة متعددة الطبقات. تتدلى خصلات بشكل منسدل تحاوط وجهها ذو اللمسات الفنية البسيطة التي أظهرت جمالها أكثر. يعلو رأسها تاج من الألماس، عبارة عن أوراق شجر من الألماس، يشبه إلى حد كبير تاج الإغريق قديمًا. تتشابك أسفله طرحة من التول الفاخر، طولها يصل إلى خصرها، مزينة الأطراف بنفس أزهار الدانتيل الموجودة بالثوب.
نذهب إلى شهاب، الذي يحاوطها بذراعيه معانقًا إياها، مرتدياً التوكسيدو المفضل لديه ذي اللون الأسود. شعره الأسود الكثيف مصفف للخلف بشكل رائع، ولحيته المتصلة بشاربه المشذب مما أعطاه جاذبية ووسامة أكثر.
المصور وهو يضغط على الزر، جعل آلة التصوير تضيء بالفلاش: "ثلاثة، اثنان، واحد..."
التقط الصورة ثم اتجه نحوهم، فأردف: "عايز من حضرتك تقف وراها وتحاوطها من وسطها وتبوسها جنب، كأن حضرتك، سوري، هتبوسها من خدها."
ابتسم شهاب: "وليه سوري؟ خلاص صورنا وأنا ببوسها من خدها."
احمرت وجنتيها وهمست له: "بس بقي، أحرجتني أدام الراجل."
شهاب: "وفيها إيه؟ واحد بيبوس مراته من خدها، وبعدين ده فوتو سيشن يا قلبي."
المصور: "ها، خلاص يا فندم؟"
شهاب: "آه، اتفضل صور."
قالها وفعل ما أمره به المصور، ولكن وهو يقبلها من وجنتها، بدا على محياها ابتسامة خجولة.
ظلوا هكذا حتى التقطت لهما العديد من الصور. كانت من ضمنها صور تجمعهما مع والدها، وهو يقف في المنتصف وهما يحاوطانه، ويميل كل منهما برأسه على كتفه، في صورة عائلية رائعة. وصور أخرى تجمعها مع هايدي وبعض الصديقات.
جاءت إليهم بعد انتهاء جلسة التصوير، مسئولة تنظيم الحفل ذات الجمال الفاتن بصوتها الأنثوي الرقيق: "يلا يا شهاب بيه عشان ناخد العروسة، وحضرتك هتستناها في القاعة."
شهاب: "متتأخريش عليا يا روحي." قالها وطبع قبلة على جبهتها، فابتسمت لتجيب: "حاضر يا روحي."
قالتها وتقدمت الآنسة روح، فأخذتها إلى رواق طويل، ثم خرجا إلى ساحة ينتظرها هودج يحمله أربع أشخاص. تعجبت سيلين، ثم نظرت لروح، فأجابتها روح: "ما أنا غيرت لحضرتك نظام دخولك للقاعة. بدل ما كنتي هتنزلي السلالم، لأ، هتدخلي تقعدي في الهودج ده زي الأميرة، وهياخدوكي ويدخلوكي القاعة."
سيلين بتوتر: "أوك، ميرسي."
روح: "العفو يا فندم، ده شغلي." قالتها لتساعدها في الصعود إلى داخل الهودج وجلست، ثم اعتدلت أطراف ثوبها.
الهودج كان عبارة عن أربع أعمدة خشبية مطلية باللون الذهبي، وسقفه تعتليه قبة على شكل تاج ملكي. تتدلى منه ستائر شفافة من الأربع جوانب. رفع الأربع رجال الهودج ليسيروا بخطى هادئة. ثم فتحت لهم بوابة كبيرة، دلفوا إلى القاعة على ممر طويل، على جانبيه تتصاعد الأدخنة وشرار من النيران يتصاعد لثوان ثم ينطفئ.
بدأت أغنية استقبال العروس، وهي من أجمل الأغاني التي تليق بذلك الموقف، وهي "احكي يا شهرزاد" للديفا سميرة سعيد.
أغنية:
احكي ياشهرزاد
احكي لشهريار
اشغلي ليلة لطلوع النهار
حيرة بالة غيري
حالة خلي عقله دايمًا في حالة انبهار
الف ليلة وليلة قصة كل ليلة
احكي ياشهرزاد
احكي لشهريار
اشغلي ليلة لطلوع النهار
حيرة بالة غيري
حالة خلي عقله دايمًا في حالة انبهار
احكي ياشهرزاد
قولي من البداية
اولي حكاية
خليه في النهاية
يفضل في انتظار
يسأل على البقية
من الحكاية دي
واوعي ياصبية
تقفلي الستار
الف ليلة وليلة قصة كل ليلة
احكي ياشهرزاد
... وصلت أخيرًا لآخر الممر، يستقبلها شهاب ويمد يده إليها لتنزل من الهودج. ليفاجئها وهو يحملها على ذراعيه ويذهب بها إلى ساحة الرقص. لتبدأ الموسيقى الهادئة، ثم تبدأ أغنية مجد القاسم ومي كساب.
أغنية:
غمضي عينيك.. وإحلمـ معايا.. وهات إيديك.. واحضن هوايا
غمضي عينيك.. وإحلمـ معايا.. وهات إيديك.. واحضن هوايا
احضن هوايا لأبعد حد.. والمس معايا خدود الورد
لانا نجومـ وليل ولا سما ولا أرض.. داحنا في دنيا لوحدنا
دوقني شوق دوق الغرامـ.. غمضي عينيك وفي حضني نامـ
قولت الهوا من غير كلامـ.. داحنا اتخلقنا لبعضنا
غمضي عينيك.. وإحلمـ معايا.. وهات إيديك.. واحضن هوايا
ليلة غرامـ نحلمـ ندوب.. من غير كلامـ تحكي القلوب
خدني لهواك داحنا يادوب.. باب الهوى مفتوح لنا
غمضي عينيك.. وإحلمـ معايا.. وهات إيديك.. واحضن هوايا
غمضي عينيك.. وإحلمـ معايا.. وهات إيديك.. واحضن هوايا
وفي أثناء الأغنية وهما يرقصا معًا بعناق شديد، اقترب من شفتيها ليقبلها بعشق وحب أمام كل الحاضرين وكاميرات الصحفيين التي تلتقط لهم الصور التي ستُطرح في مجلات المجتمع الراقي. وتهليل وتصفيق وصفير أصدقائهما.
***
أمام الفندق، يقف العديد من المصورين والصحفيين يلتقطون صور الفنانين وشخصيات المجتمع المخملي المشهورين الذين جاءوا لحضور حفل الزفاف.
وصل بسيارته أخيرًا، ليترجل منها، ثم يلتف ليفتح لها باب السيارة. فتنزل بحذائها الأسود اللامع ذي الكعب العالي، وهي تلملم ذيل ثوبها المخملي ذي اللون الأحمر القاني. يتجمع شعرها على كتفها في جهة واحدة، وتمسك بيدها الأخرى حقيبة سوداء لامعة صغيرة.
أثنى لها ساعده لتضع يدها عليه، ثم ساروا بخطى هادئة لتلتقطهم عدسات المصورين وأسئلة أحد الصحفيين الذي مد يده بميكروفون لاسلكي، قائلاً: "حضرت النقيب صقر الهواري، طبعًا حضورك لحفل زفاف شهاب وسيلين السويفي لأنك شريك معاهم في السويفي جروب للمعمار."
ابتسم صقر: "أونكل صلاح، قبل ما يبقى شريك، والدي الله يرحمه، يبقى في مقام عمي طبعًا."
تأتي إحدى المذيعات: "صقر بيه، صحيح الأخبار اللي انتشرت إن حضرتك هتخطب البنت اللي أنقذتها في عملية جبل الحلال؟"
جز على أسنانه من ذلك السؤال الأحمق، فقال متصنع الابتسامة: "أنا والآنسة فيروز نعرف بعض من قبل المهمة، وفعلاً إن شاء الله حفل الخطوبة الأسبوع الجاي."
قالها وتركهم لفضولهم المزعج وأسرع من خطاه.
فيروز: "معلش يا حبيبي، أنا أصلًا مكنتش عايزة أجي، وبعدين..."
قاطعها صقر: "إيه اللي انتي بتقوليه ده؟ أنا من هنا ورايح مش هروح في حتة غير رجلك على رجلي."
ابتسمت له: "ميرسي على الفستان والشوز والشنطة وكل حاجة."
صقر: "لو قولتي كده تاني هزعل منك، انتي بقيتي مسئولة مني. وبعدين أنا لو أعرف الفستان هيخليكي قمر بزيادة أوي كده، مكنتش خرجتك بيه، بس يلا النهاردة استثناء."
ضحكت بسخرية: "متشكرين يا سيدي." صمتت، ثم تذكرت شيئًا فأردفت: "آه صحيح، فين رنيم وإياس؟"
صقر: "هتلاقيهم في الفرح من بدري، وبالتأكيد مولعين الدنيا جوه، أختي وصاحبي مجانين وربنا."
فيروز: "طيب يلا، مد بسرعة." قالتها ثم دلفا إلى الحفل ليجدا إياس ورنيم يرقصان على إحدى الأغاني الشعبية، والجميع ملتف حولهم يصفقون لهم، وبعضهم يصورون بهواتفهم هذا الثنائي الفكاهي.
أغنية:
ارفع ايدك فوق لو مضايق هتروق
والقمة جت هتذيع واوعاك في العكسي تسوق
فرتكة فرتكة على الطبلة وعلى السكسكة
فرتكة فرتكة تخطيط ومع التكتكة
فرتكة فرتكة راجعين نعمل دربكة راجعين نعمل دربكة
غرقني في شبر المية صحيني فتحلي عينيه
هديك هديك وهكارك وارجع تاني اقول ده شوية
ماهو مش واحد هيشارك ويشيلك من تحت ايديه
باسم اتحاد القمة مع علم اسكندرية
اعمل اعلان على يافطة فيه صباح للناس مدلع
واسمع كلماتنا اليافطة علشان هتدور وتسمع
ارفع ايديك الاتنين قول ولع ولع ولع
صقر بصوت مرتفع وهو يضحك: "الحقي شوفي المجانين بيعملوا إيه."
فيروز: "ههههههه، وربنا شكلهم عسل أوي. هم اتعلموا رقص الشعبي ده منين؟"
صقر: "إياس صايع على قديمه، وبالتأكيد علمها."
فيروز: "طيب تعالي نروح نرقص معاهم."
نظر لها بحدقتين متسعتين محذرًا إياها: "هنستهبل يا فيروز؟!"
لوت فمها جانبًا ثم زمّت شفتيها لأسفل: "إحنا في فرح عادي يعني."
أمسك وجنتها بأصابعه وضغط بخفة: "حاضر، هنرقص بس في أغنية تانية تكون هادية."
ابتسمت له، فجذبها لتلتصق بجواره، واضعًا ذراعه حول كتفها.
***
لنذهب إلى العروسين الجالسين على الأريكة المخملية البيضاء المرصعة باللآلئ والورود. تجلس سيلين بجوار شهاب والتوتر يجري في عروقها كالدماء. وظلت إحدى ساقيها تهتز كدليل على القلق والتوتر. فالكل يحسدها على ما فيه من سعادة وحفل زفاف ضخم وباهظ، كما زوجها يعشقها، فجميعهم يظنون أنها ذات حظ ونعيم. لا يعلمون ما يتأجج بداخلها.
هايدي تهمس لها: "اهدي يا سيلي، الناس بدأت تلاحظ."
سيلين: "سيبيني في حالي الله يخليك."
مال شهاب برأسه نحو أذنها وهو ينظر نحو جهة ما: "مالك يا سيلي؟ اهدي، أنا حاسس بهزة رجليكي، وكل ما حد يجي يسلم علينا ملاحظ توترك الأوفر ده."
سيلين: "ها؟ بتقول حاجة؟ معلش كنت سرحانة."
شهاب: "طيب يا حبيبتي، لو انتي تعبانة أو مش قادرة تقعدي، تعالي نطلع أوضة التجهيزات ناخد ريست والفرح شغال عادي. وبعدين ننزل تاني."
سيلين: "هو ينفع؟"
شهاب: "وأي اللي مش هينفع يا قلبي؟ الفرح فرحنا."
ابتسمت له: "ياريت، خليني أريح فوق شوية."
شهاب: "طيب يلا، وأنا طالع معاكي."
وقفا وكاد يمشيان، فأوقفهم صقر وفيروز، حيث جاءوا ليباركوا لهم.
صقر مد يده يصافح شهاب، لكن عينيه تحدق بعينين سيلين التي ارتجفت عندما رأته: "ألف مبروك يا شهاب."
شهاب بابتسامة مصطنعة: "الله يبارك فيك، عقبالك."
صقر: "الله يخليك، إنتوا السابقون ونحن اللاحقون." قالها ثم مد يده إلى سيلين ليصافحها. فأوقفه شهاب بطريقة حادة إلى حد ما: "معلش يا صقر، من هنا ورايح سيلين مش هتسلم على رجالة."
تجهم وجه صقر وغضب بداخله، لكنه لم يدقق في ذلك حتى لا يثير حنق شهاب.
نظرت إليهما فيروز وحاولت أن تغير من الأجواء: "ألف مبروك يا سيلين." قالتها وهي تصافحها.
سيلين: "الله يبارك فيكي يا فيروز، ميرسي حبيبتي إنك جيتي الفرح."
فيروز: "أنا وصقر بقينا واحد، وأنا عن نفسي يا جميل نسيت أي خلافات بينا، والدليل إني جيتلك أهو عشان أباركلك."
سيلين: "تسلمي حبيبتي."
فنظرت لشهاب: "مبروك يا عريس، أظن فاكرني طبعًا."
ابتسم شهاب: "فاكرك طبعًا، لما شديتك من إيدك وخلتيك ترقصي معايا في عيد ميلاد سيلين." قالها وهو ينظر لصقر بعينيه الحادة.
صقر: "أوك، إحنا ماشيين بقي، وألف مبروك مرة تانية." قالها وهو يكظم غيظه من شهاب الذي تعمد إثارة غضب صقر.
صعدا العروسان لأعلى لأخذ قسط من الراحة. بينما صقر وفيروز وإياس غادروا الحفل لكي يوصلها إلى منزلها قبل تأخر الوقت، وكذلك إياس الذي أخذ رنيم ليوصلها إلى منزلها أيضًا.
***
في الملهى الليلي القريب من الفندق. يحتسي باسل الخمر وهو يشاهد مقاطع فيديو من حفل الزفاف التي انتشرت على الإنستجرام.
"يلا افرحلك شوية يا عريس الغفلة، كلها شوية وتطلع تلاقي الخزوء مستنيك. بس يارب يكون الغبي اللي اسمه قرني ده سلم الظرف للواد اللي تابعته."
قالها فأخرج هاتفه ليجري اتصالًا على العامل بالفندق الذي كان ينتظر أن يأخذ الظرف من قرني، فأجابه بعد مدة ليبلغه أنه عندما ذهب عند الممر لم يجد أحدًا، وعلى ما يبدو أعطاه لشخص آخر بالخطأ. فأغلق المكالمة على الفور وكاد يهاتف ذلك الأحمق، فوجد صوته آتيًا من الخلف.
قرني: "شبيك ليبك، قرني بين إيديك."
باسل وهو يضغط على الكأس بكل غضب حتى تحطم في قبضته: "وربنا لأنفوخك يا... يا ابن الـ..."
قرني بذعر: "ليه يا باشا؟ حصل إيه تاني؟"
باسل: "وديت الظرف فين يا روح أمك؟"
قرني: "والله اديته للواد اللي قولتلي عليه."
باسل أمسك بهاتفه وضغط على تشغيل تسجيل المكالمة ليسمعه صوت الرجل الذي لم يتلق منه شيئًا.
اتسعت حدقتاه: "والله يا باشا، كنت فاكره..."
باسل وهو يغمض عينيه حتى لا يرتكب جريمة في هذا القرني: "إنت تطلع دلوقتي على الفندق وتروح تشوف الزفت ده راح فين بأي طريقة، عشان الظرف ده لو راح زي اللي قبله هشرحلك جثث أبوك وأمك قدام عينيك، وإنت عارفني كويس، بهدد مرة والتانية بنفذ... سامع؟"
قرني بخوف: "حح حاضر يا باشا، هروح طيارة وجاي على طول." قالها وغادر مسرعًا.
بينما في الغرفة الكبيرة بالفندق، تقف مديرة العاملات لتتأكد بأن كل شيء على ما يرام من طعام وشراب وزينة لاستقبال العروسين. فتذكرت ما تمسكه في يدها، وكان الظرف: "طيب، أنا هسيبه هنا على الترابيزة عشان لما شهاب بيه يطلع ياخده، أو الأحسن أحطه في شنطة السفر بتاعته عشان هو هيسافر بكرة الصبح." قالتها لتقوم بفتح إحدى الحقائب الخاصة بشهاب وسيلين ووضعت الظرف في الحقيبة في جيب مخصص للملفات والأوراق. ثم غادرت الغرفة.
بينما بالأسفل أمام بوابة الفندق، أمسك أحد الحراس بالذي يدعى قرني وسحبه في مكان بعيد وأنهال عليه بالضربات والركلات لأنه حاول أن يتسلل للداخل، فظن أنه سارق. ظل يضربه حتى فقد الوعي، وأمر زمليه بأن يأخذوه ويلقوه بعيدًا عن الفندق.
***
وصل شهاب وسيلين أمام باب الغرفة الكبيرة، فأخرج من جيب بنطاله البطاقة الإلكترونية الخاصة بفتح الباب، فقام بتمريرها بمكانها، ثم فتح الباب. وكادت سيلين أن تدلف إلى الداخل، فأوقفها قائلاً: "ثانية واحدة."
سيلين: "في إيه؟" قالتها بتعجب.
شهاب انحنى ثم حملها على ذراعيه وهو يقبلها في وجنتها: "معقول حبيبتي ومراتي تدخل السويت كده على رجليها؟"
ابتسمت وهي تحاوط عنقه بذراعيها: "يعني هتفضل شيلني على طول؟"
شهاب بصوت رجولي جذاب: "ده أنا شايلك جوه قلبي وعيوني."
تلون وجهها بحمرة الخجل وهي تعض على شفتها السفلى.
فصاح بسعادة: "ده إحنا ليلتنا هتبقى عنب." قالها ثم دلف وأغلق الباب خلفه بقدمه، ثم مشي إلى الداخل وعبر الردهة، ثم دلف من باب آخر يؤدي إلى غرفة النوم، فأنزلها بروية على التخت المزين بالورود الحمراء والبيضاء والشموع المضيئة المتراصة في جميع أركان الغرفة لتعطي أضواء رومانسية خافتة.
ظلت تنظر من حولها، بينما كان يخلع سترته وألقى بها على المقعد المتواجد أمام المرآة.
شهاب: "إيه رأيك في السويت؟"
سيلين: "حلو أوي يا حبيبي، تسلم إيدك."
شهاب: "حبيب قلبي يشاور على أي حاجة وأنا هنفذها على طول." قالها وهو يجلس بجوارها.
نظرت له بحنان: "ربنا يخليك ليا يا رب."
استلقى على ظهره، بينما ساقه على الأرض بوضع الجلوس: "يااااااااااه، أخيرًا يا سيلي، أخيرًا بقيتي مراتي ملكي."
سيلين وهي تنحني على جانبها لتصبح بجواره وبصوت أنثوي بدلال: "معقول بتحبني الحب ده كله؟"
شهاب وهو يعتدل على جانبه ليصبح بمواجهتها: "ده انتي كنتي بالنسبة ليا حلم والحمد لله اتحقق خلاص، ومبقتش عايز أي حاجة تاني في الدنيا غيرك إنتي وبس. سيلي."
سيلين: "نعم يا عيون وقلب سيلي."
شهاب: "بحبك، بحبك، بحبك، بحبك، بحباااااااااااااااااااك." قالها بصياح كالمراهق.
سيلين: "هههههههههههههه، وطي صوتك، زمان كل اللي في الفندق سمعوك."
شهاب: "ما يسمعوا، أنا عايزهم يسمعوا ويشوفوا أنا قد إيه ربنا بيحبني، رزقني بأجمل بنوتة."
ارتجفت قلبها خوفًا عندما ألقى على مسمعها الكلمة الأخيرة، فأبسط حقوقها تلك سُلبت عنوة عنها.
شهاب وهو يلوح في وجهها بيديه: "هيااااي، سرحتي فينه؟"
سيلين: "مفيش يا قلبي، سرحت في كلامك وحبك ليا."
شهاب: "هو انتي لسه شوفتي حاجة؟ اصبري، ده التقيل جاي."
سيلين بتوتر: "ها؟ تقيل إيه؟ اا أنا بص..."
شهاب مبتسمًا: "متقلقيش يا روحي، إحنا مش هنعمل حاجة الليلة عشان المفروض ننام دلوقتي عشان بكرة الفجر إن شاء الله هنسافر لمكان مفاجأة وعايز نقوم فايقين ورايقين، وهناك نعمل اللي إحنا عايزينه."
وأومأت له بعينيها بالموافقة.
فأردف: "طيب أنا طالع بره، هسيبك تغيري براحتك، ولما تخلصي اندهيلي."
سيلين بخجل وهي تنظر لأسفل: "مش هعرف أقلع الفستان."
قطب حاجبيه ثم ابتسم: "هههههه، على فكرة أنا عارف إنك مش هتعرفي تخلعيه لوحدك."
سيلين بحنق: "طيب يلا يا خفيف، انجز وفكهولي من ورا."
رافعًا إحدى حاجبيه مازحًا: "افتكري إنتي اللي طلبتي مني أفكلك هو."
سيلين بعدم فهم: "أوف بقي، إنت بقيت رغاي أوي، يلا بقي عشان تعبانة وعايزة أنام."
شهاب: "بقي كده!!! إنتي اللي جبتيه لنفسك يا ماي لاف." قالها واقترب منها. فوقف خلفها، فأزال التاج المتشابك معه الطرحة، فوضعه جانبًا، ثم قام بفك شعرها الذي كان على شكل زهرة، فأنسدل على ظهرها بتموجاته، مما جعل مظهرها أكثر إثارة. فتصاعدت أنفاسه التي تلفح جيدها وأذنها، الذي اقترب منهما بشفتيه، فأخذ يلامس طول عنقها بطرف أنفه، مما جعلها ترتجف. فشعر بتلك الرجفة، فوضع يديه على خصرها وأخذ يقبلها بدءًا من كتفها العاري صعودًا لأعلى حتى وصل لأذنها، فقام بجمع شعرها وألقاه جانبًا على كتفها الآخر، وظل يقبلها خلف عنقها وهو ينزل إلى منتصف كتفيها، حتى وصلت شفتيه إلى عقدة الربطة التي تغلق ثوبها من الظهر، فقام التقاط طرف الشريط بين أسنانه ويجذبه حتى انفك، وكلما انفكت عقدة يقابلها بقبلة على ظهرها الذي بدأ يتعرى شيئًا فشيئًا.
بينما هي كانت بعالم آخر، لم تعد تسيطر على مشاعرها وجسدها وهي بين يديه، قد نسيت تمامًا ما يؤرقها ويقلقها، حتى أعلنت بداخلها أنها ستغرق في بحور ومتاهات عشقه الجياش. فللحظات السعادة لا تدوم للأبد، فلابد من استغلالها.
أفاقت من شرودها عندما جعلها تلتف لتصبح قبالته وينظر إليها بهيام وعشق وصوت أنفاسه المتسارعة وهو يمرر لسانه على شفتيه، ثم ابتسم: "يلا يا روحي، خلاص فكتلك الفستان."
سيلين: "إزاي؟" قالتها متعجبة، حتى نظرت بالمرآة لتجد الثوب على وشك الانزلاق من على كتفيها، فأتسعت حدقتاها وشهقت من الخجل، ثم ركضت نحو المرحاض.
ظل يضحك على مظهرها ليردف: "شكلك هتجننيني يا سيلي، بس على مين، ده أنا هخليكي تدوبي بين إيديا وتقوليلي تاني يا حبيبي."
***
في اليوم التالي. بمنزل فيروز.
آمال تقف أمام المرآة تلف حجابها الطويل، ثم حملت حقيبتها على كتفها وخرجت من الغرفة، فطرفت على باب غرفة فيروز وهي تنادي عليها.
فيروز من الداخل: "ادخلي يا ماما."
آمال: "خدي بالك من نفسك ومتفتحيش لحد عقبال ما أجي."
فيروز بأندهاش: "إنتي لابسة ورايحة على فين؟"
آمال: "محمد ابن خالك هيعدي عليا دلوقتي ورايحة معاه مشوار."
فيروز: "مشوار فين؟ واه صح، فكرتيني بمناسبة محمد وخالي اللي مشوفتوش لغاية دلوقتي، إيه الحكاية بالظبط؟ وليه هربتي من أهلك؟ ده غير كلام عمتي اعتماد اللي كانت عمالة تلوح بالكلام عليكي وعليا في البلد وبتقول إن بابا الله يرحمه مش بيخلف."
تجهم وجه آمال لتنفعل بغضب: "بنت إنتي، أنا مش فاضية لأسئلتك دي، خليكي في تحضيرات خطوبتك اللي بعد كام يوم."
فيروز: "متغيريش الموضوع يا ماما، أنا عايزة أعرف... هو أنا بنت أحمد سراج الدين؟ ولا بنت مين؟"
آمال: "وهتفرق معاكي يعني؟"
رفعت حاجبيها باستنكار: "إنتي بتهزري؟ آه تفرق، لما أعرف إن أنا جاية من الحلال ولا جاية من الحرام..."
لم تكمل حتى صرخت والدتها بوجهها: "اخرسي بنت قليلة الأدب... إزاي بتكلميني بالأسلوب ده؟"
فيروز وبدأت في البكاء: "عشان كل ما أفتحلك سيرة الموضوع ده على طول بتهربي مني، وكل ما أفتكر كلام عمتي وأربطه بكلام جدتي لما كانت هنا، عقلي مبيديش ليا غير تفسير واحد، وهو إنك هربتي من أهلك وخوفتي لتتجوزي الراجل اللي جابهولك أخوكي لينكشف سرك، وجيتي على مصر واتجوزتي بابا وخللتيه يكتبني على اسمه، وإنتوا عارفين إن ده حرام شرعًا وقانونًا."
جلست آمال على المقعد وهي تنظر لأسفل وتضع كفيها على أذنيها حتى لا تسمع حديث ابنتها، وظلت تتمتم: "اخرسي... اخرسي... اخرسييييييي..." صاحت بصوت مدوٍ.
فيروز: "طيب هخرس، بس عايزة إياكي تريحيني وتقوليلي الحقيقة، عشان لو عرفت في يوم من الأيام إن اللي في دماغي ده صح، مش هسمحك أبدًا."
انهضت آمال وعبراتها تنسدل على وجنتيها، فألتقطت من حقيبتها منشفة ورقية وتجفف عبراتها وهي تركض للخارج وتهبط الدرج. فدق جرس هاتفها لتجيب بصوت باكي: "أيوة يا محمد، أنا نازلة أهو يابني، اقف قدام البيت... سلام."
أنهت المكالمة لتجده في انتظارها أمام البناية، فدَلفت إلى السيارة بجواره ثم انطلق. تحت أنظار فيروز التي كانت تراقبهم من أعلى، فألتقطت حقيبتها الخاصة وهاتفها وارتدت حذائها على عجلة من أمرها وغادرت المنزل، فأشارت إلى السائق: "توكتوك."
التف إليها السائق: "اتفضلي اركبي يا آنسة."
فيروز: "لو سمحت يا سطا، عارف العربية اللي ماشية عند الناصية دي؟ وراها بسرعة."
السائق: "بس كده، الحساب هيبقى تقيل."
فيروز: "اطلع إنت بس وراهم، وملكش دعوة، هديك اللي إنت عايزه."
السائق: "تحت أمرك، يا مسهل يا رب."
بينما في داخل السيارة.
محمد: "مالك يا عمتو؟ من ساعة ما ركبتي وساكتة ومش عايزة تتكلمي، وعلى وشك آثار دموع، في حاجة؟"
آمال: "متاخدش في بالك يا بني، يمكن قلقانة من اللي المواجهة اللي هتحصل."
ابتسم ليطمئنها: "متقلقيش يا عمتو، أول ما هتشوفه بعض هتنسوا أي حاجة، ده انتوا دم واحد، وأنا معاكي يا حبيبتي، متخافيش."
ربتت على كتفه بحنان: "ربنا يباركلك يا بني ويسعدك، كان نفسي أبوك يبقى عنده نص حنيتك دي، مكنش هيحصل اللي حصل."
محمد: "إن شاء الله خير، وهتبقوا سمنة على عسل. وهحضر خطوبة فيروز كمان، ولا مش ناوية تعزميه؟"
آمال: "هو فيه بين الأخوات عزائم؟ ده في مقام أبوها ويشرفها كمان. وإنت أخوها الكبير."
ابتسم بنصف ابتسامة وأشاح بوجهه للجهة الأخرى ليأسر عبرة كادت تنسدل من عينه.
***
في عاصمة الجمال والفن باريس.
يتقلب في فراشه يمينًا ويسارًا بملل، حتى أعلن المنبه الرقمي الموجود بأعلى الكومود بجواره عن الساعة 9 صباحًا بتوقيت باريس. اعتدل بجذعه العاري وهو يضيق حدقتيه من الإضاءة المتسللة من النافذة التي قام بإغلاق ستائرها بالأمس، فتعجب من ذلك. فنهض من فراشه الوثير متأففًا. فأتجه إلى المرحاض كعادته كل صباح ودلف إلى الداخل ليستحم. وبعد أن انتهى خرج وهو يلف المنشفة حول خصره وتوجه إلى الخزانة بقدميه المبللة وشعره التي تتساقط منه المياه على عضلات جسده البارزة، لاسيما عضلات بطنه السداسية وجسده المنحوت. قام بفتح ضلفة الخزانة والتقط ثيابه الرياضية. وعندما أغلق الضلفة تفاجأ بالتي تقف أمامه، فشعر بالذعر وصاح: "دخيلك إيميلي، كيف دخلتي هون؟"
إيميلي التي ترتدي قميصه الذي خلعه بالأمس وألقاه على المقعد بالردهة، ابتسمت وقالت بميوعة ودلال: "إنني أدخل بأي مكان أريد، لا أحد يمنعني بتاتًا عزيزي فارس."
فارس: "يا الله ارحمني من هديك المخلوقة." قالها بصوت يكاد مسموعًا، ثم زفر بضيق. ثم قال: "شو؟ شو بدك مني هالساعة؟ ما بيكفيكي تلاحقيني بكل مكان حتى ما آخد راحتي ببيتي؟!"
إيميلي وهي تقترب منه وتحاوط عنقه بذراعيها وتلتصق به: "كفاك مراوغة أيها الأحمق وانظر إلي جيدًا... هل نسيت من هي إيميلي؟ هل نسيت الفتاة التي كنت تركض خلفها بالأميال حتى تقول لك كلمة واحدة تروي بها ظمأ قلبك المتعطش إليها؟ هل نسيت كيف أحببتك وكنت دائمًا أفكر بشأنك ومن أجل مصلحتك، وحينها لم تبالي ووليت ظهرك لي ورحلت كأنني شيء لم يكن؟"
رمقها بازدراء: "عم بتزكريني بذكريات صارت شي تافه بالنسبة إلي؟"
إيميلي: "أتقصدني أنا؟ أنا شيء تافه لك فارس؟!! اللعنة!"
فارس: "ما بسمحلك تغلطي فيني، عم بتسمعيني ولا أذكرك بالماضي الوسخ تبعك؟"
احمرت عينيها من الغضب، فصاحت وهي تدفعه في صدره: "أتسبني أيها الوغد... أنا لا أدع أحدًا يلمسني سواك، وما زلت أحتفظ بنفسي لك وحدك فارس." قالتها لتنهال على شفتيه وهي تعانقه بقوة، وظل يتراجع للخلف من أثر دفعها له حتى وقع على ظهره على تخته، فأعتلته وهمت بخلع قميصه التي ترتديه. فأمسك بمعصمها حتى لا تكمل ما بدأته، ليصيح فيها: "شو بتعملي يا جذبة؟"
إيميلي بنظرات شهوة: "أريدك فارس، كل إنش بجسدي يريدك حبيبي."
يدفعها فارس من فوقه لتقع بجواره، ونهض واقفًا والشر يتطاير من عينيه: "عم بحذرك إيميلي، إياكي تعملي هالشي مرة تانية، وإلا بفرجيكي." قالها وهو يحذرها بسبابته.
نهضت من أمامه وهي تمسك بتلابيب القميص المفتوحة أزراره، واتجهت للخارج لترتدي ثيابها. وقبل أن تغادر دلفت إليه وتقول بنبرة باكية: "أنا سأغادر ولن تراني مرة أخرى، لكن أعدك فارس، سأجعلك تندم على كل حرف تفوهت به إلي... ربما نسيت من هي إيميلي يوري، وبأمكاني أن أمحوك من الكون بأكمله، لكن تبا لقلبي، ما زال يحبك... اللعنة."
قالتها وغادرت وصفقت الباب بقوة خلفها.
ارتدى ثيابه وأخذ يستغفر ربه وذهب إلى المطبخ المطل على الردهة، وضغط على زر تشغيل ماكينة عمل القهوة الفرنسية. ثم ذهب نحو الطاولة الخشبية ليأخذ الحاسب المتنقل الخاص به، فوضعه على الطاولة الرخامية، فجلس على المقعد ذي القوائم الثلاثية بالمطبخ وتناول كوب القهوة وأخذ يحتسي بصمت. قام بفتح الحاسب ليتصفح آخر الأخبار، وأخذ يقلب الصفحات حتى وقعت عيناه على صورة مثبتة لفيديو، وضغط على زر تشغيل الفيديو ليجد تصريح صقر بحفل خطوبته على فيروز التي كانت مجاوره له. فأوقف الفيديو على صورتها تلك قائلًا: "آه فيروز، آه، ياريت صارحتك بحبي إلك قبل ما تشوفي هديك الأجذب." قالها ثم ظل يدقق في ملامحها التي اشتاق إليها، فألقى الكوب بكل قوته ليتناثر حطامه في أرجاء الردهة.
***
وصل محمد بسيارته أمام شركة الأسيوطي جروب. نزل هو وعمته. ليأتي حارس المرآب ويأخذ السيارة إلى مكانها الخاص. ظلت آمال واقفة تتأمل واجهة الشركة من الخارج.
آمال: "ما شاء الله يا محمد، دي الشركة بتاعت أبوكم."
محمد: "اها يا عمتو، ودي فرع من فروع كتير في مصر وبرة مصر."
آمال: "الله أكبر، ربنا يزيد ويبارك يا حبيبي."
محمد: "طيب يلا عشان ندخل قبل ما تلاقي حماد بيه عمل اجتماع ويلغي كل المقابلات."
آمال: "حماد بيه؟ اسمه بابا يا ابني."
ابتسم بسأم: "أنا آخر مرة قولتله بابا في الشركة كنت هتجازى فيها."
آمال: "إنت هتقولي على أخويا في الشغل ملهوش عزيز."
دلفا الاثنان إلى الداخل، في حين وصلت فيروز، وأعطت السائق الأجرة، ثم نزلت وركضت خلفهما. ليمنعها أفراد الأمن.
الرجل: "رايحة فين يا آنسة؟"
فيروز: "أنا قريبة محمد حماد، يبقى ابن خالي."
الرجل: "طيب ثواني خليكي واقفة لما أتصل بالبيه وأبلغوا." قالها ليهاتف محمد الذي دلف حينها المصعد مع عمته.
محمد ينظر لهاتفه: "أوبس، ده الفون فصل شحن."
آمال: "لو عايز تكلم حد خد الموبايل بتاعي."
محمد: "تسلميلي يا عمتو، أنا كده كده هعدي على مكتبي الأول وهشحنه."
عند فيروز التي تزفر بضيق: "ها، كلمته؟"
الرجل: "تليفونه مغلق."
فيروز: "يعني إيه؟"
الرجل: "يعني اتكلي على الله من هنا، مش ناقصين رف الصبح."
فيروز: "تصدق إنت بني آدم مهزأ."
الرجل: "متحترمي نفسك يا آنسة، بدل ما أنده البودي جارد يجوا يرموكي."
فيروز بغضب وصياح: "يرموا مين يا ز..."
أوقفها صوت آخر: "إيه الخناقة دي على الصبح يا عم بيومي؟"
بيومي: "مفيش يا مصطفى بيه، دي أشكال بتتحدف علينا بتقول إنها تبقى بنت اخت حماد بيه."
نظر مقطب حاجبيه ثم التفت إليها، لتتحول نظراته إلى نظرات ماكرة: "وااااو، إيه القمر اللي طالع الصبح ده."
فيروز: "وإيه الليل اللي هجم ده؟" قالتها بسخرية.
مصطفى: "كده يامزة بتتريقي عليا، أكمني اسمري... لعلمك بقى البنات بتعشق الشاب الأسمر عشان بيبقى واد كله رجولة كده زيي." قالها ثم غمز لها بعينه.
فيروز: "إنت عبيط يا بني؟"
مصطفى: "ابتدينا... طيب ليه الغلط؟ أنا عمال بهزر معاكي وأفك الجو وإنتي عمالة تحدفي دبش."
فيروز: "عشان مبحبش الاستظراف."
مصطفى: "طيب ياختي، عايزة بابا ليه؟"
فيروز: "أنا عايزة محمد."
مصطفى: "ملقتيش غير محمد أخويا ده أتم وكشر، خليكي معايا أنا هدلعك وأفرفشك."
فيروز: "الله ما يطولك ياروح... يابني أنا أبقى بنت عمة محمد، واللي اسمه حماد المفروض يبقى خالي."
اتسعت حدقتاه بذهول: "قولي وربنا!!"
فيروز: "وربنا... شوفت بقا."
مصطفى: "يعني إنتي بنت عمتي.... أوبا، ده إيه الحظ الجامد ده."
فيروز بابتسامة صفراء: "للأسف، أنا خطوبتي بعد كام يوم، وخطيبي لو شافك أصلًا وإنت بتتكلم معايا وعمال تعاكسني، مش بعيد يعملك مدفن في قلب شركتكم ويدفنك فيهم."
مصطفى: "ههههههه، ليه مخطوبة لحانوتي؟" قالها بسخرية.
فيروز: "لا، وحياتك، مخطوبة للنقيب صقر الهواري."
تحولت ملامحه المنفرجة بالسعادة إلى التجهم، فغر فاهه ثم قال: "أوعي تقولي صقر يوسف الهواري اللي صاحبه إياس نور الدين؟"
فيروز: "أيوة، عليك نور."
مصطفى: "ده إياس ده صاحبي وأنتيمي اللدود، لولا المشاغل بقيت."
فيروز: "طيب خلاص، ممكن بعد ما عرفت كل تاريخ حياتي، تخليهم يدخلوني أطلع لماما فوق؟"
مصطفى: "وكمان عمتي هنا! ده إيه اليوم العجيب ده!!"
***
بينما في داخل مكتب حماد الأسيوطي، كان منشغلًا بعدة أوراق وعقود لصفقات. فأنتبه لطرقات على الباب: "ادخل."
دلف محمد: "احم، صباح الخير يا حماد بيه."
حماد: "عندك تأخير نص ساعة يا بشمهندس، لو اتكررت تاني هاخد خصم، زيك زي أي موظف هنا. أنا معنديش خيار وفجوس."
دَلفت خلفه آمال بصوت هادئ: "معلش يا حماد، أنا اللي أخرته، امسحها فيا أنا المرة دي."
رفع بصره ليتسمر بمقعده، ونظر بوجه متجهم لا يدل على أي تعابير، وبصوت أجش: "روح يا محمد على مكتبك وراجع التقارير."
محمد: "تحت أمرك يا حماد بيه." قالها وهو يغادر، لينظر لعمته بنظرة يطمئنها.
انهض حماد ليتجه نحو شقيقته ويتفحص ملامح وجهها وهو يتذكره عندما كانت في صباها: "كيفك يا بنت أبوي؟"
آمال بقوة عكس ما بداخلها: "الحمد لله يا أخويا، إنت اللي عامل إيه؟"
حماد: "ونسيتي لهجة بلدك ولسانك بقى بيرطم بلهجة المصراوية."
ابتسمت بتهكم: "معلش، الزمن بينسي حاجات كتير."
حماد: "وأني لسه منستش يا بت زهرة، وفاكر زين كيف هربتي ودلّيتي على مصر عشان متتجوزيش. صوح؟"
آمال: "لأ، وإنت الصادق، هربت من طمعك وجشعك، وإنك كنت بتبيعني لواحد قد أبويا ومتجوز كمان."
حماد: "كنت عايز مصلحتك."
آمال: "أصدق مصلحتك إنت وبس، ولا فاكرني لسه آمال العيلة أم ضفاير؟"
حماد: "جصرو... إيه اللي جابك دلوجيت؟ مش بعتينا واتبريتي منينا!!"
آمال: "عايزة أروح أشوف أبويا، وإنت اللي هتصالحني عليه."
حماد: "أنسي يا بت أبوي، أبوكي معدتش فيه حيل لحرجة الدم."
آمال: "يعني إيه؟ هفضل طول عمري محرومة إني أشوفه؟"
حماد: "إنتي اللي حكمتي على نفسك يا خيتي."
ذرفت عينيها عبراتها التي حاولت أن تأسرها: "ده آخر كلام عندك يا أخويا؟" ولاهى ظهره ولم يجب، فألتفتت كي تدير مقبض الباب، فأوقفها صوته بعدما التفت إليها وبصوت تملؤه نبرة اشتياق: "آمال."
نظرت له لتجد ملامحه التي ترتسم الحنان. فأشار إليها لتأتي نحوه وهو يفتح ذراعيه ليضمها. فركضت ترمي على صدر شقيقها وأخذت تبكي بقوة وضمه إليه: "توحشتيني يا جذمة، ولا نسيتي الكلمة اللي كنت بجولها لك؟"
آمال بصوت باكي: "أنا عمري مانسيت أي حاجة يا حماد، سواء الحلو أو الوحش، إنتوا أهلي اللي مليش غيركم، وعايزة أرجع أتدفى في حضنكم تاني."
حماد: "خلاص بقي، متبكيش عاد، وأوعدك أول ما هدلي على أسيوط هاخدك معايا."
توقفت عن البكاء وارتسمت بسمة أمل على محياها: "بجد يا حماد؟"
حماد: "بجد يا بت عبد الرحيم."
دلف في ذلك الحين مصطفى ومعه فيروز: "صباح الخير يا حماد بيه." ثم التفت لآمال وأردف: "صباح الخير يا عمتو."
جلست جميعهم وانضم إليهم محمد، وأخذ حماد يسرد لهم ما حدث بالماضي وكيف شعر بالندم مؤخرًا من ناحية شقيقته، وخاصة عندما علم بمرضها وعمليتها. ظلوا يتسامرون في وسط ضحكات وحب ودفء عائلي قد فُقد منذ سنين. فأخيرًا عادت آمال إلى أهلها التي حُرمت منهم، لكن تبقى حلقة مفقودة، فما هي؟
***
على أحد شواطئ جزر المالديف، وهي جنة الأرض من روعة جمالها ونقاء وصفاء زرقة مياه المحيط الهندي، فإنها تأسر عقلك حقًا بروعة جمالها الخلاب.
توقفت سيلين عن الركض وهي تأخذ أنفاسها المتلاحقة وهي تضحك: "على فكرة إنت بتخوش."
شهاب: "بإيه ياختي؟!"
سيلين: "يعني بتضحك عليا ومبتلعبش بضمير."
شهاب: "أعملك إيه؟ إنت اللي زي السلحفاة وبقيتي زي البطة، مبقتيش تعرفي تسابقيني زي زمان."
زمّت شفتيها بحركة طفولية: "طيب أنا مخصماك."
شهاب: "مخاصماني؟!"
سيلين: "اها، ومش هلعب معاك تاني."
شهاب: "كذابة."
سيلين: "كمان؟؟ خلاص مخصماك خالص مالص."
شهاب: "هههههه، لأ ده كده لازم أصالِح حبيبي بنفسي." قالها فأقترب منها.
سيلين: "أوعى، مش بكلمك." قالتها بمزاح.
شهاب: "بقي كده؟؟ طييب." قالها ثم دفعها لتتعثر وتقع، فألتقطها بين ذراعيه ليضمها وينزل بها على الرمال لتتمدد وهو يعتليها ويحدق بعينيها ويقترب منها ليطبع قبلة على عنقها.
سيلين: "إيه اللي بتعمله ده؟ الناس تشوفنا."
شهاب: "ناس إيه!! مفيش هنا غير أنا وإنتي بس... الشاطئ برايفت يا روحي."
سيلين: "يعني إيه؟"
نظر لها بمكر وخبث: "يعني كده." قالها لينهال عليها بالقبلات ويعانقها ويتدحرجان على الرمال وهو مازال يقبلها بلهفة وحب، لتأتي الأمواج الهادئة تداعبهما. ثم نهض كليهما وهي تصيح بأعلى صوتها: "شيبووووووووو بحباااااااااااااااااااااااااااك بحباااااااااااااااااااك."
قالتها ليجن جنون عشقه، فقام بحملها لأعلى وظل يدور بها وهي فاتحة ذراعيها كالطير.
***
بعد مرور عدة أيام بأحداث لا تستحق الذكر. ها قد جاء يوم حفل خطبة صقر وفيروز.
ليلى وهي تمسك بحقيبة: "خدي ياستي، دي تنفع؟"
فيروز: "إيه الشنطة دي كلها؟ هو أنا مهاجرة؟ أنا كل اللي عايزاه شوية غيرات وحاجات بسيطة هاخدهم في شنطة يد."
ليلى: "طيب والميك أب؟"
فيروز: "حبيبي جابلي كل اللي أنا عايزاه هناك في الفيللا."
ليلى: "ربنا يسعدكم يارب ويتمملكم على خير."
فيروز: "وإنتي كمان يا حبيبتي يتمملك على خير إنتي وخالد وافرح بيكو يارب."
ليلى: "يااااااااااارب."
آمال دلفت إلى الغرفة: "عمالين ترغو ومش سامعين، صقر اللي عمال يزمّر من بدري تحت."
فيروز شهقت: "هااا؟ ينهار أبيض، أنا نسيت الفون سايلنت، ده هينفخني."
ليلى: "ههههههه، إحنا معندناش حريم بتتنفخ، الرجالة بتتنفس بسب اللي تتنفخ."
فيروز: "اسكتي ياختي، إنتي مش عارفة حاجة. ده لما رحنا ناخد مقاسات فستان الخطوبة كان معاه مكالمة وواقف بره وخرجت من العربية عشان كنت عطشانة وبقولوا عايزة أشرب. حبة هوا طيروا طرف الجوب بتاعي، وطبعًا كان واسع وقصير للركبة اترفع والتاني شاف كده، واجارك الله، يالهوي على المحاضرة اللي أخدتها منه. فضل يقولي: "واقفة وفرحانة بالهوا اللي مطير الجيبة، ووراكِ بان يا هانم." قالتها وهي تقلد نبرة صوته.
ليلى: "هههههههههههههه، كنتي قوليلو: "وإنت مالك ومال وراكِ؟"
فيروز: "ماهي دي الجملة اللي حلف عليا بعدها إن مالبسش جوبات تاني، آخرها ألبس دريسات أو بناطيل ومتكونش ضيقة."
ليلى: "عقبال ما يقولك اتحجبي."
فيروز: "لأ، هو سايبلي حرية الاختيار. بس فعلاً بفكر في الموضوع ده."
آمال بصياح: "إنتي ياهانم إنتي وهي، لسه عندكوا بتعملوا إيه؟"
فيروز: "يالهوي، صقر!!" قالتها ثم ارتدت حذائها وأخذت حقيبة بها ما تحتاج إليه وغادرت برفقة ليلى ولحقت بهم آمال.
فيروز وليلى وهما يدلفا إلى السيارة. صقر زفر بضيق وحنق: "ما لسه بدري... ومبترديش على تليفونك ليه؟"
فيروز: "سوري يا حبيبي، كنت عاملاه سايلنت ونسيت واتلهيت في الحاجات وكده."
صقر: "أوك، أنا هعديها عشان خاطر النهارده خطوبتنا بس."
ابتسمت له: "طيب وعشان خاطري؟"
اقترب منها وقد نسيا والدتها وصديقتها الجالسين خلفهما. فابتعد: "احم، إزيك يا ماما."
آمال: "إزيك يا حبيبي."
صقر: "إزيك يا ليلى."
ليلى: "إزيك يا عريس."
فيروز هامسة: "ههههههه، أحسن كنت هتتأفش دلوقتي، وأمي كنت ممكن تقولي: "معندناش بنات للخطوبة"."
صقر: "نعم!!!!!! ده أنا ممكن أقتل عليتكم واحد واحد وأخطفك وأطير على أي حتة."
فيروز: "ههههههههههه، وربنا مجنون وتعملها."
صقر: "ماشي، يارب يعدي اليوم ده على خير."
فيروز: "يااااااااااارب."
***
وصلوا أخيرًا، ليفتح الحارس البوابة ويعبر صقر إلى الداخل. ممر طويل على جوانبه حديقة متسعة يحوطها سور كثيف الأشجار المتشابكة كالسياج. ليلى وفيروز يتأملون روعة الحديقة وجمالها من النافذة، بينما آمال ارتسم على وجهها التوتر والقلق الذي بدا عليها منذ عبورهم البوابة.
توقف أمام باب المنزل، فاستقبلهم البستاني المسؤول عن الحديقة والأشجار: "أهلاً أهلاً صقر بيه. إيه الأخبار؟ كله تمام؟"
صقر: "تمام التمام."
مغاوري: "تمام التمام."
صقر: "أحب أعرفك، والدة عروستي مدام آمال... ودي خطيبتي فيروز... وليلى جارتهم وصديقة فيروز."
مغاوري وهو يدقق في ملامح آمال التي كانت تشيح بوجهها للجهة الأخرى: "يا مرحب يا مرحب، ألف ألف مبروك يا عروسة، وربنا يتملكم على خير وتمللولنا الفيلا كلها عيال."
فيروز: "الله يبارك فيك يا عم مغاوري."
صقر: "يلا ادخلوا، والفيلا كلها تحت أمركم." فقام بضغط زر الجرس، فقامت بفتح الباب لهم إحدى الخادمات، ومن ملامحها يبدو أنها فلبينية: "اتفضلوا صقر بيه، كوه (جوه)."
ليلى تهمس لفيروز: "الحقي يا فيرو، دي بتتكلم عربي؟"
فيروز: "بس بقي لتفضحينا، يقولوا علينا إيه؟ أول مرة نشوف الكلام ده."
ليلى: "أنا عن نفسي، أول مرة."
فيروز: "طيب اسكتي بقي."
صقر: "تعالوا ريحوا شوية في الليفنج عقبال ما أشوف دادة سهيلة جت ولا لسه."
فيروز: "أوك، بس متتأخرش."
صقر: "حاضر."
آمال كانت تنظر لكل معالم المنزل وكأنها كمن قد مكثت فيه من قبل. وظلت تعابير وجهها يملؤها الارتباك والريبة، تدعو الله أن ما يجول بظنونها يصبح خطأ.
فأفاقت على صوت تعرفه جيدًا وتحفظه عن ظهر قلب: "يا أهلاً وسهلاً، الفيلا نورت."
التفتت إليها آمال لتتسع حدقتاها بصدمة، لتبادلها سهيلة نفس ردة الفعل.
سهيلة: "آمال!!"
آمال: "سهيلة!!"
انتهت الحلقة.
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الأربعون 40 - بقلم ولاء رفعت
في قصر يوسف الهواري، بداخل إحدى الغرف في الطابق الثاني، تقف فيروز أمام مرآة بطول الحائط تتأمل في مظهرها الذي يشبه ملكات الجمال، بل هي ملكة وأميرة الجمال بذاته. ترتدي ثوبًا باللون النبيذي، فأعلى الصدر بالكتفين والأكمام من الدانتيل المرصع باللؤلؤ اللامع، ويضيق من عند الصدر وينزل باتساع من خصرها المنحوت، وله ذيل طويل من الخلف مرصع أيضًا باللؤلؤ بشكل فني. بينما شعرها أطلقت له العنان لينسدل على كتفيها، فوضعت بأعلاه تاجًا من الورد الأبيض، وبكل وردة لؤلؤة. ثم وضعت لمساتها الأخيرة من حمرة على شفتيها بنفس لون ثوبها، وحمرة خديها الناعمة، ووضعت القليل من الماسكارا ليعطي مظهرًا جذابًا لفيروزتيها، فجمال وجهها لا يحتاج إلى أي زينة.
ليلى بالخارج تطرق باب الغرفة: ها أدخل؟
فيروز: ادخلي يا لي لي.
دلفت ليلى إلى الغرفة لتقع عيناها على صديقتها لتغر فاها الشاغر باندهاش: وااااااااااو! الله أكبر عليكي يا فيرو، يخربيتك إيه الحلاوة دي يابت!
فيروز: بجد يا لي لي شكلي حلو؟
قالتها بعينيها المبتسمتين.
ليلى: أنا اللي مش هجاوبك، خلي صقر اللي يجاوبك، بس ربنا يستر وميتهورش وبدل ما يخليها خطوبة هيخليها زفاف.
قالتها ثم غمزت بعينها.
فيروز: اتلمي.
قالتها وهي توكزها بمزاح.
فيروز: أومال فين ماما دي مختفية من بدري؟
ليلى: مش عارفة، هتلاقيها بتعمل حاجة أو مشغولة مع الناس اللي بدأت تيجي تحت.
فيروز بتوتر: ليلى؟
ليلى: نعم، مالك متوترة كده ليه؟
فيروز: مش عارفة، قلبي عمال يدق جامد وقلقانة.
ليلى بابتسامة: متقلقيش، إن شاء الله هيبقى يوم جامد، فكيها أنتي بس.
في الحديقة بالأسفل وتحديدًا عند المسبح، حيث الطاولات المتراصة بنظام فني ومزينة بالحرائر والأزهار، وكذلك المقاعد التي تحاوطها. والبالونات العائمة على مياه المسبح، والأضواء المتحركة من جميع الاتجاهات معلقة بأعمدة معدنية. وهناك ساحة كبيرة للرقص ويوجد خلفها منصة كبيرة عليها أدوات تشغيل الأغاني (الدي جي).
بدأ المعازيم بالتوافد من الممر المزين من مدخل القصر حتى إلى المسبح، وأغلبهم من الطبقة الراقية.
إياس: إيه يا صاحبي مالك واقف مش على بعضك كده ليه؟
صقر: مفيش، خايف ليكون في حاجة ناقصة ولا حاجة.
إياس: لا اطمن، أنا بنفسي أشرفت على كل حاجة، حتى البوفيه يا عم خليتهم يعملوا بوفيه ملوكي.
صقر ضاحكًا: أنت هتقولي؟ أنت مضبوط عشان كرشك اللي ما بيبطلش أكل.
إياس بحنق: أنت هتؤر عليا ولا إيه؟ أنا بغذي نفسي مش عريس وداخل على جواز وكله لمصلحة أختك.
قالها وهو يغمز.
لكزه في صدره: لم نفسك يالا واتكلم عدل.
قالها بمزاح.
واقفين بتعملوا إيه عندكم يا سوسة منك ليّه؟
قالتها رنيم بخبث.
التفت كلاهما إليها ليتسمر إياس بمكانه وهو يتأملها بحب وهيام، لا سيما أنها ترتدي ثوبًا باللون الأسود الذي جعلها فاتنة وهي زادت ثوبها جمالًا.
رنيم كانت تبادله نظرات الحب. قاطعهم صقر: طيب أنا رايح أجيب فيروز وأسيبكم في وصلة التسبيل دي لما نشوف آخرتها إيه معاكم.
إياس وهو يدفع صقر جانبًا: يا شيخ غور بقى من وشي دلوقت.
فاقترب من رنيم ليمسك بيدها ثم أردف: تعالي يا حبي عايزك في موضوع مهم.
تركهما صقر حتى دلف إلى الداخل، فأخرج هاتفه من جيب سترته، حيث أنه يرتدي بذلة أنيقة باللون الأسود ورابطة عنق باللون ثوب فيروز.
صقر: إيه يا قلبي خلصتي؟
فيروز: أها هنزل حالًا.
صقر: أوك أنا مستنيكي تحت. بحبك.
قالها بنبرة عاشقة.
ابتسمت بخجل: وأنا بموت فيك.
صقر: طيب انزلي بسرعة بدل ما اطلعلك.
فيروز: هههههههههه لا لا خلاص أنا نازلة.
أغلقت الهاتف لتأخذ نفسًا عميقًا لتقلل من توترها. ثم غادرت الغرفة بخطوات هادئة حتى وصلت إلى الدرج لتقف وتنظر لصقر الذي كان منشغلًا بهاتفه، ليلقي نظرة جانبًا ليلتفت إليها متفاجئًا، فوضع هاتفه بجيبه على الفور. وهو يحملق بها غير مصدق ليبتلع ريقه لتتحرك تفاحة آدم بعنقه. يهمس بداخل نفسه: يا نهار أبيض! طيب أعمل فيها إيه دي؟ أحبسها في الأوضة عشان محدش يشوفها؟ ولا أخطفها وأهرب بيها في أي حتة؟
قالها ثم صعد راكضًا إليها فأمسك بيديها ليقبل إحداهما بحب مبتسمًا بعينيه الهائمتين بها، لا يصدق ما يراه أمامه، فهل هي حقًا بشرًا أم حورية من الجنة جاءت إليه؟
فيروز بخجل ووجنتيها تكاد تنفجر من حمرة خجلها: بص بقى ما تبصليش كده عشان بتكسف.
صقر: طيب قوليلي أعمل إيه لما شايف الجمال كله واقف قدامي ده؟ يا سبحان اللي مصبرني وماسك نفسي بالعافية. عايز آخدك في حضني وأخبيكي عن كل العيون ومحدش يشوفك غيري أنا.
ما تنزلوا بقى واخلصوا يا سي روميو أنت وست جوليت، الناس بدأت تزهق بره.
قالها إياس.
نظر صقر له بحنق ثم نظر لفيروز وهو يثني ساعده لها فتستند عليه بيدها وينزلا الدرج كالملك والملكة، وخلفهم ليلى التي لحقت بهم وظلت تلقي عليهم أوراق أزهار الجوري لتتناثر عليهم بشكل جميل.
ها هما يخرجان ليجدا الأضواء مسلطة عليهما في ظل تصفيق الحاضرين وتهليل وزغاريد، وبدأت موسيقى غربية هادئة لاستقبالهما. والأضواء الصادرة من كاميرات الصحفيين ليلتقطوا لهما العديد من الصور تحت عنوان (حفل خطوبة نجل رجل الأعمال الراحل يوسف الهواري على الحسناء ذات العيون الفيروزية).
تقدم بها إلى ساحة الرقص ليقف أمامها ونسمات الهواء العليل تداعب خصلات شعرها الحريري. فجثا على إحدى ركبتيه وأخرج علبة مغلفة بالقماش المخملي الأحمر القاني، فقام بفتحها وقال بصوت رجولي جذاب ليصمت الحاضرون ليستمعوا إليه: تتجوزيني يا عشقي الأول والأخير؟
وضعت يدها على فمها بخجل وحدقتيها متسعتين باندهاش وانبهار، فهربت من عينها عبرة من كثرة ما تشعر به من السعادة والفرح، فأومأت برأسها وبصوت ناعم ورقيق: موافقة.
فنهض ليقف ويلتقط خاتم الألماس ممسكًا بيدها اليمنى ويضعه بروية في إصبعها البنصر، ثم قام بتقبيل يدها بعينيه التي تبتسم بعشق إليها. ثم أخرج علبة أخرى بها الخاتم البلاتيني الخاص به لتأخذها هي وتقوم بفتحها ثم تأخذه وتضعه في يده اليمنى أيضًا بإصبعه البنصر. فلم يدرك ذاته سوى وهو يجذبها بين أحضانه لتبدأ الأغنية التي أوصى عليها ليرقصا معًا.
ألف كلمة حب لإيهاب توفيق:
حبيبي قرب قرب كمان وحس بيّا
سيبني أقولك أنت إيه بالنسبة ليّا
ده أنت عمري ونبض قلبي
وأنت أغلى الناس عليّا
نفسي ألاقي كلمة تانية
غير بحبك أقولها ليك
كلمة توصفلك يا عمري
قد إيه إحساسي بيك
نفسي أجيبلك من السما
نجم الليالي بين إيديك
نفسي أقولك ألف كلمة حب
توصف حبي ليك
نفسي آخدك من إيديك
واطلع معاك عند السحاب
ننسى دنيتنا وزمنا
ننسى أيام العذاب
ده حكايتنا يا حبيبي
بتتحكي في مليون كتاب
آه تعالى في حضن قلبي
كل دقة بتناديك
نفسي ألاقي كلمة تانية
غير بحبك أقولها ليك
كلمة توصفلك يا عمري
قد إيه إحساسي بيك
نفسي أجيبلك من السما
نجم الليالي بين إيديك
نفسي أقولك ألف كلمة حب
توصف حبي ليك
نفسي آخدك من إيديك
واطلع معاك عند السحاب
ننسى دنياتنا وزمنا
ننسى أيام العذاب
ده حكايتنا يا حبيبي
بتتحكي في مليون كتاب
آه تعالى في حضن قلبي
كل دقة بتناديك
تحت مياه البحر بداخل مطعم Ithaa.
ويقع في جزر المالديف تحت البحر مباشرة وبعمق 5 أمتار، وتستطيع الأكل مع مشاهدة الأعماق ورؤية أسماك البحر وهي تحوم حولك.
سيلين تتأمل الأسماك وهي تعوم بتناغم ومنظر خلاب يأسر الأعين. ظلت عيناها تغدو ذهابًا وإيابًا.
قاطعها صوت شهاب قائلًا: إيه رأيك بقى في المفاجأة دي؟
سيلين بنبرة تغمرها السعادة: أنا بجد مش لاقية ولا كلمة أحلى من كلمة ميرسي يا روحي، ربنا ما يحرمني منك أبدًا ويخليك ليّا.
شهاب بهيام: ده بعد الدعوة الجميلة مش عايز حاجة أبدًا.
ابتسمت له فقررت بداخلها أن تستغل فرصة حديثهم وأن مزاجه ليس سيئًا ومن الممكن أن يستمع لها.
تنحنحت قليلًا ثم قالت: أحم أحم. شيبو حبيبي.
شهاب: يا قلب وعقل شيبو، أمريني يا روحي.
عضت على شفتها السفلى من التوتر: أنا كنت عايزة أتكلم معاك في موضوع كده بس مش عارف...
فقاطعها النادل الذي تحدث بالإنجليزية:
Welcome, Sir. Congratulations.
شهاب: Thank you.
النادل:
Here we offer the bride a gift to welcome a necklace of shells. Have you allowed us to put it around your neck?
(نحن هنا نقدم للعروسين هدية للترحيب وهي قلادة من الأصداف.. هل سمحت لنا أن نضعها حول أعناقكم؟)
شهاب مبتسمًا: تفضل.
فجاءت فتاة ترتدي ثوبًا باللون البحر وتضع حول عنقها طوقًا من الورود وكذلك أعلى رأسها أيضًا. وقفت بجوار شهاب وانحنت قليلًا بلطف ودلال فوضعت حول رقبته عقدًا من الأصداف. كان يكتم ضحكاته عندما شهد حمرة وجه سيلين التي اشتد حنقها وأرادت الفتك من تلك الشقراء التي تجرأت ووضعت يدها على عنق زوجها.
كاد النادل أيضًا بتعليق العقد حول عنق سيلين التي لم تلاحظه.
سبقت يد شهاب يداها حيث أمسكه من معصمه بقبضته القوية، ويحدق به بعينيه الحادة محذرًا إياه:
"Do not do it or I will cut you down and throw you food for fish."
"إياك أن تفعلها وإلا سأقطعك أربًا وألقي بك طعامًا للأسماك."
قالها شهاب.
ارتعب النادل من نظرات شهاب الحادة وتهديداته، فقال بتلعثم:
"Sorry sir, I did not mean this is our restaurant habits when two brides come to us."
"آسف سيدي، لم أقصد فهذه عاداتنا بالمطعم عندما يأتي إلينا عروسين."
سيلين التي توترت أكثر وارتعبت من ملامحه التي انقلبت حدة كلماته مع النادل:
"حبيبي، اهدأ هو ما يقصدش حاجة. ده شغله والراجل اعتذر. وبعدين ما هي البنت لبستك العقد وما عملتش أنا زيك على الرغم كنت عايزة أجيبها من شعرها."
شهاب وما زال غاضبًا:
"سيلين، مالكيش دعوة باللي بأعمله."
قالها وهو يزمجر مما جعلها تصمت وخشيت أن تتفوه معه بأي كلمة كلما تذكرت نظراته الحادة للرجل، فماذا سيفعل معها عندما تخبره بما حدث!
نهض فجأة وقال بصوت أجش:
"يلا قومي أنا اتخنقت أصلاً. عايز أقعد في Open area (منطقة مفتوحة)."
قالها وأخرج من جيبه بعض ورقات من المال من العملة الأجنبية، ثم أخذها من يدها وغادر المطعم تحت نظرات تعجب النادل والفتاة من تصرفاته.
توقف أخيرًا عند الشاطئ وجلس على مقعد خشبي وبيده مشروب خليط من العصير والكحول.
سيلين بانزعاج:
"على فكرة أنت كنت أوفر قوي، حرام عليك الراجل ما عملش حاجة غير ضيعت علينا متعة الأكل وإحنا شايفين السمك ماشي حوالينا."
لم يجب عليها واكتفى بنظرة لها أسكتتها فجلست بالمقعد المجاور له وهي تزفر بضيق وخلعت حذاءها وأخذت تتداعب الرمال بقدميها.
"لسه برضه؟"
سألها بصوت بارد.
تعجبت من سؤاله فقالت:
"لسه إيه؟"
"لسه برضه مش مستعدة؟"
قالها باستجواب.
أجابت بتلعثم وقلق عندما فهمت مقصده:
"أصل... أنا... لسه."
"وبعدين يا سيلي، إحنا بقى لنا أسبوع وكل مرة بقول بلاش النهارده عشان خايفة ومتوترة، واتعمدت أخلي الأوضة اللي بنام فيها بسريرين عشان أسيبك على راحتك."
قالها شهاب وهو يحتسي الكأس الثاني له.
سيلين:
"هو أنا منعتك تنام جنبي؟ طيب قبل الفرح كنا بنام جنب بعض."
"عشان قبل الفرح عارف إنه ما ينفعش أعمل حاجة، ولو تفتكري كنت ما كنتش بنام جنبك غير لما تكون عنيا بتقفل وعايز أنام."
سيلين بارتباك وريبة:
"طيب أنت عايز مني إيه دلوقت؟"
احتسى ما تبقى في الكأس ونظر لها بتعمق ثم أخرج من جيبه المفاتيح الخاصة بالشاليه القريب منهما على بعد خطوات.
"خدي المفاتيح وروحي، وسيبيني أقعد لوحدي شوية عشان مخنوق."
نظرت له باندهاش وقالت بداخل عقلها: "إيه البني آدم الغريب ده! إزاي بيتحول في ثانية؟ اللي يشوفه في المطعم شغال معايا رومانسية وحب وفجأة قلب مرة واحدة... ماشي يا شهاب."
"مالك متنحة ليه كده؟"
قالها شهاب.
سيلين:
"ما فيش، أصل مصدعة وعايزة أنام."
زفر بحنق:
"ما أنا بأقولك خدي المفتاح وروحي، ده الشاليه هنا على بعد دقيقتين مشي يعني."
رمقته بسخط:
"حاضر... هات... "
ثم أخرجت النسخة الأخرى للمفتاح من الحلقة وأعطتها له وهي تقول:
"خد عشان تفتح لأن هأبقى نايمة."
أخذها ببرود مصطنع... فتركته وحيدًا وذهبت.
وصلت ثم دلفت إلى الداخل وشعرت أنها تحتاج إلى تريح جسدها بالماء فدلفت إلى المرحاض وخلعت ثيابها بالكامل وجلست بحوض الاستحمام الساخن (الجاكوزي)... وظلت في ذلك الاسترخاء حتى مر من الوقت حوالي ساعتين أو أكثر... فكانت مغمضة العينين شاردة بذهنها تتخيل ردة فعل شهاب عندما يعلم بما حدث ولو علم بذاته قبل أن تخبره ما الذي سيحدث لها.
بعد أن انتهيا من الرقص فبدأت المباركات لهما والتهاني من الأهل والأقارب... حيث كل من ليلى صديقتها التي ظلت تعانقها بفرح عارم وكذلك جاءت والدتها ووالدها... وبارك لهما خالد الذي وصل متأخرًا وبرفقته والده ووالدته الذي جاءوا ليحضروا حفل خطبة فيروز وجاءوا أيضًا لخطبة خالد لليلى وعقد القران... ولم تأتِ عمتها بسبب ابنتها سمر التي كانت في حالة يرثى لها بسبب حب عمرها التي فقدته وذهب لأخرى... وقد وصل أخيرًا محمد برفقة شقيقه مصطفى وذهبوا ليباركوا للعروسين.
محمد:
"مبروك يا صقر."
قالها وهو يصافحه فجذبه صقر ليعانقه قائلًا في أذنه:
"ما تنساش إننا أصحاب قبل ما نكون نسّايب."
ارتسمت طيف ابتسامة ليجيب:
"طبعًا يا صاحبي... ربنا يسعدك."
فنظر لفيروز وهو يمد يده:
"ألف مبروك يا فيروز."
فيروز وهي تبادله المصافحة:
"الله يبارك فيك يا محمد، عقبالك."
قالتها بابتسامة وتوتر لأنها تعلم جيدًا مشاعره اتجاهها.
"وأنا ما فيش عقبالك يا درش ولا أنا ابن البطة السودة."
قالها مصطفى مازحًا.
ضحكوا جميعهم ليقول صقر:
"يا رب يا مصطفى تقع في واحدة نكدية تخليك تقفل بوقك اللي على طول شبه الإيموشن اللي بيموت من الضحك."
مصطفى:
"لا يا عم هو أنا اتجننت في عقلي عشان أخطب وأتجوز... سبتلكوا الجنان أنت والواد أساس."
فسكت وهو يبحث ببصره ثم أردف:
"أومال هو فين صح؟"
صقر:
"هتلاقيه هايص مع خطيبته وبيرقصوا."
مصطفى:
"طبعًا من حقه دي خطيبته صاروخ."
همس له محمد وهو يلكزه بشدة:
"الله يخرب بيتك، صقر أخوها أنت نسيت."
مصطفى:
"أنا آسف يا صقور والله ما كنت أعرف أو نسيت."
صقر وهو يجز على أسنانه:
"يا ريت ما تنساش."
قالها بحنق.
محمد:
"معلش بقى يا فيروز، بابا ما قدرش يجي مشغول في الشغل."
فيروز:
"عادي يا محمد أنتم موجودين كأن خالي جه بالضبط."
محمد:
"طيب عن إذنكوا... يلا يا درش."
صقر:
"أتفضل."
مصطفى وهو يهمس لشقيقه وهم يبتعدان:
"أنت ليه ما قلت لهاش إن جدي تعبان وأبوك سافر له؟"
محمد:
"يعني عايزني أنكد عليها في يوم خطوبتها!"
مصطفى:
"براحتك، عمتك لو عرفت هتزعل منك."
محمد:
"إن شاء الله خير وربنا ما يجيبش حاجة وحشة."
نذهب إلى آمال التي تتوارى عن الأنظار منذ أن وطأت قدماها المنزل، فإنها تتحاشى أن تتقابل مع سهيلة مربية صقر ورنيم... تجلس بإحدى الغرف بالطابق الثاني وكانت تبكي عندما مر شريط ذكرياتها أمام عينيها وتستنشق عبق ذلك المنزل التي تحفظ كل إنش فيه.
وفي نفس الوقت كانت سهيلة تبحث عنها بكل الأرجاء لتستجوبها بالسؤال الذي يحيرها، فأخذت تدلف إلى كل الغرف حتى فتحت الباب لتجد آمال تجلس أمام طاولة خشبية وهي تستند برأسها عليها وهي تبكي وتتعالى شهقاتها... دلفت إلى الداخل فأغلقت الباب... شعرت آمال بخطواتها فعلمت أنها هي فتوقفت عن البكاء وهي تجفف عبراتها فقالت:
"عايزة إيه يا سهيلة؟ مش مكفيكي اللي عملتيه فيا زمان؟"
سهيلة بنبرة ساخطة:
"أنا ما عملتش حاجة غير إن كنت عايزة أحميكي من جبروته، وإنه كان ناوي يقتلك أنت وبنتك اللي كنتي حامل فيها وقتها."
آمال:
"يا ريت كان قاتلني وريحني من العذاب اللي لسه فيه لحد دلوقت."
سهيلة:
"بمناسبة العذاب، إيه ده؟"
قالتها وهي تعطيها بطاقة دعوة حفل الخطوبة وتشير على اسم ابنتها المكتوب (فيروز أحمد سراج الدين).
آمال بتلعثم:
"إيه... قصدك... يعني."
سهيلة وهي تلوي فمها جانبًا فقالت:
"أنا قصدي على اسم بنتك... مش أحمد سراج الدين ده كان صاحبه اللي كان بيجي له الفيلا؟"
صاحت آمال في وجهها:
"عايزة توصلي لإيه يا سهيلة؟ حرام عليكي بقى، أي كلمة منك دلوقت ممكن تخرب حياة بنتي وتكسر قلبها... أنا بأترجاكي تنسي كل حاجة وكأنك أول مرة تعرفيني."
عند صقر وفيروز الذي دلفا إلى الداخل.
فيروز:
"ههههههه استنى بس، بتجريني وراك ليه؟"
نظر إليها وكأنه سيلتهمها بعينيه:
"أنا ماسك نفسي عنك بالعافية..."
صمت وهو يغرز أصابعه في شعره وهو يرجعه للخلف ثم أردف:
"فيروز، امسحي الأحمر اللي في بوقك ده حالًا."
ابتسمت:
"هو وحش؟"
صقر:
"يا ريت كان وحش، بالعكس ده مجنني وهيخليني أتهور وعايز آكل الفراولتين دول."
قالها وهو يمسك شفتيها بأنامله.
توردت وجنتيها وهي تضربه على صدره:
"لم نفسك وعيب كده... مش أنت وعدتني إنك مش هتعمل كده ثاني غير لما أكون حلالك؟"
صقر بحنق:
"أنا أستاهل ضرب خمسين قلم على وشي إن قلت لك الوعد ده."
قهقهت بصوت أنثوي جذاب:
"هههههههه حبيبي اتجنن يا ناس."
قالتها وهي تلمس وجنتيه بكفيها.
أزاح يديها من على وجهه:
"طيب ابعدي عني دلوقت وأنا هاروح ألهي نفسي مع الناس شوية."
فيروز:
"حاضر، أنا أصلاً كنت عايزة أروح أدور على ماما... خلاص اطلع للناس بره وأنا طالعة فوق أشوفها مختفية فين."
عض على شفته السفلية ثم تنهد وقال:
"حاضر يا اللي مطيرة عقلي مني."
ابتسمت وهي تغمز له بعينها ثم قامت بتقبيل كفها وأطلقت زفيرًا كأنها ترسل له القبلة في الهواء وضحكت بدلال ثم ركضت على الدرج وهي تصعد.
بينما هو كان شديد الحنقة قائلًا لنفسه:
"ماشي يا فيروز، كلها شهرين ثلاثة بالكثير وتكوني مراتي... ساعتها هأخليكي تحرمي تحطي الأحمر ده ثاني."
قالها وهو يبتسم بمكر.
وصلت إلى أعلى وظلت تمشي بالرواق وكادت تنادي على والدتها حتى انتبهت أذنيها إلى صوت والدتها وهي تتحدث مع أحد.
آمال:
"وأنت مالك؟ أنا اللي بأدفع الثمن، ليه بتفتحي في جروح مش عايزة تتقفل بعد السنين دي كلها؟"
سهيلة بغضب:
"لأنك غلطتي يا آمال، وغلط لا يغتفر في حقك وفي حق بنتك المسكينة اللي ما تعرفش أبوها مين، وغلطتي أنت وأحمد لما سجلت بنت غيره باسمه وأبوها لسه عايش، ده حرام شرعًا وقانونًا."
آمال:
"وأنت ما كنتيش عارفة اللي عمله فيا لما عرف إن أنا حامل منه ولما أنكر الحمل واجهته بورقة جوازنا أنا وهو شدني من شعري وقتها ونزل فيا بالأقلمة على وشي وخد مني الورقة وقطعها حتت وهددني إن لو فتحت بوقي بكلمة هيفضحني عند يوسف بيه غير إنه هيروح يقول لأهلي عن مكاني..."
وفي الآخر فهمت إن البيه كان على علاقة بشيرين هانم وخايف لتعرف بأنه متجوز من الشغالة بتاعتها.
سهيلة: لأن جوازك منه كان باطل. أقنعك وضحك عليكي بحتة ورقة ما لهاش لازمة.
آمال: لأ دي متوثقة عند محامي عدنان الحاروني، ما أنتِ عارفاه كويس.
ضحكت سهيلة بسخرية: بصي يا آمال عشان ما ندخلش في جدال ما فيهوش منه فايدة، أنا عايزاكي تقعدي مع بنتك وتفهميها إن أبوها الحقيقي يبقى شوقي جلال ضرغام.
شهقت بصوت غير مسموع وهي تقف بالخارج، ليقع الاسم على مسمعها كوقع الصاعقة، فلم تشعر بشيء سوى أن عينيها تغلق شيئًا فشيئًا حتى فقدت الوعي ووقعت على الأرض لترتطم بالمزهرية المجاورة لها فتقع جانبًا لتحدث صوتًا، فركضت سهيلة وآمال ليريا ما يحدث.
شهقت آمال بذعر: فيروووووز!
دلف إلى الشاليه مناديًا بنبرة حانية: سيلي حياتي... حبيبتي أنتِ فين؟
خرجت إليه من المرحاض وهي ترتدي منشفة قطنية حول جسدها وشعرها مبتل، فعندما رآها هكذا ركض نحوها ثم أخذها بين أحضانه وعانقها بقوة قائلًا: آسف يا قلبي إن ضايقتك.
سيلين: خلاص يا روحي حصل خير، أنا عارفة إنك بتغير عليا قوي.
ابتعد بوجهه: أنا مش بغير وبس، أنا بعشقك ومستحملش النسمة اللي بتيجي على خدودك، تخيلي بغير منها.
ابتسمت بخجل: بتحبني قوي كده؟
انحنى وهو يحملها على ذراعيه وتعلقت بذراعيها حول عنقه فقال: ده أنا اتخطيت معاكي مرحلة العشق بمراحل، أنا وصلت لمرحلة الوله، أنا ولهان وعشقان ومتيم بيكي يا سيلي.
قالها بنبرة عاشقة وهو ينظر لشفتيها فأخذ يقترب حتى لامست شفتيه فأخذ يلتهمها بنهم كالظمآن الذي يروي عطشه. ظل هكذا حتى ابتعد عنها ليجعلها تستنشق الهواء وهو أيضًا، فأخذها إلى الغرفة ووضعها على التخت وظل ينظر إليها من أخمص قدميها إلى أعلى رأسها لا يمل من رؤيتها أبدًا. وهي كالتائهة بين يديه ونظراتها كمن تقول له أنا أصبحت ملكك حبيبي، فلا تبعد عني، اتركني أغمر نفسي ببحور عشقك حتى الغرق واستقر في قاع قلبك العاشق المتيم بي. هيا فأنا هيئت لك، افعل بي ما شئت، أنا زوجتك وحبيبتك وأكون بين أحضانك عشيقتك المغرمة بكل ما تملك أنت...
قرأ كل تلك الكلمات بعينيها ليجد جسده يستجيب إليها ليعتليها وبدأ بتقبيلها ومعانقتها، فأخذ يقبل كل إنش بوجهها ثم جيدها لا سيما الشامة القاتمة الموجودة على عظمة الترقوة خاصتها فجذبها وهو ينهض وما زالت بين أحضانه فلا تشعر بحالها وهي بين يديه ولا شعرت بالمنشفة التي كانت تلتف حول جسدها قد وقعت بالفعل. فظل الاثنان يتعمقان بعشقهما ويبحران في عالم الحب حتى أن جاءت اللحظة الحاسمة فشهقت بذعر...
التفتت يمينًا ويسارًا وجدت أنها ما زالت بالمغطس الساخن وأن كل ما حدث مجرد حلم تتمنى أن يتحقق، لكن كلما تتخيل ردود أفعال زوجها تتحطم أحلامها وآمالها. نهضت من المغطس والتقطت المنشفة القطنية وجففت جسدها بالكامل ثم قامت بلفها حول جسدها وخرجت حيث اتجهت للخزانة التي تحتوي على ثيابهما، فأخذت منامة بدون أكمام وقصيرة تصل إلى أعلى ركبتيها فارتدتها وهي تشعر براحة واسترخاء عضلات جسدها، فهمت بالنوم وأغلقت الإضاءة وتركت إضاءة خافتة بجوار التخت التي تتمدد عليه. كادت عينيها أن تغلق لكن داهمها القلق لتنظر بساعة هاتفها لتجد مرت عدة ساعات وما زال شهاب بالخارج فقاطعها صوت فتح الباب بالخارج فتصنعت النوم خشية من حدوث جدال ومشاجرة مرة أخرى.
بداخل غرفة النوم التي كانت لوالد ووالدة صقر... تذرف عينيها بالبكاء لتكتم شهقتها بالوسادة وبيدها قطعة ثياب خاصة بوالدتها وظلت تقول: ليه كده يا مامي؟ الله يسامحك.
بينما بالأسفل إياس كان يتجول باحثًا عن رنيم التي تركته على مضض عندما تذكرت والدتها فاستأذنت أن تختلي بذاتها قليلًا. كاد يسأم من البحث فتذكر ربما تكون في غرفة والديها فأسرع إلى أعلى صاعدًا الدرج واتجه نحو الغرفة فطرق على الباب فلم تجب عليه ولم تفتح فأدار المقبض ليجدها تجلس في الظلام الدامس وهي تبكي فاقترب منها ليمسك بوجهها بين كفيه: مالك يا حبيبتي بتعيطي ليه؟
قالت وهي تحت تأثير صدمتها: طلعت خاينة... ماتت أتاريها كانت بتخون بابا... آآآآآه.
لم يفهم شيئًا فتنهد: اهدي كده يا قلبي وبطلي عياط وقوليلي حصل إيه خلاكي تعيطي؟ ومين اللي خاينة؟ أنا مش فاهم حاجة.
تنفست وهي تشهق بلا إرادة من البكاء: مامي... يا إياس... طلعت... كانت... بتخون... بابا... والزفت ده كان هو مساعد بابا وصاحبه أنا مش فاكراه كويس لأن أنا كنت صغيرة.
ضمها إلى صدره وربت على ظهرها يواسيها: خلاص يا حبيبتي ده كان زمان ومامتك الله يرحمها واذكروا محاسن موتاكم.
ابتعدت عن صدره لتواصل بكاءها: أنا دلوقت عرفت ليه صقر بعد ما بابا اتوفى ساب الفيلا وخدنا شقة بره وكل ما أجيب له سيرة ماما يتضايق ويتعصب عليا.
إياس: طيب ممكن يا قلبي تقومي معايا أغسلك وشك عشان ننزل لصقر، حرام لما نبوظ له يوم فرحته كده ده احنا مصدقنا نفرح وما تزعليش نفسك عشان خاطري.
رنيم: مش قادرة يا إياس بجد مش قادرة.
تصنع الضيق: خلاص أنا زعلان منك أهيئ أهيئ... قالها بنبرة ساخرة ليضحكها ولا يعلم أنه يزيد من حنقها.
رنيم: إيااااااااااااس... صاحت بغضب.
إياس: أنتِ بتزعقي لي؟! قالها وبدى الغضب بصوته.
رنيم بعصبية: أها ولو سمحت امشي اطلع بره.
إياس: هو ده جزائي عشان بهزر معاكي يعني؟ على العموم شكرًا قوي يا رنيم وخليكي فكراها كويس... قالها ليغادر الغرفة وصفق الباب خلفه بغضب.
دلف إلى المنزل وهو يترنح بسبب زجاجات الفودكا التي تجرعها بالكامل فأصبح ثملًا للغاية. تجول ببصره في كل الأرجاء يبحث عنها فاتجه إلى الغرفة ودلف إلى الداخل وهو يضغط على زر الإضاءة ليجدها نائمة وتوليه ظهرها، لكن مظهرها وهي ممددة على التخت بأريحية ومنامتها ذات اللون الأسود القصيرة جعلته ابتلع ريقه بصعوبة فاقترب منها حتى جلس بجوارها وهي يمسد على شعرها ثم ظهرها مما جعلها تشعر بالقشعريرة فانتفضت فعلم أنها مستيقظة.
أنا عارف إنك صاحية... قالها بثمالة.
نهضت بجذعها لتلتفت إليه: وكمان جاي سكران؟!
صاح بصوت مرعب: وكمان مش عايزاني أشرب مش كفاية اللي بتعمليه فيا.
رمقته بسأم: بعمل فيك إيه يعني؟! ولا أنت كل فكرتك عن الجواز اللي في دماغك وخلاص؟!
قطب حاجبيه ورمقها بنظرات حادة: طيب إيه رأيك هيحصل ودلوقت.
ابتلعت ريقها من الخوف وقالت بتردد: إي... إيه هو قصدي هو أنت تقصد إيه يا شهاب... قالتها وهي تحاول أن تبتعد عنه فكادت تنهض من على التخت فسبقتها يداه التي أمسكت بذراعها بقوة: أنتِ ما بتسمعيش؟! قالها ساخرًا وفي نفس الوقت يحذرها.
سيلين وقد ارتسمت ملامح الخوف عليها: شهاب حبيبي أنت سكران دلوقت، روح خد لك شاور وأنت هتفوق. وإن كان على اللي أنت عايزه حاضر بس لما أكون مستعدة.
زفر بغضب واشتد حنقه ليصيح بوجهها: هو ما فيش على لسانك بقالك أسبوع غير مش مستعدة... مالك ولا فيه حاجة خايفة منها؟! ولا ما تكونيش بـ...
صرخت وهي تصفعه: اخرس يا حيوان.
ساد الصمت الذي قاطعه صوت أنفاسه التي كانت تشبه تأجج الحمم البركانية التي على وشك الانفجار وتحولت عينيه البنيتان إلى أسود قاتم لترى وجهًا آخر له لأول مرة تراه لترتعد أوصالها من مظهره المرعب وزاد خوفها أكثر فارتجفت عندما رأت ابتسامة بجانب فمه لمعت من بينها أسنانه وكأنه الشيطان ذاته. اشتد قبضتها لتشعر باختراق أظافر أنامله جلدها الناعم.
أنا بقى يا سيلين هوريكي دلوقت مين هو اللي حيوان... قالها ليجذبها ويلقي بها بقوة على التخت فأحكم قبضته على يديها الاثنتين ليرفعها أعلى رأسها تحت صراخاتها وتوسلاتها.
لاااااااااا يا شهاب أرجوك... بلاااااش... أنا آسفة والله العظيم آسفة.
لم يبالِ لصرخاتها فاعتلاها ليحاصر قدميها بين ركبتيه وهي تقاومه لكنه يفوقها قوة وبنيان فانهال عليها بقبلاته العنيفة في كل أنحاء وجهها وعنقها ثم التقم شفتيها وهو يغرز أسنانه حتى تذوق طعم دمائها... وما زالت تصرخ وتتأوه بمنتهى الألم.
أرجوك كفاية حرام عليك... قالتها وهي تصرخ باكية.
فلا تجد ردًا سوى أن نظر لها ببرود ثم ألقى نظرات قد فهمت مغزاها ثم فاجأها بتمزيق منامتها فاتسعت حدقتاها من الخجل.
أبوس إيدك بلاش... لو كملت هكرهك وهموت نفسي... قالتها بصوتها الباكي... فتوقف عما سيفعله كمن مسته الصاعقة ليبتعد وينهض ثم غادر الغرفة ويلازمه شعور أنه يحتقر ذاته، كيف له أن يفعل بها ذلك؟ كيف يكون وعدها بالأمان وفي ذات الوقت جعلها تخاف وترتعب منه؟ كيف تحول إلى ذلك الوحش الذي أراد أن يعتدي عليها عنوة عنها؟ يا ترى ماذا ستفكر به؟ كم كره نفسه الآن فأخذ يلقي بكل ما أمامه بالردهة ليصبح كل شيء محطم وهي بالداخل أوصدت الباب عليها وأخذت ترتجف بشدة وتضع كفيها على أذنيها وتغلق عينيها بشدة. ظلت هكذا حتى شعرت بالسكون وأحست بغصة بقلبها... فخشيت أن يكون قد أصابه مكروه فخرجت لتطمئن عليه فمشت على أطراف أناملها لتجده يجلس على الأرض ويده بها جرح بساعده الأيمن ينزف دمًا فصرخت.
عاااااا شهاب حبيبي إيه ده؟!
لم يجب عليها فأخذت تبحث عن أدوات طبية لتسعفه. فوجدتها بصندوق داخل المرحاض فاقتربت منه وجثت على ركبتيها لتجد الجرح ليس عميقًا فتنفست الصعداء... فقامت بتضميد جرحه بالشاش الطبي والمطهر وأحكمت عليه بلاصقة طبية عريضة. انتهت وهمت بالنهوض فأمسك يدها وبصوت واهن: سامحيني أنا آسف... أنا مش عارف كنت هاعمل كده إزاي؟! ... قالها ليلقي رأسه على صدرها وأجهش بالبكاء كالطفل عندما يرتكب خطأ فادحًا ويجري باكيًا بين أحضان والدته.
لم تشعر سوى بذراعيها تحاوطه وأخذت تمسد على ظهره وتغرز أناملها بشعره الغزير بحركات دائرية حتى تجعله يهدأ ويسترخي... وبالفعل بعد مرور أكثر من ساعة قد غفى بنوم عميق فأسندت ظهرها للوراء ورأسه ما زالت على صدرها حتى غطت بالنوم هي الأخرى وآثار عبراتها الجافة ترسم مجرى على وجنتيها.
أفاقت وهي ترمش عدة مرات ولم تتذكر شيئًا لتجد نفسها بغرفة شديدة الاتساع... لتعتصر عينيها حتى تستعيد ذاكرتها.
آمال بنبرة حزينة: حاسة بإيه يا ضنايا؟
نظرت إليها وظلت تحدق بها حتى تذكرت الحديث الذي سمعته ثم فقدت وعيها. نهضت من على تختها بملامح متجهمة.
أردفت آمال: رايحة فين يا بنتي... وكادت تكمل لتقاطعها فيروز بنبرة حادة: ما تقوليش بنتك ولسانك ما يخاطبش لساني...
قالتها لتدلف إلى المرحاض الملحق بالغرفة لتعْتدل من مظهرها، ثم خرجت وهي تغادر الغرفة لتقابلها سهيلة التي تحمل صينية صغيرة يعلوها كأس من العصير جلبته خصيصًا لها.
سهيلة: رايحة فين يا آنسة فيروز؟ أنا جبتلك العصير ده.
رمقتها فيروز بغضب شديد لتقلب الكأس بالصينية وصاحت بها: ملكيش دعوة بيا انتي فاهمة؟ ملكوش دعوة بيا خالص... فاهمين كلكو.
صاحت بها ثم هبطت على الدرج وهي مشوشة الذهن... تائهة... حائرة... لم تتخذ قرارًا بعد... لتسأل نفسها: ليه كل ما أجي أفرح ألاقي الدنيا تيجي عليا بمصيبة أشد من اللي قبلها؟ ليه يا ربي؟ يمكن بتعاقب على ذنب أمي، طيب وأنا ذنبي إيه؟ ومش بإيدي كل اللي حصل... ليه أطلع في الآخر بنت واحد زي ده؟ يا ترى صقر لو عرف حقيقتي وإن أنا بنت أكتر واحد بيكرهه، هل هيفضل يحبني؟! والمصيبة إني مقدرش أتكلم دي مهما كانت أمي واللي يمسها يمسني... بس ليه تعمل كده فيا؟! ياااااارب أنت اللي حاسس باللي جوايا أرشدني للطريق الصح واديني القوة والصبر.
انتفضت وهي تشهق عندما سمعته يقول لها: إيه يا قلبي كنتي فين كل ده؟
نظرت له بوهن: معلش يا صقر كنت تعبانة شوية فريحت فوق، وكمان كنت قاعدة مع ماما.
صقر بقلق: طيب أجبلك الدكتور؟
فيروز: لا مفيش داعي أنا كويسة الحمد لله.
صقر: طيب تعالي نرقص شوية بره، مش كنتي نفسك ترقصي معايا؟
فيروز: معلشي يا حبيبي مش قادرة.
صقر: أنتي كده بتقلقيني عليكي.
ابتسمت وهي تضع يدها على لحيته المشذبة: متقلقش يا حياتي أنا بخير.
صقر: خلاص تعالي نشوف الواد إياس واقف زعلان كده ليه، شكلنا حسدناهم واتخانق مع رنيم.
ابتسمت لتقول: تعالي.
بينما بالأعلى...
آمال: اتبسطتي يا سهيلة؟! أهي البت عرفت كل حاجة وربنا يستر.
سهيلة: كانت لازم تعرف من زمان وده حقها وحرمتيه منه... تعرفي شوقي دلوقتي بقى إيه؟
آمال: مش عايزة أعرف ولا متابعة أخباره أصلًا.
سهيلة: سيادتك ده بقى نائب كبير في البرلمان ومن أثرياء البلد، واللي عرفته إنه متجوزش من بعدك غير مرة واحدة غنية وماتت وسابتله الثروة اللي غرقان في نعيمها دلوقت.
آمال بحنق: قطعوه وقطعت سيرته.
سهيلة: أنا بوعيكي بس عشان أقولك إن الثروة دي كلها المفروض حق بنتك، فياريت متحرمهاش منها زي ما حرمتيها من اسمه.
آمال: ياريت تقفلي على الموضوع ده كفاية اللي حصل.
سهيلة: براحتك يا آمال... بس مصير صقر يعرف كل حاجة، ساعتها بنتك هتكرهك وهتهرب بعيد عنك.
آمال: ولو عرف فيروز ملهاش ذنب، وأنا أصلًا مكنتش أعرف إنه ابن يوسف الهواري وشيرين. أنا لما عرفت اسمه لما اتقدم لبنتي، اسمه صقر الهواري، بس قولت يمكن تشابه أسماء مش أكتر.
سهيلة: عشان كنت ياما بحذرك يا آمال أول ما رجلك خطت الفيلا وجيتي تشتغلي، أول حاجة نبهتك ليها قولتلك ابعدي عن شوقي ده شيطان في هيئة بني آدم، وأنتي كنتي صغيرة وخام وقدر يلين دماغك بكلامه المعسول وفهمك إن أنا عيني منه عشان يبعدك عني لما عرف إن أنا بحذرك... تعرفي إنه كتير حاول معايا وأنا عشان عارفة حقيقته ووشه التاني كنت بصدُه وأديله على دماغه، وكان بيسلط عليا شيرين هانم الله يرحمها لكن كانت بتحبني ومتعلقة بيا خصوصًا لما شافتني بحب صقر ورنيم زي ولادي وأكتر... يلا ربنا يسامحها.
انتهى الحفل لكن لم تنتهِ أوجاع القلوب... فيروز ما زالت في صدمتها من والدتها... وكذلك رنيم التي شعرت بالخزي والعار... وآمال بدأت جروحها التي لم تغلق تنزف من جديد... فهل سيتغير حالهم، وماذا ستكتب الحياة في أقدارهم؟!
في اليوم التالي استيقظت سيلين لتجد نفسها نائمة في وضع الجلوس وشهاب يضع رأسها على فخذها وما زال نائمًا، فابتسمت عندما رأت ملامحه الهادئة كالطفل الوديع، فانحنت برأسها وكادت تطبع قبلة على وجنته... فأفزعها عندما فتح عينيه وهو يقطب حاجبيه وبصوت ناعس: صباح الخير يا روحي. ثم أمسك كفها وقبله.
سيلين: صباح النور يا حبيبي... مش هتقوم بقى؟ ده أنا وأنت نايمين على الأرض من إمبارح.
نهض جالسًا وهو يحك عينيه بيديه ثم اعتصر عينيه بتثاؤب وتنهد قائلًا: هي الساعة كام؟
سيلين: شكلنا بعد الضهر.
أحس بألم في رأسه: اااه.
سيلين: مالك؟
شهاب: دماغي هتتفرتك من الصداع ومش شايف قدامي.
نظرت له باستغراب: هو أنت مش فاكر حاجة من إمبارح؟
نظر لها متسائلًا: حصل إيه؟
لوت فمها جانبًا: مفيش أنت تقلت في الشرب و... ولا أقولك خلاص لا عتاب على السكران... قالتها بسأم ثم نهضت واتجهت إلى المطبخ.
نهض ورائها ليذهب ويحاوط خصرها من الخلف ثم أسند ذقنه على كتفها: هو حبيب قلبي زعلان مني ولا إيه؟
ابتلعت ريقها بتوتر: مم مفيش يا حبيبي خلاص حصل خير... روح أنت خد شاور عقبال ما أحضر الفطار وأعملك فنجان إسبريسو يفوقك.
شهاب: ياريت يا روحي لإن هموت من الجوع وهموت وأشرب إسبريسو وكمان حاجة تانية.
سيلين: حاجة تانية هي إيه؟
جعلها تلتفت لتبقى أمامه ثم عانقها بقوة قائلًا: وحشني حضنك يا حبيبتي.
سيلين: ما أنت كنت نايم طول الليل في حضني.
لفت نظره ساعده المضمد ثم ذهب إلى الردهة ليلاحظ كل شيء مبعثر ومحطم فقال: سيلين احكيلي حصل إيه بالظبط والدنيا متكسرة ومقلوبة كده ليه.
سيلين: يوه بقى يا شهاب، اعمل اللي قولتلك عليه، واحنا بنفطر هحكيلك.
زفر بحنق: حاضر أمري لله... قالها ودلف إلى المرحاض ليفتح صنبور المياه ذي المصفاة متعددة الثقوب بالكابينة الزجاجية لتنهمر المياه فوق رأسه وأغمض عينيه ليبدأ يتذكر كل ما حدث بالأمس شيئًا فشيئًا.
أغلق الصنبور والتقط المنشفة على مضض ليلف بها خصره وخرج: سيلين. ناداها بصوته الأجش.
انتفضت وقالت في نفسها: استر يارب ابتدينا الشيزوفرينيا... فأردفت بصوت مسموع: نعم يا حبيبي.
ذهبت لتجده متجهم الوجه فحدق بعينيها فشعرت بخوفها منه فاقترب منها ليعانقها: حقك عليا يا حبيبتي أنا آسف... أنا حيوان مش عارف عملت معاكي كده إزاي... أرجوكي سامحيني.
سيلين: خلاص يا حبيبي أنا مش زعلانة منك لإنك كنت سكران ومش في وعيك... وبعدين روح البس هدومك لتاخد برد وتعالى عشان الفطار جهز.
شهاب: حاضر... إلا قوليلي صح أنتي عمرك ما دخلتي مطبخ عاملة فطار إزاي.
ابتسمت وقالت: دي سندويتشات توست يا شيبو مش محتاجة تعليم.
شهاب: آهااا قولتيلي... فينك يا يسرية يا اللي مدلعاني كل يوم في الفطار والغدا.
سيلين بسخرية مازحة: ما كانت قدامك متجوزتهاش ليه.
شهاب: ههههههه دي في مقام ماما الله يرحمها ومربياني ومربياكي.
سيلين: طبعًا بهزر.
انتهى من ارتداء ثيابه القطنية ثم ذهب ليتناولا الفطور في الشرفة المطلة على مياه البحر الصافية ونسمات الهواء المنعشة... ثم احتسى فنجان القهوة لآخر رشفة منه.
شهاب: تسلم إيدك يا حياتي... قالها وهو يقبل يدها ثم نهض.
سيلين: العفو يا قلبي أنا معملتش حاجة... أنت رايح فين؟
تنهد بأريحية فقال: مفيش افتكرت شوية حاجات خدتها معايا قبل ما نسافر، قولت أراجعها حسابات وشوية حاجات تبع الشغل.
زمتت شفتيها لأسفل: شغل في الهاني مون يا شهاب؟!
ابتسم لها: يا حبيبتي دي شوية أظرف وأوراق مش هتاخد مني نص ساعة هراجعها وبعد كده نقوم نروح المطعم اللي عجبك تعويض عن إمبارح.
سيلين: لاء مش عايزة أروح ده وشه فقر.
شهاب: هههههههه خلاص يا حبيبتي هنروح في أي حتة تانية نفسك تروحيها.
سيلين: أنا هقوم أشيل الأطباق والكوبايات عقبال ما تراجع أوراقك أكون فكرت في مكان كده بحاول أفتكر اسمه كنت ديما بشوفه على النت تبع الجزر برضه.
شهاب: طيب يا حب وأنا هاروح أخد الأوراق من شنطة السفر... قالها ثم دلف إلى الغرفة بخطوات ذات إيقاع يدب الرعب في القلوب... فها هو يفتح سحاب الحقيبة ثم يمد يده إلى مجموعة الملفات والأوراق وما زال الظرف بالحقيبة لتقع عينيه على ذلك الظرف اللعين ليتذكر أنه قام بفتحه يوم زفافه لأنه لم يرَ محتواه بعد فأخذه الفضول ليخرج ما بداخله...
تعالت أنفاسه كالحريق... اتسعت حدقتيه كأنها ستخرج من محجريهما... تعالت خفقات قلبه بالغضب الثائر وهو يقلب الصور التي محتواها سيلين وصقر في أوضاع حميمية... لم يصدق عينيه إلا أنه تأكد من صحة الصور فهي حقًا سيلين والدليل الشامة الموجودة بجيدها وصقر يحفظ ملامحه عن ظهر قلب... وما ساعده على ذلك فهو لديه خبرة في التفريق بين الصور الصحيحة وبين الصور المركبة... اعتصر الظرف بقبضته والصور في قبضته الأخرى واسودت عينيه بظلام الشر والغضب الثائر حيث شعر بخداع وخيانة وكذب ليصيح بكل قوته بصوت اهتزت له كل الجدران الخشبية: سيلييييييييييييييييييييين.
بينما هي قد أغلقت مكالمة هاتفية أتت إليها من مربيتها يسرية... أجهشت بالبكاء لتركض إلى شهاب بدون إدراك أو سمع لمناداته لها، دلفت وهي تفتح الباب لتصرخ بقوة وهي تجهش بالبكاء:
الحقني يا شهاب داد تعب وخدوه على المستشفى ودخل العناية المركزة...................