عملت الشاي ورجعت. كان محمود قاعد على الكنبة، باقة الورد بين إيديه وعلبة الهدايا جنبه وعلى وشه ابتسامة رقيقة. حطيت الشاي على الطقطوقة وقلت من غير ما أبص عليه: "عايز حاجة تانية؟ همس: "لا، شكرًا لك." قلت بنبرة متحدية: "العفو...
دخلت غرفتي وأنا حاسة بالسعادة، فرحانة إنه هيشرب من نفس الكأس اللي ياما دوّقني منه. لازم يجرب كلمة الرفض، كلمة "لا" بتعمل إيه. دلوقتي هيصرخ، هيدافع عن كبريائه. هيضرني، لكن طال الوقت وما سمعتش صوته ولا طلبتي عنده. وكان عندي فضول أعرف هو بيعمل إيه. مشيت على طرف صوابعي وبصيت من الباب اللي كان موارب. كان نايم على الكنبة، حاضن بوكيه الورد وعلبة الهدايا فوق صدره، مغمض عينيه كأنه نايم.
همست: "مش محتاجة وردك ولا هداياك، ومش هنخدع برقة كلامك اللي بعدها بترجع وحش من غير إحساس يعذبني." يدوبك قعدت على السرير وسمعت باب الشقة بيتقفل. طلعت من غرفتي لقيت باقة الورد مرمية على الكنبة وعلبة الهدايا جنبها. باقة الورد محتاجة ميه عشان ما تذبلش، وعلبة الهدايا دي كان لسه محطمها قبل ساعة، كيف التئم؟ رغم حزني على الورد، رفضت أرويه أو أحطه في فازة، وفضلت قاعدة أنتظر وقت حضوره اللي اتأخر أوي.
دخلت نمت، وتعمدت أنام في غرفة النوم بتاعتنا. وسمعت رجوعه بعد نص الليل، لكنه نام في الصالة. والصبح راح الصبح من غير ما يصحيني. همست: "هو بيعاقبني على اللي حصل امبارح، لكن أنا مش زعلانة. أنا مجهزة نفسي لأيام طويلة من الجفاء." فاجأتني حماتي بزيارة غير متوقعة، كأنها كانت قاصدة إن محمود ما يكونش موجود. كلمتني عن الحمل مرة تانية. سألتني إن كنت وقفت آخد حبوب حمل. وقبل ما أرد، محمود وصل ودخل الشقة.
كنت مبسوطة جدًا لرجوعه. هو اللي مفروض يرد على والدته، مش أنا. دافع محمود عن موقفه، خلق الكثير من الأعذار والكذبات. لكن حماتي كانت مصرة، حتى إنها شرعت في البكاء. همس محمود بمكر: "أعمل إيه إذا كانت مراتي رافضة تحمل؟ وخايفة على جسمها من تشوهات الحمل؟ حماتي بصت ناحيتي بنظرة اتهام، وأنا مقدرتش أمسك نفسي. خرجت كل الغضب اللي كان جوايا ناحيته. صرخت: "أحمل إزاي وأنا لسه بكر عذراء وابنك ما قربش مني؟
كل يوم يجيب واحدة شاكلة ينام معاها على سريري! هحمل من فين؟ هفقس طفل يعني؟ حماتي مقدرتش تتحمل كلامي. وقعت في الأرض واغمي عليها. شلناها وطلعنا على المستشفى. وكانت المرة الأولى اللي أشوف فيها دموع جوزي محمود، حتى إني أشْفَقْت عليه. ولميت نفسي إني طلعته بالصورة البشعة دي. فضلنا تلات أيام مش بنتكلم. محمود عمل كل حاجة من أجل والدته. لم يتوقف عن البكاء حتى أخبره الأطباء إن والدته بخير. فتحت عيونه.
لما حاول يشوفها، والدته رفضت. طردته من الغرفة، صرخت: "انت مش ابني وأنا ميشرفنيش إنك تقعد معايا. صرخت: أنا مش قادرة أبص في وشك، انت وحش مش إنسان. اطلع بره، امشِ من هنا." خرج محمود، رحل واختفى لشهور من غير ما نعرف عنه أي حاجة. عشت مع حماتي، واللي رغم غضبها منه بدأت تشتاق ليه وقلبها كان هيتقطع عليها. ما كناش عارفين هو فين، كويس ولا لأ. أنا نفسي شعرت إني مفتقداه جدًا.
محمود ما راحش الشقة بتاعتنا. تأكدت من الحارس إنه بقاله شهور مشافش الأستاذ محمود. حماتي صحتها اتدهورت واضطرت إني أروح الشغل أسأل عليه. روحت الشغل وطلبت من أحد العاملين يقوله إن زوجته منتظرة بره. كان زوجي فقد نص وزنه، بدا نحيف ومنهك، وجهه أصفر كأن الدماء رحلت من جسده. ترجيته يرجع لأن صحة والدته تدهورت وكل يوم في النازل. استمع لي بصمت. بعدها رفع وشه والتقت عيوني. سألني: "هل ترغبين أنتِ في عودتي؟ قلت له: "عشان والدتك؟
أيوه ارجع." قال: "أنا بسألك أنتِ، عايزاني أرجع؟ قلت بتصميم: "لا، عايز ترجع عشان والدتك ارجع. لكن بالنسبة ليا أنا، رجوعك من عدمه لا يشكل عندي أي فرق. هي والدتك والقرار قرارك." زرع عيونه في الأرض وهمس: "حسنًا، يبدو أن الأمور ستمضي إلى حيث كان من المقدر لها أن تمضي. سأعتقك من رفقتي إلى الأبد." لما حس خوفي وجذعي، قال: "متخافيش، أنا مش هطردك من الشقة، تقدري تعيشي فيها. أنا مش هرجع هناك تاني."
همست: "شكرًا، لكن أنا هعيش مع والدتك." قال: "دلوقتي وأنتِ عارفة إنك مش مضطرة ترجعي بيت والدك زي ما هددتك أكتر من مرة، انتِ عايزة تنفصلي عني؟ أطلقك؟ صدمني كلامه، فجأة لقيت كل اللي تمنيته قدامي، لكنى محسّتش بالسعادة. كان منتظر ردي، وكان لازم آخد القرار اللي كتير حلمت بيه. قلت: "لو كان كلامك حقيقي ومش هتطردني من الشقة أو تضغط عليا عشان أمشي، فأنا عايزة أنفصل عنك. أنا مشفتش ولا يوم سعيد معاك."
تنهد محمود بآسى وقال: "أنتي طالقة." "يوصلك كل أول شهر مرتب يكفي احتياجاتك، مش هتوقف عن إرساله لحد ما تقرري تتجوزي من شخص تاني وتقدرى تعيلي نفسك." قلتله: "ووالدتك؟ قال: "هبقى أجي أزورها بس ما حددش يوم معين." رجعت لشقة حماتي بمشاعر متضاربة، خليط بين الانعتاق والآسي. قلت لحماتي: "محمود هييجي يزورك في أقرب فرصة." تهلل وجه حماتي من الفرحة، قالت: "أخيرًا الميه هترجع لمجاريها، انتي ومحمود." قلت: "لا، محمود طلقني."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!