جلست لورا على كرسي محمود الجلدي، وجلس محمود على مقعد خشبي واطئ. كانت الكتب مرصوصة فوق بعضها، وجهاز الموسيقى يجلس بأناقة فوق طاولة صغيرة. بينما لوحة يعلوها مصباح في آخر السطح، إلى جوارها فرشاة زيتية، وبورتريه غير منتهٍ غطاه محمود بقماشه. ورغم علمي أن محمود مش رسام، إلا أن فضولي زاد لحد مريع. كان محمود يبص على لورا بصات لا تعني أبداً أنها شيء هامشي. "تفضلوا القهوة."
مسك محمود فنجان قهوة وقدمه للورا، التي أمسكت يده مع الفنجان وهي فاتحة بقها زي البقرة. "تسلم إيدك يا حنان." "لكن فين فنجان القهوة بتاعك؟ "أنا مش ناوية أقعد كتير، همشي." "لا، القعدة متحلاش غير في وجودك، وأكيد لورا معندهاش مانع تقعدي معانا. أنتم صحاب، ولو كان فيه غريب بينكم، هيكون أنا." همست لورا أنها هتناقش بعض الأعمال الموسيقية مع الأستاذ محمود، وأن وجودي مهم جداً. عملت فنجان قهوة وطلعت.
محمود كان بيتكلم مع لورا عن تاريخ الموسيقى في عصور أوروبا الوسطى، ولورا اللعينة منصته باستمتاع. سبت كل ده وروحت على اللوحة وسألت محمود: "انت بترسم إيه هنا؟ "مجرد خربشات لما ربة الرسم تنزل عليا." وقبل ما أمنحه فرصة، قررت أوري لورا فشله. نزعت القماشة تحت عيون لورا، التي همست: "الله الله." رفع محمود كتفه بلا حيلة. كانت اللوحة تصور بحيرة فيها أوزات تلتهم سمك نافق.
تحلق بعض الطيور في سماء رصاصية، مع الخلفية غروب يجر كفناً من الأشعة الحمراء. على طرف البحيرة فتاة هزيلة عارية الكتفين، ماسكة غصن وشعرها جديلة طويلة حتى خصرها. ورا البنت أشجار منتصبة تحتضن بيت ريفي، بيت البنت على ما يبدو. كانت لوحة بديعة، حتى وأنا مش بفهم في الرسم، مقدرتش أشيل عيني عنها. "انت رسام كمان." "رسام على قدي." اللوحة كانت حلوة، سواء محمود رسمها أو اشتراها لسبب معرفتوش. للأسف، محمود لا يتوقف عن إبهاري كل مرة.
"أنا وحيد." همس محمود بتلك النبرة التي يستخدمها لينسب للآخرين مشاعر كان يرفض الاعتراف برؤيتها في نفسه. "مع ذلك أنا حزين، الألم الأصدق هو الذي نعيشه بمفردنا." خارج محمود وغل يده في جيب السترة. "لست وحيد." "لا تأمل مني أن أتألم من أجلك." وإدراكاً لقسوة كلماتي، أردفت: "أنت حقاً رائع ولن تكون وحيد أبداً." "أجل." "شخص بمواهبك عليه أن يبتعد عن الحزن ولا يسمح له أن يتخلله، البشرية تحتاجك! "كيف أفعل ذلك؟
"نحن حولك، معك، أنا معك." وأدركت أن لورا ستبكي، أعرف تلك الفتاة وطيبة قلبها. "نعم، نحن حولك. والدتك هنا وأنا أيضاً، حتى لو كنت تعتبرني غريبة، فإننا نقيم في نفس المكان." "تقولين ذلك رغم أنك تنتوين الرحيل؟ رفع محمود عينيه وبص ناحيتي بحزن: "أنتِ فعلاً هتمشي؟ "أيوة حنان قالت إنها هتتأجر شقة بعيدة هتعيش فيها لوحدها. حنان شايفة إنها مش هتقدر تقعد في بيتكم أكتر من كده، وإنها لازم تشق طريقها ومش هتسمح لحياتها إنها تتوقف."
"فعلاً من حقها تمشي." وبص ناحيتي: "خليكي عارفة إني مش هتأخر في أي مساعدة تطلبيها مني." "انتوا بتتكلموا عني كأني مشيت خلاص؟ دي كانت مجرد فكرة. أنا سعيدة هنا مع ماما ومع... ومكملتش الكلمة، وقفت في. بصتلي لورا بغيظ، لكن إحنا شوفنا شقق كتير بالفعل وتكلمنا في الإيجار مع أصحابها. حسيت دموعي هتنفجر. عمري ما حبيت أفضل في نفس المكان اللي فيه محمود أكتر من اللحظة دي. حتى لو مكنش جوزي، كفاية إني أشوفه كل يوم بيروح الشغل.
أسمع سعاله في الليل. وأحس بخطواته على سطح البيت. "الوقت اتأخر، أنا لازم أمشي، مع إني مش عايزة أمشي." "بصي على صاحب الوش الكئيب ده، قلبي مش مطاوعني أسيبه لوحده." "تريث محمود قليلاً، كان الظلام مطبقاً على الشارع." "لا تقلقي، أنا معتاد على العزلة، يمضي العالم بعيد وتافه خارج حجرتي." "انت مش وحيد، لازم تعرف إنك الليلة كسبت صديقة جديدة." "أنا وحيد مثل تلك الفتاة." بدي لي صوته هشاً وفزعاً، وشعرت بقلبي يتقطع.
"مخطئ أنت إذا شعرت أنك وحيد ولا أحد مهتم بك؟ "كنت أخرقاً، هداماً، منفرًا، غير مفهوم، أنت من جررت ذلك على نفسك." "أو حقاً؟ "عذراً." ولوحت بيدي في الهواء: "هل تعاني من فقد ذاكرة لعين؟ انحنى ملوحاً بيده أمامه: "أتمنى ملاقاةك في ظروف أفضل، أعني بعيد عن تلك المشكلات." "لا وجود للمشكلات، اختلاف وجهات نظر، لورا تتفهم ذلك." "نعم أتفهم ذلك. على كل حال... وصمتت لورا. "أتوقع أن تجمعنا جلسة في وقت قريب." "أتطلع لذلك."
وطبع قبلة على يد لورا. "هل سأكون حاضرة؟ "يسعدني ذلك." بيننا هبطت لورا درجات السلم دون أن ترد، وأن أودعها على الباب، كانت عيناها مغورقة بالدموع. بعد ما لورا مشيت، وقبل ما محمود يدخل غرفته، سألته: "انت ليه بتعمل كده؟ "أعمل إيه؟ "بتحاول توهم الناس إنك مظلوم ووحيد والحياة قست عليك؟ بص محمود في عينيه: "اسمعي، أنا متفهم خيباتك، هزائمك وخسائرك." "الظلم اللي وقع عليكي." "هعمل إيه؟
اعتذاراتي مش هتشفع لي. لو كنتي متوقعة إني هزحف كحشرة كافكا عشان أنال غفرانك، تبقي غلطانة." "أنا مطلبتش منك تكون حشرة، يكفي تكون إنسان فاهم؟ "لكن انتي مش متخيلة إني إنسان أحمل مشاعر وأتألم مثلك؟ "لكن لورا هتفهمك صح؟ "ليه بتدخلى المتطفلة دي في كلامنا؟ مش أنا اللي عزمت لورا في بيتنا على فكرة." "يعني مش هتقابلها تاني؟ "هو ده كل اللي هامك يا حنان؟ أنا كنت افتكرتك اتغيرتي." "أنا مبقاش لي وجود في حياتك خلاص."
"أنا مغيرتش رأيي، قصتنا انتهت خلاص، أنا بس بحاول أفهمك." "لكن أنا أعتقد قصتنا لسه مبدأتش أصلاً."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!