الشغل كان واخد كل وقتي، كنت عايزة أحقق مكانتي، كنت بعمل كل ده بسعادة ومكنش مضايقني غير إني بعمل كل ده عشانه حتى لو كان من أجل الانتقام. للأسف محمود كان محور حياتي في أوقات نجاحي وانكساراتي. محمود بينام في الغرفة اللي جنبي بعد ما توقف عن نزواته، وإن كنت أجهل السبب. كنت بتمنى يكون عمل كل ده عشاني حتى لو هو مش جوزي. بينفصل بيني وبين محمود جدار، لكن لما الليل يجي وأنام على سريري، كنت بحس نفسي عارية أمامه.
كان الجدار بيتمحي، وأراه يتقلب على السرير مثلي. حتى إني كنت أرفع الغطاء فوق جسدي، أسمع سعاله، أحفظ حركاته. دلوقتي هينام، بعد شوية هيحس بالأرق. هيُقعد على طرف السرير، هيدخن سيجارة، حتى إني كنت بتخيل نفسي وأنا بقوم بإغرائه. استقرت أحوالي في الشغل، إلا إن صداقاتي كانت منعدمة. مكناش ليّ صديقة غير يارا، أكلمها في التليفون، أخرج معاها، أتفسح، أعزمها على العشاء برا البيت.
لورا كمان كانت وحيدة، كانت ليها تجربة زواج فاشلة مع زوج بخيل انتهت بخلعه بعد ما تخلت له عن كل حقوقها المادية. لما قولت للورا إن طليقي اداني حرية التصرف في الشقة والبيت، وإن والدته مديانا نفس الحقوق، لورا مصدقتش كلامي. قالت: "كيف يكون وغد حقير زيه بالرجولة دي؟ رجولة؟ رنت الكلمة في دماغي، عمري ما اعتبرت محمود راجل، أو أنا اللي عمله خلاني أشوفه راجل، لكن لورا كان ليها رأي تاني. بعد ما علاقتنا أنا ولورا توطدت،
سألتني لورا: "إمتى هشوف الوغد الحقير بشع المظهر جوزك؟ لطالما اعتقدت لورا إن محمود بشع المظهر، كرشه بيندلق فوق معدته، أصلع، تخين، عيونه غائرة. كانت بتسقط مظهر زوجها على كل رجل خائن، ومقدرتش أنجح إني أغير رأيها. كانت لورا مصرة على المقابلة دي، وأنا كنت بأجلها باستمرار. كنت خايفة أفقد تلك الحليفة، مكنتش قادرة أفهم ليه كل الحرص ده على قتل أي فرصة هيشوفوا فيها بعض. فعلاً أنا مش عايزاه، لكن مش مستعدة أفقد وجوده في حياتي.
أصبحت حججي ومبرراتي غير مقبولة بالنسبة للورا، ولا حتى بالنسبة لي أنا. في النهاية تم تحديد اللقاء. قلت لحماتي إني عزمت صديقتي على العشاء، وموجهتش الدعوة لمحمود، رغم إني عارفة إنه هيكون موجود. فتحت حماتي دفترها، سجلت أنواع الأكل اللي أنا بحبه واللي لورا بتحبه. كانت حماتي حريصة إني أطلع بصورة مبهرة قدام صديقتي، كل يوم حبها بيزيد في قلبي أكتر. طلبت حماتي من محمود، اللي كان لسه واصل، إنه يشتري باقة ورد، ومسألش عن السبب.
خلال رجعنا من الشغل، في طريقنا للبيت، كنت بسأل نفسي: يا ترى محمود هيكون في انتظارنا ويتخلى عن سلبيته لما يشوف لورا صديقتي؟ كانت الشقة جاهزة ومعدة من أجل الزيارة. أعطت حماتي يارا باقة الورد وحضنتها. "كنتِ أمكان لون الورد أحمر أرجواني؟ ليه محمود اختار اللون ده بالذات؟ على طول حسيت بالشك. قعدت أنا ولورا مع حماتي، محمود مظهرش، كان قاعد في صومعته فوق سطح البيت. قالت حماتي: "هنادي محمود من فوق سطح البيت ياكل معانا."
قلت بسرعة: "متزعليش نفسك، أنا هنادي عليه." صعدت درج السلم بهدوء. محمود كان قاعد على الكنبة مادد رجليه على الطاولة، في فمه لفافة تبغ، يستمع للسيمفونية 106 لبيتهوفن، الكونشيرتو الرابع، شارد في صمت عميق، غير منتبه لخطواتي. قلت: "مرحباً، كيف حالك؟ لف محمود ناحيتي وقال: "بخير الحمد لله، شكراً لك." قلت: "عندي صديقة حضرت لتناول الطعام معانا، ممكن تنضم إلينا؟ قال: "لا مشكلة." كان لابس هدوم البيت، لكنه كان أنيق كعادته.
همست: "هتغير هدومه؟ قلت: "ماشي، دقايق وهكون جاهز." نزل محمود ورايا ودخل غرفته، ولم تلاحظه لورا. خرج بعد دقائق لابس قميص لبني ضيق، بنطال أخضر إيطالي ماركة أورماني، حذاء أسود لامع، وتسريحة شعر غير متكلفة، وفي إيده هديتي، الساعة السواتش. ألقى التحية، سلم على لورا وقعد بعيد عنها. رحب محمود بلورا، شكرها على قبول دعوتي للانضمام إلينا. ثم همس بمكر: "حنان بارعة في اختيار صديقاتها." قالت لورا: "آسفة، مش سامعة، ممكن تقرب شوية؟
وأخلت مقعد جنبها. قعد محمود جنب لورا، إلى كانت بتبص لي بعتب. همست لورا بصوت خافت: "طليقك أنيق وجذاب جدا." ابتسمت وهمست: "عاجبك؟ قالت: "الموضوع مش كده بس، ولا أقولك، انسى. أنا بس مش قادرة أتخيل إزاي واحد زيه يعمل العمايل الزفت اللي كنتي بتحكيلي عنها." ساعدت حماتي في تنضيف السفره وغسل الأطباق. ولم يخفى علي إن لورا كانت بتتكلم مع محمود بصوت واطي. كان محمود بيرد عليها. "طبعاً، ده أمر لا يطاق."
"مفيش حد ينفع يحكم على نفسه يا آنسة لورا." ضحكت لورا وقالت: "أنا مش آنسة." وحكت حكايتها مع طليقها. همس محمود: "معاكي حق، أنا مقدرش أتخيل كيف يضرب زوج زوجته اللي بيحبها." "كان بيخرج من الأفخاخ بطريق مبهرة ومحببة." حماتي كانت بتسأل لورا: "فين عيلتك؟ عايشة إزاي؟ ساكنة فين؟ إزاي قادرة تعيش حياتها لوحدها؟ همست لورا: "الصراحة إنك تعيش لوحدك أمر شاق جدا. أنا بحسد حنان إن ليها عيلة عايشة وسطيها."
سألت حماتي لورا: "استفدتي إيه من تجربتك؟ قالت لورا: "ليس كل الرجال سيئين، ولا كل النساء ملائكة. أنا لسه بحلم بعلاقة سوية تنسيني أوجاع الماضي." استرسلت لورا في كلامها، محمود بيسمع في صمت وأنا عمالة أفرك في صوابعي. كنت غاضبة جدا بلا سبب، غاضبة لدرجة إني ممكن أخنق لورا وأضربها. وكنت سعيدة جدا لما محمود استأذن وطلع لكتبه وموسيقاه. قلت: "حسناً يا وغدي الجميل، أنا ممتنة لك."
همست لورا: "أنا هطلع معاك. حنان بتقول إنك بتسمع سيمفونيات من اللي أنا بحبها. ياناتشيك، شونبرغ، سترافنسكي، فاغنر، برامز، 1926 لبارتوك، في الهواء الطلق، يا إلهي كما أعشقها! وكانت وصلت محمود لما قالت: "أنت عندك سبعون ألف 1909." بصلها محمود باستغراب وقال بابتسامة: "نعم بالتأكيد." لأول مرة أكره حماقتي، غبائي، وأسألني لماذا لم أحاول الاستماع لتلك المقطوعات من باب المعرفة حتى أرضي نفسي ولا أبدو جاهلة بتلك الطريقة.
هبط محمود بسرعة وطلب من والدته أن تصنع فنجاني قهوة. كنت أعلم أن وجودي معهم تطفل، هزيمة أخرى تلحق بانكساراتي. لكن ما كان لي أن أتركهم بمفردهم حتى لو انتحرت. قلت: "والدتك متعبة، يكفي ما قامت به اليوم، سأصنع أنا القهوة." همهم: "شكراً."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!