كنت سعيدة جداً، خصوصاً قدام مراة أبويا اللي طول عمرها كاسرة عيني. ومحمود بيديني فلوس أعرضها عليها وعلى والدي لو كان محتاج مساعدة. أخدني على جنب بعد ما غمزلي بعينه وحط الفلوس في إيدي، وأنا فهمت هو يقصد إيه. ديت الفلوس لمرآة أبويا ولأول مرة وأنا في مركز قوة. مسخرتش منها ولا حاجة، بس حسيت لنفسي قيمة، أجبرتها تحترمني. محمود كان قاعد ساكت بيرد على قد الكلام مع والدي. خلصنا قعدتنا ومشينا وأنا مش عارفة أشكرة ولا أعمل إيه.
وصلنا الشقة. محمود غير هدومه وقعد على الكنبة يتفرج على التليفزيون وأنا لسه محتارة أعمل إيه. غيرت هدومي وخرجت قلت له: "أنا متشكرة يا محمود." رفع عينه وبص عليا: "ده ميغيرش من الوضع أي حاجة، فاهمة؟ أنا زي ما أنا مش هتغير، ولو اتدخلتي في شؤوني أو غلطتي، انتي عارفة هيحصلك إيه." نبرته كانت قاسية أوي لدرجة إني زعلت إني شكرته. قلت: "طيب، انت عايز حاجة؟ أنا هدخل أنام." وقف في مكانه وبصلي بصة مرعبة.
قرب مني وهمس: "مفيش حاجة اسمها أنا عايز إيه، أنا ميتقليش عايز حاجة كأني شيئ تافه من أغراض الشقة." أردت أن أتلاشى غضبه بسرعة. قلت بهمس: "انت مقولتش أناديك بإيه؟ "تناديني ممممم." وذهب ببصره نحو الشرفة وعاد حتى ظننت أنه يمزح. بسرعة فائقة أمسك شحمة أذني وفركها بقسوة جعلتني أحني جسدي، ثم همس داخل أذني: "سأكون سيدك داخل الشقة وخارجها، وفي كل أرض تضعي قدمك فيها، وحتى تتوقف ساعاتك بعد عمر طويل."
قلت له: "حاضر، سيب ودني من فضلك." "ما أنتي بتعرفي تتكلمي كويس أهو." وركلني على مؤخرتي ركلة خفيفة، ثم دفعني بقوة بعيد عنه وصرخ بنبرة متوسطة: "اعملي شاي بسرعة." كانت شحمة أذني بتوجعني جداً وحاسة بأزيز فيها كأنها اتقطعت. ولأول مرة لا أغضب منه. يمكنني تحمل قسوته، فعلى كل حال هي جسدية، لكن خيانته تصفع كبريائي وأنوثتي. "الشاي سيدي محمود." همست من باب المطبخ ومشيت ببطء مصطنع.
قال: "سيبه هنا." وبدأ مسروراً من سيطرته، حتى أنه تركني ما تبقى من النهار والليل كله دون أن يتذكرني. محمود زوجي إنسان غريب. وعندما أجده جالساً مع نفسه بشرود، وأمر من أمامه أو أقضي مصلحة، لا ينتبه لي ولا يوبخني، كأنني غير موجودة، أو كأنه غير موجود. حتى أنني توصلت لفكرة، طالما أمنحه ما يريده، ربما يتركني في حالي. في الصباح أعددت طعام الفطار والقهوة الساخنة، وتجرأت وأيقظته. قلت لأرى ردة فعله.
فتح عينيه بكسل ورمقني بعيونه البندقية الجميلة وهمس يكلم نفسه: "ياه، أنا نمت كل ده؟ ثم نهض وقصد الحمام. غسل نفسه وخرج يرتدي بنطال. لف وشي بعيد عنه وكان غير منتبه. وعندما انتبه، أخفى جسمه بسرعة، ثم جلس يتناول طعامه بكل سكون العالم. ثم بدل ملابسه وخرج وسألني: "عايزة حاجة من تحت وأنا راجع؟ قلت: "لا، شكراً." "ممكن أروح عند والدتك؟ " همس من غير ما يبصلي. "لا، مش كل يوم." ثم انصرف.
يمر الوقت ممل لما ميكونش عندك حاجة تعمليها. كلمت مامتي في التليفون، والدة جوزي، وقعدنا نرغي فترة طويلة. وقعدت تحكيلي عن محمود وماضيه، وأنه كان بيحب واحدة قبل كده واتجوزت من مدة طويلة اسمها لبنى. سمعتها بتركيز كبير وحاولت أحفظ تفاصيل صغيرة ذكرتها عن طباعه. وكانت بتأكدلي أن محمود حنين جداً، ولو حد دخل قلبه مش ممكن يزعله أو يتخلى عنه. خلصت المكالمة وقعدت مع نفسي. مش ممكن أدخل قلب محمود أبداً، ولا يمكن يحبني.
وكانت عندي قناعة تامة أن كل اللي أنا عايزاه إنه يسيبني في حالي، أو يخليني أعيش مع مامته في بيتها. وقتها كل أحلامي هتكون اتحققت. كنت أخاطبه بسيدي، وكان يتعمد حينها عدم أغضابي أو إهانتي، كأنه يخبرني: اعرفي مكانك. همست في سري: "ماشي." وكنت على وشك تقبل الأمر حتى طرق باب الشقة. ودخلت نفس البنت اللئيمة الأولعبان. وقفت متخشبة دقيقة. بصيت على محمود اللي كان غير مهتم بيا. بعدها سبتهم وروحت على المطبخ. جلست في سكون وصمت.
كان تهامسهم يصل أذني ثم يضحك بصوت مرتفع. لم أتحرك من مكاني رغم تجوله داخل الشقة ومروره بجواري. صمت لأن ليس لدي إلا حل واحد، أن أترك الشقة وأذهب إلى منزل والدي. وأنا لن أفعل ذلك حتى لو مت. انتظرت أسمع باب غرفة النوم ينفتح وينغلق، لكن فجأة انفتح باب الشقة ورحلت الفتاة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!