تحميل رواية «عشق بين نيران الزهار» PDF
بقلم سعاد محمد سلامة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بالقاهرة، بشقة بمنطقة شبه راقية. كانت زينب تجلس برفقة أخيها، أرضاً يلعبان أحد الألعاب الإلكترونية على شاشة أمامهما. تذمر أخيها وترك ذراع التحكم باللعبة قائلاً: "إنتي بتغشي يا زوزي، مش لاعب معاكي." ضحكت زينب قائلة: "مجد، قولتلك بطل زوزي اللي بتقولها لي دي، وبغشك إيه يا فاشل، هو إنت كده لما تلاقي نفسك هتخسر تعمل لي الغباوة دي، طلع الفلوس يا ناصح أنا خلاص كسبت الجيم." رد مجد: "فلوس إيه يا حلوة إحنا بنلعب تسالي، مش بنلعب على فلوس كده يبقى قمار والقمار حرام، رجسٌ من عمل الشيطان." نظرت له قائلة: "رجسٌ...
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل الأول 1 - بقلم سعاد محمد سلامة
بالقاهرة، بشقة بمنطقة شبه راقية.
كانت زينب تجلس برفقة أخيها، أرضاً يلعبان أحد الألعاب الإلكترونية على شاشة أمامهما.
تذمر أخيها وترك ذراع التحكم باللعبة قائلاً:
"إنتي بتغشي يا زوزي، مش لاعب معاكي."
ضحكت زينب قائلة:
"مجد، قولتلك بطل زوزي اللي بتقولها لي دي، وبغشك إيه يا فاشل، هو إنت كده لما تلاقي نفسك هتخسر تعمل لي الغباوة دي، طلع الفلوس يا ناصح أنا خلاص كسبت الجيم."
رد مجد:
"فلوس إيه يا حلوة إحنا بنلعب تسالي، مش بنلعب على فلوس كده يبقى قمار والقمار حرام، رجسٌ من عمل الشيطان."
نظرت له قائلة:
"رجسٌ من عمل إيه؟ بقول لك هات فلوس أحسن لك، يا فاشل، إنت اللي قولت من الأول الجيم بخمسة وعشرين جنيه وأهو ده رابع جيم أكسبك فيه هات المية جنيه أحسن لك، بدل ما أشير لك فيديو على الفيس والإنستجرام، وإنت بتشتم رؤسائك في شركة البترول وأتسبب في فصلك من الشركة اللي بتقبضك بالدولار، وخلتك إتنخفخت عليا أنا أختك الكبيرة والغلبانة."
نظر لها قائلاً:
"فيديو إيه ده، وصورتيه إمتى مش فاكر مرة إني شتمت حد من رؤسائي قبل كده قدامك."
ردت زينب:
"ما إنت صحيح مش شتمتهم، بس أنا جمعت فيديو، فوتو مونتاج، وبصوتك، يا بشمهندس."
تعجب قائلاً:
"يرضيكي تشهري بأخوكي وتتسببي في فصله من الشركة عشان ميت جنيه."
ردت قائلة:
"يرضيني جداً كمان، طالما هو بيبخل عليا، وبعدين أنا مالي إنت اللي خسرت، يا حمار."
رد مجد:
"خسرت إيه والله إنتي بتغشي في اللعب."
مسكت زينب مقدمة ملابس أخيها وجذبته منها بقوة قائلة:
"ولا بقولك إيه خلص هات المية جنيه وكمان خمسة وعشرين جنيه فوقهم."
تبسم قائلاً:
"والخمسة وعشرين جنيه دول كمان بتوع إيه ولا هو نظام تقليب والسلام."
ردت زينب:
"هو كده أنا عايزة مية خمسة وعشرين جنيه تمن تذكرة القطر من القاهرة للشرقية."
نظر لها مبتسماً يقول:
"وهو قيمة تذكرة القطر من القاهرة للشرقية مية خمسة وعشرين جنيه ليه."
ردت عليه:
"مش هركب درجة مكيفة يا حيوان عايزني أنا الدكتورة زينب السمراوي، أركب في القشاش."
تبسم بسخرية قائلاً:
"يرضيني جداً، وأنا مالي هو أنا اللي كنت نقلتك، ما هي طول لسانك هي السبب، من يوم ما اتخرجتي من كلية الطب مقضياها عقوبات، من مستشفيات الصعيد للقاهرة ويوم ما ربنا كرمك وجيتي لهنا في القاهرة وقولنا خلاص ربنا هيرضى عنك طولتي لسانك على ابن أخو وزير الصحة، وأحمدي، ربنا إنها جت على قد نقل للشرقية، يا ريته كان فصلك أو نقلك لحلايب وشلاتين. خد الفلوس أهي، يارب القطر يولع."
تبسمت قائلة:
"لأ قطرات الصعيد بس هي اللي بتولع إنما الشرقية لأ."
أخرج أخيها بعض النقود وبدأ يعد فيها.
تركت زينب مقدمة ملابسه وخطفت منه المال قائلة:
"بلاش تعد لا تقل بركته، يلا هقوم أنا أنام بقى عشان هصحى بدري."
قال مجد بذهول:
"بت هاتي الفلوس بتاعتي، معييش غيرها هصرف منين، بقية الشهر."
نهضت زينب قائلة:
"روح اسحب غيرهم من أي مكنة سحب فلوس، هتغلب يعني، اعتبرهم صدقة عن أموالك."
تبسم ساخراً:
"صدقة أموالي، يا عانس هتفضلي عانس طول ما إنتي بتستقوي عليا وتلهفي فلوسي، يا عانس آل السمراوي."
تبسمت له قائلة:
"آل السمراوي مين دول، دول ما فيهمش راجل غير بابا وبالباقي... ولا بلاش عشان خاطر بابا."
تبسم والداها الذي دخل:
"كتر خيرك يا بنتي ربنا يسترِك."
قبلت وجنة والداها قائلة:
"تصبح على خير يا بابا، ماما فين."
رد صفوت:
"ماما نامت بعد العشا، حتى أنا اللي شطبت المواعين."
تبسمت زينب قائلة:
"قولتلك قدامك حلين لغسيل المواعين، يا تشتري غسالة أطباق، يا تطلق ماما أو تتجوز عليها واحدة وهي تغسل بدالك المواعين، بس المرة دي اتجوز واحدة بتشتغل في بنك استثماري، مش شركة تأمينات، وخليه يشوف لي أخوها، إن شاء الله أبوها اتجوزه، عشان ما أبقاش عانس آل السمراوي."
ضحك أخيها كذلك والداها قائلاً:
"مين اللي عانس آل السمراوي، دي زوزا أجمل بنت في العيلة كلها."
قبلت زينب رأس والداها قائلة:
"تسلم لي ويطول لي عمرك، إنت الوحيد اللي رافع معنوياتي في البيت ده."
بالشرقية، قرية الزهار.
بمنزل صغير مكون من دور واحد، بسيط الأثاث.
نادت تلك الأم (فادية) على بناتها، كي يأتين لها.
بالفعل لبوا ندائها ودخلن خلف بعضهن.
تبسمت لهن بحنان قائلة:
"يلا يا بنات أنا حطيت العشا خلونا نتعشى مع بعض."
ردت أصغر البنات (هبة) قائلة:
"مش هنستنى بابا لما يرجع، لو جه بعد ما أكلنا من غيره هيعمل مشكلة زي عادته."
تلخبطت فادية قائلة:
"العشاء أذّن من وقت وصلوها في الجامع كمان وطلعوا، وهو مرجعش، وإنتي وراكي الصبح مدرسة وأختك جامعتها وأختك الكبيرة عندها شغل في المدرسة، يعني لازم تناموا بدري، عشان تصحوا فايقين."
جلست الابنة الوسطى (ليلى) أرضاً وأمامها طاولة الطعام قائلة:
"أنا عندي محاضرة بكرة الصبح الساعة تمانية، هقعد آكل كده كده، بابا هييجي يزعق بسبب وبدون سبب، فا مش هتفرق معايا."
تبسمن لها أختيها وجلسن هن كمان.
كانت آخر من جلست هي أمهن.
جلسن يتناولون طعام بسيط لكن بالنسبة لهن هي نعمة.
تبسمت لهن فادية وهي تجلس بجوارهن، تتناول معهن الطعام، وهن يتسيرن معاً يمزحن ويمدحون، بطعام والداتهن.
لكن انقلب هذا حين دخل عليهن صفوان قائلاً:
"قاعدين تاكلوا وتتسمموا، وتضحكوا مع بعض، ولا على دماغكم راجل البيت الشقيان، طول اليوم تحت رجليين الخيل عشان في الآخر ييجي، حتى اللقمة ميلقيهاش، أنا لو كنت خلفت ولد كان زمانه شال الحمل عني، لكن هقول إيه، ربنا ابتلاي، بتلات بلوات."
صمتن جميعاً عدا، ليلى التي قالت:
"مين اللي قال علينا بلوات، إحنا أحسن من الرجالة، عندك بنت مدرسة، والتانية هتبقى دكتورة بيطرية، والتالتة، في آخر سنة في الثانوية العامة، وناوية تبقى مهندسة، لو كنا تلات صبيان زي ما كنت حضرتك عايز، يمكن كان زمانا صيع، وجايبين لك مشاكل مع اللي يسوى واللي ميسواش، ده غير تقريباً مش حضرتك اللي بتصرف علينا، اللي بتصرف علينا هي ماما، بتربي طيور تكبرها وتبيعها غير إننا كمان بناكل منها، أنا مش عارفة المرتب اللي بتقبضه كل شهر من شغلك في مزرعة الخيل بتاع ولاد الزهار بيروح فين، طبعاً بيروح على شلة السو اللي بتسهر معاهم، وتعمل نفسك كريم قدامهم، يا ترى يا بابا لو في يوم احتاجت وطلبت منهم هيعطوك، هقولك، لأ لأنهم مش من دمك، ومش هيطمر فيهم."
تعصب صفوان قائلاً:
"هقول إيه تربية مرة، أنا معرفتش أربيكي، واقطع لسانك ده."
قال صفوان هذا وجذب ليلى من شعرها، لتقف أمامه، كاد أن يصفعها، لولا أن وقفت مروة أمام يده، لتأخذ هي الصفعة بدل عن ليلى.
وضعت مروة يدها على وجهها قائلة بدموع:
"كلام ليلى صحيح يا بابا، حضرتك عمرك ما صرفت علينا، غير الطفيف، كل فلوسك مضيعها، حتى قليل لما بقيت بتشتغل، وده كان سبب طرد هاشم الزهار لك من مزرعته، لأنك شخص متواكل مش بيحب يشتغل، وإنت عارف كويس ليه ولاد الزهار مستحملينك، بس هقولك يا بابا مستحيل أتجوز من ابن الزهار المشوه."
نظر صفوان لها بغيظ قائلاً:
"ابن الزهار المشوه اللي بتقولي عليه ده، لو عاوز أحلى منك هيترموا تحت رجليه، بس إنتي فقرية غاوية فقر زي أمك، اللي مطوعاكي على كده."
قال صفوان هذا وترك المكان بغضب ساحق، بينما وقفت فادية، وهبة وكذلك ليلى، وأقتربن من مروة التي ضمتها فادية بحنان قائلة:
"حقك عليا يا بنتي، معلشي."
ردت هبة الصغيرة قائلة:
"يارب ما يرجع تاني إحنا من غيره مرتاحين."
تحدثت فادية بعتب قائلة:
"عيب كده يا هبة، ده باباكي، ومهما عمل ادعي له بالهداية."
بمنزل ضخم وفاره.
منزل هاشم الزهار.
بغرفة السفرة.
تجلس تلك التي اسم على مسمى مُهرة، وهي مُهرة حقاً.
تجلس برفقة ابن أختها الراحلة (وسيم الشامي).
وضعت الخادمة الطعام وانصرفت من الغرفة.
تبسمت مُهرة قائلة:
"من زمان ما كنتش بتعشى، بس طالما رجعت خلاص نهائي من البعثة، بعد ست سنين، قليل لما كنت بتنزل، أنا اللي كنت بجيلك لندن، خلاص بعد كده، هنفطر ونتغدى ونتعشى سوا."
تبسم وسيم قائلاً:
"ليه فين خالي هاشم صحيح، حتى الغدا، برضو أنا وإنتي اتغدينا لوحدنا، وطول اليوم مشوفتوش."
ردت مُهرة بغصة:
"أبداً مشغول، طول الوقت، كل شغل مزرعة الخيل عليه لوحده."
تحدث وسيم:
"لأ خلاص أنا رجعت، ومتخافيش، هساعده في إدارة المزرعة واخليه يفضى، للمُهرة الصبية الجميلة، اللي قدامي."
تبسمت مُهرة قائلة:
"خلاص الصبا والجمال، راح وقتهم."
نظر لها وسيم قائلاً بتعجب:
"مين اللي قال كده، ليه مش بتصي في المرايا، إنتي مُهرة هانم الزهار جميلة الجميلات، اللي وقع في عشقها الفرسان، بس كان نصيبها، مع...؟"
ردت مُهرة:
"كل شيء نصيب."
رد وسيم:
"فعلاً نصيب على رأي ماما الله يرحمها، ساعة القدر، يعمي البصر، بابا اللي كان من أقوى مروضي الخيول، يموت بعد ما وقع من على الفرسة، يقع على دماغه، ويموت، كمان ماما بعده بكم شهر ماتت بسكتة قلبية مفاجئة بدون أي مقدمات، وده كله وأنا كنت طفل مكملتش اتنا عشر سنة، بس ربنا كان بيحبني، والمُهرة الجميلة هي اللي كملت تربيتي، وحافظت عليا، والله لو قولت معزتك في قلبي، زي ماما وأكتر أبقى مش بكذب."
تبسمت مهره قائلة:
"إنت ابني، يا ض، اتولدت على إيدي، أنا اللي استلقيتك أول ما نزلت من بطن أمك، أنا اللي ولدتها، بصراحة لما شوفتك حسيت إني أنا اللي ولدتك من أحشائي، حتى كنت هنسى أقطع الحبل السري، وقتها، أمك كانت طول عمرها مستعجلة، زي ما تكون كانت حاسة إن عمرها قصير، كانت دايماً، تقولي وسيم ابنك، يا مُهرة، أنا صحيح اللي حملت فيه ببطني، بس من يوم ما اتولد بقيتي إنتي مامته، يلا ربنا يرحمها، ويعوضني فيك."
قبل وسيم يدها قائلاً:
"ربنا يخليكي لي، يارب، وتفتخري بيا."
تبسمت مُهرة قائلة:
"أنا بفتخر، بابني الدكتور وسيم الشامي، اللي أخد الدكتوراه من جامعة كمبريدج في الطب البيطري، وراجع تدرس في كلية الطب البيطري، ربنا يوفقك، خايفة عليك من البنات في الجامعة، لما يشوفوك، هينسوا بتدرس لهم إيه، إنت اسم على مسمى، يا وسيم."
ضحك وسيم لكن قبل أن يتحدث دخل عليهم هاشم قائلاً:
"بتضحكوا على إيه ضحكوني معاكم."
نظرت له مُهرة بسخط قائلة:
"عادي كنا بنتكلم، بس غريبة من زمان ما كنتش بترجع للبيت بدري كده."
رد هاشم:
"مش غريبة ولا حاجة، ناسيه إن وسيم، يبقى ابن بنت عمي المرحومة، وكمان أبوه كان من أمهر الخيالين اللي اشتغلوا عندنا في مزرعتنا، وقدر يوصل إنه يتجوز واحدة من بنات الزهار، وكان معروف بنات الزهار مش بيتجوزوا، غير أصحاب المقام العالي."
رد وسيم:
"وبابا كان من أصحاب المقام العالي، يا خالي."
قال وسيم هذا ونهض من على طاولة السفرة قائلاً:
"شبعت وكمان لازم بكرة أروح الجامعة، من بدري في أوراق لازم أخلصها، عشان أستلم مهامي كدكتور، بالجامعة، تصبحوا على خير."
غادر وسيم الغرفة، نظرت مهره، لهاشم بضيق قائلة:
"معناه إيه كلامك ده، أنا عارفة من زمان إنت مش بتحب وسيم، بس متنساش إنه ابن أختي وبنت عمك، وله نصيب أمه في المزرعة، وباباه ما كانش سايس، باباه كان خيال."
تبسم نصف بسمة وقال بسخرية:
"كان خيال، ومات بعد ما وقع من على فرسه كان بيحاول يروضها."
نهضت مهره قائلة:
"الخيل ملهاش كبير، يا هاشم، واللي يفكر نفسه بقى خيال مفيش خيل تقدر عليه يبقى غلطان، تصبح على خير، عندي صداع هطلع أنام."
نظر هاشم لخروجها هامساً بسخرية:
"صغرتي سنين بمجرد ما رجع لك ابن أختك، الواد ده، شكله كده وارث القوة عن أبوه المرحوم، بس على مين، يا ابن الشامي، مش على هاشم الزهار."
بعد دقائق، دخل هاشم إلى غرفة النوم التي تجمعه مع مُهرة، وجدها، تخرج من الحمام، ترتدي، إحدى مناماتها الناعمة، لم تكن عارية، لكن هو عاشق لتلك المُهرة منذ الصغر، وظفر بعشقها، وإن كان لديها نقطة ضعف فهي عشقها له.
اقترب منها، وحضنها، واشتم عطرها، هامساً، بنبرة تستطيع إذابتها وامتثالها له:
"عطرك يسحر، يا مُهرة."
لم ترد عليه، رفع رأسه ونظر لعيناه الخضراء الساحرة كأوراق شجر الربيع.
دون مقدمات انقض على شفاها بقبلات قوية للغاية، حتى كادت شفتاه تُدمى، وانقض على جسدها، ينهش فيه كالذئب الجائع، إلى أن شعر بالنشوة، وهو ينظر إلى تلك الخربشات التي تركتها أظافره حول عنقها، وصدرها، ويديها.
بينما مُهرة رغم ألم جسدها، نظرت له باشمئزاز، وأدارت ظهرها، له، وحاولت النوم، لوقت، لكن جفاها النوم، فنهضت من جواره، وذهبت إلى داخل الحمام، وأتت بحبة منوم، وتناولتها ثم ارتشت قطرات الماء.
تحدث هاشم بسخرية قائلاً:
"برضو هتاخدي منوم عشان تعرفي تنامي، واضح إنك أدمنتي النوم بمنوم."
نظرت له باشمئزاز، دون رد.
سخر هاشم قائلاً:
"ليه مش بتردي عليا، ولا يمكن بتاخدي المنوم ده كمسكن، كبرتي خلاص ومبقيتيش الشابة اللي كانت عفية."
فهمت مُهرة معنى قوله وقالت:
"إنت اللي مش هتبطل المنشطات اللي بقيت بتتعاطاها دي، وبتخليك زي التور، حاذر منها إن كانت بتحسسك بالقوة، فأضرارها على المدى البعيد قوية."
ضحك هاشم عالياً يقول:
"منشطات، منشطات إيه، أنا هاشم الزهار، ديب مش فرس، هفضل بصحتي وقوتي، مش زي المُهرة لما تعجز."
نظرت له مُهرة، بسخرية، وشعرت ببداية مفعول المنوم، فتوجهت للفراش ونامت بصمت.
ب سرايا فخمة ذات طابع عتيق، تتوسط مجموعة من الأفدنة الزراعية المزروعة، ببعض أشجار الفواكه المختلفة، وأيضاً بعض أشجار الصفصاف على جوانبها مزروعة كمصدات هواء، ويوجد بالمزرعة إسطبل خيل كبير جداً، ومضمار كبير لترويض، وتريض تلك الخيول العربية، بمختلف فصائلها.
بغرفة نوم وثيره.
كان نائماً يحلم بذلك الحلم الملازم له منذ سنوات بعيدة، دائما ما يتكرر، لكن في الفترة الأخيرة اختلف الحلم عن ما حدث بالواقع، أو بالأصح بنيران الماضي.
كان يحلم، بنيران تشتعل بالمكان، يرى هرجلة الخيول، وهي تحاول الفرار من بين النيران، لكن النيران تحصد كل ما يقف أمامها، تلتهمه، أنها نار بعثت من جهنم، بيوم صيفي حار حارق، النيران تخفي أثر كل شيء.
هو يقف أمام النيران يشاهدها كأنها عرضاً على شاشة تلفاز لكن فجأة من بين النيران خرجت فتاة بيدها دلو، تقترب منه تكسر الحاجز، بينه وبين النار إلى أن أصبحت أمامه، وجهها كان مخفي الملامح بسبب دخان النيران الذي يمنع رؤيته تفاصيل وجهها.
رآها تقترب منه، فقال:
"إنتِ مين."
لم تجب عليه وفجأة، رفعت يدها قامت بإلقاء محتوى الدلو الذي كان بيدها في وجهه.
استيقظ فزعاً يتصبب عرقاً، كأنها بالفعل ألقت عليه محتوى الدلو، شعر باشتعال غريب بقلبه، ليست نيران انتقام، لا يفهم سبب لذلك الشعور الذي بقلبه، من تلك الفتاة التي تخرج من النيران، لماذا تحمل معها دلو، ما محتوى هذا الدلو، هل مياه، أم مادة تزيد اشتعال النيران.
عقله يشت منه، لماذا يشعل عقله هذا الحلم، هو عيشه بالحقيقة منذ سنوات، رأى حريق ضخم ونيران تلتهم كل ما يقف أمامها، لكن الفتاة، هي الجديد ظهورها بهذا الحلم تحقق بالماضي.
نهض من على فراشه، وتوجه إلى الحمام، وقف قليلاً أسفل المياه المنهمرة على جسده، كأنها ترطب جلده.
خرج بعد قليل، وارتدى ملابسه وغادر الغرفة، وتوجه إلى إسطبل الخيل.
بينما بأسطبل الخيل.
كان هناك شاب يافع فارع الجسد، يقف خلف مضمار ترويض الخيول، يتابع جري تلك الفرس العنيدة، بالمضمار، يفكر في تلك الرقيقة، التي سلبت قلبه منذ أن عاد مرة أخرى إلى القرية، يتمنى أن ينالها، لكن هي، كتلك الفرس التي تجري بالمضمار، آبيه، وعنيدة.
حاول معها لكن هي صدته، حتى أنه يتحمل من أجلها، والدها، عالة عليه، ذلك السايس، الذي لا يعمل تقريباً، فمن أجل أن ينال عطر الزهرة عليه أن يتحمل أشواكها، التي تدمي قلبه، المسلوب، بحب الجميلة.
عاد من سرحانه، بتلك الفرس، حين شعر بيد أخيه على كتفه، لف له قائلاً:
"كنت عارف إنك مش هتقدر تنام يا رفعت، بسبب تفكيرك في الصفقة اللي هتم النهارده."
تبسم رفعت يقول:
"وإنت إيه اللي مسهرك هنا يا رامى جنب إسطبل الخيل، وكمان واقف قدام المضمار، وسايب الفرس مفكوكة، وبدون سرج."
تبسم رامي قائلاً:
"نفس اللي مقدرتش تنام بسببه بفكر في الصفقة دي، لو قدرنا نبيع الفرس دي، بالسعر اللي يناسبها، يبقى ضمنا ربح كبير من سلالة الخيل دي."
تبسم رفعت بثقة:
"واثق إن الفرس دي هتجيب سعر أغلى وأعلى من كل الفرسات اللي سبق واتباعت قبلها."
تبسم رامي قائلاً:
"وأنا كمان واثق، كان مين يصدق، رجوع ولاد رضوان الزهار مرة تانيه لسوق الخيل، والسبب كان فرسة، هي اللي نجيت من الحريق."
في اليوم التالي.
صباحاً.
أمام كلية الطب البيطري، بالشرقية.
كانت تسير ليلى مع زميلاتها بالدفعة، غير منتبهة للطريق، حتى لم تشعر، بتلك السيارة الآتية المُسرعة، والتي كادت أن تدهسها، لولا أن جذبتها إحدى صديقاتها.
وقفت ليلى غير مستوعبة ما حدث، من ثواني كادت أن تدهسها تلك السيارة الفارهة، حتى أن سائق السيارة لم ينزل من السيارة أو حتى يعتذر.
نظرت لها زميلتها قائلة:
"ليلى مالك واقفه مذهولة كده ليه، الحمد لله أنتي بخير، شكله ولد صايع، وهرب بالعربية."
ردت ليلى:
"مين اللي هرب، ده رقم العربية اتسجل هنا، خلينا نروح نحضر المحاضرة وبعدها، ربنا يحلها."
دخلت ليلى إلى قاعة المحاضرات وجلست هي وصديقتها، يتهامسن، إلى أن سمعن صوت إغلاق باب قاعة المحاضرات وسمعن صوت انتبه وسمعن:
"أنا الدكتور وسيم الشامي، دكتور جديد هنا في الكلية مش جديد قوي أنا متخرج من الجامعة دي أصلاً، بس كنت في بعثة لجامعة كمبريدج، وخلاص حصلت على الدكتوراه، ورجعت تاني، للمكان اللي كان فيه بدايتي، هكمل معاكم بقية السنة، بتمنى نكون أصدقاء، واللي مش فاهم أو عنده مشكلة في نقطة مش فاهمه، يقدر يسألني عليها، وأنا هعيد شرحها من تاني، في سكشن العملي."
تبسمت ليلى بتوهان قائلة بهمس:
"يا حلاوتك، يا جمالك، ده دكتور في كلية طب بيطري، يا بخت الغزلان بيك."
نغرتها زميلتها قائلة:
"بتقولي إيه يا هبلة ركزي، للدكتور، ياخد باله من هبلك ده."
تبسمت ليلى قائلة:
"طب ياريت ياخد باله مني، بقولك إيه، متعرفيش الدكتور ده مرتبط أو لأ."
ردت زميلتها:
"أول مرة أشوفه، وأعقلي كده شوية، هو صحيح دكتور طلقة، بس امسكي نفسك شوية، مش قدام زمايلك يقولوا إيه."
ردت ليلى:
"يقولوا اللي يقولوه وحتى لو مرتبط مش مشكلة أتجوزه على ضرة."
ردت زميلتها:
"عقلك خلاص ضرب ركزي في المحاضرة."
صمتت ليلى لكن لم تكن تركز في المحاضرة، لا تعرف سبب لتلك التوهة، التي تشعر بها بعقلها للمرة الأولى.
انتهت المحاضرة.
حاصر التلاميذ وسيم ووقفوا، يتحدثون معه، حتى ليلى هي الأخرى، كانت من ضمنهم، لكن لم يركز وسيم، بأي أحد منهم كان يرد فقط على أسئلتهم الخاصة، بالمنهج، إلى أن استأذن منهم وتركهم.
كانت ليلى تسير خلفه إلى أن وصل إلى سيارته، رأته يركب سيارته ثم غادر.
صدفة وقع بصرها على رقم السيارة.
قالت:
"دي العربية اللي كانت هتدعسني، ياريتك دعستني، كانت هتبقى أحلى دعسة."
ظهراً.
أمام أحد المدارس الأجنبية الخاصة، بالشرقية.
كان يقف رامي بسيارته بينما مروة تمشي بجوار أحد زملائها الشباب المدرسين، بالمدرسة، يتحدثان بزمالة، إلى أن خرجا من بوابة المدرسة، وتوجهوا، إلى ذلك الباص الخاص، بالمدرسة، ركبت مروة بمقعد جوار زميلها، وظلوا يتحدثون، سوياً.
كان رامي يراقب ذلك الموقف منذ بدايته، تنهشه الغيرة، وازدادت حين توقف الباص، بمكان قريب من منزل مروة.
نزلت مروة من الباص، كادت تتعثر، لولا زميلها مسك يدها، إلى أن نزلت من الباص.
رأى رامي هذا الموقف، كم ود تحطيم رأس زميلها هذا.
لكن.
سارت مروة بضع خطوات، قبل أن تشعر بيد تسحبها إلى شارع جانبي وضيق بالقرب من منزلها.
انخضت في البداية، ثم نفضت يده قائلاً:
"فيه إيه، يا رامي، ابعد عني."
ضرب رامي الحائط خلف مروة قائلاً:
"مين اللي كنتي ماشية معاه وإنتي طالعة من المدرسة ده."
ردت مروة:
"وإنت مالك، وسبق وقلت لك ابعد عن طريقي، مش هتشتريني، زي ما سبق واشتريت بابا، وفر على نفسك مراقبتك لي."
اقترب رامي أكثر من مروة المسافة بينهم تكاد تكون معدومة، شعرت بأنفاسه القوية المتلاحقة جوار أذنها، واخترق همسه أذنها حين قال:
"أنا لغاية دلوقتي بتعامل معاكي بأخلاق الفرسان، بس صدقيني، إنتي من نصيب رامي الزهار، وزميلك ده، إياك تاني بس ألمحه جنبك، تبقى بتكتبي نهايته."
قال رامي هذا ثم ابتعد عنها وتركها وذهب، بينما مروة شعرت ببعثرة وازدراء من ذلك المشوه كما سمعت عنه من أهل القرية، رغم أن وجهه ليس به أي تشوهات، لكن، رأت بعض آثار الحريق، بمعصم يديه، وأهل القرية تقول عنه أنه نجا من النيران لكن احترق جسده وقتها.
ظهراً.
بالقطار.
وقفت زينب، تستعد للنزول من القطار بأقرب محطة لتلك القرية التي تقصدها.
حين نزلت من القطار حملت حقيبة ملابسها الصغيرة على كتفها وسارت تسأل أحد المارة عن مقصدها أجابها أنه ليس من تلك المنطقة ولا يعرفها.
سارت تسأل آخر نفس الجواب حدثت نفسها:
"هو أنا اتنقلت لمنفى ولا إيه محدش يعرف اسم القرية دي أما أفتح الموبيل أشوف البلد دي كده عالخريطة ولا لأ."
قبل أن تفتحه وجدت اتصالاً عليها نظرت للشاشة وتبسمت وردت على من يتصل عليها.
تبسمت حين سمعت من تقول لها:
"ها دكتورتي أم لسان زلف وصلت الشرقية ولا لسه."
ردت ببسمة:
"أنا وصلت للشرقية بس القرية اللي فيها المستشفى لسه واضح كده إنها مش على الخريطة يظهر نقلو لي المرة دي المنفى."
سمعت ضحكة والدتها قائلة:
"عشان تتربي وتتأدبي وتمسكي لسانك بعد كده حد كان قالك سبي دكتور زميلك وتقولي له يا فاشل أهو الفاشل ابن أخو وزير الصحة أحمدي ربنا إنها جت على قد نقل."
ضحكت قائلة:
"تعرفي الوزير ده غبي إنه نقلني أصله نقلني صحيح لقرية بس الغبي نقلني كمديرة لمستشفى وأنا لسه مكملتش التلاتين عارفة ده معناه إن أي مستشفى هتنقلي لها تاني هبقى في نفس الدرجة يعني ممكن على السنة ما تخلص تكون الوزارة اتغيرت ويخلع هو وارجع تاني للمستشفى اللي كنت فيها وأبقى مديرة على ابن أخوه ووقتها هعرفه مقامه يعني الغبي نفعني مش ضرني وبعدين كمان هو أول مرة أشتغل في مستشفيات بعيدة عن القاهرة أنا أخدت تكليف سنتين في الصعيد فاكرة."
ردت عليها:
"فاكرة المشاكل اللي كنتي بتعمليها دا لو مش خافوا عليكي يقتلوك ما كانوش نقلوكي من الصعيد إنتي مالك بمشاكل الناس بس الشرقية مش زي الصعيد هادية وبيقولوا عليهم أهل كرم رغم إني سمعت إنهم يعتبروا صعيدة في عاداتهم. سيبينا من كده أما توصلي السكن اتصلي علينا عشان نطمن عليكي."
ردت عليها:
"تمام يا ماما خلي بالك من بابا وبلاش تتحرشي بالراجل في غيابي وتقولي مدرس أول علوم أه مش عايزة أرجع ألاقيكي منفوخة وتقولي لي كانت غلطة دوبت من نظرة عيونه، كفاية عندك ولد وبنت على وش جواز بدل ما أجوزهم وتشيلى ولادهم عايزهم هما اللي يشيلوا عيالك."
ضحكت والدتها قائلة:
"قبيحة ياريتني ما دخلتك طب، في أمان الله ربنا يسترِك."
أغلقت الهاتف ونظرت أمامها وجدت توك توك أشارت له قائلة:
"لو سمحت يا أخويا هو قرية الزهار دي أروحها منين."
رد سائق التوكتوك:
"أنا من هناك وراجع تاني اركبي أوصلك لها."
ركبت التوكتوك، وتحدثت قائلة:
"هي القرية دي مش على الخريطة ولا إيه كل ما أسأل حد عليها يقولي معرفش."
رد السائق:
"لأ يا أبلة دي البلد بتاعتنا بالذات مشهورة على مستوى المركز كله."
ردت بسخرية:
"أبلة وماله مش مهم بس قولي إيه سر شهرتها بقى."
رد السائق:
"الزهار.. دي عيلة كبيرة هنا دول كانوا إقطاعيين ومحدش كان بيقدر يتوقف قدامهم بس بقوا منقسمين من يوم ما رفعت بيه الزهار بقى رجع هنا وبقى له كلمة على كل اللي في البلد الكبير قبل الصغير خلاف ولاد العم بس عارفة يا أبلة رفعت بيه ده جبار بس إنتي مقلتليش إنتي جايه لمين عندنا."
ردت عليه:
"أنا أبقى مديرة المستشفى الجديدة."
دار السائق وجهه ونظر لها قائلاً بتعجب:
"إيه حضرتك مديرة المستشفى."
ردت بتأكيد:
"أيوا أنا إيه الغريب في كده."
منفعش وبعدين انتبه للطريق نظر السائق أمامه قائلاً:
"مش قصدي بس حضرتك شكلك سنك صغير قوي على مديرة مستشفى."
تبسمت قائلة:
"لأ مش سني صغير ولا حاجة وصلني للمستشفى بقى ويبقى كتر خيرك."
تبسم السائق:
"أمرك يا دكتورة نورتي بلدنا."
بعد دقائق توقف السائق قائلاً:
"وصلنا المستشفى أهي يا دكتورة."
نزلت من التوكتوك مبتسمة تقول:
"شكراً لك حسابك قد إيه."
رد السائق:
"خليها عليا يا دكتورة."
تبسمت له قائلة:
"لأ متشكره كتر خيرك ها بقى قول قد إيه وبلاش لؤم الفلاحين ده."
ضحك السائق لها وقال:
"واللي تجيبه منك مقبول."
وضعت حقيبة ملابسها على الأرض وأخرجت حقيبة صغيرة منها وأخرجت بعض المال وأعطته للسائق الذي شكرها وذهب.
انحنت تأخذ الحقيبة من على الأرض واتجهت إلى باب دخول المشفى وتفادت تلك الحفرة الضحلة أمام المشفى لكن أتت سيارة فخمة مسرعة وداسست على الحفرة لتلطخ مياه الحفرة على وجهها وملابسها بالكامل مما ضايقها لتقول بصوت عالٍ:
"يا حقير يا حمار."
لم ينتبه لها سائق السيارة لكن اقترب منها حارس المشفى قائلاً بحده:
"مش تعرفي بتشتمي مين قبل ما تقفي تسبيه إنتي مين يا ست."
ردت باستهزاء قائلة:
"ويا ترى بيكون مين بقى."
رد الحارس:
"ده رفعت بيه الزهار أكبر تاجر خيول في مصر كلها."
ردت بحدة:
"تاجر خيول تاجر حمير مش فارقة كلهم من ذوات الأربع زي الحقير اللي سايق ده وأنا أبقى بقى الدكتورة زينب السمراوي مديرة المستشفى دي."
نظر لها الحارس مندهش غير مستوعب.
تبسمت بسخرية:
"هو فيه إيه كل ما أقول أنا مديرة المستشفى اللي قدامي يستغرب واضح إن وقعت في بلد غريبة."
ولكن لم تدرك أنها وقعت في عشق بين نيران الزهار.
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل الثاني 2 - بقلم سعاد محمد سلامة
تركت زينب الحارس لذهوله ودخلت إلى المشفى، أو بمعنى أدق الوحدة الصحية. سارت بين الأروقة، لا تستغرب، فليست المرة الأولى التي تعمل بوحدة صحية كهذه، وبالطبع تعرف طريقة العمل بمثل هذه الوحدات الصحية. تبسمت بسخرية وهي ترى بعض الطيور تسير في حديقة الوحدة المزروعة ببعض أنواع الخضراوات الورقية، مثل الجرجير والبقدونس. تبسمت قائلة: يا ترى مين صاحبة المسؤولية عن المشروع الاقتصادي في الوحدة دي؟ ليه مش بتسقي الجرجير وسيباه دبلان كده؟ سوء أداء عمل. يلا استعنا عالشقي بالله.
انحنت تقطف عودان من الجرجير والبقدونس، لكن سمعت من خلفها امرأة تقول بتحذير: جرى إيه يا أبلة، بتمدي إيدك على زرع الجنينة ليه، ده مصدر رزق.
استقامت زينب تفرك يديها من التراب قائلة بتهكم: أبلة برضوا. وماله. بقولك إيه، انتي بتشتغلي هنا في الوحدة دي؟
ردت المرأة: أيوه، أنا تمرجية هنا في الوحدة، والزرع اللي كنتي بتقطعي فيه ده، أنا اللي زرعاه بسترزق منه، بدل ما تمدي إيدك عليه، عاوزة منه إيه؟
ردت زينب: لأ مش عاوزة، معلش سامحيني. بس ليه سايبة الزرع عطشان؟ أسقيه بدل ما هو دبلان. وطالما بتشتغلي هنا في الوحدة دي، تمرجية زي ما بتقولي، ممكن تدليني على مكتب المسؤول عن إدارة الوحدة دي.
نظرت التمرجية لزينب بتمعن تتفحصها، وقالت: شكلك مش من بلدنا، وشنطة الهدوم الصغيرة اللي في إيدك، تقول إنك غريبة وعاوزة تأجري سكن في بلدنا. الحاج طارق التقى هيخدمك، وهو كمان اللي ماسك إدارة الوحدة، لحد ما وزارة الصحة تبعت لينا مدير جديد للوحدة.
ردت زينب: تمام. وديني بقى للحاج طارق ده.
ردت التمرجية: تعالي ورايا. شكله كده زي حالاتنا، جاية لهنا عشان لقمة العيش. ربنا يرزقك بالحلال.
تبسمت زينب بسخرية، وقالت: آمين يا رب يغنينا بالحلال عن الحرام.
سارت زينب خلف تلك المرأة، التي ظلت تتحدث وتمدح أحياناً وتذم أحياناً أخرى. كانت عين زينب تتابع أروقة الوحدة، تبدو جيدة وكبيرة، على قرية كهذه.
طرقت التمرجية باب أحد الغرف، ثم دخلت بعد أن أذن لها من بالداخل. دخلت التمرجية وخلفها زينب. تحدثت التمرجية: معلش يا حاج طارق، إني عارفة مشغولياتك، بس الأبلة دي طلبت إنها تقابل اللي بيدير الوحدة، شكلها...
قطعت زينب حديثها قائلة: أنا مش أبلة، أنا الدكتورة زينب السمراوي، المديرة الجديدة للوحدة دي.
تصنمت التمرجية عينيها على زينب، وكذلك طارق. نهض واقفاً متعجباً، ينظر لها. نظرت زينب لهم بسخرية قائلة: في إيه مالكم؟ هو أنا قولت إيه يخليكم تبصولي بالطريقة دي؟
نفض طارق رأسه يبتلع ريقه قائلاً: حضرتك بتهزري. طب لو كلامك صحيح، ممكن توريني الكارنيه الطبي بتاع حضرتك.
ضحكت زينب بتهكم قائلة: وماله. قالت هذا، ووضعت الحقيبة التي بيدها على المكتب وفتحت أحد الجيوب الجانبية وأخرجت منها بطاقة مزاولة مهنة الطب، وكذلك هوايتها الخاصة قائلة بنفس التهكم: ادي الكارنيه الطبي بتاعي وكمان البطاقة الشخصية وكمان زيادة تأكيد. اتفضل، أدي قرار نقلي هنا كمديرة للوحدة، ممضي من وزير الصحة نفسه.
أخذهم طارق من يدها، وقرأ مضمونهم، ونظر لها قائلاً: آسف، بس حضرتك يا دكتورة شكلك صغير على إنك تبقي مديرة لوحدة صحية.
ردت زينب بثقة: أصلي عندي كفاءة عالية. دلوقتي كل المطلوب منك تسلمني إدارة الوحدة دي.
***
بمضمار نادي للفروسية شهير، كانت تجري تلك المهرة بعنفوان، وتقفز فوق الحواجز بمهارة عالية. فهي مدربة على يد خيال ماهر، يجلس بثقة وهدوء يشاهد بعين الآخرين الانبهار بقوة وعنفوان ومرونة تلك المهرة.
بعد مضي وقت، تحدث أحد الجالسين، وهو رجل أعمال خليجي شهير: تلك المهرة تشبه مهرة يومًا رأيت مثلها لدى والداك الراحل، يا "سيد رفعت". تمنيت شراءها وقتها، لكن لم يمهلني القدر وقتها، كنت مررت بوعكة صحية. لكن اليوم، لن أتخلى عن امتلاك تلك المهرة، وبالثمن الذي تريده، دون فصال.
تبسم رفعت بمجاملة قائلاً: هي هدية مني لك، لا تقدر بثمن. هي من سلالة تلك المهرة التي رأيتها يومًا لدى والدي. لقد حافظت على تلك السلالة بمزرعة خاصة، ولدي العديد من نسلها، لكن بالطبع ليسوا مدربين مثل تلك المهرة. هم طوع الترويض والتدريب.
تبسم رجل الأعمال قائلاً: إذن لن يكون هذا هو التعامل الأول بيننا. سأشتري هذه المهرة لي، لكن أريد مهرة أخرى مثلها، كهدية لصديق لي يعيش بكنجهام بإنجلترا، يهوى الخيول الأصيلة. سأرسل له فيديو خاص لتلك المهرة، وسيُجن حين يرى مهاراتها وقوتها.
قال الرجل هذا وأخرج هاتفه، وقام بضرب بعض الأرقام ثم انتظر قليلاً، إلى أن أتته رسالة على هاتفه. تبسم لرفعت قائلاً: لقد تم تحويل مبلغ مالي بقيمة تلك المهرة لحسابك الخاص. بإمكانك التأكد من ذلك بالاتصال عبر الهاتف بالبنك الذي قلت سابقاً أنك تتعامل معه.
تبسم رفعت ورد بحنكة تاجر: كلمتك، لدي ثقة. مبارك عليك المهرة، وسأسعى سريعًا لترويض مهرة أخرى كي تصبح أقوى من تلك المهرة، حتى تهاديها لصديقك الإنجليزي في أقرب وقت.
قال رفعت هذا وتبسم هو ظفر بالصفقة التي كان على يقين أنه سيفوز بها بفضل تلك المهرة التي عكف على تدريبها في الأشهر الأخيرة.
***
وقت غروب الشمس بمنزل هاشم الزهار. كانت مُهرة تجلس بشرفة كبيرة بالمنزل تطل على حديقة المنزل، تتطلع لغروب الشمس التي تختفي وتخلف خلفها ظلامًا رويدًا رويدًا. شردت مُهرة بالغروب. هي قديمًا كانوا ينعتوها بالمهرة الذهبية لعائلة الزهار، لكن كما يقولون، لا شيء يبقى على حاله. هي أصبحت مثل تلك الشمس التي تغرب. هل هي الأخرى رونق ذهبيتها أصبح ينطفئ؟
قبل دقيقة واحدة، سأل وسيم إحدى الشغالات عن مكان خالته "مُهرة"، فدلته على مكان جلوسها بالشرفة المطلة على حديقة المنزل. ذهب إلى مكان جلوسها. تبسم حين رأى نسمات الهواء الربيعي تداعب خصلات شعرها الغجري الطويل الذي يمزج بين اللونين الذهبي والكستنائي، مع منظر غروب الشمس يعطيها هالة من الجمال. لوحة فنية لطبيعة ناعمة.
تحدث بمديح: لو كنت رسامًا كنت رسمت لك لوحة فنية تساوي ملايين وتسُر العيون. مُهرة وجدايلها الغجرية مع منظر غروب الشمس خلفها تسحر.
استدارت مُهرة تنظر لوسيم مبتسمة بغصة وقالت: الجدايل الغجرية خلاص صابها الشيب، والغروب خلاص ساب الظلام يدخل.
نظر وسيم لها بتعجب قائلاً: شيب إيه اللي صابها؟ واضح إن المراية اللي بتقفي قدامها إزازها عتم وعاوز يتغير. وحتى إن الشمس غابت، فيه قمر هيشق الضلمة مكانها.
شعرت مُهرة بحسرة لكن أخفتها وتبسمت قائلة: بلاش بكش، وقولي. هو اختلاف الوقت بينا وبين إنجلترا لسه ماثر عليك ولا إيه؟ من وقت ما رجعت من الجامعة نايم. فكرتك مش هتصحى غير عالعشا.
تبسم وسيم يقول: لأ مش فرق التوقيت. أنا كنت مرهق من بعد ما رجعت من الجامعة. خلصت أوراق رجوعي للجامعة وكمان دخلت محاضرة، ومكنتش نمت كويس امبارح.
تبسمت مهره بخبث قائلة: وأيه اللي طير النوم من عينيك امبارح؟ قولي لو الموضوع فيه بنت حلوة.
تبسم وسيم قائلاً: أنا مش شفت أجمل منك يا مُهرة الزهار. وقلة نومي ممكن بسبب تغيير المكان، بلس إرهاق السفر، مش أكتر.
تبسمت مهره لكن قبل أن تتحدث، أتت إحدى الشغالات قائلة: مدام مُهرة، أنا رايحة للصيدلية أجيب لحضرتك الدوا، تؤمرينى بحاجة تانية.
انخص وسيم واقترب من مهره قائلاً: مالك؟ خير، بتشتكي من إيه.
تبسمت مهره: خير يا حبيبي. هو شوية ارتفاع في الضغط وصداع مش أكتر.
نظر لها وسيم قائلاً: طب وايه سبب إن ضغطك مرتفع، وكمان سبب الصداع؟ لازم تعملي check-up كامل.
ردت مهره: أنا عملت check-up كامل وكانت نتيجته كويسة، بس بحاول أظبط الضغط مع الوقت، واكيد الصداع من الضغط، ومع الوقت هيروح.
تبسم وسيم قائلاً: إنشاء الله. أنا رجعت وكل شيء هيتظبط. ودلوقتي هات الروشتة، أنا اللي هروح للصيدلية أجيب العلاج.
تبسمت مهره قائلة: ليه؟ إنصاف هتجيبه وتيجي، وإنت خليك مرتاح.
رد وسيم: بالعكس، أنا عاوز أتمشى شوية في البلد. من سنين مجتش هنا، عاوز أشوف قد إيه البلد اتغيرت.
تبسمت مهره قائلة: براحتك، بس متغبش عشان نتعشى سوا.
تبسم وسيم، وأخذ الروشتة وغادر. تنهدت مهره براحة، قائلة: كنت مستنياك ترجع يا وسيم، عشان ترجعلي الحياة.
***
بعد دقائق، بأحد صيدليات البلدة. تبسمت تلك الصيدلانية قائلة: مش عارفة سبب لكسوفك ده يا مروة. فيه بنات كتير بييجوا بنفسهم يشتروا المستلزمات النسائية دي من الصيدلي اللي بيقف في الصيدلية، مش عيب.
تبسمت مروه قائلة: بس أنا بنكسف بصراحة. كويس إني لحقتك قبل الصيدلي ما ييجي يستلم وردية الليل. ويا ريت تحطيلي الحاجات دي في كيس أسود.
تبسمت الصيدلانية لها، وذهبت تأتي لها بما تريده من مستلزمات خاصة للنساء، ووضعتها بكيس بلاستيكي أسود. ووقفن يتحدثن معًا لبضع دقائق، قبل أن يدخل ذاك الزائر يُلقي السلام.
رددن عليه السلام. نظرت مروه للصيدلانية قائلة: همشي أنا بقى، زمان ماما استغبتني.
تبسمت لها الصيدلانية قائلة: ابقي سلميلي عليها.
أثناء استدارة مروه للمغادرة دون انتباه منها، صدمت بذاك الشاب. لسوء حظها، وقع منها ذاك الكيس الذي كان بيدها، ووقع بعض من محتوياته أرضًا. انحنى الشاب وساعدها بجمع المحتويات، لكن ربما لسوء حظه هو الآخر، رفع وجهه ينظر لها كي يعتذر. تلجم لسانه، ينظر لها منبهرًا بتلك الجميلة التي وجهها أشبه بتفاحة طازجة. كان وجهها أحمر خجلاً. جمعت ما وقع ووضعته بعشوائية بالكيس، واستقامت، وكادت أن تغادر الصيدلية، لولا نداء الصيدلانية لها قائلة: مروة، نسيتي الباقي.
ارتبكت مروه وردت بخجل: خليه وهجيلك مرة تانية نبقى نتاسب.
تبسمت الصيدلانية، وقالت: أؤمر حضرتك.
لم ينتبه لحديث الصيدلانية له، إلا حين قالت مرة أخرى بصوت أعلى: أؤمر حضرتك. انتبه أنه مازال جاثيًا، فنهض وقال: ممكن تصرفيلي الدوا اللي في الروشتة دي.
أخذت من يده الروشتة، وقالت: حضرتك تقرب لمدام مُهرة الزهار؟
رد عليها قائلاً: أيوه، أنا ابن أختها. بس بتسألي ليه؟
ردت الصيدلانية: مفيش، أصل الروشتة دايماً إنصاف الشعالة عندها هي اللي بتيجي تصرفها. وحضرتك بشوفك لأول مرة، وواضح من هندامك إنك مش من الشغالين عندها.
تبسم وسيم يقول: هو ممكن أسألك سؤال؟ هي مين البنت اللي مشيت دي؟
ردت عليه باختصار: دي مروة.
رد عليها وسيم: ما أنا سمعتك قولتي اسمها، بس هي تبقى بنت مين؟
ردت الصيدلانية: دي بنت صفوان منسي، باباها بيشتغل سايس في مزرعة ولاد رضوان الزهار.
تبسم وسيم، ولم ينتبه لقول الصيدلانية له: مدام مهره لازم تخف من الأدوية دي مع الوقت، ممكن تدمنها، وليها تأثير مش لطيف عالـ مخ.
لكن وسيم كان شاردًا بتلك الجميلة، مروة. لم ينتبه إلا حين قالت الصيدلانية: اتفضل الدوا حضرتك.
انتبه قائلاً: سعر الدوا قد إيه.
قالت له الصيدلانية سعر الدواء، فأعطاه لها ثم غادر الصيدلية. وقف أمامها لثوانٍ، عيناه على الطريق، ربما يلمح طيف هذه الجميلة، لكنها اختفت. لكن لا بأس، هو يعلم اسمها، وكما يقولون، من يسأل لا يتوه عن بداية طريق القلب.
***
ليلاً، بالمسكن الخاص بالأطباء لتلك الوحدة الصحية، وهو عبارة عن منزل يقع خلف ظهر مبنى الوحدة نفسها، مكون من ثلاث طوابق. بالطابق الثاني، جلست زينب على أحد الأرائك، وأضجعت بظهرها، وقامت بالرد على مكالمة الفيديو على هاتفها قائلة بمرح: بابا حبيبي، وحشتني قوي. أوعى تكون ماما بتتحرش بيك وسكت. انزل اعمل لها محضر عدم تعرض في القسم.
تبسمت حين سمعت ورأت وجه والدتها تقول: وأنا اللي زعلانة وبقول الشقة ملهاش حس من غير زينب ومجد. أنا ماليش غير ابني مجد، إنما انتي بنت باباكِ.
تبسم صفوت قائلاً: خلاص بقى، انتوا عاملين زي توم وجيري. ها يا زوزو، عملتي إيه.
ردت زينب: استلمت الشغل. لو تشوف ذهول الموظفين هنا لما قولت لهم إني مديرة الوحدة الجديدة، مش مصدقين. بس الأغرب بقى، الوحدة دي كبيرة، دي تعتبر مستشفى. يلا ربنا يسهل. ودلوقتي أنا في السكن الملحق بالوحدة دي، شقة ثلاث أوض وصالة ومطبخ وحمام، سوبر لوكس.
تهكمت هالة قائلة: سوبر لوكس، يا بيئة. كويس يعني أحسن من خدمتك في الصعيد. الشرقية هادية، بس انتي مش هادية. أي مكان تروحي له بركاتك بتحل عليه. بلاش أفعالك الشرسة، المرة الجاية هينقلوكي للمنفى.
ضحكت زينب قائلة: لأ، أنا بعد ما خدت لفة في الوحدة دي عجبتني، وناوية إنشاء الله أفضل فيها كم سنة كده قبل ما أخربها.
ضحك مجد، وكذلك هالة. تحدثت زينب: يلا بقى أنا هلكانة طول اليوم، هدخل آخد شاور أنام. اسكتي يا ماما، مش لقيت كمان في الحمام بانيو وميه سخنة وساقعة. لأ، الوحدات الصحية اتطورت. يلا بقى، هكلمكم بكرة، ودلوقتي هقوم أتنقع في البانيو شوية أفك عضمي.
تبسمت هالة قائلة: بالسلامة. ربنا يصونك ويسترك.
أغلقت زينب الهاتف، ونهضت تتجه ناحية ذاك الشباك الزجاجي بردهة الشقة. السماء صافية، لكن بها بعض النجوم القليلة، فالطقس ما زال في منتصف الربيع. وهناك قمر يبزغ من بعيد، تراه من خلف هذا المبنى العالي القريب من الوحدة الصحية، الذي يشبه الحصن. همست قائلة: يجوا بتوع السينما والتلفزيون يشوفوا بيوت الأرياف، اللي عمارات هندسية، مش زي ما بيجيبوها في الأفلام والمسلسلات، بيوت هلكانة وعشش. يلا، أهم بيسترزقوا من وهم الناس.
بينما بالقاهرة، أغلق صفوت الهاتف، ونظر لهالة قائلاً: اطمنتي خلاص، أهي شكلها مبسوطة.
ردت هالة: هي مبسوطة، بس أنا مش مبسوطة. أنا بفضل قلقانة عليها. زينب شرسة وبتورط نفسها في مشاكل بسبب شرستها اللي بتظهرها، رغم إنها أضعف ما يكون. أنا لسه فاكرة لما كان عمرها اتناشر سنة، وكان شكلها بتموت بين إيديا.
نظر لها صفوت قائلاً: وأنا كمان لسه فاكر منظرها ده، مش بيروح من ذاكرتي. فاكر كمان الدعاء اللي قولتيه وقتها: "يارب نجيها، حتى لو هتعيش بعيد عني أنا راضية، بس تعيش وأسمع صوتها حتى لو من بعيد."
ردت هالة: زي ما يكون الدعوة استجابت، وبعدت عني. من أول ما راحت عاشت مع عمتك في الفيوم، وبعدها دخلت طب هناك. حتى لما اتخرجت من الطب، كان تكليفها في الصعيد. وحتى لما قولت خلاص هينتهي الفراق بينا، وجت للقاهرة طولت لسانها على زميلها، نحمد ربنا إنها جت على قد نقلها بس. حتى مجد كمان شغله في جبل عتاقة. زي ما يكون مكتوب علينا نبقى لوحدنا. شوف إمبارح كانت زينب ومجد هنا معانا، والبيت كنت تحس فيه بالدفء. النهارده لما مشيوا الاتنين، حاسة إن البيت بقى متلج. أه نسيت أقولك، الست اللي ساكنة في الشقة اللي قصادنا، بتقول هتبيع الشقة وتسافر لأهلها البلد، وقالت لي إنها ممكن تاخد تمنها على أقساط. أنا هقول لمجد يشتري الشقة دي ويقسط حقها من مرتبه، وأهو تنفعه لما يتجوز، يبقى قصادنا.
تبسم صفوت وهو يضم هالة يقول: حبيبتي، دي سنة الحياة. هما كمان لهم حياتهم ولازم نتقبلها ونتمنى لهم الخير.
***
بأحد أفخم فنادق القاهرة، بعد أن أتم رفعت تلك الصفقة بالسعر المربح الذي طلبه، صعد إلى الغرفة المحجوزة له بالفندق المعتاد على ارتياده حين يكون بالقاهرة. رمى بجسده على الفراش، مغمض العين. رغم أنه أصبح له هو وأخيه اسم بارز بين أشهر تجار الخيول بمصر، بل بالمنطقة العربية ويسعى للأفضل، لكن لا يشعر بلذة ذلك. هو فقد الإحساس باللذة منذ ليلة ذاك الحريق. لم يفقد والديه وأخته فقط، بل فقد معهم روح الفارس، واكتسب روح شريرة لديها نزعة انتقامية لازمت أحلامه. هو إلى الآن يكبت نيران غضبه، كأنه يضع شريطًا لاصقًا ليس فقط على عقله، بل على قلبه أيضًا. لو نزع هذا اللاصق، سيحرق كل شيء بلحظة. لكن مهلاً، فكما يقولون، خسارة المال تشبه خسارة الأبناء في حرقتها.
أخرجه من غليان عقله بنيران الماضي، صوت رنين هاتفه. هو يعلم من يتصل عليه، لكن للأسف أخطأ العلم هذه المرة، فالمتصل شخص آخر. تنهد ببسمة، وكان رده على المتصل مختصرًا: بعد دقائق هكون عندكِ.
وبالفعل، بعد دقائق، كان يجلس بذلك الملهى الليلي، يمسك بيديه ذاك الكأس، يحتسي منه بروية. هو لا يهوى احتساء الخمور، لكن من حين لآخر حين يكون هنا، لا مانع من كأس واحد. لكن هذه المرة، أثناء رفعه للكأس كي يحتسي منه، تحول لون الكأس لنيران، ورأى تلك الفتاة. فجأة شعر بسخونة الكأس بين يده، وضعه على المنضدة أمامه، وتلفت حوله. أتلك الفتاة موجودة هنا، بذلك المكان المدنس بكل الخطايا؟ لا. أغمض عينيه، طيف الحلم آتٍ إلى خياله، ومعه تلك الفتاة. ميز بها شيئًا واحدًا: هو أن فوق رأسها وشاحًا.
فاق من شروده على تلك الزهرة التي ارتطمت بيده. فتح عينيه ونظر أمامه، يرى من ألقى عليه الزهرة. إنها تلك الحسناء التي تتمايل على مسرح الملهى. لم تكتفِ فقط بإلقاء الزهرة عليه، بل بعثت له قبلات في الهواء بيديها. تبسم لها بترحيب.
بعد قليل، كانت تقف أمامه بعد أن أنهت وصلة رقصها، تحدثت بنهجان وهي تدنو منه تتحدث بدلع وإثارة: رفعت باشا الزهار، مش من مقامه يقعد بين السكارى. هستناك يا باشا قدام باب الكباريه، بعد ربع ساعة، أغير بس البدلة.
تبسم لها بموافقة.
بعد قليل بشقة بكومباوند راقٍ، كانت تلك الفتاة تتمايل بجسدها أمامه، تتفنن في إثارته، سواء كان بزيها الذي يكاد لا يستر شيئًا بجسدها، وتمايل بجسدها بحركات مثيرة. لكن هو كان عقله شاردًا، لم يكن ينتبه لها، إلى أن جلست إلى جواره تنهج، تعطيه كأسًا قائلة: مالك يا رفعت، شكلك مش معايا. أنا مصدقتش نفسي لما عرفت إنك هنا في القاهرة، واتصلت عليك. يعني لو مش عرفت بالصدفة، مكنتش هتعبرني. دا أنا "لميس"، ولا نسيت أيامنا اللي قضيناها سوا قبل كده. تؤ تؤ، أزعل، وزعلي مش حلو.
تبسم رفعت ينفض عن رأسه التفكير قائلاً: وأنا ملك إيدكِ. عاوزك تنسيني الدنيا، معاكِ أسبوع بحاله، بس نمضي الورقة العرفي الأول، وأكيد البادي جارد هنا هيشهدوا.
زامت الراقصة بشفتيها قائلة: ولزمته إيه الورقة العرفي؟ كده كده، بعد أسبوع هتسيبني وتمشي وترجع للشرقية تاني، ومتجيش هنا غير صدف.
تبسم قائلاً: عشان يبقى كله بالحلال. لو مش موافقة، بلاها من أولها. واعملي حسابك الأسبوع ده كله هتبقى ليا لوحدي، لحد ما ننهي مدة العقد العرفي اللي بينا.
نظرت له قائلة: برضو هتحدد مدة العقد العرفي، زي المرة اللي فاتت، وبعدها هتطلقني. بس كده هتبقى الطلقة التالتة بينا، بعدها مش هينفع نتجوز من تاني.
ضحك ساخرًا يقول: عاوزة تفهميني إني أنا الوحيد اللي اتجوزتيه؟ أنا مش ساذج، ولا عبيط. انتي عارفة نظامي. موافقة، كان بها. مش موافقة، أقوم أرجع الأوتيل اللي أنا نازل فيه، أو أشوفلي واحدة تانية أقضي معاها الأسبوع ده.
قال رفعت هذا وكان سينهض، لولا أن تشبثت به الراقصة سريعًا قائلة بدلع ومياصة: عارفة غلاوتك عندي يا باشا. مقدرش منفذش اللي قولته. هنادي على عجلين من بتوع الحراسة يمضوا عالـ عقد العرفي اللي بينا.
***
بغرفة وسيم. جافى النوم مضجعه، لا يعرف سبب لذلك. هو كان مرهق، وظن أنه سيستسلم للنوم سريعًا، لكن لا يعرف سبب لسُهاده. أزاح الغطاء من عليه ونهض من على الفراش. توجه إلى ذاك الشباك بالغرفة. أزاح من عليه الستائر التي تمنع ضوء القمر عن الغرفة. رفع رأسه ينظر إلى ذاك القمر الأحدب. أغمض عينيه، جاءت إلى خياله تلك الجميلة التي تصادم معها بالصيدلية. همس قائلاً: مروة صفوان المنسي.
... هنالك آخر، يسهر لياليه، ليست الليلة فقط. كان يضجع بظهره على مقعد هزاز بغرفته. يفتح باب الشرفة، تدخل نسمات باردة قليلاً، لكن بالنسبة لحرارة قلبه هي نار مشتعلة. يفكر بطريقة يجعل بها تلك العنيدة التي ترفض عشقه. حاول وحاول التقرب منها. أنسيت ماضيهم حين كانوا أطفالاً؟ هي قالتها له صريحة: لن أتزوج من رجل والدي لديه خادم. هي تعلم أنه لا يعتبر والداها خادمًا لديه، هو عالة يتحمله من أجلها فقط. لو كان بيده لما غصب على أخيه تحمله، لكن هي لا تتفهم ذلك. لابد لهذا من نهاية. أصبح قلب الفارس يئن من غرام معشوقة الطفولة العنيدة.
***
نهض رفعت من جوار تلك الراقصة، وارتدى مئزرًا عليه وترك الغرفة، وذهب إلى ردهة تلك الشقة. شباك زجاجي معتم، فتحه، ونظر من خلفه لأضواء مدينة القاهرة. تبسم ساخرًا من نفسه يقول: جوه ضلمة وبره نور، بس إنت اللي جواك يا رفعت ضلمة دخان حريق. مبسوط بحياتك كده؟ عارف اللي بتعمله ده حرام، ليه بتعمله؟ حياة المجون دي، نهايتها إيه.
فجأة سطع نور قوي بعيني رفعت، فأغمض عينيه. أتى ذاك الحلم وتلك الفتاة إلى خياله. فتح عينيه سريعًا، يهمس: حتة بنت متعرفش هي مين، خير ولا شر، بتجيلك في الأحلام. بقت مخلياك مجنون، ومش بتفكر غير فيها. فوق يا رفعت، أنت قدامك طريق الله أعلم بنهايته. يا حارق، يا محروق مع اللي حرقوا قلبك في الماضي.
***
بدأ القمر يرحل من السماء، يترك لنور النهار مساحة كي يستطع.
قرية الزهار. على طريق ترابي موازٍ لمجرى مائي (ترعة) كان رامي يجري بفرسهِ يصارع هواء البدرية بيوم ربيعي. كان ينفث عن مكنون قلبه للنسمة، عل نسيمها يزيح من قلبه عتمة التفكير في جميلته، التي تعتقد أنه وحشًا.
على الضفة الأخرى لنفس المجرى المائي كان وسيم يمتطي حصانًا هو الآخر، يستنشق هواء افتقده منذ سنوات غيبته عن تلك البلدة. لمحه الاثنان، كل منهم الآخر. تحدثا لبعضهما بنفس اللحظة.
"ابن الشامي."
"ابن الزهار."
تبسم الاثنان. تحدث رامي: إمتى رجعت للبلد يا ابن الشامي، وإزاي معرفش.
رد وسيم: رجعت من يومين يا ابن الزهار، وإزاي متعرفش عشان تعرف إنك مش متابع أخبار عدوك.
تبسم رامي قائلاً: أنا عيني في قلب عدوي. قال رامي هذا، وضرب الفرس ليجري بسرعة. كذلك فعل وسيم بفرسهِ. جرى الاثنان على ضفاف المجرى المائي بالمقابل لبعضهم، كانوا يتسابقون إلى أن وصلوا إلى طريق واحد. صهلت خيولهم وهم يقفون أمام بعضهم.
بسرعة نزل الاثنين من على خيولهم. نظرا الاثنين لبعضهما بغيظ دفين. تحدث وسيم: أنا وصلت لهنا قبلك يا ابن الزهار، أنا دايمًا بوصل الأول.
سخر رامي قائلاً: أنا اللي سيبتك توصل قبلي عشان تكون في انتظاري على ما أوصل براحتي يا ابن الشامي. ومش مهم إنك توصل الأول، الأهم إنك توصل لهدفك.
رد وسيم: مغرور كعادة ولاد الزهار.
رد رامي: متسرع كعادة عمي موسى الشامي، ومتنساش نصك اللي من الزهار.
فجأة تبسم الاثنان واقتربا من بعضهما وعانقا بعضهما بود. ثم جلسا تحت جذع أحد الشجرات. تحدث رامي: رجعت لهنا إمتى، وإزاي مقولتليش في آخر مكالمة بينا.
رد وسيم: لو كنت بتشوف رسايل تليفونك، كنت عرفت إني بعت لك خبر إني راجع. بس تقول إيه، عقلك مشغول.
تبسم رامي يقول: بس أنا موصلنيش أي رسايل منك، متأكد إنك بعتها.
رد وسيم: متأكد إني مبعتش الرسالة، بس كتبتها، ومأرسلتهاش. كنت عاوز أشوف المفاجأة على وشك لما تشوفني في وشك. لسه عندك هواية الجري بالخيل بعد الفجر، فاكر سباقاتنا سوا قبل كده.
تبسم رامي قائلاً: فاكرها، بس مكنش فيها لا كسبان ولا خسران. قولي ناوي تستقر ولا لسه هترجع لندن تاني.
رد وسيم: لأ اطمن على قلبك يا ابن الزهار، خلاص أخدت الدكتوراه ورجعتلك.
تبسم رامي ونهض قائلاً: تمام يا ابن الشامي، طالما كده يبقى لينا لقاءات جاية. لازم أرجع للمزرعة، وفي يوم هدعيك للمزرعة، أهو أكسب فيك ثواب، وآخد منك استشارة يا دكتور الحيوانات.
تبسم وسيم قائلاً: الحال من بعضه. ناسي إنك خريج علوم قسم حيوان. على الأقل أنا دكتور في الجامعة. بص لنفسك إنت، بقيت زي "الكاو بوي" (رعاة البقر).
تبسم رامي وهو يمتطي حصانه قائلاً: إنت اللي "بقر"، طول عمرك. فاكر زمان كانوا بيقولوا علينا إيه في المدرسة.
تبسم وسيم قائلاً: فاكر يا ابن الزهار.
نطق الاثنان بنفس اللحظة: كانوا بيقولوا علينا،،،، الأخوة الأعداء.
***
قبل قليل بمنزل فادية، مع صياح أحد الديوك التي تقوم بتربيتها فوق سطح المنزل، نهضت من النوم، توضأت وصّلت الفجر، ثم صعدت إلى السطح، وضعت لذالك السرب من الطيور الخاص بها المنوعة (بط، أوز، دجاج، حمام) الطعام، وكذلك فعلت مع الأرانب، ثم نزلت مرة أخرى إلى الدور الأسفل. دخلت إلى المطبخ، وبدأت بإعداد طعام الفطور للمدعوين زوجها، وأيضًا بناتها.
فوجئت بمن أتت خلفها تحتضنها وقالت: صباح الخير يا أحلى ماما.
تبسمت فادية بخضة قائلة: صباح الفل يا مروة. إيه صحاكي بدري كده؟ لسه وقت على الباص بتاع المدرسة اللي بتشتغلي فيها على ما ييجي للبلد.
تبسمت مروه قائلة: حبيت أساعدك وأحضر معاكي الفطور لأخواتي.
تبسمت فادية قائلة: عقبال ما أجهزلك فطور الصباحية ليكي ولأخواتك وأنتم في بيت اللي يصونكم، يارب.
تبسمت مروه قائلة: لسه بدري يا ماما. بعدين إنتي زهقتي منا ولا إيه.
تبسمت فادية قائلة: عمري ما أزهق منكم، انتوا بنات عمري اللي شقيت عليهم، بس دي سنة الحياة. أي بنت مسيرها لبيت جوزها اللي يصونها، يهنيها.
تبسمت مروه قائلة: وأنا بحبك ومش عاوزة أسيبك.
تبسمت فادية قائلة: هسألك سؤال يا مروة وجاوبي عليا بصراحة. إنتي ليه مش موافقة على رامى الزهار؟ مع إنه اتقدملك أكتر من مرة. ومتقوليش إنهم بيقولوا عليه جسمه اتحرق بقى شبه المسخ. من إمتى الشكل كان بيفرق معاكي؟ أنا فاكرة لما كنتم صغيرين كنتم بتحبوا تلعبوا مع بعض، وكنتي بتقولي: "لما أكبر هتجوز رامى".
تبسمت مروه بغصة قائلة: أهو قولتي لما كنا صغيرين، يعني كلام عيال صغيرة. مش يمكن ده تفكير رامي إن جوازنا لعب عيال، وشوية ويزهق مني ويدور على غيري؟ إنسي يا ماما اللي اتقال زمان، خلينا في دلوقتي، وفي الحقيقة. مش يمكن أكون لعبة من الماضي شبطان فيها ابن الزهار، ولما يوصل ليها يكسرها؟ وبعدين أنا الحمد لله مش مغصوبة أوافق عليه. عندي شغلي في المدرسة الخاصة اللي بشتغل فيها. مضيت معاهم عقد بخمس سنين، لو فسخوه هيدفعولي مبلغ محترم، ولو فسخته أنا هدفع لهم خمسين ألف جنيه. وأنا مش ناوية أفسخ تعاقدي معاهم. أنا مصدقت أشتغل في حضانة مدرسة محترمة ودولية وليها اسمها.
تبسمت فادية قائلة: ربنا يوفقك. يلا، خدي الأكل اللي جهزته ده، وروحي حطيه عالطبلية، وأدخلي صَحّي أخواتك.
تبسمت مروه، وأخذت بعض الأطباق بيدها، وذهبت إلى ردهة المنزل، وقامت بوضع الطعام على منضدة صغيرة. وجدت أن المكان مظلم بعض الشيء، فذهبت إلى ذاك الشباك وقامت بفتح قفله، وفتحته على مصراعيه، ليدخل نسمة هواء عليلة إلى المكان. لكن تفاجئت بصهيل ذاك الحصان، وابتسامة من يمتطيه، وإشارته لها بالسلام وإلقاء الصباح عليها، ثم غادر مسرعًا.
وضعت يدها على موضع قلبها خشية أن يخرج قلبها خلف ذاك الفارس، التي لا ترفضه بكذبة أنه مشوه، لاااا، بل خوفًا من أن تفقد غلاوة الجزء الباقي من الماضي.
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل الثالث 3 - بقلم سعاد محمد سلامة
بمنزل هاشم الزهار
كان يجلس على طاولة الطعام وحده يتناول فطوره. يستمع إلى قول ذلك العامل لديه وهو يخبره بما يجري في البلد.
تحدث هاشم قائلاً:
يعني ولاد رضوان الزهار الاتنين بقالهم أكتر من أسبوع مش في البلد. لسه مرجعوش، واحد في القاهرة والتاني في إسكندرية ومعاه جدته أم أمه. غريبة الاتنين يسيبوا المزرعة في نفس الوقت، أكيد في سبب.
رد العامل:
لا سبب ولا حاجة يا هاشم بيه. رفعت بيه كتير بيسافر لمصر وبيفضل لأيام من فترة للتانية. ورامي بيه جدته طلبت تزور قبر المرحوم جوزها في إسكندرية وهو راح معاها والجو الأيام دي حلو يمكن عجبه. بس البلد بقى ملهاش سيرة غير الدكتورة اللي جت جديدة للوحدة الصحية. بيقولوا شديدة وماسكة عالموظفين والدكاترة، ومش عارفين يزوغوا منها زي ما كانوا بيعملوا. حتى في أوقات النبطشيات بتاع بالليل بيقولوا بتفضل في الوحدة لوقت متأخر.
تبسم هاشم قائلاً:
تلاقيها حابة تعمل منظر بس في الأول ومع الأيام هتتعود وتبقى زي المديرين اللي قبلها. تلاقيها دكتورة قربت عالستين، وجاية هنا تشغل وقتها بعد ما كبرت قبل ما تطلع معاش.
رد العامل:
لأ يا هاشم بيه، دي دكتورة صغيرة أنا شوفتها. دي شكلها مكملتش تلاتين سنة، غير بيقولوا عذبة ومش متجوزة.
تعجب هاشم ووضع سبابته على فمه بتفكير، قائلاً:
بتقول مكملتش التلاتين ومش متجوزة. طب جاية هنا ليه، يمكن مش حلوة.
رد العامل:
لأ كمان دي حلوة قوي.
تعجب هاشم:
كمان حلوة قوي. لأ بقى لازم أشوفها بنفسي، وأقدم لها خدماتي.
في ذلك الأثناء، دخلت مُهرة إلى غرفة السفرة. نظر هاشم للعامل قائلاً:
روح إنت شوف شغلك دلوقتي.
سمع العامل أمر هاشم له. وأثناء خروجه انحنى لمُهرة، التي تجاهلته، وتوجهت إلى مكانها بالسفرة وجلست، وبدأت تتناول فطورها في صمت.
تنحنح هاشم قائلاً:
إيه مفيش صباح الخير.
ردت مُهرة بتهكم:
صباح الخير. غريبة إنك بتفطر هنا في السفرة النهارده بقالك مدة، كنت بتفطر في مزرعة الخيل. بس شايفة مفرقش هنا عن مزرعة الخيل. الخدام بتاعك كان جنبك، يا ترى أخدت منه أخبار البلد والناس اللي فيها وشاغلين تفكيرك طول الوقت.
رد هاشم بتعالي:
أنا مفيش حد في مستوى إنه يشغل تفكيري. وإيه يضايقك إن أفطر هنا، النهاردة. ناسيه إن البيت ده بيتي، ولا خلاص ابن الشامي، نساكي مين اللي له الحق يقعد على راس السفرة دي.
ردت عليه:
ابن الشامي له هنا حق مش لقيط، يا هاشم. متنساش إن له تلث البيت ده وكمان تلت المزرعة اللي إنت بتدير شؤونها. وبسهولة يبقى تحت إيديهُ تلثين كل ده، لو ضميت نصيبي لنصيبه من المرحومة "حسناء" مامته.
نظر هاشم لها بنظرة ساحقة. مُهرة بدأت تستعيد قوتها مرة أخرى بعد عودة ذلك المدعو وسيم الشامي.
نهض هاشم، أقترب من مكان جلوس مُهرة وانحنى وهمس جوار أذنها يبخ سمه إلى قلبها:
مش فاضي للترهات اللي بتقوليها يا مُهرة. أصلي مش زي فرسة الحكومة لما بتعجز وخلاص ميبقاش منها أمل، يا بتتركن بجنب، يا بتطلب الرحمة. مش بتستقوي بوريث غيرها.
استقام هاشم،، لكن قبل أن يغادر الغرفة تصادم على باب الغرفة مع وسيم الذي قال:
صباح الخير.
تنحى هاشم جانباً إلى أن دخل وسيم للغرفة ورد بسخرية:
أهلاً بالوريث.
ثم غادر. تعجب وسيم من قول هاشم، وقال وهو يقف أمام طاولة الفطور:
خالي هاشم قصده إيه، بالوريث.
تعلثمت مُهرة قائلة:
مفيش يلا خلينا نفطر سوا.
رد وسيم:
لأ أنا صحيت من بعد الفجر، جريت شوية بالفرسة، وفطرت بعدها، وكمان عندي محاضرة كمان ساعتين، لازم أمشي. أنا كنت جاي أصبح عليكي يا أجمل مُهرة.
تبسمت مُهرة بغصة. هذا يقول عليها جميلة والآخر الذي تحملت قسوته، ونسيت أنها كانت أنثى برية صعبة الترويض، لكن سقطت بعشق خيال مخادع، ليس فقط مخادع، بل عقيم، تحملت عقمهُ ونسيت أمومتها التي ليست مفقودة عوضتها بـ "وسيم" التي أكملت تربيته بعد وفاة أختها.
انحنى وسيم وقبل رأس مُهرة قائلاً:
لازم أمشي، علشان الوقت، أشوفك المسا.
تبسمت له وهو يغادر. مازال معنى حديث هاشم برأسها، أصبح يعايرها أنها أصابها الكبر، لم تعد تلك المرآة، فالمرأة تفقد أنوثتها حتى إن كانت أجمل الجميلات مع بلوغها "سن اليأس" وانقطاع الحيض.
بمنزل والد مروه.
صحوت هبه وليلى، ومروه رغم أنها مستيقظة لكن لم تنهض من على الفراش تشعر بكسل، أو خمول لا تريد القيام ولا الذهاب إلى أي مكان، فقط تريد البقاء بالفراش لديها حالة ملل.
غمزن هبه وليلى لبعضهن، أن يُغلسن على ليلى التي تتكاسل عن النهوض من على الفراش منذ عدة أيام. ذهبن إلى فراشها، وبدأن بالتلقيح عليها.
قالت هبه:
بقولك إيه يا لولا، بقالي كم يوم مش بسمع صوت صهيل الحصان، يوه قصدي المنبه اللي بصوت صهيل الحصان اللي كنا بنسمعه كل يوم ونصحى عليه، ليكون الحصان هنج، أو بطاريته فضيت.
تبسمت ليلى قائلة:
أو يمكن المنبه زهق وطفش.
تبسمت هبه قائلة:
والله أنا لو مكان المنبه ده كنت طفشت من زمان.
تبسمن هبه وليلى لبعضهن، حين نهضت مروه من فراشها وقالت لهن:
أنا بقول نصتبح عالصبح، وبعدين مش وراكم غيري.
تذكرت هبه قائلة:
هروح أشوف ماما حضرت الفطور ولا لسه معرفش. إمبارح كانوا بينادوا في البلد بيقولوا طلاب الثانوية العامة بكرة يروحوا المدرسة للأهمية، يمكن علشان نكتب الاستمارات. يلا يا بنات رجعالكم.
نظرت مروه، لليلى قائلة:
وإنتي مش عندك محاضرات النهارده.
ردت هبه:
عندي طبعاً بس مش مهم أتأخر شوية. بقولك إيه هو الحصان الأسمر اللي كنا بنصحى كل يوم على صوت صهيله، متعرفيش بقاله أسبوع كده، مكتوم.
ردت مروه بتسرع:
بعيد الشر عليه من الكتمة.
انتبهت مروه على تسرعها فصمتت.
تبسمت ليلى قائلة:
طب طالما بتخافي عالحصان الأسمر ليه، مش بتوافقي عليه. مروه إيه سبب رفضك، لرامي. أنا عندي شك يكاد يكون يقين، إن عندك مشاعر، لرامي، يبقى ليه بتعذبي نفسك. متقوليش علشان بيقولوا عليه جسمه مشوه أو مسخ، متأكدة إن مش ده السبب، من إمتى الشكل بيفرق في المشاعر. وبعدين، ده عليه سمار يجنن، وعلى رأي الصبوحة، أسمر أسمر طيب ماله والله سماره، سر جماله.
تبسمت مروه قائلة:
عجبك سمارهُ، قوى، إختشي عيب.
تبسمت ليلى بمكر:
مش بس عاجبني لوحدي نص بنات البلد ومش بس بنات البلد بنات أغنى الأغنياء مستنية منه إشارة، إن كان هو ولا أخوه. بس هما يشاوروا.
تنهدت مروه قائلة:
أهو إنتِ قولتيها بنات أغنى الأغنياء، يتمنى من رامي أو أخوه إشارة، يبقى هيحبني على إيه، وأنا بنت واحد شغال عنده سايس. أنا مش أكتر من نزوة عنده، بنت وعجباه، زي عيل مدلع وشاف لعبة وعجبته، بس بمجرد ما هيوصل لها هيكسرها أو ممكن يحتفظ بها في ڤاترينة خاصة بيه، ويدور على لعبة غيرها. يبقى بلاش من أولها. أنا مش هتحمل أكون لعبة في حياته، ولا هقدر أبقى، زي ماما أتحمل بس علشان ولادي.
دخلت عليهن أمهن، فسكتن. تبسمت لهن قائلة:
يلا الفطور جاهز وبينادي عالصبايا الحلوين.
تبسمن لها وذهبن خلفها، لكن تفاجئن، بذلك الجالس، ووقفن الثلاث بنات مشدوهات.
نظر لهن صفوان قائلاً:
إيه شايفين عفريت. مش هتعقدوا تفطروا علشان كل واحدة تشوف طريقها.
تبسمن وجلسن أرضاً يتناولون الفطور، بصحبة صفوان. كان الحديث، شبه معدوم، لأكثر من مرة أرادت مروه السؤال عن رامي، وسر غيبته عن البلدة، لكن خشيت من والداها أن يزمها أو يسخر منها، ويقول لها إن كانتِ تريد معرفة أخباره لما ترفض الزواج منه، هل من أجل العناد فقط.
لكن أحياناً يرسل الله لك جواب سؤال دون عناء، وها هو الجواب، في رنين هاتف والداها.
نهض صفوان سريعاً وترك الفطور، ورد على الهاتف، ثم قال باختصار:
يعني رفعت بيه راجع من مصر النهارده، وكمان رامي بيه راجع من إسكندرية. يرجعوا، بالسلامة. شوية كده وهكون عندك.
نظرت ليلى ل مروه وتبسمن لبعضهن. لاحظت بسمتهن فادية، تضاربت بداخلها المشاعر، تتمنى لإبنتها السعادة، وبنفس الوقت خائفة أن تكون سعادة زائلة مع الوقت.
قبل الظهر بقليل بالوحدة الصحية.
تبسمت زينب وهي ترد على مناكفة أخيها لها بالهاتف، حين قال لها:
يعني بركاتك لسه محلتش عالوحدة اللي بتشتغلي فيها.
تبسمت قائلة:
أهو قرك الفقر وقعني في مكان هادي مفيش فيه مشاكل. بقالي عشر أيام هنا، كل المشاكل عادية، يادوب عال موظفين اللي بحاول أعلمهم الانضباط، وكمان الدكاترة اللي بيجوا للوحدة بمزاجهم، ومقضينها في عياداتهم، يبتزوا الأهالي الغلابة. أهو بحاول أعمل توازن.
تبسم أخيها، لكن، يبدو أن المشاكل تطاردها، بأي مكان، تذهب إليه. سمعت صوت صراخ.
نهضت من على المقعد وقالت لأخيها:
سلام، في صريخ كده بالوحدة، هطلع أشوف فيه إيه. يمكن مريض محتاج لمساعدة.
أغلقت الهاتف ووضعته بجيب معطفها الأبيض، وخرجت تتوجه إلى المكان الذي يأتي منه الصراخ وذالك المكان هو بتلك الحديقة القريبة من الباب الداخلي للوحدة.
حين خرجت من الباب، رأت تجمع لأناس واقفين، يحجبون عنها رؤية ما يحدث. قالت بصوت عالٍ:
، في إيه إيه اللي بيحصل هنا، وسع منك ليها.
بالفعل وسعوا لها، ذُهلت مما رأت. ذالك الوغد يقوم بصفع وسحل تلك التمرجية التي قابلتها سابقاً، يسبها، بسباب نابٍ وبذئ، والجميع واقفون يشاهدون، دون أن يتدخلوا، للدفاع عن تلك المرأة. أين النخوة.
تحدثت بصوت عالٍ وآمر:
إبعد عنها بدل ما أطلعك من الوحدة عال مشرحة.
توقف ذالك الرجل الوقح، عن ضرب التمرجية واستقام واقفاً، ونظر لها قائلاً بحنق:
بتقولي إيه يا إبله، هتطلعي مين عال مشرحة. أنا أقدر أولع لكم الوحدة، دي كلها باللي فيها. شوفي بتتكلمي مع مين.
ردت زينب بغضب:
بكلم واحد مجرم جبان بيتشطر على واحدة ست، ومفيش راجل في المكان قادر يدافع عنها، كأن النخوة عندهم ماتت. وإنت اللي متعرفش أنا مين، بس أنا بقى هعرفك أنا مين.
في لحظة كان ذالك الرجل الذي يدعي الإجرام مُسجى أرضاً، بعد أن رفعت زينب ساقها، وقامت بضربه ضربة قوية جوار أذنهُ أفقدته الإدراك، للحظات. وقبل أن يفيق من تلك الضربة باغتتهُ بضربه أخرى قوية بكف قدمها في منتصف صدرهُ ليقع صريع على الارض يلتقط أنفاسه بصعوبة.
نظرت للواقفين المذهولين مما فعلت قائلة بأمر:
خلاص الشو خلص، اتنين يشيلوا الحيوان ده يدخلوه أوضة الكشف، ويأيدوه من الأربع جهات، بالسرير، على ما أشوف سبب لللي عمله ده.
بينما هي توجهت لتلك التمرجية التي تحاول ستر نفسها أمام أعين الواقفين، وانحنت جالسة جوارها ومدت يدها لها قائلة:
قومي معايا.
تعجبت التمرجية، لكن تبسمت لها زينب، فأمسكت بيدها وحاولت الوقوف، لكن ساقيها لم تتحمل.
قالت زينب بأمر:
هاتولي نقالة هنا بسرعة.
تحدثت التمرجية:
لأ مش لازم يا دكتورة أنا هقف أهو.
سندت زينب تلك التمرجية وسارت بها إلى داخل الوحدة، ودخلت إلى غرفتها بها، وقالت لإحدى الممرضات:
هاتلي، شاش وقطن ومُطهر، بسرعة.
ساعدت زينب التمرجية بالجلوس على أحد المقاعد، إلى أن آتت تلك الممرضة، بما طلبت، داوت زينب جراح تلك المرأة الظاهرة، وقالت لها:
أكيد في جروح في جسمك مش ظاهرة هكتبلك على نوع علاج مُسكن مش عارفة هتلاقيها في صيدلية الوحدة ولا لأ بس هو مش غالي. بس بما إنك بقيتي كويسة شوية.، قوليلي بقى مين الحيوان اللي كان بيضربك ده، وإزاي الناس سابوه من غير ما يبعدوه عنك.
ردت التمرجية بدموع:
ده يبقى طليقي، ربنا ينتقم منه. مش كفاية، إني مبطلبش منه لا نفقة ولا حاجة، وأنا اللي بشتغل، وبطفح الدم علشان أربي بنتي، بالحلال، لأ كمان عاوز يجوزها وهى مكملتش خمسطاشر سنة، لواحدة من شلة الصيع اللي بيتلم عليهم، ويضيع مستقبلها. دي شاطرة قوي في المدرسة وبتطلع من الأوائل ونفسها تبقى زيك دكتورة. ليه البنت رفضت، وأنا كمان، جاي لهنا، علشان يتسبب في قطع عيشي. أنا بشتغل هنا في الوحدة بعقد، وهو عارف، والأدارة لو شمت خبر باللي حصل ده ممكن تنهي عقدي، علشان تتجنب المشاكل. وغلاوة أغلى حاجة عندك يا دكتورة بلاش تعملي، زي مدير المدرسة اللي كنت بشتغل فيها، قبل كده، وتقطعي عيشي. هو مش أول مرة يضربني، ربنا ينتقم منه. بس أبوس إيدك بلاش تقطعي عيشي، من هنا.
تدمعت عين زينب قائلة:
يعني هو بقى متعود يضربك كده، طب ليه مش قدمتي فيه شكوى اللي أعرفه البلد دي فيها قسم صغير، أو نقطة شرطة، زي ما بتقولوا. وفين الأهالي، إزاي يسبوه يعمل كده.
ردت التمرجية:
لو عملت له محضر هيخلي مراته التانية تعملي محضر وتبقى محضر قصاد محضر وفي الآخر الحكومة هتقول اتصالحوا. أنا فوضت أمري منه لله يخلصلي حقي أنا وبنتي اللي عاوز يظلمها، بجوازه وهى لسه صغيرة. والاهالي هيعملوا له إيه، ده مستبيع وبيشرب مخدرات وممكن يقتل اللي قدامه، والناس بتخاف على نفسها وعيالها.
ردت زينب بتصميم:
أنا بقى معنديش عيال ومش بخاف غير من ربنا. قومي تعالي معايا وامسحي دموعك دي ومتخافيش، مش هبلغ الإدارة، واقرب وقت هتوسطلك وأخليهم يثبتوكي هنا في الوحدة. يلا قومي معايا، وأنا هفرجك على بيستقوي عليكي وهو زي الفرخة اللي بتهرب خايفة من الدبح.
فرحت التمرجية قائلة:
ربنا يخليكي ويبارك في شبابك، إنت طلعتي أحسن من مدير المدرسة اللي لغى عقدي وطردني قبل كده بسببه، وقال مش عاوز مشاكل مع الإدارة.
تبسمت زينب، قائلة:
لأ متخافيش أنا بحب المشاكل. يلا قومي معايا واتفرجي، ولازم هكسرلك عينهُ قدامك، يخاف بس تقابليه في السكة صدفة. بس عاوزاكي كده قوية، يا أم الدكتورة.
تبسمت التمرجية وذهبت مع زينب إلى غرفة الكشف. دخلن ووجدن، ذالك الرجل، مربوط من يديه وقدميه بالفراش الحديدي الخاص بالمشفى، وهناك حارسان يقفان بالغرفة، وتركت باب الغرفة مفتوح، ليأتي بعض المارة ويشاهدوا ماذا ستفعل بذالك الوضيع، بعد أن قامت بضربه سابقاً.
تبسمت زينب له بزهو، وهو يتلوى، يحاول فك وثاق يديه وساقيه، قائلة:
حلو قوي منظرك ده، مش كنت عامل فيها سبع رجالة في بعض. حبلين مربوط بهم مش عارف تفُك نفسك، وعمال تتلوى، بس متخافيش أنا بعد اللي هعمله فيك، هتمشي تتوارى مين عيون الناس.
ارتعب الرجل حين رأها تمسك بيدها مشرط طبي، وقالت له:
مش بتتشرف برجولتك، بين الناس أنا هعدمك الرجولة دي، ومش بس كده، كمان هطلعك من الوحدة دي عالسجن مباشر، وأوعدك تقضي الباقي من شبابك في السجن. ليه بقى عد ورايا، التهجم على منشأة حكومية اللي هي الوحدة دي، كمان التهجم على موظف أثناء تأدية خدمته، واللي هي أنا طبعاً ومش أي موظف أنا مديرة الوحدة، بس كده. لأ طبعاً، سب وقصف وسب وضرب صفاء اللي هي طليقتك، والتمرجية هنا في الوحدة، ومش هحتاج لشهود عليك، أكيد الكاميرات اللي في مدخل الوحدة مسجلة كل اللي حصل، بالتفصيل.
نظرة هلع من الرجل حين اقتربت زينب منه، ووضعت المشرط أمام عيناه قائلة:
نسيت أقولك إني هعملك العملية اللي تساويك بالست بدون بنج، للأسف إنت عارف الوحدة، فيها علاج ناقص، ومن ضمن العلاج ده، مفيش أي مخدر، ولا بنج في الوحدة. لو عاوز بنج، هات فلوس أبعت اشتريلك من أي صيدلية قريبة من الوحدة.
أصبح الرجل يرتجف، ويصرخ كالنسوة، ويستعطف بدموع.
نظرت له زينب قائلة بأستهزاء:
راجل وبتعيط، إخص عالرجولة. طب تعرف إنت صعبت عليا،، وأنا قلبي حنين، وعندي ليك أوبشن تاني، أوبس نسيت متعرفش إنجليزي هقولك عرض تاني. إيه رأيك هفكلك أيد واحدة، هتمضي على إقرار عدم تعرض لصفاء ولا لبنتها، وهتبعد عنهم وتنساهم خالص من حياتك، والاقرار ده هيتوثق في الحكومة. ها مسمعتش ردك، ولا تحب أبدأ، بالعملية مباشر.
صرخ الرجل بهلع قائلاً:
موافق أمضي عالاقرار، بس بلاش العملية أبوس إيديكي.
فلتت ضحكة من شفاه التمرجية، وهي ترى ذالك الذي كان يتجبر عليها دائماً، وهو يترجى تلك الطبيبة أن ترفق به.
نظرت زينب لصفاء قائلة:
ها إيه رأيك، يا صفاء، هو هيمضي التعهد مش عاوزاه يمضي على حاجة تانية.
ردت صفاء:
لأ مش عاوزه منه غير يسيبني أنا وبنتي في حالنا، ويبعد عنا بشرهُ.
قالت زينب:
والله إنك قنوعة، يا صفاء. عارفة لو هو اللي كان مكانك كان ممضاكي على كل أعضاء جسمك، بس تمام، هتمضي عالتعهد وبعدها، تتأسف لصفاء.
ذهبت زينب إلى اليد اليمنى ل ذالك الوغد وبدأت بقطع الحبل الموثوق به، بالمشرط، لكن جرحت يدهُ جرح صغير، وقالت:
أوبس، مكنش قصدي المشرط فلت من الحبل على إيدك.
تبسمت صفاء على صرخة ذالك الوغد الجبان قائلة:
بس هو بيكتب بالشمال يا دكتورة أصله أشول.
تبسمت زينب قائلة:
مش كنتِ تقولي كده من الأول، يا صفاء، بس تمام، نحل إيده الشمال، هو شكله أساساً من أهل الشمال.
ذهبت زينب وفعلت بيده اليسرى مثلما فعلت باليد الأخرى وجرحتها أيضاً، وادعت الخطأ. ثم آتت بورقة وقلم وكتبت تعهد بعدم التعرض ل صفاء وابنتها وقالت له:
خد إمضي عالتعهد، وهنا اتنين من الشغالين في الوحدة هيشهدوا عالتعهد ده، وكمان التعهد ده هيتسجل في المحكمة نفسها. متفكرش إنك بعيد عن إيدي، بإشارة مني هخليك تلبس البدلة الزرقاء.، قوم إمضي.
نهض الوغد جالسً على الفراش ومسك القلم بيد مرتعشة وقام، بإمضاء التعهد. خطفت، زينب التعهد منه قائلة:
هات لايدك تلوث التعهد بدمك الزفر، يلا يا صفاء نطلع من الاوضة دي الهوا فيها مكتوم، وإنت يا حلوف، هتعرف تفُك نفسك والا أجى أفُكك بالمشرط.
رد مرعوب:
لأ هفُك نفسي.
تبسمت زينب وقالت للحارسين:
هو مفيش ترحيب بالضيف ده في الوحدة، قدموا له واجب الترحيب. يلا بينا، يا صفوؤه، نفسي أشرب كوباية شاي بنعناع، من اللي بتزرعيه في جنينة الوحدة و من إيدك الحلوة.
تبسمت صفاء التي كانت تشعر بالقهر، الآن تشعر، بالفخر، فمن كان يتجبر عليها وأذاقها الذل والهوان أمام الناس وهو يضربها، ها هو يصرخ، وهو يُضرب على يد ذالك الحارسين اللذان كانا خائفين منه، لكن امرأة جعلت منه مسخة بين الناس.
بكلية الطب البيطري.
بأحد المدرجات كان وسيم يقف يُلقي محاضرة على الطلبة أمامهُ. كانت تلك الهائمة، التي لا تعرف سبب انجذابها له. هي ليست تافهة العقل، لكن القلب حين يتدخل، أحياناً يلغي العقل، وبالأخص إذا كان القلب، يشعر بنبضات جديدة عليه.
أنهى مدة المحاضرة وقال:
قدامكم يومين وهستلم الأبحاث منكم، ومتخافوش، مكتبة الجامعة فيها كتب هتساعدكم في البحث، غير كمان قدامكم، النت في مواقع شهيرة أنا ذكرت اسمها في المحاضرة ممكن تستعينوا منها، في الأبحاث، والى اللقاء في المحاضرة الجاية ومش هقبل أي أعذار عن تأخير الأبحاث، سلام وعليكم.
نهضت ليلى، سريعاً، علها تحدثهُ، لكن كان غادر القاعة هو الأخر، سريعاً، وقفت تتنهد، لكن آتت إلى رأسها فكرة، عليه أن تذهب له إلى مكتبه، بحجة أن تسأله على معلومة بالبحث. لكن قبل أن تذهب إلى مكتبه، رأته يخرج منه، ويسير، بأروقة الجامعة. سارت خلفه إلى أن دخل إلى غرفة المكتبة، فكرت قليلاً وقالت والله فرصة، يلا ربنا يسهل.
دخلت خلف ذالك الطاووس كما تنعته إلى غرفة مكتبة الجامعة. وجدته يتوجه إلى أحد الأركان، كانت تسير خلفه، رأته يرفع يدهُ يسحب، ذالك الكتاب من أحد أرفف المكتبة، مدت يدها وأخذته منه، قرأت ما هو مدون على الكتاب.
بينما هو نظر له بلا مبالاة، وترك الركن وذهب لغيره، يبحث عن ما يريده.
نظرت له ثم وضعت الكتاب بمحله وسارت خلفه، بنفس الطريقة السابقة حين أخذ كتاب مدت يدها تأخذهُ منه. حدث ذالك لأكثر من مرة، مما جعله يتضايق وقال لها:
في إيه يا آنسة هي المكتبة مفيهاش كتب غير اللي أنا ماسكها.
ردت ببراءة مصطنعة:
أنا آسفة حضرتك، مقصدتش طبعاً، بس أنا مطلوب مني بحث، وبدور على كتب معينة علشان أعمله منها. اعمل إيه الاستاذ اللي طلب البحث، واضح أنه غبي، تصور حضرتك، طلب إن البحث، يتسلم خلال يومين بس، اعمل إيه؟
نظر لها قائلاً:
إنتِ في سنة كام، والبحث ده عن إيه؟
ردت:
أنا في سنة أولى طب بيطري حضرتك، والبحث عن كيفية استخدام التكنولوجيا الحديثة في علاج بعض الأمراض في بعض سلالات الخيل العربية. أستاذ غبي، محدد وقت قليل، حضرتك شايف، نص الدفعة أهم قاعدين في المكتبة علشان، يعملوا البحث، واكيد حضرتك كمان زميل لينا، وجاي علشان نفس السبب.
تعصب عليها قائلاً:
إسمك إيه؟
ردت ببساطة:
ليلى صفوان المنسي، بس بتسأل ليه؟
رد عليها:
علشان أعرف سبب إن البحث بتاع حضرتك يتأخر وكمان علشان تعرفي، سبب إن البحث بتاعك بالذات هيترفض وهياخد صفر، علشان تبقى تعرفي، إن السبب هو طول لسانك اللي بينقط دبش، علشان أنا، الأستاذ وسيم الشامي، اللي طلب البحث ده.
قال هذا وغادر، وتركها تبتسم قائلة:
طب ما أنا عارفه إنت مين، هو أنا تايهة عنك، يا سُومي. يلا كده اتعرفنا على بعض، يا سُومي. أما أشوف بحث مين اللي هياخد صفر، دا أنا كنت عملت اعتصام في الجامعة، وجبتلك في مكتبك قفص وز وبط فراخ من اللي ماما بتربيهم عالسطح، وقلت طلب مني دول رشوة.
آتي المساء.
بسرايا رضوان الزهار.
بغرفة الصالون.
جلس رامى متنهداً يقول:
أخيراً رجعنا لمكاننا تاني، مش عارف سبب إنك تفضل في القاهرة المدة دي، لأ وكمان تقولي آخد جدتك ونروح إسكندرية.
رد رفعت:
جدتك السبب، طلبت مني كذا مرة وبإلحاح قبل ما أسافر عاوزه تروح تزور قبر جدك، وتطمن على شقتها هناك.
تبسم رامى قائلاً:
والله أنا مش عارف جدتك دي إيه، عندها زهايمر وساعات بتغيب بصحيح ولا بتستعبط علينا، بص بقى أول منزلنا إسكندرية، فاكرة الشوارع حتى مكان الشقة، وكمان مكان قبر جدك، لأ وحكت لي على قصة جوازها له ومن أول مرة شافها عالبحر وهي بالمايوه الأزرق، لحد جوازه منها. وتيجي هنا ترجع تاني تنسى وتغيب، وتفتكر بس اللي على مزاجها، ومحاسن، يا عيني طالع عينها معاها ومستحملة حالتها دي.
تبسم رفعت قائلاً:
هي بتنسى كل حاجة ما عدا ذكرياتها مع المرحوم، والمايوه الأزرق الحكاية اللي حكتها لأمة لا إله إلا الله. وبعدين محاسن بتخدمها من زمان قوي، دي جدتك تقريباً هي اللي مربياها، وعارفة أطباعها. بس سيبك عملت إيه في الموضوع التاني اللي قولتلك عليه.
تبسم رامى قائلاً:
عيب يا ريس، كله تم. هقوم أنا أنام بقى، الوقت بدأ يتأخر. أيه مش هتنام، ولا خدت عالسهر الكام يوم اللي فاتوا، مش هتبطل السهر الرقصات دول بقى.
تبسم رفعت:
مالهم بقى الرقصات، من البداية كل واحد فينا عارف، هياخد إيه والمقابل إيه. علاقة صريحة، مفيهاش لوع ولا كذب بالمشاعر.
هز رامى رأسه، بأسف قائلاً:
عارف نفسي، تيجي بنت تحبها وتغير تفكيرك ده، وقتها هتندم عالوقت اللي ضيعته مع الرقصات والفنانات اللي من النوعية دي.
تبسم رفعت يقول:
لأ أنا سايبلك موضوع المشاعر البريئة دي، ربنا ينولك مرادك. مش عارف هتفضل صابر لحد إمتى، عندك أبوها موافق، طب ليه بقى صابر.
تنهد رامى قائلاً:
لسه هي توافق، أنا سهل عليا أضغط عليها وأخليها توافق، بس لغاية دلوقتي مش عاوز أجبرها، بس تأكد قريب جداً هتوافق، بإرادتها.
تبسم رفعت يقول:
بإرادتها أو غصب، عاوزك تخلص الموضوع ده في أقرب وقت، علشان نفضي، لشغلنا. الراجل الخليجي، طلب مني فرسة تانية، زي اللي أخدها هدية لصديق له إنجليزي، وكمان "أندريه جيريمان"، كلمني، ع الموبايل، وبيقول بنته هتنزل مصر قريب، عاوز نكون جاهزين.
تبسم رامى قائلاً:
إطمن، عندنا تشكيلة هتعجب، بنت أندريه، وهي سبق وجت هنا وعندها إعجاب كبير، مش بس بالخيل.
تبسم رفعت:
لأ أنا مش بعمل علاقات مع العملاء، مش عاوز أخسر أندريه له سمعته في أوربا كلها.
تبسم رامى:
فعلاً أندريه له سمعته في أوربا كلها، وفي إيدك تكسب، رضاه بسهولة، بس هقول إيه براحتك. يلا تصبح على خير، أنا طالع أنام.
رد رفعت:
وإنت من أهل الخير، ومتنساش تقفل باب البلكونة، قبل ما تنام، إحنا في أيام رياح الخماسين، والرياح بتبقى مليانة تراب، علشان صحتك.
صعد رامى، وترك رفعت الذي ظل قليلاً ثم صعد إلى غرفة نومه. لا هي ليست غرفة نومه، هي غرفة والديه سابقاً. حقاً اختلفت الغرفة عن قبل احتراقها، لكن ما زال، يرى بسمة والدته له، وهو ذاهب للإسكندرية من أجل إكمال دراسته. أخته تدخل للغرفة دون استئذان كي يربط لها والداهما رباط حذائها، وتُجدل والدتهما لها خصلات شعرها، ورامي يأتي متأخراً لها كي تربط له والداته رابطة العنق كي يذهب إلى المدرسة، قبل أن يغادر باص المدرسة ويتركه. ذكريات صبي يافع، دمرتها بليلة نيران حرقت كل هذا، حرقت معها صباه، شاب سريعاً، من هول نار لم تشبع إلا حين أخذت منه، والدته وأبيه وأختهُ، نيران لم تفرق، بين جماد وحيوان وبشر التهمت كل شيء عدا أخيه، الذي أخرجه من بين النيران، وهناك شيئاً آخر، تركته النيران، هو تلك المهرة القوية، التي أعادت بناء اسم أبناء "رضوان الزهار" مرة أخرى.
بعد مرور يومان.
صباحاً.
بأستطبل رضوان الزهار.
كان رفعت يجرى بذالك المضمار الموجود بالمزرعة، يتريض على إحدى خيوله.
رأى جلوس العمال، معاً يتسامرون وهم يتناولون فطورهم، كان حديثهم عن الحديث الدائر بالبلد، وهو فعلة تلك الطبيبة بذالك الوغد طليق التمرجية. يتحدثون وهم متعجبون ومعجبون من فعلة تلك الطبيبة، في النهاية امرأة.
نزل رفعت من على فرسه واقترب من مكان جلوسهم، وجلس معهم، بود لكن صمتوا قليلاً.
فقال لهم:
أنا سمعتكم بتتكلموا عن الدكتورة، دكتورة إيه دي.
رد أحد العمال:
دي الدكتورة الجديدة في الوحدة، وكمان تبقى مديرتها، بس دي إيه جبارة، دي خلت الرجالة في البلد يخافوا منها، بسبب اللي عملته في طليق التمرجية صفاء اللي بتشتغل في الوحدة، دي خلته ناقص يلبس طرحة وهو ماشي.
تعجب رفعت قائلاً:
ليه عملت إيه.
سرد أحد العمال له ما سمعوه عن فعلتها من طليق التمرجية، وشراستها معه.
رغم ذهول رفعت من ما قصهُ عليه العامل، لكن قال:
وعملت إيه مع التمرجية.
رد العامل:
دي بقت صاحبتها، ومعاها في كل السكك في البلد.
رد رفعت:
بتقول إن الدكتورة شابة مش كبيرة في السن، طب إيه اللي جابها هنا للبلد دي.
رد العامل:
الله أعلم، يا رفعت بيه، بس البلد بقالها كام يوم ملهاش سيرة غير الدكتورة واللي عملته.
تبسم رفعت، لا يعرف إذا كانت بسمته إعجاب، بتلك الطبيبة التي يسمع عنها لأول مرة، أم استغراب إن هناك امرأة بتلك الشراسة، تشبه المهرة البرية. لا يعرف لما أراد أن يراها.
ليلاً.
بمنزل مروه.
تنهدت بسعادة، وهي تسمع صهيل تلك الفرسة، القريب من شباك منزلهم، إذا كما قال والداها أن رامي عاد للبلدة منذ يومان. لكن كان يشغل عقلها، لما لم تسمع صهيل فرسه، باكراً كما كان يفعل في السابق، لكن أتى اليوم مساءً. ماذا لو قامت وفتحت شباك الغرفة، وأطلت عليه، لكن لا سيفضح أمرها هي عاشقة، له، وتخاف أن تكون بحياته نزوة، هي سمعت عن نزوات هؤلاء الأغنياء، ولا تريد أن تصبح إحدى ضحاياهم. لا تريد خسارة ذالك الجزء الذي بقلبها منذ الطفولة وذكرياتها البعيدة والسعيدة، حين كان رامي هو الآخر طفلاً مثلها، لكن حين عاد رامي، مرة أخرى للبلدة، تذكرت فقط قول تلك المربية التي كانت تعتني، ب رامي وأخته، والتي قالت لها أنها ليست سوى بنت خادم في سرايا والد رامي. لا تحلم باللعب معه مرة أخرى. ها هي، تضب قلبها بأقفال.
كانت هناك أيضاً ليلى مستيقظة، وسمعت صهيل الحصان. تبسمت وتذكرت، ذالك الوسيم الذي يشغل عقلها التفكير به. هل هو أيضاً ما زال يتذكرها، وسيعلم اسمها من بين الأبحاث التي قُدمت له اليوم.
بغرفة وسيم الشامي.
جلس على مكتب بالغرفة، ووضع تلك الأبحاث أمامه. تذكر اسم تلك الشعنونه الدبش التي تحدثت معه منذ يومين بمكتبة الجامعة. نطق قائلاً:
ليلى صفوان المنسي. بحث بين الأبحاث عن البحث الخاص بها.
للحظة، شار عليه عقلهُ بقطع ذالك البحث، وإعطائها صفر كما قال لها سابقاً. لكن تحكم ضميرهُ وفتح البحث، وبدأ يقرأ محتواه. تعجب هو ظن أنها لن تقوم بفعل بحث مفيد، لكن ها هو أمامه، البحث مكتوب، بطريقة علمية مُنمقة، يستند لبعض المراجع الهامة، وتقديم بعض الحلول العلاجية، لبعض أمراض الخيول. محتوى البحث جيد، بل ممتاز، لكن طريقة تلك الفتاة في الحديث معه لم تعجبه.
أغلق البحث الذي حاز إعجابهُ، لكن فجأة أعاد الاسم برأسه، "ليلى صفوان المنسي". فذكره بأسم أخرى قالته له الصيدلانية حين أخبرته عن اسم تلك الرقيقة، "مروه صفوان المنسي". أعاد تذكر وجه الأثنتين، مروه ملامح رقيقة وهادئة، وجميلة ولديها حياء، وليلى، ملامح جميلة لكن تنضح، بالعبث أو بمعنى أصح الشعننة. أيعقل أن الاثنتين أخوات.، جاوب عقلهُ. ولما لا فكثير من الأخوات يجمعهن التضاد. تبسم وهو يتذكر تلك الشعنونة الدبش.
باليوم التالي عقب الظهر.
بمنزل مروه.
عادت مروه من تلك المدرسة التي تعمل بها باكراً. دخلت إلى المنزل، نادت على والدتها، لم ترد، عليها، فأيقنت أنها ليست بالمنزل. ذهبت إلى غرفتها مع أختيها. وبدلت ثيابها، بأخرى.
في ذالك الأثناء عادت والداتها للمنزل، بعد أن اشترت بعضاً من مستلزمات البيت. دخلت ووضعتهم، بالمطبخ، وجلست تبكي، حتى أنها لم تسمع خطوات مروه. التي حين سمعت فتح باب المنزل خرجت من غرفتها، وتوجهت للمطبخ.
قالت مروه بلهفه:
ماما بتبكي ليه.
صمتت فادية وجففت دموعها بيديها، وقالت:
مفيش، دا شوية هوا طرفوا عنيا، وبعدين إنتِ رجعتِ من المدرسة بدري ليه النهارده.
نظرت لها مروه بعدم تصديق قائلة:
مكنش عندي حصص، قولت بلاش أستنى الباص، ورجعت مواصلات. بس هوا إيه اللي طرف عنيكي، يا ماما، قولي الحقيقة، بابا زعلك زي عادته.
ردت فادية:
لأ،،، بس مصيبة تانية حصلت.
بالوحدة الصحية.
كانت زينب تشعر، بالبغض من نظرات هذا الكهل الذي يجلس أمامها. تقوم بتقطيب جرح غائر له بمعصم يدهُ، إلى أن انتهت، وقبل أن تتحدث له، وجدت، ذالك المدعو، طارق التقي، وكيل إدارة الوحدة، يدخل مرحباً بقوة:
هاشم بيه الزهار هنا في الوحدة. ليه يا هاشم بيه جيت بنفسك، كنت ابعت أي عامل من عندك، وكان الدكتور، بنفسه جالك لحد بيتك، أو الاستطبل الخاص، بيك. بس الوحدة نورت، بوجودك النهارده.
قال طارق هذا ونظر إلى زينب قائلاً بنفاق:
ده يا دكتورة زينب، هاشم بيه الزهار، من أعيان البلد ومن رجال الخير كمان اللي اتبرعوا قبل كده كتير في بناء الوحدة دي، وكمان في بناء الملحق السكني بالوحدة، غير إنه اتبرع في بناء المبنى الجديد للوحدة اللي تحت الانشاء وهيخلص قريب.
تبسمت زينب بسمة سطحية وقالت:
أهلاً وسهلاً، بحضرتك.
قال طارق بترحيب زائد:
دا ميت ألف أهلاً وسهلاً، بيه، لا لازم تتوصى، بهاشم بيه يا دكتورة.
ردت زينب بحنق قائلة:
أتوصى بيه إزاي، أزود له البنج شوية ولا اخيط له ايده بمكينة سرفلة، أنا معنديش تفرقة، بين المرضى.
قالت هذا ونظرت للمدعو هاشم قائلة:
أنا خيطت لك الجرح اللي كان في معصم إيدك، وهو مش جرح غويق، وبالنسبة للجرح اللي في كف إيدك ده مينفعش يتخيط، لأن كف اليد مش بيتخيط، بس مع المواظبة على تغيير الضماد بواحد تاني نضيف وكمان عدم تعرض اليد للميه، جرح كف إيدك هيلتئم بسرعة، وهكتب لحضرتك، مُسكن، ومعاه مضاد حيوي.
نظر لها هاشم، بنظرة تتفحصها، من أسفل لأعلى، وهمس لنفسه قائلاً:
واضح إن الكلام اللي داير عنك في البلد يا دكتورة، شوية عليكي، إنتِ أجمل وأشرس، وأنا أحب المهرة الشرسة، أروضها بمزاج.
لكن بنفس التوقيت كان رفعت أيضاً بالوحدة الصحية، يطمئن على أحد العاملين لديه بمزرعة الخيول وقع من على إحدى الخيول وأغمي عليه، وأتوا به العاملين إلى هنا بالوحدة،، لكن العامل لم يصبه مكروه، مجرد كدمات فقط.
خرج من غرفة العامل بعد أن اطمأن عليه، وضع نظارته الشمسية، وكاد يخرج من باب الوحدة الداخلي. لكن لفت انتباههُ سير هاشم الزهار مع ذالك المدعو طارق التقي، ومعهم أيضاً امرأة، ترتدي معطفاً أبيض، قربين من باب الخروج من الوحدة الصحية.
نظر لهم من بعيد، ذهب هاشم ومعه طارق، لكن عادت الطبيبة إلى الداخل مرة أخرى. تأمل ملامحها، هي جميلة جداً، هي أجمل مما وصفوها به. لم يتوقع أنها صغيرة بالعمر هي تبدو بوضوح لم تُكمل الثلاثين من عمرها، تسير بشموخ كالمهرة. تحير عقلهُ، لماذا أتت تلك الطبيبة لهنا، وهي بهذا السن كيف أصبحت مديرة لتلك الوحدة. كلما اقتربت خطواتها من مكان وقوفه، كان يشعر بزيادة خفقان قلبهُ. لكن تبسم وهو يقول لنفسه:
هاشم الزهار، بيحب، البنات الصغيره الورور، بس دي واضح إنها مُهرة شرسة، ومُتأكد إنها دخلت مزاجهُ والأ مكنش جه لحد هنا بنفسهُ. كويس قوي، كل شئ في الحب والحرب مُباح، واللي بيني وبين هاشم الزهار،،،،، حرب لغاية دلوقتي باردة بمزاجي.
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل الرابع 4 - بقلم سعاد محمد سلامة
جلست مروة جوار والدتها بفزعٍ قائلة:
"مصيبة إيه يا ماما اللي حصلت؟ واحدة من أخواتي جرالها مكروه؟"
هزت فادية رأسها بالنفي وقالت:
"يارب يبعد عنهم الشر يارب."
آمنت مروة قائلة:
"يارب يبعد عنا الشر، إيه اللي حصل خلاكي قاعدة تبكي بالشكل ده؟"
ردت فادية:
"الطيور اللي كنت بربيها عالسطح، معرفش إيه جرالها فجأة. طلعت الصبح أحط لها أكلها زي كل يوم، لقيت شيئ منهم ميت، والباقي مدروخ. ومن شوية طلعت لهم، لقيت الباقي كمان ميت. مفضلش غير الحمام والأرانب. مصيبة! هصرف على إخواتك منين؟ دول كنت بدبر مصاريف إخواتك منهم، ببيع الكبير والصغير أربيه والفرق اللي بينهم. أهو كان بيصرف عالبيت وإخواتك جنب القرشين اللي بتديهم ليا كل شهر من مرتبك، وكانت ماشية بالزق. دلوقتي هعمل إيه؟"
ضمت مروة كتف والدتها قائلة:
"ده اللي مزعلك و بتبكي بسببه؟ ربنا مش بينسى عبيده، مش دي كلمتك يا ماما؟ طب عارفه سبب رجوعي من المدرسة بدري النهارده؟"
ردت فادية:
"يا بنتي دول رأس مالي، بس إيه سبب رجوعك بدري؟ أوعي تكوني عيانة وبداري عليا."
تبسمت مروة على لهفة والدتها وقالت:
"لأ مش عيانة، أنا الحمد لله بخير وبخير جداً. إنتِ عارفة إني معظم الوقت بروح المدرسة في الباص التابع لها، فيه كم تلميذ من البلد في المدرسة دي. وأنا كنت بظبط مواعيدي مع مواعيد الباص ده، فبالتالي، كنت بوفر مصاريف المواصلات. والدكتورة ناهد صاحبة الصيدلية، كانت من فترة قالتلي إنها هتعمل جمعية، وقالتلي إن كنت عاوزه أدخل معاها. وأنا قولت أدخل بالجزء ده من مرتبى، وهي إتصلت عليا وأنا في المدرسة النهارده وقالتلي إن ده دوري في قبض الجمعية. وأنا مكنش عندي حصص كتير النهارده، فقولت أرجع بدري. ولما جيت ملقتكيش قولت استريح شوية وأروح لها آخدها منها عالعصر كده. يعني، ربنا قد ما بياخد، بيدي، ويمكن بيعطي أكتر كمان. الجمعية بمبلغ محترم."
وتحدثت ليلى من خلفهن قائلة:
"وأنا كمان إتفقت مع الدكتورة ناهد إني أرجع اشتغل تاني معاها في الصيدلية، بنص أجر في الأوقات اللي معنديش فيها محاضرات، وأيام الإجازة."
نظرن الاثنتين لليلى ببسمة. أقتربت ليلى من مكان جلوسهن وأكملت:
"يعني كده الأجر اللي هاخده من الصيدلية، هيغطي مصاريفي. يبقى مش ناقص غير مصاريف هبة، والجمعية أهي تسد لحد ربنا ما يعوض عليكِ. بس مش كنتِ قلتيلي إن الطيور عيانة؟ كنت طبقت عليهم عملي، ناسيه إني بدرس طب بيطري ومن ضمنه الطيور والحيوانات، كنت هعالجهم. تطبيق عملي. بس يا خسارة، كنت محتاجة دكرين بط، كنت هبعتهم رشوة. بس يظهر مالوش نصيب فيهم بقى."
تبسمت فادية قائلة:
"وكنتِ هتبعتيهم رشوة لمين؟"
ردت ليلى:
"خلاص بقى مش لازم. هتصرف. من ناحية تانية، أبعت له جوزين أرانب وجوزين حمام. مش الحمام والأرانب هما اللي فلتوا من الفرّة."
تبسمت فادية وضمتهن بين يديها قائلة:
"ربنا يخليكم ليا، ويستركم، ويفرح قلوبكم، ويرزقكم الرضا دايماً."
***
بالوحدة الصحية.
أثناء سير زينب لتعود لداخل الوحدة، رن هاتفها. أخرجته من جيب معطفها الأبيض، وتبسمت حين نظرت للشاشة. وتجنبت تقف تحت أحد ظلال الأشجار، وردت على الهاتف:
"إيه رجعتي من التأمينات وبابا لسه مرجعش ولا إيه؟"
ردت هالة:
"لأ بابا كان في الإدارة، خلاص عينوه موجه عام، وهيلف بقى عالمدارس ومعدش هيبقى مرتبط بمواعيد رجوع."
تبسمت زينب قائلة:
"خلاص يا مامي بقى مين قدك، بقيتي حرم الموجه العام، وابنك بيقبض بالدولار. إتغري بقى شوية، في وسط موظفين التأمينات."
تبسمت هالة:
"هتغر على إيه؟ على بنتي الدكتورة المجنونة، اللي مقضياها من يوم ما اتخرجت من بلد للتانية. بس غريبة، واضح كده الشرقية هادية، وجاية على هواكي. هتجي للقاهرة إمتى؟ وحشتيني."
تبسمت زينب:
"هي الشرقية شكلها كده هادية، أو لسه في أولها الله أعلم. معرفش هاجي القاهرة إمتى. وبعدين لحقتي أوحشك بالسرعة دي؟ أنا لسه مكملتش خمسة عشر يوم."
همست هالة في نفسها باشتياق أم:
"متعرفيش إنك دايماً في بالي، مبتروحيش. معرفش إزاي بتحمل بُعدك غصب عني."
لكن قالت لها:
"بجد هتيجي للقاهرة إمتى؟ مش عندك إجازات."
تبسمت زينب:
"عندي إجازات، بس إتفقت أنا والواد مجد هظبط نفسي على ميعاد إجازته وأجي للقاهرة، نقضي الإجازة سوا. وأهو أقلبه في قرشين ينفعوني."
تبسمت هالة قائلة:
"دكتورة جراحة وعايشة على تقليب أخوكِ؟ اعقلي وربنا هيرزقك من وسع."
تبسمت زينب قائلة:
"تعرفي يا ماما، أنا اكتشفت إن بيني وبين الفلوس مفيش عمار خالص. بس في خطتي الخمسية الجاية لما أرجع للقاهرة أفتح في الشقة عندك عيادة وأستغل الجيران وأهل المنطقة وأقلبهم شوية وأتغنى على قفاهم."
ضحكت هالة:
"أوهام ياروحى، إنتِ فقر من يومك. يلا ربنا يسترك، خلي بالك من نفسك ومتنسيش تاكلي وتاخدي علاجك في مواعيده، وبلاش ترهقي نفسك زيادة، مش بيطمر في حد. شوفي الأماكن اللي خدمتي فيها قبل كده، حد منهم عبرك بسؤال حتى."
تبسمت زينب:
"كفاية كسبت دعواتهم الطيبة، يمكن عايشة ببركتها."
تبسمت هالة:
"ربنا يخليكِ ويحفظك يارب، في أمان الله."
ردت زينب:
"سلميلي على بابا، في أمان الله."
أغلقت زينب الهاتف ووضعته مرة أخرى في جيب معطفها، وتوجهت تدخل إلى الوحدة، لكن ليس من الباب الرئيسي، بل ذهبت إلى باب آخر جانبي للوحدة، قريب من مكتبها.
كان ذلك الواقف أمام الباب الداخلي عيناه مُسلطة على تلك الطبيبة، لا يعرف بأي شعور يشعر. كان يتأمل ملامحها الجميلة. سأل عقله: مع من كانت تتحدث بالهاتف؟ هي لديها زوج، أو خطيب، أو حبيب؟ كم أراد أن يعرف كل شيء عن تلك الطبيبة. هذه هي المرة الأولى الذي يراها، سمع عنها فقط. لكن كيف لصاحبة تلك الملامح الرقيقة أن تكون تلك الشرسة التي يتحدثون عنها بالبلدة.
في أثناء انشغاله بالتفكير في تلك الطبيبة، جاء لهاتفه رسالة. فاق عليها وعاد لوعيه. فتح الهاتف وقرأ الرسالة، ثم قام باتصال على أحدهم. كانت المكالمة مختصرة:
"في دكتورة جديدة مسكت إدارة الوحدة الصحية هنا، بالزهار، عاوز كل تفصيل عنها. قدامك يومين مش أكتر."
قال هذا وأغلق الهاتف، ووضعه بجيبه، ولم ينتظر. سار مغادراً للوحدة.
***
بعد مرور يومان.
صباحاً بكلية الطب البيطري، بقاعة المحاضرات.
وقف وسيم، يقول تقديرات الأبحاث التي قُدمت له. نادى على الكثير من الطلبة، كانت التقديرات بين مقبول وجيد. كانت ليلى جالسة لا تعرف سبب شعور التضاد بداخلها. شعور يقول إنه سينفذ ما قاله لها ويعطيها صفرًا، وشعور أنه قد يكون نسيها، ويعطيها تقدير مثل زملائها. التضارب ينهش بعقلها مع طول الوقت. إلى أن نادى اسمه قائلاً:
"الآنسة ليلى صفوان منسي، ياريت تيجي هنا جنبي عالمنصة."
وقفت ليلى، وسارت ترتجف. يبدو أنه يتذكرها، وسيوبخها أمام زميلاتها اليوم. مع كل خطوة كانت تقترب منه، كانت تريد رجوعها. كم فكرت وهي تنظر إلى باب قاعة المحاضرة أن تجري وتخرج سريعاً، لكن لا تعلم كيف طاوعتها أقدامها وذهبت إلى جوار وسيم على المنصة.
تبسم وسيم على ملامحها التي تغيرت بوضوح، وقال بتلاعب:
"آنسة ليلى صفوان المنسي."
أومأت ليلى برأسها، وخرج صوتها محشرجًا، خائفة:
"أيوه."
تبسم وسيم قائلاً:
"على صوتك شوية مش سامع."
جاهدت ليلى صوتها وقالت:
"أيوا، أنا ليلى صفوان المنسي."
تبسم وسيم ثم نظر إلى الطلبة الجالسين بالمحاضرة قائلاً:
"أنا لما طلبت منكم عمل أبحاث عن التطور التكنولوجي في علاج بعض أمراض الخيول، كنت سيبت لكم أسماء بعض المواقع وكمان المراجع اللي هتفيدكم في البحث. وكثير منكم مدورش خارج المواقع والمراجع دي، أو أقدر أقول كلكم تقريبًا. بس الآنسة ليلى هي..."
توقف وسيم وذهب إلى طاولة وأخذ كوب ماء، يرتشف منه بعض قطرات المياه، ثم عاد ينظر لليلى بمكر قائلاً:
"الأنسة ليلى، الوحيدة اللي قدمت بحث مختلف عنكم كلكم، واستعانت بمواقع تانية ومراجع تانية غير اللي أنا قولت عليها، وقدمت بحث أقل ما يقال عنه..."
توقف وسيم مرة أخرى وأرتشف بعض المياه، ونظر للطلاب مازحاً، يقول:
"مش عارف ليه كل ما بشرب من الميه دي بعطش أكتر، يمكن علشان من مية النيل، واللي يشرب من مية النيل ما يشبعش منها."
تبسم الطلاب، لكن تلك الواقفة تكاد يُغمى عليها. لما لا يقول ما يريده وينتهي، حتى لو وبخها أفضل من ذلك الانتظار بوقفتها هذه بالقرب منه.
رأى وسيم تهجم ملامح ليلى ووجهها الذي أصبح بلون الدماء، يعطي لها توهجًا آخاذ. رأف بها قائلاً:
"والبحث بتاع الآنسة ليلى كان أفضل الأبحاث اللي اتقدمت لي منكم، وحصل على تقدير جيد جداً. براڤو ليلى."
"ماذا قال هذا الطاووس؟ هو تلاعب بأعصابها. ماذا سيحدث لو صفعته الآن وجرت من أمامه؟ ياله من وغد، متلاعب. لكن تعجبت، أنسي اسمي؟ جيد من الأفضل أنه نسيه."
مد وسيم يده بالبحث باتجاه ليلى قائلاً:
"أنا احتفظت بنسخة عندي عاللابتوب من بحثك، وهقدمها لمجلة علمية باسمك. ودي نسخة البحث الأصلية، تقدري تحتفظي بها."
تبسمت ليلى وقالت بصوت محشرج:
"شكراً يا دكتور وسيم."
لا يعرف وسيم سبب ذلك الشعور الذي اختلجه حين سمع اسمه منها. نظر لبقية الطلاب قائلاً:
"نتقابل المحاضرة الجاية، ونتناقش في كم نقطة ضعف كده لاحظتها في الأبحاث بتاعتكم. سلام وعليكم."
حمل وسيم الحاسوب الخاص به وهاتفه وبعض الأشياء الخاصة به من على طاولة بالمنصة وغادر، تاركاً ليلى تقف مكانها كأن قدميها التصقت بالأرض. فاقت على اقتراب زملائها منها. ذهبت إلى تلك الطاولة، وأخذت كوب الماء الذي شرب منه وسيم، وتجرعت الباقي منه مرة واحدة. تلملم شتات نفسها الذي تسبب فيه ذلك الطاووس، لكن لا تلاعب بها الفضول لمعرفة سبب لما لم ينفذ قوله. أنسيها إذن؟ بعد ما فعل به وتلاعب بأعصابها، لن تتركه. ستذهب خلفه وتعرف سبب إعطائه لها تقدير عالٍ.
بالفعل تركت زملاءها وذهبت باتجاه مكتب وسيم. دخلت دون طرق الباب.
تعصب وسيم من ذلك وقال:
"مش في باب؟ يا آنسة مخبطيش عليه ليه؟ قلة الذوق متوفرة عندك. متفكريش إني نسيت إنتِ مين؟"
تبسمت ليلى رغم حديثه الجاف. إذن هو يتذكرها، كيف إذن أعطى لها هذا التقدير ومدح بها أمام زميلاتها؟ فقالت له:
"طب ليه منفذتش اللي قولته قبل كده، واديتني صفر في البحث؟"
نهض وسيم من على مقعده قائلاً:
"فعلاً فكرت وكنت هقطع البحث بتاعك، بس أنا شخص مسؤول وعندي ضمير. قولت أقرأ البحث، يمكن وقتها أريح ضميري وأنا بعطيكي الصفر. بس مع الأسف، رغم لسانك الزالف، وقلة ذوقك في دخولك لمكتبي دلوقتي، لكن البحث متقدم بطريقة علمية جيدة، وده اللي شفعلك عندي. ودلوقتي اتفضلي اخرجى من مكتبي، واتعلمي بعد كده الذوق، بلاش تبقي دبش كده."
رغم أن وسيم ذمها بكلمة "دبش"، لكن تبسمت قائلة:
"شكراً يا دكتور، سلام عليكم."
خرجت ليلى من مكتب وسيم، الذي تبسم لا يعرف السبب. بينما وقفت ليلى بجوار باب مكتبه بالخارج، تلتقط أنفاسها كأنها كانت تجري لألف ميل.
بعد وقت قليل نزلت ليلى من ذلك السرفيس بقرية الزهار. لمحت تلك السيارة، هي تعرفها جيداً. إنها سيارة وسيم، لكن ما سبب وجودها في البلد؟ تعجبت كثيراً وقالت:
"دي عربية وسيم، بس إيه جايبه هنا للبلد؟"
فكرت كثيراً وقالت:
"طب وأنا ليه أفكر كتير؟ أنا همشي ورا العربية."
بالفعل سارت خلف السيارة التي كانت تسير بسرعة معقولة لتتبعها، إلى أن دخلت إلى منزل هاشم الزهار.
وقفت حائرة تقول:
"إيه جايب وسيم الشامي ده لبيت هاشم الزهار؟"
لكن أجاب عقلها سريعاً:
"هاشم الزهار عنده مزرعة خيل، ووسيم دكتور بيطري، يمكن جايله علشان كده. بغباوتك يا ليلى. كان وسيم هيركب عربية زي دي من مرتبه في الجامعة، ولا الكام سنة البعثة اللي خدها من الجامعة في لندن؟ أكيد بيشتغل دكتور بيطري وهاشم الزهار ممكن يكون بيستعين بيه."
نهرت ليلى وقفتها قائلة:
"الصيدلية نسيت ميعادها، يارب الدكتورة ناهد متزعلش مني. منك لله يا سُومي، عالرعب اللي عيشتني فيه النهارده. مسيري في يوم أرعبك كده، بس الصبر حلو، وأنت أحلى طاووس وسيم."
***
مساءً بسرايا رضوان الزهار.
نزل رفعت على السلم الداخلي للسرايا، ليقوم رامى بالتصفير قائلاً:
"اللي يشوفك يقول عريس. إيه الأناقة دي."
تبسم رفعت يقول:
"فين الأناقة؟ دي جلابية بلدي وفوقها عباية عربي سودة بخطوط مدهبة. هتلاقي معظم الحاضرين في الحنة لابسين نفس اللي اللبس ده."
رد رامى:
"فعلاً هيبقوا لابسين نفس اللبس، لكن مش بهيبة رفعت ابن رضوان الزهار."
تبسم رفعت قائلاً:
"ولاد رضوان الزهار هيبتهم مش في اللبس، هيبتهم في عقولهم. ويلا بينا بلاش كلام كتير، متشوق أشوف الحنة والمدعوين اللي هيشرفوا الحنة."
تبسم رامى:
"يلا بينا."
بعد قليل بمنزل عضو مجلس الشعب. كان استقبال حافل، ليس من العضو فقط، بل الأهالي أيضاً يهتفون باسمه. مما أغاظ ذلك الذي دخل خلفه، يشعر بغلول من استقبال ابن رضوان الزهار، وبالأخص الابن الأكبر. ذهب كل منهم لمكان يجلس به.
جلس هاشم بين الصفوة، وتوجه رامى ورفعت إلى مكان قريب من عامة البلدة.
بعد قليل مال رفعت على رامى وهمس له بشيء، بعدها خرج رامى لدقائق، لكن عاد يمتطي جواداً قوياً، وقام بالرقص عليه بحرفية عالية. كأن ذلك رسالة لهاشم الزهار، فهم مغزاها. لكن مهلاً، مازالت الليلة بأولها.
***
قبل قليل بمنزل والد مروة.
دخلت فادية إلى غرفة بناتها قائلة:
"لسه. مخلصتيش لبس يا مروة؟ يلا علشان منتأخرش في الرجوع من الحنة وابوكي يجي يزعق."
ردت مروة:
"ما بلاش نروح الحنة دي من أصله."
ردت فادية:
"يا بنتي ليه؟ دي حنة ابن عضو مجلس الشعب والعروسة بنت أخوه، ومراته اتصلت عليا ومأكدة عليا أحضر الحنة."
قالت هبة التي تجلس بالغرفة قائلة:
"مش معقول اتصلت عليكي وأكدت إنك تحضري الحنة؟"
ردت فادية:
"أيوا، مش ببيع لها بط وفراخ؟ دي أكتر زبونة عندي. يلا، ربنا يعوض عليا. شوية كده وأهو أعتق من الفرّة كم بطة وكم وزة، وأشتري شوية فراخ معاهم. وبعدين يلا يا ليلى، بلاش لكاعة."
تبسمت مروة قائلة:
"خلاص جهزت يا ماما. والله ما كنت عاوزة أحضر الحنة دي. كلها بتبقى نميمة نسوان عالفاضي."
تبسمت هبة تصفر قائلة:
"إيه ده يا مروة؟ أنا بقول بلاش تروحي الحنة دي لا العريس يشوفك يغضب على عروسته، ولا المعازيم يفتكروكي العروسة."
تبسمت فادية وهي تقول:
"خمسة وخميسة في عين اللي ما يصلي عالنبي، ويا رب يسمعها منك وتبقى هي العروسة الجاية."
تبسمت مروة بحياء.
قالت هبة:
"أمين يا ماما، علشان الأوضة تفضى عليا أنا والشعنونة هبة. زمانها جاية من الصيدلية تقولي حضري لي الحمام يا هبابة."
تبسمت فادية قائلة:
"ربنا يخليكم ليا، ويعوضني فيكم خير."
بعد قليل بمنزل عضو مجلس الشعب. مظاهر بزخ كبيرة. حناء العريس والعروس. أبناء عم بداخل صوان كبير منصوب فوق سطح المنزل الضخم. كانت تجلس النسوة والفتيات ومعهن العروس.
دخول مُهيب لتلك المُهرة. وقفت لها زوجة عضو مجلس الشعب، ترحب بها بحفاوة. تمدح بجمالها الآخاذ. تبسمت مُهرة بترفع. هي حقًا مازالت جميلة الجميلات التي تغنوا وفتنوا بها في الماضي، حتى لو أصابها بعض الشيب والتجاعيد التي أخفتها مساحيق التجميل البسيطة التي تكاد لا ترى للعين. ذهبت وباركت للعروس، ثم جلست بين نسوة الصفوة.
كانت النساء تتهامس على تلك المُهرة التي وقف عندها الزمن، يحسدونها على جمالها الفاتن. لكن لا يعلمون أنها فقدت جزء كبير من جمالها في قلبها بسبب ذلك الخيال المخادع الذي أصبح يقلل ليس فقط من جمالها، بل من شأنها.
لكن يبدو أن الجميلات ينجذبن لبعضهن. آتت مروة ووالدتها إلى صوان النسوة. نظرن لمكان يجلسن به، المكان مزدحم. هناك مكان فاضي جوار مُهرة. رأته مروة، جذبت يد والدتها وذهبتا إليه. ارتبكت والدة مروة حين علمت بجوار من جلست.
تحدثت مُهرة قائلة:
"إزيك يا فادية؟ من زمان متقابلناش. دي بنتك."
تلبكت فادية قائلة:
"أيوا مروة بنتي الكبيرة، ومعايا كمان بنتين غيرها."
تبسمت مُهرة قائلة:
"ربنا يخليهم لكِ وتفرحي بيهم. ربنا عوضك بيهم. ياريتني عملت زيك زمان، يمكن كان زمان معايا بنات زيهم."
تبسمت فادية دون رد، وحمدت أن مروة مشغولة بالنظر من شرفة المكان، تنظر إلى ما يحدث أمام المنزل من مظاهر الحناء للعريس، رقص الشباب. لكن لفت انتباه مروة ذلك الفارس الذي امتطى جواده، يرقص به، يفعل حركات خطرة به. مع كل حركة كان يحصد إعجاب الفتيات اللاتي ينظرن إليه من الشرفة. كم ودت فقع عيونهن وهن يتغامزن بأعجاب على اسم ذلك الفارس. لتقول إحداهن:
"ده 'رامي الزهار'."
نطق اسمها شعلل غيرتها أكثر. هو يحصد إعجاب فتيات من عائلات كبيرة، كل منهن تشتهي فقط أن يرفع بصره وينظر إليها. لكن الفارس قلبه مفتون بجميلة عنيدة.
شعرت مروة أنها لو وقفت كثيراً، ستقوم بقذف هؤلاء الفتيات من فوق السطح. فمالت على والدتها قائلة:
"ماما هروح أشم هوا شوية. بدأت أتخنق، مش هاغيب وهرجعلك."
سمحت لها فادية. نزلت مروة من على سطح المنزل، وذهبت إلى الحديقة الخلفية للمنزل. كانت شبه مضاءة بسبب انعكاس ضوء أنوار الحناء. سارت لخطوات قبل أن تجد يد تسحبها لتقف بها أسفل شجرة بمنطقة شبه معتمة بالحديقة.
رغم خضتها في البداية، لكن تمالكت جأشها ونفضت تلك اليد التي سحبتها بقوة وقالت باستهجان:
"مش هتبطل طريقتك دي؟ قولت لك قبل كده متلمسش إيدي يا رامي."
نظر لها رامي بعين عاشقة، قائلاً:
"إيه اللي نزلك من حنة العروسة للجنينة؟ أنا شفتك واقفة وسط اللي كانوا واقفين في البلكونات."
ردت بغيرة شبه ظاهرة:
"وانت بقى كنت مركز مع البنات اللي كانوا واقفين في البلكونات، ولا في الحصان اللي كنت بترقص عليه؟ طبعاً كنت بتعمل الحركات الخطرة دي علشان تشوف وتسمع صريخهم وإعجابهم بيك."
تبسم رامي:
"أنا مشوفتش غيرك يا جميلتي، مفيش غيرك لفتت نظري."
توقف ينظر لها بصمت ثم قال:
"بس يضايقك في إيه صريخ وإعجاب البنات بيا."
ردت مروة بتعلثم:
"ولا يفرق معايا، واوعى من قدامي، إبعد خليني أرجع تاني لحنة الحريم."
تبسم رامي، وبدل أن يبتعد كان يقترب أكثر، وهي تعود للخلف، إلى أن أصبحت تحت الشجرة وبينهم خطوة واحدة. مد رامي يده وملس على وجنتها بظهر أصابع يده قائلاً:
"عقبال حنتنا يا جميلتي."
قال رامي هذا وانحنى، وكاد يقبل وجنتها. اهتزت كل خلية بمروة، وكادت تتركه يقبل وجنتها، لكن صوت ذلك الطلق الناري جعلها تعود لرشدها، فضربت على يده بقوة وفرت هاربة من أمامه، لينظر إليها يتنهد بعشق ويبتسم.
***
بينما بصوان الرجال.
كان هاشم يقف بالعصا يتباهى أنه هزم من كان يتبارز معه في أقل من دقيقة، أطار من بين يديه العصا واستسلم له. لكن نظر ناحية رفعت الذي يجلس يتسامر مع أحد المدعوين. لم يكن رفعت ينظر له، لكن لديه يقين أن هاشم سيفعل شيئًا يرغمه على مبارزته. وها هو بالفعل. ظن هاشم أن رفعت لا ينتبه له، انحنى وأخذ عصا من استسلم لها، وباندفاع حدف العصا. ظن أنها ستقع أمام ساق رفعت، لكن تعجب. ليس هو فقط من تعجب، بل الجالسون أيضاً تعجبوا حين تلقى رفعت العصا بيده.
نظر رفعت له نظرة ثقة، بادره هاشم النظرة بتحدٍ، وأشار له أن يتبارى أمامه بالعصا. مازالت نظرة الثقة لدى رفعت. نهض واقفًا وخلع تلك العباءة العربية التي كانت على كتفيه وتركها على المقعد الذي كان جالس عليه، وتقدم بخطوات كلها ثقة. ليست ثقة فقط، بل إصرار وتحدٍ أنه سيكون الفائز ليس فقط بتلك المبارزة، بل بالحرب التي سوف يشعلها بعد هذه الليلة.
رفع هاشم عصاه وكانت ضربة البداية له، لكن تصدى لها رفعت بكل سهولة. كانت مبارزة متكافئة بين الذئب والفارس. ضربة لضربه. لكن صاحب الصبر وقوة التحمل هو من يفوز. بدأ هاشم يتضايق، هو ظن أن رفعت لا يعرف التحطيب بالعصا، ظن أنه سيهزمه من أول ضربة كما فعل مع من سبقه. بدأ هاشم يفلت صبره ويتعامل بعنف، ويخطئ في الرد على بعض الضربات. الفارس مراوغ جيد لديه ملكة الصبر وقوة التحمل التي يستفز بها مراوغه. وها هو هاشم بدأ ينهزم. بلحظة استغل رفعت ذلك الخطأ وضرب بعصاه ضربة الفوز التي أطارت عصا هاشم من يده بعيداً، وفاز الفارس بالمبارزة.
رغم غل هاشم، لكن تمالك حقده أمام العامة من أهل البلدة، ومد يده ليصافح. رفعت الذي نظر ليده الممدودة باستهزاء. هل يظن هذا الأحمق أن يمد يده له ليصافحه؟ حقاً أحمق. لكن رفعت ليس بأحمق، وعرف كيف يخرج من ذلك أمام العامة منتصرًا وبزهو الفارس الشجاع. وبدل أن يمد يده له، فعل مثلما هو فعل في البداية. حدف رفعت له العصا، لكن برجولة هاشم حين تفاجأ بحدف رفعت العصا، جعلته يرجع خطوات للخلف خوفًا أن تصيبه العصا. وقعت العصا أمام ساق هاشم.
نظر رفعت للعصا على الأرض ثم نظر إلى هاشم بزهو، دون حديث، وعاد إلى مقعده وجذب عباءته ووضعها على كتفيه وجلس بين المدعوين بزهو، وسط هتافات المدعوين بابن رضوان الزهار، الذي حصد إعجاب العامة والخاصة. هذا ابن الفارس العائد لأخذ مكانة أبيه السابقة وبجدارة.
ذهب هاشم للجلوس بين الصفوة، وكانت عيناه تشع بنيران ساحقة، وغل الماضي يعود لقلبه مرة أخرى. ها هو ابن رضوان الزهار يعيد ذكرى أبيه للأذهان مرة أخرى. سابقاً كان رضوان يتفوق عليه، عاد نفس الحقد القديم لقلبه. لكن هذه المرة لا يعلم أن الفارس هو من يشعل الحرب ولديه عتاد قوي.
***
في اليوم التالي.
قبل العصر بقليل، داخل الوحدة.
دخلت صفاء إلى غرفة المدير. تبسمت لها زينب قائلة:
"تعالي يا صفاء، اقعدي. ده وقت الغداء نتغدى سوا."
ردت صفاء:
"بصراحة يا دكتورة، أنا كنت جايه لكِ بطلب ومكسوفه أقولك، بس إن وافقتي مش هزعل."
تعجبت زينب قائلة:
"طلب إيه ده؟ قولي متنكسفيش، ولو في إيدي هنفذ لك طلبك."
ردت صفاء ببعض الكسوف:
"أمي يا دكتورة، عازماكي عالغدا، بس أنا والله قولت لها هي الدكتورة ناقصها أكل؟ قالت لي قوليلها وملكيش دعوة، أنا عاوزة أتعرف عالدكتورة زينب."
تبسمت زينب ونهضت من على مقعدها وخلعت معطفها الأبيض وعلقته قائلة:
"طب يلا خلينا نروح نتغدى عند الحاجة والدتك. أنا جعانة جداً ومصاريني نشفت من أكل الوحدة المسلوق والفول والطعمية. خليتني أشوف سفرة أهل الشرقية العامرة بما لذ وطاب قبل استراحة الغداء ما تخلص."
تعجبت صفاء قائلة:
"دي أمي هتفرح قوي قوي. دي من يوم ما حكيت لها على اللي عملتيه في المخسوف طليقي، ونصرتك ليا، وهي بتدعيلك ونفسها تشوفك. بس هي رجلها مبقتش تتحملها، السن له حكم."
تبسمت زينب قائلة:
"ليه إنتِ عندك كم سنة يا صفاء؟"
ردت صفاء:
"عندي خمسة وثلاثين سنة."
تبسمت زينب قائلة:
"يعني والدتك أكيد لسه صغيرة في السن، سلامة رجليها."
ردت صفاء:
"الفقر يا دكتورة بيركبك عمر على عمرك، وبيهد الحيل. وأمي طول عمرها شقيانة من يوم ما أبويا ربنا افتكره وهي شابة، وضيعت شبابها علشان تربيني أنا وأخويا. ربنا يرزقه بالحلال، بيشتغل في مزرعة رفعت بيه الزهار."
ردت زينب:
"خلينا نمشي وقولي لي رفعت الزهار ده يبقى ابن هاشم الزهار اللي كان هنا في الوحدة من كام يوم، وقابلنا امبارح في حنة ابن عضو مجلس الشعب."
ردت صفاء بنفي:
"لأ هاشم بيه ده مش مخلف، بس يبقى قريب رفعت بيه. أبو رفعت بيه الله يرحمه، يبقى ابن عم هاشم الزهار، يعني هاشم بيه تقريباً عم رفعت بيه. بس متعرفيش إيه بينهم، الاتنين مش بيرتاحوا لبعض. رفعت بيه امبارح في الفرح حطب قصاد هاشم بيه وكسبوا. لو كنتِ فضلتِ في الحنة شوية كنتِ شوفتي وهما بيتباروا قصاد بعض زي أبطال السيما. بس رفعت بيه ربنا يحميه لشبابهُ كسبه. هو من يوم رجوع رفعت بيه واخوه لهنا البلد من تاني، والبلد كلها ملاحظة انقسام بين رفعت بيه وأخوه وبين هاشم الزهار. سمعت من أمي زمان إن كل أولاد الزهار كانوا إيد واحدة، بس الحريق اللي حصل في الماضي وحرق سرايا أبو رفعت بيه، واللي نجي من الحريق رفعت بيه هو وأخوه، وخدتهم بعدها جدتهم أم أمهم معاها لاسكندرية. بس رجعوا من تاني من كام سنة، ورجعوا إيه؟ مفيش كبير في البلد والمحافظة كلها إلا وهو بيتمنى يقرب من رفعت بيه هو وأخوه."
سخرت زينب قائلة:
"ما هو المال والسلطة أعز الحبايب. بيتكم بعيد عن هنا يا صفاء."
ردت صفاء:
"لأ خلاص يا دكتورة قربنا نوصل بيت أمي، بعد سرايا رفعت بيه اللي ماشيين جنبها دي بدقيقتين مشي."
نظرت زينب للسرايا قائلة:
"هي دي سرايا رفعت بيه."
ردت صفاء:
"أيوا هي، دي سرايا ومزرعة خيول كمان، دي كبيرة قوي من جوه. أنا دخلتها مرة كنت راحة لأخويا بالغداء، كان نسيها. عارفة يا دكتورة، دي بلد تانية ورا السور ده، وعايش فيها هو وأخوه وجدته، ست كبيرة هي اللي ربتهم بعد موت أبوهم وأمهم، أصلهم مش بيدخلوا أي حد غير بس الشغالين بالسرايا والمزرعة، غير كده قليل لما بيسيبوا حد غريب يدخل من السور ده، أصل رفعت بيه واخوه مانعين أي عامل في المزرعة يطلع لبره لحد ما يوميته تخلص، بس لازم ياخد منهم الإذن الأول."
نظرت زينب للسرايا، هي عبارة عن قصر كبير بطراز عريق وفخم، وتلك الأسوار العالية تحيط به، تشبه حصن كبير. وقالت باستغراب:
"طب ليه مش بيدخلوا أي حد للسرايا؟ والعمال إزاي قابلين بكده؟ ده يعتبر حاجزهم في المزرعة."
ردت صفاء:
"والله ما أعرف، هو ده نظامهم. والعمال غلابة واللي يهمها أجرتها وبس، وطالما معاملتهم لهم كويسة خلاص."
تعجبت زينب، لكن نفضت عن رأسها هذا الأمر لا يخصها في شيء.
***
بينما بالمزرعة.
شعر رفعت بالإنهاك قليلاً من ترويض إحدى المهرات، فذهب ليستلقي أسفل أحد الأشجار بالمزرعة. لا يعرف كيف سحبه النعاس، أم هي غفوة عين. ليرى بغفوته تلك الفتاة تخرج من النيران، تقترب منه بيدها نفس الدلو. اقتربت أكثر منه، حين أصبحت أمامه، تطاير جزء من الوشاح الذي على رأسها على وجهها، فأخفى رؤية ملامح وجهها. لكن هي ذهبت خلفه، ولفت يدها حول صدره، وضعت كف يدها على موضع قلبه. شعر بنسمات أنفاسها على عنقه، وقال:
"إنتِ مين وفين؟"
همست جوار أذنه:
"أنا قريبة منك، لو فتحت عيونك هتلاقيني، ووقتها هتعرف أنا مين. إفتح عيونك يا رفعت."
فتح رفعت عيناه ونظر أمامه. هبت رياح ربيعية محملة برائحة زهور الربيع. انتعش قلبه ونهض من مجلسه. فك لجام ذلك الجواد المربوط بوتد قريب من الشجرة، وأمتطاه، وسار به إلى أن خرج من داخل المزرعة، وأصبح يسير في أروقة البلدة دون هدف يعلمه.
بنفس الوقت نهضت زينب واقفة وقالت بشكر:
"أنا من يوم ما جيت للبلد دي مأكلتش في طعامة الأكل ده، لدرجة إني نسفت الأطباق."
تبسمت والدة صفاء قائلة:
"مَطرح ما يسري يا دكتورة. والله أنا مش عارفة أقولك إيه على مجيتك لبيتي الفقير ده، وكمان عن دفاعك عن صفاء."
تبسمت زينب:
"بيتك مش فقير يا حاجة، بيتك غني وعمران. طالما عندك في بيتك قوت يومك وحيطان ستراكي، تبقي من الأغنياء."
تبسمت والدة صفاء، وجذبت زينب تحتضنها قائلة:
"ربنا يسترك يا بنتي. قصدي يا دكتورة."
صمتت زينب بود قائلة:
"كلمة بنتي أحلى من كلمة دكتورة. وبعدين إحنا بقى بينا عيش وملح، قولي لي يا زينب من غير دكتورة، إنتِ في مقام جدتي."
ضمتها المرأة أكثر قائلة بعتاب:
"بينا عيش وملح صحيح، بس إنتِ مأكلتش غير شوية خضار وبس."
تبسمت زينب قائلة:
"والله أنا مش باكل لحوم خالص، بتتعب معدتي."
تبسمت والدة صفاء:
"ربنا يبعد عنك التعب يا بنتي ويبارك في شبابك، ويرزقك بالراجل الصالح اللي يتقلك بالدهب، ويقولك امشي أما أنظر لك، وعينه متشبعش من وشك الحلو ده."
تبسمت لها زينب. خرجت من منزل والدة صفاء، تسير إلى جوارها. كانتا تتحدثان معاً، لكن فجأة أثناء خروجهن من تقاطع الشارع، فوجئن بذلك الجواد مباشرة في وجه زينب. انخضت زينب وتلجمت في مكانها للحظة، لكن صهل الجواد ورفع ساقيه الأماميتين، جعل زينب تعود للخلف. لم تنتبه، فسقطت أرضاً، تشعر بألم، ولكن سبت الذي يمتطي الجواد قائلة: "بغل غبي متخلف همجي مبيشوفش وراكب حصان يدوس بيه الخلق."
بينما رفعت، أمسك بلجام الجواد وحاول السيطرة عليه، وابتعد قليلاً عن مكان وقوع زينب خشية أن يدوسها الجواد. لكن سمع سب زينب له، وكان هذا هو الصدام الأول بينهما.
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل الخامس 5 - بقلم سعاد محمد سلامة
وقعت زينب، تشعر بألم قوي بكاحل إحدى قدميها. حاولت الوقوف، لكن لم تستطع، فظلت جالسة أرضًا. رغم الألم الذي تشعر به، لم يكن لسانها صامتًا، أكملت سبها.
تلهفت عليها صفاء، ليست متعجبة من سبها لرفعت الزهار، فسابقًا لقنت طليقها درسًا قويًا. يبدو أن الطبيبة لا تهاب من أحد، أو ربما لا تعرف من رفعت الزهار. جلست صفاء بجوارها قائلة:
"سلامتك يا دكتورة، حصلك إيه."
تخلت زينب عن سبها لرفعت وردت على صفاء قائلة:
"معرفش، كاحل رجلي بيوجعني قوي."
قالت هذا وعاودت سب رفعت مرة أخرى.
بينما رفعت، سار قليلاً بالجواد، يحاول السيطرة عليه إلى أن تمكن من السيطرة عليه. نزل سريعًا من عليه وتوجه إلى مكان جلوس زينب، بلهفة لا يعرف سببها. جثى على ركبتيه أمام زينب قائلاً:
"إنتِ السبب، شهقتك خضت الحصان، خلته عمل كده. وعلى العموم متأسف، وخليني أساعدك لو سمحتي."
قال رفعت هذا ومد يده كي يضعها على كاحل زينب، لكن زينب بحركة عفوية شدّت كاحلها بيدها وبعدت يدهُ عنها. نظرت له نظرة ساحقة قائلة:
"إنت اتجننت، إزاي تلمسني؟ ابعد عني كفاية، لأ وكمان بترمي اللوم عليا، وإنت اللي غلطان. مش بتعرف تركب حصان بتركبه ليه؟ عاوز تدهس الخلق وتجيب اللوم عليهم؟ أما إنك همجي بصحيح، والحمار اللي كنت راكبه ميفرقش عنك."
تنحنحت صفاء قائلة:
"معليشي يا رفعت بيه، الدكتورة زينب متعرفش إنت مين."
نظرت زينب لصفاء بحِدة قائلة:
"إنتِ بتقولي إيه؟ أعرفه أو معرفوش، ميهمنيش، ده واحد غلطان بيرمي اللوم على غيره، يبقى أقل ما يقال عنه همجي. ومش بس همجي، ده ميفرقش عن الحيوان اللي كان راكبه. وإياك تدافعي عنه يا صفاء."
قالت زينب هذا وعاودت سب رفعت.
صمتت صفاء.
بينما رفع، رغم وصلة السب التي ألقتها عليه، لا يعرف لما أراد أن يضحك، لكن حاول تمالك نفسه حتى لا تُزيد من سبابها. ما المضحك بالنسبة له، لا يعلم. لو كانت غيرها من تسبه هكذا لكانوا يقرؤا الفاتحة على روحها الآن، لكن تلك تثير ضحكه. فلتت منه بسمة على محياه.
رأت زينب بسمته فقالت بحِدة وغيظ:
"بتبتسم على إيه؟ أما إنك همجي صحيح، واضح جدًا إن رجلي انكسرت بسببك. دا أنا هوديك في ستين داهية، علشان تبقى تشوف قدامك قبل ما تدهس في الخلق. ساعديني يا صفاء أقوم أرجع الوحدة، أشوف أي دكتور في الوحدة يشوفلي فيها إيه."
رغم تعجب صفاء من بسمة رفعت وصمته وعدم رده على تهجم الدكتورة وسبها له، مدت يدها تساعد زينب، التي حين وقفت لم تستطع الوقوف من ألم ساقها، فجلست مرة أخرى.
عاود رفعت يُقدم لها المساعدة مادًا يدهُ قائلاً:
"خليني أساعدك، صفاء مش هتعرف تساعدك."
نظرت زينب ليده الممدودة قائلة:
"ابعد عني، حسابك معايا بس اصبر."
تبسم قائلاً:
"تمام، هستنى حسابك، بس دلوقتي خليني أساعدك."
ردت عليه بسخرية قائلاً:
"وهتساعديني بقى إزاي؟ هتجبسلي رجلي بإيدك اللي معرفتش تتحكم في الحصان بيها؟"
تبسم قائلاً بخباثة:
"لأ هشيلك لحد الوحدة، يمكن نلاقي دكتور هناك يشوفلك رجلك فيها إيه."
نظرت له وقالت بغيظ:
"تشيلني لحد الوحدة؟ اللهي يشيلوك مرابعة، غور من وشي."
لم يستطع كتم ضحكته أكثر من ذلك، رغم أنها تسبه وتدعو عليه. إلى أنه ضحك عاليًا، مما أغاظها أكثر. لو تستطيع الوقوف على ساقها لوقفت وقامت بخنقه، لا بذبحه أفضل.
وهمّ رفعت أنه امتثل لطلبها أن يبتعد عنها، وبالفعل توجه إلى مكان وقوف جواده، وكاد يمتطيه، لكن قالت زينب بضيق:
"موافقة تاخدني للوحدة، بس مش هتشيلني، هركب على الحصان."
تبسم رفعت ثم عاد لمكان جلوسها، وقال بمكر:
"تمام، زي ما انتي عاوزة، خليني أساعدك تركبي الحصان."
مدت زينب يدها لصفاء قائلة:
"خدي بإيدي المسافة اللي بيني وبين الحصان."
ندبت صفاء نفسها قائلة:
"حطي أيدك على كتفي يا دكتورة وأسندي عليا."
قبل أن تضع زينب يدها على كتف صفاء، فوجئت برفعت حملها بين يديه وسار بها. شهقت زينب بخضة قائلة:
"نزلني يا همجي، مين سمحلك تشيلني."
صمت رفعت، يُخفي بسمته. حاولت زينب التملص منه، لكن همس رفعت بوقاحة:
"اهدّي يا زوزي، لو سبتك من إيديا مش هيبقى كسر رجل بس، يمكن يكون كسر ضهر، ولا كسر رقبة ولا حوض."
نظرت له بحدة قائلة:
"وقح وهمجي وحقير، وهتشوف أنا هعمل فيك إيه."
وضع رفعت زينب على الجواد قائلاً:
"هنتظر رد فعلك بعدين."
قال هذا وبسرعة كان يمتطي الجواد خلفها، يمسك اللجام بيديه.
شهقت زينب قائلة:
"وده اسمه إيه؟ بقى أنزل من على الحصان."
رد رفعت:
"ولما أنزل من على الحصان مين اللي هيوصلك للوحدة؟"
ردت زينب:
"انزل من على الحصان، واسحبه من اللجام، وجهه لمكان الوحدة."
همس رفعت قائلاً:
"ما أنا كده، سهل أوجه الحصان للوحدة، وعادي جدًا."
قال رفعت هذا ونظر لصفاء قائلاً:
"حصلّينا براحتك عالوحدة يا صفاء."
قال رفعت هذا ولم ينتظر أن تتحدث زينب، ضرب بساقه بطن الجواد لينطلق سريعًا. للحظة شهقت زينب وخافت أن تقع، مسكت يدي رفعت تلقائيًا، وسرعان ما انتبهت على ذلك وتركت يديه، وقالت:
"هدي سرعة الحصان، وابعد شوية عني، بلاش التحرش ده."
ضحك رفعت دون رد، زاد غيظ زينب وقامت بضربه بكوعها في صدره. ضحك أكثر فقالت زينب:
"إيه مش قادر تمسك نفسك من الضحك؟ إيه بزغزغك؟ صحيح وقح وهمجي."
قالت زينب هذا وصمتت باقي الطريق إلى أن وصلوا إلى الوحدة الصحية.
قال رفعت:
"امسكي لجام الحصان بإيدك."
فعلت زينب مثلما قال وأمسكت اللجام. بينما رفعت، حين مسكت اللجام قفز من على الجواد أرضًا بخفة وسهولة. تعجبت زينب من ذلك، لكن أيقنت أنه مدرب على ذلك.
فاجأها رفعت حين وضع يديه حول خصرها، وكان سينزلها من على الجواد. برد فعل تلقائي منها قامت بضربه على يديه بلجام الجواد.
تبسم رفعت قائلاً:
"إيه مش هتنزلي؟ خليني أنزلك، ولا عاجبك القعاد على الحصان؟ أطلع تاني ناخد جولة أكبر في البلد."
نظرت له بغيظ يشتد قائلة:
"عارف لو مبطلتش وقاحتك دي، أنا هخنقك باللجام اللي في إيدي ده. ادخل الوحدة، نادي على أي واحدة من الممرضات تجيبلي كرسي متحرك، إن شاء الله نقالة."
تبسم قائلاً:
"طب وليه أنا موجود؟ وهما خطوتين بس، سبق وشيلتك من شوية، يعني مش أول مرة. وبلاش وقفتنا دي، الوحدة فيها ناس كتير ويفهموا وقفتنا دي غلط."
قال هذا ولم يمهلها أن ترد، وفاجأها مرة أخرى يحملها ودخل بها إلى أحد غرف الوحدة ثم وضعها على أحد المقاعد.
نظرت زينب له قائلة:
"يلا غور من وشي."
اقترب رفعت من زينب وحاصرها، يضع يديه على مسند المقعد قائلاً:
"تعرفي إني معرفش سبب إني ساكت على سبك ليا، ولسانك ده تلميه شوية، ولا مفكراني زي طليق صفاء؟ لأ اصحي يا دكتورة زينب صفوت السمراوي، إنتِ متعرفيش مين رفعت رضوان الزهار."
ارتبكت زينب من قرب رفعت منها بهذا الشكل، وابتلعت حلقها قائلة بتحدي:
"ومين بقى رفعت رضوان الزهار؟ كويس إنك قولت اسمك كامل قدامي، أكيد هحتاجه في المحضر اللي هعمله لك، وابعد عني أحسن لك، متفكرش إن كسر رجلي يمنعني أبعدك عني بكل سهولة."
نظر رفعت لعين زينب وتبسم قائلاً:
"أنا مروض خيول، وياما روضت خيول كانت شرسة، كان الضربة منها تموت، وطوعتها لأمري."
كانت نظرات عيونهم مركزة في عيون بعضهما. زينب عيناه تنظر له بتحدي، بينما رفعت لا يفهم معنى لنظرات عيونه سوى أنه يريدها. تاهوا في أعين بعضهما، لكن دخل أحد الأطباء للغرفة قطع تواصل العيون بينهم حين قال:
"بيقولوا الدكتورة زينب مُصابة."
ترك رفعت مسند المقعد وابتعد بنظره عن زينب، ونظر للطبيب قائلاً:
"واضح إن فيه إصابة في رجلها."
تحدث الطبيب قائلاً:
"في في الوحدة دكتور عظام منتدب، غير في جهاز أشعة. هخرج أقول لواحدة من الممرضات تجيب للدكتورة كرسي متحرك وتاخدها لأوضة الأشعة."
قال الطبيب هذا وغادر.
تحدثت زينب قائلة:
"تقدر تمشي خلاص، بس متستناش مني شكر، وأقول عمل معروف وجابني هنا للوحدة، لأنك من البداية السبب في إصابتي بهمجيتك."
نظر رفعت لها مبتسمًا بمكر، يقول:
"ومين اللي قالك إني منتظر منك شكر؟ أنا معاك، تقدري تقولي اعمل الخير وارميه البحر."
نظرت له زينب قائلة بتهكم:
"بتقول خير؟ لأ والله ضحكتني، إنت السبب أصلاً في إصابتي، واتفضل اخرج بره قبل..."
لم تكمل زينب وعيدها، حين دخلت إحدى الممرضات بمقعد متحرك. نظرت لرفعت باحترام، ثم قالت:
"الدكتور قالي، حضرتك يا دكتورة رجلك مصابة، ولازم تعملي عليها أشعة."
قربت الممرضة المقعد المتحرك من مكان جلوس زينب، التي ساندت على مسند المقعد، وسارت خطوة وجلست على المقعد المتحرك، قائلة:
"كمان عاوزة دكتور، لأن معصم إيدي متعور، جرح كبير."
نظر رفعت لمعصم زينب، يبدو بالفعل أن أحد معصمها مجروح، هناك آثار دم على كم كنزتها. قامت الممرضة بدفع المقعد التي تجلس عليه زينب، وخرجت من الغرفة. لكن سار خلفها رفعت.
قالت زينب:
"اقفي لو سمحتي."
وقفت الممرضة. نظرت زينب لرفعت قائلة:
"على فين يا أخ؟ هتيجي ورايا كمان لأوضة الأشعة؟ لأ بقى ده كتير، اتفضل شوف طريقك."
نظر رفعت لها قائلاً:
"ومنين جالك إني جاي وراك؟ مش شايفة إن أوضة الأشعة جنب باب الخروج من الوحدة، وأنا وخلاص كده عملت بأصلي. أتمنالك الشفا يا دكتورة."
قال رفعت هذا وتوجه إلى باب الخروج من الوحدة، بينما دخلت الممرضة بـ زينب إلى غرفة الأشعة، وهي تستشيط غيظًا من ذالك الهمجي. كم ودت النهوض من على المقعد المتحرك والذهاب خلفه وإلقائه بحجر كبير برأسه، لعلها تشفي غيظها منه.
***
مساءً.
بفناء كبير بالبلدة، مجاور للوحدة الزراعية. كان صوان العُرس المهيب، مظاهر العُرس طاغية، لكن هذا العُرس ومظاهرهُ ما هي إلا دعاية لوالد العريس. كان من الطبيعي إقامة العُرس بأفخم القاعات، لكن مع اقتراب الانتخابات البرلمانية، وجب عليه اللعب بأهالي البلدة وغيرها، ويظهر بها كرجل يريد العيش والفرح وسط أهله وعزوته، كما يُقال، في هذه المناسبات.
على مسرح كبير يجلس العريس وجواره عروسه المتضايقة، كانت تريد أن تقضي ليلة عُرسها بأفخم القاعات، ويشاركها النخبة فقط. النخبة الذين يجلسون بمكان مخصص لهم بالفناء، والعامة بمكان يفرحون ويمرحون ويهللون ببعض الأشياء البسيطة كالأطعمة المميزة.
من بين النخبة كانت تلك المهرة تجلس أمام إحدى الطاولات، وجوارها كان يجلس هاشم الزهار، وبالمقابل لها كان يجلس وسيم. تفاجئت مُهرة بمن ينحني على يديها يُقبلها قائلاً:
"عمتي مُهرة، أجمل الجميلات هنا في الحفلة، والله إنتي أحلى من العروسة بكتير. كويس إنك قاعدة بعيد عنها، كانوا فكرواكي العروسة واتخطي جنب جمالك."
تبسمت مُهره قائلة:
"رفعت الزهار، شكل ترويضك الخيل علمك البكش، وحشني من فترة مشوفتكش، وفين رامي، هو كمان؟"
تبسم رفعت قائلاً:
"رامي أهو، والله مشاغل، مشغولين في مزرعة الخيل، بس منقدرش ننسى أحلى مُهرة في عيلة الزهار، اللي في حضرتها يختفي القمر مالوش مكان جنبها. صح ولا إيه رأي هاشم الزهار، اللي فاز بأجمل مُهرة؟"
نظر هاشم له بحقد قائلاً:
"طبعًا، مفيش حد يقدر يقول غير كده، مُهرة الزهار أجمل مُهرة في مصر كلها."
تحدث رامي الذي انحنى هو الآخر يُقبل يد مُهرة:
"مش بس أجمل مُهرة في مصر، دي الأجمل في الكون كله. مش كنتِ استنتيني ليه تكسري قلبي."
تبسمت مُهره:
"سلامة قلبك يا ابن أختي، بلاش بكش ويلا اقعدوا جنب وسيم."
تبسم وسيم قائلاً:
"ليه عاوزاه الناس تحسدنا على شرف قعدتنا مع أجمل مُهرة في الكون على طاولة واحدة."
تبسمت مُهره على مديحهم قائلة:
"أنا اللي هتحسد إن قاعد معايا أحلى تلات فرسان، مش بس في الحفلة، لأ في البلد كلها. عقبالكم قريبًا."
تبسم رفعت قائلاً بسخرية مبطنة:
"وهاشم الزهار، أكتر فارس محسود إنه فاز بالمهره، وشكراً لأمنيتك الجميلة."
رسمت مهره بسمة طفيفة. جلس رامي ووسيم جوار بعض، بالمقابل جلس رفعت لجوار مُهرة من الناحية الأخرى. كانا يتهمسان بود معًا، رفعت يثير غيرة وغضب هاشم، بينما وسيم ورامي كانا يتحدثان معًا. إلى أن أضاءت شاشة هاتف وسيم، نظر إلى الهاتف، ثم ابتسم ونهض واقفًا.
تبسم رامي قائلاً:
"إيه مين اللي بيتصل عليك؟ لتكون موزة أجنبية."
تبسم وسيم قائلاً:
"لأ اطمن، ده صديق ليا من أيام بعثة لندن. هطلع أرد عليه بره الصوان عشان الصوت، وأطمن أكتر أنا بشجع المنتج المصري."
تبسم رامي قائلاً:
"أجمل مثال للمنتج المصري، المُهرة."
تبسم رامي، ورفعت، وقال رفعت:
"المُهرة مفيش منها اتنين."
اغتظ هاشم الجالس بينهم كأن على رأسه الطير، صامتًا، وهو يرى هؤلاء الشباب يمدحون بمُهرة ويتغزلون بها، وليس هم فقط. فهناك أعين كثيرة بالحفل كانت قديمًا تتمنى فقط نظرة من عين المُهرة، التي مازالت تحتفظ بجمالها الآخاذ رغم مضي السنوات، وعين عاشق قديم طلب الوصال، لكن كان الرفض من نصيبه. ترك البلد وزهد النساء بعدها، لكن ربما للقدر مشيئة أن يعود الليلة ليراها، لم تكبر بنظره.
***
قبل قليل.
بالصيدلية التي تعمل بها ليلى. دخل ذلك الشاب.
قالت ليلى بتهجم:
"على ما افتكرت تيجي الصيدلية، إيه اللي أخّرك؟ الساعة بقت تسعة وربع، والمفروض تستلم ورديتك بالصيدلية الساعة سبعة ونص، تمانية بالكتير."
تبسم لها قائلاً:
"كنت في الفرح، روحت أروح عن نفسي شوية، وكمان اتعشيت هناك. معلش بقى، ما أنام كمان كل يوم باجي قبل سبعة ونص أستلم منك الصيدلية، اتأخرت يوم من نفسي."
ردت ليلى بتهجم:
"آه يا طفس، ماشي أنا همشي بقى، سلام."
خرجت ليلى من الصيدلية، تعجبت قائلة:
"هي البلد ماتت ولا إيه؟ مفيش أي حس فيها كده ليه؟ آه أكيد كلهم في الفرح عشان يتعشوا. أما أخف رجلي، ماما من شوية اتصلت عليا، بلاش أقلقها."
سارت ليلى بضع خطوات، لكن فجأة في تقاطع شارع ظهر خيال أمامها. هناك من يسير خلفها، ارتعبت وبدأت تسرع بخطواتها، إلى أن اقتربت من خلف ذلك الصوان. ولسوء حظها كان هناك نقرة مياه ضحلة، حاولت تفاديها والتجنب منها، لكن تعثرت بإحدى الأحجار الصغيرة، وكادت تقع لولا أن أمسكت بها يد. ارتجفت ونظرت له، رأت الشر بعينيه. حاولت جذب يدها من يده بقوة، لكن الآخر كان يطبق يده على يدها بقوة. ليس هذا فقط، بل سحبها خلفه. صرخت ليلى، لكن بسبب أصوات الموسيقى العالية بالمكان لم يكن يسمعها أحد. كانت تحاول التملص من ذالك الوغد، الذي قال:
"من شوية جيتلك الصيدلية، وقولتلك عاوز علاج مرضتيش تديني، وقولتي مش بيتصرف غير بروشتة. أنا بقى خرمان يا حلوة، وهعدل مزاجي الليلة بيكي. البلد كلها جوه في صوان الفرح ومحدش هيسمعك مهما تصرخي."
لم يقل هذا فقط، بل أخرج من سترته مدية قائلاً:
"لو سمعت صوتك هشق حنجرتك، وبرضه هاخد اللي يعدل مزاجي، يبقى تنكتمي."
نزلت دموع ليلى تقول باستجداء:
"حرام عليك، صدقني اللي بتعمله ده ممكن يضيع مستقبلك. معندكش أخوات بنات تخاف عليهم؟ اعتبرني زي أختك."
رد الوغد:
"لأ معنديش أخوات بنات، وبلاش كلام كتير."
قال هذا وجذب ليلى من ذراعها الذي يكاد ينخلع من جسدها بسبب محاولاتها شد ذراعها من يدي ذالك الوغد. ابتعدا قليلاً عن مكان العُرس لمكان بإضاءة خافتة. صرخت ليلى، مازالت تستنجد ربما أحدًا يسمعها، بمكان صغير وضيق تابع لتلك الوحدة الزراعية. ألقى ذالك الوغد ليلى على بقايا قش. المكان عبارة عن غرفة قديمة شبه مهجورة بظهر الوحدة الزراعية، تبدو أنها مكان تُلقى به المخلفات. كل ذرة بجسد ليلى ترتجف، لكن صوتها كان يستغيث. ربما يرسل لها الله من ينقذها من ذالك الوغد الآثم. قبل أن تنهض ليلى، اقترب منها ذالك الوغد ووضع حبة بفمه، ابتلعها بدون جرعة ماء. نظر ليلى باستمتاع، هي أصبحت بين براثنه، بدأ في خلع ثيابه، جزء خلف آخر، أصبح لا يستره سوى شورت فقط.
صرخت ليلى صرخة مدوية، شعرت بانشقاق صوتها مع تلك الصرخة التي كانت بالنسبة لها صرخة نجاة.
قبل لحظات، خرج من الصوان وسيم، ونظر للهاتف الذي فجأة فصلت شاشته، يبدو أنه فصل شحن. ضرب وسيم بيده على رأسه قائلاً:
"نسيت أشحن التليفون قبل ما أخرج."
فكر أن يعود للزفاف مرة أخرى ويقوم بشحن الهاتف، لكن قال:
"ممكن أما أروح للبيت أنسى أحط الموبايل عالشحن، معايا في العربية شاحن، هروح أحط الموبايل فيه وأرجع تاني للزفاف، أهو يشحن شوية على ما أروح للبيت أبقى أكمل شحنه."
بالفعل ذهب وسيم إلى مكان وقوف سيارته بمكان قريب من تلك الغرفة المهجورة بظهر الوحدة الزراعية. سمع أصوات صراخ واستغاثة، ثم صوت صرخة قوية تتبعها صرخات متتالية. سار خلف ذالك الصراخ إلى أن وقف أمام تلك الغرفة، رأى شاب شبه عارٍ من ظهره، وهناك من تتوسل إليه أن يتركها، لكن هو يترنح باستمتاع، كأن يتلذذ بصراخها وإخافتها.
دخل إلى تلك الغرفة، وضع يده على أنفه بسبب تلك الرائحة الكريهة. رأى فتاة ملقاة أرضًا، تُعطي لذالك المتسكع ظهرها. كاد ذالك الوقت أن يتهجم عليها، لكن قبل أن يضع يده على جسدها، كان لا يشعر بتلك الضربة العنيفة التي أخذها بأنفه، ولا يشعر بأنفه الذي ينزف الدماء بغزارة. رغم ذالك كان يترنح من أثر تلك الضربة، هو تحت تأثير المخدر الذي تناول منه حبة قبل قليل.
سب ذالك الوغد المتسكع وسيم بألفاظ نابية، ناوله وسيم بعض اللكمات، ولكن ذُهل حين رفعت الفتاة وجهها تنظر أمامه، قائلاً:
"ليلى!"
بدموع وضياع، لفظت ليلى اسمه بصعوبة قائلة:
"دكتور وسيم!"
قالت هذا ولم يعد عقلها التحمل، اختار الانسحاب من الواقع المرير التي مرت به.
لا يعلم وسيم سبب لتلك الرجفة التي شعر بها في قلبه حين رأى ليلى تُغمض عيناها. فقام بضرب ذالك الوغد ضربات متتالية وقوية، أعدمته الحركة، ووقع أرضًا فاقدًا للوعي.
بصق وسيم عليه وتوجه إلى ليلى المُغمى عليها. رفع رأسها وضرب بخفة على وجهها كي تفيق، لكن لم تفق. تنحى عقله وقام بحمل ليلى من ذالك المكان الموبوء، وسار بها ووضع جسدها على مقدمة السيارة. ثم فتح باب سيارته وأتى بقنينة عطر كانت معه بالسيارة وقام برش رذاذ منها على وجه ليلى، التي بدأت تفيق وهي تهذي برعب وهلع، حتى أنها صرخت.
مسك وسيم كتفيها قائلاً:
"ليلى اهدّي، ومتخافيش."
لكن ليلى ما زالت تُغمض عيناها، عقلها ما زال يصور لها أن من أمامها ذالك الوغد المتسكع، وأنه ما زالت تحاول التملص منه وتترجاه أن يتركها.
شعر وسيم بوخزة قوية بقلبه وهو يراها بكل هذا الضعف أمامه. تحدث قائلاً:
"ليلى افتحي عيونك، خلاص الوغد بعد عنك."
بدأ عقلها يستجيب لتعود إلى رشدها. فتحت عيناها، رأت وسيم. قال عقلها: هي تتخيل ذلك، ليست حقيقة. لكن قام وسيم برش رذاذ من قنينة العطر على وجهها قائلاً:
"ليلى، ليلى."
أغمضت ليلى عيناها، ثم فتحتها مرة أخرى. هي لا تتخيل، بالفعل وسيم أمامها. بتلقائية منها كانت ترمي بنفسها بين يديه، تعانقه. تفاجأ وسيم في البداية، ولكن ربما هو رد فعل تلقائي منها بوقت صعب كانت على شفا الضياع. بلطف قام وسيم بإبعاد ليلى عنه. هنا شعرت ليلى على حالها، فابتعدت وخجلت من فعلتها، وقالت بتعثر:
"أنا آسفة يا دكتور وسيم."
نظر وسيم لوجه ليلى التي تحولت كل ملامحها إلى زرقاء اللون. ذهب إلى داخل السيارة وأتى بزجاجة مياه وأعطاها لها قائلاً:
"خذي اشربي شوية ميه."
أخذت ليلى منه زجاجة المياه بيد مرتعشة، لم تقدر على رفع يدها بالزجاجة نحو فمها، سكبت المياه على ملابسها دون شعور منها. تنهد وسيم وقام بمسك يدها التي تمسك الزجاجة ورفعها نحو فمها. تجرعت ليلى المياه كأنها كانت تشعر بجفاف منذ أمد من الزمن، ثم تركت القليل في الزجاجة وتركت يدها من حولها.
مسك وسيم الزجاجة قائلاً:
"اغسلي وشك بالمية عشان تفوقي."
قال هذا وسيم وسكب بعض المياه على يد ليلى التي بدأت تغسل وجهها مرة خلف أخرى. نظر لها وسيم قائلاً:
"بقيتي أحسن دلوقتي."
أومأت ليلى رأسها وقالت بخفوت:
"الحمد لله، شكرًا لك، ربنا بعتك ليا عشان تنقذني."
رد وسيم:
"وأيه اللي مخليكي خارج بيت أهلك لدلوقتي؟ أكيد كنتِ في الزفاف، مش المفروض بنت زيك تبقى بره بيت أهلها لدلوقتي، الساعة داخلة على عشرة ونص، ودي بلد أرياف، والطقس مايل لسه للشتا، يعني الناس بتنام بدري."
ردت ليلى:
"بس أنا مكنتش في الزفاف ووو..."
رد وسيم مقاطعًا:
"مكنتيش في الزفاف؟ أمال إيه اللي جاب المكان ده؟ عالعموم، مش وقت تبرير، اتفضلي معايا خليني أوصلك لحد باب بيت أهلك."
قبل أن تتفوه ليلى، قال وسيم:
"قولت يلا، بلاش الوقت بدأ يتأخر، اخلصي."
صمتت ليلى، هي بالأساس غير قادرة على التنهد، لا المناهدة والتبرير، لكن حين حاولت أن تسير، كادت أن تتعثر وتقع. لاحظ وسيم ذالك، فأمسك يدها، إلى أن جلست بداخل السيارة.
قال وسيم:
"بيت أهلك من أي اتجاه؟"
أشارت ليلى له على اتجاه منزلها. سار بالسيارة، كانت ليلى صامتة، تود أن تصل إلى منزلها فقط، تحتمي بحيطانه. رغم أن الطقس يعتبر ربيعيًا، لكن تشعر ببرودة شديدة. وضعت يديها حول كتفيها تمسد بهما، علها تشعر بالدفء.
تحدثت قائلة:
"خلاص وصلت، بيتي اللي هناك ده."
نظر وسيم إلى ذالك المنزل التي أشارت إليه ليلى، هو منزل بسيط من دور واحد وسور فوقه. توقف وسيم بالسيارة. لم تستطع ليلى التحرك من مكانها، كأنها التصقت بالسيارة.
تنهد وسيم ونزل من السيارة وذهب للباب الآخر وفتحها، ومد يده لليلى قائلاً:
"خليني أساعدك."
مدت ليلى يدها له، فقام بجذبها برفق. تجاوبت معه ونزلت من السيارة، وقالت له:
"بشكرك يا دكتور وسيم، أنت أنقذت حياتي."
رد وسيم قائلاً:
"ياريت تتعظي، وبعد كده بلاش تروحي أفراح وتتأخري، أهو انت شوفتي بنفسك، كان بينك وبين الاغتصاب أو يمكن القتل خطوة."
رغم أن ليلى تعلم أن هذا ليس صحيح، هي لم تكن بذالك الزفاف، لكن غير قادرة على التبرير الآن. ربما في وقت لاحق. كل ما تريده الآن هو الدخول إلى منزلها والذهاب إلى فراشها والنوم فقط.
قالت ليلى قبل أن تسير تتجه لمنزلها:
"شكرًا لك وتصبح على خير."
ظل وسيم واقفًا، ينظر لليلى، إلى أن فتحت باب منزلها ودخلت إليه، ثم عاد لسيارته مغادرًا.
بينما ليلى فتحت باب المنزل ودخلت وأغلقت خلفها الباب، وانهارت أرضًا لدقائق، تشعر برجفة وألم بكل جسدها، كل ذرة به تؤلمها، ثم تحاملت على نفسها ودخلت إلى داخل المنزل. وجدت والدتها واقفة، كانت ترتدي ملابس للخروج. تلهفت حين رأت ليلى وقالت بلهفة:
"ليلى إيه اللي أخّرك الليلة كده في الصيدلية؟ مش متصلة عليكي من ساعة، وقولتي خلاص هتيجي."
ردت ليلى بكذب:
"دخلت اتفرجت شوية على زفاف ابن عضو مجلس الشعب."
اقتربت فادية باسمه من ليلى. وقبل أن تتحدث، وضعت يدها على كتف ليلى، شعرت برعشة جسدها فقالت بخيفة:
"ليلى مالك بترتعشي ليه؟ الجو مش برد عشان ترتعشي كده."
ردت ليلى:
"يظهر أخدت دور برد، وفعلاً أنا بردانه قوي."
ضمتها فادية لجسدها، لكن اشتمت تلك الرائحة الكريهة العالقة بثياب ليلى وقالت:
"إيه الريحة النتنة اللي على هدومك دي؟ إنتي كنتي فين؟"
ردت ليلى:
"أنا زي ما قولتلك كنت في الفرح، بس وأنا ماشية وقعت في نقرة ميه، يمكن مطرح بلاعة صرف صحي."
ردت فادية:
"يمكن ده اللي محسسك بالبرد. تعالي معايا، خديلك دش ميه دافية، وهعملك شاي بلمون ونعناع يدفّوكي شوية."
ردت ليلى:
"لأ متعمليش حاجة يا ماما، أنا هاخد قرصين مضاد حيوي مع مجموعة برد وهنام وهصحى بكرة كويسة."
ردت فادية:
"طيب هحضرلك لقمه تاكليها."
ردت ليلى:
"لأ مش جعانة يا ماما، كنت جبت سندوتشات وأنا في الصيدلية وأكلت، أنا عاوزة أنام. أمال مروة وهبة ناموا ولا إيه؟"
ردت فادية:
"آه هبة هلكانة طول اليوم من درس لدرس تاني، ما بتصدق تدخل المغرب وتقول فين السرير. ومروة كمان بتصحى بدري، نامت. يلا على ما تقلعى هدومك في الحمام هجيللك غيار نضيف."
تركت ليلى والداتها وتوجهت إلى الحمام. خلعت ثيابها ونزلت أسفل المياه الباردة. تسيل المياه مع دموعها، كلما أغمضت عيناها ترى الجحيم التي عاشته قبل دقائق، ورأفة الله بها حين سترها من هلاك كان من الممكن أن يتسبب لها ولاختيها في فضيحة تؤثر عليهن.
***
بعد انتهاء العُرس.
عادت مُهرة وهاشم إلى منزلهم. دخلا مباشرةً إلى غرفة النوم.
تحدث هاشم بسخرية:
"شايفك راجعة من الفرح مبسوطة قوي، إيه كنتِ سعيدة بلمة الشباب حواليكي."
تبسمت مُهره:
"من زمان محسيتش بالراحة اللي أنا فيها دلوقتي، بصراحة فرق كبير لما تقعد وسط شباب وتتكلم معاهم، عن لما تكون طول الوقت قاعد بين حيطان تكلم نفسك. حسيت معاهم إني رجعت بالزمن شوية للوراء، حسسوني بإحساس مفقود من زمان كأني زي مامتهم، لأ أختهم الكبيرة، زي رفعت ورامي ما كانوا بيقولوا، حتى كمان وسيم اللي اختفى شوية ورجع تاني."
رد هاشم ساخرًا:
"أختهم الكبيرة؟ ها، إنتِ تقريبًا في سن مامت رفعت ورامي، ناسيه إنك كنتي أكبر من والدة وسيم ولا إيه."
ردت مهره:
"لأ مش ناسيه يا هاشم، إنك زمان اتكرمت واتجوزتني بعد ما خلاص كنت عديت الثلاثين، بس كان نص شباب البلد وولاد أغنى الأغنياء يتمنوا من إشارة بس. بس للأسف المهرة اللي كان صعب ترويضها جه حظها مع خيال مخادع، مش بس مخادع، لأ وكمان عقيم."
قالت مهره هذا وذهبت إلى حمام الغرفة.
كلمة مُهرة (عقيم) كانت كرباج ناري شق لهيبه قلب هاشم. تلك الكلمة، لاول مرة تنطق مهره بها. هل جلوسها بجوار رفعت الزهار طوال حفل الزفاف، يتجاذبان الحديث والمرح، أعطى لها ثقة بنفسها؟ أو كلمات الإطراء التي حصلت عليها من هؤلاء الشباب الثلاث أعادت لها ثقتها القديمة في نفسها، التي كان يعمل على زعزعتها طوال سنوات في ظل غياب وسيم وبعدها عن ابني رضوان الزهار. لكن لا، تلك المهرة لن تتغلب على خيال مخادع.
***
بسرايا الزهار بالحديقة.
جلس رامي جوار تكعيبه صغيرة مزروعة بزهور "الخُبيزة". تذكر طفولته التي احترقت باكرًا.
***فلاش باك***
طفل بالثانية عشرة من عمره، كان يلهو مع أخته الأكبر منه بعام واحد فقط، يلعبان بأحد مسدسات تطلق سهام بلاستيكية. يطلقون بعشوائية على أي شيء بالحديقة، ثم يذهبون لجمع تلك السهام ليطلقوها مرة أخرى. أثناء سير رامي بالحديقة كاد أن يتعثر بفتاة بحوالي التاسعة من عمرها، كانت تقف بجوار تلك التكعيبه المزروعة بزهور الخُبيزة. تلك الزهرة ذات اللونين الوردي والأحمر والأوراق الصغيرة الكثيرة والرقيقة، ذات الأوراق الخضراء الناعمة الملمس، لكن ورقتها سميكة وتحمل عطرًا كزهرتها. تبسم رامي حين مدت يدها له قائلة:
"السهم ده كان ممكن يجي في الوردة ويقطع أوراقها وتبقى شكلها مش حلو."
مد رامي يده أخذ السهم من يد تلك الفتاة الجميلة قائلاً:
"أنا رامي رضوان الزهار."
ردت الأخرى:
"وأنا مروة صفوت المنسي."
تبسم رامي قائلاً:
"إنتِ بنت عم صفوت السايس اللي بمزرعة الخيل."
تبسمت مروه كأنها شعرت بحرج قليلاً. شعر رامي بذلك الحرج على وجهها قائلاً:
"وإيه اللي في إيدك ده؟"
ردت مروه:
"ده الغدا بتاع بابا، ماما بعتتني بيه عشان نسيه ياخده معاه، هروح أوديه له، بس مش عارفه هو فين، المزرعة كبيرة قوي."
تبسم رامي قائلاً:
"مش محتاجة تدوري عليه، استنى."
نادى رامي على أحد العاملين بالمزرعة وقال له:
"خد الكيس اللي في إيد مروة ده، ووديه لعم صفوت في استبل الخيل."
أعطت مروه للعامل كيس الطعام على مضض، لديها شك أنه ربما يأكل ما به ولا يعطيه لوالدها، وحين يعود للمنزل يعنفها هي ووالدتها، لكن ليس بالأمر حيلة.
تبسم رامي قائلاً:
"أول مرة تيجي لهنا المزرعة، تحبي أفرجك عليها؟ أنا حافظها ركن ركن."
ردت مروه قائلة:
"لأ أنا عاوزة أقعد هنا جنب الورد الحلو ده، شوف جماله وريحته الحلوة. أنا أخدت في المدرسة درس عن النباتات العطرية واللي منها الكولونيا والخبيزة، رغم إن ورقتهم قاسية شوية، بس فيها عطر جميل، وكمان لهم زهور أوراق الزهرة رقيقة عكس ورقة النبات نفسه."
تبسم رامي قائلاً:
"تحبي أقطفلك وردة من الورد ده."
أومأت مروه رأسها بنعم. بالفعل قطف رامي، ليس زهرة واحدة بل زهرتين، إحداهن وردية اللون والأخرى حمراء، وقام بمد يده وقام بغرسهم أعلى شعر مروه بين خصلات تلك الضفيرة التي بشعرها.
تبسمت مروه قائلة:
"كده تنكوش شعري، دي ماما بصعوبة على ما بتلمه في ضفيرة."
تبسم رامي. ظلا الاثنان جالسين بجوار تلك التكعيبه لوقت طويل، يتحدثان بكل شيء ببراءة طفلين معًا. لكن حان ميعاد الغداء، نادت تلك المربية على رامي، الذي نهض قائلاً:
"دي الدادة، أكيد هتقولي ده ميعاد الغدا. إيه رأيك تيجي تتغدى معانا."
رغم أن مروه جائعة، لكن رفضت وقالت له:
"لأ لازم أروح عشان ماما مش بتتغدى من غيري أنا وإخواتي."
تبسم رامي قائلاً:
"هشوفك تاني، أبقى تعالي كل يوم لهنا، يا رب باباك كل يوم ينسى الغدا."
تبسمت مروه وهي تتجه للخروج من تلك المزرعة. انحنت قليلاً التقطت شيئًا من على الأرض، ثم أكملت طريقها إلى أن خرجت من باب المزرعة تحت أنظار رامي. كان هذا اللقاء الأول بينهم الذي خلف خلفه مشاعر نبتت منذ الطفولة، اخترقت القلب، لم تستطع نيران الماضي محوها.
عاد رامي للحاضر.
*يشعر بوخز في قلبه، ليت ذلك اليوم يعود. ما كان ترك مروه تخرج من السرايا. كان احتجزها، ربما كان تغير القدر وما اشتعلت النيران وترك المكان بعدها واختفى عن هنا. لكن عاد لموطنه مرة أخرى، لكن بعد الطريق بينه وبين من عشقها فؤاده. أصبحت ترى به ذالك المسخ الذي عاد من نيران أثرها، ليس فقط على جسده، بل على قلبه الذي يئن بعشق الجميلة.
***
بشقة فخمة في إحدى مدن الشرقية.
كانت تلك اللعوب تتمايل على نغمات إحدى الأغنيات الشعبية، ليست فقط تتمايل بل تغني معها أيضًا. ولما لا وهي بالأصل مغنية تلك الأغنية الشعبية الدارجة ببعض الألفاظ الهابطة، ويقال أنها أغنية دلع ودلال لصاحبتها التي تثير الشباب بأنوثتها المصطنعة، والتي ترتدي زي ربما بذلة الرقص محترمة عنه. لكن لسوء حظها أن من تفعل هذا من أجله، عقله الليلة شارد، لا تستهويه تلك اللعوب.
جلست لجواره تتدلل عليه بميوعة:
"جري إيه يا 'روفى' مالك الليلة، شكلك كده مش مركز معايا؟ إيه يا 'روفى' أنا فضلت هنا الليلة في الشرقية مخصوص عشانك مع إن عندي بكرة قبل الضهر تسجيل في الاستديو، بس إنت عارف غلاوتك عندي، أنا مقبلتش إني أجي لهنا الشرقية أحيي الفرح ده إلا عشانك. قولت هشوفك ونقضي لينا ليلة مع بعض زي ليالينا السابقة مع بعض. مالك مين اللي شاغل عقلك."
نهض رفعت قائلاً:
"معلش عقلي مشغول بصفقة ومش قادر أفكر غير فيها. الشقة تحت أمرك، أنا لازم أرجع للسرايا من تاني، هبقى أتصل عليكي بعدين، تصبحي على خير."
قال رفعت هذا وغادر الشقة وسط استعجاب تلك المغنية، فلاول مرة منذ أن تعرفت على رفعت تراه مشغول الذهن هكذا وتهرب من قضاء الليلة معها. لكن هناك ما جعلها لا تبالي، ذالك الشيك الذي تركه لها.
***
بينما رفعت ترك تلك المغنية ونزل لسيارته وقادها عائدًا إلى البلدة. لا يعرف سبب لذالك النفور الذي شعر به لأول مرة منذ مدة زمنية طويلة. كان يُغرق نفسه بملذات مع تلك النوعية من النساء، لماذا أصابه ذالك النفور الليلة؟
اقترب من الوحدة الصحية، جاءت إلى مخيلته تلك الشرسة التي سبته صباحًا. تبسم بتلقائية وهو يتذكر سبابها. نظر باتجاه ذالك السكن المرفق خلف الوحدة الصحية، هناك ضوء خافت من تلك الشقة التي تقطن بها الطبيبة. أتكون مستيقظة، ساهرة؟ هل تتألم من ساقها، أو ربما ساهرة تفكر في شخصًا ما يشغل قلبها؟
جاوب سريعًا:
"لأ، ولكن لما لأ؟ أليست إنسانة؟ لديها مشاعر وأحاسيس. لما حين فكر أن يكون بحياتها شخص شعر بغيرة؟"
نفض عن عقله سريعًا وقاد سيارته متجهًا إلى سراياه، يكبت تلك المشاعر التي ليست لها مكان بحياته القاسية.
***
بصباح اليوم التالي بسرايا رضوان الزهار.
بعد أن تناول رفعت الفطور مع أخيه، تركه وذهب إلى المكتب لعمل بعض الاتصالات التليفونية الهامة. بغرفة المكتب، تبسم وهو يسمع من يقول له:
"رفعت بيه كنت طلبت مني تقرير مفصل عن الدكتورة زينب صفوت السمراوي، أنا آسف اتأخرت على ما جمعت عنها كل المعلومات اللي طلبتها مني، لأن الدكتورة بصراحة ليها سجل حافل. هتلاقي كل المعلومات في ملف أنا حولته لك على الإيميل الخاص بحضرتك."
تبسم رفعت قائلاً:
"تمام متشكر، هحول لك حسابك لرصيدك في البنك."
أغلق رفعت الهاتف وفتح حاسوبه الخاص وفتح ذالك الملف. لم يقرأ أي محتوى به، أراد فقط أن يعرف إن كانت مرتبطة سابقًا. لكن تفاجأ، هي بالفعل كانت مخطوبة لعدة أشهر ثم تم الانفصال. تحير عقله وشعر بغيرة، لكن تبسم حين وقعت عيناه على صورة لها بالملف.
أغمض عينيه بسبب نسمة هواء بها بعض ذرات الأتربة دخلت إلى الغرفة من الشباك. فجأة سكنت زينب خياله، رآها أمامه تقترب منه أكثر وأكثر، أصبحت ملاصقة له. تسلطت عيناه لعيناها، ثم نزل ببصره إلى تلك الشفاه. نظر لها باشتهاء، يريد تذوقها، وبالفعل اقتنص شفاها بقبلة جامحة. لكن لسوء حظه أفاق من خياله على رنين هاتفه. رد باختصار:
"تمام، ربع ساعة وأكون عندك بقسم الشرطة."
بينما...
بقسم شرطة صغير بقرية الزهار (نقطة شرطة). جلست زينب أمام الضابط المسؤول عن القسم، بعد أن رحب بها قائلاً:
"أهلاً يا دكتورة، الشاويش قالي إنك طلبتي تقابليني."
ردت زينب:
"بصراحة عندي شكوى على الشاويش ده، اتعامل معايا بقلة ذوق، متعدلش غير لما قولت له إني مديرة الوحدة الصحية، حتى مكنش مصدق، بس أنا مش جايه لهنا عشان كده."
رد الضابط معتذرًا:
"متأسف على قلة ذوقه، وأنا تحت أمرك."
ردت زينب:
"أنا وأنا ماشية امبارح في البلد، طلع عليا فجأة واحد همجي راكب حصان، واتسبب إني وقعت وكاحل رجلي انكسر، غير أخدت غرزتين في معصم إيدي بسبب الوقعة دي، ومعايا تقرير كشف حكيم بعلاج أكتر من واحد وعشرين يوم، وكنت جايه أعمل فيه محضر ضرر."
تبسم الضابط قائلاً:
"تحت أمرك، وأنا بنفسي اللي هعملك المحضر. هنادي على العسكري اللي بره ييجي لهنا تمليه بيانات المحضر."
بعد دقيقتين كان يجلس الشرطي المسؤول وفتح دفتر المحاضر.
تحدث الضابط:
"تقدري تملي العسكري بيانات المحضر، ويا ترى مين الشخص اللي أذى حضرتك."
ردت زينب بكل ثقة:
"رفعت رضوان الزهار هو الشخص اللي جايه أعمل فيه محضر."
انخض العسكري وتوقف عن استكمال بيانات المحضر، بينما انصدم الضابط قائلاً:
"مين حضرتك؟"
ردت زينب بتأكيد:
"قولت رفعت رضوان الزهار، هو الشخص الهمجي اللي كان راكب الحصان اللي وقعت بسببه ورجلي انكسرت، وأنا جايه عشان أعمل فيه محضر ضرر، ومعايا كشف حكيم بعلاج لأكتر من واحد وعشرين يوم."
تحدث الضابط:
"تمام، بس ممكن نحل الموضوع ودي مع رفعت الزهار."
ردت زينب:
"مفيش ود بيني وبين رفعت الزهار، اللي بينا عقاب لازم ياخده، وأنا ليا حق عنده ومش هتخلى عنه."
رد الضابط:
"ممكن أطلبه ييجي لهنا، ووقتها ممكن يعتذر لك، ممكن كان سوء تفاهم."
كانت زينب ستصر على تقديم بلاغ، لكن فكرت، ربما اكتسبت شيئًا تريده من خلف ذالك المحضر، فقالت:
"والله لو رفعت الزهار جه لهنا وقدم اعتذار مناسب ليا، ممكن وقتها أفكر أني مقدمش فيه بلاغ."
تبسم الضابط قائلاً:
"تمام، أنا معايا رقم رفعت الزهار، هطلبه وأقوله ييجي لهنا النقطة."
صمتت زينب دون رد. بالفعل قام الضابط بالاتصال على رفعت وطلب منه المجيء للنقطة الشرطية. أغلق الضابط الهاتف ووضعه أمامه وجلس قائلاً:
"رفعت الزهار، كلها دقائق ويبقى هنا في النقطة."
تبسمت زينب بخفاء. وبالفعل ما هي إلا دقائق وكان رفعت يدخل إلى غرفة الضابط. برد فعل طبيعي تبسم حين رأى زينب أمامه، بينما هي عبست بوجهها.
نهض الضابط واقفًا يرحب به. تبسم رفعت بدبلوماسية وقال:
"سيادة الضابط، طلبتني من شوية وقلت محتاجني في أمر ضروري."
تبسم الضابط قائلاً:
"بصراحة الدكتورة زينب عاوزة تقدم في حضرتك محضر إنك اتسببت في ضرر ليها، ومعاها كشف حكيم بعلاج أكتر من واحد وعشرين يوم."
ذُهل رفعت في البداية، لكن رسم الهدوء قائلاً:
"حضرة الضابط ممكن تسيبني مع الدكتورة لوحدنا عشر دقايق، وبعدها مش هانع الدكتورة في اللي عاوزة تعمله."
تبسم الضابط وأشار لذالك العسكري أن يخرج خلفه ويترك رفعت مع زينب. بالفعل خرج الاثنان وأغلقا خلفهم باب الغرفة.
نظر رفعت لـ زينب قائلاً:
"إنتِ عاوزة إيه بالظبط."
ردت زينب باختصار وثقة:
"عاوزة ربع مليون جنيه تعويض عن كسر رجلي وأيدي اللي اتعورت بسبب همجيتك إنت وحصانك امبارح."
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل السادس 6 - بقلم سعاد محمد سلامة
وقفت هبه أمام المرآه تعدل حجابها قائله بتذمر:
"منك لله يا قاسم يا آمين، كان حد قالك نادى بتعليم المرأه ما كنا مستتين ومتهنين، لازمتها أيه السحله اللى إحنا فيها دى، والنبى الواحده فينا مالها غير جيب جوزها تشحوره، وعيالها تتطلع فيهم غُلبها منهم هما وأبوهم. أنا خلاص مش عاوزه أكمل تعليمى، أنا عايزه أتجوز. أنا لو عدت عليا السنة دى ولسه فيا عقل يبقى إنكتب لي عمر جديد، قال ثانويه عامه قال، ماله الجواز، دا حتى جواز البنات سُتره."
تبسمت لها مروه قائله: "لأ إجمدي كده، من أراد العُلا سهر الليالي."
ردت هبه: "مش عاوزه عُلا، ولا سهر، أنا عاوزه أتجوز وأخلف ولدين توأم ألعب معاهم."
تبسمت مروه قائله: "يا بنتي مستقبلك في شهادتك، اللي هتبقى في إيدك. وبعدين ما إحنا مر علينا قبل حوار الثانويه العامه ده قبلك، وأهو، عندك ليلى أهى السنة اللي فاتت كانت زيك كده مسحوله، ودخلت الجامعه اللي كان نفسها فيها، عقبالك يا بشمهندسه، مش نفسك تبقي مهندسه برضوا."
ردت هبه: "أه، نفسي أدخل هندسه بيترول، متعرفوش شركات البترول دي بتقبض بالدولار."
تبسمت مروه قائله: "ربنا ينولك مرادك، وبلاش عويلك ده كل شويه."
تبسمت هبه لمروه، ثم نظرت ناحية ليلى الجالسه على الفراش لا تشاركهم المزاح كعادتها.
نظرت مروه وهبه لبعضهن، ثم نظرن باتجاه ليلى، مستغربتان، فهي لا تشاركهن المزح كعادتهن.
أقتربتا من فراش ليلى، كل منهم جلست على ناحيه، تحدثت مروه: "في ايه يا لولا مش عادتك ساكته ليه، ومش هتقومي تجهزي عشان تروحي للجامعه النهارده!"
ردت ليلى: "لأ مش هروح الجامعه النهارده."
تعجبن هبه ومروه وقالت هبه: "عجيبه، ليه مش هتروحي النهارده؟"
ردت ليلى بإخفاء: "عندي صداع وشاكلي داخله على دور برد، ويمكن لو روحت للجامعه يزيد عليا التعب."
تلهفت الاثنتين عليها وتوجهن لفراشها. قالت مروه: "إنا صحيت الفجر على صوت هلوستك، سمعتك تهلوسي، بس ما أخدتش بالي، قولت نايمه وبتتكلم وهي بتحلم، زي عادتها ساعات كتير، بتتكلمي وأنتي نايمه."
ردت ليلى بخفّه قليلاً قائله: "كنت بقول إيه المرة دي؟"
ردت مروه: "بصراحه مفسرتش ولا كلمة من كلامك، حتى قولتلك أنتي صاحيه يا ليلى، ردتي عليا وقولتي أيوا، بس بعدها نمتي تاني بسرعة. هطلع أقول لماما تعملك شاي بالليمون وتجيبلك مضاد حيوي للبرد و..."
قاطعتها ليلى قائله: "لأ بلاش تقولي لماما إني تعبانه، بلاش تُخضيها. أنا هقوم آخد حبايتين مسكن وبعدها هنام، ولما هصحى هبقى كويسه. ويلا كل واحدة تشوف طريقها ومتقلقوش عليا، أنا زي القطط، كل شويه بحال، قبل ما ترجعوا من أماكنكم هكون بقيت زي القرد."
تبسمن لها وقالت هبه: "تمام، أنا عندي درس كمان ساعة لازم ألحقه. أول ما أطلع من الحصه هتصل أطمن عليكي، بس ردي متخافيش على رصيد الموبايل، أنا خلاص حولت لنظام باقه شهريه زيك كده، هتكلم بقى براحتي من غير ما يقولي لقد نفذ رصيدكم، برجاء شحت الرصيد."
تبسمت ليلى قائله: "شحن، مش شحت، يا متسوله."
تبسمت هبه قائله: "والله شركة التليفونات دي بتحسسني إننا بنشحت منها، وهي بخيله. تصدقي، بفكر أبقى مهندسة اتصالات وأشتغل معاهم وأسرق العملاء."
تبسمت مروه: "ومهندسين البترول واللي بيقبضوا بالدولار."
فكرت هبه ثم تبسمت قائله: "لأ الدولارات تكسب، يلا أنا همشي يا بنات وادعولي إنول اللي عاوزاه، وأنا أبشركم وقتها وهخليكم تحولوا تليفوناتكم من كارت لخط. سلامي لجميلاتي."
تبسمت هبه ومروه حين أرسلت لهن هبه قُبلات بالهواء وهي تغادر الغرفه.
نظرت ليلى لمروه قائله: "وانتي مش هتمشي عشان تلحقي باص المدرسة؟"
نهضت مروه من على الفراش سريعاً قائله: "تصدقي نسيت، هاخد شنطتي وأجري ألحقه. يلا، هتصل أطمن عليكي وأنا في المدرسة."
تبسمت ليلى لها قائله: "لأ أطمني، أنا شوية وهبقى كويسه، هما شوية برد صغيرين، يمكن من تغير الطقس كل شويه، إنتي عارفه جو الربيع، يوم يبقى دافي، ويوم برد، ويوم نصه برد ونصه دافي، ومع ذلك هو أحلى فصول السنة، بيجيب طقس الاربع مواسم في يوم واحد."
تبسمت مروه لها قائله: "تمام، همشي أنا بقى، يارب أرجع ألقاكي بقيتي بخير."
تبسمت ليلى، وتنهدت بعد أن خرجت مروه، دون وعي منها نزلت دموع عينيها، تشعر بألم بكل جسدها، لا الألم يسكن روحها، ما مرت به ليلة أمس ليس بهين، كانت على شفا خطوة واحدة من الاغتصاب، والقتل أيضاً. وهناك وخز قوي ينخر قلبها لا تعرف سببه. وسيم ظلمها حين ظن أنها كانت ساهرة بذلك الزفاف، ألا يعلم أنها لا تحب تلك المناظر الفارغة ولا تستهويها، تعلم أن تلك المناظر ما هي إلا لعب بأحلام الفقراء البسطاء، يتلاعبون بمشاعر البسطاء بخبث نواياهم التي يريدون الوصول إليها، دهساً على أحلامهم البسيطة. عقلها حائر، ماذا تفعل الآن؟ هي لا تريد أن تدافع عن نفسها بشيء لم تفعله، هي غير قادرة على مواجهته والدفاع عن نفسها.
***
بمنزل هاشم الزهار.
نزل وسيم، تقابل مع إحدى الخادمات التي قالت له: "مدام مُهره، في أوضة السفره مستنيه حضرتك، يا دكتور وسيم."
رد وسيم: "تمام، أنا رايح لها."
توجه وسيم إلى غرفة السفره، تبسم قائلاً: "صباح الجمال على المهره اللي مع كل طلعة شمس بتزيد جمال."
تبسمت مُهره قائله: "صباح السعاده، إيه أخرك في الصحيان النهارده كده؟ سهرة ليلة امبارح هي السبب أكيد."
تبسم وسيم قائلاً: "مش عارف، يمكن تكون السبب، حتى لما رجعنا من الفرح جالي أرق، ومنمتش غير بعد الفجر."
تبسمت مُهره بمكر قائله: "وأيه سبب الارق اللي جالك؟ كنت بتفكر في إيه، شاغل عقلك."
تبسم وسيم قائلاً: "شاغلني المهره الجميلة اللي كانت امبارح في الفرح، ملكه."
تبسمت مُهره: "أنا فعلاً امبارح وانا قاعده وانت وولاد رضوان ابن عمي قاعدين حواليا كنت الملكة وجنبها فرسانها، وكمان مبسوطة قوي إن لسه علاقتك برامي زي زمان، البعد ما غيرش من مشاعركم لبعض."
تبسم وسيم: "قصدك لسه الأخوة أعداء."
تبسمت مُهره: "عمر الأخوة ما يبقوا أعداء، بس بقى قول لي، مفيش بنوتة كده شغلت قلب وسيمي؟ نفسي أبقى جدة قريب."
تبسم وسيم، لا يعرف لما هفوت على خياله تلك الرقيقة الخجولة التي قابلها بالصيدلية، لكن بنفس الوقت تذكر تلك الدبش ولديه شغف معرفة حالها الآن. لكن قال: "تقدري تقولي في ومفيش، لسه مش محدد اختياري، بس أكيد هتبقى أول حد أقوله. أمال مين اللي هيطلبهالي، وتعمل ماري منيب وتديها حباية البندق تكسرها بسنانها عشان تطمن صحتها كويسه أو لأ."
تبسمت مُهره: "عيب عليك، أنا هبقى حما من النوعية دي برضو، بس أتمنى تتوفق في اختيارك."
تبسم وسيم: "يارب. بقولك إيه، مش كان في سايس بيشتغل عندنا زمان؟ أنا فاكر اسمه صفوان المنسى."
تبسمت مُهره: "ايوا، بتسأل ليه؟ بس ده ساب الشغل عندنا من مدة ورجع من تاني يشتغل في مزرعة ولاد رضوان. ليه بتسأل؟"
رد وسيم: "مفيش، بس أنا فاكر إن قبل ما أسافر البعثة كان بيشتغل هنا في المزرعة، أصلي قابلته من كام يوم صدفة في الطريق وافتكرته."
تنهدت مُهره: "هو في الأصل كان بيشتغل في مزرعة رضوان الله يرحمه، بس لما مزرعة رضوان اتحرقت وولاده سابوا البلد وراحوا عاشوا مع جدتهم في اسكندريه، جه اشتغل مع هاشم. بس لما رجعوا ولاد رضوان للبلد تاني، هو رجع يشتغل عندهم من تاني، ومش بس هو، في عمال كتير كانوا بيشتغلوا في مزرعتنا، ولما رجعوا ولاد رضوان، راحوا يشتغلوا عندهم. وده كل بسبب معاملة هاشم لهم بغطرسة، كأنهم عبيد عنده. كانوا زمان بيقبلوا لأن ما كانش قدامهم غيره، لكن العمال غلابة، وتبع لقمة عيشهم، وولاد رضوان قدموا لهم أجر أفضل، وكمان معاملة أفضل من هاشم."
رد وسيم: "فعلاً العمال غلابة وتبع لقمة عيشهم، وأنا زمان شوفت معاملة خالي هاشم للعمال، شوفته مرة، كان بيجلد واحد من العمال عشان سبب بسيط، إنه اتأخر في سرج الحصان له. بس ده طبعاً هيتغير برجعتي، أطمني. وطبعاً صفوان ده رجع تاني لمزرعة ولاد عمي رضوان، هو عنده أسرة وملزم بها، فإن كان زمان محتاج وقابل طريقة خالي هاشم في الشغل بالطريقة دي، زي بقية العمال اللي كانوا بيشتغلوا عند عمي رضوان، والحاجة خلتهم اشتغلوا واتحملوا قسوة خالي هاشم، دلوقتي مش مجبر يتحمل طريقته الفظه والقاسية، فساب الشغل هنا. بس متعرفيش عنده ولاد قد إيه."
ردت مُهره: "أنا معرفش عنده ولاد قد إيه، اللي شوفتها بنت، كانت مع مامتها في فرح ابن عضو مجلس الشعب. بس ليه شاغل عقلك الراجل ده."
رد وسيم: "مفيش، مجرد فضول مش أكتر. هقوم أنا بقى، عندي محاضرات في الجامعه، وبعدها هرجع على مزرعة الخيل، في كذا حصان كده ضعفانين، شكلهم مش عاجبني، وكمان في بعض السلالات مش موجودة عندنا في المزرعة. هروح أشوف سبب ضعفهم ده وأعالجهم، وكمان هبدأ أباشر مزرعة مع خالي هاشم، لازم المزرعة ترجع زي سابق عهدها، مش حقي فيها التلت."
تبسمت مُهره: "مش التلت بس، إنت لك التلتين، وبتمنى ترجع المزرعة لزهوتها زي زمان. ولاد الزهار كان بينهم منافسة شريفة في تربية الخيول، أتمنى يبقى بينك وبين ولاد رضوان منافسة شريفة، وتكون فارس زي باباك."
تبسم وسيم قائلاً: "هترجع إنشاء الله، وابن 'جلال الشامي' هيبقى أقوى منافس لولاد، بس منافسة بشرف الفرسان. أشوفك المسا عالـ عشا."
قال وسيم هذا وغادر الغرفة. لكن دخلت إحدى الخادمات ومعها باقة زهور قائله: "مدام مُهره، بوكيه الورد ده، واحد من محل ورد، عطاه لحارس من اللي على بوابة البيت، ومعاه الظرف ده لحضرتك."
أخذت مُهره بوكيه الزهور، وذلك الظرف من الخادمة، ونهضت من أمام السفره قائله: "هاتي لي قهوتي، التراس."
ذهبت مُهره إلى تلك الشرفة الكبيرة المطلة على حديقة المنزل وجلست على أحد المقاعد، تستنشق رائحة تلك الزهور الخلابة. إنها نوع الزهور المفضل لديها. ثم فتحت ذلك الظرف الذي فاح بعطر زهرة (الليليان) "شقائق النعمان". تعجبت كثيراً من الذي أرسل هذه الزهور ومعها ذلك الظرف. فتحت ورقة الرسالة وقرأت محتواها بصوت قائله: "حتى الزهور اليانعة، تستطيع المهره بحضورها أخذ الجمال منها، تصبح باهتة الألوان، خالية العبق. ما زلتِ المهره التي افتتن بها بستاني، أصبحتِ (زهرة الليليان، شقائق قلب النعمان). ما زلت على وعدي، لم أهوى أي امرأة. عدت لا أعلم لما، ربما لأنهي حياتي بمكان فقدت فيه قلبي. أريد أن أدفن هنا، يا 'ملكة الزهار'."
أغلقت الرسالة، وارتجف قلبها. أيُعقل أن البستاني ما زال حي يتذكرها، يتذكر من رفضت حبه يوماً، وفضلت حب مخادع سقطت ببراثن خداعه. لكن لما عاد الآن؟ حقاً ببعض مساحيق التجميل البسيطة عادت النضارة لوجهي، لكن شيب القلب كيف يعود صبياً.
***
كان يعصب عين تلك الطبيبة بشريط أخضر، يمسك بيدها، تسير معه إلى أن اقترب من مكان وقوف إحدى المهرات باستطبل الخيل الخاص به. تبسم وهو يفك عصابة عيناه، فتحت عيناها لترى أمامه إحدى المهرات، وقالت له ببسمة رقيقة: "هاشم! الفرسة دي جميلة قوي، وشكلها قوية."
تبسم قائلاً: "الفرسة دي تشبهك."
تبسمت زينب له برقة، ونظرت له وهو يسير، إلى أن وقف خلفها، وأحاط خصرها بيده وأقترب منها بشدة يستنشق عبقها الذي يأسر. وانحنى وكاد يُلثم عنقها بقبلاته... لكن استيقظ متذمراً بسبب صوت ذلك الهاتف المزعج، الذي قطع عليه ذلك الحلم الجميل. كان قريب من تلك الطبيبة التي بدأت تستحوذ بمكانة خاصة لديه. مد يده وجذب الهاتف، حين علم من يتصل عليه، نفخ بسأم. في البداية فكر في عدم الرد وكان سيترك الهاتف يرن، لكن جاء للهاتف رسالة جعلته يرد على رنين الهاتف باستهجان قائلاً: "بتتصل عليا بدري كده ليه؟ اللي أعرفه إنك بتصحى متأخر."
رد الآخر: "اتصلت عليك أكتر من مرة في أوقات مختلفة مكنتش بترد، ليه بتطنش اتصالاتي؟ عالعموم مش ده المهم عندي دلوقتي، أنا متصل عليك محتاج لمبلغ مالي."
رد هاشم: "منين؟ المزرعة مبقتش زي الأول من يوم ما رجع ابن رضوان هنا. ياما قولت لك حاول تسيطر عليه لما كان تحت إيدك في إسكندريه، بس هقول إيه، طول عمرك كنت غبي."
رد الآخر: "بلاش تغلط فيا عالصبح، أنا محتاج المبلغ ده ضروري عشان أعوض خسارتي، كمان أسد فوائد قرض البنك، خلاص ميعادها قرب."
رد هاشم: "قولت لك بلاش تشارك في النوعية دي من سباقات الخيل، دي تعتبر لعبة قمار، وده اللي خسرك زمان وخلاك بقيت مديون للبنك بمبلغ كبير، مبقتش عارف تسده. بتسد كل سنة فوائد البنك، لكن القرض نفسه مش بتسده. طالما كده، ليه مش بتهرب لخارج مصر زي بقية رجال الأعمال اللي هربوا لما مبقوش قادرين يسدوا القروض اللي عليهم."
رد الآخر: "مش وقت سخافتك عالصبح، متنساش إني شريكك، حول لي المبلغ اللي بعت لك قيمته في الرسالة في أقرب وقت، خلاص دفع فوائد البنك قرب، ومش عاوزهم يتصلوا عليا بالميعاد زي كل سنة، سلام."
أغلق هاشم الهاتف، وقام بإلقائه جواره على الفراش، زافراً أنفاسه بعيظ. لم يكن يبقى سوى هذا الغبي كي يعكر عليه مزاجه. ألا يكفيه استفزاز ابني رضوان الزهار له، وبالأخص رفعت الذي لم يأخذ من والده فقط الشكل، بل أخذ الحنكة والدهاء.
***
بالعودة لقسم الشرطة.
نظر رفعت لزينب بذهول قائلاً: "عاوزة ربع مليون جنيه تعويض عن كسر كاحل رجلك؟ ليه؟ ده لو عاهة مستديمة مش هتطلبي المبلغ ده كله."
ردت زينب بثقة وهي ما زالت جالسة: "والله أنا معايا تقرير طبي بعلاج أكتر من واحد وعشرين يوم، وفي القانون، وبإصابتي دي طالما قدمت بلاغ تعتبر جنحة."
تبسم رفعت الذي ما زال واقفاً: "قولتي جنحة؟ هو إنتي بتشتغلي إيه بالظبط؟ دكتورة ولا قاضية؟ عالعموم، إنتي قولتيها جنحة، يعني قضية بسيطة، وعندى طقم محامين أهم يشتغلوا عليها بدل ما بدفع لهم أتعاب عالـ فاضي، ومش هيكلفوني ربع المبلغ اللي طلبتيه تعويض، غير إنهم بسهولة جداً يطلعوني من القضية، وتترد عليكي مصاريف المحكمة يا دكتورة."
رفعت زينب رأسها ونظرت له بسخرية قائله: "وإزاي ده بقى؟ هترشي المحكمة!"
ضحك رفعت قائلاً: "لأ طبعاً، ببساطة، فين شهودك عالـ محضر ده اللي يثبتوا إن أنا السبب في كسر رجلك؟ المحضر لازم يكون عليه شاهدين اتنين على الأقل."
ارتبكت زينب قائله: "عادي هقول إن الحادثة كانت في شارع جانبي، ومكنش معايا غير صفاء، وهي هتشهد معايا، غير اللي شافوك في الوحدة."
تبسم رفعت وانحنى ووضع يديه على مسند المقعد التي تجلس عليه زينب، وحاصرها بينه وبين المقعد قائلاً بضحك: "وجودي في الوحدة معاكي كان شهامة مني، كان ممكن أسيبك في الشارع، مش قادرة تقفي على رجلك بعد سبك ليا، غير إني ممكن بسهولة أعملك محضر سب وقذف، واللي هتشهد صفاء نفسها بسهولة جداً. متنسيش مهما كنتي عملتي عشانها، في الآخر إنتي هتشتغلي هنا لمدة معينة وهتسيب البلد وتمشي، لكن أنا باقي هنا، أصلي هنا، وكمان أنا من أهل بلدها، يعني إنسي المحضر ده يا دكتورة ونتفاهم. ودي عاوزة تعويض معنديش مانع، بس يكون بمبلغ معقول، يعني خمسين ألف جنيه حلوين قوي."
شهقت زينب بارتباك من قربه منها قائله: "دول ميشتروش توكتوك، وبعدين ابعد عني ومتقربش مني بالشكل ده تاني، وخلاص أنا قررت أعمل المحضر والمحكمة تتصرف معاك بقى، غير إني ممكن أعملك محضر تحرش."
استقام رفعت ضاحكاً يقول: "كمان محضر تحرش؟ وإزاي اتحرشت بقى بيكي؟ بوستك مثلاً."
غضبت زينب وسندت على ذلك العكاز الطبي ووقفت قائله: "إنت شخص غير مهذب ومعندكش أدب، وكمان همجي، وإنت كده بتسد التفاهم الودي بينا، يبقى المحكمة تفصل بينا، وعندي شهود على تحرش بيا، لما كنت راكب الحصان ورايا البلد كلها شافتك."
تبسم رفعت قائلاً: "الحصان أساساً بتاعي، وأنا اللي ركبتك عليه عشان آخدك للوحدة، سبق وقولت شهامة مني وكرم أخلاق، يعني أول سؤال هيتسال، طالما معندكيش ثقة فيا ليه ركبتي الحصان من الأول أساساً. أنا قولت ممكن أعطيكى خمسين ألف جنيه تعويض، أكتر من كده متحلميش وإعملي اللي عاوزاه، أنا مش فاضي، أنا وقتي بفلوس، ولازم أمشي، هو ده آخر كلام عندي."
قال رفعت هذا وأعطاها ظهره وكاد أن يفتح باب الغرفة، لكن قالت زينب: "ولو قولتلك المبلغ ده مش هاخده ليا، ده هيطلع في فعل خير لصالح بلدك زي ما بتقول، وهينوبك منه ثواب، غير متأكدة إن المبلغ ده ميفرقش معاك، ميجيش تمن فرسة من عندك، اعتبره زكاة أموالك."
تبسم رفعت وهو ما زال يعطيها ظهره، تلك الطبيبة لم تخيب توقعه من البداية، هو كان يعلم أن هناك هدف آخر من طلبها لهذا المبلغ، غير أنها تريدهُ كتعويض لضرر أصابها، ولهذا أراد محاورتها من البداية. كان من السهولة عليه الرفض وإنهاء الموضوع بمكالمة هاتف منه. رد قائلاً: "وأيه الخير بقى اللي لصالح بلدي في طلبك للمبلغ ده؟"
ابتلعت زينب حلقها وقالت: "عاوزة أجيب عربية إسعاف خاصة بالوحدة، تخدم أهل البلد، ومش بس البلد، ممكن كمان البلاد اللي جنب البلد دي، بدل ما المريض أهله بيطلبوا عربية إسعاف من مستشفيات خاصة بالشئ الفلاني، لمجرد نقل المريض من بيته لمستشفى حكومي يتعالج فيها. بكده هتوفر عالناس مصاريف كتير، غير إنها ممكن كمان زي ما حصلي كده، ومكنتش قادرة أقف على رجلي، كنت طلبت إسعاف الوحدة، جه، خدني، ووفرت عليك شهامتك وكرم أخلاقك."
تبسم رفعت وأدار وجهه لها قائلاً: "ومطلبتيش ده ليه من الأول؟ مش يمكن كنت وافقت بسهولة عن الابتزاز اللي عملتيه في البداية؟"
ردت زينب: "تقدر تقول محبتش أحسسك إن بتعمل خير وتفرد نفسك على أهل البلد، إنك من رجال الشهامة والإحسان."
تبسم رفعت قائلاً: "بس أنا مش محتاج أفرد نفسي على أهل البلد، أنا فعلاً من أهل الشهامة والإحسان، بس مبحبش أتكلم عن نفسي."
نظرت له زينب قائله بنبرة يشوبها بعض السخرية: "مكنتش أعرف إنك متواضع. عالعموم، بالنسبة للربع مليون جنيه، أنا ممكن أوافق على ميه وخمسين ألف، ومش شرط عربية الإسعاف تبقى مجهزة بالكامل، المهم يكون في عربية إسعاف تنجد الناس من استغلال المستشفيات الخاصة."
تبسم رفعت قائلاً: "أنا موافق، وهتبرع بالربع مليون جنيه، ومش بس كده، لو احتاجتي أكتر من المبلغ ده هدفع لك، بس ليا طلب عندك، خلي التصرف في الفلوس تحت إيدك، بلاش تثقي في الموظفين اللي في الوحدة، أنا عندي ثقة فيكي عنهم. أنا عارف معظمهم، وبالذات اللي اسمه طارق التقي، بيبان إنه بيحب الخير والمساعدة، وهو بيحلل لنفسه على هواه بمقولة (والعاملين عليها) وبيساعد الناس اللي على مزاجه بس."
تبسمت زينب قائله: "لأ اطمن، قابلت من نوعية طارق ده كتير، وفاهمهم كويس، وعربية الإسعاف أنا اللي هشرف عليها بنفسي."
تبسم رفعت وقام بإخراج دفتر شيكاته من جيبه، وبدأ في كتابة الرقم اللي قالت عليه زينب، ثم قطع الشيك من الدفتر، أعطى لزينب ذلك الشيك. أخذته منه مبتسمة ومدت يدها لتصافحه قائله: "كده تقدر تعتبر المحضر اللي كنت هعمله لك لاغي."
تبسم ونظر ليدها الممدودة له، لكن لفت انتباهه تلك الشامة الموجودة بمقدمة معصم يدها بعد كف يدها مباشرةً. تأمل تلك الشامة، ثم رفع وجهه ونظر إلى وجه زينب، تلك البسمة التي تزين ثغرها، هي نفس بسمة "رحمة". تنهد هامساً لنفسه: "رحمة." مد يده لها مصافحاً، شعر ببركان يشتعل بقلبه من حرارة يدها، ضغط على يدها بقوة وهو ينظر لتلك الشامة التي بيدها، تغلي الذكريات برأسه، لكن ربما تكون تلك "رحمة" أرسلت له من القدر، لكن ربما بوقت غير مناسب.
تبسمت زينب حين دخل الضابط قائلاً: "أتمنى تكونوا اتفاهمتوا؟"
ردت زينب: "تمام، فعلاً اتفاهمنا، ومالوش لازمة المحضر، بشكر حضرتك."
تبسم الضابط قائلاً: "ده واجبي، ورفعت بيه من الشخصيات المعروفة في المحافظة كلها، ومعروف بتواضعه."
تبسم رفعت قائلاً: "متشكر لـ إبلاغك ليا، وكمان إنك سبتني مع الدكتورة نتفاهم بهدوء، وأهو وصلنا لحل بينا."
تبسم الضابط قائلاً: "أنا في خدمة أهل البلد وكمان خدمة الدكتورة."
رغم تلك السخرية التي تشعر بها الطبيبة من قول الضابط، لكن لا يهمها ما قاله، المهم أنها حصلت على ما أرادته. تبسمت بدبلوماسية وهي ترى الضابط يصافح رفعت ثم يصافحها، ثم غادر رفعت وهي خلفه تسير ببطء مستندة على ذلك العكاز الطبي.
وقفت أمام باب القسم تنظر حولها، تنتظر أي توكتوك يعدي من أجل أن تشير له أن يقلها إلى الوحدة لمزاولة عملها، لكن كأنهم اختفوا فجأة، شعرت بالسأم والألم من وقوفها على ساقها المجبرة.
بينما رفعت سار بسيارته لبضع خطوات، لمح زينب واقفة من مرآة السيارة، عاد للخلف مرة أخرى وأنزل زجاج شباك السيارة. قبل أن يطلب من زينب الصعود للسيارة، أتت نسمة هواء ربيعية قوية أطارت أطراف حجاب زينب على وجهها. بسرعة، تركت زينب العكاز الطبي وأمسكت أطراف وشاحها تبعده عن وجهها، كاد أن يختل توازنها، لكن مسكت بالعكاز سريعاً. سريعاً أيضاً، نزل رفعت من سيارته حين رأى زينب تكاد يختل توازنها، ذهب باتجاهها قائلاً: "اتفضلي اركبي العربية أوصلك للوحدة."
ردت زينب برفض: "لأ متشكره، دلوقتي يعدي توكتوك."
رد رفعت: "بلاش عناد يا زينب، واركبي العربية، متخافيش، مش زي الحصان، ومش هعرف أتحرش بيكي."
نطق رفعت اسمها دون لقب الدكتورة الذي كان ينطق به سابقاً. رن بقلبها، ليس بأذنيها، لكن نظرت له قائله: "اسمي الدكتورة زينب يا 'سيد رفعت'." قالت هذا وأشارت لذاك التوكتوك، وذهبت إلى مكان وقوفه وغادرت، تاركة رفعت يبتسم. تلك الشرسة بدأ يستهويها، ليس فقط عقله، هناك أيضاً نغزات يشعر بها القلب.
***
بالمدرسة التي تعمل بها مروه.
بغرفة خاصة بالمدرسين.
كانت تجلس مروه وحدها، تنظر إلى شاشة هاتفها وتبتسم، شارده مع لقطات الفيديو المضحكة لها هي وأخواتها بهذا الفيديو، لكن فصلها عن مشاهدة الفيديو ذلك النقر على زجاج تلك الطاولة الكبيرة. خلعت سماعات الأذن ونظرت لمن ينقر على زجاج الطاولة.
تبسم لها قائلاً: "متأسف لو كنت قطعت عليكي متعة المشاهدة على التليفون، بس بصراحة كنت محتاج أتكلم معاكي في موضوع مهم."
أغلقت مروه الهاتف قائله: "لأ أبداً، خير، موضوع إيه ده."
تبسم وجلس قائلاً: "بصراحة كنت هطلب منك إننا نقعد مع بعض سوا على انفراد في أي مكان تطلبيه، بس خوفت ترفضي طلبي ده أو تفهميه غلط. ولما لقيت الأوضة فاضية مفيش فيها غيرك من المدرسين، قولت دي مش صدفة، دي إشارة ليا. بصراحة هدخل في الموضوع مباشرة ومش هطول عليكي. أنا اشتغلت مدرس في مدرسة حكومي، كنت بشتغل بالحصة، وبعدها تشاركت أنا وكذا مدرس خريجين تربية وفتحنا سنتر دروس خصوصية، والحمد لله بيطلع لي منه دخل كويس. ده غير إن أنا كمان اشتغلت في أكتر من مدرسة خاصة قبل ما أشتغل في المدرسة. أنا الحمد لله قربت على تلاتين سنة، كونت نفسي لحد معقول، عندي شقة في بيت أهلي وجهزتها من كافة مستلزماتها، مش ناقصة غير العروسة اللي تنورها. أنا من أول ما جيت اشتغل هنا في المدرسة دي وأنا معجب بيكي وبـ هدوئك وإنك في حالك ملكيش في جو الشلالية، وده أكتر شيء جذبني ليكي. أنا لو مكنش في شخص تاني في حياتك بعرض عليكي إن أتقدملك ونكمل بنا حياتنا سوا."
تفاجأت مروه وتعلثمت قائله: "بصراحة أنا اتفاجئت بطلبك ده، ممكن تديني وقت أفكر وبعدها هرد عليك."
تبسم قائلاً: "خدي وقتك، وأين كان ردك بالرفض أو بالقبول، وإن كنت أتمنى القبول، لكن لو حتى رفضتي هنفضل زملاء، وليكي كل احترامي."
غص قلب مروه ونظرت له. أمامها فرصة للهرب من ذلك المتربص بها "رامي"، فرصة تنهي قصة حب الجميلة والوحش.
***
مساءً بالوحدة الصحية.
جلس هاشم أمام زينب تقوم بفك تلك الغرز المقطبة بمعصم يده. الذي قال: "بصراحة زعلت جداً لما عرفت إن رجلك اتكسرت، قولت يظهر بلدنا وشها نحس عليكي، وكمان متوقعتش إنك تنزلي تشتغلي في الوحدة تاني يوم لكسر رجلك، قولت أكيد هتاخدي أجازة. كنت جاي أطمن عليكي ومتوقع إن دكتور تاني يفك لي الغرز اللي في إيدي."
رسمت زينب بسمة قائله: "لأ ده مش كسر، ده التواء أربطة، والجبس روتين مش أكتر، ومش هيمنع إني أنزل أشتغل وأخدم المحتاجين، واهو أنا قاعدة وبفك لك الغرز، يعني شيء مش مؤثر عليا، وبشكرك لاهتمامك إنك تسأل عني."
تبسم هاشم عيناه تتفحص كل إنش بوجه زينب، لا ليست تتفحص بل تنهش. لكن بعد أن انتهت زينب من فك تلك القطب من معصم يد هاشم، رغم إنها لا تعلم لما لديها شعور بالنفور والبغض من هذا الكهل، لكن أشار عقلها: "لن تخسري شيئاً."
قالت زينب: "أنا فكيت لحضرتك الغرز، وبالنسبة للجرح اللي في كف إيدك، واضح إنك التزمت الاعتناء بيه وطاب بسرعة، هو مكنش جرح كبير."
تبسم هاشم قائلاً: "فعلاً أنا كنت ملتزم العناية بيه رغم إنه خسرني في مبارزة رفعت الزهار، فجأة حسيت بوجع إيدي ومعرفتش أرد الضربة عليه، لكن مش مهم."
تبسمت زينب قائله: "مكنتش أعرف إن الشرقية عندهم رقصة التحطيب، اللي أعرفه إنها خاصة بأهل الصعيد."
رد هاشم: "كمان الشرقية بيحطبوا، متعرفيش إنهم بيقولوا على أهل الشرقية 'صعايدة بحري'."
ردت زينب: "لأ للأسف مكنتش أعرف، بس اللي أعرفه إن أهل الشرقية أهل كرم، وبصراحة ده بيخليني أتجرأ وأطلب منك طلب، أتمنى مترفضوش."
تبسم هاشم قائلاً: "طلبك أين كان مُجاب يا دكتورة."
تبسمت زينب قائله: "بصراحة محتاجة منك ميت ألف جنيه، وطبعاً قبل ما تفكر فيا السوء، الفلوس دي أنا محتاجاها عشان تجديد صيانة غرفة غسيل الكلى التابعة للوحدة هنا بالبلد."
شعر هاشم بتفاجؤ، هي تقوم بتوريطه، لو رفض ربما تأخذ عنه فكرة سيئة وهذا آخر ما يريده الآن. المبلغ بالنسبة له ضئيل، وبالنسبة للطبيبة قد يكون كبير وتمهيد لطريق معها. هي تشغل تفكيره منذ أن سمع عنها في البلدة، حتى حين رآها وجهاً لوجه شغلت عقله. لديه فضول تذوق طعم شفاها، يتمنى الاختلاء بها، أصبح كلما يراها يريد الانقضاض عليها، تذوق ليلة غرام مع تلك الشرسة التي لا تهاب من أحد. هو سمع عن ركوبها الجواد مع رفعت الزهار، رفعت فاز بقرب الدكتورة حتى لو لدقائق، انتشر في البلدة أنه الشهم الذي ساعد الطبيبة ونقلها للمشفى. لو قام الآن بالتبرع بذلك المبلغ لحساب الوحدة، سيظهر أمامها، لا بل أمام البلدة كلها بصورة جيدة، ويزعزع تلك المكانة التي بدأ رفعت يأخذها بالبلدة على أنه الفارس الشجاع، لكن هو الذئب الذي يتلاعب بضحاياه قبل إلتهامهم. حسناً، لا بأس.
تحدث هاشم مبتسماً: "أكيد طبعاً، تقدري تقولي إن المبلغ ده تحت أمرك، لكن للأسف مش معايا دفتر الشيكات، بس ممكن أبعت لك المبلغ كاش، هو معايا في البيت."
تبسمت زينب قائله: "تمام، متشكرة جداً، تقدر تبعت المبلغ عليا مباشر مع أي شخص من عندك."
هو يفهم لعبته جيداً، لو أرسل المبلغ مباشرة إلى يد الدكتورة لن تفصح عن الأمر شيئاً، لكن هناك من سيجعل من المئة ألف مئة مليون في عين أهل القرية. وقال: "أنا واثق جداً في طارق التقي، هبعتلك معاه المبلغ اللي طلبتيه، وأي شي تحتاجه الوحدة تقدري تقولي لطارق عليه وهو يبلغني بيه."
علمت زينب مقصده، فهي تعاملت مع طارق التقي حقاً مدة صغيرة، لكن لاحظت أهم صفاته: النفاق والرياء وتفخيم بعض كبار البلدة، لكن لا يهم، المهم أن تحصل منه على المال من أجل تطوير الوحدة الصحية لخدمة البسطاء.
***
ليلاً بحديقة سرايا رضوان الزهار.
جلس رفعت أسفل مظلة بالحديقة، يرفع رأسه ينظر للسماء، رغم أن الطقس ربيعياً، لكن هناك رذاذ أمطار يتساقط على سقف تلك المظلة المصنوعة من "الصاج المقوى"، والتي تضخم صوت الأمطار كأن السماء تمطر بشدة. نهض من أسفل المظلة وخرج، يقف تحت رذاذ الأمطار، تتساقط الأمطار الخفيفة على وجهه، أغمض عيناه. جاء لخياله تلك اليد التي صافحها صباحاً، ذكرته بيد أخرى، كان لديها نفس الشامة بنفس المكان بيدها، لكن كان هناك بيدها وحمة على شكل قلب، كثيراً ما كانت تخفيها، كانت تشعر أنها تشوه كف يدها. تذكر ببسمة تلك "رحمة"، أخته التي كانت الوسط بينه وبين رامي، رغم أنها كانت فتاة وسط ذكرين، إلا أنها كانت رقيقة كأسـمها، كانت زهرة رقيقة احترقت باكراً. لما للحظة حين كان يصافح يد تلك الطبيبة، شعر بأنه لم يكن يريد ترك يدها.
على ذكر الطبية، رن هاتفه، أخرجه من جيبه وقام بالرد على الآخر الذي قال له: "حضرتك جبت المعلومات اللي طلبتها عن الشخص اللي كانت مخطوبة ليه الدكتورة زينب السمراوي، هو كان اسمه (سميح متولي)، بيشتغل محاسب في الضرايب بالفيوم، وكمان يبقى ابن أخو عمة والد الدكتورة، وهي كانت مقيمة معاها الفترة دي من عمرها. والغريب إن الخطوبة دي اتفسخت يوم المفروض كان هيتكتب كتابها عالـ دكتورة، وهو اتجوز، بس من شهرين انفصل عن مراته، ومعاه منها بنت واسمها 'زينب'."
سأل رفعت: "طب ليه الخطوبة اتفسخت يوم كتب الكتاب؟"
رد الآخر: "حضرتك معرفش، حضرتك عارف الأمور الشخصية دي بتبقى سرية بين اللي يخصهم الأمر."
رد رفعت: "تمام متشكر، وعاوز عينك تفضل عالشخص اللي قولت لك عليه، ومتغفلش عنه، أخباره تكون عندي أول بأول."
رد الآخر: "اطمن، هو تحت عيون رجالي، وراه خطوة بخطوة، بيرقبوه عالـ نفس. لسه في معلومات تحب أجيبها عن الدكتورة."
رد رفعت: "لأ متشغلش بالك، بس ركز في اللي قولت لك عليه، وحولت لك حساب أتعابك عالـ بنك، سلام."
أغلق رفعت الهاتف، حائراً. الطبيبة كان بينها وبين الزواج خطوة، لما لم تخطوها؟ هل كانت تحب ذلك الشخص، أم كان سيكون زواج عائلي. تنهد رفعت، ثم دخل إلى أسفل المظلة مرة أخرى، يتسمع أصوات رذاذ المطر المتضخمة، كذالك التضخم الذي يشعر به كيف تنساق مشاعره بطريق يجهل نهايته، ولا يريد بداية له. هو يريد معرفة أكثر عن الطبيبة من أجل الفضول لا أكثر، هذه حقيقة مشاعره.
بينما هناك تلك العجوز تراقب من شرفة غرفتها جلوس رفعت وخروجه تحت المطر ثم عودته لداخل المظلة، بقلب منفطر، ليس عليه فقط، بل على أخيه الذي كان هو الآخر يجلس بالحديقة ليلة أمس. هذان الفرسان ترك الحريق على قلبيهما أثر صعب محو. هناك طريقة واحدة لمحو أثر الحريق من على قلبيهما وهو العشق، حين يعثر كل منهما على من تجازف وتدخل بقلب شجاع لحياتهم الملتهبة، ستبرد نيران قلبيهم. رامي لديه حبيبة يتمنى وصالها، لكن تلك الغبية تهوى حرق قلبه. وذالك الزائر من داخله، لابد أن تدخل فتاة قوية لحياته. هي سمعت عن إحداهن، وعن أنه حملها وذهب بها إلى الوحدة، لديها فضول لتراها، ربما تكون هي صاحبة محو أثر النيران من قلب رفعت الزهار، حفيدها الأكبر. تبسمت بمكر، هي ستستغل حالتها الصحية وستجعل الطبيبة تأتي إليها بالمزرعة بأقرب وقت.
***
بعد مرور أسبوعين.
بكلية الطب البيطري.
بمكتب وسيم، فتح الحاسوب الخاص به، تفاجأ حين رأى نشر البحث الخاص التي قامت بعمله ليلى على إحدى المجلات المتخصصة بالخيول التي يراسلها من حين لآخر. تبسم، لا يعلم لما أراد أن يخبر ليلى، لكن كيف؟ هي منذ أسبوعين لم تأتي للجامعة، أو ربما تأتي ولا تحضر المحاضرات الخاصة به فقط. عليه التأكد من ذلك، ربما تتجنب اللقاء عنوة منها.
نهض واقفاً وحسم أمره، ذهب إلى المدرج الخاص بالمحاضرة، وفتح باب القاعة دون استئذان منه، وافتعل أنه تفاجئ بوجود دكتور آخر بقاعة المحاضرات، وقال معتذراً: "متأسف يا دكتور، واضح إني لخبطت بين مدرجات المحاضرات."
تبسم له الآخر وأماء رأسه بتفهم، لكن لم ينتبه وسيم لذلك، عيناه جابت قاعة المحاضرة بالكامل، ليلى ليست موجودة. خرج من القاعة وسار عائداً إلى مكتبه، يشعر بالفضول، يفكر بطريقة يعلم لما ليلى لا تأتي طوال الأسبوعين الماضيين للجامعة، لكن سريعاً نهر نفسه قائلاً: "مالك يا وسيم، كل ده عشان توصل وتعرف من ليلى تفاصيل عن أختها؟ فوق، قدامك الطريق المختصر مش بعيد."
***
مساءً، بمنزل صفوان المنسى.
بغرفة الضيوف.
جلس كل من فادية وصفوان، يستقبلان ذالك الضيف ووالديه. كان صفوان من حين لآخر ينظر لساعة يده كأنه ينتظر مجيء أحد، بينما فادية كانت ترحب بذلك الضيف ووالده ووالدته الذين رافقوا ولدهم من أجل طلب يد مروه للزواج. تبسمت والدة ذالك المدرس قائله: "إحنا ده أول تعارف بينا، وبصراحة ترحيبكم بينا يشجعني إني أطلب أيد الآنسة مروه لابني."
لكن قبل أن يرد أحد والدي مروه، كان هناك رد حازم حاسم بصوت يجعل الحائط ترتعش: "طلبكم مرفوض، الآنسة مروه مخطوبة، وكتب الكتاب والفرح بعد عشر أيام بالضبط."
تعجب العريس قائلاً: "إيه التخاريف اللي بتقولها دي؟ أنا واخد معاد من الآنسة مروه، وهي سبق وأبدت موافقتها على طلبي لها بالجواز."
رد والد مروه: "فعلاً، رامي بيه هو خطيب مروه، وفعلاً حددنا ميعاد كتب الكتاب والزفاف بعد عشر أيام."
بينما حاول رامي تمالك أعصابه كي لا يقتل ذالك المدرس أمام والديه، ونظر باتجاه مروه التي دخلت للتو تحمل بعض أكواب القهوة، وقال وهو يسلط عيناه التي تحول لونها إلى أسود غطيس، ينظر لمروه بنظرة تحذيريه إياها أن تتفوه بشيء عكس ما سيقوله: "أظن القهوة وقتها مش مناسب، الباب لسه مفتوح يا مستر، مش خلاف بيني وبين خطيبتي هيخليها تضيع حب نشأ من سنين. مروه حبت تختبر حبي ليها، بس فكرت ودخالتك بينا غلط عشان تكون كبش فدا عشان أرجع لها من تاني."
وقفا والدا العريس بغضب قائلين: "مكنش لازم تلعب اللعبة القذرة دي على ابننا طالما كانت عاوزة خطيبها السابق. ليه وافقت إنها تخلينا نيجي لهنا عشان نتهزأ وهي ترجع لخطيبها من تاني؟ قوم، هي مش آخر البنات، كان اختيارك غلط من البداية."
نهض العريس وخرج هو ووالديه من منزل صفوان. تبسم رامي بانتصار، بينما اقتربت مروه من مكان وقوف رامي قائله: "حتى لو البشرية خلصت ومبقاش في راجل غيرك، أنا مش هتجوز مشوه أو مسخ يا رامي يا زهار."
أخرج رامي صوت ضحكة سخرية وتهكم، محمولة بغصات ألم قائلاً: "إنتي نصيبي يا مروه، حطي دي في دماغك، وزي ما قولت من شوية، كتب كتابنا وفرحنا بعد عشر أيام، مفيش قدامك غير طريق بيودي للمشوه المسخ."
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل السابع 7 - بقلم سعاد محمد سلامة
في شقة والد زينب بالقاهرة، بغرفة المعيشة، كانت تجلس هالة ومعها صفوت ومجد.
تحدث مجد بمزح قائلاً:
"مالك يا ماما قاعدة قلقانة كده ليه؟ أوعى تقوليلي قلقانة على البت زينب دي، ما يتخافش عليها، دي البشرية كلها يتخاف عليها من نوعية البت دي. يارب ارزقني بعروسة حلوة وطيبة زيك كده يا ماما، ويبعد عني شر نوعية البت زوزي دي، آذية للبشرية، خلفتيها إزاي دي."
قبل أن ترد هالة، ردت من دخلت تتسحب قائلة:
"خلفتني زي ما خلفت حيوان زيك، إيه الفرق بينا؟"
انخض مجد قائلاً:
"استغفر الله، انصرفي. جيتي إمتى ودخلتي إزاي للشقة من غير ما نسمع صوت فتح الباب؟"
بينما هالة وصفوت نهضا مخضوضين حين سارت أمامهما زينب ترتكز على عكاز طبي، ونظروا لساقها المجبرة.
نهضت هالة بلهفة قائلة:
"زينب! إيه اللي جرالك؟ كان قلبي حاسس علشان كده اتأخرتي في الوصول للقاهرة."
تبسمت زينب قائلة:
"اعتبري ده نفاق بقى؟ قلبك حاسس بإيه؟ أنا خلاص قربت أفك الجبس."
تبسم مجد قائلاً:
"جبت قلم أهو علشان أكتبلك إهداء على الجبس."
نظر له صفوت قائلاً:
"يعني إنت كنت عارف إن زينب رجلها متجبسة وقاعد كده هادي؟ يا جبروتك."
تبسم مجد قائلاً:
"رجل إيه يا بابا اللي مكسورة، ده التواء بس. هي حبت تزود شوية من بهارات من عندها علشان تحلل الربع مليون جنيه اللي أخدتهم تعويض من اللي كان السبب في التواء رجلها. والله أنا لو مكانه ما كنت دفعت ربع جنيه حتى، بس يظهر إنه أهبل."
تعجبت هالة قائلة:
"ربع مليون إيه ومين اللي أهبل اللي دفعه؟ إيه القصة بالظبط؟ عملتي إيه في الشرقية؟"
تبسم مجد قائلاً:
"هتكون عملت إيه في الشرقية؟ رايحة تقلب الناس هناك؟ كويس ربنا يبعدها عني."
تبسم صفوت قائلاً:
"لأ، شكل في موضوع كبير. تعالى اقعدي ارتاحي واحكي لينا إيه حكاية الناس اللي قلبتيهم في الشرقية دول."
جلست زينب قائلة:
"ها، أقعد أحكي كده وأنا جعانة؟ أوعوا تكونوا اتعشيتوا من غيري، والواد ده لهف منابي في الأكل."
تبسمت هالة:
"لأ، لسه متعشيناش، كنا مستنينك. أنا ما بصدق نتلم كلنا على أكلة. أنا هروح أنا ومجد نحضر السفرة، وخليكي مرتاحة جنب باباكي. هو اللي هيغسل المواعين بعد العشا."
نظرت زينب لوالدها وقالت بمزح:
"هي لسه بتخليك تغسل المواعين يا بابا؟ لأ، خلاص بقيت موجه عام، لازم تترقى بقى. مش قولتلك هات غسالة أطباق أو اتجوز على ماما أحسن."
تبسم صفوت، ضم زينب قائلاً:
"هجيب غسالة أطباق ليه؟ طول الوقت هما طبقين اللي بناكل فيهم أنا وهالة، وأنتي وأخوكي كل واحد فيكم في مكان بعيد عنا. ما بنصدق تجوا يومين إجازة ونتجمع فيهم."
تبسمت زينب قائلة:
"زمانك بتقول إمتى اليومين دول يخلصوا علشان استأثر بالموزة في جو هادي بعيد عن دوشة الاتنين الأشرار دول."
تبسم صفوت قائلاً:
"والله الاتنين الأشرار دول هما اللي محليين حياتنا. بكرة تتجوزي وتخلفي وتعرفي قيمة الولاد."
شعرت زينب بغصة بقلبها، لكن رسمت بسمة قائلة بمزح:
"لو عندك عريس متعاون زيك كده يا بابا، يلا أنا موافقة."
تبسم مجد الذي دخل قائلاً:
"عريس إيه؟ إنتي هتعنسي، ده إحساسي. يا عانس آل السمراوي! يلا يا بابا، العشا جهز على السفرة."
تبسم صفوت قائلاً:
"مين اللي هتعنس دي؟ زينب ألف مين يتمناها."
تبسم مجد قائلاً:
"طب يجي واحد من الألف دول، واحنا هنقوله ربنا يصبرك على ما بلاك. راجل مين يا بابا مستغني عن عمره يتجوز واحدة معاها الحزام الأسود في الكاراتيه، ده غير إنها دكتورة، يعني الغلطة معاها، يا بحش وسطه أو بضياع عمره."
تبسمت هالة قائلة:
"صدقت فيما قلت يا مجد. يلا خلونا نتعشى وبعدها ابقوا ناقروا في بعض."
تبسمت زينب ليد صفوت الممدودة لها، ووضعت يديها بيده قائلة:
"أنا بحبك قوي يا بابا."
تبسم صفوت قائلاً:
"أنا بحبك أكتر. واللي مصبرني بعدك عني أنا وماما هو إننا نسمع إنك بصحة كويسة، بعيد عن التواء رجلك ده اللي ما كناش نعرفه. بس واضح كده الشرقية جاية على هواكي."
تبسمت زينب وهي تجلس على مقعدها أمام السفرة قائلة:
"جايه على هوايا جداً. كفاية بلاقي ناس أقلبهم في فلوس هوايتي الأولى من وأنا صغيرة. فاكر يا بابا لما كنت باخد مصروف من ماما وأجيلك تديني مصروف تاني؟ حتى لما روحت الفيوم وعشت مع عمتو كوثر الله يرحمها كنت بقلبها في فلوس. رغم الفلوس اللي كنت بتحوليها لي كل شهر بتكفيني وزيادة، بس هواية بقى عندي."
تبسمت هالة قائلة:
"وإيه حكاية الناس اللي قلبتيهم في الشرقية دول بقى؟ وبيدوكي فلوس ببساطة كده."
تبسمت زينب:
"هقولك يا ماما علشان عارفة إنك فضولية. بصي يا ستي، أنا اللي اتسببت في التواء كاحل رجلي ده تاجر خيول وغني. خدت منه ربع مليون جنيه. في الأول كان معترض، بس لما قولت له سبب إني عاوزة التعويض ده، بصراحة متأخرش. حتى إنه شخص غريب، تصوري؟ محدش يعرف بأنه اتبرع بالمبلغ ده غيري أنا والحيوان مجد، ودلوقتي إنتي وبابا. واحد غيره كان اتباهى قدام أهل بلده زي ما عمل الراجل التاني ده. بعت الفلوس مع موظف بالوحدة. الموظف ده ما سابش كلب ماشي في البلد إلا وقاله عن رجل البر والتقوى. بس ما يهمنيش. اللي يهمني إنه بعت المبلغ وتستفاد الناس الغلابة بدل استغلال الدكاترة والمستشفيات الخاصة. وكمان بالربع مليون النهاردة قبل ما أجي للقاهرة مضيت على استلام عربية إسعاف مجهزة خاصة بالوحدة، تنقل المرضى اللي حالتهم صعبة. وده سبب تأخيري في الوصول. بس تعرفوا كمان عيني على واحد ناوي أما أرجع البلد أقلبه في مبلغ."
تبسم مجد قائلاً:
"ومين ده اللي عليه الدور بقى؟"
ردت زينب ببسمة:
"عضو مجلس الشعب. ده سمعت إنه راجل بخيل، بس طبعاً مش معايا، وكمان إحنا داخلين على انتخابات برلمانية."
تبسمت هالة:
"طب بتقول بخيل، هيعطيكي إزاي؟"
ردت زينب:
"ما هو محتاج يعمل بروباجندا عن نفسه هو كمان، وطبعاً هيتباهى إنه دفع لي المبلغ اللي هطلبه منه. كمان مش أي حد بيطلب منه هيعطيه. ناسيه إني مديرة الوحدة الصحية اللي مش بس بتخدم أهل الزهار، لأ كمان قُرى تانية جنبها. يا ماما النوعية دي من البشر مش بتتتبرع بفلوسها لله والوطن، دي رياء علشان يوصلوا لمناصب عالية. ما فيش غير رفعت الزهار ده اللي استثناء، معرفش ليه عطاني الفلوس بدون شهرة أو فشخرة كدابة."
رن اسم رفعت الزهار بأذني كل من صفوت وهالة. التي قالت:
"يمكن له هدف تاني هيظهر بعدين. ما تأمنيش لحد."
تبسم صفوت قائلاً:
"هيكون له هدف تاني إيه؟ ممكن هو مش من النوعية اللي غاوية تتفشخر وتمن على الناس زي ما في نوعية الراجل التاني وعضو مجلس الشعب اللي بيعملوا الخير رياء أو شهرة أو لهدف في دماغهم. في نوعية بتعمل خير ومش مستنية شهرة."
ردت هالة:
"ممكن، الله أعلم بنوايا وخفايا القلوب. بس برضوا الحذر واجب مع الناس دي."
***
بمنزل صفوان.
تحدث رامى قائلاً بحسم:
"بعد كده ممنوع تروحي للمدرسة دي تاني. وعلى العموم المدة قصيرة عشر أيام مش كتير. يا دوب تجهزي نفسك وتشوفي البنات بيعملوا إيه لعرسانهم وتعمليه. على أساسي. وما تقلقيش مش محتاجة لجهاز عروسة، حتى شنطة هدومها هبعتلك كتالوجات تختاري منها اللي يعجبك، ومالكيش دعوة بالباقي."
لم ينتظر رامى ردها وخرج من المنزل صافعاً خلفه الباب بقوة تكاد تخلعه من مكانه.
بينما نظرت مروة لوالدها قائلة بغضب ساحق:
"إنت اللي قلت لرامي عن معاد العريس وخلّيته يجي لهنا علشان يطفشه؟"
صمت صفوان كان الجواب.
تنرفزت مروة قائلة:
"قولي يا بابا. إمتى هتعرف إننا بناتك ومسؤولين منك؟ عارف إن سبب رئيسي من رفضي لرامي الزهار هو إنت. عمرك ما حسستنا إنك أب لينا، مش علشان زي ما بتقول كان نفسك في ولد يشيل اسمك ويتحمل مسؤوليتك أما تكبر، لأ، إنت كان نفسك في ولد علشان تتواكل عليه زي طول عمرك ما كنت متواكل على ماما في تربيتها لينا من غير ما تطلب منك أي شيء هي أو إحنا محتاجينه، حتى احتياجاتك كمان ماما أوقات كتير بتلبيها لك علشان بس ما تتعصبش عليها ولا علينا. يا خسارة يا بابا! بس بوعدك الجوازة دي مش هتم ولو على موتي."
قالت مروة هذا وغادرت وتركت صفوان ومعه فادية التي تبكي عيناها بقهر. نظر لها صفوان قائلاً بحجود:
"عقلي بنتك يا فادية. هتلاقي جوازة زي دي فين؟ رامي الزهار من أسياد البلد وكمان مش هيحملنا أي مصاريف جهاز. وأهو إنتي سمعتيه بيقول حتى شنطة هدومها هيجيبهالها. عقبال الاتنين التانيين، نلاقي اللي يشيلهم عننا بنفس الطريقة. أنا خارج."
خرج ذلك الجاحد وترك فادية التي جلست تبكي بقهر سنوات تحملتها من البداية بسبب مروة، ثم من أجل أختيها. أرادت لهم حياة كريمة أمام الناس، لكن ذلك الجاحد كان أبعد عن الكرم بالنسبة لهن، لكن الآن ما باليد حيلة.
***
بعد يومين صباحاً بقرية الزهار على ضفتي ذلك المجرى المائي بالقرية، كلاهما بناحية.
كان يتسابق كل من رامي ووسيم كعادتهم السابقة. من حين لآخر يتقابلا وهما يتريضان بخيولهما، يتحدثان بصوت عالٍ.
تبسم وسيم قائلاً:
"سلامات يا ابن الزهار. بقالي كذا يوم مشوفتكش. قولت لتكون سبت البلد من تاني."
تبسم رامي قائلاً:
"لأ، البلد دي بلدي وبلد أجدادي. بس كنت مشغول، وكمان لك عندي خبر."
تبسم وسيم قائلاً:
"خبر إيه؟ أتمنى يكون سعيد."
تبسم رامي قائلاً:
"معرفش بالنسبة لك سعيد ولا لأ، بس هقولك. أنا خلاص كتب كتابي وفرحي الأسبوع الجاي، وإنت والمهره مدعوين للحضور طبعاً. بس بلاش حضور هاشم الزهار، عاوز الفرح يعدي بسلام، مش بتفائل بوشه."
تبسم وسيم قائلاً:
"ومين سمعك؟ وخالي هاشم زي غراب البين. بس مقلتليش من الفدائية اللي هتتجوز الوحش؟ من هنا من البلد ولا إسكندرانية."
تبسم رامي قائلاً:
"لأ، من هنا من البلد. اسمها مروة، بنت صفوان المنسي."
لم يسمع وسيم اسم مروة ولا اسم والدها بسبب صهيل جواده العالي في تلك اللحظة. كل ما سمعه أنها من البلد.
تبسم وسيم قائلاً:
"مبروك. واعمل حسابك إني شاهد على عقد الجواز. مش الإخوة أعداء، وما فيش عداوة أكتر من إني أشهد على تدبيسك."
تبسم رامي قائلاً:
"لأ، اطمن. إنت الشاهد التاني بعد رفعت، اللي أقنعته بصعوبة. بيقول لي المثل بيقول: 'امشي في جنازة ولا تمشي في جوازه'."
تبسم وسيم قائلاً:
"وهو رفعت ده هيفضل عازب لحد إمتى؟ ده خلاص قرب على ستة وتلاتين سنة. وكمان أنا عندي ليكي مفاجأة، بفكر أنا كمان أدخل القفص قريب."
تبسم رامي قائلاً:
"بجد مبروك. ها، مين تعيسة الحظ؟"
تبسم وسيم:
"هتعرفي في وقتها، خليها مفاجأة. يلا، أنا بقى هتصل عليك بعدين نحدد وقت نتقابل ونقعد مع بعض قبل ما تتجوز وتنشغل مع العروسة ونتكلم فيه براحتنا. دلوقتي لازم أرجع للبيت آخد شاور علشان عندي محاضرة في الجامعة."
رد رامي:
"تمام، هستنى اتصالك."
غادر الاثنان المكان، كل منهم يسير نحو طريق عكس الآخر.
***
بينما بمنزل صفوان، ارتدت مروة ملابسها وخرجت من الغرفة، لكن تصادمت مع والدها الذي نظر لها بتقييم قائلاً:
"على فين دلوقتي؟"
ردت مروة:
"رايحة المدرسة، عندي حصص ولازم ألحق باص المدرسة قبل ما يمشي."
رد صفوان بسخرية:
"مدرسة إيه وحصص إيه؟ مش سمعتي كلام رامي بيه لما قالك ممنوع تروحي للمدرسة دي من تاني؟ خلاص فرحك فاضل عليه أيام."
ردت مروة:
"قولتلك قبل كده، الجوازة دي مش هتم."
سخر صفوان قائلاً:
"الجوازة دي هتم ورجلك فوق رقبتك، وزي ما قال رامي ممنوع تروحي للمدرسة دي تاني."
قال صفوان هذا ونادى على فادية بتعسف.
آتت فادية ووقفت تقول:
"إيه؟ بتنادي لي كده ليه؟"
نظر صفوان لمروة قائلاً:
"عقلي بنتك يا فادية. جاي لها نعمة وبترفصها برجليها."
ردت مروة بتهكم:
"جوازي من رامي الزهار نعمة في إيه؟"
رد صفوان:
"مش عارفة جوازك من رامي الزهار نعمة في إيه. أقل ما فيها هبقى نسيبه مش سايس عنده."
نظرت له مروة بتهكم قائلة:
"نسيبه مش سايس؟ ما فيش فرق بين الاثنين. الاثنين في الآخر بتاخد عليهم نفس الأجر."
رد صفوان:
"لأ، في فرق كبير ليا بين العمال. أكيد هبقى رئيسهم مش سايس زيهم."
ردت مروة:
"حتى لو بقيت رئيسهم، هتفضل سايس برضوا. بابا، بلاش تبيعيني لابن الزهار بالرخيص."
نظر لها صفوان بذهول قائلاً:
"أبيعك بالرخيص؟ على العموم أنا قولت آخر ما عندي. ممنوع تروحي للمدرسة دي تاني، وإلا وقتها أمك تبقى طالق، وده مش أول طلاق بينا."
كلمة "طالق" أصمت ليست آذان مروة وفادية وحدهن، بل أيضاً آذان كل من هبة وليلى اللتان خرجن من الغرفة على صوت والدهن العالي دون شعور منهن. شقت عيونهن دمعة حسرة، فها هو من يفترض أن يكون سند لهن، يساومهن بخبث.
نظرت فادية لهن بحسرة، ليتها ما عادت لذلك الوغد سابقاً واكتفت بمروة فقط التي لم تكن أنجبت غيرها بذلك الوقت. لكن هي عادت لذلك الوغد سابقاً فقط من أجلها، حتى تتربى مروة بمنزل والداها أفضل أن تتركها وتتزوج برجل آخر كان من الممكن أن يعوضها عن ذلك الوغد. فضلت ذلك الوغد وعادت له وتحملت حياة البؤس معه فقط، لكن كانت سعيدة ببناتها وهن يكبرن أمامها يحققن جزء من أمانيهن، لكن ها هو الوغد يهدد إحداهن ويساوم عليها.
نظرن هبة وليلى لمروة، التي قالت بأسف:
"للأسف إنت السبب إني برفض رامي، لأني عارفة إنك عمرك ما هتكون سند ليا قدامه لما يزهق مني."
اقتربت منها ليلى قائلة:
"إحنا سندك يا مروة، أنا وماما وهبة، سند بعضنا. بلاش توافقي على حاجة غصب عنك، دافعي عن قرارك، مش هنخسر حاجة. بابا طول عمره بعيد عن مسؤوليتنا."
كذلك اقتربت هبة من مروة، توافق ليلى الرأي.
لكن نظرت مروة لوالدتها التي تبكي بقهر وقالت:
"عمري ما هسيب لبابا فرصة إنه يطلق ماما تاني. بس كمان مش هتجوز من رامي الزهار لو فيها موتي. موتي أهون عليا."
***
مساءً بشقة والد زينب بالقاهرة.
كانت زينب ومجد جالسين بغرفة المعيشة. كان رامي مشغولاً بهاتفه يتصفح بعض الأخبار عليه، حين قالت زينب:
"واد يا مجد، إيه رأيك تديني ألف جنيه سلف، وأديك أنا حتة بسبوسة من اللي معايا دي."
رد مجد بسخط:
"ليه؟ كانت بسبوسة بمية المحيا ولا بالبترول؟ وبعدين قاعدة على الكنبة كده ومددة رجلك ومبروك بضهرك واخده راحتك، مش حاسة إنك حاطة رجلك على ركبي ورجلك بالجبس تقيلة؟ حوشي رجلك من على ركبي وانسى. مش معايا فلوس. روحي خدي من الربع مليون اللي أخدتيهم تعويض عن كسر رجلك. إنتي اللي بتاخديه مني بيطير مش بيرجع تاني."
ردت زينب بدلال:
"لأ، دي بسبوسة بالقشطة وعسل النحل البيور. وبعدين عيب عليك يا ميجو، مش أخويا اللي بيقبض بالدولار؟ هتجيب الألف جنيه ولا أنشر الفيديو بتاعك وعليه شوية تحابيش من عندي."
أغلق مجد هاتفه ووضعه على منضدة أمامه وأزاح قدميها من على ركبتيه ونهض قائلاً:
"هو أنا مقولتلكيش؟ مش هناك في جبل عتاقة قطعوا كل وصلات النت، حتى شبكة المحمول مش بتلقط. غير كمان رئيسي المباشر اترقى وسافر للفرع الرئيسي للشركة في الخليج، واللي جاي مكانه لسه مستلمش مهامه، عقبالي كده يارب ما أترقى وأهج من وشك. شوفي غيري بقى. ألقبيه في الألف جنيه."
قال مجد هذا وشاور لها بيده وهو يخرج من الغرفة بأصابعه قائلاً:
"تصبح على خير يا مفلسة دائماً. شوفي غيري قلبيه. في دكتورة زيك كده عايشة على تقليب أخوها الغلبان؟ يا بنتي، شوفي الدكاترة التانيين واعملي زيهم وبلاش تفضلي طول عمرك فقيرة."
نظرت زينب له بغيظ، لكن سرعان ما تبسمت بعد أن وجدت ضالتها. سريعاً، أخذت ذلك الهاتف الذي نسيه مجد على الطاولة وقالت له:
"وإنت من أهله يا ميجو. حلو الفون أبو أربع كاميرات ده. أبيعه بالألف جنيه وبارك الله فيما رزق. ربنا كريم، يقطع من هنا ويوصل من هنا."
عاد مجد سريعاً يقول:
"هاتي الموبايل بتاعي يا زينب! فون إيه اللي بأكتر من اتناشر ألف جنيه وهتبيعه بألف جنيه علشان سرقاه؟"
تبسمت زينب قائلة بخضة:
"بتقول الفون بكم؟ ليه؟ عالعموم مش مهم. أبيع فوني القديم وأشتغل بده وأتمنظر عال مقاطيع اللي شغالين معايا في الوحدة. وأهو أبقى حللت السرقة."
اقترب مجد منها وقال:
"تحللي إيه؟ هاتى الفون وبطلي هزار، ومعيش ألف جنيه."
تمسكت زينب بالهاتف قائلة:
"خلاص مش عاوزة منك وشك حاجة. حلو الفون ده."
حاول مجد خطف الهاتف من زينب، لكن تمسكت به بقوة مما جعله يحاول أخذه منها بالقوة قائلاً:
"هاتي الفون لا يتكسر في إيدينا."
ردت زينب:
"وماله؟ هو لسه في فترة الضمان؟ هو مدة ضمانه قد إيه؟"
لكن قبل أن يرد مجد على زينب، رن الهاتف في يد زينب. نظرت للشاشة، ثم نظرت لمجد الذي رأى من يتصل عليه وسئم وجهه مثلما سئم وجه زينب قائلة:
"سميح بيتصل عليك ليه؟"
تعثلم مجد قائلاً:
"معرفش والله. بقاله حوالي أسبوعين كده كل يوم والتاني يتصل عليا ويلف ويدور، وفي الآخر ينهي المكالمة. بس اللي عرفته إنه طلق مراته من شهرين كده."
تعجبت زينب قائلة:
"طلقها ليه؟ مش معاه منها بنت وبينهم عشرة؟ عالعموم، خد فونك. أهو تصبح على خير."
أعطت زينب الهاتف لمجد ونهضت وتركته، يشعر أنها مازالت تشعر بذلك الجرح القديم. حزن بشدة، ليته لم يرد على ذلك التافه سابقاً، ربما ما كان عاود الاتصال عليه مرة أخرى.
بينما دخلت زينب لغرفتها وأغلقت الباب خلفها. توجهت تجلس على مقدمة فراشها. فجأة شعرت بدوخة بسيطة. أغمضت عيناها ونهضت وتوجهت إلى تلك التسريحة بغرفتها. فتحت إحدى الأدراج وأخذت منها شريط دواء، تناولت منه حبة وارتشفت بعدها بعض قطرات المياه تبتلعها بها. لم تتحمل الوقوف على ساقيها، جلست على مقعد التسريحة ونظرت إلى انعكاسها بالمرآة. رأت نفسها فتاة قبل سبع سنوات.
***
فلاشـــــــــــــــــــباك.
الفيوم.
للتو فرحة كبيرة، فأخيراً بعد سبع سنوات قضيتها بدراسة الطب تخرجت، لكن كان هناك عقبة أمامها وهو جواب التكليف الخاص بها. ربما يأتي بمكان بعيد عن الفيوم التي تقطن بها بمنزل (كوثر) عمة والدها، التي لم تُنجب وأخذت زينب من والديها وهي بحوالي الثالثة عشر من عمرها لتعيش معها بذلك المنزل الكبير الذي تركه لها زوجها وتعيش من معاش زوجها الكبير. بعد وفاة زوجها، فهو كان يعمل بمصلحة الضرائب كما أنه كان ميسور الحال وترك لها أيضاً عمارة صغيرة تأتي لها بريع جيد مقابل تأجير بعض الشقق. لكن لم يرد الله لهم الذرية. عوضت أمومتها حين أخذت زينب من والديها لتعيش معها. كانت هي كل حياتها، وهبتها حبها ودعمها. حتى هي من أدخلتها إلى أحد نوادي الفيوم الكبيرة تتعلم فيها رياضة الكاراتيه لسببين: الأول تقوية جسدها الذي كان ضعيفاً في ذلك الوقت، وأيضاً الشجاعة والعنفوان وقوة الشخصية. وبالفعل اكتسبت زينب كل تلك الصفات وكبرت على أنها صاحبة قرار قوية لا تهاب من شيء. لكن شعرت كوثر أن لو ابتعدت زينب عنها ستشعر بفراغ كبير بحياتها. كان هناك حل واحد هو زواج زينب أو عقد قرانها من أحد يجعلها تبقى بالفيوم ويأتي لها خطاب التكليف هنا بأحد الأماكن بالفيوم. كان هناك قصة حب في مهدها أو بالأصح إعجاب من زينب بذلك الفتى (سميح) ابن أخ زوج عمتها الراحل والذي يعمل بمصلحة الضرائب وميسور لحد ما. فزوج كوثر وزع ممتلكاته قبل أن يتوفى وأعطى لكل مستحق منهم حقه بالشرع وفصل المنزل من حق زوجته. كانت تسير العلاقة بين زينب وسميح ببطء شديد، ربما كان هذا من صالح زينب. طلبت كوثر من سميح الذي كثيراً ما يودها أن يعقد قرانه على زينب قبل أن يتم توزيع التكليف فتضمن بقاء زينب معها بالفيوم. وبالفعل امتثل سميح وزينب لهذا الأمر بترحيب من زينب، لكن لم تكن تعلم خفايا القلوب الطامعة، لكن ربما من رضا ربنا عليها أظهر لها حقيقة مشاعر سميح اتجاهها قبل ليلة عقد القران.
مساءً، أتى من القاهرة والد ووالدة زينب، وكذلك أخوها مجد، من أجل عقد القران. كانت زينب تشعر بسعادة لا تنكرها. حين دخلت عليها هالة قائلة:
"كان نفسي تتجوزي جنبي في القاهرة وترجعي تعيشي قريبة مني."
تبسمت زينب قائلة:
"وهي الفيوم بعيدة يا ماما؟ دي ساعة ونص بينها وبين القاهرة. وكمان الجو هنا في الفيوم صحيح حر عن القاهرة، بس خلاص اتعودت عليه وصحتي شكلها جت على الجو هنا."
تبسمت هالة:
"ربنا يديكِ الصحة يارب وتفرحي كمان وكمان. بس مقولتليش قبل كده إن في عواطف بينك وبين سميح؟ بصراحة أنا مش بستريح لمامته ولا هو كمان، بس واضح إنه شاريكي وطلب كتب الكتاب قبل توزيع التكليف الخاص عشان ما تروحيش بعيد عن الفيوم."
تبسمت زينب قائلة:
"بصراحة مش عارفة إن كانت مشاعري ناحيته حب أو إعجاب، بس مع الوقت حتى لو إعجاب، العشرة ممكن تحول الإعجاب ده لحب."
تبسمت هالة وقالت:
"أكيد أهم من الحب التفاهم بينكم. ربنا يسعدك."
تبسمت زينب لها، ولكن في ذلك التوقيت رن هاتف زينب. تبسمت وهي تنظر للشاشة ثم لوالدتها. فهمت هالة أن زينب تريد الاختلاء والتحدث مع سميح وحدهما، فقالت:
"هنزل أشوف باباكِ ومجد فين، وكمان أقعد شوية مع عمتي كوثر."
تبسمت زينب.
بعد أن غادرت هالة الغرفة، ردت زينب على الهاتف.
تحدث سميح:
"إيه يا زينب؟ كل ده على ما تردي؟ أنا قولت لتكوني نمتي."
ردت زينب:
"لأ، ما كنتش نايمة، بس ماما كانت معايا في الأوضة وخرجت."
تبسم سميح قائلاً:
"بكرة هتبقي حرم سميح متولي."
ردت زينب قائلة:
"ده مجرد كتب كتاب، لكن لسه وقت على ما يتم الجواز رسمي. وقتها أبقى حرم سميح متولي."
تبسم سميح قائلاً:
"مش وقت ولا حاجة. قبل شهور هنكمل بقية جوازنا."
تبسمت زينب:
"اللي في أمر ربنا هو اللي هيكون."
في ذلك الأثناء، فتح مجد غرفة زينب قائلاً:
"بلاش رومانسيات عالصبح. العشا جاهز وعمتو كوثر بتقول مش هناكل قبل ما زوزي تنزل تتعشى معانا. إحنا متعودين على كده كل يوم."
تبسمت زينب قائلة:
"تمام، غور إنت وأنا دقيقتين وهحصلك عالسفرة."
تبسم مجد قائلاً:
"غور إنت؟ طب بلاش اللفظ ده. زمان سميح سمعه يقول: 'اتورطت في بومة'."
اعتاظت منه زينب وقامت بحذفه بإحدى الوسادات قائلة:
"بومة يقلع عينك. غور من وشي، هحصلك على طول."
تبسم مجد وغادر.
بينما سمعت زينب صوت ضحكات سميح الذي قال:
"مجد عنده حق. في دكتورة رقيقة وتقول: غور."
سخطت زينب منه قائلة:
"هو اللي واد سمج. عالعموم، كفاية كلام بقى. هنزل أتعشى علشان أنام بدري. اليوم بكرة طويل. لسه هنزل أنا وماما وعمتو كوثر نشتري فستان للخطوبة وكمان بقية التجهيزات التانية."
تبسم سميح قائلاً:
"تمام، إلى اللقاء في الغد يا حرم سميح متولي."
تبسمت زينب وظنت أن سميح أغلق الهاتف وذهبت لتضعه على الشاحن، لكن سمعت صوتاً مازال يأتي من الهاتف. وضعت الهاتف على أذنها، وكانت ستتحدث، لكن سمعت ما جعلها تصمت وتتسمع.
حين سمعت صوت والدة سميح تتحدث معه باستنهاج قائلة:
"كنت بتكلم مين؟ أكيد الدكتورة اللي كوثر خايفة تبعد عن حضنها وأمرتك تتجوزها."
رد سميح:
"أنا محدش يقدر يأمرني أعمل حاجة مش عاوزها. ومرات عمي فعلاً طلبت مني أكتب كتابي على زينب عشان مكان التكليف بتاعها يجي هنا في الفيوم قريب منها. وأنا لو مكنتش مقتنع مكنتش وافقت."
ردت والدة سميح بتهكم:
"مقتنع بإيه بقى؟ عاوز تورط نفسك مع زينب وتتجوزها وهي ورثت مرض عمة باباها ومش بعيد كمان تبقى زيها عاقر ومتخلفش. وقتها هتضيع شبابك زي عمك ما عمل مع كوثر واستحمل قلة خلفها عشان بيحبها."
رد سميح:
"زينب صحيح ورثت مرض كوثر مرات عمي، بس الله أعلم موضوع الخلفه ده بأيد ربنا. وكمان متنسيش إن مرات عمي كتبت كل أملاكها باسم زينب، البيت وكمان العمارة اللي مأجرة شققها اللي ورثتهم من المرحوم عمي. يعني ده يشفع مرض زينب. وبالنسبة لحكاية إن زينب ممكن تطلع عاقر زي عمة باباها دي مش مؤكدة، وحتى لو اتأكدت، ليها حل وقتها ممكن أتزوج واحدة تانية، وأكيد وقتها زينب مش هتمانع لو كان فعلاً منها عيب في الخلفه."
تبسمت والدة سميح له بظفر، غير منتبهين أن سميح لم يغلق الهاتف، وسمعت زينب حديثهم اللئيم.
رمت زينب الهاتف على الفراش. بداخلها تشعر بحرب ضارية تفور بعقلها. ذالك سميح ما هو إلا طامع بما سترثه من عمتها. ماذا لو تحقق قول والدته؟ كانت عاقر مثل عمة والدها. هو ليس كزوج عمها الذي تقبل قدره وتعايش معه بتصالح وطيب خاطر مع من عشقها قلبه. لكن هذا الطامع قالها صراحة، سيتزوج بأخرى وقتها. هنا شعرت زينب بقدر من المهانه لها. هي ليست من وضعت ذلك المرض بجسدها التي تعايشت معه منذ أن كانت بالثانية عشر. كان قدرها وتقبلته وتغلبت عليه بقوة وصلابة. والآن لا، لن تكون فريسة لذلك الطامع. لكن لا مانع من تلقينه درس قبل أن تنهي ذلك الزواج الذي من رحمة ربنا عليها أن أنار لها الطريق قبل أن تسير بطريق معتم مع ذلك الطامع.
تحملت زينب حزنها بقلبها ورسمت بسمة أمام الجميع. إلى أن دخل المأذون إلى أحد غرف المنزل واستقبله سميح ومعه والدها، وكذلك والد سميح وأخيه، وكان معهم مجد بعض الأقارب أيضاً. جلس المأذون مبتسماً يدعو بالزواج السعيد المبارك، ثم قال:
"فين عروستنا؟ يا ريت حد يناديها علشان ناخد موافقتها على كتب الكتاب وكمان تقول مين وكيلها."
بالفعل ذهب سميح ليناديها وعاد وهي خلفه. تبسم لها المأذون قائلاً:
"أهلاً بالعروس. مبروك بالرفاء والبنين إنشاء الله."
غص قلب زينب عن أي بنين يدعو لها، وذلك الطامع يتمنى أن تكون عاقراً لا تنجب له.
وقفت زينب صامتة.
بينما قال المأذون:
"موافقة يا عروس على عقد قرانك للسيد سميح متولي."
نظرت زينب لسميح ثم لوالدها واقتربت منه قائلة:
"لأ، مش موافقة. أنا كنت مضطرة على كتب الكتاب ده، بس خلاص الأمر اللي كنت مضطرة عشانه اتحل خلاص، يبقى ملوش لازمة كتب الكتاب ده."
تعجب جميع الجالسين بالغرفة. تحدث المأذون:
"راجعي نفسك يا بنتي."
ردت زينب:
"راجعت نفسي وكمان استخارت ربنا وده اللي هداني ليه."
نهض المأذون قائلاً:
"كل شيء قسمة ونصيب. هستأذن أنا."
بالفعل غادر المأذون وخلفه بعض الذين كانوا جالسين بالغرفة يتهامسون فيما بينهم عن ذلك الأمر الذي رفضت بسببه زينب تكملة عقد القران.
وقف سميح مصدوماً مزعوجاً يقول:
"ليه عملتي كده وصغرتيني قدام أهلي وكمان المأذون؟"
ردت زينب بشموخ:
"عملت كده لأني عرفت إنك شخص طماع، وما كان قبولك لكتب الكتاب عشان مصلحتي ولا مشاعر بتحس بها ناحيتي، لأ، ده كان عشان طمعان في البيت ده وكمان العمارة اللي عمتو كوثر كتبتهم باسمي. صعبانين عليك إنت والست مامتك. وأحب أقول لك إن فعلاً خلاص جواب التكليف جالي في أسيوط وهستلم من أول الشهر، يعني مستغنية عن كرماتك. شوف غيري تطمع فيها."
صعق سميح. كيف علمت زينب بهذا الحديث الذي قالته. زينب جعلت منه مسخة أمام أهله، ليس أهله فقط، فقد كان بالبيت بعض الغرباء وعلموا أن زينب هي من رفضت عقد القران. خسر زينب التي كان يكن لها مشاعر غير الطمع، لكن سيطر عليه وقتها الطمع ليخسر كل شيء حتى زينب، الذي حاول مراراً استرجاع فقط أن تكون صديقة له، لكن رفضت حتى التحدث معه وابتعدت عن الفيوم بعدها. لم تذهب لها المرة الواحدة يوم وفاة عمتها والدها ووقت دفنها، ثم تنقلت من مكان لآخر بسبب عملها كطبيبة.
***
عودةــــــــــ....
حين انتبهت زينب على فتح باب غرفتها، عادت من تلك الذكرى الأليمة لها. ونظرت لدخول سميح قائلاً:
"زينب أنا والله، قلت لسميح معدش يكلمني تاني. سميح ده أصلاً من زمان مكنتش بستريح له."
تبسمت زينب.
تحدث مجد قائلاً:
"جبت لك الألف جنيه اللي طلبتيه أهو علشان متزعليش مني."
تبسمت زينب ونهضت واقفة وحضنت مجد قائلة:
"طالما جبت الألف جنيه رشوة معاك مش زعلانة."
تبسم مجد قائلاً:
"بس الألف جنيه مش رشوة، دول سلف وهترديهم. وعلشان أضمنك جبت معايا وصل أمانة علشان تمضي عليه."
خطفت زينب المال من يد مجد قائلة:
"وصل أمانة إيه يا أبو وصل؟ من إمتى اللي بقلبه منك بيرجع لك تاني."
نظر لها مجد قائلاً:
"خدي بالك لما بتاخدي مني حاجة غصب، بعدها ربنا بينتقم لي منك. فاكرة المرة اللي فاتت لما قلبتيني في الفلوس اللي كانت معايا؟ أهو رجعتي بعدها لهنا رجلك مكسورة. المرة دي إنشاء توقعي في حيوان يخلص حقي منك ويتجوزك ويصبحك بعلقة ويمسيكي بعلقة بالكرباج اللي كنا بنشوفه في الأفلام القديمة."
تبسمت زينب قائلة:
"دا أنا كنت جبت له عاهة مستديمة ومسحته من سجل الذكور."
***
بمنزل هاشم بغرفة وسيم.
لا يعرف سبب لشعوره بالضجر. الوقت مازال باكرًا فالساعة لم تتعد السابعة مساءً. تذكر ليلى التي مازالت لا تأتي للجامعة. وقوله لزملائها أن يقولوا لمن لا يحضر المحاضرة والسكشن العملي أن هناك درجات على الحضور وعليهم إخبار زملائهم الغائبين. فكر في ذلك كي تعود ليلى لحضور المحاضرة، لكن هو لا يفكر بليلى، هو يفكر بطريق يدخل به ليتعرف على أختها. شعر بالضجر، فنهض حاسماً أمره، سيذهب إلى تلك الصيدلية الذي التقى بمروة بها للمرة الوحيدة، وسيسأل تلك الصيدلانية عنها ويعرف كل شيء.
بالفعل بعض دقائق، دخل إلى الصيدلية ووجد فتاة لكن كانت تُعطيه ظهرها.
تحدث قائلاً:
"مساء الخير."
استدارت الفتاة له قائلة:
"دكتور وسيم."
***
في نفس الوقت بسرايا رضوان الزهار.
مازال الوقت مبكراً، لكن شعر رفعت ببعض الإنهاك فذهب إلى غرفته لأخذ حمام بارد وتغيير ثيابه. ارتمى على الفراش يزفر أنفاسه، يشعر بسأم وملل لا يعرف سببهما. أغمض عينيه لتسحبه غفوة ليرى بها نفسه كان يقف أسفل سلم تلك السرايا العتيقة. رفع رأسه لثانية رأى زينب تنزل بذلك الرداء الأبيض تبتسم. هي كالنجمة متوهجة في ليلة بدر مكتمل بليالي الصيف الهادئ. لا يدري كيف غنى دون وعي منه:
"لما النسيم بيعدي بين شعرك حبيبتي بسمعه بيقول آهات
وعطورك الهادية اللي دايبة فيكي كل ما تلمسك بتقول آهات
عايزاني ليه لما تقوليلى بعشقك مصر؟
أخش وأملي الكون آهات
يا نجمة كل ما ضيها يلمس حجر يعلى ويتحول قمر
بكتب حروف اسمك بحبات الندى على كل أوراق الشجر
مين اللي يقدر يعشقك قدي أنا؟
مين اللي يقدر يوصفك زي أنا؟
يا حلم نفسي تحلمه كل القلوب
يا أعلى إحساس شدني خلاني أدوب
خلاني أحس إني بشر
عايزاني لما تقوليلى بعشقك مصر؟
أخش وأملي الكون آهات"
حين اقتربت منه ضمها بين يديه ومال ليقبلها، لكن....
استيقظ من غفوته. أيعقل أنه وقع بعشق تلك الطبيبة الشرسة؟ ما بها دون عن غيرها؟ ليتها ما وقعت أمام حصانه ذاك اليوم، من وقتها سكنت خياله، رغم لذعة لسانها وشراستها القوية حين سبته وكادت تتهجم عليه.
لاااااا، العشق ليس مدرج بقوانين الانتقام. مستحيل. رحلة انتقامه لم تنتهِ بعد. لماذا ظهرت الآن لتُضعف قلب المنتقم المشتعل بنيران الماضي؟ لا لن تكون. لكن ليس هناك هرب من العشق. فالعشق مثل النيران يشتعلان دون إنذار وبلا إرادة.
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل الثامن 8 - بقلم سعاد محمد سلامة
بمنزل شبه كبير، بقرية بعيدة قليلاً عن قرية الزهار، لكن بمركز آخر تابع لمحافظة الشرقية.
وقفت تلك الصبية الصغيرة، بزيها الشبه عارٍ، تتدلل بغنج قائلة:
"هاشمي عندي له خبر حلو، لما هتعرفه هطير من الفرحة."
نظر لها هاشم بعين ذئب فاجر ينهش على تفاصيل جسدها العارية أمامه، و قام بوضع خصرها بين يديه يطبق عليه بقوة تكاد يديه تسحق خصرها بين يديه وقال بأشتهاء:
"بعدين دلوقتي، تعالى معايا."
للحظة ارتجفت تلك الصبية، هي تعرف ما هي مقبلة عليه مع ذالك الكهل الشرِه، لديه قوة مفرطة بسبب تلك العقاقير الذي يتناولها. بالفعل ماهي إلا دقائق، كانت تطلب منه الشفقة، أن يكتفي، ولكن بداخله لم يشبع بعد وكأنه لا يسمع، لصوت آنينها، هو يستمتع بذلك، صوت ذاك الآنين الصارخ بعض الشيء، يعطيه نشوة أكثر.
بعد وقت ليس بقصير ترك تلك الصبية بالفراش، ونهض من جوارها، تبسم بأنتشاء، وهو يري بعض قطرات الدماء تسيل من على شفتيها، تركها تشعر بآلام بكل جسدها. حقاً ليست المرة الأولى الذي يفعل معها ذالك، لكن عقل الفتاة الصغيرة، بدأ يكره ذالك الأمر.
في البداية حين اشتكت لوالدتها من قسوته في التعامل معها، قالت لها أن تتحمل، ربما مع الوقت يلين، لكن هو لا يلين، بل مع الوقت يزداد عنف وشراهة. تعلم أنها ما هي إلا دقائق وسيعود، يعيد ما حدث قبل قليل، لكن لا، ستفعل ما قالته لها والدتها، هنالك حل لذلك الأمر، قد يجعله يلين معها.
وبالفعل، كما توقعت، ما هي إلا دقائق وعاد ذالك الكهل الذي دخل للغرفة، وهو عارٍ، عيناه الذئبية تنظر بأشتهاء مرة أخرى، لتلك الصبية التي مازال جسدها يؤلمها، وتخشى قربه، بل تخشى أكثر أن ترفضه.
إضجع هاشم على الفراش، عقله شرد، تخيل تلك الطبيبة، ماذا لو قضى معها ليلة يسمع آنينها بين يديه، يستمتع بصراخها أسفله، وهي تترجاه أن يشفق عليها، كما تفعل تلك الصغيرة التي مازالت ساكنة بالفراش، لا تقدر على النهوض حتى.
عاد ببصره نحو تلك الصبية، واقترب منها، مبتسماً عيناه تنضح برغبة أن تكون من مكانها هي تلك الطبيبة. وبالفعل عاود ما كان يفعله قبل قليل، لكن ببعض اللين ليس كالمرة السابقة، يغمض عيناه يشتهي أن يفتحها، ويجد من كان يطرحها الغرام هي تلك الطبيبة.
لكن فجأة، لا يعرف سبب لقوته التي ضعفت فجأة، وشعر بألم خفيف بصدره، فتنحى عن الصبية وتركها، وإضجع على الفراش، يلهث قليلاً.
***
بالصيدلية.
نظرت ليلى لوسيم المشدوه، دون رد، لكن هو أعاد قوله:
"إنتي بتعملي هنا إيه."
وضعت ليلى الهاتف الذي كان بيدها على الطاولة الزجاجية أمامها قائلة:
"بلعب لارا كرافت، حتى بسببك خسرت الليڤيل على آخر لحظة، مش مهم، أعيده وأكيد هكسب المرة دي."
نظر وسيم لها مذهولاً من ردها البارد قائلاً:
"قاعدة في الصيدلية، بتلعبي لارا كرافت على الفون، هي الصيدلية دي بتاع مين."
ردت ليلى:
"الصيدلية دي بتاع بابي، بجى أضيع وقتي فيها، بدل ما أضيعه في السهر في الأفراح."
رمت ليلى حديثها على وسيم الذي نظر لها قائلاً لذاته: إنها حقاً يليق بها كلمة "دبش"، لكن مهلاً ماذا تقصد بكلمة السهر في الأفراح.
تحدث وسيم:
"يعني إيه بتسهري في الأفراح، وكمان بقالك أسبوعين مش بتحضري المحاضرات ليه."
ودت ليلى أن تقول له أنها لا تذهب إلى الجامعة خجلاً منه، فهذا آخر سبب ممكن ألا تذهب إلى الجامعة بسببه، لكنها لا تود أن توضع بموضع شك، كما قال لها سابقاً، هو ظن أنها كانت ساهرة بذالك الزفاف، وبسببه كادت تُغتصب، ليست مخطئة لما تبرر له أساساً، لكن قالت له:
"أنا بشكرك إنك أنقذتني ووصلتني لبيت أهلي ليلة زفاف ابن عضو مجلس، إنت كنت نجدة ليا من السما."
نظر وسيم لها بتعمق وكاد يقول لها أنه يشعر بلوه أرسلت له، لا يعرف السبب، لكن عاود قوله:
"بقولك ليه مش بتحضري محاضراتك، وكمان عندي ليكي خبر حلو."
ردت ليلى بأستفزاز:
"عارفة الخبر الحلو، هتقولي المجلة العلمية نشرت البحث بتاعي، وكمان حصل على إعجاب بعض القراء المتخصصين في المجال ده."
نظر لها بتعجب قائلاً:
"عرفتي منين."
ردت ليلى ببساطة:
"أنا متابعة المجلة دي أصلاً على النت، واخدة واصلة نت من الواد 'حنكش' وكمان المجلة دي كنت واخدة منها محتويات ساعدتني في البحث بتاعي."
تعجب وسيم قائلاً:
"(حنكش) ده مين."
تبسمت ليلى قائلة:
"(حنكش) ده، أبوه تقدر الشركة المصرية للاتصالات في الزهار، ويبقى جارنا، خطوط موبايلات تلاقي عنده، تجديد باقات نت عنده، وكمان حتى لو عاوزين يدفعوا فواتير خطوط التليفونات الأرضية عنده، وكمان بيبيع موبايلات، وبطاريات وشواحن موبايلات، عنده من الموبايل للكارت بتاع الموبايل، والواد (حنكش) ده في أولى ثانوي ومش بيفهم وأنا كنت بشرح له مواد المدرسة من وهو في إعدادي، وقصاد كده، أبوه مديني وصلة نت مجاني، يعني بدخل على كل المواقع اللي عاوزاها ومش بحمل هم إن الباقة تخلص، هي بتتجدد لوحدها."
نظر وسيم لليلى، لا يعرف إن كانت نظرة انبهار من عفويتها أم نظرة غير مصدقة لما يسمع منها، أنها مستغلة. لكن أزاح عن رأسه قائلاً:
"مجوبتيش عن سؤالي ليه مش بتحضري المحاضرات."
صمتت ليلى تفكر: أتقول الحقيقة، أنها لا تريد تبرير أنها تظهر أمامه بصورة خاطئة، فهو هاجمها تلك الليلة، فكرت ببديهة سريعة وقالت:
"مبجيش الجامعة علشان بنحضر لفرح أختي آخر الأسبوع الجاي."
تفاجأ وسيم قائلاً بلا وعي:
"أختك مين."
ردت ليلى:
"أختي الكبيرة، وبعدين حضرتك كنت جاي الصيدلية ليه."
ماذا قالت هذه الحمقاء الدبشرد بلا وعي:
"عاوز أي مسكن للصداع."
تحدثت ليلى:
"صداع نصفي ولا مزمن."
نظر وسيم لها قائلاً بتهكم:
"قصدك إيه بصداع نصفي، ولا صداع مزمن، وبعدين إنتي المفروض بتدرسي طب بيطري ولا صيدلة."
ردت ليلى:
"متفرقش كتير، الصيدلة من الطب البيطري، وبعدين أنا غلطانة، هجيبلك مسكن، أنا باخده لما بصدع من المذاكرة."
لكن قبل أن يرد وسيم دخل كل من، صاحبة الصيدلية ومعها شاب، ملقين السلام.
رد وسيم السلام، بينما ليلى تبسمت قائلة:
"كويس يا دكتورة ناهد إنك جيتي علشان أروح بدري، الأستاذ اللي معاك ده، بقاله فترة بيتأخر على ما بيجي يستلم مني الوردية وعلشان كده اتصلت عليكي علشان تصدقي، هو ميعاده يستلم مني الساعة سبعة ونص، واهي الساعة قربت على تمانية."
تبسمت ناهد، وقال الشاب بدفاع:
"والله يا دكتورة حضرتك عارفة إني في كلية الصيدلة، بسلم حضرتك الصيدلية الصبح أروح لمحاضراتي، وبرجع أساعد أبويا شوية في الغيط وهلكان يا دوب بريح تلات أربع ساعات وأجي أستلم من لولا الصيدلية وبسهر فيها للصبح."
لا يعلم وسيم لما شعر بغيظ حين نطق هذا الشاب اسم لولا، أيُدللها، لكن سرعان ما نفض عن رأسه، وود أن يسأل ليلى ربما ليست مروة هي أختها الكبيرة وهناك أخرى.
لكن تبسمت ناهد قائلة:
"معليشي بقى يا لولا نستحمله شوية، الوقت خلاص، ساعات النهار بقت أكتر من الليل."
تبسمت ليلى قائلة:
"علشان خاطرك يا دكتورة هستحمله، بس لو اتأخر تاني هقول لحضرتك تتصرفي معاه، همشي أنا بقى كده ورديتي خلصت."
قالت ليلى هذا ثم نظرت ل وسيم قائلة:
"آه نسيت أجيبلك مسكن للصداع، خلي الصيدلي أو الدكتورة ناهد يجيبولك مسكن مناسب أهو هو بيدرس صيدلة مش طب بيطري زيي، وكمان الدكتورة عندها خبرة أكبر."
تبسمت ناهد قائلة:
"أهلاً بحضرتك، بتشتكي من إيه."
قبل أن يرد وسيم، قالت ناهد بتذكر:
"إنت الشاب اللي من كام فترة صغيرة جه وأخد مني علاج لمدام مُهرة الزهار، وافتكرت قولتلي إنك قريبها."
رد وسيم:
"أيوة أنا أبقى ابن أختها، وكنت مسافر لبره ورجعت من فترة."
بعد أن كادت ليلى تغادر الصيدلية، تصنمت مكانها للحظات، ثم نظرت خلفها له، ثم أكملت سير إلى خارج الصيدلية تسير بالشارع تهمس لنفسها قائلة: ده طلع من عيلة الزهار هو كمان، بس بيقول ابن أخت مُهرة الزهار، وطب إيه الشامي دي كمان، لأ واضح إني لازم أعمل تحريات عنه، بس مين يساعدك يا لولا، هي مفيش غيرها،،، ماما، تعرف كل أهل البلد.
تبسمت ليلى قائلة: ظلمتك يا سُومي طلعت بتقرب عيلة الزهار، وأنا اللي كنت بقول بتشتغل عند هاشم الزهار، طلع خالك، بس، يا خوفى تطلع أخلاقك واطية زيه.
سُررعان ما نهرت ليلى نفسها قائلة: واطي إزاي وأنقذك من الحقير اللي كان هيغتصبك، صحيح اتهجم عليكي وفكرك كنتي ساهرة في الفرح، بس كتر خيره، وصلك لحد البيت.
بينما وسيم وقف مع ناهد التي قالت له:
"مدام مُهرة بعتت تاني وأخدت أنواع المسكنات المنومة، أنا سبق وقولتلك إنها لها ضرر على الجهاز العصبي في المخ، وهي لازم تحاول تقلل من نوعية المسكنات دي، لأن مع طول مدة أخدتها بتتلف الجهاز العصبي، وممكن مدام مهره بعدها تدور على مسكن أقوى، وتتحول العملية لإدمان."
تعجب وسيم قائلاً:
"بس أنا أول مرة أسمع لكلامك ده، أنا لازم أمنعها من المسكن ده، وفوراً، شكراً إنك نبهتيني."
ردت ناهد قائلة:
"أنا سبق ونبهتك بس واضح إنك مأخدتش بالك، وكمان اتصلت على مدام مهره ونبهتها، وقالت لي هتحاول تقلل من المسكن ده، بس للأسف، جت شيالة من عندها تصرف المسكن ده، وأنا عطيته لها، وكنت بفكر أرفض أعطيه لها بس قلت هتروح تجيبه من صيدلية تانية، وكمان في حاجة مهمة لازم تنتبه لها، أن المسكن ده مع طول الوقت بيدخل المريض في حالة اكتئاب، وممكن يخليه يفكر ينتحر وهو مش في وعيه."
***
بعد وقت، بمنزل هاشم الزهار.
دخلت مُهرة إلى غرفتها القديمة التي كانت لها قبل أن تتزوج من هاشم الزهار وتذهب إلى غرفته، توجهت إلى ذالك الدولاب بالغرفة، فتحت تلك الخزنة الصغيرة، وبحثت بين عدة أوراق، إلى أن أخرجت تلك الرسالة، ثم قرأت محتوى تلك الرسالة القديمة والمهترئة، التي عدى عليها حوالي ثلاثون عام.
دمعة نزلت من عينيها، لامت نفسها، لأول مرة، لما لم تجازف، تلك الصبية وقتها، وذهبت خلف العشق، ربما كان تبدل قدرها، للأفضل، لحياة تشعر بها بالحياة حقاً، لا امرأة تتنفس فقط. شعرت أنها مُهرة هُزمت تلك الليلة التي تخلت فيها عن قلب عشقها، أرادها فقط، بعيداً عن سطوة عائلتها القوية.
لكن سأل عقلها، قلبها لماذا لم تجازفي كأختك حين اختارت العشق مع سَائس يعمل بمزرعتهم وتمسكت به أمام الجميع. لكن فجأة انتهت قصة كانت بدايتها لا يفرقنا إلا الموت، انتهت حين تملكت الأنانية منها، ماذا خشيت؟ خشيت أن تُصبح المهرة بيد بستاني. رحل البستاني وحده، وظلت المهرة الطريق، لتقع بيد خيال مخادع عقيم.
لم تشعر بحياتها التي تسرسبت من بين يديها، أصبحت في التاسعة والأربعون عمرها فجأة، كبتت جموحها، وتخلت عن صهوتها، لمخادع، لم يخدعها هي فقط سابقاً بكلمة عشق، أنها هي من سلبت قلبه المخادع، بل خدع والدايها. ولكن بعد رحيلهم، ثم رحيل زوج أختها وثم بعدها ببضع أشهر، رحيل أختها، بدأ في الظهور على حقيقته، التي جعلتها مع الوقت تشعر بضعف عمرها.
توجهت إلى فراشها القديم وتمددت عليه، وبيدها تلك الرسالة المهترئة، لا تعرف كيف، سحبها النوم. فاقت على يد حنونة تقول: "ماما مُهرة."
فتحت عينيها، وجدت من ينظر لها مبتسماً، بتلقائية منها تبسمت له. تحدث قائلاً:
"واضح إن المُهرة استغبت رجوعي، وجت لهنا لاوضتها القديمة، إيه الورقة اللي في إيدك دي."
اعتدلت مُهرة وجلست، تضم الورقة بين يديها قائلة:
"مفيش دي ورقة عادية، بس إنت قلت إيه من شوية وإنت بتصحيني."
تبسم وسيم قائلاً:
"قلت ماما مُهرة."
تبسمت مهره بأشتياق قائلة:
"من زمان مقلتليش الكلمة دي ليه، إنت فعلاً ابني من دمي، دم أختي بيجري في دمك، وأختي من نفس دمي، تبقى إنت ابن دمي."
قالت مُهره هذا وقامت بجذب وسيم واحتضنته بقوة، ثم قبلت إحدى وجنتيه. تبسم وسيم ومسك يدها وقربها من شفاه قائلاً:
"فعلاً إنتي مش عوضتي مكان أمي، لأني محسيتش إني فقدتها، بسببك فاكر، لما ضمتيني وقولتلي أنا مكانها، قولي يا ماما، فعلاً وقتها محسيتش يتم، بس...."
توقف وسيم عن الحديث.
قالت مهره:
"بس إيه اللي حصل خلاك، بعد ما سافرت لندن تبطل تقول لي، يا ماما."
كان وسيم سيقول لها أن من ضغط عليه وقتها هو هاشم، وقال له أنها ليست أمه، لا داعي لأن يتمحك ويطمع بكرمها وحنانها، عليه أكثر من هذا هو أصبح شاباً يافعاً، لا يليق عليه قول كلمة ماما لامرأة غير أمه، حتى لو كانت أخت والدته. لكن نظر لتلك الدمعة التي سالت من عينيها، ومد يده، وجففها قائلاً:
"يمكن كنت عاوز أثبت لنفسي إني كبرت على كلمة ماما، بس اكتشفت إني لسه صغير، ومحتاج لكلمة ماما."
ضمت مهره وسيم بقوة قائلة:
"عمرك مهما ما كبرت ما هتكبر عليا، هتفضل البيبي اللي الدكتور أدهولي وشوفته قبل ما مامته الحقيقية تشوفه، اللي كانت أول بسمة له في حياته كانت ليلة، أيدي كانت أول إيد اتمسكت بها في حياته."
تبسم وسيم ومسك يدي مهره وقبلهما قائلاً:
"وعمري ما هسيب الأيدين دي أبداً، بس ليا عندك رجاء."
ردت مهره:
"رجاء، رجاء إيه."
رد وسيم:
"المسكن اللي بتاخديه ده عشان يساعدك عالنوم، لازم تبطلي."
تلبكت مهره قائلة:
"هحاول أقلل منه، ومع الوقت، أكيد هبطله."
تحدث وسيم بحسم:
"لأ تمنعيه خالص، من دلوقتي، ولما تلاقي نفسك عندك أرق، تعاليلي حتى لو نايم صحيني، ونسهر سوا، وبلاش تاخدي المسكن ده مرة تانية، أوعديني، هتبطليه من دلوقتي."
تبسمت مهره قائلة:
"أوعدك هبطله، ولما هلاقي نفسي مش جايلى نوم هاجيلك وأسهرك معايا تحكي لي، وتقولي هو مفيش بنوتة كده."
أشارت مهره على قلب وسيم، الذي تنهد صامتاً، حائراً، لا يعلم سبب لتلك الحيرة، لأول مرة يقع بها، قلبه باتجاه، وعقله باتجاه آخر، والاثنان يتصارعان، ولا يجدان بداية طريق العشق.
***
مع خيوط الفجر الأولى لليوم التالي.
بسرايا الزهار.
نزل رفعت إلى مطبخ السرايا، تبسم حين وجد وسيم يجلس وأمامه إفطاره. تبسم رفعت وهو يضع يده على كتف رامى قائلاً:
"كلها أيام، معتقدش هصحى الفجر كده ألقاك في المطبخ."
تبسم رامى قائلاً:
"إيه اللي مصحيك بدري كده مش عادتك، إيه اللي شاغل عقلك."
تبسم رفعت وهو يفتح الثلاجة وياتي بإحدى علب العصائر قائلاً:
"مفيش سبب، يمكن عشان نمت امبارح بدري، كمان بفكر بعد جوازك أسافر، سوهاج، كم يوم، أشتري سلالة جديدة من الخيول."
تبسم رامى قائلاً:
"إيه اللي في دماغك، يا رفعت، مش معقول هنسيب المزرعة هنا إحنا الاتنين مع بعض، أنا هسافر مع مروة كم يوم لاسكندرية، وبعدين مين اللي هيهتم بجدتك الفترة دي، هنسيبها هنا لوحدها، دي ممكن تقتل محاسن."
تبسم رفعت قائلاً:
"خدها معاك إسكندرية."
نظر رامى له بسخط قائلاً:
"عمرك شفت عريس وعروسة في سهر العسل بياخدوا حد معاهم، ودي مش أي حد دي ممكن تدخل عليا أنا ومروة أوضة النوم، ومش بعيد قبلها قبلها تكون طالبة لينا بوليس الآداب، يرضيك أخويا ومراته يتمسكوا بالملايات."
ضحك رفعت قائلاً:
"تصدق دي تعملها، أكيد هلاقِي حل، بفكر أجيب لها ممرضة متخصصة في رعاية حالات الزهايمر، تساعد محاسن في رعايتها، كمان محاسن كبرت دي تقريباً هي اللي شايلة إدارة كل الستات اللي بيستغلوا في السرايا، محتاجة حد يساعدها، تصدق ممكن مراتك تساعدها في إدارة الشغالات في السرايا، عاوزين شوية حزم، يعني أنا وإنت قاعدين المفروض على الأقل واحدة تيجي تخدم علينا، بس ده مش هيستمر كتير مجرد مروة ما تدخل البيت سلمها بقى إدارتها وتتحكم هي كل اللي في السرايا، ها قولي لسه برضه معاندة ولا سلمت بالأمر الواقع."
زفر رامى نفسه قائلاً:
"للأسف، لسه معاندة، بس هي اللي اضطرتني أعمل كده، زهقت محايلة فيها، وأقول بلاش أغصبها لكن في الآخر ألاقيها جايبة زميلها وعايزة تتجوزه، لأ بقى، يبقى مفيش غير الإجبار."
تبسم رفعت قائلاً:
"والله الستات دول معرفش ليه بيضطرونا، نعاملهم بطريقة جافة، تيجي معاهم بالراحة يفتكروك ضعيف، يلا ربنا يهنيك معاها."
تبسم رامى قائلاً:
"يااارب وعقبالك مش تعقل كده، وتبطل تتنطط من رقاصة للتانية، وتيجي اللي تخليك تستقر بقى، وبلاش العاهرات دول، معرفش إيه المتعة اللي بتلاقيها معاهم."
تبسم، رفعت يقول:
"ولا بحس معاهم بأي متعة، بس تقدر تقول زهق، أنا مش من نوعيتك ارتبط بست واحدة وأتأيد بها، كده أحسنلي، وبعدين إنت عليك عمار عيلة رضوان الزهار، عاوزك بعد تسع شهور، تكون جايب، رضوان رامى الزهار، تعيد الاسم يطبل من تاني."
تبسم رامى قائلاً:
"بس الاسم كان رضوان رفعت الزهار."
تبسم رفعت قائلاً:
"رامي من رفعت واحد المهم يرجع اسم (رضوان الزهار) يشق الزهار كلها."
***
بالرجوع لهاشم الزهار.
بعد أن شعر بوخز بقلبه وإنهاك، استسلم قليلاً للنوم، لكن فجراً استيقظ، ونظر لتلك الغافية لجوارة، شعر برغبة تسير بجسده. لم يرفق قلبه بحالها وهي نائمة، شبه معدمة من جبروته وقسوته معها، فقام بإيقاظها بطريقة فظة.
صحت الفتاة، التي مازال جسدها يؤلمها بشدة، فزعت من نظرات عيناه الذئبية، التي تنهش جيدها العاري الذي سحب من عليه غطاء الفراش. نظر لها بجيع، ارتجفت الفتاة بشدة، أيقنت، سيعيد ما فعله معها بأول الليل، لكن لن تقدر على استحمّاله، فهاودها عقلها، ستخبره بذلك الخبر، لعله ينهيه كما يفكر في فعله معها الآن.
تبسمت الفتاة قائلة بدلع:
"صحيت يا هاشومي، كده، تنام قبل ما أقولك الخبر اللي هيفرحك."
نظر لها بجيع قائلاً:
"قوليلي بعدين، دلوقتي أنا بفكر في شئ تاني."
قال هذا وهجم عليها، لكن قالت الفتاة:
"أنا حامل."
فصل عقل هاشم، لدقيقة، غير مستوعب، ما قالته تلك الحقيرة في نظره. قال لها:
"قولتي إيه."
رسمت الفتاة بسمة مرتجفة على شفاها قائلة:
"أنا حامل، يا هاشومي، يعني لازم نحول بقى جوازنا العرفي ده، لجواز رسمي وأنا خلاص تميت تمنتاشر سنة من أربع شهور، وكل ما ابويا يقولك نحول الجواز من عرفي بينا لجواز رسمي بتتهرب، أظن بعد الخبر ده مش هتتهرب، وتحول جوازنا لجواز."
لم تُكمل الفتاة بقية حديثها، حين رفع هاشم تلك الوسادة التي كان نائماً عليها، وكتم بها أنفاس تلك الفتاة، مستمتعاً بصراخها المكتوم، وهي تحاول أن تخلص نفسها من أسفله، لكن فاق من استمتاعه حين شعر بسكون جسد تلك الفتاة.
بعد عنها بتلك الوسادة، لكن كان قد نفذ الوقت، تلك الفتاة فارقت الحياة. نهض عنها، يشعر بريبة قبل أن يفكر، هو قتلها. لكن قال عقله هي تستحق القتل، هي خانته، كيف هي حامل، وهو عقيم، عاشر غيرها الكثير من الفتيات لم تحمل إحداهن، حتى مُهرة، التي أراد منها أطفالاً ربما لو كانت أنجبتهم، لتبدل حاله، وما كان سار خلف شيطانه، بالزواج من الفتيات الصغيرات، يسلب عذريتهن وصباهن بعد أن تنتهي شهوته منهن يرميهن لأهلهن ومعهن حفنة نقود، يستغل براءة هن، ينقيهن بأسلوب خاص، فتيات أقل من السن القانوني للزواج، يتزوج منهن بعقود عرفية، يتحايل على القانون.
ولكن ليس هو المخطئ، فطمع أهل الفتيات في أمواله، يجعلهم يصمتون، كتلك التي أصمتها للأبد. فكر عقله، ماذا لو انكشف أمره، وعُلم أنه قتلها، لا، لن يحدث، فهو الذئب، وحتى الجان تخشى الذئب. فكر عقله واهتدى، ارتدى ملابسه سريعاً، وذهب إلى المطبخ، قام بفتح أنابيب الغاز الموجودة بالمنزل، وأغلق كل منفذ في البيت، وضع منديل على أنفه، وانتظر أن يتأكد أن الغاز انتشر بالمنزل.
خرج من المنزل، يتسحب كاللصوص، لكن قبل خروجه من المنزل وضع مفتاح المنزل في مقبض الباب الرئيسي بالمنزل من الداخل، كي يسبك خطته. وبالفعل، كان لحسن حظه، الوقت باكر والناس نيام أو مستيقظون بمنازلهم، لم يراه أحد.
***
ليلاً.
في حوالي الحادية عشر بسرايا الزهار.
طرقت محاسن باب غرفة رفعت الذي سمح لها بالدخول، كان نائماً بالفراش. تحدثت محاسن:
"رفعت بيه الست إنعام، دايخة وبتخرف، ومعرفش فجأة جسمها بقى بيصب عرق، معرفش إيه اللي حصلها."
نهض رفعت مفزوعاً، وذهب إلى غرفة جدته، وجدها بحالة شديدة الإعياء، فكر عقله سريعاً، عليه أخذها بسرعة إلى المشفى، لكن قالت إنعام بأعياء:
"سيبني أموت على سريري، مش عاوزة أتبهدل في المستشفى، لو عاوز هات لي دكتورة هنا تكشف عليا."
رد رفعت:
"دكتورة إيه يا جدتي، خليني آخدك، ونروح للمستشفى، بسرعة."
تمسكت إنعام بقولها وقالت بوهن، وهي تكاد تغيب عن الوعي، قائلة:
"قلتلك مش بحب أروح مستشفيات، هات لي الدكتورة اللي بتشتغل في الوحدة، سمعت إنها دكتورة شاطرة."
نظر رفعت لها باستغراب قائلاً:
"وسمعتي منين بقى، جدتي خليني آخدك للمستشفى، أفضل."
ردت بتصلب رأي:
"قلتلك، يا تجيب لي الدكتورة يا تسيبني أموت على سريري وبلاش بهدلة المستشفى."
زفر رفعت نفسه قائلاً:
"حاضر، يا جدتي، هجيبها لك."
قال رفعت هذا وخرج من الغرفة، ونزل ينادي على أحد العاملين لديه، وأمره بالذهاب إلى سكن تلك الطبيبة وأخذ سيارة وعليه إحضارها معه قائلاً:
"خد أي ست بتشتغل هنا في المزرعة، وتروح تخليها هي اللي تطلع للدكتورة، وتقولها إن جدتي مريضة، وتجيبها معاها لهنا، الست اللي تطلع لها للسكن وانت تستناهم تحت، مفهوم."
أومأ العامل برأسه، قائلاً:
"مفهوم، يا رفعت بيه."
بالفعل نفذ ذالك العامل ما قاله له رفعت، وذهب إلى مسكن الطبيبة المرفق بالوحدة الصحية. بينما تبسمت إنعام بنصر، فخطتها تسير كما رسمتها، ولكن هل ستأتي تلك الطبيبة التي تود رؤيتها.
بالمسكن المرفق بالوحدة.
صحوت زينب من النوم على صوت رنين جرس الشقة التي تسكن فيها، نظرت بالساعة، وجدتها عدت الحادية عشر. لم تتعجب ونهضت من على الفراش، ربما هناك من يريد مساعدتها بذلك الوقت. أخذت وشاح صغير، ووضعته على رأسها، بالكاد، ستر شعرها من الأمام، ونظرت لنفسها بتقييم، هي ترتدي منامة نسائية مكونة من قطعتين، زهرية اللون، لا تصف ولا تكشف جسدها، ذهبت وفتحت باب الشقة، وجدت أمامها امرأة، تحدثت المرأة سريعاً:
"معلش يا ست الدكتورة إن كنت أزعجتك وصحيتك من النوم، بس الست إنعام عيانة قوي، ورفعت بعتني أنا والسواق، لحضرتك علشان تيجي معانا للسرايا تكشفي عليها وتعرفي إيه اللي جرالها وتعالجيها."
تحدثت زينب قائلة:
"الست إنعام مين، ورفعت بيه مين."
ردت المرأة:
"الست إنعام جدة رفعت بيه الزهار."
ردت زينب:
"أه، رفعت الزهار، طب ما يجيبها للوحدة، وأنا هغير هدومي وأنزل أكشف عليها في الوحدة."
ردت المرأة:
"هو قال لي آخدك للسرايا حتى معايا السواق تحت."
ردت زينب:
"روحي قولي له يجيبها الوحدة، وأنا هستناه فيها، يلا بسرعة."
امتثلت المرأة لقول زينب ونزلت للسائق وأخبرته قول الدكتورة. قبل أن يتحدث السائق، كان رفعت يهاتفه، قائلاً:
"إيه اتأخرت ليه."
رد السائق وقال له ما قالته له العاملة التي معه وصعدت لزينب. تنهد رفعت قائلاً:
"إدي الموبايل ده للست اللي معاك وتطلع مرة تانية للدكتورة وأنا هكلمها بنفسي."
بالفعل أخذت المرأة الهاتف، وصعدت، ورنت جرس الشقة على زينب، التي استغربت عودة المرأة، لكن استغربت أكثر حين قالت المرأة وهي تمد يدها لها بالهاتف قائلة:
"رفعت بيه على الموبايل، اتفضلي ردي عليه."
أخذت زينب الهاتف من يد المرأة، وسمعت طلب رفعت منها الحضور مع السائق والمرأة، بأمر. ردت زينب:
"أنا قلت للست اللي بعتها، خليه يجيب جدته للوحدة، أظن عندك عربية، ولو عاوز ممكن أبعت لك عربية الإسعاف."
تضايق رفعت قائلاً:
"طب قدام السكن في عربية بسواق هتجيبك للسرايا، تعالي مع السواق، والست اللي معاه."
ردت زينب برفض:
"أنا قلت هاتها للوحدة، أظن نفس المسافة من السرايا للوحدة واحد، وبدل ما أنا أجي في نفس الوقت ممكن تجيبها للوحدة، وأتعامل مع حالتها، وده آخر كلام عندي."
قالت زينب هذا وأغلقت الهاتف بوجه رفعت. تعجبت المرأة قول وفعلة تلك الطبيبة، بينما زينب نظرت لها قائلة:
"عن إذنك هقفل الباب وأدخل أكمل نوم، تلاقي رفعت بيه هيودي جدته مستشفى خاصة، تصبحي على خير."
نزلت المرأة وهي متعجبة، لكن انخضت حين رن الهاتف بيدها، ردت سريعاً، كان قول رفعت مختصراً:
"خليكي عندك، أنا جاي بنفسي."
بالفعل ما هي إلا دقائق، وكان رفعت بصحبة اثنتين من النساء ومعهن مفرش سيارة كبير، وقال لهن:
"اتفضلوا اطلعوا، عاوزكم تنزلوا بالدكتورة."
صعدت المرأتان إلى شقة الطبيبة، رنت إحداهن الجرس، ففتحت لهن زينب، ولكن تعجبت منهن، وقبل أن تتكلم، رمين عليها ذالك الغطاء وشللن حركتها، ونزلن بها إلى أسفل، وهي تسبهن وتتوعد لهن. أشار لهن رفعت بيده، أن يدخلنها إلى السيارة، وبالفعل وضعنها بالسيارة، الذي صعد رفعت إلى مقودها، وأشار للنساء بترك السيارة والابتعاد عنها، وفي ثوانٍ أغلق التحكم الإلكتروني بأبواب السيارة، وتحدث قائلاً وهو يحاول كبت ضحكته:
"مش كنتي جيتي مع السواق والست اللي كانت معاه، ووفرتي جو الأكشن ده يا دكتورة، حتى كنتي وفرتي على نفسك لسانك اللي مش مبطل سب ده."
سحب رفعت جزء من المفرش بالكاد كشف عن وجه زينب، التي التقطت أنفاسها قائلة بنهجان:
"يعني همجي وحقير وكمان بتخطف نسوان، إنت إيه، مفكر نفسك مين، أنا هوديك في داهية."
حررت زينب إحدى يديها ومدتها باتجاه مقبض باب السيارة، حاولت فتحه، لكن لا يفتح. نظرت لرفعت بعصبية قائلة:
"افتح السنتر لوك بتاع العربية ونزلني وروح شوفلك أي دكتور في البلد غيري."
رد رفعت بأستفزاز:
"وانتي إيه مش دكتورة ودي رسالتك، بلاش كلام كتير، إنتي اللي هتكشفي على جدتي، دي طلبك بالاسم."
قال رفعت هذا، ولم ينتظر رد زينب، وانطلق بالسيارة، وما هي إلا دقائق، وكانا الاثنان بفناء السرايا، فتح رفعت التحكم في السيارة، ونزل منها، ثم توجه إلى الخلف، مد يده يدعوها للنزول قائلاً:
"وصلنا السرايا اتفضلي يا دكتورة."
قالت زينب:
"إبعد إيدك دي من وشي."
حاولت زينب سحب الغطاء من عليها، لكن سبقها رفعت قائلاً:
"خلي الغطا عليكي لحد ما تدخلي لجوه السرايا، في هنا حراس في المكان."
امتثلت زينب له بالفعل بعد أن رأت بعض الحراس بالفعل في المكان. دخلت زينب وخلفها رفعت للسرايا، نادى رفعت لـ محاسن التي أتت له قائلاً:
"خدي الدكتورة لأوضة جدتي."
ذهبت زينب مع محاسن إلى غرفة جدته، بالفعل وجدت امرأة كبيرة بالعمر، تبدو مريضة. قالت زينب:
"أهو الهمجي خطفني من السكن، ودلوقتي هكشف عالجدة دي إزاي."
رد رفعت الذي دخل:
"اتفضلي يا دكتورة، شنطة طبية كاملة أهي، وبلاش طولة لسان، وشوفي رسالتك إن تعالجي الناس."
نظرت زينب لتلك الحقيبة، وخطفتها من يده قائلاً:
"اتفضل اطلع بره، وخليني أشوف رسالتي، وبعدها هتشوف أنا هتصرف معاك إزاي، أنا هقدم فيك محضر خطف."
تبسم رفعت وخرج من الغرفة دون رد. بدأت زينب في الاستعداد للكشف على إنعام. تحدثت لمحاسن الواقفة وقالت لها:
"الحجة دي مش بتعاني من أي مرض قبل كده."
ردت إنعام نفسها:
"عندي السكر ونفسي هفتني على بسبوسة بالقشطة والمكسرات والسمنة البلدي، وكترت السكر شوية عشان يديها طعم."
تبسمت زينب قائلة:
"طب وأخبار الكوليسترول معاكي إيه، يا تيتا."
تبسمت إنعام بوهن قليل قائلة:
"مالوش معايا لا أخبار ولا جمهورية، بس عارفة حلوة منك كلمة تيتا دي، عندي بغلين أحفادي، مطلعتش منهم مرة، صحيح، البنات بتبقى رقيقة، إنما دول بغلين."
تبسمت زينب قائلة:
"شايفة صحتك كويسة، طب ليه الهمجي حفيدك خطفني بقى."
ردت إنعام:
"أنا فعلاً كنت تعبانة من شوية، بسبب حتة البسبوسة الصغيرة خالص اللي أكلتها، يعني لخبطة صغيرة كده وتأثيرها مكنش كبير، وبعدين إنت مش مبسوطة إنك جيتي واتعرفتي عليا أنا تيتا إنعام، جدة البغلين، رامى ورفعت الزهار، اللي خطفك وجابك لهنا."
تبسمت زينب قائلة:
"والهمجي رفعت، خطفني عشان الحتة البسيطة دي."
ردت إنعام:
"لأ ما أنا مثلت الدور كويس عليه، وغصبت عليه يجيبك إنت بالذات عشان عايزة اتعرف عليكي، بسبب الكلام اللي محاسن بتقوله ليا عنك."
نظرت زينب لمحاسن قائلة:
"ويا ترى محاسن بقى بتقولك عليا إيه وعرفتني منين أصلاً."
تبسمت محاسن قائلة:
"قولتلها على اللي سمعته من كلام الناس عنك، في البلد، وعن الفترة الصغيرة اللي قضيتيها هنا، وغيرتي الوحدة، وشديتك مع دكاترة الوحدة."
تبسمت زينب قائلة:
"تمام دلوقتي، برضه هتحتاجي شوية تظبطات بسبب حتة البسبوسة الصغيرة اللي أكلتيها، هقيسلك نسبة السكر والكوليسترول، بس إنتوا عندكم حد في العيلة دكتور، الهمجي جاب الشنطة دي منين، دي مفيش فيها جهاز ناقص."
ردت إنعام:
"أحفادي صحيح معندهمش أدب، بس مش معايا، و بيهتموا بصحتي، علشان كده الشنطة دي موجودة هنا في السرايا."
تبسمت زينب وقامت بمعاينة إنعام، لتقول بعد قليل:
"نسبة السكر مرتفعة، شوفيه، وكمان الكوليسترول، هي نسبة مش كبيرة، بس لازم ننتبه، بعد كده ممنوع تاكلي أي سكريات، لمدة يومين على الأقل، وكمان الطبيخ يبقى سوتيه، ونقلل الملح شوية، السكر صديق المريض ويقدر يتعايش معاه بسلام لو بعد عن اللي بيضره، يا تيتا."
تبسمت إنعام قائلة:
"تعرفي إني حبيتك قوي، وبتفكريني بواحدة ناسيه هي مين، إيه رأيك تفضلي معايا شوية."
تبسمت زينب قائلة:
"أمرك يا تيتا أنا كمان حبيتك، شكلنا هنبقى أصحاب، بعيد عن الهمجي حفيدك، بس لازم تاخدي حقنة، عشان نظبط السكر شوية وحتة البسبوسة اللي بالسمنة البلدي والقشطة والمكسرات والسكر، متأثرش عليكي، لأن أنا كمان عندي السكر زيك يا تيتا، وعايشة معاه من وأنا عندي اتناشر سنة."
تبسمت إنعام وكذالك محاسن التي استغربت قول الدكتورة. ظلت زينب مع إنعام التي استراحت لها، وتحدثت معها بود كأنها تعرفها منذ زمن لا أول لقاء بينهم، حتى خيوط الفجر الأولى.
وقفت زينب قائلة:
"لازم أرجع للسكن بتاعي، عشان النهار قرب يطلع، اتشرفت بحضرتك، وهنتظر تزوريني في الوحدة، بس مش مريضة ضيفة."
تبسمت إنعام قائلة:
"وحدة إيه وإنتِ مين أصلاً."
تعجبت زينب قائلة:
"نعم.....!"
نظرت محاسن وتبسمت، فيبدوا أن إنعام عادت لحالة فقدان الذاكرة. اقتربت محاسن من زينب قائلة:
"معلش، هي كده يا دكتورة، تبقى بتكلمك وفجأة، متعرفش إنتي مين، اصلها بتغيب ساعات."
نظرت لها زينب بتفهم قائلة:
"قصدك بيجيلها زهايمر، تمام، فهمت، هستأذن أنا، وده رقم تليفوني الخاص، تقدري تبقي تتصلي عليا تطمنيني عالجدة، ولو تعبت في أي وقت ابقي قوليلى."
تبسمت لها محاسن بود قائلة:
"شكرا ليكي يا دكتورة، ومعلش سامحي رفعت بيه في طريقته إنه جابك لهنا، بالغطا بتاع العربية."
اغتظت زينب قائلة:
"بلاش تدافعي عن الهمجي ده قدامي، تاني، مفهوم، يلا هنزل أنا أمشي من الخرابة دي."
قالت زينب هذا وتوجهت إلى الفراش وقبلت وجنة إنعام قائلة:
"ألف سلامة عليكي يا تيتا، وبلاش بعد كده أكل بسبوسة تاني."
تبسمت لها إنعام قائلة:
"ربنا يسلمك، ابقي هاتي مامتك وتعالي نتسلى مع بعض، ونشوف فيلم عالفيديو."
تبسمت زينب هامسة:
"كويس إن ذاكرتك جابت الفيديو، أهو بطل مش من مدة طويلة هانت كلها كم سنة وتوصلي لعصر التاتش والثرى دي."
غادرت زينب غرفة إنعام ونزلت مع محاسن تتجهها للطريق، لكي تفاجئ الاثنتين بجلوس رفعت بهو المنزل. أشار رفعت لمحاسن قائلاً:
"روحي لجدتي وخليكي جنبها يا محاسن."
فعلت محاسن ما أمرها به رفعت، بينما اغتاظت زينب من قول رفعت لها باسمها دون أي لقب سابق، وهمست:
"فعلاً همجي الست تقرب على مامتك في السن وبتناديها باسمها."
تبسم رفعت ونهض واقفاً يقول:
"متشكر يا دكتورة."
لم ترد زينب عليه وسارت خطوتين. جذبها رفعت من معصم يدها قائلاً:
"على فين يا دكتورة."
نفضت زينب يده من على معصمها قائلة:
"إبعد إيدك لأكسرهالك، متفكرش خطفك ليا هيمر بالساهل كده."
تبسم رفعت قائلاً:
"هتطلبي كام المرة دي مني، على العموم المبلغ اللي هتقولي عليه هدفع."
نظرت له وعادت تسير لكن قال رفعت:
"استنى يا دكتورة."
وقفت زينب قائلة:
"عاوز إيه تاني."
اقترب رفعت، وقام بإلقاء عباءة عربية رجالية سوداء مطرزة بخيوط الذهب خاصة به فوق كتفيها قائلاً:
"السرايا فيها بره حراس ميصحش يشوفوكي بالبيجامة."
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل التاسع 9 - بقلم سعاد محمد سلامة
بعد مرور ستة أيام، لم يبقَ سوى ثلاث ليالٍ على الزفاف الذي تتحدث عنه ليس فقط البلدة، بل البلاد المجاورة لها. فها هو الأمير يكسر القاعدة، وسيتزوج من ابنة السائس.
***
صباحًا.
بمنزل عضو مجلس الشعب.
استقبلت إحدى الخادمات زينب، وأدخلتها إلى إحدى غرف الضيوف. جلست لدقيقة قبل أن يدخل عضو مجلس الشعب إلى الغرفة، مادًا يده، يرحب بها بحفاوة، قائلاً:
"أهلاً يا دكتورة، حضرتك مديرة الوحدة الصحية بتاع بلدنا. أهلاً بيكي. للأسف كان لازم أكون في استقبالك بنفسي. ده أول مرة نتعرف. شرفتي بيتي المتواضع."
تبسمت زينب ومدت يدها تصافحه، قائلة:
"أنا الدكتورة زينب السمراوي، اتشرفت بحضرتك."
أشار لها عضو مجلس الشعب بالجلوس، قائلاً:
"تشربين إيه؟"
تنحنحت زينب، قائلة:
"متشكرة، مش عاوزة أشرب حاجة. بصراحة كده أنا جايه لحضرتك في طلب خاص."
تبسم عضو مجلس الشعب، قائلاً:
"أؤمريني يا دكتورة."
ردت زينب، بمجاملة:
"بصراحة أنا سمعت عن كرم وسخاء حضرتك مع أهل دائرتك، وده اللي شجعني آجي لحضرتك النهارده وأطلب منك طلب."
تبسم النائب بزهو، قائلاً:
"من عنيا طلبك دكتورة، مع إن دول زي ما قلتي أهل دائرتي، يعني أهلي وعزوتي، بس متقلليش عنهم معزة."
رسمت زينب بسمة، وبداخلها تقول: "يالك من مخادع، بمعسول الكلام الزائف، لكن لا يهم."
تحدثت زينب:
"حضرتك عارف إن في مبنى جديد ملحق بالوحدة الصحية، وهو لسه تحت التشطيب وهيفتتح بعد شهر ونصف تقريباً، وفيه بنك خاص بالدم. وطبعاً حضرتك عارف المستشفيات والوحدات الحكومية، بيكون دايماً عندها نقص إمكانيات. فأنا بطلب منك مبلغ مالي كتبرع من حضرتك، لبنك الدم ده نجهزه بفصائل الدم المختلفة، مساعدة للناس الغلابة اللي متقدرش تشتري أكياس الدم من بنوك المستشفيات الخاصة. وأنا عملت حسبة، وقلت مش لازم يكون عندنا بنك دم كبير في البداية، ممكن مع الوقت نكبره. والمبلغ المطلوب مش كبير، هو سبعين ألف جنيه بس."
ازدرى ذلك النائب حلقه، وفكر قليلاً.
نظرت له زينب تعلم أنه ربما يفكر في الرفض بطريقة محترمة، فقطعت عليه التفكير، قائلة:
"بنك الدم ده مش هيكون محصور بس على أهل البلد، متنساش إن الوحدة بتخدم كذا قرية جنب الزهار، وأكيد يهمك راحة أهل دائرتك وصحتهم، وأنهم ميقفوش في طوابير عشان ياخدوا كيس دم مدعم من الحكومة، عشان مش معاهم تمن يشتروه من مستشفى خاصة. شوف وقتها بقى مرضى قد إيه ممكن كيس دم ينقذ حياتها، وقتها هيدعوا لحضرتك، ويقولوا مش خسارة فيه أصواتنا اللي اديناها له."
تبسم النائب وقال:
"موافق، يا دكتورة. أي حاجة تخدم أهل دائرتي أنا خدام عندهم."
تبسمت زينب بظفر، قائلة:
"أكيد طبعاً، خدام أهل دائرتك وأهل بلدك اللي عشت وسطهم. بالنسبة للمبلغ هتدفعه كاش ولا بشيك، عشان لو بشيك، أكيد مش هيطلع باسمي، ممكن تحوله على اسم طارق التقي."
رد النائب:
"لأ مش هدفع بشيك، بس من هنا لآخر النهار أكون دبرت لكِ المبلغ، وهبعته للحاج طارق. لو كنتِ جيتي من ساعة كان المبلغ موجود، بس طلع لأهل الخير."
نهضت زينب واقفة، ودت لو قالت له: "يا مرائي، يا كذاب"، لكن كل ما تريده هو استفادة أهل البلدة من أموال ذلك المرائي الكذاب. قالت بمجاملة كاذبة:
"بشكر حضرتك على الوقت اللي قابلتيني فيه، وكمان بشكر تعطفك على أهل دائرتك. هستنى تبعت المبلغ مع أستاذ طارق. هستأذن أنا."
نهض النائب قائلاً برياء:
"مأخدتيش واجبك يا دكتورة."
تبسمت باصطناع، قائلة:
"مرة تانية، لازم ألحق الدوام في الوحدة."
تبسم النائب قائلاً:
"شرفتيني، يا دكتورة، وأكيد مش المرة الأخيرة اللي تشرفي فيها بيتي المتواضع. وقبل آخر النهار إن شاء الله المبلغ هيكون عندك في الوحدة."
تبسمت زينب قائلة:
"مرة تانية بشكر استقبالك ليا من غير ميعاد سابق، وكمان كرمك الزايد."
***
خرجت زينب من منزل النائب، تسير بالبلدة تحدث نفسها قائلة:
"راجل واطي، داهية في أمثالك، مفكر نفسه أهل كرم، ده بخيل جلده ونتن كمان. يارب يصدق ويبعت المبلغ اللي طلبته منه."
تفاجأت زينب بتلك السيارة التي تجنبت الطريق تسير جوارها ببطء، لكنها علمت من صاحب السيارة بسهولة، فهو ذلك الهمجي بالتأكيد. أكملت سير تتحاشى النظر للسيارة، تلتزم جانب الطريق، لكن فتح رفعت زجاج باب السيارة وتحدث:
"صباح الخير يا دكتورة، جايه من ناحية بيت النايب بتاعنا؟ بدري كده ليه؟ إنتي مش من بلدنا، عشان يشترى صوتك."
نظرت له زينب باستهزاء ولم ترد عليه، وأكملت سيرها. لكن نزع رفعت نظارته الشمسية وعاود الحديث:
"تعالي اركبي أوصلك للوحدة، يا دكتورة، شكل لسه رجلك بتوجعك، ماشية تقزحى زي الكنجر."
توقفت ونظرت له بغيظ، قائلة:
"شكل المحضر المرة دي هيبقى تحرش في الطريق العام."
تبسم رفعت قائلاً:
"معايا دفتر الشيكات، وهدفع اللي تقولي عليه من غير ما تدوري مرة على هاشم الزهار ومرة على سيادة النايب، ومش عاوز منك شهرة ولا مقابل زيهم."
نظرت له بغيظ، قائلة:
"واضح إن معاملة مع الحيوانات خلتك متفرقش عنهم، همجي."
قالت زينب هذا وعاودت السير مرة أخرى. بينما تبسم رفعت قائلاً:
"تعرفي إن التعامل مع الحيوانات أسهل بكتير من التعامل مع الدكاترة، بالذات لما تكون شرسه."
توقفت زينب عن السير ونظرت لرفعت، قائلة:
"كويس إنك عارف إن مش سهل التعامل مع الدكاترة الشرسة، يبقى ابعد عن طريقي ومش عاوزة أشوف وشك تاني."
قالت زينب هذا وأشارت لذالك التوكتوك، توقف لها، ركبته وغادرت. بينما رفعت أطلق تنهيدة مبتسماً، لا يعلم سببًا لحبه إثارة غضب تلك الطبيبة.
***
قبل العصر بقليل.
بقرية الزهار.
بمنزل متواضع، لا بالكبير ولا بالصغير. فتح وسيم باب ذالك المنزل، ودخل إلى تلك الحديقة الجرداء التي بمدخل المنزل. سابقاً، تلك الحديقة كانت صغيرة حقًا، لكن كانت نباتاتها خضراء يانعة. تذكر والدته حين كانت تسقي أواني الزهور الفخارية المصطفة على جانبي الحديقة، وتُقطف بعض أوراق النعناع الأخضر، تصنع لوالده كوب النعناع كل صباح يُنعشه. منذ أن توفيت والدته بعد عدة أشهر من وفاة والده، وهو بحوالي الحادية عشرة من عمره، هجر هو الآخر ذالك المنزل. ها هو اليوم عاد له، مُدمى الفؤاد، من ذكريات الطفولة التي تطارد عقله. حين كان يختبئ من والدته بين أشجار الحديقة، وحين كان يهرب منها ويذهب خلف أبيه إلى ذالك الإسطبل بمزرعة جده لأمه. كان يسعد كثيرًا حين يرى والده وهو يعمل بالمزرعة كسائس للأحصنة، يُروضها ويُطعمها قطع السكر، حتى أنه كان أحياناً يشتهي قطع السكر ويلتقم أحدها بفمه. ابتلع ريقه، شعر بطعم السكر، لكن ليس كطعمه الحلو السابق، هو أصبح علقمًا تجرعه منذ سنوات، حين أخبروه أن الفارس سقط من على حصانه وقتله. لديه إحساس أن هناك شيئًا خفيًا خلف سقوط والدهُ ذالك اليوم، فكيف لجواد أن يقتل مروضه؟ لكنه تقبل الأمر سابقًا. والآن عليه هو أن يعود ليكون كأبيه، فارساً مروضًا، لكن بأسلوب الحذر والحيطة. فتح وسيم باب المنزل الداخلي ودخل، وجد الظلام يعم المنزل من الداخل. أشعل الضوء، لحسن حظه أنه أنار، فيبدو أن خالته مهره كانت تدفع فواتير الكهرباء الخاصة بالمنزل.
كل الأثاث مُغطى بمفارش بيضاء عليها كمية غبار لا بأس بها، حتى الصور على الحائط مازالت مُعلقة بأماكنها. تبسم وهو ينظر لتلك الصورة، والده يحمله أمامه على جواد وهو عمره لم يتعد بضع أشهر، يبكي خوفًا، وأخرى وهو أمام والدته على جواد آخر، وأخرى وهو ووالدته وأبيه ثلاثتهم على ظهر جواد واحد، يتحكم والده باللجام وهو يمسك بيده الصغيرة اللجام جوار يد والده. ذكريات تعصف بالقلب. دخل من غرفة لأخرى، يتجول بالمنزل، تعود ذكريات لم تتلاشى بمضي الوقت.
لكن أخْرَجه من تلك الذكريات صوت جرس المنزل. تبسم وخرج، وفتح لمن يرن الجرس. تبسم له الآخر، ومد يده له بذلك الملف. أخذه من يده وشكره، ثم دخل وجلس على تلك الأريكة القديمة بالحديقة، وقام بفتح الملف، بدأ يقرأ ما هو مدون به. تأكد من شكوكه، أغلق الملف، وقام باتصال هاتفي، تحدث باختصار قائلاً:
"زي ما توقعت، الخيول في المزرعة بيتحقن بمنشطات مضاعفة للقوة، بس دي بتفضل لمدة معينة وبعدها قوة الخيول بتضعف، وتبقى هزيلة. محتاج مساعدتك."
***
بسرايا الزهار.
ببداية الليل.
دخل رامي إلى غرفته مُنهكًا، دخل مباشرةً إلى الحمام ونزل أسفل المياه، تسيل على جسده، تمحو آثار اليوم المُرْهِق. ظل أسفل المياه لمدة لا بأس بها، ثم لف خصره ببشكير قطني، وأخذ منشفة صغيرة يجفف بها وجهه وخُصلات شعره، ثم خرج من الحمام وأغلق خلفه باب الحمام. لكن حين استدار، تفاجأ بمن تجلس على الفراش، تلف يدها خلف ظهرها.
تحدث رامي بتفاجؤ:
"جدتي! جدتي إيه اللي جابك لأوضتي، إنتي تعبانة ولا حاجة."
نهضت إنعام، تسير واقتربت منه بدون سابق إنذار. كانت تجلده بذالك الكرباج الصغير الذي بيدها، ليس هذا فقط، بل بدأت توبخه بصوت عالٍ، قائلة:
"كنت فين يا صايع لحد دلوقتي؟ لأ متفكرش إنك كبرت عليا، دا أنا أربطك في الجنينة وأجلدك قدام العمال."
رغم تفاجؤ رامي وآلمه من لسعات الكرباج، لكن تبسم قائلاً:
"إنتي قديمة قوي يا جدتي، معدتش حد في الزمن ده بيجلد بالكرباج. بقى في اختراع اسمه صاعق كهربائي، بيعذب أكتر من لسعات الكرباج."
زادت إنعام قوة في ضرباتها له، قائلة:
"بتتريق كمان يا مشوه! خليك بقى ماسك البشكير على وسطك كده، واستحمل الضرب."
تبسم رامي يحاول ألا يخرج صوت ضحكته ليغيظ جدته أكثر، وقال:
"أنا ضايقتك أو عملت إيه يخليني تضربيني بالكرباج."
توقفت إنعام لدقيقة، تنظر للكرباج ثم له، تُفكر، ثم قالت:
"هو مزاحي كده؟ أنا هربيك من جديد يا صايع. كنت فين؟ لسه داخل السرايا من شوية."
تبسم رامي، وقبل أن يرد، دخل رفعت ليس متفاجئًا من منظر ضرب جدته لرامي. حاول التحكم في نفسه ألا يضحك هو الآخر، لكن فلتت منه بسمة، قائلاً:
"رامي عمل إيه يا جدتي، بتضربيه وهو عريان بالشكل ده."
نظرت إنعام لرفعت وقالت له بسخط:
"إيه جدتي دي كمان؟ صحيح همجي، بعد كده تقولي يا تيتا زي البسكوتايه الدكتورة زوزي."
لم تكتفِ إنعام بهذا التهكم فقط، بل أعطت لرفعت هو الآخر حفنة من الضربات، ثم خرجت من الغرفة، صافعة الباب خلفها تقول:
"حيوانات معاشرة حيوانات."
ضحك الاثنان معًا بعض خروج جدتهم.
تحدث رامي لرفعت بسؤال:
"لابس كده ورايح فين دلوقتي؟"
تبسم رفعت قائلاً:
"رايح فرح العامل. والده جالي بنفسه دعاني وترجاني أحضر الزفاف، وكمان عندي ملل، هروح."
تبسم رامي قائلاً:
"هاشم الزهار لو حتى والد العريس وطى على إيده وباسها عشان يحضر فرح ابنه مش هيروح."
تبسم رفعت قائلاً:
"بس أنا رفعت بن رضوان الزهار. يلا أشوفك الصبح، روح استر نفسك. كويس إن البشكير موقعش من على وسطك قدام جدتك."
تبسم رامي قائلاً:
"لأ، ما أنا اتمسكت جامد بالبشكير، وسيبت جدتك تضربني. الضرب هيوجع شوية ويروح، لكن البشكير لو كان وقع هتقع معاه كرامتي. حفظت كرامتي قدامها. بس مين البسكوتايه زوزي اللي جدتك بتقول عليها، وإيه تيتا دي كمان؟ واضح الكام يوم اللي فاتوا وأنا كنت في إسكندرية فاتني كتير."
تبسم رفعت قائلاً:
"أبدًا، هقولك باختصار وبعدها همشي عشان متأخرش عالزفاف."
تبسم رامي قائلاً:
"احكي يا شهريار."
***
رغم أن الزفاف كان لعامل يعمل عند رفعت هو ووالده، لكن حضور رفعت الزهار بين المدعوين كان له شمخة كبيرة عند العامل ووالده. جلس بين الناس البسطاء، منهم بعض كبار السن والكهول، يتذكرون بساطة والده. يبدو أن المثل الذي يقول: (هذا الشبل من ذالك الأسد) حقيقيًا. قديمًا والده كان بنفس التواضع والشدة والذكاء. يبدو أن نجله الأكبر ورثهم عنه.
انتهى الزفاف بعد وقت ليس متأخر كعادة أفراح البسطاء. غادر رفعت المكان، لكن لم يبتعد كثيرًا. ذهب وجلس تحت إحدى تلك الشجيرات المزروعة على جانبي ذالك المجرى المائي الموجود خلف منزل العريس. جلس لوقت لا يعرف لماذا أصبح شعور الملل يرافقه. قطع فرع صغير من تلك الشجرة، وبدأ بقطع أوراقه ورميها بالمياه أمامه. لكن أثناء جلوسه بالمكان، سمع صرخة أنثوية. تبسم بفهم، فيبدو أنها زوجة ذالك العامل وأول ليلة لها. لكن عادت الصرخة وأقوى. نظر خلفه ونهض، وكان سيغادر المكان، لكن رأى خروج ذالك العريس من منزله وهو يحمل عروسه بين يديه التي تكاد تكون غائبة عن الوعي، وخلفه والده ووالدته تسب وتلعن فيه.
اقترب منهم قائلاً:
"إيه وشايل عروستك كده ليه؟ جرى لها إيه؟"
لم يرد العريس. رد عنه والده بخذلان:
"يظهر اتعامل مع عروسته بشوية اندفاع ومتحملتش. هاناخدها نوديها للوحدة يكشفوا عليها."
نظر رفعت للعامل، ورأى زيغ عينيه، أيقن أن هذا الحيوان تحت تأثير منشط. فقال:
"عربيتي قريبة من هنا، تعالوا ورايا بسرعة."
وبالفعل، ما هي إلا دقائق، وكان رفعت معهم بالوحدة الصحية. دخل ذالك العامل إلى الوحدة، ودخل إلى غرفة الكشف مباشرةً. قالت لهم إحدى الممرضات:
"معرفش الدكتورة زينب هنا ولا مشيت. هروح أشوفها بمكتبها."
بعد قليل، عادت الممرضة ومعها زينب، والتي لسوء الحظ أنها مازالت ساهرة بالوحدة. نظرت لوقوف رفعت ومعه ذالك الرجل العجوز وامرأة وشاب آخر. لم تتحدث ودخلت فورًا إلى غرفة الكشف.
بينما رفعت سمع ذم والدة ذالك العامل له، وإخبرها أن ما حدث لزوجته بسبب تلك المواد المنشطة التي يتناولها. جُن عقل رفعت، ولم يدري، وطبق في طوق ملابس ذالك العامل قائلاً:
"بقى يا حيوان، تبقى شغال طول اليوم وطالع عينك عشان آخر اليوم تضيع تعبك في تمن حباية ترامادول، تنشط بها جسمك، خلتك استقويت على مراتك."
صمت العامل بخذلان. قام رفعت بضربه بعض اللكمات. دافع عنه والده قائلاً:
"معلش يا رفعت بيه، هو خلاص بعد الليلة هيبطل الحبوب دي بعد ما شاف نتيجتها. سامحه يا رفعت بيه."
دفعه رفعت بعيدًا عنه قليلاً، كاد العامل أن يقع أرضًا لولا سنده بيدِه على الحائط. بينما رفعت وضع إحدى يديه، يمسح على وجهه، ينظر إلى العامل، يحدث نفسه ويلومها:
"على ماذا ألوم؟ على ذالك العامل البسيط. هو كان يتناول تلك المنشطات سابقًا كي تساعده على العمل دون الشعور بالإجهاد، واللّيلة تناولها كي تشجعه في التعامل مع زوجته كما اهتدى له عقله. حقًا تلك المنشطات خطيرة وتستنزف ماله وصحته، ولكن على ماذا ألوم العامل؟ أليس هو من يدفع آلاف الجنيهات لتلك العاهرات مقابل قضاء ليالي معهن بالحرام المقنن بنظره، بعقد عرفي؟ فالزواج العرفي بالنهاية ليس حرامًا كاملاً. فقديماً كانوا يتزوجون عرفيًا قبل اختراع سجلات الحكومة، كما أنه لم يكن يجبرهن، كان بالتراضي بينه وبين من يقضي معها الليالي، فأساس الزواج القبول والإشهار، وهذا ما كان يحدث مع تلك العاهرات. هكذا فسر له عقله الذي يعلم أن تفكيره مُخطئ، لكن يُنيم ضميره قليلاً بعد وقت ليس بالقليل."
خرجت زينب من غرفة الكشف ونظرت أمامها دون مقدمات، صفت ذالك العريس بقوة قائلة:
"أنا هوديك في داهية. البنت اللي جوه دي مش دي عروسة، وليلة دخلتها، دي مغتصَبة."
تدخلت والدة العريس تهدئ الموقف قائلاً:
"معلش يا ست الدكتورة، عريس جديد وإندفع شوية."
ردت زينب بسخرية:
"كل ده وإندفع شوية؟ أمال لو كان اندفع بقوة كان إيه، كان موتها."
أخرجت زينب من جيب معطفها الأبيض حُقنة، قائلة:
"مد إيدك يا حيوان عشان آخد عينة من دمك الزفر، متأكدة إنك واخد نوع من المنشطات، ويمكن كمان مخدرات."
عاد العريس للخلف وكاد يتهجم على زينب، لكن نظر باتجاه رفعت الواقف، وأخفض وجهه. لاحظت زينب نظره لرفعت وقالت بتهجم:
"مد إيدك، خليني آخد عينة من دمك الزفر، بدل ما أملى الحقنة هوا وأغرسها في قلبك أجيب آجلك."
ارتجف العريس ومد يده التي ترتعش. سحبت زينب عينة من دماء ذالك العريس، قائلة بسخرية:
"بترتعش دلوقتي ليه؟ مرتعشتش وإنت بتتهجم زي الحيوان على عروستك. غور في داهية إنت وأمثالك."
قالت زينب هذا وسارت خطوات لتقف للحظة تنظر لرفعت الواقف يكبت ضحكته على تهديد زينب لذالك العريس وخوفه منها. لكن هي تحدثت:
"هنتظر إيه من نوعية الحلوف ده، طالما بيشتغل عند الهمجي."
كاد رفعت أن يضحك، لكن مازال يتحكم في نفسه لا يريد إستفزازها أكثر، فيبدو أنها مازالت مغتاظة من فعلته السابقة.
دخلت زينب إلى مكتبها، وتناولت إحدى قطع الحلوى المنكهة بالنعناع بفمها، وخلعت عنها ذالك المعطف الأبيض، وعلقته على شماعة بالغرفة، ثم وضعت سماعتها الطبية على المكتب، استعدادًا لمغادرة الوحدة. لكن دخل رفعت عليها الغرفة دون طرق للباب.
نظرت زينب إليه قائلة:
"إيه الهمجية دي؟ إزاي تدخل عليا المكتب بدون ما تخبط عالباب؟ اتفضل اطلع بره، روح للحيوان الهمجي التاني اللي بيشتغل عندك، أكيد همجي بيشتغل عند همجي زيه."
نظر لها رفعت قائلاً بوقاحة:
"ممكن أكون همجي، بس لما بتعامل مع ست بحسسها إنها ملكة. عالعموم أنا مش هنا عشان كده. أنا لما كنتي عندي بالسرايا وكشفتي على جدتي، نسيت أديكي الفيزيتا."
نظرت زينب له بحنق، قائلة:
"فيزيتا! لأ خليهالك، اعتبر معاينتي لتيتا إنعام كادو مني. اتفضل اخرج من الأوضة، عشان أنا همشي من الوحدة ولازم أقفل الأوضة بنفسي قبل ما أمشي."
لكن قبل أن يرد رفعت، رن هاتف زينب. نظرت إلى الشاشة وتبسمت، ثم نظرت لرفعت قائلة:
"اتفضل اخرج من مكتبي، وبعد كده مش هسمحلك بهمجيتك دي، وهيكون ليا رد تاني عليها. وخلي الفيزيتا عشانك، اديها للحيوان اللي بيشتغل عندك، خليه يجيب بها محامي يدافع عنه بعد محضر تعاطي الترومادول. أنا احتفظت بالحقنة والصبح هبعتها للمعمل. وأما النتيجة اللي أنا متأكد منها تطلع، هعمل محضر وأحوله التحقيق، غير محضر عنف ضد مراته."
تبسم رفعت يقول:
"بس العامل مش محتاج لمحامي، لأن مش هيبقى في محضر من أصله. عارفة ليه يا دكتورة؟ لأني متأكد مراته مش هتتهمه بالعنف، وهتقول اللي حصل بينهم أمر طبيعي بين اتنين متجوزين جديد، شوية اندفاع أول مرة يقرب من ست وهي متحملتوش عشان كانت أول مرة لها، وأكيد إنتي فاهمة ولا أوضح أكتر."
نظرت زينب لرفعت وقالت له بغيظ:
"بره، إنت مش بس همجي وكمان وقح. غور، عاوزه أرد عالتليفون."
تبسم رفعت، فيبدوا أن الطبيبة لديها بعض الخجل. قال:
"ومين اللي بيرن عليكي دلوقتي؟"
ردت زينب بضيق قائلة:
"وإنت مالك، اتفضل اطلع بره، وبلاش تطمن قوي كده، لأن لو حتى مرات العامل شهدت في حقه، فهتبعد عنه إزاي قضية تعاطي الترومادول."
قالت زينب هذا وذهبت باتجاه الباب وفتحته قائلة:
"اتفضل بره المكتب، وبعد كده بلاش همجيتك دي معايا، متفكرش كل مرة هتقدر تحل الأمر بفلوسك."
رغم غيظ رفعت من طردها له، لكن انحنى بالقرب من أذنها قائلاً:
"ودي آخر مرة هسمحلك تطولي لسانك عليا يا دكتورة. كمان نصيحة مني، بلاش تثقي في الناس بسهولة وتطلبي منهم فلوس. صحيح هي لفعل الخير، بس النوعية دي قبل ما بتدي بتبقى عارفة هي هتاخد إيه. وحاولي تحطي بينك وبين هاشم الزهار حد فاصل، لأنه وغد مخادع."
ابتعدت زينب قائلة:
"أنا بفهم كويس في الناس. عضو مجلس الشعب، كل اللي عاوزه مقابل اللي دفعه هو إنه يظهر نفسه قدام الأهالي أنه الأجدر أن يمثلهم قدام الحكومة. إن كان هاشم وغد مخادع، فإنت همجي. وبتمنى مشوفش وشك تاني. بس ياترى إنت كمان إيه هدفك من وراء المبلغ اللي دفعته."
نظر لها رفعت قائلاً:
"ليس كل ما يتمناه المرء يدركه. وأنا ماليش أي هدف من وراء المبلغ اللي دفعته، لأن مش أنا اللي دافعه من جيبي، ده صدقة عن الشخص اللي كان يستحق. يبقى مكاني دلوقتي، عن إذنك يا دكتورة، ردي على تليفونك، لا اللي بيطلبك يزهق."
خرج رفعت من الغرفة، أغلقت خلفه زينب الباب، تزفر أنفاسها بضجر، ثم ردت على الهاتف، قائلة:
"إزيك يا مجد."
تبسم مجد قائلاً:
"مالك؟ شكل صوتك مضايق. إيه مش عارفة تمارسي هوايتك في التقلب."
تبسمت زينب قائلة:
"مش مضايقة ولا حاجة، أنا بس مرهقة من الشغل، يادوب أهو لسه قالعة البالطو وكنت هروح للسكن أستريح. وبعدين أنا الدكتورة زينب السمراوي، محدش بيرفضلي طلب."
تبسم مجد قائلاً:
"مش عارف إزاي بتقدري تأثري عليهم ويعطوكي اللي عاوزاه. طب أنا أخوكي وقلبي طيب، وبقول شحاتة دول ليه بيسلموا بسرعة ويعطوكي الفلوس اللي طلبتيها منهم."
تبسمت زينب قائلة:
"مفيش حد بيدي حاجة ببلاش يا حبيبي، كل واحد له هدف من وراء ده، وأنا فاهمة كل واحد كويس وعارفة نيته. مفيش غير الهمجي اللي اسمه رفعت الزهار ده، مش عارفة أوصل نيته إيه."
تبسم مجد قائلاً:
"يمكن نيته الدكتورة زوزي نفسها."
ردت زينب بلذاعة:
"كويس إنك بعيد عن إيدي، كنت رديت عليك رد مناسب."
ضحك مجد قائلاً:
"ربنا يبعد شرك عني. ها مش قبضتي مرتبك؟ فين الألف جنيه اللي كنت واخداهم سلف؟ مش هترديهم بقى؟"
ضحكت زينب قائلة:
"السلف تلف والرد خسارة يا عزيزي، واللي بيروح عند الحكومة مش بيرجع تاني."
رد مجد:
"شحاتة وهتفضلي طول عمرك شحاتة يا زوزي، رغم إن عندك ملايين."
تبسمت زينب قائلة:
"فين الملايين دي!"
رد مجد:
"العمارة والبيت اللي عمتو الله يرحمها كتبتهم باسمك."
تبسمت زينب قائلة:
"البيت أهو في الفيوم مقفول من يوم عمتو ما ماتت، والعماره إيجار قديم، يعني إيرادها ملاليم، وساكتة بسبب وصية عمتو إن مطلعش منها سكان، واعتبر إيراد العمارة دي صدقة على روحها."
تبسم مجد قائلاً:
"ما عشان كده عمتو حرمتني من الميراث، عارفة إني معنديش ضمير، كنت طردت السكان وهديت العمارة وشيدت برج سكني مكانها، وأخدت الروف بتاعها، واتجوزت فيه."
تبسمت زينب قائلة:
"يلا ربنا يرحمها، وبعدين يا غبي، اللي محدش يعرفه غيرنا، إن العمارة وبيت الفيوم مناصفة بيني أنا وأنت. عمتو كانت واهمة اللي حواليها إنها كتبتهم باسمي لوحدي، عشان كانت تطمع الغبي سميح اللي ظهر على حقيقته. يلا ربنا يسهله."
تبسم مجد قائلاً:
"سميح غبي فعلاً، وأخد جزاء طمعه. كفاية خسرك، إنتي كنتي هتبقي أكبر مكسب وصل له في حياته. يلا مالوش في الطيب نصيب."
تبسمت زينب قائلة:
"بقولك إيه، سيبك من سيرة سميح. سمعت كده إشاعاته بتقول إنك اشتريت الشقة اللي قصاد شقة بابا وماما."
تبسم مجد قائلاً:
"بالقسط والله، دفعت نص تمنها والباقي على أقساط. قبل ما تفكري إني معايا تمنها، وماما هي اللي اتوسطت عن الست جارتنا، عاوزة مرات ابنها تبقى جنبها وتعمل فيها فردوس محمد."
تبسمت زينب قائلة:
"أهو كويس مراتك تبقى تغسل المواعين بدل بابا."
ضحك مجد قائلاً:
"فشر مراتى! أنا هجيب لها غسالة أطباق. بس أنا مش خايف على مراتى من ماما، أنا خايف عليها منك تعملي عليها مرات أخ غلولة وعانس."
ضحكت زينب قائلة:
"هجيبهالك من شعرها كل يوم."
تبسم مجد قائلاً:
"مش أما تبقي ترجعي للقاهرة تاني، بسبب طول لسانك. مش عارف ليه حاسس إنك هتفضلي في الشرقية عندك، تقلبي في أهلها. بس اللي عندي فضول ونفسي أشوفه، هو رفعت الزهار ده. الإجازة الجاية، هجيلك الشرقية بنفسي، عشان أشوفه."
ردت زينب ساخرة:
"شافتك العافية، راجل زي بقية الرجالة وهمجي. هتعمل زي ماما ما بتقول عليه. واضح إنه يليق عليه لقب (فارس)، هو اللي يليق به لقب همجي. يلا خلاص أنا هنجت ومحتاجة أنام. أما تفضي تاني كلمني."
تبسم مجد قائلاً:
"تصبحى على خير يا زوزي، بتمنالك كوابيس سعيدة مع الهمجي."
اغتظت زينب وأغلقت الهاتف بوجه مجد، الذي تبسم.
***
بينما بخارج مكتب زينب.
حين خرج رفعت وقف جوار الباب، يتنهد. لديه بداخله شعور لا يعلم تفسير له. تلك الطبيبة تثير بداخله مشاعر لا يعلمها، ليست رغبة رجل بامرأة. أغمض عينه لثوانٍ، دخل إلى فؤاده رائحة فمها المنعشة بالنعناع، ود تقبيلها، ليس شهوةً منه، بل أمنية يريد تحقيقها. تلك الطبيبة أصبحت تستحوذ على تفكيره. فتح عينيه سريعًا، ونهر نفسه قائلاً:
"جرى إيه يا رفعت، فيها إيه الدكتورة زيادة عن غيرها؟ دي حتى مفيهاش شيء يجذب أي راجل ليها، سواء كان لبسها اللي شبه لبس الشباب بالبنطلون الجينز والقميص فوقها، ده لو مش لابسة حجاب مكنتش تفرق عن الشباب، وكمان لسانها وشراستها. فوق يا رفعت، كل ده بسبب هاشم الزهار، إنت عارف إنه رمى عينه عليها، بس لازم أحرق قلبه قبل ما يطولها."
***
انتهت تلك الليلة وبدأ نهار جديد.
بمنتصف النهار.
بمنزل صفوان.
فتحت فادية الباب، وتبسمت للواقف أمامها الذي قال:
"مساء الخير يا ست فادية، أنا صابر سواق عند رامي ورفعت بيه، وهو أمرني أوصل الحاجات اللي معايا في العربية لهنا."
تبسمت له فادية قائلة:
"اتفضل."
أدخل صابر أكثر من صندوق ورقي كبير إلى داخل المنزل، ثم استأذن وغادر. أغلقت فادية خلفه الباب. خرجت كل من مروة وليلى، التي قالت:
"مين اللي كان بيخبط يا ماما، وإيه العلب الشيك دي فيها إيه؟"
ردت فادية وهي تنظر إلى مروة قائلة:
"سواق رامي جاب العلب دي وقال إنها منه وساب الظرف ده وقال من رامي لمروة."
خطفت ليلى الظرف من يد فادية، قائلة:
"أكيد رسالة غرامية. افتحها أقرأها وبعدها نشوف العلب الشيك دي فيها إيه."
فتحت ليلى الظرف، وقرأت تلك الرسالة الصغيرة:
"أتمنى فستان الزفاف يعجبك، ذوقي، مع إني عارف إني ذوقي راقي بدليل إني اخترتك دون عن بنات حواء، جميلة الجميلات."
وضعت ليلى الرسالة على طاولة بالصالة، وفتحت إحدى العلب وقالت بانبهار:
"بس ده مش فستان زفاف، ده فستان حنة، لونه أزرق زي لون البحر من بعيد، وكمان محشم، واو. أما أشوف العلبه التانية دي فيها إيه، أكيد فستان الزفاف."
فتحت ليلى العلبة الأخرى، بالفعل بها فستان زفاف. انبهرت ليلى أكثر قائلة:
"الفستان يهوس، ده روعة. الفستان بيشبه فستان سندريلا."
تضايقت ليلى قائلة:
"ما هو فعلاً فستان سندريلا، بس مش اللي حبها الأمير، لأ اللي اشتراها بفلوسه. بس كفاية كده."
قالت مروة هذا وحملت حقيبتها وخرجت من المنزل مُسرعة.
نظرت ليلى لفادية قائلة باستغراب:
"مروة مالها، ورايحة فين دلوقتي."
ردت فادية:
"ربنا يستر، مش عارفة ليه قلبي مش مطمئن."
***
بعد قليل، بغرفة الصالون الكبيرة بسرايا الزهار.
وقفت ليلى تشعر أن ثواني الانتظار ساعات. بالفعل، ها هو رامي يدخل إلى الغرفة مبتسمًا، ينظر لها بشوق وعشق.
تحدثت مروة بتهجم قائلة:
"إيه اللي في العلب اللي إنت باعتها عندنا للبيت دي؟"
رد رامي:
"العلب دي فيها فستان للحنة وفستان للزفاف، عادي جدًا أي عريس ممكن يجيبهم لعروسته، وسبق وبعت ليكي كتالوجات تختارى اللي على مزاجك، ومردتيش عليا، فاخترت أنا على ذوقي. وعلى العموم، لو مش عاجبينك لسه في وقت نقدر نبدلهم ونجيب اللي يعجبك."
اقتربت مروة من رامي، ورفعت سبابة يدها اليمنى قائلة:
"أنا مش عاجبني الجوازة كلها. سبق وقولت لك إنت آخر راجل أتجوزه. هو إيه الجواز بالغصب."
اقترب رامي يحاول ضبط نفسه قائلاً:
"فعلاً بالغصب، سبق وطلبت بالرضا وموافقتيش، يبقى مفيش غير طريق الغصب."
تحدثت مروة بتهجم وغيظ قائلة:
"قولتلك قبل كده إني مستحيل أتجوزك، مش بس عشان إنت مسخ مشوه، لأ كمان عشان بكرهك يا رامي."
ياااا... لم تكمل مروة قولها، على حين غرة جذبها رامي، يضمها بين يديه، ليس هذا فقط، بل يُقبل شفتيها. في البداية مُعنفًا، ثم تهاوت قُبلاته وهي مستكينة بين يديه. لكن فجأة عادت مروة من سطوته المفاجئة عليها ودفعته بيديها، لكن أطبق رامي يديه حول جسد مروة وظل يُقبلها إلى أن شعر بانقطاع نفسيهما. ترك شفتيها، لكن مازالت بين يديه، يستنشقان الهواء، إلى أن عاد تنفسيهما طبيعيًا.
نظرت له مروة بحدة، وبرد فعل تلقائي، كانت صفعة قوية على وجه رامي، وكانت ستصفع الأخرى، لكن أمسك رامي يدها قائلاً:
"مروة بلاش تستفزيني أكتر من كده. وارضي بنصيبك، إنتي هتبقي ملكي بمزاجك أو غصب عنك، مفيش قدامك اختيار تالت، فأرضي بمزاجك ووفرى مجهودك ده ينفعك معايا بعدين."
جذبت مروة يدها من يد رامي وقامت بضربه بحقيبة يدها على كتفه، ولسوء حظها، كانت الحقيبة غير مغلقة جيدًا، ووقعت محتوياتها أرضًا. لكن هناك شيء لفت انتباه رامي، هو لمعة ذالك الخاتم. انحنى وألتقطه من على الأرض، مندهشًا. نظر لمروة، ثم نظر للخاتم مذهولاً يقول:
"الخاتم ده بتاعي، وفكرته ضاع من زمان. إزاي وصل ليكي؟ ردي يا مروة."
لم ترد عليه مروة وتركت السرايا وغادرت مسرعة، حتى أنها كادت تخبط بأحد جدران السرايا دون انتباه منها. بينما وقف رامي مذهولاً ينظر إلى ذالك الخاتم، كيف وصل إلى مروة. هو ظن أن هذا الخاتم احترق يوم حريق السرايا.
***
ليلاً.
صعدت مروة على سطح المنزل.
كانت ليلة قمرية، بطقس ربيعي، تشوبه بعض الرياح الخماسينية المحملة ببعض الأتربة الناعمة، كعادة الطقس في هذا الوقت من العام. نظرت إلى القمر وتلك النجوم حوله، شعرت بهالة القمر بين النجوم. لكن كان القمر يسير بالسماء. سارت معه على سطح المنزل، تُتابع سيره، بعقل طفلة تعتقد أن القمر في السماء يسير مع خطواتها. تبسمت، وصعدت على سور المنزل، ووقفت تنظر للقمر. هو توقف عن السير مثلها. أغمضت عينيها بسبب بعض ذرات الرمل دخلت لعيناها. لكن سمعت صوت فزعها من خيالها مع القمر، يقول بحدة:
"مروة واقفة على سور البيت ليه."
انخضت مروة وفتحت عينيها. هبت نسمة قوية ببعض الرمال دخلت عينيها. أغمضت عينيها، وبرد فعل تلقائي تحركت دون أن تحذر منه، لتهوي جسدها، يفصل وجدانها عن الوجود. لا ترى أمامها سوى القمر.
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل العاشر 10 - بقلم سعاد محمد سلامة
قبل قليل بمنزل هاشم الزهار.
كانت مُهره تجلس في تلك الشرفة المطلة على حديقة المنزل، بيدها كتاب تقرأ فيه. لكن رفعت وجهها عن الكتاب صُدفة، تبسمت حين رأت من يدخل إلى المنزل. هو الآخر تبسم وأشار لها بيده، إلى أن صعد تلك السلالم القليلة وأصبح أمامها. انحنى يُقبل يدها قائلاً:
"مُهرتي الجميلة، اللي أحلى من القمر."
تبسمت مُهره قائلة:
"بس يا بكاش، زعلانة منك، بقى أعرف إنك هتتجوز زي الناس الغريبة، وجيت بعد ما رفعت كلمني من شوية."
تبسم رامي قائلاً:
"رفعت كلمك؟ والله ما أعرف، والله ما أقدر على زعلك، الموضوع جه كده بسرعة وكمان أنا جايلك أهو بنفسي أسترضيكي. وبعدين انتي مش محتاجة دعوة، انتي أخت العريس الكبيرة وكمان مين اللي هتحني العروسة بإيديها الحلوة دي."
تبسمت مُهره قائلة:
"بكاش، ماشي هحنيهالك. شفتي عروستك قبل كده؟ عرفت تنقي يا واد؟ عقبال رفعت وكمان وسيم أفرح بيهم كمان قريب."
تبسم وسيم الذي أتى قائلاً:
"لأ، أنا لسه شوية على ما آخد القرار. عندي الأهم دلوقتي، بس شفتي عروسة الواد ده فين؟"
ردت مُهره:
"كانت مع مامتها في حنة ابن النايب، والصدفة قعدت جنبي. بس قمر، كان المفروض يسموها قمر مش مروة."
لفت اسم مروة انتباه وسيم قائلاً:
"هي العروسة اسمها مروة؟"
تنهد رامي قائلاً:
"أيوا، بس تعرف العروسة عندها أختين كمان، بفكر أجوزك واحدة منهم وأهو بدل ما نبقى الأخوات أعداء نبقى عدايل وأعداء برضه."
ضحكت مُهره قائلة:
"مين اللي أعداء؟ ولاد أخواتي مستحيل يبقوا أعداء، عاوزاكم زي زمان كده. فاكرة لما كان يجي لوسيم جواب استدعاء لولي الأمر من المدرسة، كنت بروح المدرسة ألاقي رضوان هناك، وأطيبها لكم."
تبسم رامي قائلاً:
"على فكرة يا مُهرتي، الواد وسيم ده كان بينضرب كتير، لو مش أنا كنت بدافع عنه."
ضحكت مُهره قائلة:
"مين اللي كان بيضربه؟ انتوا كنتم عاملين إرهاب في المدرسة، ولو المدرسة ما كانتش خاصة، كانت هترفدكم بلا رجعة."
تبسم وسيم يقول:
"سيبك، وأخوات عروستك دي حلوين زي ما ماما بتقول عليها كده، عايزين نضمن جودة النسل الجديد."
ضربت مُهره على يد وسيم بخفة قائلة:
"بلاش تبقى وقح، انت دكتور في الجامعة، لازم تكون مهذب."
تبسم رامي قائلاً:
"أنهي واحدة فيهم؟ ليلى ولا هبة؟ بصراحة حماتي حلوة وبناتها طالعين لها، كويس ماخدوش حاجة من أبوهم."
تبسمت مُهره:
"فعلاً فادية حلوة، إنما صفوان، أعوذ بالله. بس واضح إنها عندها أخلاق، لاحظت ده فيها يوم الحنة، وفادية عرفتني عليها. ربنا يهنيكم."
لفت اسم ليلى انتباه وسيم، وقال:
"أنت هتتجوز بنت صفوان المنسي السايس؟ طب فين الفوارق الاجتماعية؟"
تعجب رامي قائلاً:
"انت فين يا عم؟ أنا مش قايلك من كام يوم لما كنا عند الترعة؟ وبعدين أنا ما يهميش مين باباها ولا مامتها، أنا اللي يهمني هي، وأنا بحبها. الفوارق الاجتماعية دي ملهاش مكان عندي."
تبسم وسيم بشعور لا يعرفه، هو ليس متضايق. كأن مروة لا تعنيه، ربما ما شعر به سابقاً لم يتخطى الإعجاب، لكن حين ذكر اسم ليلى انتبه عقله.
تحدث وسيم:
"فعلاً لما يكون فيه حب حقيقي الفوارق الاجتماعية بتبقى آخر شيء تقف قصاد الحب. عندك أمي زمان حبت السايس واتجوزته وكانوا سعداء."
تبسم رامي قائلاً بمزح:
"هما تلاقيهم كانوا سعداء لحد انت ما شرفت للدنيا."
ضحك رامي، بينما مُهره شعرت بغصة قوية في قلبها لما لم تفعل مثل أختها. ربما كان لديها أبناء كهذين الشابين تفرح وتمرح معها مثل الآن، لكن فات أوان الندم.
بينما يمزح ثلاثتهم معاً، دخلت سيارة فخمة إلى المنزل. نظروا باتجاه صوت زامور السيارة.
تحدثت مُهره قائلة:
"واضح إن فيه ضيف جانا."
نظر كل من وسيم ورامي إلى ذلك الشخص الذي نزل من السيارة متأنقاً يرتدي ثياباً منمقة بعلامات تجارية عالمية شهيرة.
نهض كل من وسيم ورامي، الذي قال:
"هشام الزهار! إيه اللي جابه ده؟ ربنا يستر، ما فيش مرة جه هنا إلا وحصل مصيبة بعدها. أنا عندي تجهيزات فرح وكده، يلا يا مُهرتي متنسيش حنة العروسة بكرة، لازم تحنيها بإيدك."
تبسمت مُهره له قائلة:
"خد وسيم معاك واختفوا دلوقتي، ربنا يستر وبلاش حركات عيال قدام هشام، الله يبارك فيكم، مش ناقصة، كفاية مصدقت رجعتوا لهنا من تاني."
قبل أن يصل هشام إلى مكان جلوس مُهره، كان رامي ووسيم يسيران بعيداً من ممر آخر بالحديقة.
بينما ذهب هشام، التي وقفت مُهره ترحب به قائلة:
"أهلاً يا هشام، نورت الزهار، من زمان مجيتش لهنا. جاي ليه؟ قصدي خير؟"
رد هشام بنزعك:
"إيه يا مُهره؟ ناسية إن الزهار بلدي اللي اتولدت وعشت فيها؟ ولا عشان ظروفي حكمت أعيش في إسكندرية أنسى أهلي؟ هو ده استقبالك ليا؟ فين هاشم؟"
ردت مُهره:
"مش قصدي، انت طبعاً مرحب بيك يا هشام. تلاقيه في مزرعة الخيل، بس طمني على بناتك مجوش معاك ليه؟"
رد هشام:
"بناتي كويسين، بقالهم فترة عايشين مع مامتهم في اليونان، بزورهم من وقت للتاني وأوقات هما بيجوا إسكندرية. بس ليه رامي ووسيم مشيوا لما شافوني؟ مش المفروض يجوا يسلموا عليا؟ ولا مش مالي عينك ولا مش قد مقامهم؟ خلاص كبروا وهيكبروا عليا."
ردت مُهره:
"ليه لازمته كلامك ده؟ وهيكبروا عليك ليه؟ هما كانوا ماشيين أصلاً، أكيد مش شافوك. الزمن بيغير الملامح برضه، وانت بقالك مدة بعيد عن هنا وناسين ملامحك، أنا نفسي معرفتكش غير لما قربت عليا."
رد هشام:
"جايز برضه يكون شكلي خال عليهم. بس إيه اللي سمعته ده؟ رامي ابن رضوان ابن عمي هيتجوز ونسي يدعيني؟ ليه خلاص مبقتش من العيلة؟"
ردت مُهره:
"لأ إزاي، هو الجواز جه بسرعة كده، شباب بقى ومستعجلين. أنا بنفسي كنت بلومه وبقوله ليه الاستعجال؟ اتأنى شوية، بس طيش شباب."
رد هشام:
"طيش إيه؟ رامي ووسيم خلاص داخلين على الثلاثين، وطيش إيه اللي ينسى رامي الواجب؟ لما أعرف من الغُرب؟ هو كان في إسكندرية ودعا بعض أصدقائي وواحد منهم هو اللي قالي. افتكر دول ونسيني أنا ابن عم رضوان، يعني في مقام عمه. كبر خلاص وفكر إنه من غيرنا إحنا الكبار يسوى شيء."
تحدثت مُهره:
"لأ طبعاً ميقدرش يتكبر عليك وانت فعلاً عمه وخليك الكبير."
رد هشام:
"تمام، هكبر عقلي. سمعت إن وسيم كمان بقى دكتور في الجامعة بعد ما رجع من لندن، واضح إن الجيل الجديد هيتفوق علينا."
كانت مُهره بداخلها تتمتم قارئة المعوذتين، تخمس بيدها وتقول:
"يارب احميهم من عينيك، يارب استر يارب."
***
بحديقة سرايا رضوان الزهار.
كان رفعت نائماً فوق تلك الحشائش، مغمض العين فقط. ليس نعساً لكن أتى لخياله الحريق الذي ترك بصمته على قلبه. فتح عينيه، نظر لأعلى، القمر بدر مكتمل. للحظة، رأى بصورة القمر بسمة تلك الطبيبة. تنهد بطوق لرؤيتها مجدداً. ما بها دون عن النساء؟ ينجذب لها سريعاً. يبتسم حين تتهجم عليه. لما لا يضع لها حداً كغيرها؟ لم يسمح لأحد سابقاً فقط أن يتحدث بفظاظة معه. أما هي، يبتسم على تهجمها ونعتها له بالهمجي. تذكر يوم أن جاء بها إلى هنا للكشف على جدته وتهجمها عليه قبل أن تغادر السرايا.
فلاش باك.
وضع رفعت عباءته على كتف زينب قائلاً:
"ميصحش تطلعي من السرايا ويشوفك الحرس اللي بره بالبيجامة."
نظرت له زينب باستخزاء وقالت بتهجم:
"وبالنسبة لك عادي تشوفني بالبيجامة؟ لأ والله، وعندك نخوة؟ كان عقلك فين وانت باعتلي نسوان يخطفوني؟ بس تمام، حلوة العباية، عقبال ما ألبسها وأنا جاية أعزي فيك."
تبسم رفعت ببرود يقول:
"هبقى سعيد في قبري وأنا عارف إن الدكتورة زينب هتحضر عزائي."
تبسمت زينب بسخافة، واستدارت لتغادر، لكن أوقفها رفعت مرة أخرى، حين رأى تلك الضفيرة من شعرها منسدلة من أسفل الحجاب قائلاً:
"استني يا دكتورة، شعرك نازل ورا ضهرك من الحجاب."
وضعت زينب يدها خلف ظهرها وأدخلت شعرها أسفل الحجاب، ولم ترد وسارت للخارج.
وقفت تنظر بتعجب إلى المكان قائلة:
"شكلي وقعت في فيلم حرب طروادة، أسوار عالية تقفل العالمكان، ولا يكون ده سور الصين العظيم ونقلوه مصر؟ ما هي الصين غزت العالم كله."
تبسم رفعت من خلفها قائلاً:
"لأ، ده مش سور الصين، ولا فيلم طروادة، دي سرايا رضوان الزهار، واتفضلي خليني أوصلك لحد السكن بتاعك، أكيد مش هتقدري تمشي كتير على رجلك وكمان اعتبريه شكر مني."
ردت زينب وهي تنظر لكم الأضوية الموجودة بالمكان، رغم أن الوقت غسق بعض الشيء، لكن أنوار المكان تشبه النهار الساطع، المكان كله مكشوف ومضاء، أيقنت أن ما هذه إلا بزخ.
وقالت:
"تمام، ممكن توصلني للسكن، وهعتبره اعتذار منك على خطفك ليا بالطريقة دي."
تبسم رفعت قائلاً:
"أنا مقلتش اعتذار، قولت شكر مني، وعلى العموم اعتبريه زي ما انتي عاوزة، مش فارقة معايا."
ردت زينب:
"تصدق إن أحسن لي أمشي ومش عاوزة منك توصلني بعربيتك."
قالت زينب هذا ونزلت بضع درجات السلم وسارت قليلاً، لكن تبسم رفعت وهو يفتح باب السيارة قائلاً:
"اتفضلي اركبي يا دكتورة، الوقت لسه ضلمة يقابلك كلب ضال وشباب من اللي بيسهروا على القهاوي."
نظرت زينب له قائلة:
"مش بخاف من الضلمة ولا من الكلاب الضالة، ولا حتى الشباب اللي بيسهروا يشربوا مخدرات على القهاوي، بس هركب، ومش عاوزة أسمع صوتك لحد ما توصلني للسكن، ومش عاوزة لا شكر ولا اعتذار منك."
تبسم رفعت وهو يغلق باب السيارة بعد أن صعدت زينب، ثم توجه إلى الباب الآخر وجلس خلف المقود. لم يتحدث رفعت طوال الطريق، كذلك زينب التي التزمت الصمت. لكن رفعت من حين لآخر كان ينظر لها ويكبت بسمته. انتهى الطريق في لحظات بالنسبة له، أما هي شعرت أنها بالسيارة منذ ساعات. مجرد أن وصل أمام مكان السكن، نزلت سريعاً دون أن تتحدث ودخلت إلى السكن. شعر رفعت بعد أن نزلت زينب من السيارة بخواء. لما تمنى أن يطول الطريق بهما. لأول مرة تحرك امرأة بداخله. شغف. تنهد رفعت براحة يشعر بها منذ زمن طويل يفتقدها. أدار سيارته مغادراً.
بينما زينب بمجرد أن دخلت للشقة، خلعت عنها العباءة ورمتها على أحد المقاعد قائلة:
"همجي، حتى كلمة اعتذار مستكبر يقولها، بتمنى مشوفش وشه تاني، عبايته دي أنا هحرقها ومش هرجعها له تاني."
عودة.
بينما رفعت سارح بخياله يفكر بزينب، شعر بمياه مثلجة تُسكب على صدره وهو نائم. شهق ونهض ونظر أمامه. رأى تلك الواقفة بيدها دورق مياه به مياه ومعها قطع ثلج تذوب. أعطت للمياه برودة قاسية وبعض مكعبات الثلج أيضاً وقعت عليه.
تحدث بشهقة قائلاً:
"إيه يا جدتي؟"
ردت إنعام:
"انت اللي فيك إيه؟ نايم كده على الحشيش وسهيان على نفسك؟ وكمان فين الصايع أخوك؟ عمتاً مش مهم، دلوقتي أنا عاوزة أكلم زوزي حبيبتي، عاوزة أسمع منها كلمة 'تيتارد'."
رفعت:
"تكلميها فين دلوقتي؟"
ردت إنعام:
"أكلمها عالموبايل."
رد رفعت:
"للأسف نسيت آخد رقمها."
ردت إنعام:
"بس هي إدت رقمها لمحاسن وقالت لها تتصل عليها في أي وقت، وموبايل محاسن معايا أهو، بس معرفش أشتغل عليه، أصله تاتش وأنا مش بعرف أتكلم غير من موبايلي أبو زراير ده."
تبسم رفعت قائلاً:
"طب وإيه اللي جاب موبايل محاسن معاكي؟"
ردت إنعام:
"أنا استعارته من غير هي ما تعرف. يلا خد موبايل محاسن، وانقلي رقم زوزي على موبايلي."
تبسم رفعت وفتح هاتف محاسن، بحث بين الأسماء وجد اسم زوزي، فعلم أنه رقم زينب. بالفعل نقل رقم هاتف زينب على هاتف جدته، وأعطاها هاتفه.
ضغطت إنعام على زر الاتصال، ثم نظرت لرفعت قائلة:
"بيرن."
تبسم رفعت، بينما قام بإرسال رقم زينب من هاتف محاسن إلى هاتفه.
انتبهت جدته على صوت الرسالة قائلة:
"موبايلك جاله رسالة منين؟"
رد رفعت ببساطة:
"يمكن من شركة الاتصالات، ركزي انتي في موبايلك اللي بيرن."
فرحت إنعام قائلة:
"زوزي ردت."
وقالت لها بعتاب دون ترحيب:
"كده يا زوزي؟ مش تسألي على تيتا؟ هو الواد رفعت زعلك؟ أنا عارفة إنه معندوش ذوق."
تبسمت زينب قائلة:
"فعلاً حفيدك يا تيتا معندوش ذوق، بس مش هو السبب. السبب الحقيقي، والله مشغولة في الشغل. بس أوعدك في أقرب وقت هجيلك بنفسي أطمن عليكي، وخلاص رقم تليفونك معايا هسجله وهبقى أتصل أطمن عليكي باستمرار. بس عايزة، وعايزاكي تحافظي على أكلك، بلاش بسبوسة وسكريات كتير."
تبسمت إنعام قائلة:
"هستناكي يا زوزي، وكمان مش هاكل بسبوسة غير معاكي. في أمان الله."
أغلقت إنعام الهاتف ونظرت لرفعت قائلة بتهجم:
"انت واقف كده ليه؟ بتتصنت عليا وأنا بتكلم مع زوزي؟ إيه قلة الأدب دي؟ مين اللي هعلمك التصنت؟"
تعجب رفعت، وشهق بعد أن ألقت عليه بقية المياه المثلجة التي كانت بالدورق قائلة:
"بعد كده ممنوع تتصنت يا همجي."
رغم شعور رفعت ببرودة المياه، لكن تبسم، ونظر للسماء متنهداً يطلب الصبر على أفعال جدته. لكن تبسم أكثر حين عاود كلمة "همجي". جدته من أين أتت بتلك الكلمة؟ يبدو أن لتلك الطبيبة تأثير على شخص آخر غيره بالعائلة.
***
بالعودة لمنزل صفوان.
تلجم صفوان للحظات مكانه وهو يرى مروة تهوي من فوق السور، لكن فاق سريعاً على أمل أن ينقذها. لكن حين اقترب من السور كان قد فات الوقت، هي تهوي إلى أسفل.
زهد عقله، وتوجه للنزول سريعاً، بينما مروة في الهواء تشعر أن عقلها فصل عن الوجود، لا تشعر بشيء. كما يقولون، ساعة القدر يعمي البصر، لم تشعر بشيء سوى الألم، حين ارتطم جسدها بتلك الخيام المكومة أرضاً، صرخت من الألم صرخة واحدة وغابت عن الوعي. ربما هذا من لطف ربنا بها.
اصطدم صفوان وهو ينزل على السلم بفادية التي سمعت صرخة. نظرت فادية لصفوان قائلة:
"مالك نازل على السلم بتنهج كده ليه؟ ومين اللي صرخ بره ده؟"
لم يرد صفوان وتركها وخرج مسرعاً. خرجت خلفه فادية التي وقفت هي الأخرى، عقلها يشت. ابنتها ممددة لا تتحرك على تلك الخيام المكومة. لكن صرخت وتوجهت وجثت على ركبتيها وتحدثت باستجداء:
"مروة مالك؟ قومي يا روحي قومي، محدش هيقدر يغصبك تتجوزي من رامي."
لكن مروة لا تتحرك.
صرخت فادية ليلتف الجيران حولها يتعشون على تلك الشابة التي علموا أنها سقطت من فوق السطح. جثت إحدى الجيران، العرق النابض برقبة مروة، وقالت:
"مروة عايشة."
فرح صفوان الذي نزلت دموع عينيه وكاد أن يحملها، لكن منعته تلك المرأة قائلة:
"بلاش تحركها من مكانها، اتصلوا بإسعاف الوحدة، يجوا يشلوها بحذر."
بالفعل اتصل أحدهم بالوحدة، ما هي إلا دقائق وكانت مروة بسيارة الإسعاف تدخل إلى الوحدة.
توجهت فادية إلى غرفة زينب قائلة وهي تبكي وتلهث:
"بنتي يا دكتورة، بنتي هتروح مني."
نهضت زينب قائلة:
"اهدئي يا حاجة واطمئني، بنتك فين؟"
ردت فادية:
"لسه داخلة الوحدة دلوقتي."
تحدثت زينب قائلة:
"تمام، اطمني، تعالي معايا."
في دقائق كانت زينب تفتح باب غرفة الأشعة بالمشفى وهاتفت المسؤول عنها والذي أتى مضطراً، كذلك طبيب عظام مختص. ووقفت على رأسهم بغرفة العمليات الخاصة بالوحدة. يقفون جميعاً بالغرفة يداوون بعض كسور وجروح مروة.
بينما بسرايا الزهار.
تبسم رفعت وهو يستقبل كل من وسيم ورامي قائلاً:
"جايين منين؟"
رد رامي:
"أنا كنت بدعي عمتي مهره واتقابلت مع وسيم، بس فيه ضيف غير مرغوب فيه وصل، فهربنا منه قبل ما تصيبنا لعنته."
تبسم رفعت قائلاً باستفسار:
"ومين الضيف ده؟"
رد وسيم:
"خالي هشام."
استغفر رفعت وقال:
"خير، من مدة مجاش للبلد، إيه اللي جابه؟ ربنا يستر، أكيد هتفضل هنا يا وسيم لحد ما خالك يرحل."
تبسم وسيم قائلاً:
"مفيش حل تاني، وكمان عشان أبقى جنب العريس أديه حافز."
تبسم رفعت، لكن قبل أن يساعد وسيم في المزح، دخل أحد العاملين يلهث قائلاً:
"رامي بيه، كان فيه صريخ قدام بيت صفوان المنسي وبيقولوا بنته وقعت من على السطح."
تلهف رامي قائلاً:
"بنته مين؟"
رد العامل:
"معرفش يا بيه، أخدوها وراحوا للوحدة، بس واحد من الجيران سألته قالي الآبلة مروة."
تلهف رامي يركض سريعاً، وخلفه رفعت ووسيم. بعد دقائق كانوا بالوحدة. اقترب رامي من مكان وقوف صفوان، ومسكه من تلابيب ثيابه قائلاً:
"مروة فين؟ جرالها إيه؟ عملت فيها إيه؟"
قال رامي هذا وكان سيلطم صفوان، لكن مسك يده رفعت قائلاً:
"اهدأ يا رامي."
تحدث صفوان الذي يبكي قائلاً:
"والله ما عملت فيها حاجة، أنا كنت طالع عالسطح أنور لعمال الفراشة علشان ينصبوا فراشة الحنة، لقيتها واقفة على سور السطح، ولما كلمتها رمت نفسها، وملحقتش. وقعت على خيام الفراشة."
ذهل عقل رامي قائلاً:
"يعني إيه؟ مروة انتحرت؟"
بينما وسيم حين رأى ليلى تقف بأحد أركان المكان تبكي بشدة، لا يعرف سبب، لتقرب منه وقام بإعطائها علبة محارم ورقية. نظرت له ليلى بدموع وأخذتها منه باكية. لا يعرف لما أراد أن يجذبها لحضنه ويطبطب عليها ويواسيها، لكن اقتربت أختها التي تبكي هي الأخرى وحضنتها. بينما فادية تجلس على أحد المقاعد تبكي بانتحاب. إحدى زهراتها ألقت بنفسها للموت دون أن تفكر في شعور والدتها.
نهضت فادية وذهبت لمكان توقف صفوان وتهجمت عليه قائلة:
"إنت السبب، عمرك ما كنت أب لبناتك، عمرك ما حسستهم إن لهم ضهر يتسندوا عليه. مروة انتحرت بسببك، يا ريتني ما كنت رجعت لك زمان وفضلت من غير جواز وعشت أنا وهي بعيد عنك، انت إنسان أناني."
جذب رفعت فادية بعيداً عن صفوان، وحاول تهدئتها وأجلسها مرة أخرى.
بينما عقل رامي لا يستوعب ما حدث. مروة فضلت الانتحار عن أن تتزوجه. يكاد عقله يشت منه، ألهذا الحد تكرهه؟ نظر رفعت لرامي بحزن كبير. هو يعلم مدى حبه لمروة. هو قالها له يوم أن طلب منه العودة إلى هنا، لولا مروة بالبلدة ما كان عاد لها مرة أخرى، فذكرياته احترقت، لم يعد موجود منها غير مروة. مروة التي لم تقدر عشقه لها، وأرادت الانتحار. لو بيده لقتلها الآن، حتى لا يرى وجه أخيه بهذا الشكل المدمر.
بعد وقت خرجت زينب من غرفة العمليات، وجدت الجميع أمام الباب. اقتربت من مكان جلوس فادية قائلة:
"اطمني، هتبقى كويسة. حالتها مش خطيرة زي ما توقعنا. قبل أسبوع هتكون كويسة وتقوم ترمح كمان."
نظرت فادية لزينب قائلة برجاء:
"بجد يا دكتورة؟ يعني مروة هتبقى بخير؟"
تبسمت زينب قائلة:
"صدقيني هتبقى بخير وهتخف بسرعة كمان، بس قوليلي إيه سبب اللي جرالها ده؟"
قبل أن ترد فادية، رد رفعت:
"اتزلقت من على السلم."
رفعت زينب وجهها ونظرت لرفعت وقالت:
"أنا مسألتكش، أنا بسأل طنط، يبقى هي اللي ترد مش انت."
نظرت فادية لرفعت ثم لزينب وقالت:
"زي ما قال رفعت بيه، بس هي هتبقى بخير زي ما قلتي."
تبسمت زينب قائلة:
"هتبقى بخير صدقيني وهى دلوقتي هتطلع لأوضة عادية، بس هتفضل تحت إشرافي الطبي، عشان خاطرك."
وضعت فادية يدها فوق يد زينب قائلة:
"ربنا يسترِك يا بنتي، ويطمن قلبك زي ما طمنتيني. أنا هفضل هنا معاها."
ردت زينب قائلة:
"تمام يا طنط، أنا بايته هنا في الوحدة، إن احتجتيني في أي وقت، وهخلي معاكم في الأوضة ممرضة خاصة، بس لينا كلام تاني مع بعض بعدين. ربنا يكمل شفاها بخير."
استقامت زينب ونظرت بتهجم لرفعت ثم ذهبت وتركتهم. في ذلك الأثناء خرجت مروة من غرفة العمليات مغطاة، كل ما يظهر منها هو وجهها فقط المليء ببعض الكدمات وهناك ضماد بأسفل ذقنها، وكذلك حامل عنق طبي على رقبتها.
تلهف كل من ليلى وهبة وفادية، حتى صفوان سار خلف النقالة، إلى أن دخلت إلى إحدى الغرف.
وقف رفعت ووسيم، الذي بداخله تضارب كبير يشفق على ليلى الباكية. رفعت المغتاظ من تهجم زينب عليه أمام الواقفين.
بينما تجمدت نظرات رامي وهي يرى مروة.
بعد قليل بمكتب زينب.
تحدثت للطبيبين اللذان يجلسان معها قائلة:
"عاوزة تقرير مفصل بحالة البنت دي، أنا عندي شك في إنها اتزلقت من على السلم زي ما بيقولوا أهلها."
رد أحد الطبيبين:
"وأهلها هيكذبوا ليه؟"
ردت زينب:
"معرفش، بس بخبرتك كدكتورة أشعة، الجروح والكسور والردود اللي في جسم البنت دي، تدل على إيه؟ ده غير الكدمات اللي في وشها."
رد الطبيب الآخر وهو ينهض قائلاً:
"تمام، أنا هكتب تقرير مفصل بحالتها وأبعته لحضرتك."
نهض الطبيب الآخر وقال نفس الشيء.
نظرت لهم زينب قائلة:
"تمام، يا ريت التقرير يكون عندي بكرة الصبح. تقدروا تتفضلوا وبشكر مجيكم لهنا بعد ما طلبتكم على التليفون، أكيد عطلتكم عن عيادتكم، بس دي رسالتنا ولازم نأديها."
رد الطبيبان:
"فعلاً دي رسالتنا ومش لازم شكر. تصبح على خير يا دكتورة."
بعد خروج الطبيبين، وضعت زينب إحدى قطع الحلوى بفمها وأضجعت على مقعدها، تزفر نفسها قائلة:
"ياترى إيه سبب حالة البنت دي؟"
بعد وقت دخل رامي إلى الغرفة الموجود بها مروة قائلاً:
"مديرة المستشفى قالت شخص واحد بس اللي مسموح له يبات هنا، وسيم بره عشان يوصلكم للبيت، وطنط فادية هي اللي هتفضل هنا، وأنا هبقى موجود. أظن الدكتورة طمنتتنا."
نظرت فادية لهبه وليلى قائلة:
"روحوا أنتم وأنا هفضل هنا، وابقى تعالوا الصبح."
كانتا سترفضان، لولا أن نهض صفوان قائلاً:
"بيقولوا مديرة المستشفى شديدة وممكن تمنع أي حد يفضل معاها، بلاش نتجمع هنا، هي قالت مروة مش هتفوق قبل بكرة، وجودنا زي عدمه. فادية هتفضل معاها وأنتم يلا بينا."
أشارت فادية برأسها للفتاتين أن يذهبا مع والداهن فطاوعاها وذهبوا مع والداهن للخارج. وتبقى رامي مع فادية وقال بسؤال يود أن تقول له تفسير آخر:
"إيه اللي حصل لمروة؟"
ردت فادية بدموع:
"والله ما أعرف، أنا سمعت صرخة وكنت طالعة أشوف سببها، اتصدمت مع صفوان نازل بلهوجة من على السطح وطلع لبره، طلعت وراه لقيت مروة ممددة على الخيام بتاعة صوان الحنة، وده يمكن اللي خفف من وقعتها، يمكن لو وقعت على الأرض كان زمانها..."
تحدث رامي:
"يعني ممكن تكون اتخانقت مع صفوان و..."
قاطعته فادية قائلة:
"صفوان قاسي ومتواكل صحيح، بس معتقدش يتسبب في أذى لمروة بالشكل ده."
رد رامي:
"يعني إيه؟ هي اللي رمت نفسها عشان تنتحر؟ على العموم أنا هنا في الوحدة، خارج أشم هوا."
خرج رامي ووقف أمام الغرفة. بداخله نيران، ولو تركها الآن ستحرق مروة، لكن مهلاً.
بعد صلاة الفجر.
دخلت زينب إلى غرفة مروة، عاينتها قائلة:
"هي بنتك كانت هتتجوز من ابن الزهار زي ما سمعت من الممرضة؟"
ردت فادية:
"أيوا، والنهاردة كان هيبقى حنتها، بس قدر ربنا، مش عارفة ليه عملت كده."
ردت زينب باستفسار:
"عملت إيه؟ قصدك إيه؟"
انتبهت فادية قائلة:
"مش قصدي حاجة، بس ده قضاء ربنا، ربنا يقومها بالسلامة."
ردت زينب:
"لو قولتلك إني مش مصدقة إنها اتزلقت من على السلم زي ما قال رفعت الزهار."
ردت فادية:
"لأ، هي زي ما قال رفعت الزهار. الفجر أذن من شوية وزمانهم طلعوا من الصلاة، هقوم أتوضى وأصلي وأدعي ليها وأدعيلك كمان."
تبسمت زينب قائلة:
"تقبل الله. عن إذنك."
خرجت زينب ثم خرجت فادية لتتوضأ وتركت مروة بالغرفة وحدها.
رأى رامي خروجهن خلف بعضهن، وأيقن أن مروة وحدها بالغرفة. فدخل إلى الغرفة. نظر بتجمد وتصلب مشاعر إلى تلك الساكنة بالفراش. انحنى وهمس جوار أذنها قائلاً:
"أنا قدرك يا مروة، مش هتقدري تهربي منه حتى بالموت. بوعدك تندمي. مش فضلتِ الموت على إنك تعيشي معايا؟ هتعيشي معايا بالغصب."
***
بعد مرور يوم كامل.
صباحاً دخل هاشم إلى غرفة زينب بالوحدة، تبسم وألقى الصباح.
ردت زينب:
"صباح النور، أهلاً يا سيد هاشم. خير، جاي تزور مروة عروسة رامي الزهار؟ أظن إنكم قرايب."
تبسم هاشم قائلاً:
"فعلاً زرتها واطمنت عليها، هي فاقت بس مش قادرة تتحرك، بس مش ده السبب اللي جاي لكِ علشانه، أنا جاي في استشارة طبية خاصة بيا."
ردت زينب:
"خير، ياترى إيه هي الاستشارة دي؟"
رد هاشم:
"أنا بقالي فترة صغيرة كده بحس بوجع في إيدي الشمال، ونغزة خفيفة كده في قلبي من فترة للتانية."
ردت زينب:
"لأ سلامتك، ليه ما عملتش فحوصات طبية تطمن على نفسك؟"
رد هاشم:
"ما أنا ناوي أعمل الفحوصات، بس بقول لو تكشفي عليا وتكتبي لي نوعية الفحوصات دي."
ردت زينب:
"المفروض من غير ما أكشف عليك تعمل لنفسك مجموعة فحوصات طبية حتى لو مش بتحس بأي ألم كروتين لحياتك، وتمام، اتفضل حضرتك عالشيزلونج أفحص حضرتك وأكتب لك على الفحوصات اللازمة."
بالفعل ذهب هاشم وتمدد على الفراش الصغير الذي بالغرفة.
وقفت زينب أمامه وهي ترتدي قفازات طبية قائلة:
"ممكن تفتح القميص من على صدرك."
فتح هاشم القميص من على صدره، وضعت زينب السماعة الطبية بأذنها وبدأت بالكشف عليه وسماع نبضات قلبه بمهنية منها. بينما هو شعر بوضع يدها على صدره، تمنى أن تخلع ذلك القفاز ويشعر بملامس يدها على صدره. صور له عقله، لما لا يجذبها ويقبل شفاه؟ لكن لا يريد هذا، فقط يريد أن يستمتع بأنينها بين يديه.
***
أمام غرفة مروة.
وقف رفعت مع طبيب العظام الذي رفض خروج مروة من الوحدة، ليس بسبب حالتها الصحية، بل خوفاً من مديرة الوحدة. وقال له وهو يزيح عن عاتقه:
"أنا مقدرش أكتب للآنسة على خروج، المسؤولة هنا هي الدكتورة زينب، تقدر تطلب ده منها، لكن أنا آسف، كنت أتمنى أخدمك. هي دلوقتي بمكتبها، تقدر تروح لها."
بالفعل ذهب رفعت إلى مكتب زينب وفتح الباب دون طرق منه، وانصدم حين رأى هاشم ينهض من على ذلك الفراش الذي بالغرفة. والصدمة الأكبر حين رأى ملابسه مفتوحة من على صدره، وشعر بغيرة قاتلة.
بينما زينب كانت تجلس على مكتبها تدون شيئاً.
تحدث بسخرية:
"خير، هاشم الزهار بيشتكي من إيه ياترى؟"
نهضت زينب من خلف مكتبها بغضب قائلة:
"مش فيه باب لازم تخبط عليه قبل ما تدخل بهمجيتك دي."
رسم هاشم بسمة قائلاً:
"مش بشتكي من حاجة، شوية إرهاق، وطلبت من الدكتورة تفحصني وتكتب لي على فحوصات أعملها عشان أفضل محافظ على صحتي، والدكتورة كثر خيرها فحصتني."
كم ود رفعت أن يطبق في رقبة هاشم ويقتله الآن، وأيضاً أراد تعنيف زينب على لمسها لجسد ذلك الوغد. لو ترك شيطانه الآن سيقتله بلا رحمة. كانت نظرات التحدي والتشفى بين هاشم ورفعت كافية لخلق نيران تلتهم تلك الطبيبة التي تحدثت وهي تنظر لهاشم، تعطيه تلك الورقة قائلة:
"دي الفحوصات اللي ممكن تعملها عشان تطمن على صحتك. بتمنى تعملها، لأن نبضات القلب عندك فعلاً مش منتظمة وزيادة عن المعدل الطبيعي."
تبسم هاشم وهو يأخذ الورقة من يدها قائلاً:
"متشكر يا دكتورة، هعمل الفحوصات وهرجع لك مرة تانية تشوفي نتايجها."
تبسمت زينب قائلة:
"تمام، بتمنالك الصحة."
نظر هاشم لرفعت قائلاً:
"عن إذنك يا رفعت. آه، صحيح، هو فرح رامي اتأجل ولا إيه؟ مش معقول الفرح هيكمل من غير عروسة."
رد رفعت:
"لأ اطمن، الفرح هيتم النهارده، كون متأكد وأكيد هتحضر الفرح بنفسك عشان تتأكد."
تبسم هاشم باستفزاز وخرج من الغرفة.
أغلق رفعت خلفه الباب ونظر لزينب قائلاً:
"كان عاوز إيه هاشم الزهار؟"
ردت زينب ببساطة:
"أظن سمعت إنه كان عاوزني أفحصه لأنه بيحس بشوية وجع."
تبسم رفعت بسخرية قائلاً:
"هاشم يحس بوجع ويجيلك انتي مخصوص عشان تفحصيه؟ لأ، نكتة حلوة بس مش مضحكة. سبق وحذرتك منه."
ردت زينب:
"حذرتني أو محذرتنيش، تقدر تقول لي سبب لهمجيتك ودخولك بدون استئذان؟"
ابتلع رفعت ريقه قائلاً:
"مروة لازم تخرج من الوحدة النهارده."
ردت زينب برفض:
"مستحيل، دي على الأقل كده محتاجة رعاية خاصة هنا لمدة يومين."
رد رفعت:
"هتلاقي الرعاية في بيت جوزها، النهارده كتب كتابها."
ردت زينب:
"يتأجل مش مشكلة كبيرة، عادي جداً."
رد رفعت:
"مينفعش يتأجل، فيه معازيم وناس مهمة جاية من القاهرة ومن أماكن تانية."
ردت زينب بغضب:
"يغور كل شيء قصاد صحتها، وكمان متحلمش إني أكتب لها على خروج من الوحدة، مش بس بسبب حالتها الصحية، لا وكمان بسبب همجيتك دي."
نظر رفعت بغضب قائلاً:
"زينب بلاش طريقتك دي معايا..."
قبل أن يكمل حديثه تحدثت هي بلهجة حازمة:
"اسمي الدكتورة زينب، ممنوع تنادي عليّ بدون لقب دكتورة، مش مسموح لك ولا لأي شخص غيرك هنا يناديني بدون لقب الدكتورة زينب."
تعصب رفعت قائلاً:
"مروة هتخرج من الوحدة حتى لو بعت اللي ياخدها من هنا بالقوة."
ردت زينب:
"خليك مستمر في همجيتك دي، بس مروة مش هتخرج من هنا قبل ما تنهي فترة علاجها، وكمان تكمل التحقيق اللي بعته للنيابة، واتفضل اخرج بره مكتبي."
فتحت زينب له الباب. بينما أغتاظ رفعت وأغلقه بعنف وأقترب منها قائلاً:
"زينب كفاية استفزاز."
تحدثت زينب بحدة:
"أنا مديرة المستشفى ومستحيل المريضة تخرج من المستشفى قبل أكتر من يومين على الأقل، دي جسمها كله مكسر، وأنا خلاص زي ما قولت حولت حالتها عالنيابة تحقق صحيح إذا كانت وقعت من على السلم ولا رمت نفسها من على السطوح. أنا دكتورة وعارفة الفرق كويس."
رد بتهكم:
"وأيه الفرق يا دكتورة يا نابغة؟"
شعرت بالسخرية من حديثه وأجابت بنبرة حاسمة:
"لو اتزلقت من على السلم زي ما بيقولوا، كان هيبقى في جسمها كدمات وكسور بسيطة. لكن الكسور اللي في جسمها تدل إنها وقعت من فوق مكان عالي، سطح مثلاً." وأكملت تنظر لوجهه قائلة بنفور:
"أكيد قالت الموت أفضل من إنها تتجوز من واحد من ولاد الزهار."
نظر لعيناها بتمعن:
"ومالهم ولاد الزهار يا... دكتورة زينب، صمت قليلاً قائلاً بتهكم: دكتورة زينب السمراوي منقولة لهنا عقاب على طول لسانك على رؤسائك الأعلى منك وتشكيك في مهارات زملائك الطبية."
ردت بثقة:
"أيوا أنا الدكتورة زينب السمراوي، بس مش سبب نقلي لهنا تطاولى على رؤسائي، وكان فعلاً بسبب تشكيكي في مهارة واحد من الأطباء، وكمان سبب نقلي لهنا هو إني مبيعجبنيش الواسطة ولا المحسوبية. ودلوقتي مفيش قدامكم غير تأجيل الفرح لحد ما البنت تخف."
نظر لها قائلاً بتصميم:
"الفرح هيتم الليلة زي ما هو، بس اللي هيختلف العريس والعروسة. العروسة هي... زينب السمراوي. العريس... رفعت الزهار. مبروك يا عروسة... الليلة ليلتك."
نظرت بنظرة ساخرة، بمعنى لن يحدث ذلك أبداً. بينما هو رد لها النظرة بتحدٍ وتصميم على الزواج منها هذه الليلة حتى لو كان غصباً، واتقاء لنار قادر على إشعالها ولن يطفئ لهيبها غير حدوث ما يريد.
***
أظن أنا سبق وقلت مواعيد ثابتة للرواية وهي الأحد والثلاثاء والجمعة. وبعد كده مفيش غير التلات أيام دول وهلتزم بيهم. البارت الجاي الأحد في أي وقت هنزله.
يتبع للحكاية بقية.
***
دخلت زينب إلى داخل السرايا، بضيق. قابلت إحدى الخادمات قالت لها بضيق:
"فين زفت، قصدى فين رفعت؟"
ردت الخادمة:
"رفعت بيه في البيسين."
ردت زينب بضيق قائلة:
"فين البيسين ده كمان؟ ما أنا حاسة إني زي اللي وقع في حصن معرفش أوله من آخره."
أشارت لها الخادمة عن مكان حمام السباحة، ذهبت زينب للمكان ودخلت، رأت غرفة واسعة مغلقة بها مغطس كبير. نظرت إلى المغطس، رأت رفعت يعوم على ظهره. تبسم حين رآها، فهي تبدو بوضوح أنها غاضبة.
تحدث هو أولاً:
"صباح الخير."
ردت زينب:
"ليه مانع حرس البوابة إن يخرجني من هنا؟ عاوزة أروح الوحدة."
تبسم رفعت قائلاً:
"عاوزة تروحي للوحدة بعد يومين من جوازنا؟ عاوزهم يقولوا عليا إيه في البلد؟"
نظرت له قائلة:
"يقولوا اللي يقولوه، ما يهمنيش. إنت عارف حقيقة جوازنا إنها كذبة بالغصب. اتصل على حارس البوابة خليه يفتح لي البوابة."
تبسم رفعت ماكراً:
"طب ممكن تناوليني الفوطة اللي عالشيزلونج اللي عندك ده."
ردت زينب بغيظ:
"اطلع من المية خدها بنفسك."
تبسم رفعت قائلاً:
"مش هينفع أطلع من المية، لأني مش لابس أي هدوم. عالعموم ممكن أطلع عادي."
نظرت له زينب بغيظ قائلة:
"تمام، هجيبها لك."
أخذت زينب المنشفة، واقتربت من المغطس ومدت يدها بالمنشفة قائلة:
"اتفضل الفوطة أهي، واطلع كلم الحيوان اللي عالبوابة خليه يسيبني أخرج."
مد رفعت يده لكن لم يأخذ المنشفة، مسك معصم زينب وجذبها بقوته، ليختل توازنها وتسقط في مياه المغطس.
أخرجت زينب وجهها من الماء تستنشق الهواء، لدقيقة إلى أن قدرت على الحديث. ضربت المياه بيدها قائلة بعصبية:
"همجي حقير! افرض مش بعرف أعوم وغرقت."
تبسم رفعت وهو يقترب منها قائلاً:
"كنت هنقذك طبعاً."
نظرت له زينب بعصبية قائلة:
"بطل طريقتك الهمجية دي معايا، بقولك، عاوزة أخرج من هنا، اتخنقت."
تبسم رفعت وهو يقترب من زينب أكثر قائلاً بوقاحة:
"بقى يا زوزي في عروسة كانت دخلتها من يومين، وعاوزاها تخرج تروح الوحدة؟ تشتغل قدام الناس؟ يقولوا عليا إيه؟ مش قايم بالواجب مع مراتى."
نظرت زينب له قائلة:
"بطل وقاحتك دي بقولك، وخليهم يسيبوني أخرج من هنا، بدل ما أنط من على السور."
ضحك رفعت وأصبح لا يفصله عن زينب شيء. اقترب من أذنها هامساً:
"قرنفل."
تعجبت زينب قائلة:
"إيه قرنفل ده!"
نظر رفعت لشفاه زينب قائلاً:
"طعم شفايفك قرنفل." قال هذا يُقبل شفاها.