تحميل رواية «عشق بين نيران الزهار» PDF
بقلم سعاد محمد سلامة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بالقاهرة، بشقة بمنطقة شبه راقية. كانت زينب تجلس برفقة أخيها، أرضاً يلعبان أحد الألعاب الإلكترونية على شاشة أمامهما. تذمر أخيها وترك ذراع التحكم باللعبة قائلاً: "إنتي بتغشي يا زوزي، مش لاعب معاكي." ضحكت زينب قائلة: "مجد، قولتلك بطل زوزي اللي بتقولها لي دي، وبغشك إيه يا فاشل، هو إنت كده لما تلاقي نفسك هتخسر تعمل لي الغباوة دي، طلع الفلوس يا ناصح أنا خلاص كسبت الجيم." رد مجد: "فلوس إيه يا حلوة إحنا بنلعب تسالي، مش بنلعب على فلوس كده يبقى قمار والقمار حرام، رجسٌ من عمل الشيطان." نظرت له قائلة: "رجسٌ...
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سعاد محمد سلامة
رأى مجد هبه ومعها ذالك الرجل الذى كان يجلس جوارها بالقاعه، يتجهان لركوب إحدى السيارات.
تحدث لنفسه قائلاً: جاتلك الفرصه يا واد يا مجد، يلا ربنا الموفق.
ذهب مجد وقال للسائق الذى كان يقف امام السياره:
بقولك ايه يأسطى هات مفاتيح العربيه وشوفلك عربيه تانيه إركبها.
تعجب السائق: حضرتك بتقول، لو عاوز ممكن تركب مع عم صفوان وبنته أوصلهم لبيتهم وبعدها اوصل حضرتك للسرايا.
رد مجد: لأ تُشكر كلك ذوق أنا هوصلهم وبعدها هاجى بالعربيه السرايا، ولا تكون مفكر إنى هطمع فى عربية جوز أختى، رفعت بيه وأخدها وأهرب.
إرتبك السائق قائلاً: لأ حضرتك فهمتنى غلط انا قصدى راحتك حضرتك متعرفش الطريق من هنا للبلد.
رد مجد: العربيه مش فيها Gps وشغال.
رد السائق: أيوا حضرتك بس الطُرق هنا متفرعه وممكن Gps ميعرفهاش.
رد مجد: لأ متقلقش وبعدين معايا الحاج والآنسه أكيد عارفين الطريق، مش هنتوه يعنى خلصنى وهات المفتاح.
مد السائق يده وأعطاه المفاتيح قائلاً: المفاتيح أهى طريق السلامه.
تبسم مجد بظفر، وهو يأخد مفاتيح السياره يقول: هو كان لازم أفكرك أنى أخو مرات رفعت بيه عالعموم، طريقك أخضر وأدعيلى.
تبسم السائق وعاد للخلف.
صعد مجد للسياره ووضع المفتاح فى الكونتاك وأدار السياره.
تبسم بزهو وهو يرى هبه هى من تجلس لجواره، وكان بالخلف والداها صفوان.
الذى قال: اول مره أشوفك إنت سواق جديد عند رفعت بيه.
رد مجد: لأ أنا مش سواق انا مهندس بترول، أبقى جوز أخت رفعت، قصدى أختى جوز رفعت.
رد صفوان بأستغراب: بتقول أيه مش فاهم.
تبسم مجد يقول: قصدى رفعت يبقى جوز أختى، أنا أخو الدكتوره زينب.
رد صفوان: أهلاً وسهلاً، فين السواق مش جاى، هنفضل هنا طول الليل ولا أيه.
رد مجد: لأ فى عجز فى السواقين، فقولت أنا أوصلكم، لو مكنش يضايقك يا عمو وأنت والآنسه....؟
رد صفوان: هنضايق ليه وبعدين أحنا نسايب انت اخو الدكتوره زينب، سلفة بنتى.
همس مجد بصوت سمعته هبه فقط: قصدك من سوء حظها، واضح أن الواد رامى مراته رقيقه مش زى المتوحشه زوزى أختى.
تبسمت هبه التى سمعته، وتحدث صفوان: والله البلد كلها بتحب الدكتوره زينب.
تبسم مجد يقول: والله الدنيا كلها بتحب الدكتوره زينب ماعدا انا ورفعت، أكتر أتنين هى ظاهره على حقيقتها معاهم، بس الحمد لله بعد ما اتجوزت إرتاحت من غلاستها.
تبسمت هبه تقول: واضح أن الدكتوره مضيقاك فى حياتك.
تبسم مجد يغمز بعيناه لهبه قائلاً: أسوء حاجه إن بنت تجى قبل الولد اقولك ليه.. يا.... نسيتى تقوليلى إسمك؟
ردت هبه: إسمى هبه.
تبسم مجد بغمز قائلاً: أحلى الاسامى تحسيه كده من الهبه، مش زى زينب أختى، تحسيه من الزن والذنب الأتنين مع بعض، بالك يا قمر أنتى، شوفى رقيقه إزاى، أختى زينب دى راجل متنكر فى دكتوره.
تبسمت هبه بخجل، بينما قال صفوان: الدكتوره معاملتها لطيفه مع كل أهل البلد.
تبسم مجد: آه هى لطيفه مع الناس لكن معايا بتستقوى عليا وتقلب فلوسى، هحكمك يا عم الحاج، دى بتقبض مرتبها وتخلصه من أول أسبوع فى الشهر وبقية الشهر تفترى عليا وتاخد منى فلوسى، بالغصب والقمار.
ضحكت هبه بينما إنصدم صفوان يقول: هى الدكتوره بتلعب قمار.
رد مجد: دى قُمارتيه ياعم الحاج، وبتغشنى فى البلاي إستيشن، بتغشنى وفى الاخر تكسب وتاخد فلوسى بالعافيه، وغُلبت فيها أقول لها إحنا بنلعب جيم تسالى، والقمار حرام، تفترى عليا وإيدها تقيله، وكمان أختى الكبيره وانا متربى ومبرضاش أمد ايدى عليها علشان هى فى الاخر بنت مع أنى مش مقتنع بكده بس انا محترم.
ضحكت هبه تقول: بس انا اتعاملت مع الدكتوره قبل كده، وكانت فى غاية الرِقه.
سخر مجد يقول: رِقه... زينب أختى أبعد واحده عن الرِقه، بالك الشامه اللى جنب عنيها دى مفكرها حسنه، دى سيئه طلعه لها فى وشها، بالك أنا عندى شامه فى ايدى الشمال نفس الشامه فى ايدها اليمين، وكمان فى أيد ماما نفس الشامه فى ايدها الشمال وتقولى إنت لقيط وماما خدتك تربيك وتكسب فيك ثواب.
تبسمت هبه، وكذالك صفوان.
تنحنح مجد قائلاً: كفايه كلام فى سيرة البت زوزى، زمانها شرقت ومش بعيد أرجع للسرايا ألقاها ودعت.
قال مجد هذا ونظر لليلى يقول بتوريه: أنا عرفتكم عن نفسى مش تعرفنى عنك يا عم الحاج، بتدرس أيه أدبى ولا علمى، قصدى نتعرف على بعض.
لاحظ صفوان نظر مجد لهبه وأخذته النخوه قليلاً وقال: بلاش كلام كتير وركز فى الطريق قدامك، أنا عمك صفوان، والد مروه مرات رامى سلفة الدكتوره، وكمان بساعدهم فى الاستطبلات تقدر تقول أنا المسئول عن الخيول.
تبسم مجد يقول: فارس يعنى، تعرف أن نفسى أركب خيل قوى، بس للاسف معنديش وقت، أجازتى ليوم واحد أصل أنا كنت بشتغل فى عتاقه، وإتنقلت للعوينات.
تبسم صفوان يقول: الاتنين صحرا، ربنا يكون فى عونك.
تبسم مجد: ايوه أدعيلى يا عم الحاج، انا خلاص مُخى ساح من الشغل فى الصحرا، وبقيت بشوف القمر بالليل وبالنهار وأنا صاحى ووأنا نايم.
رد صفوان، ربنا يكون فى عونك، بس إنت كده دخلت من طريق غلط، الطريق ده عكس طريق الزهار.
رد مجد: معليشى، يظهر العيب فى Gps أنا ماشى عليه يظهر غلط.
رد صفوان: أيه Gsده كمان.
ردت هبه بتوضيح: المهندس مجد قصده Gps وده جهار زى خريطة للطريق يا بابا، بس إليكترونى.
تبسم مجد بهمس: أخيرا سمعت إسمى بصوت الكناري، بس بلاش مهندس دى قولى يا ميجو.
نظرت هبه له وكانت ستتهجم عليه لولا أن قال صفوان الذى ينظر خارج شباك السياره: يا أبنى سيبك من الجهاز اللى بتقول عليه ده، ووجهيه يا هبه للطريق، ولا تعالى مكانى وأوجهه أنا خلاص قربنا عالفجر مش هنبات عالطريق.
رد مجد سريعاً: لأ خلى الآنسه هبه جنبى توجهنى للطريق.
ثم قال بهمس: وجهينى للطريق يا عسل.
ردت ليلى بزهق من تحرش مجد وقالت: تمام هدلك عالطريق بس ركز فى عالطريق خلينا نوصل بالسلامه للبلد.
تبسم مجد وبدأ يسير حسب توجيه هبه له للطريق، الى أن وصلا الى أمام منزل صفوان.
نزل صفوان من السياره، وفتحت هبه، باب السياره، لكن مسك مجد يدها وقال: هنتقابل تانى صح.
شدت هبه يدها من يد مجد وكانت ستتهجم عليه، لكن خشيت من ردة فعل والداها، سارت بصمت خلفه.
تنهد مجد يقول: أكيد هنتقابل خلاص عرفت إنتى مين يا سندريلا.
...
بمنزل نعمان قبل دقائق.
فتح الباب مبتسماً أفسح مجال ل ليلى التى سبقته بالدخول ووقفت قريبه منه، بسبب خفوت الأضاءه بمدخل المنزل، دخل نُعمان وتوجه الى زر الكهرباء، وأشعل الضوء، مبتسماً.
قالت ليلى: أنا هلكانه هدخل أنام تصبح على خير ياخالو.
تبسم نعمان: تصبحى على جنه يا روح خالو.
توجهت ليلى لأحدى الغرف، ودخلت وأغلقت خلفها الباب وهى لاتدرى ماذا ينتظرها بداخل الغرفه.
أشعلت الضوء، لترى عينان شريره، هى رآت تلك العينان سابقاً، نهض بترنُح يقول: أكيد فكرانى يا موزه.
بالفعل هى تتذكره هو ذالك الوغد الذى كاد أن يغتصبها سابقاً، لولا أنقذها وسيم حينها.
لم تنتظر ليلى وفتحت باب الغرفه سريعاً وخرجت منها تستغيث ب نعمان، الذى خرج من غرفته مفزوع هو الآخر.
إرتمت ليلى بحضن نعمان ترتجف.
نظر نعمان أمامه، وجد شاب، يبدوا بوضوح أنه متسكع و تحت تأثير المُخدرات، تحدث بثبات: إنت مين وإزاى دخلت لهنا فى البيت؟
أشهر المتسكع مديه بيدهُ وقال بوقاحه: إبعد إنت يا عجوز، وسيبها متخافش هظبطها بالراحه.
تعصب نُعمان قائلاً: شكلك شارب ومش فى وعيك، إزاى دخلت لهنا.
رد المتسكع: دخلت من الشباك، أصله واطى قوى، سهل النط من عليه، بقولك أيه ياراجل يا خرفان إنت إبعد عنها أنا مش هسيبها الليله، هى هتعمل عليا شريفه وهى مقضياها، أنا شايفها فى قاعة الفرح من شويا وجدع زانقها تفعيص تحت الشجره.
ردت ليلى التى ترتعش ببكاء: إخرس يا حيوان وأخرج من هنا بدل ما اصرخ وألم عليك الجيران.
إقترب المتسكع يلوح بالمديه التى بيده قائلاً: صرخى يا موزه علشان أشُقلك الراجل الكُباره ده، ومتلقيش له ملامح، وبعدها هاخد برضوا اللى عاوزه، من المره اللى فاتت فاكره، وبعدين انا معايا صور بشوية تعديلات لو نشرتها هسوء سمعتك فى البلد كلها.
كانت ليلى ستتحدث لكن قال نعمان وهو يسحب ليلى من صدرهُ ويلفها خلف ظهرهُ قائلاً: بس يا ليلى بلاش تنزلنى من نفسي وادافعى عن نفسك قدام قذر زى ده.
قال نعمان هذا وتقدم بإتجاه ذالك المتسكع، الذى أظهر جُبنه فهو لا يستقوى سوا على الضعيف، وبدأ يتراجع للخلف الى أن إصتطدم بالحائط خلفه، فأشهر المديه بوجه نعمان قائلاً: بقولك إرجع للوراء، الصور خلاص أنا بعتها للباشا وفيضحة السنيوره هتلف البلد.
تحدث نعمان: ومين الباشا بتاعك ده بقى، ولما أنت جبان وخواف كده ليه بتتهجم على بيوت الناس، وعاوز تنتهك حُرمتها.
أشهر المتسكع المديه بوجه نعمان يقول بقوه زائفه: أنا مش جبان بقولك إرجع للوراء بدل مأذيك، أو أقتلك.
نبسم نعمان بسخريه يقول: ها إنت غلطان انا عايش ميت من سنين مش هتفرق لما أموت دلوقتي فعلاً.
قال نعمان هذا وأصبح بينه وبين ذالك المتسكع خطوه واحده، والذى من جُبنه، إرتعشت يدهُ على المديه وهاجم نعمان بها.
تلقى نعمان الضربه بمعصم يده، لكن قام بصفع المتسكع، ووقعت المديه من يدهُ بعيد قليلاً وبدأ فى تلقى بعض الصفعات واللكمات من نعمان، لكن مد يده وكان سيلتقط المديه من على الارض، لكن ليلى سريعاً أخذتها من على الارض، ترتعش يدها.
فى ذالك الحين، دق جرس الباب، إتجهت ليلى سريعاً للباب وقامت بفتحه، تقابل وجهها مع وسيم الذى إرتجف قلبه بسبب دموع ليلى، وقال ليلى فى ايه بتبكى ليه؟
ردت ليلى بلجلجه وتقطع كلمات: الحيوان، هيقتله، خالى، إلحقهُ جوه.
رغم أن وسيم لم يفهم معنى قولها، لكن دخل سريعاً، ليرى ذالك المتسكع الوغد، قام بضرب نعمان، لكن مازال ل نعمان الغلبه عليه، أبعد وسيم نعمان قائلاً: إنت يا وغد مش سبق ضربتك قبل كده، قام بوسيم بضربه هو الآخر عدة ضربات ثم قام بتقيدهُ بحبل أتى به نعمان.
تحدث وسيم وهو يبصُق على ذالك المتسكع، بقوه: الوغد ده لازم يتسلم للبوليس ده مش أول مره يتهجم على ليلى.
تعجب نعمان يقول: قصدك أيه، هو فعلاً كلامه انه حاول قبل كده يأذى ليلى.
نظر الأثنان لليلى التى لم تعد تتحمل وكادت أن تسقط أرضاً، لكن لحقها وسيم وسندها وأجلسها على أحد المقاعد القريبه، الى ان دخل نعمان وأتى وبزجاجة عِطر، ووضع على يديها وقرب يدهُ من أنفها بلهفه قائلاً: ليلى، فوقى، يا بنتى.
إستجابت ليلى لنُعمان وبدأت تعود لوعيها.
تبسم نعمان وهو يجلس جوارها يضمها تحت يدهُ.
بينما وسيم بداخلهُ تضارب مشاعر كبير كم تمنى أن يضمها هو مكان نعمان، يُجفف تلك الدموع التى تسيل من عيناها، ايقن بداخله، هو لديه مشاعر خفيه وقويه إتجاه ليلى، لكن عليه وئدها، ليس وقتها الآن.
نهض وسيم وإبتعد قليلاً وقام باتصال هاتفى ثم عاد مره أخرى عيناه تنظر ل ليلى، التى إستعادة جأشها بشكل كبير، تحدث قائلاً: أنا أتصلت على ضابط القسم اللى هنا فى البلد وهو جاي، دلوقتي، ياخد الوغد ده، وأكيد هتعمل فيه محضر.
رد نعمان: ده أكيد، بس أنتى أيه اللى جابك دلوقتي؟
رد وسيم: يمكن القدر، شنطة ليلى، نسيتها فى العربيه.
تبسم نعمان يقول: فعلاً القدر، كتر خيرك يمكن لو مش مجيك كان الوغد ده مع الوقت قدر يقتلنى ويأذى ليلى.
نظر وسيم لليلى التى تتشبث بحضن نعمان وصمت.
بعد وقت، سمعوا طرقاً على الباب.
قبل أن تنهض ليلى تحدث وسيم: خليكى يا ليلى، أنا هفتح ده أكيد الظابط.
بالفعل فتح وسيم الباب، يرحب بذالك الضابط، الذى دخل ومعه عسكريان، آخذا ذالك الوغد المتسكع، وخرجا من المنزل، نظر الضابط لنعمان الذى اثار دماء على يدهُ وقال: هنحتاج من حضرتك كشف حكيم وكمان تجى أنت والانسه معايا تقدموا بلاغ فى الوغد ده.
رد وسيم: ممكن المحضر وكمان كشف الحكيم يتأجلوا لبكره، زى حضرتك ماشايف تأثير اللى حصل عالآنسه.
تبسم الضابط يقول: تمام هستناكم بكره الصبح نكتب المحضر وكمان تجيبوا معاها كشف حكيم ونشوف الوغد ده إزاى جاله الجُرأه أنه يتعدى على بيت فيه سُكان.
تبسم وسيم وهو يُصافح الضابط الذى خرج.
مازالت عين وسيم على تلك القابعه أسفل يد نعمان، شعر بوخز كبير فى قلبهُ، أغمض عيناه، ولكن حين فتحها تحدث نعمان: تقدر تمشى يا وسيم الوقت إتأخر، ومره تانيه بشكرك، وأنا وليلى الصبح هنروح للقسم نقدم أقوالنا.
رد وسيم الذى لا يود الذهاب ويود البقاء لكن لو بقي لوقت أكثر من ذالك سيسحب ليلى من يد نعمان يسكنها ضلوعه: تمام هفوت عليكم عالساعه عشره الصبح نروح للقسم نقدم أقوالنا.
تبسم نعمان وكاد ينهض يرافق وسيم الى الباب، لكن وسيم قال: خلى حضرتك مستريح أنا هقفل الباب ورايا.
تبسم نعمان وإماء برأسه.
خرج وسيم وأوصد الباب خلفه، ووقف يستند عليه يتنهد يلتقط أنفاسهُ الثائره الذى تقوده نحو هوة العشق.
بينما نهضت ليلى من جوار نعمان وذهبت وأتت بعلبة الاسعافات وبدات تُضمد جرح مِعصم نعمان بيد مرتعشه.
مسك نعمان يد ليلى وقال: هاتى يا ليلى أنا هداوى أيدى، وادخلى انتى أستريحى، الحمد لله عدت على خير يا حبيبتي.
رسمت ليلى بسمه وقالت: بس أنا خايفه ادخل الاوضه يا خالى هنام هنا فى الصاله.
تبسم نعمان يقول: نامى فى المكان اللى يريحك بس أطمنى.
تبسمت ليلى وهى تتمدد على تلك الأريكه الموجوده بالصاله.
أغمضت عيناه، سحبها النوم سريعاً، أو بالأصح اختارت الانسحاب من الواقع بالنوم.
نهض نعمان ودخل الى غرفته أتى بذالك الدثار ووضعه على ليلى، تنهد ببسمه، وهو يتذكر نظرات وسيم لليلى، كذالك نظرات ليلى التى تتهرب منه، يبدوا أن هنالك قصة عشق جديده، تنهد بعذاب، يُخبر نفسه، ويتمنى ألا يُعيد التاريخ ذاته مع هذان الاثنان.
...
بالعوده لجناح رامى بالسرايا.
نظرت مروه ل رامى باندهاش وهو يقف امامها نصف عاري، لتشرد لثوانى لكن حين أنتبهت أن رامى آخذ باله من نظراتها، قال بوقاحه: أيه جسمى المشوه مش عاجبك، ولا إتفاجئتى بيه!
إبتلعت مروه ريقها، صمتت.
ضحك رامى يقول: إتفاجئتى صح إنى مطلعتش مسخ مشوه زى ما كنتى بتقوليلى دايماً، أحب أقولك أنا فعلاً النار طالت جسمى، بس مكنش لها تأثير حروق كبير على جسمى، لانى طلعت من النار قبل ما تشعلل فى جسمى بس كان جالى حالة إختناق من الدخان، وده اللى خلى الكل توقع أنى جسمى أتحرق، بس اللى أتحرق بعدها مش جسمى، اللى إتحرق قلبى أكتر، وإتحرق اكتر لما رجعت لهنا ولقيت اللى رجعت علشانها نسيتنى، وانا عمرى ما نسيتها للحظه وكنت راجع مخصوص علشانها، بس بدل ما تفرح بكده، كانت دايماً تنعتى، بالمسخ المشوه، وياريت بس كده، دى حاولت تنتحر علشان خافت تشوف المسخ ده فى الضلمه يرعبها.
تنحنحت مروه وقالت: ليه مصدق إنى حاولت انتحر قولتلك مش فاكره اللى حصل ليلتها.
رسم رامى بسمة سخريه، وقام بأمساك جهاز تحكم عن بُعد(ريموت كنترول) وضغط على أحد ازراره، لينفصل ذالك الفراش الكبير الموجود بالغرفه الى فراشين متوسطان الحجم.
تعجبت ونظرت مروه ل رامى بأستغراب قائله: أيه ده!
رد رامى بإستعباط: قصدك أيه ب ده؟
ردت مروه: الأوضه فيها سريرين ليه؟
رد رامى بلا مبالاه: سرير ليا وسرير ليكى، عادى وفيها أيه أنا متعود أنام طول عمرى على سرير لوحدى.
نظرت له مروه قائله: يعنى أيه تنام على سرير لوحدك!
إقترب رامى عيناه تجول على جسد مروه بشغف يداريه خلف بروده وقال: قولت عادى، ولا عاوزانى أنام جانبك على سرير واحد، معنديش مانع، بس بالطريقه دى ممكن.........
ردت مروه وهى على شفا البُكاء: ممكن أيه؟
وضع رامى يداه حول خصر مروه وجذبها بين أحضانه، وإنحنى يهمس جوار أذنها قائلاً بصوت إقشعر له بدنها قائلاً: عاوزانى أنام جنبك على سرير واحد، وإنتى لسه كسور جسمك ملتئمتش بدرجه كافيه تتحمل لمساتى، وكمان مش خايفه آخد منك اللى يخلينى أزهق منك بسرعه وأفوق من زهو نزوتى بيكى، أهو كل المده ما تطول إنتى المستفاده.
شعر رامى بإرتعاش جسد مروه بين يديه، وعاد برآسه للخلف رأى بعين مروه دموع، تجاهلها وإنحنى يقتطف من شفاها قُبلات مُغلفه بشغف عاشق بارد.
بعد قليل ترك شفاه مروه ينظر لضياعها أمامهُ وإبتعد عنها وإرتمى بجسدهُ على أحد الفراشين قائلاً ببرود: أطفى النور كله متعود أنام فى العتمه.
تدمعت عين مروه وشعرت بالمهانه من نفسها، كيف لها أظهرت أنها تريدهُ وهو تعامل معها ببرود، أطفأت الضوء الأ من نور خافت بالغرفه وذهبت الى الفراش الآخر.
تحدث رامى: ليه مطفتيش النور كلهُ.
ردت مروه: متعوده يكون فى نور فى الاوضه علشان بخاف.
تبسم رامى دون رد، منتشياً، هو اقسم لنفسه لن ينال مروه قبل أن تعترف بلسانها أنها تعشق المسخ المشوه.
...
عادت مُهره للبيت، ذهبت مباشرةً الى غرفتها القديمه، وأغلقت على نفسها بالمفتاح، تعيش بين جُدران تلك الغرفه، بعض من ذكريات الماضى.
أقسى عتاب هو عتاب الحبيب المقهور خاصةً إن كان العتاب عن بُعد ببضع كلمات برساله ورقيه.
فتحت صندوق الذكريات، وأخرجت تلك الرساله الورقيه، كانت آخر رساله أرسلها لها نُعمان وهو بخارج مصر، كان هناك مرسال بينهم يستلم تلك الرسائل ويعطيها لمُهره.
وتلك كانت آخر رساله، أرسلها لها بعد أن علِم أن مهره تزوجت من ذالك الحقير هاشم.
دمعه نزلت من عيناها، وهى تفتح ذالك المنديل القماشى، بقايا زهره جفت بين أنسجتهُ، وضعت المنديل على الفراش، وقرأت تلك الرساله الأخيره.
"عزيزتي مُهره،
لأول مروه مش بس قلمى اللى وقف قلبى كمان وقف وانا بكتب ليكى، آخر رسالهرسالة وداع، او ضياع، كان لسه فى قلبى أمل أنى أرجع لمصر تانى ألقاكى مستنيانى، بس الليله حسيت أنى أتيتمت من نفسى، أنتى كنتى نفسى اللى عايش بيه يا مهره، كنت مفكر مع طول الوقت أنى أرجع لمصر تكونى فى إستقبالى، بس لما عرفت إنك اتجوزتى من الشخص اللى زمان السبب فى فُراقنا، منكرش الغضب حرق قلبى، بس أيقنت أن حدوته ست الحسن والشاطر حسن (خيال) كانوا بيضحكوا علينا بيها، وإن عُمر عشق المهره الجميله والجناينى إنتهى وكان مستحيل يكمل، هى المُهره العاليه، وهو الجناينى اللى بيشتغل فى الأرض اللى بتدهسها برجلها، لاول مره هختم رسالتى الأخيره، معدش ينفع أقول حبيبتي الغالية بتمنالك السعادة، وداع."
نزلت دموع مُهره بغزاره وهى تعيد تطبيق الرساله ووضعها بصندوق الذكريات، رغم لقاءات مُهره ونعمان منذ عودته من السفر، لم يتحدث الأثنان لبعضهما مباشر، حتى الليله بالزفاف تلاقت عيناهم كثيراً، لكن كان كل منهم يبعد نظرهُ عن الآخر سريعاً، قبل ان تتحدث عيناه بحنين، لذالك الحب المؤود تحت الرماد.
.....
بسرايا الزهار
نظر رفعت برجفه لوجه زينب التى وقعت بين يداه ترتعش، إرتعش قلبه هو الآخر، يقول، بأستجداء: زينب،،، زينب.
فى ذالك الحين كانت هاله تنزل بالصدفه، رأت زينب بين يدي رفعت، إنخلع قلبها، وتوجهت لمكانه بسرعه وقالت: زينب رينب بنتى، كان قلبى حاسس أنها مش بخير من قبل ما نروح للقاعه بس هى كابرت وقالتلى انها كويسه.
رد رفعت: هاخدها للمستشفى حالاً.
ردت هاله: لأ لازم نحقنها بالحقنه الاول، وبعدها أطلب لها دكتور هنا يجى يشوفها، بسرعه بلاش تضيع وقت لتدخل فى غيبوبه.
تعجب رفعت يقول: غيبوبة ايه وحقنة ايه!
قالت هاله: مش وقته أكيد فى هنا حقن أنسولين، أنا شيفاها موجوده فى ألاوضه، وسالتها، قالتلى كويسه، وبتاخد علاجها.
رغم عدم فهم رفعت لكن صعد بزينب الى الغرفه التى تبقى بها، وقام بوضعها على الفراش، فوجئ وهو يستدير بظهره، بأمساك هاله، لحقنة أنسولين، كذالك جهاز قياس السكر.
سريعاً وقفت هاله بحقنه ووضعتها أمام عضد زينب، لكن هى الأخرى، إرتعشت يدها، لاحظ ذالك رفعت، فأخذ السرنجه من يد هاله وقام بغرسها بعضد زينب، ووقف مره أخرى.
إنتظرت هاله دقائق تمر كالساعات، وقامت بقياس السكر، وزفرت نفسها قائله: لسه السكر مش مظبوط، أطلب دكتور بسرعه.
رغم أن رفعت لأول مره يشعر أنه شبه تائهه مسلوب القلب، لكن فتح هاتفه وقام بالأتصال على أحد الأطباء.
ووقف بالغرفه يرى هاله التى تجلس جوار، زينب كل دقيقه تنظر لوجهها الذى بدأ يستعيد جزء لا يُذكر من حيويته، قامت بقياس السكر، وجدته بدأ يتحسن قليلاً، تنهدت قائله: الغبيه شكلها مبتاخدش علاجها بأنتظام مع انى كل يوم بتصل عليها أفكرها.
رد رفعت: علاج أيه، هى زينب عندها أيه؟
ردت هاله: السكر، عندها السكر من وهى مكملتش أتناشر سنه، هى مقالتش لك.
رد رفعت بصدمه وهو ينظر لزينب، ليس بشفقه بل بعذاب، هو يشعر كأن جسده خاوى، يتألم قلبه، على منظرها، أليست هذه هى الشرسه التى تناطحهُ دائماً، نائمه كالملاك بوجه شاحب، يكاد وجهها يعود لحيويته، تلك سليطة اللسان وقعت بين يديه بلحظه ترتعش.
قطع نظر رفعت لها دخول محاسن وخلفها الطبيب.
ألقى الطبيب السلام، تنحت هاله من جوار زينب، وقام الطبيب بإفاقة زينب، التى فتحت عيناها بوهن، لا يعرف رفعت غير تفسير واحد لذالك الشعور الذى أخلتج قلبهُ حين فتحت زينب عيناها، هو عاشق، أجل هو يعشق تلك الشرسه التى ألقاها القدر بطريقهُ بالوقت الخطأ، للحظات تمنى أن يُمحى ذاكرته و كل شئ مر به فى حياته ويتذكر فقط تلك الطبيه الشرسه، لكن عاد للواقع والطبيب يتحدث بعتب.
المدام واضح انها عارفه ايه سبب اللى حصلها،وخض اللى حواليها.
صمتت زينب الواهنه التى مازالت تشعر بدوخه وتوهان.
ردت هاله: أكيد السبب السكر، هى قالتلى انه مش منتظم عندها من فتره، بس متوقعتش انها ممكن توصل أنها كانت خلاص هتدخل لغيبوبه.
تبسم الطبيب قائلاً: كويس أنكم حقنتوها، بالانسولين فى الوقت المناسب، فعلاً المدام كان ممكن تدخل فى غيبوبة سكر بسبب زياده فى معدل السكر، وكمان معاه إنخفاض فى الضغط بسبب الأجهاد الزايد المدام محتاجه راحه مع مواظبه عالعلاج اللى هكتبه لها، زائد هنزود جُرعة الانسولين لفتره لحد ما يتظبط السكر.
نظر رفعت لزينب التى عادت تُغمض عيناها للحظات ثم فتحتها بوهن ملحوظ وقال بتصميم: إطمن يا دكتور اكيد هناخد بالنا من راحة الدكتوره بعد كده.
تبسم الطبيب يقول: يعنى المدام دكتوره وزميله، غريبه كان لازم تعرف طاقة نفسها، عالعموم بتمنى لها الشفا.
تبسم رفعت، يقول: بشكرك يا دكتور أنك جيت فى الوقت ده خلاص كلها اقل من ساعه والفجر يأذن.
تبسم الطبيب: لأ مفيش شُكر، يا رفعت بيه، وبعدين الدكتوره زميله، ربنا يشفيها، أستأذن أنا.
تبسم رفعت وهو يسير خلف الطبيب، ثم عاد بعد لحظات للغرفه وقال: زينب نامت.
ردت هاله: أيوا السكر تقريباً بدأ يعود لمعدل مقبول.
رد رفعت: أنا اديت الروشته لواحد من الحرس اللى عالبوابه والعلاج هيكون هنا خلال دقايق، بس حضرتك قولتى انك ملاحظه عليها التعب من قبل ما تروحوا لقاعة الزفاف.
ردت هاله: ايوه انا كنت ملاحظه عليها التعب، بس لما سألتها قالت انها بتاخد علاجها بانتظام مع ذالك السكر مش متظبط، وكنت مستنيه بعد الزفاف، وكنا هنعمل أختبار.
رد رفعت: إختبار سكر؟
ردت هاله: لأ إختبار حمل انا كان عندى شك أن ممكن يكون عدم أنتظام السكر عندها سببهُ حمل، بس الدكتور قال أنه إجهاد من الشغل.
للحظه إنصدم رفعت، كيف لم يُفكر أن تحمل زينب منه طفلاً، هو حقاً لم يستعمل معها أى موانع كالتى كان يستعملها مع الأخريات، تاه عقلهُ، مع زينب تخطى كل شئ حتى الحدود، هل كان بداخلهُ يريد أن تحمل زينب منه بأحشائها طفل، هل هو مستعد لذالك، لديه هدف آخر، هل يُعقل أن تأتى زينب له بطفل يرث منه اليُتم باكراً.
فار عقله لو بقي بالغرفه لدقائق، لجُن عقلهُ، من التفكير والنظر الى تلك النائمه، التى بلحظه جعلته يواجه أشياء لم يُخطط لها سابقاً وأهمها العشق الذى توغل وتمكن من قلبهُ.
...
إنتهت تلك الليله، بدأ يوم جديد.
بحوالى الثامنه صباحاً دخل مجد الى غرفة زينب متلهفاً يقول: ماما زينب مالها لسه عارف من بابا من شويه قابلته تحت بيشرب قهوه.
فتحت زينب عيناها بوهن قائله: أنا بخير يا حيوان مش هموت قبل ما اشوفك بتتجوز من سندريلا بتاعتك، وأهزأك قدمها شويه.
تبسم مجد قائلاً: هزأينى براحتك وكمان قلبينى بس أبقى بخير، أنا قابل.
تبسمت زينب قائله: طب هات ألف دولار وانا اقوم ارمحلك فى الاوضه دى، أصل انا ريحة الدولارات بتفوقنى.
تبسم رفعت الذى دخل وقال: قومى أرمحى فى الاوضه ومش بس هتاخدى ألف دولار، لأ هديكى عشرتلاف دولار.
تبسم مجد يقول بمزح: حيث كده بقى أنا معايا كشف حساب بكل مليم قلبتنى فيه زوزى وبقولك بالمُجمل كده هما حوالى عشرتلاف دولار وبارك الله فيما رزق يلا هاتهم ولا أقولك هاتلى بهم حصان عفى كده، اتمنظر بيه قدام الموزه.
تبسم رفعت له وقال: هو أنت كمان من ضمن اللى الدكتوره قلبتهم فى فلوس، واضح انها غيه عندها بقى.
تبسم صفوت الذى دخل قائلاً: أنا اول واحد زوزى اتعلمت تقلبه بفلوس كانت بتاخد من هاله مصروف وتجى ليا تقولى فين مصروفى.
تبسمت لهم هاله وشعرت زينب انهم يحاولون التريقه عليها وقالت: حتى أنت يا بابا بتتريق عليا معاهم وانا اللى كنت بشفق عليك من غسيل المواعين.
تبسم الجميع تبدل الحال بين ليله وضحاها، من كانت تشاحب الموتى، ها هى تمزح معهم، وتبتسم، رغم وهنها الملحوظ.
...
عقب الظهر.
بجناح رامى.
رد رامى على هاتفهُ مبتسماً يتحدث بود الى أن أنهى حديثه وأغلق الهاتف، ونظر الى مروه التى تشغل نفسها بذالك الهاتف، تحاول عدم إجتذاب الحديث مع رامى.
الذى قال: دى عمتى مهره، بتتصل بتقول إنها هنا فى السرايا وشويه هتطلع لينا هنا الجناح، علشان تصبح علينا.
ردت مروه بأقتضاب: تشرف.
تبسم رامى يقول: ياريت تفردى وشك قدامها وكمان تلبسى عبايه تليق بعروسه يوم صباحيتها أظن مش محتاجه أقولك إن اللى بينا يفضل سر مش لازم تقولى لوالداتك إننا لسه متجوزناش، أظن فاهمه قصدى أيه، لأنك لو قولتى ليها، وقتها هتضطر أتمم جوازنا وده ممكن يقصر مدة جوازنا.
نهضت مروه لكن أثناء نهوضها السريع شعرت ببعض الالم بساقها، وكادت تقع، لكن نهض رامى سريعاً، وقام باسنادها، نظر لعيناها للحظه تاه بذالك البحر الغائم بعيناها، ونظر الى شفاه التى ترتعش، سار بقلبهُ لهفه، وقام بتقبيل شفاها قبلات شغوفه وعاشقه، تود كل ذره به أن يذوب الآن معها بالعشق، لكن عقلهُ ينبهه، الوقت لم يحين بعد.
ترك شفاها، وترك الغرفه ذهب الى الشُرفه سريعاً، يستنشق الهواء بغضب، لائماً نفسه، يُخبرها أن من وصل بهم لهذا الحال، هو عقل وقلب مروه التى لم تشعر به.
......
بعد قليل بغرفة زينب
تبسم رفعت لمُهره التى دخلت الى الغرفه، تقول: ألف سلامه عليكي يا دكتوره.
ردت هاله: الله يسلمك يا مدام مُهره.
تحدثت مهره: خير يا دكتوره أيه اللى حصلك فجأه كده، أكيد أتحسدتى، بصراحه إنتى قمر بس ليلة إمبارح كنتى قمرين.
تبسمت زينب قائله: أنا صفر عالشمال جنب جمال حضرتك.
تبسمت مهره تقول: بلاش حضرتك، قوليلى، يا عمتو إنتى زى بنتى، وبعدين خلينا نشهد صاحب الآمر، بذمتك يا رفعت مين فين أحلى أنا ولا زوزى، قول بالحق بدون مُجامله.
تبسم رفعت وهو ينظر ل زينب التى عاد وجهها للحياه من يراها يقول ليست هى من فزعت قلبهُ منذ ساعات تُصارع الموت على يديه، شعر وقتها بالخوف الشديد، شعور لم يعيشه منذ ليلة الحريق.
رد رفعت بدبلوماسيه: بصراحه أنتم الأتنين فى نظرى كل واحده ليها جمالها الخاص بيها.
تبسمت مهره وهى تنظر لهاله قائله: رفعت دبلوماسى شاطر، بس أيه سبب تعب زينب المفاجئ؟
ردت هاله: زينب عندها السكر ومع زيادة الضغط عليها مع هبوط السكر الاتنين السبب فى تعبها.
نظرت مهره لزينب بشفقه قائله: ألف سلامه مش تاخدى بالك من صحتك وبلاش إجهاد زياده، تعرفى فكرتينى، ب لبنى أختى هى كمان كان عندها السكر بس أكتشفناه وهى حامل فى إبنها وسيم وكنا مفكرين أنه سكر مصاحب بس لفترة الحمل بس للأسف إستمر معاها، وقدرت تعيش بيه، أخدته وراثه عن المرحومه أمى.
تبسمت زينب لها كذالك هاله التى قالت: للأسف زينب كلنا أتفاجئنا انها إنصابت بالسكر وهى صغيره كده، بس هى كانت قويه، وإتمردت عليه، وقاومت وقالت إنها لازم تكون دكتوره وتساعد فى شفا الناس.
تبسم رفعت، مع الوقت تلك الشرسه ما كان عليها أن تدخل لحياته القاتمه الآن.
......
بعد مرور أسبوع ظهراً.
بسرايا الزهار
بغرفة زينب.
دخل رفعت كعادته بدون طرق الباب.
تعصبت عليه زينب قائله: مش هتبطل همجيتك دى وتخبط عالباب قبل ما تدخل أفرض معايا حد بالأوضه.
تبسم رفعت الذى إنسحرت عيناه بزينب التى تقف أمامه، بقميص أخضر داخلى قصير بالكاد يغطى فخذيها كما أنه بحمالات رفيعه ومفتوح من على الصدر، يُظهر الكثير جسدها.
لاحظت زينب نظرات عين رفعت، فذهبت وأخذت ذالك المئزر وأرتدته تقول: خير أيه اللى جابك أوضتى دلوقتي.
إبتلع رفعت ريقهُ وقال: كنت جاى أقولك أن مامتك وصلت القاهره، وكمان أن الغدا جاهز.
ردت زينب: كنت وفرت على نفسك تدخل عليا بهمجبتك، ماما اتصلت عليا من شويه وقالتلى انها وصلت الشقه والغدا كان كفايه تبعت اى واحده من الشغالين، بس كويس انك جيت كنت عاوزه اقولك إنى هرجع لشغلى فى الوحده من بكره، خلاص مليت بقالى اسبوع فى البيت خلاص قربت أفرقع.
تبسم رفعت يقول: وصحتك.
ردت زينب: مالها صحتى بقيت كويسه جداً.
رد رفعت: تمام ارجعى بس ممنوع الأجهاد فى الشغل، وتكونى هنا فى السرايا قبل المغرب.
سخرت زينب منه قائله: إنشاء الله.
تبسم رفعت وأقترب من زينب، وقال: يعنى أيه بتاخدينى على قد عقلى وهترجعى تجهدى نفسك تانى، وتوقعى من طولك تانى، بس مش كل مره هتلاقى أيدي تمنعك من الوقوع عالأرض يا زوزى.
قال رفعت هذا ووضع يده من أسفل ذالك المئزر على ساقها العارى.
رجعت زينب للخلف قائله: همجى، إبعد عنى.
تبسم رفعت وكان سيُعيد فعلته، لكن سمعا طرقاً على الباب.
زَمَت زينب طرفى الرداء عليها وسمحت لصاحب الطرق بالدخول.
دخلت الخادمه تقول: رفعت بيه فى ضيفه تحت منتظره حضرتك.
رد رفعت: مين؟
ردت الخادمه: مقالتش هى مين؟
رد رفعت: تمام انا ثوانى وهنزل وراكى أشوف مين، ضايفيها على ما أنزل.
غادرت الخادمه الغرفه.
تحدثت زينب بفضول: يا ترى مين ضيفتك الخفيه دى؟
تبسم رفعت وأقترب من زينب وجذبها من خصرها، ينظر لشفاها ودون مُقدمات قام بتقبيل زينب التى حاولت التملص منه، لكن هو قام بعض شفاها ثم تركها يقول: هنزل أشوف مين الضيفه الخفيه، سلام يا زوزى.
تعصبت زينب قائله: همجى حقير.
تبسم رفعت وهو يغلق باب الغرفه خلفه.
وضعت زينب يدها على شفاها تشعر بألم وقالت: يارب سنانك كلها تقع يا همجى.
فكرت زينب قائله بفضول: يا ترى مين الضيفه الخفيه دى كمان، انا هعقد افكر كتير ليه، أما ألبس بسرعه وأنزل أشوف مين، مش عارفه ليه ماشاء الله كل ضيوفه ستات.
بينما رفعت توقف أثناء سيرهُ وتنهد بابتسامه يشعر بتذوق شفاه زينب، التى حُرم من تذوقها طوال الأسبوع المنصرم، بسبب مكوث والداتها معها بالغرفه طول الوقت، الى أن أطمأنت أن صحتها أصبحت بخير فغادرت الى القاهره مره أخرى.
ظل للحظات يقف يبتسم منتشياً، لكن قابلته محاسن قائله: رفعت بيه كنت عاوز أقول لحضرتك إن الست إنعام غضبانه عالاكل وعاوزه أكل مخصوص مش مناسب لصحتها.
تبسم رفعت يقول: وعاوزه أيه؟
ردت محاسن: نفسها فى ملوخيه وتكون معموله على شوربة بط بلدى.
تبسم رفعت يقول: تمام أعمليها لها زى قبل كده وقولى لها انها بشوربة بطه بلدى، بس قللى الدهون والملح.
تبسمت محاسن له.
ترك رفعت محاسن وتوجه الى الصالون، ودخل قائلاً: مساء الخير.
أستدارت الاخرى له وخلعت تلك النظاره الكبيره التى كانت تُخفى وجهها وتوجهت ترتمى بحضنه وقبلت وجنتيه قائله بحماس وإشتياق: وحشتنى، يا "روفى".
فى ذالك الأثناء دخلت زينب التى إنصدمت من حضن رفعت لتلك الفتاه التى ترتدى زى متبرج، وتنحنحت، قائله بسخريه: مش تعرفنى عالموزه، يااااا"روفى ".
نظرت الفتاه لزينب بأستقلال وأجابت هى: أنا (ريما الزهار) مرات رفعت.
رد رفعت سريعاً: قصدك" طليقتى".
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سعاد محمد سلامة
في سرايا الزهار، بجناح رامي، كانت مروة تتمدد على الفراش، تنظر إلى لا شيء، وعقلها شارد.
مضى على زواجها من رامي أكثر من أسبوع. المعاملة بينهما لا تتخطى بعض كلمات. ينامان تحت سقف غرفة واحدة، لكن كل منهم على فراش منفرد. كل ما جمعهما بعض القبلات فقط، وبطرق غير مقصودة.
هي تنهار أمام لمسات رامي، لكن رامي لديه قدرة في التحكم في ذاته عند حد معين. يبتعد عنها، يتركها، وبعدها تشعر بغربة وتشتت. رامي مراوغ بارع، هكذا قال عقلها.
لكن عقلها سيشت منها إذا كان رامي أصر على زواجها من البداية كي ينالها فقط، وبعدها تخفت زهوتها لديه ويتركها محطمة. لما يؤجل ذلك الأمر؟ هل هو صادق بما قاله لها سابقاً حين كانت تنفره دائماً؟
هو قال أنه يعشقها وعاد من أجلها فقط. هي حاولت كثيراً إبعاده عنها، حتى أنها نعتته بالمسخ المشوه، حتى يبتعد عنها. فوجئت بجسده ليس مشوهاً كما اعتقدت، وإن كان هناك بعض الآثار الواضحة على جسده تشبه البهاق.
تفكر وتفكر وعقلها لا يعطي جواب. رامي قال أنه كان يعشقها. هل ما زال أم كما قال لها أم مشاعره تجاهها تغيرت بعد محاولة انتحارها التي لا تتذكرها؟ كأن أحدًا محى ذكرياتها في ذلك الوقت.
شعرت بدوار خفيف بسبب التفكير. أغمضت عيناها علها تتذكر. كل ما رأته أنها تنظر للسماء بليلة قمرية، كانت تلعب مقابل القمر كالاطفال حين يظنون أن القمر في السماء يسير مع خطواتهم على الأرض. وبعدها يفصل عقلها وتشعر بظلام تتوه به.
أين هذا الجزء المفقود؟ كيف وقفت على سور المنزل، وقفزت كما قال والداها؟ ركزت في الظلام. سمعت صوت...
فتحت عيناها بسبب ذلك الصوت. هو طرق على باب الجناح. نهضت من على الفراش وذهبت إلى الباب. رأت أمامها إحدى الخادمات تقول:
"مدام مروة، الغداء جاهز في السفرة."
ردت مروة:
"رامي جه من الإسطبل؟"
ردت الخادمة:
"مش عارفة، من شوية رفعت بيه قال لي أجهز الغداء وأنادي لحضرتك."
تبسمت مروة بغصة وقالت:
"تمام، هنزل وراكي."
تنهدت مروة وأغلقت الباب، تزفر أنفاسها تقول:
"بالتأكيد رامي هيجي زي عادته على وقت الغداء، يتناول غداءه ثم يعود مرة أخرى للإسطبل، ويعود ليلاً للنوم. حقاً كل من في السرايا يعاملها باحترام وتقدير كسيدة المنزل، لكن صاحب الشأن رامي أوقات كثيرة يتجاهلني. حسناً، لن يستمر هذا كثيراً."
بالأسفل، بالسرايا.
ابتعد رفعت عن ريما وعيناه تنظر لوجه زينب، لا يعلم حقيقة معالم وجهها، ولا نبرة صوتها التي تحدثت بها. أهي فضول أم غيرة منها؟ صمت ينتظر سؤالها مرة أخرى، ربما يستطيع تحديد إن كانت غيرة منها أو فضول.
أما بالنسبة لزينب، صدمة كبيرة ألجمت لسانها للحظات ثم قالت:
"أنا مش فاهمة حاجة. إنت جوزها ولا كنت متجوزها، وطليقتك؟ وإزاي أصلاً كنت متجوز وأنا معرفش؟"
تبسمت ريما تنظر لزينب باستهتار. وكادت تتحدث، لكن سبقها رفعت واقترب من مكان وقوف زينب. ولف يده حول خصرها وقبل إحدى وجنتيها قائلاً بصدق:
"مقولتلكيش علشان نسيت الموضوع ده من أصله، يا حبيبتي. أعرفك: الدكتورة زينب رفعت الزهار، ومدام... ريما الزهار، طليقتي. منفصلين من حوالي أربع سنين، فبالتالي الموضوع كان منتهي ومالوش لازمة يذكر بينا يا حبيبتي."
انصدمت زينب. ماذا سمعت... أقال حبيبتي! مرتين. لا فضولها يقول هناك قصة كبيرة مخفية عنها. يبدو أنه يحاول إغاظة تلك المتبرجة الوقحة التي ترتدي زي أقل ما يقال عنها عاهرة.
فهي ترتدي شورت جينز فضي اللون يصل لنصف فخذيها، وفوقه كنزة بنصف كم من نفس اللون، وبالمنتصف حول خصرها حزام فضي مرصع ببعض الأحجار. وتضع مكياج صارخ، بالأخص على شفتيها. وشعرها القصير المصبوغ منه بعض الخصلات بالفضى.
همست زينب لرفعت:
"إنت كنت متجوز الموزة الفضية دي؟ غلطان ليه طلقتها؟ دي فضلها وصلة كهربا وهتنور في الضلمة. إبعد إيدك عني يا همجي. حسابك بعدين. أهو لقيت سبب أحطه في قضية الخلع، وهاخد الحكم من أول جلسة. هكتب السبب كان متجوز من الفتاة الفضية، وخبى عليا."
كتم رفعت ضحكته وتبسم وهمس يقول:
"بس مثبت في قسيمة الجواز يا زوزي إني كنت متجوز قبل كده، يعني فين الكذب؟ القاضي هيقول عليكي ساذجة ومش بعيد يطلع قرار بإلزامك ببيت الطاعة. ووقتها فرصتي مش هخرجك من السرايا، أو بالأصح من أوضة نومي وآخد حقي الشرعي اللي سيادتك هدرتيه وبتنامي في أوضة تانية لوحدك بعيد عني."
ردت زينب:
"كسر حقك يا وقح يا همجي! جايبلي طليقتك هنا البيت تحضنها قدامي. ماشي، استحمل بقى يا رفعت."
شعرت ريما بنيران ساحقة في قلبها من فعلة رفعت ووقوفه بجوار تلك الحقيرة بنظرها. هي لا تمتلك مثلها أنوثة ولا أناقة. ترتدي مثل بقية البسطاء. ماذا بها جعل رفعت يتزوجها؟ بل ويتركها ويذهب يقف بجوارها يتحدث بهذا التقدير، وماذا يهمس لها وهي ترد عليه بنفس الهمس؟ ماذا تقول له تجعله مبتسماً هكذا؟
سحبت زينب يد رفعت من فوق خصرها وتوجهت إلى مكان ريما ومدت يدها لتصافحها تقول بترحيب فاتر:
"أهلاً بطليقة جوزي، نورتي الحصن. 'أنتم السابقون ونحن اللاحقون'."
كاد رامي الذي دخل الصالون يقع أرضاً من الضحك، من رد تلك السرشة. لو أخرى غيرها لكانت أقل شيء طردت ريما. أما تلك الشرسة ترحب بها. ورفعت هو الآخر يكتم ضحكه بأعجوبة.
أما ريما، نظرت ليد زينب الممدودة بتعالٍ وصافحتها بقرف وتعجب. لو الوضع معكوس لكانت قتلت تلك الحمقاء. ألديها ثقة كبيرة برفعت لهذا الحد؟ هو قال لها حبيبتي مرتين وقبل خدها أمامها. أنسي رفعت أنه في يوم تزوج منها. لا تتذكر أنه قال لها يوماً، حبيبتي.
لا تعلم لماذا. هي حقاً في الماضي أحبته وأوقعته بين شباكها وتزوج منها لبضع أشهر. كانت العشرة بينهم فاترة كثيراً. رفعت ليس هناك وقت محدد لعمله الذي كان يأخذ معظم وقته. ليس هذا فقط السبب في انفصالهم، بل كان السبب هو طلب رفعت منها العودة لهنا لبلدة الزهار وتكملة حياتهم معاً. لكن هي تريد الحرية والانطلاق. لا تريد الانغلاق هنا في قرية ليست لها وجود على الخريطة من الأساس.
دخلت في ذلك الحين مروة إلى غرفة الصالون. نظرت باندهاش لرامي الذي يكاد يموت من الضحك. وقالت:
"إيه يا جماعة هنا؟ بتضحك بالطريقة دي ليه يا رامي؟"
لم تنتظر مروة الرد كثيراً، حين اقتربت ريما من رامي وقامت بحضنه هو الآخر قائلة:
"وحشتني.... رام."
ماذا قالت؟ رام. ماذا فعلت؟ حضنته. لا، لا داعي للانتظار. لما لا أنتف شعر تلك الوقحة الفضية؟ هذا ما أرادت مروة فعله.
لولا ضحك زينب واقترابها من مكان وقوفها: وقالت بتريقة وهي تنظر لمروة:
"مفيش داعي تلوثي إيدك بالدم. الاثنين دول واضح دمهم بارد وزفر. أنا بقول إحنا نبدأ إجراءات الخلع من دلوقتي. إنتي من البلد وتعرفي محامي شاطر، يخلعنا من الاثنين الهمجين دول. تعالي نتسند على بعض ونطلع أوضنا. أنا السكر شكله هيهيج عليا، وإنتي رجلك بترعش."
ردت مروة:
"بس أنا جعانة، أنا على عشاي من امبارح حتى الصبح مفطرتش."
تبسمت زينب قائلة:
"أقولك، أنا كمان جعانة. أصل مريض السكر بياكل كل ساعتين. تعالي نتغدى أنا وإنتي في المطبخ، نتسلى مع الشغالات. تيتا إنعام بتقول لي دول عندهم قصص البلد كلها، حتى تبقى قاعدة ستات وبس."
تبسمت مروة قائلة:
"على رأيك، والنبي ما فيه أحلى من نم النسوان."
بينما الآخران رفعت ورامي، نظرا إلى ريما التي اقتربت من رفعت وكادت تحضنه مرة أخرى، لكن ابتعد للخلف وأحرجها قائلاً:
"جاية هنا ليه يا ريما؟ قصتنا القديمة خلصت، وأنا خلاص بدأت حياتي مع غيرك، وفعلاً بحب مراتي، وإلا مكنتش اتجوزتها."
دمعت عين ريما بتمثيل قائلة:
"رفعت، إنت لازم تسمعني، أنا راجعة علشان... ابننا. لازم يتعرف مع باباه الحقيقي."
انصدم رامي ونظر لوجه رفعت الهادئ وقال:
"ابن مين؟ إنتي عندك ولد من رفعت؟ طب هو فين الولد؟"
ضحك رفعت بسخرية:
"عايش مع باباه الحقيقي في اليونان (فابيو مونتريس). لعبة قديمة، مش ده اللي كان على الفلاشة؟ ريما، بلاش كذب زيادة، خلاص قصتنا القديمة إننا كنا متجوزين انتهت. خلينا نبقى على صداقتنا، زي ما سبق وقولتي."
تعصبت ريما قائلة:
"لأ، قصتنا مخلصتش يا رفعت، وأنا راجعة علشان أسترد حقي فيك، ولازم تصدق إن (جامي) ابنك مش ابن فابيو."
تبسم رفعت بسخرية غير مصدق كذبها وقال:
"شرفتِ يا ريما، وزي ما إنتي شايفة أنا بقيت راجل متجوز، وبحب مراتي، ومش عاوز بينا مشاكل بسببك."
ردت ريما بتصميم:
"وياترى رد فعل مراتك هيكون إيه لما تعرف إن عندك ولد، وإني هفضل هنا؟ أنا من عيلة الزهار، اعتبرني ضيفة عندك في السرايا."
ضحك رفعت يقول:
"تمام، بس يا ريت تلتزمي بأسلوب وذوق إنك ضيفة. وسيدات السرايا هنا هما الدكتورة زينب وكمان مروة مرات رامي. هأمر الخدم يجهزولك أوضة."
عصراً.
لا يوجد بين الرجل وزوجته شيء اسمه حياء أو خجل، بالأخص إذا كان ذلك الوحش المشوه العقل، كما أصبحت تنعته.
ذهبت مروة إلى إسطبل الخيل ووقفت تتوارى بالقرب من ذلك السياج الخشبي تتابع بعينيها كيف يروض رامي ذلك الفرس الصغير الشرس. بدأ بإدخال اللجام إلى عنقه، ثم صعد على ظهره، لكن الفرس ما زال شرساً. حاول إسقاطه من على ظهره، لكن هو تشبث باللجام قوياً، وخرج من داخل السياج، إلى ذلك المجرى المائي الصغير الذي يشق المزرعة.
كانت تسير خلفه، تتوارى خلف الأشجار كي لا تراه. لكن هي من فضحت أمرها حين صرخت بخضة حين كاد يقع من على ظهر الفرس. سمع هو صرختها، نظر لها وتبسم. هو كان يشعر بها خلفه منذ البداية، لكن تغافل بمزاجه.
شعرت بالخجل حين نظر إليها، وابتسم. تصنعت عدم المبالاة، وأدارت ظهرها، تلوم نفسها. لكن تبسمت بشعور لا تعرفه، شعور جديد يغزوها. لكن هل وقعت الجميلة بعشق الوحش؟ هذا ما أخبره رامي لنفسه، ويتمنى تصديقه.
نزل رامي من على الفرس، وذهب إلى مكان وقوفها أسفل إحدى الشجيرات. تبسم قائلاً:
"إيه اللي جايبك هنا؟ غريبة، دي أول مرة تطلعي من السرايا بعد أسبوع من جوازنا."
ردت مروة بكذب:
"زهقت من القاعدة لوحدي في الجناح، قلت أطلع أتمشى شوية. الدكتور بعد ما فك لي جبس رجلي، قال لي أبقى أتمشي عليها كل يوم شوية. أهو منه علاج ومنه أشم هوا العصارى."
تبسم رامي واقترب من مروة بخبث قائلاً:
"لازم تسمعي كلام الدكتور. على العموم، أنا خلاص خلصت تدريب الفرس ده، أو تقدري تقولي ماليش مزاج أدربه النهارده، وحاسس بشوية إرهاق. هدخله للإسطبل، وأرجع عالسرايا، آخد شاور ينعش جسمي، وبعدها..."
ردت مروة:
"بعدها إيه؟ تلصق للبومة اللي اسمها ريما اللي حضنتك من غير حيا، صح؟ إنسي يا رامي. بقولك، متخلينيش أجيبها من شعرها قدامك، واحدة وقحة ورخيصة زي أختها بالظبط."
تبسم رامي وأصبح لا يفصله سوا خطوة من مروة وقال بهمس:
"اعتبر دي غيرة من ريما وأختها."
تعلثمت مروة ليس من قول رامي، بل من اقترابه بهذا الشكل وهمسه لها قائلة:
"مش غيرة، ده تقدر تقول عايزة أحافظ على كرامتي. كفاية انصدمت إن رفعت كان متجوز من البومة ريما، وإنتوا في إسكندرية. الله أعلم إنت كمان عملت في الفترة دي إيه؟ يمكن كنت دنجوان الجامعة. الفلوس لها سطوة برضو، ممكن تخلي البنات مكنوش يشوفوا المسخ، ويشوفوا فلوسه. عايز تفهمني إن مكنش ليك علاقات ببنات قبل ما ترجع لهنا؟"
تبسم رامي وقال:
"كان ليا علاقات كتير يا مروة، وكنت فعلاً دنجوان الجامعة. بس عمر قلبي ما دق لأي واحدة قربت مني. عارفة ليه؟"
نظرت له مروة. هو يؤكد ما سمعته عنه سابقاً. وقالت بخفوت:
"ليه قلبك مدقش لأي واحدة من اللي كانوا حواليك؟"
رد رامي وهو يضع يدها فوق قلبه:
"القلب ده مدقش إلا لواحدة بس، بس يا خسارة، هي مقدرتش الحب ده."
قال رامي هذا وعاد يسحب الفرس ودخل به إلى داخل الإسطبل، مبتعداً عن مكان وقوف مروة التي تدمعت. وقالت:
"وأنا كمان للأسف يا رامي، قلبي مدقش لغيرك. حاولت كتير أشغل نفسي بحب تاني، بس حتى الوهم كنت مرافقة قلبي فيه."
مساءً.
بغرفة زينب.
شعرت بحرارة تغزو جسدها وقالت:
"الهمجي الحقير. تلاقي هو اللي طلب من طليقته تفضل هنا في السرايا، عاوز يحرق دمي ويعلي لي السكر كل ما أشوفها."
قالت هذا وقامت بحقن نفسها بحقنة الأنسولين. بذلك الوقت دخل رفعت. نظرت زينب له قائلة:
"هتفضل همجي؟ خير، إيه اللي جابك؟"
نظر رفعت ليد زينب وحاول الثبات قائلاً:
"بتاخدي أنسولين دلوقتي ليه؟"
ردت زينب بتهكم:
"علشان يديني باور. أصلي محتاجة باور إضافي."
تبسم رفعت.
تحدثت زينب:
"اعمل حسابك من بكرة إني راجعة للوحدة تاني. أهو أسيبك مع طليقتك، يمكن الود يتوصل من تاني، وأطلع أنا من الحصن ده."
اقترب رفعت من زينب، ولف خلفها قائلاً:
"مين اللي قالك إني عاوز الود يتوصل بيني وبين طليقتي؟ لو كنت عاوزها، كنت رجعتها من زمان. ريما صفحة قديمة وانتهت خلاص."
تحدثت زينب:
"ولما هي صفحة قديمة، إيه اللي رجعها وكمان خلاك وافقت تفضل هنا في بيتك؟"
اقترب رفعت أكثر من زينب ووضع يديه على معصمي يدها ووضع رأسه على كتفها قائلاً:
"ريما... ضيفة. عاوزاني أطردها؟"
حاولت زينب السير لخطوة لتبتعد عن رفعت، لكن هو تشبث بمعصميها.
تحدثت زينب:
"طردها من وجودها ميفرقش معايا أصلاً. انفصالنا شيء مؤكد هيحصل مع الوقت."
ضغط رفعت بقوة فوق معصمي زينب وقال:
"انفصالنا أو بقائنا شيء في إيد القدر، مش في إيدنا، زي لقانا كان من ترتيب القدر."
قبل أن ترد زينب بلذاعة، استدار رفعت وأصبح وجهه بوجه زينب، وقال:
"أنا عمري ما كان بيني وبين ريما أي مشاعر. كانت جوازة غلط من أولها، وكان تصحيحها هو الطلاق."
نظرت زينب لعين رفعت الصافية. يبدو أنه صادق. للحظة تاهت، لكن قالت له:
"ميهمنيش جوازك منها كان بمشاعر أو لأ. اللي يهمني نفسي. أنا..."
قطع رفعت حديث زينب حين تهجم على شفتيها بالقبلات العاشقة.
نفرت زينب في البداية قُبلاته، لكن كادت تذوب بين يديه، لكن فاقت حين شعرت بيديه تسير على جسدها أسفل منامتها. دفعته عنها قليلاً وعادت للخلف قائلة:
"إخرج بره يا رفعت."
نظر لها رفعت قائلاً:
"جسمك ليه سخن يا زينب؟"
ردت زينب بعصبية:
"قلت بره أوضتي يا رفعت."
تبسم رفعت بمكر يقول مرة أخرى:
"جسمك ليه سخن؟ إنتي...؟"
ردت زينب:
"قلت بره يا رفعت. كفاية لحد كده. أنا مليت من القصة دي، مبقتش متحملة اللي بيحصل. كل يوم أتفاجئ بواحدة جديدة. آخرها طليقتك اللي جاية وعاوزة تستردك تاني. أيًا كان مشاعرك اتجاهها كان لازم تحافظ على كرامتي قدامها، مش ترحب بقعدتها هنا في السرايا بوجودي أنا كمان. بس ده ميفرقش معايا، لأني عارفة نهاية اللعبة اللي إحنا فيها."
رد رفعت بسخرية:
"جوازنا لعبة؟ إنتي شايفة كده."
ردت زينب:
"أنا مش شايفة غير كده، واللعبة هتخلص قريب. أنا هطلب نقلي من هنا لأي مكان تاني، حتى لو هتنقل لحلايب وشلاتين. ووقتها جوازنا هينتهي بالانفصال."
نظر رفعت لزينب بتحدي يقول:
"ومين اللي هيسمحلك بالنقل من هنا؟ ومين اللي قالك إن جوازنا هينتهي بالانفصال؟ زينب، إنتي مش هتخرجي من حياتي غير بموتي."
قال رفعت هذا، وخرج من الغرفة يصفع خلفه الباب بقوة وغضب، من قول تلك الحمقاء.
بينما زينب تنهدت بسأم وجلست على الفراش، تشعر بغصة بقلبها. ودت من داخلها أن يبقى رفعت بالغرفة، لكن هو خرج. لا داعي للوهم، قصتهما معاً لعبة في يد القدر.
بمنزل هاشم الزهار، بغرفة وسيم.
كان نائماً على فراشه. شعر بحرارة تغزو جسده بقوة، وصداع يفتك برأسه، وجسده يؤلمه. تحامل على ذاته ونهض من الفراش وتوجه إلى الحمام. وقف بمنامته أسفل المياه الباردة، تسيل فوق رأسه، لكن الصداع مستمر، ينهش برأسه.
خرج من الحمام بملابسه المبللة. سمع طرق على باب الغرفة. كان بالنسبة له صوت طرق الباب كصوت المطارق القوية. وضع يديه على أذنيه وسمح بالدخول لمن يطرق الباب، علها تكون خالته وتساعده بشيء يتخلص من ذلك الصداع.
لكن كان مخطئاً. كانت تلك الأفعى لمى، التي نظرت لالتصاق ملابسه على جسده، تظهر معالم جسده الرجولية بشدة. عضت على شفتيها تشتهيه. لكن قال وسيم بعصبية:
"عاوزة إيه يا لمى في وقت زي ده؟"
ردت لمى بادعاء:
"أنا كنت جاية أطمئن عليك. لاحظت إنك على العشاء مكنتش مظبوط، ولما عمتو مها سألتك، قولت لها إجهاد من الشغل بين التدريس ومزرعة الخيل."
رد وسيم:
"فعلاً عندي صداع، هاخد أي مسكن وأنام بعدها وهصحى الصبح كويس. شكراً ليكي. اتفضلي اخرجى من الأوضة علشان أغير هدومي، عشان ماخدش برد من التكييف."
أتت لـ لمى فكرة شيطانية ستستغلها، وربما تأتي بثمار وتأخذ ما تخطط له. خرجت لمى ببراءة.
زفر وسيم أنفاسه وذهب إلى دولاب الملابس، أخرج منامة أخرى له وخلع التي كانت عليه وبدأ في ارتدائها.
بينما لمى، ذهبت إلى غرفتها، وأخرجت ذلك الشريط الدوائي، ونظرت له بانتصار قائلة:
"جه وقتك."
أخذت حبة وذهبت إلى غرفة رامي، وطَرقت الباب ودخلت وجدت رامي ممدداً على الفراش يغمض عينيه، يرتدي بنطال قطني وفوقه قميص قطني من نفس لون البنطال، لكن لا يرتديه جيداً، بالكاد يدخل من عنقه وصدره عارٍ. نظرت له باشتهار وقالت:
"وسيم، أنا جبت لك كبسولة مسكن، بأخده لما بحس بصداع. هو علاج مستورد مخصوص من إنجلترا."
رد وسيم:
"لأ، مش محتاج لعلاج. قولتلك هنام وهصحى كويس."
قالت لمى:
"براحتك، بس ده مفعوله سريع، وبيساعد كمان على راحة الجسم."
تنهد وسيم يقول:
"تمام، هاتِ الكبسولة أخدها، يمكن تريح جسمي، حاسس إنه مكسر."
تبسمت لمى وأعطته الكبسولة، ونظرت إلى دورق المياه، وقامت بسكب مياه بكوب صغير، وأعطته لوسيم الذي وضع الكبسولة بفمه، وابتلعها ببعض رشفات المياه، ليغوص بعدها بمتاهة لا يشعر بشيء مع تلك الأفعى الرقطاء.
بعد مرور أربعة أيام.
صباحاً.
دخل رفعت إلى غرفة زينب كعادته دون طرق الباب، وجدها تجلس محنية على الفراش ترتدي حذائها الرياضي. نظر لها بتقييم يقول:
"كويس. لبسك ده ينفع للمشوار اللي رايحين له."
نظرت له قائلة باستعلام:
"مشوار إيه اللي هنروحه؟ أنا عندي شغل في الوحدة، ونفسي أعرف عامل ليه باب للأوضة طالما بتدخل من غير استئذان."
رد رفعت بتحرش:
"والله نفسي أفتح الأوضة دي على الأوضة التانية، وملهاش لازمة البيبان بينا. يعني هتداري إيه؟"
نظرت له زينب قائلة:
"مش فاضية لتحرشك عالصبح. أنا خارجة عندي شغل في الوحدة."
رد رفعت:
"النهاردة إجازة. مفيش خروج وهتيجي معايا."
ردت زينب:
"إجازة بمناسبة إيه بقى؟ وهاجي معاك فين؟"
رد رفعت بوقاحة:
"اعتبري الإجازة بمناسبة عيد الحب."
سخرت زينب قائلة:
"شكلك فاضي ورايق. وطالما الإجازة بمناسبة عيد الحب، يبقى ريما موجودة هي الأولى، وأولى بالإجازة دي."
رد رفعت:
"بلاش رغي كتير. قولت مفيش مرواح للوحدة، يبقى عارفة إن كلامي هيتنفذ. خلينا ننزل نفطر وبعدها هنقضي بقية اليوم كله في إسطبل الخيل."
نظرت له زينب:
"يعني أمر بقى. ماشي، بلاش أروح الوحدة النهارده. لو احتاجوني في حاجة هيتصلوا عليا. حتى أنا محتاجة إني أغير مكان، والاستبل بين الخيل مكان كويس."
بعد قليل.
بإسطبل الخيل.
وقفت مروة أمام باب إحدى الغرف الخاصة بالخيل. مَلّست على شعر عنق إحدى المهرات التي تمزج بين اللونين البني الداكن وبعض البقع الصفراء على جلدها، حتى أنها غزلت من شعيراتها ضفيرة صغيرة.
دخلت عليها تلك الشرسة، تبسمت قائلة:
"واضح أن عندك حب للخيل، ومش بتخافي منها."
تبسمت مروة:
"أنا من صغري ليا تعامل مع الخيل، زي ما إنتي عارفة. بابا كان سايس."
انخضت زينب بسبب صهيل تلك المهرة المفاجئ حين وضعت يدها على عنقها وعادت للخلف.
تبسمت مروة. لكن صوت الاثنين اللذان دخلا معاً أربكها أكثر حين قالا معاً:
"متخافيش."
لكن هي عادت للخلف لتصطدم بصدر ذلك الفارس. ضمها بين يديه.
بينما تبسم رامي هو الآخر وهو يتجه إلى مروة مبتسماً، والتي بادلته البسمة بعبوس.
لكن رامي ادعى عدم الانتباه وفتح باب الغرفة وأخرج المهرة ووضع عليها لجاماً. وسحبها وخرج من داخل الإسطبل، وصعد خلفه رفعت، تاركين زينب ومروة معاً.
تحدثت زينب قائلة:
"نفسي أعرف سبب هما جابونا هنا ليه، ومن وقت ما جينا هما مشغولين، وأنا زهقت."
تبسمت مروة قائلة:
"المزرعة كبيرة، إيه رأيك نتمشى وندردش سوا؟ أحنا صحيح سلايف، بس مينفعش إننا ندردش سوا."
ضحكت زينب قائلة:
"آه قصدك يعني عشان سلايف إننا لازم يكون بينا حرب؟ لأ، متخافيش، أنا مسالمة ومستأنسة."
ضحكت مروة:
"إنتي مسالمة؟ ده رفعت مش بيقول عليكي غير الشرسه."
ضحكت زينب قائلة:
"آه بيقول لي كده، بس ليه معرفش."
ضحكت مروة قائلة:
"بقى إنتِ مش عارفة إنك شرسة؟ ده البلد كلها مالهاش سيرة غير الدكتورة زينب السمراوي مديرة الوحدة الصحية بالبلد واللي بتعمله فيها. دول بيقولوا عليكي دكتورة زينب حقنة، ماشية تهددي الناس بالحقن."
ردت زينب:
"هو فيه نوعية كده من الناس لازم تظهري لهم القوة عشان تعرفي تتعاملي معاهم. بس سيبك مني. أنا في البداية استغربت إنك وافقتي تتجوزي من رامي. أنا متأكدة إنك رميتي نفسك من على السطح قبل كده، مكنش زي ما قالوا وقعتي من على السلم. وأكيد عملتي كده عشان متتجوزيش رامي، وده كان السبب في جوازي من الهمجي رفعت بالإجبار قصاد رفضي إنك تطلعي من الوحدة الصحية وكمان خطفه لماما."
ردت مروة:
"هتصدقيني لو قولتلك إن مش فاكرة إيه اللي حصلي في الليلة دي وإيه اللي خلاكي وافقتي تتجوزي من رفعت؟ هو الإجبار. أنا نفس الشيء الإجبار. ولاد الزهار معندهمش مكان للرفض، لازم يوصلوا للي عايزينه حتى لو بالإجبار. وأنا أبويا راجل بسيط، بيشتغل سايس عندهم ومامتي هي المسؤولة عني أنا وأخواتي الاتنين التانيين. إحنا تلات بنات، أنا الكبيرة فيهم. اتخرجت من كذا سنة من كلية التربية طفولة. كنت بشتغل وأنا في الدراسة في كذا حضانة في البلد، حتى لما اتخرجت فضلت أشتغل من حضانة للتانية. ومن سنة ونص تقريباً سمعت إن فيه مدرسة خاصة فتحت لها فرع هنا في الشرقية وطالبة مدرسات لحضانة تابعة لهم. قدمت، وقبلوني، مرتبها كويس، وكمان برستيج عن حضانات البلد، على الأقل في المدرسة هيقولوا لي يا مس، مش زي هنا كانوا بيقولوا لي دادا. بس بقى ابن الزهار من يوم رجع تاني للبلد وهو بيطاردني، وكمان اتقدم لي أكتر من مرة، وكنت برفضه، بس طبعاً بالنسبة لبابا، هو يطول بس ابن الزهار يسلم عليه، ما بالك طالب بنته وهيخليها زوجة قدام البلد كلها. طبعاً أبويا وافق، وأنا مكنتش موافقة، بس النصيب محدش بيقدر يقف قدامه."
تبسمت زينب قائلة:
"إحساسك إنك مش فاكرة إيه اللي حصلك الليلة دي، شيء طبيعي بيحصل لبعض الناس وقت حدوث شيء صعب. العقل بيفصل. يمكن ده من رحمة ربنا وتفسير للمثل اللي بيقول (وقت القدر، يعمي البصر). وفعلاً النصيب محدش بيقدر يقف قدامه. عندك أنا أهو، اتنقلت لهنا عشان أقابل رفعت الهمجي ويتجوزني بالغصب بعد ما خطف ماما."
تبسمت مروة قائلة:
"عاوزة تفهميني إن معندكيش مشاعر تجاه رفعت، وبتنبسطي بأفعاله."
ردت زينب:
"أنا عندي مشاعر اتجاه رفعت الهمجي ده، دا أنا نفسي أتخلص منه ومن تحكماته."
تبسمت مروة قائلة:
"طب وريما اللي نفسي أجيبها من شعرها وأمسح بكرامتها السرايا والمزرعة. الوقحة، شايفه طريقة لبسها ولا العاهرات."
ردت زينب:
"هي فعلاً عاهرة، دي ماشية بمايوه. أنا بنكسف لما بشوفها."
تبسمت مروة قائلة:
"والله أنا كمان بنكسف لما بشوفها، وبحس إني عريانة زيها كده. شكلها لسه مطولة هنا."
ردت زينب:
"لأ، مطولة ولا مقصرة، متفرقش معايا. أنا طول الوقت ببقى في الوحدة، بعيد عن السرايا، وبرتاح من وشها."
ردت مروة:
"بس أنا بقى طول اليوم هنا في السرايا، وشايفاها رامية شباكها، وإحنا اللي مديينها الفرصة دي، سواء إنها تقف مع رامي أو رفعت."
ردت زينب:
"وهتعملي معاها إيه؟ هتطرديها؟ هتتواقح وتقولك سرايا ولاد عمي، وأنا من عيلة الزهار."
ردت مروة واقتربت من زينب قائلة:
"بس أنا عندي فكرة تخليها تسكن أوضتها من المغرب ونرتاح إحنا الاتنين منها."
ردت زينب:
"وأيه هي الخطة دي؟"
تبسمت مروة قائلة:
"أقولك، لأني هحتاج مساعدتك."
تبسمت زينب قائلة:
"قولي، أنا بصراحة متغاظة من وقاحتها قوي. إيه هنعمل إيه؟ هنحط لها سم في الأكل؟ ولا أغزها حقنة هوا؟ بس مع النوعية دي لا السم ولا حقنة الهوا هيأثروا فيها، لأن ممكن حقنة الهوا تجيب معاها مفعول كويس وتزود عندها الأنوثة أكتر وهي كلها نفخ أصلاً، دي عندها البالونات منفوشة بمعايير قياسية مظبوطة، مش زينا ناقصنا شنبين ونبقى رجالة رسمي."
ضحكت مروة قائلة:
"ولو حطينا لها سم في الأكل كمان مش هيأثر فيها، دي حية متنكرة في صورة أنثى. إيه رأيك بمُلين!"
نظرت زينب لمروة بتفكير قائلة:
"هو ده اللي يجيب معاها. تصدقي إني كنت مفكرة بس نفسي اللي شريرة، لكن واضح كده إننا هنتفق يا ميرو."
تبسمت مروة قائلة:
"بصراحة هي استفزازية، وأنا خلاص جبت آخري منها. ولاحظت إنها بتتعشى كمية قليلة من الأكل وبعدها بتاخد زبادي بالليمون، قال إيه بتهضم وتحرق السعرات. إيه رأيك نزود لها الهضم وحرق السعرات."
تبسمن الاثنتان لبعضهن بشر وتوافق، فهي تستحق ذلك.
عقب الظهر مباشرةً.
بمنزل هاشم الزهار أيضاً، لكن بغرفة هاشم ذاته.
كان نائماً وحده بالغرفة. مُهرة منذ ليلة زفاف رامي تمكث بغرفتها القديمة قبل الزواج منه. هو يتركها بمزاجه، يتركها لظنها أن لديها القدرة على الوقوف أمامه. لكن بالحقيقة هو قادر بسهولة أن يعيدها لغرفته بالإجبار كما سبق وتزوج بها، وأجبرها تمتثل لطغيانه سابقاً. لكن هو زهد منها، لم يعد لديه رغبة بها كالسابق.
هو كان يظن أنه يعشقها، بل كانت زهوة وقت وجبروت منه نيلها. أما الآن هناك ما يشغل باله بقوة. هل يشتهي جسدها كمُهرة، أم أنها هي العشق؟ لا يعرف تفسيراً لشعور الذي يجتاح جسده حين تكون قريبة منه وأمامه. يريد اقتناص جسدها حين يشعر بوضع يديها على جسده. يريد المزيد.
لكن هناك ذلك الوغد رفعت، هو الحائل بينه وبين تلك الطبيبة. سبق بالوصول إليها، تزوج بها مفاجأة، صدمته وأفشلت خططه في نيل زينب.
أغمض هاشم عيناه عله يتخيل جسدها بين يديه يسحقها أسفله كما يفعل مع الأخريات. لكن لسوء حظه حتى الخيال لم يناله، حين أتى لخياله ذلك اللقاء السابق له مع زينب في الوحدة الصحية بذلك اليوم.
*فلاش باك*
باك.
أن قتل أمامها الثعبان في الوحدة.
سار لجوارها إلى أن دخلا إلى مكتبها. تبسمت له بمهنية قائلة:
"اتفضل يا سيد هاشم. غريبة، إيه اللي جابك الوحدة في وقت زي ده؟"
رد هاشم:
"يمكن القدر يا دكتورة."
تبسمت زينب وهمست لنفسها:
"القدر. فعلاً كان مجيء للبلد دي قدر عشان أقابل قدري هنا، الهمجي."
لكن تحدثت لهاشم قائلة:
"خير، إيه الظرف اللي في إيدك ده؟ واضح إنه لمعمل أشعة وتحليل."
وضع هاشم الظرف أمام زينب قائلاً:
"فعلاً، دي نتيجة الفحوصات والتحاليل اللي طلبتيها مني عملتها وكنت مستني ترجعي للشغل في الوحدة من تاني عشان تعاينيه بنفسك. أنا سألت دكتور الأشعة قالي إن النتائج كويسة الحمد لله، بس مش عارف سبب الوخزة اللي أوقات بتجيلي وبتعل على إيدي الشمال."
فتحت زينب الظرف وبدأت بقراءة نسب نتائج الفحوصات بتركيز، غير منتبهة لنظرات ذلك الذئب الذي يود إلتهامها الآن، يتخيلها وهو يمارس عليها ساديته. لا لا، زينب لا تستحق تلك السادية. هو يود الظفر بها بأي شكل.
انتهت زينب من قراءة الفحوصات قائلة:
"فعلاً، نتيجة الفحوصات والأشعة بتأكد كلام الدكتور. ممكن الوخز اللي بيجيلك في إيدك الشمال ده يكون شد عضلي، أو لو حضرتك بتاخد أي نوع من المنشطات."
ارتبك هاشم قائلاً:
"أنا مش باخد أي منشطات، حتى قليل لما بستعمل الأدوية غير في الحالات القصوى."
ردت زينب:
"ممكن... وممكن يكون شد عضلي بسبب زيادة تحميل على إيدك دي. ممكن تستعمل مراهم الشد العضلي وتحاول تريح إيدك."
تبسم هاشم يقول:
"تعرفي إني اطمنت من رأيك أكتر من الدكتور اللي متابع معاه. طب ممكن لو مفيهاش مضايقة لحضرتك تعاينيني مرة تانية."
ردت زينب:
"أعتقد معاينتي لخصرك مش هتقدم جديد. الفحوصات كويسة جداً، وممكن الأعراض دي وقتية وهتزول بعد شوية."
شعر هاشم بخذلان. لكن زينب قالت له بمفاجأة:
"مدام مهره إزي صحتها دلوقتي؟"
قبل الوقت بمزرعة رفعت.
كان يقوم بترويض إحدى المهرات، حين ذهب إليه أحد العاملين وقال:
"رفعت بيه، الحق صفاء أختي بتشتغل مع الدكتورة في الوحدة، ومن شوية كنت بتصل عليها، وسمعت صريخ. سألتها السبب قالت لي إنهم بيقولوا فيه تعبان كبير في أوضة العمليات، والكل بيجري وبيصرخ، ما عدا الدكتورة راحت لأوضة العمليات."
قفز رفعت من على المهرة سريعاً، قائلاً:
"دخل المهرة الإسطبل."
قال رفعت هذا وهو يجري سريعاً وركب سيارته وخرج من السرايا، ضرب مقود السيارة بيديه قائلاً بعصبية:
"متبقاش زينب السمراوي لو الفضول ماخدهاش وإتحققت من وجود التعبان بنفسها. بترمي نفسها في الخطر من غير ما تفكر."
سريعاً كان بالوحدة، نزل من السيارة ودخل إلى داخل الوحدة، منها إلى غرفة زينب مباشرةً وفتح الباب دون طرق قائلاً بلهفة:
"زينب إنتي...!"
قطع رفعت قوله حين رأى هاشم يجلس أمام زينب يسأله عن مهره.
رد هاشم:
"مهره الحمد لله صحتها بقت كويسة. تقدري تيجي للبيت بنفسك تطمني عليها وكمان تطمنيني عليها، بصراحة بقيت بخاف على صحتها قوي بعد الوعكة الأخيرة دي."
دخل رفعت إلى الغرفة وقال:
"الدكتورة زينب مش بتروح لحد بيته. اللي محتاج لها، يا يجي هنا الوحدة، أو سرايتي مفتوحة. إنما الدكتورة مش بتروح لحد بيته، وعمتي مهره أول واحدة، سرايتي مفتوحة ليها تدخل بدون إذن، دي سرايتها."
نهض هاشم واقفاً، نظرات العين بينه وبين رفعت حارقة.
نهضت زينب هي الأخرى، ونظرت لهما. أيقنت هناك حرب بين الاثنين لا تعرف سببها، ولا تعرف أيضاً أنها أصبحت جزءً كبير من تلك الحرب.
اقترب رفعت من مكان وقوف زينب ولف يده حول خصرها، يقول:
"لما عرفت إن فيه تعبان في الوحدة جيت فوراً. خير؟"
ردت زينب:
"خير الحمد لله. فعلاً كان فيه تعبان معرفش دخل منين وشكله كمان كان غضبان، بس السيد هاشم تعامل معاه وقتله."
نظر رفعت لهاشم وقال:
"السيد هاشم عنده خبرة في التعامل مع التعابين. على العموم بشكر شجاعتك."
رد هاشم:
"الدكتورة تستحق، كفاية اللي بتقدمه لأهل البلد. هستأذن أنا."
ردت زينب:
"مرة تانية بشكرك، وسلميلي على مدام مهره."
تبسم هاشم وخرج، بنيران تود سحق رفعت الحائل بينه وبين الدكتورة.
بينما بداخل المكتب، نفضت زينب يد رفعت عنها وقالت:
"هتفضل همجي في التعامل مع الناس. هاشم مغلطش في حاجة لما قالي أروح بيته أطمئن على مدام مهره. لازمته إيه كلامك الغبي إني مش بروح لحد بيته؟ أنا دكتورة وبأدي مهنتي اللي أقسمت عليها يمين، إني أعالج أي شخص محتاج ليا، في أي مكان، ومتنساش سبق وخطفتني عشان أكشف على جدتك في سرايتك."
رد رفعت:
"أنا ممنعتكيش عن تأدية مهنتك، لكن ممنوع رجلك تدخل بيت هاشم الزهار، فاهمة؟ ودلوقتي بقول كفاية، وخلينا نروح للسرايا."
ردت زينب:
"إحنا لسه نص النهار وعندي شغل، ومش هسيب الوحدة."
نظر رفعت لزينب يقول:
"تمام، بعد كده لما أمنعك من الخروج من السرايا، متبقيش تشتكي."
قالت زينب:
"يعني إيه بتهددني؟ تحبسني في السرايا."
رد رفعت:
"وارد جداً، طالما مش بتسمعي كلامي."
ردت زينب بغيظ:
"بتحلم يا رفعت، واتفضل مع السلامة، بلاش تعطلني."
نظر رفعت لها وحاول الهدوء:
"تمام يا زينب، إنتي اللي اخترتي، بس خليكي فاكرة وخليكي قد كلمتك. حسابنا مش هنا، حسابنا في السرايا."
خرج رفعت هو الآخر من الغرفة مستشاط غضباً.
جلست زينب على المقعد تشعر ببوادر دوخة خفيفة، فوضعت قطعة حلوى بفمها.
عودة.
عاد هاشم من تذكره لهذا اليوم يشعر بنار ساحقة في قلبه، يريد إشعالها بجسد رفعت وهو ينظر بعينيه وهو يحترق، يتلذذ بذلك. وسيحدث هذا قريباً. لا داعي لطول الوقت، ولا للانتظار كثيراً.
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سعاد محمد سلامة
أثناء سير زينب ومروة تتجولان بالمزرعة، فوجئت الاثنتان بمن خلفهن.
تحدث رفعت وهو يجذب زينب من خصرها ويقربها منه قائلاً:
أظن الشمس قوية، خلاص بقينا بعد الضهر، كفاية كده. مشي، تعالى معايا. أنا أمرتهم بتحضير الغدا بعد ساعة تحت المظلة اللي هنا.
وضعت زينب يدها على يده التي حول خصرها، وحاولت إبعاده عن جسدها، لكنه تصرف بوقاحة، وضَمها قائلاً:
هاخد مراتي، محتاجها في كلمتين. نتقابل أنا وأنتم بعد ساعة عند المظلة، أتمنى لكم وقت سعيد.
قال رفعت هذا وشد زينب للسير معه، رغم عنها سارت معه إلى أن ابتعدا قليلاً.
ثم حاولت فك يده من حول خصرها، وتحدثت بعصبية:
بعد إيدك عني وبطل الهمجية دي معايا بقولك.
ضحك رفعت قائلاً:
كنتي بتتكلمي أنتي ومروة عن إيه؟ أكيد عني أنا وأخويا؟
نظرت له زينب قائلة:
وهنتكلم عنكم ليه، وهنقول إيه؟ اتنين أغبية مفكرين نفسهم لهم سطوة على كل اللي قدامهم، حتى إنهم بيغصبوا بنات الناس على الجواز منهم. أنا متأكدة إن جواز مروة ورامي كان غصب من مروة زي ما أنا اتغصبت أتجوزك.
ضحك رفعت قائلاً:
اتغصبتي تتجوزيني، لكن لما جيتي ليا أوضتي كان بإرادتك، وأنا مغصبتكيش على اللي حصل، وقولتي كان فخ منك ليا، بس أنا موقعتش فيه، لأنك بالنسبة ليا زي أي ست ممكن تشاركني السرير.
نظرت له زينب بغيظ، وقامت بضربه بقدمها في ساقه قائلة:
حقير، وسافل، و...
وقبل أن تُكمل وصلة سبها له، نظر رفعت حوله بالمزرعة، وجدها خالية. قام بجذبها وإسكاتها بالطريقة التي بدأ يُدمنها، وهي تقبيل شفاه تلك الشرسة، يُصمتها بطريقته المحببة له.
احتضنها بين ذراعيه القوية، وشل حركتها بين يديه.
ظل يُقبلها إلى أن شعر بانقطاع نفسيهما. ترك شفتيها، ولكن مازال يحتضنها بين يديه.
وقفت زينب تلتقط أنفاسها بسرعة إلى أن هدأت. نظرت له بغيظ، وقامت بتكوير كف يدها، وأعطته لكمة قوية ببطنه، شعر رفعت بالألم ففك يديه من حولها، وعاد للخلف يشعر بالألم.
وقبل أن يتحدث، تحدثت زينب قائلة:
لسه عند رأيي فيك إنك حقير وهمجي ومغتصب.
رغم شعور رفعت بالألم، لكن تبسم وهو يخرج ذلك الكيس الصغير من جيبه قائلاً بمرح واستفزاز:
اتفضلي، ده كيس فيه ملبس وكراميل ولبان من الأنواع اللي بتحبيهم، خدي لك منه ملبستين لاحسن تهبطي بعد البوسة دي.
قال هذا وقام بتقبيل شفتيها قُبلة خاطفة ووضع الكيس بين يديها وسار أمامها، يبتسم.
***
بينما مروة ورامي، ذهبا معاً.
في ذلك الأثناء رن هاتف رامي، تبسم وهو ينظر إلى الشاشة وابتعد قليلاً عن مروة ورد على المتصل، أو بالأصح المتصلة.
ساق مروة فضولها، وسارت خلفه، تتسمع على حديثه بالهاتف. أيقنت من طريقة نطقه أنه يتحدث مع امرأة. كان حوار بسيط، ربما ليس به شيء لافت لمعزة خاصة، لكن بالنهاية يتحدث مع امرأة. سمعته يقول بنهاية المكالمة أنه سيذهب إلى الإسكندرية بأقرب وقت لمقابلتها. الفضول بداخلها يشتعل.
أغلق رامي الهاتف ونظر خلفه، وقال ببرود:
زمان الشغالين حطوا الغدا تحت المظلة، خلينا نروح أنا جعان.
اقتربت مروة من رامي ووضعت يدها فوق عضده وقالت:
كنت بتكلم مين في الفون.
تبسم رامي من قرب مروة منه ووضع يده فوق يدها وقال:
دي زميلة ليا من أيام الجامعة.
شعرت مروة بغيرة وقالت:
أنت هتروح إسكندرية قريب.
تبسم رامي بمكر:
أيوا، بتسألي ليه ولا كنتي بتتصنتي عليا وأنا بتكلم؟
شهقت مروة قائلة:
هتصنت عليك ليه، أنا سمعتك صدفة، وعالعموم ميهمنيش، تروح وترجع بالسلامة.
تبسم رامي وهو ينظر لمروة التي تغيرت ملامحها ولعب على وتر الغيرة عسى أن تعترف بحبه. وقال:
لو عايزة تيجي معايا إسكندرية معنديش مانع، أنا معزوم على فرح واحد كان زميلي في الجامعة، وهو عازم كل زمايلنا اللي كانوا معانا، فرصة نتقابل مرة تانية، ونعيد ذكرياتنا مع بعض.
ابتلعت مروة ريقها وقالت بتسرع:
وطبعًا عازم زمايلكم البنات كمان.
تبسم رامي:
أكيد، هو أكد لي كده.
وقفت مروة، وتوقف رامي هو الآخر، ببسمة على قولها:
اعمل حسابك هحضر معاك فرح زميلك ده، واهو بالمرة أفسح في إسكندرية يومين أعتبرهم من شهر العسل اللي بلطت عليه.
تبسم رامي وقال بتحرش:
يومين بس، إيه رأيك في أسبوعين تلاتة، يمكن هوا إسكندرية يعدل مزاجي وأنتعش.
نظرت له مروة قائلة:
ليه، وهو هنا في الزهار مفيش هوا يعدل مزاجك ويخليك تنتعش.
رد رامي:
هوا إسكندرية له خصوصية، مش في أي مكان تاني.
ضربت مروة كتف رامي قائلة:
قصدك إيه، طبعًا ما هناك بيفكرك بأيام الجامعة وزمايلك، اللي بتحن لهم وأيامك معاهم. أنا بقول خلاص قربنا من المظلة، مش كنت بتقول جعان.
تبسم رامي ينظر حوله بالمكان، خالي، فهو وقت غداء العمال.
جذب مروة من خصرها على غفلة، ونظر لشفتيها وعينيها الغائمتين. مروة رقيقة أكثر من اللازم. عاد بنظره لشفتيها، ليراها تبللها بلسانها. لم يعد للتفكير مكان، التقم شفتيها يُقبلها بتوق ولهفة عاشق.
***
بعد العصر وانكسار الحر قليلاً.
تحدثت زينب بتذمر:
قولتلك مش عاوزة أركب خيل، ابعد إيدك عني خليني أنزل، هو إجبار.
تبسم رفعت، وقام بضرب الجواد ليجري، سريعاً تزداد سرعته مع الجري.
كانت زينب تمسك باللجام خلف يد رفعت، لكن دخل رفعت بالجواد إلى ذلك المضمار، وبدأ الجواد يجري أسرع، ليس يجري فقط بل قام بالقفز من فوق إحدى الحواجز.
انخضت زينب وشهقت وتركت اللجام وتشبثت بيد رفعت الممسكة باللجام.
تبسم وهمس جوار أذنها:
لو سبتي إيدي هتوقعي، يا زينب.
تشبثت زينب بيدها فوق يده الممسكة باللجام. بدأ الجواد يقفز فوق الحواجز. شهقت زينب مرة واثنتين، لكن بعد ذلك استمتعت بذلك تشعر باحتواء رفعت لها بين يديه. هو كان أكثر استمتاعاً وهو يحتوي جسدها بين يديه يشعر بنسمات العصارى، تُنعش فؤاده.
بعد وقت بدأ يهدئ من سرعة الجواد، يسير ببطء، يخرج خارج المضمار.
ترك رفعت لجام الجواد وقفز من فوقه. رفع يده يساعد زينب للنزول، لكن قالت له بحدة:
ابعد إيدك، هنزل لوحدي.
تبسم رفعت وتركها. لكن حين حاولت النزول كادت تقع بسبب شعورها بدوخة خفيفة، بسبب أنها لأول مرة تمتطي جواد.
تشبثت بلجام الجواد إلى أن وضعت قدميها فوق الأرض.
تبسم رفعت وهو يراها نزلت لوحدها ووقفت تترنح.
اقترب منها يقول:
هي أول مرة هتحسي بدوخة، بعد كده هتتعودي.
سخرت زينب منه قائلة:
طبعًا هتعمل عليا خبير في ركوب الخيل، عادي جدًا، محسسني إنك مولود فوق ضهر الخيل.
تبسم رفعت يقول:
لأ، متولدتتش على ضهر الخيل، بس عشت عمري كله وسط الخيل.
ساق زينب فضولها وقالت له:
رفعت، درست إيه؟
اقترب رفعت من أذن زينب وهمس.......؟
وقفت زينب لثواني كالصنم متعجبة.
فاقت على هبوب عاصفة ترابية بسبب جريان ذلك الجواد الآخر الذي ينفض تراب المزرعة أسفل أقدامه. ليس فقط ينفض التراب، بل كان يقترب منها وكاد يدهسها، لولا أن جذبها رفعت له، ليقع على ظهره وهي الأخرى بظهرها فوق صدره.
تألم رفعت من ظهره، لكن ضم جسد زينب بين يديه، شعر بخفقات قلبها السريعة أسفل معصم يده.
بينما زينب قالت بخضة:
الحقيرة ريما الحيوانة أكيد قاصدة تدهسني بالحصان، الغبية المجرمة طبعًا عاوزاني أموت علشان ترجع لها، مفكرة إن الكلام الأهبل اللي قولته قدامها صحيح وإنك بتحبني.
همس رفعت لنفسه:
أنا فعلاً بعشقك يا زينب، مفيش واحدة قبلك قدرت تتوغل وتحتل قلبي زي، ما أنتِ اخترقتي مش بس قلبي، اخترقتي كياني بشراستك وعفويتك. أنتِ الوحيدة اللي ضعفت قدام عشقها، معاكي اخترقت كل قوانين الانتقام، وأول قانون كان إني مستحيل أقع في العشق.
بينما همست زينب:
وأنا اللي كنت بفكر أسيبك النهارده ومسمعش لكلام مروة وأساعدها في خطتها، لكن ده بعدك يا بومة. إن منيمتك في الحمام مبقاش أنا الدكتورة زينب السمراوي.
حاولت زينب القيام من فوق جسد رفعت، لكن هو أحكم يديه حولها وجلس، وهي بين يديه. نظرت له زينب قائلة:
فك إيدك من حواليا، خليني أقوم أشوف الوقحة اللي كانت عاوزة تموتني دي.
تبسم رفعت ونظر لها يقول:
محدش يقدر يأذيكي وأنتي معايا يا زينب، كوني متأكدة من كده، مش هسمح بأي أذى يطولك.
نبرة صوت رفعت جعلت زينب هي الأخرى تنظر له لتتلاقى أعينهما ببعض، عين كل منها تبوح بشيء لم يكن متوقع حدوثه، وقوع كل منهما في العشق.
العشق!
نفضت زينب عن تفكيرها وقالت:
بلاش غباء، نهاية القصة معروفة.
لكن كان لرفعت رأي آخر، حين وضع يده فوق عنق زينب وقرب وجهها من وجهه وبمفاجأة قَبّلها.
تفاجأت زينب لكن لم تمانع قبلته كأنها هي الأخرى كانت تريد تلك القبلة.
لكن تلك الوقحة ريما تنحنحت تشعر بنيران من تلك القبلة.
حين سمعت زينب نحنحة ريما، عادت من تلك السحابة، وابتعدت قليلاً عن شفاه رفعت، الذي شعر بانقطاع نفسه حين ابتعدت بشفاهها عن شفاه.
بينما زينب بتلقائية وضعت رأسها على صدره وسمعت تلك الخفقات المتلاحقة. هو أيضاً شعر بخفقات قلبها أسفل يده.
لكن قطع ذلك التواصل، صوت مزعج.
حين تحدثت بغيرة وغلول تلك السوداء القلب ريما:
أنا آسفة، مقدرتش أتحكم في الحصان وهو بيجري، حتى كان هيوقعني، لو مكنتش أتمسكت فيه. أنا جيت بسرعة أطمن عليكي، يا دكتورة.
انتبهت زينب أنها تجلس فوق ساق رفعت، فنهضت سريعاً وقالت:
صادقة، هو انتي مجرمة، العيب مش عليكي، العيب عاللي روّض الحصان، يظهر معرفش يسيطر على جموحه. بقى ريما البومة، قصدي ريما الرقيقة تحاول تقتل برضو.
أخفى رفعت بسمته، بينما اغتاظت ريما من نعتها لها بالبومة. كم تود الآن إشعال نيران بزينب وتتخلص منها، فهي العائق بينها وبين رفعت الذي يبدو صادقاً بقوله أنه يحب تلك الطبيبة الحمقاء. لكن مازال لديها ذلك الكارت الرابح، ماذا ستفعل تلك الحمقاء إذا علمت أن لديها طفل من رفعت.
***
مساءً.
أثناء تناول العشاء، نظرتا مروة وزينب لبعضهما حين أتت الخادمة بطبق صغير به قطعة زبادي مخلوطة بالليمون ووضعته أمام ريما، التي قامت بخلطه مرة أخرى بالملعقة وبدأت تتناول منه ونظرت لمروة وزينب باشمئزاز وقالت لهن:
المفروض تنتبهوا شوية على أكلكم، أنا شايفه إنكم بتاكلوا أي حاجة عالـ عشا، لازم تحافظوا على رشاقتكم، الرجالة بتحب الست الرشيقة أكتر.
نظر كل من مروة وزينب لأجسامهن ثم نظرن إلى ريما وقالت مروة بإغاظة:
بس رامي عاوزني أتخن وأربّي. صح يا روميو.
تبسم رامي ورد بإيماءة من رأسه.
بينما قالت زينب:
أنا بقى عندي السكر وهو بيحرق لوحده الآكل اللي بأكله، خليكي إنتِ في الزبادي والليمون وأنا هاكل طبق المحشي ده، صحة وهنا على قلبك.
نظرت ريما لهن بغيظ وقالت:
أنتم أحرار، أنا كنت بنصحكم.
ردت مروة:
عارفين نواياكِ، كتر خيرك برضوا بتوعينا.
قالت مروة هذا ونظرت لرامي قائلة:
مش بتاكل ليه يا روميو، لتكون عاوز تخس؟ لأ يا حبيبي، أنا بحب الراجل أبو عضلات مقوية صدره. خد كل طبق المحشي ده، أنا وزينب اللي طابخين الأكل ده كله، ما عدا الزبادي مقربناش منها، ملناش في الدايت والكلام الفارغ، كل مطرح ما يسري يربي عضلات يا حبيبي.
تبسم رامي وأخذ الطبق من يد مروة.
نظرت زينب ومروة لبعضهن يبتسمن، فمروة كاذبة، هن لم يضعن يدهن بصناعة أي طعام سوى طبق الزبادي بالليمون أضفن له مذاق خاص بهن.
بينما رفعت لاحظ نظرات زينب ومروة لبعضهن بتوافق، يبدو أنهن لديهن ما يخططن له.
بعد قليل نهضت زينب من أمام السفرة تتثاءب قائلة:
أنا شبعت وكبس عليا النوم، هطلع أغير هدومي وأنام.
تبسمت مروة ونهضت هي الأخرى قائلة نفس الشيء، وأزادت:
يظهر تعب وإرهاق اليوم حل على جسمي. مش هتطلع تنام إنت كمان يا روميو.
رد رفعت:
لأ، أنا محتاج رامي في موضوع، نص ساعة كده وهيحصلك.
تبسمت مروة وقالت:
تصبحوا على خير.
صعدت مروة وزينب، وتركوا ريما التي ظنت أنهن أفضين مكانهن لها للسهر. لكن ذهب رامي ورفعت إلى المكتب وجلسا معاً قليلاً.
فكرت ريما في ذلك الوقت بمكر وخباثة. لماذا لا تذهب إلى حمام السباحة الخاص بالسرايا، لكن قبلها تطلب من رفعت مرافقتها لبعض الوقت، تنتهز فرصة غياب تلك الحمقاء زوجته. ولكن قبل ذلك صعدت إلى الغرفة التي تظل بها، أخرجت مايوه قطعتين صارخ العُري باللون الليموني. لكن يبدو أن هناك شيء بمعدتها بدأ يصرخ، يبدو أنه مفعول الليمون. ذهبت للحمام سريعاً تشعر بمغص قوي، بدون سبب معلوم لديها، لتنتهي آمالها في محاولة قضاء وقت ممتع برفقة رفعت، فبدلاً من ذلك قضت الوقت بين الغرفة والحمام، ذهاب وإياب إلى أن خارت قواها، وارتمت على الفراش تشعر بالضعف العام.
***
بالإسكندرية.
على متن أحد اليخوت.
كانت فتاة بالكاد تبلغ من العمر أكثر من السابعة عشر بقليل. تقوم بالرقص، وهي شبه عارية أمام ذلك الوغد هاشم. كان ينظر بشهوة لجسدها الغض الذي يصرخ بالأنوثة. بينما هي رغم حداثة سنها، لكن كانت تتمايل بحركات مثيرة بخبرة كبيرة قلدتها من إحدى الراقصات البارعات اللاتي تشاهدهن عبر شاشات الفضائيات. شعرت بإنهاك فجلست أسفل قدمه تلهث.
شعر هاشم بانتشاء وهو ينهض يجذبها معه من خصلات شعرها، ويدخل إلى أحد غرف النوم باليخت. ألقاها بقوة فوق الفراش. رغم خضتها، لكن تبسمت له، وهي لا تعلم ما الذي هي مقبلة عليه. قبل أن تنهض كان يهجم عليها كالذئب الذي ينهش فريسته، يُقطعها بمخالبه. بالفعل قطع جسدها بلمساته المتوحشة، يشعر بانتشاء كلما سمع صوت استغاثة منها. أن يرحمها قليلاً ويتركها، هي لم تعد تتحمل أفعاله بها، لكن هيهات فالذئب مازال جائع. يرغب بأخرى يشتهيها، لكن هي بعيدة عن يديه. لكن أتت تلك الصبية الأخرى لخياله، تلك ابنة صفوان. عليه التسلية معها قليلاً قبل أن يحصل على الطبيبة. بمجرد أن يعود إلى البلدة سيرسل لذلك السائس الذي بالتأكيد لن يرفض عرضه ويتفق معه ويعطيه ما يريد ويأخذ تلك الفتاة لمكان بعيد عن البلدة يستلذ بها لبعض الوقت، حتى ينتهي من رفعت. وبعدها لن يكون هناك عائق بينه وبين نيل الطبيبة.
نهض عن تلك الفتاة، يشعر بانتشاء، غير ملاحظ لتلك الدماء التي سالت ومازالت تسيل منها مع عذريتها التي سلبها لها بقسوة على ذلك الفراش الناعم. أو بالأصح هو لا يبالي بذلك، فالذئب منظر الدماء تشعره باللذة.
ارتدى قميصه وخرج من الغرفة. وقف ينظر للبحر أمامه. مازال الليل بأوله، مازال لديه الوقت قبل أن يأتي ميعاد تلك المهمة التي هو من أجلها يقضي الليلة بالبحر، بليلة شبه صيفية بفضاء أمامه معتم.
***
بمنزل هاشم الزهار.
بغرفة وسيم.
كان ينظر لذلك الهاتف القديم الطراز، رأى تلك الصور له مع ليلى، وفتح ملف أرقام الهاتف. أتى بذلك الرقم المدون باسم الباشا.
فكر بالاتصال عليه، لكن هو يعلم أنه لن يرد عليه.
لكن رن هاتف وسيم الخاص، نظر للشاشة ورد على المتصل سريعاً، يقول بلهفة:
ها عرفت صاحب الرقم ده مين؟
رد الآخر:
للأسف لأ، الرقم مدون في الشركة باسم ست متوفية من كذا شهر، بس طلبت من الشركة مراقبة اتصالات الرقم ده، بس للأسف الرقم ده مقفول من كذا يوم، لا اتصال ولا رسالة، رحت للظابط القسم.
رد وسيم:
رحت له وقريت تقرير المعمل الجنائي بنفسي، الوغد مات بسبب زيادة في جرعة الدوا المخدر اللي كان بيتعاطاه. أكيد الباشا ده الديلر اللي كان بياخد منه الحبوب المخدرة دي، بس إيه مصلحته في تصويري مع ليلى.
رد الآخر:
معرفش بصراحة سبب. على العموم، رقم الباشا أنا طلبت منهم مراقبته وهنشوف الأيام الجاية إيه اللي هيحصل.
رد وسيم:
تمام، بالسلامة.
وضع وسيم الهاتف على الفراش وارتمى بظهره عليه، يشعر بإنهاك عقلي. لماذا ذلك الوغد قام بتصويره هو وليلى، كأنه كان يراقبهم وانتظر هذه اللحظة. على ذكر ليلى، تنهد يشعر بشوق لرؤيتها. فمنذ ذلك اليوم الذي تقابل فيه معها هي وخالها بقسم الشرطة لم يراها، حتى خالته بالجامعة، يبدو أنها تقصد الغياب عن عيناه.
تنهد بشوق يبتسم يتذكر خجلها ذلك اليوم ومحاولتها تجنب الحديث معه والابتعاد بنظرة عيناها عنه. هي مُحقة، هو من يبدأ، بالتهجم عليها. فكر عقله، لماذا حين تكون بورطة يرسله الله لها، نجده هو ينقذها ويريد من ينقذه من الوقوع ببراثن عشقها.
في ذلك الأثناء، سمع طرق على الباب. اعتدل جالساً، وسمح بالدخول:
دخلت تلك الأفعى عليه ببسمة مسممة وقالت:
سومي، كنت عاوزة أتكلم معاك في موضوع خاص.
تنهد بسأم قائلاً:
خير، إيه هو الموضوع الخاص.
ادعت لمى الخجل وقالت:
بصراحة، بعد اللي حصل بينا من كام ليلة، وأنا مكسوفة أبص في وشك.
نظر وسيم لوجهها وسخر بداخله، عن أي خجل تتحدث تلك الوقحة. وقال باستهزاء:
وأيه بقى اللي حصل بينا الليلة دي؟
رفعت لمى وجهها تنظر لوسيم وقالت بخذو مصطنع:
معقول مش فاكر إيه اللي حصل بينا، أنا حاولت أمنعك يومها بس مقدرتش أقاوِمك، انت عارف مشاعري ناحيتك إيه.
تعجب وسيم يقول:
مقدرتيش تقاوميني، كان ممكن تصرخي واللي في البيت مش طرش كانوا هيسمعوكِ. بلاش كلام فارغ، هاتِ من الآخر يا لمى، عاوزة إيه بعد اللي حصل بينا، واللي أنا مش فاكره ولا عارف حصل إزاي أصلاً.
ردت لمى:
الطبيعي بعد اللي حصل بينا إننا نتجوز عالأقل لفترة قدام الناس. افرض طلعت حامل، وارد جدًا، أنا ميعاد البريود اتأخر عندي الشهر ده.
نظر وسيم بذهول يقول باستهزاء:
البريود عندك متأخرة قد إيه.
ردت لمى:
حوالي أسبوع.
تنهد وسيم يقول:
واللي حصل بينا كان من أسبوع، عالعموم تمام، أنا موافق يا لمى إننا نتجوز، بس هنعمل فترة خطوبة كده صغيرة. لو ظهر إنك حامل هنتمم الجواز بسرعة، مفيش حمل، يبقى نتجوز بعد ست شهور.
تبسمت لمى بفرحة ونشوة فوز قائلة:
تمام، أنا موافقة. هروح أكلم بابي ييجي لهنا، علشان نعمل بارتي خطوبة، ولا تحب نسافر إسكندرية نعمل الخطوبة هناك.
رد وسيم:
لأ بارتي ولا غيره، الخطوبة هتكون عالضيق. قدامك لسه الزفاف ابقي اعملي البارتي اللي في خيالك. أنا عندي شغل هنا وخلاص امتحانات آخر السنة قربت وهنشغل فيها هي كمان. آجلي البارتي للزفاف.
وافقت لمى على مضض، فالمهم الآن هي وصلت لما خططت له، وها هو وقع بفخ عشقها. لا تعلم أنه يحاول الهروب من ذلك العشق لأخرى تتوغل في قلبه دون إرادة منه.
***
بـ سرايا الزهار.
بغرفة نوم رفعت.
خرج من الحمام على صوت رنين هاتفه وفتح الخط سريعاً، يستمع إلى ما يقوله له الآخر وجاوب عليه قائلاً:
لأ، اطمن، هكون عندك في إسكندرية قبل الميعاد.
وضع رفعت هاتفه على الشاحن وخلع عنه ذلك المعطف القطني، واقترب من المرآة ينظر إلى انعكاس ظهره. هناك بعض آثار مدمية على ظهره بسبب وقوعه على أرضية الأسطبل. تبسم وهو يتذكر قبلته لزينب وقتها، كم شعر بالسعادة وكان لا يريد أن تبتعد بأنفاسها عنه، لكن تلك اللعوب قطعت عليه اللحظة. نظر إلى تلك التجمعات الدموية بظهره وفكر بمكر لماذا لا يستغل ذلك. بالفعل، أخذ هاتفه واتصل على هاتف زينب التي ردت بعد أكثر من رنين. تحدث رفعت:
كل الرن ده مسمعتيهوش ليه؟
ردت زينب بنعاس:
عاوز إيه، أنا كنت نايمة، ليه بتتصل وتزعجني.
تبسم رفعت يقول:
كنت عاوزك في أوضتي خمس دقايق.
ردت زينب:
عاوزني في إيه.
رد رفعت:
لما تيجي الأوضة هتعرفي.
ردت زينب بتحدي:
مش جايه ومش عاوزة أعرف عاوزني ليه، تصبح على خير، أو شر مش فارقة معايا، أنا عاوزة أنام.
تبسم رفعت يقول:
تمام، براحتك، هطلب اللي عاوزاه من ريما.
نهضت زينب قائلة:
ليلتك سودا يا رفعت وهاجيلك الأوضة أسودها لك أكتر، كده كده النوم طار من عيني.
قالت زينب هذا ونفضت الغطاء من عليها ونهضت من الفراش وارتدت مئزر حريمي طويل فوقه طرحة بعشوائية، وذهبت وهي توعد له.
تبسم رفعت وهو يضع الهاتف على الشاحن مرة أخرى، وتوقع أن تأتي تلك الشرسة بزوبعة.
وها هي بالفعل فتحت باب الغرفة بعنف وأغلقتة خلفها بعنف قائلة:
كنت عاوز ريما في إيه يا همجي؟ إيه عاوز تعيد معاها ذكرياتكم القديمة اللي كل ما أشوفك تقعد تفكرني بيها قدامي، من غير حيا، دي ناقص تطبعها مشاهد على سيديهات.
تبسم رفعت وقال:
طب وده مضايقك في إيه.
ردت زينب:
ولا فارق معايا، بس هي بتقصد تستفزني علشان...
اقترب رفعت منها يقول بخبث:
بتستفزك ليه...
ردت زينب بتوهية:
ولا بتفرق معايا، كنت متصل عاوزني ليه؟
وضع رفعت أنبوب مرهم قائلاً:
عاوزك بصفتك دكتورة، ضهري بيوجعني، يظهر كده اتجرح.
ردت زينب باستهزاء:
إن إيه، اتجرح؟ عالعموم، دير كده خليني أشوف ضهرك.
استدار رفعت أمامها.
نظرت زينب لظهره وقالت باستهزاء:
ضهرك بيوجعك من الكام خربوش دول، دا لو طفل صغير مش هيحس بيهم. أنا غلطانة إني جيتلك من البداية، خد المرهم ده وبطل دلع عيال، نام واتغطى هتصبح كويس.
تحدث رفعت بمكر:
خلاص براحتك، هتصل على ريما تيجي تدهنلي مكان الوجع في ضهري ومش بعيد تعمل لي مساج كمان بإيديها الناعمين.
تضايقت زينب من ذكر رفعت لتلك الوقحة، ونظرت أمامها تزفر أنفاسها بضيق، لكن وقع بصرها على طبق فاكهة موضوع بالغرفة وبه سكين صغير، وأشار عقلها وحسمت أمرها وذهبت إلى مكان طبق الفاكهة وأخذت السكين، ثم عادت إلى مكان وقوف رفعت.
أمسكت زينب، ذلك النصل الصغير، وأشهرته بوجه رفعت، ثم صوبت حد السكين ناحية عنقه قائلة:
هو أنا هلاقيها من الست جيرين، ولا سيمبا كمان، اللي طلعت لي في البخت دي.
حاول رفعت تمالك نفسه من الضحك على تلك الشرسة وقال:
اسمها "ريما"، قال هذا ونظر للنصل الموضوع على عنقه قائلاً: زوزي، السلاح يطول، السكينة حامية.
نظرت للسكين، ثم رفعت وجهها له تقول له:
خذ بالك أنا دكتورة، والمشرط في إيدي زي لعبة بالنسبة ليا. أخر كلام عندي، تتعدل معايا تشتري عمرك. لا تقولي ريما ولا البومة وبعدين زمان البومة ريما........
صمتت زينب.
تحدث رفعت بمرح:
زمان ريما مالها، أوعى تكوني قتلتها قبل ما تيجي لهنا.
نظرت زينب لرفعت وقالت:
تصدق شكلي هقتل فعلاً الليلة.
تبسم رفعت وهو يعود للخلف أمام زينب يجذبها معه للسير إلى أن وصلا إلى أمام الفراش. ترك رفعت جسده يهوى فوق الفراش لكن جذب زينب من يدها لتسقط فوق جسده ومازال النصل قريب من عنقه.
تبسم بمكر ومد يده وأخذ النصل من يدها وألقاه أرضاً ولف يديه حول خصر زينب.
وقال: أنتي بتقتلينى بسلاح تاني يا زوزي.
قبل أن تتحدث زينب وتستعلم منه عن ذلك السلاح الآخر الذي يقصده، كان رفعت يستدير بهم على الفراش وانقلب الوضع.
تفاجأت زينب بذلك فدفعته بيديها قائلة:
قوم يا همجي أحسن لك.
امسك رفعت يديها بينما قالت زينب هذا ورفعت ساقها وكادت تضرب رفعت، لكن ترك رفعت يدها ووضع يده على ساقها، مبتسماً ينظر لها قائلاً بهيام...... زينب.
نبرة صوته جعلت زينب ترتبك ولم تشعر غير بأنفاسه القريبة من وجهها قبل أن ينهال من شفتيها قُبلات ممزوجة بالعشق. في البداية مانعت، لكن أمام مشاعره الجياشة استسلمت لقبلاته ولمساته التي يستطيع بها السيطرة عليها، ويشعرها أنها أنثى تطفو معه بغيمة العشق تُسقط بين شفتيه أمطاراً تروي صحراء قلبه القاحلة بعذوبة قُبلاتها.
بعد وقت شعر رفعت بالكمال، وتنحى عن زينب نائماً جوارها. تبسم وهو يراها تُغمض عينيها.
همس رفعت باسمها:
زينب.
فتحت عيناها ونظرت له للحظة تحدث عقلها الباطن وقالت:
دلوقتي هيقل في أدبه كالعادة ويفكر إني اللي رميت نفسي عليه.
سبقت زينب بالحديث قائلة:
قبل ما تقول مكيفت.......
قبل أن تُكمل زينب كلمتها، التقم رفعت شفتيها بقُبلات متشوقة، ثم ترك شفتيها، وجذبها يحتضنها بين يديه بقوة قائلاً:
تصبحِ على خير يا زينب.
تلربكت زينب من رقتهُ وقالت:
وأنت من أهله يا رفعت.
قالت زينب هذا وأغمضت عيناها، لتذهب إلى النوم سريعاً.
تبسم رفعت وهو ينظر لها وهي نائمة، تشبه الأطفال، يحسدها على نومها السريع، ولكن كيف لا تنام سريعاً وهي صاحبة ضمير صاحي.
***
بجناح رامي.
خرج رامي من الحمام تفاجئ بانضمام الفراشين كأنهم فراش واحد. نظر لمروة قائلاً:
إيه ده؟
ردت مروة:
زي ما أنت شايف، أنا ضميت السريرين، بصراحة مش بعرف أنام على سرير لوحدي، متعودة أحس بنفس حد نايم جنبي.
تبسم رامي يقول:
تمام، أساسًا السرير واسع جدًا.
تبسمت مروة بظفر، هي ستبدأ خطتها في الاستحواذ على مشاعر رامي من جديد، وتمحو أي أنثى مرت بحياته ستُعطي لقلبها الفرصة معه، ستجعله لا يقدر على التفكير بغيرها.
لكن صوت ذلك الهاتف المزعج، ضايقها، حين نظر رامي للهاتف وقال:
غريبة دي، ريما، بتتصل عليا ليه دلوقتي.
أخذت مروة الهاتف من يدهُ وقالت:
لا ريما ولا بومة، هتكون عاوزة إيه دي واحدة سخيفة، أنا بقول تنام وتسيبك منها أريح لك، ولا بتعجبك دلعها ومسخرتها عليك إنت ورفعت، مش عارفة رفعت إزاي كان انتصر في نظره واتجوزها، دي ضفر زينب برقبتها.
تبسم رامي يقول:
واضح إنك إنتي وزينب اتفقتوا مع بعض.
ارتبكت مروة قائلة:
اتفقنا على إيه؟
رد رامي:
اتفقوا على كره ريما و لمى. على العموم أنا هعمل الفون صامت وهنام، تصبحِ على خير.
تبسمت مروة:
وأنت من أهله يا رامي.
بعد قليل أضاءت شاشة الهاتف، استيقظ رامي ونهض من على الفراش وأخذ الهاتف معه. لكن قبل أن يخرج من الغرفة، أزاحت مروة الغطاء، وأضاءت نور أباچورة موجودة بجوار الفراش، قائلة:
على فين يا روميو، بتتسحب زي الحرامية كده.
وقف رامي، ثم أدار لها وجهه، قائلاً:
أنا عطشان هنزل أشرب من المطبخ وأرجع.
نظرت إلى كومود موجود جوار الفراش، فرأت زجاجة مياه، وجوارها كوباً، فقالت له:
والإزازة اللي على الكومود دي فيها إيه، بنزين.
قالت هذا ونهضت من على الفراش، وأمسكت الزجاجة، وأفرغت بالكوب ماء، ووجهت الكوب إلى يد رامي قائلة بحنق:
اتفضل اشرب، رطّب على قلبك من الحر.
مد يده يأخذ الكوب، لكن بعد أن أخذه أوقفته قائلة:
هشرب أنا الأول وبعدها تشرب بعدي، علشان تجري ورايا.
أخفى رامي بسمته وقال:
طب ما أنا بجري وراكي من زمان، إيه اللي اتغير؟
نظرت له، دون رد. لكن تفاجأ رامي، بها تفتح الزجاجة، وبلا سابق إنذار، شعر باندفاع مياه الزجاجة فوق رأسه، ثم نظرت له قائلة:
بفوقك، يا عزيزي، المرة دي ميه ساقعة، المرة الجاية مية نار، أنا بقول ترجع للسرير وتنام تاني، أظن كده ارتويت.
تعجب رامي قائلاً:
إيه اللي عملتيه ده.
ردت مروة:
مش قصدي، غطا الإزازة هي اللي اتفتحت لوحدها يا رامي.
نظر رامي لها قائلاً:
طب هاتيها كده أما أجربها على دماغك واشوف الغطا هيفتح لوحده ولا لأ.
جرت مروة من أمامه، وهي تقول:
خلاص أنا آسفة، قلبك أبيض يا روميو.
رد رامي بادعاء النرفزة:
إيه روميو دي كمان اللي طالعة لي فيها، بقولك إيه أنا ده أكتر اسم بكرهه.
وضعت مروة يدها بخصرها وقالت:
امال بتحب اسم رام، على الأقل روميو كان عاشق مشافش غير حبيبته وجازف بحياته عشانه، مش زيك عملت فيها الدنجوان رشدي أباظة وجمعت البنات حواليك عملت فيها جان، ولو مش فلوسك مكنتش بنت بصتلك، يا مسخ.
رغم أن مروة تتهجم على رامي، لكن أخفى بسمته، فغيرتها واضحة. اقترب رامي منها، لكن هي جرت أمامه فجذبها من يدها، وشدها عليه، ونظر لعيناها يقول:
يعني البنات كانت بتحب فلوسي وأنتي ليه محبتيش فلوسي زيهم؟
ركزت مروة بعين رامي وقالت:
علشان الجميلة وقعت في حب المسخ نفسه.
تبسم رامي ونظر لشفاه مروة التي تهتز، وقام بتقبيلها، ثم ترك يدها وضمها لجسده يلف يديه حول جسدها.
تفاجأ بمروة هي الأخرى لفت يديها حوله تضمه بحميمية.
ترك رامي شفاه مروة ونظر لعيناها، التي سرعان ما أخفضت وجهها.
رفع رامي وجهها ينظر لعيناها وقال:
والمسخ عشق الجميلة من زمان يا مروة.
ارتعش جسد مروة بين يدي رامي، لم تعد تشعر بساقيها، تفاجأت بجسدها في الهواء بين يدي رامي يحملها، ثم سار بها نحو الفراش ثم وضعها عليه واقترب منها يُقبلها، بشغف.
بادلته مروة نفس الشغف على استحياء منها، توغلت قبلات رامي، وليس فقط قبلاته، بل لمساته أيضاً. اندمجت أجسادهم وأرواحهم بعناق حميمي.
كان عقل كل منهم شارد في مستقبله مع الآخر، بعد هذا العناق الحميمي.
عقل رامي يريد معرفة إن كان استسلام مروة له مجرد شعور عابر منها بالغيرة من غيرها، أم أنها وقعت بعشق الوحش.
بينما مروة جازفت بكل شيء لتعرف إن كانت بالنسبة له نزوة سيخفت زهوتها بعد حصوله عليها، أم عشق سيسطع نوره.
***
بالعودة لغرفة رفعت.
نهض من جوار زينب، وذهب إلى الحمام، وخرج بعد قليل، وقف لدقائق ينظر لها كأنه يُشبع عيناه منها، لكن فاق على نور هاتفه، نسي أنه كان وضعه على الوضع الصامت قبل أن تأتي زينب للغرفة.
نظر لشاشة الهاتف، وجد اسم ريما فتجاهل الرد.
وذهب إلى دولاب الملابس أخرج ملابس له وقام بارتدائها، سريعاً، ثم أخذ من الدولاب حقيبة ملابس صغيرة، واقترب من الفراش، وقام بتقبيل شفاه زينب ثم خرج من الغرفة بهدوء، وغادر السرايا بأكملها.
***
بعد وقت.
بنفس الليلة، قبل الفجر.
بإسكندرية على مرسى لليخوت بأحد الموانئ.
تحدث أحدهم قائلاً:
أهلاً بك يا سيادة المقدم قبطان بحري: رفعت رضوان الزهار.
جئت في ميعادك بالضبط.
تبسم رفعت يقول:
تعلمنا الانضباط من سيادتك يا أفندم، أنا جاهز لأداء المهمة التي اتكلفت بها.
تبسم القائد قائلاً:
عندي ثقة في رجالي يا سيادة القبطان رفعت، ومش أول مهمة تقوم بها في مطاردة مجرمين في البحر، بس المرة دي، المجرم اللي هتطارده هو هاشم الزهار، اللي يعتبر في مقام عمك، ويعتبر اسم الزهار على المحك.
رد رفعت بجسارة:
العضو الفاسد في الجسم يا أفندم لابد من بتره.
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سعاد محمد سلامة
بأستطبل الخيل.
تبسمت زينب لتلك الطفلة التي تمتطي الجواد الصغير.
يمسك رفعت لجام الجواد ويسندها أيضاً.
تبسم لها هو الآخر حين رآها.
بينما الصغيرة تحدثت بطفولة:
تعالى يا ماما شوفيني وبابا بيعلمني ركوب الخيل.
تبسمت زينب واقتربت من مكان وقوفهم.
وقفت بجوار رفعت ونظرت له مبتسمة تقول بإعجاب:
بابي خيال ماهر.
لف رفعت يده حول خصر زينب قائلاً:
خيال ماهر بس للأسف معرفش يروض الشرسه.
تبسمت له قائلة:
بس الشرسه للأسف وقعت في الهمجي، وبدل حياتها.
تبسم رفعت وانحنى ليقبل وجنتها.
تبسمت زينب.
لتلك الصغيرة لكن سآم وجهها وشعرت بغصة وخوف حين قالت الصغيرة:
ماما هو أنا ممكن أورث منك السكر.
سمعوا صوت ضحكة تهكم من خلفهم.
نظرت زينب إلى صاحب الضحكة.
نظرة ازدادت ازدراء له عن قبل.
حين سمعته يقول:
أكيد هتورثيه، زي مامتك ما ورثتك من اللي سبقوها، بس الغريبة إزاي خلفتك، أكيد مش بنتها.
فتحت زينب عينيها فجأة ورفعت رأسها من فوق الوسادة التي كانت نائمة عليها.
نظرت بجوارها لم تجد رفعت.
تعجبت، لكن اهتدى عقلها، ربما كان بالحمام.
لفت يديها تلملم خصلات شعرها خلف عنقها.
ثم وضعت رأسها مرة أخرى على الوسادة.
شردت في ذلك الحلم وتلك الفتاة.
هل هي أمنية لها قد تنجبها يوماً؟
أم أنها وهم قد لا يتحقق، ويكون قول ذلك الطامع سميح هو ووالدته صحيح، حين قالا أنها قد تكون ورثت العُقم كما ورثت مرض السكرى من عمة والداتها.
عقلها يخبرها العُقم لا يورث، وبإمكانك التأكد وقطع الشك باليقين بإجراء طبي بسيط.
لكن لا تعرف لماذا لديها هاجس الخوف أن يكون هذا صحيحاً وتكون غير قادرة على الإنجاب.
شت عقلها، هي لم تفكر في ذلك سابقاً.
لم ترسم حياتها هكذا.
كانت ترتكز حياتها فقط على عملها كطبيبة لا أكثر.
لم تكن تخطط للزواج بعد صدمتها سابقاً في سميح.
بالتالي كانت فكرة الإنجاب مستبعدة لديها.
ما تفسير هذا الحلم؟
ولما حلمت به الآن؟
أهو شوق أن يكون لديها طفلة؟
أم خوف أن تأتي بطفلة ترثها مرضها اللعين الذي تصاحبت عليه؟
فاقت من شرودها على صوت ذلك الطائر كما يطلقون عليه طائر الليل (الكروان).
انتبهت رفعت لم يعد بعد.
نظرت باتجاه باب الحمام.
للغرابة يبدو غير مغلق جيداً.
جذبت غطاء الفراش ولفته حول جسدها ونهضت من عليه.
توجهت إلى الحمام وأضاءت النور.
رفعت ليس بالحمام.
إذن أين ذهب وتركها بعد أن نامت؟
جائها هاجس، أيكون ذهب إلى غرفة تلك الوقحة؟
ريما...
هتفت قائلة:
أما ألبس هدومي وأشوفه فين لتكون الجرعة اللي حاطينها في الزبادي كانت زيادة عليها وماتت من الضعف.
ارتدت منامتها مرة أخرى، لكن استغربت تلك الرسالة التي آتت لهاتفها الآن.
تحدثت:
كويس إني كنت حاطت فوني في جيب البيجامة بس مين اللي هيبعتلي رسالة دلوقتي.
ليكون الواد مجد هو أوقات كده بيحب يتسخف عليا.
أخرجت هاتفها ونظرت للشاشة.
تعجبت الرسالة من.... رفعت!
فتحت الرسالة، وقرأتها:
(أكيد استغربتي لما صحيتي، وملقتنيش جنبك عارف تفكيرك هتفكري إنّي روحت عند ريما اللي اتفقتي انتي ومروة عليها وحطيتوا لها ملين في الزبادي، بس بصراحة هي تستحق اللي عملتوه فيها، بس أنا مش في السرايا خالص، أطمني، أنا مش في الزهار خالص ولو ربنا سهل لي أمري احتمال أرجع آخر النهار، ادعي لي، ولا أقولك بلاش.... آه نسيت أقولك إني متكيفتش).
ألقت زينب الهاتف على الفراش بقوة قائلة بغيظ:
همجي حقير وهيفضل همجي طول عمره يارب ما ترجع وأرتاح من وقاحتك، بس الحقير إزاي عرف إننا حطينا ملين في الزبادي، أكيد زارع كاميرات مراقبة في كل زوايا الحصن ده.
قالت زينب هذا وتلفتت حولها قائلة:
واكيد هنا في الأوضة كاميرات مراقبة، وقح ويعملها عادي.
بدأت زينب تبحث بعينيها داخل الغرفة.
وبالصدفة خبطت يدها بمقبض أحد أدراج طاولة جوار الفراش، وانفتح الدرج.
رأت جزء من صورة بها رفعت.
فتحت باقي الدرج لتنصدم بالصورة كاملة.
رفعت وتلك الوقحة ريما بقبلة حميمية.
شعرت زينب بغيرة كبيرة كادت تقطع الصورة.
لكن انتبهت قائلة:
مالك يا زينب، حاسة بنار في جسمك كده ليه، هي كانت مراته، بس ليه محتفظ بالصورة هنا في أوضة ودرج جنب السرير، يمكن عشان لما توحشه يشوف الصورة دي تفكره بها، حيوان، حقير همجي، مستنية منه إيه، وبتفكري في إيه، لازم للقصه دي من نهاية قبل......
توقفت زينب، تفكر قبل.. إيه!
قبل ما تقعي في حبه، فوقي يا زينب، ملوش لازمة التجربة معروف نهايتها... الفشل.
.....ـــــــــــــــــــ..
بينما على الجهة الأخرى بأحد السفن في بحر الإسكندرية على عمق كبير بداخل المياه الإقليمية.
تبسم رفعت وهو يغلق الهاتف نهائياً وقال:
كويس إني مش قدامها كانت قتلتني بدم بارد.
ضحك زميله الذي دخل عليه يقول:
مين اللي كانت هتقتلك بدم بارد يا سيادة المقدم.
تبسم رفعت وقال:
مفيش حاجة يا محمود خلينا في الأهم دلوقتي، خلاص وقت تسليم الأدوية خلاص السفينة اللي جاية من اليونان قربت على المكان اللي راسي فيه يخت هاشم والأوغاد اللي معاه.
تبسم محمود قائلاً:
فعلاً خلاص الإشارة جت إن السفينة خلاص على مشارف دخول المياه الإقليمية لينا، وأكيد زي كل مرة السفينة هتهدي السرعة لدقايق، تنزل الأدوية على يخت هاشم، وبعدها السفينة هتكمل خط سيرها للمينا، ألحق بقى ألبس الدرع الواقي وجهز نفسك.
تبسم رفعت وهو يضع ذلك الدرع الواقي على صدره ووضع حزام جلدي على صدره به سلاح وارتدى قبعة سوداء تخفي رأسه ووجهه بالكامل عدا عينيه.
لكن أثناء وقوف رفعت وزميله، دخل عليهما أحد المعاونين لهم قائلاً:
في لانش صغير بيقرب على السفينة هنا واضح إنه جاي من ناحية اليخت اللي واقف قريب من هنا.
رد محمود:
تمام إنت عارف لو سألوك هترد تقول إيه؟
رد المعاون لهم:
تمام يا أفندم عارف، هرد أقول، إننا صيادين وطالعين جولة صيد في البحر والجو ضلمة والبحر شبه هادي، ادعي لينا ربنا يرزقنا، بالخير الوفير.
تبسم رفعت يقول:
قول يا رب قدمنا الصيد الثمين، لو وقع الليلة دي أكبر خير.
بالفعل ما هي إلا دقائق وكان الصيد يبدأ.
هدأت سرعة السفينة العملاقة لدقائق، بمكان قريب من ذلك اليخت.
نزل رجال أقوياء البنية، وأخذوا قارب ليس بالصغير وساروا بجوار السفينة العملاقة بنفس سرعتها، وقاموا بإنزال بعض الصناديق على القارب الخاص بهم، إلى أن انتهوا، ثم عادوا باتجاه اليخت الذي عليه هاشم.
بينما السفينة عادت لسرعتها مرة أخرى.
وضع الرجال تلك الصناديق على اليخت، ثم صعدوا يعطون التمام لهاشم الذي تبسم بانتشاء وظفر.
ولكن لم تدوم بسمته سوى دقائق.
خرج من تلك السفينة الأخرى، مجموعة من القوارب البحرية السريعة، وأضاءت ظلمة البحر قليلاً تحاوط يخت هاشم من جميع الجهات، وحدث تشابك ناري بين هؤلاء الأوغاد الذين على السفينة ومع الشرطة.
كان عنصر المفاجأة قوي بالنسبة لهاشم، كما أن رجاله بدأوا بالسقوط الواحد تلو الآخر.
الغلبة للشرطة، وطريق الهروب صعب لكن ليس مستحيل.
والمستحيل بالنسبة لهاشم له هو القبض عليه أو حتى قتله.
هناك طريق للفرار، حقاً صعباً لكن عليه المجازفة.
بالفعل ذهب إلى أسفل اليخت وفك رباط ذلك القارب الصغير للغاية، فهو قارب إنقاذ لشخص واحد.
لكن في ذلك الوقت كانت صعدت بعض قوات الشرطة إلى اليخت، وبدأوا بتمشيط غرفه.
لاحظ رفعت هروب هاشم.
سار في اتجاهه، لكن كان هاشم كان الأسرع وانتهى من حل قارب النجاة وسار به في المياه لبضع أمتار قليلة.
لكن كان رفعت على مقربة منه بضع أمتار.
صوب رفعت سلاحه على هاشم ربما يقتنصه.
بالفعل الرصاصة أصابت هاشم، لكن استطاع الذئب الهرب، هذه المرة.
بعد قليل على متن اليخت وقف القائد، ينظر لرفعت ومن معه قائلاً:
للأسف هاشم هرب منا، بس الحمد لله رغم كده، كفاية إن الصناديق دي وقعت تحت إيدينا كان هيفسد بها عقول وأجسام المصريين.
تبسم رفعت يقول:
إن كان هاشم قدر يهرب منا فهو بخطر أقوى، الكمية اللي اتمسكت دي مش شوية، وأكيد التجار اللي كان بيورد لهم في مصر، مش هيسكتوا على فلوسهم، وكمان الإخوة بره مصر، تصفية العملية دي مش سهلة، هاشم كان الأفضل له يا اتقتل الليلة أو سلم نفسه للشرطة، يمكن كانت تقدر تحميه سواء من التجار، أو الموردين اللي بره مصر.
تبسم القائد وهو ينظر لرفعت قائلاً:
فعلاً كلامك صحيح هاشم حط نفسه في النص بين الشياطين، على العموم مبروك يا شباب عملية ناجحة، انتظروا الترقيات.
تبسم رفعت والضابط الآخر، لكن رفعت بداخله نشوة، بعد أن أصاب هاشم.
هو يعلم أنه لم يقتله، لكن هو الآن ذئب جريح عليه أن يتوارى قليلاً حتى يلتئم جرحه.
قتل هاشم لن يشفى غليل نيران رفعت.
تبسم القائد واقترب من رفعت، ومد له يده بملف ورقي قائلاً:
دي بيانات الشخص اللي بيساعد هاشم في تدخيل الأدوية الفاسدة والمخدرة دي، للبلد وأعتقد الأمر ده لازم تعرفه، لأنه شخصية قريبة منك.
أخذ رفعت الملف من القائد وقام بفتحه، ورأى صورة ذلك الشخص، وقال بذهول:
مستحيل الشخص ده يكون هو اللي بيساعد هاشم وبيسهله أعماله المخالفة للقانون.
رد القائد:
للأسف هو، ومش بس كده، كمان ساعده في إخفاء أثر لأكثر من جريمة ارتكبها هاشم في حق البنات الصغيرة اللي كان بيتجوزها، وبعد فترة بيساومهم، ويسفرهم لبره مصر يشتغلوا في الدعارة واللي ترفض مصيرها الموت وأعضاء جسمها تتقطع قطع غيار تتباع بمبالغ كبيرة، جزء كبير منها بيدخل لهاشم واكيد الشخص ده، كمان كان بينوبه نصيب قصاد تصاريح سفر البنات دي، سواء كان بجوازات سفر مضروبة أو حتى رسمية إنهم مسافرين للعلاج على نفقة الدولة لخارج مصر، أو تكمل تعليمهم في جامعات أوروبية، هما في الأصل ببيعوهم نخاسة، غير البنت اللي لقيناها عايمة في دمها على اليخت من شوية، مش عارف ربنا هينجيها وتعيش وتكون طرف خيط، لما تقر على هاشم ولا هيكون الحظ معاه ولسه وقت على وقوعه، بعدين مالك مندهش قوي كده، من الشخص ده، في شغلنا سهل تنصدم في بعض البشر.
رد رفعت:
لأن الشخص ده كان وزير سابق، ومش بس كده والده كان من أعز أصدقاء والدي حتى هو كمان كان قريب بصفة شخصية من والدي.
رد القائد:
هترجع الزهار تاني طبعاً.
رد رفعت:
أيوه يا أفندم هرجع النهارده.
تبسم محمود قائلاً:
النهاردة، طب خد نفسك شوية من العملية سفر رد فعل كده يهلك صحتك.
تبسم القائد بينما قال رفعت:
لأ اطمن لسه شباب، وهنفضل على تواصل زي ما إحنا، أنا لو مش طلب القائد إني أشارك معاكم في المهمة دي حبيت أبين إني قد ثقته فيا، الحمد لله العملية تمت، بدون خسائر للشرطة ولا لرجال البحرية، مجرد إصابات مفيش فيها إصابات خطرة، لأي فرد أمني شارك في العملية.
أنا فعلاً بفكر الفترة الجاية أنهي خدمتي بالبحرية نهائي، مش مؤقتاً وأعيش في الزهار، بين الخيول.
تبسم القائد قائلاً:
إنت ضابط وقبطان بحرية كفء يا رفعت وفعلاً خسارة تنهي خدمتك للبحرية، بس الحياة فيها خيارات وأولويات، وكمان قدر نافذ وإحنا اللي بنحدد أولوياتنا، بس بتمنى لك التوفيق في اختيارك، بس أجل موضوع إنك تسيب البحرية ده شوية، حتى بعد ما نشوف موضوع هاشم الزهار ده هينتهي إزاي.
تبسم رفعت بموافقة، بينما بداخله غليان يفور، ويقول لنفسه:
أنا كنت أقدر أصفّي هاشم الزهار الليلة بس موته مكنش هيطفي نيراني قبل ما أعرف الشخص التاني اللي كان بيساعده وخلاص، عرفت هو مين، ونهايتهم هما الاتنين على إيدي، بنفس اللي حصل لي في الماضي... حرق القلب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالعودة لغرفة رامي ومروة.
نظرات الخجل في عين مروة لم تستطع النظر لعين رامي، تتتهرب بعينيها بعيداً عنه.
أخذ رامي نظرة من تهرب مروة بعينيها بعيداً عنه، فتبسم وقام بشدها على صدره ورفع وجهها ينظر لعيناها التي أغمضتها وقال:
افتحي عينك يا مروة، ليه مكسوفة من المسخ.
فتحت مروة عينيها تنظر لعين رامي، تشعر بتوهان عقلها.
هي أصبحت زوجته قولاً وفعلاً.
عقلها يسأل:
من ذلك الحنون الذي كان، هو الوحش الذي كنت أشعر بنفور منه، ليس بسبب تشوه جسده، بل خوفاً من حقيقة كنت أرسمها، أنني لست سوى نزوة بمجرد نيلها ستنتهي زهوتها، هل سيحدث، ذلك حقاً، مع الوقت وتزول الزهوة.
لكن أعادها من شرودها، رامي حين نظر لعينيه وقال:
مكنتش أعرف إني حلو كده، لدرجة إنك مركزة قوي في وشي.
شعرت مروة بالخجل فأخفضت وجهها في صدره كالنعامة حين تخبئ وجهها وسط الرمال، وتعتقد أنها بذلك تختفي عن الأعين.
كذلك تشعر مروة الآن، كل الهواجس تجمعت لديها، لما جاوب رامي معها الليلة وأتم زواجهما، لما لم يفعل كما فعل في الأيام السابقة وابعد عنها حين اقترب أن يملكها، هو امتلكها فعلاً، ليس فقط جسداً بل روحاً وعشقاً.
كم هو غريب العشق من شدة النفور، قمة الذوبان بمجرد قبلة، قبلة انتهت بامتلاك.
ولكن لما انتهت القبلة هي عطشى مازالت تريد أكثر وأكثر لم ترتوي بعد.
يقولون الصمت في حرم الجمال، جمالاً، حقاً جمالاً وكمالاً أيضاً، هذا ما يشعر به الاثنان، فقط صوت دقات القلوب القريبة من بعضها لا يفصلها سوى جلد وبعض ضلوع الجسد.
قطعت مروة الصمت وقالت:
سامعة؟
تعجب رامي قائلاً:
سامعة إيه!؟
رفعت مروة رأسها من على صدر رامي قائلة:
صوت الكروان في السما، تعرف بيقولوا عليه صوت الليل الحزين، مع إني كنت بتونس بصوته، هو و......
نظر رامي لها يقول بسؤال:
هو وإيه التاني، اللي كنتي بتتونسي بصوته.
صمتت مروة تكز بأسنانها على شفتيها بتفكير.
تبسم رامي وقال بمكر:
يمكن الصوت التاني كان مزعج.
نظرت له مروة تقول بدلال:
هو مكنش مزعج قوي، بس كنت أنا وأخواتي بنصحى على صهيله كل يوم قبل الفجر أو بعده بشوية، حسب وقت صاحب الحصان.
تبسم رامي يقول:
طب الحصان مكنش بيصعب عليكي في الشتا، وتقولي الدنيا برد عليه أنده له أعمل له أي حاجة دافية يشربها تدفيه.
تبسمت مروة بدلال:
وهو كان إيه بيجبره يطلع من بيته في الشتا يجي يقف تحت شباك بيتنا.
نظر رامي لمروة بعشق:
مش عارفة إيه اللي كان بيجبره!
ده اللي كان بيجبره، شوقه إنه يحس إنك قريبة مني، مفيش بينا غير حيط هو اللي فاصل بينا، كنت أوقات كتير، ببقى نفسي أهد الحيط دي وأدخل عشان أشوفك.
تبسمت مروة وهي تنظر ليد رامي الذي وضعها فوق قلبه.
قالت بمفاجأة:
إنت حبيبتني إمتى يا رامي، لما رجعت للبلد واتقابلنا عند السكة، أنا استغربت وقتها إنك لسه فاكرني بعد أكتر من سبع سنين.
تبسم رامي:
مروة أنا عمري ما نسيتك ورجعت لهنا بس عشانك، صدقني لو مش إنتي هنا عمري ما كنت فكرت ولا طاوعت رفعت لما قالي إننا هنرجع للزهار من تاني، بس بصراحة كنت قبلها خلاص قررت أرجع لهنا، عشان خاطر الجميلة.
تبسمت مروة، ثم رفعت وجهها تنظر لعينيه، قالت بحياء:
والجميلة كان قدرها عشق الوحش اللي كان جواها أمل إنه يرجع في يوم ويدور عليها، رامي الجميلة كان قدرها الوحش.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بغرفة الجدة إنعام صباحاً
تبسمت زينب وهي تفتح باب الغرفة بمواربة قائلة:
تيتا إنعام الحلوة صاحية ولا لسه بتاكل رز مع أصحابها الملائكة.
تبسمت إنعام قائلة:
لأ سبت أصحابي الملائكة ياكلوا هما رز وصحيت ومحاسن جابتلي فطوري، اللي مفيش فيه رز أنا مش باكل رز ولا نشويات كتير محافظة أهو زي ما بتقوليلي.
تعالي يا زوزي ياقلبي، أنا بتفرج على صور الألبوم تعالي أفرجك على الصور.
ده ألبوم تاني غير اللي شوفتيه قبل كده.
الألبوم ده كان عندي في شقة إسكندرية متحرقش هنا في الحريق.
تبسمت زينب ودخلت إلى الغرفة.
جلست جوار إنعام على الفراش.
بدأت إنعام في تقليب الصفحات وحكاية مناسبة كل صورة إلى أن وصلت إلى صورة فتاة صغيرة.
طوت إنعام الصفحة، لكن أعادت زينب الصفحة، وقالت بسؤال:
مين البنت الصغيرة دي يا تيتا؟
ردت إنعام بغصة قائلة:
دي رحمة... رحمة بنت بنتي، أخت الهمجي رفعت والمسخ رامي، بس هي كانت رقيقة زي اسمها.
أنا كنت محتفظة لها بصور كتير وهي صغيرة في الألبوم ده في صور تانية لها.
قلبت إنعام صور الألبوم إلى أن وصلت إلى صورة توقفت عندها قائلة:
رحمة كانت بتحب ركوب الخيل ورفعت كان بيعلمها، شوفي الصورة دي كان راكب وراها الفرس.
نظرت زينب للصورة، للحظات أتى طيف ذلك الحلم برأسها كأنه تحقق أمامها، بنفس ما رأته في الحلم، لكن هنا رفعت يبدو صبياً، والفتاة أكبر قليلاً، لكن للعجب الأكثر إنها نفس الفتاة التي رأتها بحلمها.
فاقت من التفكير في الحلم حين بدأت إنعام تقلب الصور، بدموع بها فرحة وحزن في نفس الوقت تتذكر الذكريات القليلة.
أغلقت إنعام الألبوم بدمعة عين لاحظتها زينب، فقالت بمزح:
كده يا تيتا العيون الحلوة دي تدمع.
بسمة ممغوصة قالت إنعام:
العيون دي شبعت دموع يا زوزي، لسه فاكرة الماضي، كأنه قدام عيني، لما رفعت ورامي الاتنين جول لي إسكندرية بعد الحريق، مكنتش مصدقة، إن بنتي وبنتها خلاص راحوا وبقوا رماد بين الرماد.
تعجبت زينب من قول إنعام، كيف هي مازالت تتذكر الماضي، هل هي مريضة فعلاً بمرض التوهان أم تتوه بخاطرها.
لكن وضعت يديها حول كتف إنعام وقالت:
إيه اللي السبب في حريق السرايا يا تيتا؟
ردت إنعام:
معرفش السبب، بس رفعت قالي إن الحريق كان مقصود وبفعل فاعل مكنش زي ما اتقال وقتها صدفة، اتنين من العمال كانوا بيشربوا سجاير ورموا أعقاب السجاير ولعت في القش والاستبل وقتها وكمان النار طالت السرايا نفسها.
هو قالي إن في التحقيقات اتذكر إن في مادة سريعة الاشتعال هي السبب وبتسبب اختناق، بيقول باين اسمها غاز الهيدرو...
الهيدرو..، مش فاكرة بقية الكلمة.
ردت زينب:
قصدك (غاز الهيدروجين).
قالت إنعام:
أيوه هو ده وكمان كان معاه مادة تانية مش فاكرة اسمها اللي شاف الحريقة وقتها كانوا بيقولوا كل ما يحاولوا يطفوا النار بالميه كانت بتولع أكتر.
مفيش نجا من الحريق غير رامي ورفعت، لكن بنتي ورضوان ورحمة التلاتة راحوا في الحريق، يا ريتني كنت وياهم وروحت معاهم وقتها، بس أنا لسه ليا عمر، أنا رجعت إسكندرية يوم الحريق الصبح.
ضمت زينب إنعام وجففت دموعها قائلة:
بعيد الشر عنك يا تيتا، وبعدين ربنا أكيد كان له هدف، إنه تكملي تربية رامي، ورفعت.
حاولت زينب التخفيف من دموع إنعام قائلة بمزح:
مع إني شايفة يا تيتا إنك فشلتي في تربية الاتنين معندهمش ريحة التربية أو على الأقل الهمجي رفعت، ده ناقص تربية جداً.
تبسمت إنعام وقالت:
في إيدك تربية يا زوزي، اطردي البت البومة الفضية ريما من السرايا، واستفردي برفعت وأدبيه من أول وجديد وخليه يشيل فكرة الانتقام من دماغه، رفعت رجع لهنا عشان هدف واحد أنا عارفاه.... هو الانتقام.. هو عارف مين اللي كانوا السبب في الحريق، وراجع ينبش وراهم، وأولهم.... هاشم الزهار نفسه...
رفعت شاف جمرة نار بتحرق اللي بيحبهم الجمرة لسه والعة في قلبه... أنا خايفة عليه من النار اللي في قلبه تحرقه هو كمان.
رفعت مش هيرجعه عن فكرة الانتقام اللي في دماغه، غير شئ واحد.
تعجبت زينب قائلة:
علشان كده بحس دايماً، رفعت بيكره هاشم الزهار، بس إيه الشئ الوحيد اللي هيرجع رفعت عن الانتقام اللي في دماغه؟
نظرت إنعام لزينب وقالت باختصار:
عشقك.... يا زينب.
قالت إنعام هذا ونظرت لزينب المذهولة من قولها فأكملت قولها:
إنتي ورفعت موعودين لبعض من زمان، من يوم ما شافك عندي في إسكندرية وشالك بين إيده وقال "شجرتي الطيبة" إنتي مكنتيش واعية عالدنيا بنت شهر تقريباً وهو كان صغير بتاع ست سنين، يمكن هو نسي، بس لا أنا ولا القدر نسينا....... الوعد المحتوم.
..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بمنزل هاشم الزهار مساءً
على طاولة العشاء.
جلس وسيم بعد أن ألقى التحية على مهره الجالسة.
تبسمت مهره له، وقالت:
كنت فين طول اليوم مشوفتكش حتى الصبح مصبحتش عليا زي عادتك.
رد وسيم:
كنت في استطبل الخيل قبل ما أروح الجامعة، وحتى لما رجعت من الجامعة كنت في الاستطبل، في كم حصان ومهره مش بصحتهم بحاول أعالجهم.
ردت مهره:
تمام يا حبيبي، ربنا يجيب تعبك بفائدة مع الخيل.
تبسم وسيم بصمت.
بينما تحدثت لمى وهي تنظر لوسيم قائلة:
مش هتقول لـ عمتو مهره على الاتفاق اللي بينا؟
نظر وسيم لـ لمى ثم نظر لـ مهره التي قالت باستفسار:
اتفاق إيه اللي بينكم؟
رغم تردد وسيم، لكن حسم أمره حين قالت لمى:
اتفاق هيفرحك قوي يا عمتو......
قاطعتها مهره كأنها كانت تشعر بما سيقول وتود أن تخلف قوله شعورها هذا وقالت:
عاوزة أعرف من وسيم نفسه إيه الاتفاق اللي بينكم ده؟
ما زال وسيم متردداً لكن تواقحت لمى ومدت يدها ووضعتها فوق يد وسيم على الطاولة، مما جعل وسيم يشعر بالنفور وسحب يده من أسفل يدها ونظر لمهره قائلاً بحسم:
أنا ولمى قررنا نرتبط ببعض.
رغم فهم مهره لقول وسيم لكن بعقلها الباطن لا تريد ذلك وتريد تكذيب وسيم نفسه، قالت:
يعني إيه ترتبط انت ولمى ببعض؟
ردت لمى:
مش فاهمة يعني إيه نرتبط أنا ووسيم، يعني قررنا نتجوز.
تحدث وسيم بحزم:
سبق وقلت خطوبة، الجواز مش قبل ست شهور على الأقل، إلا لو حصل في الأمور أمر تاني؟
ردت مهره باستفسار:
مش فاهمة هو جواز ولا خطوبة، وإيه هو الأمر التاني ده.
رسمت لمى الخجل، بينما قال وسيم:
مفيش مش قصدي حاجة، ذلة لسان مش أكتر، دلوقتي أنا ولمى قررنا نعلن خطوبتنا وأنا اتصلت على عمي هشام وهو هييجي لهنا آخر الأسبوع الجاي، هنعمل حفلة خطوبة على الضيق كده.
نظرت مهره لعين وسيم، أيقنت هناك ما يخفيه عنها، ليس طبيعياً، ماذا حدث فجأة لعقله ويقول إنه يريد الارتباط بـ لمى، وهو واضح جداً أمامها أنه لا يريدها، هناك شيء مخفي عنها.
حسمت مهره قولها وقالت لـ وسيم:
أنا مش موافقة على الارتباط ده وشايفة إنكم بتسرعوا بدون أي سبب.
نظر وسيم لعين مهره ولكن سرعان ما أخفض وجهه خوف أن تقرأ عيناه وتعلم أنه يفعل ذلك بضغط ليس من لمى، بل من قلبه، يريد إيقاف توغل أخرى إلى قلبه.
نهض وسيم قائلاً:
أنا مش جعان قوي، هطلع آخد شاور وعندي كم بحث للطلبة عندي هقرأهم وبعدها هنام، تصبحوا على خير.
غادر وسيم وترك، لمى ومهره التي قالت لها:
إيه اللي حصل بينك وبين وسيم خلاه عاوز يرتبط بيكي بالسرعة دي.
نهضت لمى قائلة:
اللي حصل إننا بنحب بعض، ليه حضرتك مش عاوزة تفهمي ده، أنا كمان عاملة دايت ومكنتش هتعشى، هطلع أكلم مامتي في اليونان وبعدها هنام، تصبحى على خير.
لم ترد مهره عليها، وعقلها يخبرها هناك شيء حدث، هي لن تسمح لوسيم بتدمير حياته مع فتاة مثل لمى، ليس لديها أخلاق، هي متأكدة أنها مثل والداتها.
توقف عقل مهره وتذكرت... جاكلين.
لمى بنت جاكلين وأكيد واخدة من خصالها السيئة.
لن تسمح بحدوث هذا الارتباط حتى لو وقفت أمام وسيم نفسه وسردت له ما حدث من والداتها بالماضي، وفرق بين هشام ورضوان.
رضوان... رفعت.
عليها عرض الأمر على رفعت وطلب تدخله.
هو وقع سابقاً ببراثن إحدى بنتي جاكلين، لكن القدر أنجاه منها وأرسل له زينب، تلك الملاك الشرسه.
ستذهب له بالغد وتضعه بالصورة، وتطلب منه إثناء وسيم عن الارتباط بابنة جاكلين.
...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قبل وقت قليل
بسرايا الزهار
خرج رفعت من حمام غرفته يرتدي مئزر حمام قطني.
سمع طرق على الباب.
سمح له بالدخول.
دخلت إحدى الخادمات قائلة:
رفعت بيه العشاء جاهز على السفرة ورامي بيه ومراته وكمان مدام ريما في انتظارك.
رد رفعت باستفسار:
الدكتورة زينب رجعت من الوحدة ولا لسه؟
ردت الخادمة:
لأ لسه مرجعتش.
تحدث رفعت:
تمام أنا نازل بعد دقائق.
غادرت الخادمة، زفر رفعت أنفاسه بضيق.
زينب لا تمتثل لأمره لها بالعودة باكراً من الوحدة.
تنهد رفعت بقلة حيلة ماذا يفعل معها.
أينفذ ما قاله لها أنه قادر على منعها من الذهاب للعمل بالوحدة، لكن لا يريد صدام معها الآن.
حسناً، سيحذرها للمرة الأخيرة وإن لم تمتثل لأمره سيكون له رد فعل آخر.
بعد دقائق نزل رفعت إلى غرفة السفرة، وجد رامي ومروة يجلسان يتهامسان، وهناك تلك الرقطاء ريما التي تجلس لولا مساحيق التجميل التي على وجهها لظهر الضعف والإجهاد بوضوح على وجهها لكنها تخفيه خلف مساحيق التجميل حتى لا تعطي فرصة لا لـ مروة ولا لـ زينب بالتشفي بها.
تبسم وذهب يجلس مكانه على رأس الطاولة، لكن أتت إنعام من خلفه وقبل أن يجلس قالت له:
متعقدش هنا ده مكاني أنا الكبيرة هنا وأنا اللي أقعد على راس السفرة.
تقبل رفعت ذلك ببسمة وذهب للجلوس على إحدى المقاعد، لكن قالت إنعام:
تعالى يا رفعت أقعد على يميني، قومي يا بومة شوفي لكِ مكان تاني اقعدي فيه.
أخفى رفعت ورامي ومروة بسمتهم بصعوبة، بينما تضايقت ريما وودت خنق تلك الشمطاء الخرفة، لكن تحكمت في غضبها أمامهم بتمثيل تقبل قول إنعام، وذهبت تجلس بينها وبين رفعت مقعد واحد خالى.
بدأوا في تناول الطعام.
في ذلك الوقت دخلت زينب للسرايا، قابلتها إحدى الخادمات بترحيب قائلة:
حمدلله على السلامة يا دكتورة، رفعت بيه والعيلة حتى الست إنعام معاهم في أوضة السفرة.
تبسمت زينب قائلة:
رفعت رجع، فكرته كان بيهزر، سافر فين ورجع بسرعة كده، تمام أنا هروح للسفرة.
بعد لحظات دخلت زينب إلى غرفة السفرة، قائلة:
مساء الخير.
تبسمت أنعام بمودة وقالت:
مسالخير على زوزي حبيبة قلبي.
نظر رفعت لساعة يده قائلاً:
الساعة تمانية ونص وأظن أنا قايل تكوني في السرايا من قبل المغرب، ليه كلامي مش بيتسمع.
ردت زينب وهي تنظر إلى تلك الوقحة ريما وقالت:
عادي من امتى بسمع الكلام، وأهو بسيبك تاخد راحتك في غيابي، حتى مبقاش كاتمة على نفسك.
تبسمت إنعام وقالت:
اقعدي يا زوزي اتعشى ومتحطيش كلام الواد رفعت في دماغك، يلا اقعدي، محاسن عاملة ملوخية طعمها حلو قوي، أصلها عملها على مرقة بطة بلدي، وكمان في بط ووز على السفرة، بس أنا بسمع كلامك ومش هاكل منهم هاكل ورك الأرنب.
تبسمت زينب قائلة:
تسلمي يا تيتا بس أنا ڤيچتيرين.
استغربت إنعام الكلمة وحاولت نطقها قائلة:
ڤير... فيچ... ڤ، ڤيرچين! يعني إيه إنتي ڤيرچن، يا زوزي.
وضع رفعت المعلقة من يده وضحك قائلاً:
زينب خلاص مبقتش ڤيرچن، واسأليها لو عندك شك فيا يا جدتي، زينب قصدها ڤيچتيرين، يعني نباتية ملهاش في آكل لحوم الحيوانات.
اغتاظت زينب من وقاحة رفعت وقالت:
بس ليا في آكل لحوم البشر وقبل ما آكل لحمهم بسلخه الأول.
قالت زينب هذا، وشدت مفرش السفرة، ومعه أطباق الطعام، لولا رجوع رفعت بمقعده للخلف خطوة لناله حظ وفير من باقي الطعام على جسده.
نظرت إنعام للسفرة التي أصبحت خاوية من الأطباق وقالت لـ رفعت بتهجم:
كده يا همجي، تزعل زوزي حبيبتي، بس تصدقي أحسن حاجة عملتيها يا زوزي إنك وقعتي الأكل ده من عالسفرة، الأكل طعمه ماسخ، حتى الملوخية محاسن عملها بمية غسيل المواعين غير مورقة مش مخروطة كويس ومسقطة كمان.
نهضت إنعام واتجهت ناحية وقوف زينب وضمتها تنظر لرفعت قائلة:
عارف يا همجي، زوزي دي مولودة على إيدي وأنا اللي اخترت لها اسم (زينب) على اسم أمي الله يرحمها، وكمان إنت شفتها وهي صغيرة وكنت بتقول هتجوزها لما تكبر، بس تعرف هي خسارة فيك، إنت متستحقش غير البومة اللي قاعدة جنبك.
أخذت إنعام زينب من يدها وغادرن غرفة السفرة.
نهض رامي يجذب يد مروة وقال بضحك:
السفرة كلها اتقلبت أنا مكنتش جعان هطلع للجناح بتاعي، شكلك جاي من السفر هلكان، تصبح على خير، يلا بينا يا مروة.
غادر رامي ومروة أيضاً.
نهضت ريما قائلة بتهجم:
واحدة وقحة وقليلة الذوق وشكلها ضاحكة على عقل جدتك، المفروض كنت طردتها بعد عملتها دي، أنا ملاحظة إنها حاسة نفسها صاحبة أهمية أكتر من اللازم، بتتواقح عليك وإنت ساكت لها، رغم إني لاحظت كمان إنها بتنام في أوضة لوحدها بعيد عنك، واضح إنها بتتمنع عنك عشان تشتاق لها أكتر و......
لم تكمل ريما تهجمها على زينب حين قاطعها رفعت بحِدة قائلاً:
ريما مالكيش دعوة بشيء خاص بيني وبين زينب، ولازم تعرفي إن مكانتك هنا مش أكتر من ضيفة، إنما زينب مراتى وست السرايا دي وتأكدي لو قالت لي إنها مضايقة من وجودك هنا في السرايا أنا مش هتردد لحظة إني أطلب منك تسيبى السرايا، زينب مش بس مراتى، لأ كمان زي ما سبق وقولت لك.... زينب حبيبتي.........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بغرفة زينب.
ارتدت منامة برتقالية اللون بنصف كم، وتوجهت تأخذ تلك الحقنة قائلة:
الهمجي والحقيرة ريما أكيد كملوا عشاهم، بعد ما مشيت أنا وتيتا، الاتنين حارقين دمي ومعليين عندي السكر، يظهر عاوزين يجيبوا أجلي، لكن مش هيفضل ده كتير.
في ذلك الأثناء دخل رفعت كعادته دون استئذان.
نظرت له زينب وقبل أن تتحدث، رأى رفعت زينب تغرز بيدها سن تلك الإبرة، شعر بتألم وقال:
بقيت شايفك كذا مرة بتحقني نفسك بحقنة الأنسولين، ليه السكر عندك مش متظبط، أكيد من شغلك في الوحدة لفترات طويلة، اعملي حسابك بعد كده تكوني في السرايا قبل الشمس ما تغيب، بلاش تضطريني أحبسك هنا في السرايا، بالغصب وأنتي عارفة إني قد كلمتي، أنا يهمني صحتك قبل أي شيء.
تهكمت زينب قائلة:
تهمك صحتي لأ كتر خيرك والله، بلاش الطريقة دي معايا أنت عارف إني مش هنفذ اللي بتقول عليه، وكمان غيابي طول الوقت بيديك فرصة يمكن تقدر تسترد حبك القديم لمراتك الأولى اللي راجعة مخصوص عشانك، أهو مبقاش عازول بينكم.
اقترب رفعت من زينب وأمسك معصمها يقول بقوة:
زينب أنا كل اللي بيني وبين ريما انتهى من وقت ما اتطلقنا يمكن كمان كان منتهي من قبل الطلاق، جوازي من ريما كان غلطة من البداية، وسبق وقولت كان تصحيحها هو الطلاق.
سخرت زينب قائلة:
صادق، بأمارة الصورة الغرامية اللي محتفظ بيها في الكومودينو اللي جنب سريرك، رفعت لو كان غلطة في حياتك هي جوازك مني، خلينا.....
لم تكمل زينب قولها، حين جذبها رفعت، وقطع حديثها بقبلاته المغلفة بعشقه.
تفاجئت زينب من رد فعل رفعت، دفعته عنها بقوة، ليبتعد.
بالفعل ابتعد عنها، ينظر لها ويتحدث هو يحاول تهدئة نفسه:
اعملي حسابك إننا مسافرين سوهاج بكرة سوا.
ردت زينب بلهث:
مش هسافر معاك، وهقدم على طلب نقلي من هنا في أسرع وقت و...
رد رفعت بحسم:
قلت هتسافري معايا سوهاج بكرة وجهزي نفسك للسفر، تصبحى على خير.
غادر رفعت الغرفة يصفع الباب خلفه بقوة.
جلست زينب على الفراش، تضع وجهها بين يديها.
هي تكره تحكم رفعت بها، كذلك تشعر بالغيرة حين ترى تلك الوقحة بالقرب منه، ذلك الشعور يجعلها تريد الابتعاد عن هنا.
لكن مهلاً،، ماذا عن الحديث التي قالته لها إنعام، بداخلها تناقض تريد الفرار وترك رفعت.
هناك شعور آخر تريد إخراج رفعت من ظلام يسحبه نحو هلاكه.
هي رأت نظرات رفعت لهاشم الحارقة، كذلك نظرات هاشم لرفعت الشريرة، لم تكن سابقاً لديها لها تفسير لكن الآن فهمت تفسيرها.
هل تبقى وتحاول أن تجعل رفعت ينسى ذلك الانتقام الذي قد يحرقُه.
أي الاختيارين أصعب؟
الفرار.... أم البقاء المجازفة؟
لم تهرب سابقاً من أي شيء صعب في حياتها واجهت الأصعب بمرض كاد يوميتها يوماً تحدته وتصاحبت عليه.
إذن هو... البقاء والمجازفة.
....ــــــــــ
دخل رفعت لغرفته وصفع خلفه باب الغرفة بقوة، يشعر بنيران حارقة تنتهك قلبه.
لم يفرض نفسه يوماً على وجود أحد بحياته من يريد البقاء أو يريد الرحيل لم يفرق معه، لما يخشى رحيل زينب التي أصبحت تهدد به.
لما لا تشعر بنيران قلبه المشعل، هي البلسم الوحيد القادر على تطيب حرق قلبه بالماضي، الذي يكوي أوردة قلبه التي جفت مع نيران الماضي.
ذهب وفتح ذلك الدرج، وأخرج تلك الصورة، لا يعرف سبب لما احتفظ بها، لما لم يحرقها سابقاً.
لكن لفت نظره شيء آخر بالدرج.
بحث عنه لم يجده.
قال:
فين الفلاشة، كانت هنا في الدرج جنب الصورة.
.......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في اليوم التالي
بعد الظهر بقليل
بمظلة بحديقة الزهار
جلست مروة ومهره تتحدثان بود بينهن.
تبسمت مهره قائلة:
يعني رفعت خد زينب وسافروا سوهاج، طب أخدها معاه ليه طالما مسافر في شغل؟
ردت مروة:
والله ما أعرف، يمكن بيفكر ياخد راحة كام يوم وهي معاه.
تبسمت مهره قائلة:
مع إني كنت جاية مخصوص له عشان يساعدني في موضوع مهم، بس يمكن رامي يساعدني فيه.
تعجبت مروة وكانت ستسأل مهره عن ذالك الموضوع، لكن دخل نعمان عليهن المظلة يلقي السلام.
ردت مروة عليه ونهضت تحتضنه مبتسمة ترحب به إلى أن جلس معهن تحت المظلة.
تحدث ثلاثتهم بود، رغم تحفظ مهره في الحديث، كانت تتلاقى العيون، تبوح بألم وندم.
ندم!.... ندم!
على ماذا على عمر ضاع بين متاهة ألم سُجن بالقلب لم يُشفى بمضي الوقت.
خفقات تعلو وتهبط فقط مع النفس، لا أكثر، لكن بالحقيقة هذان القلبان سجينان يعيشان بدوامة ذكريات قليلة، ذكريات مهره النعمان التي احترقت سريعاً، أصبح الآن من الصعب أن تنفض الرماد وتزهر زهرة أخرى.
هكذا هو الحال عناق أعيُن تنظر لبعضها عين مهره ونعمان، الجالسان تحت مظلة بالحديقة، بصحبة مروة التي صدح صوت هاتفها، فنهضت قائلة:
دي ليلى، الشبكة هنا مش مظبوطة هتمشي أكلمها وأرجع تاني أوعى تمشي يا خالي هنتغدى سوا، أنا وأنت وعمتي مهره ورامي كمان.
تبسم نعمان وهو ينظر لمهره:
لأ مش همشي، وقولي لليلى متعملش حسابي معاها عالغدا هتغدى هنا.
تبسمت مروة وهي تتركهم وتغادر.
حاولت مهره أن تبتعد بنظرها عن نعمان.
لكن قال نعمان:
أنا عارف كل اللي حصل بعد ما مشيت من البلد يا مهره، وعارف سبب اللي خلاكي توافقي تتجوزي من هاشم، خوفك على فادية منه.
نظرت مهره له بعيون دامعة، ودت أن ينهض ويأخذها بين يديه يحتضنها بقوة يمحو ألم تحملته لسنوات وسنوات، بعد أن ظنت أنها وجدت السعادة، اقتنصت منها.
ما أقساها الحياة، حين تعطيه هدية وسرعان ما تأخذها منك، هدية من صلب من عشقتُه حد الألم ذاته، تحملته لأشهر وأشهر، لكن بالنهاية هو الآخر تركك عنوة.
ألم حمل وولادة وفقدان وجبر آخر كان مؤقتاً، لكن ربما وقتها طيب القلب مساعدة من احتاجت لحنان صدرها.
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سعاد محمد سلامة
فجأة انفجرت الدموع زخات من عين مُهرة. دموع كُبتت لسنوات بداخل عيناها. صمدت بعيناها، أهلكت قلبها. كانت عصفورة رقيقة أمام بحر هائج غادر. ظنت أنها قادرة على تحدي طوفانه، لكن مع أول موجة له ابتلعتها.
نهض نعمان من مكانه وجلس جوار مهره. مد يده كي يزيل تلك الدمعات عن وجنتيها، لكن قبل أن تصل أنامله لوجهها، توقف يلعن ذاك الوغد هاشم الذي فرق بينهم بالماضي والحاضر.
رفعت مهره عيناها ورأت يد نعمان الذي يطبقها بقوة تكاد تنفر دماء عروق يده منها.
تحدثت بندم:
ياريتني طاوعتك وهربت معاك زمان، يمكن كان قدرنا اتغير، أو حتى كنا متنا سوا. بس أنا خوفت على اللي في الجنين في بطني وقتها. بس حتى الجنين ده اتمسك بالحياة وهو لسه جوايا، ولما خرج مني سابني هو كمان أعيش حسرة ووجع أكبر.
انذهل نعمان قائلاً:
قصدك إيه بالجنين اللي كان في بطنك؟
نظرت له مهره قائلة:
الجنين اللي كان في بطني كان زي زهر النعمان وتحرق بسرعة يا نعمان.
فلاش باك.
الاسكندرية.
قبل تسعة وعشرون عام.
بعد اغتصاب هاشم بعدة أشهر، علمت مهره بالصدفة إحدى الطبيبات وهي بالمشفى وقتها أن جنينها مازال متمسك بالحياة رغم ذلك النزيف الذي حدث لها. شعرت أن هذا إشارة لها، عليها التضحية بقلبها من أجل تلك النبتة التي بداخلها من نعمان. وهذا ما حدث بالفعل. ضحت بحب نعمان واحتفظت بجنينها، وتركت الزهار وذهبت لتعيش في الاسكندرية هي وأختها وحدهن. لكن كانت إنعام تعلم بالقصة وبحملها، وكانت دائمة السؤال عليهن وزيارتهن.
حتى يوم ولادة مهره المفاجئة، السابقة لأوانها، فهي مازالت في الشهر الثامن من حملها. كانت معها بالمشفى حين قرر أحد الأطباء توليدها من أجل سلامتها هي والطفل بعملية قيصرية. نجح الأطباء في تخليص حياة الاثنين، لكن كان المولود ضعيف ولديه مشكلة قوية بالتنفس. وضع في حاضنة بالمشفى تحت جهاز تنفس خاص به، لعدة أيام.
حتى بعد انتهاء فترة علاج مهره وخروجها من المشفى، خرجت وحيدة من غيره. لكن كان بداخلها الأمل أن يقاوم ذلك الصغير كما قاوم ذلك النزيف وهو في رحمها وتمسك بالحياة. كانت يومياً تذهب له بالمشفى، تقوم بتعصير ثدييها وتعطيه لمن بالحاضنة يقومون بتوصيله لها عبر أنابيب مخصصة لتغذيته. كان التقدم بطيئاً وأحياناً يفقد الأطباء الأمل بنجاة هذا الصغير، لكن كان لديها أمل تتمناه. تناجي الله أن يستجيب لها.
لكن لا أحد يقدر على تغيير القدر.
بعد أيام من ولادة ذلك الطفل، دخلت مهره إلى غرفة الحاضنة. سمعت بنفسها صوت تصفير الأجهزة الموصولة بجسد صغيرها، تعلن النهاية المأساوية التي كانت لا تريدها. بداخلها كانت تتمنى أن يحيا عمراً أطول بعيداً عنها أسفل تلك الأجهزة، ولا أن يفارق دنياها. كانت معها ذلك اليوم إنعام أيضاً. شعرت بنفس الوجع، هي عاشته سابقاً حين توفي ولدها الصغير بعمر العاشرة.
لم تستطع مهره الوقوف. وقعت جالسة على فخذيها، يرفض عقلها تصديق صوت تلك الصافرات. وضعت يديها حول أذنيها كأنها تصمهم، تكذب حالها. هي مازالت تحت تأثير مخدر الولادة، ستصحو منه وتجد طفلها جوارها يبتسم، أو حتى يبكي.
نهضت سريعاً وفتحت تلك الفتحة الزجاجية وأدخلت يديها تضعها حول طفلها. سارت على كل جسده، تستجديه بدموع:
اصحى.. اصحى.. اضحك... طب ابكي.. ابكي.
لكن الملاك اختار أن ترحل روحه تطوف السماء.
هيستيريا عقلية مرت بها مهره، تبكي وتنوح، تصرخ وتضحك. خسرت. خسرت كل شيء بترك هذا الملاك لها. لم تعد باقية على الحياة. لما لا تنزل رحمة عليها وتذهب خلف هذا الملاك تطوف روحها معه في ملكوت الجنة. أي حياة ستعيشها بعد الآن.
دموع إنعام كانت تهطل كأمطار رعدية. طلبت من أحد الأطباء تخدير مهره. بالفعل امتثلوا لها وخدروا مهره لمدة يومان. وباليوم الثالث منعوا عنها المخدر.
في ذلك اليوم، بالصدفة، كانت تسير إنعام أمام المشفى. وجدت امرأة حامل تسير جوار زوجها. كانت تشعر بآلام المخاض لكن كانت تقاومها بشدة. لكن أثناء سيرها شعرت بسيلان بين ساقيها. وقفت تنظر لأسفل، رأت تلك الدماء تسيل منها. صرخت بألم. كانت أنعام أقرب لهما. اقتربت منهما. نظرت لزوج تلك المرأة الذي ارتاعب حين رأى هو الآخر تلك الدماء التي تسيل من أسفل زوجته.
تحدثت إنعام لها قائلة:
اهدئي يا بنتي، ربنا يمتعك بالسلامة. اهدئي وحاولي تاخدي نفس وتطلعيه بالراحة. وأنت يا أستاذ سيبها وأجرى بسرعة على الاستقبال بتاع المستشفى خليهم يجيبولنا كرسي وأنا هسندها أنا معاها متقلقش.
وقف زوج المرأة حائر، أيتركها مع أنعام أم يذهب ويدخل للمشفى ويأتي لها بمقعد متحرك. لديه خوف أن يترك زوجته التي تلد برفقة امرأة لا يعرفها. لكن صرخة زوجته جعلته يسلمها أمانة بين يدي أنعام، وذهب للمشفى سريعاً، وأتى بناقلة لزوجته وأدخلها للمشفى منها إلى غرفة الولادة مباشرة.
كانت إنعام ستترك تلك المرأة، لكن تمسكت بيدها قائلة:
أرجوكي متسبينيش لوحدي، أنا خايفة يجري لي حاجة وأنا بولد، خليكي معايا.
ضغطت إنعام على يدها بقوة قائلة:
تفاءلي بالخير يا بنتي هتولدي وتقومي بالسلامة إنتي واللي في بطنك. إنتي اسمك إيه؟
ردت عليها:
اسمي هالة.
ابتسمت إنعام قائلة:
خدي نفسك ادعي يا هالة وقولي يارب.
تنهدت هالة وبدأت تشعر بألم أقوى. ألم خروج جسد ضعيف من جسد أهلكه الألم. خرجت للحياة طفلة صغيرة.
كانت أول يد تحملها هي يدي إنعام التي استقبلتها، تبتسم على بكاء تلك الصغيرة.
نظرت لهالة قائلة:
مبروك، ربنا رزقك ببنت. ربنا يجعلها ذرية صالحة وتشوفيها دكتورة وعروسة زي القمر.
تبسمت هالة بوهن قائلة:
يارب اسمع منك يا ست...؟
ردت إنعام:
اسمي إنعام. خدي بنتك اهي.
تبسمت هالة وهي تضم صغيرتها وقالت لإنعام:
هي اتولدت على إيدك يبقى إنتي اللي تسميها.
ردت إنعام:
أنا معرفش الأسماء اللي نازلة موضة، خايفة أقولك على اسم تقولي ده اسم قديم وبلدي.
تبسمت هالة:
الاسم اللي هتقوليه، هيكون اسمها.
تبسمت إنعام وقالت:
زينب... اسم أمي الله يرحمها. كان نفسي أخلف بنت وأسميها زينب على اسم أمي بس ربنا ما أرادش.
تبسمت هالة قائلة:
زينب أهي قدامك واتولدت على إيدك يا ست إنعام.
تبسمت إنعام لها، وتذكرت مهره فقالت باستئذان:
هطلع أبشر جوزك بره زمانه على نار.
بالفعل خرجت إنعام وبشرت والد زينب بها، ثم توجهت إلى غرفة مهره التي اجتازت تلك الأيام بوجع ليس فقط نفسي، بل عضوي أيضاً، بسبب ثديها الذي ينضح بداخلها يشعرها بألم شديد.
في اليوم التالي، أثناء خروج إنعام بمهره من المشفى، كان أيضاً خروج هالة من المشفى. تقابل الأثنان في بهو المشفى. تحدثت هالة لأنعام قائلة:
زي ما قولتي حتى صفوت عجبه اسم زينب وسمينا بنتنا زينب.
تبسمت لها إنعام وتمنت لهم السعادة مع مولودتهما الصغيرة.
توقفت هالة وقالت:
ست إنعام ممكن تديني رقم تليفونك علشان أبقى أدعيكي على سبوع زينب.
تبسمت إنعام وأعطتها رقم هاتفها، ثم خرجت مع مهره من المشفى. مهره التي حين رأت وجه تلك الفتاة وضعت يدها على صدرها تشعر بحنان غريب لها.
باليوم التالي، دخلت إنعام للغرفة التي تنام بها مهره، فهي أخذتها معها لشقتها. وجدت مهره نائمة بوضع الجنين، تضع يديها فوق صدرها، تبكي بصمت. تعذب قلب إنعام عليها.
لكن رن هاتف إنعام الأرضي. للحظة انخضت مهره قائلة:
ده أكيد تليفون من المستشفى، هيقولوا ابني صحي تاني. أنا اللي هرد عليه يا مرات خالي.
تعذب فؤاد إنعام وهي ترى مهره تهرول وترد على الهاتف. لكن بعد لحظات أعطت السماعة لإنعام قائلة:
دي واحدة بتقول اسمها هالة عاوزاكي.
ردت إنعام، التي سمعت بكاء تلك الصغيرة على الهاتف، وقول هالة لها:
الحقيني يا ست إنعام زينب مش مبطلة بكي ومش عارفة أعمل معاها إيه.
ردت إنعام:
اديني عنوانك.
بالفعل أخذت أنعام عنوان هالة وذهبت لغرفتها وبدلت ملابسها. وحين خرجت من الغرفة وجدت مهره تقف أمامها قائلة:
هاجي معاكي يا مرات خالي.
كانت إنعام سترفض، لكن خافت أن تفعل مهره بنفسها شيئاً سيئاً أثناء غيابها، فوافقت وأخذتها معها.
بالفعل دقائق كانت الاثنتان أمام تلك الشقة التي تسكن فيها هالة. فتحت لهن، ودخلن. قالت إنعام لهالة:
فيه إيه بتبكي إنتي كمان ليه؟
ردت هالة:
زينب مش مبطلة بكي معرفش ليه.
أخذت إنعام زينب من هالة وقالت لها:
شكلها جعانة، مرضعتيهاش ليه؟
ردت هالة:
أنا رضعتها على صدري، بس للأسف لسه صدري منزلش فيه لبن. وصفوت استشار دكتور أطفال على نوع لبن لها وحضرته ليها بس مش راضية ترضع من البيبرونة ومش مبطلة بكي. أنا خايفة عليها قوي.
ردت إنعام:
هو فيه نسوان اللبن بيتأخر نزوله عندها شوية. كنا زمان بنرضع لبعضنا. دلوقتي...
لم تكمل إنعام قولها لهالة حين سمعن مهره تمد يديها تأخذ زينب من يد إنعام قائلة:
هأرضعها أنا.
بالفعل تركت إنعام زينب لمهره التي حملتها وسارت بضع خطوات تنظر لها ببسمة وجلست على أحد المقاعد ورفقت زينب لصدرها، التي سرعان ما التهمت زينب صدرها تتغذى من حنانه إلى أن شبعت ونامت بين يدي مهره.
تعجب الاثنتان من ذلك، لكن تبسمت إنعام وهي ترى بسمة بعين مهره.
تكرر هذا كثيراً الأيام التالية. كانت تذهب مهره ترضع زينب التي كانت تمتثل لصدر لمهره حتى عن صدر والدتها. إلى يوم سبوع زينب.
تفاجئت إنعام بزيارة رضوان ومعه رفعت. تبسمت إنعام وأخذت رفعت معها للسبوع.
كانت حفلة سبوع صغيرة، مجرد تفاريح من أجل تلك الصغيرة. كانت إنعام تجلس وعلى ساقيها تحمل زينب.
اقترب رفعت منها ونظر لها قائلاً:
دي صغننة قوي يا جدتي أنا عاوز أشيلها.
ردت مهره:
لأ بلاش لا تقع منك.
تبسمت هالة أمام إصرار رفعت وقالت لأنعام:
خليه يشيلها وأنا هسندها معاه.
بالفعل أخذت هالة زينب من إنعام وأعطتها ل رفعت الذي حملها مبتسماً. وضع إبهامه بكف يدها فأطبقت عليه. ليقول:
شوفتي يا تيتا زينب في إيدها شامة زي اللي في إيد رحمة أختي. أنا هتجوز زينب بس لما تكبر شوية.
تبسمن له، لتمر أيام وشهور. كانت مهره على تواصل مع هالة، إلى أن فرقتهما الأيام لتعود الحياة وتجمع الأم وابنتها بالرضاعة.
بالعودة للحاضر.
عادت مهره تشعر بقهر. ليس أقل من شعور نعمان المقهور يوم أن علم أنه كان لديه طفل من حبيبة عمره. علم أنه فقده ملاك صغير.
ازداد الحقد بقلب نعمان وقال:
زمان كنت ضعيف يا مهره وهربت خوف على أمي وأختي. كنت جبان. النهارده أنا مش ضعيف ولا جبان. اطلبي الطلاق من هاشم يا مهره. لازم نبدأ نصلح أخطاء الماضي وأول خطأ هو جوازك من هاشم اللي لازم ينتهي. لازم يعود الحق لأصحابه وأول حق إنتي يا مهره. لازم ترجعي لمهره القديمة، المهره الآبية.
بالطائرة.
نظر رفعت للنائمة على المقعد المجاور له. تبسم وهو يتذكر قبل ساعات.
فلاش باك.
دخل رفعت إلى غرفة زينب بعد أن سمحت له بالدخول. وجدها واقفة بالقرب من المرآه تصفف شعرها. تبسم قائلاً:
صباح الخير.
نظرت زينب لانعكاسه في المرآه قائلة بتهكم:
صباح النور... غريبة أول مرة تخبط الباب قبل ما تدخل أوضتي!
تبسم وهو يقترب من مكان وقوفها قائلاً:
مافيش زوج قبل ما يدخل أوضة مراته بيخبط عليها يا زوزي. وسبق وقولتلك دي كانت أوضتي القديمة، وأنا سايبك تنامي في أوضة خاصة بيكي لوحدك بمزاجي. لو عاوز أجي أنام هنا مش هتقدري تمنعيني. وكمان لو عاوز آخدك تنامي معايا في أوضتي برضو مش هتقدري تمنعيني. إنتي مراتي.
ردت زينب:
اتفق مرارتك. روح للبومة ريما وخدها لأوضتك براحتك. أنا خلاص قررت في أقرب وقت هسيب الشرقية كلها. مشوفتش فيها يوم عدل.
رغم غيظ رفعت، لكن تبسم قائلاً بتحدي:
مين اللي هيسمحلك تسيبى الشرقية؟ ناسيه إنك مرات رفعت رضوان الزهار... اللي بكلمة منه ينقل المحافظ ذات نفسه. بلاش تحدي يا عزيزتي وجهزي نفسك قدامنا سفر طويل.
ردت زينب بتهكم:
عزيزتك!
وماله، سبق وقولتلك مش هسافر معاك يبقى طريقك صحراوي وبلاش تأخر نفسك بسببى.
تبسم رفعت وهو ينظر لها وهي تنتهي من تصفيف شعرها. ثم قامت ببرمه ولفه كعكة محكمة وثبتتها بإحدى دبابيس الشعر. ثم توجهت للفراش وأخذت ذاك الوشاح وبدأت بلفه حول رأسها وتثبيته ببعض الدبابيس. ثم توجهت تجلس على أحد المقاعد ترتدي حذائها الرياضي. ثم نهضت واقفة وتوجهت نحو تلك الطاولة وأخذت هاتفها وضعته بحقيبة صغيرة. توجهت ناحية باب الغرفة. لكن حين مرت من جوار رفعت، تفاجئت بلف يده على خصرها أوقف سيرها.
حاولت فك يده قائلة:
سيبني خليني أروح للوحدة وأنت كمان شوف طريقك.
نظر لها بتحدي قائلاً:
طريقنا واحد يا دكتورة، هتجيني سوهاج.
تبسمت ساخرة تقول:
سوهاج بلد المواويل، سوهاج برج الزغاليل. أبقى هاتلي معاك زغلولتين وانت جاي. اوعى إيدك.
حاولت زينب إبعاد يد رفعت عن خصرها، لكن هو تمسك به وتبسم على قولها، وقال:
خليكي فاكرة إني حاولت معاكي بالذوق، لكن إنتي اللي اضطرتيني لكده.
لم تلحق الرد عليه حين شعرت برذاذ قريب من أنفها جعلها تغيب عن الوعي.
حملها رفعت بين يديه وخرج من الغرفة متوجهاً لأسفل ينادي إحدى الخادمات التي آتت له مسرعة. حين رأته يحمل زينب قالت بخضة:
مالها الدكتورة هي تعبت تاني.
رد رفعت:
لأ الدكتورة بخير. عاوزك تطلعي أوضتها عشر دقايق تكوني نازلة بشنطة هدوم فيها كم غيار داخلي وخارجي لها ومتنسيش جهاز قياس السكر وكمان علبة حقن الانسولين.
تبسمت الخادمة وفعلت ما قاله لها وعادت إلى مكان وقوفه بالسيارة بحديقة السرايا وأعطته الحقيبة ليغادر رفعت ومعه زينب النائمة. حتى أنهما صعدوا للطائرة ومازالت هي غافية.
باك.
عاد رفعت من تذكرة يبتسم وهو يرى زينب تبدأ بالعودة لوعيها تدريجياً، إلى أن فاقت تشعر بألم طفيف في عنقها. وضعت يدها تدلكه. نظرت لجوارها وجدت رفعت قالت بتهجم:
بخيت في وشي إيه يا همجي.
تبسم رفعت يقول:
قولتلك اللي أنا عاوزه هو اللي هيتنفذ وأهو إنتي معايا في الطيارة هنروح سوهاج.
ماذا قال.... طائرة!
فزعت ونظرت إلى جوارها. شباك فعلاً. الطائرة في السماء تمر جوار السحاب. نهضت واقفة بفزع تقول بصوت عالٍ:
نزّلني أنا عاوزة أنزل دلوقتي من الطيارة. أنا مش بحب ركوب الطيارات. بقولك نزّلني. فين طيار الطيارة دي هاتلي سواق الطيارة. أنا لازم أنزل دلوقتي.
وقف رفعت يقول بذهول:
زينب اهدى. طيارة إيه اللي تنزلي منها دلوقتي؟ مفكرة نفسك راكبة ميكروباص.
نظرت زينب ل رفعت وقالت له:
لازم أنزل دلوقتي هتخنق.
قالت هذا وتركت مكانها وسارت بالطائرة تبحث عن الباب. إلى أن وجدته. وضعت يدها تحاول فتح باب الطائرة لكن لم يفتح. تضايقت تتحدث بتهجم وصوت عالٍ. بسببه أتى طيار الطائرة والمضيفات وبعض الركاب أيضاً.
حاول رفعت التحدث معها بهدوء يطمئنها لكن لا فائدة. حتى طيار الطائرة هو الآخر حاول تهدئتها قائلاً:
اهدئي يا مدام إحنا خلاص قربنا كلها نص ساعة ونوصل لمطار سوهاج.
ردت بإستهجان:
لا نص ولا ربع. أنا عاوزة أنزل دلوقتي. افتحلي باب الطيارة.
رد الطيار:
حضرتك ده باب طيارة مش باب ميكروباص وهتنزلي إزاي من الطيارة هتنطي بالبراشوت.
نظرت زينب له قائلة بسب:
نفس كلمة الهمجي رفعت. إنت حقير وهمجي زيه وأكيد متفق معاه. بقولك نزلي من الطيارة لأصور لكم قتيل دلوقتي.
ردت إحدى المضيفات:
ممكن تهدى يا مدام وتجى معايا تشربى عصير وهتهدى. متخافيش إحنا خلاص قربنا.....
قاطعتها زينب قائلة:
بقولكم حد يفتح باب الطيارة أنا هنزل دلوقتي يعني هنزل دلوقتي.
رد الطيار:
يا مدام إحنا في الجو إزاي عاوزاني أفتح باب الطيارة. حضرتك بكده بتعرضي الطيارة والركاب للخطر. ممكن تسمعي الكلام وترجعي لمكانك وحاولي تسترخي.
ردت زينب:
بقولك افتح باب الطيارة لاديك حقنة هوا أخليك أنت تسترخي. أنا معرفش ركبت الطيارة دي إزاي أصلاً. أكيد الهمجي خدرني.
كان رفعت يقف يحاول تهدئتها رغم شعوره بالكسوف. لكن زينب أعطته الحل لتلك الهيستريا التي بها بكلمة (خدرني). إذن المخدر. من الجيد أنه مازال بجيب بنطاله. بالفعل أخرج المخدر واحتوى جسدها وقال:
زينب.
نظرت له. سريعاً قام برش رذاذ على وجهها. سرعان ما غابت عن الوعي وهي واقفة بين يديه.
سندها رفعت واعتذر من الطيار وتلك المضيفات وبعض الركاب الذين تبسموا وتنهدوا براحة.
رد الطيار:
لأ حضرتك خلاص مش مشكلة. قابلت حالات زي المدام قبل كده. تقدر ترجع بيها لأماكنكم لأن خلاص قربنا عالهبوط بمطار سوهاج.
بالفعل حملها رفعت وعاد لأماكنهم بالطائرة وجلس جوارها، يعيد ما حدث قبل دقائق وهجومها على الطيار وإصرارها على النزول من الطائرة. تبسم تلك الشرسة تثير جنونه.
بمنزل هاشم الزهار.
دخل وسيم إلى غرفة مهره. نظر لوجهها تبدو عليه الدموع وكما أن عيناها حمراوين منتفختان كذالك أنفها.
شعر بغصة قوية في قلبه واقترب منها بتلهف ووضع يده فوق يدها قائلاً:
ماما مهره مالك أيه اللي مزعلك قوي كده؟
نفضت مهره يده قائلة:
مزعلني حالك المايل وخيبتك لما تفكر تربط حياتك بواحدة من نوعية لمى بنت هشام الزهار. قولي سبب واحد يخليك ترمي نفسك في التهلكة معاها. مش خايف تعمل فيك زي أختها ما عملت مع رفعت قبل كده وسافرت لليونان وطلبت الطلاق وهي هناك.
رد وسيم:
من فضلك يا ماما بلاش طريقتك دي في الكلام معايا. أنا مش عيل صغير ومش عارف مصلحته. دي مجرد خطوبة مش جواز، عشان تقولي كده. ولمى مش زي ريما. حتى لو زيها حضرتك شايفة ريما راجعت تاني لهنا ندمانة واكيد لمى مش هتعمل زي أختها وترجع تندم تاني على اللي ضيعته.
نظرت مهره له قائلة:
ريما ندمت بعد فوات الأوان وكفاية ربنا نجى رفعت منها وبعتله الدكتورة اللي تصون شرفه وكرامته وهيبته قدام الكل.
صمم وسيم قائلاً:
مالوش لازمة طريقتك دي يا ماما وخلاص. لمى اتصلت على عمي هشام إنه ييجي لهنا علشان الخطوبة، ومقدرش أخلف وعدي ليها. أنا لازم أروح للاسطبل دلوقتي، مواعيد علاج الخيل المريضة.
قال وسيم هذا وفر هارباً من أمام مهره التي قالت بتوعد:
على جثتي لو الجوازة دي تمت. مفيش غير رفعت هو اللي يقدر يوقف المهزلة دي. ياريت ميطولش في سوهاج ويرجع قبل النكسة دي ما تحصل.
بسوهاج.
بأحد فنادق سوهاج الفاخرة.
بإحدى الغرف.
وضع رفعت زينب على الفراش. تنهد بارتياح وهو ينظر لها. لثواني أعاد ما فعلته بالطائرة وتلك الهيستريا التي انتابتها. ضحكت لك الشرسه التي تناطحه هو وغيره. بلحظة كانت تشعر بالرهبة. هو ظن أنها لا تخشى من أي شيء. مخطئ، فلكل إنسان مهما كانت قوته نقطة ضعف. تلك الشرسه لديها رهاب الطائرات.
في ذلك الأثناء صدح هاتف رفعت. نهض بعيد قليلاً وقام بالرد على من يهاتفه، وتحدث معه بترحيب، وانهى قوله:
تمام ربع ساعة ونتقابل في مطعم الأوتيل.
أغلق رفعت الهاتف وعاد يقف أمام الفراش ينظر لتلك النائمة. فكر عقله لو خرج وتركها بالغرفة وفاقت وجدت نفسها وحدها بالغرفة ماذا ستفعل. ليس عليه التفكير كثيراً. هناك طريقة واحدة لضمان بقائها نائمة إلى أن يعود.
أخرج ذاك المخدر من جيبه ونظر له بابتسام قائلاً:
معلش يا زوزي مجبور علشان أضمن أرجع من غير ما ألاقي الأمن واقف في الأوضة بيتهزأني.
قال هذا وقام برش المخدر على وجهها. خرج من الغرفة متوجهاً لمطعم الفندق للقاء ذلك الشخص.
بالاسكندرية.
رغم أن الشمس للتو غابت ومازال هناك ضوء بسيط. لكن ذاك المكان مظلم بسواد كسواد قلب ذاك النائم بالغرفة. والذي نهض يشهر سلاحه بوجه من دخل للغرفة. لكن سرعان ما أضاء نور الغرفة يرى من وقال:
إنت؟!
رد الآخر:
أيوا أنا يا هاشم، أنا هشام أخوك. قولي سبب إصابتك برصاصة في كتفك. مصدق إني صدقت إن طلع عليك شوية بلطجية في الطريق وانت جاي لاسكندرية وكمان اتأكدت بسبب السلاح اللي معاك ده؟ يعني ببساطة لو كان طلع عليك بلطجية ومعاك السلاح ده كنت عرفت تتعامل معاهم. قولي الحقيقة.
رد هاشم بتأكيد:
زي ما قولتلَك، هما شوية قطاع طرق. وبعدين إنت هتحقق معايا؟ أنا غلطان إني جيت هنا. أنا هقوم ألبس وأرجع الزهار تاني. غلطان إني كنت جاي أطمن عليك.
ضحك هشام بسخرية:
إنت كنت جاي تطمن عليا، كذبة ظريفة دي. عالعموم إنت حر. أنا كنت جاي أقولك إن لمى من شوية اتصلت عليا وخلاص هي ووسيم هيعملوا حفلة خطوبة عالضيق كده بعد خمس أيام هناك في الزهار.
ضحك هاشم ساخراً:
بنتك طلعت ذكية وعرفت توقع وسيم مش زي الغبية التانية اللي بدل ما كانت تضمن رفعت وتسيطر عليه، ضيعته من إيدها بسبب نزواتها وحبها لعيشة الحرية. لأ وراجعة بعد ما اتجوز.
رد هشام:
تفتكر في واحدة تقدر تسيطر على رفعت؟ معتقدش. بطل كلامه ده وسيب بناتي في حالهم. كفاية اللي حصل زمان من رضوان لما فكر يساوم جاكلين إنها تتطلق مني وتتجوزه في مقابل إنه يجيب لها الجنسية المصرية. حتى لو كان ده صحيح مكنش لازم أطاوعك وأشارككم في اللي حصل. أنا بندم في اليوم ألف مرة. في النهاية خدت إيه غير الندم على مشاركتي في جريمة. أملاك رضوان فضلت باسم ولاده اللي رجعوا وزودوا كل الأملاك الضعف. كنت شيطان ودخلت لي في لحظة ضعف. من ناحية كنت بنتقم ومن ناحية تانية طمع. وفي الآخر أنا اللي خسرت كل شيء. وبعدها بفترة قصيرة جاكلين طلبت الطلاق ورجعت لليونان.
سخر هاشم بتهكم قائلاً:
يظهر نوع الويسكي اللي بتشربه اليومين دول مغشوش. ولا نسيت أنا ما جبرتكش على حاجة انت اللي طمعك عمى.
رد هشام:
طب أنا كان الانتقام والطمع في أموال رضوان كانوا عاميني وقتها. إنت كان إيه السبب عندك؟ أقولك السبب كان الغل. طول عمرك كنت بتغل من رضوان. كنت عاوز تبقى مش بس الأقوى لأ وكمان الأفضل. بس رضوان كان صاحب شخصية قوية على كل اللي قدامه. وده كان سبب إن تدخل شريك تالت معانا في تحالف الشياطين. شريكك التالت اللي كان خايف من سطوة رضوان اللي كان بسهولة ممكن ياخد من تحت إيده مكانته السابقة أو حتى الحالية.
نهض هاشم قائلاً:
إحنا التلاتة بالماضي كان لينا أسباب في كره رضوان.
قاطعه هشام قائلاً:
بس أنا الوحيد اللي طلعت خسران. بلاش تخليني أفتح في الماضي اللي بحاول أنساه. سواء كان بالشرب أو حتى الرهانات اللي بدخل فيها. أنا خارج ومش هرجع غير متأخر. عندك الشغالة أما تعوز حاجة اطلبها منها.
غادر هشام وترك هاشم يشعر بالحقد الذي يزداد في قلبه. فتح هاتفه النقال، نظر لتلك الرسالة المبعوثة له. هي من جاكلين التي تهاجمه في الرسالة. ولما قام بالاتصال عليها سابقاً اليوم، ربما يكون هاتفه مراقب. كانت رسالتها مختصرة تخبره فيها أن المخطئ في إفساد تلك العملية الضخمة سيعاقب بما يليق بها. فالكمية لم تكن هينة وانه ربما يوجد خائن في المنتصف.
رجف قلب هاشم للحظات قبل أن يعود ويتحكم الجحود والوعيد بقلبه وعقله. الذي يعيد تذكر تلك العينان الذي رآها على مقربة منه تصوب النار عليه. رفعت كذب أنه ترك عمله بالشرطة البحرية. كان بإمكان أحدهم النيل من الآخر وقتله. لن يتوه عن عين رفعت الذي رآها من خلف ذاك القناع الذي كان على وجهه. تلاقت نظرة عيناه مع رفعت الذي سيندم كثيراً أنه لم يستغل الفرصة ويقتله. الآن تضاعف الحساب. رفعت سيدفع الثمن. ليس فقط بسبب تلك الرصاصة. هناك الطبيبة التي خطفها من أمامه. وأخيراً إفساد تلك العملية التي قد تودي بحياته. رفعت هو من بدأ العداء.
توعد هاشم لن ينتهي قبل أن ينهي حياة رفعت ولو كان آخر شيء يفعله بحياته.
بسوهاج.
بدأت زينب تستعيد وعيها. رويداً رويداً تشعر بخمول. لكن قاومته واستيقظت. فتحت عيناها. هي نائمة على فراش. جالت عيناها بالمكان. وجدت نفسها بغرفة تبدو وثيره بديكور مميز. تنهدت قائلة:
تلاقي الحقير الهمجي هو الطيار اللي زيه رموني من الطيارة. يلا أحسن. أكيد أنا دلوقتي في الجنة وهارتاح من وش الهمجي لأنه مستحيل يدخل الجنة.
ضحك رفعت الذي دخل إلى الغرفة قائلاً:
للأسف إحنا سوا في سوهاج يا عزيزتي.
رفعت زينب رأسها عن الوسادة ونظرت له قائلة:
إيه عزيزتي اللي طالع لي فيها دي كمان. إزاي وصلت لهنا، أنا مش فاكرة غير إني كنت واقفة وراء باب الطيارة.
تبسم رفعت ووضع يده بجيبه وأخرج ذاك البخاخ قائلاً:
البركة في ده، له مفعول سريع جداً.
نظرت زينب ليد رفعت قائلة:
منوم طبعاً، يعني جبتني لهنا بالغصب. بس تصدق كويس أهو آخد جولة هنا يمكن يعجبني المكان هنا. أطلب نقلي من الشرقية لسوهاج.
نظر رفعت لها بغيظ لكن كبتهُ قائلاً:
أنا من شوية طلبت عشا. إنتي طول اليوم تقريباً ما أكلتيش لازم تاكلي ليجيلك هبوط وكمان جبت لكِ ده.
قال رفعت هذا وأعطى لها ما بيده. أخذته قائلة:
إيه اللي في الكيس الأسود ده.
رد رفعت:
افتحيه وشوفي فيه إيه.
فتحت الكيس وجدت كيس آخر بالفطرة علمت ما به. نظرت ل رفعت قائلة:
ده بونبوني.
جلس رفعت على الفراش قائلاً:
قلت لما هتصحي أكيد من الغيظ هينخفض السكر. جبت لك حاجة حلوة تعدل مزاجك.
نظرت زينب له بغيظ وفتحت الكيس وأخذت واحدة وضعتها بفمها قائلة:
بس ده نوع بونبوني مميز وكمان بنكهات مختلفة. أهو اللي يجي منك أحسن منك.
تبسم رفعت ومد يده كي يأخذ واحدة من البونبون، لكن أغلقت زينب الكيس.
تبسم قائلاً:
دا أنا اللي جايبه على العموم مش عاوز. أنا هقوم آخد شاور على العشا ما يجي، وكمان حاسس هدومي ريحتها بنج. طبعاً إنتي بالنسبة لك البنج زي البرفان.
نظرت له ثم وضعت إحدى البونبونيات بفمها تمضغها باستمتاع دون الرد عليه.
ضحك ونهض ذاهباً للحمام، لكن توقف للحظة يقول:
آه بلاش تكثري في أكل الحلو عشان ما يسد نفسك عن العشا ولا يجيلك كريزة سكر مرة تانية.
لم تنظر له زينب ووضعت قطعة أخرى بفمها دون الرد عليه. هي تعلم أنه يستفزها بالقول.
بينما تبسم رفعت وقال بخبث وهو ينظر لها بوقاحة:
آه نسيت أقولك ابقي البسي بقية هدومك قبل ما تفتحي الباب للروم سيرفيس. مش معقول هتفتحي لهم بهدومك الداخلية.
قال هذا ودخل إلى الحمام مباشرةً يضحك قبل أن يسمعها تسبه.
انتبهت زينب ونظرت لنفسها وجدت نفسها بملابسها الداخلية فقط. اغتاظت قائلة:
همجي حقير.
ثم رمت غطاء الفراش بقوة من عليها ونهضت. وجدت بقية ملابسها موضوعة على أحد مقاعد الغرفة. ارتدتها سريعاً وهي تسب رفعت. لكن قطع وصلة السَب، طرق على باب الغرفة. وضعت وشاح رأسها عليها وذهبت تفتح الباب.
دخل فرد من العاملين، ومعه طاولة طعام صغيرة. ثم وقف مبتسماً يقول:
تأمرى بشيء تاني يا أفندم.
ردت زينب:
لأ شكراً. بس استنى لحظة.
نظرت زينب حولها بالغرفة. وجدت حافظة مال خاصة رفعت موضوعة على أحد الطاولات بجوار الفراش. فتحتها وأخذت منها بعض المال وأعطته للعامل مبتسمة.
تبسم لها وشكرها وغادر. بينما وقعت حافظة المال من يد زينب على الأرض ووقع المحتوى الذي كان بها. انحنت تجمعه، لكن لفت نظرها تلك الصورة. الصورة كانت لها وهي تدخل إلى الوحدة الصحية لأول مرة. إذن لم تكن المرة الأولى الذي رآها فيها يوم أن كاد يدهسها بجواده. هو كان يعرف وقتها من تكون؟
تعجبت لكن سرعان ما وضعت الصورة بالحافضة مرة أخرى. هي وغيرها من المحتويات ثم وضعت الحافضة بمكانها على الطاولة مرة أخرى.
في ذلك الحين خرج رفعت من الحمام بمئزر حمام، وبيده منشفة أخرى يجفف بها الماء من رأسه. تبسم حين وجد طاولة الطعام وقال:
كويس إنهم جابوا العشا بسرعة. أنا جعان جداً على فطورى من الصبح، وهلكان كأني. لكن إنتي طبعاً صايمة من الصبح يا بختك مقضية اليوم كله نوم.
تبسمت له بسخافة وخلعت الوشاح عن رأسها، وجلست أمام طاولة الطعام وبدأت تأكل.
تبسم رفعت وجلس هو الآخر يأكل معها. يحاول مشاغبتها وجذبها للحديث معه، لكن كانت تلتزم الصمت. إلى أن نهضت من أمام الطعام قائلة:
شبعت هروح آخد شاور. طبعاً جبت لي معاك هدوم تانية، ولا تكون نسيت.
تبسم رفعت يقول:
لأ نسيت. ممكن تلبسي من هدومي عادي جداً. أنا أما نرجع من هنا مش هلبسها تاني.
ردت عليه بغيظ قائلة:
ليه شايفني جربانة ولو لبست هدومك هسيب فيها العدوى، وأنا أساساً لو هفضل من غير هدوم مستحيل ألبس من هدومك، ذوقك مش بيعجبني أساساً.
تبسم رفعت يقول:
تمام يا ملكة الأناقة، وأنا مش هبقى مبسوط وأنا شايفك عريانة. سبق وقولت جسم بلاستيك.
أغتاظت زينب منه وقامت بزغه في كتفه قائلة:
بطل طريقتك الاستفزازية دي معايا أنا مغصبتش عليك تجيبني معاك هنا إنت تعتبر خطفتني أساساً و....
قاطعها رفعت قائلاً:
في شنطة هدوم لكِ في الدولاب.
نظرت له بغيظ وذهبت إلى الدولاب وفتحته وأخرجت منه حقيبة صغيرة، أخرجت منها منامة وبعض الملابس الداخلية وذهبت إلى الحمام. ولم تغيب كثيراً، خرجت لم تجد طاولة الطعام بالغرفة، حتى رفعت لم يكن بالغرفة. لكن باب الشرفة مفتوح وتسمت صوته، ربما يتحدث مع أحد بالهاتف.
صففت شعرها وتوجهت إلى الفراش ونامت عليه. بينما رفعت كان يتحدث بالشرفة قائلاً:
خير يا محمود بتتصل عليا ليه؟
رد محمود:
بتصل أنبهك الراجل اللي في اليونان بيقول إن فابيو بنفسه نازل مصر الأسبوع ده، وأكيد إنت أول واحد في قائمة زيارته لمصر بسبب ريما اللي قاعدة عندك في السرايا.
رد رفعت:
يشرف حتى ياخد أمانته معاه. إنت عارف إن ريما خلاص مبقتش يهمني أمرها. هي اللي اختارت فابيو من البداية وسابتني وراحت لعنده. بتحب الراجل اللي يمشيها على هواها، بس وقعت في جحيم فابيو. بس غريبة أنا توقعت جاكلين هي اللي تنزل لمصر.
رد محمود:
وأنا كمان كنت متوقع كده، بس الراجل اللي لينا هناك بيقول إن نزول فابيو هيحط هاشم في خط المواجهة. لو جاكلين اللي كانت نزلت هاشم كان هيلعب على نقطة ضعفها معاه، لكن فابيو معندوش نقطة ضعف، وعنده استعداد يقتل حتى أبوه زي ما عمل ابن القبطان قبل كده. نزول فابيو هيقلب الدنيا، وكمان هو عامل زي البركان ما كان ما بيروح لازم يحصل فوران وكوارث.
رد رفعت:
فعلاً فابيو، ملقب بالبركان. وأكيد مش السبب الرئيسي وجود ريما في مصر. فابيو نقطة ضعفه الوحيدة هي ريما، وأنا مش ناوي أقف قصادها علشانها. إنت عارف إنها ما تهمنيش من الأساس.
رد محمود:
تمام أنا بس حبيت أعرفك بآخر الأخبار اللي وصلتني ونكون على تواصل.
تبسم رفعت يقول:
تمام.
أغلق رفعت الهاتف ونظر أمامه لمياه النيل اللامعة. تنهد وتنفس ذاك الهواء المنعش وتبسم وهو يتخيل عصبية زينب حين ينام لجوارها على الفراش. يعلم بالنهاية ستسمح له، لكن هو يعشق مشاكستها معه.
بعد لحظات دخل إلى الغرفة وأغلق باب الشرفة وأطفأ نور الغرفة وظل ضوء خافت بالغرفة. خلع عنه ذاك المئزر وتسطح على الناحية الأخرى من الفراش. كانت لا تزال زينب مستيقظة. نهضت جالسة تقول له:
إنت هتنام جنبي عالسرير.
تحدث ببرود:
شايفة في سرير تاني في الأوضة أنام عليه. متخافيش مش هقرب منك ماليش مزاج. بقول تنامي أفضل لكِ.
ردت زينب:
مالكش مزاج لأيه وأيه تنامي أفضل ليكي. وإن منمتش هتعمل إيه؟ ليه محجزتش لينا أوضتين من البداية.
تنهد رفعت قائلاً:
أنا بعد اليوم الطويل المرهق ده محتاج أنام مش أتجادل معاكي في تفاهات، فانا هديكِ ضهري وهنام. تصبحين على خير.
ردت زينب:
يكون أفضل برضو. متصبحش على خير وتحلم بكوابيس تقومك من النوم مفزوع.
تبسم رفعت دون رد وهو يشعر باستلقاء زينب على الفراش. توقع أنها لن تنام لكن كعادتها مجرد أن تضع رأسها تنعس. استدار ينظر لوجهها مبتسماً وأقترب يستنشق أنفاسها بقبلة هادئة ليغوص بعدها في نوم هانئ.
بسرايا الزهار.
بجناح رامي.
خرج رامي من الحمام، يرتدي شورت فقط. نظر لمروة التي تجلس على الفراش تتابع شيئاً على هاتفها، حتى أنها لم تنتبه لخروجه. صعد لجوارها على الفراش وقام بضم جسدها له.
انخضت مروة.
تحدث رامي:
إيه اللي في الموبايل سرحانة فيه كده لدرجة محسيتيش بيا لما جيت جنبك عالسرير؟
ردت مروة:
سرحانة في خالو نعمان وعمتك مهره. أنا نفسي أعرف حكايتهم القديمة، وكنت هعرف بس تيتا إنعام قالت لي سيبهم لوحدهم وتعالى معايا. أنا لاحظت عمتك مهره كانت بتعيط وكمان خالي كانت عينيه مدمعة. نفسي أعرف سر الماضي اللي بينهم.
رد رامي وهو يجذب مروة لصدره وينام على الفراش قائلاً:
وأنا كمان عاوز أعرف من باب الفضول حتى. لكن واضح إنه سر يخصهم لوحدهم.
تبسمت مروة قائلة:
فعلاً حتى لما سألت ماما اتهربت مني ومجاوبتنيش عليا. بس مقولتيليش عمتك مهره كانت عاوزة رفعت ليه، أكيد قالت لك.
رد رامي:
ده موضوع خاص ب وسيم. هيخطب لـ لمى توأم ريما وهي مش موافقة على كده. وكانت عاوزة رفعت يقنع وسيم ينهي الخطوبة دي قبل ما تتم.
ردت مروة:
فعلاً عندها حق. أكيد لمى نفس نوعية ريما البومة بالظبط. شخصية مستفزة صعب تتعاشر معاها، وملهاش غير في التفاهات زي أختها اللي بتلقح عليا أنا وزينب.
تبسم رامي يقول:
وده نفس رأيي أنا ورفعت. لمى مش اللي تنفع تشارك وسيم حياته. بس هو مصمم. أنا مستني رفعت يرجع وهحاول أنا ورفعت نقنعه يعدل عن الخطوبة دي. لمى مش من النوعية اللي تحترم فكرة إن الجواز حياة كاملة، مش مظاهر فارغة أو سرير بس زي نوعية لمى وريما. أنا عشت ريما ولمى لفترة في إسكندرية وقت ما كان رفعت متجوز ريما. مكنوش على اتفاق بسبب شغله في الشرطة والبحر. هي عاوزة زوج متفرغ لها، وفسح ومناسبات اجتماعية ومظاهر فارغة، زي الهدايا الغالية اللي طبعاً قصادها لحظات رومانسية. أنا معرفش سبب قبوله بالجواز من ريما من البداية. متأكد إنه مكنش بيحبها. ومع ذلك اتجوزوا لفترة مش طويلة أقل من ست شهور وفجأة طلبت الطلاق ورفعت وافق بدون ندم. وبعدها ريما سافرت اليونان ولحقتها لمى، ومرجعوش غير من فترة صغيرة. لمى حاولت معايا قبل كده وقت ما كان رفعت متجوز من ريما، بس أنا وقفتها عند حدها وقولت لها إن قلبي مع غيرها. تعرفي ردها وقتها كان إيه؟ قالت لي عادي جداً في جوازات كتير قامت من غير حب واستمرت. وبدأت تزيد في وتيرة إغرائها ليا، بس فشلت في كده. أنا مش من النوع اللي بيجري وراء غرايزه وقولت لها تريح نفسها. أنا راسم فكرة تانية عن الجواز في دماغي.
نظرت مروة ل رامي بسؤال قائلة:
إيه فكرتك عن الجواز يا رامي؟
رد رامي:
فكرتي نفس اللي شوفته واتربيت عليه بين بابا وماما. زوجين متفاهمين ومتألفين بينهم مودة وحب. أنا مش عاوز جسم ست عشان أكمل بيه غريزة. أنا محتاج لست تشاركني كل دروب الحياة، سعادة وحزن وأمل وتفاؤل. مش ست أنا بالنسبة لها بنك يكلف على مظاهر فارغة قصاد شوية لحظات رومانسية. سهل آخدها من أي عاهرة ووفر على نفسي أني أنسبها لنفسي زوجة.
نظرت مروة ل رامي بإعجاب قائلة:
وأنا بالنسبة لك كنت الزوجة دي؟
نظر رامي لمروة قائلاً:
أنا بعترف إني وافقت رفعت لما قالي نرجع لهنا في البداية علشان أشوفك تاني. مكنش في بالي إني بحبك. كنت مفكر إنك مجرد صديقة الطفولة، لحد لما اتقابلنا صدفة. وقتها ملامحك كانت اتغيرت للأجمل بس عرفتك وناديت عليكي. ولما وقفتي قدامي وعملتي نفسك متعرفنيش حسيت بغربة في قلبي وقتها واتضايقت جداً. وبدأت أطاردك في السكك في البداية علشان بس أفكرك بيا. ولما قولتي لي ابعد عن طريقي وأخلي ذكريات الطفولة اللي بينا بنفس النقاء القديم. قولت تبقى لسه فاكراني. مع الوقت كنت بغرق قصاد رفضك المستميت. كان عشقك بيتغلغل في قلبي. مروة أنا معرفش إمتى عشقتك من وإحنا لسه أطفال ولا لما رجعت هنا وشفت عيني أجمل صبية.
تبسمت مروة قائلة:
يعني أنا الوحيدة اللي سكنت قلبك. مفيش أي بنت أيام ما كنت في إسكندرية فكرت إنك تحبها، ولا حتى مشاعرك اتحركت ناحيتها.
تبسم رامي قائلاً:
أبقى كذاب لو قولتلك مفيش بنات دخلت حياتي وفكرت في وقتها إن ممكن يجمعني بها قصة حب. بس دايماً كان فيه لحظة فارقة مع كل قصة في نهايتها كانت بتيجي صورتك قدامي وبعمل مقارنة. بعدها كنت بحس إن الأفضل التراجع. نهاية القصة معروفة يومين تسالي وبعدها كل واحد هيكمل في طريق تاني.
ردت مروة:
وأنا مش يمكن مع الوقت تكتشف......
لم تكمل مروة حديثها حين أكمل رامي حديث من نوع آخر بقبلاته العاشقة. ثم ترك شفتيها ينظر لعيونها قائلاً:
سبق وقولت الوحش المسخ عشق الجميلة وكان في انتظارها علشان يقدر يسترد جزء من وسامته. بس هي غابت عنه كتير وكانت عاوزة تهرب منه وفكرت في الانتحار.
ردت مروة بغصة:
هتصدقني يا رامي أنا مش فاكرة إزاي وقعت من على سطح البيت. كل اللي فاكرة إني كنت على السطح بتاع البيت بمشي قصاد القمر وبعدها مش فاكرة إيه اللي حصل كأن عقلي فصل. بعدها، بس أنا متأكدة إني..... بحبك يا مسخ ومن زمان يمكن من قبل إنت ما تفكر تحبني. حبيت رامي صديق الطفولة، إبن الزهار الصغير المتواضع اللي كان بيلعب مع بنت السايس اللي بيشتغل عنده في الأسطبل.
تبسم رامي قائلاً:
الكل قدام العشق بيتساوى يا مروة، وأنا عشقتك.
قال رامي هذا وأنهى قوله بقبلات شغوفة بالعشق تبادلها هو ومروة يعزفان ألحان سيمفونية عشق بليلة عشق هانئة.
أشرقت شمس صباح يوم جديد بسوهاج.
استيقظ رفعت من نومه المريح ليلة أمس. نظر لجاره على وجه تلك الشرسه صاحبة ملامح تمزج بين الملامح الرقيقة والشرسة. تعجب كيف مازالت نائمة بعد نومها لأوقات طويلة بالأمس، لكن تبدو هذه عادتها هي تنام سريعاً وبراحة.
اقترب منها ولف يديه حول جسدها. شعرت زينب بيدي رفعت فتحت عيناها وتبسمت ثم غفت عيناها مرة أخرى.
تبسم رفعت همس بالقرب من أذن زينب:
صباح الخير، يا زوزي.
تنهدت زينب وفتحت عيناها قائلة:
صباح النور.
تبسم رفعت وهو ينظر لشفتيها بعطش. ضم جسدها بين يديه والتقط شفتيها يقبلها بنهم يستقي من نداها. للعجب زينب لم تمانع هي الأخرى. ظلا يقبلانها لوقت ترك شفتيها ودفن رأسه بعنقها يقبله هو الآخر، يستنشق أنفاسه على عنقها، وهي ممتثلة له، بل مستمتعة بقبلاته الذي يوزعها على عنقها ومقدمة صدرها، حتى أنها لم تشعر بيده التي فتحت أزرار منامتها. شعرت بأنامله التي بدأت تسير، على جسدها. شتت بلماساته بين عقلها وقلبها. قلبها الخائن لعقلها الذي يعلم بمجرد أن تنتهي رغبته فيها، سيعود لوقاحته معها ويقول أنه لم يشعر بالاكتفاء وهو معها. لكن قلبها يريد أن يخرجه من تلك النيران الذي يسعى لها.
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سعاد محمد سلامة
عاد رفعت يُقبل شفاه زينب، ثم ترك شفاهاً يُوزع قُبلاته على عنقها، لكن في تلك اللحظة تحكم عقل زينب، لو سلمت له ككل مرة لن تخرجه من تلك النيران، وسيُهين أنوثتها لاحقاً، إذن لتوقفه من البداية.
بالفعل فاقت من تلك السطوة ورفعت يديها تدفعهُ عنها قائلة:
"رفعت إبعد عني."
لكنه مسحور مفتون، مسك إحدى يديها ومازالت قُبلاته مستمرة.
تحدثت زينب قائلة بحِدة:
"رفعت إبعد عني فوق، خلاص إحنا هننفصل في أقرب وقت."
همس رفعت بعقله:
"عمري ما هنفصل عنك يا زينب غير بموتي."
بينما مازال يحاول إستمالتها بقُبلاته كالسابق، لكن شعر بالرفض منها وعدم الأستجابه، حتى من حديثها الجاف حين قالت:
"رفعت كفاية خلاص، أنا مش طايقة لمساتك. إبعد عني، أنا بكره تحكمك فيا، كفاية مش قادرة أغصب على نفسي وأتحملك أكتر من كده، إن كنت غصبت على نفسي قبل كده وإتحملت غطرستك، خلاص كفاية مش هسمحلك تقول لي بعد شويه متكيفتش. أنا لا سيجارة ولا كاس في إيدك."
قالت هذا وقامت بدفعهُ بيديها بقوة.
رفع رفعت وجهه ونظر لوجه زينب وتلاقت عيناهم، رأى بعين زينب تحدي له وقال:
"يعني إيه؟"
ردت زينب بتحدي:
"يعني خلاص يا رفعت، زي ما قولت لك قبل كده قصتنا من البداية غلط، والطلاق هو تصحيح الغلط ده."
ماذا سمع... لاول مرة تقول كلمة طلاق صريحة. سابقاً كانت تقول انفصال... ماذا تعني بكلمة الطلاق.
تحدث قلبهُ:
"اعترف لها يا رفعت إنك بتعشقها وأطفئ النار اللي جواك."
بينما قال عقلهُ:
"اعقل يا رفعت وأرجع لرشدك، زينب بتسحبك نحو الميه... بس هي متعرفش إن الميه هتزيد من اشتعال نيرانك. من إمتى فرضت نفسك على ست قبل كده؟ كلهم كانوا بيتمنوا منك بس إشارة. حتى زينب نفسها سلمت لك قبل كده بسهولة، هي بتلعب بيك برفضها وكلامها عن الطلاق... بلاش تخلي قلبك يتحكم فيك. إنهي اللحظة انت مش هتطلب عطفها."
بالفعل امتثل رفعت لقرار عقلهُ، وتنحى عن زينب، لكن قبل أن يتنحى عنها، قبل جانب عنقها، ثم قبل كتفها وقام بعضها من كتفها عضة غيظ.
تحدثت له بلذاعة:
"حيوان وهمجي. آخر مرة هسمح لك تقرب فيها مني. أول حاجة هعملها أما نرجع للشرقية هسيب لك الحصن بتاعك وهرجع أعيش في الملحق بتاع الوحدة لحد ما يتم نقلي من الشرقية."
نظر رفعت لها قائلاً:
"أوهام يا عزيزتي. اللي بينا مالوش غير نهاية واحدة... موتي بس مش قبل ما أشعل النار في اللي حرقوا قلبي. أنا عارف اللي جدتي قالتلك عليه... إني رجعت للزهار عشان أنتقم للماضي. لو مفكرة بحركاتك دي هتقدري تمنعيني تبقي غلطانة."
نظرت له زينب قائلة:
"حركات إيه اللي تقصدها؟"
رد رفعت:
"حركات تمنعك عني."
سخرت منه زينب قائلة:
"فعلاً همجي وحيوان، مش بتفكر غير في غرايزك الدنيئة. أنا دكتورة يا رفعت، مهمتي أقدم للمرضى العلاج على قد ما أقدر، بس لو هو اللي كان عقله مريض ورافض العلاج وبيستسلم للموت مقدرش أنقذه من وهم سهل يقتله. طلاقنا بقى أمر حتمي يا رفعت وإنسى إنك تقدر تحبسني جوه أسوار حصنك العالية."
نهض رفعت من على الفراش وتوجه للحمام قائلاً:
"ياريت على ما أخرج من الحمام، تكوني طلبتي لينا فطور، لأني عندي ميعاد مهم بعد شويه."
قبل أن ترد زينب، دخل رفعت للحمام وأغلق خلفه الباب بعصبية، بينما زينب نهضت جالسة على الفراش، نظرت لكتفها ورأت آثار عضة رفعت، سبته، لكن ليست تلك العضة ما أغاظتها من رفعت. أغاظها حديثه عن قوله أنها تعتقد أنها قادرة على محو فكرة الانتقام من رأسه. لكن مهلاً..... هو قال أنه علم أن جدته تحدثت لزينب عن سبب عودته للزهار، وسابقاً علم عن وضعها هي ومروة مُلين بطعام ريما. هذا بالتأكيد يعني أنه يضع كاميرات أو أجهزة تصنت بالسرايا. الاثنان أسوأ من بعض. عليها مواجهته الآن.
بالفعل بعد قليل خرج رفعت من الحمام نصف عاري، رأى زينب مازالت جالسة على الفراش لكن هندمت ملابسها. تجاهلها وفتح الدولاب أخرج ملابس له، أعطى ظهرهُ لها وبدأ في ارتداء ملابسهُ، لكن توقفت يدهُ عن تزرير أزرار قميصه حين قالت له:
"انت زارع كاميرات ولا أجهزة تصنت بالسرايا؟ وأكيد الكاميرات ولا أجهزة التصنت دي في أوضة نومي وأكيد أوضة نومك."
نظر رفعت لها بذهول قائلاً:
"شايفاني قذر قوي للدرجة دي عشان أزرع كاميرات مراقبة أو أجهزة تصنت في أوضة نومي أو أوضة نومك؟ غباء منك يا دكتورة التفكير ده. عارفه ليه؟ مستحيل أعمل كده لأني مش الراجل اللي يفضح نفسه أو مراته بتسجيلات من النوعية دي. ناسيه إن حصل بينا كذا لقاء حميمي في أوضة نومي، وكمان في أوضة نومك. أكيد مش هخاطر وأحط كاميرات أو أجهزة تصنت في الأوض. مش هبقى مبسوط لو تسجيلات زي دي وقعت في إيد تانية بالغلط."
ردت زينب بثبات:
"أمال عرفت منين إن تيتا اتكلمت معايا وكمان إني أنا ومروة حطينا مُلين للبومة ريما في الزبادي."
رد رفعت:
"الملين كان توقع مني لأن بعد ما نمتي ريما بعتت رسالة إنها تعبانة وعندها مغص قوي في بطنها، بس أنا توقعت إنك انتي ومروة حطيتوا لها شيء في الزبادي، بالذات إنكم متغاظين منها ومن سخريتها الدايمة منكم، قولت مقلب منكم فيها، تستاهله. أما جدتي أنا عارف إنها عندها يقين إنك الوحيدة اللي تقدري تطفّي النيران اللي في قلبي ومعرفش جايبة اليقين ده منين، لأني سبق وقولت ليكِ إنك زي أي ست قبلك نامت في سرير معايا."
رغم شعور زينب بالغيرة لكن قالت بسخرية:
"واضح إنهم كتير... كتير قوي اللي ناموا قبلي معاك في سرير. على العموم تأكد يا رفعت إنك بالنسبة ليا مش أكتر من تجربة سيئة مرت بحياتي."
قالت زينب هذا ونهضت من على الفراش توجهت إلى حمام الغرفة. وقفت خلف باب الحمام، خانتها تلك الدمعة التي سقطت من عينيها. كم هو شعور مؤلم بالمهانة، ليس فقط المهانه، ذاك الوجع الذي تشعر به بقلبها الذي ينتفض بداخلها. لأول مرة بحياتها تندم على شيء مرت به، ليتها ما ذهبت إلى تلك القرية، ليتها نُفيت لأقاصي القرى أو النجوع في مصر وابتعدت عن تلك القرية. لكن مهلاً لم ينته الوقت. بمجرد عودتها إلى الشرقية ستقدم على طلب نقل لها وتأخذ إجازة حتى يتم نقلها إلى أي مكان بعيد عن الزهار. وتلك الإجازة ستقضيها مع والديها بالقاهرة بعيد عن رفعت، ذاك الوغد الهمجي.
بينما رفعت بمجرد دخول زينب للحمام جلس على أحد المقاعد يشعر بالغضب من نفسه. هو يكذب... زينب ليست كأي امرأة شاركها الفراش سابقاً. لام نفسه كيف قال لها هذا. أخاف أن يفتضح شعوره أمامها، أنها الوحيدة التي يضعف أمام اجتياحها لمشاعره بمجرد أن يقترب منها. ندم... ندم على ماذا؟ على إدخالها لحياته عنوة ظناً منه أنه يختطفها من أمام هاشم. يشعر بنشوة الظفر بشيء كان هاشم يريده وأخذه هو من أمامه. كم أنت كاذب يا رفعت... أنت عاشق متيم، هي تسكن قلبك. لا لا لا، لا يوجد مكان بقلبي للعشق، قلبي مشتعل لن ينطفئ الآن ولن ينطفئ قبل أن أحقق قصاص للماضي.
خرجت زينب بعد قليل من الحمام وجدت رفعت يجلس على أحد المقاعد. تجنبت الحديث معه، وصعدت للفراش مرة أخرى. لا تعرف سبب هذا الشعور بالخمول. ربما بسبب ذاك الداء الذي صاحبها بحياتها. بالفعل تسطحت على الفراش، سرعان ما سحبها النوم بعد دقائق من الصمت.
كان رفعت سيتحدث لها لكن حين استدار لينظر لها وجدها نائمة بالفعل، لا تدعي ذلك. تبسم بتعجب منها كيف نامت بهذه السهولة وهو بداخله حرب طاحنة بسبب حديثهما الحاد معاً قبل قليل، وتلك عادت للنوم براحة!
......
بعد قليل
بسوهاج... دوار عمدة قرية الهلالي.
على مدخل الدوار
تبسم ذاك الكهل لأحد أبنائه الذي قال:
"صباح الخير يا حضرة العمده."
تبسم له بألفة قائلاً:
"طالما قلت حضرة العمده، يبقى في طلب بعدها قول من الآخر."
تبسم مُحسن وهو يضع يده حول عنقهُ قائلاً:
"ميزتك يا بابا إنك فاهمني."
تبسم له قائلاً:
"أنا فاهم دماغ كل واحد فيكم بيفكر إزاي. يلا قولي عايز إيه."
تبسم محسن يقول:
"بنت السلطان."
رد يونس قائلاً:
"أي واحدة فيهم؟"
رد محسن:
"ماما طبعاً رشيدة. التانية دي ماليش معاها أي صولات. إحنا إخوات. أنا قصدي ذات الخال. وقبل ما تقول أي واحدة فيهم هقولك ماما. التانية دي 'شرشر'."
تبسم يونس قائلاً:
"مالها ذات الخال؟ عاوز منها إيه؟ سبق وقولتلك بلاش حركات الحنجلة بتاعتك دي قدامها. ولا تكون عملت حاجة زعلتها منك."
تبسم محسن:
"بص يا سيادة العمده، عميد الجامعة، أنت عارف إن من صغري كنت بهوى الخيل وتربيتها. ولم كبرت دخلت كلية طب بيطري عشان كده وبدأت مشروعي الخاص في تربية الخيول جنب إني أدرس في الجامعة."
رد يونس:
"بلاش اللف والدوران هات المختصر، أنا مش مامتك بتحب التفاصيل."
تبسم محسن قائلاً:
"من الآخر كده أنا جايني عرض من تاجر من أشهر تجار الخيول في مصر وشبه اتفقت معاه على بيع فرسين وهو جاي بنفسه النهاردة عشان يتمم البيعة دي. بس بقى في مهرة من الفرستين بيضا في أسود مهجنة ماما بتحبها قوي خايف تزعل مني لما تعرف إن في تاجر جاي عشان يشتريها."
تبسم يونس قائلاً:
"لأ متخافش رشيدة عقلها مش صغير كده وتتمنى لك الخير."
تبسم محسن براحة يقول:
"والله طمنتني يا أبو الرجال. هروح أنا بقى هروح أنتظر ضيفي في الإسطبل. على فكرة ذات الخال الكبيرة مع 'شرشر' في الجنينة الورانية."
تبسم يونس له ونغزه بكتفهُ قائلاً:
"إياك أسمعك تقول على رشيدة الهلالي 'شرشر'."
ضحك محسن قائلاً:
"أنا مالي ده الواد حسين اللي طلع عليه الاسم ده."
تبسم يونس يقول:
"حسين أهبل. تمشي وراه؟ رشيدة الهلالي دي ملاك."
نظر له محسن بأستغراب يقول:
"ملاك! دي عندها سنتين بس مشرشره كل اللي في الدوار بهم حتى مامتها."
تبسم يونس يقول:
"تستاهلوا انتوا اللي بتعاندوها."
تبسم محسن يقول:
"كنت عارف هتقول كده. هما ذات الخال حد يقدر يقول على واحدة منهم كلمة؟ الاتنين لهم حصانة خاصة عند حضرة العمده. يلا هروح أنا بقى للإسطبل زمان التاجر على وصول."
تبسم يونس وذهب إلى الحديقة الخلفية للدوار. تبسم لتلك الطفلة الصغيرة التي تحبي بالحديقة. بمجرد أن رآته زحفت إليه سريعاً، تبسم وانحنى يحملها بين يديه، ينفض بقايا التراب من يد الصغيرة، يُقبل وجنتيها.
تبسمت تلك التي كانت تجلس تقرأ أسفل إحدى الشجرات بالحديقة ونهضت من مكانها واقفة، وتقابلت مع يونس ببسمة قائلة:
"شايفه ذات الخال الصغيرة خدت مكاني."
تبسم لها وقال:
"مفيش واحدة عمرها خدت جزء من مكانتك، بس دي رشيدة الهلالي ليها مكانة خاصة ومتنسيش إنها أول حفيدة، والبنت الوحيدة في الدوار."
تبسمت رشيدة قائلة:
"عقبال ما يبقى عندك عشر أحفاد يا ابن الهلالي ويعجزونا."
تبسم يونس يقول:
"بنت السلطان عمرها ما هتعجز في نظري. هتفضل الجنية اللي طلعت لي من الميه. عمرك شفتي جنية عجزة."
تبسمت له قائلة:
"خلينا ندخل للدوار عشان شكل رشيدة الهلالي بتنعس. تاخد لها راحة ساعتين وتصحى بنشاط وهمة بقية اليوم."
تبسم يونس وهو يسير بجوار رشيدة قائلاً:
"على فكرة محسن كان عاوزني واسطة بينه وبينك."
تبسمت رشيدة:
"ليه؟ عاوز إيه؟"
رد يونس:
"جايله تاجر خيول كبير وهيشترى منه فرسين منهم الفرسة الملبظة أبيض في أسود اللي بتحبيها."
تبسمت رشيدة:
"وعاوزك واسطة عشان كده؟ أنا اتبسط لما أشوفه ناجح. بس بصراحة الفرسة دي جميلة جداً، بس بنتها شبهها. يعني في عوض بدالها يبقى هزعل ليه لما يبيعها ويكسب تمنها يطور بيه نفسه ويكبر مزرعته. قول له إني مش زعلانة بالعكس فرحانة له. وكمان قوله يعزم تاجر الخيول ده للغدا عندنا بكرة. أنا سمعت عن التاجر ده منه قبل كده وانه يتمنى يتعامل معاه وقال لي إنه له اسم كبير في سوق الخيول. عاوزة أتعرف عليه وأوصيه عالفرسة دي وأقول له دي فرسة أصيلة ولازم يكرمها."
تبسم يونس يقول:
"طب ليه معزمتوش النهاردة؟"
ردت رشيدة:
"النهاردة اليوم اللي بنتجمع فيه عند أمي، وممنوع حد من العيلة يكون غايب. حتى محسن هيجي على هناك. أنا كنت مستنياك ترجع عشان متعودة نروح سوا."
وقف يونس، ينظر لرشيدة بهيام.
تعجبت رشيدة قائلة:
"وقفت تبص لي كده ليه؟"
رد يونس:
"مغرم يا بنت السلطان."
......
بالإسكندرية.
رد هاشم على هاتفه ساخراً:
"غريبة، كان عندي يقين إنك مش هتتصل عليا الفترة دي. أكيد وصلتك الأخبار إن البضاعة الشرطة صادرتها في البحر يا سيادة النايب (نجيب الكفراوي)."
رد نجيب:
"عرفت يا هاشم، وصلتني الأخبار وكمان عرفت إنك قدرت تهرب من الشرطة. بس الله أعلم إن كان حد من الشرطة اتعرف عليك أو لأ. بس عندي يقين لو كانت الشرطة عندها اشتباه فيك كانت كثفت جهودها في القبض عليك. ومتنساش الرقم ده خاص ومش باسم هاشم الزهار، وحتى لو معروف عادي لو أنا اتصلت عليك محدش هيشك فيا. إنسى أنا مين... أنا نايب الدايرة اللي تابع لها قرية الزهار، غير إني كمان منها وعايش فيها معظم الوقت. وعادي إني اتصل على واحد من كبرات الدايرة اللي أنا النائب عنها في مجلس الشعب."
ضحك هاشم بسخرية:
"نايب مجلس الشعب بمساعدتي ليك؟ فاكر زمان لو مش اللي حصل كان زمان رضوان أخد منك كرسي البرلمان ومكنتش في يوم بقيت وزير سابق وعضو مهم في البرلمان."
رد نجيب:
"مالوش لازمة التقليب في دفاتر الماضي يا هاشم. أنا مش بتصل عليك عشان كده. أنا بتصل عشان حاجة تانية. وصلني خبر إن فابيو نازل مصر خلال الأسبوع ده. نزول فابيو بنفسه لمصر أكيد مش هيعدي بالساهل ده... البركان."
ارتجف هاشم قائلاً:
"منين جبت معلومة إن فابيو نازل مصر."
رد نجيب:
"المعلومة من جهة موثوقة."
رد هاشم:
"أنا عارف سبب نزول فابيو لمصر مش عشان العملية اللي اتصادرت دي، لأ عشان السنيورة ريما الزهار اللي سابت اليونان ونزلت الزهار عشان خاطر عيون رفعت. يعني حسابه مع رفعت."
رد نجيب:
"ورفعت إيه دخله في كده؟ هو متجوز من الدكتورة بتاعة الوحدة الصحية يعني ريما بالنسبة له كارت محروق. معتقدش يقف قدام فابيو عشانها."
رد رفعت بأستهزاء:
"لأ ممكن يوقف قصاد فابيو ويعمل فيها حامي الحمى وشهم زي المرحوم أبوه ما عمل زمان لما جاكلين طلبت حمايته من باباها اللي كان بيطاردها عشان ترجع اليونان وهي عاجبها مصر وعاوزة تبقى مصرية بأي شكل واتجوزت من هشام عشان كده. بس للأسف القوانين أيامها كانت ضدها، كانت تاخد حق الإقامة بس لكن الجنسية لأ، بسبب القانون اللي كان حتى بيمنع اللي آبائهم مش مصريين من الجنسية. بس للأسف القانون لما اتغير كان رضوان اتحرق وهي سافرت اليونان بعد ما اتطلقت من هشام."
رد نجيب:
"برضو عندي احساس قوي إن رفعت مش هيقف قصاد فابيو."
رد هاشم:
"واضح إن هشام نقح عليك. هو كمان بيدخل رهانات خسرانة. هتشوف. رفعت على راس جدول أعمال فابيو في مصر. ناسي إن كان بينهم حرب باردة قبل كده صحيح انتهت لما ريما سابت رفعت وسافرت لفابيو."
رد نجيب:
"متنساش رفعت لما كان ضابط في البحرية صادر أكتر من عملية لفابيو. ويمكن فابيو أنهى الحرب دي بعد رفعت ما ساب الخدمة في البحرية."
ضحك هاشم ساخراً:
"مين اللي قالك إن رفعت ساب الخدمة في البحرية؟ دي كانت كذبة منه. رفعت لسه في منصبه في البحرية. أنا بنفسي شوفته من ضمن القوات اللي كانت في البحرية."
تفاجئ نجيب وقال برعب:
"قصدك إيه؟ أنت متأكد!"
رد هاشم بثقة:
"متأكد جداً. رفعت خدع الجميع وأولهم فابيو."
.........
بسوهاج
بعد الظهر...
استيقظت زينب من النوم. كانت الغرفة شبه مظلمة. تمطت قائلة:
"هي الساعة كام دلوقتي؟"
مدت يدها آتت بهاتفها وعلمت الوقت. شعرت بجوع قائلة:
"أما أطلب من الروم سيرفيس آكل. أهو منه فطور وغداء."
بالفعل بعد قليل انتهت من وجبتها، ألهت نفسها بين الهاتف والتلفاز، انتظارًا أن يعود رفعت.
رفعت ذاك الهمجي. الطريق بينهم يسير للنهاية. ربما أفضل لها. هي لن تقدر على رؤيته يشتعل بين النيران التي يريد إشعالها انتقاماً للماضي التي جمعت خيوطه من إنعام ومهره التي تعتبر والدتها. رفعت واهم يعتقد أن تلك الأسوار العالية قادرة على حماية من يحبهم و....
قطع تفكير زينب رنين هاتفها. جذبت الهاتف ورأت من يتصل. رغم ذاك الشعور الذي ينهش قلبها من ناحية رفعت، كان هذا الاتصال ربما يخرجها من تلك الحالة. الرد عليه...
بمجرد أن فتحت الخط سمعت من يقول بإستهزاء مرح:
"زوزي أختي المفترية. والله معرفش إزاي هفيتي على بالي وأنا في وقت الراحة. قولت أتصل أغلس عليكِ شوية، أهو أتسلى وأكسر الملل اللي عايش فيه."
ردت عليه بسخط:
"وأيه سبب الملل اللي عايش فيه؟ وظيفة في شركة محترمة بيقبضوك بالدولار."
ضحك مجد قائلاً:
"كفاية الصحرا اللي عايش فيها وسط أصوات البريمات طول اليوم. بس أنا مش متصل عشان أشكي لك همي. أنا متصل عليك عشان أطلب منك فلوسي اللي سبق وقلبتيها مني. دلوقتي انتي متجوزة مليونير وأنا محتاج كل قرش ليا عليك."
ردت زينب:
"سبق وقولتلك السلف تلف والرد خسارة. إنسى فلوس رفعت ماليش دعوه بيها. وبعدين محتاج الفلوس دي ليه؟"
رد مجد:
"محتاج الفلوس دي عشان أكون نفسي وأتقدم رسمي للسندريلا بتاعتي. خلاص بفكر بعد ما تخلص الثانوية أتقدم لها رسمي. أحجزها قبل ما تطير مني."
ردت زينب بأستهزاء:
"يارب تطير منك. يأبني اعقل ده لسه قدامها أقل شيء أربع سنين جامعة."
رد مجد:
"لأ خمس سنين أصلها عاوزة تدخل هندسة زيي غاوية بريمات."
ضحكت زينب قائلة:
"وعرفت منين إنها غاوية بريمات."
رد مجد:
"هو أنا مقولتلكيش إنها بقت من الفريندز عندي عالفيسبوك والإنستجرام. عقبال الواتس وتديني رقمها. مع إن سهل أخده من رامي جوز أختها بس خليها واحدة واحدة كده عالهادي."
ردت زينب:
"عالهادي وإزاي أصلاً بقيتوا أصحاب؟"
رد مجد:
"أبداً، أنا مع رامي في الفريندز عالفيسبوك فدعبست كده في أصدقاؤه لقيت مراته. دعبست وراها لقيت سندريلا ليها صفحة باسمها. هبه. دعبست في صفحتها لقيت عندها شوية اهتمام بهندسة البترول. قولت دي إشارة ربنا ليا. طبعاً كان بينا قبل كده لقاء لما وصلتها واستغليت إني أخوكِ. أول مرة تجيلي مصلحة من وراكِ. علقت لها على بوست كانت عامله له شير من صفحة متخصصة في البترول. جر رجل، لحد ما بقينا نتكلم في مواضيع خاصة بالبترول، وتواصلنا خاص بعيد عن الفيسبوك وهي اللي بعتت لي طلب صداقة. أنا مكنتش مصدق في البداية بس قبلت الصداقة بسرعة لا تكون عملتها بالغلط وتاخد بالها. حطيتها قدام الأمر الواقع."
ردت زينب:
"طب ما هو سهل تديك بلوك يا فالح. اتقل شوية لا تقول عليك أهبل مدلوق وتركبك وتدلدل رجليها."
تبسم مجد:
"ياريت. أنا قابل تدلدل رجليها. أيدها مش مهم عندي غير إن سندريلا تكون من نصيبي. مش شايفة هي قد إيه رقيقة مش زيك صبي بواب."
ردت زينب:
"تصدق إنك واد غبي. أنا أما أرجع للزهار هقولها ده واد تافه وبيغل مني ومعندوش ريحة الأخوة. ده مش راجل تعتمدي عليه. ده آخره يغسلك المواعين."
تبسم مجد يقول:
"لأ وكمان ممكن أخرط لها الملوخية زي عبد المنعم إبراهيم في السكرية وأغني لها. بس قولوا لأمي بس هي اللي تهز. أنا مش بعرف أهز."
ضحكت زينب قائلة:
"انت عندك هزة في عقلك أصلاً. قولي عندك إجازة أمتى؟"
رد مجد:
"مش قبل عشر أيام. متقلقيش هاجي أقضي الإجازة في الزهار أملي عيني بشوفة السندريلا."
ردت زينب:
"أكيد سندريلا هتقلب غوريلا لما تشوفك في الزهار. أهو أكون رجعت من سوهاج أتفرج عليك وهي بتوبخك."
ضحك مجد يقول:
"سندريلا توبخني زي ما هي عايزة. أنا قابل. بس استنى انتي في سوهاج بتعملي إيه؟ لا تكوني اتنقلتي هناك؟ عملتي إيه تاني؟ وفين رفعت إزاي؟"
قاطعته زينب قائلة:
"لأ اطمن متنقلتش لسه من الزهار، بس مش بعيد أتنقل قريب. بس فكرة سوهاج حلوة وبعيدة."
تبسم مجد يقول:
"طالما متنقلتيش طب إيه وداكِ سوهاج؟ رايحة تشتري زغاليل."
تبسمت زينب:
"لأ كله من الهمجي رفعت. جاي يشتري خيل من سوهاج وخدني معاه، غصب. صحيت لقيت نفسي في طيارة."
تعجب مجد قائلاً:
"طيارة! ومجاش لكِ فوبيا ولا رفعت سابك."
ردت زينب:
"لأ خدرني مرة تانية الهمجي."
ضحك مجد وقال بسخرية:
"القوي في اللي أقوى منه. شوفي كنتِ بتفترى وتستقوي عليا. ربنا بعت رفعت يخلص حقي."
ردت زينب:
"حق إيه يا أبو حق؟ كنت استقويت عليك إمتى؟ انت اللي خرع من يومك وهتخرط ملوخية لسندريلا بتاعتك ومش بعيد تقمع باميه وتخليك انت اللي تهز على سلك الكهربا العريان اللي هيمسكهولك لو عصيت أمره بدلقتك دي عليها."
تبسم مجد يقول:
"أنا هبقى راجل حمش زي رفوعة كده وأكح أرعبها. سيبك من الهزار. مفيش نونو كده جاي في السكة عشان ألسعهُ على قفاه؟ أعلم لكِ عليه وأقول له برد جزء اللي المفترية مامتك كانت بتعمله فيا."
ضحكت زينب وسهمت قليلاً. لكن قال مجد:
"خلاص البريك خلص هرجع أكلمك مرة تانية تكون ثبتت الرؤية. نفسي أبقى خال يا زوزي. كل زمايلي هنا بيعايروني بصور ولاد وبنات أخواتهم. أنا كنت بنكسف أقول إني عندي أخت عانس. دلوقتي بغير منهم. إشطري وإسقي رفعت حاجة صفرا. ولا أقولك بلاش. عارفك مالكيش في الأنوثة أصلاً."
أغلق مجد الهاتف قبل أن تسبه زينب. لكن زينب وضعت الهاتف على الفراش ونامت على الفراش، تفكر في قول مجد. طفل... من رفعت. تذكرت ذاك الحلم كانت فتاة وضعت يديها على بطنها تخيلت أن يكون لديها طفل من رفعت. لكن سرعان ما فاقت من ذاك الحلم. أجل حلم. طريقها مع رفعت مُلغم.
بعد الظهر
شعرت زينب بملل وهي جالسة طول الوقت بغرفة الفندق. رفعت بعد مشادتهم المحتدمة مع بعض خرج ولم يعد حتى الآن. سئمت الجلوس بين حيطان تلك الغرفة. شاور عقلها. لما تحبس نفسها بالغرفة؟ لاول مرة تأتي إلى سوهاج، لما لا تنزل تكتشف بها أماكن جديدة عليها. بالفعل بدلت ملابسها وخرجت من الفندق تسير بجوار كورنيش النيل، تأخذها أقدامها. لأول مرة تشعر بالتوهة بعقلها.
......
عصراً
بالفندق.
دخل رفعت إلى الجناح الخاص به. نظر فلم يجد زينب. ذهب باتجاه الحمام. طرق أكثر من مرة على الباب، لكن لا رد. فتح الباب ونظر بالداخل الحمام، هي غير موجودة.
أخرج هاتفه قام بالاتصال عليها، لكن أيضاً لا رد. قام بالاتصال على الاستقبال بالفندق علها تكون طلبت منهم شيئاً أو أخبرتهم بخروجها. لكن كان الرد أنها لم تتصل عليهم أبداً.
إنتابه التفكير والقلق مع طول الوقت وعدم عودتها. أين تكون ذهبت.
في حوالي العاشرة مساءً.
دخلت زينب إلى الجناح. وجدت رفعت يقف يبدو على وجهه الضيق والتهجم. تبسمت بخفاء. لكن هو حين سمع فتح باب الجناح نظر لها بغضب، لكن مع ذلك شعر براحة من عودتها بخير. لكن لابد من معرفة لماذا خرجت من الفندق دون إخباره بذلك ولماذا لم ترد على اتصالاته عليها؟
تحدث رفعت وهو ينظر في ساعة يده:
"الساعة عشرة بالليل. ممكن أعرف المدام خرجت ومقالتش هي رايحة فين وبتصل عليكِ ليه مش بتردي."
ردت زينب ببساطة:
"فوني عاملاه صامت ومسمعتش الرنة. وكنت بتمشي. إنت خرجت الصبح وسيبتني نايمة، وأنا زهقت من القعدة في الأوتيل حسيت إني محبوسة فخرجت أشم هوا."
نظر رفعت لها وهو يسير باتجاه وقوفها وقال بتهكم:
"خرجتي تشمي هوا من قبل العصر والساعة دلوقتي عشرة. مش ملاحظة إنك رجعتي بدري."
رد زينب بأستفزاز:
"فعلاً رجعت بدري. كنت بفكر أركب باخرة في النيل أسهر عليها بس حسيت بشوية صداع. يمكن من اللفة في الطرقات."
ماذا يفعل، ماذا يقول. هو في قمة غيظه. يود الفتك بها. بينما زينب بداخلها تبتسم هي تعلم أنها تستفزه. تنتظر ثورته عليها.
لكن رفعت جذبها من يدها بقوة، ولف يديه حولها يُقيد حركتها وقال:
"ممنوع تخرجي بعد كده من باب الجناح."
ردت زينب:
"ليه هتحبسني؟ أياك... متقدرش."
تبسم رفعت وقال:
"أقدر أحبسك وبلاش تستفزيني عشان متشوفيش وشي التاني."
ضحكة سخرية من زينب أغاظت رفعت، فضم جسدها بقوة بين يديه وقام بتقبيل شفاها بقسوة كبيرة أدمى شفتاها، وليس هذا فقط، سحبها معه للفراش رغم مقاومتها له.
كان رفعت يُقبلها بنهم وعشق. قاومت زينب في البداية وحاولت إبعاده عنها. لكن فجأة استكانت لا تُعطي أي ردة فعل. شعر رفعت بأستكانة زينب فتعجب، ورفع وجهه ونظر لها. وجهها بارد كأنها تقول له لا يهمني ما تفعل ولا أريدك.
تعصب رفعت من برود زينب وذاك الأسلوب الجديد. بالمرات السابقة كانت سريعاً تتجاوب معه. ماذا حدث فجأة؟ جاوب عقله: هي تتلاعب بيك يا رفعت، يكفي هذا.
بالفعل نهض رفعت عنها وترك الفراش ينظر لها بحدة قائلاً:
"اعملي حسابك بكرة عندنا عزومة الغداء، والمسا هنرجع القاهرة."
ردت زينب:
"معزومين عند مين؟ وهنسافر هنرجع للقاهرة إزاي؟"
رد رفعت:
"لو قولتلك عند مين يعني هتعرفيهم. وهنسافر طبعاً بالطيارة."
استقامت على الفراش قائلة:
"بس أنا مش بحب ركوب الطيارات وعندي فوبيا منها. بس عندي حل تاني."
رد رفعت:
"وأيه الحل التاني ده بقى؟"
ردت زينب:
"انت سافر بالطيارة، وأنا أرجع في القطر."
نظر رفعت لها وقال بإستهزاء:
"غريبة الدكتورة زينب السمراوي اللي دخلت بنفسها تواجه تعبان بشراستها عندها فوبيا ركوب الطيارات. عالعموم متقلقيش لسه محتفظ ببقية إزازة البنج، وليا معارف يقدروا يخدموني في أمن المطارات ويسهلوا الأمر عليا زي ما حصل وإحنا جايين."
لم ينتظر رفعت ردها ودخل إلى الحمام. بينما زينب قالت:
"يارب الطيارة توقع وكل اللي فيها ينجوا ما عداك عشان أخلص منك."
تبسم رفعت الذي سمعها وهو بالحمام.
خرج رفعت بعد قليل من الحمام يرتدي مئزر الحمام، تجنب زينب التي تجلس على أحد المقاعد بالغرفة تشاهد أحد الأفلام العربية القديمة. خلع المئزر الذي عليه وألقاه على أحد المقاعد ونحى غطاء الفراش وتسطح عليه. صامتاً.
نظرت له زينب قائلة:
"مش هتتعشى."
رد رفعت:
"لأ مش جعان."
قالت زينب:
"بس أنا جعانة."
تنهد رفعت قائلاً:
"ليه مكملتيش سهر ودخلتي أي مطعم اتعشيتي فيه؟"
ردت زينب:
"أنا فعلاً كنت أكلت سندوتشات وأنا راجعة، بس معرفش ليه جوعت تاني. أكيد من السكر. مريض السكر بيجوع بسرعة. أنا طلبت عشا من الروم سيرفيس وطلبت لك معايا."
رد رفعت وهو يغمض عيناه:
"لأ أنا مش جعان، صحة وهنا على قلبك."
شعرت زينب بنبرة تهكم في رد رفعت فقالت له:
"أحسن برضه توفر أكلك أكلة أنا، وكده كده هينضاف تمن العشا في فاتورة الأوتيل عليك."
رد رفعت:
"لأ اطمني الأوتيل ده العشا والفطور مجاني. تصبحى على خير، بلاش تتقلي في العشا لتحلمي بكوابيس."
ردت زينب:
"هو فيه كابوس أسوأ من وجودك في حياتي."
تبسم رفعت. لا يعرف أي شعور يطغى عليه مع تلك الشرسة ما بين الشد والجذب. العشق والجنون.
....
بظهيرة اليوم التالي
بمنزل صفوان المنسي
وضعت فادية طعام الغداء على طاولة أرضية. التفت كل من ليلى وجوارها نعمان، وجواره جلست هبه جوار صفوان. قبل أن تجلس فادية تشاركهم الطعام، سمعوا رنين جرس الباب.
نهضت هبه قائلة:
"هروح أفتح أشوف مين اللي حماته بتحبه."
فتحت هبه الباب وعادت مرة أخرى. خلفها مروة تبتسمان. قال نعمان بترحيب:
"متأكد لو مامي رامي عايشة كانت هتحبك يا مروة. ظابطة وقتك على الغدا يلا اقعدي اتغدي. دي فادية طول عمرها طعم طبيخها كان يجنن. المرحومة أمي كانت تقول عليها فادية ليها نفس في الطبيخ، حتى الميه من تحت إيدها ليها طعم تاني."
تبسمت مروة وجلست أرضاً جوارهم تتناول الغداء وسط جو من الألفة بين نعمان وبنات أخته. كان صفوان شبه منعزل بالحديث، يستمع لأقوالهم. بداخله يتحسر كيف لم يدرك تلك النعمة التي بين يديه. زوجة وبنات من صلبه هو ولا يتحدثون معه بتلك الطريقة الرحبة كما يتحدثون مع نعمان الآتي تعرفن عليه من أيام معدودة كأنهن بناته. هو حتى فادية زوجته الجميلة التي عادت لصباها مرة أخرى ونسيت تعب تلك السنوات الماضية عادت تتفتح مرة أخرى. ماذا وجدوا بنعمان... لم يجدوه معه. تفكر؟
أنت تعلم ما هو هذا الشيء.... السند. أجل السند يقوي الإنسان. أنت لم تكن يوماً سنداً. لا لبناتك وقبلهم لم تكن سند لزوجتك. تركتها تشق معهن الحياة وحدها. كانوا يساعدونها منذ صغرهن سواء بأعمال المنزل أو حتى تدبير مصاريفهن. أنت مجرد اسم على ورق يخلف اسم هن فقط. لكن السند ظهر لهن برجل كان تائه بالغربة وعاد لوطنه يبحث عن ذاته ووجدها بسهولة بهؤلاء الفتيات ومعهن أمهن. فتياته اللاتي تتدللن على نعمان ويضعن الطعام أمامه يطلبن منه رأيه بما فعلن وهن يساعدن أمهن بالطهي قبل قليل.
لكن لاحظت ليلى عدم تناوله للطعام وقالت:
"بابا ليه مش بتاكل؟ إحنا طبخنا الطبيخ اللي بتحبه. ماما قالت إنك بتحب الفراخ البلدي، أهى يا بابا إنها اللي اتوليت مسئوليتها من الدبح لحد هنا عالسفرة. عملتها مخصوص عشانك وكمان الفاصوليا. هي صحيح طرية شوية بس تعدي. قول لي كلمة حلوة بقى."
قالت ليلى هذا ووضعت الطعام أمام صفوان، الذي تبسم لها وقال:
"تسلم إيدك يا لولا."
تبسمت له ليلى وقالت:
"صحة وهنا يا بابا."
بعد قليل انتهوا من تناول الغداء وسط جو أسري بسيط.
تحدثت فادية قائلة:
"يلا يا بنات قوموا معايا نشيل السفرة وواحدة تعمل الشاي."
تبسمن ونهضن معها، لكن ظلت مروة تجلس مع خالها وصفوان الذي صدح صوت هاتفه، فنهض يرى من يتصل عليه. ذهب لمكان الهاتف ونظر له تعجب حين رأى اسم من يتصل عليه. لابد أن عيناه لا ترى جيداً. تمعن بالاسم مرة أخرى ليتأكد من الاسم... هاشم الزهار!
ماذا يريد منه؟
بينما ظلت مروة جالسة مع نعمان الذي تبسم لها قائلاً:
"فين رامي مجاش ليه معاكِ؟"
تبسمت مروة قائلة:
"رامي في إسطبل الخيل بيدرب مهرة. أنا لوحدي في السرايا حسيت بملل قولت أجي. واتصلت عليه وهو هيجي المسا ياخدني."
تبسم نعمان قائلاً:
"وأخباره معاكِ إيه؟"
ردت مروة بتنهيدة:
"رامي بيعاملني كويس جداً... بس ساعات بحس إن في شيء هيحصل هينغص علينا السعادة دي؟"
تعجب نعمان:
"وليه تفترضي السوء؟ أنا عرفت إن رامي بيحبك من زمان وانتِ اللي كنتي مغلباه معاكِ."
تبسمت مروة تقول:
"ليلى اللي قالت لك صح؟"
تبسم نعمان على دخول ليلى بصينية عليها أكواب الشاي تقول:
"قصدك إني فتانه."
تبسمت مروة لها وقالت:
"مش قصدي. بس ليه مروحتيش للجامعة النهارده."
ردت ليلى:
"مكنش عندي الا محاضرة واحدة وماليش مزاج أحضرها. الدكتور بتاع المادة غلس."
تبسمت مروة وقالت:
"هو مش وسيم الشامي ابن أخت عمتي مهره بيدرسلك في الجامعة."
ردت ليلى التي شعرت بنغزة في قلبها لا تعرف سببها:
"أيوا، بتسألي عليه ليه؟"
ردت مروة دون انتباه منها:
"أصلي سمعت إنه هيخطب أخت البومة ريما، اللي اسمها لمى. بس خالته مش موافقة على الخطوبة دي ومستنية رجوع رفعت من سوهاج عشان يقنعه أنه يعدل عن خطوبة البت دي. أنا بصراحة موفقاها جداً. أكيد هي نسخة كربون من أختها البومة اللي قاعدة عندنا في السرايا. والله نفسى أطردها بس هي فارضة نفسها إنها واحدة من عيلة الزهار. تلاقي أختها زيها رمت شباكها على وسيم. بس تيتا انعام قالت لـ عمتي مهره، رفعت الوحيد اللي يقدر يرجع وسيم عن الخطوبة دي. هو اتجوز أختها قبل كده وعارف مساوئهم."
فجأة اختلت يد ليلى ووقع من يدها كوب الشاي التي كانت تناوله لـ نعمان. لحسن الحظ أنه وقع منها على الأرض. تحججت ليلى بسبب وقوع الكوب من يدها بأنه كان ساخن جداً على يدها.
وقالت:
"هدخل أغير هدومي عشان ألحق ميعاد ورديتي في الصيدلية."
قالت ليلى هذا ودخلت إلى الغرفة سريعاً. حاولت ليلى كبت دموعها وذاك الشعور الذي يؤلم بقلبها. وبدلت ملابسها.
لكن نعمان لاحظ سأم وجه ليلى. شعر بقلبها الذي صدم. حزن من أجلها. هو رأى نظرات ليلى ووسيم لبعضهم. لمرتين. المرة الأولى وقت أن دافع وسيم عنها ليلة ذاك المتسكع. المرة الثانية باليوم التالي لتلك الليلة أثناء إعطائهم أقوالهم بالقسم. وسيم يبدو بوضوح لديه مشاعر تجاه ليلى. ليلى هي الأخرى كانت تتهرب من النظر إليه في المرتين. لماذا انتهت تلك القصة باكراً. هنالك جزء مفقود بالقصة جعلها لم تكتمل. وسيم... ابن صديقه القديم وخالته هي مهره. هو توقع أن يعيد هو وليلى قصة حب أخرى. لكن يبدو أنه كان مخطئ، وربما حدوث هذا من البداية أفضل للاثنين.
بعد قليل خرجت من الغرفة قائلة:
"هروح أنا بقى أستلم ورديتي بالصيدلية. أنا اتأخرت."
نهض نعمان يقول:
"خديني معاكِ عندي مشوار مهم."
تبسمت مروة قائلة:
"مشوار مهم ولا أكيد مليت من رغيي."
انحنى نعمان يقبل رأس مروة قائلاً:
"أنا أطول أقعد مع أحلى رغايه، حبيبة خالو. هرجعلك تاني، عندي معاد مع واحد سمسار قولت له عارض عليا حتة هروح أقابله وأشوفها إن كانت مناسبة هشتريها. وهراجع تاني هنا. أوعي تمشي قبل ما أرجع."
تبسمت مروة قائلة:
"ربنا يوفقك يا خالو، أكيد هستناك."
رسمت ليلى بسمة وخرجت هي ونعمان، يسيران بالبلدة.
اقترب نعمان من ليلى الذي يشعر بألم قلبها وقال:
"لولا هي امتحانات آخر السنة مش قربت خلاص المفروض تبطلي تشتغلي الفترة دي على الأقل عشان تركزى وكمان تواظبي على حضور المحاضرات النهائية دي بتبقى زي مراجعة للمنهج."
ردت ليلى:
"فعلا المحاضرات الأخيرة بتبقى زي مراجعة للمنهج. أنا بحضر معظم المحاضرات دي، بس محاضرة النهارده مكنش ليها لازمة حضورها، زي ما قولت لـ مروة دكتور غلس، ومش هستفاد منه. وإن كان على شغلي في الصيدلية، مش هيعطلني عن المذاكرة. أنا باخد الكتب معايا بذاكر في وقت الفضا."
تبسم نعمان يقول:
"ولو قولتلك عشان خاطري تبطلي شغل في الصيدلية، وأنا هتكفل بكل مصاريفك انتي وهبه. أنتم بناتي، مش بمن عليكم. كفاية هالة كانت بتحوش الفلوس اللي كنت بحولها لها عشانها، فوجئت بها بتقولي إنها عملت دفتر توفير باسمي والدفتر اللي كنت ببعتها ليها كانت بتحطها في الدفتر. فادية تعبت قوي وهي بتربيكم وأنتم كمان كنتم بتساعدوها، وآ آن الأوان ترتاحوا كلكم بقى."
تبسمت ليلى قائلة:
"أنا بحبك يا خالي. ياريتك كنت رجعت زمان. فعلا ماما تعبت قوي في تربيتنا، والسبب بابا اللي عمره ما ساعدها ولا حتى بكلمة حلوة تهون عليها تعبها."
تبسم نعمان بغصة في قلبه. مع الوقت يندم أكثر على طول مدة غيابه، لكن آن الأوان يستعيد مكانه ومكانتهُ.
في ذلك الأثناء
كان ذاك الوغد هاشم يسير بالسيارة وكاد يدهس ليلى، لكن نعمان جذبها سريعاً من أمام السيارة ونظر باحتقار لهاشم ومسك يد ليلى وسار معها دون أن يشتبك مع هاشم. ليس خوفاً بل تجنباً لصدام ليس وقته. هو متأكد أن هاشم قصد ذلك عنوة منه. لفت انتباه له لا أكثر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باليوم التالي عقب الظهر.
دخل رفعت بصحبة زينب إلى السرايا. تبسمت لهم الخادمة وهي ترحب بهما ببهو السرايا وأخذت الحقائب قائلة:
"رفعت بيه في ضيف مستني حضرتك في الصالون الكبير."
رد رفعت بإستعلام:
"مين الضيف ده؟"
ردت الخادمة:
"معرفوش. أول مرة أشوفه، وحتى لغته غريبة. بالعافية على ما فهمت منه كلمتين."
رد رفعت:
"والحرس اللي عالبوابة إزاي سابوه يدخل للسرايا. تمام خدي الشنط وأنا هروح أشوف مين الضيف ده، وبعدها ليا حساب مع الحرس اللي عالبوابة."
غادرت الخادمة، لكن بنفس الوقت آتى اتصال هاتفي لـ رفعت. أخرج هاتفه ورأى من يتصل عليه. نظر لـ زينب قائلاً:
"دي عمتي مهره. هرد عليها في الجنينة الشبكة أقوى عن هنا."
خرج رفعت إلى حديقة السرايا. لكن... كالعادة تحكم بزينب الفضول وذهبت إلى غرفة الصالون تستعلم من ذاك الضيف. تفاجئت بشاب بعمر رفعت أو أكبر قليلاً، يبدو من ملامحه أنه... أجنبي.
نهض من مجلسهُ مبتسماً، ونظر لها بإعجاب فهو توقع أن تكون زوجة رفعت ليست بهذا الجمال. اقترب منها ومد يدهُ كى يُصافحها قائلاً بلكنة أجنبية:
"سيدتي."
شعرت زينب بالحرج من مد يدهُ لها. بتلقائية مدت له يدها، لكن ذُهلت حين أحنى رأسه على يدها وكان سيُقبلها لولا وضع رفعت الذي دخل للتو يده على ظهر يد زينب مما جعل الآخر يُقبل يدهُ بدلاً من يد زينب. زينب التي شعرت بضغط يد رفعت فوق يدها بقوة وهو ينظر لها بوعيد. بينما قال باليونانية:
"أهلاً بك سيد.... فابيو. تستطيع أخذ أمانتك وترحل عن هنا دون معارضة مني."
نادى رفعت على إحدى الخادمات التي لبت نداؤه سريعاً:
"قائلة: تحت أمرك يا رفعت بيه."
تحدث رفعت:
"روحي لأوضة مدام ريما قولي لها في ضيف عشانها بالسرايا."
ردت الخادمة:
"بس مدام ريما مش في السرايا، دي خرجت من الصبح وقالت هتروح بيت هاشم بيه عمها، وهترجع المسا."
رد هاشم:
"تمام روحي انتي شوفي شغلك."
نظر رفعت لـ فابيو وقال باليونانية:
"للأسف ريما ليست هنا. هي بمنزل هاشم الزهار. سأرسل معك سائق خاص يدلك على المنزل. بإمكانك أخذها من هناك وسأبعث كل ما يخصها هنا إلى هناك. تقدر تتفضل معايا لحد باب السرايا."
شعر فابيو بلهجة رفعت الصارمة وأيضاً بنظرة الغيرة منه حين كاد يُقبل يد زوجته. فحاول استفزازه، ومد يده بناحية زينب قائلاً:
"تشرفت برؤيتك سيدتي."
نظرت زينب لرفعت أولاً، ثم ليد فابيو الممدودة لها. شعرت باشمئزاز من نظرات ذاك الوقح ووقفت خلف رفعت بتلقائية منها كأنها تختفي عن نظر ذاك الوغد.
تبسم رفعت، بينما شعر فابيو بالإهانة لعدم مصافحتها له.
.........
تفتكروا زوزي لما قابلت يونس وبنت السلطان عملت إيه؟
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سعاد محمد سلامة
الأخوة سند، مهما طال الغياب ها هو يعود يُرجع لها الشعور بالأمان التي افتقدته لسنوات. كانت تخاف حتى وهي بكنف زوجها الذي لم يشعرها معه يوماً بالأمان.
تبسم نعمان وهو يرى فادية تدخل عليه بصنية عليها كوبان من الشاي وجوارهما قطع من الكيك.
تبسمت له فادية قائلة: عملت لك كيكة البرتقال زي اللي أمي زمان كانت بتعملها لنا في الأعياد.
تبسم نعمان بغصة في قلبه، تذكر وفاة والدته وهو بالغربة. لم يستطع النزول لمصر وقتها وآخذ عزاءها. كم هو ألم بقلبه ما زال مرافق له، حتى الوداع الأخير له مع أمه حُرم منه قهراً. حاول نعمان مداراة تلك الدمعة بعينيه وقال: فين البنات؟
ردت فادية: ليلى راحت الصيدلية وهبة زمانها على وصول من الدرس.
تبسم نعمان يقول: هي مش امتحانات ليلى خلاص قربت، المفروض تركز في دروسها ومالوش لازمة شغلها في الصيدلية ده، وكما أوقات بتتأخر والسكك مبقتش أمان.
تنهدت فادية قائلة: والله بيفضل قلبي ملهوف عليها لحد ما ترجع بالليل. وقولت لها طالما خلاص امتحاناتك قربت، بلاش تشتغلي الفترة دي. خذي إجازة لحد ما تخلصي امتحاناتك والحمد لله معايا قرشين من بقية الجمعية اللي مروة كانت عاملاها. رامي ربنا يستره ما كلفناش حاجة خالص في الجهاز.
تبسم نعمان يقول: أنا زعلان منك يا فادية. ليه اشتغلتي وبهدلتي نفسك أنتِ وبناتك؟ ليه ما كنتيش بتصرفي من الفلوس اللي كنت بحولها لكِ.
شعرت فادية بالخجل قائلة: دي كانت فلوس غربتك يا أخويا ودول كانوا بناتي وأنا ملزمة بيهم. أنت كنت في غربة وعاوزني أصرف فلوسك؟ ولما تنزل متلاقيش حاجة تعيش منها.
تبسم نعمان بغصة قائلاً: الفلوس دي كنت ببعتها مصاريفك يا فادية. أنا كان معايا غيرها الحمد لله، ربنا كان رزقه عليّ واسع، بفضل دعوات أمي... ووقف لي أولاد الحلال في الغربة. حتى لما رجعت لهنا ربنا كمان وقف لي أولاد الحلال. عارفة الأرض اللي زمان كنا بنأجرها ونزرعها، ابن صاحبها الله يرحمه مالوش في الزراعة وكان عارضها للبيع وخلاص. ربنا كرمني واشتريتها وناوي أهد البيت القديم بتاعنا وأبني بيت كبير شوية. الأرض هعمل مزرعة شتلات للزهور صغيرة على قدي كده أسترزق منها وأشغل نفسي بدل الفضا.
تبسمت فادية بفرحة: مزرعة صغيرة؟ دي أرض تيجي على تلات فدادين وأكثر. ربنا يرزقك يا أخويا. طول عمرك كنت بتحب الزرع والخضار. أنا فاكرة الشتلات اللي كنت بتشتلها فوق سطوح بيتنا، وكنت بتبيعها جنب وظيفتك الحكومية. على فكرة وظيفتك لسه مستنياك، أنا كنت بدفع لك كل سنة تمن الإجازة للحكومة. قولت الزمن مش مضمون ممكن تحتاج لمعاشك منها في يوم.
تبسم نعمان يضم فادية قائلاً: ظلمتك يا فادية لما سبتك أنتِ وأمي زمان وهجيت من البلد شريد. كان لازم أقاوم علشان خاطرك، بس وقتها كنت ضعيف. حتى صفوان كمان كان ندل، بدل ما يصون الجوهرة اللي في إيده والنِعم اللي ربنا أنعم عليه بيها، رفضها برجله. متأكد ربنا يعوضك في النهاية في بناتك وتفرحي بيهم. ومن النهارده خلاص أنتِ وبناتك ملزمين مني وليلى معدتش تشتغل وتركز في مذاكراتها، حتى هبة متحمليش هم مصاريفها وأنتِ كمان خلاص ممنوع تلفي على البيوت تاني تبيعي أو تشتري طيور. خلاص زمن الشقاء انتهى.
***
خرج رفعت مع فابيو وأوصله لإحدى السيارات وأمر السائق بإيصاله إلى أمام منزل هاشم الزهار.
ثم توجه إلى مكان الحرس خلف بوابة السرايا. وقف مع قائد الحرس قائلاً بحسم: سبق وقلت محدش يدخل غريب للسرايا بدون إذن مني أو من رامي. مين اللي سمح بدخول الشخص ده من بوابة السرايا؟
رد قائد الحرس: مش أنا يا أفندم. ده دخل في المناوبة السابقة. وأنا لما عرفت فوراً عاقبت الحارس اللي سمح بدخوله واستغنيت عنه.
رد رفعت: تمام. والحارس ده فين لو لسه هنا؟ ابعته ليا المكتب كمان نص ساعة، عاوزة أتكلم معاه قبل ما يمشي من هنا.
أومأ له قائد الحرس بموافقة قائلاً: تمام حضرتك. هو كان في سكن الحراس بيلم متعلقاته، هبلغه يجي لحضرتك.
ترك رفعت الحرس وعاد يدخل إلى السرايا. ذهب إلى غرفة الصالون، لكن لم يجد زينب بها. نادى على إحدى الخادمات التي لبت نداؤه سريعاً: قال بسؤال: فين الدكتورة؟
ردت عليه: الدكتورة طلعت لأوضتها.
رد رفعت: تمام، روحي شوفي شغلك.
بينما دخلت زينب إلى غرفتها بالسرايا، شعرت بإرهاق. شعرت بحرارة الطقس. خلعت عنها جاكيت البذلة النسائية التي كانت ترتديها، وفتحت أزرار بلوزتها التي كانت أسفله. شعرت ببعض الإرهاق، نامت بظهرها على الفراش قائلة: منك لله يا همجي. حاسة إني عاوزة أنام مقومش من على السرير. كل ده بسبب البنج اللي كل شوية ترشه في وشي. نفسي أديك منه بختين أنيمك يوم بطوله أرتاح من شوفة وشك. يا همجي.
رغم غيظ رفعت من فضول زينب، لكن حين فتح باب الغرفة الخاصة بها وسمعها تبسم قائلاً: للأسف أمنيتك مش هتحقق يا دكتورة، مش هترتاحي من وشي.
انخضت زينب ونهضت جالسة على الفراش تزم طرفي كنزتها تغلقها على جسدها قائلة: فعلاً همجي. مفيش مرة تخبط على الباب قبل ما تدخل. وبعدين داخل أوضتي ليه دلوقتي.
تبسم ساخرًا رفعت ليس فقط من قولها بل إغلاقها لملابسها وقال: سبق وقلت إنك مراتي وأدخل أوضتك بدون استئذان عادي. بس ده مش موضوعنا دلوقتي. أنا جاي أسألك ليه سمحتي لفابيو إنه كان هيبوس إيدك من شوية.
ردت زينب: مين فابيو؟ آه ضيفك اللي كان في الصالون. وسأل على البومة ريما. عادي هو مد إيده يسلم عليا، وأنا مديت له إيدي عادي زي أي شخص بسلم عليه. بس هو فاجئني وكان هيبوس إيدي، لو ما كنتش أنت حطيت إيدك فوق إيدي. شكله جينتل مان.
سخر رفعت قائلاً: جينتل؟ جينتل إيه.
أكدت زينب قولها له بأغاظة: جينتل مان.
اقترب رفعت من مكان جلوس زينب على الفراش وشدها من معصم يدها لتقف أمامه وقال بعصبية: اللي يسمعك يقول كنتِ مبسوطة وهو بيوطى عشان يبوس إيدك وكان نفسك يبوسها.
حاولت زينب سلت معصم يدها من يد رفعت وقالت له: سيب إيدي. وبعدين أنا لا مبسوطة ولا مضايقة. وإنت إيه اللي يضايقك في كده؟
ضغط رفعت على معصم يد زينب بقوة، لو سحقه من فرط الغيرة اللي شعر بها، من نظر ذاك الحقير لزينب. لكن زينب شعرت بوجع معصمها وقالت له: رفعت سيب إيدي.
نظر رفعت لزينب ودون سابق إنذار ترك يدها ودفعها لتقع على الفراش خلفها. وقبل أن تنهض كان يجثو بجسده فوق جسدها، يلتهم شفاها في قبلات متملكة. لكن زينب شعرت بالاختناق ودفعته بيديها كي يبتعد عنها. لكن كان غياهب عقله يود أن يُمحى عقله. لمسة يد فابيو ليد زينب. ترك شفاها لكن ما زال فوقها. نظر لوجهها وهي تلهث تلتقط أنفاسها. تنظر عيناها له وقالت بنهجان: حقير همجي. ابعد عني خلاص بقيت بكرهك متقربش مني تاني. وإيه اللي يضايقك إني أتكلم مع فابيو أو حتى يبوس إيدي. إنت أكدت لي إنك حيوان فعلاً وكل اللي في دماغك السيطرة على اللي حواليك. بس أنا خلاص يا رفعت كرهت السيطرة دي. ومش هسمح لك إنك تمنعني من الخروج من السرايا. وهرجع من بكرة لشغلي في الوحدة وتأكد في أقرب وقت هسيب لك الزهار وألعن فيها براحتك. المهم تولع وأنا بعيد.
نهض رفعت من فوق زينب ينظر لها ببغض ليس لها بل لنفسه، بسبب ضعفه أمامها وغيرته حين لمس فابيو يدها. خرج رفعت دون حديث صارخاً خلفه باب الغرفة. وقف يتكئ على حائط الغرفة يشعر بنيران بجسده، نيران قوية. زينب أصبحت توعد بالرحيل. كانت سابقاً تهدد أما الآن توعد. يؤلمه هذا الوعيد. لا يريدها أن تبتعد عنه. أيعود للغرفة، ويطلب منها عدم قولها مرة أخرى أنها ستغادر وتتركه. لن يقدر على ذلك بداخله نار قوية تنهشه. نار أقوى من نار الانتقام اللي في عقله. هو حائر بين قلبه اللي يريد زينب فقط بعيد عن أي انتقام وعقله اللي يريد القصاص لحريق الماضي اللي ما زالت نيرانه مشتعلة أمام عيناه.
هل نيران العشق أقوى من نيران الماضي؟ لا. زينب توعد بالرحيل. لترحل وتبتعد عن تلك النيران التي يشعر أنه اقترب إشعالها.
بينما زينب بداخل الغرفة ما زالت نائمة على الفراش. قلبها مشتعل من ذاك الهمجي. تود إنقاذه من تلك النيران، لكن هو مع الوقت يتجه إليها بخطوات سريعة. تذكرت بالأمس حين عزفت عن قولها له أنها ستترك العمل بالزهار وتظل بها من أجل رفعت. كان ذلك بعد أن ذهبت برفقته إلى ذاك الغداء.
***
*** فسحة الذاكرة ***
بسوهاج بحوالي الواحدة والنصف ظهراً بالدوار. استقبل محسن رفعت الذي كان يمسك بكف يد زينب. دخل محسن بهم إلى غرفة الضيوف. وجدوا باستقبالهم امرأة شابة في أواخر العقد الرابع من عمرها، لكن من يراها يجزم أنها لم تتم الخامسة والثلاثين. ورجل كهل يبدو عليه أيضاً الاحترام والهيبة.
تبسمت لهم رشيدة مرحبة تقول: أهلاً بكم في بيتنا المتواضع.
ترك رفعت يد زينب ومدها ليصافح يونس مبتسماً.
تحدث يونس بحفاوه: أهلاً بكم في بلدنا. مش بس بلدنا اللي نورت، سوهاج كلها نورت.
تبسم رفعت: سوهاج منورة بأهلها وبحضرتك.
تبسمت رشيدة قائلة: هنضيع الوقت في الترحيب؟ خلونا نتغدى الأول. الغدا جاهز وكمان يكون بعدها الكلام وإحنا بينا عيش وملح. اتفضلي يا.....؟
رد رفعت: مراتي. دكتورة زينب.
تبسمت رشيدة قائلة: أهلاً وسهلاً يا دكتورة. اتفضلوا، ندخل أوضة السفرة.
بالفعل دخلوا إلى غرفة السفرة كانت عامرة بأفضل الأطعمة. لاحظت رشيدة أن زينب لم تأكل أي نوع من أنواع اللحوم. تبسمت قائلة: واضح إن الدكتورة بندارية. اطمني يا دكتورة كل اللحوم اللي على السفرة دي تربية بيتي يعني لا متهرملة ولا واخدة علاجات قد كده. وكمان طبيخ إيدي أنا وأمي نرچس اللي تبجى حماتي. بس هي نعست من شوية بتاخد تجيليها.
تبسمت زينب قائلة: هو واضح جداً إن الطبيخ شهي جداً. بس أنا للأسف مش باكل أي نوع لحوم من صغري. كانت بتسبب لي قرحة في المعدة فبطلتها من وقتها.
تبسمت رشيدة تقول: فعلاً الواحد طبيب نفسه واللي يضره ما ياكلوش. صحة وهنا يا دكتورة.
تبسمت زينب وعادت تأكل تشعر بالألفة تجاه هذه السيدة التي تبدو شخصيتها قوية.
بعد قليل انتهى الغداء. نهضوا من أمام طاولة السفرة ودخلوا إلى غرفة الضيوف بالدوار. لكن سرعان ما قال حسين: إيه رأيك يا رفعت بيه نسيب الدكتورة شوية ونروح للأسطبل معايا.
تبسم رفعت بموافقة ونهض وغادر مع حسين. استأذن يونس هو الآخر بسبب ذاك الاتصال الهاتفي الذي أتاه.
ظلت زينب ورشيدة فقط. كانت زينب مبتسمة تتحدث مع رشيدة التي تجذبها للحديث. في البداية كانت زينب ترد باقتضاب، لكن مع الحديث الهادئ والودي. لكن لا تعرف سبب لذاك الشعور التي شعرت به حين دخلت إحدى الخادمات بالدوار بتلك الصغيرة الباكية. التي أعطتها لرشيدة التي أخذتهما منه بمجرد أن حملتها صمتت الصغيرة.
تبسمت رشيدة على نظرة عين زينب، وقالت: متزوجة من إمتى؟
ردت زينب: مش كتير من حوالي شهرين كده. بس حاسة إنهم قرنين من الزمن.
تبسمت رشيدة قائلة: ليه بس مع إن شكل رفعت بيحبك. لاحظت ده وإحنا على الغدا. من نظراته لكِ.
ردت زينب: الهمجي ده يحب؟ ده كل هدفه في الحياة السيطرة. أنا ارتحت لحضرتك. هقولك بصراحة. أنا اتجوزته بالغصب. خطف ماما وساومني.
تبسمت رشيدة قائلة بذهول: خطف مامتك؟ معقول. أنا متأكدة إنه بيحبك، وبيحبك جداً كمان. وأنتِ كمان بتحبيه بس بتكابري.
تبسمت زينب... قالت رشيدة... يعني أنا صح بتحبيه وبتكابري؟ تعرفي إني كنت زيك كده في يوم من الأيام.
تبسمت زينب قائلة: بس واضح جداً إن فيه تفاهم بينك وبين زوج حضرتك. إنما أنا والهمجي مفيش حاجة بنتفق عليها غير الخناق. عاملين زي القط والفار. حتى أنا بفكر في أخلعه الفترة الجاية.
ذهلت رشيدة وابتسمت قائلة: تخلعيه! طب ليه بعيد الشر. راجعي نفسك. أنا كنت في يوم من الأيام بس في لحظة العشق هو اللي فاز ونحيت الكبر. وقبلت بيونس وحطيت إيدي في إيده وغيرنا بحبنا كل شيء حوالينا ومرينا بظروف صعبة وقدرنا نتخطاها. وإحنا مع بعض. حتى تربية أولادنا ربينا ست شباب.
نظرت لها زينب قائلة بذهول: ست أولاد! حضرتك عندك ست أولاد غير البنت اللي معاكي دي؟
ضحكت رشيدة: البنت دي حفيدتي الأولى. حتى اسمها على اسمي أنا ومامتها. مامتها كمان اسمها رشيدة تبقى بنت ابن عمي.
تعجبت زينب قائلة: حفيدتك كمان! حضرتك أكيد اتجوزتي صغيرة. وبعدين أنا........صمتت زينب. ماذا تقول؟ إنها قد لا تُنجب. لا تعرف لما لديها هذا الهاجس منذ أن سمعت قول ذاك الوغد سميح ووالدته. وأيضاً لا تعرف سبب لذاك الشعور الذي بدأ يتوغل لقلبها. تريد أن تصبح أمًا. سابقاً لم يكن يهفو عليها ذاك الشعور.
نظرت رشيدة لها قائلة: إيه رأيك تشيلي رشيدة الهلالي شوية تتعرفوا على بعض.
تبسمت زينب وأخذت الطفلة من يد رشيدة وحملتها. في البداية بكت الصغيرة لكن زينب هدهدتها وشغلتها باللعب. امتثلت لها الصغيرة وصمتت تتقبل منها المزاح.
تبسمت رشيدة قائلة: ما قولتيليش إنتِ دكتورة تخصصك إيه.
تبسمت زينب: تخصصي جراحة.
تبسمت رشيدة وقالت: دكتورة جراحة؟ تعرفي إنك متناقضة مع مهنتك. شكلك بتستسلمي بسرعة. المفروض يكون عندك طول بال وتحاولي بدل المرة اتنين وتلاتة. وأكيد هتوصلى لهدفك. هدفك... قلب رفعت. ووصلتي له زي ما أنا شايفه. بس لسه عقله. لو الدكتور فقد الأمل في المريض واستسلم من أول محاولة عمره ما هيقدر يعالج المريض. أكيد الأمل اللي عند الطبيب هو اللي ممكن يجبر المريض إنه يستسلم ويتجاوب للعلاج.
فهمت زينب قول رشيدة وتبسمت. هي لن تستسلم وستبقى. لكن ستجعل ذاك الهمجي يجن أولاً حتى لو بالتهديد الكاذب أنها ستترك الزهار بسببه.
***
... مساءً بغرفة الفندق. جلست زينب على الفراش مُلثمة. تفاجئ رفعت حين خرج من الحمام ورأها ملثمة وقال: متلثمة زي الحرامية وقطاعين الطرق كده ليه.
صمتت زينب وهي تنظر له.
عاود رفعت الحديث قائلاً: متلثمة كده ليه؟ خلاص نويتي تطلعي تشتغلي مع المطاريد في الجبل.
صمتت زينب أيضاً تنظر لسخريته منها.
تبسم رفعت وجلس جوارها على الفراش وحاول فك التلثيمة من على وجهها لكن زينب منعته قائلة: عاوز إيه؟
رد رفعت ببسمة: عاوز أعرف ليه متلثمة زي الحرامية وقطاعين الطرق.
ردت زينب من أسفل التلثيمة: نويت أتنقب. ربنا يتقبل مني التوبة. وجه المرأة عورة.
ضحك رفعت قائلاً بتكرار: تتوبي ووجه المرأة عورة؟ عورة على جوزها في أي شرع ده ومن إمتى.
ردت زينب بغيظ: أيوه، من دلوقتي طالما هننفصل قريب، يبقى الأفضل أني أتنقب قدامك.
مد رفعت يده على وجه زينب يفك التلثيمة وقال بضيق: بطلي نغمة إننا هننفصل دي، وفكي التلثيمة دي، ويلا قومي غيري هدومك دي عشان نلحق الطيارة. وبعدين اللي ناويه تتنقب، بتلبس النقاب على لبس حشمة مش على بيجامة بنص كم مبينة نص إيدها وشورت لنص رجليها.
ردت زينب: دي برمودا مش شورت ومالكش فيه. أنا من الآخر مش هسافر معاك في الطيارة. غور لوحدك وأنا خلاص اتصلت على محطة القطر وحجزت تذكرة لقطر الساعة خمسة الفجر.
تبسم رفعت يقول: خمسة الفجر نكون في القاهرة بنستعد نرجع للزهار تاني. يلا قومي غيري، هدومك الطيارة فاضل عليها ساعة يا دوب نوصل المطار.
ردت زينب: قولت لك مش هسافر بالطيارة خلاص. سافر براحتك وأنا كمان هرجع بالقطر وأهو كمان فرصة معايا وقت أشوف سوهاج. بصراحة عجبتني وناوية أطلب نقلي لهنا وبالذات لبلدة الست رشيدة دي. شوفت واحنا ماشيين فيها وحدة صحية شكلها شغالة. مش هحتاج أطلب من حد ما يسواش معونات.
تبسم رفعت يقول: قصدك بمين اللي ما يسواش. على العموم أمر نقلك ده نبقى نشوفه بعدين. دلوقتي شيلي التلثيمة اللي على وشك دي وقومي غيري هدومك. ولا مكسوفة مني؟ عادي يعني.
ردت زينب: أنا مش هركب طيارة يا رفعت وده آخر قرار عندي.
تبسم رفعت وقال: طب فكي التلثيمة وأنتِ بتتكلمي. ولا خايفة......؟
قاطعته زينب: خايفة من إيه.
تبسم رفعت يقول: خايفة أبنجك. عشان كده متلثمة.
ردت زينب: أنا مبخافش على فكرة وأتلثم براحتي. ودلوقتي أنا هنام وبلاش تأخر نفسك على الطيارة.
تبسم رفعت بمكر ومد يده ناحية التلثيمة، لكن زينب عادت للخلف وتستطحت على الفراش وجذبت الغطاء عليها.
تنهد رفعت وزفر أنفاسه بغيظ وقال: للأسف مفيش قدامي حل تاني.
رفعت زينب وجهها وقالت: إيه الحل التاني؟ هتلغي السفر بالطيارة وتسافر معايا بكرة الفجر في القطر؟ بس الحمد لله أنا حجزت تذكرة واحدة معملتش حسابك معايا. مش مشكلة ابقى سطح على القطر.
تبسم رفعت يقول: بس أنا عملت حسابك معايا وهنسافر بالطيارة ومفيش قدامي حل تاني.
ردت زينب باستهزاء: وأيه الحل التاني؟ انسى إنك ترش عليا بنج.
تبسم رفعت وتوجه إلى ناحية المرآة وآتي بقنينة العطر وعاد للفراش مبتسماً بمكر، وقال لزينب: مفيش حل تاني قدامي.
قبل أن تستعلم منه زينب، شعرت بحرقة في عينيها بسبب رذاذ تلك الزجاجة التي سلطها على عينيها. بتلقائية رفعت يديها تفرك حرقة عينيها. استغل رفعت ذلك وأزال التلثيمة من على وجه زينب وقام برش البنج عليها، لتسترخي في ثواني نائمة على الفراش.
نهض رفعت قائلاً باستهزاء: سلميلي على وجه المرأة عورة قدام جوزها.
قال رفعت هذا ونهض يأتي بملابس أخرى لزينب وبدل لها ملابسها ثم غادر الفندق متوجهاً للمطار.
بعد دقائق، بغرفة خاصة بالمطار. دخل مدير المطار إليه. نهض رفعت يسلم عليه واخرج بطاقة هويته كضابط بالقوات البحرية وقال له: للأسف دي زوجتي وعندها سكر وجالها هبوط من ثواني وأخدت حقنة أنسولين وبعض الأدوية خلتها تغيب عن الوعي ولازم نرجع للقاهرة في أسرع وقت.
أخذ مدير المطار بطاقة هوية رفعت وقرأها ثم تبسم قائلاً: ألف سلامة على المدام، يا حضرة الضابط. رغم إنه ممنوع، بس طبعاً حفاظاً على سلامة المدام، هسمح بركوبها للطيارة وهي نايمة.
تبسم رفعت يقول: متشكر جداً لسيادتك.
بعد حوالي ساعتين، أثناء هبوط الطائرة بمطار القاهرة. وضع رفعت قطنة مبللة بعطر على أنف زينب. بدأت تعود تدريجياً للوعي. نظرت لرفعت وهي بين الغفوة واليقظة. تبسمت تعتقد أنها ما زالت بالفندق. تبسم رفعت لها قائلاً: صح النوم. خلاص الطيارة هتنزل للمطار.
ما زالت غير مستوعبة ومغمضة العين وقالت ببسمة: ابقى سلميلي على الطيار.
تبسم رفعت وهو يعلم أنها ما زالت غير واعية. ربما تفتعل مشكلة أثناء هبوط الطائرة.
بالفعل هبطت الطائرة بمدرج الطائرات وزينب لم تستوعب بعد. وضع رفعت نفس القطنة مرة أخرى على أنفها وبدأ يوقظها إلى أن وعيت شبه كلياً. تبسم قائلاً بظفر: صح النوم يا زوزي. خلاص كل ركاب الطيارة تقريباً نزلوا. إيه مش ناوية تنزلي أنتِ كمان.
وضعت زينب رأسها بين يديها وقالت بدوخة: همجي حقير. إزاي عرفت تبنجني. آخر مرة أسافر معاك.
قالت زينب هذا ونهضت، لكن حين وقفت شعرت بدوخة فجلست مرة أخرى.
تبسم رفعت وقام بمسك يدها قائلاً: خليني أسندك حتى لحد ما ننزل من سلم الطيارة.
بسبب شعور زينب بدوخة وليس هذا السبب فقط، بل ذاك الرهاب الذي لديها من ركوب الطائرات. تركت يدها لرفعت الذي حاوط خصرها إلى أن نزلوا من الطائرة. ليس هذا فقط بل إلى أمام باب المطار. شعرت زينب بتحسن نسبي، فنفضت يده عن خصرها قائلة: خلاص أنت خدتها فرصة، شوف لنا تاكسي، أنا عاوزة أبات الليلة عند بابا وماما وغور شوف لك أوتيل انزل فيه.
تبسم رفعت يقول: بذمتك أنا أقدر أسيبك تباتي بعيد عني يا زوزي. أكيد حماتي وحماتي مش هيمانعوا أبات عندهم الليلة أنا كمان. وتاكسي ليه؟ أنا راكن عربيتي هنا في جراج المطار قبل ما نسافر. يلا خلينا نروح للجراج. هتقدري تمشي لوحدك ولا هدوخي تاني؟ عشان أقرر أن كنت أسندك أو أسيبك تمشي لوحدك.
نظرت له زينب بغيظ قائلة: لأ متشكره لخدماتك هقدر أمشي. ابعد إيدك عني.
قالت زينب هذا وسارت أمام رفعت الذي سار خلفها يبتسم إلى أن وصلوا إلى جراج المطار. صعدوا إلى السيارة. كان الوقت حوالي العاشرة مساءً.
وقفت زينب أمام شقة والديها ورفعت يديها تضرب جرس الشقة. سريعاً فتح صفوت باب الشقة متبسماً يقول: إيه آخركم كده؟ الطيارة نازلة المطار بقالها أكتر من ساعتين والسكة من المطار لهنا يا دوب تلتين ساعة.
تعجبت زينب، بينما رفعت تبسم قائلاً: مفيش، كنا بنخلص إجراءات الخروج من المطار. أصلهم كانوا اشتبهوا في زوزي أنها مدمنة وكانوا هيعملوا لها اختبار، بس أنا اتصرفت.
نظرت له زينب قائلة: يحق لهم لما يلاقوا واحدة مدروخة وهمجي ساحبها. والله كنت هقول خاطفني وأعملك فضيحة في المطار بس خوفت على سمعة مصر قدام الأجانب.
ضحك رفعت وصفوت الذي قال: هتقفوا عالباب كده؟ ادخلوا. هالة كانت على نار ولسه كانت هتتصل عليك يا رفعت.
تبسم رفعت ودخل إلى الشقة بينما زينب عانقت صفوت قائلة: أكيد الهمجي هو اللي اتصل عليكم قبل ما نركب الطيارة من مطار سوهاج وقالك إننا جايين. وأنا اللي كنت بفكر أطرده وأخليه يبات في أي أوتيل. بس هو دخل قبلي. إيه رأيك أخليه يغسلك المواعين.
تبسم صفوت قائلاً: والله لو قبل ماعنديش مانع.
تبسمت زينب وهي تدخل خلف والدها. رأت نوال تخرج من غرفة السفرة. تبسمت وذهبت تعانق زينب، قائلة: أكيد جعانة. أنا وصفوت لما رفعت كلمنا وقال أنه هيبات في القاهرة، استنينا من غير عشا عشان نتعشى معاكم. بس أنتم اتأخرتوا. يلا ادخلي اغسلي إيدك أنا خلاص جهزت السفرة.
تبسمت زينب وهي تترك عناق هالة قائلة: لو عندك سم حطيه في طبق الهمجي. بسببه عينيّ من شايفه بهم، غير مصدعة بسبب البنج اللي رشه عليا.
تبسمت هالة قائلة: بلاش رغي كتير، روحي اغسلي إيدك أنا خلاص جهزت السفره.
ذهبت زينب غسلت يديها ووجهها وعادت إلى غرفة السفرة. جلست جوار والديها، قائلة: هي ماما اغتلست مؤسسة التأمينات؟ إيه أصناف الأكل دي كلها.
تبسم صفوت يقول بهمس: أصلها جابت بواقي أكل الأسبوع كله.
تبسمت زينب قائلة: فعلاً الهمجي يستحق ياكل الأكل البايت.
تناولوا الطعام في مزح وتريقة بين صفوت ورفعت وكذلك هالة، على زينب وهو يسرد لهم أفعالها حين فاقت ووجدت نفسها بالطائرة.
بعد وقت ليس بالطويل تثاءبت زينب قائلة: البنج شكله لسه به تأثير عليا. يلا هقوم أنام. تصبح على خير يا بابا. متنساش تخلي رفعت يغسل بدالك المواعين. إكرام الضيف إنه يغسل المواعين اللي أكل فيها.
تبسمت هالة قائلة: بس رفعت مش ضيف، ده صاحب مكان. روحي نامي شكلك هتقعي من طولك. أسندها يا رفعت لحد أوضتها. تصبحوا على خير.
قالت هالة وهذا واشارت لرفعت على مكان غرفة زينب التي قالت: لأ خليه يروح ينام في أوضة الواد مجد.
نظرت هالة لزينب قائلة: بطلي سخافة، يلا تصبحوا على خير.
ردت زينب: وأنتِ من أهله تصبح على خير يا بابا.
بعد قليل بغرفة زينب، قالت بتهجم: بقى تخلي عندك أدب والسرير هنا صغير. عندك كام كرسي في الأوضة؟ ضم كرسين ونام عليهم.
تبسم رفعت بمكر: متعودتش أنام على كراسي. والسرير مش صغير يعني حجمه متوسط ممكن يسعنا إحنا الاتنين.
قال رفعت هذا وتحرر من ملابسه وتوجه للنوم على الفراش وأغمض عيناه. نظرت له زينب بغيظ وسبته للحظة ترددت في خلع ملابسها أمامه، لكن هو كان مغمض العين. تحررت هي الأخرى من ثيابها وارتدت منامة لها وذهبت للنوم على الفراش جوار رفعت الذي تبسم وهو يفتح عيناه ينظر لها، وهي تذهب للنوم سريعاً. تنهد ببسمة وضمها بين يديه للحظة ترددت قولها بأذنه (جوازنا غلطة وتصحيحها الطلاق). زفر أنفاسه وضمها بقوة بين يديه، عازماً أمره أنه لن يتركها أبداً، ولو كلفه ذلك تخليه عن فكرة الانتقام.
***
بالرجوع للحاضر. عادت زينب من تذكر ما حدث ليلة أمس. ذاك الهمجي يستحق أن تجعله يتراجع عن فكرة الانتقام. لكن ستلاعبه بطريقتها الخاصة، حتى لو هددته مراراً وتكراراً أنها ستغادر وتتركه.
***
نزل رفعت إلى أسفل السرايا. تحدثت له إحدى الخادمات قائلة: في حارس في أوضة المكتب بيقول إن حضرتك عاوزه.
رد رفعت: تمام، اعملي لي قهوة. وفين رامي ومراته؟
ردت الخادمة: رامي بيه في الإسطبل ومراته في الجناح الخاص.
دخل رفعت إلى غرفة المكتب وجد الحارس يقف ينتظره قائلاً: رفعت بيه بلغوني حضرتك طلبتني.
رد رفعت: إنت سبق دخلت ريما الزهار للسرايا بدون ما تاخد إذني الأول ولما لفتت نظرك، قولت إنها ست وانكسفت تسيبها واقفة عالبوابة وهي قالت لك إنها مش بس من عيلة الزهار، لأ كمان مراتي، وفرجتك كم صورة لينا مع بعض عالموبايل. وأنا اتغاضيت عن الموضوع واكتفيت بلفت نظر لك. لكن النهارده ليه سمحت لفابيو بدخول السرايا، بدون إذن من رامي في غيابي.
رد الحارس بخجل مفتعل: هو قالي إنه صديق ليك، وانه مش مصري. وأنا فتشته قبل ما يدخل وكمان هو كان لوحده.
تهكم رفعت قائلاً: لأ براڤوا عليك إنك فتشته قبل ما يدخل للسرايا، وكمان رحبت بيه. الراجل مش مصري ولازم نضايفه. تمام. أنا عرفت إن قائد الحرس طلب منك تسليم سلاحك قبل ما تغادر السرايا. وده أقل واجب يتعمل معاك عشان بعد كده تبقى تنفذ أوامر اللي بتخدم عندهم. تقدر تمشي من السرايا. تصحبك السلامة.
خرج الحارس من غرفة المكتب. زفر رفعت نفسه وقام باتصال هاتفي قائلاً: من بكرة تنزل الزهار. مهمتك حراسة الدكتورة مش عاوزها تغيب عن نظرك. أي خدش هيصيبها هتكون المسؤول قدامي ووقتها مش هرحمك.
قبل أن يغلق رفعت الهاتف، جاءه اتصال آخر سرعان ما رد عليه وقال: عارف سبب اتصالك يا محمود. هتقول لي إن فابيو هنا في الزهار.
رد محمود: واضح إن عنده هدف كبير. بعد ما كان لسه بيقول هينزل مصر آخر الأسبوع قدم ميعاد نزوله لمصر، وأن يكون أول محطة له يجى لعندك. أكيد عنده نوايا تانية. حاول تزود الحراسة.
رد رفعت: الزهار كان أول محطة له عشان يرجع ريما. وخلاص هي مكنتش هنا هي في بيت هاشم الزهار. يروح ياخدها من هناك ويعمل معاها اللي هو عاوزه. وأنا فعلاً هغير بعض عناصر الحراسة.
رد محمود قائلاً: بس في شيء تاني حصل مش عارف عندك علم بيه ولا لأ؟
قال رفعت: إيه الشئ ده... خير؟
رد محمود عليه وأخبره بالشئ.
تعجب رفعت قائلاً: متأكد... تمام خلينا على تواصل.
أغلق رفعت الهاتف وقام بشد خصلات شعره بقوة يزفر أنفاسه قائلاً: واضح النهاية بتقرب.
***
... مساءً بسرايا الزهار. دخل وسيم إلى غرفة المكتب، فوجئ بجلوس مهره، ورامي ومعهم رفعت. أيقن عقله لما هي هنا؟ هو توقع سابقاً سبب اتصال رفعت عليه وطلب لقاءه بالسرايا اليوم. بالتاكيد بسبب خطوبته ل لمى الزهار.
ألقى عليهم السلام. رد رامي عليه السلام. بينما رفعت ومهره لم يردان عليه.
تحدث وسيم: على فكرة السلام لله وهتاخدوا عليه ثواب.
ردت مهره: أنا رديت في سري.
قال رفعت: فعلاً هناخد على ردنا عليه السلام ثواب. وهنأخذ ثواب كمان لما نرجعك عن غلط أنت بترمي نفسك فيه. أظن فاهم قصدي؟
رد وسيم: فاهم يا رفعت. من أول مكالمتك ليا الصبح، وطلبك إني أجلك عشان أمر مهم. بس صدقني وفر حديثك في الموضوع ده لأنه بالنسبة ليا منتهي خلاص. خطوبتي أنا ولمى بعد يومين بالظبط.
نهضت مهره قائلة بعصبية: مستحيل الخطوبة دي تتم. ولو تمت انسى......
قاطعها وسيم: انسى إيه؟ عاوز أعرف سبب اعتراضك على خطوبتي أنا لمى؟
ردت مهره: مش سبب واحد دول أسباب. أهمها إن لمى متنفعش زوجة وفية وأنت عارف السبب. لمى زي مامتها وأختها معندهمش... انتماء لأي دين. كان المفروض بالتبعية لأبوهم هشام الزهار، يبقوا مسلمين. لكن لمى وأختها زي مامتهم مش معترفين بأي ديانة ولا بأي أخلاق. عندك رفعت قدامك أهو متحملتش جوازها منه حتى لسنة، لأ زهقت وملت إنها ترتبط براجل واحد وتخلص ليه. خلاته كرهها وطلقها وقبل ما تطلع ورقة طلاقها من المحكمة كانت سافرت اليونان، ورجعت من تاني لحياة الانحطاط اللي كانت عايشة فيها. فوق يا وسيم وقولي سبب واحد لإصرارك على إكمال الخطوبة. لأ وممكن الجواز كمان.
صمت وسيم بداخله يعلم أن خالته محقة بكل كلمة تقولها لكن شيطانه يسوقه نحو هاوية ساحقة.
نظر له رفعت قائلاً: متأكد مفيش غير سبب واحد اللي يجبرك إن تربط حياتك بواحدة زي لمى. إنك تكون نمت معاها. وحتى السبب ده ده ميجبركش عندي أهون إني أجلدك مش ميت جلدة عقوبة الزاني. أجلدك ألف ولا أني أوافق تورط نفسك مع واحدة زي لمى، معندهاش لا حلال ولا حرام، كله مباح طالما هوصل لهدفي في النهاية.
تعصب وسيم قائلاً: أوعى لكلامك يا رفعت. وإيه هو هدف لمى معايا؟ أنا مش زيك. منصب في الشرطة ولا عندي نص أملاكك. أنا ابن وحيد الشامي السايس. مش من أعيان عيلة الزهار.
تبسم رفعت بسخرية يقول: أنت فعلاً من أعيان عيلة الزهار يا وسيم. بلاش تستقل بنفسك. عمرنا ما فكرنا إنك أقل منا أو مش منا طالما كنيتك الشامي. وسيم بلاش تحور الحديث لهواك. قولي ليه مُصر على الارتباط بلمى الزهار؟ ليه فجأة كده، بعد ما كنت رافض وبتتهرب منها، فجأة وقعت تحت تأثيرها؟ ولا كأنها سحرت لك.
رد وسيم: لا مسحرتليش يا رفعت ودي حياتي وأنا حر في اختياري. حتى لو غلط هتعلم منه. ويمكن المرة التانية أقع في دكتورة زي مراتك كده اللي كلنا عارفين إنت اتجوزتها ليه. عشان كنت عارف إن هاشم الزهار عينيه منها. بس للأسف وقعت في غرامها. رفعت بلاش دور الكبير اللي واخده ده، مش عليا. أنا حر في حياتي. ولمى ممكن تكون توأم ريما. بس مش زيها. وخلاص ملوش لازمة الاجتماع ده. الخطوبة بعد يومين اللي عاوز يحضر أهلا بيه واللي مش عاوز هو حر.
قال وسيم هذا وكان سيغادر، لكن سمع رفعت يقول: أنا فعلاً حر ومش هحضر. متعملش حسابي في المعازيم. متعودتش أدخل مكان مش بحس فيه بالراحة.
ردت مهره هي الأخرى: ولا أنا هحضر يا وسيم. مش هقدر أشوفك بتورط نفسك مع واحدة من نوعية لمى. نوعية لمى مش هي اللي تصون شرف جوزها. وأهو أنت شايف، ريما جت تجري وراء رفعت مرة تانية بدون حيا ولا خجل وهي عارفة إنه متجوز واحدة تانية. ورفعت متجوزش من زينب عشان ياخدها من قدام هاشم. رفعت أنا اللي قولت له اتجوز زينب عشان يحميها من هاشم اللي كان بينام يحلم بيها. لأن زينب بنتي بالرضاعة.
ذُهل وسيم واستدار بوجهه ونظر لمهره ماذا تقول. زينب ابنتها بالرضاعة. كيف هذا!؟
***
***
بإسطبل الخيل التابع لهاشم الزهار. استقبل هاشم صفوان. مد يده يصافحه. تعجب صفوان من ذاك، فمعروف عن هاشم الزهار كبره وغطرسته مع العاملين لديه. هذه أول مرة يتحدث ويمد يده يصافح أحد من العاملين. حقاً صفوان لم يعد يعمل لديه، لكن بالأخير هو مجرد سائس بسيط.
مد صفوان يده على استحياء يصافح هاشم.
تبسم هاشم يشد على يد صفوان المرتجفة قائلاً: عارف مستغرب أنا ليه اتصلت عليك كذا مرة، وطلبت منك تقابلني هنا في الإسطبل. هدخل في الموضوع مباشر. أنا عاوز أتجوز بنتك ليلى.
تعجب صفوان يقول: تتجوز بنتي ليلى؟ بس دي لسه صغيرة، وصغيرة قوي على جنابك.
رد هاشم: لا مش صغيرة عليا، أنا الحمد لله لسه شباب. وأنت ليه قطعتني قبل ما أكمل كلامي. أنا هتجوزها عرفي مش رسمي وبعيد عن هنا. هاخد لها بيت في إسكندرية.
فوجئ صفوان بقوله وقال: تتجوزها عرفي. طب ليه جنابك، وليلى مش بتفكر في الجواز دلوقتي، دي بتدرس طب بيطري وهتبقى دكتورة بيطرية زي وسيم بيه كده.
رد صفوان: وماله تكمل دراستها بعد الجواز. مش همنعها. تبقى تقدر تنزل للشرقية عالامتحانات. بس طبعاً محدش يعرف أنها هتبقى مراتي غيرك وبس.
اهتز صفوان قائلاً: أنا مقدرش أغصبها يا هاشم بيه.
رد هاشم: ولما غصبت على مروة تتجوز من رامي بعد ما كانت هتنتحر بسببه وأنت اللي قلت كده. صفوان هدفع لك أي مبلغ تقول عليه بدون مناقشة.
توقف هاشم لدقيقة ثم قال بتهديد: وكمان مش هسرب خبر لرفعت الزهار إنك زمان طمعت وسرقت من عنده مهره. ويمكن كنت السبب وقتها في الحريق اللي حصل. قدامك أسبوع ويكون الرد بالقبول عندي. تقدر تمشي دلوقتي.
غادر صفوان المكان وهو يرتعش، بينما هاشم يبتسم بظفر. ذاك الأحمق الطامع صفوان لن يقدر على رفض طلبه. سيتسلى مع ليلى قليلاً حتى يتمكن من القضاء على رفعت وبعدها يظفر بالطبيبة.
***
....... بعد مرور أسبوع. بجامعة ليلى. انتهت المحاضرة، تحدثت إحدى زميلات ليلى لها: برضو مش هتحضري محاضرة الدكتور وسيم؟ إيه السبب؟
ردت ليلى وهي تجمع كتبها وتضعها قائلة: مفيش سبب. أنا لازم أستلم الصيدلية من الدكتور نهاد. يلا سلام، أشوفك في محاضرة بعد بكرة.
نزلت ليلى سلم مدرج المحاضرة. ولكن قبل أن تخرج من المدرج، بسبب انشغالها بوضع الكتب بحقيبتها، اصطدمت مع أحدهم، ووقعت الكتب منها. انحنت سريعاً تجمعها، لكن هناك صوت هز كيانها حين سمعت من يقول: آسف. وليس هذا فقط، بل انحنى هو الآخر يلتقط معها الكتب، ثم نظر لها قائلاً: احضري المحاضرة يا ليلى.
رفعت ليلى وجهها ونظرت لوجهه للحظة لكن تذكرت قوله السابق بمنعها من حضور محاضراته. وليس هذا فقط وقعت عيناه على يده اليمنى رأت ضوء خاتم خطبة بيده. إذن ما سمعته كان حقيقياً. هو ارتبط بأخرى. للحظة شعرت بنار تشتعل بقلبها. لكن ردت بثبات: متلزمنيش المحاضرة. ولو عاوز تشيلني المادة معنديش مشكلة.
قالت ليلى هذا وأخذت من يده الكتاب الخاص وغادرت تكبت دموع عينيها.
بينما وسيم تعصب كثيراً وذهب إلى منصة المدرج وقال بحدّة وتصميم: مساء الخير. محاضرة النهارده هتتأخر ساعة ونص لأني هحط درجات العملي النهارده. بناءً على نسبة الحضور النهارده. قدامكم ساعة ونص تعرفوا زملائكم الغايبين. وأكدوا عليهم اللي مش هيحضر المحاضرة النهارده يتأكد أنه شايل المادة بتاعتي. سلاموا عليكم.
قال وسيم هذا وغادر قاعة المحاضرة تسحقه نار بقلبه.
***
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سعاد محمد سلامة
بالوحدة الصحية.
كانت زينب بغرفة الكشف تقوم بالكشف على أحد المرضى.
دخلت عليها صفاء قائلة بلهفة: "إلحقي يا دكتورة، كان فيه خناقة في البلد بين عيلتين صيع وواحد منهم فتح بطن التاني بسكينة وجابوه الوحدة ودخلوه أوضة العمليات."
ردت زينب: "طيب أنا خلصت كشف عالحاجة، هكتب لها العلاج. مش فيه دكتور تاني في الوحدة يتابع؟"
ماهي إلا دقائق ودخلت زينب إلى غرفة العمليات، وجدت شاباً بحوالي السابعة عشر من العمر ينازع الحياة، يلتقط أنفاسه الأخيرة.
حاولت سريعاً التعامل معه هي وذلك الطبيب الآخر، لكن القدر نفذ والصبي انتهى عمره.
حزنت زينب بشدة وهي تلفظ الشهادة أمامه.
ثم خرجت من غرفة العمليات متأثرة بصريخ تلك الأم التي فقدت ولدها.
لم تتحدث زينب. من قال لذوي الفتى إنه توفي؟ كان الطبيب الآخر هو من أخبرهم.
ازداد عويل ونحيب الأم وبدأ والد الفتى بالهذيان.
لكن...
دخلت زينب إلى مكتبها، وضعت تلك العلكة بفمها، ثم قامت بمسك سماعة الهاتف الأرضي كي تطلب الشرطة.
لكن تفاجئت بشاب بالعشرينيات من عمره هجم على باب مكتبها ودخل وأخذ منها سماعة الهاتف قائلاً بشراسة وشر: "هتعملي إيه يا دكتورة؟"
ردت زينب ببساطة رغم تأثرها: "هطلب الشرطة أبلغها إن فيه جريمة قتل."
رد الشاب عليها: "مفيش جريمة قتل، أخويا مات موتة ربنا. كل اللي مطلوب منك هو تصريح الدفن."
فهمت زينب مقصد الشاب وقالت: "أنا قدامي جريمة قتل، ومعرفش غير إن القتيل كان في خناقة، ولازم الشرطة تاخد خبر."
فتح الشاب سكين صغير قائلاً: "أخويا مات موتة ربنا، وده اللي هينكتب في تصريح الدفن يا دكتورة."
سخرت زينب منه قائلة: "يعني جاي تهددني بالسكينة اللي في إيدك دي؟ طب ليه ما دافعتش بها عن أخوك؟ يمكن ما كانش اتقتل. أنا بقول تبعد إيدك عن التليفون وتسيبني أكلم الشرطة تيجي تحقق في اللي حصل، أهو الشرطة تجيب حق أخوك من اللي قتله."
رد الشاب: "حق أخويا أنا هجيبه من اللي قتله."
فهمت زينب مقصده، لكن ادعت عدم الفهم وقالت: "إزاي؟ هتروح تقتله زي ما قتل أخوك وتبقى مجزرة وتار بين العيلتين؟"
رد الشاب باستهجان: "أنا عارف إنك مرات رفعت الزهار، بس أنا مبخافش من حد، ومش هيهمني. إمضي التصريح يا دكتورة."
ردت زينب بتحدي: "أنا فعلاً مرات رفعت الزهار، بس واضح إن معلوماتك عني ناقصة، بس أنا هعرفك أنا مين بالكامل."
سخر منها الشاب وأشهر السكين أمام وجهها.
نظرت زينب للسكين وأظهرت له أنها مرعوبة، لكنها في الحقيقة بداخلها تبتسم.
عادت زينب خطوة للخلف، أوهمت الشاب أنها خافت منه، مما جعله يزهو بنفسه للحظات.
قبل أن يجد يده التي كانت تمسك بالسلاح مثناة خلف ظهره وسمع طقطقة عظام يده.
ليس هذا فقط، بل قامت بتلقينه درساً بحفنة من الضربات متفرقة على جسده المسجى أرضاً.
لكن السكين التي وقعت على الأرض من يده كانت قريبة من يده.
بالفعل مد يده وأخذها وكان سيطعن زينب بساقها، لكن يد أخرى مسكت يده بعنفوان وأحكمت قوة يده على يد الشاب الذي نظر لمن يقف أمامه بهلع.
بينما نظرت زينب للشاب باستهزاء.
ضحك الذي يمسك يد الشاب قائلاً: "واضح الدكتورة أدتك درس كويس. لازمتها إيه بقى تستقوى بسكينة؟ مش عارف إنه عيب أما ترفع سكينة على واحدة ست."
قال هذا ونظر بفخر لزينب قائلاً: "شكلي جيت بعد ما نفضت المشكلة."
تبسمت له قائلة: "عادي يا سيادة الضابط. رفعت الزهار. آه نسيت أقول ضابط سابقاً، علشان منصلمش الشرطة ونقول دايماً بتيجي متأخر."
تبسم رفعت يقول: "لأ الشرطة هنا في الوحدة من بدري يا دكتورة. بس كانوا مستنين إشارة منك."
قال رفعت هذا ليدخل من باب الغرفة ضابط النقطة الخاص بالبلدة خلفه مجموعة من العساكر متعجباً من ذلك المسجى أرضاً، فمن الواضح أنه تلقى حفنة من الضربات تكاد تفقده صوابه.
تحدث الضابط وهو ينظر لرفعت، ملابسه مهندمة لا تدل أنه هو من يلقن لذلك الشاب الضرب المبرح الواضح آثاره، وكذلك الطبيبة ملابسها لحد ما مهندمة.
نظر الضابط للشاب قائلاً: "بقى غبائك جاي تتهجم عالدكتورة في الوحدة، يعني جبت لنفسك ولأهلك مصيبة مش كفاية عليهم أخوك القتيل، لأ وكمان هتتسجن بتهمة التعدي على الدكتورة بمكان عملها، وكمان قضية حيازة سلاح. طب هينفعك دلوقتي التار بإيه؟ إنت والمجرم اللي قتل أخوك ممكن تتلموا في زنزانة واحدة والشاطر اللي هيخلص وقتها عالتاني ويمكن تكون إنت التاني، بدل ما أبوك وأمك قلبهم يتفجع على واحد هيتفجع على الاتنين. بس اطمن مستحيل إنت والقاتل تبقوا في سجن واحد، لإن القاتل لسه تحت سن الأحداث، أنما إنت شكلك عديت الواحد وعشرين سنة يعني هتشرف في آرميدان."
قال الضابط هذا ونظر لعساكره قائلاً: "خدوا الغبي ده عالنقطة ويتحط في أوضة مكان لوحده."
نظر الضابط لزينب قائلاً: "بشكر تفهمك للموقف يا دكتورة، فعلاً لو كنتي امتثلت لطلب الحيوان ده وطلعتي له تصريح بالدفن من غير بلاغ للشرطة كان سهل تتحول البلد لبحر دم بين العيلتين الليلة."
ردت زينب: "ربنا يستر. أنا عندي خلفية عن النوع ده من القضايا، بس معظم النوعية دي بتبقى في الصعيد بسبب انتشار التار، بس للأسف بقت بتقابلنا كتير في محافظات تانية غير الصعيد. ربنا يهدي النفوس ويصبر قلب أهل القتيل، وكنت أتمنى يكون فيه قانون رادع للنوعية دي من القضايا. طبعاً القاتل لسه في نظر القانون قاصر تحت سن واحد وعشرين سنة يعني هياخد بالكتير سنتين تلاتة."
رد الضابط: "لأ ممكن ياخد أكتر، ممكن بتوصل لخمسطاشر وعشرين سنة، يعني يقضي أفضل سنين عمره خلف القضبان، بسبب سوء تربيته."
تبسمت زينب تقول: "أتمنى القانون يغلظ النوع ده من العقوبات، علشان مش بس الأهالي تتعظ وتربي ولادها تربية سليمة، لأ وكمان الشباب تتعظ وتعرف إن تمام الرجولة مش بالسكينة اللي في جيبك ممكن تنهي بها حياة إنسان في لحظة."
تبسم الضابط قائلاً: "أتمنى ذلك. هستنى حضرتك تشرفيني للقسم علشان تقدمي أقوالك في محاولة أخو القتيل التهجم عليكي أثناء تأدية عملك."
تبسمت زينب بموافقة.
بينما مد رفعت يده بالسكين للضابط قائلاً: "اتفضل الحرز بتاع القضية."
تبسم الضابط وأخذ السكين من يد رفعت قائلاً: "آه نسيت أقولكم إن هيكون فيه حظر تجول بالبلد بعد الساعة سبعة المغرب، وهيكون فيه دوريات من القسم والمركز في البلد كلها تحسباً لأي مشكلة. سلاموا عليكم."
نظر رفعت لزينب وابتسم بعد مغادرة الضابط وقال: "أظن سمعتي كلام الضابط عن حظر التجول بالبلد الساعة سبعة. أتمنى ترجعي للسرايا قبل الحظر، بدل ما تعرضي نفسك للمساءلة القانونية."
نظرت زينب لرفعت قائلة: "متفكرش إن الحظر ده ممكن يكون غصب عني ألتزم بيه، أنا دكتورة وسهل أكون هنا نبطشية في الوحدة، الحظر لا يشمل الوحدات الصحية. وبعدين إيه اللي جابك للوحدة دلوقتي؟"
تبسم رفعت يقول: "أنا جيت مخصوص علشانك، لما عرفت من واحد من العمال عن الخناقة اللي حصلت وإن فيه قتيل. توقعت السيناريو اللي حصل وممكن يحصل تهجم عليكي. خوفت عليكي."
للحظة حل الصمت على المكان. كلمة رفعت اخترقت ليس أذن زينب فقط بل اخترقت قلبها وعقلها. عادت كلمته تطن (خوفت عليكي).
تحدثت نظرات العيون بين رفعت وزينب بأسئلة يريد كل منهم من الآخر أن يجيب عليها.
عين زينب تسأل: "ليه خوفت عليا، وانت عارف إني أقدر أحمي نفسي كويس؟"
أجابت عين رفعت: "لأنك أول اللي بخاف عليهم وبخاف يمسهم السوء. وجودك بحياتي مقدرش أستغنى عنه. انتي أغلى شيء في حياتي."
ردت عين زينب: "أغلى شيء في حياتك؟ طب ليه عاوز تخسرني بهمجيتك وتصميمك على الانتقام؟"
رد عقل رفعت: "حرقوا قلبي، ولازم يدقوا نفس الحرقة."
ردت عين زينب: "هما مين يا رفعت؟ مين تاني غير هاشم عاوز تحرقه؟ مش خايف تتحرق معاهم؟"
رد رفعت: "م كنتش خايف قبل ما أقابلك تاني، مكنش لازم القدر يرجعك تاني لحياتي ويجيبك لحد عندي هنا."
ردت زينب: "يمكن أنا مجيي لهنا كان علشانك. بلاش يا رفعت. لو صحيح ليا عندك غلاوة. سامح."
رد عقل رفعت بفزع: "أسامح؟ أسامح في إيه؟ أنا شفت النار قدام عيني بتاكل في جسم أختي وبينى وبينها خطوات، كانت بتدوب زي الشمعة قدامي. الميه بدل ما كانت بتطفي النار، كانت بتخليها تشعلل أكتر. النيران كانت هدفها إبادة مش بس رضوان الزهار، إبادة كل شيء. هيدروجين مع ماغنسيوم كانوا كافيين جداً للإبادة."
نظرت عين زينب صامتة، لكن بداخل زينب ما زال لديها الأمل لانتشال رفعت من تلك النيران قبل أن يشعلها.
قطع تواصل العيون بين رفعت وزينب، دخول طارق بادعاء الخوف عليها.
لكن تنهد براحة قائلاً بترحيب: "أهلاً رفعت بيه، أكيد سمعت اللي حصل وجيت علشان الدكتورة، بس حضرتك اطمن احنا نحمي الدكتورة بعنينا."
رد رفعت: "لأ مستغني عن عنيك خليهم في وشك، أنا قادر أحمي الدكتورة كويس. أظن كده الشرطة منتشرة في البلد وفي الوحدة كمان، واطمنت عالدكتورة إنها بخير، هرجع للسرايا تاني."
قال رفعت هذا ونظر لزينب قائلاً: "ياريت تلتزمي بميعاد الحظر يا دكتورة. سلاموا عليكم."
غادر رفعت.
بينما قال طارق: "حظر إيه يا دكتورة اللي رفعت بيه قال عليها قبل ما يمشي؟"
ردت زينب: "ظابط النقطة بيقول فيه حظر تجول بالبلد هيبدأ الساعة سبعة. أستاذ طارق واضح إن حضرتك ليك علاقات قوية بكبرات البلد، زي هاشم الزهار وكمان النايب بتاع الدايرة وغيرهم."
رد طارق بتفاخر: "أيوا يا دكتورة الحمد لله علاقتي بيهم طيبة، محتاجة منهم أي خدمة أنا ممكن أبقى وسيط، بس انتي مش محتاجة لواساطة، كفاية مركز رفعت بيه في المحافظة كلها."
ردت زينب: "لأ مش محتاجة واسطة ولا حاجة، كنت عايزة أسألك سؤال، تقدر تقول فضول مني مش أكتر."
رد طارق: "اسألي يا دكتورة."
ردت زينب: "أنا عرفت صدفه إن كان فيه حريق حصل في سرايا رفعت الزهار من حوالي خمسطاشر سنة وبعدها رفعت ورامي سابوا البلد وعاشوا مدة في إسكندرية. أكيد عاصرت الحريق ده."
رد طارق: "إلا عاصرته يا دكتورة، ده كان نار من جهنم وقتها البلد كلها كانت تستغرب النار دي إزاي مبتنطفيش، رغم إن الترعة كانت قدام السرايا والناس تاخد ميه وترميها ع النار، كانت تشعلل أكتر، حتى فيه من العمال اللي كانوا بيشتغلوا في السرايا والمزرعة النار حرقتهم وبقوا رماد. منجيش غير رفعت بيه وأخوه، وبعدها سافروا إسكندرية واتقطعت أخبارهم لفترة لحد ما اتفاجئنا إن السرايا بتترمم، وكمان بني الأسوار اللي حوالين السرايا والمزرعة."
ردت زينب باستغراب: "ليه هي الأسوار دي مكنتش مبنية قبل كده؟"
رد طارق: "لأ يا دكتورة كان فيه أسلاك شائكة زي اللي بتبقى ع الحدود كده، كانت حوالين السرايا واستبل الخيل. الأسوار دي اللي بناها رفعت بيه هو وأخوه."
ردت زينب: "مش هاشم الزهار المفروض يبقى زي عم رفعت؟ طب ليه ما راحوش عنده بدل ما كانوا سافروا إسكندرية."
رد طارق: "معرفش سبب بصراحة، بس رضوان بيه الله يرحمه مكنش ع توافق مع هاشم بيه معرفش ليه، وكمان وقتها كان رفعت بيه بيدرس في الكلية البحرية في إسكندرية."
ردت زينب: "رضوان بيه ده كان كمان تاجر خيول، يمكن ده السبب إنه هو وهاشم بيه مكنوش ع توافق، بس هاشم بيه له شعبية مش كبيرة هنا في البلد ده اللي لاحظته في الفترة اللي فاتت."
رد طارق: "لأ للصراحة رضوان بيه كانت شعبيته أكبر وأطغى، شعبية هاشم بيه ما زادت غير بعد حريق رضوان بيه. رضوان بيه كان له شعبية أكبر بكتير في الماضي، وده اللي كان خلى أهالي البلد يطلبوا منه يرشح نفسه لمجلس الشعب وقتها، وكان فعلاً امتثل لهم وقدم ورق ترشيحه، بس القدر بقى الحريق يحصل قبل الانتخابات بكم شهر."
تعجبت زينب قائلة: "وإيه السبب إن البلد تطلب منه يرشح نفسه لمجلس الشعب؟"
رد طارق: "رفعت بيه مش بس ورث الشكل والهيئة من والده رضوان بيه، لأ ورث كمان الشجاعة والهيبة. رضوان بيه كمان كان بيشتغل في السفارة المصرية، كان سفير لكذا بلد، دبلوماسي يعني. بس اللي أعرفه إنه نفذ وصية المرحوم والده بعد ما توفى إنه يمسك مكانه هنا في الزهار ويبقى كبير العيلة وكمان يكمل مشواره في تربية واقتناء الخيول الأصيلة."
تعجبت زينب قائلة: "يعني والد رفعت كان سفير! علشان كده بقى أهالي الدايرة طلبوا منه يبقى عضو مجلس الشعب."
رد طارق: "مش بس ده السبب كمان كان محبوب وبيتعامل مع الناس والعمال اللي عنده ببساطة. أنا كنت شاب صغير وقتها كذا مرة شفته قاعد وسط فلاحين في الغيط بيشاركهم الأكل والناس كانت بتحبه قوي. عمر ما حد قصده في خدمة إلا ونفذها له. رفعت بيه أوقات بيعمل زيه، بس رفعت ورامي بيه حذرين شوية في تعاملاتهم مع اللي حواليهم."
ردت زينب: "طب والحريق كان إيه سببه؟"
رد طارق: "محدش يعرف. فيه بيقولوا كان عامل بيشرب سجاير ورمى عقب السيجارة في التبن وبسبب الحر ولعت بسرعة وشعللت في الإسطبل والنار سحبت منه للسرايا، وفيه بيقولوا إن كان فيه عدو لرضوان بيه هو اللي ولع في السرايا والإسطبل."
ردت زينب: "طب مين كان العدو ده."
رد طارق: "والله ما أعرف يا دكتورة دي كانت تكهنات الناس في البلد وقتها. بس حضرتك ليه بتسألي الأسئلة دي؟ ممكن كنت تعرفي من رفعت بيه نفسه."
ردت زينب: "زي ما قلتلك قبل كده مجرد فضول، وبصراحة خوفت على مشاعر رفعت علشان كده مسألتهوش."
تبسم طارق يقول: "ربنا يخليكم لبعض يا دكتورة ويرزقكم بالذرية الصالحة. هقوم أنا أروح مكتبي أخلص مصالح الناس."
أومأت زينب له رأسها.
خرج طارق بينما زينب عقلها حائر يربط أقوال طارق مع أقوال الجدة إنعام.
كان هنالك عدم توافق بين والد رفعت وكذلك هاشم.
رأت نظرات رفعت وهاشم لبعضهم أكثر من مرة، هنالك بغض كبير ظاهر منهم للآخر.
رفعت أعطاها سابقاً المال دون أن يتباهى بذلك، عكس هاشم.
هي لا تشعر ناحية هاشم براحة نفسية حين يكون قريب منها، تكره نظرات عينيه.
رفعت... يعترف إنه من يوم ما مضى لها عالشيك لفت نظري وحسيت اتجاهه براحة وأمان. نظراته بحس فيها بشيء خاص لي. صحيح همجي وعنده داء السيطرة عليا، بس بحب أعانده.
لكن لامت نفسها قائلة: "في إيه فوقي يا زينب، ده شخص همجي متعجرف وحكاية النار اللي في قلبه دي هو مبسوط بيها."
قال عقلها: "وهتسبيه يا زينب يحرق نفسه بالنار دي؟ النار لما بتشعلل مبتسيبش وراها غير حاجتين، الخراب أو أرض خصبة تنبت زرع أخضر من جديد."
******
بالجامعة.
بمسجد الفتيات.
وقفت ليلى تغسل وجهها من آثار تلك الدموع، ثم توضأت وذهبت إلى المصلى.
أقامت الصلاة وصَلّت ركعات الظهر، شعرت براحة نفسية لحد كبير.
نهضت تأخذ كتبها وحقيبة يدها، كي تغادر.
لكن وجدت صديقة لها تقول وهي تلهث: "كويس لحقتك قبل ما تمشي من الجامعة، قلت هتصلي الضهر قبل ما ترجعي للبلد علشان ميفوتهاش."
ردت ليلى عليها: "خدي نفسك الأول وبعدين اتكلمي."
ازدرت صديقتها ريقها وقالت بنهجان بسيط: "دكتور وسيم."
ردت ليلى باستغراب قائلة: "ماله دكتور وسيم؟ وبعدين إزاي سبتي المحاضرة بتاعته وخرجتي؟"
ردت صديقتها: "لأ ما ده السبب إني كنت بجري علشان ألحقك قبل ما تمشي من الجامعة."
ردت ليلى باستعلام: "سبب إيه؟ قولي وبلاش رغي، عايزة ألحق ورديتي في الصيدلية."
ردت صديقتها: "سيبك من وردية الصيدلية، مستقبلك دلوقتي أهم. الدكتور وسيم أجل المحاضرة بتاعته ساعة ونص وقال إنه هياخد نسبة الحضور للعملي في المحاضرة دي وأكد اللي مش هيحضر المحاضرة هيشيل المادة."
تعجبت ليلى قائلة: "براحته ميهمنيش، أنا مش هحضر معاد الوردية كده هيفوتني، أكيد كلام بيقوله."
ردت صديقتها: "لأ مش كلام، لو شفتي وشه هتصدقيني. وردية الصيدلية الدكتورة ممكن تلتمس ليكي العذر، لكن الدكتور وسيم لو شالك المادة إنسي إنك تكوني من المتفوقين، حتى لو جبتي في كل المواد التانية امتياز هتفضل المادة دي نقطة سودة في تقديراتك. وبعدين نفسي أفهم ليه مش عايزة تحضري؟ مش ده الدكتور وسيم اللي كنتِ بتشكرى فيه، لأ وكمان بتقولي إنه بلدياتك وقريب جوز أختك."
ارتبكت ليلى وقالت لصديقتها: "مفيش... تمام هحضر المحاضرة. يلا بينا نروح للمدرج."
بينما وسيم بمكتبه، جلس على المقعد خلف المكتب وقام بفتح زرين من عنق قميصه ووسع ربطة العنق على رقبته. يشعر بحرارة تغزو جسده. لا يعرف لماذا تضايق من قول ليلى له.
هي لم تخطئ، هو من بدأ بحرمانها من المحاضرات سابقاً. وهذا رد فعل طبيعي منها لو كان مكانها لفعل ذلك.
فكر عقله يتساءل: هل ستحضر للمحاضرة وتمتثل لقوله أمام زملائها وتنحى كبرياؤها؟ أم يفوز كبرياؤها ولا تحضر؟ لكن حقاً لو لم تحضر للمحاضرة ستجعلها ترسب في مادته، بهذا قد تدمر اجتهادها.
ما كان ينبغي أن تتعصب وتقول هذا أمام الطلاب.
لكن نفذ الوقت، اقتربت الساعة والنصف على الانتهاء.
وقع نظره على يده، نظرة خاطفة. رأى ذلك الخاتم في بنصر يده. شعور بالضيق في قلبه حين ينظر لهذا الخاتم يشعر كأنه قيد ليس بأصبعه، بل حول عنقه.
بتلقائية خلع ذلك الخاتم من إصبعه وفتح درج المكتب وألقاه به. شعور بالراحة كأنه فك القيد من على عنقه.
نهض من مجلسه وجذب حاسوبه الخاص وذلك الملف الورقي المكتوب فيه أسماء جميع الطلاب وغادر الغرفة متوجهاً إلى قاعة المحاضرة.
مع كل خطوة يسيرها يحذر ويفزر: هل ستحضر ليلى أم لا؟
أصبح أمام باب قاعة المحاضرات خطوات قليلة للغاية ويعلم، لكن كانت خطوات ضيقة.
بالفعل دخل إلى قاعة المحاضرة تجوب عيناه القاعة بأكملها. ليلى ليست موجودة.
زفر أنفاسه بضيق، لكن سرعان ما انشرح قلبه وتبسم وهو يراها جالسة بآخر المدرج. كانت جالسة خلف أحد زملائها الواقف يخفيها عن رؤيته.
تبسم قائلاً بسؤال: "كده كل الطلاب موجودين في المحاضرة؟"
رد أحد الطلاب: "لأ يا دكتور في كم زميل وزميلة للأسف لضيق الوقت محضروش."
تبسم وسيم يقول: "تمام. أنا ممكن أديهم العذر تقدروا تطمنوهم أنا اتراجعت. ودلوقتي بما إن دي المحاضرة الأخيرة قبل الامتحانات. فأنا هخلي المحاضرة زي مراجعة شاملة للمنهج. اللي مش فاهم أي جزء في المنهج أو عنده أي استفسار يقدر يسألني وأنا هجاوب عليه."
تغاضت ليلى عن النظر له وقالت لنفسها: "يالك من طاووس متعجرف، هو فعل ذلك من أجل إجبارها على حضور المحاضرة غصباً. والآن يتغاضى عن ذلك."
لكن أثناء إجابة وسيم على أحد أسئلة الطلبة، رفع يديه، لفت نظر ليلى خلو يده من ذلك الخاتم. تعجبت كثيراً لما خلع الخاتم من يده. كان قبل قليل يرتديه.
نهرت ليلى ذاتها وقالت: "ميهمنيش، كل اللي يهمني تنتهي المحاضرة دي وأخرج من المدرج."
لكن طالت المحاضرة زيادة عن اللزم بسبب أسئلة الطلبة واستفساراتهم وردود وسيم الذي توقع أن تسأل ليلى، لكن هي التزمت الصمت، تستمع فقط لأسئلة زملائها وإجابته عليهم.
انتبه وسيم للوقت، فلقد طالت المحاضرة أكثر من اللزم وأيضاً ليلى لم تسأل سؤال واحد.
تحدث وسيم وهو ينظر لساعة يده: "المحاضرة طالت أكتر من اللزم، أتمنى تكونوا استفدتوا منها واللي عنده أي سؤال أو استفسار، يقدر يجيلي مكتبي في وقت تاني وأنا هرد عليه. سلاموا عليكم."
ظل وسيم واقف قليلاً يتحدث مع بعض الطلاب. لاحظ خروج ليلى من الباب الخلفي للمدرج. زفر أنفاسه بشعور الضيق، لكن يكفي أنه جعل ليلى تحضر، علها تستفيد لو جزء بسيط، وأيضاً ظلت أمامه لوقت كبير.
بينما خرجت ليلى من الباب الخلفي للقاعة هي وصديقتها التي قالت لها: "ليه خليتينا نطلع من الباب الخلفي؟ كنا طلعنا من الباب الرئيسي، كان عندي سؤال للدكتور وسيم."
ردت ليلى: "إحنا لسه فيها، هو عندك عايزة تروحي له براحتك، إنما أنا خلاص حاسة بصداع، همشي حتى ألحق أفوت ع الدكتورة في الصيدلية. اعتذر منها سلام."
غادرت ليلى تبتسم. لديها شعور بالراحة لا تعرف سببه. لما انشرح قلبها حين رأت يد وسيم خالية من تلك الدبلة. لكن نهرت نفسها قائلة: "فوقي يا ليلى من الوهم، خلاص ده واحد زي الطاووس بيحب يتفاخر إنه يقدر ينفذ اللي هو عاوزه لما خلاكي غصب تحضري المحاضرة، وفي الآخر حتى مندهش اسمين عشوائي. بس والله استفدت في نقط وأسئلة كنت محتاجة أجوبة واضحة عليها، كويس إني كتبت الأسئلة دي وأديتها لصاحبتي وهي اللي سألته عنها، من غير ما يعرف إن أنا اللي كنت محتاجة للتوضيحات دي."
******
في حوالي السابعة والربع
بالسرايا
بإسطبل الخيل
هبط رفعت من على تلك الفرس التي كان يدربها، أعطى اللجام لأحد العاملين لديه مبتسماً يقول: "الفرسة دي اهتم بيها وبأكلها كويس."
أومأ العامل له بالقبول.
أخرج رفعت هاتفه وقام بفتحه، وجد اتصال هاتفي من محمود. لكن بحث عن شيء آخر بالهاتف قبل أن يهاتف محمود. تبسم وهو يرى إشارة جهاز التتبع الموصول بهاتف زينب يعطيه مكانها بالسرايا.
تنهد مبتسماً يقول: "كويس التزمت بالحظر، هتخليني أفكر أطول مدة الحظر ده."
في ذلك الأثناء رن الهاتف بيد رفعت: رد بعد السلام بينهم: "كنت لسه هتصل عليك، خير... فابيو غادر لليونان ولا لسه؟"
رد محمود: "لأ لسه، والغربية فتح مدة وجوده بإسكندرية فترة مش محدودة. غريبة أنا كنت مفكر إنه هياخد ريما ويفضل يومين تلاته، لكن ده أعطى للاوتيل اللي نازل فيه خبر إنه هيفضل لمدة غير محدودة، مش عارف بيفكر في إيه، والأغرب ريما مظهرتش معاه خالص، حتى أوقات بينزل يتعشى في المطعم بتاع الأوتيل بيكون لوحده. تفتكر عمل فيها إيه؟"
رد رفعت: "ده إنسان سادي وأتوقع يعمل فيها أي شيء. بصراحة تستاهل. فكرت نفسها ذكية وجاية تلعب عليا بحتة فلاشة عليها صور لطفل صغير وبتقولي إنه ابني، مفكرة إني كنت هصدقها وأقع في فخها بسهولة. ابنها مولود بعد طلاقنا بسنة كاملة، ليه فضلت حامل سنة بحالها؟ بس الغريب الفلاشة كانت في درج في أوضتي ومعاها صورة. الصورة فضلت والفلاشة اختفت."
تعجب محمود قائلاً: "قصدك إن فيه حد دخل أوضتك وفتشها؟"
رد رفعت: "لأ الكاميرا اللي في الممر اللي قدام الأوضة جابت ريما وهي بتدخل لأوضتي ومغابتش، وده كان ضهر يوم مأمورية إسكندرية. كنت متأكد إنها خدت الفلاشة علشان تبعتها لزينب بس معرفش سبب إنها لحد دلوقتي مبعتتهاش لزينب. هي سابت الصورة مخصوص علشان زينب تشوفها فـتصدق محتوى الفلاشة، بس مش عارف بقى سبب إنها مبعتتهاش لحد دلوقتي. هي عارفة إن الصورة سهل تلفت نظر زينب، لكن الفلاشة ممكن متاخدش بالها منها أو حتى مش هتلفت انتباهها فلاشة مرمية في درج عادي أكيد مش مهمة. زينب صحيح فضولية، بس مش هيلفت انتباهها حتة فلاشة مرمية في درج عادي كده أكيد هتقول ملهاش أهمية. هي كانت عايزة زينب تشوف الصورة. متأكد إن الفلاشة هتبعتها لزينب في أقرب وقت."
رد محمود: "والفلاشة لما توصل للدكتورة هي هتستفاد إيه؟"
تبسم رفعت: "هي عرفت جزء من أطباع زينب في الفترة الصغيرة اللي قعدتها هنا في السرايا، وأكيد زينب عندها ضمير وهتصدق إن الولد ابني، وهتقولي إزاي سايب ابنك يتربى بعيد عنك، وممكن تطلب الانفصال. ووقتها هي ترجع لحياتي. هي عارفة إني أقدر أقف قدام فابيو لو صدقتها. والعقبة قدامها زينب. بس غلطانة حتى لو زينب مش موجودة مستحيل أفكر إني أرجعها لحياتي. دي كانت غلطة في لحظة تهور مني. كنت عايز أقرب من هشام، كان الطريق الوحيد وقتها قدامي كانت ريما. منكرش كنت معجب بيها وبجمالها زي أي راجل ما بيعجب بنت حلوة وظريفة، بس كنت غبي لما اتجوزتها رسمي وربطت اسمي بها. أنا عندي يقين إن هشام عارف كل الأطراف اللي شاركت في الحريق وهو كمان شارك معاهم، بس يمكن كان أقلهم أسباب، ويمكن كمان ندم بس هو أخد عقابه قبلهم. كفاية خسائره في القمار والرهانات الخسرانة ع خيول مضروبة. ومتأكد هاشم لما كان مستخبي كان عنده في الفيلا بتاعته. آه صحيح البنت اللي كانت ع المركب فاقت ولا لسه؟"
رد محمود: "للأسف البنت ماتت من يومين وده كان سبب اتصالي عليك النهاردة. البنت الدكاترة كانوا بيقولوا حالتها بتتحسن بس فجأة كده ماتت. عندي شك إن موتها مش طبيعي، بالذات بعد زيارة واحدة ست قالت إنها أمها ودخلت ليها بعدها ساعات البنت ماتت."
تعجب رفعت قائلاً: "طب وأمها دي مفيش معلومات عنها؟"
رد محمود: "للأسف لأ، حتى البنت مكنش معاها أي إثبات حتى ع اسمها. هاشم قدر يفلت المرة دي، مكنش لازم نسمح له بالهرب. وجود فابيو مقلقني جداً. فابيو بركان وأكيد هيعمل حاجة تشتت انتباهنا عنه. خد حذرك كويس الأيام الجاية."
رد رفعت: "تمام اطمن في رعاية الله."
أغلق رفعت الخط مقابل محمود وفتح برنامج ع هاتفه ونظر له، تنهد بارتياح قائلاً: "كويس جهاز التتبع اللي في السلسلة شغال وزينب مش بتقلعها غير حتى وهي نايمة."
تنهد بشوق وقال: "أما أرجع للسرايا أنام فيها شوية ع العشا."
******
بجناح مروة ورامي
دخل رامي وحد مروة تجلس على أحد المقاعد. تبسم وانحنى يُقبل وجنتها.
زفرت مروة نفسها: "تحدث رامى: "وأيه سبب النفخة دي بقى؟"
ردت مروة: "زهقانة طول اليوم بين حيطان السرايا."
رد رامى: "معلش بس مشغول اليومين دول شوية في تدريب فرس وبعد كم يوم أوعدك آخدك نروح نغير جو في أي مكان تختاره."
نهضت مروة مبتسمة تلف يديها حول عنق رامى قائلة: "بجد يا رميو."
تبسم رامى قائلاً: "بجد بس بلاش كلمة رميو دي بتعصبني، أنا مش بحب الدلع."
تبسمت مروة بدلال قائلة: "طب متحبش إني أدلعك؟"
رد رامى وهو يضع يديه ع خصر مروة بتملك قائلاً: "أنا دلعي مش بالاسم يا روحي، دلعي يكون كده."
قال رامى هذا وجذب مروة لتلتحم بصدره وقبلها قبلات عاشقة وشغوفة.
لكن قطعت القبلات... طرقاً ع باب الجناح يصحبه صوت الخادمة تخبرهم أن العشاء جاهز والجميع في انتظارهم.
تذمر رامى وهو يترك شفاه مروة ووضع وجهها بين يديه قائلاً: "لازم نروح رحلة سوا بعيد عن هنا في أقرب وقت."
تبسمت مروة بدلال وهي تمسك يديه قائلة: "وأنا من إيدك دي لأيدك دي معاك في أي مكان."
تبسم رامى وقام بحضنها بقوة.
لفت مروة يديها حول رامى تحتضنه هي الأخرى هامسة تقول: "بحبك يا أحلى مسخ."
تبسم رامى يقول: "بس الجميلة لما قالت للمسخ اتحول... لشاب وسيم من تاني وأكيد الأميرة رجعت تاني تلف حواليه. مش خايفة أحلو في نظر غيرك."
شعرت مروة بالغيرة وفكت يديها من حول رامى وقالت بصوت مهزوز: "أنا جعانة خلينا ننزل نتعشى."
تعجب رامى من تغيرها لكن نفض عن باله وقال لها: "كويس إن ريما مشيت من السرايا، كانت عاملة خانقة في البيت."
رسمت مروة بسمة قائلة: "انت ليه رفضت إني أحضر خطوبة وسيم معاك."
رد رامى: "مفيش سبب الخطوبة كانت مختصرة حتى رفعت محضرهاش."
ردت مروة: "رفعت محضرهاش أكيد بسبب وجود ريما."
رد رامى: "ريما نفسها محضرتش، قولتلك كانت مختصرة، خلينا ننزل نتعشى."
لا تعرف مروة سبب لشعورها بالغيرة بعد رفض رامى ذهابها معه لخطوبة وسيم ولمى، بعد أن علمت أن مهره أيضاً لم تحضر للخطوبة، وكان هناك بعض صديقات لمى جائوا من الأسكندرية. ترى هذا هو السبب أن يعود رامى مرة أخرى لمصاحبة الفتيات.
******
بعد وقت من انتهاء العشاء
ذهبت زينب قليلاً مع إنعام ثم عادت لغرفتها.
بدلت ثيابها بأخرى للنوم، وتوجهت للفراش، لكن سمعت طرق ع باب غرفتها.
للحظة اعتقدت أنه رفعت لكن بالطبع لا، فهو همجي يدخل للغرفة دون استئذان.
نهضت وفتحت الباب وجدت إحدى الخادمات أمامها، قالت لها: "آسفة يا دكتورة الظرف ده جه النهارده الضهر باسمك ع البوابة والحارس جابهولك هنا اتفضلي."
أخذت زينب الظرف مبتسمة تقول: "شكراً تصبحى على خير."
أغلقت زينب الباب وفتحت الظرف، تعجبت من محتوى الظرف، هو لا يحتوي سوى ع فلاشة!
مسكتها بيدها وقالت بتعجب: "مين اللي هيبعتلي فلاشة وياترى عليها إيه؟ لا تكون خدعة من الهمجي ويكون عليها فيروس، يڤيرسلي الفون. بس الفضول مش هيخليني أنام قبل ما أعرف الفلاشة دي مين اللي باعتها ليا، لو الهمجي وعليها فيروس هدفع تمن فون جديد ماركة عالمية زي الفون بتاعه."
بالفعل أتت زينب بهاتفها ووضعت الفلاشة وقامت بتشغيلها... لتنصدم قائلة: "رفعت عنده ولد من ريما ومخبى عليا........."
******
في العوينات، بصحراء مصر
بعد يوم عمل شاق أسفل شمس الصحراء وأصوات ماكينات التنقيب، ارتمى مجد بجسده فوق فراشه يشعر بالإرهاق.
أغمض عيناه، جاءت تلك السندريلا إلى خياله. تنهد باسمها قائلاً: "هبه."
أخرج هاتفه من جيبه وفتحه ع تلك الصور الذي التقطها لها ليلة عرس رامى.
خلدته، يشاهد صورة خلف صورة، حفظ عقله تلك الصور.
تبسم بتشوق للحديث معها عبر تلك الرسائل القصيرة بينهم، لكن الآن الساعة العاشرة والنصف وهي قالت له سابقاً أنها تنام مبكراً من أجل دروسها، قد تكون نائمة فهي طالبة بالثانوية العامة وهذه السنة هي من تحدد المستقبل كله.
شاور عقله.... ابعث رسالة عادية إن كانت مستيقظة سترد عليها وإن كانت نائمة ستراها صباحاً، وترد عليها ويكون أحلى صباح حين تستفتح اليوم برسالتها. لكن لا قد تكون نائمة وتصحو ع صوت الرسالة.
أصبح حائر بين إرسال رسالة أو عدم إرسالها.
بينما السندريلا ذاتها هي الأخرى مستيقظة ع فراشها الهاتف ع الفراش أسفل يدها تنظر لسقف الغرفة، لا تفكر بشيء.
لكن فجأة تذكرت حديث مجد المرح معها حول أفعاله هو وأخته. جذبت الهاتف وضعته بين يديها وفتحت ذلك التطبيق، وآتت باسم مجد.
شاورت عقلها، أن ترسل له رسالة.
لكن ماذا تقول؟ هو بالتأكيد نائم، هو يعمل تحت الشمس طوال اليوم. وأيضاً منعها الحياء.
لكن فكرت بمكر ودهاء قد تلفت نظره دون أن تضطر لإرسال رسالة وتتنازل عن حياؤها.
فتحت الفيسبوك ع أحد المواقع وقامت بأخذ أحد المنشورات ونشرتها مشاركة ع صفحتها الشخصية. بالتبعية سيتلقى مجد إشعار لديه بالمنشور.
في ذلك الوقت كان مجد مستلقى ع الفراش، سمع إشعار لديه. نظر للهاتف أنه من صفحة هبه. قامت بنشر منشور الآن. إذن مستيقظة. إنها فرصة له.
سريعاً قام بالتعليق عليها.
تبسمت هبه مكرهاً أتى بفائدة.
أرسل لها مجد رسالة.
سرعان ما تبسمت وردت عليه ليأخذهم الحديث سوياً إلى عدة حوارات حول بعض أساليب التنقيب عن البترول.
إلى أن غير مجد دفة الحديث قائلاً: "تعرفي إننا هنا في المكان مفيش أي بنت حتى في الإدارة، دول قاعدين تحت التكيفات في مكاتب خاصة لهم، إنما الغلابة اللي زيي دماغهم ساحت من حرارة الشمس وفي الآخر نتحسد ع المرتب اللي بالدولار."
تبسمت هبه قائلة: "طيب أهو في مقابل كويس، بس مين قالك إن البنات اللي قاعدين في التكيفات مبسوطين بكده، وكمان مش قاعدين يلعبوا دول بيحللوا عينات من التربة ويقدموا تقارير عن ده يعني شغلهم كمان صعب وبيعتمد ع التركيز والتأكيد، الغلطة منهم ممكن تكلف الشركة كتير ووقتها الشركة مش هتغفر لهم الخطأ ده، أنا بتمنى أدخل كلية الهندسة تعدين، وأشتغل بعدها في شركة بترول وأقبض بالدولار زيك كده."
تبسم مجد يقول: "كلكم عين واحدة عينكم في دولاراتي، زيك زيك زي زينب أختي، والله أنا قصاد الدولارات دي بشتغل ليل نهار، يعني أنا من الفجر ع البريمة في الموقع يادوب لسه راجع السكن آخد شوية راحة قبل ما أصحى الفجر تاني. بس أقولك أنا عندي ليكي شغلانة تانية ممكن تقلبي مني بيها دولارات زي البت زوزي ما بتقلبي مني ويمكن أكتر كمان."
رغم أن هبه تفهم حديث مجد، لكن ادعت الغباء وقالت له: "وده إزاي بقى؟ هفتح مكتب صرافة."
تنهد مجد يهمس قائلاً: "والله البت دي غبية ومبتفهمش بالتلميح يا مجد حظك الأسود، أختك والبت اللي بتحبها أغبياء."
تحدثت هبه قائلة: "مش بتردي عليا ليه؟ أكيد هلكان تصبــــــ..."
قبل أن تكمل هبه تحدث مجد: "لأ لسه شوية كده مش جايلى نوم. خلينا نتسلى شوية."
ردت هبه بمكر: "هنتسلى في إيه؟"
رد مجد: "نرغي سوا وهو فيه أحلى من رغي الليل، وحلاوة رغي الليل، طب إنتى ليه منمتيش لدلوقتي."
ردت هبه: "مفيش كنت بذاكر وزهقت وقولت آخد وقت مستقطع وبعدها هرجع أذاكر تاني خلاص الامتحانات ع الأبواب، وانت إيه اللي مصحيك لدلوقتي، مش بتقول هلكان طول اليوم؟"
رد مجد: "أنا بفكر في اللي القمر ناسيني."
بمكر قالت هبه: "قمر إيه اللي ناسيك يا عم أنت قاعد في الصحرا والشمس والقمر فوق راسك."
همس مجد يقول: "والله نفس غباء زينب أختي."
لكن قال لهبه: "قمر عايشة في الشرقية بعيد عني، والله نفسي آخدها من إيديها وأجيبها هنا جنبي في العوينات وآخد أنا وهي شقة لوحدنا."
فهمت هبه مقصده وقالت بمكر: "آه فهمتك قصدك مين القمرة."
تبسم مجد يقول بتنهيدة: "أخيراً... طب فهمتي قصدي مين؟"
ردت هبه ماكرة: "أكيد تقصد الدكتورة زينب أختك، مش هي أختك الوحيدة وعايشة هنا في الشرقية."
صُدم مجد قائلاً: "وهي زينب أختي تقرب للقمر أصلاً؟ أنا قصدي..."
قاطعته هبه قائلة: "دي قمر أربعتاشر وعارفة إنك تقصدها بالقمرة. بصراحة تستحق تشتاق ليها."
همس مجد لنفسه: "أنا أشتاق لزينب دا أنا مصدقت اتخلصت منها واتجوزت بعيد عني."
لكن قالت هبه بمكر: "بصراحة أنا بحسد زينب ع أخ زيك وكان نفسي يبقى عندي أخ كبير زيك، ونفسي ليه، أنت زي رامي، يعني تعتبر أخويا."
صُدم مجد يهمس عقله: "أخويا... يا مصيبتك يا مجد دي البعيدة مبتفهمش خالص."
لكن شعر بإغتاظ منها قائلاً: "يظهر من كتر المذاكرة مخك ساح، أنا بقول تروحي تنامي علشان تصحي فايقة."
ألقى مجد الهاتف ع الفراش قائلاً: "البت زوزي دي حظك النحس يا مجد، لأ وسندريلا شكلها غبية ومبتفهمش في التلميح، أحسن حاجة أقول لها كبس كده.... أنا بحبك يا سندريلا."
بينما تبسمت هبه ع غيظ مجد الواضح، ماذا ظن هذا الأحمق أنها لا تفهمه، لكن هو لا يفهم مكر حواء مهما كانت صغيرة، قادرة ع التلاعب بأعتى عقول الرجال، مابالك عقل هذا الأحمق المفضوح أمامها.
******
ليلاً
بمشفى بغرفة حاضنة خاصة للأطفال المبتسرين المولدين قبل ميعادهم.
كان ذالك الصغير، عيناه تقدح نيران ينظر له كأن نظرات عينيه سنة لهب تحرق جسده.
ليس هذا فقط، فُتح باب الغرفة، ودخلت فتيات خلف بعضهن، منهن من تسير بأجساد مفتوحة خاوية تنزف دماءً وأخريات يرتدين ثياب عاهرات عيناهن متقدة بنيران.
التفوا حوله وبدأن برفع أيديهن يحاولن نهش جسده بأظافرهن الطويلة.
كان يعود للخلف وهن يتقدمن عليه إلى أن وقع على الأرض دون انتباه.
شعر بوقوع ذلك الصغير فوقه وقام بلف تلك الأنابيب الرفيعة التي كانت عليه حول عنقه وأعطى للفتيات الطرفان من الأنابيب.
أمسكت الفتيات الطرفان كل من ناحية تشد بقوة الأنابيب الرفيعة التي تضيق حول عنقه تكاد تخنقه.
لكن...
استيقظ فجأة برعب يضع يديه حول عنقه وأشعل الضوء ونهض من على الفراش وذهب إلى المرآة ينظر بها، حول عنقه، لا شيء. إذن ما رآه كان كابوساً مخيفاً لاول مرة يرى كابوساً بحياته.
نظر إلى ذراعه وجدها تنزف دماءً.
تحدث لنفسه: "مالك يا هاشم أول مرة تشوف كابوس؟ أكيد ده هلوسة من المسكن اللي أخدته علشان إصابة إيدك."
ذهب هاشم لحمام الغرفة وأتى بحقيبة الإسعافات. وبدأ في تضميد جرح يده إلى أن انتهى.
نهض وذهب إلى المرآة الموجودة بالغرفة ووضع حقيبة الإسعافات، لكن لمح بالمرآة طفل وليد موضوع ع الفراش.
للحظة هلع ونظر خلفه ع الفراش، الفراش فارغ.
ما قصة هذا الوليد وتلك الفتيات المرعبات المنظر؟
أغمض عيناه للحظة، لكن ندم على ذلك بسبب ذلك الوليد الذي ظهر له بخياله عيناه اختفت منها الحياة.
وأغمض الوليد عيناه، لكن سرعان ما فتح عينيه، رأى عين أخرى رآها سابقاً تتحداه، عين نعمان!
أجل عين الوليد كانت تشبه عين نعمان.
فتح هاشم عينيه وذهب يجلس ع الفراش يتصبب عرقاً.
ألقى بجسده ع الفراش حاول إغماض عينه مرة أخرى، لكن جاء ذلك الوليد يعيد مشهد حدث بالماضي.
هذا الوليد الذي كان كل ما يوصله بالحياة مجموعة من الأنابيب الرفيعة، سواء التي كان يتغذى بها أو حتى تمده بأكسجين الحياة.
هو نزع من ذلك الوليد الحياة، حين نزع عنه تلك الأنابيب الدقيقة الموصولة بجسده.
لم يتحمل الوليد ذلك سوى ثواني بعدها فارق الحياة مبرأ من أي ذنب، تاركاً ذنب عظيم لمن فقد إنسانيته وتحول لشيطان قاتل يحمل أقسى الآثام سواء كان قتل الفتيات الصغيرات أو سلب حياة هذا الوليد البريء.
لكن... شيطانه تحكم به وفكر أن سبب ذلك الكابوس هو تلك الحبة التي تناولها قبل أن ينام حتى لا يفكر.
كيف لذلك الحقير المعدوم صفوان أن يبلغه رفضه عرض زواجه من ابنته له، بل وتحداه أيضاً بمن يستقوي ذلك المعدوم صفوان أمامه؟ ألا يعلم من.... هاشم الزهار.
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سعاد محمد سلامة
بغرفة زينب
انتهت من مشاهدة الفلاشة وأخرجتها من الهاتف وألقت الهاتف على الفراش ومسكت الفلاشة بيدها.
للحظات فكرت في الذهاب إلى غرفة رفعت ومواجهته بما هو مسجل على الفلاشة، وإن كان له ابن من تلك الحقيرة ريما، فلماذا يخفي عنها الأمر؟ وأيضًا لماذا يسمح ببعد ابنه عنه وتربيته بعيدًا عنه؟
لكن عادت تفكر، ما شأنها بذلك؟ إن كان له ولد من أخرى، ماذا يعني لها ذلك؟ ربما أفضل.
تحدثت زينب التي بداخلها أكثر من شعور لا تعرف تفسيرًا لهم: "مالك يا زينب؟ حاسة إنك مضايقة علشان اكتشفتي أن له ابن؟ عادي وطبيعي. أنتي من الممكن متخلفيش أصلا، وحتى لو خلفتي ممكن اللي تخلفيه يورث منك المرض و..."
المرض. على ذكر المرض تحدثت زينب: "غريبة، البريود بقالها أكتر من شهر مجتليش. لكن في نفس الوقت ردت على نفسها: "وأيه الغريب في كده؟ هي عندك من الأول مش منتظمة. بلاش توهمي نفسك بشيء ممكن يكون كذب. ورفعت طالما عنده ولد من غيري يمكن ما يفكرش إنه يخلف مني. أكيد ده الأفضل. هتروحي تسألي رفعت عندك ولد وليه مخبي عليا؟ أكيد هيرد زي ما قال قبل كده لما قلت له أنه كان متجوز قبلي، هيقولي: 'اتذكر في قسيمة كتب الكتاب، وأنتي اللي ما أخدتيش بالك. ممكن يقولك: طالما كنت متجوز شيء بديهي يكون عندي طفل أو حتى أطفال منها.'"
اتكأت زينب على الفراش تنظر لتلك الفلاشة بيدها. مشاعر متضاربة بداخلها. ضيق، شعور بالنقص، وأخيرًا غيرة. "غيرة؟ أجل اعترفي يا زينب، رفعت خلاص اتمكن من قلبك... كان نفسك تكوني الأولى في حياته... حتى ولاده منك... لكن القدر أراد ذلك."
نهضت زينب من على الفراش وأخذت هاتفها ووضعته هو والفلاشة على طاولة صغيرة جوار الفراش. ثم ذهبت إلى الحمام تشعر بنيران بجسدها، بالتأكيد بسبب الحر الذي بدأ يتوغل.
خرجت بعد قليل تشعر بترطيب في جسدها. للحظة مسكت المشط تمشط شعرها، لكن قالت: "ماليش مزحة أسرح راسي ولا حتى أنشفه. أنا حاسة بإرهاق. أكيد أما أنام هرتاح."
وضعت المشط ولم تنشف شعرها. شعرت بهبوط قليلاً وكادت تختل، لكن مسكت بالدولاب، وقالت: "مش عارفة مالي. بقالي فترة والله. أنا خايفة أدخل في غيبوبة سكر. كل ده من اكتشافاتي عن الهمجي. آخرها إن عنده ابن. أخد حقنة وبعدها أنام. أصحى الصبح كويسة."
بالفعل حقنت نفسها، ثم ذهبت إلى الفراش. كعادتها لم تحتاج لوقت كي تغوص في النوم.
بغرفة رفعت
كان نائمًا على الفراش يضع يديه أسفل رأسه يفكر في رد فعل زينب بعد مشاهدة محتوى الفلاشة. من باب الفضول لديها بالتأكيد ستأتي إليه ثائرة تطلب التفسير.
تبسم وتذكر قبل قليل حين دخل له فرد من آمن الحراسة وأعطاه تلك الرسالة.
أخذ الرسالة، كان مكتوبًا عليها اسم زينب فقط، لا أحد غيرها.
أتى بولاعة وقرب لاصق الطرف منها، قام بتسييحه وفتح الرسالة. كما توقع منذ أن أخذ الرسالة من يد الحارس، فلاشة...
وضعها بهاتفه يتأكد من محتواها، ربما عليها شيء آخر. بالفعل محتواها كما هو.
للحظات فكر بعدم إرسال الفلاشة لزينب، وأن الأفضل أنه وقعت بيده أولاً. لكن لا يعلم لماذا أراد معرفة رد زينب.
وضع الفلاشة بالظرف وقام بإغلاقه مرة أخرى، وقام بالنداء على إحدى الخادمات وأعطاها الظرف وأمرها أن تقول لها أن من أعطاها الرسالة هو آمن البوابة.
رفعت ينتظر أن تدخل زينب لغرفته بثورة وسينتهي الأمر بينهم بسهولة كالعادة. لكن توعد لنفسه، زينب ستدخل الليلة لغرفته، لن تعود لغرفتها مرة أخرى حتى لو طلب الأمر منه الاعتراف أنه يحبها. لا... يعشقها.
طال الوقت والانتظار ممل للغاية.
نهض رفعت من على الفراش. في البداية تحير أمره، أتكون زينب لم تشاهد الفلاشة بالتالي لم تأتي؟ أجل، هذا هو السبب الوحيد لعدم مجيئها بالتأكيد. زينب لديها فضول معرفة أساس الأمر.
حسم رفعت أمره وخرج من غرفته، توجه لغرفة زينب وفتح الباب بهدوء. تفاجأ بها نائمة في الفراش.
اقترب من الفراش ونظر لها على ضوء خافت بالغرفة. لفتت نظره تلك الوسادة التي أسفل رأسها تبدو مبتلة بوضوح. للحظة رجف قلبه أن تكون محمومة، لكن تبدو جيدة.
أقترب أكثر وكاد أن يوقظها، لكن لاحظ خصلات شعرها الرطبة.
للحظة أضاء هاتفها الموصول بالشاحن فوق طاولة جوار الفراش. بنظرة خاطفة وقع بصره على الفلاشة بجواره. تيقن زينب علمت محتوى الفلاشة. لكن لما لم تفعل كعادتها تواجهه دائمًا؟ ألا يهمها الأمر؟ أتصدق محتوى الفلاشة ولا داعي لتواجهني؟ أم...؟
توقف عن التفكير حين لمح عضد يدها يبدو بوضوح أثر لسن حقنة. لابد أنها تعاطت حقنة الأنسولين. تعجب، في الفترة الأخيرة زينب تتعاطى الأنسولين بكثرة. هل كانت كذلك سابقًا؟ ما السبب لحاجتها المستمرة للأنسولين بكثرة هكذا؟
فكر عقله وقال: "زينب لازم تعمل فحص طبي شامل في أقرب وقت..."
تنهد وهو ينظر لتلك الشرسة النائمة الذي كان ينتظر أن تأتي لغرفته ثائرة، هي نائمة.
انحنى على وجهها ووضع قبلة رقيقة على جبينها. متعجبًا من رد فعلها المخالف لما توقعه.
بجناح خاص بأحد أفخم فنادق الإسكندرية
كان فابيو يترك آثار قبلاته الدامية على جسد ريما التي تتألم من معاملته القوية العنيفة. كانت قُبِلاته تترك آثارًا، لكن أهون عليها من علامات سياطه على جسدها.
بالليالي الماضية كانت حين تصرخ يضع ذلك اللاصق حول فمها.
كل ما تخشاه الآن أن يأخذها من هذا الفندق ويذهب لشقة خاصة يُذيقها ويلات أكثر من ذلك. لكن ما زال يحقد قلبها على زينب. لما أحبها رفعت؟ ماذا تفرق عنها؟
لكن زينب هي من ستجعل رفعت ينقذها من ذالك البركان الهائج فابيو.
من خلال مكوثها الأيام السابقة التي قضتها بسرايا رفعت، لاحظت زينب رغم أنها تكرهها، لكن لديها ضمير. كثيرًا ما تتوقف أمام رفعت. هي ستصدق تلك الفلاشة وتجعل رفعت يأتي لإنقاذها من ذالك البركان.
لكن هي واهمة. لا أحد سينقذها من هذا البركان الآن. هي من اختارت الخيانة وأقل عقاب ما يفعله بها فابيو. يجعلها عاهرة يمارس عليها ساديته التي كان يكبتها لفترة. ها هو يترك لساديته زمام الأمر مع ريما. ممارسات موحشة قوية تدمي جسدها، تحترق روحها بالبطيء بين يديه ولا رحمة.
ولا تستطيع أن تصرخ على أحد ينقذها منه. لكن هي على فوهة بركان هائج يتلذذ بصراخها المكتوم بسبب ذالك اللاصق الذي يضعه على فمها. يستمتع بها ليس بصراخها المكتوم فقط، بل بجسدها الذي ينتهكه.
بعد وقت ليس بالقليل تنحى فابيو عنها نائمًا على الفراش جوارها. ينظر لها بإستمتاع وهي غير قادرة على الحركة. جسدها بالكامل يؤلمها.
تبسم بتشفٍّ قائلًا باليونانية: "بالغد ستعودين إلى اليونان وتنسين نزول مصر مرة أخرى دون إذني. تشكرين الرب أني رحمتك بسبب طفلنا ذو الثلاثة أعوام الذي هجرته وجئتِ لمصر لاهثة خلف رفعت الزهار الذي سلمك لي دون تعب. يبدو أنه عاشق لمن تستحق ذلك العشق. طاهرة ليست مثلكِ، عاهرة تترك طفلها بحثًا عن رجل هجرته سابقًا... أنا سأبقى هنا لبضع أيام، ما زال لديها أعمال لا بد من إنهاءها قبل العودة إلى اليونان. لا تخافي، هناك رجال حراسة بالمنزل باليونان ستكونين تحت مراقبتهم طوال الوقت. لا تعتقدي أن خيانتك ستُغتفر، صدقيني لولا وجود طفلنا لـ... لكنتِ الآن بقايا رماد بعد أن أحرقتك. حقًا كنت غبيًا حين صدقت أن إحدى ابنتي جاكلين صادقة بالحب، فالابنة عاهرة أكثر من الأم."
لم يقل هذا فقط، بل قام برفسها بقدميه لتقع من فوق الفراش أرضًا. لا تشعر فقط بآلام بجسدها، بل تشعر بالإذلال والإهانة الساحقة.
بمنزل وحيد الشامي والد وسيم
جلس وسيم على أريكة بحديقة المنزل الصغيرة. رفع رأسه للأعلى، ينظر إلى تلك النجوم المتلألئة بالسماء. ليلة صيفية بنسمات ربيعية.
تبسم وهو يتذكر حضور ليلى للمحاضرة. يعرف أنها حضرت بالإجبار، لكن لا يهم. المهم أنها امثلت للحضور.
أخرج ذالك الهاتف الذي كان بحوزة المتسكع. فتح الصور. نظر لصورة مع ليلى. كم تعذب قلبه حين تمعن بالصور. رأى بعين ليلى نظرة حزينة، حتى أنها كانت تلمع بدموع تحاول كبتها وقتها.
تمدد وسيم على تلك الأريكة يثني ساقيه كي يلائم جسده تلك الأريكة.
فكر عقله يلوم نفسه: "عملت إيه يا وسيم علشان تهرب من حب ليلى ورطت نفسك مع واحدة أقل وصف لها عاهرة. ليه اتحكم فيك العناد وصممت على خطوبتك من لمى؟ عِند! عِند في مين؟ عِند في نفسك أولاً. ليه بعد ما خالتك سردت لك حكايتها في الماضي مع نعمان خال ليلى وأنها كان ممكن يكون عندها ابن حسيت بالغيرة اللي ظهرت أكتر لما عرفت إنها سردت حكايتها القديمة لرفعت قبلك؟ وكان ممكن ما تعرفش القصة دي لو مش الصدفة. ليه فضلت رفعت عليا وقالت له على وجعها وأنا لأ؟ أنا زي ابنها. لأ، مش زي ابنها، أنا فعلا ابنها. أنا ليا معاها ذكريات أكتر من ذكرياتي مع أمي الحقيقية. احتوتني في مرحلة كان سهل أضيع فيها بعد ما كنت بحس إني وحيد لما رامي ورفعت راحوا يعيشوا في إسكندرية وفضل هو لوحده معاها. أنا هربت من هنا وسافرت البعثة علشان كان عندي إحساس بالوحدة. كداب يا وسيم. مهره كانت صديقتك وكل حياتك. قالت لك صريحة لو خطوبتك من لمى تمت هي مش هتحضرها ولو الجواز كمل تنساني. حتى رفعت أكد نفس الكلام. لا، مش كلام، بل نفذا ما قالاه الاثنان. لم يحضر أحد منهم الخطوبة، لم يحضر سوى رامي فقط. ظن وقتها أن لن يفرق معه وجودهم بجواره، هو تعود على الوحدة. لكني أشعر الآن بوحدة موحشة قاتلة لم أشعر بها سابقًا. أشعر كأن حبلاً يلف حول عنقي يخنقني. لكن شعر براحة قليلاً حين خلع ذالك المحبس الذي كان بيده يربطه بلمى. لابد أن ينهي تلك الخطبة في أقرب وقت. يكفي عنادًا. أنت تعاند نفسك، لا تستطيع العيش بدون الإحساس بوجود رفعت ومهره في حياتك. والأهم... اعترف أنت عاشق ليلى."
بمنزل صفوان
دخل إلى غرفة بناته. تبسم حين رأى هبه التي ارتبكت حين دخل وقالت: "بابا... خير حضرتك لسه جاي من بره."
أومأ صفوان برأسه وهو ينظر إلى الفراش يرى ليلى نائمة لكن ليست مغطاة.
تحدث قائلًا: "لسه هتسهري؟"
ردت هبه: "أيوا هسهر أذاكر شوية، خلاص الامتحانات قربت جدًا. ربنا يسهل."
تبسم صفوان يقول: "ربنا ينجحك ويوفقك إنتي وليلى وتوصلوا لكل آمالكم."
رغم تعجب هبه لكن قالت: "آمين يا بابا. أنا نفسي أبقى مهندسة بترول وأشتغل في أي شركة. دي مرتباتهم كبيرة قوي. وقتها أريح ماما وكمان حضرتك ما تبقاش محتاج تشتغل عند حد."
نظر صفوان لهبه التي دون قصد وضعت السم بمعسول حديثها. ماذا تقصد بأن تريحه؟ هو لم يتعب يومًا عليهن ولم يشعرهن في السابق، لكن لديه زهو لأول مرة شعر بقيمة ما يمتلك. فتيات جميلات بقلوب جميلة مثلهن يستحقون التضحية حتى بعمره من أجلهن.
تبسم صفوان واقترب من هبه وقبل رأسها قائلًا: "ربنا يحقق لك أملك. هسيبك تكملي مذاكرة، بس حاولي ما تسهريش كتير علشان عينيكي. تصبحي على خير."
تعجبت هبه، لأول مرة يفعل ذلك، لكن شعرت بسعادة بالغة قائلة: "وأنت من أهل الخير يا بابا."
تبسم صفوان وتوجه للفراش الآخر التي تنام عليه ليلى وقام بعدل الغطاء عليها، وخرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه وسط تعجب هبه الممزوج بفرحة بالغة.
بينما خرج صفوان من الغرفة، وتوجه إلى ردهة المنزل وفتح باب الشقة وجلس على السلم الخارجي ينظر إلى السماء ونجومها اللامعة. هو في حياته أربع نجمات لم يكن يقدر قيمتهن.
فجأة دون سابق إنذار شعر بوجودهن. تذكر قبل ساعات حين ذهب لمقابلة ذالك الوغد الذي يطمع بصبا ابنته ليلى. ربما هو كان أنانيًا معهن سابقًا، كان يفضل العيش بهوى نفسه، لم يكن يريد تحمل مسؤولية في حياته. كانت السبب في ذلك والدته من عودته على الأنانية. لكن كان هذا خطأ كبير. ابنته ليست للبيع. ذالك الوغد هاشم الطامع في صباها ربما كان يومًا يتمنى أن ينجب مثلها وكان سيصونها من الأعين التي تريد افتراسها، وهذا ما سيفعله. لن يضع ليلى بيد ذالك الوغد. هو حتى لم يخبرها ولم يخبر أحدًا بطلب ذالك الوغد الطامع في صبا ابنته.
دخل إلى الإسطبل الخاص بهاشم وجلس الاثنان بمكان بعيد قليلاً.
تحدث هاشم بزهو، فهو على يقين أنه لن يرفض عرضه وقال: "ها، أكيد جاي تقول لي إنك موافق على جوازي من ليلى. تأكد، هتكسب كتير من وراء الجوازة دي وزي ما قلت لك هتكون عرفي وفي السر بعيد عن هنا و..."
رد صفوان قبل أن يسترسل هاشم حديثه: "لأ، مش موافق. ليلى رفضت وما أقدرش أجبرها."
تحدث هاشم بصوت عالٍ قليلاً، يكز على أسنانه: "يعني إيه رفضت؟ وإنت رأيك فين؟ ولا ملكش كلمة عليها؟"
رد صفوان: "لأ، ليا كلمة. بس أنا كمان معاها مش موافق. هي لسه صغيرة، يا دوب كملت تسعتاشر سنة وبتدرس في كلية الطب البيطري وقدامها مستقبل كبير."
رد هاشم: "هيبقى ليها مستقبل أكبر معايا."
رد صفوان: "مستقبل إيه وهي هتبقى زوجة سرية بعقد عرفي؟ شيل ليلى من دماغك يا هاشم بيه."
تعصب هاشم قائلًا: "واضح إن مش ليلى بس هي اللي مش موافقة وإنت كمان. مفكر علشان أختها الكبيرة اتحوزت من رامي الزهار، إنها هي كمان ممكن يتقدم لها واحد زي رامي؟ تبقى غلطان. وبكرة تتأكد، رامي هياخد شهوته من بنتك ويرميها ومعاها قرشين. لكن أنا بضمن لك بنتك تعيش معايا العمر كله."
سخر صفوان قائلًا: "أي عمر يا هاشم بيه؟ إنت تقريبًا أكبر مني في السن بكذا سنة. ليه تدفن شبابها؟ ومتأكد إن رامي عمره ما هيرمي بنتي لأنه بيحبها وتعب على ما نالها، واللي بيتعب عشان ينال شيء صعب يفرط فيه. أنا آسف يا هاشم بيه، بنتي مش للبيع."
تحدث هاشم بعلو صوت زائد: "بنتك مش للبيع، بس لو وصل لرفعت الزهار أو رامي الزهار إنك زمان سرقت فرسة من الإسطبل يوم الحريق وإنك ممكن تكون..."
قاطعه صفوان قائلًا: "إني ممكن أكون إيه؟ أنا اللي حرقت المكان؟ طب إزاي وأنا قبلها كنت بكلم رضوان بيه ومعاه في نفس المكان وكنت بحاول أنقذ الخيول وفعلاً أنقذت فرسة من النار."
تعجب هاشم ساخرًا: "أنقذتها طمع بس. القدر كان لك بالمرصاد والفرسة كان الدخان مالي رقبتها ومقدرتش تقاوم غير ساعات وماتت."
تعجب صفوان يقول: "وعرفت منين؟ بكده يومها محدش شافني. إنت كنت السبب في الحريق؟ إنت كان بينك وبين رضوان بيه خلافات كتير وهو كان سحب السوق كله من تحت إيدك."
تلعثم هاشم يقول: "اللي بتقوله ده جنان. أنا كان مصلحتي إيه من الحريق؟ أنا كان عندي ومازلت أموال أكتر من أموال رضوان، ورامي الزهار، اللي جاي ومفكر إنه هينفعك. قدامك فرصة تانية، أسبوعين في إيدي شغلانة أخلص منها وبعدها هفضالك وصدقني وقتها إنت اللي هتجيب بنتك لحد عندي وترميها قدام رجلي. ودلوقتي غور وفكر كويس في عرضي وحاول تستغله لمصلحتك إنت وبنتك."
نهض صفوان يقول: "رأيي مش هيتغير يا هاشم بيه، واللي في أمر ربنا هيكون."
شعر هاشم بنيران بصدره. ذالك السائس الذي طرده يومًا من العمل بمزرعته، وقف أمامه اليوم يرفض عرض زواجه من ابنته بل ويتحدّاه. لا، هاشم الزهار كل ما يريده يحصل عليه، وذالك الشحاذ هو من سيأتي بابنته أسفل ساق هاشم.
بينما صفوان لأول مرة يشعر بذلك الإحساس. إحساس الأبوه. تبسم بغصة من تهديد هاشم له أنه سيفتش أمر تلك الفرسة. هو بالفعل وقتها سيطر الطمع عليه وأخرج تلك الفرسة من أحد أبواب المزرعة وقتها، وكان سيبيعها لحسابه طمعًا في الثراء. لكن شاء القدر أن تختنق الفرسة بالعشب الذي وضعها فيه وقتها، وعاد للمزرعة، وحين عاد للإسطبل وجد كل شيء تساوى بالرماد.
ربط صفوان وعيد هاشم له بتفتيش سر تلك المهرة، وبين ما حدث قديمًا. أيكون هاشم الزهار هو من قام بحرق السرايا والإسطبل قديمًا!
لكن عاد صفوان من تذكره على يد وضعت على كتفه وصوت دافئ تقول: "صفوان قاعد كده ليه قدام الباب.. مش هتنام."
نظر صفوان خلفه بعينيه دمعة تود الفرار من بين مقلتيه ندمًا على عمر أضاعه بأنانيته وقال: "أبدًا، حسيت إني حران شوية قولت أقعد في الهوا."
تبسمت فادية قائلة: "بيقولوا الصيف السنة دي هيبقى قاسي، زي الشتا ما كان قاسي."
تبسم صفوان يقول: "باين كده خلاص مبقتش حاسس بالحر. هدخل أنام، يلا بينا."
تبسمت فادية وسارت أمامه، سار صفوان خلفها، يتمنى أن يمهله القدر تعويض فادية عن أنانيته السابقة معها.
بمنزل هاشم الزهار
أغمضت مهره عينيها ثم فتحتها. مرت أمام عينيها ذكرى الوقت الضئيل التي قضته برفقة نعمان. فقط وقت ضئيل شعرت وهي بين يديه بالحياة لأول مرة.
تذكرت اللقاء من البداية. قبلة حانية ممزوجة بعشق، قبلها لها نعمان ثم ضمها بقوة بين يديه ثم ابتعد عنها يعطي لها ظهره، لائم نفسه على تلك المشاعر التي بصدره. هي الآن أصبحت زوجته بعقد القران الذي تم بينهم، لكن لا يود استغلال ذلك ويندمج معها. هي بالتأكيد... لديها رهبة منه. لاول مرة يغلق عليهم باب واحد. وجود أمه وأخته بالبيت معهم بالتأكيد يشعرها بالحرج.
لكن مهره شعرت بغربة حين ترك شفاها وابتعد عنها. لامت هي الأخرى نفسها حين ظنت أنه ينفر منها بسبب طريقة زواجهم. هل رخصت نفسها له؟
وهو الآخر عقله شارد يسأل نفسه، على شعرت بالندم بسبب تسرعها وزواجها منه بهذه الطريقة؟
لكن كان الجواب عكس تلك التخمينات التي بعقولهم. العشق هو المسيطر على قصتهما.
عاد نعمان يقترب من مهره، حاول إجلاء صوته قائلًا: "لو مضايقة من وجودي في الأوضة هطلع أنام عالكنبة بره وخذي راحتك، مع الوقت..."
قاطعته مهره قائلة: "لأ، مش مضايقة. لو مضايق إنت من وجودي وبتقول في دماغك إنك اتسرعت لما اتجوزتني... أنا ممكن أرجع تاني ل..."
كانت الإجابة جذبها نعمان بقوة يحتضنها يهمس جوار أذنها: "أنا بعشقك يا مهره وخايف أنتي اللي تكوني من جواكي بتندمي إنك في لحظة..."
لم يكمل نعمان قوله حين عادت مهره برأسها للخلف ووضعت أصابع يدها فوق فمه تمنعه من تكملة حديثه وقالت بحياء: "أنا بحبك... يا نعمان وعمري ما هندم إني حبيت الجنايني اللي كان بيبعت لي الورود."
تبسم نعمان وضمها بقوة وقبل جانب عنقها وصولًا لوجنتيها وشفاها الذي أمطرها بالكثير من القبلات العاشقة المتلهفة. شاركته مهره باستحياء وترحيب، ذاب الاثنان في العشق كذوبان الملح في مياه البحر الهائج. توهج العشق بينهم.
بعد قليل كانت تشعر مهره بهدوء نفسي، تُغمض عينيها تخشى أن تفتحهما وتجد ما حدث بينها وبين نعمان ما هو إلا حلم أو طيف سيمر.
وبالفعل قد كان ذالك حلم. طيف مر سريعًا قبل أن يفيق الاثنان من نشوة نيلهم لبعض. كان ذالك الوغد حتى لم يطرق باب المنزل بل قام بكسره وتهجم على المنزل وأضاع زهوة العشق.
عادت مهره من تلك الذكرى على دمعة تشق عينيها. لقاء حميمي واحد مع نعمان كان له ثمرة طفل حملته بأحشائها. بالنهاية تركها. ذكرى ترسخت في قلبها حتى حين تزوجت من هاشم غصبًا بسبب تهديده أنه سوف يأخذ كل ممتلكاتها هي وأختها ويمنع عنهم التصرف فيها. لم تخشَ على نفسها، خشيت على أختها التي كانت مريضة بمرض القلب ومعه داء السكري تحتاج لمصاريف علاج كبيرة، وزوجها ليس سوى سائس يعمل لديهم من السهل على هاشم طرده. كانت مساومة رابحة لهاشم. لها زواجها مقابل حصولهن على ميراثهن. وليس هذا فقط، كانت هناك فادية هي الأخرى تلمع بعين هاشم. زوجها عامل بسيط وكان وقتها على خلافات معها وطلقها لبعض الوقت.
كانت التضحية كبيرة منها. كانت تشمئز من هاشم وحاولت رفضه ليلة زواجهم. لكن هو كان وغدًا ليس لديه أي أخلاق، لا يهمه أن من أمامه تنفر وتشمئز منه، المهم أن ينال ما يريد. وناله لسنوات كانت تشعر فيها بالمهانة. بالمقابل أخذت أملاكها هي وأختها وابتعد هاشم عن طريق فادية التي عادت لزوجها مرة أخرى.
عمر ضاع بين متاهة مشاعر خاضتها المهره منذ صباها إلى أن أصبحت تشعر أن عمرها متضاعف. لكن زهرة الجنايني قد تنبت في الربيع القادم وتعود للمهره صباها المفقود.
بعد مرور أسبوع
بعد الظهر بقليل. بالوحدة الصحية.
شعرت زينب بدوخة خفيفة بعد أن انتهت من الكشف على أحد المرضى. تحاملت على نفسها جلست على الفراش الخاص بالكشف تدون بعض أسماء الأدوية وأعطت الورقة له قائلة: "في علاج هنا في صيدلية الوحدة. روح اصرف علاج الحجة منها ولو قالولك ما فيش علاج ارجع لي تاني."
تبسم الرجل لها قائلًا: "متشكر يا دكتورة. ربنا يديكِ على قد نيتك الطيبة. فعلا رفعت بيه محظوظ بيكي، والبلد كلها بتحسدك عليكي."
تبسمت زينب له قائلة: "بلاش كلام كتير، روح الحق صيدلية الوحدة قبل ما تقفل."
تبسم الرجل وأخذ زوجته وخرج من غرفة الكشف. أخرجت زينب قطعة حلوى وضعتها بفمها تشعر بزوال الدوخة قائلة: "مش عارفة إيه سبب الدوخة اللي بقت مستمرة معايا دي. كله من الهمجي رفعت اللي مش بيبطل حرق في دمي بتحكماته الفارغة، في مواعيد رجوعي للسرايا. والله قلبي حاسس هو اللي كان مخلي الظابط والأمن يفرضوا حظر تجول في البلد الأسبوع اللي فات، علشان يجبرني أرجع للحصن بتاعه بدري. يلا الحمد لله الحظر اتفك. أنا لازم في أقرب وقت أعمل فحص شامل."
في ذلك الأثناء دخلت صفاء إلى زينب قائلة بلهفة: "دكتورة زينب فيه ضيف جه للوحدة وسأل عليكي وأنا دخلته أوضة المكتب بتاع حضرتك، وجيت أقول لك."
ردت زينب: "ومين الضيف ده؟"
ردت صفاء: "أنا أول مرة أشوفه هنا في البلد وكنت هسأله هو مين بس قلت ليقول عليا حشرية."
تبسمت زينب ونهضت من على الفراش قائلة: "إنتي حشرية يا صفاء؟ قطع لسان اللي يقول كده. أنا وأنتي وجهين لعملة واحدة، فضوليين."
تبسمت صفاء قائلة: "يعني إيه فضوليين دي يا دكتورة."
تبسمت زينب التي تسير بجوار صفاء: "نفس معنى حشريين بس إتيكيت شوية."
تبسمت صفاء قائلة: "أنا بقيت فعلاً إتيكيت في التعامل مع أهالي البلد اللي بيجوا للوحدة. بحلل اللقمة اللي بأكلها من وراء خدمتي هنا في الوحدة. كتر خيرك يا دكتورة، وعدتيني ووفيتي خلاص ثبتوني رسمي وبقيت عاملة نظافة في الوحدة، مفيش حد يقدر يستغل حاجتي. اللهي ما يحوجك لحد أبداً يا دكتورة ويخلي لك رفعت بيه ويرزقكم الذرية الصالحة."
تبسمت زينب تقول: "ليه كل ما تدعي لي تجيبي سيرة رفعت معايا؟ وإشمعنا الذرية الصالحة اللي دايماً تدعي لي بيها."
ردت صفاء: "أصل رفعت بيه ما يتخيرش عنك في الخير يا دكتورة ومش بتاع فشخرة كدابة إن كان النايب بتاع الدائرة أو هاشم الزهار أو حد تاني من كبرات البلد. يلا ربنا يسهل لهم ويجعل دعايا أنا والأهالي ليكي إنتي ورفعت بيه من نصيبكم."
تبسمت زينب قائلة: "آمين يا ستي، ممكن بقى تسيبيني أدخل أشوف من الضيف اللي بيسأل عني ده؟"
تبسمت صفاء وتركت زينب تدخل وحدها لغرفة المكتب. فتحت زينب الباب وتفاجئت بذلك الزائر الجالس بالمكتب. دخلت وتركت الباب مواربًا قليلاً وقبل أن تتحدث.
نهض الضيف ببسمة يقول: "وحشتيني يا زينب."
ردت زينب بتفاجؤ: "سميح!"
رد سميح: "أيوا سميح. مالك متفاجئة كده ليه من وجودي هنا؟ سبق وقلت لك هاجي لهنا علشان عاوزك في موضوع مهم."
ردت زينب: "غريبة، لما لقيتك مجتش في ميعادك اللي قلته قبل كده حتى ما اتصلتش عليا. قلت أكيد الموضوع اللي كنت عايز تكلمني فيه مش مهم."
تبسم سميح يقول: "بالعكس الموضوع مهم ومهم جدًا كمان، بس مش هتضيفيني في مكتبك هنا ولا إيه؟ حتى بسمع عن الشرقية أهل كرم."
رد الذي أكمل فتح باب المكتب ودخل دون إذن وقال: "فعلاً الشرقية أهل كرم وبيعرفوا يرحبوا بالضيف كويس. نورت يا سيد سميح."
نظر سميح له بتعجب كيف هو يعرفه وهو لا يعرف من يكون.
نظرت زينب لرفعت بضيق من دخوله بتلك الطريقة الهمجية، ولكن تعجبت حين عرف سميح. أيكون يعرفه سابقًا؟ لكن يبدو على وجه سميح أنه لا يعرف رفعت.
رد سميح: "متشكر، بس حضرتك تعرفني منين؟"
أغلق رفعت باب المكتب خلفه واقترب من مكان وقوف زينب ووضع يده حول خصرها ينظر لها مبتسمًا.
ذهل سميح من فعلة رفعت، كيف وضع يده حول خصر زينب بتلك الطريقة المتملكة، وهي لم تبدي استيائها من فعلته. بل تبسمت له.
ولكن كانت المفاجأة الأكبر بل الصدمة: حين قالت زينب ببسمة ترسمها على وجهها رغم غيظها من فعلة رفعت وأيضًا فضولها كيف رفعت يعرف سميح. وقالت: "رفعت الزهار... جوزي."
ماذا قالت؟ ماذا يرى؟ جوزها! إمتى اتجوزت؟ قبل أشهر قليلة كان يعلم أنها ما زالت عزباء. ومن يكون ذالك رفعت الزهار؟ يبدو من هندامه وثقته في الحديث أنه صاحب مكانة كبيرة هنا.
تحدث رفعت هذه المرة: "أهلاً سيد سميح. يا ترى إيه سبب زيارتك الكريمة لبلدي؟"
تلعثم سميح ماذا يقول. فكر يبتلع ريقه من تلك المفاجأة الصادمة، بل القاتلة له. وقال: "أنا سبق واتصلت على زينب قبل كده وطلبت منها نتقابل بس أنا الفترة اللي فاتت انشغلت شوية ولما جه الوقت جيت لهنا زي ما سبق وقلت لها عالموبايل."
نظر رفعت لزينب ثم نظر لسميح وقال بثقة: "فعلاً زينب كانت قالت لي عن اتصالك بها قبل كده. خير؟"
نظرت زينب لرفعت: "ماذا يقول؟ هو كاذب، لم تخبره بذلك. لكن من أين يعرف سميح؟ الفضول يتآكلها."
تلعثم سميح يقول: "هو الموضوع كان خاص بيني وبين زينب بس..."
قاطعه رفعت قائلاً: "اسمها الدكتورة زينب. وتقدر تقول الموضوع اللي خلاك تقطع المسافة دي كلها من الفيوم لهنا في الزهار عشانه. أكيد موضوع مهم جدًا."
رد سميح: "فعلاً موضوع مهم مش بس ليا لوحدي، مهم كمان بالنسبة لـ... قصدي للدكتورة زينب."
ردت زينب التي تشعر كأنها دمية تقف بينهم قائلة: "وأيه هو الموضوع ده."
رد سميح: "ممكن نقعد ونتكلم في الموضوع؟"
تبسم رفعت وترك خصر زينب وذهب يجلس على أحد مقاعد الغرفة. كذلك جلس سميح وجلست زينب على المقعد خلف المكتب.
تحدث رفعت: "أهو قعدنا. خير؟ إيه الموضوع اللي جاي عشانه وقاطع المسافة دي كلها؟"
تشنّح سميح وهو ينظر لزينب وقال: "بيت الفيوم."
تنهد رفعت يقول: "ماله بيت الفيوم."
رد سميح: "مقفول من يوم مرات عمي الله يرحمها. من يوم ما توفت ما فيش غير عامل بس هو اللي بيهتم بتنضيفه وتنضيف الجنينة من وقت للتاني. فأنا بقول بدل البيت ما هو مقفول كده أنا ممكن أشتري البيت، بالسعر اللي ز... اللي الدكتورة زينب تحدده."
قبل أن ترد زينب رد رفعت: "عرضك مرفوض، أنا وزينب عندنا نية الاحتفاظ بالبيت ينفعنا في المستقبل، ممكن نبقى نروح نقضي إجازاتنا هناك."
نظر سميح لزينب وأعاد قوله: "اسمع الرد من الدكتورة زينب نفسها."
نظرت زينب لرفعت ثم لسميح وقالت: "فعلاً زي ما قال رفعت، أنا عاوزة أحتفظ بالبيت، ومش هبيعه بأي تمن."
نهض رفعت واقفًا يقول: "أظن سمعت رد الدكتورة على طلبك. أعتقد ما كانش له لزوم تتعب نفسك وتيجي من الفيوم علشان الموضوع ده. كان بسهولة تقدر تقول لها عالموبايل. شرفت... يا سيد سميح."
شعر سميح بالحرج ونهض واقفًا يفكر ماذا يرد على ذالك المتغطرس المغرور رفعت. فحديثه سابق حديث زينب ويرد عنها. متى تعرفت عليه ومتى تزوجته وكيف تترك له زمام الحديث؟ زينب لا تترك زمام شيء يخصها لأحد آخر. لكن هذا ليس أي أحد، هو زوجها. أيقن سميح فداحة خسارته لزينب اليوم. فكر عقله وجاوبه عليه: "ماذا تظن أن كانت تبقى وحيدة من أجلك؟ يا لك من خاسر. أجل خاسر بطمعك القديم، خسرت حب حياتك التي لم تستطيع تحمل امرأة أخرى بحياتك. عدت لوعيك متأخرًا. زينب أصبحت زوجة لآخر، تبدو بوضوح على توافق معه. وأنت حتى خسرت ليس فقط زوجتك التي أصبحت طليقتك، بل خسرت طفلتك معها أيضًا."
تحدث سميح يرد على قول رفعت: "أنا كان عندي أمل أني لما أطلب شراء البيت من الدكتورة مباشر... ممكن أقدر أقنعها ببيع البيت."
رد رفعت: "وأهو انت أخدت الرد."
استأذن سميح يقول: "تمام الدكتورة طالما مش موافقة عالبيع ملوش لازمة أفضل أكتر من كده. اتشرفت بمعرفتك يا سيد رفعت، وانبسطت إني شوفتك يا زينب بخير. إحنا كان بينا عشرة قديمة."
قال سميح هذا ومد يده ناحية زينب يصافحها، لكن فوجئ بيد رفعت هو من يصافحه ويضغط على يده بقوة قائلًا: "شرفت يا سيد سميح."
تبسم سميح لرفعت ثم سحب يده من يده. ثم غادر كجندي مهزوم في معركة غير عادلة.
بينما غادر سميح، نهضت زينب بعصبية من على مقعدها وقالت: "قولي إيه اللي عملته قدام سميح ده، إزاي ترد عني؟ كنت وكلتك بالرد عني."
رد رفعت باستفزاز: "تقدري تقولي كده."
تعصبت زينب قائلة: "واضح إنك تعرف مين سميح. إيه استغليت مهنتك القديمة كظابط وعملت تحريات كاملة عني؟ وياترى إيه اللي جابك للوحدة في الوقت ده؟ أه يمكن اشتقت لي أو... أكيد صدفة."
تعصب رفعت يقول: "تقدري تقولي الاتنين. لازم أرجع للإسطبل عندي تدريب لفرسة جامحة لازم أروضها. متتأخريش في الرجوع وتقولي إن الحظر اتفك. متخلنيش أطلب يمدوا الحظر سنة."
تعصبت زينب وقالت: "مش هرجع غير بمزاجي وحتى لو مدوا الحظر عشر سنين أنا بتمنى مرجعش للحصن بتاعك ده تاني."
رد رفعت وهو يفتح باب المكتب: "أشوفك المسا يا زوزي."
تعصبت زينب منه وهو يخرج ويغلق الباب خلفه. وألقت ذالك القلم الموضوع أمامها خلفه بغيظ ثم جلست على المقعد تتنهد بغيظ قائلة: "حقير همجي. يارب أنا زهقت من طريقته دي في التحكم. وكنت ناقصة زيارة سي زفت سميح ده كمان. قال عاوز يشتري بيت عمتي كمان. ده بعينه أكيد عاوز يشتري البيت علشان الست أمه كان نفسها في البيت ده من زمان وكانت طمعانة فيه. بس أبداً، ده الذكرى اللي وصتني بيها عمتي في آخر اتصال بينا قبل ما تموت إن ما فرطش في البيت ده غير في حالة. وأنا هعمل بوصيتها يوم."
بينما نيران الغيرة تقدح بقلب رفعت، كيف لهذا الغبي سميح أن يأتي لهنا؟ أيظن بحماقته أنه صدق كذبته أنه جاء من أجل عرض شراء ذالك البيت الذي تحدث عنه؟ هو بدل الحديث بآخر وقت لشيء آخر. نظرات عينيه لزينب كانت تفضح قلبه. لا يعرف كيف تحمل تلك النظرات ولم يقوم بخلع عينيه من وجهه. كيف لجم غضبه أمام زينب كي لا يقوم بتلقين ذالك الحقير درسًا قويًا لن ينساه، يجعله يفقد من ذاكرته حتى اسم زينب.
بعد قليل
حين عاد رفعت إلى الإسطبل قابله أحد العاملين، ينظر له برجفة يقول بتعلثم وتكرار: "رفعت بيه... رفعت بـ... رفعت بيه."
تحدث رفعت بعصبية: "فيه إيه بتكرر اسمي كتير ليه؟ قولي إيه اللي حصل؟"
رد العامل برجفة: "رفعت بيه الفرسة اللي حضرتك كنت بتدربها قبل ما تخرج بسرعة من الإسطبل..."
رد رفعت: "كمل مالها الفرسة سكتت ليه؟"
رد العامل: "الفرسة رجلها اتكسرت وطلبنا لها دكتور بيطري وهو جوا في كابينة الفرسة دي بيحاول يعالجها."
تعصب رفعت وهو يسير بسرعة متوجهًا للدخول إلى كابينة الفرسة قائلًا: "دي مصيبة كبيرة."
دخل رفعت وتحدث للطبيب الذي انتهى من معاينة الفرسة قائلاً: "خير؟"
رد الطبيب: "للأسف مش خير يا رفعت بيه. الفرسة رجلها محشوشة مش مكسورة وصعب تتجبر. حتى لو اتجبرت الفرسة مستحيل ترجع تمشي زي ما كانت."
تحدث رفعت بعصبية: "يعني إيه؟ الفرسة دي بالذات أنا محذر على كل العاملين في الإسطبل يراعوها كويس. قولي مين المسؤول عن اللي حصلها لأن عقابه هيبقى كبير؟"
رد العامل: "المسؤول عن اللي حصل للفرسة هو.... صفوان المنسي."
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل الثلاثون 30 - بقلم سعاد محمد سلامة
بمنزل هاشم الزهار.
رأت مهره دخول وسيم بسيارته إلى المنزل من تلك الشرفة المطلة على حديقة المنزل، نادت عليه حين نزل من السيارة. ذهب إلى مكان جلوسها بالشرفة.
تحدث وسيم: مساء الخير يا ماما.
ردت مهره: مساء النور. جاي منين دلوقتي؟
رد وسيم: أنا كان عندي كذا محاضرة وبعدها كان عندي مشوار روحتهم ولما خلصت رجعت لهنا.
ردت مهره: كويس إنك افتكرت هنا. قولي بقالك كذا ليلة مش بتبات هنا في البيت، بتروح تبات فين؟ لو مش عارفة توتر العلاقة بينك وبين رفعت، كنت قولت بتروح تبات عنده في السرايا.
رد وسيم: لأ، فعلاً مش بات في السرايا، أنا بات في بيت أبويا وحيد الشامي.
ردت مهره باختصار: والسبب إيه؟ ليه مش بتنام هنا؟
رد وسيم: بدون سبب. كان مرتاح أكتر.
تنهدت مهره قائلة: براحتك، نام في المكان اللي يريحك. أنا هقوم أقول للشغالة تحضر لينا العشا.
قالت مهره هذا ونهضت، دخلت إلى المنزل وتركت وسيم يزفر أنفاسه بضيق بسبب معاملتها له التي أصبحت شبه حيادية.
بينما كان هناك أذن هاشم التي تسمعت حوار مهره ووسيم، لكن هرب سريعاً حين نهضت مهره. دخل إلى مكتبه ينهد براحة وشعور سعيد. هنالك خلاف قائم بين وسيم ورفعت، والاثنان يتجنبان بعضهم. زفر أنفاسه بنصر. يقول: يا ترى إيه اللي حصل بين الإخوة؟ إيه قلبوا أعداء بصحيح؟ أنا إزاي ملاحظتش عدم حضور رفعت لخطوبة وسيم ولمى؟ مر عليا الأمر عادي. واضح إن في خلاف وخلاف كبير كمان. عندي يقين إن سبب الخلاف ده هي لمى. أول مرة يجي مصلحة من وراء بنات هشام وجاكلين.
على سيرة جاكلين، كان هنالك رسالة آتية منها لهاتفه. فتح الهاتف وقرأ الرسالة التي تخبره فيها أنها ستأتي قريباً للإسكندرية، لكن بعد عودة فابيو إلى اليونان.
نفخ هاشم بضيق قائلاً: يعني فابيو قربت رحلته تنتهي، وهتنتهي كده بسرعة من غير البركان ما يسيب أثر هنا مكانه.
لكن كما توقع البركان. ها هي رسالة مشفرة تصل له. فحواها اللقاء قريباً بالإسكندرية.
بالعودة إلى إسطبل خيل رفعت.
ظل رفعت مع الطبيب الذي قام بتجبير قدم الفرسه حتى انتهى. وغادر الطبيب الإسطبل. وخرج رفعت من غرفة تلك الفرسه تتراقص أمامه شياطين العضب.
نادى على أحد العمال وقال له: شوف لي فين صفوان المنسي، وخليه يحصلني بسرعة عالمكتب في السرايا.
دخل رفعت إلى السرايا، تقابل مع محاسن التي قالت له: رفعت بيه، الست إنعام من الصبح ومش راضية تأكل وحاولت معاها رافضة، وبتقول عاوزة ترجع إسكندرية.
تنرفز رفعت يقول: إيه اللي جاب إسكندرية دلوقتي في راسها؟ حاولى تاني معاها. الدكتورة فين؟ خليه تحاول معاها، هي بتسمع كلامها.
ردت محاسن: الدكتورة مرجعتش لسه.
تنرفز رفعت يقول: تمام، أنا هتصل عالدكتورة وروحي حاولي تخليها تاكل.
غادرت محاسن وتركت رفعت الذي فتح هاتفه يقوم بالاتصال على زينب التي تتجاهل الرد بالتأكيد عمداً منها. تعصب وأغلق هاتفه وكان سينادي على أحد السائقين يذهب يأتي بزينب، لكن تفاجئ بدخولها.
نظر لساعته وقال بعصبية: إيه آخرك؟ وبطلبك ليه مش بتردي عليا؟
ردت زينب: أنا متأخرتش عادي. وأنت كنت بتطلبني وأنا على باب السرايا، فقولت مالوش لازمة أرد على اتصالك.
زفر رفعت نفسه بغضب وقال: تيتا محاسن بتقول إنها غضبانه عالأكل من الصبح.
ردت زينب: والسبب إيه؟ أنا هطلع أشوفها وأطمن عليها.
صعدت زينب وتوجه رفعت إلى غرفة المكتب.
بعد قليل، دخل صفوان إلى داخل السرايا، لكن بالصدفة تقابل مع رامي ومروة التي تبسمت له ورحبت به، كذالك رامي الذي صافحه وتبسم له.
تلجلج صفوان قائلاً: رفعت بيه ساب لي خبر أقابله هنا في المكتب.
تبسم رامي قائلاً: البيت بيتك يا عم صفوان. خير؟ ورفعت كان عايزك ليه؟
تبسمت مروة وهي تنظر لاستقبال رامي لوالدها بترحيب.
لكن قبل أن يرد صفوان... كان صوت رفعت حاسماً حين خرج من غرفة المكتب وتوجه إلى مكان رامي وصفوان: خلينا ندخل المكتب وهتعرف وقتها يا رامي. إنت كنت فين من الصبح؟
رد رامي: كنت مع مروة، بنتفسح وعملنا شوبينج.
تحدث رفعت وهو ينظر نحو صفوان: خلينا ندخل للمكتب.
تلجلج صفوان وقال: أمرك يا رفعت بيه.
تعجب رامي، بينما مروة شعرت بغبطة بسبب تحدث والدها أمام رفعت بترحيب. ظلت واقفة وهي ترى والدها ورفعت يدخل خلفه إلى غرفة المكتب.
نظرت لرامي قائلة: هو رفعت عاوز بابا ليه؟
رد رامي: معرفش، يمكن حاجة بخصوص الشغل. هروح أشوف إيه الحكاية.
تحدثت مروة: هاجي معاك.
كان رامي سيرفض، لكن بسبب صوت رفعت العالي أثار فضول رامي ذاته.
بالفعل دخل رامي وخلفه دخلت مروة إلى غرفة المكتب. وليتها لم تدخل وترى والدها بذلك المنظر المخزي، وهو يقف أمام رفعت الذي يتحدث معه بتعنيف لحد كبير.
شعرت مروة بحزن على والدها وقالت: إيه فيه يا رفعت؟ بتكلم بابا بالشكل ده ليه؟
تهكم رفعت وقال وهو ينظر ناحية رامي: خلي مراتك تخرج من المكتب يا رامي، بلاش تدخل في اللي مالهاش فيه.
ردت مروة بحدة: هو إيه اللي ماليش فيه؟ لاحظ اللي بتكلمه ده يبقى بابا. وبعدين إنت إزاي بتكلم بابا بالطريقة دي؟
رد رفعت بعصبية: وعاوزاني أكلمه إزاي؟ أطبطب عليه وهو اتسبب لينا في خسارة كبيرة.
حاول رامي تهدئة حدة الموقف قائلاً: إيه اللي حصل؟ يا رفعت قول لي وخسارة إيه اللي اتسبب فيها عم صفوان؟
نظر رفعت نحو صفوان قائلاً: اسأل حماك العزيز.
ردت مروة: قول لنا أنت إيه اللي حصل وخسارة إيه اللي تقصدها؟ ومهما كانت قيمة الخسارة دي، ما كان لازم تكلم بابا بالطريقة الفظة دي.
رد صفوان: والله أنا ما كان قصدي اللي حصل، كان قدر. أنا كنت واخد الفرسة أسقيها وفجأة اتعطرت رجلها وبعدها نامت. جيت أوقفها، ها موقفتش وحاولت أوقفها كذا مرة لحد ما وقفت بس بسرعة نامت تاني على بطنها. حاولت أنا واتنين من العمال في الإسطبل معاه، لحد ما بالعافية دخلناها للبلوك بتاعها في الإسطبل وطلبنا لها الدكتور، بس كده.
ضحكة سخرية وتهكم من رفعت صحبها قوله: طلبت لها الدكتور وروحت فين بعدها؟ روحت تبلغ اللي أمرك إنك تكسر رجلها؟ ومفكر كلامك الغبي ده هيدخل عليا.
تعجب صفوان يقول: مين اللي أمرني أكسر رجلها؟ والله ده كان قدر بدون قصد مني. وأنا مشيت من المزرعة روحت لنعمان أخو مراتي. طلبني عالموبايل وقالي محتاجني بسرعة. روحت له عالمكان اللي قال لي عليه لقيته جايب شتلات زراعية وقالي أساعده في غرسها. ولو مش مصدقني إسأله، موبايلي أهو عليه آخر مكالمة.
بالفعل أخذ رفعت الهاتف من يد صفوان، لكن بحث بين مكالمات صفوان السابقة إلى أن وجد ضالته، فوضع الهاتف بوجهه قائلاً بنبرة اتهام: في هنا مكالمة من هاشم الزهار. أظن فهمت أنا أقصد أخذت من مين أمر كسر رجل الفرسة دي بالذات.
تلجلج صفوان قائلاً: فعلاً هاشم الزهار اتصل عليا، بس...
قاطعت مروة والدها تنظر لرفعت قائلة: اللي بتقوله ده اتهام صريح لبابا إنه قصد يكسر رجل الفرسة بأمر من هاشم الزهار، ومتاكدة بابا مستحيل يعمل كده.
تهكم رفعت ونظر لصفوان يقول: تنكر إنك روحت قابلته في الإسطبل بتاعه مرتين الأسبوع اللي فات.
إنصدم صفوان وحاول التحدث، لكن قال رفعت باتهام: طبعاً هترد تقول إيه؟ كل شيء واضح. هاشم اشترك بقد إيه عشان تخونا؟
إنصدم رامي ومروة بقول رفعت. بينما قال صفوان بدفاع واهٍ: أنا والله ما خونتكم. هاشم الزهار فعلاً اتصل عليا وطلب أني أقابله في الإسطبل، بس مش عشان أخونكم، كان لسبب تاني خالص.
رد رامي: وإيه هو السبب التاني ده؟
نظر صفوان لمروة وترغرغت عيناه بالدموع. للحظات حائر، أيقول الحقيقة عن دناءة صفوان وطلبه الزواج بليلى عرفياً؟ لكن لو قال ذلك أمام مروة قد تظن أنه وافق على ذلك وسيسهل له الأمر كما فعل معها سابقاً، وسهل الأمر على رامي ليتزوج بها.
صمته جعل مروة تقول: قول يا بابا، هاشم كان عاوزك ليه؟
رد صفوان: كان عاوزني أرجع أشتغل عنده في مزرعة الخيل بتاعته، وكان هيضاعف لي أجرتي، بس أنا رفضت وقولت له إني مستحيل أسيب الشغل هنا.
تهكم رفعت يقول: لا والله صادق. جوابك ما يدخلش على طفل صغير. الصدف بتلعب. بعد ما هاشم يطلب منك، ترجع تشتغل عنده وسيادتك ترفض، تقوم الفرسة تتكعبل منك ورجلها تنحش. صدفة عجيبة مش كده.
ردت مروة عن والدها: رفعت بلاش طريقتك دي في اتهام بابا، وهو هيكدب ليه؟ وبعدين إيه مصلحة هاشم الزهار في كسر رجل الفرسة وكمان بابا هيستفاد إيه؟ وإيه سبب أهمية الفرسة دي عندك كده؟
رد رفعت: الفرسة دي المفروض كانت هتسافر إنجلترا كمان أسبوعين وتمنها متحول علينا مسبقاً. ومن ناحية مصلحة هاشم أقول لك ضرب من تحت الحزام. ووالدك هيستفاد طبعاً من كرم هاشم الزهار، اللي بيخص بيه خدامينه المطيعين.
ردت مروة: أوعى لكلامك يا رفعت. بابا مش من خدامين هاشم الزهار وصدقت أو لأ، بس أنا مصدقة دفاع بابا. ومش هسمح لك تهينه أكتر من كده. يلا يا بابا، أنت مش مجبور تدافع عن نفسك أكتر من كده، أنت قلت الحقيقة. وطالما رفعت مش مصدق هو حر.
قالت مروة هذا وجذبت يد والدها وخرجت من غرفة المكتب.
بينما نظر رامي لرفعت قائلاً: مكنش لازم تتهم عم صفوان بالطريقة دي، و...
قاطعه رفعت قائلاً: أنا متأكد من اتهامي. اعقلها يا رامي. إشمعنى هاشم بعت لصفوان دلوقتي وعاوز يرجعه يشتغل عنده مع إنه هو اللي من كم سنة طرده من عنده؟ وفجأة رجل الفرسة دي بالذات تنكسر وفي الوقت ده... أكيد صفوان عمل كده عربون محبة وولاء لهاشم. هاشم عاوز يرجع يسيطر من تاني على سوق الخيول. والطريقة الوحيدة هي الخيانة والضرب من تحت الحزام.
رد رامي: مش صحيح يا رفعت. بلاش كرهك لهاشم الزهار يصور لك إن كل اللي يقرب منه يبقى خاين لك. أنا مصدق عم صفوان.
تعجب رفعت وقال: مصدق صفوان ولا حبك لبنته عمى عيونك مش مخليك تشوف الحقيقة قدام عنيك.
صمت رامي للحظات ثم سمع الاثنان صوت عالٍ نسبياً من الخارج، فذهبا إليه.
وقف رامي مصدوم حين رأى مروة تقف مع والدها الذي يحاول تهدئتها.
حين قالت له: أنا هاجي معاك يا بابا مش هقدر أفضل في مكان تهموك فيه بالخيانة.
رد صفوان: يا بنتي رفعت بيه فاهم غلط وهو دلوقتي متعصب. أما يهدى هيرجع عن تفكيره ده، بلاش تسيبى بيتك.
ردت مروة: بعد ما اتهمك الاتهام الباطل ده ولسه بدافع عنه، بابا أنا مستحيل أفضل هنا.
رد رامي قائلاً: ومين هيسمح لك تخرجي من هنا يا مروة؟ خلاص كان سوء فهم وانتهى.
ردت مروة وهي تنظر باتجاه رفعت الذي خرج هو الآخر من غرفة المكتب: طالما كان سوء فهم، رفعت ليه ميعتذرش من بابا على اتهامه له بالخيانة.
تهكم رفعت بسخرية، هو على يقين أن ما حدث للفرسة ليس من محض الصدفة ولا القدر من صفوان.
نظر رامي لرفعت عله يتحدث، لكن صمت رفعت لا يبالي.
بينما اغتاظت مروة أكثر وقالت: واضح إن رفعت مصر على اتهامه لبابا بالكذب. كرامة بابا من كرامتي، وإن كان رفعت عنده يقين إن بابا خاين يبقى ليه تفضل بيت الخاين هنا في السرايا.
قال صفوان بتهدئة: مروة ده بيتك ولازم تحافظي عليه وأنا متأكد أني بريء من تهمة رفعت بيه. أنا خلاص كنت اتفقت مع خالك إني هسيب الشغل في تربية الخيول وهروح اشتغل معاه في زراعة الشتلات والأرض اللي اشتراها. وكان عندي شوية تردد، بس اللي حصل إشارة من ربنا. خلاص أنا أخدت القرار، معتش هشتغل تاني في تربية الخيول. أنا لازم أمشي وإنتي بلاش تسيبى بيتك عشانى.
قال صفوان هذا وقبل جبهة مروة وخرج من السرايا. بينما نظرت مروة لرفعت ثم لرامي وصعدت سريعاً دون تحدث.
تحدث رامي بلوم: مكنش لازم تتهم صفوان بالخيانة. أكيد هو مش هيكذب، لو كان خاين كان باعنا من زمان.
رد رفعت بعصبية: بلاش نظرات مروة تأثر فيك. صفوان حتى لو مش خاين فهو مش مأتمّن. عاوز تفهمني إن هاشم هيرجعه مرة تانية عنده بعد ما هو طرده زمان؟ والسبب إنه متخاذل في شغله؟ وأنا بس قبلت أشغله واستحملت تخاذله بس عشان خاطرك. بس كفاية كده، مروة خلاص بقت مراتك وتقدر تفرض عليها كلمتك، ولا هتسمح لها هي اللي تمشي كلمتها عليك.
رد رامي: زي الدكتورة ما بتمشي كلامها عليك وبتنام في أوضة وأنت في أوضة وسايبها براحتها. فوق يا رفعت، أنت زيي وأكتر. أنت عاشق وغضبك ده بسبب بُعد زينب عنك. أنت بتقاوم في معركة أنت الوحيد الخسران فيها.
قال رامي هذا وترك رفعت وصعد خلف مروة. بينما رفعت نظر إلى أعلى خلف رامي، رأى زينب تقف أعلى السلم، يبدو أنها سمعت حديث رامي الأخير. تحدث رفعت: جدتي كالت.
ردت زينب من أعلى: أيوا، بصعوبة أقنعتها تاكل، بس لسه مصرة تسافر إسكندرية. بتقول اشتاقت للبحر.
رد رفعت: تمام، كم يوم وهنسافر للإسكندرية.
ردت زينب بسؤال: مين اللي هيسافر إسكندرية؟ أنا يا دوب لسه راجعة من إجازة مبقاليش أيام. أنا من يوم ما اتجوزتك باخد إجازات أكتر ما بشتغل. عاوز تسافر سافر لوحدك ومتفكرش إنه هتخدرني مرة تانية زي ما حصل لما سافرنا سوهاج. وكمان نسيت أقول لك. إني خلاص قدمت على طلب نقلي من هنا لأي مكان تاني. وأظن أنت عارف بعدها إيه اللي لازم يحصل... انفصالنا.
نظر رفعت لزينب بسحق ولم يرد وتوجه للخروج من السرايا.
بينما تنهدت زينب قائلة: مفيش قدامي غير الطريق ده يا رفعت عشان تتراجع عن الانتقام اللي متمكن من قلبك. مفيش قدامي طريق التهديد إني هسيبك وأمشي زي غيري. بس ده مش هيحصل أبداً، أنا معاك للموت أو الولادة من جديد يا رفعت.
بينما صعد رامي خلف مروة، لكن تفاجئ بمروة أغلقت باب الغرفة عليها بالمفتاح. تحدث قائلاً: مروة افتحي الباب، دي مش طريقة تتعاملي بيها معايا.
ردت مروة من خلف الباب: رامي من فضلك سيبني لوحدي، لأن لو فتحت الباب معرفش ممكن بعدها إيه هيحصل.
زفر رامي نفسه بغضب وقال: تمام، أما تهدى نبقى نتكلم.
بعد قليل بمنزل صفوان المنسي.
طرق قوي على الباب. فتحت فادية بلهفة ورجفة.
وجدت أمامها شاباً يقول: إلحقي يا ست فادية، عم صفوان في اتنين بلطجية ضربوه وهو راجع في الطريق وإسعاف الوحدة جه خده.
إنخضت فادية بشدة، كذالك ليلى وهبة اللتان خرجتا خلف فادية وسمعن ما قاله الشاب.
فجراً.
لم تستطع مروة النوم، تشعر بمهانة رفعت أهان والدها ونعته بالخيانة. رامي دافع عن والدها أمام رفعت، لكن قليلاً. كانت تخاف أن توضع بموقف كهذا يوماً. كان هذا من ضمن أسباب رفضها حب رامي بالماضي، أن تبقى ابنة خادم لديهم.
تدمعت عين مروة. لكن جففت دموعها حين سمعت رنين هاتفها. تعجبت من الذي يتصل عليها بوقت باكر هكذا.
فتحت هاتفها وارتجفت حين وجدت اسم والدتها.
حاولت إجلاء صوتها وردت سريعاً تقول: ماما خير؟ بتتصلي عليا ليه دلوقتي؟
ردت فادية: مش خير يا مروة، صفوان امبارح وهو راجع من السرايا طلع عليه بلطجية وضربوه وإحنا في الوحدة دلوقتي.
نهضت مروة قائلة: أنا جاية حالاً.
في ثوانٍ بدلت مروة ثيابها وخرجت من الغرفة ثم من السرايا دون علم أحد.
في خلال دقائق معدودة كانت في الوحدة الصحية ودخلوا إلى الغرفة التي دلتها والدتها عليها.
نظرت لمنظر والدها الممدد على الفراش بوجع وصدمة، ودموع فرت من عيناها حين اقتربت منه ورأت بعض آثار الضرب المبرح على وجهه المكدوم بشدة.
رفعت مروة وجهها ونظرت لوالدتها قائلة: إيه اللي حصل لبابا.
ردت فادية: معرفش غير شاب من البلد جالنا عالباب وقالنا إن في بلطجية اتهجموا على صفوان وهو راجع من السرايا و...
توقفت فادية عن استرسال حديثها.
فقالت مروة: وأيه يا ماما.
صمتت فادية وتساقطت دموعها.
نظرت مروة لأختيها وقالت: قالكم إيه تاني الشاب يا ليلى.
صمتت ليلى. نظرت مروة لهبة، فقالت لها بحسن نية: قال إنه سمع البلطجية اللي كانوا بيضربوا بابا قالوا له إن رفعت بيه هو اللي أمرهم يضربوه ويكسروا زي ما كسر رجل الفرسة.
لا تدري هبة أنها نزعت آخر فتيل لعقل مروة. التي بمجرد أن سمعت ذلك، غاب عقلها عن التفكير. وعادتهن بالمشفى وعادت إلى السرايا. كانت خطواتها تتسابق مع رياح الغضب التي تعصف بها. دخلت إلى السرايا وقابلت إحدى الخادمات قائلة: فين بات رامي ليلة امبارح؟
ردت عليها: بات في أوضته القديمة.
تركت مروة الخادمة وتوجهت إلى تلك الغرفة. فتحت الباب بقوة وعصفته بقوة أكبر مما جعل رامي ينهض بفزع. ليس فقط من عصفها للباب بل بسبب ملامح وجهها المتهجمة. حين قالت لرامي: رفعت بعت بلطجية من عنده ورايا بابا يضربوه ويكسروا جسمه.
نهض رامي من على الفراش قائلاً: مروة بلاش جنان، رفعت مستحيل يعمل كده. أنا....
قاطعته مروة قائلة: وبابا اللي نايم في الوحدة جسمه كله متكسر. واللي سمعوا البلطجية وهم بيضربوا بابا كدابين. رامي أنا مستحيل أفضل هنا بعد كده. مستحيل أقدر أبص في وش رفعت وأنا عارفة إنه السبب مش بس في إهانة بابا لأ وكمان في إنه يبعت بلطجية لبابا يضربوه.
رد رامي: مروة بلاش جنان، تعالي معايا نواجه رفعت. أنا متأكد إنه مستحيل يعمل كده.
ردت مروة: لسه بتدافع عنه بعد إهانته امبارح لبابا؟ ما كفاهوش الإهانة كملها بالبلطجية. أنا مش هاجي معاك. عاوز تروح له وتصدق كذبه انت حر.
ذهب رامي إلى غرفة رفعت وفتح باب الغرفة مباشرة دون طرق على الباب. وجد رفعت مستيقظ وبيده كوباً من القهوة.
تحدث سريعاً: قول لي يا رفعت، مش انت اللي بعت البلطجية اللي ضربوا عم صفوان.
رد رفعت: انت جاي تتهمني، إني أنا بعت بلطجية يضربوا صفوان؟ ليه مكنتش أقدر أضربه أنا بإيدي؟ ولا خايف على إيدي لتتكسر؟ أصلي بقيت عيل وواحدة ست بتلعب بيا.
تعصب رامي قائلاً: بلاش طريقتك دي يا رفعت، بسألك سؤال تجاوب عليه؟
رد رفعت: أجاوبك على أنه سؤال ولا اتهام؟
ردت مروة التي دخلت: الاثنين يا رفعت، سؤال واتهام. زي ما عملت امبارح مع بابا كان سؤالك له اتهام. ومش بس اكتفيت بأهانة واتهام بابا بالخيانة، كمان كملت وبعتت له بلطجية متفرقش عنهم يضربوه.
رد رفعت بعصبية: لو كنت عاوز أضربه مكنتش سيبته يطلع من السرايا وكنت جلدته هنا قدام الكل. مش رفعت الزهار اللي يبعت بلطجية شوارع.
تعصبت مروة وهي تنظر لرامي قائلة: أنا مستحيل أفضل هنا دقيقة واحدة. لو لسه عاوزني كزوجة لك، يبقى مش هفضل هنا في السرايا.
قالت مروة هذا وغادرت الغرفة.
بينما تهكم رفعت قائلاً: إلحقها قبل ما تنفذ تهديدها وتهجرك.
رد رامي بأسف: للأسف يا رفعت، انت الانتقام والغرور عموا عيونك، مبقتش شايف غير نفسك اللي صح. فوق وعيش حياتك، هتاخد إيه من الانتقام.
ترك رامي رفعت وذهب إلى غرفة جدته. طلب من محاسن إحضار حقيبة ملابس لجدته من أجل السفر. ثم توجه إلى الجناح الخاص به مع مروة وجدها تقوم بجمع ثيابها بحقيبة. حين رأته قالت له: بلاش تدافع عن رفعت قدامي خلاص، قراري لو عاوز جوازنا يستمر يبقى مش هفضل هنا في السرايا.
تنهد رامي وحاول تلطيف الجو قائلاً: تمام، هناخد جدتي ونروح نعيش في فيلا إسكندرية. هي بقالها كام يوم نفسها تروح هناك.
ردت مروة: أنت عارف إني بحب تيتا إنعام.
بينما رفعت حين قال له رامي حديثه وخرج من الغرفة تارك رفعت خلفه يشعر بثوران في جسده.
سرعان ما ترك رفعت هو الآخر الغرفة ونزل إلى الأسفل. نادى على أحد الحرس الخاص له. تحدث معه قليلاً. ثم عاد إلى الداخل وكاد يصعد درج السرايا.
لكن تفاجئ أثناء صعوده للسلم بنزول رامي خلف زوجته التي تمسك بيد جدتهم. مرا الاثنتان من جواره. رفع رفعت وجهه ونظر لرامي الذي للحظة أخفض وجهه ثم رفعه ينظر لرفعت الذي قال: بيقولوا الأخوات بيفضلوا أخوات لحد ما بيجي حاجة من اتنين تفرق بينهم، يا أما ميراث... أو حريم. وإحنا الميراث مفرقش بينا... بس...؟
صمت رفعت وهو يرى نزول زينب هي الأخرى. نظر لعيناها كانت تتحدث بمغزى. اعتذر يا رفعت لأخوك، بلاش تخسر كل اللي حواليك.
ردت عينا رفعت: مش أنا الغلطان، أنتي كمان هتسيبيني وتمشي. زيهم.
ردت عينا زينب بتحدي: لأ يا رفعت مش همشي. قاعدة على قلبك.
لكن رامي لم ينظر لرفعت وأخذ جدته ومروة وغادر. يعلم أنه لو نظر لوجه رفعت لن يغادر السرايا، وسيخسر مروة. الاختيار الآن صعب، لكن لابد أن تهدأ النفوس أولاً.
بعد مرور أسبوعين.
بعد منتصف الليل بالإسكندرية.
دخلت مروة خلف رامي إلى غرفة النوم قائلة بتهجم: بقينا بعد نص الليل على ما افتكرت إن في واحدة في البيت قاعدة مستنياك وقلقانة عليك. هتقول لي زي كل يوم كنت مع أصحابي والوقت سرقنا.
نظر لها رامي قائلاً: نفس الموشح من يوم ما سيبنا الزهار وجينا عشنا هنا في إسكندرية. مروة ارحميني بلاش نكد، أنا مصدع مش ناقص.
احتلت مروة قائلة: وما كنتش مصدع وانت سهران مع أصحابك القدام ولا خلاص زهوتى راحت.
تعصب رامي قائلاً: مروة بلاش...
قاطعته مروة قائلة بدمعة حبيسة عيناها: اعترف يا رامي إنك بتتهرب مني. جواك نفور مني لأني كنت السبب في الخلاف اللي وقع بينك وبين رفعت. ندمت إنك اخترتني.
رد رامي بعصبية: مروة بلاش طريقتك دي. كفاية من يوم ما جينا هنا ل إسكندرية، كل اللي في دماغك إنك حاسة إني ندمان إني سبت السرايا لرفعت وجيت لهنا، وإن بسهر عشان أتجنب كلامك ده. وفعلاً أنا بسهر عشان كده، بس مش ندم، لأ زهق من غيرتك اللي بشوفها في عينك لما بتسمعيني بكلم أي حد في التليفون. مفكرة إني جاي لهنا إسكندرية عشان أبقى دنجوان. مروة أنا اخترتك انتي واتجوزتك انتي عشان بحبك. كان قدامي البنات كتير وأجمل منك وأي واحدة منهم تستنى مني إشارة، بس دول مكنوش في بالي. مروة ليه مصرة تنكدي علينا حياتنا. رفعت أنا متأكد إنه مش هو اللي بعت البلطجية يضربوا باباكي. أنا لما سبت السرايا سبتها عشان ترتاحي نفسيتك شوية، بس للأسف كنت غلطان. كفاية ضغط عليا أكتر من كده. غيرتك وأفعالك دي بتؤدي بينا لطريق الله أعلم إيه نهايته. مهما كان الحب قوي، الغيرة والشك لوحدهم قادرين يهدموه.
قال رامي هذا وخرج، تاركاً الغرفة، لمروة التي جلست على الفراش تبكي. يبدو أن إحساسها القديم كان صحيحاً وأنها أخطأت حين تركت سرايا الزهار وآتت لهنا إلى الإسكندرية. ها هو رامي عاد لطريقه القديم يؤكد لها أنها لم تكن إلا زهوة واقتربت تنطفئ.
بين ظهر وعصر اليوم التالي.
صدح هاتف رفعت. قام بالرد قائلاً: أهلاً يا محمود. ها قول لي آخر الأخبار عندك؟ فابيو غادر إسكندرية ولا لسه عندك.
رد محمود: لأ لسه هنا في إسكندرية، بس حصلت حاجة غريبة قوي. النهارده الفجر فابيو تعب جامد وطلب من استقبال الأوتيل إنهم يجيبوا له دكتور والدكتور حوله للمستشفى. إنها حالة اشتباه تسمم. وده بيحصل بعد ما جاكلين كانت عنده امبارح بالليل في الأوضة.
تعجب رفعت قائلاً: قصدك إن ممكن جاكلين وهشام يكونوا اتفقوا يخلصوا على فابيو؟ بس معتقدش. لأنهم لو عاوزين يقتلوه أكيد مش عن طريق التسمم. سهل جاكلين تقتله بدم بارد. حتى ترحم بنتها من ذلة لها.
بعد الوقت بالإسكندرية.
على طاولة الغداء.
على عكس عادتها الأيام الماضية، هي كانت تتجنب الحديث أمام رامي ومروة عن رفعت.
تحدثت إنعام: هو رفعت متصلش يطمن عليا ليه النهارده؟ كل يوم بعد الضهر كان بيتصل عليا ويسألني عن رامي وأحواله. مش عارفة ليه النهارده متصلش. مش عارفة ليه قلبي ملهوف عليه. خد يا رامي اتصل بزوزي أسألها عليه، علشان أنا كده زعلانة منه. إزاي ينساني وميتصلش عليا زي كل يوم.
تعجب رامي قائلاً: هو رفعت كان بيتصل عليكي كل يوم يا جدتي؟
ردت إنعام وهي تنغز رامي بالشوكه بكتفه قائلة: قلت محدش يقول لي تاني يا جدتي دي. أنا بحب كلمة تيتا اللي كانت زوزي بتناديني بيها. هي كمان وحشتني. وبس هي اتصلت عليا الصبح وقولت لها إني خلاص هرجع من تاني للسرايا. بكرة إن شاء الله رفعت الهمجي وحشني.
تبسم رامي يقول: ووحشني أنا كمان. خلينا نرجع تاني للسرايا وكفاية كده. أظن نفسيتك راقت.
قال رامي هذا وهو ينظر لمروة التي صمتت. بداخلها عواصف الغيرة تقتلع قلبها. ستعود للزهار مرة أخرى، لكن ليس للسرايا، بل لمنزل والديها. يبدو أن زهوتها لدى رامي بالأيام الماضية انطفأت ولا داعي لانتظار النهاية المتوقعة.
مساءً.
دخلت زينب إلى السرايا. لم تجد رفعت. توجهت إلى غرفتها مباشرة.
شعرت ببعض الإنهاك. تمددت على الفراش قليلاً إلى أن سمعت طرق على باب الغرفة.
أذنت بالدخول.
دخلت إحدى الخادمات لها ببسمة قائلة: رفعت بيه وصل من الإسطبل وبيقول لو حضرتك هتتعشى أحضر لك العشا. هو مش جعان.
ردت زينب: لأ، أنا مش جعانة. أنا كمان كنت أكلت سندوتشات من شوية. أنا محتاجة آخد شاور يريح جسمي. لو تحضري لي الحمام يبقى تشكري وكتر خيرك.
تبسمت الخادمة وقالت: أنتِ تؤمري يا دكتورة.
بالفعل بعد قليل خرجت الخادمة من الحمام. تبسمت قائلة: أنا حضرت لك الحمام يا دكتورة وهنزل أحضر لك عشا خفيف وأجيبه لك هنا. أكيد طول اليوم تعبانة في المستشفى ولازم تتغذي كويس عشان صحتك.
ردت ببسمة: لأ متتعبيش نفسك، أنا مش هتعشى. أنا مش جعانة صدقيني. أنا رقبتي وظهري بيوجعوني شوية. أكيد هيخفوا بعد شوية. هاخد شاور وبعدها هنام. كتر خيرك، تصبح على خير.
ردت الخادمة: على راحتك يا دكتورة وإنتي من أهل الخير.
نظرت زينب للخادمة وهي تغادر الغرفة وتغلق خلفها الباب. لفت يديها حول عنقها تشعر بألم شديد بكل جسدها. تحدثت لنفسها: جسمي كله بيوجعني. أما أدخل آخد شاور الميه الدافية هتفك تشنج جسمي.
خرجت الخادمة وذهبت إلى غرفة النوم الخاصة برفعت. دخلت قائلة: رفعت بيه الدكتورة قالت مش هتتعشى. هي كمان بتقول مش جعانة أكلت من شوية. هي حاسة بشوية تعب وإرهاق وبتقول إن رقبتها بتوجعها شوية بس لما تنام هتحس براحة.
رد رفعت: تمام، روحي انتي نامي. تصبحين على خير.
غادرت الخادمة، بينما نهض رفعت يتنهد ثم ذهب إلى حمام غرفته، وآتى بذلك المرهم وتوجه إلى غرفة زينب. فتح الباب كعادته دون استئذان. لم يجد زينب، لكن باب الحمام كان موارباً قليلاً. نظر بداخله، ثم توجه يجلس على أحد مقاعد الغرفة، يتوقع رد فعل زينب حين تراه بضيق.
وها هي زينب بعد قليل خرجت من الحمام ترتدي رداء حمام قصير. أنصدمت حين وجدته يجلس على مقعد بالغرفة يضع ساق فوق أخرى. نظرت له باستغراب قائلة بضيق: خير؟ إيه جابك هنا؟ شايفة رجلك جريت على أوضتي؟ مش قولت قبل كده إنك مبتأكلش من نفس الطبق مرتين وإنك مبتتكيفش مني وإني مش على قد مزاجك.
تبسم هو يراها بهذا الرداء فاتنة. نهض واقفاً وتحدث ببرود عكس لهفته: فعلاً لسه عند رأيي. بس الشغالة قالت لي إنك رقابتك وظهري بيوجعوكِ، قولت أجيب لك المرهم ده. كويس للتشنجات.
ردت بسخرية وهي تأخذ منه المرهم: شكراً. كثر خيرك.
تبسم قائلاً: هتعرفي تدهني رقبتك وظهري بيه؟
صمتت ونظرت له بسخرية. اقترب ووقف خلفها وأخذ المرهم من يدها وأزاح ياقة الرداء عن رقبتها من الخلف ووضع جزء من المرهم على رقبتها. شعرت ببرودة المرهم مما جعل جسدها يرتعش، لكن زالت البرودة حين بدأ بأصابعه يدلك عنقها وبداية ظهرها بمساج خفيف. اختفى الألم الذي كانت تشعر به، لكن هناك شعور آخر يغزو جسدها حين شعرت بأنفاسه الساخنة على رقبتها وشفاهه التي قبلت عنقها. ابتعدت قليلاً، ولكن جذبها بقوة يديرها لتصبح بوجهه، ليلتهم شفتيها في قبلات عاشقة. قبلات مغلفة بألم الماضي الذي يريد نسيانه، ويبدأ من حيث انتهى ذلك الطفل الذي رأت عيناه اشتعال جسد والديه ومعهم أخته.
لكن زينب قاومته قليلاً قبل أن يفاجئها وينحني يحملها ويضعها فوق الفراش يجذب جسدها إليه، يقبلها بلهفة وشغف، يخترق مشاعرها دون إرادة منها كأنها يسلب عقلها الذي غاب للدقائق، إلى أن شعرت بيده التي قامت بفك حزام ردائها وشعرت بملمس يده الساخنة على جسدها، فاقت من سطوته عليها وقامت بدفعه عنها تقول: رفعت ابعد عني كفاية خلاص.
قاطعها رفعت يقول: خلاص إيه؟ أنتِ كمان قررتي تسيبيني؟ زي اللي قبلك.
ردت زينب: أنت اللي بتختار يا رفعت و...
قاطعها رفعت قائلاً: مش أنا اللي بختار بمزاجي. ده قدري يا دكتورة ولازم أمشي فيه للنهاية. بس عندي ليكِ عرض لو وافقتي عليه أوعدك دي تكون آخر ليلة لينا مع بعض.
رغم شعور زينب بغصة قوية بقلبها، لكن الفضول جعلها تقول: وأيه هو العرض ده؟
رفع رفعت جسده عن زينب ونظر لعيناها قائلاً بتوهة ووجع ينتهك قلبه وعقله: الليلة لو قضيتي معايا الليلة أوعدك أحررك مني بعدها.
ذهلت زينب، هذا الهمجي يعرض عليها النهاية؟ ألا يعلم أنها لو سلمت نفسها له الليلة لن تستطيع البعد عنه بعدها، حتى لو تواعد معها بعدها كعادته في المرات السابقة.
صمتت زينب.
بينما نظر رفعت لعيناها بشوق عكس ما يتحدث به. هو يتمناها، لااا هو أصبح يعشقها. ليست مساومة عادلة بالنسبة له.
بينما هي عقلها يفكر في مساومته لها، لو رفضت، لخسرت آخر فرصة لها من تحريره من تلك النيران التي يريد إشعالها وسيكون هو أول المحترقين. ربما مساومة خاسرة منه، لكن هي ستجازف معه وله، ستخرجه من تلك النيران.
بالفعل امتثلت لقوله الذي أعاده: الليلة يا دكتورة قصاد إني أحررك مني.
تفاجئ حين شعر بيدها حول عنقه، عيناها بعيناه وقالت: طالما الليلة وبعدها هرتاح منك، معنديش مانع. كده كده، بعدها هتقول متكيفتش مني، وأنا كمان مش خسرانة، أنا اللي كسبانة.
تبسم ينظر لها تيقن، هي مثلما يريدها هي تريده، لكن، ذلك الكبرياء اللعين هو المتحكم بينهم، لكن لا مانع من مجازفة الآن أفضل من التراجع.
بالفعل هبط بجسده فوق جسدها، طوق شفتيها بشفتيه، ويديها التي كانت تدفعه ليبتعد عنها تشابكت مع يديه، تلاحمت الأجساد، كل منهم يجازف، ليصل لقلب الآخر وهو على يقين أن العشق هو المتملك منهم.
لكن هناك عاصفة هوجاء، ليس ميعادها الآن، لكن لا مفر.
إنخضت زينب من أصوات الطلق الناري. بعفوية منها تشبثت بقوة بجسد رفعت القابع فوقها.
رفع رفعت رأسه من بين حنايا عنقها، ونظر لعيناها، رأى بهم الذعر.
تبسم قائلاً: متخافيش يا دكتورة، ضرب النار لسه بعيد.
لا تعرف لما أعادت التشبث بجسده فوق جسدها. أ لديها خوف عليه؟ لهذه الدرجة.
تحدثت بثبات عكس ذلك الذعر بداخلها قائلة: ومين قالك إني خايفة؟ أنا دكتورة وشوفت قد إيه الموت أقرب من رمشة عين، ومش خايفة أموت، أهو على الأقل هخلص منك.
تبسم قائلاً: بس أنتِ لسه ميعادك مجاش، يا دكتورة.
قال هذا وتنحى من فوقها، وتدحرج ينزل من على الفراش، ثم زحف أرضاً، يرتدي ملابسه مرة أخرى، قائلاً بأمر: متقوميش من على السرير.
قال هذا، وزحف على يديه، وفتح باب ذلك الدولاب وأخذ منه بعض الملابس، وزحف عائداً نحو الفراش، وقام بجذبها، لتنزل من على الفراش، جاثية لجواره. أعطاها الملابس قائلاً: متقفيش، البسي الهدوم دي بسرعة. خلاص صوت ضرب النار بيقرب، أكيد دخلوا للسرايا.
أخذت منه الملابس وبدأت في ارتدائها، ونظرت له وضحكت بهستيريا.
تعجب رفعت من ضحكها قائلاً: بتضحكي على إيه.
قالت وهي مازالت تضحك: أصل السرايا، زي الحصن، بس اللي شوفته، إنها حصن واهي، سهل اختراقه. وأهو بينا وبين الموت خطوة. كنت مفكر إنها زي حصن بابليون.
تبسم قائلاً: البسي حجابك، ومتخافيش، وعد مني مش هيصيبك خدش، أنتِ الوحيدة اللي نيران الزهار هتحميها.
بالفعل ما إن انتهت زينب من تعديل حجابها، توجه رفعت زاحفاً على وقام برفع يديه يلتقط هاتفه من على تلك الطاولة المجاورة للفراش. فتحه سريعاً، لكن للأسف الهاتف ليس به شبكة اتصال. علم أنه أمام فخ مدبر بإتقان. سريعاً ما إن انطفأت الأنوار بالسرايا أيضاً. قام رفعت بفتح كشاف الهاتف وجذب هاتف زينب أيضاً وأضاء الكشاف ونظر لها. لا يعلم تفسير لتلك النظرة التي بعينها. أهي نظرة خوف أم نظرة مؤازرة.
بينما وضعت زينب يدها على كتف رفعت وقالت له: هتعمل إيه؟ واضح إن ملاك الموت بيحوم حوالينا.
رد رفعت: قولت لك متخافيش.
ردت زينب: أنا مش خايفة يا رفعت، مش أول مرة بواجه الموت. بس المرة دي الموت شكله مؤكد، برصاصة من اللي بنسمع صوتهم ده.
رد رفعت: زينب الوقت بدأ. أنا وعدتك وأنا عمري ما خلفت وعد. ازحفي ورايا وأوعي توقفي قبل ما أقول لك أنا.
أومأت زينب رأسها بموافقة، بالفعل بدأت تحبي خلف رفعت إلى أن خرجوا من الغرفة منها إلى ممر طويل متناثر على أرضيته بعض زجاج الشبابيك المهشم من إطلاق الرصاص.
تحدث رفعت: خلي بالك من الإزاز اللي عالأرض. حاولي تتجنبيه.
بالفعل حاولت تجنب شظايا الزجاج إلى أن وصلا إلى نهاية ذلك الممر. وقف رفعت وقام بوضع يده على مكان بالحائط. نظرت زينب بتفاجؤ. الحائط انفتح وظهر باب غرفة زجاجي من خلفه. فتح رفعت الباب ونظر لزينب المتفاجئة قائلاً: بسرعة اقفي وادخلي يا زينب. الوقت خلاص.
بالفعل وقفت زينب سريعاً وذهبت إلى داخل تلك الغرفة السرية. لكن قبل أن تتحدث باستفسار ضمها رفعت بين يديه يحتضنها بقوة ثم قبل شفتيها وأعطى لها هاتفها قائلاً: متأكد إن رامي هيجي لهنا وهو اللي هيطلعك من السرايا. سلام يا زينب سامحيني.
قال رفعت هذا وترك جسد زينب وتوجه يخرج من باب الغرفة. قبل أن تتحدث زينب كان الباب الزجاجي يغلق عليها أوتوماتيكياً. طرقت زينب على الباب بلهفة قائلة: رفعت افتح الباب يا رفعت، رفعت... رفعت... رفعت.
لكن لا رد.
وقف رفعت يتنهد قليلاً ثم خرج من ذلك المكان ووضع يده مرة أخرى على مكان بالحائط لتعود الحائط كما كانت ديكور، وذهب يواجه قدره بمعركة هو على يقين أنه ليس بها وحده، فهناك من سيأتون لإنقاذ زينب سواء كان هو حياً أو ألقى حتفه، هي ستعيش كما وعدها.
إعتذار.
أنا بعتذر عن التأخير ومش بقدم أسباب كدابة. أنا فوني باظ فعلاً. وأحب أقول إن سبب تأخيري في تنزيل الفصول الفترة اللي فاتت مش زي ما البعض قال، وأنا مبقدمش أعذار وهمية. وبالنسبة للي قالوا لي إني خدت مصلحتي لما صوتوا لي في استفتاء الدار، وبعدها بتصنع الأسباب في التأخير. أنا مبتصنعش الأعذار على فكرة. أنا لغاية مش مستفادة حاجة من الكتابة صدقوني. أنا لسه لغاية ممضتش العقد اللي كان اتبعت لي واللي يعتبر ضاع بسبب الفون لأنه ما كنتش نسخت العقد. وكمان لسه مبعتش الوورد المعدل للرواية كمان. يعني تقدروا تقولوا سمك في ميه. الله أعلم هيتم النشر ولا لأ. أنا حالتي النفسية في الحضيض وبحاول أخرج منها، بس الاتهام إني عشان خلاص هنشر ورقي يبقى أتصنع الأعذار وأتدلع مش صحيح. وآخر نقطة صدقوني كانت إن الفون يبوظ في الوقت ده. أنا سبقت وقاومت كذا مرة بعد ضياع أكتر من أكونت ليا على الواتباد. أنا بعد ما حققت سمرائى كنت أخدت قرار الاعتزال. بس صدفة رجعتني تاني برواية جوازة بدل، وأنتم شجعتوني وقتها. مكنش عندي أي متابعين غير القليل اللي متابعني يمكن من أول ما بدأت كتابة خالص. أنا صحيح دخلت الواتباد من فون تاني، بس للأسف معرفش السبب عطل في الفون نفسه، ولا عطل في الواتباد. كل الصفحات بتيجي بيضا مفيش صفحة بتفتح غير الكتابة. بيجي لي إشعارات سواء كانت بكومنتات أو تصويتات بفتح عليها بيطلع لي الشاشة بيضا. بعتذر منكم عالتاخير، وعندي إحساس إن الأسباب اللي بتحصلي الفترة الأخيرة هي لهدف واحد إني أنهي رحلتي مع الكتابة حتى لو مؤقتاً لوقت بعد الرواية دي واللي نفسي قبل منكم تخلص في أسرع وقت.